Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — يوسف 12:73 – يوسف 12:111

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. يوسف 12:73
  2. يوسف 12:74
  3. يوسف 12:75
  4. يوسف 12:76
  5. يوسف 12:77
  6. يوسف 12:78
  7. يوسف 12:79
  8. يوسف 12:80
  9. يوسف 12:81
  10. يوسف 12:82
  11. يوسف 12:83
  12. يوسف 12:84
  13. يوسف 12:85
  14. يوسف 12:86
  15. يوسف 12:87
  16. يوسف 12:88
  17. يوسف 12:89
  18. يوسف 12:90
  19. يوسف 12:91
  20. يوسف 12:92
  21. يوسف 12:93
  22. يوسف 12:94
  23. يوسف 12:95
  24. يوسف 12:96
  25. يوسف 12:97
  26. يوسف 12:98
  27. يوسف 12:99
  28. يوسف 12:100
  29. يوسف 12:101
  30. يوسف 12:102
  31. يوسف 12:103
  32. يوسف 12:104
  33. يوسف 12:105
  34. يوسف 12:106
  35. يوسف 12:107
  36. يوسف 12:108
  37. يوسف 12:109
  38. يوسف 12:110
  39. يوسف 12:111

يوسف 12:73

﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] العِيرُ: الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ عِيرٌ، كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ، وأصْلُها فُعْلٌ كَسَقْفٍ وسُقْفٍ، فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ وعِينٍ، والعِيرُ مُؤَنَّثٌ، وقالُوا في الجَمْعِ: عِيَراتٌ، فَشَذُّوا في جَمْعِهِ بِالألِفِ والتّاءِ، وفي فَتْحِ يائِهِ وقالَ الشّاعِرُ: ؎غَشِيتُ دِيارَ الحَيِّ بِالبَكَراتِ فَعارِمَةٍ فَبَرْقَةِ العِيَراتِ قالَ الأعْلَمُ: هُنا مَواضِعُ الأعْيارِ، وهي الحَمِيرُ. الصُّواعُ: الصّاعُ، وفِيهِ لُغاتٌ تَأْتِي في القُرْآنِ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ. الوِعاءُ: الظَّرْفُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ وتُضَمُّ واوُهُ، ويَجُوزُ أنْ تُبْدَلَ واوُهُ هَمْزَةً. فَتِئَ: مِن أخَواتِ كانَ النّاقِصَةِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: ؎فَما فَتِئَتْ حَيٌّ كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ بُومٍ ذِي رِياحٍ تَرَفَّعُ وقالَ أيْضًا: ؎فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ∗∗∗ ويَلْحَقُ مِنها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ (p-٣٢٧)ويُقالُ فِيها: فَتَأ عَلى وزْنِ ضَرَبَ، وأفْتَأ عَلى وزْنِ أكْرَمَ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى سَكَنَ وأطْفَأ، فَتَكُونُ تامَّةً، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ مِنهُ، صَحَّفَ الثّاءَ بِثَلاثٍ، بِالتّاءِ بِثِنْتَيْنِ مِن فَوْقُ، وشَرَحَها بِسَكَنٍ وأطْفَأ. الحَرَضُ: المُشْفِي عَلى الهَلاكِ يُقالُ: حَرِضَ فَهو حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، حَرَضًا بِفَتْحِها وهو المَصْدَرُ، ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والجَمْعُ، وأحْرَضَهُ المَرَضُ فَهو مُحْرَضٌ قالَ: ؎أرى المَرْءَ كالأزْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ∗∗∗ كَإحْراضِ بَكْرٍ في الدِّيارِ مَرِيضِ وقالَ الآخَرُ: ؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ وقالَ: رَجُلٌ حُرُضٌ بِضَمَّتَيْنِ كَجُنُبٍ وشُلُلٍ. * * ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (p-٣٢٨)رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: هَذا أخُونا قَدْ جِئْناكَ بِهِ، فَقالَ: أحْسَنْتُمْ وأصَبْتُمْ، وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي، فَأنْزَلَهم وأكْرَمَهم، ثُمَّ أضافَهم، وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ، وجَعَلَ يُؤاكِلُهم وقالَ: أنْتُمْ عَشَرَةٌ، فَلْيَنْزِلْ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم بَيْتًا، وهَذا لا ثانِيَ لَهُ فَيَكُونُ مَعِي، فَباتَ يُوسُفُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويَشُمُّ رائِحَتَهُ حَتّى أصْبَحَ، وسَألَهُ عَنْ ولَدِهِ فَقالَ: لِي عَشَرَةُ بَنِينَ اشْتَقَقْتُ أسْماءَهم مِنِ اسْمِ أخٍ لِي هَلَكَ، فَقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ ؟ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ، فَبَكى يُوسُفُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ وقالَ لَهُ: أنا أخُوكَ يُوسُفُ فَلا تَبْتَئِسْ، فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بِنا فِيما مَضى، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا عَلى خَيْرٍ، ولا تُعْلِمُهم بِما أعْلَمْتُكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَعَرَّفَ إلَيْهِ أنَّهُ أخُوهُ، وهو الظّاهِرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، أعْلَمَهُ أنَّهُ أخُوهُ حَقِيقَةً واسْتَكْتَمَهُ، وقالَ لَهُ: لا تُبالِي بِكُلِّ ما تَراهُ مِنَ المَكْرُوهِ في تَحَيُّلِي في أخْذِكَ مِنهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِقَوْلِهِ: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إلى ما يَعْمَلُهُ فِتْيانُ يُوسُفَ مِن أمْرِ السِّقايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. ولا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ بِما يَعْمَلُونَ بِغَيْرٍ كانُوا، لَأمْكَنَ عَلى بُعْدِهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما هو مَعَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وأمّا ذِكْرُ فِتْيانِهِ فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ [يوسف: ٦٢] وقَدْ حالَ بَيْنَهُما قَصَصٌ. (p-٣٢٩)واتَّسَقَ الكَلامُ مَعَ الإخْوَةِ اتِّساقًا لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ عائِدٌ إلَيْهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما كانَ يَلْقى مِنهم قَدِيمًا مِنَ الأذى، إذْ قَدْ أمِنَ مِن ذَلِكَ بِاجْتِماعِهِ بِأخِيهِ يُوسُفَ، وقالَ وهْبٌ: إنَّما أخْبَرَ أنَّهُ أخُوهُ في الوُدِّ مَقامَ أخِيهِ الذّاهِبِ، ولَمْ يَكْشِفْ إلَيْهِ الأمْرَ، بَلْ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ كَسائِرِ إخْوَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ هو يُوسُفُ، ويَظْهَرُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مَلِكًا أنَّهُ لَمْ يُباشِرْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، بَلْ جَعَلَ غَيْرَهُ مِن فِتْيانِهِ، أوْ غَيْرِهِمْ أنْ يَجْعَلَها، وتَقَدَّمَ قَوْلُ وهْبٍ: أنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ لَهُ أنَّهُ أخُوهُ وأنَّهُ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِ يُوسُفَ: أنا لا أُفارِقُكَ قالَ: قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ والِدِي، فَإذا حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسُبَكَ إلى ما لا يُحْمَلُ، قالَ: لا أُبالِي، فافْعَلْ ما بَدا لَكَ، قالَ: فَإنِّي أدُسُّ صاعِي في رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهم، قالَ: فافْعَلْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ، أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا، ثُمَّ أذَّنَ، وفي نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ وجَعَلَ السِّقايَةَ بِزِيادَةِ واوٍ في جَعَلَ دُونَ الزِّيادَةِ الَّتِي زادَها الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَقَدَها حافِظُها، كَما قِيلَ: إنَّما أُوحِيَ إلى يُوسُفَ أنْ يَجْعَلَ السِّقايَةَ فَقَطْ، ثُمَّ إنَّ حافِظَها فَقَدَها، فَنادى بِرَأْيِهِ عَلى ما ظَهَرَ لَهُ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وتَفْتِيشُ الأوْعِيَةِ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَأْذِينَ المُؤَذِّنِ كانَ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ هَذا الجَعْلُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِن بِنْيامِينَ، وما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ بِعِلْمٍ مِنهُ. وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: السِّقايَةُ إناءٌ يَشْرَبُ بِهِ المَلِكُ، وبِهِ كانَ يُكالُ الطَّعامُ لِلنّاسِ، وقِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تَسْقِي بِها ويُكالُ بِها، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الصُّواعُ هو مِثْلُ المَكُّوكِ الفارِسِيِّ، وكانَ إناءُ يُوسُفَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ، وكانَ إلى الطُّولِ ماهِرٌ، قالَ: وحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الصُّواعُ المَكُّوكُ الفارِسِيُّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ، كانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأعاجِمُ، والسِّقايَةُ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، أوْ نُحاسٍ، أوْ مِسْكٍ، أوْ كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ. أقْوالٌ؛ أوَّلُها لِلْجُمْهُورِ، ولِعِزَّةِ الطَّعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قَصَرَ كَيْلُهُ عَلى ذَلِكَ الإناءِ. ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أيْ: نادى مُنادٍ، أذَّنَ: أعْلَمَ، وآذَنَ أكْثَرَ الإعْلامَ، ومِنهُ المُؤَذِّنُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنهُ، و”ثُمَّ“ تَقْتَضِي مُهْلَةً بَيْنَ جَعْلِ السِّقايَةِ والتَّأْذِينِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا فَصَلَتِ العِيرُ بِأوْقارِها وخَرَجُوا مِن مِصْرَ أُدْرَكُوا وقِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: قَبْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ أُمِرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا، وأذَّنَ مُؤَذِّنٌ، والظّاهِرُ وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ العِيرَ الإبِلُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ دَوابُّهم حَمِيرًا، ومُناداةُ العِيرِ والمُرادُ أصْحابُها كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ فَرُوعِيَ المَحْذُوفُ، ولَمْ يُراعَ العِيرُ كَما رُوعِيَ في ارْكَبِي، وفي قَوْلِهِ: ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢] ويَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ العِيرُ عَلى القافِلَةِ، أوِ الرُّفْقَةِ، فَلا يَكُونُ مِن مَجازِ الحَذْفِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّحَيُّلَ، ورَمْيَ أبْرِياءٍ بِالسَّرِقَةِ، وإدْخالَ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ، بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ؛ لَمّا عَلِمَ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الصَّلاحِ، ولَمّا أرادَ مِن مِحْنَتِهِمْ بِذَلِكَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] . وقِيلَ: لَمّا كانُوا باعُوا يُوسُفَ اسْتُجِيزَ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، ونِسْبَةُ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا وإنْ كانَ الصُّواعُ إنَّما وُجِدَ في رَحْلِ واحِدٍ مِنهم كَما تَقُولُ: بَنُو فُلانٍ فَتَلُوا فُلانًا، والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم (قالُوا) أيْ: إخْوَةُ يُوسُفَ (وأقْبَلُوا) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: وقَدْ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى طالِبِيِ السِّقايَةِ، أوْ عَلى المُؤَذِّنِ إنْ كانَ أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، كَأنَّهُ جَعَلَ مُؤَذِّنِينَ يُنادُونَ، وساءَهم أنْ يُرْمَوْا بِهَذِهِ المَثْلَبَةِ، وقالُوا: ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ لِيَقَعَ التَّفْتِيشُ فَتَظْهَرُ بَراءَتُهم ؟ ولَمْ يَلُوذُوا بِالإنْكارِ مِن أوَّلُ، بَلْ سَألُوا كَمالَ الدَّعْوى رَجاءَ أنْ يَكُونَ فِيها ما (p-٣٣٠)تُبْطَلُ بِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى خِصامٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ (ماذا) اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَفْقِدُونَ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”ما“ وحْدَها اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و”ذا“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْ ”ما“ و(تَفْقِدُونَ) صِلَةٌ لِذا، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: تَفْقِدُونَهُ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا نَحْوَ: أحَمَدْتُهُ إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وجْهُها ما ذَكَرْناهُ. وصُواعُ المَلِكِ هو المِكْيالُ، وهو السِّقايَةُ سَمّاهُ أوَّلًا بِإحْدى جِهَتَيْهِ، وآخِرًا بِالثّانِيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُواعَ) بِضَمِّ الصّادِ بَعْدَها واوٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَها ألِفٌ بَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلابْنُ عَطِيَّةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الصّادَ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٌ: (صاعَ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى وزْنِ فَعَلَ، فالألِفُ فِيها بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (صَوْعَ) عَلى وزْنِ قَوْسٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أبِي أرْطَبانَ: (صُوَعَ) بِضَمِّ الصّادِ، وكُلُّها لُغاتٌ في الصّاعِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ عَنْهُما صاحِبُ اللَوامِحِ: (صُواغَ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ غُرابٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ يَحْذِفُ الألِفَ ويُسَكِّنُ الواوَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (صَوْغَ) مَصْدَرُ صاغٍ، وصُواغٌ وصَوْغٌ مُشْتَقّانِ مِنَ الصَّوْغِ مَصْدَرُ صاغَ يَصُوغُ، أُقِيما مَقامَ المَفْعُولِ بِمَعْنى مَصُوغِ المَلِكِ. (ولِمَن جاءَ بِهِ) أيْ: ولِمَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ، وهَذا جَعْلٌ وأنابَهُ زَعِيمٌ مِن كَلامِ المُؤَذِّنِ، وأنا بِحَمْلِ البَعِيرِ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى ما جاءَ بِهِ، وأرادَ بِهِ وسَقَ بَعِيرٍ مِن طَعامٍ جَعْلًا لِمَن حَصَّلَهُ، قالُوا: تاللَّهِ، أقْسَمُوا بِالتّاءِ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، لِأنَّها تَكُونُ فِيها التَّعَجُّبُ غالِبًا كَأنَّهم عَجِبُوا مِن رَمْيِهِمْ بِهَذا الأمْرِ، ورُوِيَ أنَّهم رَدُّوا البِضاعَةَ الَّتِي وجَدُوها في الطَّعامِ وتَحَرَّجُوا مِن أكْلِ الطَّعامِ بِلا ثَمَنٍ، وكانُوا قَدِ اشْتُهِرُوا بِمِصْرَ بِصَلاحٍ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأكَمَةَ في أفْواهِ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ زُرُوعَ النّاسِ، فَأقْسَمُوا عَلى إثْباتِ شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوهُ مِنهم، وهو أنَّكم قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مَجِيئَنا لَمْ يَكُنْ لِفَسادٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا الإخْبارَ عَنْ نَفْيِ صِفَةِ السَّرِقَةِ عَنْهم، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ مِنهم قَطُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ جَوابِ القَسَمِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (لَقَدْ عَلِمْتُمْ)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، كَما أُبْدِلَتْ في تُراثٍ، وفي التَّوْراةِ، والتُّخْمَةِ، ولا تَدْخُلُ التّاءُ في القَسَمِ إلّا في المَكْتُوبَةِ مِن بَيْنِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ لا تَقُولُ: تالرَّحْمَنِ، ولا تالرَّحِيمِ، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، فَهو قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وخالَفَهُمُ السُّهَيْلِيُّ فَزَعَمَ أنَّها أصْلٌ بِنَفْسِها ولَيْسَتْ بَدَلًا مِن واوٍ، وهو الصَّحِيحُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: وفي التَّوْراةِ فَعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ الأصْلَ، ووَراهُ مِن ورى الزَّنْدِ. ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ التّاءَ زائِدَةٌ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: ولا تَدْخُلُ إلى آخِرِهِ فَقَدْ حُكِيَ عَنِ العَرَبِ دُخُولَها عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، وعَلى حَياتِكَ، قالُوا: تَرَبِّ الكَعْبَةِ، وتالرَّحْمَنِ، وتَحِيّاتِكَ، والخِطابُ في (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) لِطالِبِي الصُّواعِ، والضَّمِيرُ في (جَزاؤُهُ) عائِدٌ عَلى السّارِقِ، فَما جَزاءُ السّارِقِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قَوْلِكم: ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لَهُ ؟ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَما جَزاؤُهُ) الضَّمِيرُ (p-٣٣١)لِلصُّواعِ أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَتِهِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في جُحُودِكم وادِّعائِكُمُ البَراءَةَ مِنهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: هو الظّاهِرُ لِاتِّحادِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ إذِ التَّقْدِيرُ إذْ ذاكَ قالَ: جَزاءُ الصّاعِ؛ أيْ: سَرِقَتُهُ مَن وُجِدَ الصّاعُ في رَحْلِهِ، وقَوْلُهم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ كَلامُ مَن لَمْ يَشُكَّ أنَّهم بُرَآءُ مِمّا رُمُوا بِهِ، ولِاعْتِقادِهِمُ البَراءَةَ عَلَّقُوا الحُكْمَ عَلى وِجْدانِ الصّاعِ لا عَلى سَرِقَتِهِ، فَكَأنَّهم يَقُولُونَ: لا يُمْكِنُ أنْ نَسْرِقَ، لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ الصّاعُ في رِحالِنا، وكانَ في دِينِ يَعْقُوبَ اسْتِعْبادُ السّارِقِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُنَّةٌ، وكانَ في دِينِ مِصْرَ أنْ يُضْرَبَ ويُضَعَّفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ، ولِذَلِكَ أجابُوا عَلى شَرِيعَتِهِمْ، وجَوَّزُوا، في إعْرابِ هَذا الكَلامِ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، و(مَن) شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانٍ (فَهو جَزاؤُهُ) جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ خَبَرُ ”ما“ المَوْصُولَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (مَن وُجِدَ) إلى آخِرِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والضَّمِيرُ في قالُوا: (جَزاؤُهُ) لِلسّارِقِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَصِحُّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرَ (جَزاؤُهُ) مِن رابِطٍ، الثّانِي: أنَّ المَعْنى قالُوا: جَزاءُ سَرِقَتِهِ، ويَكُونُ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ فِيها مَقامُ المُضْمَرِ، والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، فَهو هو. فَمَوْضِعُ الجَزاءِ مَوْضِعُ هو، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: مَن أخُو زَيْدٍ ؟ فَتَقُولُ: أخُوهُ مَن يَقْعُدُ إلى جَنْبِهِ، فَهو هو يَرْجِعُ الضَّمِيرُ الأوَّلُ إلى مَن، والثّانِي إلى الأخِ، ثُمَّ تَقُولُ: فَهو أخُوهُ مُقِيمًا لِلْمُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلرَّبْطِ إنَّما هو فَصِيحٌ في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، وغَيْرُ فَصِيحٍ فِيما سِوى ذَلِكَ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ زَيْدٌ، ويُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَوْ قُلْتَ كانَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ ضِدَّ الكَلامِ، وكانَ هاهُنا ضَعِيفًا، ولَمْ يَكُنْ كَقَوْلِكَ: ما زَيْدٌ مُنْطَلِقًا هو، لِأنَّكَ قَدِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ إظْهارِهِ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُضْمِرَ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، ثُمَّ أفْتُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ كَما تَقُولُ: مَن يَسْتَفْتِي في جَزاءِ صَيْدِ الحَرَمِ جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ، ثُمَّ تَقُولُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مُتَكَلِّفٌ؛ إذْ تَصِيرُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: (فَما جَزاؤُهُ) أنَّ الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ جَزاءُ سَرِقَتِهِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في نُطْقِهِمْ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المِثالِ الَّذِي مُثِّلَ بِهِ مِن قَوْلِ المُسْتَفْتِي. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً؛ أيْ: جَزاءُ سَرِقَةِ الصّاعِ، والخَبَرُ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ أيْ: أُخِذَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ. وقَوْلُهم: (فَهو جَزاؤُهُ) تَقْرِيرٌ لِحُكْمٍ؛ أيْ: فَأخْذُ السّارِقِ نَفْسِهِ هو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ، كَقَوْلِكَ: حَقُّ زَيْدٍ أنْ يُكْسى ويُطْعَمَ ويُنْعَمَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَزاؤُهُ، أوْ فَهو حَقُّهُ، لِتُقَرِّرَ ما ذَكَرْتُهُ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ القَوْلَ الواحِدَ قَوْلَيْنِ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (مَن) خَبَرًا عَلى أنَّ المَعْنى جَزاءُ السّارِقِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ عائِدٌ عَلى ”مَن“ ويَكُونُ قَوْلُهُ: (فَهو جَزاؤُهُ) زِيادَةَ بَيانٍ وتَأْكِيدٍ، ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، ثُمَّ يُؤَكِّدُ بِقَوْلِهِ: (فَهو جَزاؤُهُ) وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ أبْرَزَ المُضافَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وفِيما قَبْلَهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ؛ لِأنَّ الذّاتَ لا تَكُونُ خَبَرًا عَنِ المَصْدَرِ، فالتَّقْدِيرُ في القَوْلِ قَبْلَهُ: جَزاؤُهُ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، أوِ اسْتِرْقاقُ هَذا لا بُدَّ مِنهُ عَلى هَذا الإعْرابِ، وهَذا الوَجْهُ هو أحْسَنُ الوُجُوهِ، وأبْعَدُها مِنَ التَّكَلُّفِ. (كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ الجَزاءِ، وهو الِاسْتِرْقاقُ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِالسَّرِقَةِ وهو دِينُنا وسُنَّتُنا في أهْلِ السَّرِقَةِ.

يوسف 12:74

﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] العِيرُ: الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ عِيرٌ، كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ، وأصْلُها فُعْلٌ كَسَقْفٍ وسُقْفٍ، فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ وعِينٍ، والعِيرُ مُؤَنَّثٌ، وقالُوا في الجَمْعِ: عِيَراتٌ، فَشَذُّوا في جَمْعِهِ بِالألِفِ والتّاءِ، وفي فَتْحِ يائِهِ وقالَ الشّاعِرُ: ؎غَشِيتُ دِيارَ الحَيِّ بِالبَكَراتِ فَعارِمَةٍ فَبَرْقَةِ العِيَراتِ قالَ الأعْلَمُ: هُنا مَواضِعُ الأعْيارِ، وهي الحَمِيرُ. الصُّواعُ: الصّاعُ، وفِيهِ لُغاتٌ تَأْتِي في القُرْآنِ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ. الوِعاءُ: الظَّرْفُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ وتُضَمُّ واوُهُ، ويَجُوزُ أنْ تُبْدَلَ واوُهُ هَمْزَةً. فَتِئَ: مِن أخَواتِ كانَ النّاقِصَةِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: ؎فَما فَتِئَتْ حَيٌّ كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ بُومٍ ذِي رِياحٍ تَرَفَّعُ وقالَ أيْضًا: ؎فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ∗∗∗ ويَلْحَقُ مِنها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ (p-٣٢٧)ويُقالُ فِيها: فَتَأ عَلى وزْنِ ضَرَبَ، وأفْتَأ عَلى وزْنِ أكْرَمَ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى سَكَنَ وأطْفَأ، فَتَكُونُ تامَّةً، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ مِنهُ، صَحَّفَ الثّاءَ بِثَلاثٍ، بِالتّاءِ بِثِنْتَيْنِ مِن فَوْقُ، وشَرَحَها بِسَكَنٍ وأطْفَأ. الحَرَضُ: المُشْفِي عَلى الهَلاكِ يُقالُ: حَرِضَ فَهو حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، حَرَضًا بِفَتْحِها وهو المَصْدَرُ، ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والجَمْعُ، وأحْرَضَهُ المَرَضُ فَهو مُحْرَضٌ قالَ: ؎أرى المَرْءَ كالأزْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ∗∗∗ كَإحْراضِ بَكْرٍ في الدِّيارِ مَرِيضِ وقالَ الآخَرُ: ؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ وقالَ: رَجُلٌ حُرُضٌ بِضَمَّتَيْنِ كَجُنُبٍ وشُلُلٍ. * * ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (p-٣٢٨)رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: هَذا أخُونا قَدْ جِئْناكَ بِهِ، فَقالَ: أحْسَنْتُمْ وأصَبْتُمْ، وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي، فَأنْزَلَهم وأكْرَمَهم، ثُمَّ أضافَهم، وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ، وجَعَلَ يُؤاكِلُهم وقالَ: أنْتُمْ عَشَرَةٌ، فَلْيَنْزِلْ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم بَيْتًا، وهَذا لا ثانِيَ لَهُ فَيَكُونُ مَعِي، فَباتَ يُوسُفُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويَشُمُّ رائِحَتَهُ حَتّى أصْبَحَ، وسَألَهُ عَنْ ولَدِهِ فَقالَ: لِي عَشَرَةُ بَنِينَ اشْتَقَقْتُ أسْماءَهم مِنِ اسْمِ أخٍ لِي هَلَكَ، فَقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ ؟ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ، فَبَكى يُوسُفُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ وقالَ لَهُ: أنا أخُوكَ يُوسُفُ فَلا تَبْتَئِسْ، فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بِنا فِيما مَضى، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا عَلى خَيْرٍ، ولا تُعْلِمُهم بِما أعْلَمْتُكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَعَرَّفَ إلَيْهِ أنَّهُ أخُوهُ، وهو الظّاهِرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، أعْلَمَهُ أنَّهُ أخُوهُ حَقِيقَةً واسْتَكْتَمَهُ، وقالَ لَهُ: لا تُبالِي بِكُلِّ ما تَراهُ مِنَ المَكْرُوهِ في تَحَيُّلِي في أخْذِكَ مِنهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِقَوْلِهِ: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إلى ما يَعْمَلُهُ فِتْيانُ يُوسُفَ مِن أمْرِ السِّقايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. ولا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ بِما يَعْمَلُونَ بِغَيْرٍ كانُوا، لَأمْكَنَ عَلى بُعْدِهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما هو مَعَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وأمّا ذِكْرُ فِتْيانِهِ فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ [يوسف: ٦٢] وقَدْ حالَ بَيْنَهُما قَصَصٌ. (p-٣٢٩)واتَّسَقَ الكَلامُ مَعَ الإخْوَةِ اتِّساقًا لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ عائِدٌ إلَيْهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما كانَ يَلْقى مِنهم قَدِيمًا مِنَ الأذى، إذْ قَدْ أمِنَ مِن ذَلِكَ بِاجْتِماعِهِ بِأخِيهِ يُوسُفَ، وقالَ وهْبٌ: إنَّما أخْبَرَ أنَّهُ أخُوهُ في الوُدِّ مَقامَ أخِيهِ الذّاهِبِ، ولَمْ يَكْشِفْ إلَيْهِ الأمْرَ، بَلْ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ كَسائِرِ إخْوَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ هو يُوسُفُ، ويَظْهَرُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مَلِكًا أنَّهُ لَمْ يُباشِرْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، بَلْ جَعَلَ غَيْرَهُ مِن فِتْيانِهِ، أوْ غَيْرِهِمْ أنْ يَجْعَلَها، وتَقَدَّمَ قَوْلُ وهْبٍ: أنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ لَهُ أنَّهُ أخُوهُ وأنَّهُ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِ يُوسُفَ: أنا لا أُفارِقُكَ قالَ: قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ والِدِي، فَإذا حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسُبَكَ إلى ما لا يُحْمَلُ، قالَ: لا أُبالِي، فافْعَلْ ما بَدا لَكَ، قالَ: فَإنِّي أدُسُّ صاعِي في رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهم، قالَ: فافْعَلْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ، أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا، ثُمَّ أذَّنَ، وفي نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ وجَعَلَ السِّقايَةَ بِزِيادَةِ واوٍ في جَعَلَ دُونَ الزِّيادَةِ الَّتِي زادَها الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَقَدَها حافِظُها، كَما قِيلَ: إنَّما أُوحِيَ إلى يُوسُفَ أنْ يَجْعَلَ السِّقايَةَ فَقَطْ، ثُمَّ إنَّ حافِظَها فَقَدَها، فَنادى بِرَأْيِهِ عَلى ما ظَهَرَ لَهُ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وتَفْتِيشُ الأوْعِيَةِ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَأْذِينَ المُؤَذِّنِ كانَ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ هَذا الجَعْلُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِن بِنْيامِينَ، وما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ بِعِلْمٍ مِنهُ. وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: السِّقايَةُ إناءٌ يَشْرَبُ بِهِ المَلِكُ، وبِهِ كانَ يُكالُ الطَّعامُ لِلنّاسِ، وقِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تَسْقِي بِها ويُكالُ بِها، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الصُّواعُ هو مِثْلُ المَكُّوكِ الفارِسِيِّ، وكانَ إناءُ يُوسُفَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ، وكانَ إلى الطُّولِ ماهِرٌ، قالَ: وحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الصُّواعُ المَكُّوكُ الفارِسِيُّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ، كانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأعاجِمُ، والسِّقايَةُ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، أوْ نُحاسٍ، أوْ مِسْكٍ، أوْ كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ. أقْوالٌ؛ أوَّلُها لِلْجُمْهُورِ، ولِعِزَّةِ الطَّعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قَصَرَ كَيْلُهُ عَلى ذَلِكَ الإناءِ. ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أيْ: نادى مُنادٍ، أذَّنَ: أعْلَمَ، وآذَنَ أكْثَرَ الإعْلامَ، ومِنهُ المُؤَذِّنُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنهُ، و”ثُمَّ“ تَقْتَضِي مُهْلَةً بَيْنَ جَعْلِ السِّقايَةِ والتَّأْذِينِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا فَصَلَتِ العِيرُ بِأوْقارِها وخَرَجُوا مِن مِصْرَ أُدْرَكُوا وقِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: قَبْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ أُمِرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا، وأذَّنَ مُؤَذِّنٌ، والظّاهِرُ وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ العِيرَ الإبِلُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ دَوابُّهم حَمِيرًا، ومُناداةُ العِيرِ والمُرادُ أصْحابُها كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ فَرُوعِيَ المَحْذُوفُ، ولَمْ يُراعَ العِيرُ كَما رُوعِيَ في ارْكَبِي، وفي قَوْلِهِ: ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢] ويَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ العِيرُ عَلى القافِلَةِ، أوِ الرُّفْقَةِ، فَلا يَكُونُ مِن مَجازِ الحَذْفِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّحَيُّلَ، ورَمْيَ أبْرِياءٍ بِالسَّرِقَةِ، وإدْخالَ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ، بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ؛ لَمّا عَلِمَ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الصَّلاحِ، ولَمّا أرادَ مِن مِحْنَتِهِمْ بِذَلِكَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] . وقِيلَ: لَمّا كانُوا باعُوا يُوسُفَ اسْتُجِيزَ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، ونِسْبَةُ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا وإنْ كانَ الصُّواعُ إنَّما وُجِدَ في رَحْلِ واحِدٍ مِنهم كَما تَقُولُ: بَنُو فُلانٍ فَتَلُوا فُلانًا، والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم (قالُوا) أيْ: إخْوَةُ يُوسُفَ (وأقْبَلُوا) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: وقَدْ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى طالِبِيِ السِّقايَةِ، أوْ عَلى المُؤَذِّنِ إنْ كانَ أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، كَأنَّهُ جَعَلَ مُؤَذِّنِينَ يُنادُونَ، وساءَهم أنْ يُرْمَوْا بِهَذِهِ المَثْلَبَةِ، وقالُوا: ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ لِيَقَعَ التَّفْتِيشُ فَتَظْهَرُ بَراءَتُهم ؟ ولَمْ يَلُوذُوا بِالإنْكارِ مِن أوَّلُ، بَلْ سَألُوا كَمالَ الدَّعْوى رَجاءَ أنْ يَكُونَ فِيها ما (p-٣٣٠)تُبْطَلُ بِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى خِصامٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ (ماذا) اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَفْقِدُونَ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”ما“ وحْدَها اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و”ذا“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْ ”ما“ و(تَفْقِدُونَ) صِلَةٌ لِذا، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: تَفْقِدُونَهُ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا نَحْوَ: أحَمَدْتُهُ إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وجْهُها ما ذَكَرْناهُ. وصُواعُ المَلِكِ هو المِكْيالُ، وهو السِّقايَةُ سَمّاهُ أوَّلًا بِإحْدى جِهَتَيْهِ، وآخِرًا بِالثّانِيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُواعَ) بِضَمِّ الصّادِ بَعْدَها واوٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَها ألِفٌ بَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلابْنُ عَطِيَّةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الصّادَ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٌ: (صاعَ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى وزْنِ فَعَلَ، فالألِفُ فِيها بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (صَوْعَ) عَلى وزْنِ قَوْسٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أبِي أرْطَبانَ: (صُوَعَ) بِضَمِّ الصّادِ، وكُلُّها لُغاتٌ في الصّاعِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ عَنْهُما صاحِبُ اللَوامِحِ: (صُواغَ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ غُرابٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ يَحْذِفُ الألِفَ ويُسَكِّنُ الواوَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (صَوْغَ) مَصْدَرُ صاغٍ، وصُواغٌ وصَوْغٌ مُشْتَقّانِ مِنَ الصَّوْغِ مَصْدَرُ صاغَ يَصُوغُ، أُقِيما مَقامَ المَفْعُولِ بِمَعْنى مَصُوغِ المَلِكِ. (ولِمَن جاءَ بِهِ) أيْ: ولِمَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ، وهَذا جَعْلٌ وأنابَهُ زَعِيمٌ مِن كَلامِ المُؤَذِّنِ، وأنا بِحَمْلِ البَعِيرِ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى ما جاءَ بِهِ، وأرادَ بِهِ وسَقَ بَعِيرٍ مِن طَعامٍ جَعْلًا لِمَن حَصَّلَهُ، قالُوا: تاللَّهِ، أقْسَمُوا بِالتّاءِ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، لِأنَّها تَكُونُ فِيها التَّعَجُّبُ غالِبًا كَأنَّهم عَجِبُوا مِن رَمْيِهِمْ بِهَذا الأمْرِ، ورُوِيَ أنَّهم رَدُّوا البِضاعَةَ الَّتِي وجَدُوها في الطَّعامِ وتَحَرَّجُوا مِن أكْلِ الطَّعامِ بِلا ثَمَنٍ، وكانُوا قَدِ اشْتُهِرُوا بِمِصْرَ بِصَلاحٍ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأكَمَةَ في أفْواهِ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ زُرُوعَ النّاسِ، فَأقْسَمُوا عَلى إثْباتِ شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوهُ مِنهم، وهو أنَّكم قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مَجِيئَنا لَمْ يَكُنْ لِفَسادٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا الإخْبارَ عَنْ نَفْيِ صِفَةِ السَّرِقَةِ عَنْهم، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ مِنهم قَطُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ جَوابِ القَسَمِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (لَقَدْ عَلِمْتُمْ)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، كَما أُبْدِلَتْ في تُراثٍ، وفي التَّوْراةِ، والتُّخْمَةِ، ولا تَدْخُلُ التّاءُ في القَسَمِ إلّا في المَكْتُوبَةِ مِن بَيْنِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ لا تَقُولُ: تالرَّحْمَنِ، ولا تالرَّحِيمِ، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، فَهو قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وخالَفَهُمُ السُّهَيْلِيُّ فَزَعَمَ أنَّها أصْلٌ بِنَفْسِها ولَيْسَتْ بَدَلًا مِن واوٍ، وهو الصَّحِيحُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: وفي التَّوْراةِ فَعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ الأصْلَ، ووَراهُ مِن ورى الزَّنْدِ. ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ التّاءَ زائِدَةٌ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: ولا تَدْخُلُ إلى آخِرِهِ فَقَدْ حُكِيَ عَنِ العَرَبِ دُخُولَها عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، وعَلى حَياتِكَ، قالُوا: تَرَبِّ الكَعْبَةِ، وتالرَّحْمَنِ، وتَحِيّاتِكَ، والخِطابُ في (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) لِطالِبِي الصُّواعِ، والضَّمِيرُ في (جَزاؤُهُ) عائِدٌ عَلى السّارِقِ، فَما جَزاءُ السّارِقِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قَوْلِكم: ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لَهُ ؟ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَما جَزاؤُهُ) الضَّمِيرُ (p-٣٣١)لِلصُّواعِ أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَتِهِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في جُحُودِكم وادِّعائِكُمُ البَراءَةَ مِنهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: هو الظّاهِرُ لِاتِّحادِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ إذِ التَّقْدِيرُ إذْ ذاكَ قالَ: جَزاءُ الصّاعِ؛ أيْ: سَرِقَتُهُ مَن وُجِدَ الصّاعُ في رَحْلِهِ، وقَوْلُهم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ كَلامُ مَن لَمْ يَشُكَّ أنَّهم بُرَآءُ مِمّا رُمُوا بِهِ، ولِاعْتِقادِهِمُ البَراءَةَ عَلَّقُوا الحُكْمَ عَلى وِجْدانِ الصّاعِ لا عَلى سَرِقَتِهِ، فَكَأنَّهم يَقُولُونَ: لا يُمْكِنُ أنْ نَسْرِقَ، لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ الصّاعُ في رِحالِنا، وكانَ في دِينِ يَعْقُوبَ اسْتِعْبادُ السّارِقِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُنَّةٌ، وكانَ في دِينِ مِصْرَ أنْ يُضْرَبَ ويُضَعَّفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ، ولِذَلِكَ أجابُوا عَلى شَرِيعَتِهِمْ، وجَوَّزُوا، في إعْرابِ هَذا الكَلامِ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، و(مَن) شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانٍ (فَهو جَزاؤُهُ) جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ خَبَرُ ”ما“ المَوْصُولَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (مَن وُجِدَ) إلى آخِرِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والضَّمِيرُ في قالُوا: (جَزاؤُهُ) لِلسّارِقِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَصِحُّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرَ (جَزاؤُهُ) مِن رابِطٍ، الثّانِي: أنَّ المَعْنى قالُوا: جَزاءُ سَرِقَتِهِ، ويَكُونُ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ فِيها مَقامُ المُضْمَرِ، والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، فَهو هو. فَمَوْضِعُ الجَزاءِ مَوْضِعُ هو، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: مَن أخُو زَيْدٍ ؟ فَتَقُولُ: أخُوهُ مَن يَقْعُدُ إلى جَنْبِهِ، فَهو هو يَرْجِعُ الضَّمِيرُ الأوَّلُ إلى مَن، والثّانِي إلى الأخِ، ثُمَّ تَقُولُ: فَهو أخُوهُ مُقِيمًا لِلْمُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلرَّبْطِ إنَّما هو فَصِيحٌ في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، وغَيْرُ فَصِيحٍ فِيما سِوى ذَلِكَ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ زَيْدٌ، ويُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَوْ قُلْتَ كانَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ ضِدَّ الكَلامِ، وكانَ هاهُنا ضَعِيفًا، ولَمْ يَكُنْ كَقَوْلِكَ: ما زَيْدٌ مُنْطَلِقًا هو، لِأنَّكَ قَدِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ إظْهارِهِ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُضْمِرَ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، ثُمَّ أفْتُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ كَما تَقُولُ: مَن يَسْتَفْتِي في جَزاءِ صَيْدِ الحَرَمِ جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ، ثُمَّ تَقُولُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مُتَكَلِّفٌ؛ إذْ تَصِيرُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: (فَما جَزاؤُهُ) أنَّ الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ جَزاءُ سَرِقَتِهِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في نُطْقِهِمْ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المِثالِ الَّذِي مُثِّلَ بِهِ مِن قَوْلِ المُسْتَفْتِي. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً؛ أيْ: جَزاءُ سَرِقَةِ الصّاعِ، والخَبَرُ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ أيْ: أُخِذَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ. وقَوْلُهم: (فَهو جَزاؤُهُ) تَقْرِيرٌ لِحُكْمٍ؛ أيْ: فَأخْذُ السّارِقِ نَفْسِهِ هو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ، كَقَوْلِكَ: حَقُّ زَيْدٍ أنْ يُكْسى ويُطْعَمَ ويُنْعَمَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَزاؤُهُ، أوْ فَهو حَقُّهُ، لِتُقَرِّرَ ما ذَكَرْتُهُ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ القَوْلَ الواحِدَ قَوْلَيْنِ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (مَن) خَبَرًا عَلى أنَّ المَعْنى جَزاءُ السّارِقِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ عائِدٌ عَلى ”مَن“ ويَكُونُ قَوْلُهُ: (فَهو جَزاؤُهُ) زِيادَةَ بَيانٍ وتَأْكِيدٍ، ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، ثُمَّ يُؤَكِّدُ بِقَوْلِهِ: (فَهو جَزاؤُهُ) وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ أبْرَزَ المُضافَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وفِيما قَبْلَهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ؛ لِأنَّ الذّاتَ لا تَكُونُ خَبَرًا عَنِ المَصْدَرِ، فالتَّقْدِيرُ في القَوْلِ قَبْلَهُ: جَزاؤُهُ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، أوِ اسْتِرْقاقُ هَذا لا بُدَّ مِنهُ عَلى هَذا الإعْرابِ، وهَذا الوَجْهُ هو أحْسَنُ الوُجُوهِ، وأبْعَدُها مِنَ التَّكَلُّفِ. (كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ الجَزاءِ، وهو الِاسْتِرْقاقُ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِالسَّرِقَةِ وهو دِينُنا وسُنَّتُنا في أهْلِ السَّرِقَةِ.

يوسف 12:75

﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] العِيرُ: الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ عِيرٌ، كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ، وأصْلُها فُعْلٌ كَسَقْفٍ وسُقْفٍ، فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ وعِينٍ، والعِيرُ مُؤَنَّثٌ، وقالُوا في الجَمْعِ: عِيَراتٌ، فَشَذُّوا في جَمْعِهِ بِالألِفِ والتّاءِ، وفي فَتْحِ يائِهِ وقالَ الشّاعِرُ: ؎غَشِيتُ دِيارَ الحَيِّ بِالبَكَراتِ فَعارِمَةٍ فَبَرْقَةِ العِيَراتِ قالَ الأعْلَمُ: هُنا مَواضِعُ الأعْيارِ، وهي الحَمِيرُ. الصُّواعُ: الصّاعُ، وفِيهِ لُغاتٌ تَأْتِي في القُرْآنِ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ. الوِعاءُ: الظَّرْفُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ وتُضَمُّ واوُهُ، ويَجُوزُ أنْ تُبْدَلَ واوُهُ هَمْزَةً. فَتِئَ: مِن أخَواتِ كانَ النّاقِصَةِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: ؎فَما فَتِئَتْ حَيٌّ كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ بُومٍ ذِي رِياحٍ تَرَفَّعُ وقالَ أيْضًا: ؎فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ∗∗∗ ويَلْحَقُ مِنها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ (p-٣٢٧)ويُقالُ فِيها: فَتَأ عَلى وزْنِ ضَرَبَ، وأفْتَأ عَلى وزْنِ أكْرَمَ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى سَكَنَ وأطْفَأ، فَتَكُونُ تامَّةً، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ مِنهُ، صَحَّفَ الثّاءَ بِثَلاثٍ، بِالتّاءِ بِثِنْتَيْنِ مِن فَوْقُ، وشَرَحَها بِسَكَنٍ وأطْفَأ. الحَرَضُ: المُشْفِي عَلى الهَلاكِ يُقالُ: حَرِضَ فَهو حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، حَرَضًا بِفَتْحِها وهو المَصْدَرُ، ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والجَمْعُ، وأحْرَضَهُ المَرَضُ فَهو مُحْرَضٌ قالَ: ؎أرى المَرْءَ كالأزْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ∗∗∗ كَإحْراضِ بَكْرٍ في الدِّيارِ مَرِيضِ وقالَ الآخَرُ: ؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ وقالَ: رَجُلٌ حُرُضٌ بِضَمَّتَيْنِ كَجُنُبٍ وشُلُلٍ. * * ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (p-٣٢٨)رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: هَذا أخُونا قَدْ جِئْناكَ بِهِ، فَقالَ: أحْسَنْتُمْ وأصَبْتُمْ، وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي، فَأنْزَلَهم وأكْرَمَهم، ثُمَّ أضافَهم، وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ، وجَعَلَ يُؤاكِلُهم وقالَ: أنْتُمْ عَشَرَةٌ، فَلْيَنْزِلْ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم بَيْتًا، وهَذا لا ثانِيَ لَهُ فَيَكُونُ مَعِي، فَباتَ يُوسُفُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويَشُمُّ رائِحَتَهُ حَتّى أصْبَحَ، وسَألَهُ عَنْ ولَدِهِ فَقالَ: لِي عَشَرَةُ بَنِينَ اشْتَقَقْتُ أسْماءَهم مِنِ اسْمِ أخٍ لِي هَلَكَ، فَقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ ؟ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ، فَبَكى يُوسُفُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ وقالَ لَهُ: أنا أخُوكَ يُوسُفُ فَلا تَبْتَئِسْ، فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بِنا فِيما مَضى، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا عَلى خَيْرٍ، ولا تُعْلِمُهم بِما أعْلَمْتُكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَعَرَّفَ إلَيْهِ أنَّهُ أخُوهُ، وهو الظّاهِرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، أعْلَمَهُ أنَّهُ أخُوهُ حَقِيقَةً واسْتَكْتَمَهُ، وقالَ لَهُ: لا تُبالِي بِكُلِّ ما تَراهُ مِنَ المَكْرُوهِ في تَحَيُّلِي في أخْذِكَ مِنهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِقَوْلِهِ: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إلى ما يَعْمَلُهُ فِتْيانُ يُوسُفَ مِن أمْرِ السِّقايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. ولا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ بِما يَعْمَلُونَ بِغَيْرٍ كانُوا، لَأمْكَنَ عَلى بُعْدِهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما هو مَعَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وأمّا ذِكْرُ فِتْيانِهِ فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ [يوسف: ٦٢] وقَدْ حالَ بَيْنَهُما قَصَصٌ. (p-٣٢٩)واتَّسَقَ الكَلامُ مَعَ الإخْوَةِ اتِّساقًا لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ عائِدٌ إلَيْهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما كانَ يَلْقى مِنهم قَدِيمًا مِنَ الأذى، إذْ قَدْ أمِنَ مِن ذَلِكَ بِاجْتِماعِهِ بِأخِيهِ يُوسُفَ، وقالَ وهْبٌ: إنَّما أخْبَرَ أنَّهُ أخُوهُ في الوُدِّ مَقامَ أخِيهِ الذّاهِبِ، ولَمْ يَكْشِفْ إلَيْهِ الأمْرَ، بَلْ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ كَسائِرِ إخْوَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ هو يُوسُفُ، ويَظْهَرُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مَلِكًا أنَّهُ لَمْ يُباشِرْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، بَلْ جَعَلَ غَيْرَهُ مِن فِتْيانِهِ، أوْ غَيْرِهِمْ أنْ يَجْعَلَها، وتَقَدَّمَ قَوْلُ وهْبٍ: أنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ لَهُ أنَّهُ أخُوهُ وأنَّهُ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِ يُوسُفَ: أنا لا أُفارِقُكَ قالَ: قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ والِدِي، فَإذا حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسُبَكَ إلى ما لا يُحْمَلُ، قالَ: لا أُبالِي، فافْعَلْ ما بَدا لَكَ، قالَ: فَإنِّي أدُسُّ صاعِي في رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهم، قالَ: فافْعَلْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ، أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا، ثُمَّ أذَّنَ، وفي نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ وجَعَلَ السِّقايَةَ بِزِيادَةِ واوٍ في جَعَلَ دُونَ الزِّيادَةِ الَّتِي زادَها الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَقَدَها حافِظُها، كَما قِيلَ: إنَّما أُوحِيَ إلى يُوسُفَ أنْ يَجْعَلَ السِّقايَةَ فَقَطْ، ثُمَّ إنَّ حافِظَها فَقَدَها، فَنادى بِرَأْيِهِ عَلى ما ظَهَرَ لَهُ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وتَفْتِيشُ الأوْعِيَةِ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَأْذِينَ المُؤَذِّنِ كانَ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ هَذا الجَعْلُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِن بِنْيامِينَ، وما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ بِعِلْمٍ مِنهُ. وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: السِّقايَةُ إناءٌ يَشْرَبُ بِهِ المَلِكُ، وبِهِ كانَ يُكالُ الطَّعامُ لِلنّاسِ، وقِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تَسْقِي بِها ويُكالُ بِها، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الصُّواعُ هو مِثْلُ المَكُّوكِ الفارِسِيِّ، وكانَ إناءُ يُوسُفَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ، وكانَ إلى الطُّولِ ماهِرٌ، قالَ: وحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الصُّواعُ المَكُّوكُ الفارِسِيُّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ، كانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأعاجِمُ، والسِّقايَةُ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، أوْ نُحاسٍ، أوْ مِسْكٍ، أوْ كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ. أقْوالٌ؛ أوَّلُها لِلْجُمْهُورِ، ولِعِزَّةِ الطَّعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قَصَرَ كَيْلُهُ عَلى ذَلِكَ الإناءِ. ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أيْ: نادى مُنادٍ، أذَّنَ: أعْلَمَ، وآذَنَ أكْثَرَ الإعْلامَ، ومِنهُ المُؤَذِّنُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنهُ، و”ثُمَّ“ تَقْتَضِي مُهْلَةً بَيْنَ جَعْلِ السِّقايَةِ والتَّأْذِينِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا فَصَلَتِ العِيرُ بِأوْقارِها وخَرَجُوا مِن مِصْرَ أُدْرَكُوا وقِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: قَبْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ أُمِرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا، وأذَّنَ مُؤَذِّنٌ، والظّاهِرُ وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ العِيرَ الإبِلُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ دَوابُّهم حَمِيرًا، ومُناداةُ العِيرِ والمُرادُ أصْحابُها كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ فَرُوعِيَ المَحْذُوفُ، ولَمْ يُراعَ العِيرُ كَما رُوعِيَ في ارْكَبِي، وفي قَوْلِهِ: ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢] ويَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ العِيرُ عَلى القافِلَةِ، أوِ الرُّفْقَةِ، فَلا يَكُونُ مِن مَجازِ الحَذْفِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّحَيُّلَ، ورَمْيَ أبْرِياءٍ بِالسَّرِقَةِ، وإدْخالَ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ، بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ؛ لَمّا عَلِمَ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الصَّلاحِ، ولَمّا أرادَ مِن مِحْنَتِهِمْ بِذَلِكَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] . وقِيلَ: لَمّا كانُوا باعُوا يُوسُفَ اسْتُجِيزَ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، ونِسْبَةُ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا وإنْ كانَ الصُّواعُ إنَّما وُجِدَ في رَحْلِ واحِدٍ مِنهم كَما تَقُولُ: بَنُو فُلانٍ فَتَلُوا فُلانًا، والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم (قالُوا) أيْ: إخْوَةُ يُوسُفَ (وأقْبَلُوا) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: وقَدْ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى طالِبِيِ السِّقايَةِ، أوْ عَلى المُؤَذِّنِ إنْ كانَ أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، كَأنَّهُ جَعَلَ مُؤَذِّنِينَ يُنادُونَ، وساءَهم أنْ يُرْمَوْا بِهَذِهِ المَثْلَبَةِ، وقالُوا: ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ لِيَقَعَ التَّفْتِيشُ فَتَظْهَرُ بَراءَتُهم ؟ ولَمْ يَلُوذُوا بِالإنْكارِ مِن أوَّلُ، بَلْ سَألُوا كَمالَ الدَّعْوى رَجاءَ أنْ يَكُونَ فِيها ما (p-٣٣٠)تُبْطَلُ بِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى خِصامٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ (ماذا) اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَفْقِدُونَ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”ما“ وحْدَها اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و”ذا“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْ ”ما“ و(تَفْقِدُونَ) صِلَةٌ لِذا، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: تَفْقِدُونَهُ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا نَحْوَ: أحَمَدْتُهُ إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وجْهُها ما ذَكَرْناهُ. وصُواعُ المَلِكِ هو المِكْيالُ، وهو السِّقايَةُ سَمّاهُ أوَّلًا بِإحْدى جِهَتَيْهِ، وآخِرًا بِالثّانِيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُواعَ) بِضَمِّ الصّادِ بَعْدَها واوٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَها ألِفٌ بَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلابْنُ عَطِيَّةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الصّادَ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٌ: (صاعَ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى وزْنِ فَعَلَ، فالألِفُ فِيها بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (صَوْعَ) عَلى وزْنِ قَوْسٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أبِي أرْطَبانَ: (صُوَعَ) بِضَمِّ الصّادِ، وكُلُّها لُغاتٌ في الصّاعِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ عَنْهُما صاحِبُ اللَوامِحِ: (صُواغَ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ غُرابٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ يَحْذِفُ الألِفَ ويُسَكِّنُ الواوَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (صَوْغَ) مَصْدَرُ صاغٍ، وصُواغٌ وصَوْغٌ مُشْتَقّانِ مِنَ الصَّوْغِ مَصْدَرُ صاغَ يَصُوغُ، أُقِيما مَقامَ المَفْعُولِ بِمَعْنى مَصُوغِ المَلِكِ. (ولِمَن جاءَ بِهِ) أيْ: ولِمَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ، وهَذا جَعْلٌ وأنابَهُ زَعِيمٌ مِن كَلامِ المُؤَذِّنِ، وأنا بِحَمْلِ البَعِيرِ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى ما جاءَ بِهِ، وأرادَ بِهِ وسَقَ بَعِيرٍ مِن طَعامٍ جَعْلًا لِمَن حَصَّلَهُ، قالُوا: تاللَّهِ، أقْسَمُوا بِالتّاءِ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، لِأنَّها تَكُونُ فِيها التَّعَجُّبُ غالِبًا كَأنَّهم عَجِبُوا مِن رَمْيِهِمْ بِهَذا الأمْرِ، ورُوِيَ أنَّهم رَدُّوا البِضاعَةَ الَّتِي وجَدُوها في الطَّعامِ وتَحَرَّجُوا مِن أكْلِ الطَّعامِ بِلا ثَمَنٍ، وكانُوا قَدِ اشْتُهِرُوا بِمِصْرَ بِصَلاحٍ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأكَمَةَ في أفْواهِ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ زُرُوعَ النّاسِ، فَأقْسَمُوا عَلى إثْباتِ شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوهُ مِنهم، وهو أنَّكم قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مَجِيئَنا لَمْ يَكُنْ لِفَسادٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا الإخْبارَ عَنْ نَفْيِ صِفَةِ السَّرِقَةِ عَنْهم، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ مِنهم قَطُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ جَوابِ القَسَمِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (لَقَدْ عَلِمْتُمْ)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، كَما أُبْدِلَتْ في تُراثٍ، وفي التَّوْراةِ، والتُّخْمَةِ، ولا تَدْخُلُ التّاءُ في القَسَمِ إلّا في المَكْتُوبَةِ مِن بَيْنِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ لا تَقُولُ: تالرَّحْمَنِ، ولا تالرَّحِيمِ، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، فَهو قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وخالَفَهُمُ السُّهَيْلِيُّ فَزَعَمَ أنَّها أصْلٌ بِنَفْسِها ولَيْسَتْ بَدَلًا مِن واوٍ، وهو الصَّحِيحُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: وفي التَّوْراةِ فَعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ الأصْلَ، ووَراهُ مِن ورى الزَّنْدِ. ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ التّاءَ زائِدَةٌ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: ولا تَدْخُلُ إلى آخِرِهِ فَقَدْ حُكِيَ عَنِ العَرَبِ دُخُولَها عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، وعَلى حَياتِكَ، قالُوا: تَرَبِّ الكَعْبَةِ، وتالرَّحْمَنِ، وتَحِيّاتِكَ، والخِطابُ في (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) لِطالِبِي الصُّواعِ، والضَّمِيرُ في (جَزاؤُهُ) عائِدٌ عَلى السّارِقِ، فَما جَزاءُ السّارِقِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قَوْلِكم: ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لَهُ ؟ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَما جَزاؤُهُ) الضَّمِيرُ (p-٣٣١)لِلصُّواعِ أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَتِهِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في جُحُودِكم وادِّعائِكُمُ البَراءَةَ مِنهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: هو الظّاهِرُ لِاتِّحادِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ إذِ التَّقْدِيرُ إذْ ذاكَ قالَ: جَزاءُ الصّاعِ؛ أيْ: سَرِقَتُهُ مَن وُجِدَ الصّاعُ في رَحْلِهِ، وقَوْلُهم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ كَلامُ مَن لَمْ يَشُكَّ أنَّهم بُرَآءُ مِمّا رُمُوا بِهِ، ولِاعْتِقادِهِمُ البَراءَةَ عَلَّقُوا الحُكْمَ عَلى وِجْدانِ الصّاعِ لا عَلى سَرِقَتِهِ، فَكَأنَّهم يَقُولُونَ: لا يُمْكِنُ أنْ نَسْرِقَ، لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ الصّاعُ في رِحالِنا، وكانَ في دِينِ يَعْقُوبَ اسْتِعْبادُ السّارِقِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُنَّةٌ، وكانَ في دِينِ مِصْرَ أنْ يُضْرَبَ ويُضَعَّفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ، ولِذَلِكَ أجابُوا عَلى شَرِيعَتِهِمْ، وجَوَّزُوا، في إعْرابِ هَذا الكَلامِ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، و(مَن) شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانٍ (فَهو جَزاؤُهُ) جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ خَبَرُ ”ما“ المَوْصُولَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (مَن وُجِدَ) إلى آخِرِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والضَّمِيرُ في قالُوا: (جَزاؤُهُ) لِلسّارِقِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَصِحُّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرَ (جَزاؤُهُ) مِن رابِطٍ، الثّانِي: أنَّ المَعْنى قالُوا: جَزاءُ سَرِقَتِهِ، ويَكُونُ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ فِيها مَقامُ المُضْمَرِ، والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، فَهو هو. فَمَوْضِعُ الجَزاءِ مَوْضِعُ هو، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: مَن أخُو زَيْدٍ ؟ فَتَقُولُ: أخُوهُ مَن يَقْعُدُ إلى جَنْبِهِ، فَهو هو يَرْجِعُ الضَّمِيرُ الأوَّلُ إلى مَن، والثّانِي إلى الأخِ، ثُمَّ تَقُولُ: فَهو أخُوهُ مُقِيمًا لِلْمُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلرَّبْطِ إنَّما هو فَصِيحٌ في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، وغَيْرُ فَصِيحٍ فِيما سِوى ذَلِكَ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ زَيْدٌ، ويُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَوْ قُلْتَ كانَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ ضِدَّ الكَلامِ، وكانَ هاهُنا ضَعِيفًا، ولَمْ يَكُنْ كَقَوْلِكَ: ما زَيْدٌ مُنْطَلِقًا هو، لِأنَّكَ قَدِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ إظْهارِهِ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُضْمِرَ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، ثُمَّ أفْتُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ كَما تَقُولُ: مَن يَسْتَفْتِي في جَزاءِ صَيْدِ الحَرَمِ جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ، ثُمَّ تَقُولُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مُتَكَلِّفٌ؛ إذْ تَصِيرُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: (فَما جَزاؤُهُ) أنَّ الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ جَزاءُ سَرِقَتِهِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في نُطْقِهِمْ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المِثالِ الَّذِي مُثِّلَ بِهِ مِن قَوْلِ المُسْتَفْتِي. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً؛ أيْ: جَزاءُ سَرِقَةِ الصّاعِ، والخَبَرُ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ أيْ: أُخِذَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ. وقَوْلُهم: (فَهو جَزاؤُهُ) تَقْرِيرٌ لِحُكْمٍ؛ أيْ: فَأخْذُ السّارِقِ نَفْسِهِ هو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ، كَقَوْلِكَ: حَقُّ زَيْدٍ أنْ يُكْسى ويُطْعَمَ ويُنْعَمَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَزاؤُهُ، أوْ فَهو حَقُّهُ، لِتُقَرِّرَ ما ذَكَرْتُهُ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ القَوْلَ الواحِدَ قَوْلَيْنِ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (مَن) خَبَرًا عَلى أنَّ المَعْنى جَزاءُ السّارِقِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ عائِدٌ عَلى ”مَن“ ويَكُونُ قَوْلُهُ: (فَهو جَزاؤُهُ) زِيادَةَ بَيانٍ وتَأْكِيدٍ، ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، ثُمَّ يُؤَكِّدُ بِقَوْلِهِ: (فَهو جَزاؤُهُ) وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ أبْرَزَ المُضافَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وفِيما قَبْلَهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ؛ لِأنَّ الذّاتَ لا تَكُونُ خَبَرًا عَنِ المَصْدَرِ، فالتَّقْدِيرُ في القَوْلِ قَبْلَهُ: جَزاؤُهُ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، أوِ اسْتِرْقاقُ هَذا لا بُدَّ مِنهُ عَلى هَذا الإعْرابِ، وهَذا الوَجْهُ هو أحْسَنُ الوُجُوهِ، وأبْعَدُها مِنَ التَّكَلُّفِ. (كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ الجَزاءِ، وهو الِاسْتِرْقاقُ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِالسَّرِقَةِ وهو دِينُنا وسُنَّتُنا في أهْلِ السَّرِقَةِ.

يوسف 12:76

﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ (p-٣٣٢)قِيلَ: قالَ لَهم: مَن وُكِّلَ بِهِمْ: لا بُدَّ مِن تَفْتِيشِ أوْعِيَتِكم، فانْصَرَفَ بِهِمْ إلى يُوسُفَ، فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ بِنْيامِينَ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ، وتَمْكِينِ الحِيلَةِ، وإبْقاءِ ظُهُورِها حَتّى بَلَغَ وِعاءَهُ، فَقالَ: ما أظُنُّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، فَقالُوا: واللَّهِ ما تَتْرُكُهُ حَتّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ، فَإنَّهُ أطْيَبُ لِنَفْسِكَ وأنْفُسِنا، فاسْتَخْرَجُوهُ مِنهُ. وقَرَأ الحَسَنُ: (مِن وُعاءِ) بِضَمِّ الواوِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ نافِعٍ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (مِن إعاءِ) بِإبْدالِ الواوِ المَكْسُورَةِ هَمْزَةً، كَما قالُوا: إشاحٌ وإسادَةٌ في وِشاحٍ ووِسادَةٍ، وذَلِكَ مُطَّرَدٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ، يُبَدِّلُونَ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ الواقِعَةِ أوَّلًا هَمْزَةً، وأنَّثَ في قَوْلِهِ: (ثُمَّ اسْتَخْرَجَها) عَلى مَعْنى السِّقايَةِ، أوْ لِكَوْنِ الصُّواعِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُؤَنَّثُ الصُّواعُ مِن حَيْثُ سُمِّيَ سِقايَةً، ويُذَكَّرُ مِن حَيْثُ هو صاعٌ، وكَأنَّ أبا عُبَيْدٍ لَمْ يَحْفَظْ تَأْنِيثَ الصُّواعِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (ثُمَّ اسْتَخْرَجَها) عائِدٌ عَلى السَّرِقَةِ، (كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الكَيْدِ العَظِيمِ ﴿كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ يَعْنِي: عَلَّمْناهُ إيّاهُ، وأوْحَيْنا بِهِ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: (كِدْنا) صَنَعْنا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأضافَ اللَّهُ تَعالى الكَيْدَ إلى ضَمِيرِهِ، لَمّا أخْرَجَ القَدْرَ الَّذِي أباحَ لِيُوسُفَ أخَذَ أخِيهِ مَخْرَجَ ما هو في اعْتِيادِ النّاسِ كَيْدٌ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿فِي دِينِ المَلِكِ﴾ بِسُلْطانِهِ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالقَضاءِ والحُكْمِ. انْتَهى وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْكَيْدِ وبَيانٌ لَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ في دِينِ مَلِكِ مِصْرَ، وما كانَ يَحْكُمُ بِهِ في السّارِقِ أنْ يَغْرَمَ مِثْلَيْ ما أخَذَ إلّا أنْ يُلْزَمَ ويُسْتَعْبَدَ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ إلّا بِمَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والِاسْتِثْناءُ حِكايَةٌ حالَ التَّقْدِيرِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ما وقَعَ مِن هَذِهِ الحِيلَةِ، انْتَهى، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ أخَذَهُ في دِينٍ غَيْرِ المَلِكِ، وهو دِينُ آلِ يَعْقُوبَ: أنَّ الِاسْتِرْقاقَ جَزاءُ السّارِقِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (نَرْفَعُ) بِنُونٍ (دَرَجاتٍ) مُنَوَّنًا (مَن نَشاءُ) بِالنُّونِ، وباقِي السَّبْعَةِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم أضافُوا دَرَجاتٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالياءِ في (يَرْفَعُ ويَشاءُ) أيْ: يَرْفَعُ اللَّهُ دَرَجاتٍ مَن يَشاءُ رَفْعَ دَرَجاتِهِ، وقَرَأ عِيسى البَصْرَةِ: (نَرْفَعُ) بِالنُّونِ (دَرَجاتٍ) مُنَوَّنًا (مَن يَشاءُ) بِالياءِ. قالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: وهَذِهِ قِراءَةٌ مَرْغُوبٌ عَنْها تِلاوَةً وجُمْلَةً، وإنْ لَمْ يُمْكِنْ إنْكارُها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَرْفَعُ) عَلى ضَمِيرِ المُعَظِّمِ وكَذَلِكَ (نَشاءُ) . وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى ويَعْقُوبُ: بِالياءِ؛ أيْ: اللَّهُ تَعالى، انْتَهى. ومَعْناهُ في العِلْمِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ فِيهِ، و(عَلِيمٌ) صِفَةُ مُبالَغَةٍ، وقَوْلُهُ: (ذِي عِلْمٍ) أيْ: عالِمٍ. فالمَعْنى أنَّ فَوْقَهُ أرْفَعَ مِنهُ دَرَجَةً في عِلْمِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ أنَّ العَلِيمَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قِيلَ: رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ عَجِيبٍ، فَتَعَجَّبَ مِنهُ رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. فَقالَ لَهُ (p-٣٣٣)ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، إنَّما العَلِيمُ اللَّهُ، وهو فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وفَوْقَ كُلِّ ذِي عالِمٍ، فَخَرَجَتْ عَلى زِيادَةِ ذِي، أوْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ عالِمٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنى عِلْمٍ كالباطِلِ، أوْ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: وفَوْقَ كُلِّ ذِي شَخْصٍ عالِمٌ. رُوِيَ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَأوْا إخْراجَ الصُّواعِ مِن رَحْلِ أخِيهِمْ بِنْيامِينَ قالُوا: يا بِنْيامِينُ بْنُ راحِيلَ قَبَّحَكَ اللَّهُ، ولَدَتْ أُمُّكَ أخَوَيْنِ لِصَّيْنِ، كَيْفَ سَرَقْتَ هَذِهِ السِّقايَةَ ؟ فَرَفَعَ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ وقالَ: واللَّهِ ما فَعَلْتُ، فَقالُوا: فَمَن وضَعَها في رَحْلِكَ ؟ قالَ: الَّذِي وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مَعْناهُ: رُمُوا بِالسَّرِقَةِ تَوْرِيَةً عَمّا جَرى مَجْرى السَّرِقَةِ مِن فِعْلِهِمْ بِيُوسُفَ (وإنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) فَرْضٌ لِانْتِفاءِ بَراءَتِهِمْ، وفَرْضُ التَّكْذِيبِ لا يَكُونُ تَكْذِيبًا عَلى أنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ كَما صَرَّحَ بِالتَّسْرِيقِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٧] والكَيْدُ حُكْمُ الحِيَلِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِها إلى مَصالِحَ ومَنافِعَ دِينِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤] فَيَتَخَلَّصُ مِن جِلْدِها ولا يَحْنَثُ، وقَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: هي أُخْتِي لِتَسْلَمَ مِن يَدِ الكافِرِ، وعَلِمَ اللَّهُ في هَذِهِ الحِيلَةِ الَّتِي لَقَّنَها لِيُوسُفَ مَصالِحَ عَظِيمَةً، فَجَعَلَها سَلَمًا وذَرِيعَةً إلَيْها، فَكانَتْ حَسَنَةً جَمِيلَةً، انْتَهى. وقَوْلُهم: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ لا يَدُلُّ عَلى الجَزْمِ بِأنَّهُ سَرَقَ، بَلْ أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ؛ أيْ: إنْ كانَ وقَعَتْ مِنهُ سَرِقَةٌ فَهو يَتَأسّى مِمَّنْ سَرَقَ قَبْلَهُ، فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ، والتَّعْلِيقُ عَلى الشَّرْطِ عَلى أنَّ السَّرِقَةَ في حَقِّ بِنْيامِينَ وأخِيهِ لَيْسَ مَجْزُومًا بِها، كَأنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا الَّذِي رُمِيَ بِهِ بِنْيامِينُ حَقًّا فالَّذِي رُمِيَ بِهِ يُوسُفُ مِن قَبْلُ حَقٌّ، لَكِنَّهُ قَوِيَ الظَّنُّ عِنْدَهم في حَقِّ يُوسُفَ بِما ظَهَرَ لَهم أنَّهُ جَرى مِن بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ قالُوا: إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ. وقِيلَ: حَقَّقُوا السَّرِقَةَ في جانِبِ بِنْيامِينَ وأخِيهِ بِحَسَبِ ظاهِرِ الأمْرِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ كانَ قَدْ سَرَقَ فَغَيْرَ بِدْعٍ مِنِ ابْنَيْ راحِيلَ؛ لِأنَّ أخاهُ يُوسُفَ قَدْ كانَ سَرَقَ، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهم إنْحاءً عَلى يُوسُفَ وبِنْيامِينَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَقَدْ قِيلَ عَنْ يُوسُفَ إنَّهُ سَرَقَ، وقَوْلُهم هَذا هو بِحَسَبِ الظّاهِرِ والإخْبارِ بِأمْرٍ جَرى لِتَزُولَ المَعَرَّةُ عَنْهم، وتَخْتَصَّ بِالشَّقِيقَيْنِ، وتَنْكِيرُ (أخٍ) في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ لِأنَّ الحاضِرِينَ لا عِلْمَ لَهم بِهِ، وقالُوا لَهُ: لِأنَّهُ كانَ شَقِيقَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ السَّرِقَةَ الَّتِي نُسِبَتْ هي أنَّ عَمَّتَهُ رَبَّتْهُ وشَبَّ، وأرادَ يَعْقُوبُ أخْذَهُ، فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ فَأخَذَتْ مِنطَقَةَ إسْحاقَ، وكانَتْ مُتَوارَثَةً عِنْدَهم، فَنَطَقَتْهُ بِها مِن تَحْتِ ثِيابِهِ ثُمَّ صاحَتْ وقالَتْ: فَقَدْتُ المِنطَقَةَ فَفَتَّشَتْ فَوُجِدَتْ عِنْدَ يُوسُفَ، فاسْتَرَقَّتْهُ حَسْبَما كانَ في شَرْعِهِمْ وبَقِيَ عِنْدَها حَتّى ماتَتْ، فَصارَ عِنْدَ أبِيهِ، وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: أمَرَتْ أُمُّهُ أنْ يَسْرِقَ صَنَمًا، وفي كِتابِ الزَّجّاجِ: مِن ذَهَبٍ لِأبِيها فَسَرَقَهُ وكَسَرَهُ، وكانَ ذَلِكَ مِنها تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ، وقالَ ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ أبِيهِ: إنَّما أكَلَ بَنُو يَعْقُوبَ طَعامًا، فَأخَذَ يُوسُفُ عَرْقًا فَنَحّاهُ. وقِيلَ: كانَ في البَيْتِ غاقٌ أوْ دَجاجَةٌ، فَأعْطاها السّائِلَ، وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ وابْنُ أبِي شُرَيْحٍ عَنِ الكِسائِيِّ، والوَلِيدُ بْنُ حَسّانَ عَنْ يَعْقُوبَ وغَيْرُهم: (فَقَدْ سُرِّقَ) بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ بِمَعْنى نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ، بِمَعْنى جُعِلَ سارِقًا ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ حَقِيقَةً، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَأسَرَّها) يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ؛ أيْ: الحَزازَةُ الَّتِي حَدَثَتْ في نَفْسِهِ مِن قَوْلِهِمْ كَما فَسَّرَهُ في قَوْلِ حاتِمٍ: لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ نَفْسٌ وضاقَ بِها الصَّدْرُ. وقِيلَ: أسَرَّ المُجازاةَ، وقِيلَ: الحُجَّةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اخْتارَ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ تَفْسِيرَهُ ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وإنَّما أُنِّثَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ جُمْلَةٌ أوْ كَلِمَةٌ عَلى تَسْمِيَتِهِمُ الطّائِفَةَ مِنَ الكَلامِ كَلِمَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأسَرَّ الجُمْلَةَ أوِ الكَلِمَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (فَأسَرَّهُ) بِضَمِيرِ تَذْكِيرٍ. قالَ (p-٣٣٤)الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ القَوْلَ أوِ الكَلامَ، انْتَهى والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ خِطابُهم بِهَذا القَوْلِ في الوَجْهِ، فَكَأنَّهُ أسَرَّ كَراهِيَةَ مَقالَتِهِمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَكْذِيبِهِمْ وتَقْوِيَةٌ أنَّهم تَرَكُوا أنْ يَشْفَعُوا بِأنْفُسِهِمْ، وعَدَلُوا إلى الشَّفاعَةِ بِأبِيهِ الشَّيْخِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ هَذا الكَلامَ لَهم مُواجَهَةً، إنَّما قالَهُ في نَفْسِهِ، وهو تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: الَّذِي أسَرَّ في نَفْسِهِ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ المُتَقَدِّمُ، ومَعْنى ﴿شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلَةً في السَّرِقَةِ؛ لِأنَّكم سارِقُونَ بِالصِّحَّةِ لِسَرِقَتِكم أخاكم مِن أبِيكم. ومَعْنى ﴿أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ يَعْنِي: هو أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ مِنكم؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، وكَيْفَ كانَتْ سَرِقَةُ أخِيهِ الَّتِي أحَلْتُمْ سَرِقَتَهُ عَلَيْهِ، ورُوِيَ أنْ رُوبِيلَ غَضِبَ ووَقَفَ شَعْرُهُ حَتّى خَرَجَ مِن ثِيابِهِ، فَأمَرَ يُوسُفُ ابْنًا لَهُ يَمَسُّهُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَقالَ رُوبِيلُ: لَقَدْ مَسَّنِي أحَدٌ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، ثُمَّ أنَّهم تَشاوَرُوا في مُحارَبَةِ يُوسُفَ وكانُوا أهْلَ قُوَّةٍ لا يُدانُونَ في ذَلِكَ، فَلَمّا أحَسَّ يُوسُفَ بِذَلِكَ قامَ إلى رُوبِيلَ فَلَبَّبَهُ وصَرَعَهُ، فَرَأوْا مِن قُوَّتِهِ ما اسْتَعْظَمُوهُ وعِنْدَ ذَلِكَ.

يوسف 12:77

﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ (p-٣٣٢)قِيلَ: قالَ لَهم: مَن وُكِّلَ بِهِمْ: لا بُدَّ مِن تَفْتِيشِ أوْعِيَتِكم، فانْصَرَفَ بِهِمْ إلى يُوسُفَ، فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ بِنْيامِينَ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ، وتَمْكِينِ الحِيلَةِ، وإبْقاءِ ظُهُورِها حَتّى بَلَغَ وِعاءَهُ، فَقالَ: ما أظُنُّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، فَقالُوا: واللَّهِ ما تَتْرُكُهُ حَتّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ، فَإنَّهُ أطْيَبُ لِنَفْسِكَ وأنْفُسِنا، فاسْتَخْرَجُوهُ مِنهُ. وقَرَأ الحَسَنُ: (مِن وُعاءِ) بِضَمِّ الواوِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ نافِعٍ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (مِن إعاءِ) بِإبْدالِ الواوِ المَكْسُورَةِ هَمْزَةً، كَما قالُوا: إشاحٌ وإسادَةٌ في وِشاحٍ ووِسادَةٍ، وذَلِكَ مُطَّرَدٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ، يُبَدِّلُونَ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ الواقِعَةِ أوَّلًا هَمْزَةً، وأنَّثَ في قَوْلِهِ: (ثُمَّ اسْتَخْرَجَها) عَلى مَعْنى السِّقايَةِ، أوْ لِكَوْنِ الصُّواعِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُؤَنَّثُ الصُّواعُ مِن حَيْثُ سُمِّيَ سِقايَةً، ويُذَكَّرُ مِن حَيْثُ هو صاعٌ، وكَأنَّ أبا عُبَيْدٍ لَمْ يَحْفَظْ تَأْنِيثَ الصُّواعِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (ثُمَّ اسْتَخْرَجَها) عائِدٌ عَلى السَّرِقَةِ، (كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الكَيْدِ العَظِيمِ ﴿كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ يَعْنِي: عَلَّمْناهُ إيّاهُ، وأوْحَيْنا بِهِ إلَيْهِ. وقالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: (كِدْنا) صَنَعْنا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأضافَ اللَّهُ تَعالى الكَيْدَ إلى ضَمِيرِهِ، لَمّا أخْرَجَ القَدْرَ الَّذِي أباحَ لِيُوسُفَ أخَذَ أخِيهِ مَخْرَجَ ما هو في اعْتِيادِ النّاسِ كَيْدٌ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿فِي دِينِ المَلِكِ﴾ بِسُلْطانِهِ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالقَضاءِ والحُكْمِ. انْتَهى وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْكَيْدِ وبَيانٌ لَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ في دِينِ مَلِكِ مِصْرَ، وما كانَ يَحْكُمُ بِهِ في السّارِقِ أنْ يَغْرَمَ مِثْلَيْ ما أخَذَ إلّا أنْ يُلْزَمَ ويُسْتَعْبَدَ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ إلّا بِمَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والِاسْتِثْناءُ حِكايَةٌ حالَ التَّقْدِيرِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ما وقَعَ مِن هَذِهِ الحِيلَةِ، انْتَهى، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ أخَذَهُ في دِينٍ غَيْرِ المَلِكِ، وهو دِينُ آلِ يَعْقُوبَ: أنَّ الِاسْتِرْقاقَ جَزاءُ السّارِقِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (نَرْفَعُ) بِنُونٍ (دَرَجاتٍ) مُنَوَّنًا (مَن نَشاءُ) بِالنُّونِ، وباقِي السَّبْعَةِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم أضافُوا دَرَجاتٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالياءِ في (يَرْفَعُ ويَشاءُ) أيْ: يَرْفَعُ اللَّهُ دَرَجاتٍ مَن يَشاءُ رَفْعَ دَرَجاتِهِ، وقَرَأ عِيسى البَصْرَةِ: (نَرْفَعُ) بِالنُّونِ (دَرَجاتٍ) مُنَوَّنًا (مَن يَشاءُ) بِالياءِ. قالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: وهَذِهِ قِراءَةٌ مَرْغُوبٌ عَنْها تِلاوَةً وجُمْلَةً، وإنْ لَمْ يُمْكِنْ إنْكارُها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَرْفَعُ) عَلى ضَمِيرِ المُعَظِّمِ وكَذَلِكَ (نَشاءُ) . وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى ويَعْقُوبُ: بِالياءِ؛ أيْ: اللَّهُ تَعالى، انْتَهى. ومَعْناهُ في العِلْمِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ فِيهِ، و(عَلِيمٌ) صِفَةُ مُبالَغَةٍ، وقَوْلُهُ: (ذِي عِلْمٍ) أيْ: عالِمٍ. فالمَعْنى أنَّ فَوْقَهُ أرْفَعَ مِنهُ دَرَجَةً في عِلْمِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ أنَّ العَلِيمَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قِيلَ: رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ عَجِيبٍ، فَتَعَجَّبَ مِنهُ رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. فَقالَ لَهُ (p-٣٣٣)ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، إنَّما العَلِيمُ اللَّهُ، وهو فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وفَوْقَ كُلِّ ذِي عالِمٍ، فَخَرَجَتْ عَلى زِيادَةِ ذِي، أوْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ عالِمٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنى عِلْمٍ كالباطِلِ، أوْ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: وفَوْقَ كُلِّ ذِي شَخْصٍ عالِمٌ. رُوِيَ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَأوْا إخْراجَ الصُّواعِ مِن رَحْلِ أخِيهِمْ بِنْيامِينَ قالُوا: يا بِنْيامِينُ بْنُ راحِيلَ قَبَّحَكَ اللَّهُ، ولَدَتْ أُمُّكَ أخَوَيْنِ لِصَّيْنِ، كَيْفَ سَرَقْتَ هَذِهِ السِّقايَةَ ؟ فَرَفَعَ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ وقالَ: واللَّهِ ما فَعَلْتُ، فَقالُوا: فَمَن وضَعَها في رَحْلِكَ ؟ قالَ: الَّذِي وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مَعْناهُ: رُمُوا بِالسَّرِقَةِ تَوْرِيَةً عَمّا جَرى مَجْرى السَّرِقَةِ مِن فِعْلِهِمْ بِيُوسُفَ (وإنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) فَرْضٌ لِانْتِفاءِ بَراءَتِهِمْ، وفَرْضُ التَّكْذِيبِ لا يَكُونُ تَكْذِيبًا عَلى أنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ كَما صَرَّحَ بِالتَّسْرِيقِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٧] والكَيْدُ حُكْمُ الحِيَلِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِها إلى مَصالِحَ ومَنافِعَ دِينِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤] فَيَتَخَلَّصُ مِن جِلْدِها ولا يَحْنَثُ، وقَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: هي أُخْتِي لِتَسْلَمَ مِن يَدِ الكافِرِ، وعَلِمَ اللَّهُ في هَذِهِ الحِيلَةِ الَّتِي لَقَّنَها لِيُوسُفَ مَصالِحَ عَظِيمَةً، فَجَعَلَها سَلَمًا وذَرِيعَةً إلَيْها، فَكانَتْ حَسَنَةً جَمِيلَةً، انْتَهى. وقَوْلُهم: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ لا يَدُلُّ عَلى الجَزْمِ بِأنَّهُ سَرَقَ، بَلْ أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ؛ أيْ: إنْ كانَ وقَعَتْ مِنهُ سَرِقَةٌ فَهو يَتَأسّى مِمَّنْ سَرَقَ قَبْلَهُ، فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ، والتَّعْلِيقُ عَلى الشَّرْطِ عَلى أنَّ السَّرِقَةَ في حَقِّ بِنْيامِينَ وأخِيهِ لَيْسَ مَجْزُومًا بِها، كَأنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا الَّذِي رُمِيَ بِهِ بِنْيامِينُ حَقًّا فالَّذِي رُمِيَ بِهِ يُوسُفُ مِن قَبْلُ حَقٌّ، لَكِنَّهُ قَوِيَ الظَّنُّ عِنْدَهم في حَقِّ يُوسُفَ بِما ظَهَرَ لَهم أنَّهُ جَرى مِن بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ قالُوا: إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ. وقِيلَ: حَقَّقُوا السَّرِقَةَ في جانِبِ بِنْيامِينَ وأخِيهِ بِحَسَبِ ظاهِرِ الأمْرِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ كانَ قَدْ سَرَقَ فَغَيْرَ بِدْعٍ مِنِ ابْنَيْ راحِيلَ؛ لِأنَّ أخاهُ يُوسُفَ قَدْ كانَ سَرَقَ، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ قَوْلُهم إنْحاءً عَلى يُوسُفَ وبِنْيامِينَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَقَدْ قِيلَ عَنْ يُوسُفَ إنَّهُ سَرَقَ، وقَوْلُهم هَذا هو بِحَسَبِ الظّاهِرِ والإخْبارِ بِأمْرٍ جَرى لِتَزُولَ المَعَرَّةُ عَنْهم، وتَخْتَصَّ بِالشَّقِيقَيْنِ، وتَنْكِيرُ (أخٍ) في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ لِأنَّ الحاضِرِينَ لا عِلْمَ لَهم بِهِ، وقالُوا لَهُ: لِأنَّهُ كانَ شَقِيقَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ السَّرِقَةَ الَّتِي نُسِبَتْ هي أنَّ عَمَّتَهُ رَبَّتْهُ وشَبَّ، وأرادَ يَعْقُوبُ أخْذَهُ، فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ فَأخَذَتْ مِنطَقَةَ إسْحاقَ، وكانَتْ مُتَوارَثَةً عِنْدَهم، فَنَطَقَتْهُ بِها مِن تَحْتِ ثِيابِهِ ثُمَّ صاحَتْ وقالَتْ: فَقَدْتُ المِنطَقَةَ فَفَتَّشَتْ فَوُجِدَتْ عِنْدَ يُوسُفَ، فاسْتَرَقَّتْهُ حَسْبَما كانَ في شَرْعِهِمْ وبَقِيَ عِنْدَها حَتّى ماتَتْ، فَصارَ عِنْدَ أبِيهِ، وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: أمَرَتْ أُمُّهُ أنْ يَسْرِقَ صَنَمًا، وفي كِتابِ الزَّجّاجِ: مِن ذَهَبٍ لِأبِيها فَسَرَقَهُ وكَسَرَهُ، وكانَ ذَلِكَ مِنها تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ، وقالَ ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ أبِيهِ: إنَّما أكَلَ بَنُو يَعْقُوبَ طَعامًا، فَأخَذَ يُوسُفُ عَرْقًا فَنَحّاهُ. وقِيلَ: كانَ في البَيْتِ غاقٌ أوْ دَجاجَةٌ، فَأعْطاها السّائِلَ، وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ وابْنُ أبِي شُرَيْحٍ عَنِ الكِسائِيِّ، والوَلِيدُ بْنُ حَسّانَ عَنْ يَعْقُوبَ وغَيْرُهم: (فَقَدْ سُرِّقَ) بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ بِمَعْنى نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ، بِمَعْنى جُعِلَ سارِقًا ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ حَقِيقَةً، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَأسَرَّها) يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ؛ أيْ: الحَزازَةُ الَّتِي حَدَثَتْ في نَفْسِهِ مِن قَوْلِهِمْ كَما فَسَّرَهُ في قَوْلِ حاتِمٍ: لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ نَفْسٌ وضاقَ بِها الصَّدْرُ. وقِيلَ: أسَرَّ المُجازاةَ، وقِيلَ: الحُجَّةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اخْتارَ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ تَفْسِيرَهُ ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وإنَّما أُنِّثَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ جُمْلَةٌ أوْ كَلِمَةٌ عَلى تَسْمِيَتِهِمُ الطّائِفَةَ مِنَ الكَلامِ كَلِمَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأسَرَّ الجُمْلَةَ أوِ الكَلِمَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (فَأسَرَّهُ) بِضَمِيرِ تَذْكِيرٍ. قالَ (p-٣٣٤)الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ القَوْلَ أوِ الكَلامَ، انْتَهى والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ خِطابُهم بِهَذا القَوْلِ في الوَجْهِ، فَكَأنَّهُ أسَرَّ كَراهِيَةَ مَقالَتِهِمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَكْذِيبِهِمْ وتَقْوِيَةٌ أنَّهم تَرَكُوا أنْ يَشْفَعُوا بِأنْفُسِهِمْ، وعَدَلُوا إلى الشَّفاعَةِ بِأبِيهِ الشَّيْخِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ هَذا الكَلامَ لَهم مُواجَهَةً، إنَّما قالَهُ في نَفْسِهِ، وهو تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: الَّذِي أسَرَّ في نَفْسِهِ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ المُتَقَدِّمُ، ومَعْنى ﴿شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلَةً في السَّرِقَةِ؛ لِأنَّكم سارِقُونَ بِالصِّحَّةِ لِسَرِقَتِكم أخاكم مِن أبِيكم. ومَعْنى ﴿أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ يَعْنِي: هو أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ مِنكم؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، وكَيْفَ كانَتْ سَرِقَةُ أخِيهِ الَّتِي أحَلْتُمْ سَرِقَتَهُ عَلَيْهِ، ورُوِيَ أنْ رُوبِيلَ غَضِبَ ووَقَفَ شَعْرُهُ حَتّى خَرَجَ مِن ثِيابِهِ، فَأمَرَ يُوسُفُ ابْنًا لَهُ يَمَسُّهُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَقالَ رُوبِيلُ: لَقَدْ مَسَّنِي أحَدٌ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، ثُمَّ أنَّهم تَشاوَرُوا في مُحارَبَةِ يُوسُفَ وكانُوا أهْلَ قُوَّةٍ لا يُدانُونَ في ذَلِكَ، فَلَمّا أحَسَّ يُوسُفَ بِذَلِكَ قامَ إلى رُوبِيلَ فَلَبَّبَهُ وصَرَعَهُ، فَرَأوْا مِن قُوَّتِهِ ما اسْتَعْظَمُوهُ وعِنْدَ ذَلِكَ.

يوسف 12:78

﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ اسْتَعْطَفُوا يُوسُفَ إذْ كانَ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ، ومَعْنى (كَبِيرًا) في السِّنِّ أوِ القَدْرِ، وكانُوا قَدْ أعْلَمُوا يُوسُفَ بِأنَّهُ كانَ لَهُ ابْنٌ قَدْ هَلَكَ، وهَذا شَقِيقُهُ يَسْتَأْنِسُ بِهِ، وخاطَبُوهُ بِالعَزِيزِ إذْ كانَ في تِلْكَ الخُطَّةِ بِعَزْلِ قِطْفِيرَ، أوْ مَوْتِهِ عَلى ما سَبَقَ، ومَعْنى (مَكانَهُ) أيْ: بَدَلَهُ، عَلى جِهَةِ الِاسْتِرْهانِ أوِ الِاسْتِعْبادِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ قَوْلُهم أنْ يَكُونَ مَجازًا، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَصِحُّ أخْذُ حُرٍّ بِسارِقٍ بَدَلَ مَن قَدْ أحْكَمَتِ السُّنَّةُ رِقَّهُ، وإنَّما هَذا كَمَنَ يَقُولُ لِمَن يُكْرَهُ فِعْلُهُ: اقْتُلْنِي ولا تَفْعَلْ كَذا وكَذا، وأنْتَ لا تُرِيدُ أنْ يَقْتُلَكَ ولَكِنَّكَ تُبالِغُ في اسْتِنْزالِهِ، وعَلى هَذا يَتَّجِهُ قَوْلُ يُوسُفَ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ تَعَوَّذَ مِن غَيْرِ جائِزٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم حَقِيقَةً، وبَعِيدٌ عَلَيْهِمْ وهم أنْبِياءُ أنْ يُرِيدُوا اسْتِرْقاقَ حُرٍّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ طَرِيقَ الجَمّالَةِ، أيْ: خُذْ أحَدَنا حَتّى يَنْصَرِفَ إلَيْكَ صاحِبُكَ، ومَقْصِدُهم بِذَلِكَ أنْ يَصِلَ بِنْيامِينُ إلى أبِيهِ ويَعْرِفَ يَعْقُوبُ جَلِيَّةَ الأمْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ وصَفُوهُ بِما شاهَدُوهُ مِن إحْسانِهِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلَيْنا في هَذِهِ اليَدِ إنْ أسْدَيْتَها إلَيْنا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ، و﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي﴾ [يوسف: ٢٣] والمَعْنى: وجَبَ عَلى قَضِيَّةِ فَتْواكم أخْذُ مَن وُجِدَ الصُّواعُ في رَحْلِهِ واسْتِعْبادُهُ، فَلَوْ أخَذْنا غَيْرَهُ كانَ ذَلِكَ ظُلْمًا في مَذْهَبِكم، فَلِمَ تَطْلُبُونَ ما عَرَفْتُمْ أنَّهُ ظُلْمٌ ؟ وباطِنُهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَنِي وأوْحى إلَيَّ بِأخْذِ بِنْيامِينَ واحْتِباسِهِ لِمَصْلَحَةٍ، أوْ مَصالِحَ جَمَّةٍ عَلِمَها في ذَلِكَ، فَلَوْ أخَذْتَ غَيْرَ مَن أمَرَنِي بِأخْذِهِ كُنْتُ ظالِمًا وعامِلًا عَلى خِلافِ الوَحْيِ. (وأنْ نَأْخُذَ) تَقْدِيرُهُ: مِن أنْ نَأْخُذَ، و(إذا) جَوابٌ وجَزاءٌ؛ أيْ: إنْ أخَذْنا بَدَلَهُ ظَلَمْنا، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لَمّا أيْأسَهم مِن حَمْلِهِ مَعَهم: إذا أتَيْتُمْ أباكم فاقْرَءُوا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقُولُوا لَهُ: إنَّ مَلِكَ مِصْرَ يَدْعُو لَكَ أنْ لا تَمُوتَ حَتّى تَرى ولَدَكَ يُوسُفَ، لِيَعْلَمَ أنَّ في أرْضِ مِصْرَ صِدِّيقِينَ مِثْلَهُ.

يوسف 12:79

﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ اسْتَعْطَفُوا يُوسُفَ إذْ كانَ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ، ومَعْنى (كَبِيرًا) في السِّنِّ أوِ القَدْرِ، وكانُوا قَدْ أعْلَمُوا يُوسُفَ بِأنَّهُ كانَ لَهُ ابْنٌ قَدْ هَلَكَ، وهَذا شَقِيقُهُ يَسْتَأْنِسُ بِهِ، وخاطَبُوهُ بِالعَزِيزِ إذْ كانَ في تِلْكَ الخُطَّةِ بِعَزْلِ قِطْفِيرَ، أوْ مَوْتِهِ عَلى ما سَبَقَ، ومَعْنى (مَكانَهُ) أيْ: بَدَلَهُ، عَلى جِهَةِ الِاسْتِرْهانِ أوِ الِاسْتِعْبادِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ قَوْلُهم أنْ يَكُونَ مَجازًا، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَصِحُّ أخْذُ حُرٍّ بِسارِقٍ بَدَلَ مَن قَدْ أحْكَمَتِ السُّنَّةُ رِقَّهُ، وإنَّما هَذا كَمَنَ يَقُولُ لِمَن يُكْرَهُ فِعْلُهُ: اقْتُلْنِي ولا تَفْعَلْ كَذا وكَذا، وأنْتَ لا تُرِيدُ أنْ يَقْتُلَكَ ولَكِنَّكَ تُبالِغُ في اسْتِنْزالِهِ، وعَلى هَذا يَتَّجِهُ قَوْلُ يُوسُفَ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ تَعَوَّذَ مِن غَيْرِ جائِزٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم حَقِيقَةً، وبَعِيدٌ عَلَيْهِمْ وهم أنْبِياءُ أنْ يُرِيدُوا اسْتِرْقاقَ حُرٍّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ طَرِيقَ الجَمّالَةِ، أيْ: خُذْ أحَدَنا حَتّى يَنْصَرِفَ إلَيْكَ صاحِبُكَ، ومَقْصِدُهم بِذَلِكَ أنْ يَصِلَ بِنْيامِينُ إلى أبِيهِ ويَعْرِفَ يَعْقُوبُ جَلِيَّةَ الأمْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ وصَفُوهُ بِما شاهَدُوهُ مِن إحْسانِهِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلَيْنا في هَذِهِ اليَدِ إنْ أسْدَيْتَها إلَيْنا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ، و﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي﴾ [يوسف: ٢٣] والمَعْنى: وجَبَ عَلى قَضِيَّةِ فَتْواكم أخْذُ مَن وُجِدَ الصُّواعُ في رَحْلِهِ واسْتِعْبادُهُ، فَلَوْ أخَذْنا غَيْرَهُ كانَ ذَلِكَ ظُلْمًا في مَذْهَبِكم، فَلِمَ تَطْلُبُونَ ما عَرَفْتُمْ أنَّهُ ظُلْمٌ ؟ وباطِنُهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَنِي وأوْحى إلَيَّ بِأخْذِ بِنْيامِينَ واحْتِباسِهِ لِمَصْلَحَةٍ، أوْ مَصالِحَ جَمَّةٍ عَلِمَها في ذَلِكَ، فَلَوْ أخَذْتَ غَيْرَ مَن أمَرَنِي بِأخْذِهِ كُنْتُ ظالِمًا وعامِلًا عَلى خِلافِ الوَحْيِ. (وأنْ نَأْخُذَ) تَقْدِيرُهُ: مِن أنْ نَأْخُذَ، و(إذا) جَوابٌ وجَزاءٌ؛ أيْ: إنْ أخَذْنا بَدَلَهُ ظَلَمْنا، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لَمّا أيْأسَهم مِن حَمْلِهِ مَعَهم: إذا أتَيْتُمْ أباكم فاقْرَءُوا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقُولُوا لَهُ: إنَّ مَلِكَ مِصْرَ يَدْعُو لَكَ أنْ لا تَمُوتَ حَتّى تَرى ولَدَكَ يُوسُفَ، لِيَعْلَمَ أنَّ في أرْضِ مِصْرَ صِدِّيقِينَ مِثْلَهُ.

يوسف 12:80

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ (p-٣٣٥)اسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى المُجَرَّدِ، يَئِسَ واسْتَيْأسَ بِمَعْنًى واحِدٍ، نَحْوَ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ زِيادَةَ السِّينِ والتّاءِ في المُبالَغَةِ، قالَ نَحْوَ ما مَرَّ في اسْتَعْصَمَ، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (اسْتَيْأسُوا) اسْتَفْعَلُوا، مِن أيِسَ مَقْلُوبًا مَن يَئِسَ، ودَلِيلُ القَلْبِ كَوْنُ ياءِ أيِسَ لَمْ تَنْقَلِبْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ومَعْنى ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ انْفَرَدُوا مِن غَيْرِهِمْ يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا، والنَّجِيُّ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، كالخَلِيطِ والعَشِيرِ، ومَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي هو التَّناجِي كَما قِيلَ: النَّجْوى بِمَعْنى التَّناجِي، وهو لَفْظٌ يُوصَفُ بِهِ مَن لَهُ نَجْوًى واحِدًا كانَ أوْ جَماعَةً، مُؤَنَّثًا أوْ مُذَكَّرًا، فَهو كَعَدْلٍ، ويُجْمَعُ عَلى أنْجِيَةٍ، قالَ لَبِيَدٌ: ؎وشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفاقَةِ عالِيًا كَعْبِي وأرْدافُ المُلُوكِ شُهُودُ وقالَ آخَرُ: ؎إنِّي إذا ما القَوْمُ كانُوا أنْجِيَهْ ويَقُولُ قَوْمٌ نَجِيٌّ وهم نَجْوى تَنْزِيلًا لِلْمَصْدَرِ مَنزِلَةَ الأوْصافِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم نَجِيٌّ مِن بابِ هم صَدِيقٌ؛ لِأنَّهُ بِزِنَةِ المَصادِرِ مَحْصُوًّا لِلتَّناجِي، يَنْظُرُونَ ماذا يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ في شَأْنِ أخِيهِمْ لِهَذا الَّذِي دَهَمَهم مِنَ الخَطْبِ فِيهِ، فاحْتاجُوا إلى التَّشاوُرِ، و(كَبِيرُهم) أيْ: رَأْيًا وتَدْبِيرًا وعِلْمًا، وهو شَمْعُونُ قالَهُ: مُجاهِدٌ، أوْ كَبِيرُهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ قالَهُ: قَتادَةُ، وقِيلَ: في العَقْلِ والرَّأْيِ، وهو يَهُوذا، ذَكَّرَهُمُ المِيثاقَ في قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] و”ما“ زائِدَةٌ أيْ: (p-٣٣٦)ومِن قَبْلِ هَذا فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ، و(مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (فَرَّطْتُمْ) وقَدْ جَوَّزُوا في إعْرابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ومِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرَهُ الظَّرْفُ، وهو ومِن قَبْلُ، ومَعْناهُ: ووَقَعَ مِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقًا بِـ (ما فَرَّطْتُمْ) وإنَّما تَكُونُ عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً، التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ واقِعٌ ومُسْتَقِرٌّ، وبِهَذا القَدْرِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلُ) انْتَهى. وهَذا وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ راجِعٌ إلى مَعْنًى واحِدٍ وهو: إنَّ ما فَرَّطْتُمْ؛ يُقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ، و(مِن قَبْلُ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وذَهْلًا عَنْ قاعِدَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وحَقَّ لَهُما أنْ يَذْهَلا وهو أنَّ هَذِهِ الظُّرُوفَ الَّتِي هي غاياتٌ إذا ثَبَتَتْ لا تَقَعُ أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ جُرَّتْ أوْ لَمْ تُجَرَّ، تَقُولُ: يَوْمُ السَّبْتِ مُبارَكٌ والسَّفَرُ بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ والسَّفَرُ بَعْدُ وعُمَرُ وزَيْدٌ خَلْفَهُ، ولا يُقالُ: عُمَرُ وزَيْدٌ خَلْفُ، وعَلى ما ذَكَراهُ يَكُونُ ”تَفْرِيطُكم“ مُبْتَدَأٌ، و”مِن قَبْلُ“ خَبَرٌ وهو مَبْنِيٌّ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ وهَذا مُقَرَّرٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، ولِهَذا ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّ المَصْدَرَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، و(في يُوسُفَ) هو الخَبَرُ؛ أيْ: كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ في يُوسُفَ، والظّاهِرُ أنَّ (في يُوسُفَ) مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (فَرَّطْتُمْ) لا أنَّهُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، والمَصْدَرُ المَسْبُوكُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أخْذَ أبِيكم عَلَيْكم مَوْثِقًا مِن قَبْلُ، وتَفْرِيطُكم في يُوسُفَ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْرِيطُكم مِن قَبْلُ في يُوسُفَ، وهَذا الَّذِي ذَهَبا إلَيْهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ الَّذِي هو عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وبَيْنَ المَعْطُوفِ، فَصارَ نَظِيرَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وبِسَيْفِ عَمْرًا، وقَدْ زَعَمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وأمّا تَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ: وتَفْرِيطُكم مِن قَبْلُ في يُوسُفَ، فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المَصْدَرِ المُنْحَلِّ لِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ عَلَيْهِ، وهو لا يَجُوزُ، وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أوِ النَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ، انْتَهى. يَعْنِي بِالرَّفْعِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، و(مِن قَبْلُ) الخَبَرُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، ويَعْنِي بِالنَّصْبِ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن قَوْلِهِ: (إنَّ أباكم قَدْ أخَذَ) وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ الَّذِي هو الواوُ، وبَيْنَ المَعْطُوفِ، وأحْسَنُ هَذِهِ الأوْجُهِ ما بَدَأْنا بِهِ مِن كَوْنِ ما زائِدَةً، وبَرِحَ التّامَّةُ تَكُونُ بِمَعْنى ذَهَبَ وبِمَعْنى ظَهَرَ، ومِنهُ بَرِحَ الخَفاءُ أيْ: ظَهَرَ، وذَهَبَ لا يَنْتَصِبُ الظَّرْفُ المَكانِيُّ المُخْتَصُّ بِها، إنَّما يَصِلُ إلَيْهِ بِوَساطَةِ ”في“ فاحْتِيجَ إلى اعْتِقادِ تَضْمِينِ بَرِحَ بِمَعْنى فارَقَ، فانْتَصَبَ الأرْضُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً لِأنَّهُ لا يَنْعَقِدُ مِنِ اسْمِها، والأرْضُ المَنصُوبُ عَلى الظَّرْفِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِلُ إلّا بِحَرْفِ ”في“ . لَوْ قُلْتَ: زَيْدُ الأرْضِ لَمْ يَجُزْ، وعُنِيَ بِالأرْضِ أرْضُ مِصْرَ الَّتِي فِيها الواقِعَةُ، ثُمَّ غَيّا ذَلِكَ بِغايَتَيْنِ؛ إحْداهُما: خاصَّةٌ وهي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ يَعْنِي في الِانْصِرافِ إلَيْهِ. والثّانِيَةُ: عامَّةٌ وهي قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ لِأنَّ إذْنَ اللَّهِ لَهُ هو مِن حُكْمِ اللَّهِ لَهُ في مُفارَقَةِ أرْضِ مِصْرَ، وكَأنَّهُ لَمّا عَلَّقَ الأمْرَ بِالغايَةِ الخاصَّةِ رَجَعَ إلى نَفْسِهِ فَأتى بِغايَةٍ عامَّةٍ تَفْوِيضًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، ورُجُوعًا إلى مَن لَهُ الحُكْمُ حَقِيقَةً، ومَقْصُودُهُ التَّضْيِيقُ عَلى نَفْسِهِ، كَأنَّهُ سَجَنَها في القُطْرِ الَّذِي أدّاهُ إلى سُخْطِ أبِيهِ إبْلاءً لِعُذْرِهِ، وحَكَمَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العُذْرِ كالمَوْتِ، وخَلاصِ أخِيهِ، أوِ انْتِصافِهِ مِن أخْذِ أخِيهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ أوْ (p-٣٣٧)غَيْرِ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ ”يَحَكُمَ“ مَعْطُوفٌ عَلى (يَأْذَنَ) وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ (أوْ) في جَوابِ النَّفْيِ، وهو: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، كَقَوْلِكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِّي حَقِّي؛ أيْ: إلّا أنْ تَقْضِيَنِي، ومَعْناها ومَعْنى الغايَةِ مُتَقارِبانِ. رُوِيَ أنَّهم لَمّا وصَلُوا إلى يَعْقُوبَ أخْبَرُوهُ بِالقِصَّةِ فَبَكى وقالَ: يا بَنِيَّ ما تَذْهَبُونَ عَنِّي مَرَّةً إلّا نَقَصْتُمْ، ذَهَبْتُمْ فَنَقَصَتُمْ شَمْعُونَ حَيْثُ ارْتُهِنَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالرُّجُوعِ هو مِن قَوْلِ كَبِيرِهِمْ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَرَقَ) ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إخْبارًا بِظاهِرِ الحالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَزِينٍ والكِسائِيُّ في رِوايَةٍ: (سُرِّقَ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، لَمْ يَقْطَعُوا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ بَلْ ذَكَرُوا أنَّهُ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ مِنَ التَّسْرِيقِ، ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ أيْ: لِلْأمْرِ الخَفِيِّ (حافِظِينَ) أسَرَقَ بِالصِّحَّةِ أمْ دُسَّ الصّاعُ في رَحْلِهِ ولَمْ يَشْعُرْ ؟ وقَرَأ الضَّحّاكُ: (سارِقٌ) اسْمُ فاعِلٍ. وعَلى قِراءَةِ (سُرِّقَ) و(سارِقٌ)، اخْتَلَفَ التَّأْوِيلُ في قَوْلِهِ: (إلّا بِما عَلِمْنا) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِما عَلِمْنا مِن سَرِقَتِهِ وتَيَقَّنّا؛ لِأنَّ الصُّواعَ أُخْرِجَ مِن وِعائِهِ، ولا شَيْءَ أبْيَنُ مِن هَذا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ، وقَوْلُنا لَكَ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ إنَّما هي شَهادَةٌ عِنْدَكَ بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ ما جَرى، والعِلْمُ في الغَيْبِ إلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ ذَلِكَ في حِفْظِنا، هَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ: وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادُوا وما شَهِدْنا بِهِ عِنْدَ يُوسُفَ أنَّ السّارِقَ يَسْتَرِقُّ في شَرْعِكَ، إلّا بِما عَلِمْنا مِن ذَلِكَ، وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أنَّ السَّرِقَةَ تَخْرُجُ مِن رَحْلِ أحَدِنا، بَلْ حَسِبْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ البَتَّةَ، فَشَهِدْنا عِنْدَهُ حِينَ سَألَنا بِعِلْمِنا، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أيْ: حِينَ واثَقْناكَ، إنَّما قَصَدْنا أنْ لا يَقَعَ مِنّا نَحْنُ في جِهَتِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَمْ نَعْلَمِ الغَيْبَ في أنَّهُ سَيَأْتِي هو بِما يُوجِبُ رِقَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ وما عَلِمْنا أنَّهُ يُسْتَرَقُّ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ، أوْ رُبَّما عَلِمْنا أنَّكَ تُصابُ كَما أُصِبْتَ بِ يُوسُفَ، ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ أنَّ المَعْنى قَوْلُهم: (لِلْغَيْبِ) لِلَّيْلِ، والغَيْبُ اللَّيْلُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ، وكَأنَّهم قالُوا: وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا مِن ظاهِرِ حالِهِ، وما كُنّا بِاللَّيْلِ حافِظِينَ لِما يَقَعُ مِن سَرِقَتِهِ هو، أوِ التَّدْلِيسِ عَلَيْهِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وأُخْبِرَ بِالقِصَّةِ، وقَوْلُ مَن قالَ: ارْجِعُوا، ثُمَّ اسْتَشْهَدُوا بِأهْلِ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها وهي مِصْرُ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أرْسِلْ إلى القَرْيَةِ واسْألْ عَنْ كُنْهِ القِصَّةِ، والعِيرُ كانُوا قَوْمًا مِن كَنْعانَ مِن جِرانِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مِن أهْلِ صَنْعاءَ، فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ عَلى إضْمارِ أهْلٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وسَلْ أهْلَ القَرْيَةِ وأهْلَ العِيرِ، إلّا أنْ أُرِيدَ بِالعِيرِ القافِلَةُ، فَلا إضْمارَ في قَوْلِهِ: (والعِيرَ)، وأحالُوا في تَوْضِيحِ القِصَّةِ عَلى ناسٍ حاضِرِينَ الحالَ فَيَشْهَدُونَ بِما سَمِعُوا، وعَلى ناسٍ غُيَّبٍ يُرْسَلُ إلَيْهِمْ فَيَسْألُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالُوهُ عَلى سُؤالِ الجَماداتِ والبَهائِمِ حَقِيقَةً، ومِن حَيْثُ هو نَبِيٌّ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحَقِيقَةِ، وحَذْفُ المُضافِ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَجازٌ. وحَكى أبُو المَعالِي عَنْ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ قالَ: هَذا مِنَ الحَذْفِ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ، قالَ: وإنَّما المَجازُ لَفْظَةٌ اسْتُعِيرَتْ لِغَيْرِ ما هي لَهُ، قالَ: وحَذْفُ المُضافِ هو عَيْنُ المَجازِ، وعَظَّمَ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ، وحَكى أنَّهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ أوْ نَحْوُ هَذا، انْتَهى. وفِي المَحْصُولِ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الرّازِيِّ، وفي مُخْتَصَراتِهِ: أنَّ الإضْمارَ والمَجازَ مُتَبايِنانِ لَيْسَ أحَدُهُما قِسْمًا مِنَ الآخَرِ، و(بَلْ) لِلْإضْرابِ، فَيَقْتَضِي كَلامًا مَحْذُوفًا قَبْلَها حَتّى يَصِحَّ الإضْرابُ فِيها، وتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ الأمْرُ حَقِيقَةً كَما أخْبَرْتُمْ بَلْ سَوَّلَتْ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ إنَّما هو ظَنُّ سُوءٍ بِهِمْ كَما كانَ في قِصَّةِ يُوسُفَ قَبْلُ، فاتَّفَقَ أنْ صَدَقَ ظَنَّهُ هُناكَ، ولَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أرَدْتُمُوهُ، وإلّا فَما أدْرى ذَلِكَ الرَّجُلَ أنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ لَوْلا فَتْواكم وتَعْلِيمُكم، وتَقَدَّمَ شَرْحُ (سَوَّلَتْ) وإعْرابُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، ثُمَّ (p-٣٣٨)تَرَجّى أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُهم عَلَيْهِ وهم: يُوسُفُ وبِنْيامِينُ، وكَبِيرُهم عَلى الخِلافِ الَّذِي فِيهِ، وتَرَجّى يَعْقُوبُ لِلرُّؤْيا الَّتِي رَآها يُوسُفُ، فَكانَ يَنْتَظِرُها ويُحْسِنُ ظَنَّهُ بِاللَّهِ في كُلِّ حالٍ، ولِما أُخْبِرَ بِهِ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ أنَّهُ يَدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ، ووَصْفُهُ اللَّهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لائِقٌ بِما يُؤَخِّرُهُ تَعالى مِن لِقاءِ بَنِيهِ، وتَسْلِيمٌ لِحِكْمَةِ اللَّهِ فِيما جَرى عَلَيْهِ.

يوسف 12:81

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ (p-٣٣٥)اسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى المُجَرَّدِ، يَئِسَ واسْتَيْأسَ بِمَعْنًى واحِدٍ، نَحْوَ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ زِيادَةَ السِّينِ والتّاءِ في المُبالَغَةِ، قالَ نَحْوَ ما مَرَّ في اسْتَعْصَمَ، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (اسْتَيْأسُوا) اسْتَفْعَلُوا، مِن أيِسَ مَقْلُوبًا مَن يَئِسَ، ودَلِيلُ القَلْبِ كَوْنُ ياءِ أيِسَ لَمْ تَنْقَلِبْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ومَعْنى ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ انْفَرَدُوا مِن غَيْرِهِمْ يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا، والنَّجِيُّ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، كالخَلِيطِ والعَشِيرِ، ومَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي هو التَّناجِي كَما قِيلَ: النَّجْوى بِمَعْنى التَّناجِي، وهو لَفْظٌ يُوصَفُ بِهِ مَن لَهُ نَجْوًى واحِدًا كانَ أوْ جَماعَةً، مُؤَنَّثًا أوْ مُذَكَّرًا، فَهو كَعَدْلٍ، ويُجْمَعُ عَلى أنْجِيَةٍ، قالَ لَبِيَدٌ: ؎وشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفاقَةِ عالِيًا كَعْبِي وأرْدافُ المُلُوكِ شُهُودُ وقالَ آخَرُ: ؎إنِّي إذا ما القَوْمُ كانُوا أنْجِيَهْ ويَقُولُ قَوْمٌ نَجِيٌّ وهم نَجْوى تَنْزِيلًا لِلْمَصْدَرِ مَنزِلَةَ الأوْصافِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم نَجِيٌّ مِن بابِ هم صَدِيقٌ؛ لِأنَّهُ بِزِنَةِ المَصادِرِ مَحْصُوًّا لِلتَّناجِي، يَنْظُرُونَ ماذا يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ في شَأْنِ أخِيهِمْ لِهَذا الَّذِي دَهَمَهم مِنَ الخَطْبِ فِيهِ، فاحْتاجُوا إلى التَّشاوُرِ، و(كَبِيرُهم) أيْ: رَأْيًا وتَدْبِيرًا وعِلْمًا، وهو شَمْعُونُ قالَهُ: مُجاهِدٌ، أوْ كَبِيرُهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ قالَهُ: قَتادَةُ، وقِيلَ: في العَقْلِ والرَّأْيِ، وهو يَهُوذا، ذَكَّرَهُمُ المِيثاقَ في قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] و”ما“ زائِدَةٌ أيْ: (p-٣٣٦)ومِن قَبْلِ هَذا فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ، و(مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (فَرَّطْتُمْ) وقَدْ جَوَّزُوا في إعْرابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ومِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرَهُ الظَّرْفُ، وهو ومِن قَبْلُ، ومَعْناهُ: ووَقَعَ مِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقًا بِـ (ما فَرَّطْتُمْ) وإنَّما تَكُونُ عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً، التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ واقِعٌ ومُسْتَقِرٌّ، وبِهَذا القَدْرِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلُ) انْتَهى. وهَذا وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ راجِعٌ إلى مَعْنًى واحِدٍ وهو: إنَّ ما فَرَّطْتُمْ؛ يُقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ، و(مِن قَبْلُ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وذَهْلًا عَنْ قاعِدَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وحَقَّ لَهُما أنْ يَذْهَلا وهو أنَّ هَذِهِ الظُّرُوفَ الَّتِي هي غاياتٌ إذا ثَبَتَتْ لا تَقَعُ أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ جُرَّتْ أوْ لَمْ تُجَرَّ، تَقُولُ: يَوْمُ السَّبْتِ مُبارَكٌ والسَّفَرُ بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ والسَّفَرُ بَعْدُ وعُمَرُ وزَيْدٌ خَلْفَهُ، ولا يُقالُ: عُمَرُ وزَيْدٌ خَلْفُ، وعَلى ما ذَكَراهُ يَكُونُ ”تَفْرِيطُكم“ مُبْتَدَأٌ، و”مِن قَبْلُ“ خَبَرٌ وهو مَبْنِيٌّ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ وهَذا مُقَرَّرٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، ولِهَذا ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّ المَصْدَرَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، و(في يُوسُفَ) هو الخَبَرُ؛ أيْ: كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ في يُوسُفَ، والظّاهِرُ أنَّ (في يُوسُفَ) مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (فَرَّطْتُمْ) لا أنَّهُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، والمَصْدَرُ المَسْبُوكُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أخْذَ أبِيكم عَلَيْكم مَوْثِقًا مِن قَبْلُ، وتَفْرِيطُكم في يُوسُفَ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْرِيطُكم مِن قَبْلُ في يُوسُفَ، وهَذا الَّذِي ذَهَبا إلَيْهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ الَّذِي هو عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وبَيْنَ المَعْطُوفِ، فَصارَ نَظِيرَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وبِسَيْفِ عَمْرًا، وقَدْ زَعَمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وأمّا تَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ: وتَفْرِيطُكم مِن قَبْلُ في يُوسُفَ، فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المَصْدَرِ المُنْحَلِّ لِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ عَلَيْهِ، وهو لا يَجُوزُ، وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أوِ النَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ، انْتَهى. يَعْنِي بِالرَّفْعِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، و(مِن قَبْلُ) الخَبَرُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، ويَعْنِي بِالنَّصْبِ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن قَوْلِهِ: (إنَّ أباكم قَدْ أخَذَ) وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ الَّذِي هو الواوُ، وبَيْنَ المَعْطُوفِ، وأحْسَنُ هَذِهِ الأوْجُهِ ما بَدَأْنا بِهِ مِن كَوْنِ ما زائِدَةً، وبَرِحَ التّامَّةُ تَكُونُ بِمَعْنى ذَهَبَ وبِمَعْنى ظَهَرَ، ومِنهُ بَرِحَ الخَفاءُ أيْ: ظَهَرَ، وذَهَبَ لا يَنْتَصِبُ الظَّرْفُ المَكانِيُّ المُخْتَصُّ بِها، إنَّما يَصِلُ إلَيْهِ بِوَساطَةِ ”في“ فاحْتِيجَ إلى اعْتِقادِ تَضْمِينِ بَرِحَ بِمَعْنى فارَقَ، فانْتَصَبَ الأرْضُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً لِأنَّهُ لا يَنْعَقِدُ مِنِ اسْمِها، والأرْضُ المَنصُوبُ عَلى الظَّرْفِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِلُ إلّا بِحَرْفِ ”في“ . لَوْ قُلْتَ: زَيْدُ الأرْضِ لَمْ يَجُزْ، وعُنِيَ بِالأرْضِ أرْضُ مِصْرَ الَّتِي فِيها الواقِعَةُ، ثُمَّ غَيّا ذَلِكَ بِغايَتَيْنِ؛ إحْداهُما: خاصَّةٌ وهي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ يَعْنِي في الِانْصِرافِ إلَيْهِ. والثّانِيَةُ: عامَّةٌ وهي قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ لِأنَّ إذْنَ اللَّهِ لَهُ هو مِن حُكْمِ اللَّهِ لَهُ في مُفارَقَةِ أرْضِ مِصْرَ، وكَأنَّهُ لَمّا عَلَّقَ الأمْرَ بِالغايَةِ الخاصَّةِ رَجَعَ إلى نَفْسِهِ فَأتى بِغايَةٍ عامَّةٍ تَفْوِيضًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، ورُجُوعًا إلى مَن لَهُ الحُكْمُ حَقِيقَةً، ومَقْصُودُهُ التَّضْيِيقُ عَلى نَفْسِهِ، كَأنَّهُ سَجَنَها في القُطْرِ الَّذِي أدّاهُ إلى سُخْطِ أبِيهِ إبْلاءً لِعُذْرِهِ، وحَكَمَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العُذْرِ كالمَوْتِ، وخَلاصِ أخِيهِ، أوِ انْتِصافِهِ مِن أخْذِ أخِيهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ أوْ (p-٣٣٧)غَيْرِ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ ”يَحَكُمَ“ مَعْطُوفٌ عَلى (يَأْذَنَ) وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ (أوْ) في جَوابِ النَّفْيِ، وهو: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، كَقَوْلِكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِّي حَقِّي؛ أيْ: إلّا أنْ تَقْضِيَنِي، ومَعْناها ومَعْنى الغايَةِ مُتَقارِبانِ. رُوِيَ أنَّهم لَمّا وصَلُوا إلى يَعْقُوبَ أخْبَرُوهُ بِالقِصَّةِ فَبَكى وقالَ: يا بَنِيَّ ما تَذْهَبُونَ عَنِّي مَرَّةً إلّا نَقَصْتُمْ، ذَهَبْتُمْ فَنَقَصَتُمْ شَمْعُونَ حَيْثُ ارْتُهِنَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالرُّجُوعِ هو مِن قَوْلِ كَبِيرِهِمْ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَرَقَ) ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إخْبارًا بِظاهِرِ الحالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَزِينٍ والكِسائِيُّ في رِوايَةٍ: (سُرِّقَ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، لَمْ يَقْطَعُوا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ بَلْ ذَكَرُوا أنَّهُ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ مِنَ التَّسْرِيقِ، ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ أيْ: لِلْأمْرِ الخَفِيِّ (حافِظِينَ) أسَرَقَ بِالصِّحَّةِ أمْ دُسَّ الصّاعُ في رَحْلِهِ ولَمْ يَشْعُرْ ؟ وقَرَأ الضَّحّاكُ: (سارِقٌ) اسْمُ فاعِلٍ. وعَلى قِراءَةِ (سُرِّقَ) و(سارِقٌ)، اخْتَلَفَ التَّأْوِيلُ في قَوْلِهِ: (إلّا بِما عَلِمْنا) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِما عَلِمْنا مِن سَرِقَتِهِ وتَيَقَّنّا؛ لِأنَّ الصُّواعَ أُخْرِجَ مِن وِعائِهِ، ولا شَيْءَ أبْيَنُ مِن هَذا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ، وقَوْلُنا لَكَ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ إنَّما هي شَهادَةٌ عِنْدَكَ بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ ما جَرى، والعِلْمُ في الغَيْبِ إلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ ذَلِكَ في حِفْظِنا، هَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ: وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادُوا وما شَهِدْنا بِهِ عِنْدَ يُوسُفَ أنَّ السّارِقَ يَسْتَرِقُّ في شَرْعِكَ، إلّا بِما عَلِمْنا مِن ذَلِكَ، وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أنَّ السَّرِقَةَ تَخْرُجُ مِن رَحْلِ أحَدِنا، بَلْ حَسِبْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ البَتَّةَ، فَشَهِدْنا عِنْدَهُ حِينَ سَألَنا بِعِلْمِنا، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أيْ: حِينَ واثَقْناكَ، إنَّما قَصَدْنا أنْ لا يَقَعَ مِنّا نَحْنُ في جِهَتِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَمْ نَعْلَمِ الغَيْبَ في أنَّهُ سَيَأْتِي هو بِما يُوجِبُ رِقَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ وما عَلِمْنا أنَّهُ يُسْتَرَقُّ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ، أوْ رُبَّما عَلِمْنا أنَّكَ تُصابُ كَما أُصِبْتَ بِ يُوسُفَ، ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ أنَّ المَعْنى قَوْلُهم: (لِلْغَيْبِ) لِلَّيْلِ، والغَيْبُ اللَّيْلُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ، وكَأنَّهم قالُوا: وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا مِن ظاهِرِ حالِهِ، وما كُنّا بِاللَّيْلِ حافِظِينَ لِما يَقَعُ مِن سَرِقَتِهِ هو، أوِ التَّدْلِيسِ عَلَيْهِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وأُخْبِرَ بِالقِصَّةِ، وقَوْلُ مَن قالَ: ارْجِعُوا، ثُمَّ اسْتَشْهَدُوا بِأهْلِ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها وهي مِصْرُ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أرْسِلْ إلى القَرْيَةِ واسْألْ عَنْ كُنْهِ القِصَّةِ، والعِيرُ كانُوا قَوْمًا مِن كَنْعانَ مِن جِرانِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مِن أهْلِ صَنْعاءَ، فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ عَلى إضْمارِ أهْلٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وسَلْ أهْلَ القَرْيَةِ وأهْلَ العِيرِ، إلّا أنْ أُرِيدَ بِالعِيرِ القافِلَةُ، فَلا إضْمارَ في قَوْلِهِ: (والعِيرَ)، وأحالُوا في تَوْضِيحِ القِصَّةِ عَلى ناسٍ حاضِرِينَ الحالَ فَيَشْهَدُونَ بِما سَمِعُوا، وعَلى ناسٍ غُيَّبٍ يُرْسَلُ إلَيْهِمْ فَيَسْألُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالُوهُ عَلى سُؤالِ الجَماداتِ والبَهائِمِ حَقِيقَةً، ومِن حَيْثُ هو نَبِيٌّ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحَقِيقَةِ، وحَذْفُ المُضافِ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَجازٌ. وحَكى أبُو المَعالِي عَنْ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ قالَ: هَذا مِنَ الحَذْفِ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ، قالَ: وإنَّما المَجازُ لَفْظَةٌ اسْتُعِيرَتْ لِغَيْرِ ما هي لَهُ، قالَ: وحَذْفُ المُضافِ هو عَيْنُ المَجازِ، وعَظَّمَ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ، وحَكى أنَّهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ أوْ نَحْوُ هَذا، انْتَهى. وفِي المَحْصُولِ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الرّازِيِّ، وفي مُخْتَصَراتِهِ: أنَّ الإضْمارَ والمَجازَ مُتَبايِنانِ لَيْسَ أحَدُهُما قِسْمًا مِنَ الآخَرِ، و(بَلْ) لِلْإضْرابِ، فَيَقْتَضِي كَلامًا مَحْذُوفًا قَبْلَها حَتّى يَصِحَّ الإضْرابُ فِيها، وتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ الأمْرُ حَقِيقَةً كَما أخْبَرْتُمْ بَلْ سَوَّلَتْ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ إنَّما هو ظَنُّ سُوءٍ بِهِمْ كَما كانَ في قِصَّةِ يُوسُفَ قَبْلُ، فاتَّفَقَ أنْ صَدَقَ ظَنَّهُ هُناكَ، ولَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أرَدْتُمُوهُ، وإلّا فَما أدْرى ذَلِكَ الرَّجُلَ أنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ لَوْلا فَتْواكم وتَعْلِيمُكم، وتَقَدَّمَ شَرْحُ (سَوَّلَتْ) وإعْرابُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، ثُمَّ (p-٣٣٨)تَرَجّى أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُهم عَلَيْهِ وهم: يُوسُفُ وبِنْيامِينُ، وكَبِيرُهم عَلى الخِلافِ الَّذِي فِيهِ، وتَرَجّى يَعْقُوبُ لِلرُّؤْيا الَّتِي رَآها يُوسُفُ، فَكانَ يَنْتَظِرُها ويُحْسِنُ ظَنَّهُ بِاللَّهِ في كُلِّ حالٍ، ولِما أُخْبِرَ بِهِ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ أنَّهُ يَدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ، ووَصْفُهُ اللَّهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لائِقٌ بِما يُؤَخِّرُهُ تَعالى مِن لِقاءِ بَنِيهِ، وتَسْلِيمٌ لِحِكْمَةِ اللَّهِ فِيما جَرى عَلَيْهِ.

يوسف 12:82

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ (p-٣٣٥)اسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى المُجَرَّدِ، يَئِسَ واسْتَيْأسَ بِمَعْنًى واحِدٍ، نَحْوَ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ زِيادَةَ السِّينِ والتّاءِ في المُبالَغَةِ، قالَ نَحْوَ ما مَرَّ في اسْتَعْصَمَ، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (اسْتَيْأسُوا) اسْتَفْعَلُوا، مِن أيِسَ مَقْلُوبًا مَن يَئِسَ، ودَلِيلُ القَلْبِ كَوْنُ ياءِ أيِسَ لَمْ تَنْقَلِبْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ومَعْنى ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ انْفَرَدُوا مِن غَيْرِهِمْ يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا، والنَّجِيُّ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، كالخَلِيطِ والعَشِيرِ، ومَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي هو التَّناجِي كَما قِيلَ: النَّجْوى بِمَعْنى التَّناجِي، وهو لَفْظٌ يُوصَفُ بِهِ مَن لَهُ نَجْوًى واحِدًا كانَ أوْ جَماعَةً، مُؤَنَّثًا أوْ مُذَكَّرًا، فَهو كَعَدْلٍ، ويُجْمَعُ عَلى أنْجِيَةٍ، قالَ لَبِيَدٌ: ؎وشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفاقَةِ عالِيًا كَعْبِي وأرْدافُ المُلُوكِ شُهُودُ وقالَ آخَرُ: ؎إنِّي إذا ما القَوْمُ كانُوا أنْجِيَهْ ويَقُولُ قَوْمٌ نَجِيٌّ وهم نَجْوى تَنْزِيلًا لِلْمَصْدَرِ مَنزِلَةَ الأوْصافِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم نَجِيٌّ مِن بابِ هم صَدِيقٌ؛ لِأنَّهُ بِزِنَةِ المَصادِرِ مَحْصُوًّا لِلتَّناجِي، يَنْظُرُونَ ماذا يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ في شَأْنِ أخِيهِمْ لِهَذا الَّذِي دَهَمَهم مِنَ الخَطْبِ فِيهِ، فاحْتاجُوا إلى التَّشاوُرِ، و(كَبِيرُهم) أيْ: رَأْيًا وتَدْبِيرًا وعِلْمًا، وهو شَمْعُونُ قالَهُ: مُجاهِدٌ، أوْ كَبِيرُهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ قالَهُ: قَتادَةُ، وقِيلَ: في العَقْلِ والرَّأْيِ، وهو يَهُوذا، ذَكَّرَهُمُ المِيثاقَ في قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] و”ما“ زائِدَةٌ أيْ: (p-٣٣٦)ومِن قَبْلِ هَذا فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ، و(مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (فَرَّطْتُمْ) وقَدْ جَوَّزُوا في إعْرابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ومِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرَهُ الظَّرْفُ، وهو ومِن قَبْلُ، ومَعْناهُ: ووَقَعَ مِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقًا بِـ (ما فَرَّطْتُمْ) وإنَّما تَكُونُ عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً، التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ واقِعٌ ومُسْتَقِرٌّ، وبِهَذا القَدْرِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلُ) انْتَهى. وهَذا وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ راجِعٌ إلى مَعْنًى واحِدٍ وهو: إنَّ ما فَرَّطْتُمْ؛ يُقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ، و(مِن قَبْلُ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وذَهْلًا عَنْ قاعِدَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وحَقَّ لَهُما أنْ يَذْهَلا وهو أنَّ هَذِهِ الظُّرُوفَ الَّتِي هي غاياتٌ إذا ثَبَتَتْ لا تَقَعُ أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ جُرَّتْ أوْ لَمْ تُجَرَّ، تَقُولُ: يَوْمُ السَّبْتِ مُبارَكٌ والسَّفَرُ بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ والسَّفَرُ بَعْدُ وعُمَرُ وزَيْدٌ خَلْفَهُ، ولا يُقالُ: عُمَرُ وزَيْدٌ خَلْفُ، وعَلى ما ذَكَراهُ يَكُونُ ”تَفْرِيطُكم“ مُبْتَدَأٌ، و”مِن قَبْلُ“ خَبَرٌ وهو مَبْنِيٌّ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ وهَذا مُقَرَّرٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، ولِهَذا ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّ المَصْدَرَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، و(في يُوسُفَ) هو الخَبَرُ؛ أيْ: كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ في يُوسُفَ، والظّاهِرُ أنَّ (في يُوسُفَ) مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (فَرَّطْتُمْ) لا أنَّهُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، والمَصْدَرُ المَسْبُوكُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أخْذَ أبِيكم عَلَيْكم مَوْثِقًا مِن قَبْلُ، وتَفْرِيطُكم في يُوسُفَ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْرِيطُكم مِن قَبْلُ في يُوسُفَ، وهَذا الَّذِي ذَهَبا إلَيْهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ الَّذِي هو عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وبَيْنَ المَعْطُوفِ، فَصارَ نَظِيرَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وبِسَيْفِ عَمْرًا، وقَدْ زَعَمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وأمّا تَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ: وتَفْرِيطُكم مِن قَبْلُ في يُوسُفَ، فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المَصْدَرِ المُنْحَلِّ لِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ عَلَيْهِ، وهو لا يَجُوزُ، وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أوِ النَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ، انْتَهى. يَعْنِي بِالرَّفْعِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، و(مِن قَبْلُ) الخَبَرُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، ويَعْنِي بِالنَّصْبِ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن قَوْلِهِ: (إنَّ أباكم قَدْ أخَذَ) وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ الَّذِي هو الواوُ، وبَيْنَ المَعْطُوفِ، وأحْسَنُ هَذِهِ الأوْجُهِ ما بَدَأْنا بِهِ مِن كَوْنِ ما زائِدَةً، وبَرِحَ التّامَّةُ تَكُونُ بِمَعْنى ذَهَبَ وبِمَعْنى ظَهَرَ، ومِنهُ بَرِحَ الخَفاءُ أيْ: ظَهَرَ، وذَهَبَ لا يَنْتَصِبُ الظَّرْفُ المَكانِيُّ المُخْتَصُّ بِها، إنَّما يَصِلُ إلَيْهِ بِوَساطَةِ ”في“ فاحْتِيجَ إلى اعْتِقادِ تَضْمِينِ بَرِحَ بِمَعْنى فارَقَ، فانْتَصَبَ الأرْضُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً لِأنَّهُ لا يَنْعَقِدُ مِنِ اسْمِها، والأرْضُ المَنصُوبُ عَلى الظَّرْفِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِلُ إلّا بِحَرْفِ ”في“ . لَوْ قُلْتَ: زَيْدُ الأرْضِ لَمْ يَجُزْ، وعُنِيَ بِالأرْضِ أرْضُ مِصْرَ الَّتِي فِيها الواقِعَةُ، ثُمَّ غَيّا ذَلِكَ بِغايَتَيْنِ؛ إحْداهُما: خاصَّةٌ وهي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ يَعْنِي في الِانْصِرافِ إلَيْهِ. والثّانِيَةُ: عامَّةٌ وهي قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ لِأنَّ إذْنَ اللَّهِ لَهُ هو مِن حُكْمِ اللَّهِ لَهُ في مُفارَقَةِ أرْضِ مِصْرَ، وكَأنَّهُ لَمّا عَلَّقَ الأمْرَ بِالغايَةِ الخاصَّةِ رَجَعَ إلى نَفْسِهِ فَأتى بِغايَةٍ عامَّةٍ تَفْوِيضًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، ورُجُوعًا إلى مَن لَهُ الحُكْمُ حَقِيقَةً، ومَقْصُودُهُ التَّضْيِيقُ عَلى نَفْسِهِ، كَأنَّهُ سَجَنَها في القُطْرِ الَّذِي أدّاهُ إلى سُخْطِ أبِيهِ إبْلاءً لِعُذْرِهِ، وحَكَمَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العُذْرِ كالمَوْتِ، وخَلاصِ أخِيهِ، أوِ انْتِصافِهِ مِن أخْذِ أخِيهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ أوْ (p-٣٣٧)غَيْرِ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ ”يَحَكُمَ“ مَعْطُوفٌ عَلى (يَأْذَنَ) وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ (أوْ) في جَوابِ النَّفْيِ، وهو: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، كَقَوْلِكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِّي حَقِّي؛ أيْ: إلّا أنْ تَقْضِيَنِي، ومَعْناها ومَعْنى الغايَةِ مُتَقارِبانِ. رُوِيَ أنَّهم لَمّا وصَلُوا إلى يَعْقُوبَ أخْبَرُوهُ بِالقِصَّةِ فَبَكى وقالَ: يا بَنِيَّ ما تَذْهَبُونَ عَنِّي مَرَّةً إلّا نَقَصْتُمْ، ذَهَبْتُمْ فَنَقَصَتُمْ شَمْعُونَ حَيْثُ ارْتُهِنَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالرُّجُوعِ هو مِن قَوْلِ كَبِيرِهِمْ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَرَقَ) ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إخْبارًا بِظاهِرِ الحالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَزِينٍ والكِسائِيُّ في رِوايَةٍ: (سُرِّقَ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، لَمْ يَقْطَعُوا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ بَلْ ذَكَرُوا أنَّهُ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ مِنَ التَّسْرِيقِ، ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ أيْ: لِلْأمْرِ الخَفِيِّ (حافِظِينَ) أسَرَقَ بِالصِّحَّةِ أمْ دُسَّ الصّاعُ في رَحْلِهِ ولَمْ يَشْعُرْ ؟ وقَرَأ الضَّحّاكُ: (سارِقٌ) اسْمُ فاعِلٍ. وعَلى قِراءَةِ (سُرِّقَ) و(سارِقٌ)، اخْتَلَفَ التَّأْوِيلُ في قَوْلِهِ: (إلّا بِما عَلِمْنا) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِما عَلِمْنا مِن سَرِقَتِهِ وتَيَقَّنّا؛ لِأنَّ الصُّواعَ أُخْرِجَ مِن وِعائِهِ، ولا شَيْءَ أبْيَنُ مِن هَذا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ، وقَوْلُنا لَكَ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ إنَّما هي شَهادَةٌ عِنْدَكَ بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ ما جَرى، والعِلْمُ في الغَيْبِ إلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ ذَلِكَ في حِفْظِنا، هَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ: وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادُوا وما شَهِدْنا بِهِ عِنْدَ يُوسُفَ أنَّ السّارِقَ يَسْتَرِقُّ في شَرْعِكَ، إلّا بِما عَلِمْنا مِن ذَلِكَ، وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أنَّ السَّرِقَةَ تَخْرُجُ مِن رَحْلِ أحَدِنا، بَلْ حَسِبْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ البَتَّةَ، فَشَهِدْنا عِنْدَهُ حِينَ سَألَنا بِعِلْمِنا، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أيْ: حِينَ واثَقْناكَ، إنَّما قَصَدْنا أنْ لا يَقَعَ مِنّا نَحْنُ في جِهَتِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَمْ نَعْلَمِ الغَيْبَ في أنَّهُ سَيَأْتِي هو بِما يُوجِبُ رِقَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ وما عَلِمْنا أنَّهُ يُسْتَرَقُّ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ، أوْ رُبَّما عَلِمْنا أنَّكَ تُصابُ كَما أُصِبْتَ بِ يُوسُفَ، ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ أنَّ المَعْنى قَوْلُهم: (لِلْغَيْبِ) لِلَّيْلِ، والغَيْبُ اللَّيْلُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ، وكَأنَّهم قالُوا: وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا مِن ظاهِرِ حالِهِ، وما كُنّا بِاللَّيْلِ حافِظِينَ لِما يَقَعُ مِن سَرِقَتِهِ هو، أوِ التَّدْلِيسِ عَلَيْهِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وأُخْبِرَ بِالقِصَّةِ، وقَوْلُ مَن قالَ: ارْجِعُوا، ثُمَّ اسْتَشْهَدُوا بِأهْلِ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها وهي مِصْرُ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أرْسِلْ إلى القَرْيَةِ واسْألْ عَنْ كُنْهِ القِصَّةِ، والعِيرُ كانُوا قَوْمًا مِن كَنْعانَ مِن جِرانِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مِن أهْلِ صَنْعاءَ، فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ عَلى إضْمارِ أهْلٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وسَلْ أهْلَ القَرْيَةِ وأهْلَ العِيرِ، إلّا أنْ أُرِيدَ بِالعِيرِ القافِلَةُ، فَلا إضْمارَ في قَوْلِهِ: (والعِيرَ)، وأحالُوا في تَوْضِيحِ القِصَّةِ عَلى ناسٍ حاضِرِينَ الحالَ فَيَشْهَدُونَ بِما سَمِعُوا، وعَلى ناسٍ غُيَّبٍ يُرْسَلُ إلَيْهِمْ فَيَسْألُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالُوهُ عَلى سُؤالِ الجَماداتِ والبَهائِمِ حَقِيقَةً، ومِن حَيْثُ هو نَبِيٌّ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحَقِيقَةِ، وحَذْفُ المُضافِ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَجازٌ. وحَكى أبُو المَعالِي عَنْ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ قالَ: هَذا مِنَ الحَذْفِ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ، قالَ: وإنَّما المَجازُ لَفْظَةٌ اسْتُعِيرَتْ لِغَيْرِ ما هي لَهُ، قالَ: وحَذْفُ المُضافِ هو عَيْنُ المَجازِ، وعَظَّمَ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ، وحَكى أنَّهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ أوْ نَحْوُ هَذا، انْتَهى. وفِي المَحْصُولِ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الرّازِيِّ، وفي مُخْتَصَراتِهِ: أنَّ الإضْمارَ والمَجازَ مُتَبايِنانِ لَيْسَ أحَدُهُما قِسْمًا مِنَ الآخَرِ، و(بَلْ) لِلْإضْرابِ، فَيَقْتَضِي كَلامًا مَحْذُوفًا قَبْلَها حَتّى يَصِحَّ الإضْرابُ فِيها، وتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ الأمْرُ حَقِيقَةً كَما أخْبَرْتُمْ بَلْ سَوَّلَتْ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ إنَّما هو ظَنُّ سُوءٍ بِهِمْ كَما كانَ في قِصَّةِ يُوسُفَ قَبْلُ، فاتَّفَقَ أنْ صَدَقَ ظَنَّهُ هُناكَ، ولَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أرَدْتُمُوهُ، وإلّا فَما أدْرى ذَلِكَ الرَّجُلَ أنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ لَوْلا فَتْواكم وتَعْلِيمُكم، وتَقَدَّمَ شَرْحُ (سَوَّلَتْ) وإعْرابُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، ثُمَّ (p-٣٣٨)تَرَجّى أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُهم عَلَيْهِ وهم: يُوسُفُ وبِنْيامِينُ، وكَبِيرُهم عَلى الخِلافِ الَّذِي فِيهِ، وتَرَجّى يَعْقُوبُ لِلرُّؤْيا الَّتِي رَآها يُوسُفُ، فَكانَ يَنْتَظِرُها ويُحْسِنُ ظَنَّهُ بِاللَّهِ في كُلِّ حالٍ، ولِما أُخْبِرَ بِهِ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ أنَّهُ يَدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ، ووَصْفُهُ اللَّهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لائِقٌ بِما يُؤَخِّرُهُ تَعالى مِن لِقاءِ بَنِيهِ، وتَسْلِيمٌ لِحِكْمَةِ اللَّهِ فِيما جَرى عَلَيْهِ.

يوسف 12:83

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ (p-٣٣٥)اسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى المُجَرَّدِ، يَئِسَ واسْتَيْأسَ بِمَعْنًى واحِدٍ، نَحْوَ: سَخِرَ واسْتَسْخَرَ، وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ. وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ زِيادَةَ السِّينِ والتّاءِ في المُبالَغَةِ، قالَ نَحْوَ ما مَرَّ في اسْتَعْصَمَ، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (اسْتَيْأسُوا) اسْتَفْعَلُوا، مِن أيِسَ مَقْلُوبًا مَن يَئِسَ، ودَلِيلُ القَلْبِ كَوْنُ ياءِ أيِسَ لَمْ تَنْقَلِبْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ومَعْنى ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ انْفَرَدُوا مِن غَيْرِهِمْ يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا، والنَّجِيُّ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، كالخَلِيطِ والعَشِيرِ، ومَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي هو التَّناجِي كَما قِيلَ: النَّجْوى بِمَعْنى التَّناجِي، وهو لَفْظٌ يُوصَفُ بِهِ مَن لَهُ نَجْوًى واحِدًا كانَ أوْ جَماعَةً، مُؤَنَّثًا أوْ مُذَكَّرًا، فَهو كَعَدْلٍ، ويُجْمَعُ عَلى أنْجِيَةٍ، قالَ لَبِيَدٌ: ؎وشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفاقَةِ عالِيًا كَعْبِي وأرْدافُ المُلُوكِ شُهُودُ وقالَ آخَرُ: ؎إنِّي إذا ما القَوْمُ كانُوا أنْجِيَهْ ويَقُولُ قَوْمٌ نَجِيٌّ وهم نَجْوى تَنْزِيلًا لِلْمَصْدَرِ مَنزِلَةَ الأوْصافِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هم نَجِيٌّ مِن بابِ هم صَدِيقٌ؛ لِأنَّهُ بِزِنَةِ المَصادِرِ مَحْصُوًّا لِلتَّناجِي، يَنْظُرُونَ ماذا يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ في شَأْنِ أخِيهِمْ لِهَذا الَّذِي دَهَمَهم مِنَ الخَطْبِ فِيهِ، فاحْتاجُوا إلى التَّشاوُرِ، و(كَبِيرُهم) أيْ: رَأْيًا وتَدْبِيرًا وعِلْمًا، وهو شَمْعُونُ قالَهُ: مُجاهِدٌ، أوْ كَبِيرُهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ قالَهُ: قَتادَةُ، وقِيلَ: في العَقْلِ والرَّأْيِ، وهو يَهُوذا، ذَكَّرَهُمُ المِيثاقَ في قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] و”ما“ زائِدَةٌ أيْ: (p-٣٣٦)ومِن قَبْلِ هَذا فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ، و(مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (فَرَّطْتُمْ) وقَدْ جَوَّزُوا في إعْرابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةً أيْ: ومِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرَهُ الظَّرْفُ، وهو ومِن قَبْلُ، ومَعْناهُ: ووَقَعَ مِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقًا بِـ (ما فَرَّطْتُمْ) وإنَّما تَكُونُ عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةً، التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ واقِعٌ ومُسْتَقِرٌّ، وبِهَذا القَدْرِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (مِن قَبْلُ) انْتَهى. وهَذا وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ راجِعٌ إلى مَعْنًى واحِدٍ وهو: إنَّ ما فَرَّطْتُمْ؛ يُقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ، و(مِن قَبْلُ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وذَهْلًا عَنْ قاعِدَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وحَقَّ لَهُما أنْ يَذْهَلا وهو أنَّ هَذِهِ الظُّرُوفَ الَّتِي هي غاياتٌ إذا ثَبَتَتْ لا تَقَعُ أخْبارًا لِلْمُبْتَدَأِ جُرَّتْ أوْ لَمْ تُجَرَّ، تَقُولُ: يَوْمُ السَّبْتِ مُبارَكٌ والسَّفَرُ بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ والسَّفَرُ بَعْدُ وعُمَرُ وزَيْدٌ خَلْفَهُ، ولا يُقالُ: عُمَرُ وزَيْدٌ خَلْفُ، وعَلى ما ذَكَراهُ يَكُونُ ”تَفْرِيطُكم“ مُبْتَدَأٌ، و”مِن قَبْلُ“ خَبَرٌ وهو مَبْنِيٌّ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ وهَذا مُقَرَّرٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، ولِهَذا ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّ المَصْدَرَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، و(في يُوسُفَ) هو الخَبَرُ؛ أيْ: كائِنٌ أوْ مُسْتَقِرٌّ في يُوسُفَ، والظّاهِرُ أنَّ (في يُوسُفَ) مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (فَرَّطْتُمْ) لا أنَّهُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، والمَصْدَرُ المَسْبُوكُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أخْذَ أبِيكم عَلَيْكم مَوْثِقًا مِن قَبْلُ، وتَفْرِيطُكم في يُوسُفَ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَفْرِيطُكم مِن قَبْلُ في يُوسُفَ، وهَذا الَّذِي ذَهَبا إلَيْهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ الَّذِي هو عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وبَيْنَ المَعْطُوفِ، فَصارَ نَظِيرَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وبِسَيْفِ عَمْرًا، وقَدْ زَعَمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وأمّا تَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ: وتَفْرِيطُكم مِن قَبْلُ في يُوسُفَ، فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المَصْدَرِ المُنْحَلِّ لِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ عَلَيْهِ، وهو لا يَجُوزُ، وأجازَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أوِ النَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ، انْتَهى. يَعْنِي بِالرَّفْعِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، و(مِن قَبْلُ) الخَبَرُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، ويَعْنِي بِالنَّصْبِ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن قَوْلِهِ: (إنَّ أباكم قَدْ أخَذَ) وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ الَّذِي هو الواوُ، وبَيْنَ المَعْطُوفِ، وأحْسَنُ هَذِهِ الأوْجُهِ ما بَدَأْنا بِهِ مِن كَوْنِ ما زائِدَةً، وبَرِحَ التّامَّةُ تَكُونُ بِمَعْنى ذَهَبَ وبِمَعْنى ظَهَرَ، ومِنهُ بَرِحَ الخَفاءُ أيْ: ظَهَرَ، وذَهَبَ لا يَنْتَصِبُ الظَّرْفُ المَكانِيُّ المُخْتَصُّ بِها، إنَّما يَصِلُ إلَيْهِ بِوَساطَةِ ”في“ فاحْتِيجَ إلى اعْتِقادِ تَضْمِينِ بَرِحَ بِمَعْنى فارَقَ، فانْتَصَبَ الأرْضُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً لِأنَّهُ لا يَنْعَقِدُ مِنِ اسْمِها، والأرْضُ المَنصُوبُ عَلى الظَّرْفِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِلُ إلّا بِحَرْفِ ”في“ . لَوْ قُلْتَ: زَيْدُ الأرْضِ لَمْ يَجُزْ، وعُنِيَ بِالأرْضِ أرْضُ مِصْرَ الَّتِي فِيها الواقِعَةُ، ثُمَّ غَيّا ذَلِكَ بِغايَتَيْنِ؛ إحْداهُما: خاصَّةٌ وهي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ يَعْنِي في الِانْصِرافِ إلَيْهِ. والثّانِيَةُ: عامَّةٌ وهي قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ لِأنَّ إذْنَ اللَّهِ لَهُ هو مِن حُكْمِ اللَّهِ لَهُ في مُفارَقَةِ أرْضِ مِصْرَ، وكَأنَّهُ لَمّا عَلَّقَ الأمْرَ بِالغايَةِ الخاصَّةِ رَجَعَ إلى نَفْسِهِ فَأتى بِغايَةٍ عامَّةٍ تَفْوِيضًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، ورُجُوعًا إلى مَن لَهُ الحُكْمُ حَقِيقَةً، ومَقْصُودُهُ التَّضْيِيقُ عَلى نَفْسِهِ، كَأنَّهُ سَجَنَها في القُطْرِ الَّذِي أدّاهُ إلى سُخْطِ أبِيهِ إبْلاءً لِعُذْرِهِ، وحَكَمَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العُذْرِ كالمَوْتِ، وخَلاصِ أخِيهِ، أوِ انْتِصافِهِ مِن أخْذِ أخِيهِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ أوْ (p-٣٣٧)غَيْرِ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ ”يَحَكُمَ“ مَعْطُوفٌ عَلى (يَأْذَنَ) وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ (أوْ) في جَوابِ النَّفْيِ، وهو: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، كَقَوْلِكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِّي حَقِّي؛ أيْ: إلّا أنْ تَقْضِيَنِي، ومَعْناها ومَعْنى الغايَةِ مُتَقارِبانِ. رُوِيَ أنَّهم لَمّا وصَلُوا إلى يَعْقُوبَ أخْبَرُوهُ بِالقِصَّةِ فَبَكى وقالَ: يا بَنِيَّ ما تَذْهَبُونَ عَنِّي مَرَّةً إلّا نَقَصْتُمْ، ذَهَبْتُمْ فَنَقَصَتُمْ شَمْعُونَ حَيْثُ ارْتُهِنَ، ثُمَّ ذَهَبْتُمْ فَنَقَصْتُمْ بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالرُّجُوعِ هو مِن قَوْلِ كَبِيرِهِمْ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَرَقَ) ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إخْبارًا بِظاهِرِ الحالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَزِينٍ والكِسائِيُّ في رِوايَةٍ: (سُرِّقَ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، لَمْ يَقْطَعُوا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ بَلْ ذَكَرُوا أنَّهُ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ، ويَكُونُ مَعْنى ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ مِنَ التَّسْرِيقِ، ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ أيْ: لِلْأمْرِ الخَفِيِّ (حافِظِينَ) أسَرَقَ بِالصِّحَّةِ أمْ دُسَّ الصّاعُ في رَحْلِهِ ولَمْ يَشْعُرْ ؟ وقَرَأ الضَّحّاكُ: (سارِقٌ) اسْمُ فاعِلٍ. وعَلى قِراءَةِ (سُرِّقَ) و(سارِقٌ)، اخْتَلَفَ التَّأْوِيلُ في قَوْلِهِ: (إلّا بِما عَلِمْنا) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِما عَلِمْنا مِن سَرِقَتِهِ وتَيَقَّنّا؛ لِأنَّ الصُّواعَ أُخْرِجَ مِن وِعائِهِ، ولا شَيْءَ أبْيَنُ مِن هَذا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ، وقَوْلُنا لَكَ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ إنَّما هي شَهادَةٌ عِنْدَكَ بِما عَلِمْناهُ مِن ظاهِرِ ما جَرى، والعِلْمُ في الغَيْبِ إلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ ذَلِكَ في حِفْظِنا، هَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ: وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادُوا وما شَهِدْنا بِهِ عِنْدَ يُوسُفَ أنَّ السّارِقَ يَسْتَرِقُّ في شَرْعِكَ، إلّا بِما عَلِمْنا مِن ذَلِكَ، وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أنَّ السَّرِقَةَ تَخْرُجُ مِن رَحْلِ أحَدِنا، بَلْ حَسِبْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ البَتَّةَ، فَشَهِدْنا عِنْدَهُ حِينَ سَألَنا بِعِلْمِنا، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أيْ: حِينَ واثَقْناكَ، إنَّما قَصَدْنا أنْ لا يَقَعَ مِنّا نَحْنُ في جِهَتِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَمْ نَعْلَمِ الغَيْبَ في أنَّهُ سَيَأْتِي هو بِما يُوجِبُ رِقَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ وما عَلِمْنا أنَّهُ يُسْتَرَقُّ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ، أوْ رُبَّما عَلِمْنا أنَّكَ تُصابُ كَما أُصِبْتَ بِ يُوسُفَ، ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ أنَّ المَعْنى قَوْلُهم: (لِلْغَيْبِ) لِلَّيْلِ، والغَيْبُ اللَّيْلُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ، وكَأنَّهم قالُوا: وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا مِن ظاهِرِ حالِهِ، وما كُنّا بِاللَّيْلِ حافِظِينَ لِما يَقَعُ مِن سَرِقَتِهِ هو، أوِ التَّدْلِيسِ عَلَيْهِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وأُخْبِرَ بِالقِصَّةِ، وقَوْلُ مَن قالَ: ارْجِعُوا، ثُمَّ اسْتَشْهَدُوا بِأهْلِ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها وهي مِصْرُ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ أيْ: أرْسِلْ إلى القَرْيَةِ واسْألْ عَنْ كُنْهِ القِصَّةِ، والعِيرُ كانُوا قَوْمًا مِن كَنْعانَ مِن جِرانِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مِن أهْلِ صَنْعاءَ، فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ عَلى إضْمارِ أهْلٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وسَلْ أهْلَ القَرْيَةِ وأهْلَ العِيرِ، إلّا أنْ أُرِيدَ بِالعِيرِ القافِلَةُ، فَلا إضْمارَ في قَوْلِهِ: (والعِيرَ)، وأحالُوا في تَوْضِيحِ القِصَّةِ عَلى ناسٍ حاضِرِينَ الحالَ فَيَشْهَدُونَ بِما سَمِعُوا، وعَلى ناسٍ غُيَّبٍ يُرْسَلُ إلَيْهِمْ فَيَسْألُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالُوهُ عَلى سُؤالِ الجَماداتِ والبَهائِمِ حَقِيقَةً، ومِن حَيْثُ هو نَبِيٌّ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحَقِيقَةِ، وحَذْفُ المُضافِ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَجازٌ. وحَكى أبُو المَعالِي عَنْ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ قالَ: هَذا مِنَ الحَذْفِ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ، قالَ: وإنَّما المَجازُ لَفْظَةٌ اسْتُعِيرَتْ لِغَيْرِ ما هي لَهُ، قالَ: وحَذْفُ المُضافِ هو عَيْنُ المَجازِ، وعَظَّمَ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ، وحَكى أنَّهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ أوْ نَحْوُ هَذا، انْتَهى. وفِي المَحْصُولِ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الرّازِيِّ، وفي مُخْتَصَراتِهِ: أنَّ الإضْمارَ والمَجازَ مُتَبايِنانِ لَيْسَ أحَدُهُما قِسْمًا مِنَ الآخَرِ، و(بَلْ) لِلْإضْرابِ، فَيَقْتَضِي كَلامًا مَحْذُوفًا قَبْلَها حَتّى يَصِحَّ الإضْرابُ فِيها، وتَقْدِيرُهُ: لَيْسَ الأمْرُ حَقِيقَةً كَما أخْبَرْتُمْ بَلْ سَوَّلَتْ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ إنَّما هو ظَنُّ سُوءٍ بِهِمْ كَما كانَ في قِصَّةِ يُوسُفَ قَبْلُ، فاتَّفَقَ أنْ صَدَقَ ظَنَّهُ هُناكَ، ولَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أرَدْتُمُوهُ، وإلّا فَما أدْرى ذَلِكَ الرَّجُلَ أنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ لَوْلا فَتْواكم وتَعْلِيمُكم، وتَقَدَّمَ شَرْحُ (سَوَّلَتْ) وإعْرابُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، ثُمَّ (p-٣٣٨)تَرَجّى أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُهم عَلَيْهِ وهم: يُوسُفُ وبِنْيامِينُ، وكَبِيرُهم عَلى الخِلافِ الَّذِي فِيهِ، وتَرَجّى يَعْقُوبُ لِلرُّؤْيا الَّتِي رَآها يُوسُفُ، فَكانَ يَنْتَظِرُها ويُحْسِنُ ظَنَّهُ بِاللَّهِ في كُلِّ حالٍ، ولِما أُخْبِرَ بِهِ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ أنَّهُ يَدْعُو لَهُ بِرُؤْيَةِ ابْنِهِ، ووَصْفُهُ اللَّهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لائِقٌ بِما يُؤَخِّرُهُ تَعالى مِن لِقاءِ بَنِيهِ، وتَسْلِيمٌ لِحِكْمَةِ اللَّهِ فِيما جَرى عَلَيْهِ.

يوسف 12:84

﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ وتَوَلّى عَنْهم؛ أيْ: أعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما جاءُوا بِهِ، وأنَّهُ ساءَ ظَنُّهُ بِهِمْ، ولَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهم، وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَتَأسَّفُ، قالَ الحَسَنُ: خُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالِاسْتِرْجاعِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿ياأسَفى﴾ ونادى الأسَفَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَلى مَعْنى: هَذا زَمانُكَ فاحْضُرْ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُضافُ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ قُلِبَتْ ألِفًا، كَما قالُوا: في يا غُلامِي يا غُلامًا، وقِيلَ: هو عَلى النُّدْبَةِ، وحَذَفَ الهاءَ الَّتِي لِلسَّكْتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّجانُسُ بَيْنَ لَفْظَتِي ”الأسَفَ، ويُوسُفَ“ مِمّا يَقَعُ مَطْبُوعًا غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ فَيُمْلِحُ ويُبْدِعُ، ونَحْوُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]، ﴿يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، (مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ) انْتَهى. ويُسَمّى هَذا تَجْنِيسُ التَّصْرِيفِ، وهو أنْ تَنْفَرِدَ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ الكَلِمَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى بِحَرْفٍ. وذَكَرَ يَعْقُوبُ ما دَهاهُ مِن أمْرِ بِنْيامِينَ والقائِلِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] وفِقْدانِهِ يُوسُفَ، فَتَأسَّفَ عَلَيْهِ وحْدَهُ، ولَمْ يَتَأسَّفْ عَلَيْهِما؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لا يَعْلَمُ أحَيٌّ هو أمْ مَيِّتٌ ؟ بِخِلافِ إخْوَتِهِ، ولِأنَّهُ كانَ أصْلُ الرَّزايا عِنْدَهُ، إذْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ، وكانَ أحَبَّ أوْلادِهِ إلَيْهِ، وكانَ دائِمًا يَذْكُرُهُ ولا يَنْساهُ، وابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ مِن تَوالِي العَبْرَةِ، فَيَنْقَلِبُ سَوادُ العَيْنِ إلى بَياضٍ كَدِرٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ عَمِيَ لِقَوْلِهِ: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦]، وقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] فَقابَلَ البَصِيرَ بِالأعْمى، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا، وعَلَّلَ الِابْيِضاضَ بِالحُزْنِ، وإنَّما هو مِنَ البُكاءِ المُتَوالِي، وهو ثَمَرَةُ الحُزْنِ، فَعَلَّلَ بِالأصْلِ الَّذِي نَشَأ مِنهُ البُكاءُ وهو الحُزْنُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: (مِنَ الحَزَنِ) بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ، وقَتادَةُ: بِضَمِّها، والجُمْهُورُ: بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ الزّايِ. والكَظِيمُ إمّا لِلْمُبالَغَةِ وهو الظّاهِرُ اللّائِقُ بِحالِ يَعْقُوبَ؛ أيْ: شَدِيدُ الكَظْمِ كَما قالَ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ولَمْ يَشْكُ يَعْقُوبُ إلى أحَدٍ، وإنَّما كانَ يَكْتُمُهُ في نَفْسِهِ، ويُمْسِكُ هَمَّهُ في صَدْرِهِ، فَكانَ يَكْظِمُهُ أيْ: يَرُدُّهُ إلى قَلْبِهِ ولا يُرْسِلُهُ بِالشَّكْوى والغَضَبِ والضَّجَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو لا يَنْقاسُ، وقالَهُ قَوْمٌ كَما قالَ في يُونُسَ: ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما يَتَّجِهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مَلِيءٌ بِحُزْنِهِ، فَكَأنَّهُ كَظَمَ حُزْنَهُ في صَدْرِهِ، وفَسَّرَ ناسٌ الكَظِيمَ بِالمَكْرُوبِ وبِالمَكْمُودِ، ورُوِيَ: أنَّهُ ما جَفَّتْ عَيْناهُ مِن فِراقِ يُوسُفَ إلى لِقائِهِ ثَمانِينَ عامًا، وأنَّ وجْدَهُ عَلَيْهِ وجْدُ سَبْعِينَ ثَكْلى، وأجْرَهُ (p-٣٣٩)أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ فَهو مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ، ولا يُظْهِرُ ما يَسُوءُهم، انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ لا يَنْقاسُ، وجَوابُ القَسَمِ (تَفْتَأُ) حُذِفَتْ مِنهُ، لا لِأنَّ حَذْفَها جائِزٌ، والمَعْنى: لا تَزالُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَفْتُرُ مِن حُبِّهِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الفُتُوءَ والفُتُورَ أخَوَيْنِ، والحَرَضُ الَّذِي قَدَّرْنا مَوْتُهُ، قالَ مُجاهِدٌ: ما دُونَ المَوْتِ. وقالَ قَتادَةُ: البالِي الهَرِمُ، وقالَ نَحْوَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الفاسِدُ الَّذِي لا عَقْلَ لَهُ. وكَأنَّهم قالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ تَفْنِيدِ الرَّأْيِ أيْ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلى حالِ القُرْبِ مِنَ الهَلاكِ، أوْ إلى أنْ تَهْلَكَ فَقالَ هو: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أشْكُو إلى أحَدٍ مِنكم ولا غَيْرِكم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: البَثُّ أشَدُّ الحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن صُعُوبَتِهِ لا يَطِيقُ حَمْلَهُ، فَيَبُثُّهُ أيْ يَنْشُرُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى: (وحَزَنِي) بِفَتْحَتَيْنِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِضَمَّتَيْنِ. ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أعْلَمُ مِن صُنْعِهِ ورَحْمَتِهِ وحُسْنِ ظَنِّي بِهِ أنَّهُ يَأْتِي بِالفَرَجِ مِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أشارَ إلى الرُّؤْيا المُنْتَظَرَةِ، أوْ إلى ما وقَعَ في نَفْسِهِ مِن قَوْلِ مَلِكِ مِصْرَ إنِّي أدْعُو لَهُ بِرُؤْيَتِهِ ابْنَهُ قَبْلَ المَوْتِ، وقِيلَ: رَأى مَلَكَ المَوْتِ في مَنامِهِ فَسَألَهُ: هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ ؟ فَقالَ: لا، هو حَيٌّ فاطْلُبْهُ. (اذْهَبُوا) أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى الأرْضِ الَّتِي جاءُوا مِنها وتَرَكُوا بِها أخَوَيْهِمْ بِنْيامِينَ والمُقِيمَ بِها، وأمَرَهم بِالتَّحَسُّسِ؛ وهو الِاسْتِقْصاءُ والطَّلَبُ بِالحَواسِّ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وقُرِئَ بِالجِيمِ، كالَّذِي في الحُجُراتِ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] والمَعْنى: فَتَحَسَّسُوا نَبَأً مِن أمْرِ يُوسُفَ وأخِيهِ، وإنَّما خَصَّهُما لِأنَّ الَّذِي أقامَ وقالَ: فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ، إنَّما أقامَ مُخْتارًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَيْأسُوا)، وفِرْقَةٌ: (تَأيْسُوا)، وقَرَأ الأعْرَجُ: (تِئْسُوا) بِكَسْرِ التّاءِ. و﴿رَوْحِ اللَّهِ﴾ رَحْمَتُهُ وفَرَجُهُ وتَنْفِيسُهُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وقَتادَةُ: ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكانَ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللَّهِ الَّذِي وهَبَهُ، فَإنَّ مَن بَقِيَ رُوحُهُ يُرْجى، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعِ ومِن هَذا قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ: وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ وغائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ بِالضَّمِّ؛ أيْ: مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي تَحْيا بِها العِبادُ، انْتَهى. وقَرَأ أُبَيٌّ: (مِن رَحْمَةِ اللَّهِ) مِن صِفاتِ الكافِرِ إذْ فِيهِ التَّكْذِيبُ بِالرُّبُوبِيَّةِ أوِ الجَهْلُ بِصِفاتِ اللَّهِ.

يوسف 12:85

﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ وتَوَلّى عَنْهم؛ أيْ: أعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما جاءُوا بِهِ، وأنَّهُ ساءَ ظَنُّهُ بِهِمْ، ولَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهم، وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَتَأسَّفُ، قالَ الحَسَنُ: خُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالِاسْتِرْجاعِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿ياأسَفى﴾ ونادى الأسَفَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَلى مَعْنى: هَذا زَمانُكَ فاحْضُرْ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُضافُ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ قُلِبَتْ ألِفًا، كَما قالُوا: في يا غُلامِي يا غُلامًا، وقِيلَ: هو عَلى النُّدْبَةِ، وحَذَفَ الهاءَ الَّتِي لِلسَّكْتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّجانُسُ بَيْنَ لَفْظَتِي ”الأسَفَ، ويُوسُفَ“ مِمّا يَقَعُ مَطْبُوعًا غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ فَيُمْلِحُ ويُبْدِعُ، ونَحْوُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]، ﴿يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، (مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ) انْتَهى. ويُسَمّى هَذا تَجْنِيسُ التَّصْرِيفِ، وهو أنْ تَنْفَرِدَ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ الكَلِمَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى بِحَرْفٍ. وذَكَرَ يَعْقُوبُ ما دَهاهُ مِن أمْرِ بِنْيامِينَ والقائِلِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] وفِقْدانِهِ يُوسُفَ، فَتَأسَّفَ عَلَيْهِ وحْدَهُ، ولَمْ يَتَأسَّفْ عَلَيْهِما؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لا يَعْلَمُ أحَيٌّ هو أمْ مَيِّتٌ ؟ بِخِلافِ إخْوَتِهِ، ولِأنَّهُ كانَ أصْلُ الرَّزايا عِنْدَهُ، إذْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ، وكانَ أحَبَّ أوْلادِهِ إلَيْهِ، وكانَ دائِمًا يَذْكُرُهُ ولا يَنْساهُ، وابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ مِن تَوالِي العَبْرَةِ، فَيَنْقَلِبُ سَوادُ العَيْنِ إلى بَياضٍ كَدِرٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ عَمِيَ لِقَوْلِهِ: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦]، وقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] فَقابَلَ البَصِيرَ بِالأعْمى، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا، وعَلَّلَ الِابْيِضاضَ بِالحُزْنِ، وإنَّما هو مِنَ البُكاءِ المُتَوالِي، وهو ثَمَرَةُ الحُزْنِ، فَعَلَّلَ بِالأصْلِ الَّذِي نَشَأ مِنهُ البُكاءُ وهو الحُزْنُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: (مِنَ الحَزَنِ) بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ، وقَتادَةُ: بِضَمِّها، والجُمْهُورُ: بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ الزّايِ. والكَظِيمُ إمّا لِلْمُبالَغَةِ وهو الظّاهِرُ اللّائِقُ بِحالِ يَعْقُوبَ؛ أيْ: شَدِيدُ الكَظْمِ كَما قالَ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ولَمْ يَشْكُ يَعْقُوبُ إلى أحَدٍ، وإنَّما كانَ يَكْتُمُهُ في نَفْسِهِ، ويُمْسِكُ هَمَّهُ في صَدْرِهِ، فَكانَ يَكْظِمُهُ أيْ: يَرُدُّهُ إلى قَلْبِهِ ولا يُرْسِلُهُ بِالشَّكْوى والغَضَبِ والضَّجَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو لا يَنْقاسُ، وقالَهُ قَوْمٌ كَما قالَ في يُونُسَ: ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما يَتَّجِهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مَلِيءٌ بِحُزْنِهِ، فَكَأنَّهُ كَظَمَ حُزْنَهُ في صَدْرِهِ، وفَسَّرَ ناسٌ الكَظِيمَ بِالمَكْرُوبِ وبِالمَكْمُودِ، ورُوِيَ: أنَّهُ ما جَفَّتْ عَيْناهُ مِن فِراقِ يُوسُفَ إلى لِقائِهِ ثَمانِينَ عامًا، وأنَّ وجْدَهُ عَلَيْهِ وجْدُ سَبْعِينَ ثَكْلى، وأجْرَهُ (p-٣٣٩)أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ فَهو مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ، ولا يُظْهِرُ ما يَسُوءُهم، انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ لا يَنْقاسُ، وجَوابُ القَسَمِ (تَفْتَأُ) حُذِفَتْ مِنهُ، لا لِأنَّ حَذْفَها جائِزٌ، والمَعْنى: لا تَزالُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَفْتُرُ مِن حُبِّهِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الفُتُوءَ والفُتُورَ أخَوَيْنِ، والحَرَضُ الَّذِي قَدَّرْنا مَوْتُهُ، قالَ مُجاهِدٌ: ما دُونَ المَوْتِ. وقالَ قَتادَةُ: البالِي الهَرِمُ، وقالَ نَحْوَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الفاسِدُ الَّذِي لا عَقْلَ لَهُ. وكَأنَّهم قالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ تَفْنِيدِ الرَّأْيِ أيْ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلى حالِ القُرْبِ مِنَ الهَلاكِ، أوْ إلى أنْ تَهْلَكَ فَقالَ هو: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أشْكُو إلى أحَدٍ مِنكم ولا غَيْرِكم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: البَثُّ أشَدُّ الحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن صُعُوبَتِهِ لا يَطِيقُ حَمْلَهُ، فَيَبُثُّهُ أيْ يَنْشُرُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى: (وحَزَنِي) بِفَتْحَتَيْنِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِضَمَّتَيْنِ. ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أعْلَمُ مِن صُنْعِهِ ورَحْمَتِهِ وحُسْنِ ظَنِّي بِهِ أنَّهُ يَأْتِي بِالفَرَجِ مِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أشارَ إلى الرُّؤْيا المُنْتَظَرَةِ، أوْ إلى ما وقَعَ في نَفْسِهِ مِن قَوْلِ مَلِكِ مِصْرَ إنِّي أدْعُو لَهُ بِرُؤْيَتِهِ ابْنَهُ قَبْلَ المَوْتِ، وقِيلَ: رَأى مَلَكَ المَوْتِ في مَنامِهِ فَسَألَهُ: هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ ؟ فَقالَ: لا، هو حَيٌّ فاطْلُبْهُ. (اذْهَبُوا) أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى الأرْضِ الَّتِي جاءُوا مِنها وتَرَكُوا بِها أخَوَيْهِمْ بِنْيامِينَ والمُقِيمَ بِها، وأمَرَهم بِالتَّحَسُّسِ؛ وهو الِاسْتِقْصاءُ والطَّلَبُ بِالحَواسِّ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وقُرِئَ بِالجِيمِ، كالَّذِي في الحُجُراتِ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] والمَعْنى: فَتَحَسَّسُوا نَبَأً مِن أمْرِ يُوسُفَ وأخِيهِ، وإنَّما خَصَّهُما لِأنَّ الَّذِي أقامَ وقالَ: فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ، إنَّما أقامَ مُخْتارًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَيْأسُوا)، وفِرْقَةٌ: (تَأيْسُوا)، وقَرَأ الأعْرَجُ: (تِئْسُوا) بِكَسْرِ التّاءِ. و﴿رَوْحِ اللَّهِ﴾ رَحْمَتُهُ وفَرَجُهُ وتَنْفِيسُهُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وقَتادَةُ: ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكانَ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللَّهِ الَّذِي وهَبَهُ، فَإنَّ مَن بَقِيَ رُوحُهُ يُرْجى، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعِ ومِن هَذا قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ: وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ وغائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ بِالضَّمِّ؛ أيْ: مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي تَحْيا بِها العِبادُ، انْتَهى. وقَرَأ أُبَيٌّ: (مِن رَحْمَةِ اللَّهِ) مِن صِفاتِ الكافِرِ إذْ فِيهِ التَّكْذِيبُ بِالرُّبُوبِيَّةِ أوِ الجَهْلُ بِصِفاتِ اللَّهِ.

يوسف 12:86

﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ وتَوَلّى عَنْهم؛ أيْ: أعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما جاءُوا بِهِ، وأنَّهُ ساءَ ظَنُّهُ بِهِمْ، ولَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهم، وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَتَأسَّفُ، قالَ الحَسَنُ: خُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالِاسْتِرْجاعِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿ياأسَفى﴾ ونادى الأسَفَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَلى مَعْنى: هَذا زَمانُكَ فاحْضُرْ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُضافُ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ قُلِبَتْ ألِفًا، كَما قالُوا: في يا غُلامِي يا غُلامًا، وقِيلَ: هو عَلى النُّدْبَةِ، وحَذَفَ الهاءَ الَّتِي لِلسَّكْتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّجانُسُ بَيْنَ لَفْظَتِي ”الأسَفَ، ويُوسُفَ“ مِمّا يَقَعُ مَطْبُوعًا غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ فَيُمْلِحُ ويُبْدِعُ، ونَحْوُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]، ﴿يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، (مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ) انْتَهى. ويُسَمّى هَذا تَجْنِيسُ التَّصْرِيفِ، وهو أنْ تَنْفَرِدَ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ الكَلِمَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى بِحَرْفٍ. وذَكَرَ يَعْقُوبُ ما دَهاهُ مِن أمْرِ بِنْيامِينَ والقائِلِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] وفِقْدانِهِ يُوسُفَ، فَتَأسَّفَ عَلَيْهِ وحْدَهُ، ولَمْ يَتَأسَّفْ عَلَيْهِما؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لا يَعْلَمُ أحَيٌّ هو أمْ مَيِّتٌ ؟ بِخِلافِ إخْوَتِهِ، ولِأنَّهُ كانَ أصْلُ الرَّزايا عِنْدَهُ، إذْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ، وكانَ أحَبَّ أوْلادِهِ إلَيْهِ، وكانَ دائِمًا يَذْكُرُهُ ولا يَنْساهُ، وابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ مِن تَوالِي العَبْرَةِ، فَيَنْقَلِبُ سَوادُ العَيْنِ إلى بَياضٍ كَدِرٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ عَمِيَ لِقَوْلِهِ: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦]، وقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] فَقابَلَ البَصِيرَ بِالأعْمى، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا، وعَلَّلَ الِابْيِضاضَ بِالحُزْنِ، وإنَّما هو مِنَ البُكاءِ المُتَوالِي، وهو ثَمَرَةُ الحُزْنِ، فَعَلَّلَ بِالأصْلِ الَّذِي نَشَأ مِنهُ البُكاءُ وهو الحُزْنُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: (مِنَ الحَزَنِ) بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ، وقَتادَةُ: بِضَمِّها، والجُمْهُورُ: بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ الزّايِ. والكَظِيمُ إمّا لِلْمُبالَغَةِ وهو الظّاهِرُ اللّائِقُ بِحالِ يَعْقُوبَ؛ أيْ: شَدِيدُ الكَظْمِ كَما قالَ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ولَمْ يَشْكُ يَعْقُوبُ إلى أحَدٍ، وإنَّما كانَ يَكْتُمُهُ في نَفْسِهِ، ويُمْسِكُ هَمَّهُ في صَدْرِهِ، فَكانَ يَكْظِمُهُ أيْ: يَرُدُّهُ إلى قَلْبِهِ ولا يُرْسِلُهُ بِالشَّكْوى والغَضَبِ والضَّجَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو لا يَنْقاسُ، وقالَهُ قَوْمٌ كَما قالَ في يُونُسَ: ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما يَتَّجِهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مَلِيءٌ بِحُزْنِهِ، فَكَأنَّهُ كَظَمَ حُزْنَهُ في صَدْرِهِ، وفَسَّرَ ناسٌ الكَظِيمَ بِالمَكْرُوبِ وبِالمَكْمُودِ، ورُوِيَ: أنَّهُ ما جَفَّتْ عَيْناهُ مِن فِراقِ يُوسُفَ إلى لِقائِهِ ثَمانِينَ عامًا، وأنَّ وجْدَهُ عَلَيْهِ وجْدُ سَبْعِينَ ثَكْلى، وأجْرَهُ (p-٣٣٩)أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ فَهو مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ، ولا يُظْهِرُ ما يَسُوءُهم، انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ لا يَنْقاسُ، وجَوابُ القَسَمِ (تَفْتَأُ) حُذِفَتْ مِنهُ، لا لِأنَّ حَذْفَها جائِزٌ، والمَعْنى: لا تَزالُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَفْتُرُ مِن حُبِّهِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الفُتُوءَ والفُتُورَ أخَوَيْنِ، والحَرَضُ الَّذِي قَدَّرْنا مَوْتُهُ، قالَ مُجاهِدٌ: ما دُونَ المَوْتِ. وقالَ قَتادَةُ: البالِي الهَرِمُ، وقالَ نَحْوَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الفاسِدُ الَّذِي لا عَقْلَ لَهُ. وكَأنَّهم قالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ تَفْنِيدِ الرَّأْيِ أيْ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلى حالِ القُرْبِ مِنَ الهَلاكِ، أوْ إلى أنْ تَهْلَكَ فَقالَ هو: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أشْكُو إلى أحَدٍ مِنكم ولا غَيْرِكم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: البَثُّ أشَدُّ الحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن صُعُوبَتِهِ لا يَطِيقُ حَمْلَهُ، فَيَبُثُّهُ أيْ يَنْشُرُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى: (وحَزَنِي) بِفَتْحَتَيْنِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِضَمَّتَيْنِ. ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أعْلَمُ مِن صُنْعِهِ ورَحْمَتِهِ وحُسْنِ ظَنِّي بِهِ أنَّهُ يَأْتِي بِالفَرَجِ مِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أشارَ إلى الرُّؤْيا المُنْتَظَرَةِ، أوْ إلى ما وقَعَ في نَفْسِهِ مِن قَوْلِ مَلِكِ مِصْرَ إنِّي أدْعُو لَهُ بِرُؤْيَتِهِ ابْنَهُ قَبْلَ المَوْتِ، وقِيلَ: رَأى مَلَكَ المَوْتِ في مَنامِهِ فَسَألَهُ: هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ ؟ فَقالَ: لا، هو حَيٌّ فاطْلُبْهُ. (اذْهَبُوا) أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى الأرْضِ الَّتِي جاءُوا مِنها وتَرَكُوا بِها أخَوَيْهِمْ بِنْيامِينَ والمُقِيمَ بِها، وأمَرَهم بِالتَّحَسُّسِ؛ وهو الِاسْتِقْصاءُ والطَّلَبُ بِالحَواسِّ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وقُرِئَ بِالجِيمِ، كالَّذِي في الحُجُراتِ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] والمَعْنى: فَتَحَسَّسُوا نَبَأً مِن أمْرِ يُوسُفَ وأخِيهِ، وإنَّما خَصَّهُما لِأنَّ الَّذِي أقامَ وقالَ: فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ، إنَّما أقامَ مُخْتارًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَيْأسُوا)، وفِرْقَةٌ: (تَأيْسُوا)، وقَرَأ الأعْرَجُ: (تِئْسُوا) بِكَسْرِ التّاءِ. و﴿رَوْحِ اللَّهِ﴾ رَحْمَتُهُ وفَرَجُهُ وتَنْفِيسُهُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وقَتادَةُ: ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكانَ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللَّهِ الَّذِي وهَبَهُ، فَإنَّ مَن بَقِيَ رُوحُهُ يُرْجى، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعِ ومِن هَذا قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ: وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ وغائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ بِالضَّمِّ؛ أيْ: مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي تَحْيا بِها العِبادُ، انْتَهى. وقَرَأ أُبَيٌّ: (مِن رَحْمَةِ اللَّهِ) مِن صِفاتِ الكافِرِ إذْ فِيهِ التَّكْذِيبُ بِالرُّبُوبِيَّةِ أوِ الجَهْلُ بِصِفاتِ اللَّهِ.

يوسف 12:87

﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ وتَوَلّى عَنْهم؛ أيْ: أعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما جاءُوا بِهِ، وأنَّهُ ساءَ ظَنُّهُ بِهِمْ، ولَمْ يُصَدِّقْ قَوْلَهم، وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَتَأسَّفُ، قالَ الحَسَنُ: خُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالِاسْتِرْجاعِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿ياأسَفى﴾ ونادى الأسَفَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَلى مَعْنى: هَذا زَمانُكَ فاحْضُرْ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُضافُ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ قُلِبَتْ ألِفًا، كَما قالُوا: في يا غُلامِي يا غُلامًا، وقِيلَ: هو عَلى النُّدْبَةِ، وحَذَفَ الهاءَ الَّتِي لِلسَّكْتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّجانُسُ بَيْنَ لَفْظَتِي ”الأسَفَ، ويُوسُفَ“ مِمّا يَقَعُ مَطْبُوعًا غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ فَيُمْلِحُ ويُبْدِعُ، ونَحْوُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]، ﴿يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، (مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ) انْتَهى. ويُسَمّى هَذا تَجْنِيسُ التَّصْرِيفِ، وهو أنْ تَنْفَرِدَ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ الكَلِمَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى بِحَرْفٍ. وذَكَرَ يَعْقُوبُ ما دَهاهُ مِن أمْرِ بِنْيامِينَ والقائِلِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] وفِقْدانِهِ يُوسُفَ، فَتَأسَّفَ عَلَيْهِ وحْدَهُ، ولَمْ يَتَأسَّفْ عَلَيْهِما؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لا يَعْلَمُ أحَيٌّ هو أمْ مَيِّتٌ ؟ بِخِلافِ إخْوَتِهِ، ولِأنَّهُ كانَ أصْلُ الرَّزايا عِنْدَهُ، إذْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ، وكانَ أحَبَّ أوْلادِهِ إلَيْهِ، وكانَ دائِمًا يَذْكُرُهُ ولا يَنْساهُ، وابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ مِن تَوالِي العَبْرَةِ، فَيَنْقَلِبُ سَوادُ العَيْنِ إلى بَياضٍ كَدِرٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ عَمِيَ لِقَوْلِهِ: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦]، وقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] فَقابَلَ البَصِيرَ بِالأعْمى، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا، وعَلَّلَ الِابْيِضاضَ بِالحُزْنِ، وإنَّما هو مِنَ البُكاءِ المُتَوالِي، وهو ثَمَرَةُ الحُزْنِ، فَعَلَّلَ بِالأصْلِ الَّذِي نَشَأ مِنهُ البُكاءُ وهو الحُزْنُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: (مِنَ الحَزَنِ) بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ، وقَتادَةُ: بِضَمِّها، والجُمْهُورُ: بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ الزّايِ. والكَظِيمُ إمّا لِلْمُبالَغَةِ وهو الظّاهِرُ اللّائِقُ بِحالِ يَعْقُوبَ؛ أيْ: شَدِيدُ الكَظْمِ كَما قالَ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ولَمْ يَشْكُ يَعْقُوبُ إلى أحَدٍ، وإنَّما كانَ يَكْتُمُهُ في نَفْسِهِ، ويُمْسِكُ هَمَّهُ في صَدْرِهِ، فَكانَ يَكْظِمُهُ أيْ: يَرُدُّهُ إلى قَلْبِهِ ولا يُرْسِلُهُ بِالشَّكْوى والغَضَبِ والضَّجَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو لا يَنْقاسُ، وقالَهُ قَوْمٌ كَما قالَ في يُونُسَ: ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما يَتَّجِهُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مَلِيءٌ بِحُزْنِهِ، فَكَأنَّهُ كَظَمَ حُزْنَهُ في صَدْرِهِ، وفَسَّرَ ناسٌ الكَظِيمَ بِالمَكْرُوبِ وبِالمَكْمُودِ، ورُوِيَ: أنَّهُ ما جَفَّتْ عَيْناهُ مِن فِراقِ يُوسُفَ إلى لِقائِهِ ثَمانِينَ عامًا، وأنَّ وجْدَهُ عَلَيْهِ وجْدُ سَبْعِينَ ثَكْلى، وأجْرَهُ (p-٣٣٩)أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ فَهو مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ، ولا يُظْهِرُ ما يَسُوءُهم، انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ لا يَنْقاسُ، وجَوابُ القَسَمِ (تَفْتَأُ) حُذِفَتْ مِنهُ، لا لِأنَّ حَذْفَها جائِزٌ، والمَعْنى: لا تَزالُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَفْتُرُ مِن حُبِّهِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الفُتُوءَ والفُتُورَ أخَوَيْنِ، والحَرَضُ الَّذِي قَدَّرْنا مَوْتُهُ، قالَ مُجاهِدٌ: ما دُونَ المَوْتِ. وقالَ قَتادَةُ: البالِي الهَرِمُ، وقالَ نَحْوَهُ الضَّحّاكُ والحَسَنُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الفاسِدُ الَّذِي لا عَقْلَ لَهُ. وكَأنَّهم قالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ تَفْنِيدِ الرَّأْيِ أيْ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلى حالِ القُرْبِ مِنَ الهَلاكِ، أوْ إلى أنْ تَهْلَكَ فَقالَ هو: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا أشْكُو إلى أحَدٍ مِنكم ولا غَيْرِكم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: البَثُّ أشَدُّ الحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن صُعُوبَتِهِ لا يَطِيقُ حَمْلَهُ، فَيَبُثُّهُ أيْ يَنْشُرُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى: (وحَزَنِي) بِفَتْحَتَيْنِ، وقَرَأ قَتادَةُ: بِضَمَّتَيْنِ. ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أعْلَمُ مِن صُنْعِهِ ورَحْمَتِهِ وحُسْنِ ظَنِّي بِهِ أنَّهُ يَأْتِي بِالفَرَجِ مِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أشارَ إلى الرُّؤْيا المُنْتَظَرَةِ، أوْ إلى ما وقَعَ في نَفْسِهِ مِن قَوْلِ مَلِكِ مِصْرَ إنِّي أدْعُو لَهُ بِرُؤْيَتِهِ ابْنَهُ قَبْلَ المَوْتِ، وقِيلَ: رَأى مَلَكَ المَوْتِ في مَنامِهِ فَسَألَهُ: هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ ؟ فَقالَ: لا، هو حَيٌّ فاطْلُبْهُ. (اذْهَبُوا) أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى الأرْضِ الَّتِي جاءُوا مِنها وتَرَكُوا بِها أخَوَيْهِمْ بِنْيامِينَ والمُقِيمَ بِها، وأمَرَهم بِالتَّحَسُّسِ؛ وهو الِاسْتِقْصاءُ والطَّلَبُ بِالحَواسِّ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وقُرِئَ بِالجِيمِ، كالَّذِي في الحُجُراتِ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] والمَعْنى: فَتَحَسَّسُوا نَبَأً مِن أمْرِ يُوسُفَ وأخِيهِ، وإنَّما خَصَّهُما لِأنَّ الَّذِي أقامَ وقالَ: فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ، إنَّما أقامَ مُخْتارًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَيْأسُوا)، وفِرْقَةٌ: (تَأيْسُوا)، وقَرَأ الأعْرَجُ: (تِئْسُوا) بِكَسْرِ التّاءِ. و﴿رَوْحِ اللَّهِ﴾ رَحْمَتُهُ وفَرَجُهُ وتَنْفِيسُهُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وقَتادَةُ: ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكانَ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللَّهِ الَّذِي وهَبَهُ، فَإنَّ مَن بَقِيَ رُوحُهُ يُرْجى، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وفِي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعِ ومِن هَذا قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ: وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ وغائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ بِالضَّمِّ؛ أيْ: مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي تَحْيا بِها العِبادُ، انْتَهى. وقَرَأ أُبَيٌّ: (مِن رَحْمَةِ اللَّهِ) مِن صِفاتِ الكافِرِ إذْ فِيهِ التَّكْذِيبُ بِالرُّبُوبِيَّةِ أوِ الجَهْلُ بِصِفاتِ اللَّهِ.

يوسف 12:88

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤] ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٨] ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠] المُزْجاةُ: المَدْفُوعَةُ يَدْفَعُها كُلُّ تاجِرٍ رَغْبَةً عَنْها واحْتِقارًا (p-٣٤٠)مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتَهُ وطَرَدْتَهُ، والرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ، وقالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ: ؎لَبَّيْكَ عَلى مِلْحانِ ضَيْفٍ مُدْفَعٍ وأرْمَلَةٍ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا الإيثارُ: لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ التَّفَضُّلِ وأنْواعَ العَطايا. التَّثْرِيبُ: التَّأْنِيبُ والعَتْبُ، وعَبَّرَ بَعْضُهم عَنْهُ بِالتَّعْبِيرِ، ومِنهُ (إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يَثْرِبْ) أيْ لا يُعَيِّرْ، وأصْلُهُ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشَّةُ الكِرْشِ، ومَعْناهُ: إزالَةُ الثَّرْبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ، لِأنَّهُ إذا ذَهَبَ كانَ ذَلِكَ غايَةَ الهُزالِ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلتَّقْرِيعِ الَّذِي يُمَزِّقُ الأعْراضَ، ويُذْهِبُ بَهاءَ الوَجْهِ. الفَنَدُ: الفَسادُ، قالَ: ؎ألا سُلَيْمانُ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ وفَنَّدْتُ الرَّجُلَ أفْسَدْتُ رَأْيَهُ ورَدَدْتُهُ قالَ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِي ∗∗∗ فَلَيْسَ ما قُلْتُ مِن أمْرٍ بِمَرْدُودِ وأفْنَدَ الدَّهْرُ فُلانًا أفْسَدَهُ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: ؎دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلُ ما أرادَ فَإنَّهُ ∗∗∗ إذا كَلَّفَ الإفْنادَ بِالنّاسِ أفْنَدا (القَدِيمُ) الَّذِي مَرَّتْ عَلَيْهِ أعْصارٌ، وهو أمْرٌ نِسْبِيٌّ. (البَدْوِ) البادِيَةُ وهي خِلافُ الحاضِرَةِ. * * ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ فِي الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: فَذَهَبُوا مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ ودَخَلُوها ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وكانَ آكَدُ ما حَدَّثُوهُ فِيهِ شَكْوى ما أصابَهم مِنَ الجَهْدِ قَبْلَ ما وصّاهم بِهِ مِن تَحَسُّسِ نَبَأِ يُوسُفَ وأخِيهِ. والضُّرُّ: الهُزالُ مِنَ الشِّدَّةِ والجُوعِ، والبِضاعَةُ كانَتْ زُيُوفًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الحَسَنُ: قَلِيلَةٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ناقِصَةٌ. وقِيلَ: كانَتْ عَرُوضًا. قِيلَ: كانَتْ صُوفًا وسَمْنًا. وقِيلَ: صَنَوْبَرًا وحَبَّةَ الخَضْراءِ وهي الفُسْتُقُ قالَهُ: أبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. وقِيلَ: سَوِيقُ المُقْلِ والأقِطِ، وقِيلَ: قَدِيدُ وحْشٍ، وقِيلَ: حِبالًا وأعْدالًا وأقْتابًا، ثُمَّ التَمَسُوا مِنهُ إيفاءَ الكَيْلِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ ولا دَلِيلَ فِيهِ. ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أيْ: بِالمُسامَحَةِ والإغْماضِ عَنْ رَداءَةِ البِضاعَةِ، أوْ زِدْنا عَلى حَقِّنا، فَسَمُّوا ما هو فَضْلٌ وزِيادَةٌ لا تَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ، قِيلَ: لِأنَّ الصَّدَقاتِ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: كانَتْ تَحِلُّ لِغَيْرِ نَبِيِّنا، وسُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أرادَ أنَّها كانَتْ حَلالًا لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّهم تَمَسْكَنُوا لَهُ وطَلَبُوا أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، ومِن ثَمَّ رَقَّ لَهم ومَلَكَتْهُ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَتَمالَكْ أنْ عَرَّفَهم نَفْسَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ شاهِدٌ لِذَلِكَ لِذِكْرِ اللَّهِ وجَزائِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: كانَتِ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً، ولَكِنْ قالُوها تَجَوُّزًا اسْتِعْطافًا مِنهم لَهُ في المُبايَعَةِ كَما تَقُولُ لِمَن ساوَمْتَهُ في سِلْعَةٍ: هَبْنِي مِن ثَمَنِها كَذا، فَلَمْ يَقْصِدْ أنْ يَهَبَكَ، وإنَّما حَسُنَتْ مَعَهُ الأفْعالُ حَتّى يَرْجِعَ مِنكَ إلى سَوْمِكَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّما خَصُّوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أمْرَ أخِيهِمْ بِنْيامِينَ؛ أيْ: أوْفِ لَنا الكَيْلَ في المُبايَعَةِ، وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِرَدِّ أخِينا عَلى أبِيهِ، وقالَ النَّقّاشُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ هي مِنَ المَعارِيضِ الَّتِي هي مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا عَلى غَيْرِ دِينِهِمْ، ولَوْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ في الآخِرَةِ كُذِّبُوا، فَقالُوا لَهُ لَفْظًا يُوهِمُ أنَّهم أرادُوهُ، وهم يَصِحُّ لَهم إخْراجُهُ مِنهُ بِالتَّأْوِيلِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ واسْتَعْطَفُوهُ، رَقَّ لَهم ورَحِمَهم. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا، (p-٣٤١)فَشَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ إلَيْهِمْ، فَيُرْوى أنَّهُ حَسَرَ قِناعَهُ وقالَ لَهم: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ أيْ: مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُما في الصِّغَرِ، وإذايَةِ بِنْيامِينَ بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ ؟ وكانُوا يُذِلُّونَهُ ويَشْتُمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَسَبَهم إمّا إلى جَهْلِ المَعْصِيَةِ، وإمّا إلى جَهْلِ السَّيَّآتِ وقِلَّةِ الحُنْكَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أتاهم مِن جِهَةِ الدِّينِ وكانَ حَلِيمًا مُوَفَّقًا، فَكَلَّمَهم مُسْتَفْهِمًا عَنْ مَعْرِفَةِ وجْهِ القُبْحِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُراعِيَهُ التّائِبُ فَقالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ لا تَعْلَمُونَ قُبْحَهُ، فَلِذَلِكَ أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ؛ يَعْنِي: هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَهُ فَتُبْتُمْ إلى اللَّهِ مِنهُ ؟ لِأنَّ عِلْمَ القُبْحِ يَدْعُو إلى الِاسْتِقْباحِ، والِاسْتِقْباحُ يَجُرُّ التَّوْبَةَ، فَكانَ كَلامُهُ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ وتَنَصُّحًا لَهم في الدِّينِ، وإيثارًا لِحَقِّ اللَّهِ عَلى حَقِّ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي يَتَنَفَّسُ فِيهِ المَكْرُوبُ ويَنْفُثُ المَصْدُورُ ويَشْتَفِي المَغِيظُ المُحْنَقُ ويُدْرِكُ ثَأْرَهُ المُوتُورَ، فَلِلَّهِ أخْلاقُ الأنْبِياءِ ما أوْطاها وأسْمَحَها، ولِلَّهِ حَصى عُقُولِهِمْ ما أرْزَنَها وأرْجَحَها، انْتَهى. وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ نَفْيَ العِلْمِ عَنْهم؛ لِأنَّهم كانُوا عُلَماءَ، ولَكِنَّهم لَمّا فَعَلُوا ما لا يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وتَقَدَّمَ عَلَيْهِ إلّا جاهِلٌ سَمّاهم جاهِلِينَ، وفي التَّحْرِيرِ؛ ما لُخِّصَ مِنهُ وهو أنَّ قَوْلَ الجُمْهُورِ: هَلْ عَلِمْتُمْ: اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، ومُرادُهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ؛ أيْ: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ، كَما يُقالُ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ وقِيلَ: ”هَلْ“ بِمَعْنى قَدْ؛ لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ، و﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ إفْرادُهُ مِن أبِيهِمْ، وقَوْلُهم: بِأنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وإلْقاؤُهُ في الجُبِّ، وبَيْعُهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ إنْ كانُوا هُمُ الَّذِينَ باعُوهُ، وقَوْلُهم: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] والَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ أذاهم لَهُ وجَفاؤُهم لَهُ، واتِّهامُهُ بِسَرِقَةِ الصّاعِ، وتَصْرِيحِهِمْ بِأنَّهُ سَرَقَ، ولَمْ يَذْكُرْ لَهم ما إذْ واجَهَ أباهم تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ أنْ يَذْكُرَهُ مَعَ نَفْسِهِ وأخِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: جاهِلُونَ صِبْيانٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: مُذْنِبُونَ. وقِيلَ: جاهِلُونَ بِما يَجِبُ مِن بَرِّ الأبِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، وتَرْكِ الهَوى. وقِيلَ: جاهِلُونَ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ. وقِيلَ: جاهِلُونَ بِالفِكْرِ في العاقِبَةِ، وعَدَمِ النَّظَرِ إلى المَصْلَحَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: وغَرَضُ يُوسُفَ تَوْبِيخُ إخْوَتِهِ وتَأْنِيبِهِمْ عَلى ما فَعَلُوا في حَقِّ أبِيهِمْ وفي حَقِّ أخَوَيْهِمْ، قالَ: والصَّحِيحُ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لِقُلُوبِهِمْ، وبَسْطِ عُذْرٍ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما أُقَدِّمُكم عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ جَهالَةَ الصِّبا أوِ الغُرُورِ، وكَأنَّهُ لَقَّنَهُمُ الحُجَّةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] وما حَكاهُ ابْنُ الهَيْصَمِ في قِصَّةٍ مِن أنَّهُ صَلَبَهم، والثَّعْلَبِيُّ في حِكايَتِهِ أنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَأمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَبَكَوْا وجَزِعُوا، فَرَقَّ لَهم وقالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآيَةَ، لا يَصِحُّ البَتَّةَ، وكانَ يُوسُفُ مِن أرَقِّ خَلْقِ اللَّهِ وأشْفَقَهم عَلى الأجانِبِ، فَكَيْفَ مَعَ إخْوَتِهِ ولَمّا اعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ قالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف: ٩٢] الآيَةَ.

يوسف 12:89

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤] ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٨] ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠] المُزْجاةُ: المَدْفُوعَةُ يَدْفَعُها كُلُّ تاجِرٍ رَغْبَةً عَنْها واحْتِقارًا (p-٣٤٠)مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتَهُ وطَرَدْتَهُ، والرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ، وقالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ: ؎لَبَّيْكَ عَلى مِلْحانِ ضَيْفٍ مُدْفَعٍ وأرْمَلَةٍ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا الإيثارُ: لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ التَّفَضُّلِ وأنْواعَ العَطايا. التَّثْرِيبُ: التَّأْنِيبُ والعَتْبُ، وعَبَّرَ بَعْضُهم عَنْهُ بِالتَّعْبِيرِ، ومِنهُ (إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يَثْرِبْ) أيْ لا يُعَيِّرْ، وأصْلُهُ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشَّةُ الكِرْشِ، ومَعْناهُ: إزالَةُ الثَّرْبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ، لِأنَّهُ إذا ذَهَبَ كانَ ذَلِكَ غايَةَ الهُزالِ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلتَّقْرِيعِ الَّذِي يُمَزِّقُ الأعْراضَ، ويُذْهِبُ بَهاءَ الوَجْهِ. الفَنَدُ: الفَسادُ، قالَ: ؎ألا سُلَيْمانُ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ وفَنَّدْتُ الرَّجُلَ أفْسَدْتُ رَأْيَهُ ورَدَدْتُهُ قالَ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِي ∗∗∗ فَلَيْسَ ما قُلْتُ مِن أمْرٍ بِمَرْدُودِ وأفْنَدَ الدَّهْرُ فُلانًا أفْسَدَهُ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: ؎دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلُ ما أرادَ فَإنَّهُ ∗∗∗ إذا كَلَّفَ الإفْنادَ بِالنّاسِ أفْنَدا (القَدِيمُ) الَّذِي مَرَّتْ عَلَيْهِ أعْصارٌ، وهو أمْرٌ نِسْبِيٌّ. (البَدْوِ) البادِيَةُ وهي خِلافُ الحاضِرَةِ. * * ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ فِي الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: فَذَهَبُوا مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ ودَخَلُوها ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وكانَ آكَدُ ما حَدَّثُوهُ فِيهِ شَكْوى ما أصابَهم مِنَ الجَهْدِ قَبْلَ ما وصّاهم بِهِ مِن تَحَسُّسِ نَبَأِ يُوسُفَ وأخِيهِ. والضُّرُّ: الهُزالُ مِنَ الشِّدَّةِ والجُوعِ، والبِضاعَةُ كانَتْ زُيُوفًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الحَسَنُ: قَلِيلَةٌ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ناقِصَةٌ. وقِيلَ: كانَتْ عَرُوضًا. قِيلَ: كانَتْ صُوفًا وسَمْنًا. وقِيلَ: صَنَوْبَرًا وحَبَّةَ الخَضْراءِ وهي الفُسْتُقُ قالَهُ: أبُو صالِحٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. وقِيلَ: سَوِيقُ المُقْلِ والأقِطِ، وقِيلَ: قَدِيدُ وحْشٍ، وقِيلَ: حِبالًا وأعْدالًا وأقْتابًا، ثُمَّ التَمَسُوا مِنهُ إيفاءَ الكَيْلِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ ولا دَلِيلَ فِيهِ. ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أيْ: بِالمُسامَحَةِ والإغْماضِ عَنْ رَداءَةِ البِضاعَةِ، أوْ زِدْنا عَلى حَقِّنا، فَسَمُّوا ما هو فَضْلٌ وزِيادَةٌ لا تَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ، قِيلَ: لِأنَّ الصَّدَقاتِ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: كانَتْ تَحِلُّ لِغَيْرِ نَبِيِّنا، وسُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أرادَ أنَّها كانَتْ حَلالًا لَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والظّاهِرُ أنَّهم تَمَسْكَنُوا لَهُ وطَلَبُوا أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، ومِن ثَمَّ رَقَّ لَهم ومَلَكَتْهُ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَتَمالَكْ أنْ عَرَّفَهم نَفْسَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ شاهِدٌ لِذَلِكَ لِذِكْرِ اللَّهِ وجَزائِهِ، انْتَهى. وقِيلَ: كانَتِ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً، ولَكِنْ قالُوها تَجَوُّزًا اسْتِعْطافًا مِنهم لَهُ في المُبايَعَةِ كَما تَقُولُ لِمَن ساوَمْتَهُ في سِلْعَةٍ: هَبْنِي مِن ثَمَنِها كَذا، فَلَمْ يَقْصِدْ أنْ يَهَبَكَ، وإنَّما حَسُنَتْ مَعَهُ الأفْعالُ حَتّى يَرْجِعَ مِنكَ إلى سَوْمِكَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّما خَصُّوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أمْرَ أخِيهِمْ بِنْيامِينَ؛ أيْ: أوْفِ لَنا الكَيْلَ في المُبايَعَةِ، وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِرَدِّ أخِينا عَلى أبِيهِ، وقالَ النَّقّاشُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ هي مِنَ المَعارِيضِ الَّتِي هي مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا عَلى غَيْرِ دِينِهِمْ، ولَوْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ في الآخِرَةِ كُذِّبُوا، فَقالُوا لَهُ لَفْظًا يُوهِمُ أنَّهم أرادُوهُ، وهم يَصِحُّ لَهم إخْراجُهُ مِنهُ بِالتَّأْوِيلِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ واسْتَعْطَفُوهُ، رَقَّ لَهم ورَحِمَهم. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا، (p-٣٤١)فَشَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ إلَيْهِمْ، فَيُرْوى أنَّهُ حَسَرَ قِناعَهُ وقالَ لَهم: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ أيْ: مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُما في الصِّغَرِ، وإذايَةِ بِنْيامِينَ بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ ؟ وكانُوا يُذِلُّونَهُ ويَشْتُمُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَسَبَهم إمّا إلى جَهْلِ المَعْصِيَةِ، وإمّا إلى جَهْلِ السَّيَّآتِ وقِلَّةِ الحُنْكَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أتاهم مِن جِهَةِ الدِّينِ وكانَ حَلِيمًا مُوَفَّقًا، فَكَلَّمَهم مُسْتَفْهِمًا عَنْ مَعْرِفَةِ وجْهِ القُبْحِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُراعِيَهُ التّائِبُ فَقالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ لا تَعْلَمُونَ قُبْحَهُ، فَلِذَلِكَ أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ؛ يَعْنِي: هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَهُ فَتُبْتُمْ إلى اللَّهِ مِنهُ ؟ لِأنَّ عِلْمَ القُبْحِ يَدْعُو إلى الِاسْتِقْباحِ، والِاسْتِقْباحُ يَجُرُّ التَّوْبَةَ، فَكانَ كَلامُهُ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ وتَنَصُّحًا لَهم في الدِّينِ، وإيثارًا لِحَقِّ اللَّهِ عَلى حَقِّ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي يَتَنَفَّسُ فِيهِ المَكْرُوبُ ويَنْفُثُ المَصْدُورُ ويَشْتَفِي المَغِيظُ المُحْنَقُ ويُدْرِكُ ثَأْرَهُ المُوتُورَ، فَلِلَّهِ أخْلاقُ الأنْبِياءِ ما أوْطاها وأسْمَحَها، ولِلَّهِ حَصى عُقُولِهِمْ ما أرْزَنَها وأرْجَحَها، انْتَهى. وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ نَفْيَ العِلْمِ عَنْهم؛ لِأنَّهم كانُوا عُلَماءَ، ولَكِنَّهم لَمّا فَعَلُوا ما لا يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وتَقَدَّمَ عَلَيْهِ إلّا جاهِلٌ سَمّاهم جاهِلِينَ، وفي التَّحْرِيرِ؛ ما لُخِّصَ مِنهُ وهو أنَّ قَوْلَ الجُمْهُورِ: هَلْ عَلِمْتُمْ: اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، ومُرادُهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ؛ أيْ: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ، كَما يُقالُ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ وقِيلَ: ”هَلْ“ بِمَعْنى قَدْ؛ لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ، و﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ إفْرادُهُ مِن أبِيهِمْ، وقَوْلُهم: بِأنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وإلْقاؤُهُ في الجُبِّ، وبَيْعُهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ إنْ كانُوا هُمُ الَّذِينَ باعُوهُ، وقَوْلُهم: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] والَّذِي فَعَلُوا بِأخِيهِ أذاهم لَهُ وجَفاؤُهم لَهُ، واتِّهامُهُ بِسَرِقَةِ الصّاعِ، وتَصْرِيحِهِمْ بِأنَّهُ سَرَقَ، ولَمْ يَذْكُرْ لَهم ما إذْ واجَهَ أباهم تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ أنْ يَذْكُرَهُ مَعَ نَفْسِهِ وأخِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: جاهِلُونَ صِبْيانٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: مُذْنِبُونَ. وقِيلَ: جاهِلُونَ بِما يَجِبُ مِن بَرِّ الأبِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، وتَرْكِ الهَوى. وقِيلَ: جاهِلُونَ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُ يُوسُفَ. وقِيلَ: جاهِلُونَ بِالفِكْرِ في العاقِبَةِ، وعَدَمِ النَّظَرِ إلى المَصْلَحَةِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: وغَرَضُ يُوسُفَ تَوْبِيخُ إخْوَتِهِ وتَأْنِيبِهِمْ عَلى ما فَعَلُوا في حَقِّ أبِيهِمْ وفي حَقِّ أخَوَيْهِمْ، قالَ: والصَّحِيحُ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لِقُلُوبِهِمْ، وبَسْطِ عُذْرٍ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما أُقَدِّمُكم عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ جَهالَةَ الصِّبا أوِ الغُرُورِ، وكَأنَّهُ لَقَّنَهُمُ الحُجَّةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] وما حَكاهُ ابْنُ الهَيْصَمِ في قِصَّةٍ مِن أنَّهُ صَلَبَهم، والثَّعْلَبِيُّ في حِكايَتِهِ أنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَأمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَبَكَوْا وجَزِعُوا، فَرَقَّ لَهم وقالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآيَةَ، لا يَصِحُّ البَتَّةَ، وكانَ يُوسُفُ مِن أرَقِّ خَلْقِ اللَّهِ وأشْفَقَهم عَلى الأجانِبِ، فَكَيْفَ مَعَ إخْوَتِهِ ولَمّا اعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ قالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف: ٩٢] الآيَةَ.

يوسف 12:90

﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ (p-٣٤٢)لَمّا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٨٩] ؟ أدْرَكُوا أنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ مَلِكٌ لَمْ يَنْشَأْ عِنْدَهم، ولا تَتَبَّعَ أحْوالَهم، ولَيْسَ مِنهم فِيما يَظْهَرُ إلّا وعِنْدَهُ عِلْمٌ بِحالِهِمْ فَيُقالُ: إنَّهُ كانَ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ، فَرَفَعَهُ ووَضَعَ التّاجَ وتَبَسَّمَ، وكانَ يُضِيءُ ما حَوْلَهُ مِن نُورِ تَبَسُّمِهِ أوْ رَأوْا لَمْعَةً بَيْضاءَ كالشّامَةِ في فَرَقِهِ حِينَ وضَعَ التّاجَ وكانَ مِثْلُها لِأبِيهِ وجَدِّهِ وسارَةَ، فَتَوَسَّمُوا أنَّهُ يُوسُفُ، واسْتَفْهَمُوهُ اسْتِفْهامَ اسْتِخْبارٍ. وقِيلَ: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ؛ لِأنَّهم كانُوا عَرَفُوهُ بِتِلْكَ العَلاماتِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَرَفُوهُ ؟ قُلْتُ: رَأوْا في رُوائِهِ وشَمائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهم بِذَلِكَ ما شَعَرُوا بِهِ أنَّهُ هو، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ما خاطَبَهم بِهِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ حَنِيفٍ مُسْلِمٍ مِن نَسْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لا عَنْ بَعْضِ أعِزّاءِ مِصْرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أئِنَّكَ) عَلى الِاسْتِفْهامِ، والخِلافُ في تَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، أوْ تَلْيِينِ الثّانِيَةِ وإدْخالِ ألِفٍ في التَّلْيِينِ أوِ التَّحْقِيقِ مَذْكُورٌ في القِراءاتِ السَّبْعِ. وقَرَأ قَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: (إنَّكَ) بِغَيْرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، والظّاهِرُ أنَّها مُرادَةٌ، ويَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الخَبَرِ المَحْضِ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُهم لِتَعارُضِ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ إنِ اتَّحَدَ القائِلُونَ في القَوْلِ وهو الظّاهِرُ، فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بَعْضًا اسْتَفْهَمَ وبَعْضًا أخْبَرَ، ونَسَبَ في كُلٍّ مِنَ القِراءَتَيْنِ إلى المَجْمُوعِ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: أمْكَنَ، وهو مَعَ ذَلِكَ بَعِيدٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (أئِنَّكَ) أوْ (أنْتَ يُوسُفُ) . وخَرَّجَهُ ابْنُ جِنِّي عَلى حَذْفِ خَبَرِ ”إنَّ“ وقَدَّرَهُ: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾، أوْ أنْتَ يُوسُفُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أئِنَّكَ يُوسُفُ، أوْ أنْتَ يُوسُفُ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، قالَ: وهَذا كَلامٌ مُسْتَعْجَبٌ مُسْتَغْرَبٌ لِما يُسْمَعُ، فَهو يُكَرِّرُ الِاسْتِثْباتَ، انْتَهى. وحَكى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالُوا: (أوَ أنْتَ يُوسُفُ) ؟ وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ دَخَلَتْ عَلى أنْتَ، وهو فَصْلٌ: وخَبَرُ ”إنَّ“ ”يُوسُفُ“ كَما تَقُولُ: إنْ كانَ زَيْدٌ لَهو الفاضِلُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلى أنْتَ وهو مُبْتَدَأٌ، ويُوسُفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ ”إنَّ“ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتَ تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو اسْمُ إنَّ لِحَيْلُولَةِ اللّامِ بَيْنَهُما، ولَمّا اسْتَفْهَمُوهُ أجابَهم فَقالَ: ﴿أنا يُوسُفُ﴾ كاشِفًا لَهم أمْرَهُ، وزادَهم في الجَوابِ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا أخِي﴾ لِأنَّهُ سَبَقَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] ؟ وكانَ في ذِكْرِ أخِيهِ بَيانٌ لِما سَألُوا عَنْهُ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم وتَوْطِئَةً لِما ذُكِرَ بَعْدَ (مَن) هو بِالتَّقْوى والصَّبْرِ، والأحْسَنُ أنْ لا تُخَصَّ التَّقْوى بِحالَةٍ ولا الصَّبْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَن يَتَّقِ في تَرْكِهِ المَعْصِيَةَ ويَصْبِرْ في السِّجْنِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: مَن يَتَّقِ الزِّنا ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ. وقِيلَ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مَن يَتَّقِ﴾ مَن يَخَفِ اللَّهَ وعِقابَهُ ويَصْبِرْ عَنِ المَعاصِي وعَلى الطّاعاتِ. وقِيلَ: مَن يَتَّقِ مَعاصِيَ اللَّهِ، ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ، وهَذِهِ كُلُّها تَخْصِيصاتٌ بِحَسَبِ حالَةِ يُوسُفَ ونَوازِلِهِ. وقَرَأ قُنْبُلٍ: (مَن يَتَّقِي) فَقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، وهَذِهِ (p-٣٤٣)الياءُ إشْباعٌ، وقِيلَ: جَزَمَهُ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: لَمْ يَرْمِي زَيْدٌ، وقَدْ حَكَوْا ذَلِكَ لُغَةً. وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ، و(مَن) مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي، وعُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزُومٌ وهو: ﴿ويَصْبِرْ﴾ وذَلِكَ عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ تَوَّهَمَ أنَّ ”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، و”يَتَّقِي“ مَجْزُومٌ. وقِيلَ: (ويَصْبِرْ) مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى مَرْفُوعٍ، وسُكِّنَتِ الرّاءُ لا لِلْجَزْمِ، بَلْ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن كَلِمَتَيْنِ، كَما سُكِّنَتْ في (يَأْمُرْكم ويُشْعِرْكم وبُعُولَتْهِنَّ) أوْ مُسَكِّنًا لِلْوَقْفِ، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ ”يَتَّقِي“ مَجْزُومًا عَلى لُغَةٍ، وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً، ولا يَرْجِعُ إلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ قالَ: وهَذا مِمّا لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إنَّما يَجِيءُ في الشِّعْرِ لا في الكَلامِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِن رُؤَساءِ النَّحْوِيِّينَ قَدْ نَقَلُوا أنَّهُ لُغَةٌ. و(المُحْسِنِينَ) عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَن تَقَدَّمَ، أوْ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَّقِينَ والصّابِرِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُضِيعُ أجْرَهم. و﴿آثَرَكَ﴾ فَضَّلَكَ بِالمُلْكِ، أوْ بِالصَّبْرِ والعِلْمِ قالَهُما ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ بِالحِلْمِ والصَّفْحِ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، أوْ بِحُسْنِ الخَلْقِ والخُلُقِ والعِلْمِ والحِلْمِ والإحْسانِ والمُلْكِ والسُّلْطانِ وبِصَبْرِكَ عَلى أذانا قالَهُ صاحِبُ الغُنْيانِ، أوْ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ وسِيرَةِ المُحْسِنِينَ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ الآيَةَ، وخِطابُهم إيّاهُ بِذَلِكَ اسْتِنْزالٌ لِإحْسانِهِ واعْتِرافٌ بِما صَدَرَ مِنهم في حَقِّهِ. و(خاطِئِينَ) مِن خَطِئَ إذا تَعَمَّدَ، وأمّا أخْطَأ فَقَصْدُ الصَّوابِ ولَمْ يُوَفَّقْ لَهُ، و﴿لا تَثْرِيبَ﴾ لا لَوْمَ ولا عُقُوبَةَ، و﴿تَثْرِيبَ﴾ اسْمُ لا، و(عَلَيْكم) الخَبَرُ، و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في الخَبَرِ؛ أيْ: لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ (اليَوْمَ) ؟ (قُلْتُ): بِالتَّثْرِيبِ، أوْ بِالمُقَدَّرِ في (عَلَيْكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، أوْ بِـ (يَغْفِرُ) والمَعْنى: لا أثْرُبُكُمُ اليَوْمَ، وهَذا اليَوْمُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ فَما ظَنُّكم بِغَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَدْ عالَهم بِمَغْفِرَةِ ما فَرَطَ مِنهم، يُقالُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، ويَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ عَلى لَفْظِ الماضِي والمُضارِعِ جَمِيعًا، ومِنهُ قَوْلُ المُشَمِّتِ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ويُصْلِحُ بالَكم، أوِ اليَوْمُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم بِشارَةً بِعاجِلِ الغُفْرانِ، لِما تَجَدَّدَ يَوْمَئِذٍ مِن تَوْبَتِهِمْ ونَدَمِهِمْ عَلى خَطِيئَتِهِمْ، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اليَوْمَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّثْرِيبِ، فَهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ التَّثْرِيبَ مَصْدَرٌ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِقَوْلِهِ: (عَلَيْكم) إمّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أوْ صِفَةً لِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾، ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ مِن تَمامِهِ، وأيْضًا لَوْ كانَ اليَوْمُ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ لَمْ يَجُزْ بِناؤُهُ، وكانَ يَكُونُ مِن قَبِيلِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ، وهو الَّذِي يُسَمّى المُطَوَّلَ، ويُسَمّى المَمْطُولَ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وأمّا تَقْدِيرُهُ الثّانِي فَتَقْدِيرٌ حَسَنٌ، ولِذَلِكَ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: (اليَوْمَ) أكْثَرُ القُرّاءِ، وابْتَدَءُوا بِـ ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ، وهو تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ والطَّبَرِيِّ. وأمّا تَقْدِيرُهُ الثّالِثُ وهو أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) مُتَعَلِّقًا بِـ (يَغْفِرُ) فَمَقْبُولٌ، وقَدْ وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (عَلَيْكم) وابْتَدَأ ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَقْفُ عَلى (اليَوْمَ) أرْجَحُ في المَعْنى؛ لِأنَّ الآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ. وأمّا قَوْلُهُ فَبِشارَةٌ إلى آخِرِهِ، فَعَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّ الغُفْرانَ لا يَكُونُ إلّا لِمَن تابَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعَ عُقُوبَةً، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ (عَلَيْكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (تَثْرِيبَ) ويَكُونَ الخَبَرُ (اليَوْمَ)، وهو وجْهٌ حَسَنٌ. وقِيلَ: (عَلَيْكم) بَيانٌ كَـ ”لَكَ“ في قَوْلِهِمْ: (p-٣٤٤)”سُقْيًا لَكَ“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْكم بِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ لِأنَّهُ كانَ يُعْرَبُ، فَيَكُونُ مُنَوَّنًا لِأنَّهُ يَصِيرُ مِن بابِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ، و(عَلَيْكم) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تَثْرِيبَ)، وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في (اليَوْمَ) وتَقْدِيرُهُ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ، كَما قَدَّرُوا في ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣] أيْ: يَعْصِمُ اليَوْمَ، لَكانَ وجْهًا قَوِيًّا؛ لِأنَّ خَبَرَ لا إذا عُلِمَ كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، ولَمْ يَلْفِظْ بِهِ بَنُو تَمِيمٍ، ولَمّا دَعا لَهم بِالمَغْفِرَةِ أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي سَبَبُ الغُفْرانِ، وهو أنَّهُ تَعالى أرْحَمُ الرُّحَماءِ، فَهو يَرْجُو مِنهُ قَبُولَ دُعائِهِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ. والباءُ في (بِقَمِيصِي) الظّاهِرُ أنَّها لِلْحالِ؛ أيْ: مَصْحُوبِينَ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ. وقِيلَ: لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: اذْهَبُوا قَمِيصِي، أيِ: احْمِلُوا قَمِيصِي. قِيلَ: هو القَمِيصُ الَّذِي تَوارَثَهُ يُوسُفُ وكانَ في عُنُقِهِ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ أمَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُرْسِلَهُ إلَيْهِ فَإنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، لا يَقَعُ عَلى مُبْتَلًى ولا سَقِيمٍ إلّا عُوفِيَ. وقِيلَ: كانَ لِإبْراهِيمَ كَساهُ اللَّهُ إيّاهُ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ خَرَجَ مِنَ النّارِ، ثُمَّ لِإسْحاقَ، ثُمَّ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِيُوسُفَ. وقِيلَ: هو القَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِن دُبُرٍ أرْسَلَهُ لِيَعْلَمَ يَعْقُوبُ أنَّهُ عُصِمَ مِنَ الفاحِشَةِ. والظّاهِرُ أنَّهُ قَمِيصٌ مِن مَلْبُوسِ يُوسُفَ بِمَنزِلَةِ قَمِيصِ كُلِّ واحِدٍ، قالَ ذَلِكَ: ابْنُ عَطِيَّةَ. وهَكَذا تَتَبَيَّنُ الغَرابَةُ في أنْ وجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ مِن بَعْدُ، ولَوْ كانَ مِن قُمُصِ الجَنَّةِ ما كانَ في ذَلِكَ غَرابَةً ولَوَجَدَهُ كُلُّ واحَدٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ عَمِيَ مِنَ الحُزْنِ، إمّا بِإعْلامِهِمْ، وإمّا بِوَحْيٍ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ بِوَحْيٍ، وأهْلُوهُ الَّذِينَ أمَرَ بِأنْ يُؤْتى بِهِمْ سَبْعُونَ، أوْ ثَمانُونَ، أوْ ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ، أوْ سِتَّةٌ وتِسْعُونَ، أقْوالٌ أوَّلُها لِلْكَلْبِيِّ وثالِثُها لِمَسْرُوقٍ. وفي واحِدٍ مِن هَذا العَدَدِ خَلَوْا بِمِصْرَ ونَمُوا حَتّى خَرَجَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. ومَعْنى: (يَأْتِ) يَأْتِينِي، وانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلى الحالِ.

يوسف 12:91

﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ (p-٣٤٢)لَمّا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٨٩] ؟ أدْرَكُوا أنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ مَلِكٌ لَمْ يَنْشَأْ عِنْدَهم، ولا تَتَبَّعَ أحْوالَهم، ولَيْسَ مِنهم فِيما يَظْهَرُ إلّا وعِنْدَهُ عِلْمٌ بِحالِهِمْ فَيُقالُ: إنَّهُ كانَ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ، فَرَفَعَهُ ووَضَعَ التّاجَ وتَبَسَّمَ، وكانَ يُضِيءُ ما حَوْلَهُ مِن نُورِ تَبَسُّمِهِ أوْ رَأوْا لَمْعَةً بَيْضاءَ كالشّامَةِ في فَرَقِهِ حِينَ وضَعَ التّاجَ وكانَ مِثْلُها لِأبِيهِ وجَدِّهِ وسارَةَ، فَتَوَسَّمُوا أنَّهُ يُوسُفُ، واسْتَفْهَمُوهُ اسْتِفْهامَ اسْتِخْبارٍ. وقِيلَ: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ؛ لِأنَّهم كانُوا عَرَفُوهُ بِتِلْكَ العَلاماتِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَرَفُوهُ ؟ قُلْتُ: رَأوْا في رُوائِهِ وشَمائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهم بِذَلِكَ ما شَعَرُوا بِهِ أنَّهُ هو، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ما خاطَبَهم بِهِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ حَنِيفٍ مُسْلِمٍ مِن نَسْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لا عَنْ بَعْضِ أعِزّاءِ مِصْرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أئِنَّكَ) عَلى الِاسْتِفْهامِ، والخِلافُ في تَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، أوْ تَلْيِينِ الثّانِيَةِ وإدْخالِ ألِفٍ في التَّلْيِينِ أوِ التَّحْقِيقِ مَذْكُورٌ في القِراءاتِ السَّبْعِ. وقَرَأ قَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: (إنَّكَ) بِغَيْرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، والظّاهِرُ أنَّها مُرادَةٌ، ويَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الخَبَرِ المَحْضِ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُهم لِتَعارُضِ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ إنِ اتَّحَدَ القائِلُونَ في القَوْلِ وهو الظّاهِرُ، فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بَعْضًا اسْتَفْهَمَ وبَعْضًا أخْبَرَ، ونَسَبَ في كُلٍّ مِنَ القِراءَتَيْنِ إلى المَجْمُوعِ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: أمْكَنَ، وهو مَعَ ذَلِكَ بَعِيدٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (أئِنَّكَ) أوْ (أنْتَ يُوسُفُ) . وخَرَّجَهُ ابْنُ جِنِّي عَلى حَذْفِ خَبَرِ ”إنَّ“ وقَدَّرَهُ: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾، أوْ أنْتَ يُوسُفُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أئِنَّكَ يُوسُفُ، أوْ أنْتَ يُوسُفُ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، قالَ: وهَذا كَلامٌ مُسْتَعْجَبٌ مُسْتَغْرَبٌ لِما يُسْمَعُ، فَهو يُكَرِّرُ الِاسْتِثْباتَ، انْتَهى. وحَكى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالُوا: (أوَ أنْتَ يُوسُفُ) ؟ وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ دَخَلَتْ عَلى أنْتَ، وهو فَصْلٌ: وخَبَرُ ”إنَّ“ ”يُوسُفُ“ كَما تَقُولُ: إنْ كانَ زَيْدٌ لَهو الفاضِلُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلى أنْتَ وهو مُبْتَدَأٌ، ويُوسُفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ ”إنَّ“ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتَ تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو اسْمُ إنَّ لِحَيْلُولَةِ اللّامِ بَيْنَهُما، ولَمّا اسْتَفْهَمُوهُ أجابَهم فَقالَ: ﴿أنا يُوسُفُ﴾ كاشِفًا لَهم أمْرَهُ، وزادَهم في الجَوابِ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا أخِي﴾ لِأنَّهُ سَبَقَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] ؟ وكانَ في ذِكْرِ أخِيهِ بَيانٌ لِما سَألُوا عَنْهُ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم وتَوْطِئَةً لِما ذُكِرَ بَعْدَ (مَن) هو بِالتَّقْوى والصَّبْرِ، والأحْسَنُ أنْ لا تُخَصَّ التَّقْوى بِحالَةٍ ولا الصَّبْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَن يَتَّقِ في تَرْكِهِ المَعْصِيَةَ ويَصْبِرْ في السِّجْنِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: مَن يَتَّقِ الزِّنا ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ. وقِيلَ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مَن يَتَّقِ﴾ مَن يَخَفِ اللَّهَ وعِقابَهُ ويَصْبِرْ عَنِ المَعاصِي وعَلى الطّاعاتِ. وقِيلَ: مَن يَتَّقِ مَعاصِيَ اللَّهِ، ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ، وهَذِهِ كُلُّها تَخْصِيصاتٌ بِحَسَبِ حالَةِ يُوسُفَ ونَوازِلِهِ. وقَرَأ قُنْبُلٍ: (مَن يَتَّقِي) فَقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، وهَذِهِ (p-٣٤٣)الياءُ إشْباعٌ، وقِيلَ: جَزَمَهُ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: لَمْ يَرْمِي زَيْدٌ، وقَدْ حَكَوْا ذَلِكَ لُغَةً. وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ، و(مَن) مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي، وعُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزُومٌ وهو: ﴿ويَصْبِرْ﴾ وذَلِكَ عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ تَوَّهَمَ أنَّ ”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، و”يَتَّقِي“ مَجْزُومٌ. وقِيلَ: (ويَصْبِرْ) مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى مَرْفُوعٍ، وسُكِّنَتِ الرّاءُ لا لِلْجَزْمِ، بَلْ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن كَلِمَتَيْنِ، كَما سُكِّنَتْ في (يَأْمُرْكم ويُشْعِرْكم وبُعُولَتْهِنَّ) أوْ مُسَكِّنًا لِلْوَقْفِ، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ ”يَتَّقِي“ مَجْزُومًا عَلى لُغَةٍ، وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً، ولا يَرْجِعُ إلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ قالَ: وهَذا مِمّا لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إنَّما يَجِيءُ في الشِّعْرِ لا في الكَلامِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِن رُؤَساءِ النَّحْوِيِّينَ قَدْ نَقَلُوا أنَّهُ لُغَةٌ. و(المُحْسِنِينَ) عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَن تَقَدَّمَ، أوْ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَّقِينَ والصّابِرِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُضِيعُ أجْرَهم. و﴿آثَرَكَ﴾ فَضَّلَكَ بِالمُلْكِ، أوْ بِالصَّبْرِ والعِلْمِ قالَهُما ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ بِالحِلْمِ والصَّفْحِ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، أوْ بِحُسْنِ الخَلْقِ والخُلُقِ والعِلْمِ والحِلْمِ والإحْسانِ والمُلْكِ والسُّلْطانِ وبِصَبْرِكَ عَلى أذانا قالَهُ صاحِبُ الغُنْيانِ، أوْ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ وسِيرَةِ المُحْسِنِينَ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ الآيَةَ، وخِطابُهم إيّاهُ بِذَلِكَ اسْتِنْزالٌ لِإحْسانِهِ واعْتِرافٌ بِما صَدَرَ مِنهم في حَقِّهِ. و(خاطِئِينَ) مِن خَطِئَ إذا تَعَمَّدَ، وأمّا أخْطَأ فَقَصْدُ الصَّوابِ ولَمْ يُوَفَّقْ لَهُ، و﴿لا تَثْرِيبَ﴾ لا لَوْمَ ولا عُقُوبَةَ، و﴿تَثْرِيبَ﴾ اسْمُ لا، و(عَلَيْكم) الخَبَرُ، و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في الخَبَرِ؛ أيْ: لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ (اليَوْمَ) ؟ (قُلْتُ): بِالتَّثْرِيبِ، أوْ بِالمُقَدَّرِ في (عَلَيْكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، أوْ بِـ (يَغْفِرُ) والمَعْنى: لا أثْرُبُكُمُ اليَوْمَ، وهَذا اليَوْمُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ فَما ظَنُّكم بِغَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَدْ عالَهم بِمَغْفِرَةِ ما فَرَطَ مِنهم، يُقالُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، ويَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ عَلى لَفْظِ الماضِي والمُضارِعِ جَمِيعًا، ومِنهُ قَوْلُ المُشَمِّتِ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ويُصْلِحُ بالَكم، أوِ اليَوْمُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم بِشارَةً بِعاجِلِ الغُفْرانِ، لِما تَجَدَّدَ يَوْمَئِذٍ مِن تَوْبَتِهِمْ ونَدَمِهِمْ عَلى خَطِيئَتِهِمْ، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اليَوْمَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّثْرِيبِ، فَهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ التَّثْرِيبَ مَصْدَرٌ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِقَوْلِهِ: (عَلَيْكم) إمّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أوْ صِفَةً لِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾، ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ مِن تَمامِهِ، وأيْضًا لَوْ كانَ اليَوْمُ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ لَمْ يَجُزْ بِناؤُهُ، وكانَ يَكُونُ مِن قَبِيلِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ، وهو الَّذِي يُسَمّى المُطَوَّلَ، ويُسَمّى المَمْطُولَ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وأمّا تَقْدِيرُهُ الثّانِي فَتَقْدِيرٌ حَسَنٌ، ولِذَلِكَ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: (اليَوْمَ) أكْثَرُ القُرّاءِ، وابْتَدَءُوا بِـ ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ، وهو تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ والطَّبَرِيِّ. وأمّا تَقْدِيرُهُ الثّالِثُ وهو أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) مُتَعَلِّقًا بِـ (يَغْفِرُ) فَمَقْبُولٌ، وقَدْ وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (عَلَيْكم) وابْتَدَأ ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَقْفُ عَلى (اليَوْمَ) أرْجَحُ في المَعْنى؛ لِأنَّ الآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ. وأمّا قَوْلُهُ فَبِشارَةٌ إلى آخِرِهِ، فَعَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّ الغُفْرانَ لا يَكُونُ إلّا لِمَن تابَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعَ عُقُوبَةً، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ (عَلَيْكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (تَثْرِيبَ) ويَكُونَ الخَبَرُ (اليَوْمَ)، وهو وجْهٌ حَسَنٌ. وقِيلَ: (عَلَيْكم) بَيانٌ كَـ ”لَكَ“ في قَوْلِهِمْ: (p-٣٤٤)”سُقْيًا لَكَ“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْكم بِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ لِأنَّهُ كانَ يُعْرَبُ، فَيَكُونُ مُنَوَّنًا لِأنَّهُ يَصِيرُ مِن بابِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ، و(عَلَيْكم) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تَثْرِيبَ)، وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في (اليَوْمَ) وتَقْدِيرُهُ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ، كَما قَدَّرُوا في ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣] أيْ: يَعْصِمُ اليَوْمَ، لَكانَ وجْهًا قَوِيًّا؛ لِأنَّ خَبَرَ لا إذا عُلِمَ كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، ولَمْ يَلْفِظْ بِهِ بَنُو تَمِيمٍ، ولَمّا دَعا لَهم بِالمَغْفِرَةِ أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي سَبَبُ الغُفْرانِ، وهو أنَّهُ تَعالى أرْحَمُ الرُّحَماءِ، فَهو يَرْجُو مِنهُ قَبُولَ دُعائِهِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ. والباءُ في (بِقَمِيصِي) الظّاهِرُ أنَّها لِلْحالِ؛ أيْ: مَصْحُوبِينَ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ. وقِيلَ: لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: اذْهَبُوا قَمِيصِي، أيِ: احْمِلُوا قَمِيصِي. قِيلَ: هو القَمِيصُ الَّذِي تَوارَثَهُ يُوسُفُ وكانَ في عُنُقِهِ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ أمَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُرْسِلَهُ إلَيْهِ فَإنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، لا يَقَعُ عَلى مُبْتَلًى ولا سَقِيمٍ إلّا عُوفِيَ. وقِيلَ: كانَ لِإبْراهِيمَ كَساهُ اللَّهُ إيّاهُ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ خَرَجَ مِنَ النّارِ، ثُمَّ لِإسْحاقَ، ثُمَّ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِيُوسُفَ. وقِيلَ: هو القَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِن دُبُرٍ أرْسَلَهُ لِيَعْلَمَ يَعْقُوبُ أنَّهُ عُصِمَ مِنَ الفاحِشَةِ. والظّاهِرُ أنَّهُ قَمِيصٌ مِن مَلْبُوسِ يُوسُفَ بِمَنزِلَةِ قَمِيصِ كُلِّ واحِدٍ، قالَ ذَلِكَ: ابْنُ عَطِيَّةَ. وهَكَذا تَتَبَيَّنُ الغَرابَةُ في أنْ وجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ مِن بَعْدُ، ولَوْ كانَ مِن قُمُصِ الجَنَّةِ ما كانَ في ذَلِكَ غَرابَةً ولَوَجَدَهُ كُلُّ واحَدٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ عَمِيَ مِنَ الحُزْنِ، إمّا بِإعْلامِهِمْ، وإمّا بِوَحْيٍ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ بِوَحْيٍ، وأهْلُوهُ الَّذِينَ أمَرَ بِأنْ يُؤْتى بِهِمْ سَبْعُونَ، أوْ ثَمانُونَ، أوْ ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ، أوْ سِتَّةٌ وتِسْعُونَ، أقْوالٌ أوَّلُها لِلْكَلْبِيِّ وثالِثُها لِمَسْرُوقٍ. وفي واحِدٍ مِن هَذا العَدَدِ خَلَوْا بِمِصْرَ ونَمُوا حَتّى خَرَجَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. ومَعْنى: (يَأْتِ) يَأْتِينِي، وانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلى الحالِ.

يوسف 12:92

﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ (p-٣٤٢)لَمّا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٨٩] ؟ أدْرَكُوا أنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ مَلِكٌ لَمْ يَنْشَأْ عِنْدَهم، ولا تَتَبَّعَ أحْوالَهم، ولَيْسَ مِنهم فِيما يَظْهَرُ إلّا وعِنْدَهُ عِلْمٌ بِحالِهِمْ فَيُقالُ: إنَّهُ كانَ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ، فَرَفَعَهُ ووَضَعَ التّاجَ وتَبَسَّمَ، وكانَ يُضِيءُ ما حَوْلَهُ مِن نُورِ تَبَسُّمِهِ أوْ رَأوْا لَمْعَةً بَيْضاءَ كالشّامَةِ في فَرَقِهِ حِينَ وضَعَ التّاجَ وكانَ مِثْلُها لِأبِيهِ وجَدِّهِ وسارَةَ، فَتَوَسَّمُوا أنَّهُ يُوسُفُ، واسْتَفْهَمُوهُ اسْتِفْهامَ اسْتِخْبارٍ. وقِيلَ: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ؛ لِأنَّهم كانُوا عَرَفُوهُ بِتِلْكَ العَلاماتِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَرَفُوهُ ؟ قُلْتُ: رَأوْا في رُوائِهِ وشَمائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهم بِذَلِكَ ما شَعَرُوا بِهِ أنَّهُ هو، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ما خاطَبَهم بِهِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ حَنِيفٍ مُسْلِمٍ مِن نَسْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لا عَنْ بَعْضِ أعِزّاءِ مِصْرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أئِنَّكَ) عَلى الِاسْتِفْهامِ، والخِلافُ في تَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، أوْ تَلْيِينِ الثّانِيَةِ وإدْخالِ ألِفٍ في التَّلْيِينِ أوِ التَّحْقِيقِ مَذْكُورٌ في القِراءاتِ السَّبْعِ. وقَرَأ قَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: (إنَّكَ) بِغَيْرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، والظّاهِرُ أنَّها مُرادَةٌ، ويَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الخَبَرِ المَحْضِ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُهم لِتَعارُضِ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ إنِ اتَّحَدَ القائِلُونَ في القَوْلِ وهو الظّاهِرُ، فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بَعْضًا اسْتَفْهَمَ وبَعْضًا أخْبَرَ، ونَسَبَ في كُلٍّ مِنَ القِراءَتَيْنِ إلى المَجْمُوعِ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: أمْكَنَ، وهو مَعَ ذَلِكَ بَعِيدٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (أئِنَّكَ) أوْ (أنْتَ يُوسُفُ) . وخَرَّجَهُ ابْنُ جِنِّي عَلى حَذْفِ خَبَرِ ”إنَّ“ وقَدَّرَهُ: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾، أوْ أنْتَ يُوسُفُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أئِنَّكَ يُوسُفُ، أوْ أنْتَ يُوسُفُ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، قالَ: وهَذا كَلامٌ مُسْتَعْجَبٌ مُسْتَغْرَبٌ لِما يُسْمَعُ، فَهو يُكَرِّرُ الِاسْتِثْباتَ، انْتَهى. وحَكى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالُوا: (أوَ أنْتَ يُوسُفُ) ؟ وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ دَخَلَتْ عَلى أنْتَ، وهو فَصْلٌ: وخَبَرُ ”إنَّ“ ”يُوسُفُ“ كَما تَقُولُ: إنْ كانَ زَيْدٌ لَهو الفاضِلُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلى أنْتَ وهو مُبْتَدَأٌ، ويُوسُفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ ”إنَّ“ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتَ تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو اسْمُ إنَّ لِحَيْلُولَةِ اللّامِ بَيْنَهُما، ولَمّا اسْتَفْهَمُوهُ أجابَهم فَقالَ: ﴿أنا يُوسُفُ﴾ كاشِفًا لَهم أمْرَهُ، وزادَهم في الجَوابِ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا أخِي﴾ لِأنَّهُ سَبَقَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] ؟ وكانَ في ذِكْرِ أخِيهِ بَيانٌ لِما سَألُوا عَنْهُ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم وتَوْطِئَةً لِما ذُكِرَ بَعْدَ (مَن) هو بِالتَّقْوى والصَّبْرِ، والأحْسَنُ أنْ لا تُخَصَّ التَّقْوى بِحالَةٍ ولا الصَّبْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَن يَتَّقِ في تَرْكِهِ المَعْصِيَةَ ويَصْبِرْ في السِّجْنِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: مَن يَتَّقِ الزِّنا ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ. وقِيلَ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مَن يَتَّقِ﴾ مَن يَخَفِ اللَّهَ وعِقابَهُ ويَصْبِرْ عَنِ المَعاصِي وعَلى الطّاعاتِ. وقِيلَ: مَن يَتَّقِ مَعاصِيَ اللَّهِ، ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ، وهَذِهِ كُلُّها تَخْصِيصاتٌ بِحَسَبِ حالَةِ يُوسُفَ ونَوازِلِهِ. وقَرَأ قُنْبُلٍ: (مَن يَتَّقِي) فَقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، وهَذِهِ (p-٣٤٣)الياءُ إشْباعٌ، وقِيلَ: جَزَمَهُ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: لَمْ يَرْمِي زَيْدٌ، وقَدْ حَكَوْا ذَلِكَ لُغَةً. وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ، و(مَن) مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي، وعُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزُومٌ وهو: ﴿ويَصْبِرْ﴾ وذَلِكَ عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ تَوَّهَمَ أنَّ ”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، و”يَتَّقِي“ مَجْزُومٌ. وقِيلَ: (ويَصْبِرْ) مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى مَرْفُوعٍ، وسُكِّنَتِ الرّاءُ لا لِلْجَزْمِ، بَلْ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن كَلِمَتَيْنِ، كَما سُكِّنَتْ في (يَأْمُرْكم ويُشْعِرْكم وبُعُولَتْهِنَّ) أوْ مُسَكِّنًا لِلْوَقْفِ، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ ”يَتَّقِي“ مَجْزُومًا عَلى لُغَةٍ، وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً، ولا يَرْجِعُ إلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ قالَ: وهَذا مِمّا لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إنَّما يَجِيءُ في الشِّعْرِ لا في الكَلامِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِن رُؤَساءِ النَّحْوِيِّينَ قَدْ نَقَلُوا أنَّهُ لُغَةٌ. و(المُحْسِنِينَ) عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَن تَقَدَّمَ، أوْ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَّقِينَ والصّابِرِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُضِيعُ أجْرَهم. و﴿آثَرَكَ﴾ فَضَّلَكَ بِالمُلْكِ، أوْ بِالصَّبْرِ والعِلْمِ قالَهُما ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ بِالحِلْمِ والصَّفْحِ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، أوْ بِحُسْنِ الخَلْقِ والخُلُقِ والعِلْمِ والحِلْمِ والإحْسانِ والمُلْكِ والسُّلْطانِ وبِصَبْرِكَ عَلى أذانا قالَهُ صاحِبُ الغُنْيانِ، أوْ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ وسِيرَةِ المُحْسِنِينَ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ الآيَةَ، وخِطابُهم إيّاهُ بِذَلِكَ اسْتِنْزالٌ لِإحْسانِهِ واعْتِرافٌ بِما صَدَرَ مِنهم في حَقِّهِ. و(خاطِئِينَ) مِن خَطِئَ إذا تَعَمَّدَ، وأمّا أخْطَأ فَقَصْدُ الصَّوابِ ولَمْ يُوَفَّقْ لَهُ، و﴿لا تَثْرِيبَ﴾ لا لَوْمَ ولا عُقُوبَةَ، و﴿تَثْرِيبَ﴾ اسْمُ لا، و(عَلَيْكم) الخَبَرُ، و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في الخَبَرِ؛ أيْ: لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ (اليَوْمَ) ؟ (قُلْتُ): بِالتَّثْرِيبِ، أوْ بِالمُقَدَّرِ في (عَلَيْكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، أوْ بِـ (يَغْفِرُ) والمَعْنى: لا أثْرُبُكُمُ اليَوْمَ، وهَذا اليَوْمُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ فَما ظَنُّكم بِغَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَدْ عالَهم بِمَغْفِرَةِ ما فَرَطَ مِنهم، يُقالُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، ويَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ عَلى لَفْظِ الماضِي والمُضارِعِ جَمِيعًا، ومِنهُ قَوْلُ المُشَمِّتِ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ويُصْلِحُ بالَكم، أوِ اليَوْمُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم بِشارَةً بِعاجِلِ الغُفْرانِ، لِما تَجَدَّدَ يَوْمَئِذٍ مِن تَوْبَتِهِمْ ونَدَمِهِمْ عَلى خَطِيئَتِهِمْ، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اليَوْمَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّثْرِيبِ، فَهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ التَّثْرِيبَ مَصْدَرٌ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِقَوْلِهِ: (عَلَيْكم) إمّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أوْ صِفَةً لِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾، ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ مِن تَمامِهِ، وأيْضًا لَوْ كانَ اليَوْمُ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ لَمْ يَجُزْ بِناؤُهُ، وكانَ يَكُونُ مِن قَبِيلِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ، وهو الَّذِي يُسَمّى المُطَوَّلَ، ويُسَمّى المَمْطُولَ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وأمّا تَقْدِيرُهُ الثّانِي فَتَقْدِيرٌ حَسَنٌ، ولِذَلِكَ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: (اليَوْمَ) أكْثَرُ القُرّاءِ، وابْتَدَءُوا بِـ ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ، وهو تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ والطَّبَرِيِّ. وأمّا تَقْدِيرُهُ الثّالِثُ وهو أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) مُتَعَلِّقًا بِـ (يَغْفِرُ) فَمَقْبُولٌ، وقَدْ وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (عَلَيْكم) وابْتَدَأ ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَقْفُ عَلى (اليَوْمَ) أرْجَحُ في المَعْنى؛ لِأنَّ الآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ. وأمّا قَوْلُهُ فَبِشارَةٌ إلى آخِرِهِ، فَعَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّ الغُفْرانَ لا يَكُونُ إلّا لِمَن تابَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعَ عُقُوبَةً، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ (عَلَيْكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (تَثْرِيبَ) ويَكُونَ الخَبَرُ (اليَوْمَ)، وهو وجْهٌ حَسَنٌ. وقِيلَ: (عَلَيْكم) بَيانٌ كَـ ”لَكَ“ في قَوْلِهِمْ: (p-٣٤٤)”سُقْيًا لَكَ“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْكم بِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ لِأنَّهُ كانَ يُعْرَبُ، فَيَكُونُ مُنَوَّنًا لِأنَّهُ يَصِيرُ مِن بابِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ، و(عَلَيْكم) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تَثْرِيبَ)، وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في (اليَوْمَ) وتَقْدِيرُهُ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ، كَما قَدَّرُوا في ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣] أيْ: يَعْصِمُ اليَوْمَ، لَكانَ وجْهًا قَوِيًّا؛ لِأنَّ خَبَرَ لا إذا عُلِمَ كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، ولَمْ يَلْفِظْ بِهِ بَنُو تَمِيمٍ، ولَمّا دَعا لَهم بِالمَغْفِرَةِ أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي سَبَبُ الغُفْرانِ، وهو أنَّهُ تَعالى أرْحَمُ الرُّحَماءِ، فَهو يَرْجُو مِنهُ قَبُولَ دُعائِهِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ. والباءُ في (بِقَمِيصِي) الظّاهِرُ أنَّها لِلْحالِ؛ أيْ: مَصْحُوبِينَ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ. وقِيلَ: لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: اذْهَبُوا قَمِيصِي، أيِ: احْمِلُوا قَمِيصِي. قِيلَ: هو القَمِيصُ الَّذِي تَوارَثَهُ يُوسُفُ وكانَ في عُنُقِهِ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ أمَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُرْسِلَهُ إلَيْهِ فَإنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، لا يَقَعُ عَلى مُبْتَلًى ولا سَقِيمٍ إلّا عُوفِيَ. وقِيلَ: كانَ لِإبْراهِيمَ كَساهُ اللَّهُ إيّاهُ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ خَرَجَ مِنَ النّارِ، ثُمَّ لِإسْحاقَ، ثُمَّ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِيُوسُفَ. وقِيلَ: هو القَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِن دُبُرٍ أرْسَلَهُ لِيَعْلَمَ يَعْقُوبُ أنَّهُ عُصِمَ مِنَ الفاحِشَةِ. والظّاهِرُ أنَّهُ قَمِيصٌ مِن مَلْبُوسِ يُوسُفَ بِمَنزِلَةِ قَمِيصِ كُلِّ واحِدٍ، قالَ ذَلِكَ: ابْنُ عَطِيَّةَ. وهَكَذا تَتَبَيَّنُ الغَرابَةُ في أنْ وجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ مِن بَعْدُ، ولَوْ كانَ مِن قُمُصِ الجَنَّةِ ما كانَ في ذَلِكَ غَرابَةً ولَوَجَدَهُ كُلُّ واحَدٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ عَمِيَ مِنَ الحُزْنِ، إمّا بِإعْلامِهِمْ، وإمّا بِوَحْيٍ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ بِوَحْيٍ، وأهْلُوهُ الَّذِينَ أمَرَ بِأنْ يُؤْتى بِهِمْ سَبْعُونَ، أوْ ثَمانُونَ، أوْ ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ، أوْ سِتَّةٌ وتِسْعُونَ، أقْوالٌ أوَّلُها لِلْكَلْبِيِّ وثالِثُها لِمَسْرُوقٍ. وفي واحِدٍ مِن هَذا العَدَدِ خَلَوْا بِمِصْرَ ونَمُوا حَتّى خَرَجَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. ومَعْنى: (يَأْتِ) يَأْتِينِي، وانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلى الحالِ.

يوسف 12:93

﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ (p-٣٤٢)لَمّا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٨٩] ؟ أدْرَكُوا أنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ مَلِكٌ لَمْ يَنْشَأْ عِنْدَهم، ولا تَتَبَّعَ أحْوالَهم، ولَيْسَ مِنهم فِيما يَظْهَرُ إلّا وعِنْدَهُ عِلْمٌ بِحالِهِمْ فَيُقالُ: إنَّهُ كانَ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ، فَرَفَعَهُ ووَضَعَ التّاجَ وتَبَسَّمَ، وكانَ يُضِيءُ ما حَوْلَهُ مِن نُورِ تَبَسُّمِهِ أوْ رَأوْا لَمْعَةً بَيْضاءَ كالشّامَةِ في فَرَقِهِ حِينَ وضَعَ التّاجَ وكانَ مِثْلُها لِأبِيهِ وجَدِّهِ وسارَةَ، فَتَوَسَّمُوا أنَّهُ يُوسُفُ، واسْتَفْهَمُوهُ اسْتِفْهامَ اسْتِخْبارٍ. وقِيلَ: اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ؛ لِأنَّهم كانُوا عَرَفُوهُ بِتِلْكَ العَلاماتِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عَرَفُوهُ ؟ قُلْتُ: رَأوْا في رُوائِهِ وشَمائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهم بِذَلِكَ ما شَعَرُوا بِهِ أنَّهُ هو، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ما خاطَبَهم بِهِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ حَنِيفٍ مُسْلِمٍ مِن نَسْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لا عَنْ بَعْضِ أعِزّاءِ مِصْرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أئِنَّكَ) عَلى الِاسْتِفْهامِ، والخِلافُ في تَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، أوْ تَلْيِينِ الثّانِيَةِ وإدْخالِ ألِفٍ في التَّلْيِينِ أوِ التَّحْقِيقِ مَذْكُورٌ في القِراءاتِ السَّبْعِ. وقَرَأ قَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: (إنَّكَ) بِغَيْرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، والظّاهِرُ أنَّها مُرادَةٌ، ويَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الخَبَرِ المَحْضِ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُهم لِتَعارُضِ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ إنِ اتَّحَدَ القائِلُونَ في القَوْلِ وهو الظّاهِرُ، فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بَعْضًا اسْتَفْهَمَ وبَعْضًا أخْبَرَ، ونَسَبَ في كُلٍّ مِنَ القِراءَتَيْنِ إلى المَجْمُوعِ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: أمْكَنَ، وهو مَعَ ذَلِكَ بَعِيدٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ: (أئِنَّكَ) أوْ (أنْتَ يُوسُفُ) . وخَرَّجَهُ ابْنُ جِنِّي عَلى حَذْفِ خَبَرِ ”إنَّ“ وقَدَّرَهُ: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾، أوْ أنْتَ يُوسُفُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أئِنَّكَ يُوسُفُ، أوْ أنْتَ يُوسُفُ، فَحَذَفَ الأوَّلَ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، قالَ: وهَذا كَلامٌ مُسْتَعْجَبٌ مُسْتَغْرَبٌ لِما يُسْمَعُ، فَهو يُكَرِّرُ الِاسْتِثْباتَ، انْتَهى. وحَكى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالُوا: (أوَ أنْتَ يُوسُفُ) ؟ وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ دَخَلَتْ عَلى أنْتَ، وهو فَصْلٌ: وخَبَرُ ”إنَّ“ ”يُوسُفُ“ كَما تَقُولُ: إنْ كانَ زَيْدٌ لَهو الفاضِلُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلى أنْتَ وهو مُبْتَدَأٌ، ويُوسُفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ ”إنَّ“ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتَ تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو اسْمُ إنَّ لِحَيْلُولَةِ اللّامِ بَيْنَهُما، ولَمّا اسْتَفْهَمُوهُ أجابَهم فَقالَ: ﴿أنا يُوسُفُ﴾ كاشِفًا لَهم أمْرَهُ، وزادَهم في الجَوابِ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا أخِي﴾ لِأنَّهُ سَبَقَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] ؟ وكانَ في ذِكْرِ أخِيهِ بَيانٌ لِما سَألُوا عَنْهُ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم وتَوْطِئَةً لِما ذُكِرَ بَعْدَ (مَن) هو بِالتَّقْوى والصَّبْرِ، والأحْسَنُ أنْ لا تُخَصَّ التَّقْوى بِحالَةٍ ولا الصَّبْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَن يَتَّقِ في تَرْكِهِ المَعْصِيَةَ ويَصْبِرْ في السِّجْنِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: مَن يَتَّقِ الزِّنا ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ. وقِيلَ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ويَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مَن يَتَّقِ﴾ مَن يَخَفِ اللَّهَ وعِقابَهُ ويَصْبِرْ عَنِ المَعاصِي وعَلى الطّاعاتِ. وقِيلَ: مَن يَتَّقِ مَعاصِيَ اللَّهِ، ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ، وهَذِهِ كُلُّها تَخْصِيصاتٌ بِحَسَبِ حالَةِ يُوسُفَ ونَوازِلِهِ. وقَرَأ قُنْبُلٍ: (مَن يَتَّقِي) فَقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، وهَذِهِ (p-٣٤٣)الياءُ إشْباعٌ، وقِيلَ: جَزَمَهُ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: لَمْ يَرْمِي زَيْدٌ، وقَدْ حَكَوْا ذَلِكَ لُغَةً. وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ، و(مَن) مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي، وعُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزُومٌ وهو: ﴿ويَصْبِرْ﴾ وذَلِكَ عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ تَوَّهَمَ أنَّ ”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، و”يَتَّقِي“ مَجْزُومٌ. وقِيلَ: (ويَصْبِرْ) مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى مَرْفُوعٍ، وسُكِّنَتِ الرّاءُ لا لِلْجَزْمِ، بَلْ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن كَلِمَتَيْنِ، كَما سُكِّنَتْ في (يَأْمُرْكم ويُشْعِرْكم وبُعُولَتْهِنَّ) أوْ مُسَكِّنًا لِلْوَقْفِ، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ ”يَتَّقِي“ مَجْزُومًا عَلى لُغَةٍ، وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً، ولا يَرْجِعُ إلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ قالَ: وهَذا مِمّا لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إنَّما يَجِيءُ في الشِّعْرِ لا في الكَلامِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِن رُؤَساءِ النَّحْوِيِّينَ قَدْ نَقَلُوا أنَّهُ لُغَةٌ. و(المُحْسِنِينَ) عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَن تَقَدَّمَ، أوْ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَّقِينَ والصّابِرِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُضِيعُ أجْرَهم. و﴿آثَرَكَ﴾ فَضَّلَكَ بِالمُلْكِ، أوْ بِالصَّبْرِ والعِلْمِ قالَهُما ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ بِالحِلْمِ والصَّفْحِ ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، أوْ بِحُسْنِ الخَلْقِ والخُلُقِ والعِلْمِ والحِلْمِ والإحْسانِ والمُلْكِ والسُّلْطانِ وبِصَبْرِكَ عَلى أذانا قالَهُ صاحِبُ الغُنْيانِ، أوْ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ وسِيرَةِ المُحْسِنِينَ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ الآيَةَ، وخِطابُهم إيّاهُ بِذَلِكَ اسْتِنْزالٌ لِإحْسانِهِ واعْتِرافٌ بِما صَدَرَ مِنهم في حَقِّهِ. و(خاطِئِينَ) مِن خَطِئَ إذا تَعَمَّدَ، وأمّا أخْطَأ فَقَصْدُ الصَّوابِ ولَمْ يُوَفَّقْ لَهُ، و﴿لا تَثْرِيبَ﴾ لا لَوْمَ ولا عُقُوبَةَ، و﴿تَثْرِيبَ﴾ اسْمُ لا، و(عَلَيْكم) الخَبَرُ، و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِالعامِلِ في الخَبَرِ؛ أيْ: لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ (اليَوْمَ) ؟ (قُلْتُ): بِالتَّثْرِيبِ، أوْ بِالمُقَدَّرِ في (عَلَيْكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، أوْ بِـ (يَغْفِرُ) والمَعْنى: لا أثْرُبُكُمُ اليَوْمَ، وهَذا اليَوْمُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ فَما ظَنُّكم بِغَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَدْ عالَهم بِمَغْفِرَةِ ما فَرَطَ مِنهم، يُقالُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، ويَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ عَلى لَفْظِ الماضِي والمُضارِعِ جَمِيعًا، ومِنهُ قَوْلُ المُشَمِّتِ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ويُصْلِحُ بالَكم، أوِ اليَوْمُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم بِشارَةً بِعاجِلِ الغُفْرانِ، لِما تَجَدَّدَ يَوْمَئِذٍ مِن تَوْبَتِهِمْ ونَدَمِهِمْ عَلى خَطِيئَتِهِمْ، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اليَوْمَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّثْرِيبِ، فَهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ التَّثْرِيبَ مَصْدَرٌ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِقَوْلِهِ: (عَلَيْكم) إمّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أوْ صِفَةً لِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾، ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ مِن تَمامِهِ، وأيْضًا لَوْ كانَ اليَوْمُ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ لَمْ يَجُزْ بِناؤُهُ، وكانَ يَكُونُ مِن قَبِيلِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ، وهو الَّذِي يُسَمّى المُطَوَّلَ، ويُسَمّى المَمْطُولَ، فَكانَ يَكُونُ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا. وأمّا تَقْدِيرُهُ الثّانِي فَتَقْدِيرٌ حَسَنٌ، ولِذَلِكَ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: (اليَوْمَ) أكْثَرُ القُرّاءِ، وابْتَدَءُوا بِـ ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ عَلى جِهَةِ الدُّعاءِ، وهو تَأْوِيلُ ابْنِ إسْحاقَ والطَّبَرِيِّ. وأمّا تَقْدِيرُهُ الثّالِثُ وهو أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) مُتَعَلِّقًا بِـ (يَغْفِرُ) فَمَقْبُولٌ، وقَدْ وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى (عَلَيْكم) وابْتَدَأ ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَقْفُ عَلى (اليَوْمَ) أرْجَحُ في المَعْنى؛ لِأنَّ الآخَرَ فِيهِ حُكْمٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ. وأمّا قَوْلُهُ فَبِشارَةٌ إلى آخِرِهِ، فَعَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّ الغُفْرانَ لا يَكُونُ إلّا لِمَن تابَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أشارَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُ أوَّلُ أوْقاتِ العَفْوِ، وسَبِيلُ العافِي في مِثْلِهِ أنْ لا يُراجِعَ عُقُوبَةً، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ (عَلَيْكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (تَثْرِيبَ) ويَكُونَ الخَبَرُ (اليَوْمَ)، وهو وجْهٌ حَسَنٌ. وقِيلَ: (عَلَيْكم) بَيانٌ كَـ ”لَكَ“ في قَوْلِهِمْ: (p-٣٤٤)”سُقْيًا لَكَ“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْكم بِـ ﴿تَثْرِيبَ﴾ لِأنَّهُ كانَ يُعْرَبُ، فَيَكُونُ مُنَوَّنًا لِأنَّهُ يَصِيرُ مِن بابِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ، و(عَلَيْكم) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تَثْرِيبَ)، وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في (اليَوْمَ) وتَقْدِيرُهُ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ، كَما قَدَّرُوا في ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣] أيْ: يَعْصِمُ اليَوْمَ، لَكانَ وجْهًا قَوِيًّا؛ لِأنَّ خَبَرَ لا إذا عُلِمَ كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، ولَمْ يَلْفِظْ بِهِ بَنُو تَمِيمٍ، ولَمّا دَعا لَهم بِالمَغْفِرَةِ أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي سَبَبُ الغُفْرانِ، وهو أنَّهُ تَعالى أرْحَمُ الرُّحَماءِ، فَهو يَرْجُو مِنهُ قَبُولَ دُعائِهِ لَهم بِالمَغْفِرَةِ. والباءُ في (بِقَمِيصِي) الظّاهِرُ أنَّها لِلْحالِ؛ أيْ: مَصْحُوبِينَ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ. وقِيلَ: لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: اذْهَبُوا قَمِيصِي، أيِ: احْمِلُوا قَمِيصِي. قِيلَ: هو القَمِيصُ الَّذِي تَوارَثَهُ يُوسُفُ وكانَ في عُنُقِهِ، وكانَ مِنَ الجَنَّةِ أمَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُرْسِلَهُ إلَيْهِ فَإنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، لا يَقَعُ عَلى مُبْتَلًى ولا سَقِيمٍ إلّا عُوفِيَ. وقِيلَ: كانَ لِإبْراهِيمَ كَساهُ اللَّهُ إيّاهُ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ خَرَجَ مِنَ النّارِ، ثُمَّ لِإسْحاقَ، ثُمَّ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِيُوسُفَ. وقِيلَ: هو القَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِن دُبُرٍ أرْسَلَهُ لِيَعْلَمَ يَعْقُوبُ أنَّهُ عُصِمَ مِنَ الفاحِشَةِ. والظّاهِرُ أنَّهُ قَمِيصٌ مِن مَلْبُوسِ يُوسُفَ بِمَنزِلَةِ قَمِيصِ كُلِّ واحِدٍ، قالَ ذَلِكَ: ابْنُ عَطِيَّةَ. وهَكَذا تَتَبَيَّنُ الغَرابَةُ في أنْ وجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ مِن بَعْدُ، ولَوْ كانَ مِن قُمُصِ الجَنَّةِ ما كانَ في ذَلِكَ غَرابَةً ولَوَجَدَهُ كُلُّ واحَدٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ عَمِيَ مِنَ الحُزْنِ، إمّا بِإعْلامِهِمْ، وإمّا بِوَحْيٍ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَظْهَرُ أنَّهُ بِوَحْيٍ، وأهْلُوهُ الَّذِينَ أمَرَ بِأنْ يُؤْتى بِهِمْ سَبْعُونَ، أوْ ثَمانُونَ، أوْ ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ، أوْ سِتَّةٌ وتِسْعُونَ، أقْوالٌ أوَّلُها لِلْكَلْبِيِّ وثالِثُها لِمَسْرُوقٍ. وفي واحِدٍ مِن هَذا العَدَدِ خَلَوْا بِمِصْرَ ونَمُوا حَتّى خَرَجَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِتُّمِائَةِ ألْفٍ. ومَعْنى: (يَأْتِ) يَأْتِينِي، وانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلى الحالِ.

يوسف 12:94

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ، وهو لازِمٌ، (p-٣٤٥)وفَصَلَ الشَّيْءَ فَصْلًا فَرَّقَ؛ وهو مُتَعَدٍّ، ومَعْنى ﴿فَصَلَتِ العِيرُ﴾ انْفَصَلَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ قاصِدَةً مَكانَ يَعْقُوبَ، وكانَ قَرِيبًا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: بِالجَزِيرَةِ، وبَيْتُ المَقْدِسِ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ آثارَهم وقُبُورَهم هُناكَ إلى الآنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (ولَمّا انْفَصَلَ العِيرُ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ عُرْفَهُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا، وكانَ مُدَّةُ فِراقِهِ مِنهُ سَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وعَنْهُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيالٍ. وعَنْ أبِي أيُّوبَ المَهْرَوِيِّ: أنَّ الرِّيحَ اسْتَأْذَنَتْ في إيصالِ عُرْفِ يُوسُفَ إلى يَعْقُوبَ، فَأُذِنَ لَها في ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: صَفَّقَتِ الرِّيحُ القَمِيصَ فَراحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا، واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، ومَعْنى (لَأجِدُ) لَأشُمُّ فَهو وُجُودُ حاسَّةِ الشَّمِّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي لَأسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمامَةٍ يَهُبُّ بِها مِن نَحْوِ أرْضِكِ رِيحُ ومَعْنى ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: تُسَفِّهُونِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: تُجَهِّلُونِ. وعَنْهُ أيْضًا: تُضَعِّفُونِ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: تُكَذِّبُونِ. وقالَ الحَسَنُ: تُهْرِمُونِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ وخَرِفْتَ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: تُقَبِّحُونِ. وقالَ الكِسائِيُّ: تُعَجِّزُونِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُضَلِّلُونِ. وقِيلَ: تُخَطِّئُونِ. وهَذِهِ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وهي راجِعَةٌ لِاعْتِقادِ فَسادِ رَأْيِ المُفَنِّدِ إمّا لِجَهْلِهِ، أوْ لِهَوًى غالِبٍ عَلَيْهِ، أوْ لِكَذِبِهِ، أوْ لِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ لِذَهابِ عَقْلِهِ بِهَرَمِهِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ: يُقالُ شَيْخٌ مُفْنِدٌ؛ أيْ: قَدْ فَسَّرَ رَأْيَهُ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ؛ لِأنَّ المَرْأةَ لَمْ يَكُنْ لَها رَأْيٌ قَطُّ أصِيلٌ فَيَدْخُلُهُ التَّفْنِيدُ. وقالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: التَّفْنِيدُ النِّسْبَةُ إلى الفَنَدِ وهو الخَوْفُ وإنْكارُ العَقْلِ، مِن هَرَمَ يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ، ولا يُقالُ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتُ رَأْيٍ فَتُفَنَّدُ في كِبَرِها، و(لَوْلا) هُنا حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى لَوْلا تَفْنِيدُكم إيّايَ لَصَدَّقْتُمُونِي، انْتَهى. وقَدْ يُقالُ: تَقْدِيرُهُ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِي لَأخْبَرْتُكم بِكَوْنِهِ حَيًّا لَمْ يَمُتْ؛ لِأنَّ وِجْدانِي رِيحَهُ دالٌّ عَلى حَياتِهِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ الظّاهِرُ مِن تَناسُقِ الضَّمائِرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن كانَ بَقِيَ عِنْدَهُ مِن أوْلادِهِ غَيْرَ الَّذِينَ راحُوا يَمْتارُونَ، إذْ كانَ أوْلادُهُ جَماعَةً، وقِيلَ: المُخاطَبُ ولَدُ ولَدِهِ ومَن كانَ بِحَضْرَتِهِ مِن قَرابَتِهِ. والضَّلالُ هُنا لا يُرادُ بِهِ ضِدُّ الهُدى والرَّشادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى إنَّكَ لَفي خَطَئِكَ، وكانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ قَدْ تَجَدَّدَ بِقِصَّةِ بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: ذُو الحُزْنَيْنِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الشَّقاءُ والعَناءُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الجُنُونُ؛ ويَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - غَلَبَةَ المَحَبَّةِ. وقِيلَ: الهَلاكُ والذَّهابُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ أيْ: ذَهَبَ فِيهِ. وقِيلَ: الحُبُّ، ويُطْلَقُ الضَّلالُ عَلى المَحَبَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ مِنَ الجَفاءِ الَّذِي لا يَسُوغُ لَهم مُواجَهَتُهُ بِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ بَعْضُ النّاسِ عَلى ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ قَتادَةُ: قالُوا لِوالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَقُولُوها لِوالِدِهِمْ، ولا لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا في إفْراطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، ولَهَجِكَ بِذِكْرِهِ، ورَجائِكَ لِقائَهُ، وكانَ عِنْدَهم أنَّهُ قَدْ ماتَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا؛ لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَّمِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الجَوْهَرِيُّ: قالَ يَهُوذا لِإخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ القُرْحَةِ، فَدَعُونِي أذْهَبُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ وقالَ هَذا المَعْنى السُّدِّيُّ. و(أنْ) تَطَّرِدُ زِيادَتُها بَعْدَ لَمّا، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿ألْقاهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿البَشِيرُ﴾ وهو الظّاهِرُ، هو لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْقُوهُ﴾ [يوسف: ٩٣] وقِيلَ: يَعُودُ عَلى يَعْقُوبَ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ الوَجْهُ كُلُّهُ كَما جَرَتِ العادَةُ أنَّهُ مَتى وجَدَ الإنْسانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ البَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وجْهَهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ العَيْنَيْنِ (p-٣٤٦)لِأنَّهُما فِيهِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالكُلِّ عَنِ البَعْضِ. و(ارْتَدَّ) عَدَّهُ بَعْضُهم في أخَواتِ كانَ، والصَّحِيحُ أنَّها لَيْسَتْ مِن أخَواتِها، فانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهُ رَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن سَلامَةِ البَصَرِ. فَفي الكَلامِ ما يُشْعِرُ أنَّ بَصَرَهُ عادَ أقْوى مِمّا كانَ عَلَيْهِ وأحْسَنَ؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، وما عَدَلَ مِن مُفْعِلٍ إلى فَعِيلٍ إلّا لِهَذا المَعْنى، انْتَهى. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ فَعِيلًا هُنا لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ فَعِيلُ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ هو مَعْدُولٌ عَنْ فاعِلٍ لِهَذا المَعْنى. وأمّا بَصِيرًا هُنا فَهو اسْمُ فاعِلٍ مِن بَصُرَ بِالشَّيْءِ، فَهو جارٍ عَلى قِياسِ فَعُلَ نَحْوَ ظَرُفَ فَهو ظَرِيفٌ، ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ بِمَعْنى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ: ألِيمٌ وسَمِيعٌ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ ومُسْمِعٍ. ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ ؟ قالَ: مَلِكُ مِصْرَ. قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ ؟ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَجِدِ البَشِيرُ عِنْدَ يَعْقُوبَ شَيْئًا يُبِيتُهُ بِهِ، وقالَ: ما خَبَزْنا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعَ لَيالٍ، ولَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ العَمى، والقُوَّةُ بَعْدَ الضَّعْفِ، والشَّبابُ بَعْدَ الهَرَمِ، والسُّرُورُ بَعْدَ الكَرْبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ ويُرِيدُ بِهِ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] فَقِيلَ: ما لا تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ، وأنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ. وقِيلَ: مِن صِحَّةِ رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقِيلَ: مِن بَلْوى الأنْبِياءِ بِالحُزْنِ ونُزُولِ الفَرَجِ. وقِيلَ: مِن أخْبارِ مَلَكِ المَوْتِ إيّايَ، وكانَ أخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَقَطْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ألَمْ أقُلْ لَكم: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوْ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] . وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ القَوْلُ، انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. ولَمّا رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ وقَرَّتْ عَيْنُهُ بِالمَسِيرِ إلى ابْنِهِ يُوسُفَ، وقَرَّرَهم عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمُ اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ السّابِقِ مِنهم، و﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ عِدَةٌ لَهم بِالِاسْتِغْفارِ بِسَوْفَ، وهي أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السَّحَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وعَنْهُ: إلى سَحَرِها، قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ: أخَّرَ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا ضِنَّةً عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَوْفَ: إلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وفِرْقَةٌ: إلى اللَّيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُّعاءَ فِيها يُسْتَجابُ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: أخَّرَهُ حَتّى يَسْألَ يُوسُفَ، فَإنْ عَفا عَنْهُمُ اسْتَغْفَرَ لَهم. وقِيلَ: أخَّرَهم لِيَعْلَمَ حالَهم في صِدْقِ التَّوْبَةِ وإخْلاصِها، وقِيلَ: أرادَ الدَّوامَ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَمّا وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ رَجاهم بِحُصُولِ الغُفْرانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

يوسف 12:95

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ، وهو لازِمٌ، (p-٣٤٥)وفَصَلَ الشَّيْءَ فَصْلًا فَرَّقَ؛ وهو مُتَعَدٍّ، ومَعْنى ﴿فَصَلَتِ العِيرُ﴾ انْفَصَلَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ قاصِدَةً مَكانَ يَعْقُوبَ، وكانَ قَرِيبًا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: بِالجَزِيرَةِ، وبَيْتُ المَقْدِسِ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ آثارَهم وقُبُورَهم هُناكَ إلى الآنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (ولَمّا انْفَصَلَ العِيرُ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ عُرْفَهُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا، وكانَ مُدَّةُ فِراقِهِ مِنهُ سَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وعَنْهُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيالٍ. وعَنْ أبِي أيُّوبَ المَهْرَوِيِّ: أنَّ الرِّيحَ اسْتَأْذَنَتْ في إيصالِ عُرْفِ يُوسُفَ إلى يَعْقُوبَ، فَأُذِنَ لَها في ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: صَفَّقَتِ الرِّيحُ القَمِيصَ فَراحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا، واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، ومَعْنى (لَأجِدُ) لَأشُمُّ فَهو وُجُودُ حاسَّةِ الشَّمِّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي لَأسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمامَةٍ يَهُبُّ بِها مِن نَحْوِ أرْضِكِ رِيحُ ومَعْنى ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: تُسَفِّهُونِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: تُجَهِّلُونِ. وعَنْهُ أيْضًا: تُضَعِّفُونِ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: تُكَذِّبُونِ. وقالَ الحَسَنُ: تُهْرِمُونِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ وخَرِفْتَ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: تُقَبِّحُونِ. وقالَ الكِسائِيُّ: تُعَجِّزُونِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُضَلِّلُونِ. وقِيلَ: تُخَطِّئُونِ. وهَذِهِ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وهي راجِعَةٌ لِاعْتِقادِ فَسادِ رَأْيِ المُفَنِّدِ إمّا لِجَهْلِهِ، أوْ لِهَوًى غالِبٍ عَلَيْهِ، أوْ لِكَذِبِهِ، أوْ لِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ لِذَهابِ عَقْلِهِ بِهَرَمِهِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ: يُقالُ شَيْخٌ مُفْنِدٌ؛ أيْ: قَدْ فَسَّرَ رَأْيَهُ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ؛ لِأنَّ المَرْأةَ لَمْ يَكُنْ لَها رَأْيٌ قَطُّ أصِيلٌ فَيَدْخُلُهُ التَّفْنِيدُ. وقالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: التَّفْنِيدُ النِّسْبَةُ إلى الفَنَدِ وهو الخَوْفُ وإنْكارُ العَقْلِ، مِن هَرَمَ يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ، ولا يُقالُ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتُ رَأْيٍ فَتُفَنَّدُ في كِبَرِها، و(لَوْلا) هُنا حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى لَوْلا تَفْنِيدُكم إيّايَ لَصَدَّقْتُمُونِي، انْتَهى. وقَدْ يُقالُ: تَقْدِيرُهُ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِي لَأخْبَرْتُكم بِكَوْنِهِ حَيًّا لَمْ يَمُتْ؛ لِأنَّ وِجْدانِي رِيحَهُ دالٌّ عَلى حَياتِهِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ الظّاهِرُ مِن تَناسُقِ الضَّمائِرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن كانَ بَقِيَ عِنْدَهُ مِن أوْلادِهِ غَيْرَ الَّذِينَ راحُوا يَمْتارُونَ، إذْ كانَ أوْلادُهُ جَماعَةً، وقِيلَ: المُخاطَبُ ولَدُ ولَدِهِ ومَن كانَ بِحَضْرَتِهِ مِن قَرابَتِهِ. والضَّلالُ هُنا لا يُرادُ بِهِ ضِدُّ الهُدى والرَّشادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى إنَّكَ لَفي خَطَئِكَ، وكانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ قَدْ تَجَدَّدَ بِقِصَّةِ بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: ذُو الحُزْنَيْنِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الشَّقاءُ والعَناءُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الجُنُونُ؛ ويَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - غَلَبَةَ المَحَبَّةِ. وقِيلَ: الهَلاكُ والذَّهابُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ أيْ: ذَهَبَ فِيهِ. وقِيلَ: الحُبُّ، ويُطْلَقُ الضَّلالُ عَلى المَحَبَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ مِنَ الجَفاءِ الَّذِي لا يَسُوغُ لَهم مُواجَهَتُهُ بِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ بَعْضُ النّاسِ عَلى ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ قَتادَةُ: قالُوا لِوالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَقُولُوها لِوالِدِهِمْ، ولا لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا في إفْراطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، ولَهَجِكَ بِذِكْرِهِ، ورَجائِكَ لِقائَهُ، وكانَ عِنْدَهم أنَّهُ قَدْ ماتَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا؛ لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَّمِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الجَوْهَرِيُّ: قالَ يَهُوذا لِإخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ القُرْحَةِ، فَدَعُونِي أذْهَبُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ وقالَ هَذا المَعْنى السُّدِّيُّ. و(أنْ) تَطَّرِدُ زِيادَتُها بَعْدَ لَمّا، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿ألْقاهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿البَشِيرُ﴾ وهو الظّاهِرُ، هو لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْقُوهُ﴾ [يوسف: ٩٣] وقِيلَ: يَعُودُ عَلى يَعْقُوبَ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ الوَجْهُ كُلُّهُ كَما جَرَتِ العادَةُ أنَّهُ مَتى وجَدَ الإنْسانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ البَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وجْهَهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ العَيْنَيْنِ (p-٣٤٦)لِأنَّهُما فِيهِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالكُلِّ عَنِ البَعْضِ. و(ارْتَدَّ) عَدَّهُ بَعْضُهم في أخَواتِ كانَ، والصَّحِيحُ أنَّها لَيْسَتْ مِن أخَواتِها، فانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهُ رَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن سَلامَةِ البَصَرِ. فَفي الكَلامِ ما يُشْعِرُ أنَّ بَصَرَهُ عادَ أقْوى مِمّا كانَ عَلَيْهِ وأحْسَنَ؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، وما عَدَلَ مِن مُفْعِلٍ إلى فَعِيلٍ إلّا لِهَذا المَعْنى، انْتَهى. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ فَعِيلًا هُنا لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ فَعِيلُ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ هو مَعْدُولٌ عَنْ فاعِلٍ لِهَذا المَعْنى. وأمّا بَصِيرًا هُنا فَهو اسْمُ فاعِلٍ مِن بَصُرَ بِالشَّيْءِ، فَهو جارٍ عَلى قِياسِ فَعُلَ نَحْوَ ظَرُفَ فَهو ظَرِيفٌ، ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ بِمَعْنى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ: ألِيمٌ وسَمِيعٌ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ ومُسْمِعٍ. ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ ؟ قالَ: مَلِكُ مِصْرَ. قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ ؟ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَجِدِ البَشِيرُ عِنْدَ يَعْقُوبَ شَيْئًا يُبِيتُهُ بِهِ، وقالَ: ما خَبَزْنا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعَ لَيالٍ، ولَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ العَمى، والقُوَّةُ بَعْدَ الضَّعْفِ، والشَّبابُ بَعْدَ الهَرَمِ، والسُّرُورُ بَعْدَ الكَرْبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ ويُرِيدُ بِهِ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] فَقِيلَ: ما لا تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ، وأنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ. وقِيلَ: مِن صِحَّةِ رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقِيلَ: مِن بَلْوى الأنْبِياءِ بِالحُزْنِ ونُزُولِ الفَرَجِ. وقِيلَ: مِن أخْبارِ مَلَكِ المَوْتِ إيّايَ، وكانَ أخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَقَطْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ألَمْ أقُلْ لَكم: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوْ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] . وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ القَوْلُ، انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. ولَمّا رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ وقَرَّتْ عَيْنُهُ بِالمَسِيرِ إلى ابْنِهِ يُوسُفَ، وقَرَّرَهم عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمُ اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ السّابِقِ مِنهم، و﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ عِدَةٌ لَهم بِالِاسْتِغْفارِ بِسَوْفَ، وهي أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السَّحَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وعَنْهُ: إلى سَحَرِها، قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ: أخَّرَ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا ضِنَّةً عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَوْفَ: إلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وفِرْقَةٌ: إلى اللَّيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُّعاءَ فِيها يُسْتَجابُ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: أخَّرَهُ حَتّى يَسْألَ يُوسُفَ، فَإنْ عَفا عَنْهُمُ اسْتَغْفَرَ لَهم. وقِيلَ: أخَّرَهم لِيَعْلَمَ حالَهم في صِدْقِ التَّوْبَةِ وإخْلاصِها، وقِيلَ: أرادَ الدَّوامَ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَمّا وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ رَجاهم بِحُصُولِ الغُفْرانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

يوسف 12:96

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ، وهو لازِمٌ، (p-٣٤٥)وفَصَلَ الشَّيْءَ فَصْلًا فَرَّقَ؛ وهو مُتَعَدٍّ، ومَعْنى ﴿فَصَلَتِ العِيرُ﴾ انْفَصَلَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ قاصِدَةً مَكانَ يَعْقُوبَ، وكانَ قَرِيبًا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: بِالجَزِيرَةِ، وبَيْتُ المَقْدِسِ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ آثارَهم وقُبُورَهم هُناكَ إلى الآنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (ولَمّا انْفَصَلَ العِيرُ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ عُرْفَهُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا، وكانَ مُدَّةُ فِراقِهِ مِنهُ سَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وعَنْهُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيالٍ. وعَنْ أبِي أيُّوبَ المَهْرَوِيِّ: أنَّ الرِّيحَ اسْتَأْذَنَتْ في إيصالِ عُرْفِ يُوسُفَ إلى يَعْقُوبَ، فَأُذِنَ لَها في ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: صَفَّقَتِ الرِّيحُ القَمِيصَ فَراحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا، واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، ومَعْنى (لَأجِدُ) لَأشُمُّ فَهو وُجُودُ حاسَّةِ الشَّمِّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي لَأسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمامَةٍ يَهُبُّ بِها مِن نَحْوِ أرْضِكِ رِيحُ ومَعْنى ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: تُسَفِّهُونِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: تُجَهِّلُونِ. وعَنْهُ أيْضًا: تُضَعِّفُونِ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: تُكَذِّبُونِ. وقالَ الحَسَنُ: تُهْرِمُونِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ وخَرِفْتَ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: تُقَبِّحُونِ. وقالَ الكِسائِيُّ: تُعَجِّزُونِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُضَلِّلُونِ. وقِيلَ: تُخَطِّئُونِ. وهَذِهِ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وهي راجِعَةٌ لِاعْتِقادِ فَسادِ رَأْيِ المُفَنِّدِ إمّا لِجَهْلِهِ، أوْ لِهَوًى غالِبٍ عَلَيْهِ، أوْ لِكَذِبِهِ، أوْ لِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ لِذَهابِ عَقْلِهِ بِهَرَمِهِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ: يُقالُ شَيْخٌ مُفْنِدٌ؛ أيْ: قَدْ فَسَّرَ رَأْيَهُ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ؛ لِأنَّ المَرْأةَ لَمْ يَكُنْ لَها رَأْيٌ قَطُّ أصِيلٌ فَيَدْخُلُهُ التَّفْنِيدُ. وقالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: التَّفْنِيدُ النِّسْبَةُ إلى الفَنَدِ وهو الخَوْفُ وإنْكارُ العَقْلِ، مِن هَرَمَ يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ، ولا يُقالُ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتُ رَأْيٍ فَتُفَنَّدُ في كِبَرِها، و(لَوْلا) هُنا حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى لَوْلا تَفْنِيدُكم إيّايَ لَصَدَّقْتُمُونِي، انْتَهى. وقَدْ يُقالُ: تَقْدِيرُهُ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِي لَأخْبَرْتُكم بِكَوْنِهِ حَيًّا لَمْ يَمُتْ؛ لِأنَّ وِجْدانِي رِيحَهُ دالٌّ عَلى حَياتِهِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ الظّاهِرُ مِن تَناسُقِ الضَّمائِرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن كانَ بَقِيَ عِنْدَهُ مِن أوْلادِهِ غَيْرَ الَّذِينَ راحُوا يَمْتارُونَ، إذْ كانَ أوْلادُهُ جَماعَةً، وقِيلَ: المُخاطَبُ ولَدُ ولَدِهِ ومَن كانَ بِحَضْرَتِهِ مِن قَرابَتِهِ. والضَّلالُ هُنا لا يُرادُ بِهِ ضِدُّ الهُدى والرَّشادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى إنَّكَ لَفي خَطَئِكَ، وكانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ قَدْ تَجَدَّدَ بِقِصَّةِ بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: ذُو الحُزْنَيْنِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الشَّقاءُ والعَناءُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الجُنُونُ؛ ويَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - غَلَبَةَ المَحَبَّةِ. وقِيلَ: الهَلاكُ والذَّهابُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ أيْ: ذَهَبَ فِيهِ. وقِيلَ: الحُبُّ، ويُطْلَقُ الضَّلالُ عَلى المَحَبَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ مِنَ الجَفاءِ الَّذِي لا يَسُوغُ لَهم مُواجَهَتُهُ بِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ بَعْضُ النّاسِ عَلى ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ قَتادَةُ: قالُوا لِوالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَقُولُوها لِوالِدِهِمْ، ولا لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا في إفْراطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، ولَهَجِكَ بِذِكْرِهِ، ورَجائِكَ لِقائَهُ، وكانَ عِنْدَهم أنَّهُ قَدْ ماتَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا؛ لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَّمِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الجَوْهَرِيُّ: قالَ يَهُوذا لِإخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ القُرْحَةِ، فَدَعُونِي أذْهَبُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ وقالَ هَذا المَعْنى السُّدِّيُّ. و(أنْ) تَطَّرِدُ زِيادَتُها بَعْدَ لَمّا، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿ألْقاهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿البَشِيرُ﴾ وهو الظّاهِرُ، هو لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْقُوهُ﴾ [يوسف: ٩٣] وقِيلَ: يَعُودُ عَلى يَعْقُوبَ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ الوَجْهُ كُلُّهُ كَما جَرَتِ العادَةُ أنَّهُ مَتى وجَدَ الإنْسانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ البَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وجْهَهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ العَيْنَيْنِ (p-٣٤٦)لِأنَّهُما فِيهِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالكُلِّ عَنِ البَعْضِ. و(ارْتَدَّ) عَدَّهُ بَعْضُهم في أخَواتِ كانَ، والصَّحِيحُ أنَّها لَيْسَتْ مِن أخَواتِها، فانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهُ رَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن سَلامَةِ البَصَرِ. فَفي الكَلامِ ما يُشْعِرُ أنَّ بَصَرَهُ عادَ أقْوى مِمّا كانَ عَلَيْهِ وأحْسَنَ؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، وما عَدَلَ مِن مُفْعِلٍ إلى فَعِيلٍ إلّا لِهَذا المَعْنى، انْتَهى. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ فَعِيلًا هُنا لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ فَعِيلُ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ هو مَعْدُولٌ عَنْ فاعِلٍ لِهَذا المَعْنى. وأمّا بَصِيرًا هُنا فَهو اسْمُ فاعِلٍ مِن بَصُرَ بِالشَّيْءِ، فَهو جارٍ عَلى قِياسِ فَعُلَ نَحْوَ ظَرُفَ فَهو ظَرِيفٌ، ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ بِمَعْنى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ: ألِيمٌ وسَمِيعٌ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ ومُسْمِعٍ. ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ ؟ قالَ: مَلِكُ مِصْرَ. قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ ؟ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَجِدِ البَشِيرُ عِنْدَ يَعْقُوبَ شَيْئًا يُبِيتُهُ بِهِ، وقالَ: ما خَبَزْنا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعَ لَيالٍ، ولَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ العَمى، والقُوَّةُ بَعْدَ الضَّعْفِ، والشَّبابُ بَعْدَ الهَرَمِ، والسُّرُورُ بَعْدَ الكَرْبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ ويُرِيدُ بِهِ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] فَقِيلَ: ما لا تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ، وأنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ. وقِيلَ: مِن صِحَّةِ رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقِيلَ: مِن بَلْوى الأنْبِياءِ بِالحُزْنِ ونُزُولِ الفَرَجِ. وقِيلَ: مِن أخْبارِ مَلَكِ المَوْتِ إيّايَ، وكانَ أخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَقَطْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ألَمْ أقُلْ لَكم: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوْ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] . وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ القَوْلُ، انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. ولَمّا رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ وقَرَّتْ عَيْنُهُ بِالمَسِيرِ إلى ابْنِهِ يُوسُفَ، وقَرَّرَهم عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمُ اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ السّابِقِ مِنهم، و﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ عِدَةٌ لَهم بِالِاسْتِغْفارِ بِسَوْفَ، وهي أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السَّحَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وعَنْهُ: إلى سَحَرِها، قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ: أخَّرَ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا ضِنَّةً عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَوْفَ: إلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وفِرْقَةٌ: إلى اللَّيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُّعاءَ فِيها يُسْتَجابُ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: أخَّرَهُ حَتّى يَسْألَ يُوسُفَ، فَإنْ عَفا عَنْهُمُ اسْتَغْفَرَ لَهم. وقِيلَ: أخَّرَهم لِيَعْلَمَ حالَهم في صِدْقِ التَّوْبَةِ وإخْلاصِها، وقِيلَ: أرادَ الدَّوامَ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَمّا وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ رَجاهم بِحُصُولِ الغُفْرانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

يوسف 12:97

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ، وهو لازِمٌ، (p-٣٤٥)وفَصَلَ الشَّيْءَ فَصْلًا فَرَّقَ؛ وهو مُتَعَدٍّ، ومَعْنى ﴿فَصَلَتِ العِيرُ﴾ انْفَصَلَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ قاصِدَةً مَكانَ يَعْقُوبَ، وكانَ قَرِيبًا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: بِالجَزِيرَةِ، وبَيْتُ المَقْدِسِ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ آثارَهم وقُبُورَهم هُناكَ إلى الآنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (ولَمّا انْفَصَلَ العِيرُ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ عُرْفَهُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا، وكانَ مُدَّةُ فِراقِهِ مِنهُ سَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وعَنْهُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيالٍ. وعَنْ أبِي أيُّوبَ المَهْرَوِيِّ: أنَّ الرِّيحَ اسْتَأْذَنَتْ في إيصالِ عُرْفِ يُوسُفَ إلى يَعْقُوبَ، فَأُذِنَ لَها في ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: صَفَّقَتِ الرِّيحُ القَمِيصَ فَراحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا، واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، ومَعْنى (لَأجِدُ) لَأشُمُّ فَهو وُجُودُ حاسَّةِ الشَّمِّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي لَأسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمامَةٍ يَهُبُّ بِها مِن نَحْوِ أرْضِكِ رِيحُ ومَعْنى ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: تُسَفِّهُونِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: تُجَهِّلُونِ. وعَنْهُ أيْضًا: تُضَعِّفُونِ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: تُكَذِّبُونِ. وقالَ الحَسَنُ: تُهْرِمُونِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ وخَرِفْتَ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: تُقَبِّحُونِ. وقالَ الكِسائِيُّ: تُعَجِّزُونِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُضَلِّلُونِ. وقِيلَ: تُخَطِّئُونِ. وهَذِهِ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وهي راجِعَةٌ لِاعْتِقادِ فَسادِ رَأْيِ المُفَنِّدِ إمّا لِجَهْلِهِ، أوْ لِهَوًى غالِبٍ عَلَيْهِ، أوْ لِكَذِبِهِ، أوْ لِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ لِذَهابِ عَقْلِهِ بِهَرَمِهِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ: يُقالُ شَيْخٌ مُفْنِدٌ؛ أيْ: قَدْ فَسَّرَ رَأْيَهُ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ؛ لِأنَّ المَرْأةَ لَمْ يَكُنْ لَها رَأْيٌ قَطُّ أصِيلٌ فَيَدْخُلُهُ التَّفْنِيدُ. وقالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: التَّفْنِيدُ النِّسْبَةُ إلى الفَنَدِ وهو الخَوْفُ وإنْكارُ العَقْلِ، مِن هَرَمَ يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ، ولا يُقالُ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتُ رَأْيٍ فَتُفَنَّدُ في كِبَرِها، و(لَوْلا) هُنا حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى لَوْلا تَفْنِيدُكم إيّايَ لَصَدَّقْتُمُونِي، انْتَهى. وقَدْ يُقالُ: تَقْدِيرُهُ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِي لَأخْبَرْتُكم بِكَوْنِهِ حَيًّا لَمْ يَمُتْ؛ لِأنَّ وِجْدانِي رِيحَهُ دالٌّ عَلى حَياتِهِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ الظّاهِرُ مِن تَناسُقِ الضَّمائِرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن كانَ بَقِيَ عِنْدَهُ مِن أوْلادِهِ غَيْرَ الَّذِينَ راحُوا يَمْتارُونَ، إذْ كانَ أوْلادُهُ جَماعَةً، وقِيلَ: المُخاطَبُ ولَدُ ولَدِهِ ومَن كانَ بِحَضْرَتِهِ مِن قَرابَتِهِ. والضَّلالُ هُنا لا يُرادُ بِهِ ضِدُّ الهُدى والرَّشادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى إنَّكَ لَفي خَطَئِكَ، وكانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ قَدْ تَجَدَّدَ بِقِصَّةِ بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: ذُو الحُزْنَيْنِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الشَّقاءُ والعَناءُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الجُنُونُ؛ ويَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - غَلَبَةَ المَحَبَّةِ. وقِيلَ: الهَلاكُ والذَّهابُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ أيْ: ذَهَبَ فِيهِ. وقِيلَ: الحُبُّ، ويُطْلَقُ الضَّلالُ عَلى المَحَبَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ مِنَ الجَفاءِ الَّذِي لا يَسُوغُ لَهم مُواجَهَتُهُ بِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ بَعْضُ النّاسِ عَلى ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ قَتادَةُ: قالُوا لِوالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَقُولُوها لِوالِدِهِمْ، ولا لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا في إفْراطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، ولَهَجِكَ بِذِكْرِهِ، ورَجائِكَ لِقائَهُ، وكانَ عِنْدَهم أنَّهُ قَدْ ماتَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا؛ لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَّمِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الجَوْهَرِيُّ: قالَ يَهُوذا لِإخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ القُرْحَةِ، فَدَعُونِي أذْهَبُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ وقالَ هَذا المَعْنى السُّدِّيُّ. و(أنْ) تَطَّرِدُ زِيادَتُها بَعْدَ لَمّا، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿ألْقاهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿البَشِيرُ﴾ وهو الظّاهِرُ، هو لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْقُوهُ﴾ [يوسف: ٩٣] وقِيلَ: يَعُودُ عَلى يَعْقُوبَ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ الوَجْهُ كُلُّهُ كَما جَرَتِ العادَةُ أنَّهُ مَتى وجَدَ الإنْسانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ البَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وجْهَهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ العَيْنَيْنِ (p-٣٤٦)لِأنَّهُما فِيهِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالكُلِّ عَنِ البَعْضِ. و(ارْتَدَّ) عَدَّهُ بَعْضُهم في أخَواتِ كانَ، والصَّحِيحُ أنَّها لَيْسَتْ مِن أخَواتِها، فانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهُ رَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن سَلامَةِ البَصَرِ. فَفي الكَلامِ ما يُشْعِرُ أنَّ بَصَرَهُ عادَ أقْوى مِمّا كانَ عَلَيْهِ وأحْسَنَ؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، وما عَدَلَ مِن مُفْعِلٍ إلى فَعِيلٍ إلّا لِهَذا المَعْنى، انْتَهى. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ فَعِيلًا هُنا لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ فَعِيلُ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ هو مَعْدُولٌ عَنْ فاعِلٍ لِهَذا المَعْنى. وأمّا بَصِيرًا هُنا فَهو اسْمُ فاعِلٍ مِن بَصُرَ بِالشَّيْءِ، فَهو جارٍ عَلى قِياسِ فَعُلَ نَحْوَ ظَرُفَ فَهو ظَرِيفٌ، ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ بِمَعْنى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ: ألِيمٌ وسَمِيعٌ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ ومُسْمِعٍ. ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ ؟ قالَ: مَلِكُ مِصْرَ. قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ ؟ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَجِدِ البَشِيرُ عِنْدَ يَعْقُوبَ شَيْئًا يُبِيتُهُ بِهِ، وقالَ: ما خَبَزْنا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعَ لَيالٍ، ولَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ العَمى، والقُوَّةُ بَعْدَ الضَّعْفِ، والشَّبابُ بَعْدَ الهَرَمِ، والسُّرُورُ بَعْدَ الكَرْبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ ويُرِيدُ بِهِ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] فَقِيلَ: ما لا تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ، وأنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ. وقِيلَ: مِن صِحَّةِ رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقِيلَ: مِن بَلْوى الأنْبِياءِ بِالحُزْنِ ونُزُولِ الفَرَجِ. وقِيلَ: مِن أخْبارِ مَلَكِ المَوْتِ إيّايَ، وكانَ أخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَقَطْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ألَمْ أقُلْ لَكم: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوْ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] . وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ القَوْلُ، انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. ولَمّا رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ وقَرَّتْ عَيْنُهُ بِالمَسِيرِ إلى ابْنِهِ يُوسُفَ، وقَرَّرَهم عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمُ اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ السّابِقِ مِنهم، و﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ عِدَةٌ لَهم بِالِاسْتِغْفارِ بِسَوْفَ، وهي أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السَّحَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وعَنْهُ: إلى سَحَرِها، قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ: أخَّرَ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا ضِنَّةً عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَوْفَ: إلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وفِرْقَةٌ: إلى اللَّيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُّعاءَ فِيها يُسْتَجابُ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: أخَّرَهُ حَتّى يَسْألَ يُوسُفَ، فَإنْ عَفا عَنْهُمُ اسْتَغْفَرَ لَهم. وقِيلَ: أخَّرَهم لِيَعْلَمَ حالَهم في صِدْقِ التَّوْبَةِ وإخْلاصِها، وقِيلَ: أرادَ الدَّوامَ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَمّا وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ رَجاهم بِحُصُولِ الغُفْرانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

يوسف 12:98

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ، وهو لازِمٌ، (p-٣٤٥)وفَصَلَ الشَّيْءَ فَصْلًا فَرَّقَ؛ وهو مُتَعَدٍّ، ومَعْنى ﴿فَصَلَتِ العِيرُ﴾ انْفَصَلَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ قاصِدَةً مَكانَ يَعْقُوبَ، وكانَ قَرِيبًا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: بِالجَزِيرَةِ، وبَيْتُ المَقْدِسِ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ آثارَهم وقُبُورَهم هُناكَ إلى الآنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (ولَمّا انْفَصَلَ العِيرُ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ عُرْفَهُ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا، وكانَ مُدَّةُ فِراقِهِ مِنهُ سَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وعَنْهُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيالٍ. وعَنْ أبِي أيُّوبَ المَهْرَوِيِّ: أنَّ الرِّيحَ اسْتَأْذَنَتْ في إيصالِ عُرْفِ يُوسُفَ إلى يَعْقُوبَ، فَأُذِنَ لَها في ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: صَفَّقَتِ الرِّيحُ القَمِيصَ فَراحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا، واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ، فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن رِيحِ الجَنَّةِ إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ، ومَعْنى (لَأجِدُ) لَأشُمُّ فَهو وُجُودُ حاسَّةِ الشَّمِّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي لَأسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمامَةٍ يَهُبُّ بِها مِن نَحْوِ أرْضِكِ رِيحُ ومَعْنى ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: تُسَفِّهُونِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: تُجَهِّلُونِ. وعَنْهُ أيْضًا: تُضَعِّفُونِ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: تُكَذِّبُونِ. وقالَ الحَسَنُ: تُهْرِمُونِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ وخَرِفْتَ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: تُقَبِّحُونِ. وقالَ الكِسائِيُّ: تُعَجِّزُونِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُضَلِّلُونِ. وقِيلَ: تُخَطِّئُونِ. وهَذِهِ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وهي راجِعَةٌ لِاعْتِقادِ فَسادِ رَأْيِ المُفَنِّدِ إمّا لِجَهْلِهِ، أوْ لِهَوًى غالِبٍ عَلَيْهِ، أوْ لِكَذِبِهِ، أوْ لِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ لِذَهابِ عَقْلِهِ بِهَرَمِهِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ: يُقالُ شَيْخٌ مُفْنِدٌ؛ أيْ: قَدْ فَسَّرَ رَأْيَهُ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ؛ لِأنَّ المَرْأةَ لَمْ يَكُنْ لَها رَأْيٌ قَطُّ أصِيلٌ فَيَدْخُلُهُ التَّفْنِيدُ. وقالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: التَّفْنِيدُ النِّسْبَةُ إلى الفَنَدِ وهو الخَوْفُ وإنْكارُ العَقْلِ، مِن هَرَمَ يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ، ولا يُقالُ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتُ رَأْيٍ فَتُفَنَّدُ في كِبَرِها، و(لَوْلا) هُنا حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى لَوْلا تَفْنِيدُكم إيّايَ لَصَدَّقْتُمُونِي، انْتَهى. وقَدْ يُقالُ: تَقْدِيرُهُ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِي لَأخْبَرْتُكم بِكَوْنِهِ حَيًّا لَمْ يَمُتْ؛ لِأنَّ وِجْدانِي رِيحَهُ دالٌّ عَلى حَياتِهِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ الظّاهِرُ مِن تَناسُقِ الضَّمائِرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن كانَ بَقِيَ عِنْدَهُ مِن أوْلادِهِ غَيْرَ الَّذِينَ راحُوا يَمْتارُونَ، إذْ كانَ أوْلادُهُ جَماعَةً، وقِيلَ: المُخاطَبُ ولَدُ ولَدِهِ ومَن كانَ بِحَضْرَتِهِ مِن قَرابَتِهِ. والضَّلالُ هُنا لا يُرادُ بِهِ ضِدُّ الهُدى والرَّشادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى إنَّكَ لَفي خَطَئِكَ، وكانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ قَدْ تَجَدَّدَ بِقِصَّةِ بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: ذُو الحُزْنَيْنِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الشَّقاءُ والعَناءُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الجُنُونُ؛ ويَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - غَلَبَةَ المَحَبَّةِ. وقِيلَ: الهَلاكُ والذَّهابُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ أيْ: ذَهَبَ فِيهِ. وقِيلَ: الحُبُّ، ويُطْلَقُ الضَّلالُ عَلى المَحَبَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ مِنَ الجَفاءِ الَّذِي لا يَسُوغُ لَهم مُواجَهَتُهُ بِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ بَعْضُ النّاسِ عَلى ذَلِكَ، ولِهَذا قالَ قَتادَةُ: قالُوا لِوالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَقُولُوها لِوالِدِهِمْ، ولا لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا في إفْراطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، ولَهَجِكَ بِذِكْرِهِ، ورَجائِكَ لِقائَهُ، وكانَ عِنْدَهم أنَّهُ قَدْ ماتَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا؛ لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَّمِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الجَوْهَرِيُّ: قالَ يَهُوذا لِإخْوَتِهِ: قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ القُرْحَةِ، فَدَعُونِي أذْهَبُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ وقالَ هَذا المَعْنى السُّدِّيُّ. و(أنْ) تَطَّرِدُ زِيادَتُها بَعْدَ لَمّا، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿ألْقاهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿البَشِيرُ﴾ وهو الظّاهِرُ، هو لِقَوْلِهِ: ﴿فَألْقُوهُ﴾ [يوسف: ٩٣] وقِيلَ: يَعُودُ عَلى يَعْقُوبَ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ الوَجْهُ كُلُّهُ كَما جَرَتِ العادَةُ أنَّهُ مَتى وجَدَ الإنْسانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ البَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وجْهَهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ العَيْنَيْنِ (p-٣٤٦)لِأنَّهُما فِيهِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالكُلِّ عَنِ البَعْضِ. و(ارْتَدَّ) عَدَّهُ بَعْضُهم في أخَواتِ كانَ، والصَّحِيحُ أنَّها لَيْسَتْ مِن أخَواتِها، فانْتَصَبَ (بَصِيرًا) عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهُ رَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن سَلامَةِ البَصَرِ. فَفي الكَلامِ ما يُشْعِرُ أنَّ بَصَرَهُ عادَ أقْوى مِمّا كانَ عَلَيْهِ وأحْسَنَ؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، وما عَدَلَ مِن مُفْعِلٍ إلى فَعِيلٍ إلّا لِهَذا المَعْنى، انْتَهى. ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ فَعِيلًا هُنا لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ، إذْ فَعِيلُ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ هو مَعْدُولٌ عَنْ فاعِلٍ لِهَذا المَعْنى. وأمّا بَصِيرًا هُنا فَهو اسْمُ فاعِلٍ مِن بَصُرَ بِالشَّيْءِ، فَهو جارٍ عَلى قِياسِ فَعُلَ نَحْوَ ظَرُفَ فَهو ظَرِيفٌ، ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ بِمَعْنى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ: ألِيمٌ وسَمِيعٌ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ ومُسْمِعٍ. ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ ؟ قالَ: مَلِكُ مِصْرَ. قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ ؟ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَجِدِ البَشِيرُ عِنْدَ يَعْقُوبَ شَيْئًا يُبِيتُهُ بِهِ، وقالَ: ما خَبَزْنا شَيْئًا مُنْذُ سَبْعَ لَيالٍ، ولَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ. وقالَ الضَّحّاكُ: رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ بَعْدَ العَمى، والقُوَّةُ بَعْدَ الضَّعْفِ، والشَّبابُ بَعْدَ الهَرَمِ، والسُّرُورُ بَعْدَ الكَرْبِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ ويُرِيدُ بِهِ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] فَقِيلَ: ما لا تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ، وأنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ. وقِيلَ: مِن صِحَّةِ رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقِيلَ: مِن بَلْوى الأنْبِياءِ بِالحُزْنِ ونُزُولِ الفَرَجِ. وقِيلَ: مِن أخْبارِ مَلَكِ المَوْتِ إيّايَ، وكانَ أخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَقَطْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ألَمْ أقُلْ لَكم: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوْ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] . وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ القَوْلُ، انْتَهى. وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي قَدَّمْناهُ. ولَمّا رَجَعَ إلَيْهِ بَصَرُهُ وقَرَّتْ عَيْنُهُ بِالمَسِيرِ إلى ابْنِهِ يُوسُفَ، وقَرَّرَهم عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمُ اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ السّابِقِ مِنهم، و﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ عِدَةٌ لَهم بِالِاسْتِغْفارِ بِسَوْفَ، وهي أبْلَغُ في التَّنْفِيسِ مِنَ السِّينِ، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السَّحَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وعَنْهُ: إلى سَحَرِها، قالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ والزَّجّاجُ: أخَّرَ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا ضِنَّةً عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَوْفَ: إلى قِيامِ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وفِرْقَةٌ: إلى اللَّيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُّعاءَ فِيها يُسْتَجابُ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: أخَّرَهُ حَتّى يَسْألَ يُوسُفَ، فَإنْ عَفا عَنْهُمُ اسْتَغْفَرَ لَهم. وقِيلَ: أخَّرَهم لِيَعْلَمَ حالَهم في صِدْقِ التَّوْبَةِ وإخْلاصِها، وقِيلَ: أرادَ الدَّوامَ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهم، ولَمّا وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ رَجاهم بِحُصُولِ الغُفْرانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

يوسف 12:99

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (p-٣٤٧)فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأهْلِهِ أجْمَعِينَ، وسارُوا حَتّى تَلَقَّوْا يُوسُفَ. قِيلَ: وجَهَّزَ يُوسُفُ إلى أبِيهِ جِهازًا، ومِائَتَيْ راحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ، وخَرَجَ يُوسُفُ، قِيلَ: والمَلِكُ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ والعُظَماءِ وأهْلِ مِصْرَ بِأجْمَعِهِمْ، فَتَلَقَّوْا يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو يَمْشِي يَتَوَكَّأُ عَلى يَهُوذا، فَنَظَرَ إلى الخَيْلِ والنّاسِ فَقالَ: يا يَهُوذا أهَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ ؟ فَقالَ: لا، هَذا ولَدُكَ. فَلَمّا لَقِيَهُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ. وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ قالَ لَهُ لَمّا التَقَيا: يا أبَتِ، بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ، ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنا ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنْ خَشِيتُ أنْ تُسْلَبَ دِينَكَ، فَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَكَ. آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ أيْ: ضَمَّهُما إلَيْهِ وعانَقَهُما، والظّاهِرُ أنَّهُما أبُوهُ وأُمُّهُ راحِيلُ. فَقالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أُمُّهُ بِالحَياةِ. وقِيلَ: كانَتْ ماتَتْ مِن نِفاسِ بِنْيامِينَ، وأحْياها لَهُ لِيَصْدُقَ رُؤْياهُ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] حُكِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وابْنِ إسْحاقَ أيْضًا. وقِيلَ: أبُوهُ وخالَتُهُ، وكانَ يَعْقُوبُ تَزَوَّجَها بَعْدَ مَوْتِ راحِيلَ، والخالَةُ أُمٌّ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَتْ رَبَّتْ يُوسُفَ، والرّابَّةُ تُدْعى أُمًّا. وقالَ بَعْضُهم: أبُوهُ وجَدَّتُهُ أُمُّ أُمِّهِ، حَكاهُ الزَّهْراوِيُّ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ) وظاهِرُ قَوْلِهِ: ادْخُلُوا مِصْرَ، إنَّهُ أمَرَ بِإنْشاءِ دُخُولِ مِصْرَ. قالَ السُّدِّيُّ: قالَ لَهم ذَلِكَ وهم في الطَّرِيقِ حِينَ تَلَقّاهم، انْتَهى. فَيَبْقى قَوْلُهُ: فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ كَأنَّهُ ضَرَبَ لَهُ مَضْرِبٌ، أوْ بَيْتٌ حالَةَ التَّلَقِّي في الطَّرِيقِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِيهِ. وقِيلَ: دَخَلُوا عَلَيْهِ في مِصْرَ. ومَعْنى ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ أيْ: تَمَكَّنُوا مِنها واسْتَقِرُّوا فِيها. والظّاهِرُ تَعَلَّقَ الدُّخُولُ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ لَمّا أمَرَهم بِالدُّخُولِ، عَلَّقَ ذَلِكَ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ إنَّما تَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما لا يَشاءُ لا يَكُونُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّقْدِيرُ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، إنْ شاءَ اللَّهُ دَخَلْتُمْ آمِنِينَ، ثُمَّ حُذِفَ الجَزاءُ لِدَلالَةِ الكَلامِ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِالجُمْلَةِ الجَزائِيَّةِ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وأنَّ مَوْضِعَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في كَلامِ يَعْقُوبَ، انْتَهى. (p-٣٤٨)وهَذا البِدْعُ مِنَ التَّفْسِيرِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وهو في غايَةِ البُعْدِ، بَلْ في غايَةِ الِامْتِناعِ. والعَرْشُ: سَرِيرُ المُلْكِ، ولَمّا دَخَلَ يُوسُفُ مِصْرَ وجَلَسَ في مَجْلِسِهِ عَلى سَرِيرِهِ، واجْتَمَعُوا إلَيْهِ، أكْرَمَ أبَوَيْهِ فَرَفَعَهُما مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ والخُرُورُ قَبْلَ دُخُولِ مِصْرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ فَكانَ يَكُونُ في قُبَّةٍ مِن قِبابِ المُلُوكِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلى البِغالِ أوِ الإبِلِ، فَحِينَ دَخَلُوا إلَيْهِ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾، ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ﴾، ﴿وخَرُّوا لَهُ﴾ والضَّمِيرُ في (وخَرُّوا) عائِدٌ عَلى أبَوَيْهِ وعَلى إخْوَتِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وخَرُّوا) عائِدٌ عَلى إخْوَتِهِ وسائِرِ مَن كانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِأجْلِ هَيْبَتِهِ، ولَمْ يَدْخُلْ في الضَّمِيرِ أبَواهُ، بَلْ رَفَعَهُما عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ تَعْظِيمًا لَهُما، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أنَّهُ السُّجُودُ المَعْهُودُ، وأنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ لِمُطابَقَةِ الرُّؤْيا في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] الآيَةَ، وكانَ السُّجُودُ إذْ ذاكَ جائِزًا مِن بابِ التَّكْرِيمِ بِالمُصافَحَةِ، وتَقْبِيلِ اليَدِ، والقِيامِ مِمّا شُهِرَ بَيْنَ النّاسِ في بابِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ عِنْدَهم، وأعْطى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَّلامَ؛ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: هَذا السُّجُودُ كانَ إيماءً بِالرَّأْسِ فَقَطْ. وقِيلَ: كانَ كالرُّكُوعِ البالِغِ دُونَ وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ. ولَفْظَةُ (وخَرُّوا) تَأْبى هَذَيْنِ التَّفْسِرَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ أيْ: خَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا شُكْرًا عَلى ما أوْزَعَهم مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وقَدْ تَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] عَلى أنَّ مَعْناهُ رَأيْتُهم لِأجْلِي ساجِدِينَ، وإذا كانَ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ السُّجُودُ تَحِيَّةً لا عِبادَةً. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الدّارانِيُّ: لا يَكُونُ السُّجُودُ إلّا لِلَّهِ لا لِيُوسُفَ، ويَبْعُدُ مِن عَقْلِهِ ودِينِهِ أنْ يَرْضى بِأنْ يَسْجُدَ لَهُ أبُوهُ مَعَ سابِقَتِهِ مِن صَوْنِ أوْلادِهِ والشَّيْخُوخَةِ والعِلْمِ والدِّينِ وكَمالِ النُّبُوَّةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ وإنْ عادَ عَلى يُوسُفَ فالسُّجُودُ كانَ لِلَّهِ تَعالى، وجَعَلُوا يُوسُفَ قِبْلَةً كَما تَقُولُ: صَلَّيْتُ لِلْكَعْبَةِ، وصَلَّيْتُ إلى الكَعْبَةِ، وقالَ حَسّانُ: ؎ما كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ الدَّهْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هاشِمٍ ثُمَّ عَنْها عَنْ أبِي حَسَنِ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم وأعْرَفَ النّاسِ بِالأشْياءِ والسُّنَنِ وقِيلَ: السُّجُودُ هُنا التَّواضُعُ، والخُرُورُ بِمَعْنى المُرُورِ لا السُّقُوطِ عَلى الأرْضِ لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] أيْ: لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْها. وقالَ ثابِتٌ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: سُجُودُكم هَذا تَأْوِيلٌ؛ أيْ: عاقِبَةُ رُؤْيايَ أنَّ تِلْكَ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ. ﴿ومِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٨٠] مُتَعَلِّقٌ بِرُؤْيايَ، والمَحْذُوفُ في ﴿مِن قَبْلُ﴾ تَقْدِيرُهُ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الكَوائِنِ والحَوادِثِ الَّتِي جَرَتْ بَعْدَ رُؤْيايَ. ومَن تَأوَّلَ أنَّ أبَوَيْهِ لَمْ يَسْجُدا لَهُ زَعَمَ أنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلرُّؤْيا مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَسُجُودُ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ يُعَبَّرُ بِتَعْظِيمِ الأكابِرِ مِنَ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَهابَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ ولَدِهِ مِن كَنْعانَ إلى مِصْرَ لِأجْلِ يُوسُفَ نِهايَةٌ في التَّعْظِيمِ لَهُ، فَكَفى هَذا القَدْرُ في صِحَّةِ الرُّؤْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ لَمّا رَأى سُجُودَ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ هالَهُ ذَلِكَ واقْشَعَرَّ جِلْدَهُ مِنهُ، وقالَ لِيَعْقُوبَ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَعْدِيدِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ أيْ: صادِقَةً، رَأيْتُ ما يَقَعُ لِي في المَنامِ يَقَظَةً، لا باطِلَ فِيها ولا لَغْوَ. وفي المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رُؤْياهُ وسُجُودِهِمْ خِلافٌ مُتَناقِضٌ. قِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِن رُتَبِ العَدَدِ. وكَذا المُدَّةُ الَّتِي أقامَ يَعْقُوبُ فِيها بِمِصْرَ عِنْدَ ابْنِهِ يُوسُفَ خِلافٌ مُتَناقِضٌ، و(أحْسَنَ) أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِإلى قالَ: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] وقَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ قالَ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] كَما يُقالُ أساءَ إلَيْهِ، وبِهِ قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٤٩) ؎أسِئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ وقَدْ يَكُونُ ضَمِنَ (أحْسَنَ) مَعْنى لَطَفَ، فَعَدّاهُ بِالباءِ، وذَكَرَ إخْراجَهُ مِنَ السِّجْنِ وعَدَلَ عَنْ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ صَفْحًا عَنْ ذِكْرِ ما تَعَلَّقَ بِقَوْلِ إخْوَتِهِ، وتَناسَيًا لِما جَرى مِنهم إذْ قالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] وتَنْبِيهًا عَلى طَهارَةِ نَفْسِهِ، وبَراءَتِها مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ مِنَ المُراوَدَةِ. وعَلى ما تَنَقَّلَ إلَيْهِ مِنَ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ بِخِلافِ ما تَنَقَّلَ إلَيْهِ بِالخُرُوجِ مِنَ الجُبِّ، إلى أنْ بِيعَ مَعَ العَبِيدِ، وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِنَ البادِيَةِ، وكانَ يَنْزِلُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأطْرافِ الشّامِ بِبادِيَةِ فِلَسْطِينَ، وكانَ رَبَّ إبِلٍ وغَنَمٍ وبادِيَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا أهْلَ عَمَدٍ وأصْحابَ مَواشٍ يَتَنَقَّلُونَ في المِياهِ والمَناجِعِ. قِيلَ: كانَ تَحَوَّلَ إلى بادِيَةٍ وسَكَنَها، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ. وقِيلَ: كانَ خَرَجَ إلى بَدا وهو مَوْضِعٌ، وإيّاهُ عَنى جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ: وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ شَعْبًا إلى بَدا إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما ولِيَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا المَوْضِعِ مَسْجِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ. يُقالُ: بَدا القَوْمُ بَدْوًا، إذا أتَوْا بَدا كَما يُقالُ: غارُوا غَوْرًا. إذا أتَوُا الغَوْرَ. والمَعْنى: وجاءَ بِكم مِن مَكانٍ بَدا، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ، وحَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقابَلَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نِعْمَةَ إخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ بِمَجِيئِهِمْ مِنَ البَدْوِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الِاجْتِماعِ بِأبِيهِ وإخْوَتِهِ، وزَوالِ حُزْنِ أبِيهِ. فَفي الحَدِيثِ: «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَنْقُلُهُ مِنَ البادِيَةِ إلى الحاضِرَةِ» ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ﴾ أيْ: أفْسَدَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَزَغَ، وأسْنَدَ النَّزْغَ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ المُوَسْوِسُ كَما قالَ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] وذَكَرَ هَذا القَدْرَ مِن أمْرِ أُخْوَتِهِ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ إذا جاءَتْ إثْرَ شِدَّةٍ وبَلاءٍ كانَتْ أحْسَنَ مَوْقِعًا ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ﴾ أيْ: لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لِما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ، رَفِيقٌ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ وفي ﴿مِن تَأْوِيلِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتِهِ إلّا بَعْضَ مُلْكِ الدُّنْيا، ولا عَلَّمَهُ إلّا بَعْضَ التَّأْوِيلِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن جَعَلَ (مِن) زائِدَةً، أوْ جَعَلَها لِبَيانِ الجِنْسِ. والظّاهِرُ أنَّ المُلْكَ هُنا مُلْكُ مِصْرَ. وقِيلَ: مُلْكُ نَفْسِهِ مِن إنْفاذِ شَهْوَتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: مُلْكُ حُسّادِهِ بِالطّاعَةِ، ونَيْلُ الأمانِي مِنَ المُلْكِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرِو بْنِ ذَرٍّ: (آتَيْتَنِ، وعَلَّمْتَنِ) بِحَذْفِ الياءِ مِنهُما اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ عَنْهُما، مَعَ كَوْنِهِما ثابِتَتَيْنِ خَطًّا. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ ذَرانَةَ قَرَأ: (رَبِّ آتَيْتَنِي) بِغَيْرٍ ”قَدْ“ وانْتَصَبَ (فاطِرَ) عَلى الصِّفَةِ أوْ عَلى النِّداءِ. و﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ تَتَوَلّانِي بِالنِّعْمَةِ في الدّارَيْنِ، وتُوصِلُ المُلْكَ الفانِي بِالمُلْكِ الباقِي. وذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمّا عَدَّ نِعَمَ اللَّهِ عِنْدَهُ تَشَوَّقَ إلى لِقاءِ رَبِّهِ ولِحاقِهِ بِصالِحِي سَلَفِهِ، ورَأى أنَّ الدُّنْيا كُلَّها فانِيَةٌ فَتَمَنّى المَوْتَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ حَيٌّ غَيْرُ يُوسُفَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَمَنِّي المَوْتِ، وإنَّما عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعا أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ النِّعَمَ في باقِي أمْرِهِ أيْ: تَوَفَّنِي إذا حانَ أجْلِي عَلى الإسْلامِ، واجْعَلْ لِحاقِي بِالصّالِحِينَ، وإنَّما تَمَنّى الوَفاةَ عَلى الإسْلامِ لا المَوْتَ، و(الصّالِحِينَ) أهْلُ الجَنَّةِ أوِ الأنْبِياءُ، أوْ آباؤُهُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ. وعُلَماءُ التّارِيخِ يَزْعُمُونَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ مِائَةَ عامٍ وسَبْعَةَ أعْوامٍ، ولَهُ مِنَ الوَلَدِ: إفْراثِيمُ، ومَنشا، ورَحْمَةُ - زَوْجَةُ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قالَ الذَّهَبِيُّ: ووُلِدَ لِإفْراثِيمَ نُونٌ، ولِنُونٍ يُوشَعُ - وهو فَتى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - - . ووُلِدَ لِمَنشا مُوسى، وهو قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ويَزْعُمُ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّهُ صاحِبُ الخَضِرِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ. وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ صاحِبَ الخَضِرِ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ. وتَوارَثَتِ الفَراعِنَةُ مُلْكَ مِصْرَ، ولَمْ تَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ عَلى بَقايا دِينِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ بُعِثَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

يوسف 12:100

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (p-٣٤٧)فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأهْلِهِ أجْمَعِينَ، وسارُوا حَتّى تَلَقَّوْا يُوسُفَ. قِيلَ: وجَهَّزَ يُوسُفُ إلى أبِيهِ جِهازًا، ومِائَتَيْ راحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ، وخَرَجَ يُوسُفُ، قِيلَ: والمَلِكُ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ والعُظَماءِ وأهْلِ مِصْرَ بِأجْمَعِهِمْ، فَتَلَقَّوْا يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو يَمْشِي يَتَوَكَّأُ عَلى يَهُوذا، فَنَظَرَ إلى الخَيْلِ والنّاسِ فَقالَ: يا يَهُوذا أهَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ ؟ فَقالَ: لا، هَذا ولَدُكَ. فَلَمّا لَقِيَهُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ. وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ قالَ لَهُ لَمّا التَقَيا: يا أبَتِ، بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ، ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنا ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنْ خَشِيتُ أنْ تُسْلَبَ دِينَكَ، فَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَكَ. آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ أيْ: ضَمَّهُما إلَيْهِ وعانَقَهُما، والظّاهِرُ أنَّهُما أبُوهُ وأُمُّهُ راحِيلُ. فَقالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أُمُّهُ بِالحَياةِ. وقِيلَ: كانَتْ ماتَتْ مِن نِفاسِ بِنْيامِينَ، وأحْياها لَهُ لِيَصْدُقَ رُؤْياهُ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] حُكِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وابْنِ إسْحاقَ أيْضًا. وقِيلَ: أبُوهُ وخالَتُهُ، وكانَ يَعْقُوبُ تَزَوَّجَها بَعْدَ مَوْتِ راحِيلَ، والخالَةُ أُمٌّ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَتْ رَبَّتْ يُوسُفَ، والرّابَّةُ تُدْعى أُمًّا. وقالَ بَعْضُهم: أبُوهُ وجَدَّتُهُ أُمُّ أُمِّهِ، حَكاهُ الزَّهْراوِيُّ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ) وظاهِرُ قَوْلِهِ: ادْخُلُوا مِصْرَ، إنَّهُ أمَرَ بِإنْشاءِ دُخُولِ مِصْرَ. قالَ السُّدِّيُّ: قالَ لَهم ذَلِكَ وهم في الطَّرِيقِ حِينَ تَلَقّاهم، انْتَهى. فَيَبْقى قَوْلُهُ: فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ كَأنَّهُ ضَرَبَ لَهُ مَضْرِبٌ، أوْ بَيْتٌ حالَةَ التَّلَقِّي في الطَّرِيقِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِيهِ. وقِيلَ: دَخَلُوا عَلَيْهِ في مِصْرَ. ومَعْنى ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ أيْ: تَمَكَّنُوا مِنها واسْتَقِرُّوا فِيها. والظّاهِرُ تَعَلَّقَ الدُّخُولُ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ لَمّا أمَرَهم بِالدُّخُولِ، عَلَّقَ ذَلِكَ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ إنَّما تَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما لا يَشاءُ لا يَكُونُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّقْدِيرُ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، إنْ شاءَ اللَّهُ دَخَلْتُمْ آمِنِينَ، ثُمَّ حُذِفَ الجَزاءُ لِدَلالَةِ الكَلامِ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِالجُمْلَةِ الجَزائِيَّةِ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وأنَّ مَوْضِعَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في كَلامِ يَعْقُوبَ، انْتَهى. (p-٣٤٨)وهَذا البِدْعُ مِنَ التَّفْسِيرِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وهو في غايَةِ البُعْدِ، بَلْ في غايَةِ الِامْتِناعِ. والعَرْشُ: سَرِيرُ المُلْكِ، ولَمّا دَخَلَ يُوسُفُ مِصْرَ وجَلَسَ في مَجْلِسِهِ عَلى سَرِيرِهِ، واجْتَمَعُوا إلَيْهِ، أكْرَمَ أبَوَيْهِ فَرَفَعَهُما مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ والخُرُورُ قَبْلَ دُخُولِ مِصْرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ فَكانَ يَكُونُ في قُبَّةٍ مِن قِبابِ المُلُوكِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلى البِغالِ أوِ الإبِلِ، فَحِينَ دَخَلُوا إلَيْهِ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾، ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ﴾، ﴿وخَرُّوا لَهُ﴾ والضَّمِيرُ في (وخَرُّوا) عائِدٌ عَلى أبَوَيْهِ وعَلى إخْوَتِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وخَرُّوا) عائِدٌ عَلى إخْوَتِهِ وسائِرِ مَن كانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِأجْلِ هَيْبَتِهِ، ولَمْ يَدْخُلْ في الضَّمِيرِ أبَواهُ، بَلْ رَفَعَهُما عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ تَعْظِيمًا لَهُما، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أنَّهُ السُّجُودُ المَعْهُودُ، وأنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ لِمُطابَقَةِ الرُّؤْيا في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] الآيَةَ، وكانَ السُّجُودُ إذْ ذاكَ جائِزًا مِن بابِ التَّكْرِيمِ بِالمُصافَحَةِ، وتَقْبِيلِ اليَدِ، والقِيامِ مِمّا شُهِرَ بَيْنَ النّاسِ في بابِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ عِنْدَهم، وأعْطى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَّلامَ؛ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: هَذا السُّجُودُ كانَ إيماءً بِالرَّأْسِ فَقَطْ. وقِيلَ: كانَ كالرُّكُوعِ البالِغِ دُونَ وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ. ولَفْظَةُ (وخَرُّوا) تَأْبى هَذَيْنِ التَّفْسِرَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ أيْ: خَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا شُكْرًا عَلى ما أوْزَعَهم مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وقَدْ تَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] عَلى أنَّ مَعْناهُ رَأيْتُهم لِأجْلِي ساجِدِينَ، وإذا كانَ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ السُّجُودُ تَحِيَّةً لا عِبادَةً. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الدّارانِيُّ: لا يَكُونُ السُّجُودُ إلّا لِلَّهِ لا لِيُوسُفَ، ويَبْعُدُ مِن عَقْلِهِ ودِينِهِ أنْ يَرْضى بِأنْ يَسْجُدَ لَهُ أبُوهُ مَعَ سابِقَتِهِ مِن صَوْنِ أوْلادِهِ والشَّيْخُوخَةِ والعِلْمِ والدِّينِ وكَمالِ النُّبُوَّةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ وإنْ عادَ عَلى يُوسُفَ فالسُّجُودُ كانَ لِلَّهِ تَعالى، وجَعَلُوا يُوسُفَ قِبْلَةً كَما تَقُولُ: صَلَّيْتُ لِلْكَعْبَةِ، وصَلَّيْتُ إلى الكَعْبَةِ، وقالَ حَسّانُ: ؎ما كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ الدَّهْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هاشِمٍ ثُمَّ عَنْها عَنْ أبِي حَسَنِ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم وأعْرَفَ النّاسِ بِالأشْياءِ والسُّنَنِ وقِيلَ: السُّجُودُ هُنا التَّواضُعُ، والخُرُورُ بِمَعْنى المُرُورِ لا السُّقُوطِ عَلى الأرْضِ لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] أيْ: لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْها. وقالَ ثابِتٌ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: سُجُودُكم هَذا تَأْوِيلٌ؛ أيْ: عاقِبَةُ رُؤْيايَ أنَّ تِلْكَ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ. ﴿ومِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٨٠] مُتَعَلِّقٌ بِرُؤْيايَ، والمَحْذُوفُ في ﴿مِن قَبْلُ﴾ تَقْدِيرُهُ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الكَوائِنِ والحَوادِثِ الَّتِي جَرَتْ بَعْدَ رُؤْيايَ. ومَن تَأوَّلَ أنَّ أبَوَيْهِ لَمْ يَسْجُدا لَهُ زَعَمَ أنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلرُّؤْيا مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَسُجُودُ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ يُعَبَّرُ بِتَعْظِيمِ الأكابِرِ مِنَ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَهابَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ ولَدِهِ مِن كَنْعانَ إلى مِصْرَ لِأجْلِ يُوسُفَ نِهايَةٌ في التَّعْظِيمِ لَهُ، فَكَفى هَذا القَدْرُ في صِحَّةِ الرُّؤْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ لَمّا رَأى سُجُودَ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ هالَهُ ذَلِكَ واقْشَعَرَّ جِلْدَهُ مِنهُ، وقالَ لِيَعْقُوبَ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَعْدِيدِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ أيْ: صادِقَةً، رَأيْتُ ما يَقَعُ لِي في المَنامِ يَقَظَةً، لا باطِلَ فِيها ولا لَغْوَ. وفي المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رُؤْياهُ وسُجُودِهِمْ خِلافٌ مُتَناقِضٌ. قِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِن رُتَبِ العَدَدِ. وكَذا المُدَّةُ الَّتِي أقامَ يَعْقُوبُ فِيها بِمِصْرَ عِنْدَ ابْنِهِ يُوسُفَ خِلافٌ مُتَناقِضٌ، و(أحْسَنَ) أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِإلى قالَ: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] وقَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ قالَ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] كَما يُقالُ أساءَ إلَيْهِ، وبِهِ قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٤٩) ؎أسِئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ وقَدْ يَكُونُ ضَمِنَ (أحْسَنَ) مَعْنى لَطَفَ، فَعَدّاهُ بِالباءِ، وذَكَرَ إخْراجَهُ مِنَ السِّجْنِ وعَدَلَ عَنْ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ صَفْحًا عَنْ ذِكْرِ ما تَعَلَّقَ بِقَوْلِ إخْوَتِهِ، وتَناسَيًا لِما جَرى مِنهم إذْ قالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] وتَنْبِيهًا عَلى طَهارَةِ نَفْسِهِ، وبَراءَتِها مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ مِنَ المُراوَدَةِ. وعَلى ما تَنَقَّلَ إلَيْهِ مِنَ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ بِخِلافِ ما تَنَقَّلَ إلَيْهِ بِالخُرُوجِ مِنَ الجُبِّ، إلى أنْ بِيعَ مَعَ العَبِيدِ، وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِنَ البادِيَةِ، وكانَ يَنْزِلُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأطْرافِ الشّامِ بِبادِيَةِ فِلَسْطِينَ، وكانَ رَبَّ إبِلٍ وغَنَمٍ وبادِيَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا أهْلَ عَمَدٍ وأصْحابَ مَواشٍ يَتَنَقَّلُونَ في المِياهِ والمَناجِعِ. قِيلَ: كانَ تَحَوَّلَ إلى بادِيَةٍ وسَكَنَها، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ. وقِيلَ: كانَ خَرَجَ إلى بَدا وهو مَوْضِعٌ، وإيّاهُ عَنى جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ: وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ شَعْبًا إلى بَدا إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما ولِيَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا المَوْضِعِ مَسْجِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ. يُقالُ: بَدا القَوْمُ بَدْوًا، إذا أتَوْا بَدا كَما يُقالُ: غارُوا غَوْرًا. إذا أتَوُا الغَوْرَ. والمَعْنى: وجاءَ بِكم مِن مَكانٍ بَدا، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ، وحَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقابَلَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نِعْمَةَ إخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ بِمَجِيئِهِمْ مِنَ البَدْوِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الِاجْتِماعِ بِأبِيهِ وإخْوَتِهِ، وزَوالِ حُزْنِ أبِيهِ. فَفي الحَدِيثِ: «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَنْقُلُهُ مِنَ البادِيَةِ إلى الحاضِرَةِ» ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ﴾ أيْ: أفْسَدَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَزَغَ، وأسْنَدَ النَّزْغَ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ المُوَسْوِسُ كَما قالَ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] وذَكَرَ هَذا القَدْرَ مِن أمْرِ أُخْوَتِهِ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ إذا جاءَتْ إثْرَ شِدَّةٍ وبَلاءٍ كانَتْ أحْسَنَ مَوْقِعًا ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ﴾ أيْ: لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لِما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ، رَفِيقٌ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ وفي ﴿مِن تَأْوِيلِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتِهِ إلّا بَعْضَ مُلْكِ الدُّنْيا، ولا عَلَّمَهُ إلّا بَعْضَ التَّأْوِيلِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن جَعَلَ (مِن) زائِدَةً، أوْ جَعَلَها لِبَيانِ الجِنْسِ. والظّاهِرُ أنَّ المُلْكَ هُنا مُلْكُ مِصْرَ. وقِيلَ: مُلْكُ نَفْسِهِ مِن إنْفاذِ شَهْوَتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: مُلْكُ حُسّادِهِ بِالطّاعَةِ، ونَيْلُ الأمانِي مِنَ المُلْكِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرِو بْنِ ذَرٍّ: (آتَيْتَنِ، وعَلَّمْتَنِ) بِحَذْفِ الياءِ مِنهُما اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ عَنْهُما، مَعَ كَوْنِهِما ثابِتَتَيْنِ خَطًّا. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ ذَرانَةَ قَرَأ: (رَبِّ آتَيْتَنِي) بِغَيْرٍ ”قَدْ“ وانْتَصَبَ (فاطِرَ) عَلى الصِّفَةِ أوْ عَلى النِّداءِ. و﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ تَتَوَلّانِي بِالنِّعْمَةِ في الدّارَيْنِ، وتُوصِلُ المُلْكَ الفانِي بِالمُلْكِ الباقِي. وذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمّا عَدَّ نِعَمَ اللَّهِ عِنْدَهُ تَشَوَّقَ إلى لِقاءِ رَبِّهِ ولِحاقِهِ بِصالِحِي سَلَفِهِ، ورَأى أنَّ الدُّنْيا كُلَّها فانِيَةٌ فَتَمَنّى المَوْتَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ حَيٌّ غَيْرُ يُوسُفَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَمَنِّي المَوْتِ، وإنَّما عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعا أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ النِّعَمَ في باقِي أمْرِهِ أيْ: تَوَفَّنِي إذا حانَ أجْلِي عَلى الإسْلامِ، واجْعَلْ لِحاقِي بِالصّالِحِينَ، وإنَّما تَمَنّى الوَفاةَ عَلى الإسْلامِ لا المَوْتَ، و(الصّالِحِينَ) أهْلُ الجَنَّةِ أوِ الأنْبِياءُ، أوْ آباؤُهُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ. وعُلَماءُ التّارِيخِ يَزْعُمُونَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ مِائَةَ عامٍ وسَبْعَةَ أعْوامٍ، ولَهُ مِنَ الوَلَدِ: إفْراثِيمُ، ومَنشا، ورَحْمَةُ - زَوْجَةُ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قالَ الذَّهَبِيُّ: ووُلِدَ لِإفْراثِيمَ نُونٌ، ولِنُونٍ يُوشَعُ - وهو فَتى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - - . ووُلِدَ لِمَنشا مُوسى، وهو قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ويَزْعُمُ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّهُ صاحِبُ الخَضِرِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ. وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ صاحِبَ الخَضِرِ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ. وتَوارَثَتِ الفَراعِنَةُ مُلْكَ مِصْرَ، ولَمْ تَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ عَلى بَقايا دِينِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ بُعِثَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

يوسف 12:101

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (p-٣٤٧)فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأهْلِهِ أجْمَعِينَ، وسارُوا حَتّى تَلَقَّوْا يُوسُفَ. قِيلَ: وجَهَّزَ يُوسُفُ إلى أبِيهِ جِهازًا، ومِائَتَيْ راحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ، وخَرَجَ يُوسُفُ، قِيلَ: والمَلِكُ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ والعُظَماءِ وأهْلِ مِصْرَ بِأجْمَعِهِمْ، فَتَلَقَّوْا يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو يَمْشِي يَتَوَكَّأُ عَلى يَهُوذا، فَنَظَرَ إلى الخَيْلِ والنّاسِ فَقالَ: يا يَهُوذا أهَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ ؟ فَقالَ: لا، هَذا ولَدُكَ. فَلَمّا لَقِيَهُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ. وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ قالَ لَهُ لَمّا التَقَيا: يا أبَتِ، بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ، ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنا ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنْ خَشِيتُ أنْ تُسْلَبَ دِينَكَ، فَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَكَ. آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ أيْ: ضَمَّهُما إلَيْهِ وعانَقَهُما، والظّاهِرُ أنَّهُما أبُوهُ وأُمُّهُ راحِيلُ. فَقالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أُمُّهُ بِالحَياةِ. وقِيلَ: كانَتْ ماتَتْ مِن نِفاسِ بِنْيامِينَ، وأحْياها لَهُ لِيَصْدُقَ رُؤْياهُ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] حُكِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وابْنِ إسْحاقَ أيْضًا. وقِيلَ: أبُوهُ وخالَتُهُ، وكانَ يَعْقُوبُ تَزَوَّجَها بَعْدَ مَوْتِ راحِيلَ، والخالَةُ أُمٌّ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَتْ رَبَّتْ يُوسُفَ، والرّابَّةُ تُدْعى أُمًّا. وقالَ بَعْضُهم: أبُوهُ وجَدَّتُهُ أُمُّ أُمِّهِ، حَكاهُ الزَّهْراوِيُّ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ) وظاهِرُ قَوْلِهِ: ادْخُلُوا مِصْرَ، إنَّهُ أمَرَ بِإنْشاءِ دُخُولِ مِصْرَ. قالَ السُّدِّيُّ: قالَ لَهم ذَلِكَ وهم في الطَّرِيقِ حِينَ تَلَقّاهم، انْتَهى. فَيَبْقى قَوْلُهُ: فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ كَأنَّهُ ضَرَبَ لَهُ مَضْرِبٌ، أوْ بَيْتٌ حالَةَ التَّلَقِّي في الطَّرِيقِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِيهِ. وقِيلَ: دَخَلُوا عَلَيْهِ في مِصْرَ. ومَعْنى ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ أيْ: تَمَكَّنُوا مِنها واسْتَقِرُّوا فِيها. والظّاهِرُ تَعَلَّقَ الدُّخُولُ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ لَمّا أمَرَهم بِالدُّخُولِ، عَلَّقَ ذَلِكَ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ إنَّما تَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما لا يَشاءُ لا يَكُونُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّقْدِيرُ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، إنْ شاءَ اللَّهُ دَخَلْتُمْ آمِنِينَ، ثُمَّ حُذِفَ الجَزاءُ لِدَلالَةِ الكَلامِ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِالجُمْلَةِ الجَزائِيَّةِ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وأنَّ مَوْضِعَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في كَلامِ يَعْقُوبَ، انْتَهى. (p-٣٤٨)وهَذا البِدْعُ مِنَ التَّفْسِيرِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وهو في غايَةِ البُعْدِ، بَلْ في غايَةِ الِامْتِناعِ. والعَرْشُ: سَرِيرُ المُلْكِ، ولَمّا دَخَلَ يُوسُفُ مِصْرَ وجَلَسَ في مَجْلِسِهِ عَلى سَرِيرِهِ، واجْتَمَعُوا إلَيْهِ، أكْرَمَ أبَوَيْهِ فَرَفَعَهُما مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ والخُرُورُ قَبْلَ دُخُولِ مِصْرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ فَكانَ يَكُونُ في قُبَّةٍ مِن قِبابِ المُلُوكِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلى البِغالِ أوِ الإبِلِ، فَحِينَ دَخَلُوا إلَيْهِ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾، ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ﴾، ﴿وخَرُّوا لَهُ﴾ والضَّمِيرُ في (وخَرُّوا) عائِدٌ عَلى أبَوَيْهِ وعَلى إخْوَتِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (وخَرُّوا) عائِدٌ عَلى إخْوَتِهِ وسائِرِ مَن كانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِأجْلِ هَيْبَتِهِ، ولَمْ يَدْخُلْ في الضَّمِيرِ أبَواهُ، بَلْ رَفَعَهُما عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ تَعْظِيمًا لَهُما، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أنَّهُ السُّجُودُ المَعْهُودُ، وأنَّ الضَّمِيرَ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ لِمُطابَقَةِ الرُّؤْيا في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] الآيَةَ، وكانَ السُّجُودُ إذْ ذاكَ جائِزًا مِن بابِ التَّكْرِيمِ بِالمُصافَحَةِ، وتَقْبِيلِ اليَدِ، والقِيامِ مِمّا شُهِرَ بَيْنَ النّاسِ في بابِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ عِنْدَهم، وأعْطى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَّلامَ؛ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: هَذا السُّجُودُ كانَ إيماءً بِالرَّأْسِ فَقَطْ. وقِيلَ: كانَ كالرُّكُوعِ البالِغِ دُونَ وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ. ولَفْظَةُ (وخَرُّوا) تَأْبى هَذَيْنِ التَّفْسِرَيْنِ. قالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ أيْ: خَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا شُكْرًا عَلى ما أوْزَعَهم مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وقَدْ تَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] عَلى أنَّ مَعْناهُ رَأيْتُهم لِأجْلِي ساجِدِينَ، وإذا كانَ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ السُّجُودُ تَحِيَّةً لا عِبادَةً. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الدّارانِيُّ: لا يَكُونُ السُّجُودُ إلّا لِلَّهِ لا لِيُوسُفَ، ويَبْعُدُ مِن عَقْلِهِ ودِينِهِ أنْ يَرْضى بِأنْ يَسْجُدَ لَهُ أبُوهُ مَعَ سابِقَتِهِ مِن صَوْنِ أوْلادِهِ والشَّيْخُوخَةِ والعِلْمِ والدِّينِ وكَمالِ النُّبُوَّةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ وإنْ عادَ عَلى يُوسُفَ فالسُّجُودُ كانَ لِلَّهِ تَعالى، وجَعَلُوا يُوسُفَ قِبْلَةً كَما تَقُولُ: صَلَّيْتُ لِلْكَعْبَةِ، وصَلَّيْتُ إلى الكَعْبَةِ، وقالَ حَسّانُ: ؎ما كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ الدَّهْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هاشِمٍ ثُمَّ عَنْها عَنْ أبِي حَسَنِ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم وأعْرَفَ النّاسِ بِالأشْياءِ والسُّنَنِ وقِيلَ: السُّجُودُ هُنا التَّواضُعُ، والخُرُورُ بِمَعْنى المُرُورِ لا السُّقُوطِ عَلى الأرْضِ لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] أيْ: لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْها. وقالَ ثابِتٌ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: سُجُودُكم هَذا تَأْوِيلٌ؛ أيْ: عاقِبَةُ رُؤْيايَ أنَّ تِلْكَ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ. ﴿ومِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٨٠] مُتَعَلِّقٌ بِرُؤْيايَ، والمَحْذُوفُ في ﴿مِن قَبْلُ﴾ تَقْدِيرُهُ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الكَوائِنِ والحَوادِثِ الَّتِي جَرَتْ بَعْدَ رُؤْيايَ. ومَن تَأوَّلَ أنَّ أبَوَيْهِ لَمْ يَسْجُدا لَهُ زَعَمَ أنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلرُّؤْيا مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَسُجُودُ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ يُعَبَّرُ بِتَعْظِيمِ الأكابِرِ مِنَ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَهابَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ ولَدِهِ مِن كَنْعانَ إلى مِصْرَ لِأجْلِ يُوسُفَ نِهايَةٌ في التَّعْظِيمِ لَهُ، فَكَفى هَذا القَدْرُ في صِحَّةِ الرُّؤْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ لَمّا رَأى سُجُودَ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ هالَهُ ذَلِكَ واقْشَعَرَّ جِلْدَهُ مِنهُ، وقالَ لِيَعْقُوبَ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَعْدِيدِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ أيْ: صادِقَةً، رَأيْتُ ما يَقَعُ لِي في المَنامِ يَقَظَةً، لا باطِلَ فِيها ولا لَغْوَ. وفي المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رُؤْياهُ وسُجُودِهِمْ خِلافٌ مُتَناقِضٌ. قِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِن رُتَبِ العَدَدِ. وكَذا المُدَّةُ الَّتِي أقامَ يَعْقُوبُ فِيها بِمِصْرَ عِنْدَ ابْنِهِ يُوسُفَ خِلافٌ مُتَناقِضٌ، و(أحْسَنَ) أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِإلى قالَ: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] وقَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ قالَ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] كَما يُقالُ أساءَ إلَيْهِ، وبِهِ قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٤٩) ؎أسِئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ وقَدْ يَكُونُ ضَمِنَ (أحْسَنَ) مَعْنى لَطَفَ، فَعَدّاهُ بِالباءِ، وذَكَرَ إخْراجَهُ مِنَ السِّجْنِ وعَدَلَ عَنْ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ صَفْحًا عَنْ ذِكْرِ ما تَعَلَّقَ بِقَوْلِ إخْوَتِهِ، وتَناسَيًا لِما جَرى مِنهم إذْ قالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] وتَنْبِيهًا عَلى طَهارَةِ نَفْسِهِ، وبَراءَتِها مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ مِنَ المُراوَدَةِ. وعَلى ما تَنَقَّلَ إلَيْهِ مِنَ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ بِخِلافِ ما تَنَقَّلَ إلَيْهِ بِالخُرُوجِ مِنَ الجُبِّ، إلى أنْ بِيعَ مَعَ العَبِيدِ، وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِنَ البادِيَةِ، وكانَ يَنْزِلُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأطْرافِ الشّامِ بِبادِيَةِ فِلَسْطِينَ، وكانَ رَبَّ إبِلٍ وغَنَمٍ وبادِيَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا أهْلَ عَمَدٍ وأصْحابَ مَواشٍ يَتَنَقَّلُونَ في المِياهِ والمَناجِعِ. قِيلَ: كانَ تَحَوَّلَ إلى بادِيَةٍ وسَكَنَها، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ. وقِيلَ: كانَ خَرَجَ إلى بَدا وهو مَوْضِعٌ، وإيّاهُ عَنى جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ: وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ شَعْبًا إلى بَدا إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما ولِيَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا المَوْضِعِ مَسْجِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ. يُقالُ: بَدا القَوْمُ بَدْوًا، إذا أتَوْا بَدا كَما يُقالُ: غارُوا غَوْرًا. إذا أتَوُا الغَوْرَ. والمَعْنى: وجاءَ بِكم مِن مَكانٍ بَدا، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ، وحَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقابَلَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نِعْمَةَ إخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ بِمَجِيئِهِمْ مِنَ البَدْوِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الِاجْتِماعِ بِأبِيهِ وإخْوَتِهِ، وزَوالِ حُزْنِ أبِيهِ. فَفي الحَدِيثِ: «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَنْقُلُهُ مِنَ البادِيَةِ إلى الحاضِرَةِ» ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ﴾ أيْ: أفْسَدَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَزَغَ، وأسْنَدَ النَّزْغَ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ المُوَسْوِسُ كَما قالَ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] وذَكَرَ هَذا القَدْرَ مِن أمْرِ أُخْوَتِهِ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ إذا جاءَتْ إثْرَ شِدَّةٍ وبَلاءٍ كانَتْ أحْسَنَ مَوْقِعًا ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ﴾ أيْ: لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لِما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ، رَفِيقٌ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ وفي ﴿مِن تَأْوِيلِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتِهِ إلّا بَعْضَ مُلْكِ الدُّنْيا، ولا عَلَّمَهُ إلّا بَعْضَ التَّأْوِيلِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن جَعَلَ (مِن) زائِدَةً، أوْ جَعَلَها لِبَيانِ الجِنْسِ. والظّاهِرُ أنَّ المُلْكَ هُنا مُلْكُ مِصْرَ. وقِيلَ: مُلْكُ نَفْسِهِ مِن إنْفاذِ شَهْوَتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: مُلْكُ حُسّادِهِ بِالطّاعَةِ، ونَيْلُ الأمانِي مِنَ المُلْكِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَمْرِو بْنِ ذَرٍّ: (آتَيْتَنِ، وعَلَّمْتَنِ) بِحَذْفِ الياءِ مِنهُما اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ عَنْهُما، مَعَ كَوْنِهِما ثابِتَتَيْنِ خَطًّا. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ ذَرانَةَ قَرَأ: (رَبِّ آتَيْتَنِي) بِغَيْرٍ ”قَدْ“ وانْتَصَبَ (فاطِرَ) عَلى الصِّفَةِ أوْ عَلى النِّداءِ. و﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ تَتَوَلّانِي بِالنِّعْمَةِ في الدّارَيْنِ، وتُوصِلُ المُلْكَ الفانِي بِالمُلْكِ الباقِي. وذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمّا عَدَّ نِعَمَ اللَّهِ عِنْدَهُ تَشَوَّقَ إلى لِقاءِ رَبِّهِ ولِحاقِهِ بِصالِحِي سَلَفِهِ، ورَأى أنَّ الدُّنْيا كُلَّها فانِيَةٌ فَتَمَنّى المَوْتَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ حَيٌّ غَيْرُ يُوسُفَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَمَنِّي المَوْتِ، وإنَّما عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعا أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ النِّعَمَ في باقِي أمْرِهِ أيْ: تَوَفَّنِي إذا حانَ أجْلِي عَلى الإسْلامِ، واجْعَلْ لِحاقِي بِالصّالِحِينَ، وإنَّما تَمَنّى الوَفاةَ عَلى الإسْلامِ لا المَوْتَ، و(الصّالِحِينَ) أهْلُ الجَنَّةِ أوِ الأنْبِياءُ، أوْ آباؤُهُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ. وعُلَماءُ التّارِيخِ يَزْعُمُونَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ مِائَةَ عامٍ وسَبْعَةَ أعْوامٍ، ولَهُ مِنَ الوَلَدِ: إفْراثِيمُ، ومَنشا، ورَحْمَةُ - زَوْجَةُ أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قالَ الذَّهَبِيُّ: ووُلِدَ لِإفْراثِيمَ نُونٌ، ولِنُونٍ يُوشَعُ - وهو فَتى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - - . ووُلِدَ لِمَنشا مُوسى، وهو قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ويَزْعُمُ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّهُ صاحِبُ الخَضِرِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ. وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ صاحِبَ الخَضِرِ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ. وتَوارَثَتِ الفَراعِنَةُ مُلْكَ مِصْرَ، ولَمْ تَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ عَلى بَقايا دِينِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ بُعِثَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

يوسف 12:102

(p-٣٥٠)﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَألَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ فَنَزَلَتْ مَشْرُوحَةً شَرْحًا وافِيًا، وأمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا تَأْمِيلَهُ، فَعَزّاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الآياتِ. وقِيلَ: في المُنافِقِينَ، وقِيلَ: الثَّنَوِيَّةِ. وقِيلَ: في النَّصارى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في تَلْبِيَةِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والشِّرْكِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما قَصَّهُ اللَّهُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ بَنِي يَعْقُوبَ حِينَ أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَجْعَلُوهُ في الجُبِّ، ولا حِينَ ألْقَوْهُ فِيهِ، ولا حِينَ التَقَطَتْهُ السَّيّارَةُ، ولا حِينَ بِيعَ. وهم يَمْكُرُونَ: أيْ يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِيُوسُفَ، ويَتَشاوَرُونَ فِيما يَفْعَلُونَ بِهِ، أوْ يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ أتَوْا بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وفي هَذا تَصْرِيحٌ لِقُرَيْشٍ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا النَّوْعُ مِن عِلْمِ البَيانِ يُسَمّى بِالِاحْتِجاجِ النَّظَرِيِّ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ، وهو أنْ يُلْزِمَ الخَصْمَ ما هو لازِمٌ لِهَذا الِاحْتِجاجِ - وتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ وفي هُودٍ - وهَذا تَهَكُّمٌ بِقُرَيْشٍ وبِمَن كَذَّبَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن حَمَلَةِ هَذا الحَدِيثِ وأشْباهِهِ، ولا لَقِيَ فِيها أحَدًا ولا سَمِعَ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِ قَوْمِهِ، فَإذا أخْبَرَ بِهِ وقَصَّهُ هَذا القَصَصَ الَّذِي أعْجَزَ حَمَلَتَهُ ورُواتَهُ لَمْ تَقَعْ شُبْهَةٌ في أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ، وإنَّما هو مِن جِهَةِ القُرُونِ الخالِيَةِ، ونَحْوُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] فَقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ﴾ هُنا تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما كانَ مَعَهم. (وأجْمَعُوا أمْرَهم) أيْ: عَزَمُوا عَلى إلْقاءِ يُوسُفَ في الجُبِّ (p-٣٥١)﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. والمَكْرُ: أنْ يُدَبِّرَ عَلى الإنْسانِ تَدْبِيرًا يَضُرُّهُ ويُؤْذِيهِ، و(النّاسِ) الظّاهِرُ العُمُومُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ ولَوْ بالَغْتَ في طَلَبِ إيمانِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أيْ: ولَوْ حَرَصْتَ لَمْ يُؤْمِنُوا، إنَّما يُؤْمِنُ مَن يَشاءُ اللَّهُ إيمانَهُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى دِينِ اللَّهِ أيْ: ما تَبْتَغِي عَلَيْهِ أجْرًا عَلى دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى التَّبْلِيغِ، وقِيلَ: عَلى الأنْباءِ بِمَعْنى القَوْلِ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ، وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ وما تَسْألُهم عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ وتُذَكِّرُهم أنْ يُنِيلُوكَ مَنفَعَةً وجَدْوى - كَما يُعْطِي جُمْلَةَ الأحادِيثِ والأخْبارِ - إنْ هو إلّا مَوْعِظَةٌ وذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعالَمِينَ عامَّةً، وحَثٌّ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ بِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (وما نَسْألُهم) بِالنُّونِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَمُرُّونَ عَلى الآياتِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِلْإيمانِ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ، وأنَّ تِلْكَ الآياتِ هي في العالَمِ العُلْوِيِّ وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ، وتَقَدَّمَ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ (وكائِنٌ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ فَهو كائِنٌ، ومَعْناها مَعْنى كَمْ في التَّكْثِيرِ، انْتَهى. وهَذا شَيْءٌ يُرْوى عَنْ يُونُسَ، وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ في النَّحْوِ، والمَشْهُورُ عِنْدَهم أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ ومِن أيْ، وتَلاعَبَتِ العَرَبُ بِهِ فَجاءَتْ بِهِ لُغاتٌ، وذَكَرَ صاحِبُ اللَوامِحِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ (وكَيِ) بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ”هم“ ولا ألِفٍ ولا تَشْدِيدٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، فَهي لُغَةٌ، انْتَهى. ﴿مِن آيَةٍ﴾ عَلامَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، وصِدْقِ ما جِيءَ بِهِ عَنْهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (والأرْضُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ. ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ فَيُشاهِدُونَ ما فِيها مِنَ الآياتِ. وقَرَأ السُّدِّيُّ: (والأرْضَ) بِالنَّصْبِ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ أيْ: ويَطْوُونَ الأرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْها عَلى آياتِها، وما أوْدَعَ فِيها مِنَ الدَّلالاتِ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها، وعَنْها) في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَعُودُ عَلى الأرْضِ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهي بِجَرِّ الأرْضِ، يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى (آيَةٍ) أيْ: يَمُرُّونَ عَلى تِلْكَ الآياتِ ويُشاهِدُونَ تِلْكَ الدَّلالاتِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَعْتَبِرُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (والأرْضُ) بِرَفْعِ الضّادِ، ومَكانُ يَمُرُّونَ يَمْشُونَ، والمُرادُ: ما يَرَوْنَ مِن آثارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ. ﴿وهم مُشْرِكُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: إيمانُهم مُلْتَبِسٌ بِالشِّرْكِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الكِتابِ، أشْرَكُوا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أوْ مِن حَيْثُ ما قالُوا في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هم كُفّارُ العَرَبِ أقَرُّوا بِالخالِقِ الرّازِقِ المُحْيِـي المُمِيتِ، وكَفَرُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ مَكَّةَ قالُوا: اللَّهُ رَبُّنا لا شَرِيكَ لَهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، فَأشْرَكُوا ولَمْ يُوَحِّدُوا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ أيْضًا ذَلِكَ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وفي الحَدِيثِ كانَ ﷺ «إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ لَهُ: ”قَطُّ قَطُّ“» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، وقِيلَ: هُمُ الثَّنَوِيَّةُ قالُوا بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ. وقالَ عَطاءٌ: هَذا في الدُّعاءِ يَنْسى الكُفّارُ رَبَّهم في الرَّخاءِ، فَإذا أصابَهُمُ البَلاءُ أخْلَصُوا في الدُّعاءِ. وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ، جَهَرُوا بِالإيمانِ وأخْفَوُا الكُفْرَ. وقِيلَ: عَلى بَعْضِ اليَهُودِ عَبَدُوا عُزَيْرًا، والنَّصارى عَبَدُوا الكَواكِبَ. وقِيلَ: قُرَيْشٌ لَمّا غَشِيَهَمُ الدُّخانُ في سِنِي القَحْطِ قالُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ عادُوا إلى الشِّرْكِ بَعْدَ كَشْفِهِ. وقِيلَ: جَمِيعُ الخَلْقِ مُؤْمِنِهِمْ بِالرَّسُولِ وكافِرِهِمْ، فالكُفّارُ تَقَدَّمَ شِرْكُهم، والمُؤْمِنُونَ فِيهِمُ الشِّرْكُ الخَفِيُّ، وأقْرَبَهم إلى الكُفْرِ المُشَبِّهَةُ. ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنُوا مُجْمَلًا، وكَفَرُوا مُفَصَّلًا. وثانِيها: مَن يُطِيعُ الخَلْقَ بِمَعْصِيَةِ الخالِقِ. وثالِثُها: مَن يَقُولُ: نَفَعَنِي فُلانٌ وضَرَّنِي فُلانٌ. (أفَأمِنُوا) ؟ ! اسْتِفْهامُ إنْكارٍ فِيهِ تَوْبِيخٌ وتَهْدِيدٌ، غاشِيَةٌ: نِقْمَةٌ تَغْشاهم؛ أيْ: تُغَطِّيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي الصَّواعِقَ والقَوارِعَ، انْتَهى. وإتْيانُ الغاشِيَةِ يَعْنِي (p-٣٥٢)فِي الدُّنْيا، وذَلِكَ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ (بَغْتَةً) أيْ: فَجْأةً في الزَّمانِ مِن حَيْثُ لا يُتَوَقَّعُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: (بَغْتَةً) . قالَ الكِرِمْانِيُّ: لا يَشْعُرُونَ بِإتْيانِها؛ أيْ: وهم غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَأْخُذُهُمُ الصَّيْحَةُ عَلى أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ. وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (أوْ يَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ) .

يوسف 12:103

(p-٣٥٠)﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَألَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ فَنَزَلَتْ مَشْرُوحَةً شَرْحًا وافِيًا، وأمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا تَأْمِيلَهُ، فَعَزّاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الآياتِ. وقِيلَ: في المُنافِقِينَ، وقِيلَ: الثَّنَوِيَّةِ. وقِيلَ: في النَّصارى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في تَلْبِيَةِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والشِّرْكِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما قَصَّهُ اللَّهُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ بَنِي يَعْقُوبَ حِينَ أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَجْعَلُوهُ في الجُبِّ، ولا حِينَ ألْقَوْهُ فِيهِ، ولا حِينَ التَقَطَتْهُ السَّيّارَةُ، ولا حِينَ بِيعَ. وهم يَمْكُرُونَ: أيْ يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِيُوسُفَ، ويَتَشاوَرُونَ فِيما يَفْعَلُونَ بِهِ، أوْ يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ أتَوْا بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وفي هَذا تَصْرِيحٌ لِقُرَيْشٍ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا النَّوْعُ مِن عِلْمِ البَيانِ يُسَمّى بِالِاحْتِجاجِ النَّظَرِيِّ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ، وهو أنْ يُلْزِمَ الخَصْمَ ما هو لازِمٌ لِهَذا الِاحْتِجاجِ - وتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ وفي هُودٍ - وهَذا تَهَكُّمٌ بِقُرَيْشٍ وبِمَن كَذَّبَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن حَمَلَةِ هَذا الحَدِيثِ وأشْباهِهِ، ولا لَقِيَ فِيها أحَدًا ولا سَمِعَ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِ قَوْمِهِ، فَإذا أخْبَرَ بِهِ وقَصَّهُ هَذا القَصَصَ الَّذِي أعْجَزَ حَمَلَتَهُ ورُواتَهُ لَمْ تَقَعْ شُبْهَةٌ في أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ، وإنَّما هو مِن جِهَةِ القُرُونِ الخالِيَةِ، ونَحْوُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] فَقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ﴾ هُنا تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما كانَ مَعَهم. (وأجْمَعُوا أمْرَهم) أيْ: عَزَمُوا عَلى إلْقاءِ يُوسُفَ في الجُبِّ (p-٣٥١)﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. والمَكْرُ: أنْ يُدَبِّرَ عَلى الإنْسانِ تَدْبِيرًا يَضُرُّهُ ويُؤْذِيهِ، و(النّاسِ) الظّاهِرُ العُمُومُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ ولَوْ بالَغْتَ في طَلَبِ إيمانِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أيْ: ولَوْ حَرَصْتَ لَمْ يُؤْمِنُوا، إنَّما يُؤْمِنُ مَن يَشاءُ اللَّهُ إيمانَهُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى دِينِ اللَّهِ أيْ: ما تَبْتَغِي عَلَيْهِ أجْرًا عَلى دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى التَّبْلِيغِ، وقِيلَ: عَلى الأنْباءِ بِمَعْنى القَوْلِ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ، وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ وما تَسْألُهم عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ وتُذَكِّرُهم أنْ يُنِيلُوكَ مَنفَعَةً وجَدْوى - كَما يُعْطِي جُمْلَةَ الأحادِيثِ والأخْبارِ - إنْ هو إلّا مَوْعِظَةٌ وذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعالَمِينَ عامَّةً، وحَثٌّ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ بِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (وما نَسْألُهم) بِالنُّونِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَمُرُّونَ عَلى الآياتِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِلْإيمانِ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ، وأنَّ تِلْكَ الآياتِ هي في العالَمِ العُلْوِيِّ وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ، وتَقَدَّمَ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ (وكائِنٌ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ فَهو كائِنٌ، ومَعْناها مَعْنى كَمْ في التَّكْثِيرِ، انْتَهى. وهَذا شَيْءٌ يُرْوى عَنْ يُونُسَ، وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ في النَّحْوِ، والمَشْهُورُ عِنْدَهم أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ ومِن أيْ، وتَلاعَبَتِ العَرَبُ بِهِ فَجاءَتْ بِهِ لُغاتٌ، وذَكَرَ صاحِبُ اللَوامِحِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ (وكَيِ) بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ”هم“ ولا ألِفٍ ولا تَشْدِيدٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، فَهي لُغَةٌ، انْتَهى. ﴿مِن آيَةٍ﴾ عَلامَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، وصِدْقِ ما جِيءَ بِهِ عَنْهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (والأرْضُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ. ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ فَيُشاهِدُونَ ما فِيها مِنَ الآياتِ. وقَرَأ السُّدِّيُّ: (والأرْضَ) بِالنَّصْبِ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ أيْ: ويَطْوُونَ الأرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْها عَلى آياتِها، وما أوْدَعَ فِيها مِنَ الدَّلالاتِ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها، وعَنْها) في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَعُودُ عَلى الأرْضِ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهي بِجَرِّ الأرْضِ، يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى (آيَةٍ) أيْ: يَمُرُّونَ عَلى تِلْكَ الآياتِ ويُشاهِدُونَ تِلْكَ الدَّلالاتِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَعْتَبِرُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (والأرْضُ) بِرَفْعِ الضّادِ، ومَكانُ يَمُرُّونَ يَمْشُونَ، والمُرادُ: ما يَرَوْنَ مِن آثارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ. ﴿وهم مُشْرِكُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: إيمانُهم مُلْتَبِسٌ بِالشِّرْكِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الكِتابِ، أشْرَكُوا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أوْ مِن حَيْثُ ما قالُوا في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هم كُفّارُ العَرَبِ أقَرُّوا بِالخالِقِ الرّازِقِ المُحْيِـي المُمِيتِ، وكَفَرُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ مَكَّةَ قالُوا: اللَّهُ رَبُّنا لا شَرِيكَ لَهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، فَأشْرَكُوا ولَمْ يُوَحِّدُوا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ أيْضًا ذَلِكَ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وفي الحَدِيثِ كانَ ﷺ «إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ لَهُ: ”قَطُّ قَطُّ“» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، وقِيلَ: هُمُ الثَّنَوِيَّةُ قالُوا بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ. وقالَ عَطاءٌ: هَذا في الدُّعاءِ يَنْسى الكُفّارُ رَبَّهم في الرَّخاءِ، فَإذا أصابَهُمُ البَلاءُ أخْلَصُوا في الدُّعاءِ. وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ، جَهَرُوا بِالإيمانِ وأخْفَوُا الكُفْرَ. وقِيلَ: عَلى بَعْضِ اليَهُودِ عَبَدُوا عُزَيْرًا، والنَّصارى عَبَدُوا الكَواكِبَ. وقِيلَ: قُرَيْشٌ لَمّا غَشِيَهَمُ الدُّخانُ في سِنِي القَحْطِ قالُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ عادُوا إلى الشِّرْكِ بَعْدَ كَشْفِهِ. وقِيلَ: جَمِيعُ الخَلْقِ مُؤْمِنِهِمْ بِالرَّسُولِ وكافِرِهِمْ، فالكُفّارُ تَقَدَّمَ شِرْكُهم، والمُؤْمِنُونَ فِيهِمُ الشِّرْكُ الخَفِيُّ، وأقْرَبَهم إلى الكُفْرِ المُشَبِّهَةُ. ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنُوا مُجْمَلًا، وكَفَرُوا مُفَصَّلًا. وثانِيها: مَن يُطِيعُ الخَلْقَ بِمَعْصِيَةِ الخالِقِ. وثالِثُها: مَن يَقُولُ: نَفَعَنِي فُلانٌ وضَرَّنِي فُلانٌ. (أفَأمِنُوا) ؟ ! اسْتِفْهامُ إنْكارٍ فِيهِ تَوْبِيخٌ وتَهْدِيدٌ، غاشِيَةٌ: نِقْمَةٌ تَغْشاهم؛ أيْ: تُغَطِّيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي الصَّواعِقَ والقَوارِعَ، انْتَهى. وإتْيانُ الغاشِيَةِ يَعْنِي (p-٣٥٢)فِي الدُّنْيا، وذَلِكَ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ (بَغْتَةً) أيْ: فَجْأةً في الزَّمانِ مِن حَيْثُ لا يُتَوَقَّعُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: (بَغْتَةً) . قالَ الكِرِمْانِيُّ: لا يَشْعُرُونَ بِإتْيانِها؛ أيْ: وهم غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَأْخُذُهُمُ الصَّيْحَةُ عَلى أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ. وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (أوْ يَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ) .

يوسف 12:104

(p-٣٥٠)﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَألَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ فَنَزَلَتْ مَشْرُوحَةً شَرْحًا وافِيًا، وأمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا تَأْمِيلَهُ، فَعَزّاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الآياتِ. وقِيلَ: في المُنافِقِينَ، وقِيلَ: الثَّنَوِيَّةِ. وقِيلَ: في النَّصارى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في تَلْبِيَةِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والشِّرْكِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما قَصَّهُ اللَّهُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ بَنِي يَعْقُوبَ حِينَ أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَجْعَلُوهُ في الجُبِّ، ولا حِينَ ألْقَوْهُ فِيهِ، ولا حِينَ التَقَطَتْهُ السَّيّارَةُ، ولا حِينَ بِيعَ. وهم يَمْكُرُونَ: أيْ يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِيُوسُفَ، ويَتَشاوَرُونَ فِيما يَفْعَلُونَ بِهِ، أوْ يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ أتَوْا بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وفي هَذا تَصْرِيحٌ لِقُرَيْشٍ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا النَّوْعُ مِن عِلْمِ البَيانِ يُسَمّى بِالِاحْتِجاجِ النَّظَرِيِّ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ، وهو أنْ يُلْزِمَ الخَصْمَ ما هو لازِمٌ لِهَذا الِاحْتِجاجِ - وتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ وفي هُودٍ - وهَذا تَهَكُّمٌ بِقُرَيْشٍ وبِمَن كَذَّبَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن حَمَلَةِ هَذا الحَدِيثِ وأشْباهِهِ، ولا لَقِيَ فِيها أحَدًا ولا سَمِعَ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِ قَوْمِهِ، فَإذا أخْبَرَ بِهِ وقَصَّهُ هَذا القَصَصَ الَّذِي أعْجَزَ حَمَلَتَهُ ورُواتَهُ لَمْ تَقَعْ شُبْهَةٌ في أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ، وإنَّما هو مِن جِهَةِ القُرُونِ الخالِيَةِ، ونَحْوُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] فَقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ﴾ هُنا تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما كانَ مَعَهم. (وأجْمَعُوا أمْرَهم) أيْ: عَزَمُوا عَلى إلْقاءِ يُوسُفَ في الجُبِّ (p-٣٥١)﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. والمَكْرُ: أنْ يُدَبِّرَ عَلى الإنْسانِ تَدْبِيرًا يَضُرُّهُ ويُؤْذِيهِ، و(النّاسِ) الظّاهِرُ العُمُومُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ ولَوْ بالَغْتَ في طَلَبِ إيمانِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أيْ: ولَوْ حَرَصْتَ لَمْ يُؤْمِنُوا، إنَّما يُؤْمِنُ مَن يَشاءُ اللَّهُ إيمانَهُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى دِينِ اللَّهِ أيْ: ما تَبْتَغِي عَلَيْهِ أجْرًا عَلى دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى التَّبْلِيغِ، وقِيلَ: عَلى الأنْباءِ بِمَعْنى القَوْلِ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ، وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ وما تَسْألُهم عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ وتُذَكِّرُهم أنْ يُنِيلُوكَ مَنفَعَةً وجَدْوى - كَما يُعْطِي جُمْلَةَ الأحادِيثِ والأخْبارِ - إنْ هو إلّا مَوْعِظَةٌ وذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعالَمِينَ عامَّةً، وحَثٌّ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ بِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (وما نَسْألُهم) بِالنُّونِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَمُرُّونَ عَلى الآياتِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِلْإيمانِ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ، وأنَّ تِلْكَ الآياتِ هي في العالَمِ العُلْوِيِّ وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ، وتَقَدَّمَ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ (وكائِنٌ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ فَهو كائِنٌ، ومَعْناها مَعْنى كَمْ في التَّكْثِيرِ، انْتَهى. وهَذا شَيْءٌ يُرْوى عَنْ يُونُسَ، وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ في النَّحْوِ، والمَشْهُورُ عِنْدَهم أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ ومِن أيْ، وتَلاعَبَتِ العَرَبُ بِهِ فَجاءَتْ بِهِ لُغاتٌ، وذَكَرَ صاحِبُ اللَوامِحِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ (وكَيِ) بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ”هم“ ولا ألِفٍ ولا تَشْدِيدٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، فَهي لُغَةٌ، انْتَهى. ﴿مِن آيَةٍ﴾ عَلامَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، وصِدْقِ ما جِيءَ بِهِ عَنْهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (والأرْضُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ. ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ فَيُشاهِدُونَ ما فِيها مِنَ الآياتِ. وقَرَأ السُّدِّيُّ: (والأرْضَ) بِالنَّصْبِ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ أيْ: ويَطْوُونَ الأرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْها عَلى آياتِها، وما أوْدَعَ فِيها مِنَ الدَّلالاتِ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها، وعَنْها) في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَعُودُ عَلى الأرْضِ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهي بِجَرِّ الأرْضِ، يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى (آيَةٍ) أيْ: يَمُرُّونَ عَلى تِلْكَ الآياتِ ويُشاهِدُونَ تِلْكَ الدَّلالاتِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَعْتَبِرُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (والأرْضُ) بِرَفْعِ الضّادِ، ومَكانُ يَمُرُّونَ يَمْشُونَ، والمُرادُ: ما يَرَوْنَ مِن آثارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ. ﴿وهم مُشْرِكُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: إيمانُهم مُلْتَبِسٌ بِالشِّرْكِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الكِتابِ، أشْرَكُوا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أوْ مِن حَيْثُ ما قالُوا في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هم كُفّارُ العَرَبِ أقَرُّوا بِالخالِقِ الرّازِقِ المُحْيِـي المُمِيتِ، وكَفَرُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ مَكَّةَ قالُوا: اللَّهُ رَبُّنا لا شَرِيكَ لَهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، فَأشْرَكُوا ولَمْ يُوَحِّدُوا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ أيْضًا ذَلِكَ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وفي الحَدِيثِ كانَ ﷺ «إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ لَهُ: ”قَطُّ قَطُّ“» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، وقِيلَ: هُمُ الثَّنَوِيَّةُ قالُوا بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ. وقالَ عَطاءٌ: هَذا في الدُّعاءِ يَنْسى الكُفّارُ رَبَّهم في الرَّخاءِ، فَإذا أصابَهُمُ البَلاءُ أخْلَصُوا في الدُّعاءِ. وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ، جَهَرُوا بِالإيمانِ وأخْفَوُا الكُفْرَ. وقِيلَ: عَلى بَعْضِ اليَهُودِ عَبَدُوا عُزَيْرًا، والنَّصارى عَبَدُوا الكَواكِبَ. وقِيلَ: قُرَيْشٌ لَمّا غَشِيَهَمُ الدُّخانُ في سِنِي القَحْطِ قالُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ عادُوا إلى الشِّرْكِ بَعْدَ كَشْفِهِ. وقِيلَ: جَمِيعُ الخَلْقِ مُؤْمِنِهِمْ بِالرَّسُولِ وكافِرِهِمْ، فالكُفّارُ تَقَدَّمَ شِرْكُهم، والمُؤْمِنُونَ فِيهِمُ الشِّرْكُ الخَفِيُّ، وأقْرَبَهم إلى الكُفْرِ المُشَبِّهَةُ. ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنُوا مُجْمَلًا، وكَفَرُوا مُفَصَّلًا. وثانِيها: مَن يُطِيعُ الخَلْقَ بِمَعْصِيَةِ الخالِقِ. وثالِثُها: مَن يَقُولُ: نَفَعَنِي فُلانٌ وضَرَّنِي فُلانٌ. (أفَأمِنُوا) ؟ ! اسْتِفْهامُ إنْكارٍ فِيهِ تَوْبِيخٌ وتَهْدِيدٌ، غاشِيَةٌ: نِقْمَةٌ تَغْشاهم؛ أيْ: تُغَطِّيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي الصَّواعِقَ والقَوارِعَ، انْتَهى. وإتْيانُ الغاشِيَةِ يَعْنِي (p-٣٥٢)فِي الدُّنْيا، وذَلِكَ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ (بَغْتَةً) أيْ: فَجْأةً في الزَّمانِ مِن حَيْثُ لا يُتَوَقَّعُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: (بَغْتَةً) . قالَ الكِرِمْانِيُّ: لا يَشْعُرُونَ بِإتْيانِها؛ أيْ: وهم غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَأْخُذُهُمُ الصَّيْحَةُ عَلى أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ. وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (أوْ يَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ) .

يوسف 12:105

(p-٣٥٠)﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَألَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ فَنَزَلَتْ مَشْرُوحَةً شَرْحًا وافِيًا، وأمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا تَأْمِيلَهُ، فَعَزّاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الآياتِ. وقِيلَ: في المُنافِقِينَ، وقِيلَ: الثَّنَوِيَّةِ. وقِيلَ: في النَّصارى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في تَلْبِيَةِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والشِّرْكِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما قَصَّهُ اللَّهُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ بَنِي يَعْقُوبَ حِينَ أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَجْعَلُوهُ في الجُبِّ، ولا حِينَ ألْقَوْهُ فِيهِ، ولا حِينَ التَقَطَتْهُ السَّيّارَةُ، ولا حِينَ بِيعَ. وهم يَمْكُرُونَ: أيْ يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِيُوسُفَ، ويَتَشاوَرُونَ فِيما يَفْعَلُونَ بِهِ، أوْ يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ أتَوْا بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وفي هَذا تَصْرِيحٌ لِقُرَيْشٍ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا النَّوْعُ مِن عِلْمِ البَيانِ يُسَمّى بِالِاحْتِجاجِ النَّظَرِيِّ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ، وهو أنْ يُلْزِمَ الخَصْمَ ما هو لازِمٌ لِهَذا الِاحْتِجاجِ - وتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ وفي هُودٍ - وهَذا تَهَكُّمٌ بِقُرَيْشٍ وبِمَن كَذَّبَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن حَمَلَةِ هَذا الحَدِيثِ وأشْباهِهِ، ولا لَقِيَ فِيها أحَدًا ولا سَمِعَ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِ قَوْمِهِ، فَإذا أخْبَرَ بِهِ وقَصَّهُ هَذا القَصَصَ الَّذِي أعْجَزَ حَمَلَتَهُ ورُواتَهُ لَمْ تَقَعْ شُبْهَةٌ في أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ، وإنَّما هو مِن جِهَةِ القُرُونِ الخالِيَةِ، ونَحْوُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] فَقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ﴾ هُنا تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما كانَ مَعَهم. (وأجْمَعُوا أمْرَهم) أيْ: عَزَمُوا عَلى إلْقاءِ يُوسُفَ في الجُبِّ (p-٣٥١)﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. والمَكْرُ: أنْ يُدَبِّرَ عَلى الإنْسانِ تَدْبِيرًا يَضُرُّهُ ويُؤْذِيهِ، و(النّاسِ) الظّاهِرُ العُمُومُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ ولَوْ بالَغْتَ في طَلَبِ إيمانِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أيْ: ولَوْ حَرَصْتَ لَمْ يُؤْمِنُوا، إنَّما يُؤْمِنُ مَن يَشاءُ اللَّهُ إيمانَهُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى دِينِ اللَّهِ أيْ: ما تَبْتَغِي عَلَيْهِ أجْرًا عَلى دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى التَّبْلِيغِ، وقِيلَ: عَلى الأنْباءِ بِمَعْنى القَوْلِ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ، وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ وما تَسْألُهم عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ وتُذَكِّرُهم أنْ يُنِيلُوكَ مَنفَعَةً وجَدْوى - كَما يُعْطِي جُمْلَةَ الأحادِيثِ والأخْبارِ - إنْ هو إلّا مَوْعِظَةٌ وذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعالَمِينَ عامَّةً، وحَثٌّ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ بِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (وما نَسْألُهم) بِالنُّونِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَمُرُّونَ عَلى الآياتِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِلْإيمانِ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ، وأنَّ تِلْكَ الآياتِ هي في العالَمِ العُلْوِيِّ وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ، وتَقَدَّمَ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ (وكائِنٌ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ فَهو كائِنٌ، ومَعْناها مَعْنى كَمْ في التَّكْثِيرِ، انْتَهى. وهَذا شَيْءٌ يُرْوى عَنْ يُونُسَ، وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ في النَّحْوِ، والمَشْهُورُ عِنْدَهم أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ ومِن أيْ، وتَلاعَبَتِ العَرَبُ بِهِ فَجاءَتْ بِهِ لُغاتٌ، وذَكَرَ صاحِبُ اللَوامِحِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ (وكَيِ) بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ”هم“ ولا ألِفٍ ولا تَشْدِيدٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، فَهي لُغَةٌ، انْتَهى. ﴿مِن آيَةٍ﴾ عَلامَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، وصِدْقِ ما جِيءَ بِهِ عَنْهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (والأرْضُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ. ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ فَيُشاهِدُونَ ما فِيها مِنَ الآياتِ. وقَرَأ السُّدِّيُّ: (والأرْضَ) بِالنَّصْبِ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ أيْ: ويَطْوُونَ الأرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْها عَلى آياتِها، وما أوْدَعَ فِيها مِنَ الدَّلالاتِ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها، وعَنْها) في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَعُودُ عَلى الأرْضِ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهي بِجَرِّ الأرْضِ، يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى (آيَةٍ) أيْ: يَمُرُّونَ عَلى تِلْكَ الآياتِ ويُشاهِدُونَ تِلْكَ الدَّلالاتِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَعْتَبِرُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (والأرْضُ) بِرَفْعِ الضّادِ، ومَكانُ يَمُرُّونَ يَمْشُونَ، والمُرادُ: ما يَرَوْنَ مِن آثارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ. ﴿وهم مُشْرِكُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: إيمانُهم مُلْتَبِسٌ بِالشِّرْكِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الكِتابِ، أشْرَكُوا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أوْ مِن حَيْثُ ما قالُوا في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هم كُفّارُ العَرَبِ أقَرُّوا بِالخالِقِ الرّازِقِ المُحْيِـي المُمِيتِ، وكَفَرُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ مَكَّةَ قالُوا: اللَّهُ رَبُّنا لا شَرِيكَ لَهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، فَأشْرَكُوا ولَمْ يُوَحِّدُوا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ أيْضًا ذَلِكَ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وفي الحَدِيثِ كانَ ﷺ «إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ لَهُ: ”قَطُّ قَطُّ“» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، وقِيلَ: هُمُ الثَّنَوِيَّةُ قالُوا بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ. وقالَ عَطاءٌ: هَذا في الدُّعاءِ يَنْسى الكُفّارُ رَبَّهم في الرَّخاءِ، فَإذا أصابَهُمُ البَلاءُ أخْلَصُوا في الدُّعاءِ. وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ، جَهَرُوا بِالإيمانِ وأخْفَوُا الكُفْرَ. وقِيلَ: عَلى بَعْضِ اليَهُودِ عَبَدُوا عُزَيْرًا، والنَّصارى عَبَدُوا الكَواكِبَ. وقِيلَ: قُرَيْشٌ لَمّا غَشِيَهَمُ الدُّخانُ في سِنِي القَحْطِ قالُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ عادُوا إلى الشِّرْكِ بَعْدَ كَشْفِهِ. وقِيلَ: جَمِيعُ الخَلْقِ مُؤْمِنِهِمْ بِالرَّسُولِ وكافِرِهِمْ، فالكُفّارُ تَقَدَّمَ شِرْكُهم، والمُؤْمِنُونَ فِيهِمُ الشِّرْكُ الخَفِيُّ، وأقْرَبَهم إلى الكُفْرِ المُشَبِّهَةُ. ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنُوا مُجْمَلًا، وكَفَرُوا مُفَصَّلًا. وثانِيها: مَن يُطِيعُ الخَلْقَ بِمَعْصِيَةِ الخالِقِ. وثالِثُها: مَن يَقُولُ: نَفَعَنِي فُلانٌ وضَرَّنِي فُلانٌ. (أفَأمِنُوا) ؟ ! اسْتِفْهامُ إنْكارٍ فِيهِ تَوْبِيخٌ وتَهْدِيدٌ، غاشِيَةٌ: نِقْمَةٌ تَغْشاهم؛ أيْ: تُغَطِّيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي الصَّواعِقَ والقَوارِعَ، انْتَهى. وإتْيانُ الغاشِيَةِ يَعْنِي (p-٣٥٢)فِي الدُّنْيا، وذَلِكَ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ (بَغْتَةً) أيْ: فَجْأةً في الزَّمانِ مِن حَيْثُ لا يُتَوَقَّعُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: (بَغْتَةً) . قالَ الكِرِمْانِيُّ: لا يَشْعُرُونَ بِإتْيانِها؛ أيْ: وهم غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَأْخُذُهُمُ الصَّيْحَةُ عَلى أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ. وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (أوْ يَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ) .

يوسف 12:106

(p-٣٥٠)﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَألَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ فَنَزَلَتْ مَشْرُوحَةً شَرْحًا وافِيًا، وأمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا تَأْمِيلَهُ، فَعَزّاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الآياتِ. وقِيلَ: في المُنافِقِينَ، وقِيلَ: الثَّنَوِيَّةِ. وقِيلَ: في النَّصارى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في تَلْبِيَةِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والشِّرْكِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما قَصَّهُ اللَّهُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ بَنِي يَعْقُوبَ حِينَ أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَجْعَلُوهُ في الجُبِّ، ولا حِينَ ألْقَوْهُ فِيهِ، ولا حِينَ التَقَطَتْهُ السَّيّارَةُ، ولا حِينَ بِيعَ. وهم يَمْكُرُونَ: أيْ يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِيُوسُفَ، ويَتَشاوَرُونَ فِيما يَفْعَلُونَ بِهِ، أوْ يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ أتَوْا بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وفي هَذا تَصْرِيحٌ لِقُرَيْشٍ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا النَّوْعُ مِن عِلْمِ البَيانِ يُسَمّى بِالِاحْتِجاجِ النَّظَرِيِّ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ، وهو أنْ يُلْزِمَ الخَصْمَ ما هو لازِمٌ لِهَذا الِاحْتِجاجِ - وتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ وفي هُودٍ - وهَذا تَهَكُّمٌ بِقُرَيْشٍ وبِمَن كَذَّبَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن حَمَلَةِ هَذا الحَدِيثِ وأشْباهِهِ، ولا لَقِيَ فِيها أحَدًا ولا سَمِعَ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِ قَوْمِهِ، فَإذا أخْبَرَ بِهِ وقَصَّهُ هَذا القَصَصَ الَّذِي أعْجَزَ حَمَلَتَهُ ورُواتَهُ لَمْ تَقَعْ شُبْهَةٌ في أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ، وإنَّما هو مِن جِهَةِ القُرُونِ الخالِيَةِ، ونَحْوُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] فَقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ﴾ هُنا تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما كانَ مَعَهم. (وأجْمَعُوا أمْرَهم) أيْ: عَزَمُوا عَلى إلْقاءِ يُوسُفَ في الجُبِّ (p-٣٥١)﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. والمَكْرُ: أنْ يُدَبِّرَ عَلى الإنْسانِ تَدْبِيرًا يَضُرُّهُ ويُؤْذِيهِ، و(النّاسِ) الظّاهِرُ العُمُومُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ ولَوْ بالَغْتَ في طَلَبِ إيمانِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أيْ: ولَوْ حَرَصْتَ لَمْ يُؤْمِنُوا، إنَّما يُؤْمِنُ مَن يَشاءُ اللَّهُ إيمانَهُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى دِينِ اللَّهِ أيْ: ما تَبْتَغِي عَلَيْهِ أجْرًا عَلى دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى التَّبْلِيغِ، وقِيلَ: عَلى الأنْباءِ بِمَعْنى القَوْلِ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ، وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ وما تَسْألُهم عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ وتُذَكِّرُهم أنْ يُنِيلُوكَ مَنفَعَةً وجَدْوى - كَما يُعْطِي جُمْلَةَ الأحادِيثِ والأخْبارِ - إنْ هو إلّا مَوْعِظَةٌ وذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعالَمِينَ عامَّةً، وحَثٌّ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ بِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (وما نَسْألُهم) بِالنُّونِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَمُرُّونَ عَلى الآياتِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِلْإيمانِ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ، وأنَّ تِلْكَ الآياتِ هي في العالَمِ العُلْوِيِّ وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ، وتَقَدَّمَ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ (وكائِنٌ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ فَهو كائِنٌ، ومَعْناها مَعْنى كَمْ في التَّكْثِيرِ، انْتَهى. وهَذا شَيْءٌ يُرْوى عَنْ يُونُسَ، وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ في النَّحْوِ، والمَشْهُورُ عِنْدَهم أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ ومِن أيْ، وتَلاعَبَتِ العَرَبُ بِهِ فَجاءَتْ بِهِ لُغاتٌ، وذَكَرَ صاحِبُ اللَوامِحِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ (وكَيِ) بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ”هم“ ولا ألِفٍ ولا تَشْدِيدٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، فَهي لُغَةٌ، انْتَهى. ﴿مِن آيَةٍ﴾ عَلامَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، وصِدْقِ ما جِيءَ بِهِ عَنْهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (والأرْضُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ. ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ فَيُشاهِدُونَ ما فِيها مِنَ الآياتِ. وقَرَأ السُّدِّيُّ: (والأرْضَ) بِالنَّصْبِ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ أيْ: ويَطْوُونَ الأرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْها عَلى آياتِها، وما أوْدَعَ فِيها مِنَ الدَّلالاتِ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها، وعَنْها) في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَعُودُ عَلى الأرْضِ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهي بِجَرِّ الأرْضِ، يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى (آيَةٍ) أيْ: يَمُرُّونَ عَلى تِلْكَ الآياتِ ويُشاهِدُونَ تِلْكَ الدَّلالاتِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَعْتَبِرُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (والأرْضُ) بِرَفْعِ الضّادِ، ومَكانُ يَمُرُّونَ يَمْشُونَ، والمُرادُ: ما يَرَوْنَ مِن آثارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ. ﴿وهم مُشْرِكُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: إيمانُهم مُلْتَبِسٌ بِالشِّرْكِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الكِتابِ، أشْرَكُوا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أوْ مِن حَيْثُ ما قالُوا في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هم كُفّارُ العَرَبِ أقَرُّوا بِالخالِقِ الرّازِقِ المُحْيِـي المُمِيتِ، وكَفَرُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ مَكَّةَ قالُوا: اللَّهُ رَبُّنا لا شَرِيكَ لَهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، فَأشْرَكُوا ولَمْ يُوَحِّدُوا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ أيْضًا ذَلِكَ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وفي الحَدِيثِ كانَ ﷺ «إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ لَهُ: ”قَطُّ قَطُّ“» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، وقِيلَ: هُمُ الثَّنَوِيَّةُ قالُوا بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ. وقالَ عَطاءٌ: هَذا في الدُّعاءِ يَنْسى الكُفّارُ رَبَّهم في الرَّخاءِ، فَإذا أصابَهُمُ البَلاءُ أخْلَصُوا في الدُّعاءِ. وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ، جَهَرُوا بِالإيمانِ وأخْفَوُا الكُفْرَ. وقِيلَ: عَلى بَعْضِ اليَهُودِ عَبَدُوا عُزَيْرًا، والنَّصارى عَبَدُوا الكَواكِبَ. وقِيلَ: قُرَيْشٌ لَمّا غَشِيَهَمُ الدُّخانُ في سِنِي القَحْطِ قالُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ عادُوا إلى الشِّرْكِ بَعْدَ كَشْفِهِ. وقِيلَ: جَمِيعُ الخَلْقِ مُؤْمِنِهِمْ بِالرَّسُولِ وكافِرِهِمْ، فالكُفّارُ تَقَدَّمَ شِرْكُهم، والمُؤْمِنُونَ فِيهِمُ الشِّرْكُ الخَفِيُّ، وأقْرَبَهم إلى الكُفْرِ المُشَبِّهَةُ. ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنُوا مُجْمَلًا، وكَفَرُوا مُفَصَّلًا. وثانِيها: مَن يُطِيعُ الخَلْقَ بِمَعْصِيَةِ الخالِقِ. وثالِثُها: مَن يَقُولُ: نَفَعَنِي فُلانٌ وضَرَّنِي فُلانٌ. (أفَأمِنُوا) ؟ ! اسْتِفْهامُ إنْكارٍ فِيهِ تَوْبِيخٌ وتَهْدِيدٌ، غاشِيَةٌ: نِقْمَةٌ تَغْشاهم؛ أيْ: تُغَطِّيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي الصَّواعِقَ والقَوارِعَ، انْتَهى. وإتْيانُ الغاشِيَةِ يَعْنِي (p-٣٥٢)فِي الدُّنْيا، وذَلِكَ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ (بَغْتَةً) أيْ: فَجْأةً في الزَّمانِ مِن حَيْثُ لا يُتَوَقَّعُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: (بَغْتَةً) . قالَ الكِرِمْانِيُّ: لا يَشْعُرُونَ بِإتْيانِها؛ أيْ: وهم غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَأْخُذُهُمُ الصَّيْحَةُ عَلى أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ. وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (أوْ يَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ) .

يوسف 12:107

(p-٣٥٠)﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَألَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ فَنَزَلَتْ مَشْرُوحَةً شَرْحًا وافِيًا، وأمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا تَأْمِيلَهُ، فَعَزّاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الآياتِ. وقِيلَ: في المُنافِقِينَ، وقِيلَ: الثَّنَوِيَّةِ. وقِيلَ: في النَّصارى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في تَلْبِيَةِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والشِّرْكِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما قَصَّهُ اللَّهُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ بَنِي يَعْقُوبَ حِينَ أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَجْعَلُوهُ في الجُبِّ، ولا حِينَ ألْقَوْهُ فِيهِ، ولا حِينَ التَقَطَتْهُ السَّيّارَةُ، ولا حِينَ بِيعَ. وهم يَمْكُرُونَ: أيْ يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِيُوسُفَ، ويَتَشاوَرُونَ فِيما يَفْعَلُونَ بِهِ، أوْ يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ أتَوْا بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وفي هَذا تَصْرِيحٌ لِقُرَيْشٍ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا النَّوْعُ مِن عِلْمِ البَيانِ يُسَمّى بِالِاحْتِجاجِ النَّظَرِيِّ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ، وهو أنْ يُلْزِمَ الخَصْمَ ما هو لازِمٌ لِهَذا الِاحْتِجاجِ - وتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ وفي هُودٍ - وهَذا تَهَكُّمٌ بِقُرَيْشٍ وبِمَن كَذَّبَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن حَمَلَةِ هَذا الحَدِيثِ وأشْباهِهِ، ولا لَقِيَ فِيها أحَدًا ولا سَمِعَ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِ قَوْمِهِ، فَإذا أخْبَرَ بِهِ وقَصَّهُ هَذا القَصَصَ الَّذِي أعْجَزَ حَمَلَتَهُ ورُواتَهُ لَمْ تَقَعْ شُبْهَةٌ في أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ، وإنَّما هو مِن جِهَةِ القُرُونِ الخالِيَةِ، ونَحْوُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] فَقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ﴾ هُنا تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما كانَ مَعَهم. (وأجْمَعُوا أمْرَهم) أيْ: عَزَمُوا عَلى إلْقاءِ يُوسُفَ في الجُبِّ (p-٣٥١)﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. والمَكْرُ: أنْ يُدَبِّرَ عَلى الإنْسانِ تَدْبِيرًا يَضُرُّهُ ويُؤْذِيهِ، و(النّاسِ) الظّاهِرُ العُمُومُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ ولَوْ بالَغْتَ في طَلَبِ إيمانِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أيْ: ولَوْ حَرَصْتَ لَمْ يُؤْمِنُوا، إنَّما يُؤْمِنُ مَن يَشاءُ اللَّهُ إيمانَهُ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى دِينِ اللَّهِ أيْ: ما تَبْتَغِي عَلَيْهِ أجْرًا عَلى دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى التَّبْلِيغِ، وقِيلَ: عَلى الأنْباءِ بِمَعْنى القَوْلِ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ لِلْكَفَرَةِ، وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، أوْ وما تَسْألُهم عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ وتُذَكِّرُهم أنْ يُنِيلُوكَ مَنفَعَةً وجَدْوى - كَما يُعْطِي جُمْلَةَ الأحادِيثِ والأخْبارِ - إنْ هو إلّا مَوْعِظَةٌ وذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْعالَمِينَ عامَّةً، وحَثٌّ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ بِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (وما نَسْألُهم) بِالنُّونِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَمُرُّونَ عَلى الآياتِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِلْإيمانِ ولا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ، وأنَّ تِلْكَ الآياتِ هي في العالَمِ العُلْوِيِّ وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ، وتَقَدَّمَ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ (وكائِنٌ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ فَهو كائِنٌ، ومَعْناها مَعْنى كَمْ في التَّكْثِيرِ، انْتَهى. وهَذا شَيْءٌ يُرْوى عَنْ يُونُسَ، وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ في النَّحْوِ، والمَشْهُورُ عِنْدَهم أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ ومِن أيْ، وتَلاعَبَتِ العَرَبُ بِهِ فَجاءَتْ بِهِ لُغاتٌ، وذَكَرَ صاحِبُ اللَوامِحِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ (وكَيِ) بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ”هم“ ولا ألِفٍ ولا تَشْدِيدٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، فَهي لُغَةٌ، انْتَهى. ﴿مِن آيَةٍ﴾ عَلامَةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، وصِدْقِ ما جِيءَ بِهِ عَنْهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (والأرْضُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ خَبَرٌ. ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ فَيُشاهِدُونَ ما فِيها مِنَ الآياتِ. وقَرَأ السُّدِّيُّ: (والأرْضَ) بِالنَّصْبِ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ أيْ: ويَطْوُونَ الأرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْها عَلى آياتِها، وما أوْدَعَ فِيها مِنَ الدَّلالاتِ، والضَّمِيرُ في (عَلَيْها، وعَنْها) في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَعُودُ عَلى الأرْضِ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهي بِجَرِّ الأرْضِ، يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى (آيَةٍ) أيْ: يَمُرُّونَ عَلى تِلْكَ الآياتِ ويُشاهِدُونَ تِلْكَ الدَّلالاتِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَعْتَبِرُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (والأرْضُ) بِرَفْعِ الضّادِ، ومَكانُ يَمُرُّونَ يَمْشُونَ، والمُرادُ: ما يَرَوْنَ مِن آثارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ. ﴿وهم مُشْرِكُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: إيمانُهم مُلْتَبِسٌ بِالشِّرْكِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الكِتابِ، أشْرَكُوا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ، أوْ مِن حَيْثُ ما قالُوا في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هم كُفّارُ العَرَبِ أقَرُّوا بِالخالِقِ الرّازِقِ المُحْيِـي المُمِيتِ، وكَفَرُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ. وقِيلَ: هم أهْلُ مَكَّةَ قالُوا: اللَّهُ رَبُّنا لا شَرِيكَ لَهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، فَأشْرَكُوا ولَمْ يُوَحِّدُوا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ أيْضًا ذَلِكَ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وفي الحَدِيثِ كانَ ﷺ «إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ لَهُ: ”قَطُّ قَطُّ“» أيْ: قِفْ هُنا ولا تَزِدْ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، وقِيلَ: هُمُ الثَّنَوِيَّةُ قالُوا بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ. وقالَ عَطاءٌ: هَذا في الدُّعاءِ يَنْسى الكُفّارُ رَبَّهم في الرَّخاءِ، فَإذا أصابَهُمُ البَلاءُ أخْلَصُوا في الدُّعاءِ. وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ، جَهَرُوا بِالإيمانِ وأخْفَوُا الكُفْرَ. وقِيلَ: عَلى بَعْضِ اليَهُودِ عَبَدُوا عُزَيْرًا، والنَّصارى عَبَدُوا الكَواكِبَ. وقِيلَ: قُرَيْشٌ لَمّا غَشِيَهَمُ الدُّخانُ في سِنِي القَحْطِ قالُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ عادُوا إلى الشِّرْكِ بَعْدَ كَشْفِهِ. وقِيلَ: جَمِيعُ الخَلْقِ مُؤْمِنِهِمْ بِالرَّسُولِ وكافِرِهِمْ، فالكُفّارُ تَقَدَّمَ شِرْكُهم، والمُؤْمِنُونَ فِيهِمُ الشِّرْكُ الخَفِيُّ، وأقْرَبَهم إلى الكُفْرِ المُشَبِّهَةُ. ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنُوا مُجْمَلًا، وكَفَرُوا مُفَصَّلًا. وثانِيها: مَن يُطِيعُ الخَلْقَ بِمَعْصِيَةِ الخالِقِ. وثالِثُها: مَن يَقُولُ: نَفَعَنِي فُلانٌ وضَرَّنِي فُلانٌ. (أفَأمِنُوا) ؟ ! اسْتِفْهامُ إنْكارٍ فِيهِ تَوْبِيخٌ وتَهْدِيدٌ، غاشِيَةٌ: نِقْمَةٌ تَغْشاهم؛ أيْ: تُغَطِّيهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي الصَّواعِقَ والقَوارِعَ، انْتَهى. وإتْيانُ الغاشِيَةِ يَعْنِي (p-٣٥٢)فِي الدُّنْيا، وذَلِكَ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ (بَغْتَةً) أيْ: فَجْأةً في الزَّمانِ مِن حَيْثُ لا يُتَوَقَّعُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: (بَغْتَةً) . قالَ الكِرِمْانِيُّ: لا يَشْعُرُونَ بِإتْيانِها؛ أيْ: وهم غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَأْخُذُهُمُ الصَّيْحَةُ عَلى أسْواقِهِمْ ومَواضِعِهِمْ. وقَرَأ أبُو حَفْصٍ، وبِشْرُ بْنُ عُبَيْدٍ: (أوْ يَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ) .

يوسف 12:108

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ لَمّا (p-٣٥٣)تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] وكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] دالًّا عَلى أنَّهُ حَرِيصٌ عَلى إيمانِهِمْ، مُجْتَهِدٌ في ذَلِكَ، داعٍ إلَيْهِ، مُثابِرٌ عَلَيْهِ. وذَكَرَ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [يوسف: ١٠٤] أشارَ إلى ما فِيهِمْ مِن ذَلِكَ وهو شَرِيعَةُ الإسْلامِ، والإيمانُ، وتَوْحِيدُ اللَّهِ. فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ، هَذِهِ الطَّرِيقَةُ والدَّعْوَةُ طَرِيقِي الَّتِي سَلَكْتُها وأنا عَلَيْها، ثُمَّ فَسَّرَ تِلْكَ السَّبِيلَ فَقالَ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي: لا إلى غَيْرِهِ مِن مَلَكٍ أوْ إنْسانٍ أوْ كَوْكَبٍ أوْ صَنَمٍ، إنَّما دُعائِي إلى اللَّهِ وحْدَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (سَبِيلِي) أيْ: دَعْوَتِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: صَلاتِي، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سُنَّتِي، وقالَ مُقاتِلٌ والجُمْهُورُ: دِينِي. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (قُلْ هَذا سَبِيلِي) عَلى التَّذْكِيرِ. والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَفْعُولُ (أدْعُو) ”هو“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أدْعُو النّاسَ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ بِـ (أدْعُو)، و(أنا) تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ في (أدْعُو) . (ومَن) مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ، والمَعْنى: أدْعُو أنا إلَيْها مَنِ اتَّبَعَنِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا، و(أنا) مُبْتَدَأٌ، (ومَن) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ (أدْعُو) فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ويَكُونُ ”أنا“ فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ النّائِبِ عَنْ ذَلِكَ المَحْذُوفِ، ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ”أنا“ . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَذَلِكَ؛ أيْ: داعٍ إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ. ومَعْنى (بَصِيرَةٍ) حُجَّةٌ واضِحَةٌ وبُرْهانٌ مُتَيَقِّنٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] . ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (قُلْ) أيْ: قُلْ، وتَبْرِئَةُ اللَّهِ مِنَ الشُّرَكاءِ أيْ: بَراءَةُ اللَّهِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، ولَمّا أمَرَ بِأنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يَدْعُو هو ومَنِ اتَّبَعَهُ إلى اللَّهِ، وأمَرَ أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ يُنَزِّهُ اللَّهَ عَنِ الشُّرَكاءِ، أمَرَ أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ في خاصَّةِ نَفْسِهِ مُنْتَفٍ عَنِ الشِّرْكِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ أشْرَكَ. وهو نَفْيٌ عامٌّ في الأزْمانِ لَمْ يَكُنْ مِنهم، ولا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا رِجالًا، حَصَرَ في الرُّسُلِ دُعاةً إلى اللَّهِ، فَلا يَكُونُ مَلَكًا. وهَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] وكَذَلِكَ، قالَ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي رِجالًا لا نِساءً، فالرَّسُولُ لا يَكُونُ امْرَأةً، وهَلْ كانَ في النِّساءِ نَبِيَّةٌ ؟ فِيهِ خِلافٌ، والنَّبِيُّ أعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ مُنْطَلِقٌ عَلى مَن يَأْتِيهِ الوَحْيُ، سَواءٌ أُرْسِلَ أوْ لَمْ يُرْسَلْ، قالَ الشّاعِرُ في سَجاحَ المُتَنَبِّئَةِ: ؎أمْسَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها ولَمْ تَزَلْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا ؎فَلَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ عَلى سَجاحَ ومَن بِالإفْكِ أغْرانا أعْنِي مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ لا سَقِيَتْ أصْداؤُهُ ماءَ مُزْنٍ أيْنَما كانا وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وطَلْحَةُ وحَفْصٌ: (نُوحِي) بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ مُوافِقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و(القُرى) المُدُنُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرى أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ البادِيَةِ، فَإنَّهم قَلِيلٌ نُبْلُهم، ولَمْ يُنْشِئِ اللَّهُ قَطُّ مِنهم رَسُولًا. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا مِن أهْلِ البادِيَةِ ولا مِنَ النِّساءِ ولا مِنَ الجِنِّ. والتَّبَدِّي مَكْرُوهٌ إلّا في الفِتَنِ، فَفي الحَدِيثِ: «مَن بَدا جَفا» ثُمَّ اسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. والضَّمِيرُ في (يَسِيرُوا) عائِدٌ عَلى مَن أنْكَرَ إرْسالَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ، ومَن عانَدَ الرَّسُولَ وأنْكَرَ رِسالَتَهُ كَفَرَ؛ أيْ: هَلا يَسِيرُونَ في الأرْضِ فَيَعْلَمُونَ بِالتَّواتُرِ أخْبارَ الرُّسُلِ السّابِقَةِ، ويَرَوْنَ مَصارِعَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، فَيَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ ؟ ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ هَذا حَضٌّ عَلى العَمَلِ لِدارِ الآخِرَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها، واتِّقاءِ المُهْلِكاتِ، فَفي هَذِهِ الإضافَةِ تَخْرِيجانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ، وأصْلُهُ: ولَدارُ الآخِرَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ صِفَتِهِ مَقامَهُ، وأصْلُهُ: ولَدارُ المُدَّةِ الآخِرَةِ أوِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. والأوَّلُ: تَخْرِيجٌ كُوفِيٌّ، والثّانِي: تَخْرِيجٌ بَصْرِيٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨] بِالياءِ رَعْيًا لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ . وقَرَأ الحَسَنُ وعَلْقَمَةُ والأعْرَجُ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ: (p-٣٥٤)بِالتّاءِ عَلى خِطابِ هَذِهِ الأُمَّةِ، تَحْذِيرًا لَهم مِمّا وقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ، فَيُصِيبُهم ما أصابَهم، قالَ الكِرْمانِيُّ: أفَلا يَعْقِلُونَ أنَّها خَيْرٌ فَيَتَوَسَّلُوا إلَيْها بِالإيمانِ، انْتَهى. والِاسْتِيئاسُ مِنَ النَّصْرِ، أوْ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ قَوْلانِ. و(حَتّى) غايَةٌ لِما قَبْلَها، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَكُونُ لَهُ غايَةٌ، فاحْتِيجَ إلى تَقْدِيرٍ فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا، فَتَراخى نَصْرُهم حَتّى إذا اسْتَيْأسُوا عَنِ النَّصْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إلى ما قَبْلَهم، أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ مِن أهْلِ القُرى دَعَوْهم فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ حَتّى نَزَلَتْ بِهِمُ المَثُلاتُ، فَصارُوا في حَيِّزِ مَن يَعْتَبِرُ بِعاقِبَتِهِ، فَلِهَذا المُضَمَّنِ حَسَنٌ أنْ يَدْخُلَ حَتّى في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ﴾ انْتَهى. ولَمْ يَتَحَصَّلْ لَنا مِن كَلامِهِ شَيْءٌ يَكُونُ ما بَعْدَ (حَتّى) غايَةً لَهُ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ الغايَةَ بِما ادَّعى أنَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ الآيَةَ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: المَعْنى مُتَعَلِّقٌ بِالآيَةِ الأُولى فَتَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يَدْعُونَ قَوْمَهم فَكَذَّبُوهم، وصَبَرُوا وطالَ دُعاؤُهم وتَكْذِيبُ قَوْمِهِمْ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: المَعْنى وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ يا مُحَمَّدُ إلّا رِجالًا، ثُمَّ لَمْ نُعاقِبْ أُمَمَهم بِالعِقابِ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ: (كُذِبُوا) بِتَخْفِيفِ الذّالِ، وباقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ مُلَيْكَةَ والأعْرَجُ وعائِشَةُ بِخِلافٍ عَنْها بِتَشْدِيدِها، وهُما مَبْنِيّانِ لِلْمَفْعُولِ، فالضَّمائِرُ عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ عائِدَةٌ كُلُّها عَلى الرُّسُلِ، والمَعْنى: أنَّ الرُّسُلَ أيْقَنُوا أنَّهم كَذَّبَهم قَوْمُهُمُ المُشْرِكُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ كَوْنَ الظَّنِّ عَلى بابِهِ يَعْنِي مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزِينَ قالَ: والضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ، والمُكَذِّبُونَ مُؤْمِنُونَ أرْسَلَ إلَيْهِ أيْ: لَمّا طالَتِ المَواعِيدُ حَسِبَتِ الرُّسُلُ أنَّ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا قَدْ كَذَّبُوهم وارْتابُوا بِقَوْلِهِمْ. وعَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فالضَّمِيرُ في: ”وظَنُّوا“ عائِدٌ عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِتَقَدُّمِهِمْ في الذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ولِأنَّ الرُّسُلَ تَسْتَدْعِي مُرْسَلًا إلَيْهِمْ، وفي (أنَّهم)، وفي ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ، والمَعْنى: وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَّبَهم مَنِ ادَّعَوْا أنَّهُ جاءَهم بِالوَحْيِ عَنِ اللَّهِ وبِنَصْرِهِمْ، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. ويَجُوزُ في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ عائِدَةً عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ أيْ: وظَنَّ المُرْسَلُ أنَّهم قَدْ كَذَّبَهُمُ الرُّسُلُ فِيما ادَّعَوْهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وفِيما يُوعِدُونَ بِهِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِمْ مِنَ العَذابِ. وهَذا مَشْهُورُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَأْوِيلُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ في هَذِهِ القِراءَةِ عائِدَةً عَلى (الرُّسُلِ) لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَظُنَّ أحَدٌ مِنهم أنَّهُ قَدْ كَذَّبَهُ مَن جاءَهُ بِالوَحْيِ عَنِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ القِراءَةِ: (حَتّى إذا اسْتَيْأسُوا مِنَ النَّصْرِ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا) أيْ: كَذَّبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم أنَّهم يُنْصُرُونَ أوْ رَجاهم كَقَوْلِهِ: رَجاءٌ صادِقٌ ورَجاءٌ كاذِبٌ. والمَعْنى: أنَّ مُدَّةَ التَّكْذِيبِ والعَداوَةِ مِنَ الكُفّارِ، وانْتِظارُ النَّصْرِ مِنَ اللَّهِ وتَأْمِيلُهُ قَدْ تَطاوَلَتْ عَلَيْهِمْ وتَمادَتْ، حَتّى اسْتَشْعَرُوا القُنُوطَ، وتَوَهَّمُوا أنْ لا نَصْرَ لَهم في الدُّنْيا، فَجاءَهم نَصْرُنا فَجْأةً مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، انْتَهى. فَجَعَلَ الضَّمائِرَ كُلَّها لِلرُّسُلِ، وجَعَلَ الفاعِلَ الَّذِي صُرِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ إمّا أنْفُسُهم وإمّا رَجاؤُهم. وفي قَوْلِهِ إخْراجُ الظَّنِّ عَنْ مَعْنى التَّرْجِيحِ وعَنْ مَعْنى اليَقِينِ إلى مَعْنى التَّوَهُّمِ، حَتّى يُجْرِيَ الضَّمائِرَ كُلَّها في القِراءَتَيْنِ عَلى سُنَنٍ واحِدَةٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الضَّمِيرَ في ”وظَنُّوا“ وفي ”قَدْ كُذِبُوا“ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ والمَعْنى: كَذَّبَهم مَن أخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ، والظَّنُّ عَلى بابِهِ، قالُوا: والرُّسُلُ بَشَرٌ فَضَعُفُوا (وساءَ ظَنُّهم) ورَدَّتْ عائِشَةُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ هَذا التَّأْوِيلَ، وأعْظَمُوا أنْ يُوصَفَ الرُّسُلُ بِهَذا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَدْ أرادَ بِالظَّنِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ، ويَهْجِسُ في القَلْبِ مِن شُبَهِ الوَسْوَسَةِ (p-٣٥٥)وحَدِيثِ النَّفْسِ عَلى ما عَلَيْهِ البَشَرِيَّةُ، وأمّا الظَّنُّ الَّذِي هو تَرْجِيحُ أحَدِ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ فَغَيْرُ جائِزٍ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَما بالُ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ هم أعْرَفُ بِرَبِّهِمْ، وأنَّهُ مُتَعالٍ عَنْ خَلْفِ المِيعادِ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ، انْتَهى - وآخِرُهُ مَذْهَبُ الِاعْتِزالِ - فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ المَعْنى: ظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ أُمَمَهم عَلى لِسانِهِمْ قَدْ كُذِبُوا فِيهِ، فَقَدْ أتى عَظِيمًا لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ مِثْلُهُ إلى الأنْبِياءِ، ولا إلى صالِحِي عِبادِ اللَّهِ قالَ: وكَذَلِكَ مَن زَعَمَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَهَبَ إلى أنَّ الرُّسُلَ قَدْ ضَعُفُوا وظَنُّوا أنَّهم قَدْ أُخْلِفُوا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: (قَدْ كَذَبُوا) بِتَخْفِيفِ الذّالِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وظَنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما قالُوا عَنِ اللَّهِ مِنَ العَذابِ والظَّنِّ عَلى بابِهِ، وجَوابُ (إذا) ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (جاءَهم) عائِدٌ عَلى (الرُّسُلِ) . وقِيلَ: عائِدٌ عَلَيْهِمْ وعَلى مَن آمَنَ بِهِمْ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: (فَنُجِّيَ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وشَدِّ الجِيمِ وفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وطَلْحَةُ بْنُ هُرْمُزَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم سَكَّنُوا الياءَ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ أُدْغِمَتْ فِيهِ النُّونُ في الجِيمِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا تُدْغَمُ النُّونُ في الجِيمِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ ماضٍ كالقِراءَةِ الَّتِي قَبْلَها سُكِّنَتِ الياءُ فِيهِ لُغَةَ مَن يَسْتَثْقِلُ الحَرَكَةَ صِلَةً عَلى الياءِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ (ما تُطْعِمُونَ أهالِيكم) بِسُكُونِ الياءِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ونافِعٍ، وقَرَأهُما في المَشْهُورِ، وباقِي السَّبْعَةِ (فَنُنْجِي) بِنُونَيْنِ مُضارِعُ أنْجى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: كَذَلِكَ إلّا أنَّهم فَتَحُوا الياءَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَواها هُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وهي غَلَطٌ مِن هُبَيْرَةَ، انْتَهى. ولَيْسَتْ غَلَطًا، ولَها وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ وهو أنَّ الشَّرْطَ والجَزاءَ يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُما المُضارِعُ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ الفاءِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بِنَصْبِ (يَغْفِرَ) بِإضْمارِ ”أنْ“ بَعْدَ الفاءِ. ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ أداةُ الشَّرْطِ جازِمَةً، أوْ غَيْرَ جازِمَةٍ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ ومُجاهِدٌ وعِيسى وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (فَنَجى) جَعَلُوهُ فِعْلًا ماضِيًا مُخَفَّفَ الجِيمِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ: وقَرَأْتُ لِابْنِ مُحَيْصِنٍ (فَنَجّى) بِشَدِّ الجِيمِ فِعْلًا ماضِيًا عَلى مَعْنى فَنَجّى النَّصْرَ. وذَكَرَ الدّانِيُّ أنَّ المَصاحِفَ مُتَّفِقَةٌ عَلى كَتْبِها بِنُونٍ واحِدَةٍ، وفي التَّحْبِيرِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ (فَنُنَجِّي) بِنُونَيْنِ، الثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ والجِيمُ مُشَدَّدَةٌ والياءُ ساكِنَةٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (مَن يَشاءُ) بِالياءِ أيْ: فَنُجِّيَ مَن يَشاءُ اللَّهُ نَجاتَهُ. و(مَن يَشاءُ) هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ والبَأْسُ هُنا الهَلاكُ. وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿بَأْسُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٧] بِضَمِيرِ الغائِبِ؛ أيْ: بَأْسُ اللَّهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ فِيها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ .

يوسف 12:109

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ لَمّا (p-٣٥٣)تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] وكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] دالًّا عَلى أنَّهُ حَرِيصٌ عَلى إيمانِهِمْ، مُجْتَهِدٌ في ذَلِكَ، داعٍ إلَيْهِ، مُثابِرٌ عَلَيْهِ. وذَكَرَ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [يوسف: ١٠٤] أشارَ إلى ما فِيهِمْ مِن ذَلِكَ وهو شَرِيعَةُ الإسْلامِ، والإيمانُ، وتَوْحِيدُ اللَّهِ. فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ، هَذِهِ الطَّرِيقَةُ والدَّعْوَةُ طَرِيقِي الَّتِي سَلَكْتُها وأنا عَلَيْها، ثُمَّ فَسَّرَ تِلْكَ السَّبِيلَ فَقالَ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي: لا إلى غَيْرِهِ مِن مَلَكٍ أوْ إنْسانٍ أوْ كَوْكَبٍ أوْ صَنَمٍ، إنَّما دُعائِي إلى اللَّهِ وحْدَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (سَبِيلِي) أيْ: دَعْوَتِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: صَلاتِي، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سُنَّتِي، وقالَ مُقاتِلٌ والجُمْهُورُ: دِينِي. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (قُلْ هَذا سَبِيلِي) عَلى التَّذْكِيرِ. والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَفْعُولُ (أدْعُو) ”هو“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أدْعُو النّاسَ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ بِـ (أدْعُو)، و(أنا) تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ في (أدْعُو) . (ومَن) مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ، والمَعْنى: أدْعُو أنا إلَيْها مَنِ اتَّبَعَنِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا، و(أنا) مُبْتَدَأٌ، (ومَن) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ (أدْعُو) فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ويَكُونُ ”أنا“ فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ النّائِبِ عَنْ ذَلِكَ المَحْذُوفِ، ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ”أنا“ . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَذَلِكَ؛ أيْ: داعٍ إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ. ومَعْنى (بَصِيرَةٍ) حُجَّةٌ واضِحَةٌ وبُرْهانٌ مُتَيَقِّنٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] . ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (قُلْ) أيْ: قُلْ، وتَبْرِئَةُ اللَّهِ مِنَ الشُّرَكاءِ أيْ: بَراءَةُ اللَّهِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، ولَمّا أمَرَ بِأنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يَدْعُو هو ومَنِ اتَّبَعَهُ إلى اللَّهِ، وأمَرَ أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ يُنَزِّهُ اللَّهَ عَنِ الشُّرَكاءِ، أمَرَ أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ في خاصَّةِ نَفْسِهِ مُنْتَفٍ عَنِ الشِّرْكِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ أشْرَكَ. وهو نَفْيٌ عامٌّ في الأزْمانِ لَمْ يَكُنْ مِنهم، ولا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا رِجالًا، حَصَرَ في الرُّسُلِ دُعاةً إلى اللَّهِ، فَلا يَكُونُ مَلَكًا. وهَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] وكَذَلِكَ، قالَ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي رِجالًا لا نِساءً، فالرَّسُولُ لا يَكُونُ امْرَأةً، وهَلْ كانَ في النِّساءِ نَبِيَّةٌ ؟ فِيهِ خِلافٌ، والنَّبِيُّ أعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ مُنْطَلِقٌ عَلى مَن يَأْتِيهِ الوَحْيُ، سَواءٌ أُرْسِلَ أوْ لَمْ يُرْسَلْ، قالَ الشّاعِرُ في سَجاحَ المُتَنَبِّئَةِ: ؎أمْسَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها ولَمْ تَزَلْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا ؎فَلَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ عَلى سَجاحَ ومَن بِالإفْكِ أغْرانا أعْنِي مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ لا سَقِيَتْ أصْداؤُهُ ماءَ مُزْنٍ أيْنَما كانا وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وطَلْحَةُ وحَفْصٌ: (نُوحِي) بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ مُوافِقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و(القُرى) المُدُنُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرى أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ البادِيَةِ، فَإنَّهم قَلِيلٌ نُبْلُهم، ولَمْ يُنْشِئِ اللَّهُ قَطُّ مِنهم رَسُولًا. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا مِن أهْلِ البادِيَةِ ولا مِنَ النِّساءِ ولا مِنَ الجِنِّ. والتَّبَدِّي مَكْرُوهٌ إلّا في الفِتَنِ، فَفي الحَدِيثِ: «مَن بَدا جَفا» ثُمَّ اسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. والضَّمِيرُ في (يَسِيرُوا) عائِدٌ عَلى مَن أنْكَرَ إرْسالَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ، ومَن عانَدَ الرَّسُولَ وأنْكَرَ رِسالَتَهُ كَفَرَ؛ أيْ: هَلا يَسِيرُونَ في الأرْضِ فَيَعْلَمُونَ بِالتَّواتُرِ أخْبارَ الرُّسُلِ السّابِقَةِ، ويَرَوْنَ مَصارِعَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، فَيَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ ؟ ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ هَذا حَضٌّ عَلى العَمَلِ لِدارِ الآخِرَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها، واتِّقاءِ المُهْلِكاتِ، فَفي هَذِهِ الإضافَةِ تَخْرِيجانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ، وأصْلُهُ: ولَدارُ الآخِرَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ صِفَتِهِ مَقامَهُ، وأصْلُهُ: ولَدارُ المُدَّةِ الآخِرَةِ أوِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. والأوَّلُ: تَخْرِيجٌ كُوفِيٌّ، والثّانِي: تَخْرِيجٌ بَصْرِيٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨] بِالياءِ رَعْيًا لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ . وقَرَأ الحَسَنُ وعَلْقَمَةُ والأعْرَجُ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ: (p-٣٥٤)بِالتّاءِ عَلى خِطابِ هَذِهِ الأُمَّةِ، تَحْذِيرًا لَهم مِمّا وقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ، فَيُصِيبُهم ما أصابَهم، قالَ الكِرْمانِيُّ: أفَلا يَعْقِلُونَ أنَّها خَيْرٌ فَيَتَوَسَّلُوا إلَيْها بِالإيمانِ، انْتَهى. والِاسْتِيئاسُ مِنَ النَّصْرِ، أوْ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ قَوْلانِ. و(حَتّى) غايَةٌ لِما قَبْلَها، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَكُونُ لَهُ غايَةٌ، فاحْتِيجَ إلى تَقْدِيرٍ فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا، فَتَراخى نَصْرُهم حَتّى إذا اسْتَيْأسُوا عَنِ النَّصْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إلى ما قَبْلَهم، أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ مِن أهْلِ القُرى دَعَوْهم فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ حَتّى نَزَلَتْ بِهِمُ المَثُلاتُ، فَصارُوا في حَيِّزِ مَن يَعْتَبِرُ بِعاقِبَتِهِ، فَلِهَذا المُضَمَّنِ حَسَنٌ أنْ يَدْخُلَ حَتّى في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ﴾ انْتَهى. ولَمْ يَتَحَصَّلْ لَنا مِن كَلامِهِ شَيْءٌ يَكُونُ ما بَعْدَ (حَتّى) غايَةً لَهُ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ الغايَةَ بِما ادَّعى أنَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ الآيَةَ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: المَعْنى مُتَعَلِّقٌ بِالآيَةِ الأُولى فَتَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يَدْعُونَ قَوْمَهم فَكَذَّبُوهم، وصَبَرُوا وطالَ دُعاؤُهم وتَكْذِيبُ قَوْمِهِمْ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: المَعْنى وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ يا مُحَمَّدُ إلّا رِجالًا، ثُمَّ لَمْ نُعاقِبْ أُمَمَهم بِالعِقابِ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ: (كُذِبُوا) بِتَخْفِيفِ الذّالِ، وباقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ مُلَيْكَةَ والأعْرَجُ وعائِشَةُ بِخِلافٍ عَنْها بِتَشْدِيدِها، وهُما مَبْنِيّانِ لِلْمَفْعُولِ، فالضَّمائِرُ عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ عائِدَةٌ كُلُّها عَلى الرُّسُلِ، والمَعْنى: أنَّ الرُّسُلَ أيْقَنُوا أنَّهم كَذَّبَهم قَوْمُهُمُ المُشْرِكُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ كَوْنَ الظَّنِّ عَلى بابِهِ يَعْنِي مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزِينَ قالَ: والضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ، والمُكَذِّبُونَ مُؤْمِنُونَ أرْسَلَ إلَيْهِ أيْ: لَمّا طالَتِ المَواعِيدُ حَسِبَتِ الرُّسُلُ أنَّ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا قَدْ كَذَّبُوهم وارْتابُوا بِقَوْلِهِمْ. وعَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فالضَّمِيرُ في: ”وظَنُّوا“ عائِدٌ عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِتَقَدُّمِهِمْ في الذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ولِأنَّ الرُّسُلَ تَسْتَدْعِي مُرْسَلًا إلَيْهِمْ، وفي (أنَّهم)، وفي ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ، والمَعْنى: وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَّبَهم مَنِ ادَّعَوْا أنَّهُ جاءَهم بِالوَحْيِ عَنِ اللَّهِ وبِنَصْرِهِمْ، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. ويَجُوزُ في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ عائِدَةً عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ أيْ: وظَنَّ المُرْسَلُ أنَّهم قَدْ كَذَّبَهُمُ الرُّسُلُ فِيما ادَّعَوْهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وفِيما يُوعِدُونَ بِهِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِمْ مِنَ العَذابِ. وهَذا مَشْهُورُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَأْوِيلُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ في هَذِهِ القِراءَةِ عائِدَةً عَلى (الرُّسُلِ) لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَظُنَّ أحَدٌ مِنهم أنَّهُ قَدْ كَذَّبَهُ مَن جاءَهُ بِالوَحْيِ عَنِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ القِراءَةِ: (حَتّى إذا اسْتَيْأسُوا مِنَ النَّصْرِ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا) أيْ: كَذَّبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم أنَّهم يُنْصُرُونَ أوْ رَجاهم كَقَوْلِهِ: رَجاءٌ صادِقٌ ورَجاءٌ كاذِبٌ. والمَعْنى: أنَّ مُدَّةَ التَّكْذِيبِ والعَداوَةِ مِنَ الكُفّارِ، وانْتِظارُ النَّصْرِ مِنَ اللَّهِ وتَأْمِيلُهُ قَدْ تَطاوَلَتْ عَلَيْهِمْ وتَمادَتْ، حَتّى اسْتَشْعَرُوا القُنُوطَ، وتَوَهَّمُوا أنْ لا نَصْرَ لَهم في الدُّنْيا، فَجاءَهم نَصْرُنا فَجْأةً مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، انْتَهى. فَجَعَلَ الضَّمائِرَ كُلَّها لِلرُّسُلِ، وجَعَلَ الفاعِلَ الَّذِي صُرِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ إمّا أنْفُسُهم وإمّا رَجاؤُهم. وفي قَوْلِهِ إخْراجُ الظَّنِّ عَنْ مَعْنى التَّرْجِيحِ وعَنْ مَعْنى اليَقِينِ إلى مَعْنى التَّوَهُّمِ، حَتّى يُجْرِيَ الضَّمائِرَ كُلَّها في القِراءَتَيْنِ عَلى سُنَنٍ واحِدَةٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الضَّمِيرَ في ”وظَنُّوا“ وفي ”قَدْ كُذِبُوا“ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ والمَعْنى: كَذَّبَهم مَن أخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ، والظَّنُّ عَلى بابِهِ، قالُوا: والرُّسُلُ بَشَرٌ فَضَعُفُوا (وساءَ ظَنُّهم) ورَدَّتْ عائِشَةُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ هَذا التَّأْوِيلَ، وأعْظَمُوا أنْ يُوصَفَ الرُّسُلُ بِهَذا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَدْ أرادَ بِالظَّنِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ، ويَهْجِسُ في القَلْبِ مِن شُبَهِ الوَسْوَسَةِ (p-٣٥٥)وحَدِيثِ النَّفْسِ عَلى ما عَلَيْهِ البَشَرِيَّةُ، وأمّا الظَّنُّ الَّذِي هو تَرْجِيحُ أحَدِ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ فَغَيْرُ جائِزٍ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَما بالُ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ هم أعْرَفُ بِرَبِّهِمْ، وأنَّهُ مُتَعالٍ عَنْ خَلْفِ المِيعادِ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ، انْتَهى - وآخِرُهُ مَذْهَبُ الِاعْتِزالِ - فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ المَعْنى: ظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ أُمَمَهم عَلى لِسانِهِمْ قَدْ كُذِبُوا فِيهِ، فَقَدْ أتى عَظِيمًا لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ مِثْلُهُ إلى الأنْبِياءِ، ولا إلى صالِحِي عِبادِ اللَّهِ قالَ: وكَذَلِكَ مَن زَعَمَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَهَبَ إلى أنَّ الرُّسُلَ قَدْ ضَعُفُوا وظَنُّوا أنَّهم قَدْ أُخْلِفُوا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: (قَدْ كَذَبُوا) بِتَخْفِيفِ الذّالِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وظَنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما قالُوا عَنِ اللَّهِ مِنَ العَذابِ والظَّنِّ عَلى بابِهِ، وجَوابُ (إذا) ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (جاءَهم) عائِدٌ عَلى (الرُّسُلِ) . وقِيلَ: عائِدٌ عَلَيْهِمْ وعَلى مَن آمَنَ بِهِمْ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: (فَنُجِّيَ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وشَدِّ الجِيمِ وفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وطَلْحَةُ بْنُ هُرْمُزَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم سَكَّنُوا الياءَ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ أُدْغِمَتْ فِيهِ النُّونُ في الجِيمِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا تُدْغَمُ النُّونُ في الجِيمِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ ماضٍ كالقِراءَةِ الَّتِي قَبْلَها سُكِّنَتِ الياءُ فِيهِ لُغَةَ مَن يَسْتَثْقِلُ الحَرَكَةَ صِلَةً عَلى الياءِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ (ما تُطْعِمُونَ أهالِيكم) بِسُكُونِ الياءِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ونافِعٍ، وقَرَأهُما في المَشْهُورِ، وباقِي السَّبْعَةِ (فَنُنْجِي) بِنُونَيْنِ مُضارِعُ أنْجى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: كَذَلِكَ إلّا أنَّهم فَتَحُوا الياءَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَواها هُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وهي غَلَطٌ مِن هُبَيْرَةَ، انْتَهى. ولَيْسَتْ غَلَطًا، ولَها وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ وهو أنَّ الشَّرْطَ والجَزاءَ يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُما المُضارِعُ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ الفاءِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بِنَصْبِ (يَغْفِرَ) بِإضْمارِ ”أنْ“ بَعْدَ الفاءِ. ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ أداةُ الشَّرْطِ جازِمَةً، أوْ غَيْرَ جازِمَةٍ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ ومُجاهِدٌ وعِيسى وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (فَنَجى) جَعَلُوهُ فِعْلًا ماضِيًا مُخَفَّفَ الجِيمِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ: وقَرَأْتُ لِابْنِ مُحَيْصِنٍ (فَنَجّى) بِشَدِّ الجِيمِ فِعْلًا ماضِيًا عَلى مَعْنى فَنَجّى النَّصْرَ. وذَكَرَ الدّانِيُّ أنَّ المَصاحِفَ مُتَّفِقَةٌ عَلى كَتْبِها بِنُونٍ واحِدَةٍ، وفي التَّحْبِيرِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ (فَنُنَجِّي) بِنُونَيْنِ، الثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ والجِيمُ مُشَدَّدَةٌ والياءُ ساكِنَةٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (مَن يَشاءُ) بِالياءِ أيْ: فَنُجِّيَ مَن يَشاءُ اللَّهُ نَجاتَهُ. و(مَن يَشاءُ) هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ والبَأْسُ هُنا الهَلاكُ. وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿بَأْسُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٧] بِضَمِيرِ الغائِبِ؛ أيْ: بَأْسُ اللَّهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ فِيها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ .

يوسف 12:110

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ لَمّا (p-٣٥٣)تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] وكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] دالًّا عَلى أنَّهُ حَرِيصٌ عَلى إيمانِهِمْ، مُجْتَهِدٌ في ذَلِكَ، داعٍ إلَيْهِ، مُثابِرٌ عَلَيْهِ. وذَكَرَ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [يوسف: ١٠٤] أشارَ إلى ما فِيهِمْ مِن ذَلِكَ وهو شَرِيعَةُ الإسْلامِ، والإيمانُ، وتَوْحِيدُ اللَّهِ. فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ، هَذِهِ الطَّرِيقَةُ والدَّعْوَةُ طَرِيقِي الَّتِي سَلَكْتُها وأنا عَلَيْها، ثُمَّ فَسَّرَ تِلْكَ السَّبِيلَ فَقالَ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي: لا إلى غَيْرِهِ مِن مَلَكٍ أوْ إنْسانٍ أوْ كَوْكَبٍ أوْ صَنَمٍ، إنَّما دُعائِي إلى اللَّهِ وحْدَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (سَبِيلِي) أيْ: دَعْوَتِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: صَلاتِي، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سُنَّتِي، وقالَ مُقاتِلٌ والجُمْهُورُ: دِينِي. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (قُلْ هَذا سَبِيلِي) عَلى التَّذْكِيرِ. والسَّبِيلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ومَفْعُولُ (أدْعُو) ”هو“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أدْعُو النّاسَ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ بِـ (أدْعُو)، و(أنا) تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ في (أدْعُو) . (ومَن) مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ، والمَعْنى: أدْعُو أنا إلَيْها مَنِ اتَّبَعَنِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا، و(أنا) مُبْتَدَأٌ، (ومَن) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ (أدْعُو) فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ويَكُونُ ”أنا“ فاعِلًا بِالجارِّ والمَجْرُورِ النّائِبِ عَنْ ذَلِكَ المَحْذُوفِ، ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ”أنا“ . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَذَلِكَ؛ أيْ: داعٍ إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ. ومَعْنى (بَصِيرَةٍ) حُجَّةٌ واضِحَةٌ وبُرْهانٌ مُتَيَقِّنٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] . ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (قُلْ) أيْ: قُلْ، وتَبْرِئَةُ اللَّهِ مِنَ الشُّرَكاءِ أيْ: بَراءَةُ اللَّهِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، ولَمّا أمَرَ بِأنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يَدْعُو هو ومَنِ اتَّبَعَهُ إلى اللَّهِ، وأمَرَ أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ يُنَزِّهُ اللَّهَ عَنِ الشُّرَكاءِ، أمَرَ أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ في خاصَّةِ نَفْسِهِ مُنْتَفٍ عَنِ الشِّرْكِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ أشْرَكَ. وهو نَفْيٌ عامٌّ في الأزْمانِ لَمْ يَكُنْ مِنهم، ولا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا رِجالًا، حَصَرَ في الرُّسُلِ دُعاةً إلى اللَّهِ، فَلا يَكُونُ مَلَكًا. وهَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] وكَذَلِكَ، قالَ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي رِجالًا لا نِساءً، فالرَّسُولُ لا يَكُونُ امْرَأةً، وهَلْ كانَ في النِّساءِ نَبِيَّةٌ ؟ فِيهِ خِلافٌ، والنَّبِيُّ أعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ مُنْطَلِقٌ عَلى مَن يَأْتِيهِ الوَحْيُ، سَواءٌ أُرْسِلَ أوْ لَمْ يُرْسَلْ، قالَ الشّاعِرُ في سَجاحَ المُتَنَبِّئَةِ: ؎أمْسَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها ولَمْ تَزَلْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا ؎فَلَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ عَلى سَجاحَ ومَن بِالإفْكِ أغْرانا أعْنِي مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ لا سَقِيَتْ أصْداؤُهُ ماءَ مُزْنٍ أيْنَما كانا وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وطَلْحَةُ وحَفْصٌ: (نُوحِي) بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ مُوافِقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و(القُرى) المُدُنُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرى أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ البادِيَةِ، فَإنَّهم قَلِيلٌ نُبْلُهم، ولَمْ يُنْشِئِ اللَّهُ قَطُّ مِنهم رَسُولًا. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا مِن أهْلِ البادِيَةِ ولا مِنَ النِّساءِ ولا مِنَ الجِنِّ. والتَّبَدِّي مَكْرُوهٌ إلّا في الفِتَنِ، فَفي الحَدِيثِ: «مَن بَدا جَفا» ثُمَّ اسْتَفْهَمَ اسْتِفْهامَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. والضَّمِيرُ في (يَسِيرُوا) عائِدٌ عَلى مَن أنْكَرَ إرْسالَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ، ومَن عانَدَ الرَّسُولَ وأنْكَرَ رِسالَتَهُ كَفَرَ؛ أيْ: هَلا يَسِيرُونَ في الأرْضِ فَيَعْلَمُونَ بِالتَّواتُرِ أخْبارَ الرُّسُلِ السّابِقَةِ، ويَرَوْنَ مَصارِعَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، فَيَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ ؟ ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ هَذا حَضٌّ عَلى العَمَلِ لِدارِ الآخِرَةِ والِاسْتِعْدادِ لَها، واتِّقاءِ المُهْلِكاتِ، فَفي هَذِهِ الإضافَةِ تَخْرِيجانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ، وأصْلُهُ: ولَدارُ الآخِرَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ صِفَتِهِ مَقامَهُ، وأصْلُهُ: ولَدارُ المُدَّةِ الآخِرَةِ أوِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. والأوَّلُ: تَخْرِيجٌ كُوفِيٌّ، والثّانِي: تَخْرِيجٌ بَصْرِيٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨] بِالياءِ رَعْيًا لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ . وقَرَأ الحَسَنُ وعَلْقَمَةُ والأعْرَجُ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ: (p-٣٥٤)بِالتّاءِ عَلى خِطابِ هَذِهِ الأُمَّةِ، تَحْذِيرًا لَهم مِمّا وقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ، فَيُصِيبُهم ما أصابَهم، قالَ الكِرْمانِيُّ: أفَلا يَعْقِلُونَ أنَّها خَيْرٌ فَيَتَوَسَّلُوا إلَيْها بِالإيمانِ، انْتَهى. والِاسْتِيئاسُ مِنَ النَّصْرِ، أوْ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ قَوْلانِ. و(حَتّى) غايَةٌ لِما قَبْلَها، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَكُونُ لَهُ غايَةٌ، فاحْتِيجَ إلى تَقْدِيرٍ فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا، فَتَراخى نَصْرُهم حَتّى إذا اسْتَيْأسُوا عَنِ النَّصْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إلى ما قَبْلَهم، أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ مِن أهْلِ القُرى دَعَوْهم فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ حَتّى نَزَلَتْ بِهِمُ المَثُلاتُ، فَصارُوا في حَيِّزِ مَن يَعْتَبِرُ بِعاقِبَتِهِ، فَلِهَذا المُضَمَّنِ حَسَنٌ أنْ يَدْخُلَ حَتّى في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ﴾ انْتَهى. ولَمْ يَتَحَصَّلْ لَنا مِن كَلامِهِ شَيْءٌ يَكُونُ ما بَعْدَ (حَتّى) غايَةً لَهُ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ الغايَةَ بِما ادَّعى أنَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ الآيَةَ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: المَعْنى مُتَعَلِّقٌ بِالآيَةِ الأُولى فَتَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يَدْعُونَ قَوْمَهم فَكَذَّبُوهم، وصَبَرُوا وطالَ دُعاؤُهم وتَكْذِيبُ قَوْمِهِمْ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: المَعْنى وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ يا مُحَمَّدُ إلّا رِجالًا، ثُمَّ لَمْ نُعاقِبْ أُمَمَهم بِالعِقابِ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ والكُوفِيُّونَ: (كُذِبُوا) بِتَخْفِيفِ الذّالِ، وباقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ مُلَيْكَةَ والأعْرَجُ وعائِشَةُ بِخِلافٍ عَنْها بِتَشْدِيدِها، وهُما مَبْنِيّانِ لِلْمَفْعُولِ، فالضَّمائِرُ عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ عائِدَةٌ كُلُّها عَلى الرُّسُلِ، والمَعْنى: أنَّ الرُّسُلَ أيْقَنُوا أنَّهم كَذَّبَهم قَوْمُهُمُ المُشْرِكُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ كَوْنَ الظَّنِّ عَلى بابِهِ يَعْنِي مِن تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزِينَ قالَ: والضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ، والمُكَذِّبُونَ مُؤْمِنُونَ أرْسَلَ إلَيْهِ أيْ: لَمّا طالَتِ المَواعِيدُ حَسِبَتِ الرُّسُلُ أنَّ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا قَدْ كَذَّبُوهم وارْتابُوا بِقَوْلِهِمْ. وعَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فالضَّمِيرُ في: ”وظَنُّوا“ عائِدٌ عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِتَقَدُّمِهِمْ في الذِّكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ولِأنَّ الرُّسُلَ تَسْتَدْعِي مُرْسَلًا إلَيْهِمْ، وفي (أنَّهم)، وفي ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ، والمَعْنى: وظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَّبَهم مَنِ ادَّعَوْا أنَّهُ جاءَهم بِالوَحْيِ عَنِ اللَّهِ وبِنَصْرِهِمْ، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. ويَجُوزُ في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ عائِدَةً عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ أيْ: وظَنَّ المُرْسَلُ أنَّهم قَدْ كَذَّبَهُمُ الرُّسُلُ فِيما ادَّعَوْهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وفِيما يُوعِدُونَ بِهِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِمْ مِنَ العَذابِ. وهَذا مَشْهُورُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَأْوِيلُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ. ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ في هَذِهِ القِراءَةِ عائِدَةً عَلى (الرُّسُلِ) لِأنَّهم مَعْصُومُونَ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَظُنَّ أحَدٌ مِنهم أنَّهُ قَدْ كَذَّبَهُ مَن جاءَهُ بِالوَحْيِ عَنِ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ القِراءَةِ: (حَتّى إذا اسْتَيْأسُوا مِنَ النَّصْرِ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا) أيْ: كَذَّبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم أنَّهم يُنْصُرُونَ أوْ رَجاهم كَقَوْلِهِ: رَجاءٌ صادِقٌ ورَجاءٌ كاذِبٌ. والمَعْنى: أنَّ مُدَّةَ التَّكْذِيبِ والعَداوَةِ مِنَ الكُفّارِ، وانْتِظارُ النَّصْرِ مِنَ اللَّهِ وتَأْمِيلُهُ قَدْ تَطاوَلَتْ عَلَيْهِمْ وتَمادَتْ، حَتّى اسْتَشْعَرُوا القُنُوطَ، وتَوَهَّمُوا أنْ لا نَصْرَ لَهم في الدُّنْيا، فَجاءَهم نَصْرُنا فَجْأةً مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، انْتَهى. فَجَعَلَ الضَّمائِرَ كُلَّها لِلرُّسُلِ، وجَعَلَ الفاعِلَ الَّذِي صُرِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ إمّا أنْفُسُهم وإمّا رَجاؤُهم. وفي قَوْلِهِ إخْراجُ الظَّنِّ عَنْ مَعْنى التَّرْجِيحِ وعَنْ مَعْنى اليَقِينِ إلى مَعْنى التَّوَهُّمِ، حَتّى يُجْرِيَ الضَّمائِرَ كُلَّها في القِراءَتَيْنِ عَلى سُنَنٍ واحِدَةٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الضَّمِيرَ في ”وظَنُّوا“ وفي ”قَدْ كُذِبُوا“ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ والمَعْنى: كَذَّبَهم مَن أخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ، والظَّنُّ عَلى بابِهِ، قالُوا: والرُّسُلُ بَشَرٌ فَضَعُفُوا (وساءَ ظَنُّهم) ورَدَّتْ عائِشَةُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ هَذا التَّأْوِيلَ، وأعْظَمُوا أنْ يُوصَفَ الرُّسُلُ بِهَذا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَدْ أرادَ بِالظَّنِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ، ويَهْجِسُ في القَلْبِ مِن شُبَهِ الوَسْوَسَةِ (p-٣٥٥)وحَدِيثِ النَّفْسِ عَلى ما عَلَيْهِ البَشَرِيَّةُ، وأمّا الظَّنُّ الَّذِي هو تَرْجِيحُ أحَدِ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ فَغَيْرُ جائِزٍ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَما بالُ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ هم أعْرَفُ بِرَبِّهِمْ، وأنَّهُ مُتَعالٍ عَنْ خَلْفِ المِيعادِ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ، انْتَهى - وآخِرُهُ مَذْهَبُ الِاعْتِزالِ - فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ المَعْنى: ظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ أُمَمَهم عَلى لِسانِهِمْ قَدْ كُذِبُوا فِيهِ، فَقَدْ أتى عَظِيمًا لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ مِثْلُهُ إلى الأنْبِياءِ، ولا إلى صالِحِي عِبادِ اللَّهِ قالَ: وكَذَلِكَ مَن زَعَمَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَهَبَ إلى أنَّ الرُّسُلَ قَدْ ضَعُفُوا وظَنُّوا أنَّهم قَدْ أُخْلِفُوا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: (قَدْ كَذَبُوا) بِتَخْفِيفِ الذّالِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: وظَنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما قالُوا عَنِ اللَّهِ مِنَ العَذابِ والظَّنِّ عَلى بابِهِ، وجَوابُ (إذا) ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (جاءَهم) عائِدٌ عَلى (الرُّسُلِ) . وقِيلَ: عائِدٌ عَلَيْهِمْ وعَلى مَن آمَنَ بِهِمْ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: (فَنُجِّيَ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وشَدِّ الجِيمِ وفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وطَلْحَةُ بْنُ هُرْمُزَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم سَكَّنُوا الياءَ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ أُدْغِمَتْ فِيهِ النُّونُ في الجِيمِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا تُدْغَمُ النُّونُ في الجِيمِ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أنَّهُ ماضٍ كالقِراءَةِ الَّتِي قَبْلَها سُكِّنَتِ الياءُ فِيهِ لُغَةَ مَن يَسْتَثْقِلُ الحَرَكَةَ صِلَةً عَلى الياءِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ (ما تُطْعِمُونَ أهالِيكم) بِسُكُونِ الياءِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ونافِعٍ، وقَرَأهُما في المَشْهُورِ، وباقِي السَّبْعَةِ (فَنُنْجِي) بِنُونَيْنِ مُضارِعُ أنْجى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: كَذَلِكَ إلّا أنَّهم فَتَحُوا الياءَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَواها هُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وهي غَلَطٌ مِن هُبَيْرَةَ، انْتَهى. ولَيْسَتْ غَلَطًا، ولَها وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ وهو أنَّ الشَّرْطَ والجَزاءَ يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُما المُضارِعُ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ الفاءِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بِنَصْبِ (يَغْفِرَ) بِإضْمارِ ”أنْ“ بَعْدَ الفاءِ. ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ أداةُ الشَّرْطِ جازِمَةً، أوْ غَيْرَ جازِمَةٍ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ ومُجاهِدٌ وعِيسى وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (فَنَجى) جَعَلُوهُ فِعْلًا ماضِيًا مُخَفَّفَ الجِيمِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ: وقَرَأْتُ لِابْنِ مُحَيْصِنٍ (فَنَجّى) بِشَدِّ الجِيمِ فِعْلًا ماضِيًا عَلى مَعْنى فَنَجّى النَّصْرَ. وذَكَرَ الدّانِيُّ أنَّ المَصاحِفَ مُتَّفِقَةٌ عَلى كَتْبِها بِنُونٍ واحِدَةٍ، وفي التَّحْبِيرِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ (فَنُنَجِّي) بِنُونَيْنِ، الثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ والجِيمُ مُشَدَّدَةٌ والياءُ ساكِنَةٌ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (مَن يَشاءُ) بِالياءِ أيْ: فَنُجِّيَ مَن يَشاءُ اللَّهُ نَجاتَهُ. و(مَن يَشاءُ) هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ والبَأْسُ هُنا الهَلاكُ. وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿بَأْسُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٧] بِضَمِيرِ الغائِبِ؛ أيْ: بَأْسُ اللَّهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ فِيها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ .

يوسف 12:111

﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (p-٣٥٦)الضَّمِيرُ في (قَصَصِهِمْ) عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ، أوْ عَلى يُوسُفَ وأبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ أوْ عَلَيْهِمْ، وعَلى الرُّسُلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. الأوَّلُ: اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (قِصَصَهم) بِكَسْرِ القافِ، انْتَهى. ولا يَنْصُرُهُ إذْ قَصَصُ يُوسُفَ وأبِيهِ وأُخْوَتِهِ مُشْتَمِلٌ عَلى قِصَصٍ كَثِيرَةٍ وأنْباءٍ مُخْتَلِفَةٍ. والَّذِي قَرَأ بِكَسْرِ القافِ هو أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ، عَنِ الكِسائِيِّ والقَصَبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الوارِثِ، عَنْ أبِي عُمَرَ، وجَمْعُ قِصَّةٍ. واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ الثّالِثَ، بَلْ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ. والعِبْرَةُ الدَّلالَةُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِها عَنِ العِلْمِ. وإذا عادَ الضَّمِيرُ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ، فالِاعْتِبارُ بِقَصَصِهِمْ مِن وُجُوهِ إعْزازِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ إلْقائِهِ في الجُبِّ، وإعْلاؤُهُ بَعْدَ حَبْسِهِ في السِّجْنِ، وتَمَلُّكُهُ مِصْرَ بَعْدَ اسْتِعْبادِهِ، واجْتِماعُهُ مَعَ والِدَيْهِ وإخْوَتِهِ عَلى ما أحَبَّ بَعْدَ الفُرْقَةِ الطَّوِيلَةِ، والإخْبارُ بِهَذا القَصَصِ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، والإعْلامِ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والتَّصَرُّفِ في الأشْياءِ عَلى ما لا يَخْطُرُ عَلى بالٍ ولا يَجُولُ في فِكْرٍ، وإنَّما خُصَّ أُولُو الألْبابِ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالعِبَرِ، ومَن لَهُ لُبٌّ وأجادَ النَّظَرَ، ورَأى ما فِيها مِنِ امْتِحانٍ ولُطْفٍ وإحْسانٍ، عَلِمَ أنَّهُ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِن عِنْدِهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ اسْمَ (كانَ) مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى القَصَصِ؛ أيْ: ما كانَ القَصَصُ حَدِيثًا مُخْتَلِفًا، بَلْ هو حَدِيثُ صِدْقٍ ناطِقٌ بِالحَقِّ جاءَ بِهِ مَن لَمْ يَقْرَأِ الكُتُبَ، ولا تَتَلْمَذَ لِأحَدٍ، ولا خالَطَ العُلَماءَ، فَمُحالٌ أنْ يَفْتَرِيَ هَذِهِ القِصَّةَ بِحَيْثُ تُطابِقُ ما ورَدَ في التَّوْراةِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى القُرْآنِ أيْ: ما كانَ القُرْآنُ الَّذِي تَضَمَّنَ قَصَصَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وغَيْرِهِ حَدِيثًا يُخْتَلَقُ، ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ الإلَهِيَّةِ، وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ واقِعٍ لِيُوسُفَ مَعَ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ. إنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى قَصَصِ يُوسُفَ، أوْ كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُ إلى تَفْصِيلِهِ في الشَّرِيعَةِ إنْ عادَ عَلى القُرْآنِ. وقَرَأ حُمْرانُ بْنُ أعْيُنَ، وعِيسى الكُوفِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَوامِحِ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَصْدِيقٌ وتَفْصِيلٌ وهُدًى ورَحْمَةٌ بِرَفْعِ الأرْبَعَةِ؛ أيْ: ولَكِنْ هو تَصْدِيقٌ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ كانَ أيْ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ أيْ: كانَ هو؛ أيِ: الحَدِيثُ ذا تَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ. ويُنْشِدُ قَوْلَ ذِي الرُّمَّةِ: ؎وما كانَ مالِي مِن تُرابٍ ورِثْتُهُ ولا دِيَةٍ كانَتْ ولا كَسْبِ مَأْثَمِ ؎ولَكِنْ عَطاءُ اللَّهِ مِن كُلِّ رِحْلَةٍ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَحْجُوبِ السَّوارِقِ خِضْرِمِ بِالرَّفْعِ في ”عَطاءُ“ ونَصْبِهِ أيْ: ولَكِنْ هو عَطاءُ اللَّهِ، أوْ ولَكِنْ كانَ عَطاءَ اللَّهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُ لُوطِ بْنِ عُبَيْدٍ العائِيِّ اللِّصِّ: ؎وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا مالَ مُسْلِمٍ ∗∗∗ أخَذْتُ ولا مُعْطِيَ اليَمِينَ مُحالِفٌ ؎ولَكِنْ عَطاءُ اللَّهِ مِن مالِ فاجِرٍ ∗∗∗ قَصِيِّ المَحَلِّ مُعْوِرٍ لِلْمُقارِفِ (وهُدًى) أيْ: سَبَبُ هِدايَةٍ في الدُّنْيا، (ورَحْمَةً) أيْ: سَبَبٌ لِحُصُولِ الرَّحْمَةِ في الآخِرَةِ. وخُصَّ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وتَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وفي آخِرِها: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ إلى آخِرِهِ، فَلِذَلِكَ احْتَمَلَ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى القُرْآنِ، وأنْ يَعُودَ عَلى القَصَصِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.