Al-Bahr Al-Muhit — يوسف 12:28 – يوسف 12:72
المحتويات
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:34
- يوسف 12:35
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:38
- يوسف 12:39
- يوسف 12:40
- يوسف 12:41
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:45
- يوسف 12:46
- يوسف 12:47
- يوسف 12:48
- يوسف 12:49
- يوسف 12:50
- يوسف 12:51
- يوسف 12:52
- يوسف 12:53
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:56
- يوسف 12:57
- يوسف 12:58
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:61
- يوسف 12:62
- يوسف 12:63
- يوسف 12:64
- يوسف 12:65
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:68
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:71
- يوسف 12:72
يوسف 12:28
﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
أيْ: واسْتَبَقَ يُوسُفُ وامْرَأةُ العَزِيزِ إلى البابِ هَذا لِلْخُرُوجِ والهُرُوبِ مِنها، وهَذِهِ لِمَنعِهِ ومُراوَدَتِهِ، وأصْلُ اسْتَبَقَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى، فَحُذِفَ اتِّساعًا، وتَقَدَّمَ أنَّ الأبْوابَ سَبْعَةٌ، فَكانَ تَنْفَتِحُ لَهُ الأبْوابُ بابًا بابًا مِن غَيْرِ مِفْتاحٍ، عَلى ما نُقِلَ عَنْ كَعْبٍ أنَّ فِراشَ القُفْلِ كانَ يَتَناثَرُ ويَسْقُطُ، حَتّى خَرَجَ مِنَ الأبْوابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأبْوابُ المُغْلَقَةُ لَيْسَتْ عَلى التَّرْتِيبِ بابًا فَبابًا، بَلْ تَكُونُ في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها مَنافِذُ لِلْمَكانِ الَّذِي كانا فِيهِ، فاسْتَبَقا إلى بابٍ يَخْرُجُ مِنهُ، ولا يَكُونُ السّابِعَ عَلى التَّرْتِيبِ بَلْ أحَدَها، ﴿وقَدَّتْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (p-٢٩٧)﴿واسْتَبَقا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا؛ أيْ: وقَدْ قَدَّتْ جَذَبَتْهُ مِن خَلْفِهِ بِأعْلى القَمِيصِ مِن طَوْقِهِ، فانْخَرَقَ إلى أسْفَلِهِ، والقَدُّ: القَطْعُ والشَّقُّ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ فِيما كانَ طُولًا قالَ:
؎تَقُدَّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ وتُوقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ
والقَطُّ: يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ حَرْبٍ: رَأيْتُ في مُصْحَفٍ قَطًّا مِن دُبُرٍ؛ أيْ: شَقًّا، قالَ يَعْقُوبُ: الشَّقُّ في الجِلْدِ الصَّحِيحِ والثَّوْبِ الصَّحِيحِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (قَطَّ) .
﴿وألْفَيا سَيِّدَها﴾ أيْ: وجَدَ أوْ صادَفا زَوْجَها وهو قِطْفِيرُ، والمَرْأةُ تَقُولُ لِبَعْلِها: سَيِّدِي، ولَمْ يُضَفْ إلَيْهِما؛ لِأنَّ قِطْفِيرَ لَيْسَ سَيِّدَ يُوسُفَ عَلى الحَقِيقَةِ، ويُقالُ: ألْفاهُ ووارَطَهُ وصادَفَهُ ووالَطَهُ ولاظَهُ، كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قِيلَ: ألْفَياهُ مُقْبِلًا يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ، وقِيلَ: مَعَ ابْنِ عَمِّ المَرْأةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرابَهُ أمْرُهُما وقالَ: ما لَكُما ؟ فَلَمّا سَألَ وقَدْ خافَتَ لَوْمَهُ أوْ سَبْقَ يُوسُفَ بِالقَوْلِ، بادَرَتْ أنْ جاءَتْ بِحِيلَةٍ جَمَعَتْ فِيها بَيْنَ تَبْرِئَةِ ساحَتِها مِنَ الرِّيبَةِ، وغَضَبِها عَلى يُوسُفَ وتَخْوِيفِهِ طَمَعًا في مُواقَعَتِها خِيفَةً مِن مَكْرِها، كَرْهًا لَمّا آيَسَتْ أنْ يُواقِعَها طَوْعًا، ألا تَرى إلى قَوْلِها: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: ٣٢] ؟ ولَمْ تُصَرِّحْ باسِمِ يُوسُفَ، بَلْ أتَتْ بِلَفْظٍ عامٍّ وهو قَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ﴾ وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ، و(ما) الظّاهِرُ أنَّها نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنَ ؟ وبَدَأتْ بِالسِّجْنِ إبْقاءً عَلى مَحْبُوبِها، ثُمَّ تَرَقَّتْ إلى العَذابِ الألِيمِ، قِيلَ: وهو الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، وقَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ﴾ أيْ: إنَّ الذَّنْبَ ثابِتٌ مُتَقَرِّرٌ في حَقِّهِ، وأتَتْ بِلَفْظِ (بِسُوءٍ) أيْ: بِما يَسُوءُ، ولَيْسَ نَصًّا في مَعْصِيَةٍ كُبْرى، إذْ يَحْتَمِلُ خِطابُهُ لَها بِما يَسُوؤُها، أوْ ضَرْبَهُ إيّاها. وقَوْلُها: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾، يَدُلُّ عَلى عِظَمِ مَوْقِعِ السِّجْنِ مِن ذَوِي الأقْدارِ حَيْثُ قَرَنَتْهُ بِالعَذابِ الألِيمِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أوْ عَذابًا ألِيمًا) وقَدَّرَهُ الكِسائِيُّ أوْ يُعَذَّبُ عَذابًا ألِيمًا، ولَمّا أغْرَتْ بِيُوسُفَ وأظْهَرَتْ تُهْمَتَهُ احْتاجَ إلى إزالَةِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ولَمْ يَسْبِقْ إلى القَوْلِ أوْلًا سَتْرًا عَلَيْها، فَلَمّا خافَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى عِرْضِهِ الطّاهِرِ قالَ: (هي) وأتى بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ إذْ كانَ غَلَبَ عَلَيْهِ الحَياءُ أنْ يُشِيرَ إلَيْها ويُعَيِّنَها بِالإشارَةِ فَيَقُولُ: هَذِهِ راوَدَتْنِي، أوْ تِلْكَ راوَدَتْنِي، لِأكُنْ في المُواجَهَةِ بِالقَبِيحِ ما لَيْسَ في الغَيْبَةِ، ولَمّا تَعارَضَ قَوْلاهُما عِنْدَ العَزِيزِ وكانَ رَجُلًا فِيهِ إناءَةً ونَصْفَةً، طَلَبَ الشّاهِدَ مِن كُلٍّ مِنهُما.
﴿فَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والضَّحّاكُ: كانَ ابْنُ خالَتِها طِفْلًا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى الحُجَّةِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ: (إنَّهُ مِنَ الصِّغارِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في المَهْدِ) وأسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ؛ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ؛ وابْنُ السَّوْداءِ» وقِيلَ: كانَ ابْنَ عَمِّها الَّذِي كانَ مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ قَتادَةَ، كانَ رَجُلًا حَلِيمًا مِن أهْلِها ذا رَأْيٍ يَأْخُذُ المَلِكُ بِرَأْيِهِ ويَسْتَشِيرُهُ، وقِيلَ: كانَ حَكَمًا حَكَّمَهُ زَوْجُها فَحَكَمَ بَيْنَهُما، وكانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها لِيَكُونَ أوْجَبَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْها، وأوْثَقَ لِبَراءَةِ يُوسُفَ، وأنْفى لِلتُّهْمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما في الدّارِ بِحَيْثُ لا يُشْعَرُ بِهِ، فَبَصَرَ بِما جَرى بَيْنَهُما، فَأغْضَبَهُ اللَّهُ لِيُوسُفَ، وشَهِدَ بِالحَقِّ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ حَبِيبٍ أنَّ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ المَقْدُودُ لِقَوْلِهِ: ﴿شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ ولا يُوصَفُ القَمِيصُ بِكَوْنِهِ شاهِدًا مِن أهْلِ المَرْأةِ، وسُمِّيَ الرَّجُلُ شاهِدًا مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشّاهِدِ، وهو تَخْرِيقُ القَمِيصِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّى قَوْلَهُ شَهادَةً؛ لِأنَّهُ أدّى تَأْدِيَتَها في ثَبْتِ قَوْلِ يُوسُفَ وبَطْلِ قَوْلِها، و”﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾“ مَحْكِيٌّ إمّا بِـ (قالَ) مُضْمَرَةٍ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وإمّا بِـ (شَهِدَ) لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ مِنَ الأقْوالِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، و(كانَ) هُنا دَخَلَتْ عَلَيْها أداةُ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ خِلافُ المُبَرِّدِ والجُمْهُورِ (p-٢٩٨)فِيها، هَلْ هي باقِيَةٌ عَلى مُضِيِّها ولَمْ تَقْلِبْها أداةُ الشَّرْطِ ؟ أوِ المَعْنى: أنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنَهُ، فَأداةُ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَصَدَقَتْ﴾ و(فَكَذَبَتْ)، وهو عَلى إضْمارِ ”قَدْ“ أيْ: فَقَدْ صَدَقَتْ، وفَقَدَ كَذَبَتْ، ولَوْ كانَ فِعْلًا جامِدًا أوْ دُعاءً لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ قَدْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِن قُبُلٍ) و(مِن دُبُرٍ) بِضَمِّ الباءِ فِيهِما والتَّنْوِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ: بِتَسْكِينِها وبِالتَّنْوِينِ وهي لُغَةُ الحِجازِ وأسَدٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والعُطارِدِيُّ وأبُو الزِّنادِ ونُوحٌ القارِئُ والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ بِخِلافٍ عَنْهُ: (مِن قُبُلٍ، ومِن دُبُرٍ) بِثَلاثِ صِماتٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجارُودُ أيْضًا في رِوايَةٍ عَنْهم: بِإسْكانِ الباءِ مَعَ بِنائِهِما عَلى الضَّمِّ، جَعَلُوها غايَةً نَحْوَ: مِن قَبْلُ. ومَعْنى الغايَةِ: أنْ يَصِيرَ المُضافُ غايَةَ نَفْسِهِ بَعْدَما كانَ المُضافُ إلَيْهِ غايَتَهُ، والأصْلُ إعْرابُهُما؛ لِأنَّهُما اسْمانِ مُتَمَكِّنانِ، ولَيْسا بِظَرْفَيْنِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذا رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ، وإنَّما يَقَعُ هَذا البِناءُ في الظُّرُوفِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى مِن قُبُلِ القَمِيصِ ومِن دُبُرِهِ، وأمّا التَّنْكِيرُ فَمَعْناهُ مِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: قُبُلٌ، ومِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: دُبُرٌ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: أنَّهُ قَرَأ (مِن قُبُلَ ومِن دُبُرَ) بِالفَتْحِ، كَأنْ جَعَلَهُما عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ، فَمَنَعَهُما الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وقالَ أيْضًا: (فَإنْ قُلْتَ): إنْ دَلَّ (قُدَّ قَمِيصُهُ مِن دُبُرٍ) عَلى أنَّها كاذِبَةٌ وأنَّها هي الَّتِي تَبِعَتْهُ واجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ إلَيْها فَقَدَّتْهُ، فَمِن أيْنَ دَلَّ قَدُّهُ مِن قُبُلٍ عَلى أنَّها صادِقَةٌ، وأنَّهُ كانَ تابِعُها ؟ (قُلْتُ): مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ إذا كانَ تابَعَها وهي دافِعَةٌ عَنْ نَفْسِها فَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامِهِ بِالدَّفْعِ. والثّانِي: أنْ يُسْرِعَ خَلْفَها لِيَلْحَقَها، فَيَتَعَثَّرُ في قُدّامِ قَمِيصِهِ فَيَشُقُّهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾، ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، جُمْلَتانِ مُؤَكِّدَتانِ؛ لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، ومِن قَوْلِهِ: (فَكَذَبَتْ) يُعْلَمُ صِدْقُهُ، وفي بِناءِ ”قُدَّ“ لِلْمَفْعُولِ سَتْرٌ عَلى مَن قَدَّهُ، ولَمّا كانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها راعى جِهَةَ المَرْأةِ فَبَدَأ بِتَعْلِيقِ صِدْقِها عَلى تَبَيُّنِ كَوْنِ القَمِيصِ قُدَّ مِن قُبُلٍ، ولَمّا كانَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها أُبْرِزَ اسْمُ كانَ بِلَفْظِ المَظْهَرِ، ولَمْ يُضْمَرْ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ، ولِكَوْنِ التَّصْرِيحِ بِهِ أوْضَحَ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ غَوى) فَلَمّا رَأى العَزِيزُ، وقِيلَ: الشّاهِدُ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ: (إنَّهُ) أيْ: إنَّ قَوْلَكِ ﴿ما جَزاءُ﴾ إلى آخِرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ أنَّ هَذا الأمْرَ وهو طَمَعُها في يُوسُفَ، ذَكَرَهُ الماوَرَدِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ إلى تَمْزِيقِ القَمِيصِ قالَهُ: مُقاتِلٌ، والخِطابُ في ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ لَها ولِجَوارِيها، أوْ لَها ولِلنِّساءِ، ووَصَفَ كَيْدَ النِّساءِ بِالعِظَمِ، وإنْ كانَ قَدْ يُوجَدُ في الرِّجالِ؛ لِأنَّهُنَّ ألْطَفُ كَيْدًا بِما جُبِلْنَ عَلَيْهِ وبِما تَفَرَّغْنَ لَهُ، واكْتَسَبَ بَعْضُهُنَّ مِن بَعْضٍ، وهُنَّ أنْفَذُ حِيلَةً. وقالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وأمّا اللَّواتِي في القُصُورِ فَمَعَهُنَّ مِن ذَلِكَ ما لا يُوجَدُ لِغَيْرِهِنَّ، لِكَوْنِهِنَّ أكْثَرَ تَفَرُّغًا مِن غَيْرِهِنَّ، وأكْثَرَ تَأنُّسًا بِأمْثالِهِنَّ.
﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيْ: عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ، ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ، وفي نِدائِهِ بِاسْمِهِ تَقْرِيبٌ لَهُ وتَلْطِيفٌ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْها وقالَ: واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، والظّاهِرُ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا هو العَزِيزُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ناداهُ الشّاهِدُ وهو الرَّجُلُ الَّذِي كانَ مَعَ العَزِيزِ وقالَ: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أيْ لِزَوْجِكِ وسَيِّدِكِ، انْتَهى. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ الِاسْتِغْفارِ وهو قَوْلُهُ: (لِذَنْبِكِ) ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ الخاطِئاتِ؛ لِأنَّ الخاطِئِينَ أعَمُّ، لِأنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى الذُّكُورِ والإناثِ بِالتَّغْلِيبِ، يُقالُ: خُطِّئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ العَزِيزُ إلّا حَلِيمًا، رُوِيَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ، انْتَهى. وتُرْبَةُ إقْلِيمِ قِطْفِيرَ اقْتَضَتْ هَذا، وأيْنَ هَذا مِمّا جَرى لِبَعْضِ مُلُوكِنا أنَّهُ كانَ مَعَ نُدَمائِهِ المُخْتَصِّينَ بِهِ في مَجْلِسِ أُنْسٍ وجارِيَةٌ تُغَنِّيهِمْ مِن وراءِ سِتْرٍ، فاسْتَعادَ بَعْضُ خُلَصائِهِ بَيْتَيْنِ مِنَ الجارِيَةِ كانَتْ قَدْ غَنَّتْ بِهِما، فَما لَبِثَ أنْ جِيءَ بِرَأْسِ الجارِيَةِ مَقْطُوعًا في طَسْتٍ وقالَ لَهُ المَلِكُ: اسْتَعِدِ البَيْتَيْنِ مِن هَذا الرَّأْسِ، فَسَقَطَ في يَدِ ذَلِكَ (p-٢٩٩)المُسْتَعِيدِ، ومَرِضَ مُدَّةَ حَياةِ ذَلِكَ المَلِكِ.
يوسف 12:29
﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
أيْ: واسْتَبَقَ يُوسُفُ وامْرَأةُ العَزِيزِ إلى البابِ هَذا لِلْخُرُوجِ والهُرُوبِ مِنها، وهَذِهِ لِمَنعِهِ ومُراوَدَتِهِ، وأصْلُ اسْتَبَقَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى، فَحُذِفَ اتِّساعًا، وتَقَدَّمَ أنَّ الأبْوابَ سَبْعَةٌ، فَكانَ تَنْفَتِحُ لَهُ الأبْوابُ بابًا بابًا مِن غَيْرِ مِفْتاحٍ، عَلى ما نُقِلَ عَنْ كَعْبٍ أنَّ فِراشَ القُفْلِ كانَ يَتَناثَرُ ويَسْقُطُ، حَتّى خَرَجَ مِنَ الأبْوابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأبْوابُ المُغْلَقَةُ لَيْسَتْ عَلى التَّرْتِيبِ بابًا فَبابًا، بَلْ تَكُونُ في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها مَنافِذُ لِلْمَكانِ الَّذِي كانا فِيهِ، فاسْتَبَقا إلى بابٍ يَخْرُجُ مِنهُ، ولا يَكُونُ السّابِعَ عَلى التَّرْتِيبِ بَلْ أحَدَها، ﴿وقَدَّتْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (p-٢٩٧)﴿واسْتَبَقا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا؛ أيْ: وقَدْ قَدَّتْ جَذَبَتْهُ مِن خَلْفِهِ بِأعْلى القَمِيصِ مِن طَوْقِهِ، فانْخَرَقَ إلى أسْفَلِهِ، والقَدُّ: القَطْعُ والشَّقُّ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ فِيما كانَ طُولًا قالَ:
؎تَقُدَّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ وتُوقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ
والقَطُّ: يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ حَرْبٍ: رَأيْتُ في مُصْحَفٍ قَطًّا مِن دُبُرٍ؛ أيْ: شَقًّا، قالَ يَعْقُوبُ: الشَّقُّ في الجِلْدِ الصَّحِيحِ والثَّوْبِ الصَّحِيحِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (قَطَّ) .
﴿وألْفَيا سَيِّدَها﴾ أيْ: وجَدَ أوْ صادَفا زَوْجَها وهو قِطْفِيرُ، والمَرْأةُ تَقُولُ لِبَعْلِها: سَيِّدِي، ولَمْ يُضَفْ إلَيْهِما؛ لِأنَّ قِطْفِيرَ لَيْسَ سَيِّدَ يُوسُفَ عَلى الحَقِيقَةِ، ويُقالُ: ألْفاهُ ووارَطَهُ وصادَفَهُ ووالَطَهُ ولاظَهُ، كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قِيلَ: ألْفَياهُ مُقْبِلًا يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ، وقِيلَ: مَعَ ابْنِ عَمِّ المَرْأةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرابَهُ أمْرُهُما وقالَ: ما لَكُما ؟ فَلَمّا سَألَ وقَدْ خافَتَ لَوْمَهُ أوْ سَبْقَ يُوسُفَ بِالقَوْلِ، بادَرَتْ أنْ جاءَتْ بِحِيلَةٍ جَمَعَتْ فِيها بَيْنَ تَبْرِئَةِ ساحَتِها مِنَ الرِّيبَةِ، وغَضَبِها عَلى يُوسُفَ وتَخْوِيفِهِ طَمَعًا في مُواقَعَتِها خِيفَةً مِن مَكْرِها، كَرْهًا لَمّا آيَسَتْ أنْ يُواقِعَها طَوْعًا، ألا تَرى إلى قَوْلِها: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: ٣٢] ؟ ولَمْ تُصَرِّحْ باسِمِ يُوسُفَ، بَلْ أتَتْ بِلَفْظٍ عامٍّ وهو قَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ﴾ وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ، و(ما) الظّاهِرُ أنَّها نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنَ ؟ وبَدَأتْ بِالسِّجْنِ إبْقاءً عَلى مَحْبُوبِها، ثُمَّ تَرَقَّتْ إلى العَذابِ الألِيمِ، قِيلَ: وهو الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، وقَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ﴾ أيْ: إنَّ الذَّنْبَ ثابِتٌ مُتَقَرِّرٌ في حَقِّهِ، وأتَتْ بِلَفْظِ (بِسُوءٍ) أيْ: بِما يَسُوءُ، ولَيْسَ نَصًّا في مَعْصِيَةٍ كُبْرى، إذْ يَحْتَمِلُ خِطابُهُ لَها بِما يَسُوؤُها، أوْ ضَرْبَهُ إيّاها. وقَوْلُها: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾، يَدُلُّ عَلى عِظَمِ مَوْقِعِ السِّجْنِ مِن ذَوِي الأقْدارِ حَيْثُ قَرَنَتْهُ بِالعَذابِ الألِيمِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أوْ عَذابًا ألِيمًا) وقَدَّرَهُ الكِسائِيُّ أوْ يُعَذَّبُ عَذابًا ألِيمًا، ولَمّا أغْرَتْ بِيُوسُفَ وأظْهَرَتْ تُهْمَتَهُ احْتاجَ إلى إزالَةِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ولَمْ يَسْبِقْ إلى القَوْلِ أوْلًا سَتْرًا عَلَيْها، فَلَمّا خافَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى عِرْضِهِ الطّاهِرِ قالَ: (هي) وأتى بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ إذْ كانَ غَلَبَ عَلَيْهِ الحَياءُ أنْ يُشِيرَ إلَيْها ويُعَيِّنَها بِالإشارَةِ فَيَقُولُ: هَذِهِ راوَدَتْنِي، أوْ تِلْكَ راوَدَتْنِي، لِأكُنْ في المُواجَهَةِ بِالقَبِيحِ ما لَيْسَ في الغَيْبَةِ، ولَمّا تَعارَضَ قَوْلاهُما عِنْدَ العَزِيزِ وكانَ رَجُلًا فِيهِ إناءَةً ونَصْفَةً، طَلَبَ الشّاهِدَ مِن كُلٍّ مِنهُما.
﴿فَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والضَّحّاكُ: كانَ ابْنُ خالَتِها طِفْلًا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى الحُجَّةِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ: (إنَّهُ مِنَ الصِّغارِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في المَهْدِ) وأسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ؛ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ؛ وابْنُ السَّوْداءِ» وقِيلَ: كانَ ابْنَ عَمِّها الَّذِي كانَ مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ قَتادَةَ، كانَ رَجُلًا حَلِيمًا مِن أهْلِها ذا رَأْيٍ يَأْخُذُ المَلِكُ بِرَأْيِهِ ويَسْتَشِيرُهُ، وقِيلَ: كانَ حَكَمًا حَكَّمَهُ زَوْجُها فَحَكَمَ بَيْنَهُما، وكانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها لِيَكُونَ أوْجَبَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْها، وأوْثَقَ لِبَراءَةِ يُوسُفَ، وأنْفى لِلتُّهْمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما في الدّارِ بِحَيْثُ لا يُشْعَرُ بِهِ، فَبَصَرَ بِما جَرى بَيْنَهُما، فَأغْضَبَهُ اللَّهُ لِيُوسُفَ، وشَهِدَ بِالحَقِّ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ حَبِيبٍ أنَّ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ المَقْدُودُ لِقَوْلِهِ: ﴿شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ ولا يُوصَفُ القَمِيصُ بِكَوْنِهِ شاهِدًا مِن أهْلِ المَرْأةِ، وسُمِّيَ الرَّجُلُ شاهِدًا مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشّاهِدِ، وهو تَخْرِيقُ القَمِيصِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّى قَوْلَهُ شَهادَةً؛ لِأنَّهُ أدّى تَأْدِيَتَها في ثَبْتِ قَوْلِ يُوسُفَ وبَطْلِ قَوْلِها، و”﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾“ مَحْكِيٌّ إمّا بِـ (قالَ) مُضْمَرَةٍ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وإمّا بِـ (شَهِدَ) لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ مِنَ الأقْوالِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، و(كانَ) هُنا دَخَلَتْ عَلَيْها أداةُ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ خِلافُ المُبَرِّدِ والجُمْهُورِ (p-٢٩٨)فِيها، هَلْ هي باقِيَةٌ عَلى مُضِيِّها ولَمْ تَقْلِبْها أداةُ الشَّرْطِ ؟ أوِ المَعْنى: أنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنَهُ، فَأداةُ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَصَدَقَتْ﴾ و(فَكَذَبَتْ)، وهو عَلى إضْمارِ ”قَدْ“ أيْ: فَقَدْ صَدَقَتْ، وفَقَدَ كَذَبَتْ، ولَوْ كانَ فِعْلًا جامِدًا أوْ دُعاءً لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ قَدْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِن قُبُلٍ) و(مِن دُبُرٍ) بِضَمِّ الباءِ فِيهِما والتَّنْوِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ: بِتَسْكِينِها وبِالتَّنْوِينِ وهي لُغَةُ الحِجازِ وأسَدٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والعُطارِدِيُّ وأبُو الزِّنادِ ونُوحٌ القارِئُ والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ بِخِلافٍ عَنْهُ: (مِن قُبُلٍ، ومِن دُبُرٍ) بِثَلاثِ صِماتٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجارُودُ أيْضًا في رِوايَةٍ عَنْهم: بِإسْكانِ الباءِ مَعَ بِنائِهِما عَلى الضَّمِّ، جَعَلُوها غايَةً نَحْوَ: مِن قَبْلُ. ومَعْنى الغايَةِ: أنْ يَصِيرَ المُضافُ غايَةَ نَفْسِهِ بَعْدَما كانَ المُضافُ إلَيْهِ غايَتَهُ، والأصْلُ إعْرابُهُما؛ لِأنَّهُما اسْمانِ مُتَمَكِّنانِ، ولَيْسا بِظَرْفَيْنِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذا رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ، وإنَّما يَقَعُ هَذا البِناءُ في الظُّرُوفِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى مِن قُبُلِ القَمِيصِ ومِن دُبُرِهِ، وأمّا التَّنْكِيرُ فَمَعْناهُ مِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: قُبُلٌ، ومِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: دُبُرٌ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: أنَّهُ قَرَأ (مِن قُبُلَ ومِن دُبُرَ) بِالفَتْحِ، كَأنْ جَعَلَهُما عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ، فَمَنَعَهُما الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وقالَ أيْضًا: (فَإنْ قُلْتَ): إنْ دَلَّ (قُدَّ قَمِيصُهُ مِن دُبُرٍ) عَلى أنَّها كاذِبَةٌ وأنَّها هي الَّتِي تَبِعَتْهُ واجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ إلَيْها فَقَدَّتْهُ، فَمِن أيْنَ دَلَّ قَدُّهُ مِن قُبُلٍ عَلى أنَّها صادِقَةٌ، وأنَّهُ كانَ تابِعُها ؟ (قُلْتُ): مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ إذا كانَ تابَعَها وهي دافِعَةٌ عَنْ نَفْسِها فَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامِهِ بِالدَّفْعِ. والثّانِي: أنْ يُسْرِعَ خَلْفَها لِيَلْحَقَها، فَيَتَعَثَّرُ في قُدّامِ قَمِيصِهِ فَيَشُقُّهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾، ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، جُمْلَتانِ مُؤَكِّدَتانِ؛ لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، ومِن قَوْلِهِ: (فَكَذَبَتْ) يُعْلَمُ صِدْقُهُ، وفي بِناءِ ”قُدَّ“ لِلْمَفْعُولِ سَتْرٌ عَلى مَن قَدَّهُ، ولَمّا كانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها راعى جِهَةَ المَرْأةِ فَبَدَأ بِتَعْلِيقِ صِدْقِها عَلى تَبَيُّنِ كَوْنِ القَمِيصِ قُدَّ مِن قُبُلٍ، ولَمّا كانَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها أُبْرِزَ اسْمُ كانَ بِلَفْظِ المَظْهَرِ، ولَمْ يُضْمَرْ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ، ولِكَوْنِ التَّصْرِيحِ بِهِ أوْضَحَ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ غَوى) فَلَمّا رَأى العَزِيزُ، وقِيلَ: الشّاهِدُ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ: (إنَّهُ) أيْ: إنَّ قَوْلَكِ ﴿ما جَزاءُ﴾ إلى آخِرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ أنَّ هَذا الأمْرَ وهو طَمَعُها في يُوسُفَ، ذَكَرَهُ الماوَرَدِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ إلى تَمْزِيقِ القَمِيصِ قالَهُ: مُقاتِلٌ، والخِطابُ في ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ لَها ولِجَوارِيها، أوْ لَها ولِلنِّساءِ، ووَصَفَ كَيْدَ النِّساءِ بِالعِظَمِ، وإنْ كانَ قَدْ يُوجَدُ في الرِّجالِ؛ لِأنَّهُنَّ ألْطَفُ كَيْدًا بِما جُبِلْنَ عَلَيْهِ وبِما تَفَرَّغْنَ لَهُ، واكْتَسَبَ بَعْضُهُنَّ مِن بَعْضٍ، وهُنَّ أنْفَذُ حِيلَةً. وقالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وأمّا اللَّواتِي في القُصُورِ فَمَعَهُنَّ مِن ذَلِكَ ما لا يُوجَدُ لِغَيْرِهِنَّ، لِكَوْنِهِنَّ أكْثَرَ تَفَرُّغًا مِن غَيْرِهِنَّ، وأكْثَرَ تَأنُّسًا بِأمْثالِهِنَّ.
﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيْ: عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ، ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ، وفي نِدائِهِ بِاسْمِهِ تَقْرِيبٌ لَهُ وتَلْطِيفٌ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْها وقالَ: واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، والظّاهِرُ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا هو العَزِيزُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ناداهُ الشّاهِدُ وهو الرَّجُلُ الَّذِي كانَ مَعَ العَزِيزِ وقالَ: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أيْ لِزَوْجِكِ وسَيِّدِكِ، انْتَهى. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ الِاسْتِغْفارِ وهو قَوْلُهُ: (لِذَنْبِكِ) ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ الخاطِئاتِ؛ لِأنَّ الخاطِئِينَ أعَمُّ، لِأنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى الذُّكُورِ والإناثِ بِالتَّغْلِيبِ، يُقالُ: خُطِّئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ العَزِيزُ إلّا حَلِيمًا، رُوِيَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ، انْتَهى. وتُرْبَةُ إقْلِيمِ قِطْفِيرَ اقْتَضَتْ هَذا، وأيْنَ هَذا مِمّا جَرى لِبَعْضِ مُلُوكِنا أنَّهُ كانَ مَعَ نُدَمائِهِ المُخْتَصِّينَ بِهِ في مَجْلِسِ أُنْسٍ وجارِيَةٌ تُغَنِّيهِمْ مِن وراءِ سِتْرٍ، فاسْتَعادَ بَعْضُ خُلَصائِهِ بَيْتَيْنِ مِنَ الجارِيَةِ كانَتْ قَدْ غَنَّتْ بِهِما، فَما لَبِثَ أنْ جِيءَ بِرَأْسِ الجارِيَةِ مَقْطُوعًا في طَسْتٍ وقالَ لَهُ المَلِكُ: اسْتَعِدِ البَيْتَيْنِ مِن هَذا الرَّأْسِ، فَسَقَطَ في يَدِ ذَلِكَ (p-٢٩٩)المُسْتَعِيدِ، ومَرِضَ مُدَّةَ حَياةِ ذَلِكَ المَلِكِ.
يوسف 12:30
﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤] ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨] ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١] ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] ﴿وقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤]
النِّسْوَةُ بِكَسْرِ النُّونِ فِعْلَةٌ، وهو جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِلْقِلَّةِ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، وزَعَمَ ابْنُ السَّرّاجِ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النِّسْوَةُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لِجَمْعِ المَرْأةِ، وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِذا لَمْ تَلْحَقْ فِعْلَهُ تاءُ التَّأْنِيثِ، انْتَهى. وعَلى أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لا يُلْحِقُ التّاءَ لِأنَّهُ يَجُوزُ: قامَتِ الهُنُودُ، وقامَ الهُنُودُ، وقَدْ تُضَمُّ نُونُهُ فَتَكُونُ إذْ ذاكَ اسْمُ جَمْعٍ، وتَكْسِيرُهُ لِلْكَثْرَةِ عَلى نِسْوانٍ، والنِّساءُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِلْكَثْرَةِ أيْضًا، ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.
شَغَفَ: خَرَقَ الشَّغافَ، وهو حِجابُ القَلْبِ، وقِيلَ: سُوَيْداؤُهُ، وقِيلَ: داءٌ يَصِلُ إلى القَلْبِ فَيَنْفُذُ إلى القَلْبِ، وكَسْرُ الغَيْنِ لُغَةُ تَمِيمٍ، وقِيلَ: الشَّغافُ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقالُ لَها لِسانُ القَلْبِ، شَغَفَ وصَلَتِ الحِدَّةُ إلى القَلْبِ فَكانَ يَحْتَرِقُ مِن شَغَفِ البَعِيرِ إذا هَنَّأهُ فَأحْرَقَهُ بِالقَطْرانِ، والمَشْغُوفُ الَّذِي أحْرَقَ الحُبُّ قَلْبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎يَعْصِي الوُشاةَ وكانَ الحُبُّ آوِنَةً مِمّا يُزَيِّنُ لِلْمَشْغُوفِ ما صَنَعا
وقَدْ تُكْسَرُ غَيْنُهُ، المُتَّكَأُ: الوِسادَةُ والنَّمْرَقَةُ. المَتْكُ: الأُتْرُجُّ، والواحِدُ مُتْكَةٌ قالَ الشّاعِرُ:
؎فَأهْدَتْ مُتْكَةً لَهْيَ أبِيها
وقِيلَ: اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ الأُتْرُجَّ وغَيْرَهُ مِنَ الفَواكِهِ. قالَ:
؎يَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ ونَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارًا
وهُوَ مِن مُتْكٍ بِمَعْنى بَتَكَ الشَّيْءَ أيْ: قَطَعَهُ. وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: المُتْكُ بِالضَّمِّ عِنْدَ الخَلِيلِ العَسَلُ، وعِنْدَ الأصْمَعِيِّ الأُتْرُجُّ. وقالَ أبُو عُمَرَ: والشَّرابُ الخالِصُ، وقالَ أبُو عُمَرَ: وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ، المُتْكُ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ. وقِيلَ: بِالكَسْرِ الخِلالُ، وقِيلَ: بَلِ المِسْكُ. وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا: فِيهِ اللُّغاتُ الثَّلاثُ، وقَدْ يَكُونُ بِالفَتْحِ المُجَمَّرِ عِنْدَ قُضاعَةَ، وقالَ أيْضًا: قَدْ يَكُونُ في اللُّغاتِ الثَّلاثِ الفالُوذَ المُعَقَّدَ. (p-٣٠٠)وقالَ الفَضْلُ: في اللُّغاتِ الثَّلاثِ هو البَزَماوَرْدُ، وكُلُّ مَلْفُوفٍ بِلَحْمٍ ورُقاقٍ، وقالَ أيْضًا: المُتْكُ بِالضَّمِّ المائِدَةُ، أوِ الخَمْرُ في لُغَةِ كِنْدَةَ، السِّكِّينُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَهُ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ، ولَمْ يَعْرِفِ الأصْمَعِيُّ فِيهِ إلّا التَّذْكِيرَ، حاشَ: قالَ الفَرّاءُ مِنَ العَرَبِ مَن يُتِمُّها، وفي لُغَةِ الحِجازِ: حاشَ لَكَ، وبَعْضِ العَرَبِ: حَشى زَيْدٌ كَأنَّهُ أرادَ حَشى لِزَيْدٍ، وهي في أهْلِ الحِجازِ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حاشا كَلِمَةٌ تُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ في الِاسْتِثْناءِ، تَقُولُ: أساءَ القَوْمُ حاشا زَيْدٍ، قالَ:
؎حاشا أبِي ثَوْبانَ أنَّ لَنا ∗∗∗ ضَنًّا عَنِ المِلْحاةِ والشَّتْمِ
وهِيَ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الجَرِّ فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ التَّنْزِيهِ والبَراءَةِ، فَمَعْنى حاشَ اللَّهِ: بَراءَةُ اللَّهِ، وتَنْزِيهُ اللَّهِ، انْتَهى. وما ذُكِرَ أنَّها تُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ في بابِ الِاسْتِثْناءِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ، قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، وقامَ القَوْمُ حاشى زَيْدٍ، ولَمّا مَثَّلَ بِقَوْلِهِ أساءَ القَوْمُ حاشى زَيْدٌ، وفُهِمَ مِن هَذا التَّمْثِيلِ بَراءَةُ زَيْدٍ مِنَ الإساءَةِ، جَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَفادًا مِنها في كُلِّ مَوْضِعٍ، وأمّا ما أنْشَدَهُ مِن قَوْلِهِ: حاشى أبِي ثَوْبانَ، فَكَذا يُنْشِدُهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأكْثَرُ النُّحاةِ، وهو بَيْتٌ رَكَّبُوا فِيهِ صَدْرَ بَيْتٍ عَلى عَجْزٍ آخَرَ، وهُما مِن بَيْتَيْنِ، وهُما: حاشى أبِي ثَوْبانَ أنَّ أبا ثَوْبانَ لَيْسَ بِبُكْمَةٍ فَدَمِ
؎عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إنَّ بِهِ ∗∗∗ ضَنًّا عَنِ المِلْحاةِ والشَّتْمِ
عَصْرُ العِنَبِ وغَيْرِهِ أخْرَجَ ما فِيهِ مِنَ المائِعِ بِقُوَّةٍ. الخُبْزُ: مَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أخْبازٌ، ومَعانِيهِ خَبّازٌ. البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسَعِ قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى السَّبْعَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البِضْعُ لا يَبْلُغُ العَقْدَ ولا نِصْفَ العَقْدِ، وإنَّما هو مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: ولا يُذْكَرُ البِضْعُ إلّا مَعَ العَشَراتِ، ولا يُذْكَرُ مَعَ مِائَةٍ ولا ألْفٍ، السِّمَنُ: مَعْرُوفٌ وهو مَصْدَرُ سَمِنَ يَسْمَنَ، واسْمُ الفاعِلِ سَمِينٌ، والمَصْدَرُ واسْمُ الفاعِلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، العَجْفاءُ: المَهْذُولَةُ جِدًّا قالَ:
؎ورِجالُ مَكَةَ مُسْتَنُّونَ عِجافٌ
الضِّغْثُ أقَلُّ مِنَ الحُزْمَةِ وأكْثَرُ مِنَ القَبْضَةِ مِنَ النَّباتِ والعُشْبِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ أوْ مِن أخْلاطِ النَّباتِ والعُشْبِ، فَمِن جِنْسٍ واحِدٍ ما رُوِيَ في قَوْلِهِ: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص: ٤٤] إنَّهُ أخَذَ عُثْكالًا مِنَ النَّخْلِ، ورُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَعَلَ نَحْوَ هَذا في إقامَةِ حَدٍّ عَلى رَجُلٍ، وقالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎خَوْدٌ كَأنَّ فِراشَها وُضِعَتْ بِهِ ∗∗∗ أضْغاثُ رَيْحانٍ غَداةَ شِمالِ
ومِنَ الأخْلاطِ قَوْلُ العَرَبِ في أمْثالِها: ضَغَثَ عَلى إمالَةٍ.
﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
لَمْ تَلْحَقْ تاءُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرِ (p-٣٠١)المُؤَنَّثِ، ويَجُوزُ فِيهِ الوَجْهانِ، ونِسْوَةٌ كَما ذَكَرْنا جَمْعُ قِلَّةٍ، وكُنَّ عَلى ما نُقِلَ خَمْسًا: امْرَأةً خَبّازَةً، وامْرَأةً ساقِيَةً، وامْرَأةً بَوّابَةً، وامْرَأةً سَجّانَةً، وامْرَأةَ صاحِبِ دَوابِّهِ، ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ هي مِصْرُ، ومَعْنى ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ أنَّهم أشاعُوا هَذا الأمْرَ مِن حُبِّ امْرَأةِ العَزِيزِ لِيُوسُفَ، وصَرَّحُوا بِإضافَتِها إلى العَزِيزِ مُبالَغَةً في التَّشْنِيعِ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ أقْبَلُ لِسَماعِ ذَوِي الأخْطارِ وما يَجْرِي لَهم، وعَبَّرَتْ بِـ ﴿تُراوِدُ﴾ وهو المُضارِعُ الدّالُّ عَلى أنَّهُ صارَ ذَلِكَ سَجِيَّةً لَها، تُخادِعُهُ دائِمًا عَنْ نَفْسِهِ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، ولَمْ يَقُلْنَ: راوَدَتْ فَتاها، ثُمَّ نَبَّهْنَ عَلى عِلَّةِ دَيْمُومَةِ المُراوَدَةِ وهي كَوْنُهُ قَدْ شَغَفَها حُبًّا؛ أيْ: بَلَغَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها، وانْتَصَبَ (حُبًّا) عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ كَقَوْلِهِ: مَلَأْتُ الإناءَ ماءً، أصْلُهُ مَلَأ الماءُ الإناءَ، وأصْلُ هَذا شَغَفَها حُبُّهُ، والفَتى الغُلامُ وعُرْفُهُ في المَمْلُوكِ، وفي الحَدِيثِ: «لا يَقُلْ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي» وقَدْ قِيلَ في غَيْرِ المَمْلُوكِ، وأصْلُ الفَتى في اللُّغَةِ الشّابُّ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ جُلُّ الخِدْمَةِ شُبّانًا اسْتُعِيرَ لَهُمُ اسْمُ الفَتى، وقَرَأ ثابِتٌ البَناتِيُّ: ﴿شَغَفَها﴾ بِكَسْرِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، والجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والشَّعْبِيُّ وعَوْفٌ الأعْرابِيُّ: بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وكَذَلِكَ قَتادَةُ وابْنُ هُرْمُزَ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ والزُّهْرِيُّ بِخِلافٍ عَنْهم، ورُوِيَ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ وابْنِ رَجاءٍ كَسْرِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّغَفُ في الحُبِّ، والشَّعَفُ في البُغْضِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: الشَّغَفُ والمَشْغُوفُ بِالغَيْنِ المَنقُوطَةِ في الحُبِّ، والشَّغَفُ الجُنُونُ، والمَشْعُوفُ المَجْنُونُ، وأدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ دالَّ (قَدْ) في شِينِ ﴿شَغَفَها﴾ ثُمَّ نَقَمْنَ عَلَيْها ذَلِكَ فَقُلْنَ: ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: في تَحَيُّرٍ واضِحٍ لِلنّاسِ.
يوسف 12:31
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾
رُوِيَ أنَّ تِلْكَ المَقالَةَ الصّادِرَةَ عَنِ النِّسْوَةِ إنَّما قَصَدْنَ بِها المَكْرَ بِامْرَأةِ العَزِيزِ لِيُغْضِبْنَها (p-٣٠٢)حَتّى تَعْرِضَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفَ لِيَبِينَ عُذْرُها، أوْ يَحِقُّ لَوْمُها و(مَكْرِهِنَّ) هو اغْتِيابُهُنَّ إيّاها، وسُوءُ مَقالَتِهِنَّ فِيها أنَّها عَشِقَتْ يُوسُفَ، وسُمِّيَ الِاغْتِيابُ مَكْرًا، لِأنَّهُ في خُفْيَةٍ وحالِ غَيْبَةٍ، كَما يُخْفِي الماكِرُ مَكْرَهُ. وقِيلَ: كانَتِ اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ عَلَيْها، أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ لِيَحْضُرْنَ، قِيلَ: دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً مِنهُنَّ الخَمْسُ المَذْكُوراتُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى تِلْكَ النِّسْوَةِ القائِلَةِ ما قُلْنَ عَنْها.
﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ: يَسَّرْتَ وهَيَّأْتَ لَهُنَّ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ النَّمارِقِ والمَخادِّ والوَسائِدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ في مَجْلِسٍ أُعِدَّ لِلْكَرامَةِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإكْرامِ لا يَخْلُو مِن طَعامٍ وشَرابٍ، وهُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجِئْنَ واتَّكَأْنَ، ومُتَّكَئًا إمّا أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ وأعْتَدَتْ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مُتَّكَئًا، كَما جاءَتْ ﴿وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (مُتَّكَئًا) مَجْلِسًا، ذَكَرَهُ الزَّهْراوِيُّ، ويَكُونُ (مُتَّكَئًا) ظَرْفَ مَكانٍ؛ أيْ: مَكانًا يَتَّكِئْنَ فِيهِ، وعَلى ما تَقَدَّمَ تَكُونُ الآلاتُ الَّتِي يُتَّكَأُ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُتَّكَأُ الطَّعامُ يُحَزُّ حَزًّا. قالَ القُتَبِيُّ: يُقالُ اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ؛ أيْ أكَلْنا، ويَكُونُ هَذا مِنَ المَجازِ عَبَّرَ بِالهَيْئَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآكِلُ المُتْرَفُ بِالمُتَّكَأِ وهي عادَةُ المُتْرَفِينَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﷺ: (أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا) أوْ كَما قالَ: وإذا كانَ المُتَّكَأُ لَيْسَ مُعَبَّرًا بِهِ عَمّا يُؤْكَلُ، فَمَعْلُومٌ أنَّ مِثْلَ هَذا المَجْلِسِ لا بُدَّ فِيهِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ، فَيَكُونُ في جُمْلَةِ الطَّعامِ ما يُقْطَعُ بِالسَّكاكِينِ، فَقِيلَ: كانَ لَحْمًا وكانُوا لا يَنْهَشُونَ اللَّحْمَ، إنَّما كانُوا يَأْكُلُونَهُ حَزًّا بِالسَّكاكِينِ، وقِيلَ: كانَ أُتْرُجًّا، وقِيلَ: كانَ بَزْماوَرْدَ وهو شَبِيهٌ بِالأُتْرُجِّ مَوْجُودٌ في تِلْكَ البِلادِ، وقِيلَ: هو مَصْنُوعٌ مِن سُكَّرٍ ولَوْزٍ وأخْلاطٍ، ومَضْمُونُهُ: أنَّهُ يَحْتاجُ إلى أنْ يُقْطَعَ بِالسِّكِّينِ، وعادَةً مَن يَقْطَعُ شَيْئًا أنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلَيْهِ، قِيلَ: وكانَ قَصْدُها في بُرُوزِهِنَّ عَلى هَذِهِ الهَيْئاتِ مُتَّكِئاتٍ في أيْدِيهِنَّ سَكاكِينُ يَحْزُزْنَ بِها شَيْئَيْنِ؛ أحَدُهُما: دَهْشِهِنَّ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وشَغْلِهِنَّ بِأنْفُسِهِنَّ، فَتَقَعُ أيْدِيهِنَّ عَلى أيْدِيهِنَّ فَيَقْطَعْنَها فَتُبَكِّتُهُنَّ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَكْرًا بِهِنَّ إذْ ذَهَلْنَ عَمّا أصابَهُنَّ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ، وما أحْسَسْنَ بِهِ مَعَ الألَمِ الشَّدِيدِ لِفَرْطِ ما غَلَبَ عَلَيْهِنَّ مِنِ اسْتِحْسانِ يُوسُفَ وسَلْبِهِ عُقُولَهُنَّ. والثّانِي: التَّهْوِيلُ عَلى يُوسُفَ بِمَكْرِها إذا خَرَجَ عَلى نِساءٍ مُجْتَمِعاتٍ في أيْدِيهِنَّ الخَناجِرُ، تُوهِمُهُ أنَّهُنَّ يَثِبْنَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ يَحْذَرُ مَكْرَهًا دائِمًا، ولَعَلَّهُ يُجِيبُها إلى مُرادِها عَلى زَعْمِها ذَلِكَ، ويُوسُفُ قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِن كُلِّ ما تُرِيدُهُ بِهِ مِنَ السُّوءِ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: مُتَّكِي مُشَدَّدُ التّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ بِوَزْنِ مُتَّقِي، فاحْتَمَلَ ذَلِكَ وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مِنَ الِاتِّكاءِ، وفِيهِ تَخْفِيفُ الهَمْزِ كَما قالُوا في تَوَضَّأْتُ: تَوْضِئَةٌ. والثّانِيَ: يَكُونُ مُفْتَعَلًا مِن أوْكَيْتُ السِّقاءَ إذا شَدَدْتُهُ؛ أيْ: ما يَشْتَدِدْنَ عَلَيْهِ، إمّا بِالِاتِّكاءِ، وإمّا بِالقَطْعِ بِالسِّكِّينِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: (مُتَّكِئًا) مُفَعَّلًا مِن تَكِئَ يَتَّكِئُ إذا اتَّكَأ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ: ﴿مُتَّكَأً﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ، وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الِاتِّكاءِ، إلّا أنَّهُ أشْبَعَ الفَتْحَةَ فَتَوَلَّدَتْ مِنها الألِفُ كَما قالُوا: ومَن ذَمَّ الرِّجالَ بِمُنْتَزاحٍ، وقالُوا:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ الشّائِلاتِ عُقَدَ الأذْنابِ
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ والكَلْبِيُّ وإبانُ بْنُ تَغْلِبَ: (مُتْكًا) بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ التّاءِ وتَنْوِينِ الكافِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ومُعاذٌ، وكَذَلِكَ إلّا أنَّهُما فَتَحا المِيمَ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مُتْكٍ، ومَتْكٍ في المُفْرَداتِ، وقالَتْ: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ، هَذا الخِطابُلِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وخُرُوجُهُ يَدُلُّ عَلى طَواعِيَتِها فِيما لا يَعْصِي اللَّهَ فِيهِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ، ومَعْنى ﴿أكْبَرْنَهُ﴾ أعَظَمْنَهُ ودَهِشْنَ بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ الجَمالِ الفائِقِ الرّائِعِ، قِيلَ: كانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلى النّاسِ في الحُسْنِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى نُجُومِ السَّماءِ، وفي حَدِيثِ الإسْراءِ «أنَّ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ (p-٣٠٣)عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا أُخْبِرَ بِلُقْيا يُوسُفَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ رَأيْتَهُ ؟ قالَ: ”كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ“» وقِيلَ: كانَ إذا سارَ في أزِقَّةِ مِصْرَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ، كَما يُرى نُورُ الشَّمْسِ، وقِيلَ: كانَ يُشْبِهُ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ رَبُّهُ، وقِيلَ: ورِثَ الجَمالَ عَنْ جَدَّتِهِ سارَةَ، وقالَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ الهاشِمِيُّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: مَعْناهُ حِضْنَ، وأنْشَدَ بَعْضُ النِّساءِ حُجَّةً لِهَذا التَّأْوِيلِ:
؎تَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ تَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارا
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، والبَيْتُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ، كَذَلِكَ قالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ولَيْسَ عَبْدُ الصَّمَدِ مِن رُواةِ العِلْمِ رَحِمَهُ اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ، والهاءُ لِلسَّكْتِ يُقالُ: أكْبَرَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ، وحَقِيقَتُهُ مِنَ الكِبَرِ لِأنَّها بِالحَيْضِ تَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الصِّغَرِ إلى حَدِّ الكِبَرِ، وكَأنَّ أبا الطَّيِّبِ أخَذَ مِن هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلَهُ:
؎خَفِ اللَّهِ واسْتُرْ ذا الجَمالَ بِبُرْقُعٍ ∗∗∗ فَإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ، انْتَهى. وإجْماعُ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ الهاءِ في الوَصْلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَيْسَتْ هاءَ السَّكْتِ؛ إذْ لَوْ كانَتْ هاءَ السَّكْتِ، وكانَ مَن أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، لَمْ يَضُمَّ الهاءَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ في ﴿أكْبَرْنَهُ﴾ عَلى يُوسُفَ إنْ ثَبَتَ أنَّ أكْبَرَ بِمَعْنى حاضَ، فَتَكُونُ الهاءُ عائِدَةً عَلى المَصْدَرِ أيْ: أكْبَرْنَ الإكْبارَ، وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ أيْ جَرَحْنَها، كَما تَقُولُ: كُنْتُ أقْطَعُ اللَّحْمَ فَقَطَعْتُ يَدِي، والتَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ إمّا بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ القاطِعاتِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ لِتَكْثِيرِ الحَزِّ في يَدِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ، فالجُرْحُ كَأنَّهُ وقَعَ مِرارًا في اليَدِ الواحِدَةِ وصاحِبَتُها لا تَشْعُرُ لِما ذَهَبَتْ بِما راعَها مِن جَمالِ يُوسُفَ، فَكَأنَّها غابَتْ عَنْ حِسِّها، والظّاهِرُ أنَّ الأيْدِيَ هي الجَوارِحُ المُسَمّاةُ بِهَذا الِاسْمِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: الأيْدِي هُنا الأكْمامُ، ولَمّا فَعَلْنَ هَذا الفِعْلَ الصَّعْبَ مِن جَرْحِ أيْدِيهِنَّ، وغَلَبَ عَلَيْهِنَّ ما رَأيْنَ مِن يُوسُفَ وحُسْنِهِ قُلْنَ: ﴿حاشَ لِلَّهِ﴾، قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الشِّينِ، و(لِلَّهِ) بِلامِ الجَرِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: (حاشا لِلَّهِ) بِغَيْرِ ألِفٍ ولامِ الجَرِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الأعْمَشُ: (حَشى) عَلى وزْنِ رَمى (لِلَّهِ) بِلامِ الجَرِّ، وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿حاشَ﴾ بِسُكُونِ الشِّينِ وصْلًا ووَقْفًا بِلامِ الجَرِّ، وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: (حاشى اللَّهِ) بِالإضافَةِ، وعَنْهُما كَقِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، قالَهُ صاحِبُ اللَوامِحِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (حاشَ الإلَهِ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَحْذُوفًا مِن حاشى. وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: بِحَذْفِ الألِفِ، وهَذِهِ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَرْفَ جَرٍّ يَجُرُّ ما بَعْدَهُ، فَأمّا الإلَهُ فَإنَّهُ فَكَّهُ عَنِ الإدْغامِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ المَفْعُولِ، ومَعْناهُ المَأْلُوهُ بِمَعْنى المَعْبُودِ، قالَ: وحُذِفَتِ الألِفُ مِن ”حاشَ“ لِلتَّخْفِيفِ، انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وصاحِبُ اللَوامِحِ: مِن أنَّ الألِفَ في حاشى في قِراءَةِ الحَسَنِ مَحْذُوفَةٌ لا تَتَعَيَّنُ، إلّا أنْ نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ يَقِفُ في هَذِهِ القِراءَةِ بِسُكُونِ الشِّينِ، فَإنْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ في ذَلِكَ شَيْءٌ فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الألِفُ حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ إذِ الأصْلُ ”حاشا الإلَهِ“، ثُمَّ نُقِلَ فَحَذَفَ الهَمْزَةَ وحَرَّكَ اللّامَ بِحَرَكَتِها، ولَمْ يُعْتَدَّ بِهَذا التَّحْرِيكِ لِأنَّهُ عارِضٌ، كَما تَنْحَذِفُ في ”يَخْشى الإلَهَ“، ولَوِ اعْتَدَّ بِالحَرَكَةِ لَمْ تُحْذَفِ الألِفُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: (حاشًا لِلَّهِ) بِالتَّنْوِينِ كَرَعْيًا لِلَّهِ، فَأمّا القِراآتُ (لِلَّهِ) بِلامِ الجَرِّ في غَيْرِ قِراءَةِ أبِي السَّمّالِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها مِن حاشى، أوْ حاشَ، أوْ حَشى، أوْ حاشْ حَرْفُ جَرٍّ، لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ لا يَدْخُلُ عَلى حَرْفِ الجَرِّ، ولِأنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِما بِالحَذْفِ، وأصْلُ التَّصَرُّفِ بِالحَذْفِ أنْ لا يَكُونَ في الحُرُوفِ، وزَعَمَ المُبَرِّدُ وغَيْرُهُ كابْنِ عَطِيَّةَ: أنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِعْلِيَّتُها، ويَكُونُ الفاعِلُ ضَمِيرَ يُوسُفَ؛ أيْ: حاشا يُوسُفَ أنْ يُقارِفَ ما رَمَتْهُ بِهِ، ومَعْنى (لِلَّهِ): لِطاعَةِ اللَّهِ، أوْ لِمَكانَةٍ مِنَ اللَّهِ، أوْ لِتَرْفِيعِ اللَّهِ أنْ يُرْمى بِما رَمَتْهُ بِهِ، أوْ يُذْعِنَ إلى مِثْلِهِ؛ لِأنَّ تِلْكَ أفْعالُ البَشَرِ، وهو لَيْسَ مِنهم، إنَّما هو مَلَكٌ، وعَلى هَذا تَكُونُ اللّامُ في (لِلَّهِ) (p-٣٠٤)لِلتَّعْلِيلِ أيْ: جانَبَ يُوسُفُ المَعْصِيَةَ لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ، أوْ لِما ذَهَبَ قَبْلُ، وذَهَبَ غَيْرُ المُبَرِّدِ إلى أنَّها اسْمٌ، وانْتِصابُها انْتِصابُ المَصْدَرِ الواقِعِ بَدَلًا مِنَ اللَّفْظِ بِالفِعْلِ كَأنَّهُ قالَ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ، ويَدُلُّ عَلى اسْمِيَّتِها قِراءَةُ أبِي السَّمّالِ (حاشًا) مُنَوَّنًا، وعَلى هَذا القَوْلِ يَتَعَلَّقُ (لِلَّهِ) بِمَحْذُوفٍ عَلى البَيانِ كَـ لَكَ بَعْدَ سُقْيًا، ولَمْ يُنَوَّنْ في القِراآتِ المَشْهُورَةِ مُراعاةً لِأصْلِهِ الَّذِي نُقِلَ مِنهُ وهو الحَرْفُ، ألا تَراهم قالُوا: مِن عَنْ يَمِينِهِ، فَجَعَلُوا (عَنْ) اسْمًا ولَمْ يُعْرِبُوهُ وقالُوا: (مِن عَلَيْهِ) فَلَمْ يُثْبِتُوا ألِفَهُ مَعَ المُضْمَرِ، بَلْ أبْقُوا (عَنْ) عَلى بِنائِهِ، وقَلَبُوا ألِفَ (عَلى) مَعَ الضَّمِيرِ مُراعاةً لِأصْلِها، وأمّا قِراءَةُ الحَسَنِ وقِراءَةُ أُبَيٍّ بِالإضافَةِ فَهو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى ألِفِهِ كَما قالُوا: سُبْحانَ اللَّهَ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّ (حاشى) حَرْفُ اسْتِثْناءٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎حاشا أبِي ثَوْبانَ
انْتَهى. وأمّا قِراءَةُ الحَسَنِ (حاشْ) بِالتَّسْكِينِ فَفِيها جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وقَدْ ضَعَّفُوا ذَلِكَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى تَنْزِيهُ اللَّهِ مِن صِفاتِ العَجْزِ، والتَّعَجُّبُ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ جَمِيلٍ مِثْلِهِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] فالتَّعَجُّبُ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ عَفِيفٍ مِثْلِهِ، ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ لَمّا كانَ غَرِيبَ الجَمالِ فائِقَ الحُسْنِ عَمّا عَلَيْهِ حُسْنُ صُوَرِ الإنْسانِ، نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ، وأثْبَتْنَ لَهُ المَلَكِيَّةَ، لِما كانَ مَرْكُوزًا في الطِّباعِ حُسْنُ المَلَكِ، وإنْ كانَ لا يُرى، وقَدْ نَطَقَ بِذَلِكَ شُعَراءُ العَرَبِ والمُحَدِّثُونَ، قالَ بَعْضُ العَرَبِ:
؎فَلَسْتَ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلاكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ
وقالَ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ:
؎قَوْمٌ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً ∗∗∗ حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا
وانْتِصابُ (بَشَرًا) عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ولِذا جاءَ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] ولُغَةُ تَمِيمٍ الرَّفْعُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ عَلى سَلِيقَتِهِ مِن بَنِي تَمِيمٍ قَرَأ (بَشَرٌ) بِالرَّفْعِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، انْتَهى، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو الَحُوَيْرِثِ الحَنَفِيُّ: (ما هَذا بُشْرى)، قالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ بِمَبِيعٍ أوْ بِمُشْرًى أيْ: لَيْسَ هَذا مِمّا يُشْتَرى ويُباعُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَيْسَ بِثَمَنٍ كَأنَّهُ قالَ: هو أرْفَعُ مِن أنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، فالشِّراءُ هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ المَفْعُولِ بِهِ، وتابَعَهُما عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو عَلى ذَلِكَ، وزادَ عَلَيْهِما: (إلّا مَلِكٌ) بِكَسْرِ اللّامِ واحِدُ المُلُوكِ، فَهم نَفُوا بِذَلِكَ عَنْهُ ذُلَّ المَمالِيكِ وجَعَلُوهُ في حَيِّزِ المُلُوكِ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى. ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَسْرَ اللّامِ لِلْحَسَنِ وأبِي الحُوَيْرِثِ اللَّذَيْنِ قَرَآ (بُشْرى) قالَ: لَمّا اسْتَعْظَمْنَ حُسْنَ صُورَتِهِ قُلْنَ هَذا ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا بُشْرى، إنْ هَذا إلّا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَلِكًا كَرِيمًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (ما هَذا بُشْرى) أيْ: بِعَبْدٍ مَمْلُوكٍ لَئِيمٍ، إنْ هَذا إلّا مَلِكٌ كَرِيمٌ، تَقُولُ: هَذا بُشْرى؛ أيْ: حاصِلُ بُشْرى، بِمَعْنى هَذا مُشْتَرِي، وتَقُولُ: هَذا لَكَ بُشْرى؛ أيْ: بِكْرًا. وقالَ: وإعْمالُ (ما) عَمَلَ لَيْسَ هي اللُّغَةُ القُدْمى الحِجازِيَّةُ، وبِها ورَدَ القُرْآنُ، انْتَهى. وإنَّما قالَ القُدْمى؛ لِأنَّ الكَثِيرَ في لُغَةِ الحِجازِ إنَّما هو جَرُّ الخَبَرِ بِالباءِ، فَتَقُولُ: ما زَيْدٌ بِقائِمٍ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ ما جاءَ في القُرْآنِ، وأمّا نَصْبُ الخَبَرِ فَمِن لُغَةِ الحِجازِ القَدِيمَةِ، حَتّى أنَّ النَّحْوِيِّينَ لَمْ يَجِدُوا شاهِدًا عَلى نَصْبِ الخَبَرِ في أشْعارِ الحِجازِ يِّينَ غَيْرَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وأنا النَّذِيرُ بِحُرَّةٍ مُسَوَّدَةٍ ∗∗∗ تَصِلُ الجُيُوشَ إلَيْكم أقْوادُها
؎أبْناؤُها مُتَكَنِّفُونَ أباهم ∗∗∗ حَنَقُوا الصُّدُورَ وما هم أوْلادُها
وقالَ الفَرّاءُ وهو سامِعُ لُغَةٍ حافِظٌ ثِقَةٌ: لا يَكادُ أهْلُ الحِجازِ يَنْطِقُونَ إلّا بِالباءِ، فَلَمّا غَلَبَ عَلى أهْلِ الحِجازِ النُّطْقُ بِالباءِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اللُّغَةُ القُدْمى الحِجازِ يَّةُ، فالقُرْآنُ جاءَ بِاللُّغَتَيْنِ القُدْمى وغَيْرِها.
يوسف 12:32
(p-٣٠٥)﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾
(ذا) اسْمُ الإشارَةِ، واللّامُ لِبُعْدِ المُشارِ، و(كُنَّ) خِطابٌ لِتِلْكَ النِّسْوَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ لَمّا رَأى دَهْشَهُنَ وتَقْطِيعَ أيْدِيهِنَّ بِالسَّكاكِينِ وقَوْلِهِنَّ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] بَعُدَ عَنْهُنَّ إبْقاءً عَلَيْهِنَّ في أنْ لا تَزْدادَ فِتْنَتُهُنَّ، وفي أنْ يَرْجِعْنَ إلى حُسْنِهِنَّ، فَأشارَتْ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي لِلْبَعِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أشارَتْ إلَيْهِ) وهو لِلْبُعْدِ قَرِيبٌ بِلَفْظِ البَعِيدِ رَفْعًا لِمَنزِلَتِهِ في الحُسْنِ، واسْتِبْعادًا لِمَحَلِّهِ فِيهِ، وأنَّهُ لِغَرابَتِهِ بَعِيدٌ أنْ يُوجَدَ مِنهُ، واسْمُ الإشارَةِ تَضَمَّنَ الأوْصافَ السّابِقَةَ (p-٣٠٦)فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي قَطَعْتُنَّ أيْدِيَكُنَّ بِسَبَبِهِ وأكْبَرْتُنَّهُ وقُلْتُنَّ فِيهِ ما قُلْتُنَّ مِن نَفْيِ البَشَرِيَّةِ عَنْهُ وإثْباتِ المَلَكِيَّةِ لَهُ (هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) أيْ: في مَحَبَّتِهِ وشَغَفِي بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المَعْنى بِقَوْلِهِنَّ: عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ تَقُولُ: هَذا ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ ثُمَّ لُمْتُنَّنِي فِيهِ، يَعْنِي: إنَّكُنَّ لَوْ تُصَوِّرْنَهُ بِحَقٍّ صُورَتِهِ، ولَوْ صَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ، انْتَهى. والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى حُبِّ يُوسُفَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحُبِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى غائِبٍ عَلى بابِهِ، انْتَهى. ثُمَّ أقَرَّتِ امْرَأةُ العَزِيزِ لِلنِّسْوَةِ بِالمُراوَدَةِ، واسْتَنامَتْ إلَيْهِنَّ في ذَلِكَ؛ إذْ عَلِمَتْ أنَّهُنَّ قَدْ عَذَرْنَها.
﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ طَلَبَ العِصْمَةَ، وتَمَسَّكَ بِها وعَصانِي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والِاسْتِعْصامُ بِناءُ مُبالَغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ والتَّحَفُّظِ الشَّدِيدِ، كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ وهو يَجْتَهِدُ في الِاسْتِزادَةِ مِنها، ونَحْوَ: اسْتَمْسَكَ، واسْتَوْسَعَ، واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ، واسْتَفْحَلَ الخَطْبُ، وهَذا بَيانٌ لِما كانَ مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وبُرْهانٌ لا شَيْءَ أنْوَرُ مِنهُ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا أضافَ إلَيْهِ أهْلُ الحَشْوِ مِمّا فَسَّرُوا بِهِ الهَمَّ والبُرْهانَ، انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَ التَّصْرِيفِيُّونَ في اسْتَعْصَمَ أنَّهُ مُوافِقٌ لِاعْتَصَمَ، فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقٌ لِافْتَعَلَ، وهَذا أجْوَدُ مِن جَعْلِ اسْتَفْعَلَ فِيهِ لِلطَّلَبِ؛ لِأنَّ اعْتَصَمَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ اعْتِصامِهِ، وطَلَبَ العِصْمَةِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِها، وأمّا أنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِاجْتِهادِ في الِاسْتِزادَةِ مِنَ العِصْمَةِ، فَلَمْ يَذْكُرِ التَّصْرِيفِيُّونَ هَذا المَعْنى لِاسْتَفْعَلَ، وأمّا اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافَقَةٌ لِافْتَعَلَ، والمَعْنى: امْتَسَكَ واتَّسَعَ واجْتَمَعَ الرَّأْيَ، وأمّا اسْتَفْحَلَ الخَطْبُ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافَقَةٌ لِتَفَعَّلَ أيْ: تَفَحَّلَ الخَطْبُ نَحْوَ: اسْتَكْبَرَ وتَكَبَّرَ، ثُمَّ جَعَلَتْ تَتَوَعَّدُهُ مُقْسِمَةً عَلى ذَلِكَ وهو يَسْمَعُ قَوْلَها بِقَوْلِها: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ والضَّمِيرُ في (آمُرُهُ) عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ؛ أيْ: ما آمُرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ، كَما حُذِفَ في أمَرْتُكَ الخَيْرَ، ومَفْعُولُ (آمُرُ) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وكانَ التَّقْدِيرُ ما آمُرُهُ بِهِ، وإنْ جَعَلْتَ (ما) مَصْدَرِيَّةً جازَ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى يُوسُفَ أيْ: أمْرِي إيّاهُ، ومَعْناهُ: مُوجِبٌ أمْرِي، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ولَيَكُونَنَّ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، وكَتْبُها في المُصْحَفِ بِالألِفِ مُراعاةً لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالألِفِ كَقَوْلِ الأعْشى:
؎ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ واللَّهُ فاعْبُدا
(ومِنَ الصّاغِرِينَ): مِنَ الأذِلّاءِ، ولَمْ يَذْكُرْ هُنا العَذابَ الألِيمَ الَّذِي ذَكَرَتْهُ في ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] لِأنَّها إذْ ذاكَ كانَتْ في طَراوَةِ غَيْظِها ومُتَنَصِّلَةً مِن أنَّها هي الَّتِي راوَدَتْهُ، فَناسَبَ هُناكَ التَّغْلِيظَ بِالعُقُوبَةِ، وأمّا هُنا فَإنَّها في طَماعِيَةٍ ورَجاءٍ، وأقامَتْ عُذْرَها عِنْدَ النِّسْوَةِ، فَرَقَتْ عَلَيْهِ فَتَوَعَّدَتْهُ بِالسِّجْنِ، وقالَ لَهُ النِّسْوَةُ: أطِعْ وافْعَلْ ما أمَرَتْكَ بِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِنَّ لِما يَنْصَحْنَ لَهُ وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها، ونَهَيْنَهُ عَنْ إلْقاءِ نَفْسِهِ في السِّجْنِ والصَّغارِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى. والتَّقْدِيرُ: دُخُولُ السِّجْنِ، وقَرَأ عُثْمانُ ومَوْلاهُ طارِقٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ هُرْمُزَ ويَعْقُوبُ: (السَّجْنُ) بِفَتْحِ السِّينِ وهو مَصْدَرُ سَجَنَ؛ أيْ: حَبْسُهم إيّايَ في السِّجْنِ أحَبُّ إلَيَّ، و(أحَبُّ) هُنا لَيْسَتْ عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُحِبَّ ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ قَطُّ، وإنَّما هَذانِ شَرّانِ، فَآثَرَ أحَدَ الشَّرَّيْنِ عَلى الآخَرِ، وإنْ كانَ في أحَدِهِما مَشَقَّةٌ وفي الآخَرِ لَذَّةٌ، لَكِنْ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ اللَّذَّةِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ وسُوءِ العاقِبَةِ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ بِبالٍ، ولِما في الآخِرِ مِنِ احْتِمالِ المَشَقَّةِ في ذاتِ اللَّهِ، والصَّبْرِ عَلى النَّوائِبِ، وانْتِظارِ الفَرَجِ، والحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ داعِيًا لَهُ في تَخْلِيصِهِ، آثَرَهُ ثُمَّ ناطَ العِصْمَةَ بِاللَّهِ، واسْتَسْلَمَ لِلَّهِ كَعادَةِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، وأنَّهُ تَعالى لا يَصْرِفُ السُّوءَ إلّا هو، فَقالَ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أيْ: أمِلْ إلى ما (p-٣٠٧)يَدْعُونَنِي إلَيْهِ، وجَعَلَ جَوابَ الشَّرْطِ قَوْلَهُ: (أصْبُ) وهي كَلِمَةٌ مُشْعِرَةٌ بِالمَيْلِ فَقَطْ، لا بِمُباشَرَةِ المَعْصِيَةِ، وقُرِئَ ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ مِن صَبَبْتُ صَباةً فَأنا صَبٌّ، والصَّبابَةُ إفْراطُ الشَّوْقِ، كَأنَّهُ يَنْصَبُّ فِيما يَهْوى، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: (أصْبُ) مِن صَبا إلى اللَّهْوِ يَصْبُو صَبًا وصَبْوًا، ويُقالُ: صَبا يَصْبا صَبًا، والصِّبا بِالكَسْرِ اللَّهْوُ واللَّعِبُ، وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو ومَن لا يَعْلَمُ سَواءٌ، أوْ مِنَ السُّفَهاءِ لِأنَّ الوُقُوعَ في مُوافَقَةِ النِّساءِ والمَيْلِ إلَيْهِنَّ سَفاهَةٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أحْدى بِلَيْلِي وما هامَ الفُؤادُ بِها ∗∗∗ إلّا السَّفاهَ وإلّا ذَكِرَةً حُلُمًا
وذَكَرَ اسْتِجابَةَ اللَّهِ لَهُ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ دُعاءٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ فِيهِ مَعْنى طَلَبِ الصَّرْفِ والدُّعاءِ، وكَأنَّهُ قالَ: رَبِّ اصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ؛ أيْ: حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ، إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِدُعاءِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ، العَلِيمُ بِأحْوالِهِمْ وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نِيّاتُهم، ثُمَّ بَدا لَهم أيْ: ظَهَرَ لَهم، والفاعِلُ لِـ (بَدا) ضَمِيرٌ يُفَسِّرُهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ أيْ: بَدا لَهم هو؛ أيْ: رَأى أوْ بَدا، كَما قالَ:
؎بَـدا لَـكَ مِـنْ تِلْكَ القَلُوصِ بَداءُ
هَكَذا قالَهُ النُّحاةُ والمُفَسِّرُونَ، إلّا مَن أجازَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ فاعِلَةً، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: لَيَسْجُنُنَّهُ في مَوْضِعِ الفاعِلِ لِـ (بَدا) أيْ: سَجَنَهُ حَتّى حِينٍ، والرَّدُّ عَلى هَذا المَذْهَبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى السِّجْنِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ: (السِّجْنُ) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ عَلى (السَّجْنُ) عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ السِّينَ، والضَّمِيرُ في (لَهم) لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ، و(الآياتِ) هي: الشَّواهِدُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: قَدُّ القَمِيصِ، فَإنْ كانَ الشّاهِدُ طِفْلًا فَهي آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ رَجُلًا فَيَكُونُ اسْتِدْلالًا بِالعادَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الآيَةَ إنَّما يُعَبَّرُ بِها عَنِ الواضِحِ الجَلِيِّ، وجَمْعُها يَدُلُّ عَلى ظُهُورِ أُمُورٍ واضِحَةٍ دَلَّتْ عَلى بَراءَتِهِ، وقَدْ تَكُونُ الآياتُ الَّتِي رَأوْها لَمْ يَنُصَّ عَلى جَمِيعِها في القُرْآنِ، بَلْ رَأوْا قَوْلَ الشّاهِدِ وقَدَّ القَمِيصِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ، وأمّا ما ذَكَرَهُ عِكْرِمَةُ أنَّ مِنَ الآياتِ خَمْشُ وجْهِها، والسُّدِّيُّ مِن حَزِّ أيْدِيهِنَّ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى البَراءَةِ فَلا يَكُونُ آيَةً، و﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والقَسَمُ وجَوابُهُ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قائِلِينَ، وقَرَأ الحَسَنُ: (لَتَسْجُنُنَّهُ) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمُ العَزِيزَ ومَن يَلِيهِ، أوِ العَزِيزَ وحْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”عَتّى“ بِإبْدالِ حاءِ حَتّى عَيْنًا، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وأقْرَأ بِذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ يَأْمُرُهُ أنْ يُقْرِئَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ ”حَتّى“ لا بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، والمَعْنى: إلى زَمانٍ، والحِينُ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الوَقْتِ، ومَن عَيَّنَ لَهُ هُنا زَمانًا فَإنَّما كانَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ مُدَّةِ سِجْنِ يُوسُفَ، لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ كَذَلِكَ، وكَأنَّها اقْتَرَحَتْ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ، وفي سَجْنِهِمْ لِيُوسُفَ دَلِيلٌ عَلى مَكِيدَةِ النِّساءِ، واسْتِنْزالُ المَرْأةِ لِزَوْجِها ومُطاوَعَتِهِ لَها، وعِشْقِهِ لَها، وجَعْلِهِ زِمامَ أمْرِهِ بِيَدِها، هَذا مَعَ ظُهُورِ خِيانَتِها وبَراءَةِ يُوسُفَ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا امْتَنَعَ يُوسُفُ مِنَ المَعْصِيَةِ، ويَئِسَتْ مِنهُ امْرَأةُ العَزِيزِ قالَتْ لِزَوْجِها: إنَّ هَذا الغُلامَ العِبْرانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي في النّاسِ، وهو يَعْتَذِرُ إلَيْهِمْ ويَصِفُ الأمْرَ بِحَسَبِ اخْتِيارِهِ، وأنا مَحْبُوسَةٌ مَحْجُوبَةٌ، فَإمّا أذِنْتَ لِي فَخَرَجْتُ إلى النّاسِ فاعْتَذَرْتُ وكَذَّبْتُهُ، وإلّا حَبَسْتَهُ كَما أنا مَحْبُوسَةٌ، فَحِينَئِذٍ بَدا لَهم سَجْنُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأمَرَ بِهِ فَحُمِلَ عَلى حِمارٍ، وضُرِبَ بِالطَّبْلِ، ونُودِيَ عَلَيْهِ في أسْواقِ مِصْرَ أنَّ يُوسُفَ العِبْرانِيَّ أرادَ سَيِّدَتَهُ، فَهَذا جَزاؤُهُ أنْ يُسْجَنَ، قالَ أبُو صالِحٍ: ما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ إلّا بَكى.
يوسف 12:33
(p-٣٠٥)﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾
(ذا) اسْمُ الإشارَةِ، واللّامُ لِبُعْدِ المُشارِ، و(كُنَّ) خِطابٌ لِتِلْكَ النِّسْوَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ لَمّا رَأى دَهْشَهُنَ وتَقْطِيعَ أيْدِيهِنَّ بِالسَّكاكِينِ وقَوْلِهِنَّ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] بَعُدَ عَنْهُنَّ إبْقاءً عَلَيْهِنَّ في أنْ لا تَزْدادَ فِتْنَتُهُنَّ، وفي أنْ يَرْجِعْنَ إلى حُسْنِهِنَّ، فَأشارَتْ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي لِلْبَعِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أشارَتْ إلَيْهِ) وهو لِلْبُعْدِ قَرِيبٌ بِلَفْظِ البَعِيدِ رَفْعًا لِمَنزِلَتِهِ في الحُسْنِ، واسْتِبْعادًا لِمَحَلِّهِ فِيهِ، وأنَّهُ لِغَرابَتِهِ بَعِيدٌ أنْ يُوجَدَ مِنهُ، واسْمُ الإشارَةِ تَضَمَّنَ الأوْصافَ السّابِقَةَ (p-٣٠٦)فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي قَطَعْتُنَّ أيْدِيَكُنَّ بِسَبَبِهِ وأكْبَرْتُنَّهُ وقُلْتُنَّ فِيهِ ما قُلْتُنَّ مِن نَفْيِ البَشَرِيَّةِ عَنْهُ وإثْباتِ المَلَكِيَّةِ لَهُ (هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) أيْ: في مَحَبَّتِهِ وشَغَفِي بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المَعْنى بِقَوْلِهِنَّ: عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ تَقُولُ: هَذا ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ ثُمَّ لُمْتُنَّنِي فِيهِ، يَعْنِي: إنَّكُنَّ لَوْ تُصَوِّرْنَهُ بِحَقٍّ صُورَتِهِ، ولَوْ صَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ، انْتَهى. والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى حُبِّ يُوسُفَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحُبِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى غائِبٍ عَلى بابِهِ، انْتَهى. ثُمَّ أقَرَّتِ امْرَأةُ العَزِيزِ لِلنِّسْوَةِ بِالمُراوَدَةِ، واسْتَنامَتْ إلَيْهِنَّ في ذَلِكَ؛ إذْ عَلِمَتْ أنَّهُنَّ قَدْ عَذَرْنَها.
﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ طَلَبَ العِصْمَةَ، وتَمَسَّكَ بِها وعَصانِي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والِاسْتِعْصامُ بِناءُ مُبالَغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ والتَّحَفُّظِ الشَّدِيدِ، كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ وهو يَجْتَهِدُ في الِاسْتِزادَةِ مِنها، ونَحْوَ: اسْتَمْسَكَ، واسْتَوْسَعَ، واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ، واسْتَفْحَلَ الخَطْبُ، وهَذا بَيانٌ لِما كانَ مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وبُرْهانٌ لا شَيْءَ أنْوَرُ مِنهُ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا أضافَ إلَيْهِ أهْلُ الحَشْوِ مِمّا فَسَّرُوا بِهِ الهَمَّ والبُرْهانَ، انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَ التَّصْرِيفِيُّونَ في اسْتَعْصَمَ أنَّهُ مُوافِقٌ لِاعْتَصَمَ، فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقٌ لِافْتَعَلَ، وهَذا أجْوَدُ مِن جَعْلِ اسْتَفْعَلَ فِيهِ لِلطَّلَبِ؛ لِأنَّ اعْتَصَمَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ اعْتِصامِهِ، وطَلَبَ العِصْمَةِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِها، وأمّا أنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِاجْتِهادِ في الِاسْتِزادَةِ مِنَ العِصْمَةِ، فَلَمْ يَذْكُرِ التَّصْرِيفِيُّونَ هَذا المَعْنى لِاسْتَفْعَلَ، وأمّا اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافَقَةٌ لِافْتَعَلَ، والمَعْنى: امْتَسَكَ واتَّسَعَ واجْتَمَعَ الرَّأْيَ، وأمّا اسْتَفْحَلَ الخَطْبُ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافَقَةٌ لِتَفَعَّلَ أيْ: تَفَحَّلَ الخَطْبُ نَحْوَ: اسْتَكْبَرَ وتَكَبَّرَ، ثُمَّ جَعَلَتْ تَتَوَعَّدُهُ مُقْسِمَةً عَلى ذَلِكَ وهو يَسْمَعُ قَوْلَها بِقَوْلِها: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ والضَّمِيرُ في (آمُرُهُ) عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ؛ أيْ: ما آمُرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ، كَما حُذِفَ في أمَرْتُكَ الخَيْرَ، ومَفْعُولُ (آمُرُ) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وكانَ التَّقْدِيرُ ما آمُرُهُ بِهِ، وإنْ جَعَلْتَ (ما) مَصْدَرِيَّةً جازَ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى يُوسُفَ أيْ: أمْرِي إيّاهُ، ومَعْناهُ: مُوجِبٌ أمْرِي، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ولَيَكُونَنَّ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، وكَتْبُها في المُصْحَفِ بِالألِفِ مُراعاةً لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالألِفِ كَقَوْلِ الأعْشى:
؎ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ واللَّهُ فاعْبُدا
(ومِنَ الصّاغِرِينَ): مِنَ الأذِلّاءِ، ولَمْ يَذْكُرْ هُنا العَذابَ الألِيمَ الَّذِي ذَكَرَتْهُ في ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] لِأنَّها إذْ ذاكَ كانَتْ في طَراوَةِ غَيْظِها ومُتَنَصِّلَةً مِن أنَّها هي الَّتِي راوَدَتْهُ، فَناسَبَ هُناكَ التَّغْلِيظَ بِالعُقُوبَةِ، وأمّا هُنا فَإنَّها في طَماعِيَةٍ ورَجاءٍ، وأقامَتْ عُذْرَها عِنْدَ النِّسْوَةِ، فَرَقَتْ عَلَيْهِ فَتَوَعَّدَتْهُ بِالسِّجْنِ، وقالَ لَهُ النِّسْوَةُ: أطِعْ وافْعَلْ ما أمَرَتْكَ بِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِنَّ لِما يَنْصَحْنَ لَهُ وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها، ونَهَيْنَهُ عَنْ إلْقاءِ نَفْسِهِ في السِّجْنِ والصَّغارِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى. والتَّقْدِيرُ: دُخُولُ السِّجْنِ، وقَرَأ عُثْمانُ ومَوْلاهُ طارِقٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ هُرْمُزَ ويَعْقُوبُ: (السَّجْنُ) بِفَتْحِ السِّينِ وهو مَصْدَرُ سَجَنَ؛ أيْ: حَبْسُهم إيّايَ في السِّجْنِ أحَبُّ إلَيَّ، و(أحَبُّ) هُنا لَيْسَتْ عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُحِبَّ ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ قَطُّ، وإنَّما هَذانِ شَرّانِ، فَآثَرَ أحَدَ الشَّرَّيْنِ عَلى الآخَرِ، وإنْ كانَ في أحَدِهِما مَشَقَّةٌ وفي الآخَرِ لَذَّةٌ، لَكِنْ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ اللَّذَّةِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ وسُوءِ العاقِبَةِ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ بِبالٍ، ولِما في الآخِرِ مِنِ احْتِمالِ المَشَقَّةِ في ذاتِ اللَّهِ، والصَّبْرِ عَلى النَّوائِبِ، وانْتِظارِ الفَرَجِ، والحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ داعِيًا لَهُ في تَخْلِيصِهِ، آثَرَهُ ثُمَّ ناطَ العِصْمَةَ بِاللَّهِ، واسْتَسْلَمَ لِلَّهِ كَعادَةِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، وأنَّهُ تَعالى لا يَصْرِفُ السُّوءَ إلّا هو، فَقالَ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أيْ: أمِلْ إلى ما (p-٣٠٧)يَدْعُونَنِي إلَيْهِ، وجَعَلَ جَوابَ الشَّرْطِ قَوْلَهُ: (أصْبُ) وهي كَلِمَةٌ مُشْعِرَةٌ بِالمَيْلِ فَقَطْ، لا بِمُباشَرَةِ المَعْصِيَةِ، وقُرِئَ ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ مِن صَبَبْتُ صَباةً فَأنا صَبٌّ، والصَّبابَةُ إفْراطُ الشَّوْقِ، كَأنَّهُ يَنْصَبُّ فِيما يَهْوى، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: (أصْبُ) مِن صَبا إلى اللَّهْوِ يَصْبُو صَبًا وصَبْوًا، ويُقالُ: صَبا يَصْبا صَبًا، والصِّبا بِالكَسْرِ اللَّهْوُ واللَّعِبُ، وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو ومَن لا يَعْلَمُ سَواءٌ، أوْ مِنَ السُّفَهاءِ لِأنَّ الوُقُوعَ في مُوافَقَةِ النِّساءِ والمَيْلِ إلَيْهِنَّ سَفاهَةٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أحْدى بِلَيْلِي وما هامَ الفُؤادُ بِها ∗∗∗ إلّا السَّفاهَ وإلّا ذَكِرَةً حُلُمًا
وذَكَرَ اسْتِجابَةَ اللَّهِ لَهُ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ دُعاءٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ فِيهِ مَعْنى طَلَبِ الصَّرْفِ والدُّعاءِ، وكَأنَّهُ قالَ: رَبِّ اصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ؛ أيْ: حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ، إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِدُعاءِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ، العَلِيمُ بِأحْوالِهِمْ وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نِيّاتُهم، ثُمَّ بَدا لَهم أيْ: ظَهَرَ لَهم، والفاعِلُ لِـ (بَدا) ضَمِيرٌ يُفَسِّرُهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ أيْ: بَدا لَهم هو؛ أيْ: رَأى أوْ بَدا، كَما قالَ:
؎بَـدا لَـكَ مِـنْ تِلْكَ القَلُوصِ بَداءُ
هَكَذا قالَهُ النُّحاةُ والمُفَسِّرُونَ، إلّا مَن أجازَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ فاعِلَةً، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: لَيَسْجُنُنَّهُ في مَوْضِعِ الفاعِلِ لِـ (بَدا) أيْ: سَجَنَهُ حَتّى حِينٍ، والرَّدُّ عَلى هَذا المَذْهَبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى السِّجْنِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ: (السِّجْنُ) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ عَلى (السَّجْنُ) عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ السِّينَ، والضَّمِيرُ في (لَهم) لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ، و(الآياتِ) هي: الشَّواهِدُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: قَدُّ القَمِيصِ، فَإنْ كانَ الشّاهِدُ طِفْلًا فَهي آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ رَجُلًا فَيَكُونُ اسْتِدْلالًا بِالعادَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الآيَةَ إنَّما يُعَبَّرُ بِها عَنِ الواضِحِ الجَلِيِّ، وجَمْعُها يَدُلُّ عَلى ظُهُورِ أُمُورٍ واضِحَةٍ دَلَّتْ عَلى بَراءَتِهِ، وقَدْ تَكُونُ الآياتُ الَّتِي رَأوْها لَمْ يَنُصَّ عَلى جَمِيعِها في القُرْآنِ، بَلْ رَأوْا قَوْلَ الشّاهِدِ وقَدَّ القَمِيصِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ، وأمّا ما ذَكَرَهُ عِكْرِمَةُ أنَّ مِنَ الآياتِ خَمْشُ وجْهِها، والسُّدِّيُّ مِن حَزِّ أيْدِيهِنَّ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى البَراءَةِ فَلا يَكُونُ آيَةً، و﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والقَسَمُ وجَوابُهُ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قائِلِينَ، وقَرَأ الحَسَنُ: (لَتَسْجُنُنَّهُ) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمُ العَزِيزَ ومَن يَلِيهِ، أوِ العَزِيزَ وحْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”عَتّى“ بِإبْدالِ حاءِ حَتّى عَيْنًا، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وأقْرَأ بِذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ يَأْمُرُهُ أنْ يُقْرِئَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ ”حَتّى“ لا بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، والمَعْنى: إلى زَمانٍ، والحِينُ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الوَقْتِ، ومَن عَيَّنَ لَهُ هُنا زَمانًا فَإنَّما كانَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ مُدَّةِ سِجْنِ يُوسُفَ، لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ كَذَلِكَ، وكَأنَّها اقْتَرَحَتْ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ، وفي سَجْنِهِمْ لِيُوسُفَ دَلِيلٌ عَلى مَكِيدَةِ النِّساءِ، واسْتِنْزالُ المَرْأةِ لِزَوْجِها ومُطاوَعَتِهِ لَها، وعِشْقِهِ لَها، وجَعْلِهِ زِمامَ أمْرِهِ بِيَدِها، هَذا مَعَ ظُهُورِ خِيانَتِها وبَراءَةِ يُوسُفَ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا امْتَنَعَ يُوسُفُ مِنَ المَعْصِيَةِ، ويَئِسَتْ مِنهُ امْرَأةُ العَزِيزِ قالَتْ لِزَوْجِها: إنَّ هَذا الغُلامَ العِبْرانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي في النّاسِ، وهو يَعْتَذِرُ إلَيْهِمْ ويَصِفُ الأمْرَ بِحَسَبِ اخْتِيارِهِ، وأنا مَحْبُوسَةٌ مَحْجُوبَةٌ، فَإمّا أذِنْتَ لِي فَخَرَجْتُ إلى النّاسِ فاعْتَذَرْتُ وكَذَّبْتُهُ، وإلّا حَبَسْتَهُ كَما أنا مَحْبُوسَةٌ، فَحِينَئِذٍ بَدا لَهم سَجْنُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأمَرَ بِهِ فَحُمِلَ عَلى حِمارٍ، وضُرِبَ بِالطَّبْلِ، ونُودِيَ عَلَيْهِ في أسْواقِ مِصْرَ أنَّ يُوسُفَ العِبْرانِيَّ أرادَ سَيِّدَتَهُ، فَهَذا جَزاؤُهُ أنْ يُسْجَنَ، قالَ أبُو صالِحٍ: ما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ إلّا بَكى.
يوسف 12:34
(p-٣٠٥)﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾
(ذا) اسْمُ الإشارَةِ، واللّامُ لِبُعْدِ المُشارِ، و(كُنَّ) خِطابٌ لِتِلْكَ النِّسْوَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ لَمّا رَأى دَهْشَهُنَ وتَقْطِيعَ أيْدِيهِنَّ بِالسَّكاكِينِ وقَوْلِهِنَّ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] بَعُدَ عَنْهُنَّ إبْقاءً عَلَيْهِنَّ في أنْ لا تَزْدادَ فِتْنَتُهُنَّ، وفي أنْ يَرْجِعْنَ إلى حُسْنِهِنَّ، فَأشارَتْ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي لِلْبَعِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أشارَتْ إلَيْهِ) وهو لِلْبُعْدِ قَرِيبٌ بِلَفْظِ البَعِيدِ رَفْعًا لِمَنزِلَتِهِ في الحُسْنِ، واسْتِبْعادًا لِمَحَلِّهِ فِيهِ، وأنَّهُ لِغَرابَتِهِ بَعِيدٌ أنْ يُوجَدَ مِنهُ، واسْمُ الإشارَةِ تَضَمَّنَ الأوْصافَ السّابِقَةَ (p-٣٠٦)فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي قَطَعْتُنَّ أيْدِيَكُنَّ بِسَبَبِهِ وأكْبَرْتُنَّهُ وقُلْتُنَّ فِيهِ ما قُلْتُنَّ مِن نَفْيِ البَشَرِيَّةِ عَنْهُ وإثْباتِ المَلَكِيَّةِ لَهُ (هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) أيْ: في مَحَبَّتِهِ وشَغَفِي بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المَعْنى بِقَوْلِهِنَّ: عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ تَقُولُ: هَذا ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ ثُمَّ لُمْتُنَّنِي فِيهِ، يَعْنِي: إنَّكُنَّ لَوْ تُصَوِّرْنَهُ بِحَقٍّ صُورَتِهِ، ولَوْ صَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ، انْتَهى. والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى حُبِّ يُوسُفَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحُبِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى غائِبٍ عَلى بابِهِ، انْتَهى. ثُمَّ أقَرَّتِ امْرَأةُ العَزِيزِ لِلنِّسْوَةِ بِالمُراوَدَةِ، واسْتَنامَتْ إلَيْهِنَّ في ذَلِكَ؛ إذْ عَلِمَتْ أنَّهُنَّ قَدْ عَذَرْنَها.
﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ طَلَبَ العِصْمَةَ، وتَمَسَّكَ بِها وعَصانِي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والِاسْتِعْصامُ بِناءُ مُبالَغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ والتَّحَفُّظِ الشَّدِيدِ، كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ وهو يَجْتَهِدُ في الِاسْتِزادَةِ مِنها، ونَحْوَ: اسْتَمْسَكَ، واسْتَوْسَعَ، واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ، واسْتَفْحَلَ الخَطْبُ، وهَذا بَيانٌ لِما كانَ مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وبُرْهانٌ لا شَيْءَ أنْوَرُ مِنهُ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا أضافَ إلَيْهِ أهْلُ الحَشْوِ مِمّا فَسَّرُوا بِهِ الهَمَّ والبُرْهانَ، انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَ التَّصْرِيفِيُّونَ في اسْتَعْصَمَ أنَّهُ مُوافِقٌ لِاعْتَصَمَ، فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقٌ لِافْتَعَلَ، وهَذا أجْوَدُ مِن جَعْلِ اسْتَفْعَلَ فِيهِ لِلطَّلَبِ؛ لِأنَّ اعْتَصَمَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ اعْتِصامِهِ، وطَلَبَ العِصْمَةِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِها، وأمّا أنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِاجْتِهادِ في الِاسْتِزادَةِ مِنَ العِصْمَةِ، فَلَمْ يَذْكُرِ التَّصْرِيفِيُّونَ هَذا المَعْنى لِاسْتَفْعَلَ، وأمّا اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافَقَةٌ لِافْتَعَلَ، والمَعْنى: امْتَسَكَ واتَّسَعَ واجْتَمَعَ الرَّأْيَ، وأمّا اسْتَفْحَلَ الخَطْبُ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافَقَةٌ لِتَفَعَّلَ أيْ: تَفَحَّلَ الخَطْبُ نَحْوَ: اسْتَكْبَرَ وتَكَبَّرَ، ثُمَّ جَعَلَتْ تَتَوَعَّدُهُ مُقْسِمَةً عَلى ذَلِكَ وهو يَسْمَعُ قَوْلَها بِقَوْلِها: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ والضَّمِيرُ في (آمُرُهُ) عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ؛ أيْ: ما آمُرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ، كَما حُذِفَ في أمَرْتُكَ الخَيْرَ، ومَفْعُولُ (آمُرُ) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وكانَ التَّقْدِيرُ ما آمُرُهُ بِهِ، وإنْ جَعَلْتَ (ما) مَصْدَرِيَّةً جازَ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى يُوسُفَ أيْ: أمْرِي إيّاهُ، ومَعْناهُ: مُوجِبٌ أمْرِي، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ولَيَكُونَنَّ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، وكَتْبُها في المُصْحَفِ بِالألِفِ مُراعاةً لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالألِفِ كَقَوْلِ الأعْشى:
؎ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ واللَّهُ فاعْبُدا
(ومِنَ الصّاغِرِينَ): مِنَ الأذِلّاءِ، ولَمْ يَذْكُرْ هُنا العَذابَ الألِيمَ الَّذِي ذَكَرَتْهُ في ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] لِأنَّها إذْ ذاكَ كانَتْ في طَراوَةِ غَيْظِها ومُتَنَصِّلَةً مِن أنَّها هي الَّتِي راوَدَتْهُ، فَناسَبَ هُناكَ التَّغْلِيظَ بِالعُقُوبَةِ، وأمّا هُنا فَإنَّها في طَماعِيَةٍ ورَجاءٍ، وأقامَتْ عُذْرَها عِنْدَ النِّسْوَةِ، فَرَقَتْ عَلَيْهِ فَتَوَعَّدَتْهُ بِالسِّجْنِ، وقالَ لَهُ النِّسْوَةُ: أطِعْ وافْعَلْ ما أمَرَتْكَ بِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِنَّ لِما يَنْصَحْنَ لَهُ وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها، ونَهَيْنَهُ عَنْ إلْقاءِ نَفْسِهِ في السِّجْنِ والصَّغارِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى. والتَّقْدِيرُ: دُخُولُ السِّجْنِ، وقَرَأ عُثْمانُ ومَوْلاهُ طارِقٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ هُرْمُزَ ويَعْقُوبُ: (السَّجْنُ) بِفَتْحِ السِّينِ وهو مَصْدَرُ سَجَنَ؛ أيْ: حَبْسُهم إيّايَ في السِّجْنِ أحَبُّ إلَيَّ، و(أحَبُّ) هُنا لَيْسَتْ عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُحِبَّ ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ قَطُّ، وإنَّما هَذانِ شَرّانِ، فَآثَرَ أحَدَ الشَّرَّيْنِ عَلى الآخَرِ، وإنْ كانَ في أحَدِهِما مَشَقَّةٌ وفي الآخَرِ لَذَّةٌ، لَكِنْ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ اللَّذَّةِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ وسُوءِ العاقِبَةِ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ بِبالٍ، ولِما في الآخِرِ مِنِ احْتِمالِ المَشَقَّةِ في ذاتِ اللَّهِ، والصَّبْرِ عَلى النَّوائِبِ، وانْتِظارِ الفَرَجِ، والحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ داعِيًا لَهُ في تَخْلِيصِهِ، آثَرَهُ ثُمَّ ناطَ العِصْمَةَ بِاللَّهِ، واسْتَسْلَمَ لِلَّهِ كَعادَةِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، وأنَّهُ تَعالى لا يَصْرِفُ السُّوءَ إلّا هو، فَقالَ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أيْ: أمِلْ إلى ما (p-٣٠٧)يَدْعُونَنِي إلَيْهِ، وجَعَلَ جَوابَ الشَّرْطِ قَوْلَهُ: (أصْبُ) وهي كَلِمَةٌ مُشْعِرَةٌ بِالمَيْلِ فَقَطْ، لا بِمُباشَرَةِ المَعْصِيَةِ، وقُرِئَ ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ مِن صَبَبْتُ صَباةً فَأنا صَبٌّ، والصَّبابَةُ إفْراطُ الشَّوْقِ، كَأنَّهُ يَنْصَبُّ فِيما يَهْوى، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: (أصْبُ) مِن صَبا إلى اللَّهْوِ يَصْبُو صَبًا وصَبْوًا، ويُقالُ: صَبا يَصْبا صَبًا، والصِّبا بِالكَسْرِ اللَّهْوُ واللَّعِبُ، وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو ومَن لا يَعْلَمُ سَواءٌ، أوْ مِنَ السُّفَهاءِ لِأنَّ الوُقُوعَ في مُوافَقَةِ النِّساءِ والمَيْلِ إلَيْهِنَّ سَفاهَةٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أحْدى بِلَيْلِي وما هامَ الفُؤادُ بِها ∗∗∗ إلّا السَّفاهَ وإلّا ذَكِرَةً حُلُمًا
وذَكَرَ اسْتِجابَةَ اللَّهِ لَهُ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ دُعاءٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ فِيهِ مَعْنى طَلَبِ الصَّرْفِ والدُّعاءِ، وكَأنَّهُ قالَ: رَبِّ اصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ؛ أيْ: حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ، إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِدُعاءِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ، العَلِيمُ بِأحْوالِهِمْ وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نِيّاتُهم، ثُمَّ بَدا لَهم أيْ: ظَهَرَ لَهم، والفاعِلُ لِـ (بَدا) ضَمِيرٌ يُفَسِّرُهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ أيْ: بَدا لَهم هو؛ أيْ: رَأى أوْ بَدا، كَما قالَ:
؎بَـدا لَـكَ مِـنْ تِلْكَ القَلُوصِ بَداءُ
هَكَذا قالَهُ النُّحاةُ والمُفَسِّرُونَ، إلّا مَن أجازَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ فاعِلَةً، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: لَيَسْجُنُنَّهُ في مَوْضِعِ الفاعِلِ لِـ (بَدا) أيْ: سَجَنَهُ حَتّى حِينٍ، والرَّدُّ عَلى هَذا المَذْهَبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى السِّجْنِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ: (السِّجْنُ) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ عَلى (السَّجْنُ) عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ السِّينَ، والضَّمِيرُ في (لَهم) لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ، و(الآياتِ) هي: الشَّواهِدُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: قَدُّ القَمِيصِ، فَإنْ كانَ الشّاهِدُ طِفْلًا فَهي آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ رَجُلًا فَيَكُونُ اسْتِدْلالًا بِالعادَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الآيَةَ إنَّما يُعَبَّرُ بِها عَنِ الواضِحِ الجَلِيِّ، وجَمْعُها يَدُلُّ عَلى ظُهُورِ أُمُورٍ واضِحَةٍ دَلَّتْ عَلى بَراءَتِهِ، وقَدْ تَكُونُ الآياتُ الَّتِي رَأوْها لَمْ يَنُصَّ عَلى جَمِيعِها في القُرْآنِ، بَلْ رَأوْا قَوْلَ الشّاهِدِ وقَدَّ القَمِيصِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ، وأمّا ما ذَكَرَهُ عِكْرِمَةُ أنَّ مِنَ الآياتِ خَمْشُ وجْهِها، والسُّدِّيُّ مِن حَزِّ أيْدِيهِنَّ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى البَراءَةِ فَلا يَكُونُ آيَةً، و﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والقَسَمُ وجَوابُهُ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قائِلِينَ، وقَرَأ الحَسَنُ: (لَتَسْجُنُنَّهُ) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمُ العَزِيزَ ومَن يَلِيهِ، أوِ العَزِيزَ وحْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”عَتّى“ بِإبْدالِ حاءِ حَتّى عَيْنًا، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وأقْرَأ بِذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ يَأْمُرُهُ أنْ يُقْرِئَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ ”حَتّى“ لا بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، والمَعْنى: إلى زَمانٍ، والحِينُ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الوَقْتِ، ومَن عَيَّنَ لَهُ هُنا زَمانًا فَإنَّما كانَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ مُدَّةِ سِجْنِ يُوسُفَ، لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ كَذَلِكَ، وكَأنَّها اقْتَرَحَتْ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ، وفي سَجْنِهِمْ لِيُوسُفَ دَلِيلٌ عَلى مَكِيدَةِ النِّساءِ، واسْتِنْزالُ المَرْأةِ لِزَوْجِها ومُطاوَعَتِهِ لَها، وعِشْقِهِ لَها، وجَعْلِهِ زِمامَ أمْرِهِ بِيَدِها، هَذا مَعَ ظُهُورِ خِيانَتِها وبَراءَةِ يُوسُفَ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا امْتَنَعَ يُوسُفُ مِنَ المَعْصِيَةِ، ويَئِسَتْ مِنهُ امْرَأةُ العَزِيزِ قالَتْ لِزَوْجِها: إنَّ هَذا الغُلامَ العِبْرانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي في النّاسِ، وهو يَعْتَذِرُ إلَيْهِمْ ويَصِفُ الأمْرَ بِحَسَبِ اخْتِيارِهِ، وأنا مَحْبُوسَةٌ مَحْجُوبَةٌ، فَإمّا أذِنْتَ لِي فَخَرَجْتُ إلى النّاسِ فاعْتَذَرْتُ وكَذَّبْتُهُ، وإلّا حَبَسْتَهُ كَما أنا مَحْبُوسَةٌ، فَحِينَئِذٍ بَدا لَهم سَجْنُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأمَرَ بِهِ فَحُمِلَ عَلى حِمارٍ، وضُرِبَ بِالطَّبْلِ، ونُودِيَ عَلَيْهِ في أسْواقِ مِصْرَ أنَّ يُوسُفَ العِبْرانِيَّ أرادَ سَيِّدَتَهُ، فَهَذا جَزاؤُهُ أنْ يُسْجَنَ، قالَ أبُو صالِحٍ: ما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ إلّا بَكى.
يوسف 12:35
(p-٣٠٥)﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾
(ذا) اسْمُ الإشارَةِ، واللّامُ لِبُعْدِ المُشارِ، و(كُنَّ) خِطابٌ لِتِلْكَ النِّسْوَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ لَمّا رَأى دَهْشَهُنَ وتَقْطِيعَ أيْدِيهِنَّ بِالسَّكاكِينِ وقَوْلِهِنَّ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] بَعُدَ عَنْهُنَّ إبْقاءً عَلَيْهِنَّ في أنْ لا تَزْدادَ فِتْنَتُهُنَّ، وفي أنْ يَرْجِعْنَ إلى حُسْنِهِنَّ، فَأشارَتْ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي لِلْبَعِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أشارَتْ إلَيْهِ) وهو لِلْبُعْدِ قَرِيبٌ بِلَفْظِ البَعِيدِ رَفْعًا لِمَنزِلَتِهِ في الحُسْنِ، واسْتِبْعادًا لِمَحَلِّهِ فِيهِ، وأنَّهُ لِغَرابَتِهِ بَعِيدٌ أنْ يُوجَدَ مِنهُ، واسْمُ الإشارَةِ تَضَمَّنَ الأوْصافَ السّابِقَةَ (p-٣٠٦)فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي قَطَعْتُنَّ أيْدِيَكُنَّ بِسَبَبِهِ وأكْبَرْتُنَّهُ وقُلْتُنَّ فِيهِ ما قُلْتُنَّ مِن نَفْيِ البَشَرِيَّةِ عَنْهُ وإثْباتِ المَلَكِيَّةِ لَهُ (هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) أيْ: في مَحَبَّتِهِ وشَغَفِي بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المَعْنى بِقَوْلِهِنَّ: عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ تَقُولُ: هَذا ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ ثُمَّ لُمْتُنَّنِي فِيهِ، يَعْنِي: إنَّكُنَّ لَوْ تُصَوِّرْنَهُ بِحَقٍّ صُورَتِهِ، ولَوْ صَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ، انْتَهى. والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى حُبِّ يُوسُفَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحُبِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى غائِبٍ عَلى بابِهِ، انْتَهى. ثُمَّ أقَرَّتِ امْرَأةُ العَزِيزِ لِلنِّسْوَةِ بِالمُراوَدَةِ، واسْتَنامَتْ إلَيْهِنَّ في ذَلِكَ؛ إذْ عَلِمَتْ أنَّهُنَّ قَدْ عَذَرْنَها.
﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ طَلَبَ العِصْمَةَ، وتَمَسَّكَ بِها وعَصانِي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والِاسْتِعْصامُ بِناءُ مُبالَغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ والتَّحَفُّظِ الشَّدِيدِ، كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ وهو يَجْتَهِدُ في الِاسْتِزادَةِ مِنها، ونَحْوَ: اسْتَمْسَكَ، واسْتَوْسَعَ، واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ، واسْتَفْحَلَ الخَطْبُ، وهَذا بَيانٌ لِما كانَ مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وبُرْهانٌ لا شَيْءَ أنْوَرُ مِنهُ عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا أضافَ إلَيْهِ أهْلُ الحَشْوِ مِمّا فَسَّرُوا بِهِ الهَمَّ والبُرْهانَ، انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَ التَّصْرِيفِيُّونَ في اسْتَعْصَمَ أنَّهُ مُوافِقٌ لِاعْتَصَمَ، فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقٌ لِافْتَعَلَ، وهَذا أجْوَدُ مِن جَعْلِ اسْتَفْعَلَ فِيهِ لِلطَّلَبِ؛ لِأنَّ اعْتَصَمَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ اعْتِصامِهِ، وطَلَبَ العِصْمَةِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِها، وأمّا أنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِاجْتِهادِ في الِاسْتِزادَةِ مِنَ العِصْمَةِ، فَلَمْ يَذْكُرِ التَّصْرِيفِيُّونَ هَذا المَعْنى لِاسْتَفْعَلَ، وأمّا اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافَقَةٌ لِافْتَعَلَ، والمَعْنى: امْتَسَكَ واتَّسَعَ واجْتَمَعَ الرَّأْيَ، وأمّا اسْتَفْحَلَ الخَطْبُ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافَقَةٌ لِتَفَعَّلَ أيْ: تَفَحَّلَ الخَطْبُ نَحْوَ: اسْتَكْبَرَ وتَكَبَّرَ، ثُمَّ جَعَلَتْ تَتَوَعَّدُهُ مُقْسِمَةً عَلى ذَلِكَ وهو يَسْمَعُ قَوْلَها بِقَوْلِها: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ والضَّمِيرُ في (آمُرُهُ) عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ؛ أيْ: ما آمُرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ، كَما حُذِفَ في أمَرْتُكَ الخَيْرَ، ومَفْعُولُ (آمُرُ) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وكانَ التَّقْدِيرُ ما آمُرُهُ بِهِ، وإنْ جَعَلْتَ (ما) مَصْدَرِيَّةً جازَ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى يُوسُفَ أيْ: أمْرِي إيّاهُ، ومَعْناهُ: مُوجِبٌ أمْرِي، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (ولَيَكُونَنَّ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، وكَتْبُها في المُصْحَفِ بِالألِفِ مُراعاةً لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالألِفِ كَقَوْلِ الأعْشى:
؎ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ واللَّهُ فاعْبُدا
(ومِنَ الصّاغِرِينَ): مِنَ الأذِلّاءِ، ولَمْ يَذْكُرْ هُنا العَذابَ الألِيمَ الَّذِي ذَكَرَتْهُ في ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] لِأنَّها إذْ ذاكَ كانَتْ في طَراوَةِ غَيْظِها ومُتَنَصِّلَةً مِن أنَّها هي الَّتِي راوَدَتْهُ، فَناسَبَ هُناكَ التَّغْلِيظَ بِالعُقُوبَةِ، وأمّا هُنا فَإنَّها في طَماعِيَةٍ ورَجاءٍ، وأقامَتْ عُذْرَها عِنْدَ النِّسْوَةِ، فَرَقَتْ عَلَيْهِ فَتَوَعَّدَتْهُ بِالسِّجْنِ، وقالَ لَهُ النِّسْوَةُ: أطِعْ وافْعَلْ ما أمَرَتْكَ بِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِنَّ لِما يَنْصَحْنَ لَهُ وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها، ونَهَيْنَهُ عَنْ إلْقاءِ نَفْسِهِ في السِّجْنِ والصَّغارِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى. والتَّقْدِيرُ: دُخُولُ السِّجْنِ، وقَرَأ عُثْمانُ ومَوْلاهُ طارِقٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ هُرْمُزَ ويَعْقُوبُ: (السَّجْنُ) بِفَتْحِ السِّينِ وهو مَصْدَرُ سَجَنَ؛ أيْ: حَبْسُهم إيّايَ في السِّجْنِ أحَبُّ إلَيَّ، و(أحَبُّ) هُنا لَيْسَتْ عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُحِبَّ ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ قَطُّ، وإنَّما هَذانِ شَرّانِ، فَآثَرَ أحَدَ الشَّرَّيْنِ عَلى الآخَرِ، وإنْ كانَ في أحَدِهِما مَشَقَّةٌ وفي الآخَرِ لَذَّةٌ، لَكِنْ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ اللَّذَّةِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ وسُوءِ العاقِبَةِ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ بِبالٍ، ولِما في الآخِرِ مِنِ احْتِمالِ المَشَقَّةِ في ذاتِ اللَّهِ، والصَّبْرِ عَلى النَّوائِبِ، وانْتِظارِ الفَرَجِ، والحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ داعِيًا لَهُ في تَخْلِيصِهِ، آثَرَهُ ثُمَّ ناطَ العِصْمَةَ بِاللَّهِ، واسْتَسْلَمَ لِلَّهِ كَعادَةِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، وأنَّهُ تَعالى لا يَصْرِفُ السُّوءَ إلّا هو، فَقالَ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أيْ: أمِلْ إلى ما (p-٣٠٧)يَدْعُونَنِي إلَيْهِ، وجَعَلَ جَوابَ الشَّرْطِ قَوْلَهُ: (أصْبُ) وهي كَلِمَةٌ مُشْعِرَةٌ بِالمَيْلِ فَقَطْ، لا بِمُباشَرَةِ المَعْصِيَةِ، وقُرِئَ ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ مِن صَبَبْتُ صَباةً فَأنا صَبٌّ، والصَّبابَةُ إفْراطُ الشَّوْقِ، كَأنَّهُ يَنْصَبُّ فِيما يَهْوى، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: (أصْبُ) مِن صَبا إلى اللَّهْوِ يَصْبُو صَبًا وصَبْوًا، ويُقالُ: صَبا يَصْبا صَبًا، والصِّبا بِالكَسْرِ اللَّهْوُ واللَّعِبُ، وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو ومَن لا يَعْلَمُ سَواءٌ، أوْ مِنَ السُّفَهاءِ لِأنَّ الوُقُوعَ في مُوافَقَةِ النِّساءِ والمَيْلِ إلَيْهِنَّ سَفاهَةٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أحْدى بِلَيْلِي وما هامَ الفُؤادُ بِها ∗∗∗ إلّا السَّفاهَ وإلّا ذَكِرَةً حُلُمًا
وذَكَرَ اسْتِجابَةَ اللَّهِ لَهُ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ دُعاءٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ فِيهِ مَعْنى طَلَبِ الصَّرْفِ والدُّعاءِ، وكَأنَّهُ قالَ: رَبِّ اصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ؛ أيْ: حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ، إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِدُعاءِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ، العَلِيمُ بِأحْوالِهِمْ وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نِيّاتُهم، ثُمَّ بَدا لَهم أيْ: ظَهَرَ لَهم، والفاعِلُ لِـ (بَدا) ضَمِيرٌ يُفَسِّرُهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ أيْ: بَدا لَهم هو؛ أيْ: رَأى أوْ بَدا، كَما قالَ:
؎بَـدا لَـكَ مِـنْ تِلْكَ القَلُوصِ بَداءُ
هَكَذا قالَهُ النُّحاةُ والمُفَسِّرُونَ، إلّا مَن أجازَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ فاعِلَةً، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: لَيَسْجُنُنَّهُ في مَوْضِعِ الفاعِلِ لِـ (بَدا) أيْ: سَجَنَهُ حَتّى حِينٍ، والرَّدُّ عَلى هَذا المَذْهَبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى السِّجْنِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ: (السِّجْنُ) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ عَلى (السَّجْنُ) عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ السِّينَ، والضَّمِيرُ في (لَهم) لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ، و(الآياتِ) هي: الشَّواهِدُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: قَدُّ القَمِيصِ، فَإنْ كانَ الشّاهِدُ طِفْلًا فَهي آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ رَجُلًا فَيَكُونُ اسْتِدْلالًا بِالعادَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الآيَةَ إنَّما يُعَبَّرُ بِها عَنِ الواضِحِ الجَلِيِّ، وجَمْعُها يَدُلُّ عَلى ظُهُورِ أُمُورٍ واضِحَةٍ دَلَّتْ عَلى بَراءَتِهِ، وقَدْ تَكُونُ الآياتُ الَّتِي رَأوْها لَمْ يَنُصَّ عَلى جَمِيعِها في القُرْآنِ، بَلْ رَأوْا قَوْلَ الشّاهِدِ وقَدَّ القَمِيصِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ، وأمّا ما ذَكَرَهُ عِكْرِمَةُ أنَّ مِنَ الآياتِ خَمْشُ وجْهِها، والسُّدِّيُّ مِن حَزِّ أيْدِيهِنَّ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى البَراءَةِ فَلا يَكُونُ آيَةً، و﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والقَسَمُ وجَوابُهُ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قائِلِينَ، وقَرَأ الحَسَنُ: (لَتَسْجُنُنَّهُ) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمُ العَزِيزَ ومَن يَلِيهِ، أوِ العَزِيزَ وحْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”عَتّى“ بِإبْدالِ حاءِ حَتّى عَيْنًا، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وأقْرَأ بِذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ يَأْمُرُهُ أنْ يُقْرِئَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ ”حَتّى“ لا بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، والمَعْنى: إلى زَمانٍ، والحِينُ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الوَقْتِ، ومَن عَيَّنَ لَهُ هُنا زَمانًا فَإنَّما كانَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ مُدَّةِ سِجْنِ يُوسُفَ، لا أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ كَذَلِكَ، وكَأنَّها اقْتَرَحَتْ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ، وفي سَجْنِهِمْ لِيُوسُفَ دَلِيلٌ عَلى مَكِيدَةِ النِّساءِ، واسْتِنْزالُ المَرْأةِ لِزَوْجِها ومُطاوَعَتِهِ لَها، وعِشْقِهِ لَها، وجَعْلِهِ زِمامَ أمْرِهِ بِيَدِها، هَذا مَعَ ظُهُورِ خِيانَتِها وبَراءَةِ يُوسُفَ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا امْتَنَعَ يُوسُفُ مِنَ المَعْصِيَةِ، ويَئِسَتْ مِنهُ امْرَأةُ العَزِيزِ قالَتْ لِزَوْجِها: إنَّ هَذا الغُلامَ العِبْرانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي في النّاسِ، وهو يَعْتَذِرُ إلَيْهِمْ ويَصِفُ الأمْرَ بِحَسَبِ اخْتِيارِهِ، وأنا مَحْبُوسَةٌ مَحْجُوبَةٌ، فَإمّا أذِنْتَ لِي فَخَرَجْتُ إلى النّاسِ فاعْتَذَرْتُ وكَذَّبْتُهُ، وإلّا حَبَسْتَهُ كَما أنا مَحْبُوسَةٌ، فَحِينَئِذٍ بَدا لَهم سَجْنُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأمَرَ بِهِ فَحُمِلَ عَلى حِمارٍ، وضُرِبَ بِالطَّبْلِ، ونُودِيَ عَلَيْهِ في أسْواقِ مِصْرَ أنَّ يُوسُفَ العِبْرانِيَّ أرادَ سَيِّدَتَهُ، فَهَذا جَزاؤُهُ أنْ يُسْجَنَ، قالَ أبُو صالِحٍ: ما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ إلّا بَكى.
يوسف 12:36
(p-٣٠٨)﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾
فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَجَنُوهُ، فَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ غُلامانِ، ورُوِيَ أنَّهُما كانا لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ الوَلِيدِ بْنِ الرَّيّانِ، أحَدُهُما خَبّازُهُ، والآخَرُ ساقِيهُ، ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ اتَّهَمَهُما بِأنَّ الخابِزَ مِنهُما أرادَ سَمَّهُ ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ السّاقِي، فَسَجَنَهُما قالَهُ السُّدِّيُّ. ومَعَ: تَدُلُّ عَلى الصُّحْبَةِ واسْتِحْداثِها، فَدَلَّ عَلى أنَّهم سَجَنُوا الثَّلاثَةَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، ولَمّا دَخَلَ يُوسُفُ السِّجْنَ اسْتَمالَ النّاسَ بِحُسْنِ حَدِيثِهِ وفَضْلِهِ ونُبْلِهِ، وكانَ يُسَلِّي حَزِينَهم، ويَعُودُ مَرِيضَهم، ويَسْألُ لِفَقِيرِهِمْ، ويَنْدُبُهم إلى الخَيْرِ، فَأحَبَّهُ الفَتَيانِ ولَزِماهُ، وأحَبَّهُ صاحِبُ السِّجْنِ والقَيِّمُ عَلَيْهِ وقالَ لَهُ: كُنْ في أيِّ البُيُوتِ شِئْتَ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا تُحِبَّنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلَقَدْ أدْخَلَتْ عَلَيَّ المَحَبَّةُ مَضَرّاتٍ، أحَبَّتْنِي عَمَّتِي فامْتُحِنْتُ بِمَحَبَّتِها، وأحَبَّنِي أبِي فامْتُحِنْتُ بِمَحَبَّتِهِ، وأحَبَّتْنِي امْرَأةُ العَزِيزِ فامْتُحِنْتُ بِمَحَبَّتِها بِما تَرى، وكانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ قالَ لِأهْلِ السِّجْنِ: إنِّي أعْبُرُ الرُّؤْيا وأُجِيدُ، ورُوِيَ أنَّ الفَتَيَيْنِ قالا لَهُ إنّا لَنُحِبُّكَ مِن حِينِ رَأيْناكَ فَقالَ: أُنْشُدُكُما اللَّهَ أنْ لا تُحِبّانِي، وذَكَرَ ما تَقَدَّمَ، وعَنْ قَتادَةَ: كانَ في السِّجْنِ ناسٌ قَدِ انْقَطَعَ رَجاؤُهم وطالَ حُزْنُهم، فَجَعَلَ يَقُولُ: اصْبِرُوا وابْشِرُوا تُؤْجَرُوا، إنَّ لِهَذا لَأجْرًا فَقالُوا: بارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ، ما أحْسَنَ وجْهَكَ، وما أحْسَنَ خُلُقَكَ لَقَدْ بُورِكَ لَنا في جِوارِكَ فَمَن أنْتَ يا فَتى ؟ قالَ يُوسُفُ: ابْنُ صَفِّي اللَّهِ يَعْقُوبَ بْنِ ذَبِيحِ اللَّهِ إسْحاقَ بْنِ خَلِيلِ اللَّهِ إبْراهِيمَ. فَقالَ لَهُ عامِلُ السِّجْنِ: لَوِ اسْتَطَعْتُ خَلَّيْتُ سَبِيلَكَ.
وهَذِهِ الرُّؤْيا الَّتِي لِلْفَتَيَيْنِ، قالَ مُجاهِدٌ: رَأيا ذَلِكَ حَقِيقَةً فَأرادَ سُؤالَهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ: اسْتَعْمَلاها لِيُجَرِّباهُ، والَّذِي رَأى عَصْرَ الخَمْرِ اسْمُهُ بُنُو قالَ: رَأيْتُ حَبْلَةً مِن كَرْمٍ لَها ثَلاثَةُ أغْصانٍ حِسانٍ، فِيها عَناقِيدُ عِنَبٍ حِسانٌ، فَكُنْتُ أعْصِرُها وأسْقِي المَلِكَ، والَّذِي رَأى الخُبْزَ اسْمُهُ مُلْحَبُ قالَ: كُنْتُ أرى أنْ أخْرُجَ مِن مَطْبَخَةِ المَلِكِ وعَلى رَأْسِي ثَلاثُ سِلالٍ فِيها خُبْزٌ، والطَّيْرُ تَأْكُلُ مِن أعْلاهُ، و”رَأى“ الحُلْمِيَّةُ جَرَتْ مَجْرى أفْعالِ القُلُوبِ في جَوازِ كَوْنِ فاعِلِها ومَفْعُولِها ضَمِيرَيْنِ مُتَّحِدَيِ المَعْنى، فَـ (أرانِي) فِيهِ ضَمِيرُ الفاعِلِ المُسْتَكِنُّ، وقَدْ تَعَدّى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ وهو رافِعٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، وكِلاهُما لِمَدْلُولٍ واحِدٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: اضْرِبْنِي ولا أكْرِمْنِي، وسُمِّيَ العِنَبُ خَمْرًا بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ، وقِيلَ: الخَمْرُ بِلُغَةِ غَسّانَ اسْمُ العِنَبِ، وقِيلَ: في لُغَةِ أزْدِ عُمَـانَ، وقالَ المُعْتَمِرُ: لَقِيتُ أعْرابِيًّا يَحْمِلُ عِنَبًا في وِعاءٍ فَقُلْتُ: ما تَحْمِلُ ؟ قالَ: خَمْرًا، أرادَ العِنَبَ، وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: أعْصِرُ عِنَبًا، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ، ولِلثّابِتِ عَنْهُما بِالتَّواتُرِ قِراءَتُهُما ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُ الخَمْرِ بِأنَّها مَعْصُورَةٌ، إذِ العَصْرُ لَها ومِن أجْلِها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: فَوْقَ رَأْسِي ثَرِيدًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ، وهو أيْضًا تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ، والضَّمِيرُ في تَأْوِيلِهِ عائِدٌ إلى ما قَصا عَلَيْهِ، أُجْرِيَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ، وقالَ الجُمْهُورُ: ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: في العِلْمِ؛ لِأنَّهُما رَأيا مِنهُ ما عَلِما بِهِ أنَّهُ عالِمٌ. وقالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: مِنَ المُحْسِنِينَ في حَدِيثِهِ مَعَ أهْلِ السِّجْنِ وإجْمالِهِ مَعَهم. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أرادا إخْبارَهُ أنَّهُما يَرَيانِ لَهُ إحْسانًا عَلَيْهِما ويَدًا إذا تَأوَّلَ لَهُما ما رَأياهُ.
يوسف 12:37
﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾
(p-٣٠٩)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا اسْتَعْداهُ ووَصَفاهُ بِالإحْسانِ افْتَرَضَ ذَلِكَ، فَوَصَفَ يُوسُفُ نَفْسَهُ بِما هو فَوْقَ عِلْمِ العُلَماءِ، وهو الإخْبارُ بِالغَيْبِ، وأنَّهُ يُنْبِئُهُما بِما يُحْمَلُ إلَيْهِما مِنَ الطَّعامِ في السِّجْنِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُما، ويَصِفُهُ لَهُما ويَقُولَ: اليَوْمَ يَأْتِيكُما طَعامٌ مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، فَيَجِدانِهِ كَما أخْبَرَهُما، ويَجْعَلُ ذَلِكَ تَخْلِيصًا إلى أنْ يَذْكُرَ لَهُما التَّوْحِيدَ، ويَعْرِضَ عَلَيْهِما الإيمانَ ويُزَيِّنَهُ لَهُما، ويُقَبِّحَ لَهُما الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ عَلى كُلِّ ذِي عِلْمٍ أنْ يَسْلُكَها مَعَ الجُهّالِ والفَسَقَةِ إذا اسْتَفْتاهُ واحِدٌ مِنهم أنْ يُقَدِّمَ الإرْشادَ والمَوْعِظَةَ والنَّصِيحَةَ أوَّلًا، ويَدْعُوهُ إلى ما هو أوْلى بِهِ وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِمّا اسْتَفْتى فِيهِ، ثُمَّ يُفْتِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ العالِمَ إذا جُهِلَتْ مَنزِلَتُهُ في العِلْمِ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِما هو بِصَدَدِهِ، وغَرَضُهُ أنْ يُقْتَبَسَ مِنهُ، ويُنْتَفَعَ بِهِ في الدِّينِ، لَمْ يَكُنْ مِن بابِ التَّزْكِيَةِ بِتَأْوِيلِهِ بِبَيانِ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ المُشْكَلِ والإعْرابَ عَنْ مُعايَنَةٍ، انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ يَدُلُّ عَلى أنَّ إتْيانَ الطَّعامِ يَكُونُ في اليَقَظَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أرادَ يُوسُفُ لا يَأْتِيكُما في اليَقَظَةِ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما مِنهُ بِعِلْمٍ، وبِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُكُما قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما، فَعَلى هَذا أرادَ أنْ يُعْلِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ مُغَيَّباتٍ لا تَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيا، وهَذا عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ نُبِّئَ في السِّجْنِ، وقالَ السُّدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ، لَمّا عَلِمَ مِن تَعْبِيرِ مَنامِهِ رَأى الخُبْزَ أنَّها تُؤْذَنُ بِقَتْلِهِ، أخَذَ في غَيْرِ ذَلِكَ الحَدِيثِ تَنْسِيَةً لَهُما أمْرَ المَنامِ، وطَماعِيَةً في إيمانِهِما، لِيَأْخُذَ المَقْتُولُ بِحَظِّهِ مِنَ الإيمانِ، وتَسْلَمَ لَهُ آخِرَتُهُ فَقالَ لَهُما مُعْلِنًا بِعَظِيمِ عِلْمِهِ لِلتَّعْبِيرِ: إنَّهُ لا يَجِيئُكُما طَعامٌ في يَوْمِكُما تَرَيانِ أنَّكُما رُزِقْتُماهُ إلّا أعْلَمْتُكُما بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ الطَّعامِ أيْ: بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ في اليَقَظَةِ، قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ الَّذِي أُعْلِمُكُما بِهِ، فَرُوِيَ أنَّهُما قالا لَهُ: ومِن أيْنَ لَكَ ما تَدَّعِيهِ مِنَ العِلْمِ وأنْتَ لَسْتَ بِكاهِنٍ ولا مُنَجِّمٍ ؟ فَقالَ لَهُما: ذَلِكَ مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَأْتِيكُما﴾ إلى آخِرِهِ، أنَّهُ في اليَقَظَةِ، وأنَّ قَوْلَهُ: مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ إذْ ذاكَ كانَ نَبِيًّا يُوحى إلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِما هو عَلَيْهِ إذْ كانا قَدْ أحَبّاهُ وكَلِفا بِحُبِّهِ وبِحُسْنِ أخْلاقِهِ، لِيُعْلِمَهُما ما هو عَلَيْهِ مِن مُخالَفَةِ قَوْمِهِما فَيَتْبَعاهُ، وفي الحَدِيثِ: «لِأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمُرِ النِّعَمِ» وعَبَّرَ بِتَرَكْتُ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَشَبَّثْ بِتِلْكَ المِلَّةِ قَطُّ، إجْراءٌ لِلتَّرْكِ مَجْرى التَّجَنُّبِ مِن أوَّلِ حالَةٍ، واسْتِجْلابًا لَهُما لِأنْ يَتْرُكا تِلْكَ المِلَّةِ الَّتِي كانا فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنِّي تَرَكْتُ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ؛ أيْ: عَلَّمَنِي ذَلِكَ، وأُوحِيَ إلَيَّ؛ لِأنِّي رَفَضْتُ مِلَّةَ أُولَئِكَ، واتَّبَعْتُ مِلَّةَ الأنْبِياءِ، وهي المِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هم أهْلُ مِصْرَ، ومَن كانَ الفَتَيانُ عَلى دِينِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى أصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ؛ وهُما: الإيمانُ بِاللَّهِ، والإيمانُ بِدارِ الجَزاءِ، وكَرَّرَهم عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ وحُسْنِ ذَلِكَ الفَصْلِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَكْرِيرُهم لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم خُصُوصًا كافِرُونَ بِالآخِرَةِ، وأنَّ غَيْرَهم مُؤْمِنُونَ بِها، ولِتَوْكِيدِ كُفْرِهِمْ بِالجَزاءِ تَنْبِيهًا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والكَبائِرِ الَّتِي لا يَرْتَكِبُها إلّا مَن هو كافِرٌ بِدارِ الجَزاءِ، انْتَهى. ولَيْسَتْ عِنْدَنا (هم) تَدُلُّ عَلى الخُصُوصِ، وباقِي ألْفاظِهِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَفَضَ مِلَّةَ أُولَئِكَ ذَكَرَ اتِّباعَهُ مِلَّةَ آبائِهِ لِيُرِيَهُما أنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، بَعْدَ أنْ عَرَّفَهُما أنَّهُ نَبِيٌّ، بِما ذَكَرَ مِن أخْبارِهِ بِالغُيُوبِ لِتَقْوى رَغْبَتُهُما في الِاسْتِماعِ إلَيْهِ واتِّباعِ قَوْلِهِ، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ والكُوفِيُّونَ: (آبائِي) بِإسْكانِ الياءِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ما كانَ لَنا ما صَحَّ (p-٣١٠)ولا اسْتَقامَ لَنا مَعْشَرُ الأنْبِياءِ أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ، عُمُومٌ في المَلَكِ والجِنِّيِّ والإنْسِيِّ، فَكَيْفَ بِالصَّنَمِ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ؟ فَشَيْءٌ يُرادُ بِهِ المُشْرَكُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ أيْ: مِن شَيْءٍ مِنَ الإشْراكِ، فَيَعُمُّ الإشْراكُ، ويَلْزَمُ عُمُومُ مُتَعَلِّقاتِهِ، و(مِن) زائِدَةٌ؛ لِأنَّها في حَيِّزِ النَّفْيِ؛ إذِ المَعْنى: ما نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى شِرْكِهِمْ ومِلَّتِهِمْ؛ أيْ: ذَلِكَ الدِّينُ والشَّرْعُ الحَنِيفِيُّ الَّذِي انْتَفى فِيهِ الإشْراكُ بِاللَّهِ، و﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ أيْ: عَلى الرُّسُلِ، إذْ خُصُّوا بِأنْ كانُوا وسائِطَ بَيْنَ اللَّهِ وعِبادِهِ، و(عَلى النّاسِ) أيْ: عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ؛ إذْ يُساقُونَ بِهِ إلى النَّجاةِ حَيْثُ أرْشَدُوهم إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لا يَشْكُرُونَ فَضْلَ اللَّهِ فَيُشْرِكُونَ ولا يَنْتَبِهُونَ. وقِيلَ: ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا؛ لِأنَّهُ نَصَبَ لَنا الأدِلَّةَ الَّتِي نَنْظُرُ فِيها ونَسْتَدِلُّ بِها، وقَدْ نَصَبَ مِثْلَ ذَلِكَ لِسائِرِ النّاسِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَنْظُرُونَ ولا يَشْكُرُونَ اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ، فَيَبْقُونَ كافِرِينَ غَيْرَ شاكِرِينَ.
يوسف 12:38
﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾
(p-٣٠٩)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا اسْتَعْداهُ ووَصَفاهُ بِالإحْسانِ افْتَرَضَ ذَلِكَ، فَوَصَفَ يُوسُفُ نَفْسَهُ بِما هو فَوْقَ عِلْمِ العُلَماءِ، وهو الإخْبارُ بِالغَيْبِ، وأنَّهُ يُنْبِئُهُما بِما يُحْمَلُ إلَيْهِما مِنَ الطَّعامِ في السِّجْنِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُما، ويَصِفُهُ لَهُما ويَقُولَ: اليَوْمَ يَأْتِيكُما طَعامٌ مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، فَيَجِدانِهِ كَما أخْبَرَهُما، ويَجْعَلُ ذَلِكَ تَخْلِيصًا إلى أنْ يَذْكُرَ لَهُما التَّوْحِيدَ، ويَعْرِضَ عَلَيْهِما الإيمانَ ويُزَيِّنَهُ لَهُما، ويُقَبِّحَ لَهُما الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ عَلى كُلِّ ذِي عِلْمٍ أنْ يَسْلُكَها مَعَ الجُهّالِ والفَسَقَةِ إذا اسْتَفْتاهُ واحِدٌ مِنهم أنْ يُقَدِّمَ الإرْشادَ والمَوْعِظَةَ والنَّصِيحَةَ أوَّلًا، ويَدْعُوهُ إلى ما هو أوْلى بِهِ وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِمّا اسْتَفْتى فِيهِ، ثُمَّ يُفْتِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ العالِمَ إذا جُهِلَتْ مَنزِلَتُهُ في العِلْمِ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِما هو بِصَدَدِهِ، وغَرَضُهُ أنْ يُقْتَبَسَ مِنهُ، ويُنْتَفَعَ بِهِ في الدِّينِ، لَمْ يَكُنْ مِن بابِ التَّزْكِيَةِ بِتَأْوِيلِهِ بِبَيانِ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ المُشْكَلِ والإعْرابَ عَنْ مُعايَنَةٍ، انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ يَدُلُّ عَلى أنَّ إتْيانَ الطَّعامِ يَكُونُ في اليَقَظَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أرادَ يُوسُفُ لا يَأْتِيكُما في اليَقَظَةِ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما مِنهُ بِعِلْمٍ، وبِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُكُما قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما، فَعَلى هَذا أرادَ أنْ يُعْلِمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ مُغَيَّباتٍ لا تَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيا، وهَذا عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ نُبِّئَ في السِّجْنِ، وقالَ السُّدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ، لَمّا عَلِمَ مِن تَعْبِيرِ مَنامِهِ رَأى الخُبْزَ أنَّها تُؤْذَنُ بِقَتْلِهِ، أخَذَ في غَيْرِ ذَلِكَ الحَدِيثِ تَنْسِيَةً لَهُما أمْرَ المَنامِ، وطَماعِيَةً في إيمانِهِما، لِيَأْخُذَ المَقْتُولُ بِحَظِّهِ مِنَ الإيمانِ، وتَسْلَمَ لَهُ آخِرَتُهُ فَقالَ لَهُما مُعْلِنًا بِعَظِيمِ عِلْمِهِ لِلتَّعْبِيرِ: إنَّهُ لا يَجِيئُكُما طَعامٌ في يَوْمِكُما تَرَيانِ أنَّكُما رُزِقْتُماهُ إلّا أعْلَمْتُكُما بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ الطَّعامِ أيْ: بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ في اليَقَظَةِ، قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ الَّذِي أُعْلِمُكُما بِهِ، فَرُوِيَ أنَّهُما قالا لَهُ: ومِن أيْنَ لَكَ ما تَدَّعِيهِ مِنَ العِلْمِ وأنْتَ لَسْتَ بِكاهِنٍ ولا مُنَجِّمٍ ؟ فَقالَ لَهُما: ذَلِكَ مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَأْتِيكُما﴾ إلى آخِرِهِ، أنَّهُ في اليَقَظَةِ، وأنَّ قَوْلَهُ: مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ إذْ ذاكَ كانَ نَبِيًّا يُوحى إلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِما هو عَلَيْهِ إذْ كانا قَدْ أحَبّاهُ وكَلِفا بِحُبِّهِ وبِحُسْنِ أخْلاقِهِ، لِيُعْلِمَهُما ما هو عَلَيْهِ مِن مُخالَفَةِ قَوْمِهِما فَيَتْبَعاهُ، وفي الحَدِيثِ: «لِأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمُرِ النِّعَمِ» وعَبَّرَ بِتَرَكْتُ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَشَبَّثْ بِتِلْكَ المِلَّةِ قَطُّ، إجْراءٌ لِلتَّرْكِ مَجْرى التَّجَنُّبِ مِن أوَّلِ حالَةٍ، واسْتِجْلابًا لَهُما لِأنْ يَتْرُكا تِلْكَ المِلَّةِ الَّتِي كانا فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنِّي تَرَكْتُ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ؛ أيْ: عَلَّمَنِي ذَلِكَ، وأُوحِيَ إلَيَّ؛ لِأنِّي رَفَضْتُ مِلَّةَ أُولَئِكَ، واتَّبَعْتُ مِلَّةَ الأنْبِياءِ، وهي المِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هم أهْلُ مِصْرَ، ومَن كانَ الفَتَيانُ عَلى دِينِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى أصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ؛ وهُما: الإيمانُ بِاللَّهِ، والإيمانُ بِدارِ الجَزاءِ، وكَرَّرَهم عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ وحُسْنِ ذَلِكَ الفَصْلِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَكْرِيرُهم لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم خُصُوصًا كافِرُونَ بِالآخِرَةِ، وأنَّ غَيْرَهم مُؤْمِنُونَ بِها، ولِتَوْكِيدِ كُفْرِهِمْ بِالجَزاءِ تَنْبِيهًا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والكَبائِرِ الَّتِي لا يَرْتَكِبُها إلّا مَن هو كافِرٌ بِدارِ الجَزاءِ، انْتَهى. ولَيْسَتْ عِنْدَنا (هم) تَدُلُّ عَلى الخُصُوصِ، وباقِي ألْفاظِهِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَفَضَ مِلَّةَ أُولَئِكَ ذَكَرَ اتِّباعَهُ مِلَّةَ آبائِهِ لِيُرِيَهُما أنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ، بَعْدَ أنْ عَرَّفَهُما أنَّهُ نَبِيٌّ، بِما ذَكَرَ مِن أخْبارِهِ بِالغُيُوبِ لِتَقْوى رَغْبَتُهُما في الِاسْتِماعِ إلَيْهِ واتِّباعِ قَوْلِهِ، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ والكُوفِيُّونَ: (آبائِي) بِإسْكانِ الياءِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ما كانَ لَنا ما صَحَّ (p-٣١٠)ولا اسْتَقامَ لَنا مَعْشَرُ الأنْبِياءِ أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ، عُمُومٌ في المَلَكِ والجِنِّيِّ والإنْسِيِّ، فَكَيْفَ بِالصَّنَمِ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ؟ فَشَيْءٌ يُرادُ بِهِ المُشْرَكُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ أيْ: مِن شَيْءٍ مِنَ الإشْراكِ، فَيَعُمُّ الإشْراكُ، ويَلْزَمُ عُمُومُ مُتَعَلِّقاتِهِ، و(مِن) زائِدَةٌ؛ لِأنَّها في حَيِّزِ النَّفْيِ؛ إذِ المَعْنى: ما نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى شِرْكِهِمْ ومِلَّتِهِمْ؛ أيْ: ذَلِكَ الدِّينُ والشَّرْعُ الحَنِيفِيُّ الَّذِي انْتَفى فِيهِ الإشْراكُ بِاللَّهِ، و﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ أيْ: عَلى الرُّسُلِ، إذْ خُصُّوا بِأنْ كانُوا وسائِطَ بَيْنَ اللَّهِ وعِبادِهِ، و(عَلى النّاسِ) أيْ: عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ؛ إذْ يُساقُونَ بِهِ إلى النَّجاةِ حَيْثُ أرْشَدُوهم إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لا يَشْكُرُونَ فَضْلَ اللَّهِ فَيُشْرِكُونَ ولا يَنْتَبِهُونَ. وقِيلَ: ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا؛ لِأنَّهُ نَصَبَ لَنا الأدِلَّةَ الَّتِي نَنْظُرُ فِيها ونَسْتَدِلُّ بِها، وقَدْ نَصَبَ مِثْلَ ذَلِكَ لِسائِرِ النّاسِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَنْظُرُونَ ولا يَشْكُرُونَ اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ، فَيَبْقُونَ كافِرِينَ غَيْرَ شاكِرِينَ.
يوسف 12:39
﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ياصاحِبَيِ﴾
لَمّا ذَكَرَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الحَنِيفِيِّ تَلَطَّفَ في حُسْنِ الِاسْتِدْلالِ عَلى فَسادِ ما عَلَيْهِ قَوْمُ الفَتَيَيْنِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَناداهُما باسِمِ الصُّحْبَةِ في المَكانِ الشّاقِّ الَّذِي تَخْلُصُ فِيهِ المَوَدَّةُ وتَتَمَخَّضُ فِيهِ النَّصِيحَةُ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإضافَةِ إلى الظَّرْفِ، والمَعْنى: يا صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن إضافَتِهِ إلى شِبْهِ المَفْعُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا ساكِنَيِ السِّجْنِ، كَقَوْلِهِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ [البقرة: ٣٩]، ﴿وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] ثُمَّ أوْرَدَ الدَّلِيلَ عَلى بُطْلانِ مِلَّةِ قَوْمِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ﴾ فَأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ حَتّى لا تَنْفِرَ طِباعُهُما مِنَ المُفاجَأةِ بِالدَّلِيلِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وهَكَذا الوَجْهُ في مُحاجَّةِ الجاهِلِ أنْ يُؤْخَذَ بِدَرَجَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الِاحْتِجاجِ يَقْبَلُها، فَإذا قَبِلَها لَزِمَتْهُ عَنْها دَرَجَةٌ أُخْرى فَوْقَها، ثُمَّ كَذَلِكَ إلى أنْ يَصِلَ إلى الإذْعانِ بِالحَقِّ، وقابَلَ تَفَرُّقَ أرْبابِهِمْ بِالواحِدِ، وجاءَ بِصِفَةِ القَهّارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى لَهُ هَذا الوَصْفُ الَّذِي مَعْناهُ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ التّامَّةُ، وإعْلامًا بِعُرُوِّ أصْنامِهِمْ عَنْ هَذا الوَصْفِ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ إلّا المُتَّصِفُ بِهِ، وهم عالِمُونَ بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ جَمادٌ، والمَعْنى: أعِبادَةُ أرْبابٍ مُتَكاثِرَةٍ في العَدَدِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ واحِدٍ قَهّارٍ وهو اللَّهُ ؟ فَمِن ضَرُورَةِ العاقِلِ يَرى خَيْرِيَّةَ عِبادَتِهِ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ إلى إخْبارٍ عَنْ حَقِيقَةِ ما يَعْبُدُونَ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لَهُما ولِقَوْمِهِما مِن أهْلٍ، ومَعْنى ﴿إلّا أسْماءً﴾ أيْ: ألْفاظًا أحْدَثْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم فَهي فارِغَةٌ لا مُسَمَّياتِ تَحْتَها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الأعْرافِ، ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم ولا لِأصْنامِكم حُكْمٌ، ما الحُكْمُ في العِبادَةِ والدِّينِ إلّا لِلَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما حَكَمَ بِهِ فَقالَ: أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومَعْنى ﴿القَيِّمُ﴾ الثّابِتُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ.
﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ بِجَهالاتِهِمْ وغَلَبَةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ.
﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
(p-٣١١)لَمّا ألْقى إلَيْهِما ما كانَ أهَمَّ وهو أمْرُ الدِّينِ رَجاءً في إيمانِهِما، ناداهُما ثانِيًا لِتَجْتَمِعَ أنْفُسُهُما لِسَماعِ الجَوابِ، فَرُوِيَ أنَّهُ قالَ: لِبُنُو: أمّا أنْتَ فَتَعُودُ إلى مَرْتَبَتِكَ وسِقايَةَ رَبِّكَ، وما رَأيْتَ مِنَ الكَرامَةِ وحُسْنِها هو المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ، وأمّا القُضْبانُ الثَّلاثَةُ فَإنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السَّجْنِ ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقالَ لِمُلَحِّبَ: أمّا أنْتَ فَما رَأيْتَ مِنَ السُّلالِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُصْلَبُ، فَرُوِيَ أنَّهُما قالا: ما رَأيْنا شَيْئًا، وإنَّما تَحالَمْنا لِنُجَرِّبَكَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا الَّذِي حَدَّثَهُ بِالصَّلْبِ، ورُوِيَ أنَّهُما رَأيا ثُمَّ أنْكَرا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ مِن سَقى، وفِرْقَةٌ: (فَيُسْقِي) مِن أسْقى، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ: نَسْقِيكم ونُسْقِيكم، وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ، والمَعْرُوفُ أنَّ سَقاهُ ناوَلَهُ لِيَشْرَبَ، وأسْقاهُ جَعَلَ لَهُ سُقْيًا، ونُسِبَ ضَمُّ الفاءِ لِعِكْرِمَةَ والجَحْدَرِيِّ، ومَعْنى (رَبَّهُ) سَيِّدَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ عِكْرِمَةُ والجَحْدَرِيُّ: (فَيُسْقى رَبُّهُ خَمْرًا) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ؛ أيْ: ما يَرْوِيهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ عِكْرِمَةُ (فَيُسْقى رَبُّهُ) فَيُسْقى ما يُرْوى بِهِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ثُمَّ أخْبَرَهُما يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ غَيْبِ عِلْمِهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ أنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ ووافَقَ القَدَرَ، وسَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِنكُما حُلْمٌ أوْ تَحالُمٌ، وأفْرَدَ الأمْرَ وإنْ كانَ أمْرُ هَذا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو عاقِبَةُ أمْرِهِما الَّذِي أُدْخِلا بِهِ السِّجْنَ، هو اتِّهامُ المَلِكِ إيّاهُما بِسَمِّهِ، فَرَأيا ما رَأيا، أوْ تَحالَما بِذَلِكَ، فَقُضِيَتْ وأُمْضِيَتْ تِلْكَ العاقِبَةُ مِن نَجاةِ أحَدِهِما وهَلاكِ الآخَرِ، و(قالَ) أيْ: يُوسُفُ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ أيْ: أيْقَنَ هو - أيْ: يُوسُفُ - أنَّهُ ناجٍ وهو السّاقِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَنَّ عَلى بابِهِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ”الَّذِي“ وهو السّاقِي؛ أيْ: لَمّا أخْبَرَهُ يُوسُفُ بِما أخْبَرَهُ، تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أنَّهُ يَنْجُو، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ، ويَكُونُ مُسْنَدًا إلى يُوسُفَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَتادَةُ والزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ هُنا عَلى بابِهِ، لِأنَّ عِبارَةَ الرُّؤْيا ظَنٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّانُّ هو يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ كانَ تَأْوِيلُهُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ فَيَبْعُدُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾، فِيهِ تَحَتُّمُ ما جَرى بِهِ القَدَرُ وإمْضاؤُهُ، فَيَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ، إلّا إنْ حُمِلَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ عَلى قُضِيَ كَلامِي، وقُلْتُ ما عِنْدِي، فَيَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى يُوسُفَ، فالمَعْنى أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِساقِي المَلِكِ حِينَ عَلِمَ أنَّهُ سَيَعُودُ إلى حالَتِهِ الأُولى مَعَ المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ المَلِكِ؛ أيْ: بِعِلْمِي ومَكانَتِي وما أنا عَلَيْهِ مِمّا آتانِي اللَّهُ، أوِ اذْكُرْنِي بِمَظْلَمَتِي وما امْتُحِنْتُ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وهَذا مِن يُوسُفَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعانَةِ والتَّعاوُنِ في تَفْرِيجِ كَرْبِهِ، وجَعْلِهِ بِإذْنِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ سَبَبًا لِلْخَلاصِ كَما جاءَ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وكَما كانَ الرَّسُولُ يَطْلُبُ مَن يَحْرُسُهُ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ يُوسُفَ إنَّما قالَ لِساقِي المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لِيَتَوَصَّلَ إلى هِدايَتِهِ وإيمانِهِ بِاللَّهِ، كَما تَوَصَّلَ إلى إيضاحِ الحَقِّ لِلسّاقِي ورَفِيقِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿فَأنْساهُ﴾ عائِدٌ عَلى السّاقِي، ومَعْنى ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ ذِكْرَ يُوسُفَ لِرَبِّهِ، والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، وإنْساءُ الشَّيْطانِ لَهُ بِما يُوَسْوِسُ إلَيْهِ مِنِ اشْتِغالِهِ حَتّى يُذْهَلَ عَمّا قالَ لَهُ يُوسُفُ، لَمّا أرادَ اللَّهُ بِيُوسُفَ مِن إجْزالِ أجْرِهِ بِطُولِ مَقامِهِ في السِّجْنِ، و﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ مُجْمَلٌ، فَقِيلَ: سَبْعٌ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ﴾ إخْبارٌ عَنْ مُدَّةِ مَقامِهِ في السِّجْنِ، مُنْذُ سُجِنَ إلى أنْ أُخْرِجَ، وقِيلَ: هَذا اللَّبْثُ هو ما بَعْدَ خُرُوجِ الفَتَيَيْنِ وذَلِكَ سَبْعٌ، وقِيلَ: سَنَتانِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أنْساهُ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، ورَتَّبُوا عَلى ذَلِكَ أخْبارًا لا تَلِيقُ نِسْبَتُها إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
يوسف 12:40
﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ياصاحِبَيِ﴾
لَمّا ذَكَرَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الحَنِيفِيِّ تَلَطَّفَ في حُسْنِ الِاسْتِدْلالِ عَلى فَسادِ ما عَلَيْهِ قَوْمُ الفَتَيَيْنِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَناداهُما باسِمِ الصُّحْبَةِ في المَكانِ الشّاقِّ الَّذِي تَخْلُصُ فِيهِ المَوَدَّةُ وتَتَمَخَّضُ فِيهِ النَّصِيحَةُ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإضافَةِ إلى الظَّرْفِ، والمَعْنى: يا صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن إضافَتِهِ إلى شِبْهِ المَفْعُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا ساكِنَيِ السِّجْنِ، كَقَوْلِهِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ [البقرة: ٣٩]، ﴿وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] ثُمَّ أوْرَدَ الدَّلِيلَ عَلى بُطْلانِ مِلَّةِ قَوْمِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ﴾ فَأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ حَتّى لا تَنْفِرَ طِباعُهُما مِنَ المُفاجَأةِ بِالدَّلِيلِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وهَكَذا الوَجْهُ في مُحاجَّةِ الجاهِلِ أنْ يُؤْخَذَ بِدَرَجَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الِاحْتِجاجِ يَقْبَلُها، فَإذا قَبِلَها لَزِمَتْهُ عَنْها دَرَجَةٌ أُخْرى فَوْقَها، ثُمَّ كَذَلِكَ إلى أنْ يَصِلَ إلى الإذْعانِ بِالحَقِّ، وقابَلَ تَفَرُّقَ أرْبابِهِمْ بِالواحِدِ، وجاءَ بِصِفَةِ القَهّارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى لَهُ هَذا الوَصْفُ الَّذِي مَعْناهُ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ التّامَّةُ، وإعْلامًا بِعُرُوِّ أصْنامِهِمْ عَنْ هَذا الوَصْفِ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ إلّا المُتَّصِفُ بِهِ، وهم عالِمُونَ بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ جَمادٌ، والمَعْنى: أعِبادَةُ أرْبابٍ مُتَكاثِرَةٍ في العَدَدِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ واحِدٍ قَهّارٍ وهو اللَّهُ ؟ فَمِن ضَرُورَةِ العاقِلِ يَرى خَيْرِيَّةَ عِبادَتِهِ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ إلى إخْبارٍ عَنْ حَقِيقَةِ ما يَعْبُدُونَ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لَهُما ولِقَوْمِهِما مِن أهْلٍ، ومَعْنى ﴿إلّا أسْماءً﴾ أيْ: ألْفاظًا أحْدَثْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم فَهي فارِغَةٌ لا مُسَمَّياتِ تَحْتَها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الأعْرافِ، ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم ولا لِأصْنامِكم حُكْمٌ، ما الحُكْمُ في العِبادَةِ والدِّينِ إلّا لِلَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما حَكَمَ بِهِ فَقالَ: أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومَعْنى ﴿القَيِّمُ﴾ الثّابِتُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ.
﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ بِجَهالاتِهِمْ وغَلَبَةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ.
﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
(p-٣١١)لَمّا ألْقى إلَيْهِما ما كانَ أهَمَّ وهو أمْرُ الدِّينِ رَجاءً في إيمانِهِما، ناداهُما ثانِيًا لِتَجْتَمِعَ أنْفُسُهُما لِسَماعِ الجَوابِ، فَرُوِيَ أنَّهُ قالَ: لِبُنُو: أمّا أنْتَ فَتَعُودُ إلى مَرْتَبَتِكَ وسِقايَةَ رَبِّكَ، وما رَأيْتَ مِنَ الكَرامَةِ وحُسْنِها هو المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ، وأمّا القُضْبانُ الثَّلاثَةُ فَإنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السَّجْنِ ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقالَ لِمُلَحِّبَ: أمّا أنْتَ فَما رَأيْتَ مِنَ السُّلالِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُصْلَبُ، فَرُوِيَ أنَّهُما قالا: ما رَأيْنا شَيْئًا، وإنَّما تَحالَمْنا لِنُجَرِّبَكَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا الَّذِي حَدَّثَهُ بِالصَّلْبِ، ورُوِيَ أنَّهُما رَأيا ثُمَّ أنْكَرا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ مِن سَقى، وفِرْقَةٌ: (فَيُسْقِي) مِن أسْقى، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ: نَسْقِيكم ونُسْقِيكم، وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ، والمَعْرُوفُ أنَّ سَقاهُ ناوَلَهُ لِيَشْرَبَ، وأسْقاهُ جَعَلَ لَهُ سُقْيًا، ونُسِبَ ضَمُّ الفاءِ لِعِكْرِمَةَ والجَحْدَرِيِّ، ومَعْنى (رَبَّهُ) سَيِّدَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ عِكْرِمَةُ والجَحْدَرِيُّ: (فَيُسْقى رَبُّهُ خَمْرًا) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ؛ أيْ: ما يَرْوِيهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ عِكْرِمَةُ (فَيُسْقى رَبُّهُ) فَيُسْقى ما يُرْوى بِهِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ثُمَّ أخْبَرَهُما يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ غَيْبِ عِلْمِهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ أنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ ووافَقَ القَدَرَ، وسَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِنكُما حُلْمٌ أوْ تَحالُمٌ، وأفْرَدَ الأمْرَ وإنْ كانَ أمْرُ هَذا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو عاقِبَةُ أمْرِهِما الَّذِي أُدْخِلا بِهِ السِّجْنَ، هو اتِّهامُ المَلِكِ إيّاهُما بِسَمِّهِ، فَرَأيا ما رَأيا، أوْ تَحالَما بِذَلِكَ، فَقُضِيَتْ وأُمْضِيَتْ تِلْكَ العاقِبَةُ مِن نَجاةِ أحَدِهِما وهَلاكِ الآخَرِ، و(قالَ) أيْ: يُوسُفُ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ أيْ: أيْقَنَ هو - أيْ: يُوسُفُ - أنَّهُ ناجٍ وهو السّاقِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَنَّ عَلى بابِهِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ”الَّذِي“ وهو السّاقِي؛ أيْ: لَمّا أخْبَرَهُ يُوسُفُ بِما أخْبَرَهُ، تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أنَّهُ يَنْجُو، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ، ويَكُونُ مُسْنَدًا إلى يُوسُفَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَتادَةُ والزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ هُنا عَلى بابِهِ، لِأنَّ عِبارَةَ الرُّؤْيا ظَنٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّانُّ هو يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ كانَ تَأْوِيلُهُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ فَيَبْعُدُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾، فِيهِ تَحَتُّمُ ما جَرى بِهِ القَدَرُ وإمْضاؤُهُ، فَيَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ، إلّا إنْ حُمِلَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ عَلى قُضِيَ كَلامِي، وقُلْتُ ما عِنْدِي، فَيَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى يُوسُفَ، فالمَعْنى أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِساقِي المَلِكِ حِينَ عَلِمَ أنَّهُ سَيَعُودُ إلى حالَتِهِ الأُولى مَعَ المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ المَلِكِ؛ أيْ: بِعِلْمِي ومَكانَتِي وما أنا عَلَيْهِ مِمّا آتانِي اللَّهُ، أوِ اذْكُرْنِي بِمَظْلَمَتِي وما امْتُحِنْتُ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وهَذا مِن يُوسُفَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعانَةِ والتَّعاوُنِ في تَفْرِيجِ كَرْبِهِ، وجَعْلِهِ بِإذْنِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ سَبَبًا لِلْخَلاصِ كَما جاءَ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وكَما كانَ الرَّسُولُ يَطْلُبُ مَن يَحْرُسُهُ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ يُوسُفَ إنَّما قالَ لِساقِي المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لِيَتَوَصَّلَ إلى هِدايَتِهِ وإيمانِهِ بِاللَّهِ، كَما تَوَصَّلَ إلى إيضاحِ الحَقِّ لِلسّاقِي ورَفِيقِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿فَأنْساهُ﴾ عائِدٌ عَلى السّاقِي، ومَعْنى ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ ذِكْرَ يُوسُفَ لِرَبِّهِ، والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، وإنْساءُ الشَّيْطانِ لَهُ بِما يُوَسْوِسُ إلَيْهِ مِنِ اشْتِغالِهِ حَتّى يُذْهَلَ عَمّا قالَ لَهُ يُوسُفُ، لَمّا أرادَ اللَّهُ بِيُوسُفَ مِن إجْزالِ أجْرِهِ بِطُولِ مَقامِهِ في السِّجْنِ، و﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ مُجْمَلٌ، فَقِيلَ: سَبْعٌ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ﴾ إخْبارٌ عَنْ مُدَّةِ مَقامِهِ في السِّجْنِ، مُنْذُ سُجِنَ إلى أنْ أُخْرِجَ، وقِيلَ: هَذا اللَّبْثُ هو ما بَعْدَ خُرُوجِ الفَتَيَيْنِ وذَلِكَ سَبْعٌ، وقِيلَ: سَنَتانِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أنْساهُ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، ورَتَّبُوا عَلى ذَلِكَ أخْبارًا لا تَلِيقُ نِسْبَتُها إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
يوسف 12:41
﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ياصاحِبَيِ﴾
لَمّا ذَكَرَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الحَنِيفِيِّ تَلَطَّفَ في حُسْنِ الِاسْتِدْلالِ عَلى فَسادِ ما عَلَيْهِ قَوْمُ الفَتَيَيْنِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَناداهُما باسِمِ الصُّحْبَةِ في المَكانِ الشّاقِّ الَّذِي تَخْلُصُ فِيهِ المَوَدَّةُ وتَتَمَخَّضُ فِيهِ النَّصِيحَةُ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإضافَةِ إلى الظَّرْفِ، والمَعْنى: يا صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن إضافَتِهِ إلى شِبْهِ المَفْعُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا ساكِنَيِ السِّجْنِ، كَقَوْلِهِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ [البقرة: ٣٩]، ﴿وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] ثُمَّ أوْرَدَ الدَّلِيلَ عَلى بُطْلانِ مِلَّةِ قَوْمِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ﴾ فَأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ حَتّى لا تَنْفِرَ طِباعُهُما مِنَ المُفاجَأةِ بِالدَّلِيلِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وهَكَذا الوَجْهُ في مُحاجَّةِ الجاهِلِ أنْ يُؤْخَذَ بِدَرَجَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الِاحْتِجاجِ يَقْبَلُها، فَإذا قَبِلَها لَزِمَتْهُ عَنْها دَرَجَةٌ أُخْرى فَوْقَها، ثُمَّ كَذَلِكَ إلى أنْ يَصِلَ إلى الإذْعانِ بِالحَقِّ، وقابَلَ تَفَرُّقَ أرْبابِهِمْ بِالواحِدِ، وجاءَ بِصِفَةِ القَهّارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى لَهُ هَذا الوَصْفُ الَّذِي مَعْناهُ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ التّامَّةُ، وإعْلامًا بِعُرُوِّ أصْنامِهِمْ عَنْ هَذا الوَصْفِ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ إلّا المُتَّصِفُ بِهِ، وهم عالِمُونَ بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ جَمادٌ، والمَعْنى: أعِبادَةُ أرْبابٍ مُتَكاثِرَةٍ في العَدَدِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ واحِدٍ قَهّارٍ وهو اللَّهُ ؟ فَمِن ضَرُورَةِ العاقِلِ يَرى خَيْرِيَّةَ عِبادَتِهِ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ إلى إخْبارٍ عَنْ حَقِيقَةِ ما يَعْبُدُونَ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لَهُما ولِقَوْمِهِما مِن أهْلٍ، ومَعْنى ﴿إلّا أسْماءً﴾ أيْ: ألْفاظًا أحْدَثْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم فَهي فارِغَةٌ لا مُسَمَّياتِ تَحْتَها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الأعْرافِ، ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم ولا لِأصْنامِكم حُكْمٌ، ما الحُكْمُ في العِبادَةِ والدِّينِ إلّا لِلَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما حَكَمَ بِهِ فَقالَ: أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومَعْنى ﴿القَيِّمُ﴾ الثّابِتُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ.
﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ بِجَهالاتِهِمْ وغَلَبَةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ.
﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
(p-٣١١)لَمّا ألْقى إلَيْهِما ما كانَ أهَمَّ وهو أمْرُ الدِّينِ رَجاءً في إيمانِهِما، ناداهُما ثانِيًا لِتَجْتَمِعَ أنْفُسُهُما لِسَماعِ الجَوابِ، فَرُوِيَ أنَّهُ قالَ: لِبُنُو: أمّا أنْتَ فَتَعُودُ إلى مَرْتَبَتِكَ وسِقايَةَ رَبِّكَ، وما رَأيْتَ مِنَ الكَرامَةِ وحُسْنِها هو المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ، وأمّا القُضْبانُ الثَّلاثَةُ فَإنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السَّجْنِ ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقالَ لِمُلَحِّبَ: أمّا أنْتَ فَما رَأيْتَ مِنَ السُّلالِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُصْلَبُ، فَرُوِيَ أنَّهُما قالا: ما رَأيْنا شَيْئًا، وإنَّما تَحالَمْنا لِنُجَرِّبَكَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا الَّذِي حَدَّثَهُ بِالصَّلْبِ، ورُوِيَ أنَّهُما رَأيا ثُمَّ أنْكَرا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ مِن سَقى، وفِرْقَةٌ: (فَيُسْقِي) مِن أسْقى، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ: نَسْقِيكم ونُسْقِيكم، وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ، والمَعْرُوفُ أنَّ سَقاهُ ناوَلَهُ لِيَشْرَبَ، وأسْقاهُ جَعَلَ لَهُ سُقْيًا، ونُسِبَ ضَمُّ الفاءِ لِعِكْرِمَةَ والجَحْدَرِيِّ، ومَعْنى (رَبَّهُ) سَيِّدَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ عِكْرِمَةُ والجَحْدَرِيُّ: (فَيُسْقى رَبُّهُ خَمْرًا) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ؛ أيْ: ما يَرْوِيهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ عِكْرِمَةُ (فَيُسْقى رَبُّهُ) فَيُسْقى ما يُرْوى بِهِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ثُمَّ أخْبَرَهُما يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ غَيْبِ عِلْمِهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ أنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ ووافَقَ القَدَرَ، وسَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِنكُما حُلْمٌ أوْ تَحالُمٌ، وأفْرَدَ الأمْرَ وإنْ كانَ أمْرُ هَذا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو عاقِبَةُ أمْرِهِما الَّذِي أُدْخِلا بِهِ السِّجْنَ، هو اتِّهامُ المَلِكِ إيّاهُما بِسَمِّهِ، فَرَأيا ما رَأيا، أوْ تَحالَما بِذَلِكَ، فَقُضِيَتْ وأُمْضِيَتْ تِلْكَ العاقِبَةُ مِن نَجاةِ أحَدِهِما وهَلاكِ الآخَرِ، و(قالَ) أيْ: يُوسُفُ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ أيْ: أيْقَنَ هو - أيْ: يُوسُفُ - أنَّهُ ناجٍ وهو السّاقِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَنَّ عَلى بابِهِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ”الَّذِي“ وهو السّاقِي؛ أيْ: لَمّا أخْبَرَهُ يُوسُفُ بِما أخْبَرَهُ، تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أنَّهُ يَنْجُو، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ، ويَكُونُ مُسْنَدًا إلى يُوسُفَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَتادَةُ والزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ هُنا عَلى بابِهِ، لِأنَّ عِبارَةَ الرُّؤْيا ظَنٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّانُّ هو يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ كانَ تَأْوِيلُهُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ فَيَبْعُدُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾، فِيهِ تَحَتُّمُ ما جَرى بِهِ القَدَرُ وإمْضاؤُهُ، فَيَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ، إلّا إنْ حُمِلَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ عَلى قُضِيَ كَلامِي، وقُلْتُ ما عِنْدِي، فَيَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى يُوسُفَ، فالمَعْنى أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِساقِي المَلِكِ حِينَ عَلِمَ أنَّهُ سَيَعُودُ إلى حالَتِهِ الأُولى مَعَ المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ المَلِكِ؛ أيْ: بِعِلْمِي ومَكانَتِي وما أنا عَلَيْهِ مِمّا آتانِي اللَّهُ، أوِ اذْكُرْنِي بِمَظْلَمَتِي وما امْتُحِنْتُ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وهَذا مِن يُوسُفَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعانَةِ والتَّعاوُنِ في تَفْرِيجِ كَرْبِهِ، وجَعْلِهِ بِإذْنِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ سَبَبًا لِلْخَلاصِ كَما جاءَ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وكَما كانَ الرَّسُولُ يَطْلُبُ مَن يَحْرُسُهُ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ يُوسُفَ إنَّما قالَ لِساقِي المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لِيَتَوَصَّلَ إلى هِدايَتِهِ وإيمانِهِ بِاللَّهِ، كَما تَوَصَّلَ إلى إيضاحِ الحَقِّ لِلسّاقِي ورَفِيقِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿فَأنْساهُ﴾ عائِدٌ عَلى السّاقِي، ومَعْنى ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ ذِكْرَ يُوسُفَ لِرَبِّهِ، والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، وإنْساءُ الشَّيْطانِ لَهُ بِما يُوَسْوِسُ إلَيْهِ مِنِ اشْتِغالِهِ حَتّى يُذْهَلَ عَمّا قالَ لَهُ يُوسُفُ، لَمّا أرادَ اللَّهُ بِيُوسُفَ مِن إجْزالِ أجْرِهِ بِطُولِ مَقامِهِ في السِّجْنِ، و﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ مُجْمَلٌ، فَقِيلَ: سَبْعٌ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ﴾ إخْبارٌ عَنْ مُدَّةِ مَقامِهِ في السِّجْنِ، مُنْذُ سُجِنَ إلى أنْ أُخْرِجَ، وقِيلَ: هَذا اللَّبْثُ هو ما بَعْدَ خُرُوجِ الفَتَيَيْنِ وذَلِكَ سَبْعٌ، وقِيلَ: سَنَتانِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أنْساهُ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، ورَتَّبُوا عَلى ذَلِكَ أخْبارًا لا تَلِيقُ نِسْبَتُها إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
يوسف 12:42
﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ياصاحِبَيِ﴾
لَمّا ذَكَرَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الحَنِيفِيِّ تَلَطَّفَ في حُسْنِ الِاسْتِدْلالِ عَلى فَسادِ ما عَلَيْهِ قَوْمُ الفَتَيَيْنِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَناداهُما باسِمِ الصُّحْبَةِ في المَكانِ الشّاقِّ الَّذِي تَخْلُصُ فِيهِ المَوَدَّةُ وتَتَمَخَّضُ فِيهِ النَّصِيحَةُ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإضافَةِ إلى الظَّرْفِ، والمَعْنى: يا صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن إضافَتِهِ إلى شِبْهِ المَفْعُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا ساكِنَيِ السِّجْنِ، كَقَوْلِهِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ [البقرة: ٣٩]، ﴿وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] ثُمَّ أوْرَدَ الدَّلِيلَ عَلى بُطْلانِ مِلَّةِ قَوْمِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ﴾ فَأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ حَتّى لا تَنْفِرَ طِباعُهُما مِنَ المُفاجَأةِ بِالدَّلِيلِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وهَكَذا الوَجْهُ في مُحاجَّةِ الجاهِلِ أنْ يُؤْخَذَ بِدَرَجَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الِاحْتِجاجِ يَقْبَلُها، فَإذا قَبِلَها لَزِمَتْهُ عَنْها دَرَجَةٌ أُخْرى فَوْقَها، ثُمَّ كَذَلِكَ إلى أنْ يَصِلَ إلى الإذْعانِ بِالحَقِّ، وقابَلَ تَفَرُّقَ أرْبابِهِمْ بِالواحِدِ، وجاءَ بِصِفَةِ القَهّارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى لَهُ هَذا الوَصْفُ الَّذِي مَعْناهُ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ التّامَّةُ، وإعْلامًا بِعُرُوِّ أصْنامِهِمْ عَنْ هَذا الوَصْفِ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ إلّا المُتَّصِفُ بِهِ، وهم عالِمُونَ بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ جَمادٌ، والمَعْنى: أعِبادَةُ أرْبابٍ مُتَكاثِرَةٍ في العَدَدِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ واحِدٍ قَهّارٍ وهو اللَّهُ ؟ فَمِن ضَرُورَةِ العاقِلِ يَرى خَيْرِيَّةَ عِبادَتِهِ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ إلى إخْبارٍ عَنْ حَقِيقَةِ ما يَعْبُدُونَ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لَهُما ولِقَوْمِهِما مِن أهْلٍ، ومَعْنى ﴿إلّا أسْماءً﴾ أيْ: ألْفاظًا أحْدَثْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم فَهي فارِغَةٌ لا مُسَمَّياتِ تَحْتَها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في الأعْرافِ، ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم ولا لِأصْنامِكم حُكْمٌ، ما الحُكْمُ في العِبادَةِ والدِّينِ إلّا لِلَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما حَكَمَ بِهِ فَقالَ: أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومَعْنى ﴿القَيِّمُ﴾ الثّابِتُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ.
﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ بِجَهالاتِهِمْ وغَلَبَةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ.
﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
(p-٣١١)لَمّا ألْقى إلَيْهِما ما كانَ أهَمَّ وهو أمْرُ الدِّينِ رَجاءً في إيمانِهِما، ناداهُما ثانِيًا لِتَجْتَمِعَ أنْفُسُهُما لِسَماعِ الجَوابِ، فَرُوِيَ أنَّهُ قالَ: لِبُنُو: أمّا أنْتَ فَتَعُودُ إلى مَرْتَبَتِكَ وسِقايَةَ رَبِّكَ، وما رَأيْتَ مِنَ الكَرامَةِ وحُسْنِها هو المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ، وأمّا القُضْبانُ الثَّلاثَةُ فَإنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السَّجْنِ ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقالَ لِمُلَحِّبَ: أمّا أنْتَ فَما رَأيْتَ مِنَ السُّلالِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُصْلَبُ، فَرُوِيَ أنَّهُما قالا: ما رَأيْنا شَيْئًا، وإنَّما تَحالَمْنا لِنُجَرِّبَكَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا الَّذِي حَدَّثَهُ بِالصَّلْبِ، ورُوِيَ أنَّهُما رَأيا ثُمَّ أنْكَرا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ مِن سَقى، وفِرْقَةٌ: (فَيُسْقِي) مِن أسْقى، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ: نَسْقِيكم ونُسْقِيكم، وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ، والمَعْرُوفُ أنَّ سَقاهُ ناوَلَهُ لِيَشْرَبَ، وأسْقاهُ جَعَلَ لَهُ سُقْيًا، ونُسِبَ ضَمُّ الفاءِ لِعِكْرِمَةَ والجَحْدَرِيِّ، ومَعْنى (رَبَّهُ) سَيِّدَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ عِكْرِمَةُ والجَحْدَرِيُّ: (فَيُسْقى رَبُّهُ خَمْرًا) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ؛ أيْ: ما يَرْوِيهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ عِكْرِمَةُ (فَيُسْقى رَبُّهُ) فَيُسْقى ما يُرْوى بِهِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ثُمَّ أخْبَرَهُما يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ غَيْبِ عِلْمِهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ أنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ ووافَقَ القَدَرَ، وسَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِنكُما حُلْمٌ أوْ تَحالُمٌ، وأفْرَدَ الأمْرَ وإنْ كانَ أمْرُ هَذا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو عاقِبَةُ أمْرِهِما الَّذِي أُدْخِلا بِهِ السِّجْنَ، هو اتِّهامُ المَلِكِ إيّاهُما بِسَمِّهِ، فَرَأيا ما رَأيا، أوْ تَحالَما بِذَلِكَ، فَقُضِيَتْ وأُمْضِيَتْ تِلْكَ العاقِبَةُ مِن نَجاةِ أحَدِهِما وهَلاكِ الآخَرِ، و(قالَ) أيْ: يُوسُفُ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ أيْ: أيْقَنَ هو - أيْ: يُوسُفُ - أنَّهُ ناجٍ وهو السّاقِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَنَّ عَلى بابِهِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ”الَّذِي“ وهو السّاقِي؛ أيْ: لَمّا أخْبَرَهُ يُوسُفُ بِما أخْبَرَهُ، تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أنَّهُ يَنْجُو، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ، ويَكُونُ مُسْنَدًا إلى يُوسُفَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَتادَةُ والزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ هُنا عَلى بابِهِ، لِأنَّ عِبارَةَ الرُّؤْيا ظَنٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّانُّ هو يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ كانَ تَأْوِيلُهُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ فَيَبْعُدُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾، فِيهِ تَحَتُّمُ ما جَرى بِهِ القَدَرُ وإمْضاؤُهُ، فَيَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ، إلّا إنْ حُمِلَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ عَلى قُضِيَ كَلامِي، وقُلْتُ ما عِنْدِي، فَيَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى يُوسُفَ، فالمَعْنى أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِساقِي المَلِكِ حِينَ عَلِمَ أنَّهُ سَيَعُودُ إلى حالَتِهِ الأُولى مَعَ المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ المَلِكِ؛ أيْ: بِعِلْمِي ومَكانَتِي وما أنا عَلَيْهِ مِمّا آتانِي اللَّهُ، أوِ اذْكُرْنِي بِمَظْلَمَتِي وما امْتُحِنْتُ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وهَذا مِن يُوسُفَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعانَةِ والتَّعاوُنِ في تَفْرِيجِ كَرْبِهِ، وجَعْلِهِ بِإذْنِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ سَبَبًا لِلْخَلاصِ كَما جاءَ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وكَما كانَ الرَّسُولُ يَطْلُبُ مَن يَحْرُسُهُ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ يُوسُفَ إنَّما قالَ لِساقِي المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لِيَتَوَصَّلَ إلى هِدايَتِهِ وإيمانِهِ بِاللَّهِ، كَما تَوَصَّلَ إلى إيضاحِ الحَقِّ لِلسّاقِي ورَفِيقِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿فَأنْساهُ﴾ عائِدٌ عَلى السّاقِي، ومَعْنى ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ ذِكْرَ يُوسُفَ لِرَبِّهِ، والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، وإنْساءُ الشَّيْطانِ لَهُ بِما يُوَسْوِسُ إلَيْهِ مِنِ اشْتِغالِهِ حَتّى يُذْهَلَ عَمّا قالَ لَهُ يُوسُفُ، لَمّا أرادَ اللَّهُ بِيُوسُفَ مِن إجْزالِ أجْرِهِ بِطُولِ مَقامِهِ في السِّجْنِ، و﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ مُجْمَلٌ، فَقِيلَ: سَبْعٌ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ﴾ إخْبارٌ عَنْ مُدَّةِ مَقامِهِ في السِّجْنِ، مُنْذُ سُجِنَ إلى أنْ أُخْرِجَ، وقِيلَ: هَذا اللَّبْثُ هو ما بَعْدَ خُرُوجِ الفَتَيَيْنِ وذَلِكَ سَبْعٌ، وقِيلَ: سَنَتانِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أنْساهُ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، ورَتَّبُوا عَلى ذَلِكَ أخْبارًا لا تَلِيقُ نِسْبَتُها إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
يوسف 12:43
(p-٣١٢)﴿وقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾
لَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى مَلِكُ مِصْرَ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ رُؤْيا عَجِيبَةً هالَتْهُ، فَرَأى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ، وسَبْعَ بَقَراتٍ عِجافٍ، فابْتَلَعَتِ العِجافُ السِّمانَ، ورَأى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها، وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ قَدِ اسْتُحْصِدَتْ وأُدْرِكَتْ، فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضْرِ حَتّى غَلَبْنَ عَلَيْها، فَلَمْ يَجِدْ في قَوْمِهِ مَن يُحْسِنُ عِبارَتَها. (أرى) يَعْنِي في مَنامِهِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ: أفْتَوْنِي في رُؤْيايَ، و(أرى) حِكايَةُ حالٍ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِالمُضارِعِ دُونَ رَأيْتُ، و﴿سِمانٍ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَقَراتٍ﴾ مَيَّزَ العَدَدَ بِنَوْعٍ مِنَ البَقَراتِ وهي السِّمانُ مِنهُنَّ لا يُحْسِنُهُنَّ، ولَوْ نَصَبَ صِفَةً لِسَبْعٍ لَكانَ التَّمْيِيزُ بِالجِنْسِ لا بِالنَّوْعِ، ويَلْزَمُ مِن وصْفِ البَقَراتِ بِالسِّمَنِ وصْفُ السَّبْعِ بِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن وصْفِ السَّبْعِ بِهِ وصْفُ الجِنْسِ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى سَبْعًا مِنَ البَقَراتِ سِمانًا، وفَرِّقْ بَيْنَ قَوْلِكَ: عِنْدِي ثَلاثُ رِجالٍ كِرامٍ، وثَلاثَةُ رِجالٍ كِرامٍ؛ لِأنَّ المَعْنى في الأوَّلِ ثَلاثَةٌ مِنَ الرِّجالِ الكِرامِ، فَيَلْزَمُ كَرَمُ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّهم بَعْضٌ مِنَ الرِّجالِ الكِرامِ، والمَعْنى في الثّانِي ثَلاثَةٌ مِنَ الرِّجالِ كِرامٌ، فَلا يَدُلُّ عَلى وصْفِ الرِّجالِ بِالكَرَمِ، ولَمْ يُضِفْ ﴿سَبْعَ﴾ إلى ﴿عِجافٌ﴾ لِأنَّ اسْمَ العَدَدِ لا يُضافُ إلى الصِّفَةِ إلّا في الشِّعْرِ، إنَّما تَتْبَعُهُ الصِّفَةُ، وثَلاثَةُ فُرْسانٍ، وخَمْسَةُ أصْحابٍ مَنِ الصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ مَجْرى الأسْماءِ، ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ عَلى أنَّ السَّبْعَ العِجافَ بَقَراتٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ، أوْ بَقَراتُ سَبْعٍ عِجافٍ، وجاءَ جَمْعُ عَجْفاءَ عَلى عِجافٍ، وقِياسُهُ عَجَفَ كَخَضْراءَ أوْ خُضْرٍ، حَمَلًا عَلى سِمانٍ؛ لِأنَّهُ نَقِيضُهُ، وقَدْ يُحْمَلُ النَّقِيضُ عَلى النَّقِيضِ، كَما يُحْمَلُ النَّظَرُ عَلى النَّظِيرِ، والتَّقْسِيمُ في البَقَراتِ يَقْتَضِي التَّقْسِيمَ في السُّنْبُلاتِ، فَيَكُونُ قَدْ حَذَفَ اسْمَ العَدَدِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ لِدَلالَةِ قِسْمَيْهِ وما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ (وأُخَرَ) مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى ﴿سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ العَطْفُ عَلَيْهِ كانَ مِن جُمْلَةِ مُمَيَّزِ (سَبْعَ)، ومِن جِهَةِ كَوْنِهِ (أُخَرَ) كانَ مُبايِنًا لِـ (سَبْعَ)، فَتَدافَعا بِخِلافِ أنْ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ويابِساتٍ، فَإنَّهُ كانَ يَصِحُّ العَطْفُ، ويَكُونُ مِن تَوْزِيعِ السُّنْبُلاتِ إلى خُضْرٍ ويابِساتٍ، و(المَلَأُ) أشْرافُ دَوْلَتِهِ وأعْيانُهُمُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ عِنْدَ المَلِكِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: بِالإدْغامِ في الرُّؤْيا، وبابُهُ بَعْدَ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا، ثُمَّ قَلَبَها ياءً، لِاجْتِماعِ الواوِ والياءِ، وقَدْ سَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، ونَصُّوا عَلى شُذُوذِهِ؛ لِأنَّ الواوَ هي بَدَلٌ غَيْرُ لازِمٍ، واللّامُ في الرُّؤْيا مُقَوِّيَةٌ لِوُصُولِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ إذا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، فَلَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ بِخِلافِ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُ لِضَعْفِهِ قَدْ تَقْوى بِها فَتَقُولُ: زَيْدٌ ضارِبٌ لِعُمَرَ وفَصِيحًا، والظّاهِرُ أنَّ خَبَرَ (كُنْتُمْ) هو قَوْلُهُ: (تَعْبُرُونَ)، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ وُجُوهًا مُتَكَلِّفَةً؛ أحَدُها: أنْ تَكُونَ الرُّؤْيا لِلْبَيانِ قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] فَتَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أعْنِي فِيهِ، وكَذَلِكَ تَقْدِيرُ هَذا ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أعْنِي الرُّؤْيا ﴿تَعْبُرُونَ﴾ ويَكُونُ مَفْعُولُ ﴿تَعْبُرُونَ﴾ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ تَعْبُرُونَها.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ (الرُّؤْيا) خَبَرَ كانَ قالَ: كَما تَقُولُ: كانَ فُلانٌ لِهَذا الأمْرِ إذا كانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، و﴿تَعْبُرُونَ﴾ خَبَرًا آخَرَ أوْ حالًا.
والثّالِثُ: أنْ يَضْمَنَ تَعْبَرُونَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَنْتَدِبُونَ لِعِبارَةِ الرُّؤْيا، وعِبارَةُ الرُّؤْيا مَأْخُوذَةٌ مِن عَبَرَ النَّهْرِ إذا جازَهُ مِن شَطٍّ إلى شَطٍّ، فَكانَ عابِرُ الرُّؤْيا يَنْتَهِي إلى آخِرِ تَأْوِيلِها، وعَبَرَ الرُّؤْيا بِتَخْفِيفِ الباءِ ثُلاثِيًّا وهو المَشْهُورُ، وأنْكَرَ بَعْضُهم (p-٣١٣)التَّشْدِيدَ، وأنْشَدَ المُبَرِّدُ في الكامِلِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎رَأيْتُ رُؤْيا ثُمَّ عَبَرْتُها وكُنْتُ لِلْأحْلامِ عَبّارًا
و﴿أضْغاثُ﴾ جَمْعُ ضِغْثٍ؛ أيْ: تَخالِيطُ أحْلامٍ، وهي ما يَكُونُ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ، أوْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، أوْ مِزاجِ الإنْسانِ، وأصْلُهُ أخْلاطُ النَّباتِ، اسْتُعِيرَ لِلْأحْلامِ، وجَمَعُوا الأحْلامَ، وأنَّ رُؤْياهُ واحِدَةٌ إمّا بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقاتِها إذْ هي أشْياءُ، وإمّا بِاعْتِبارِ جَوازِ ذَلِكَ كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ وإنْ لَمْ يَرْكَبْ إلّا فَرَسًا واحِدًا، تَعْلِيقًا بِالجِنْسِ، وإمّا بِكَوْنِهِ قَصَّ عَلَيْهِمْ مَعَ هَذِهِ الرُّؤْيا غَيْرَها، والأحْلامُ: جَمْعُ حُلْمٍ، و﴿أضْغاثُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي أضْغاثُ أحْلامٍ، والظّاهِرُ أنَّهم نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ العِلْمَ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ أيْ: لَسْنا مِن أهْلِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأحْلامُ المَنفِيُّ عِلْمُها أرادُوا بِها المَوْصُوفَةَ بِالتَّخْلِيطِ والأباطِيلِ؛ أيْ: وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ الَّتِي هي أضْغاثٌ بِعالِمِينَ؛ أيْ: لا يَتَعَلَّقُ عِلْمٌ لَنا بِتَأْوِيلِ تِلْكَ؛ لِأنَّهُ لا تَأْوِيلَ لَها إنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَنامِ الصَّحِيحِ، فَلا يَكُونُ في ذَلِكَ نَفْيٌ لِلْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ المَنامِ الصَّحِيحِ، ولا تَصَوُّرُ عِلْمِهِمْ، والباءُ في ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿بِعالِمِينَ﴾ .
يوسف 12:44
(p-٣١٢)﴿وقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾
لَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى مَلِكُ مِصْرَ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ رُؤْيا عَجِيبَةً هالَتْهُ، فَرَأى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ، وسَبْعَ بَقَراتٍ عِجافٍ، فابْتَلَعَتِ العِجافُ السِّمانَ، ورَأى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها، وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ قَدِ اسْتُحْصِدَتْ وأُدْرِكَتْ، فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضْرِ حَتّى غَلَبْنَ عَلَيْها، فَلَمْ يَجِدْ في قَوْمِهِ مَن يُحْسِنُ عِبارَتَها. (أرى) يَعْنِي في مَنامِهِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ: أفْتَوْنِي في رُؤْيايَ، و(أرى) حِكايَةُ حالٍ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِالمُضارِعِ دُونَ رَأيْتُ، و﴿سِمانٍ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَقَراتٍ﴾ مَيَّزَ العَدَدَ بِنَوْعٍ مِنَ البَقَراتِ وهي السِّمانُ مِنهُنَّ لا يُحْسِنُهُنَّ، ولَوْ نَصَبَ صِفَةً لِسَبْعٍ لَكانَ التَّمْيِيزُ بِالجِنْسِ لا بِالنَّوْعِ، ويَلْزَمُ مِن وصْفِ البَقَراتِ بِالسِّمَنِ وصْفُ السَّبْعِ بِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن وصْفِ السَّبْعِ بِهِ وصْفُ الجِنْسِ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى سَبْعًا مِنَ البَقَراتِ سِمانًا، وفَرِّقْ بَيْنَ قَوْلِكَ: عِنْدِي ثَلاثُ رِجالٍ كِرامٍ، وثَلاثَةُ رِجالٍ كِرامٍ؛ لِأنَّ المَعْنى في الأوَّلِ ثَلاثَةٌ مِنَ الرِّجالِ الكِرامِ، فَيَلْزَمُ كَرَمُ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّهم بَعْضٌ مِنَ الرِّجالِ الكِرامِ، والمَعْنى في الثّانِي ثَلاثَةٌ مِنَ الرِّجالِ كِرامٌ، فَلا يَدُلُّ عَلى وصْفِ الرِّجالِ بِالكَرَمِ، ولَمْ يُضِفْ ﴿سَبْعَ﴾ إلى ﴿عِجافٌ﴾ لِأنَّ اسْمَ العَدَدِ لا يُضافُ إلى الصِّفَةِ إلّا في الشِّعْرِ، إنَّما تَتْبَعُهُ الصِّفَةُ، وثَلاثَةُ فُرْسانٍ، وخَمْسَةُ أصْحابٍ مَنِ الصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ مَجْرى الأسْماءِ، ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ عَلى أنَّ السَّبْعَ العِجافَ بَقَراتٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ، أوْ بَقَراتُ سَبْعٍ عِجافٍ، وجاءَ جَمْعُ عَجْفاءَ عَلى عِجافٍ، وقِياسُهُ عَجَفَ كَخَضْراءَ أوْ خُضْرٍ، حَمَلًا عَلى سِمانٍ؛ لِأنَّهُ نَقِيضُهُ، وقَدْ يُحْمَلُ النَّقِيضُ عَلى النَّقِيضِ، كَما يُحْمَلُ النَّظَرُ عَلى النَّظِيرِ، والتَّقْسِيمُ في البَقَراتِ يَقْتَضِي التَّقْسِيمَ في السُّنْبُلاتِ، فَيَكُونُ قَدْ حَذَفَ اسْمَ العَدَدِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ لِدَلالَةِ قِسْمَيْهِ وما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ (وأُخَرَ) مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى ﴿سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ العَطْفُ عَلَيْهِ كانَ مِن جُمْلَةِ مُمَيَّزِ (سَبْعَ)، ومِن جِهَةِ كَوْنِهِ (أُخَرَ) كانَ مُبايِنًا لِـ (سَبْعَ)، فَتَدافَعا بِخِلافِ أنْ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ويابِساتٍ، فَإنَّهُ كانَ يَصِحُّ العَطْفُ، ويَكُونُ مِن تَوْزِيعِ السُّنْبُلاتِ إلى خُضْرٍ ويابِساتٍ، و(المَلَأُ) أشْرافُ دَوْلَتِهِ وأعْيانُهُمُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ عِنْدَ المَلِكِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: بِالإدْغامِ في الرُّؤْيا، وبابُهُ بَعْدَ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا، ثُمَّ قَلَبَها ياءً، لِاجْتِماعِ الواوِ والياءِ، وقَدْ سَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، ونَصُّوا عَلى شُذُوذِهِ؛ لِأنَّ الواوَ هي بَدَلٌ غَيْرُ لازِمٍ، واللّامُ في الرُّؤْيا مُقَوِّيَةٌ لِوُصُولِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ إذا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، فَلَوْ تَأخَّرَ لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ بِخِلافِ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُ لِضَعْفِهِ قَدْ تَقْوى بِها فَتَقُولُ: زَيْدٌ ضارِبٌ لِعُمَرَ وفَصِيحًا، والظّاهِرُ أنَّ خَبَرَ (كُنْتُمْ) هو قَوْلُهُ: (تَعْبُرُونَ)، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ وُجُوهًا مُتَكَلِّفَةً؛ أحَدُها: أنْ تَكُونَ الرُّؤْيا لِلْبَيانِ قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] فَتَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أعْنِي فِيهِ، وكَذَلِكَ تَقْدِيرُ هَذا ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أعْنِي الرُّؤْيا ﴿تَعْبُرُونَ﴾ ويَكُونُ مَفْعُولُ ﴿تَعْبُرُونَ﴾ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ تَعْبُرُونَها.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ (الرُّؤْيا) خَبَرَ كانَ قالَ: كَما تَقُولُ: كانَ فُلانٌ لِهَذا الأمْرِ إذا كانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، و﴿تَعْبُرُونَ﴾ خَبَرًا آخَرَ أوْ حالًا.
والثّالِثُ: أنْ يَضْمَنَ تَعْبَرُونَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَنْتَدِبُونَ لِعِبارَةِ الرُّؤْيا، وعِبارَةُ الرُّؤْيا مَأْخُوذَةٌ مِن عَبَرَ النَّهْرِ إذا جازَهُ مِن شَطٍّ إلى شَطٍّ، فَكانَ عابِرُ الرُّؤْيا يَنْتَهِي إلى آخِرِ تَأْوِيلِها، وعَبَرَ الرُّؤْيا بِتَخْفِيفِ الباءِ ثُلاثِيًّا وهو المَشْهُورُ، وأنْكَرَ بَعْضُهم (p-٣١٣)التَّشْدِيدَ، وأنْشَدَ المُبَرِّدُ في الكامِلِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎رَأيْتُ رُؤْيا ثُمَّ عَبَرْتُها وكُنْتُ لِلْأحْلامِ عَبّارًا
و﴿أضْغاثُ﴾ جَمْعُ ضِغْثٍ؛ أيْ: تَخالِيطُ أحْلامٍ، وهي ما يَكُونُ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ، أوْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، أوْ مِزاجِ الإنْسانِ، وأصْلُهُ أخْلاطُ النَّباتِ، اسْتُعِيرَ لِلْأحْلامِ، وجَمَعُوا الأحْلامَ، وأنَّ رُؤْياهُ واحِدَةٌ إمّا بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقاتِها إذْ هي أشْياءُ، وإمّا بِاعْتِبارِ جَوازِ ذَلِكَ كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ وإنْ لَمْ يَرْكَبْ إلّا فَرَسًا واحِدًا، تَعْلِيقًا بِالجِنْسِ، وإمّا بِكَوْنِهِ قَصَّ عَلَيْهِمْ مَعَ هَذِهِ الرُّؤْيا غَيْرَها، والأحْلامُ: جَمْعُ حُلْمٍ، و﴿أضْغاثُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي أضْغاثُ أحْلامٍ، والظّاهِرُ أنَّهم نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ العِلْمَ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ أيْ: لَسْنا مِن أهْلِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأحْلامُ المَنفِيُّ عِلْمُها أرادُوا بِها المَوْصُوفَةَ بِالتَّخْلِيطِ والأباطِيلِ؛ أيْ: وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ الَّتِي هي أضْغاثٌ بِعالِمِينَ؛ أيْ: لا يَتَعَلَّقُ عِلْمٌ لَنا بِتَأْوِيلِ تِلْكَ؛ لِأنَّهُ لا تَأْوِيلَ لَها إنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَنامِ الصَّحِيحِ، فَلا يَكُونُ في ذَلِكَ نَفْيٌ لِلْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ المَنامِ الصَّحِيحِ، ولا تَصَوُّرُ عِلْمِهِمْ، والباءُ في ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿بِعالِمِينَ﴾ .
يوسف 12:45
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧] ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨] ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ [يوسف: ٦١] ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥]
أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا وأمْهًا نَسِيَ، يُغاثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَوْثِ وهو الفَرَجُ، يُقالُ: أغاثَهُمُ اللَّهُ فَرَّجَ عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَيْثِ تَقُولُ: غِيثَتِ البِلادُ إذا أُمْطِرَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: غِثْنا ما شِئْنا، الخَطْبُ: الشَّأْنُ والأمْرُ الَّذِي فِيهِ خَطَرٌ، ويُجْمَعُ عَلى خُطُوبٍ قالَ:
؎وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
حَصْحَصَ تَبَيَّنَ بَعْدَ الخَفاءِ، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ حَصْحَصَ الحَقُّ بانَتْ حِصَّتُهُ مِن (p-٣١٤)حِصَّةِ الباطِلِ، وقِيلَ: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ ألْقى ثَفِناتِهِ لِلْإناخَةِ، قالَ: حَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفِناتِهِ، الجِهازُ: ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِن زادٍ ومَتاعٍ، وكُلُّ ما يُحْمَلُ، وجِهازُ العَرُوسِ ما يَكُونُ مَعَها مِنَ الأثاثِ والشُّورَةِ، وجِهازُ المَيِّتِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في دَفْنِهِ، الرَّحْلُ: ما عَلى ظَهْرِ المَرْكُوبِ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ أوْ غَيْرِهِ، وجَمْعُهُ رِحالٌ في الكَثْرَةِ، وأرْحُلٌ في القِلَّةِ، مارَ يَمِيرُ، وأمارَ يَمِيرُ، إذا جَلَبَ الخَيْرَ وهي المِيرَةُ قالَ:
؎بَعَثْتُكَ مائِرًا فَمَكَثْتَ حَوْلًا ∗∗∗ مَتى يَأْتِي غِياثُكَ مَن تُغِيثُ
البَعِيرُ في الأشْهَرِ الجَمَلُ مُقابِلُ النّاقَةِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى النّاقَةِ، كَما يُطْلَقُ عَلى الجَمَلِ فَيَقُولُ: عَلى هَذا نِعْمَ البَعِيرُ الجَمَلُ لِعُمُومِهِ، ويَمْتَنِعُ عَلى الأشْهَرِ لِتَرادُفِهِ، وفي لُغَةٍ تُكْسَرُ باؤُهُ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أبْعِرَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى بِعِرانٍ.
* *
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
لَمّا اسْتَثْنى المَلِكُ في رُؤْياهُ وأعْضَلَ عَلى المَلَأِ تَأْوِيلَها، تَذَكَّرَ النّاجِي مِنَ القَتْلِ وهو ساقِي المَلِكِ يُوسُفَ، وتَأْوِيلَ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وطَلَبَهُ إلَيْهِ لِيَذْكُرَهُ عِنْدَ المَلِكِ، (وادَّكَرَ) أيْ: تَذَكَّرَ ما سَبَقَ لَهُ مَعَ يُوسُفَ (بَعْدَ أُمَّةٍ) أيْ: مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وادَّكَرَ) حالِيَّةٌ، وأصْلُهُ: واذْتَكَرَ أُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الذّالُ فِيها فَصارَ ادَّكَرَ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: واذَّكَرَ بِإبْدالِ التّاءِ ذالًا، وإدْغامُ الذّالِ فِيها، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: (بَعْدَ إمَّةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِنَ القَتْلِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى يُوسُفَ في تَقْرِيبِ إطْلاقِهِ، والأُمَّةُ النِّعْمَةُ قالَ:
؎ألا لا أرى ذا إمَّةٍ أصْبَحَتْ بِهِ فَتَتْرُكُهُ الأيّامُ وهي كَما هِيا
قالَ الأعْلَمُ: الأُمَّةُ النِّعْمَةُ والحالُ الحَسَنَةُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ الضُّبَعِيُّ ورَبِيعَةُ بْنُ عَمْرٍو: (بَعْدَ أمَهِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمُ مُخَفَّفَةٌ وهاءٌ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ عَنْهم، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأيْضًا مُجاهِدٌ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ: (بَعْدَ أُمْهِ) بِسُكُونِ المِيمِ، مَصْدَرُ أمَهَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ بِسُكُونِ المِيمِ فَقَدْ أخْطَأ، انْتَهى. وهَذا عَلى عادَتِهِ في نِسْبَتِهِ الخَطَأ إلى الفَرّاءِ، ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِهِ عَمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ لا مِن جِهَتِي، وقَرَأ الحَسَنُ: (أنا أتِيكُمُ) مُضارِعُ أتى مِنَ الإتْيانِ، وكَذا في الإمامِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (فَأرْسِلُونِ) أيِ: ابْعَثُونِي إلَيْهِ لِأسْألَهُ، ومُرُونِي بِاسْتِعْبارِهِ، اسْتَأْذَنَ في المُضِيِّ إلى يُوسُفَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في السِّجْنِ في غَيْرِ (p-٣١٥)مَدِينَةِ المَلِكِ، وقِيلَ: كانَ فِيها، ويَرْسُمُ النّاسُ اليَوْمَ سِجْنَ يُوسُفَ في مَوْضِعٍ عَلى النِّيلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفُسْطاطِ ثَمانِيَةَ أمْيالٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَأرْسِلُوهُ إلى يُوسُفَ فَأتاهُ فَقالَ: و(الصَّدِّيقُ) بِناءُ مُبالِغَةٍ كالشَّرِّيبِ والسِّكِّيرِ، وكانَ قَدْ صَحِبَهُ زَمانًا وجَرَّبَ صِدْقَهُ في غَيْرِ ما شَيْءٍ كَتَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ: بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، واحْتَرَزَ بِلَفْظَةِ (لَعَلِّي) لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ؛ إذْ مِنَ الجائِزِ أنْ يَخْتَرِمَ دُونَ بُلُوغِهِ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِرُجُوعِهِ إلَيْهِمْ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مِنَ العِلْمِ، فَيَطْلُبُونَكَ ويُخَلِّصُونَكَ مِن مِحْنَتِكَ، فَتَكُونُ لَعَلَّ كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: (أفْتِنا) . قالَ: (تَزْرَعُونَ) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ مِن يُوسُفَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ؛ أحَدُها: تَعْبِيرٌ بِالمَعْنى لا بِاللَّفْظِ. والثّانِي: عَرْضُ رَأْيٍ وأمَرَ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ . والثّالِثُ: الإعْلامُ بِالغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثّامِنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ هَذا أنْ لا يَكُونَ غَيْبًا، بَلْ عِلْمُ العِبارَةِ أعْطى انْقِطاعَ الخَوْفِ بَعْدَ سَبْعٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ الأخْصَبُ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ خَبَرًا، أخْبَرَ أنَّهم تَتَوالى لَهم هَذِهِ السُّنُونَ لا يَنْقَطِعُ فِيها زَرْعُهم لِلرَّيِّ الَّذِي يُوجَدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ﴾ [الصف: ١١] وإنَّما يَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ إنْجازِ المَأْمُورِ بِهِ، فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ وُجِدَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ في مَعْنى الأمْنِ، قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ انْتَهى، ولا يَدُلُّ الأمْرُ بِتَرْكِهِ في سُنْبُلِهِ عَلى أنَّ (تَزْرَعُونَ) في مَعْنى ازْرَعُوا، بَلْ (تَزْرَعُونَ) إخْبارُ غَيْبٍ بِما يَكُونُ مِنهم مَن تَوالِي الزَّرْعِ سَبْعَ سِنِينَ، وأمّا قَوْلُهُ: (فَذَرُوهُ) فَهو أمْرُ إشارَةٍ بِما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلُوهُ، ومَعْنى (دَأبًا): مُلازَمَةً، كَعادَتِكم في المُزارَعَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ: (دَأبًا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِإسْكانِها، وهُما مَصْدَرانِ لِدَأبَ، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مِن لَفْظِهِ أيْ: تَدابُونَ دَأبًا، فَهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وعِنْدَ المُبَرِّدِ بِـ (تَزْرَعُونَ) بِمَعْنى تَدْأبُونَ، وهي عِنْدَهُ مِثْلُ قَعَدَ القُرْفُصاءَ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: دائِبِينَ، أوْ ذَوِي دَأْبٍ حالًا مِن ضَمِيرِ تَزْرَعُونَ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ بِـ ﴿ذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ إشارَةً بِرَأْيِ نافِعٍ بِحَسَبِ طَعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِها الَّتِي لا تَبْقى عامَيْنِ بِوَجْهٍ إلّا بِحِيلَةِ إبْقائِها في السُّنْبُلِ، فَإذا بَقِيَتْ فِيها انْحَفَظَتْ، والمَعْنى: اتْرُكُوا الزَّرْعَ في السُّنْبُلِ إلّا ما لا غِنى عَنْهُ لِلْأكْلِ، فَيَجْتَمِعُ الطَّعامُ ويَتَرَكَّبُ ويُؤْكَلُ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ، فَإذا جاءَتِ السُّنُونَ الجَدْبَةُ تُقُوِّتَ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ مِن ذَلِكَ المُدَّخَرِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مِمّا يَأْكُلُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ أيْ: يَأْكُلُ النّاسُ، وحَذَفَ المُمَيَّزَ في قَوْلِهِ: ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ: سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: (سَبْعُ سِنِينَ) عَلَيْهِ، وأسْنَدَ الأكْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ: (يَأْكُلْنَ) عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُؤْكَلُ فِيهِما كَما قالَ: (والنَّهارَ مُبْصِرًا) ومَعْنى (تُحْصِنُونَ) تُحْرِزُونَ وتُخْبِئُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، يُغاثُ مِنَ الغَيْثِ، وقِيلَ: مِنَ الغَوْثِ، وهو الفَرَجُ، فَفي الأوَّلِ بُنِيَ مِن ثُلاثِيٍّ، وفي الثّانِي مِن رُباعِيٍّ، تَقُولُ: غاثَنا اللَّهُ مِنَ الغَيْثِ، وأغاثَنا مِنَ الغَوْثِ، وقَرَأ الأخَوانِ: (تَعْصِرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِن عَصْرِ النَّباتِ كالعِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ والفِجْلِ وجَمِيعِ ما يُعْصَرُ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصِيرٍ لِأشْياءَ كَثِيرَةٍ والحَلْبُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ عَصْرٌ لِلضُّرُوعِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَعْصِرُوا شَيْئًا مُدَّةَ الجَدْبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ، والعَصْرُ وهو المُنَجِّي، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ
(p-٣١٦)فالمَعْنى: يَنْجُونَ بِالعُصْرَةِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والأعْرَجُ وعِيسى البَصْرَةِ (يُعْصَرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ عِيسى أيْضًا: (تُعْصَرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ: يَنْجُونَ مِن عَصْرِهِ إذا أنْجاهُ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: يُغاثُ النّاسُ، وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: مَعْناهُ يُمْطَرُونَ، مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ ماءَها عَلَيْهِمْ، فَجُعِلُوا مُعْصِرِينَ مَجازًا بِإسْنادِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وهو لِلْماءِ الَّذِي يُمْطَرُونَ بِهِ، وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ (يُعَصِّرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ وشَدِّها مِن عَصَّرَ مُشَدَّدًا لِلتَّكْثِيرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وفِيهِ تِعِصِّرُونَ) بِكَسْرِ التّاءِ والعَيْنِ والصّادِ وشَدِّها، وأصْلُهُ تَعْتَصِرُونَ، فَأدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى العَيْنِ، وأتْبَعَ حَرَكَةَ التّاءِ لِحَرَكَةِ العَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنِ اعْتَصَرَ العِنَبَ ونَحْوِهِ، ومِنِ اعْتَصَرَ بِمَعْنى نَجا، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي
أيْ: نَجاتِي، تَأوَّلَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ، والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهم بَعْدَ الفَراغِ مِن تَأْوِيلِ الرُّؤْيا بِمَجِيءِ العامِ الثّامِنِ مُبارَكًا خَصِيبًا كَثِيرَ الخَيْرِ غَزِيرَ النِّعَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وعَنْ قَتادَةَ: زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ، والَّذِي مِن جِهَةِ الوَحْيِ هو التَّفْضِيلُ بِحالِ العامِ بِأنَّهُ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ، (وفِيهِ يَعْصِرُونَ)، وإلّا فَمَعْلُومٌ بِانْتِهاءِ السَّبْعِ الشِّدادِ مَجِيءُ الخِصْبِ.
يوسف 12:46
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧] ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨] ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ [يوسف: ٦١] ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥]
أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا وأمْهًا نَسِيَ، يُغاثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَوْثِ وهو الفَرَجُ، يُقالُ: أغاثَهُمُ اللَّهُ فَرَّجَ عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَيْثِ تَقُولُ: غِيثَتِ البِلادُ إذا أُمْطِرَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: غِثْنا ما شِئْنا، الخَطْبُ: الشَّأْنُ والأمْرُ الَّذِي فِيهِ خَطَرٌ، ويُجْمَعُ عَلى خُطُوبٍ قالَ:
؎وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
حَصْحَصَ تَبَيَّنَ بَعْدَ الخَفاءِ، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ حَصْحَصَ الحَقُّ بانَتْ حِصَّتُهُ مِن (p-٣١٤)حِصَّةِ الباطِلِ، وقِيلَ: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ ألْقى ثَفِناتِهِ لِلْإناخَةِ، قالَ: حَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفِناتِهِ، الجِهازُ: ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِن زادٍ ومَتاعٍ، وكُلُّ ما يُحْمَلُ، وجِهازُ العَرُوسِ ما يَكُونُ مَعَها مِنَ الأثاثِ والشُّورَةِ، وجِهازُ المَيِّتِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في دَفْنِهِ، الرَّحْلُ: ما عَلى ظَهْرِ المَرْكُوبِ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ أوْ غَيْرِهِ، وجَمْعُهُ رِحالٌ في الكَثْرَةِ، وأرْحُلٌ في القِلَّةِ، مارَ يَمِيرُ، وأمارَ يَمِيرُ، إذا جَلَبَ الخَيْرَ وهي المِيرَةُ قالَ:
؎بَعَثْتُكَ مائِرًا فَمَكَثْتَ حَوْلًا ∗∗∗ مَتى يَأْتِي غِياثُكَ مَن تُغِيثُ
البَعِيرُ في الأشْهَرِ الجَمَلُ مُقابِلُ النّاقَةِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى النّاقَةِ، كَما يُطْلَقُ عَلى الجَمَلِ فَيَقُولُ: عَلى هَذا نِعْمَ البَعِيرُ الجَمَلُ لِعُمُومِهِ، ويَمْتَنِعُ عَلى الأشْهَرِ لِتَرادُفِهِ، وفي لُغَةٍ تُكْسَرُ باؤُهُ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أبْعِرَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى بِعِرانٍ.
* *
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
لَمّا اسْتَثْنى المَلِكُ في رُؤْياهُ وأعْضَلَ عَلى المَلَأِ تَأْوِيلَها، تَذَكَّرَ النّاجِي مِنَ القَتْلِ وهو ساقِي المَلِكِ يُوسُفَ، وتَأْوِيلَ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وطَلَبَهُ إلَيْهِ لِيَذْكُرَهُ عِنْدَ المَلِكِ، (وادَّكَرَ) أيْ: تَذَكَّرَ ما سَبَقَ لَهُ مَعَ يُوسُفَ (بَعْدَ أُمَّةٍ) أيْ: مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وادَّكَرَ) حالِيَّةٌ، وأصْلُهُ: واذْتَكَرَ أُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الذّالُ فِيها فَصارَ ادَّكَرَ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: واذَّكَرَ بِإبْدالِ التّاءِ ذالًا، وإدْغامُ الذّالِ فِيها، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: (بَعْدَ إمَّةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِنَ القَتْلِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى يُوسُفَ في تَقْرِيبِ إطْلاقِهِ، والأُمَّةُ النِّعْمَةُ قالَ:
؎ألا لا أرى ذا إمَّةٍ أصْبَحَتْ بِهِ فَتَتْرُكُهُ الأيّامُ وهي كَما هِيا
قالَ الأعْلَمُ: الأُمَّةُ النِّعْمَةُ والحالُ الحَسَنَةُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ الضُّبَعِيُّ ورَبِيعَةُ بْنُ عَمْرٍو: (بَعْدَ أمَهِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمُ مُخَفَّفَةٌ وهاءٌ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ عَنْهم، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأيْضًا مُجاهِدٌ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ: (بَعْدَ أُمْهِ) بِسُكُونِ المِيمِ، مَصْدَرُ أمَهَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ بِسُكُونِ المِيمِ فَقَدْ أخْطَأ، انْتَهى. وهَذا عَلى عادَتِهِ في نِسْبَتِهِ الخَطَأ إلى الفَرّاءِ، ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِهِ عَمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ لا مِن جِهَتِي، وقَرَأ الحَسَنُ: (أنا أتِيكُمُ) مُضارِعُ أتى مِنَ الإتْيانِ، وكَذا في الإمامِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (فَأرْسِلُونِ) أيِ: ابْعَثُونِي إلَيْهِ لِأسْألَهُ، ومُرُونِي بِاسْتِعْبارِهِ، اسْتَأْذَنَ في المُضِيِّ إلى يُوسُفَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في السِّجْنِ في غَيْرِ (p-٣١٥)مَدِينَةِ المَلِكِ، وقِيلَ: كانَ فِيها، ويَرْسُمُ النّاسُ اليَوْمَ سِجْنَ يُوسُفَ في مَوْضِعٍ عَلى النِّيلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفُسْطاطِ ثَمانِيَةَ أمْيالٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَأرْسِلُوهُ إلى يُوسُفَ فَأتاهُ فَقالَ: و(الصَّدِّيقُ) بِناءُ مُبالِغَةٍ كالشَّرِّيبِ والسِّكِّيرِ، وكانَ قَدْ صَحِبَهُ زَمانًا وجَرَّبَ صِدْقَهُ في غَيْرِ ما شَيْءٍ كَتَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ: بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، واحْتَرَزَ بِلَفْظَةِ (لَعَلِّي) لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ؛ إذْ مِنَ الجائِزِ أنْ يَخْتَرِمَ دُونَ بُلُوغِهِ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِرُجُوعِهِ إلَيْهِمْ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مِنَ العِلْمِ، فَيَطْلُبُونَكَ ويُخَلِّصُونَكَ مِن مِحْنَتِكَ، فَتَكُونُ لَعَلَّ كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: (أفْتِنا) . قالَ: (تَزْرَعُونَ) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ مِن يُوسُفَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ؛ أحَدُها: تَعْبِيرٌ بِالمَعْنى لا بِاللَّفْظِ. والثّانِي: عَرْضُ رَأْيٍ وأمَرَ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ . والثّالِثُ: الإعْلامُ بِالغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثّامِنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ هَذا أنْ لا يَكُونَ غَيْبًا، بَلْ عِلْمُ العِبارَةِ أعْطى انْقِطاعَ الخَوْفِ بَعْدَ سَبْعٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ الأخْصَبُ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ خَبَرًا، أخْبَرَ أنَّهم تَتَوالى لَهم هَذِهِ السُّنُونَ لا يَنْقَطِعُ فِيها زَرْعُهم لِلرَّيِّ الَّذِي يُوجَدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ﴾ [الصف: ١١] وإنَّما يَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ إنْجازِ المَأْمُورِ بِهِ، فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ وُجِدَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ في مَعْنى الأمْنِ، قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ انْتَهى، ولا يَدُلُّ الأمْرُ بِتَرْكِهِ في سُنْبُلِهِ عَلى أنَّ (تَزْرَعُونَ) في مَعْنى ازْرَعُوا، بَلْ (تَزْرَعُونَ) إخْبارُ غَيْبٍ بِما يَكُونُ مِنهم مَن تَوالِي الزَّرْعِ سَبْعَ سِنِينَ، وأمّا قَوْلُهُ: (فَذَرُوهُ) فَهو أمْرُ إشارَةٍ بِما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلُوهُ، ومَعْنى (دَأبًا): مُلازَمَةً، كَعادَتِكم في المُزارَعَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ: (دَأبًا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِإسْكانِها، وهُما مَصْدَرانِ لِدَأبَ، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مِن لَفْظِهِ أيْ: تَدابُونَ دَأبًا، فَهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وعِنْدَ المُبَرِّدِ بِـ (تَزْرَعُونَ) بِمَعْنى تَدْأبُونَ، وهي عِنْدَهُ مِثْلُ قَعَدَ القُرْفُصاءَ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: دائِبِينَ، أوْ ذَوِي دَأْبٍ حالًا مِن ضَمِيرِ تَزْرَعُونَ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ بِـ ﴿ذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ إشارَةً بِرَأْيِ نافِعٍ بِحَسَبِ طَعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِها الَّتِي لا تَبْقى عامَيْنِ بِوَجْهٍ إلّا بِحِيلَةِ إبْقائِها في السُّنْبُلِ، فَإذا بَقِيَتْ فِيها انْحَفَظَتْ، والمَعْنى: اتْرُكُوا الزَّرْعَ في السُّنْبُلِ إلّا ما لا غِنى عَنْهُ لِلْأكْلِ، فَيَجْتَمِعُ الطَّعامُ ويَتَرَكَّبُ ويُؤْكَلُ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ، فَإذا جاءَتِ السُّنُونَ الجَدْبَةُ تُقُوِّتَ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ مِن ذَلِكَ المُدَّخَرِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مِمّا يَأْكُلُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ أيْ: يَأْكُلُ النّاسُ، وحَذَفَ المُمَيَّزَ في قَوْلِهِ: ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ: سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: (سَبْعُ سِنِينَ) عَلَيْهِ، وأسْنَدَ الأكْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ: (يَأْكُلْنَ) عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُؤْكَلُ فِيهِما كَما قالَ: (والنَّهارَ مُبْصِرًا) ومَعْنى (تُحْصِنُونَ) تُحْرِزُونَ وتُخْبِئُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، يُغاثُ مِنَ الغَيْثِ، وقِيلَ: مِنَ الغَوْثِ، وهو الفَرَجُ، فَفي الأوَّلِ بُنِيَ مِن ثُلاثِيٍّ، وفي الثّانِي مِن رُباعِيٍّ، تَقُولُ: غاثَنا اللَّهُ مِنَ الغَيْثِ، وأغاثَنا مِنَ الغَوْثِ، وقَرَأ الأخَوانِ: (تَعْصِرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِن عَصْرِ النَّباتِ كالعِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ والفِجْلِ وجَمِيعِ ما يُعْصَرُ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصِيرٍ لِأشْياءَ كَثِيرَةٍ والحَلْبُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ عَصْرٌ لِلضُّرُوعِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَعْصِرُوا شَيْئًا مُدَّةَ الجَدْبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ، والعَصْرُ وهو المُنَجِّي، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ
(p-٣١٦)فالمَعْنى: يَنْجُونَ بِالعُصْرَةِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والأعْرَجُ وعِيسى البَصْرَةِ (يُعْصَرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ عِيسى أيْضًا: (تُعْصَرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ: يَنْجُونَ مِن عَصْرِهِ إذا أنْجاهُ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: يُغاثُ النّاسُ، وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: مَعْناهُ يُمْطَرُونَ، مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ ماءَها عَلَيْهِمْ، فَجُعِلُوا مُعْصِرِينَ مَجازًا بِإسْنادِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وهو لِلْماءِ الَّذِي يُمْطَرُونَ بِهِ، وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ (يُعَصِّرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ وشَدِّها مِن عَصَّرَ مُشَدَّدًا لِلتَّكْثِيرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وفِيهِ تِعِصِّرُونَ) بِكَسْرِ التّاءِ والعَيْنِ والصّادِ وشَدِّها، وأصْلُهُ تَعْتَصِرُونَ، فَأدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى العَيْنِ، وأتْبَعَ حَرَكَةَ التّاءِ لِحَرَكَةِ العَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنِ اعْتَصَرَ العِنَبَ ونَحْوِهِ، ومِنِ اعْتَصَرَ بِمَعْنى نَجا، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي
أيْ: نَجاتِي، تَأوَّلَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ، والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهم بَعْدَ الفَراغِ مِن تَأْوِيلِ الرُّؤْيا بِمَجِيءِ العامِ الثّامِنِ مُبارَكًا خَصِيبًا كَثِيرَ الخَيْرِ غَزِيرَ النِّعَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وعَنْ قَتادَةَ: زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ، والَّذِي مِن جِهَةِ الوَحْيِ هو التَّفْضِيلُ بِحالِ العامِ بِأنَّهُ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ، (وفِيهِ يَعْصِرُونَ)، وإلّا فَمَعْلُومٌ بِانْتِهاءِ السَّبْعِ الشِّدادِ مَجِيءُ الخِصْبِ.
يوسف 12:47
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧] ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨] ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ [يوسف: ٦١] ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥]
أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا وأمْهًا نَسِيَ، يُغاثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَوْثِ وهو الفَرَجُ، يُقالُ: أغاثَهُمُ اللَّهُ فَرَّجَ عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَيْثِ تَقُولُ: غِيثَتِ البِلادُ إذا أُمْطِرَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: غِثْنا ما شِئْنا، الخَطْبُ: الشَّأْنُ والأمْرُ الَّذِي فِيهِ خَطَرٌ، ويُجْمَعُ عَلى خُطُوبٍ قالَ:
؎وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
حَصْحَصَ تَبَيَّنَ بَعْدَ الخَفاءِ، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ حَصْحَصَ الحَقُّ بانَتْ حِصَّتُهُ مِن (p-٣١٤)حِصَّةِ الباطِلِ، وقِيلَ: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ ألْقى ثَفِناتِهِ لِلْإناخَةِ، قالَ: حَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفِناتِهِ، الجِهازُ: ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِن زادٍ ومَتاعٍ، وكُلُّ ما يُحْمَلُ، وجِهازُ العَرُوسِ ما يَكُونُ مَعَها مِنَ الأثاثِ والشُّورَةِ، وجِهازُ المَيِّتِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في دَفْنِهِ، الرَّحْلُ: ما عَلى ظَهْرِ المَرْكُوبِ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ أوْ غَيْرِهِ، وجَمْعُهُ رِحالٌ في الكَثْرَةِ، وأرْحُلٌ في القِلَّةِ، مارَ يَمِيرُ، وأمارَ يَمِيرُ، إذا جَلَبَ الخَيْرَ وهي المِيرَةُ قالَ:
؎بَعَثْتُكَ مائِرًا فَمَكَثْتَ حَوْلًا ∗∗∗ مَتى يَأْتِي غِياثُكَ مَن تُغِيثُ
البَعِيرُ في الأشْهَرِ الجَمَلُ مُقابِلُ النّاقَةِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى النّاقَةِ، كَما يُطْلَقُ عَلى الجَمَلِ فَيَقُولُ: عَلى هَذا نِعْمَ البَعِيرُ الجَمَلُ لِعُمُومِهِ، ويَمْتَنِعُ عَلى الأشْهَرِ لِتَرادُفِهِ، وفي لُغَةٍ تُكْسَرُ باؤُهُ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أبْعِرَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى بِعِرانٍ.
* *
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
لَمّا اسْتَثْنى المَلِكُ في رُؤْياهُ وأعْضَلَ عَلى المَلَأِ تَأْوِيلَها، تَذَكَّرَ النّاجِي مِنَ القَتْلِ وهو ساقِي المَلِكِ يُوسُفَ، وتَأْوِيلَ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وطَلَبَهُ إلَيْهِ لِيَذْكُرَهُ عِنْدَ المَلِكِ، (وادَّكَرَ) أيْ: تَذَكَّرَ ما سَبَقَ لَهُ مَعَ يُوسُفَ (بَعْدَ أُمَّةٍ) أيْ: مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وادَّكَرَ) حالِيَّةٌ، وأصْلُهُ: واذْتَكَرَ أُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الذّالُ فِيها فَصارَ ادَّكَرَ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: واذَّكَرَ بِإبْدالِ التّاءِ ذالًا، وإدْغامُ الذّالِ فِيها، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: (بَعْدَ إمَّةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِنَ القَتْلِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى يُوسُفَ في تَقْرِيبِ إطْلاقِهِ، والأُمَّةُ النِّعْمَةُ قالَ:
؎ألا لا أرى ذا إمَّةٍ أصْبَحَتْ بِهِ فَتَتْرُكُهُ الأيّامُ وهي كَما هِيا
قالَ الأعْلَمُ: الأُمَّةُ النِّعْمَةُ والحالُ الحَسَنَةُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ الضُّبَعِيُّ ورَبِيعَةُ بْنُ عَمْرٍو: (بَعْدَ أمَهِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمُ مُخَفَّفَةٌ وهاءٌ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ عَنْهم، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأيْضًا مُجاهِدٌ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ: (بَعْدَ أُمْهِ) بِسُكُونِ المِيمِ، مَصْدَرُ أمَهَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ بِسُكُونِ المِيمِ فَقَدْ أخْطَأ، انْتَهى. وهَذا عَلى عادَتِهِ في نِسْبَتِهِ الخَطَأ إلى الفَرّاءِ، ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِهِ عَمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ لا مِن جِهَتِي، وقَرَأ الحَسَنُ: (أنا أتِيكُمُ) مُضارِعُ أتى مِنَ الإتْيانِ، وكَذا في الإمامِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (فَأرْسِلُونِ) أيِ: ابْعَثُونِي إلَيْهِ لِأسْألَهُ، ومُرُونِي بِاسْتِعْبارِهِ، اسْتَأْذَنَ في المُضِيِّ إلى يُوسُفَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في السِّجْنِ في غَيْرِ (p-٣١٥)مَدِينَةِ المَلِكِ، وقِيلَ: كانَ فِيها، ويَرْسُمُ النّاسُ اليَوْمَ سِجْنَ يُوسُفَ في مَوْضِعٍ عَلى النِّيلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفُسْطاطِ ثَمانِيَةَ أمْيالٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَأرْسِلُوهُ إلى يُوسُفَ فَأتاهُ فَقالَ: و(الصَّدِّيقُ) بِناءُ مُبالِغَةٍ كالشَّرِّيبِ والسِّكِّيرِ، وكانَ قَدْ صَحِبَهُ زَمانًا وجَرَّبَ صِدْقَهُ في غَيْرِ ما شَيْءٍ كَتَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ: بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، واحْتَرَزَ بِلَفْظَةِ (لَعَلِّي) لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ؛ إذْ مِنَ الجائِزِ أنْ يَخْتَرِمَ دُونَ بُلُوغِهِ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِرُجُوعِهِ إلَيْهِمْ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مِنَ العِلْمِ، فَيَطْلُبُونَكَ ويُخَلِّصُونَكَ مِن مِحْنَتِكَ، فَتَكُونُ لَعَلَّ كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: (أفْتِنا) . قالَ: (تَزْرَعُونَ) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ مِن يُوسُفَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ؛ أحَدُها: تَعْبِيرٌ بِالمَعْنى لا بِاللَّفْظِ. والثّانِي: عَرْضُ رَأْيٍ وأمَرَ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ . والثّالِثُ: الإعْلامُ بِالغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثّامِنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ هَذا أنْ لا يَكُونَ غَيْبًا، بَلْ عِلْمُ العِبارَةِ أعْطى انْقِطاعَ الخَوْفِ بَعْدَ سَبْعٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ الأخْصَبُ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ خَبَرًا، أخْبَرَ أنَّهم تَتَوالى لَهم هَذِهِ السُّنُونَ لا يَنْقَطِعُ فِيها زَرْعُهم لِلرَّيِّ الَّذِي يُوجَدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ﴾ [الصف: ١١] وإنَّما يَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ إنْجازِ المَأْمُورِ بِهِ، فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ وُجِدَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ في مَعْنى الأمْنِ، قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ انْتَهى، ولا يَدُلُّ الأمْرُ بِتَرْكِهِ في سُنْبُلِهِ عَلى أنَّ (تَزْرَعُونَ) في مَعْنى ازْرَعُوا، بَلْ (تَزْرَعُونَ) إخْبارُ غَيْبٍ بِما يَكُونُ مِنهم مَن تَوالِي الزَّرْعِ سَبْعَ سِنِينَ، وأمّا قَوْلُهُ: (فَذَرُوهُ) فَهو أمْرُ إشارَةٍ بِما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلُوهُ، ومَعْنى (دَأبًا): مُلازَمَةً، كَعادَتِكم في المُزارَعَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ: (دَأبًا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِإسْكانِها، وهُما مَصْدَرانِ لِدَأبَ، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مِن لَفْظِهِ أيْ: تَدابُونَ دَأبًا، فَهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وعِنْدَ المُبَرِّدِ بِـ (تَزْرَعُونَ) بِمَعْنى تَدْأبُونَ، وهي عِنْدَهُ مِثْلُ قَعَدَ القُرْفُصاءَ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: دائِبِينَ، أوْ ذَوِي دَأْبٍ حالًا مِن ضَمِيرِ تَزْرَعُونَ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ بِـ ﴿ذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ إشارَةً بِرَأْيِ نافِعٍ بِحَسَبِ طَعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِها الَّتِي لا تَبْقى عامَيْنِ بِوَجْهٍ إلّا بِحِيلَةِ إبْقائِها في السُّنْبُلِ، فَإذا بَقِيَتْ فِيها انْحَفَظَتْ، والمَعْنى: اتْرُكُوا الزَّرْعَ في السُّنْبُلِ إلّا ما لا غِنى عَنْهُ لِلْأكْلِ، فَيَجْتَمِعُ الطَّعامُ ويَتَرَكَّبُ ويُؤْكَلُ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ، فَإذا جاءَتِ السُّنُونَ الجَدْبَةُ تُقُوِّتَ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ مِن ذَلِكَ المُدَّخَرِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مِمّا يَأْكُلُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ أيْ: يَأْكُلُ النّاسُ، وحَذَفَ المُمَيَّزَ في قَوْلِهِ: ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ: سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: (سَبْعُ سِنِينَ) عَلَيْهِ، وأسْنَدَ الأكْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ: (يَأْكُلْنَ) عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُؤْكَلُ فِيهِما كَما قالَ: (والنَّهارَ مُبْصِرًا) ومَعْنى (تُحْصِنُونَ) تُحْرِزُونَ وتُخْبِئُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، يُغاثُ مِنَ الغَيْثِ، وقِيلَ: مِنَ الغَوْثِ، وهو الفَرَجُ، فَفي الأوَّلِ بُنِيَ مِن ثُلاثِيٍّ، وفي الثّانِي مِن رُباعِيٍّ، تَقُولُ: غاثَنا اللَّهُ مِنَ الغَيْثِ، وأغاثَنا مِنَ الغَوْثِ، وقَرَأ الأخَوانِ: (تَعْصِرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِن عَصْرِ النَّباتِ كالعِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ والفِجْلِ وجَمِيعِ ما يُعْصَرُ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصِيرٍ لِأشْياءَ كَثِيرَةٍ والحَلْبُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ عَصْرٌ لِلضُّرُوعِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَعْصِرُوا شَيْئًا مُدَّةَ الجَدْبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ، والعَصْرُ وهو المُنَجِّي، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ
(p-٣١٦)فالمَعْنى: يَنْجُونَ بِالعُصْرَةِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والأعْرَجُ وعِيسى البَصْرَةِ (يُعْصَرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ عِيسى أيْضًا: (تُعْصَرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ: يَنْجُونَ مِن عَصْرِهِ إذا أنْجاهُ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: يُغاثُ النّاسُ، وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: مَعْناهُ يُمْطَرُونَ، مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ ماءَها عَلَيْهِمْ، فَجُعِلُوا مُعْصِرِينَ مَجازًا بِإسْنادِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وهو لِلْماءِ الَّذِي يُمْطَرُونَ بِهِ، وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ (يُعَصِّرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ وشَدِّها مِن عَصَّرَ مُشَدَّدًا لِلتَّكْثِيرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وفِيهِ تِعِصِّرُونَ) بِكَسْرِ التّاءِ والعَيْنِ والصّادِ وشَدِّها، وأصْلُهُ تَعْتَصِرُونَ، فَأدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى العَيْنِ، وأتْبَعَ حَرَكَةَ التّاءِ لِحَرَكَةِ العَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنِ اعْتَصَرَ العِنَبَ ونَحْوِهِ، ومِنِ اعْتَصَرَ بِمَعْنى نَجا، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي
أيْ: نَجاتِي، تَأوَّلَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ، والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهم بَعْدَ الفَراغِ مِن تَأْوِيلِ الرُّؤْيا بِمَجِيءِ العامِ الثّامِنِ مُبارَكًا خَصِيبًا كَثِيرَ الخَيْرِ غَزِيرَ النِّعَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وعَنْ قَتادَةَ: زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ، والَّذِي مِن جِهَةِ الوَحْيِ هو التَّفْضِيلُ بِحالِ العامِ بِأنَّهُ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ، (وفِيهِ يَعْصِرُونَ)، وإلّا فَمَعْلُومٌ بِانْتِهاءِ السَّبْعِ الشِّدادِ مَجِيءُ الخِصْبِ.
يوسف 12:48
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧] ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨] ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ [يوسف: ٦١] ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥]
أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا وأمْهًا نَسِيَ، يُغاثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَوْثِ وهو الفَرَجُ، يُقالُ: أغاثَهُمُ اللَّهُ فَرَّجَ عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَيْثِ تَقُولُ: غِيثَتِ البِلادُ إذا أُمْطِرَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: غِثْنا ما شِئْنا، الخَطْبُ: الشَّأْنُ والأمْرُ الَّذِي فِيهِ خَطَرٌ، ويُجْمَعُ عَلى خُطُوبٍ قالَ:
؎وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
حَصْحَصَ تَبَيَّنَ بَعْدَ الخَفاءِ، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ حَصْحَصَ الحَقُّ بانَتْ حِصَّتُهُ مِن (p-٣١٤)حِصَّةِ الباطِلِ، وقِيلَ: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ ألْقى ثَفِناتِهِ لِلْإناخَةِ، قالَ: حَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفِناتِهِ، الجِهازُ: ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِن زادٍ ومَتاعٍ، وكُلُّ ما يُحْمَلُ، وجِهازُ العَرُوسِ ما يَكُونُ مَعَها مِنَ الأثاثِ والشُّورَةِ، وجِهازُ المَيِّتِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في دَفْنِهِ، الرَّحْلُ: ما عَلى ظَهْرِ المَرْكُوبِ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ أوْ غَيْرِهِ، وجَمْعُهُ رِحالٌ في الكَثْرَةِ، وأرْحُلٌ في القِلَّةِ، مارَ يَمِيرُ، وأمارَ يَمِيرُ، إذا جَلَبَ الخَيْرَ وهي المِيرَةُ قالَ:
؎بَعَثْتُكَ مائِرًا فَمَكَثْتَ حَوْلًا ∗∗∗ مَتى يَأْتِي غِياثُكَ مَن تُغِيثُ
البَعِيرُ في الأشْهَرِ الجَمَلُ مُقابِلُ النّاقَةِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى النّاقَةِ، كَما يُطْلَقُ عَلى الجَمَلِ فَيَقُولُ: عَلى هَذا نِعْمَ البَعِيرُ الجَمَلُ لِعُمُومِهِ، ويَمْتَنِعُ عَلى الأشْهَرِ لِتَرادُفِهِ، وفي لُغَةٍ تُكْسَرُ باؤُهُ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أبْعِرَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى بِعِرانٍ.
* *
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
لَمّا اسْتَثْنى المَلِكُ في رُؤْياهُ وأعْضَلَ عَلى المَلَأِ تَأْوِيلَها، تَذَكَّرَ النّاجِي مِنَ القَتْلِ وهو ساقِي المَلِكِ يُوسُفَ، وتَأْوِيلَ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وطَلَبَهُ إلَيْهِ لِيَذْكُرَهُ عِنْدَ المَلِكِ، (وادَّكَرَ) أيْ: تَذَكَّرَ ما سَبَقَ لَهُ مَعَ يُوسُفَ (بَعْدَ أُمَّةٍ) أيْ: مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وادَّكَرَ) حالِيَّةٌ، وأصْلُهُ: واذْتَكَرَ أُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الذّالُ فِيها فَصارَ ادَّكَرَ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: واذَّكَرَ بِإبْدالِ التّاءِ ذالًا، وإدْغامُ الذّالِ فِيها، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: (بَعْدَ إمَّةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِنَ القَتْلِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى يُوسُفَ في تَقْرِيبِ إطْلاقِهِ، والأُمَّةُ النِّعْمَةُ قالَ:
؎ألا لا أرى ذا إمَّةٍ أصْبَحَتْ بِهِ فَتَتْرُكُهُ الأيّامُ وهي كَما هِيا
قالَ الأعْلَمُ: الأُمَّةُ النِّعْمَةُ والحالُ الحَسَنَةُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ الضُّبَعِيُّ ورَبِيعَةُ بْنُ عَمْرٍو: (بَعْدَ أمَهِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمُ مُخَفَّفَةٌ وهاءٌ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ عَنْهم، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأيْضًا مُجاهِدٌ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ: (بَعْدَ أُمْهِ) بِسُكُونِ المِيمِ، مَصْدَرُ أمَهَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ بِسُكُونِ المِيمِ فَقَدْ أخْطَأ، انْتَهى. وهَذا عَلى عادَتِهِ في نِسْبَتِهِ الخَطَأ إلى الفَرّاءِ، ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِهِ عَمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ لا مِن جِهَتِي، وقَرَأ الحَسَنُ: (أنا أتِيكُمُ) مُضارِعُ أتى مِنَ الإتْيانِ، وكَذا في الإمامِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (فَأرْسِلُونِ) أيِ: ابْعَثُونِي إلَيْهِ لِأسْألَهُ، ومُرُونِي بِاسْتِعْبارِهِ، اسْتَأْذَنَ في المُضِيِّ إلى يُوسُفَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في السِّجْنِ في غَيْرِ (p-٣١٥)مَدِينَةِ المَلِكِ، وقِيلَ: كانَ فِيها، ويَرْسُمُ النّاسُ اليَوْمَ سِجْنَ يُوسُفَ في مَوْضِعٍ عَلى النِّيلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفُسْطاطِ ثَمانِيَةَ أمْيالٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَأرْسِلُوهُ إلى يُوسُفَ فَأتاهُ فَقالَ: و(الصَّدِّيقُ) بِناءُ مُبالِغَةٍ كالشَّرِّيبِ والسِّكِّيرِ، وكانَ قَدْ صَحِبَهُ زَمانًا وجَرَّبَ صِدْقَهُ في غَيْرِ ما شَيْءٍ كَتَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ: بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، واحْتَرَزَ بِلَفْظَةِ (لَعَلِّي) لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ؛ إذْ مِنَ الجائِزِ أنْ يَخْتَرِمَ دُونَ بُلُوغِهِ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِرُجُوعِهِ إلَيْهِمْ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مِنَ العِلْمِ، فَيَطْلُبُونَكَ ويُخَلِّصُونَكَ مِن مِحْنَتِكَ، فَتَكُونُ لَعَلَّ كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: (أفْتِنا) . قالَ: (تَزْرَعُونَ) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ مِن يُوسُفَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ؛ أحَدُها: تَعْبِيرٌ بِالمَعْنى لا بِاللَّفْظِ. والثّانِي: عَرْضُ رَأْيٍ وأمَرَ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ . والثّالِثُ: الإعْلامُ بِالغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثّامِنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ هَذا أنْ لا يَكُونَ غَيْبًا، بَلْ عِلْمُ العِبارَةِ أعْطى انْقِطاعَ الخَوْفِ بَعْدَ سَبْعٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ الأخْصَبُ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ خَبَرًا، أخْبَرَ أنَّهم تَتَوالى لَهم هَذِهِ السُّنُونَ لا يَنْقَطِعُ فِيها زَرْعُهم لِلرَّيِّ الَّذِي يُوجَدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ﴾ [الصف: ١١] وإنَّما يَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ إنْجازِ المَأْمُورِ بِهِ، فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ وُجِدَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ في مَعْنى الأمْنِ، قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ انْتَهى، ولا يَدُلُّ الأمْرُ بِتَرْكِهِ في سُنْبُلِهِ عَلى أنَّ (تَزْرَعُونَ) في مَعْنى ازْرَعُوا، بَلْ (تَزْرَعُونَ) إخْبارُ غَيْبٍ بِما يَكُونُ مِنهم مَن تَوالِي الزَّرْعِ سَبْعَ سِنِينَ، وأمّا قَوْلُهُ: (فَذَرُوهُ) فَهو أمْرُ إشارَةٍ بِما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلُوهُ، ومَعْنى (دَأبًا): مُلازَمَةً، كَعادَتِكم في المُزارَعَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ: (دَأبًا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِإسْكانِها، وهُما مَصْدَرانِ لِدَأبَ، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مِن لَفْظِهِ أيْ: تَدابُونَ دَأبًا، فَهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وعِنْدَ المُبَرِّدِ بِـ (تَزْرَعُونَ) بِمَعْنى تَدْأبُونَ، وهي عِنْدَهُ مِثْلُ قَعَدَ القُرْفُصاءَ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: دائِبِينَ، أوْ ذَوِي دَأْبٍ حالًا مِن ضَمِيرِ تَزْرَعُونَ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ بِـ ﴿ذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ إشارَةً بِرَأْيِ نافِعٍ بِحَسَبِ طَعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِها الَّتِي لا تَبْقى عامَيْنِ بِوَجْهٍ إلّا بِحِيلَةِ إبْقائِها في السُّنْبُلِ، فَإذا بَقِيَتْ فِيها انْحَفَظَتْ، والمَعْنى: اتْرُكُوا الزَّرْعَ في السُّنْبُلِ إلّا ما لا غِنى عَنْهُ لِلْأكْلِ، فَيَجْتَمِعُ الطَّعامُ ويَتَرَكَّبُ ويُؤْكَلُ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ، فَإذا جاءَتِ السُّنُونَ الجَدْبَةُ تُقُوِّتَ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ مِن ذَلِكَ المُدَّخَرِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مِمّا يَأْكُلُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ أيْ: يَأْكُلُ النّاسُ، وحَذَفَ المُمَيَّزَ في قَوْلِهِ: ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ: سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: (سَبْعُ سِنِينَ) عَلَيْهِ، وأسْنَدَ الأكْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ: (يَأْكُلْنَ) عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُؤْكَلُ فِيهِما كَما قالَ: (والنَّهارَ مُبْصِرًا) ومَعْنى (تُحْصِنُونَ) تُحْرِزُونَ وتُخْبِئُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، يُغاثُ مِنَ الغَيْثِ، وقِيلَ: مِنَ الغَوْثِ، وهو الفَرَجُ، فَفي الأوَّلِ بُنِيَ مِن ثُلاثِيٍّ، وفي الثّانِي مِن رُباعِيٍّ، تَقُولُ: غاثَنا اللَّهُ مِنَ الغَيْثِ، وأغاثَنا مِنَ الغَوْثِ، وقَرَأ الأخَوانِ: (تَعْصِرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِن عَصْرِ النَّباتِ كالعِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ والفِجْلِ وجَمِيعِ ما يُعْصَرُ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصِيرٍ لِأشْياءَ كَثِيرَةٍ والحَلْبُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ عَصْرٌ لِلضُّرُوعِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَعْصِرُوا شَيْئًا مُدَّةَ الجَدْبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ، والعَصْرُ وهو المُنَجِّي، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ
(p-٣١٦)فالمَعْنى: يَنْجُونَ بِالعُصْرَةِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والأعْرَجُ وعِيسى البَصْرَةِ (يُعْصَرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ عِيسى أيْضًا: (تُعْصَرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ: يَنْجُونَ مِن عَصْرِهِ إذا أنْجاهُ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: يُغاثُ النّاسُ، وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: مَعْناهُ يُمْطَرُونَ، مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ ماءَها عَلَيْهِمْ، فَجُعِلُوا مُعْصِرِينَ مَجازًا بِإسْنادِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وهو لِلْماءِ الَّذِي يُمْطَرُونَ بِهِ، وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ (يُعَصِّرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ وشَدِّها مِن عَصَّرَ مُشَدَّدًا لِلتَّكْثِيرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وفِيهِ تِعِصِّرُونَ) بِكَسْرِ التّاءِ والعَيْنِ والصّادِ وشَدِّها، وأصْلُهُ تَعْتَصِرُونَ، فَأدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى العَيْنِ، وأتْبَعَ حَرَكَةَ التّاءِ لِحَرَكَةِ العَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنِ اعْتَصَرَ العِنَبَ ونَحْوِهِ، ومِنِ اعْتَصَرَ بِمَعْنى نَجا، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي
أيْ: نَجاتِي، تَأوَّلَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ، والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهم بَعْدَ الفَراغِ مِن تَأْوِيلِ الرُّؤْيا بِمَجِيءِ العامِ الثّامِنِ مُبارَكًا خَصِيبًا كَثِيرَ الخَيْرِ غَزِيرَ النِّعَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وعَنْ قَتادَةَ: زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ، والَّذِي مِن جِهَةِ الوَحْيِ هو التَّفْضِيلُ بِحالِ العامِ بِأنَّهُ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ، (وفِيهِ يَعْصِرُونَ)، وإلّا فَمَعْلُومٌ بِانْتِهاءِ السَّبْعِ الشِّدادِ مَجِيءُ الخِصْبِ.
يوسف 12:49
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣] ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧] ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨] ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ [يوسف: ٦١] ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥]
أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا وأمْهًا نَسِيَ، يُغاثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَوْثِ وهو الفَرَجُ، يُقالُ: أغاثَهُمُ اللَّهُ فَرَّجَ عَنْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الغَيْثِ تَقُولُ: غِيثَتِ البِلادُ إذا أُمْطِرَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: غِثْنا ما شِئْنا، الخَطْبُ: الشَّأْنُ والأمْرُ الَّذِي فِيهِ خَطَرٌ، ويُجْمَعُ عَلى خُطُوبٍ قالَ:
؎وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكِ أطْرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
حَصْحَصَ تَبَيَّنَ بَعْدَ الخَفاءِ، قالَهُ الخَلِيلُ، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ حَصْحَصَ الحَقُّ بانَتْ حِصَّتُهُ مِن (p-٣١٤)حِصَّةِ الباطِلِ، وقِيلَ: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ ألْقى ثَفِناتِهِ لِلْإناخَةِ، قالَ: حَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفِناتِهِ، الجِهازُ: ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِن زادٍ ومَتاعٍ، وكُلُّ ما يُحْمَلُ، وجِهازُ العَرُوسِ ما يَكُونُ مَعَها مِنَ الأثاثِ والشُّورَةِ، وجِهازُ المَيِّتِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في دَفْنِهِ، الرَّحْلُ: ما عَلى ظَهْرِ المَرْكُوبِ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ أوْ غَيْرِهِ، وجَمْعُهُ رِحالٌ في الكَثْرَةِ، وأرْحُلٌ في القِلَّةِ، مارَ يَمِيرُ، وأمارَ يَمِيرُ، إذا جَلَبَ الخَيْرَ وهي المِيرَةُ قالَ:
؎بَعَثْتُكَ مائِرًا فَمَكَثْتَ حَوْلًا ∗∗∗ مَتى يَأْتِي غِياثُكَ مَن تُغِيثُ
البَعِيرُ في الأشْهَرِ الجَمَلُ مُقابِلُ النّاقَةِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى النّاقَةِ، كَما يُطْلَقُ عَلى الجَمَلِ فَيَقُولُ: عَلى هَذا نِعْمَ البَعِيرُ الجَمَلُ لِعُمُومِهِ، ويَمْتَنِعُ عَلى الأشْهَرِ لِتَرادُفِهِ، وفي لُغَةٍ تُكْسَرُ باؤُهُ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أبْعِرَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى بِعِرانٍ.
* *
﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
لَمّا اسْتَثْنى المَلِكُ في رُؤْياهُ وأعْضَلَ عَلى المَلَأِ تَأْوِيلَها، تَذَكَّرَ النّاجِي مِنَ القَتْلِ وهو ساقِي المَلِكِ يُوسُفَ، وتَأْوِيلَ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وطَلَبَهُ إلَيْهِ لِيَذْكُرَهُ عِنْدَ المَلِكِ، (وادَّكَرَ) أيْ: تَذَكَّرَ ما سَبَقَ لَهُ مَعَ يُوسُفَ (بَعْدَ أُمَّةٍ) أيْ: مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وادَّكَرَ) حالِيَّةٌ، وأصْلُهُ: واذْتَكَرَ أُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الذّالُ فِيها فَصارَ ادَّكَرَ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: واذَّكَرَ بِإبْدالِ التّاءِ ذالًا، وإدْغامُ الذّالِ فِيها، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: (بَعْدَ إمَّةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِنَ القَتْلِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَعْدَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى يُوسُفَ في تَقْرِيبِ إطْلاقِهِ، والأُمَّةُ النِّعْمَةُ قالَ:
؎ألا لا أرى ذا إمَّةٍ أصْبَحَتْ بِهِ فَتَتْرُكُهُ الأيّامُ وهي كَما هِيا
قالَ الأعْلَمُ: الأُمَّةُ النِّعْمَةُ والحالُ الحَسَنَةُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ الضُّبَعِيُّ ورَبِيعَةُ بْنُ عَمْرٍو: (بَعْدَ أمَهِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمُ مُخَفَّفَةٌ وهاءٌ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، واخْتَلَفَ عَنْهم، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأيْضًا مُجاهِدٌ وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ: (بَعْدَ أُمْهِ) بِسُكُونِ المِيمِ، مَصْدَرُ أمَهَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ بِسُكُونِ المِيمِ فَقَدْ أخْطَأ، انْتَهى. وهَذا عَلى عادَتِهِ في نِسْبَتِهِ الخَطَأ إلى الفَرّاءِ، ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: أُخْبِرُكم بِهِ عَمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ لا مِن جِهَتِي، وقَرَأ الحَسَنُ: (أنا أتِيكُمُ) مُضارِعُ أتى مِنَ الإتْيانِ، وكَذا في الإمامِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (فَأرْسِلُونِ) أيِ: ابْعَثُونِي إلَيْهِ لِأسْألَهُ، ومُرُونِي بِاسْتِعْبارِهِ، اسْتَأْذَنَ في المُضِيِّ إلى يُوسُفَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في السِّجْنِ في غَيْرِ (p-٣١٥)مَدِينَةِ المَلِكِ، وقِيلَ: كانَ فِيها، ويَرْسُمُ النّاسُ اليَوْمَ سِجْنَ يُوسُفَ في مَوْضِعٍ عَلى النِّيلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفُسْطاطِ ثَمانِيَةَ أمْيالٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَأرْسِلُوهُ إلى يُوسُفَ فَأتاهُ فَقالَ: و(الصَّدِّيقُ) بِناءُ مُبالِغَةٍ كالشَّرِّيبِ والسِّكِّيرِ، وكانَ قَدْ صَحِبَهُ زَمانًا وجَرَّبَ صِدْقَهُ في غَيْرِ ما شَيْءٍ كَتَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أيْ: بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، واحْتَرَزَ بِلَفْظَةِ (لَعَلِّي) لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ؛ إذْ مِنَ الجائِزِ أنْ يَخْتَرِمَ دُونَ بُلُوغِهِ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِرُجُوعِهِ إلَيْهِمْ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مِنَ العِلْمِ، فَيَطْلُبُونَكَ ويُخَلِّصُونَكَ مِن مِحْنَتِكَ، فَتَكُونُ لَعَلَّ كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: (أفْتِنا) . قالَ: (تَزْرَعُونَ) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ مِن يُوسُفَ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ؛ أحَدُها: تَعْبِيرٌ بِالمَعْنى لا بِاللَّفْظِ. والثّانِي: عَرْضُ رَأْيٍ وأمَرَ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ . والثّالِثُ: الإعْلامُ بِالغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثّامِنِ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ هَذا أنْ لا يَكُونَ غَيْبًا، بَلْ عِلْمُ العِبارَةِ أعْطى انْقِطاعَ الخَوْفِ بَعْدَ سَبْعٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ الأخْصَبُ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ خَبَرًا، أخْبَرَ أنَّهم تَتَوالى لَهم هَذِهِ السُّنُونَ لا يَنْقَطِعُ فِيها زَرْعُهم لِلرَّيِّ الَّذِي يُوجَدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ﴾ [الصف: ١١] وإنَّما يَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ إنْجازِ المَأْمُورِ بِهِ، فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ وُجِدَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ في مَعْنى الأمْنِ، قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ انْتَهى، ولا يَدُلُّ الأمْرُ بِتَرْكِهِ في سُنْبُلِهِ عَلى أنَّ (تَزْرَعُونَ) في مَعْنى ازْرَعُوا، بَلْ (تَزْرَعُونَ) إخْبارُ غَيْبٍ بِما يَكُونُ مِنهم مَن تَوالِي الزَّرْعِ سَبْعَ سِنِينَ، وأمّا قَوْلُهُ: (فَذَرُوهُ) فَهو أمْرُ إشارَةٍ بِما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلُوهُ، ومَعْنى (دَأبًا): مُلازَمَةً، كَعادَتِكم في المُزارَعَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ: (دَأبًا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والجُمْهُورُ بِإسْكانِها، وهُما مَصْدَرانِ لِدَأبَ، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مِن لَفْظِهِ أيْ: تَدابُونَ دَأبًا، فَهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وعِنْدَ المُبَرِّدِ بِـ (تَزْرَعُونَ) بِمَعْنى تَدْأبُونَ، وهي عِنْدَهُ مِثْلُ قَعَدَ القُرْفُصاءَ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: دائِبِينَ، أوْ ذَوِي دَأْبٍ حالًا مِن ضَمِيرِ تَزْرَعُونَ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ بِـ ﴿ذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ إشارَةً بِرَأْيِ نافِعٍ بِحَسَبِ طَعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِها الَّتِي لا تَبْقى عامَيْنِ بِوَجْهٍ إلّا بِحِيلَةِ إبْقائِها في السُّنْبُلِ، فَإذا بَقِيَتْ فِيها انْحَفَظَتْ، والمَعْنى: اتْرُكُوا الزَّرْعَ في السُّنْبُلِ إلّا ما لا غِنى عَنْهُ لِلْأكْلِ، فَيَجْتَمِعُ الطَّعامُ ويَتَرَكَّبُ ويُؤْكَلُ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ، فَإذا جاءَتِ السُّنُونَ الجَدْبَةُ تُقُوِّتَ الأقْدَمُ فالأقْدَمُ مِن ذَلِكَ المُدَّخَرِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مِمّا يَأْكُلُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ أيْ: يَأْكُلُ النّاسُ، وحَذَفَ المُمَيَّزَ في قَوْلِهِ: ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ: سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: (سَبْعُ سِنِينَ) عَلَيْهِ، وأسْنَدَ الأكْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ: (يَأْكُلْنَ) عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُؤْكَلُ فِيهِما كَما قالَ: (والنَّهارَ مُبْصِرًا) ومَعْنى (تُحْصِنُونَ) تُحْرِزُونَ وتُخْبِئُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ، يُغاثُ مِنَ الغَيْثِ، وقِيلَ: مِنَ الغَوْثِ، وهو الفَرَجُ، فَفي الأوَّلِ بُنِيَ مِن ثُلاثِيٍّ، وفي الثّانِي مِن رُباعِيٍّ، تَقُولُ: غاثَنا اللَّهُ مِنَ الغَيْثِ، وأغاثَنا مِنَ الغَوْثِ، وقَرَأ الأخَوانِ: (تَعْصِرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِن عَصْرِ النَّباتِ كالعِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ والفِجْلِ وجَمِيعِ ما يُعْصَرُ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصِيرٍ لِأشْياءَ كَثِيرَةٍ والحَلْبُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ عَصْرٌ لِلضُّرُوعِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَعْصِرُوا شَيْئًا مُدَّةَ الجَدْبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ، والعَصْرُ وهو المُنَجِّي، ومِنهُ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ
(p-٣١٦)فالمَعْنى: يَنْجُونَ بِالعُصْرَةِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والأعْرَجُ وعِيسى البَصْرَةِ (يُعْصَرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ عِيسى أيْضًا: (تُعْصَرُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ: يَنْجُونَ مِن عَصْرِهِ إذا أنْجاهُ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: يُغاثُ النّاسُ، وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: مَعْناهُ يُمْطَرُونَ، مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ ماءَها عَلَيْهِمْ، فَجُعِلُوا مُعْصِرِينَ مَجازًا بِإسْنادِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وهو لِلْماءِ الَّذِي يُمْطَرُونَ بِهِ، وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ (يُعَصِّرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ وشَدِّها مِن عَصَّرَ مُشَدَّدًا لِلتَّكْثِيرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وفِيهِ تِعِصِّرُونَ) بِكَسْرِ التّاءِ والعَيْنِ والصّادِ وشَدِّها، وأصْلُهُ تَعْتَصِرُونَ، فَأدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى العَيْنِ، وأتْبَعَ حَرَكَةَ التّاءِ لِحَرَكَةِ العَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنِ اعْتَصَرَ العِنَبَ ونَحْوِهِ، ومِنِ اعْتَصَرَ بِمَعْنى نَجا، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي
أيْ: نَجاتِي، تَأوَّلَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - البَقَراتِ السِّمانَ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرَ بِسِنِينَ مُخْصِبَةٍ، والعِجافَ واليابِساتِ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ بَشَّرَهم بَعْدَ الفَراغِ مِن تَأْوِيلِ الرُّؤْيا بِمَجِيءِ العامِ الثّامِنِ مُبارَكًا خَصِيبًا كَثِيرَ الخَيْرِ غَزِيرَ النِّعَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وعَنْ قَتادَةَ: زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ، والَّذِي مِن جِهَةِ الوَحْيِ هو التَّفْضِيلُ بِحالِ العامِ بِأنَّهُ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ، (وفِيهِ يَعْصِرُونَ)، وإلّا فَمَعْلُومٌ بِانْتِهاءِ السَّبْعِ الشِّدادِ مَجِيءُ الخِصْبِ.
يوسف 12:50
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾
فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَحَفِظَ الرَّسُولُ ما أوَّلَ بِهِ يُوسُفُ الرُّؤْيا، وجاءَ إلى المَلِكِ ومَن أرْسَلَهُ وأخْبَرَهم بِذَلِكَ، وقالَ المَلِكُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ مَحْذُوفاتٌ يُعْطِيها ظاهِرُ الكَلامِ ويَدُلُّ عَلَيْها، والمَعْنى: فَرَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ ومَن مَعَ المَلِكِ فَنَصَّ عَلَيْهِمْ مَقالَةَ يُوسُفَ، فَرَأى المَلِكُ وحاضِرُوهُ نُبْلَ التَّعْبِيرِ، وحُسْنَ الرَّأْيِ، وتَضَمُّنَ الغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثّامِنِ مَعَ ما وصَفَهُ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الصِّدْقِ في المَنامِ المُتَقَدِّمِ، فَعَظُمَ يُوسُفُ في نَفْسِ المَلِكِ وقالَ: (ائْتُونِي بِهِ) فَلَمّا وصَلَ الرَّسُولُ في إخْراجِهِ إلَيْهِ وقالَ: إنَّ المَلِكَ قَدْ أمَرَ بِأنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ، قالَ لَهُ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ: إلى المَلِكِ وقُلْ لَهُ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ ؟ ومَقْصِدُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَ وقُلْ لَهُ يَسْتَقْصِي عَنْ ذَنْبِي، ويَنْظُرُ في أمْرِي، هَلْ سُجِنْتُ بِحَقٍّ أوْ بِظُلْمٍ ؟ وكانَ هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ إناءَةً وصَبْرًا وطَلَبًا لِبَراءَةِ السّاحَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ فِيما رُوِيَ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ دِينِهِ صَفْحًا، فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ أبَدًا ويَقُولُونَ: هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ مَوْلاهُ، فَأرادَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُبَيِّنَ بَراءَتَهُ ويَتَحَقَّقَ مَنزِلَتَهُ مِنَ العِفَّةِ والخَيْرِ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ لِلْإحْظاءِ والمَنزِلَةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما تَأنّى وتَثَبَّتَ في إجابَةِ المَلِكِ، وقَدَّمَ سُؤالَ النِّسْوَةِ لِتَظْهَرَ بَراءَةُ ساحَتِهِ عَمّا فُرِقَ بِهِ وسُجِنَ فِيهِ، لِئَلّا يَتَسَلَّقَ بِهِ الحاسِدُونَ إلى تَقْبِيحِ أمْرِهِ عِنْدَهُ، ويَجْعَلُوهُ سُلَّمًا إلى حَطِّ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ما خَلَدَ بِهِ في السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ إلّا أمْرٌ عَظِيمٌ وجُرْمٌ كَبِيرٌ حَقَّ بِهِ أنْ يُسْجَنَ ويُعَذَّبَ، ويُكْشَفَ سِرُّهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ في نَفْيِ التُّهَمِ واجِبَةٌ وُجُوبَ إبْقاءِ الوُقُوفِ في مَواقِفِها، قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَقِفَنَّ مَواقِفَ التُّهَمِ“ . انْتَهى؛ ولِأجْلِ هَذا كانَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكانَ مَقْطُوعَ الرِّجْلِ قَدْ أثْبَتَ عَلى القُضاةِ أنَّ رِجْلَهُ لَمْ تُقْطَعْ في خِيانَةٍ ولا فَسادٍ، وكانَ يُظْهِرُ ذَلِكَ المَكْتُوبَ في كُلِّ بَلَدٍ دَخَلَهُ خَوْفًا مِن تُهْمَةِ السُّوءِ، وإنَّما قالَ: سَلِ المَلِكَ عَنْ (p-٣١٧)شَأْنِ النِّسْوَةِ، ولَمْ يَقُلْ سَلْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْهُنَّ، لِأنَّ السُّؤالَ مِمّا يُهَيِّجُ الإنْسانَ ويُحَرِّكُهُ لِلْبَعْثِ عَنْ ما سُئِلَ عَنْهُ، فَأرادَ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِ السُّؤالَ لِيُجْرِيَ التَّفْتِيشَ عَنْ حَقِيقَةِ القِصَّةِ، وقَصَّ الحَدِيثَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ بَراءَتُهُ بَيانًا مَكْشُوفًا يَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ومِن كَرَمِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ زَوْجَ العَزِيزِ مَعَ ما صَنَعَتْ بِهِ وتَسَبَّبَتْ فِيهِ مِنَ السِّجْنِ والعَذابِ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ المُقَطِّعاتِ الأيْدِي، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في رِوايَةٍ (النُّسْوَةِ) بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (الّايِ) بِالياءِ، وكِلاهُما جَمْعُ الَّتِي، (إنَّ رَبِّي) أيْ: إنَّ اللَّهَ ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ أرادَ أنَّ كَيْدَهُنَّ عَظِيمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ لِبُعْدِ عَوْدِهِ، واسْتَشْهَدَ بِعِلْمِ اللَّهِ عَلى أنَّهُنَّ كِدْنَهُ، وأنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا قُذِفَ بِهِ، أوْ أرادَ الوَعِيدَ لَهُنَّ، أوْ هو عَلِيمٌ بِكَيْدِهِنَّ فَيُجازِيهِنَّ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالرَّبِّ العَزِيزَ مَوْلاهُ، فَفي ذَلِكَ اسْتِشْهادٌ بِهِ وتَقْرِيعٌ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن هَذا الِاحْتِمالِ لا يَسُوغُ، والضَّمِيرُ في (بِكَيْدِهِنَّ) عائِدٌ عَلى (النِّسْوَةِ) المَذْكُوراتِ لا لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّها حالَةُ تَوْقِيفٍ عَلى ذَنْبٍ، قالَ: (ما خَطْبُكُنَّ) في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَأخْبَرَهُ بِما قالَ يُوسُفُ، فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسْوَةَ وامْرَأةَ العَزِيزِ وقالَ لَهُنَّ: ما خَطْبُكُنَّ ؟ وهَذا اسْتِدْعاءٌ مِنهُ أنْ يُعْلِمْنَهُ بِالقِصَّةِ، ونَزَّهَ جانِبَ يُوسُفَ بِقَوْلِهِ: (إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ) ومُراوَدَتُهُنَّ لَهُ قَوْلُهُنَّ لِيُوسُفَ: أطِعْ مَوْلاتَكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَلْ وجَدْتُنَّ مِنهُ مَيْلًا لَكُنَّ ؟ قُلْنَ: حاشَ لِلَّهِ ! تَعَجُّبًا مِن عِفَّتِهِ، وذَهابِهِ بِنَفْسِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الرِّيبَةِ، ومِن نَزاهَتِهِ عَنْها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجابَ النِّساءُ بِجَوابٍ جَيِّدٍ تَظْهَرُ مِنهُ بَراءَةُ أنْفُسِهِنَّ جُمْلَةً، وأعْطَيْنَ يُوسُفَ بَعْضَ بَراءَةٍ، وذَلِكَ أنَّ المَلِكَ لَمّا قَرَّرَهُنَّ أنَّهُنَّ راوَدْنَهُ (قُلْنَ) جَوابًا عَنْ ذَلِكَ (حاشَ لِلَّهِ) ! ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ: حاشَ لِلَّهِ في جِهَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلُهُنَّ: ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ لَيْسَ بِإبْراءٍ تامٍّ، وإنَّما كانَ الإبْراءُ التّامُّ وصْفُ القِصَّةِ عَلى وجْهِها حَتّى يَتَقَرَّرَ الخَطَأُ في جِهَتِهِنَّ، فَلَمّا سَمِعَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ مَقالَتَهُنَّ وحَيْدَتَهُنَّ عَنِ الوُقُوعِ في الخِزْيِ قالَتْ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ وقُرِئَ (حُصْحِصَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أقَرَّتْ عَلى نَفْسِها بِالمُراوَدَةِ، والتَزَمَتِ الذَّنْبَ، وأبْرَأتْ يُوسُفَ البَراءَةَ التّامَّةَ.
يوسف 12:51
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾
فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَحَفِظَ الرَّسُولُ ما أوَّلَ بِهِ يُوسُفُ الرُّؤْيا، وجاءَ إلى المَلِكِ ومَن أرْسَلَهُ وأخْبَرَهم بِذَلِكَ، وقالَ المَلِكُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ مَحْذُوفاتٌ يُعْطِيها ظاهِرُ الكَلامِ ويَدُلُّ عَلَيْها، والمَعْنى: فَرَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ ومَن مَعَ المَلِكِ فَنَصَّ عَلَيْهِمْ مَقالَةَ يُوسُفَ، فَرَأى المَلِكُ وحاضِرُوهُ نُبْلَ التَّعْبِيرِ، وحُسْنَ الرَّأْيِ، وتَضَمُّنَ الغَيْبِ في أمْرِ العامِ الثّامِنِ مَعَ ما وصَفَهُ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الصِّدْقِ في المَنامِ المُتَقَدِّمِ، فَعَظُمَ يُوسُفُ في نَفْسِ المَلِكِ وقالَ: (ائْتُونِي بِهِ) فَلَمّا وصَلَ الرَّسُولُ في إخْراجِهِ إلَيْهِ وقالَ: إنَّ المَلِكَ قَدْ أمَرَ بِأنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ، قالَ لَهُ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ: إلى المَلِكِ وقُلْ لَهُ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ ؟ ومَقْصِدُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَ وقُلْ لَهُ يَسْتَقْصِي عَنْ ذَنْبِي، ويَنْظُرُ في أمْرِي، هَلْ سُجِنْتُ بِحَقٍّ أوْ بِظُلْمٍ ؟ وكانَ هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ إناءَةً وصَبْرًا وطَلَبًا لِبَراءَةِ السّاحَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ فِيما رُوِيَ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ دِينِهِ صَفْحًا، فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ أبَدًا ويَقُولُونَ: هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ مَوْلاهُ، فَأرادَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُبَيِّنَ بَراءَتَهُ ويَتَحَقَّقَ مَنزِلَتَهُ مِنَ العِفَّةِ والخَيْرِ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ لِلْإحْظاءِ والمَنزِلَةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما تَأنّى وتَثَبَّتَ في إجابَةِ المَلِكِ، وقَدَّمَ سُؤالَ النِّسْوَةِ لِتَظْهَرَ بَراءَةُ ساحَتِهِ عَمّا فُرِقَ بِهِ وسُجِنَ فِيهِ، لِئَلّا يَتَسَلَّقَ بِهِ الحاسِدُونَ إلى تَقْبِيحِ أمْرِهِ عِنْدَهُ، ويَجْعَلُوهُ سُلَّمًا إلى حَطِّ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ما خَلَدَ بِهِ في السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ إلّا أمْرٌ عَظِيمٌ وجُرْمٌ كَبِيرٌ حَقَّ بِهِ أنْ يُسْجَنَ ويُعَذَّبَ، ويُكْشَفَ سِرُّهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ في نَفْيِ التُّهَمِ واجِبَةٌ وُجُوبَ إبْقاءِ الوُقُوفِ في مَواقِفِها، قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَقِفَنَّ مَواقِفَ التُّهَمِ“ . انْتَهى؛ ولِأجْلِ هَذا كانَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكانَ مَقْطُوعَ الرِّجْلِ قَدْ أثْبَتَ عَلى القُضاةِ أنَّ رِجْلَهُ لَمْ تُقْطَعْ في خِيانَةٍ ولا فَسادٍ، وكانَ يُظْهِرُ ذَلِكَ المَكْتُوبَ في كُلِّ بَلَدٍ دَخَلَهُ خَوْفًا مِن تُهْمَةِ السُّوءِ، وإنَّما قالَ: سَلِ المَلِكَ عَنْ (p-٣١٧)شَأْنِ النِّسْوَةِ، ولَمْ يَقُلْ سَلْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْهُنَّ، لِأنَّ السُّؤالَ مِمّا يُهَيِّجُ الإنْسانَ ويُحَرِّكُهُ لِلْبَعْثِ عَنْ ما سُئِلَ عَنْهُ، فَأرادَ أنْ يُورِدَ عَلَيْهِ السُّؤالَ لِيُجْرِيَ التَّفْتِيشَ عَنْ حَقِيقَةِ القِصَّةِ، وقَصَّ الحَدِيثَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ بَراءَتُهُ بَيانًا مَكْشُوفًا يَتَمَيَّزُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ومِن كَرَمِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ زَوْجَ العَزِيزِ مَعَ ما صَنَعَتْ بِهِ وتَسَبَّبَتْ فِيهِ مِنَ السِّجْنِ والعَذابِ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ المُقَطِّعاتِ الأيْدِي، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في رِوايَةٍ (النُّسْوَةِ) بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (الّايِ) بِالياءِ، وكِلاهُما جَمْعُ الَّتِي، (إنَّ رَبِّي) أيْ: إنَّ اللَّهَ ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ أرادَ أنَّ كَيْدَهُنَّ عَظِيمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ لِبُعْدِ عَوْدِهِ، واسْتَشْهَدَ بِعِلْمِ اللَّهِ عَلى أنَّهُنَّ كِدْنَهُ، وأنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا قُذِفَ بِهِ، أوْ أرادَ الوَعِيدَ لَهُنَّ، أوْ هو عَلِيمٌ بِكَيْدِهِنَّ فَيُجازِيهِنَّ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالرَّبِّ العَزِيزَ مَوْلاهُ، فَفي ذَلِكَ اسْتِشْهادٌ بِهِ وتَقْرِيعٌ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن هَذا الِاحْتِمالِ لا يَسُوغُ، والضَّمِيرُ في (بِكَيْدِهِنَّ) عائِدٌ عَلى (النِّسْوَةِ) المَذْكُوراتِ لا لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّها حالَةُ تَوْقِيفٍ عَلى ذَنْبٍ، قالَ: (ما خَطْبُكُنَّ) في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَأخْبَرَهُ بِما قالَ يُوسُفُ، فَجَمَعَ المَلِكُ النِّسْوَةَ وامْرَأةَ العَزِيزِ وقالَ لَهُنَّ: ما خَطْبُكُنَّ ؟ وهَذا اسْتِدْعاءٌ مِنهُ أنْ يُعْلِمْنَهُ بِالقِصَّةِ، ونَزَّهَ جانِبَ يُوسُفَ بِقَوْلِهِ: (إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ) ومُراوَدَتُهُنَّ لَهُ قَوْلُهُنَّ لِيُوسُفَ: أطِعْ مَوْلاتَكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَلْ وجَدْتُنَّ مِنهُ مَيْلًا لَكُنَّ ؟ قُلْنَ: حاشَ لِلَّهِ ! تَعَجُّبًا مِن عِفَّتِهِ، وذَهابِهِ بِنَفْسِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الرِّيبَةِ، ومِن نَزاهَتِهِ عَنْها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجابَ النِّساءُ بِجَوابٍ جَيِّدٍ تَظْهَرُ مِنهُ بَراءَةُ أنْفُسِهِنَّ جُمْلَةً، وأعْطَيْنَ يُوسُفَ بَعْضَ بَراءَةٍ، وذَلِكَ أنَّ المَلِكَ لَمّا قَرَّرَهُنَّ أنَّهُنَّ راوَدْنَهُ (قُلْنَ) جَوابًا عَنْ ذَلِكَ (حاشَ لِلَّهِ) ! ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ: حاشَ لِلَّهِ في جِهَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلُهُنَّ: ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ لَيْسَ بِإبْراءٍ تامٍّ، وإنَّما كانَ الإبْراءُ التّامُّ وصْفُ القِصَّةِ عَلى وجْهِها حَتّى يَتَقَرَّرَ الخَطَأُ في جِهَتِهِنَّ، فَلَمّا سَمِعَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ مَقالَتَهُنَّ وحَيْدَتَهُنَّ عَنِ الوُقُوعِ في الخِزْيِ قالَتْ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ وقُرِئَ (حُصْحِصَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أقَرَّتْ عَلى نَفْسِها بِالمُراوَدَةِ، والتَزَمَتِ الذَّنْبَ، وأبْرَأتْ يُوسُفَ البَراءَةَ التّامَّةَ.
يوسف 12:52
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ وهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (قالَتْ) والمَعْنى: ذَلِكَ الإقْرارُ والِاعْتِرافُ بِالحَقِّ، لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في غَيْبَتِهِ والذَّبِّ عَنْهُ، وأرْمِيهِ بِذَنْبٍ هو مِنهُ بَرِيءٌ، ثُمَّ اعْتَذَرَتْ عَمّا وقَعَتْ فِيهِ مِمّا يَقَعُ فِيهِ البَشَرُ مِنَ الشَّهَواتِ بِقَوْلِها: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ والنُّفُوسُ مائِلَةٌ إلى الشَّهَواتِ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخِيانَةِ فَإنِّي قَدْ خُنْتُهُ حِينَ قَذَفْتُهُ وقُلْتُ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ﴾ [يوسف: ٢٥] وأوْدَعْتُهُ السِّجْنَ، تُرِيدُ الِاعْتِذارَ لِما كانَ مِنها أنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا نَفْسًا رَحِمَها اللَّهُ بِالعِصْمَةِ.
﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتَغْفَرَتْ رَبَّها واسْتَرْحَمَتْهُ مِمّا ارْتَكَبَتْ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ) إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ يُوسُفَ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ رَبْطٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ، ولا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ يُوسُفَ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ يُوسُفَ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] وعَلى هَذا فالإشارَةٌ بِقَوْلِهِ: (ذَلِكَ) إلى إلْقائِهِ في السِّجْنِ والتِماسِهِ البَراءَةَ؛ أيْ: هَذا العِلْمُ سَيِّدِي أنِّي لَمْ أخُنْهُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّما قالَ يُوسُفُ هَذِهِ المَقالَةَ حِينَ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ كَلامَها إلى قَوْلِها: ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] فالإشارَةُ عَلى هَذا إلى قَوْلِها وصُنْعِ اللَّهَ فِيهِ، وهَذا يَضْعُفُ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي حُضُورَهُ مَعَ النِّسْوَةِ عِنْدَ المَلِكِ، فَكَيْفَ يَقُولُ المَلِكُ بَعْدَ ذَلِكَ: (ائْتُونِي بِهِ) ؟ وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ أوَّلًا عَلى أنَّها مِن كَلامِ يُوسُفَ فَقالَ: أيْ ذَلِكَ التَّثَبُّتُ والتَّشَمُّرُ لِظُهُورِ البَراءَةِ، لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِظَهْرِ الغَيْبِ في حُرْمَتِهِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ لا يُنْفِذُهُ (p-٣١٨)ولا يُسَدِّدُهُ، وكَأنَّهُ تَعْرِيضٌ بِامْرَأتِهِ في خِيانَتِها في أمانَةِ زَوْجِها، وبِهِ في خِيانَتِهِ أمانَةَ اللَّهِ حِينَ ساعَدَها بَعْدَ ظُهُورِ الآياتِ عَلى حَبْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِأمانَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ كانَ خائِنًا لَما هَدى اللَّهُ كَيْدَهُ ولا سَدَّدَهُ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَتَواضَعَ لِلَّهِ ويَهْضِمَ نَفْسَهُ لِئَلّا يَكُونَ لَها مُزَكِّيًا، ولِحالِها في الأمانَةِ مُعْجَبًا كَما قالَ الرَّسُولُ ﷺ: ”أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ ٣٢“ ولِيُبَيِّنَ أنَّ ما فِيهِ مِنَ الأمانَةِ لَيْسَ بِهِ وحْدَهُ، وإنَّما هو بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وعِصْمَتِهِ، فَقالَ: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِنَ الزَّلَلِ، وما أشْهَدُ لَها بِالبَراءَةِ الكُلِّيَّةِ، ولا أُزَكِّيها ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أرادَ الجِنْسَ؛ أيْ: هَذا الجِنْسُ يَأْمُرُ بِالسُّوءِ، ويَحْمِلُ عَلى ما فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، انْتَهى. وفِيهِ تَكْثِيرٌ وتَحْمِيلٌ لِلَفْظِ ما لَيْسَ فِيهِ، ويَزِيدُ عَلى عادَتِهِ في خِطابَتِهِ، ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِإشْكالِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِن كَلامِ يُوسُفَ قالَ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ صَحَّ أنْ يُجْعَلَ مِن كَلامِ يُوسُفَ ولا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ ؟ (قُلْتُ): كَفى بِالمَعْنى دَلِيلًا قائِدًا إلى أنْ يُجْعَلَ مِن كَلامِهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] ﴿قالُوا﴾ [الأعراف: ١١١] وهو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ يُخاطِبُهم ويَسْتَشِيرُهم، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرَ، إذْ لا يَتَعَيَّنُ في هَذا التَّرْكِيبِ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، بَلْ هو مِن كَلامِ المَلَأِ تَقَدَّمَهم فِرْعَوْنُ إلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَقالُوا ذَلِكَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ، فَيَكُونُ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ: يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم خِطابًا لِلْمَلَأِ مِن فِرْعَوْنَ، ويَكُونُ في هَذا التَّرْكِيبِ خِطابًا مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ولا يَتَنافى اجْتِماعُ المَقالَتَيْنِ. و(بِالغَيْبِ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ؛ أيْ: غائِبًا عَنْهُ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ؛ أيْ: غائِبًا عَنِّي، أوْ ظَرْفًا: أيْ بِمَكانِ الغَيْبِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ لِأنَّهُ أرادَ الجِنْسَ بِقَوْلِهِ: (إنَّ النَّفْسَ) فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا النَّفْسَ الَّتِي رَحِمَها رَبِّي فَلا تَأْمُرُ بِالسُّوءِ، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنُّ في (أمّارَةٌ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنى مِن مَفْعُولِ (أمّارَةٌ) المَحْذُوفِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ صاحِبَها، إلّا الَّذِي رَحِمَهُ رَبِّي فَلا تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنى مِن ظَرْفِ الزَّمانِ المَفْهُومِ عُمُومُهُ مِن (ما) قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، و(ما) ظَرْفِيَّةٌ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ مُدَّةَ بَقائِها إلّا وقْتَ رَحْمَةِ اللَّهِ العَبْدَ وذَهابِهِ بِها عَنِ اشْتِهاءِ المَعاصِي، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ أيْ: ولَكِنْ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ الإساءَةَ.
يوسف 12:53
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ وهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (قالَتْ) والمَعْنى: ذَلِكَ الإقْرارُ والِاعْتِرافُ بِالحَقِّ، لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في غَيْبَتِهِ والذَّبِّ عَنْهُ، وأرْمِيهِ بِذَنْبٍ هو مِنهُ بَرِيءٌ، ثُمَّ اعْتَذَرَتْ عَمّا وقَعَتْ فِيهِ مِمّا يَقَعُ فِيهِ البَشَرُ مِنَ الشَّهَواتِ بِقَوْلِها: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ والنُّفُوسُ مائِلَةٌ إلى الشَّهَواتِ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخِيانَةِ فَإنِّي قَدْ خُنْتُهُ حِينَ قَذَفْتُهُ وقُلْتُ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ﴾ [يوسف: ٢٥] وأوْدَعْتُهُ السِّجْنَ، تُرِيدُ الِاعْتِذارَ لِما كانَ مِنها أنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا نَفْسًا رَحِمَها اللَّهُ بِالعِصْمَةِ.
﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتَغْفَرَتْ رَبَّها واسْتَرْحَمَتْهُ مِمّا ارْتَكَبَتْ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ) إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ يُوسُفَ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ رَبْطٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ، ولا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ يُوسُفَ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ يُوسُفَ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] وعَلى هَذا فالإشارَةٌ بِقَوْلِهِ: (ذَلِكَ) إلى إلْقائِهِ في السِّجْنِ والتِماسِهِ البَراءَةَ؛ أيْ: هَذا العِلْمُ سَيِّدِي أنِّي لَمْ أخُنْهُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّما قالَ يُوسُفُ هَذِهِ المَقالَةَ حِينَ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ كَلامَها إلى قَوْلِها: ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] فالإشارَةُ عَلى هَذا إلى قَوْلِها وصُنْعِ اللَّهَ فِيهِ، وهَذا يَضْعُفُ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي حُضُورَهُ مَعَ النِّسْوَةِ عِنْدَ المَلِكِ، فَكَيْفَ يَقُولُ المَلِكُ بَعْدَ ذَلِكَ: (ائْتُونِي بِهِ) ؟ وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ أوَّلًا عَلى أنَّها مِن كَلامِ يُوسُفَ فَقالَ: أيْ ذَلِكَ التَّثَبُّتُ والتَّشَمُّرُ لِظُهُورِ البَراءَةِ، لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِظَهْرِ الغَيْبِ في حُرْمَتِهِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ لا يُنْفِذُهُ (p-٣١٨)ولا يُسَدِّدُهُ، وكَأنَّهُ تَعْرِيضٌ بِامْرَأتِهِ في خِيانَتِها في أمانَةِ زَوْجِها، وبِهِ في خِيانَتِهِ أمانَةَ اللَّهِ حِينَ ساعَدَها بَعْدَ ظُهُورِ الآياتِ عَلى حَبْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِأمانَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ كانَ خائِنًا لَما هَدى اللَّهُ كَيْدَهُ ولا سَدَّدَهُ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَتَواضَعَ لِلَّهِ ويَهْضِمَ نَفْسَهُ لِئَلّا يَكُونَ لَها مُزَكِّيًا، ولِحالِها في الأمانَةِ مُعْجَبًا كَما قالَ الرَّسُولُ ﷺ: ”أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ ٣٢“ ولِيُبَيِّنَ أنَّ ما فِيهِ مِنَ الأمانَةِ لَيْسَ بِهِ وحْدَهُ، وإنَّما هو بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وعِصْمَتِهِ، فَقالَ: وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِنَ الزَّلَلِ، وما أشْهَدُ لَها بِالبَراءَةِ الكُلِّيَّةِ، ولا أُزَكِّيها ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أرادَ الجِنْسَ؛ أيْ: هَذا الجِنْسُ يَأْمُرُ بِالسُّوءِ، ويَحْمِلُ عَلى ما فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، انْتَهى. وفِيهِ تَكْثِيرٌ وتَحْمِيلٌ لِلَفْظِ ما لَيْسَ فِيهِ، ويَزِيدُ عَلى عادَتِهِ في خِطابَتِهِ، ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِإشْكالِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِن كَلامِ يُوسُفَ قالَ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ صَحَّ أنْ يُجْعَلَ مِن كَلامِ يُوسُفَ ولا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ ؟ (قُلْتُ): كَفى بِالمَعْنى دَلِيلًا قائِدًا إلى أنْ يُجْعَلَ مِن كَلامِهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] ﴿قالُوا﴾ [الأعراف: ١١١] وهو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ يُخاطِبُهم ويَسْتَشِيرُهم، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ كَما ذَكَرَ، إذْ لا يَتَعَيَّنُ في هَذا التَّرْكِيبِ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، بَلْ هو مِن كَلامِ المَلَأِ تَقَدَّمَهم فِرْعَوْنُ إلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَقالُوا ذَلِكَ بَعْضٌ لِبَعْضٍ، فَيَكُونُ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ: يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم خِطابًا لِلْمَلَأِ مِن فِرْعَوْنَ، ويَكُونُ في هَذا التَّرْكِيبِ خِطابًا مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ولا يَتَنافى اجْتِماعُ المَقالَتَيْنِ. و(بِالغَيْبِ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ؛ أيْ: غائِبًا عَنْهُ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ؛ أيْ: غائِبًا عَنِّي، أوْ ظَرْفًا: أيْ بِمَكانِ الغَيْبِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ لِأنَّهُ أرادَ الجِنْسَ بِقَوْلِهِ: (إنَّ النَّفْسَ) فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا النَّفْسَ الَّتِي رَحِمَها رَبِّي فَلا تَأْمُرُ بِالسُّوءِ، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنُّ في (أمّارَةٌ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنى مِن مَفْعُولِ (أمّارَةٌ) المَحْذُوفِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ صاحِبَها، إلّا الَّذِي رَحِمَهُ رَبِّي فَلا تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنى مِن ظَرْفِ الزَّمانِ المَفْهُومِ عُمُومُهُ مِن (ما) قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، و(ما) ظَرْفِيَّةٌ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ مُدَّةَ بَقائِها إلّا وقْتَ رَحْمَةِ اللَّهِ العَبْدَ وذَهابِهِ بِها عَنِ اشْتِهاءِ المَعاصِي، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ أيْ: ولَكِنْ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ الإساءَةَ.
يوسف 12:54
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
(p-٣١٩)رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَهُ فَقالَ: أجِبِ المَلِكَ، فَخَرَجَ مِنَ السِّجْنِ ودَعا لِأهْلِهِ: اللَّهُمَّ عَطِّفَ عَلَيْهِمْ قُلُوبَ الأخْيارِ، ولا تُعْمِ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ، فَهم أعْلَمُ النّاسِ بِالأخْبارِ في الواقِعاتِ، وكَتَبَ عَلى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنازِلُ البَلْوى، وقُبُورُ الأحْياءِ، وشَماتَةُ الأعْداءِ، وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ مِن دَرَنِ السِّجْنِ، ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا، فَلَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِخَيْرِكَ مِن خَيْرِهِ، وأعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِن شَرِّهِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ فَقالَ: ما هَذا اللِّسانُ ؟ فَقالَ: لِسانُ آبائِي، وكانَ المَلِكُ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسانًا فَكَلَّمَهُ بِها، فَأجابَهُ بِجَمِيعِها، فَتَعَجَّبَ مِنهُ وقالَ: أيُّها الصِّدِّيقُ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ قالَ: رَأيْتَ بَقَراتٍ سِمانًا فَوَصَفَ لَوْنَهُنَّ وأحْوالَهُنَّ، وما كانَ خُرُوجَهُنَّ، ووَصَفَ السَّنابِلَ وما كانَ مِنها عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي رَآها المَلِكُ لا يَخْرِمُ مِنها حَرْفًا، وقالَ لَهُ: مِن حِفْظِكَ أنْ تَجْعَلَ الطَّعامَ في الأهْراءِ فَيَأْتِيكَ الخَلْقُ مِنَ النَّواحِي يَمْتارُونَ مِنكَ، ويَجْتَمِعُ لَكَ مِنَ المَكْنُونِ ما لَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ قَبْلَكَ، وكانَ يُوسُفُ قَصَدَ أوَّلًا بِتَثَبُّتِهِ في السِّجْنِ أنْ يَرْتَقِيَ إلى أعْلى المَنازِلِ، فَكانَ اسْتِدْعاءُ المَلِكِ إيّاهُ أوَّلًا بِسَبَبِ عِلْمِ الرُّؤْيا، فَلِذَلِكَ قالَ: ائْتُونِي بِهِ فَقَطْ، فَلَمّا فَعَلَ يُوسُفُ ما فَعَلَ فَظَهَرَتْ أمانَتُهُ وصَبْرُهُ وهِمَّتُهُ وجَوْدَةُ نَظَرِهِ وتَأنِّيهِ في عَدَمِ التَّسَرُّعِ إلَيْهِ بِأوَّلِ طَلَبٍ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ عِنْدَهُ، فَطَلَبَهُ ثانِيًا ومَقْصُودُهُ: اسْتِخْلاصُهُ لِنَفْسِهِ، ومَعْنى (أسْتَخْلِصْهُ) أجْعَلْهُ خالِصًا لِنَفْسِي وخاصًّا بِي، وسَمّى اللَّهُ فِرْعَوْنَ مِصْرَ مَلِكًا إذْ هي حِكايَةُ اسْمٍ مَضى حُكْمُهُ وتَصَرَّمَ زَمَنُهُ، فَلَوْ كانَ حَيًّا لَكانَ حُكْمًا لَهُ إذا قِيلَ لِكافِرٍ مَلِكٌ أوْ أمِيرٌ، ولِهَذا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ ولَمْ يَقُلْ مَلِكًا ولا أمْيِرًا، لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ، والجَوابُ مُسَلَّمٌ وتَسَلَّمُوا، وأمّا كَوْنُهُ عَظِيمَهم فَتِلْكَ صِفَةٌ لا تُفارِقُهُ كَيْفَ ما تَقَلَّبُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَسَمِعَ المَلِكُ كَلامَ النِّسْوَةِ وبَراءَةَ يُوسُفَ مِمّا رُمِيَ بِهِ، فَأرادَ رُؤْيَتَهُ وقالَ: ائْتُونِي بِهِ فَأتاهُ، فَلَمّا كَلَّمَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِـ (كَلَّمَهُ) هو ضَمِيرُ المَلِكِ أيْ: فَلَمّا كَلَّمَهُ المَلِكُ ورَأى حُسْنَ جَوابِهِ ومُحاوَرَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ يُوسُفَ؛ أيْ: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ، ورَأى المَلِكُ حُسْنَ مَنطِقِهِ بِما صَدَّقَ بِهِ الخَبَرُ الخَبَرَ، والمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ، قالَ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ أيْ: ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلَةٍ (أمِينٌ) مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: أمِينٌ آمِينَ، والوَصْفُ بِالأمانَةِ هو الأبْلَغُ في الإكْرامِ، وبِالأمْنِ يَحُطُّ مِن إكْرامِ يُوسُفَ، ولَمّا وصَفَهُ المَلِكُ بِالتَّمَكُّنِ عِنْدَهُ والأمانَةِ، طَلَبَ مِنَ الأعْمالِ ما يُناسِبُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فَقالَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ: ولِّنِي خَزائِنَ أرْضِكَ إنِّي حَفِيظٌ أحْفَظُ ما تَسْتَحْفِظُهُ، عَلِيمٌ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ، وصَفَ نَفْسَهُ بِالأمانَةِ والكَفاءَةِ وهُما مَقْصُودُ المُلُوكِ مِمَّنْ يُوَلُّونَهُ، إذْ هُما يَعُمّانِ وُجُوهَ التَّثْقِيفِ والحِياطَةِ، ولا خَلَلَ مَعَهُما لِقائِلٍ، وقِيلَ: حَفِيظٌ لِلْحِسابِ، عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، وقِيلَ: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي، عَلِيمٌ بِسِنِي الجُوعِ، وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ، ودَلَّ إثْناءُ يُوسُفَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يُثْنِيَ عَلى نَفْسِهِ بِالحَقِّ إذا جَهُلَ أمْرُهُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ التَّزْكِيَةَ المَنهِيَّ عَنْها، وعَلى جَوازِ عَمَلِ الرَّجُلِ الصّالِحِ لِلرَّجُلِ التّاجِرِ بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ والعَدْلُ، لا بِما يَخْتارُهُ ويَشْتَهِيهِ مِمّا لا يُسِيغُهُ الشَّرْعُ، وإنَّما طَلَبَ يُوسُفُ هَذِهِ الوِلايَةَ لِيَتَوَصَّلَ إلى إمْضاءِ حُكْمِ اللَّهِ، وإقامَةِ الحَقِّ، وبَسْطِ العَدْلِ، والتَّمَكُّنِ مِمّا لِأجْلِهِ تُبْعَثُ الأنْبِياءُ إلى العِبادِ، ولِعِلْمِهِ أنَّ غَيْرَهُ لا يَقُومُ مَقامَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ كانَ المَلِكُ قَدْ أسْلَمَ كَما رَوى مُجاهِدٌ فَلا كَلامَ، وإنْ كانَ كافِرًا ولا سَبِيلَ إلى الحُكْمِ بِأمْرِ اللَّهِ ودَفْعِ الظُّلْمِ إلّا بِتَمْكِينِهِ، فَلِلْمُتَوَلِّي أنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِ. وقِيلَ: كانَ المَلِكُ يُصْدِرُ عَنْ رَأْيِ يُوسُفَ ولا (p-٣٢٠)يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ في كُلِّ ما رَأى، فَكانَ في حُكْمِ التّابِعِ، وما زالَ قُضاةُ الإسْلامِ يَتَوَلَّوْنَ القَضاءَ مِن جِهَةِ مَن لَيْسَ بِصالِحٍ، ولَوْلا ذَلِكَ لَبَطَلَتْ أحْكامُ الشَّرْعِ، فَهم مُثابُونَ عَلى ذَلِكَ إذا عَدَلُوا، و(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ في نَفْسِ المَلِكِ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في أرْضِ مِصْرَ.
﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أيْ: يَتَّخِذُ مِنها مَباءَةً ومَنزِلًا كُلَّ مَكانٍ أرادَ، فاسْتَوْلى عَلى جَمِيعِها، ودَخَلَتْ تَحْتَ سُلْطانِهِ، رُوِيَ أنَّ المَلِكَ تَوَجَّهَ بِتاجِهِ، وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ، ورَداهُ بِسَيْفِهِ، ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ، فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، وفَوَّضَ المَلِكُ إلَيْهِ أمَرَهُ وعَزَلَ قِطْفِيرَ، ثُمَّ ماتَ بَعْدُ، فَزَوَّجَهُ المَلِكُ امْرَأتَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها قالَ: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا طَلَبْتِ ؟ فَوَجَدَها عَذْراءَ، لِأنَّ العَزِيزَ كانَ لا يَطَأُ، فَوَلَدَتْ لَهُ ولَدَيْنِ: أفْراثِيمَ، ومَنشا، وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ، وأحَبَّهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وأسْلَمَ عَلى يَدِهِ المَلِكُ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ بِالدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ في السَّنَّةِ الأُولى حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهم شَيْءٌ مِنها، ثُمَّ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ، ثُمَّ بِالدَّوابِّ، ثُمَّ بِالضَّياعِ والعَقارِ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ، ثُمَّ اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا فَقالُوا: واللَّهِ ما رَأيْنا كاليَوْمِ مَلِكًا أجَلَّ ولا أعْظَمَ مِنهُ فَقالَ لِلْمَلِكِ: كَيْفَ رَأيْتَ صُنْعَ اللَّهِ بِي فِيما خَوَّلَنِي، فَما تَرى ؟ قالَ: الرَّأْيُ رَأْيُكَ قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكَ أنِّي أعْتَقْتُ أهْلَ مِصْرَ عَنْ آخِرِهِمْ، ورَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أمْلاكَهم، وكانَ لا يَبِيعُ مِن أحَدٍ مِنَ المُمْتارِينَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ تَقْسِيطًا بَيْنَ النّاسِ، وأصابَ أرْضَ كَنْعانَ وبِلادَ الشّامِ نَحْوَ ما أصابَ مِصْرَ، فَأرْسَلَ يَعْقُوبُ بَنِيهِ لِيَمْتارُوا، واحْتَبَسَ بِنْيامِينَ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ: بِخِلافٍ عَنْهم أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ: (حَيْثُ نَشاءُ) بِالنُّونِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ، والظّاهِرُ أنَّ قِراءَةَ الياءِ يَكُونُ فاعِلُ (نَشاءُ) ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى يُوسُفَ، ومَشِيئَتُهُ مَعْذُوقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إذْ هو نَبِيُّهُ ورَسُولُهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى اللَّهِ؛ أيْ: حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ، فَيَكُونُ التِفاتًا ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا﴾ أيْ: بِنِعْمَتِنا مِنَ المُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما، ولا نُضِيعُ في الدُّنْيا أجْرَ مَن أحْسَنَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ أجْرَ الآخِرَةِ خَيْرٌ؛ لِأنَّهُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَفْنى، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المُؤْمِنُ يُثابُ عَلى حَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والفاجِرُ يُعَجَّلُ لَهُ الخَيْرُ في الدُّنْيا، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وفي الحَدِيثِ ما يُوافِقُ ما قالَ سُفْيانُ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حالَ يُوسُفَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن حالَتِهِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا.
يوسف 12:55
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
(p-٣١٩)رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَهُ فَقالَ: أجِبِ المَلِكَ، فَخَرَجَ مِنَ السِّجْنِ ودَعا لِأهْلِهِ: اللَّهُمَّ عَطِّفَ عَلَيْهِمْ قُلُوبَ الأخْيارِ، ولا تُعْمِ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ، فَهم أعْلَمُ النّاسِ بِالأخْبارِ في الواقِعاتِ، وكَتَبَ عَلى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنازِلُ البَلْوى، وقُبُورُ الأحْياءِ، وشَماتَةُ الأعْداءِ، وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ مِن دَرَنِ السِّجْنِ، ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا، فَلَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِخَيْرِكَ مِن خَيْرِهِ، وأعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِن شَرِّهِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ فَقالَ: ما هَذا اللِّسانُ ؟ فَقالَ: لِسانُ آبائِي، وكانَ المَلِكُ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسانًا فَكَلَّمَهُ بِها، فَأجابَهُ بِجَمِيعِها، فَتَعَجَّبَ مِنهُ وقالَ: أيُّها الصِّدِّيقُ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ قالَ: رَأيْتَ بَقَراتٍ سِمانًا فَوَصَفَ لَوْنَهُنَّ وأحْوالَهُنَّ، وما كانَ خُرُوجَهُنَّ، ووَصَفَ السَّنابِلَ وما كانَ مِنها عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي رَآها المَلِكُ لا يَخْرِمُ مِنها حَرْفًا، وقالَ لَهُ: مِن حِفْظِكَ أنْ تَجْعَلَ الطَّعامَ في الأهْراءِ فَيَأْتِيكَ الخَلْقُ مِنَ النَّواحِي يَمْتارُونَ مِنكَ، ويَجْتَمِعُ لَكَ مِنَ المَكْنُونِ ما لَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ قَبْلَكَ، وكانَ يُوسُفُ قَصَدَ أوَّلًا بِتَثَبُّتِهِ في السِّجْنِ أنْ يَرْتَقِيَ إلى أعْلى المَنازِلِ، فَكانَ اسْتِدْعاءُ المَلِكِ إيّاهُ أوَّلًا بِسَبَبِ عِلْمِ الرُّؤْيا، فَلِذَلِكَ قالَ: ائْتُونِي بِهِ فَقَطْ، فَلَمّا فَعَلَ يُوسُفُ ما فَعَلَ فَظَهَرَتْ أمانَتُهُ وصَبْرُهُ وهِمَّتُهُ وجَوْدَةُ نَظَرِهِ وتَأنِّيهِ في عَدَمِ التَّسَرُّعِ إلَيْهِ بِأوَّلِ طَلَبٍ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ عِنْدَهُ، فَطَلَبَهُ ثانِيًا ومَقْصُودُهُ: اسْتِخْلاصُهُ لِنَفْسِهِ، ومَعْنى (أسْتَخْلِصْهُ) أجْعَلْهُ خالِصًا لِنَفْسِي وخاصًّا بِي، وسَمّى اللَّهُ فِرْعَوْنَ مِصْرَ مَلِكًا إذْ هي حِكايَةُ اسْمٍ مَضى حُكْمُهُ وتَصَرَّمَ زَمَنُهُ، فَلَوْ كانَ حَيًّا لَكانَ حُكْمًا لَهُ إذا قِيلَ لِكافِرٍ مَلِكٌ أوْ أمِيرٌ، ولِهَذا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ ولَمْ يَقُلْ مَلِكًا ولا أمْيِرًا، لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ، والجَوابُ مُسَلَّمٌ وتَسَلَّمُوا، وأمّا كَوْنُهُ عَظِيمَهم فَتِلْكَ صِفَةٌ لا تُفارِقُهُ كَيْفَ ما تَقَلَّبُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَسَمِعَ المَلِكُ كَلامَ النِّسْوَةِ وبَراءَةَ يُوسُفَ مِمّا رُمِيَ بِهِ، فَأرادَ رُؤْيَتَهُ وقالَ: ائْتُونِي بِهِ فَأتاهُ، فَلَمّا كَلَّمَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِـ (كَلَّمَهُ) هو ضَمِيرُ المَلِكِ أيْ: فَلَمّا كَلَّمَهُ المَلِكُ ورَأى حُسْنَ جَوابِهِ ومُحاوَرَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ يُوسُفَ؛ أيْ: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ، ورَأى المَلِكُ حُسْنَ مَنطِقِهِ بِما صَدَّقَ بِهِ الخَبَرُ الخَبَرَ، والمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ، قالَ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ أيْ: ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلَةٍ (أمِينٌ) مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: أمِينٌ آمِينَ، والوَصْفُ بِالأمانَةِ هو الأبْلَغُ في الإكْرامِ، وبِالأمْنِ يَحُطُّ مِن إكْرامِ يُوسُفَ، ولَمّا وصَفَهُ المَلِكُ بِالتَّمَكُّنِ عِنْدَهُ والأمانَةِ، طَلَبَ مِنَ الأعْمالِ ما يُناسِبُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فَقالَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ: ولِّنِي خَزائِنَ أرْضِكَ إنِّي حَفِيظٌ أحْفَظُ ما تَسْتَحْفِظُهُ، عَلِيمٌ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ، وصَفَ نَفْسَهُ بِالأمانَةِ والكَفاءَةِ وهُما مَقْصُودُ المُلُوكِ مِمَّنْ يُوَلُّونَهُ، إذْ هُما يَعُمّانِ وُجُوهَ التَّثْقِيفِ والحِياطَةِ، ولا خَلَلَ مَعَهُما لِقائِلٍ، وقِيلَ: حَفِيظٌ لِلْحِسابِ، عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، وقِيلَ: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي، عَلِيمٌ بِسِنِي الجُوعِ، وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ، ودَلَّ إثْناءُ يُوسُفَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يُثْنِيَ عَلى نَفْسِهِ بِالحَقِّ إذا جَهُلَ أمْرُهُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ التَّزْكِيَةَ المَنهِيَّ عَنْها، وعَلى جَوازِ عَمَلِ الرَّجُلِ الصّالِحِ لِلرَّجُلِ التّاجِرِ بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ والعَدْلُ، لا بِما يَخْتارُهُ ويَشْتَهِيهِ مِمّا لا يُسِيغُهُ الشَّرْعُ، وإنَّما طَلَبَ يُوسُفُ هَذِهِ الوِلايَةَ لِيَتَوَصَّلَ إلى إمْضاءِ حُكْمِ اللَّهِ، وإقامَةِ الحَقِّ، وبَسْطِ العَدْلِ، والتَّمَكُّنِ مِمّا لِأجْلِهِ تُبْعَثُ الأنْبِياءُ إلى العِبادِ، ولِعِلْمِهِ أنَّ غَيْرَهُ لا يَقُومُ مَقامَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ كانَ المَلِكُ قَدْ أسْلَمَ كَما رَوى مُجاهِدٌ فَلا كَلامَ، وإنْ كانَ كافِرًا ولا سَبِيلَ إلى الحُكْمِ بِأمْرِ اللَّهِ ودَفْعِ الظُّلْمِ إلّا بِتَمْكِينِهِ، فَلِلْمُتَوَلِّي أنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِ. وقِيلَ: كانَ المَلِكُ يُصْدِرُ عَنْ رَأْيِ يُوسُفَ ولا (p-٣٢٠)يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ في كُلِّ ما رَأى، فَكانَ في حُكْمِ التّابِعِ، وما زالَ قُضاةُ الإسْلامِ يَتَوَلَّوْنَ القَضاءَ مِن جِهَةِ مَن لَيْسَ بِصالِحٍ، ولَوْلا ذَلِكَ لَبَطَلَتْ أحْكامُ الشَّرْعِ، فَهم مُثابُونَ عَلى ذَلِكَ إذا عَدَلُوا، و(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ في نَفْسِ المَلِكِ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في أرْضِ مِصْرَ.
﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أيْ: يَتَّخِذُ مِنها مَباءَةً ومَنزِلًا كُلَّ مَكانٍ أرادَ، فاسْتَوْلى عَلى جَمِيعِها، ودَخَلَتْ تَحْتَ سُلْطانِهِ، رُوِيَ أنَّ المَلِكَ تَوَجَّهَ بِتاجِهِ، وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ، ورَداهُ بِسَيْفِهِ، ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ، فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، وفَوَّضَ المَلِكُ إلَيْهِ أمَرَهُ وعَزَلَ قِطْفِيرَ، ثُمَّ ماتَ بَعْدُ، فَزَوَّجَهُ المَلِكُ امْرَأتَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها قالَ: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا طَلَبْتِ ؟ فَوَجَدَها عَذْراءَ، لِأنَّ العَزِيزَ كانَ لا يَطَأُ، فَوَلَدَتْ لَهُ ولَدَيْنِ: أفْراثِيمَ، ومَنشا، وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ، وأحَبَّهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وأسْلَمَ عَلى يَدِهِ المَلِكُ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ بِالدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ في السَّنَّةِ الأُولى حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهم شَيْءٌ مِنها، ثُمَّ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ، ثُمَّ بِالدَّوابِّ، ثُمَّ بِالضَّياعِ والعَقارِ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ، ثُمَّ اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا فَقالُوا: واللَّهِ ما رَأيْنا كاليَوْمِ مَلِكًا أجَلَّ ولا أعْظَمَ مِنهُ فَقالَ لِلْمَلِكِ: كَيْفَ رَأيْتَ صُنْعَ اللَّهِ بِي فِيما خَوَّلَنِي، فَما تَرى ؟ قالَ: الرَّأْيُ رَأْيُكَ قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكَ أنِّي أعْتَقْتُ أهْلَ مِصْرَ عَنْ آخِرِهِمْ، ورَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أمْلاكَهم، وكانَ لا يَبِيعُ مِن أحَدٍ مِنَ المُمْتارِينَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ تَقْسِيطًا بَيْنَ النّاسِ، وأصابَ أرْضَ كَنْعانَ وبِلادَ الشّامِ نَحْوَ ما أصابَ مِصْرَ، فَأرْسَلَ يَعْقُوبُ بَنِيهِ لِيَمْتارُوا، واحْتَبَسَ بِنْيامِينَ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ: بِخِلافٍ عَنْهم أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ: (حَيْثُ نَشاءُ) بِالنُّونِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ، والظّاهِرُ أنَّ قِراءَةَ الياءِ يَكُونُ فاعِلُ (نَشاءُ) ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى يُوسُفَ، ومَشِيئَتُهُ مَعْذُوقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إذْ هو نَبِيُّهُ ورَسُولُهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى اللَّهِ؛ أيْ: حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ، فَيَكُونُ التِفاتًا ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا﴾ أيْ: بِنِعْمَتِنا مِنَ المُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما، ولا نُضِيعُ في الدُّنْيا أجْرَ مَن أحْسَنَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ أجْرَ الآخِرَةِ خَيْرٌ؛ لِأنَّهُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَفْنى، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المُؤْمِنُ يُثابُ عَلى حَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والفاجِرُ يُعَجَّلُ لَهُ الخَيْرُ في الدُّنْيا، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وفي الحَدِيثِ ما يُوافِقُ ما قالَ سُفْيانُ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حالَ يُوسُفَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن حالَتِهِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا.
يوسف 12:56
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
(p-٣١٩)رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَهُ فَقالَ: أجِبِ المَلِكَ، فَخَرَجَ مِنَ السِّجْنِ ودَعا لِأهْلِهِ: اللَّهُمَّ عَطِّفَ عَلَيْهِمْ قُلُوبَ الأخْيارِ، ولا تُعْمِ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ، فَهم أعْلَمُ النّاسِ بِالأخْبارِ في الواقِعاتِ، وكَتَبَ عَلى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنازِلُ البَلْوى، وقُبُورُ الأحْياءِ، وشَماتَةُ الأعْداءِ، وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ مِن دَرَنِ السِّجْنِ، ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا، فَلَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِخَيْرِكَ مِن خَيْرِهِ، وأعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِن شَرِّهِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ فَقالَ: ما هَذا اللِّسانُ ؟ فَقالَ: لِسانُ آبائِي، وكانَ المَلِكُ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسانًا فَكَلَّمَهُ بِها، فَأجابَهُ بِجَمِيعِها، فَتَعَجَّبَ مِنهُ وقالَ: أيُّها الصِّدِّيقُ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ قالَ: رَأيْتَ بَقَراتٍ سِمانًا فَوَصَفَ لَوْنَهُنَّ وأحْوالَهُنَّ، وما كانَ خُرُوجَهُنَّ، ووَصَفَ السَّنابِلَ وما كانَ مِنها عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي رَآها المَلِكُ لا يَخْرِمُ مِنها حَرْفًا، وقالَ لَهُ: مِن حِفْظِكَ أنْ تَجْعَلَ الطَّعامَ في الأهْراءِ فَيَأْتِيكَ الخَلْقُ مِنَ النَّواحِي يَمْتارُونَ مِنكَ، ويَجْتَمِعُ لَكَ مِنَ المَكْنُونِ ما لَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ قَبْلَكَ، وكانَ يُوسُفُ قَصَدَ أوَّلًا بِتَثَبُّتِهِ في السِّجْنِ أنْ يَرْتَقِيَ إلى أعْلى المَنازِلِ، فَكانَ اسْتِدْعاءُ المَلِكِ إيّاهُ أوَّلًا بِسَبَبِ عِلْمِ الرُّؤْيا، فَلِذَلِكَ قالَ: ائْتُونِي بِهِ فَقَطْ، فَلَمّا فَعَلَ يُوسُفُ ما فَعَلَ فَظَهَرَتْ أمانَتُهُ وصَبْرُهُ وهِمَّتُهُ وجَوْدَةُ نَظَرِهِ وتَأنِّيهِ في عَدَمِ التَّسَرُّعِ إلَيْهِ بِأوَّلِ طَلَبٍ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ عِنْدَهُ، فَطَلَبَهُ ثانِيًا ومَقْصُودُهُ: اسْتِخْلاصُهُ لِنَفْسِهِ، ومَعْنى (أسْتَخْلِصْهُ) أجْعَلْهُ خالِصًا لِنَفْسِي وخاصًّا بِي، وسَمّى اللَّهُ فِرْعَوْنَ مِصْرَ مَلِكًا إذْ هي حِكايَةُ اسْمٍ مَضى حُكْمُهُ وتَصَرَّمَ زَمَنُهُ، فَلَوْ كانَ حَيًّا لَكانَ حُكْمًا لَهُ إذا قِيلَ لِكافِرٍ مَلِكٌ أوْ أمِيرٌ، ولِهَذا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ ولَمْ يَقُلْ مَلِكًا ولا أمْيِرًا، لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ، والجَوابُ مُسَلَّمٌ وتَسَلَّمُوا، وأمّا كَوْنُهُ عَظِيمَهم فَتِلْكَ صِفَةٌ لا تُفارِقُهُ كَيْفَ ما تَقَلَّبُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَسَمِعَ المَلِكُ كَلامَ النِّسْوَةِ وبَراءَةَ يُوسُفَ مِمّا رُمِيَ بِهِ، فَأرادَ رُؤْيَتَهُ وقالَ: ائْتُونِي بِهِ فَأتاهُ، فَلَمّا كَلَّمَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِـ (كَلَّمَهُ) هو ضَمِيرُ المَلِكِ أيْ: فَلَمّا كَلَّمَهُ المَلِكُ ورَأى حُسْنَ جَوابِهِ ومُحاوَرَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ يُوسُفَ؛ أيْ: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ، ورَأى المَلِكُ حُسْنَ مَنطِقِهِ بِما صَدَّقَ بِهِ الخَبَرُ الخَبَرَ، والمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ، قالَ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ أيْ: ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلَةٍ (أمِينٌ) مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: أمِينٌ آمِينَ، والوَصْفُ بِالأمانَةِ هو الأبْلَغُ في الإكْرامِ، وبِالأمْنِ يَحُطُّ مِن إكْرامِ يُوسُفَ، ولَمّا وصَفَهُ المَلِكُ بِالتَّمَكُّنِ عِنْدَهُ والأمانَةِ، طَلَبَ مِنَ الأعْمالِ ما يُناسِبُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فَقالَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ: ولِّنِي خَزائِنَ أرْضِكَ إنِّي حَفِيظٌ أحْفَظُ ما تَسْتَحْفِظُهُ، عَلِيمٌ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ، وصَفَ نَفْسَهُ بِالأمانَةِ والكَفاءَةِ وهُما مَقْصُودُ المُلُوكِ مِمَّنْ يُوَلُّونَهُ، إذْ هُما يَعُمّانِ وُجُوهَ التَّثْقِيفِ والحِياطَةِ، ولا خَلَلَ مَعَهُما لِقائِلٍ، وقِيلَ: حَفِيظٌ لِلْحِسابِ، عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، وقِيلَ: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي، عَلِيمٌ بِسِنِي الجُوعِ، وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ، ودَلَّ إثْناءُ يُوسُفَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يُثْنِيَ عَلى نَفْسِهِ بِالحَقِّ إذا جَهُلَ أمْرُهُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ التَّزْكِيَةَ المَنهِيَّ عَنْها، وعَلى جَوازِ عَمَلِ الرَّجُلِ الصّالِحِ لِلرَّجُلِ التّاجِرِ بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ والعَدْلُ، لا بِما يَخْتارُهُ ويَشْتَهِيهِ مِمّا لا يُسِيغُهُ الشَّرْعُ، وإنَّما طَلَبَ يُوسُفُ هَذِهِ الوِلايَةَ لِيَتَوَصَّلَ إلى إمْضاءِ حُكْمِ اللَّهِ، وإقامَةِ الحَقِّ، وبَسْطِ العَدْلِ، والتَّمَكُّنِ مِمّا لِأجْلِهِ تُبْعَثُ الأنْبِياءُ إلى العِبادِ، ولِعِلْمِهِ أنَّ غَيْرَهُ لا يَقُومُ مَقامَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ كانَ المَلِكُ قَدْ أسْلَمَ كَما رَوى مُجاهِدٌ فَلا كَلامَ، وإنْ كانَ كافِرًا ولا سَبِيلَ إلى الحُكْمِ بِأمْرِ اللَّهِ ودَفْعِ الظُّلْمِ إلّا بِتَمْكِينِهِ، فَلِلْمُتَوَلِّي أنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِ. وقِيلَ: كانَ المَلِكُ يُصْدِرُ عَنْ رَأْيِ يُوسُفَ ولا (p-٣٢٠)يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ في كُلِّ ما رَأى، فَكانَ في حُكْمِ التّابِعِ، وما زالَ قُضاةُ الإسْلامِ يَتَوَلَّوْنَ القَضاءَ مِن جِهَةِ مَن لَيْسَ بِصالِحٍ، ولَوْلا ذَلِكَ لَبَطَلَتْ أحْكامُ الشَّرْعِ، فَهم مُثابُونَ عَلى ذَلِكَ إذا عَدَلُوا، و(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ في نَفْسِ المَلِكِ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في أرْضِ مِصْرَ.
﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أيْ: يَتَّخِذُ مِنها مَباءَةً ومَنزِلًا كُلَّ مَكانٍ أرادَ، فاسْتَوْلى عَلى جَمِيعِها، ودَخَلَتْ تَحْتَ سُلْطانِهِ، رُوِيَ أنَّ المَلِكَ تَوَجَّهَ بِتاجِهِ، وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ، ورَداهُ بِسَيْفِهِ، ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ، فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، وفَوَّضَ المَلِكُ إلَيْهِ أمَرَهُ وعَزَلَ قِطْفِيرَ، ثُمَّ ماتَ بَعْدُ، فَزَوَّجَهُ المَلِكُ امْرَأتَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها قالَ: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا طَلَبْتِ ؟ فَوَجَدَها عَذْراءَ، لِأنَّ العَزِيزَ كانَ لا يَطَأُ، فَوَلَدَتْ لَهُ ولَدَيْنِ: أفْراثِيمَ، ومَنشا، وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ، وأحَبَّهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وأسْلَمَ عَلى يَدِهِ المَلِكُ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ بِالدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ في السَّنَّةِ الأُولى حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهم شَيْءٌ مِنها، ثُمَّ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ، ثُمَّ بِالدَّوابِّ، ثُمَّ بِالضَّياعِ والعَقارِ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ، ثُمَّ اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا فَقالُوا: واللَّهِ ما رَأيْنا كاليَوْمِ مَلِكًا أجَلَّ ولا أعْظَمَ مِنهُ فَقالَ لِلْمَلِكِ: كَيْفَ رَأيْتَ صُنْعَ اللَّهِ بِي فِيما خَوَّلَنِي، فَما تَرى ؟ قالَ: الرَّأْيُ رَأْيُكَ قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكَ أنِّي أعْتَقْتُ أهْلَ مِصْرَ عَنْ آخِرِهِمْ، ورَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أمْلاكَهم، وكانَ لا يَبِيعُ مِن أحَدٍ مِنَ المُمْتارِينَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ تَقْسِيطًا بَيْنَ النّاسِ، وأصابَ أرْضَ كَنْعانَ وبِلادَ الشّامِ نَحْوَ ما أصابَ مِصْرَ، فَأرْسَلَ يَعْقُوبُ بَنِيهِ لِيَمْتارُوا، واحْتَبَسَ بِنْيامِينَ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ: بِخِلافٍ عَنْهم أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ: (حَيْثُ نَشاءُ) بِالنُّونِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ، والظّاهِرُ أنَّ قِراءَةَ الياءِ يَكُونُ فاعِلُ (نَشاءُ) ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى يُوسُفَ، ومَشِيئَتُهُ مَعْذُوقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إذْ هو نَبِيُّهُ ورَسُولُهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى اللَّهِ؛ أيْ: حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ، فَيَكُونُ التِفاتًا ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا﴾ أيْ: بِنِعْمَتِنا مِنَ المُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما، ولا نُضِيعُ في الدُّنْيا أجْرَ مَن أحْسَنَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ أجْرَ الآخِرَةِ خَيْرٌ؛ لِأنَّهُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَفْنى، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المُؤْمِنُ يُثابُ عَلى حَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والفاجِرُ يُعَجَّلُ لَهُ الخَيْرُ في الدُّنْيا، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وفي الحَدِيثِ ما يُوافِقُ ما قالَ سُفْيانُ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حالَ يُوسُفَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن حالَتِهِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا.
يوسف 12:57
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
(p-٣١٩)رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَهُ فَقالَ: أجِبِ المَلِكَ، فَخَرَجَ مِنَ السِّجْنِ ودَعا لِأهْلِهِ: اللَّهُمَّ عَطِّفَ عَلَيْهِمْ قُلُوبَ الأخْيارِ، ولا تُعْمِ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ، فَهم أعْلَمُ النّاسِ بِالأخْبارِ في الواقِعاتِ، وكَتَبَ عَلى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنازِلُ البَلْوى، وقُبُورُ الأحْياءِ، وشَماتَةُ الأعْداءِ، وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ مِن دَرَنِ السِّجْنِ، ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا، فَلَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِخَيْرِكَ مِن خَيْرِهِ، وأعُوذُ بِعِزَّتِكَ وقُدْرَتِكَ مِن شَرِّهِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ فَقالَ: ما هَذا اللِّسانُ ؟ فَقالَ: لِسانُ آبائِي، وكانَ المَلِكُ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسانًا فَكَلَّمَهُ بِها، فَأجابَهُ بِجَمِيعِها، فَتَعَجَّبَ مِنهُ وقالَ: أيُّها الصِّدِّيقُ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ قالَ: رَأيْتَ بَقَراتٍ سِمانًا فَوَصَفَ لَوْنَهُنَّ وأحْوالَهُنَّ، وما كانَ خُرُوجَهُنَّ، ووَصَفَ السَّنابِلَ وما كانَ مِنها عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي رَآها المَلِكُ لا يَخْرِمُ مِنها حَرْفًا، وقالَ لَهُ: مِن حِفْظِكَ أنْ تَجْعَلَ الطَّعامَ في الأهْراءِ فَيَأْتِيكَ الخَلْقُ مِنَ النَّواحِي يَمْتارُونَ مِنكَ، ويَجْتَمِعُ لَكَ مِنَ المَكْنُونِ ما لَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ قَبْلَكَ، وكانَ يُوسُفُ قَصَدَ أوَّلًا بِتَثَبُّتِهِ في السِّجْنِ أنْ يَرْتَقِيَ إلى أعْلى المَنازِلِ، فَكانَ اسْتِدْعاءُ المَلِكِ إيّاهُ أوَّلًا بِسَبَبِ عِلْمِ الرُّؤْيا، فَلِذَلِكَ قالَ: ائْتُونِي بِهِ فَقَطْ، فَلَمّا فَعَلَ يُوسُفُ ما فَعَلَ فَظَهَرَتْ أمانَتُهُ وصَبْرُهُ وهِمَّتُهُ وجَوْدَةُ نَظَرِهِ وتَأنِّيهِ في عَدَمِ التَّسَرُّعِ إلَيْهِ بِأوَّلِ طَلَبٍ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ عِنْدَهُ، فَطَلَبَهُ ثانِيًا ومَقْصُودُهُ: اسْتِخْلاصُهُ لِنَفْسِهِ، ومَعْنى (أسْتَخْلِصْهُ) أجْعَلْهُ خالِصًا لِنَفْسِي وخاصًّا بِي، وسَمّى اللَّهُ فِرْعَوْنَ مِصْرَ مَلِكًا إذْ هي حِكايَةُ اسْمٍ مَضى حُكْمُهُ وتَصَرَّمَ زَمَنُهُ، فَلَوْ كانَ حَيًّا لَكانَ حُكْمًا لَهُ إذا قِيلَ لِكافِرٍ مَلِكٌ أوْ أمِيرٌ، ولِهَذا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ ولَمْ يَقُلْ مَلِكًا ولا أمْيِرًا، لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ، والجَوابُ مُسَلَّمٌ وتَسَلَّمُوا، وأمّا كَوْنُهُ عَظِيمَهم فَتِلْكَ صِفَةٌ لا تُفارِقُهُ كَيْفَ ما تَقَلَّبُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: فَسَمِعَ المَلِكُ كَلامَ النِّسْوَةِ وبَراءَةَ يُوسُفَ مِمّا رُمِيَ بِهِ، فَأرادَ رُؤْيَتَهُ وقالَ: ائْتُونِي بِهِ فَأتاهُ، فَلَمّا كَلَّمَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِـ (كَلَّمَهُ) هو ضَمِيرُ المَلِكِ أيْ: فَلَمّا كَلَّمَهُ المَلِكُ ورَأى حُسْنَ جَوابِهِ ومُحاوَرَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ يُوسُفَ؛ أيْ: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ، ورَأى المَلِكُ حُسْنَ مَنطِقِهِ بِما صَدَّقَ بِهِ الخَبَرُ الخَبَرَ، والمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ، قالَ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ أيْ: ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلَةٍ (أمِينٌ) مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: أمِينٌ آمِينَ، والوَصْفُ بِالأمانَةِ هو الأبْلَغُ في الإكْرامِ، وبِالأمْنِ يَحُطُّ مِن إكْرامِ يُوسُفَ، ولَمّا وصَفَهُ المَلِكُ بِالتَّمَكُّنِ عِنْدَهُ والأمانَةِ، طَلَبَ مِنَ الأعْمالِ ما يُناسِبُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ فَقالَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ: ولِّنِي خَزائِنَ أرْضِكَ إنِّي حَفِيظٌ أحْفَظُ ما تَسْتَحْفِظُهُ، عَلِيمٌ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ، وصَفَ نَفْسَهُ بِالأمانَةِ والكَفاءَةِ وهُما مَقْصُودُ المُلُوكِ مِمَّنْ يُوَلُّونَهُ، إذْ هُما يَعُمّانِ وُجُوهَ التَّثْقِيفِ والحِياطَةِ، ولا خَلَلَ مَعَهُما لِقائِلٍ، وقِيلَ: حَفِيظٌ لِلْحِسابِ، عَلِيمٌ بِالألْسُنِ، وقِيلَ: حَفِيظٌ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي، عَلِيمٌ بِسِنِي الجُوعِ، وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ، ودَلَّ إثْناءُ يُوسُفَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يُثْنِيَ عَلى نَفْسِهِ بِالحَقِّ إذا جَهُلَ أمْرُهُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ التَّزْكِيَةَ المَنهِيَّ عَنْها، وعَلى جَوازِ عَمَلِ الرَّجُلِ الصّالِحِ لِلرَّجُلِ التّاجِرِ بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ والعَدْلُ، لا بِما يَخْتارُهُ ويَشْتَهِيهِ مِمّا لا يُسِيغُهُ الشَّرْعُ، وإنَّما طَلَبَ يُوسُفُ هَذِهِ الوِلايَةَ لِيَتَوَصَّلَ إلى إمْضاءِ حُكْمِ اللَّهِ، وإقامَةِ الحَقِّ، وبَسْطِ العَدْلِ، والتَّمَكُّنِ مِمّا لِأجْلِهِ تُبْعَثُ الأنْبِياءُ إلى العِبادِ، ولِعِلْمِهِ أنَّ غَيْرَهُ لا يَقُومُ مَقامَهُ في ذَلِكَ، فَإنْ كانَ المَلِكُ قَدْ أسْلَمَ كَما رَوى مُجاهِدٌ فَلا كَلامَ، وإنْ كانَ كافِرًا ولا سَبِيلَ إلى الحُكْمِ بِأمْرِ اللَّهِ ودَفْعِ الظُّلْمِ إلّا بِتَمْكِينِهِ، فَلِلْمُتَوَلِّي أنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِ. وقِيلَ: كانَ المَلِكُ يُصْدِرُ عَنْ رَأْيِ يُوسُفَ ولا (p-٣٢٠)يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ في كُلِّ ما رَأى، فَكانَ في حُكْمِ التّابِعِ، وما زالَ قُضاةُ الإسْلامِ يَتَوَلَّوْنَ القَضاءَ مِن جِهَةِ مَن لَيْسَ بِصالِحٍ، ولَوْلا ذَلِكَ لَبَطَلَتْ أحْكامُ الشَّرْعِ، فَهم مُثابُونَ عَلى ذَلِكَ إذا عَدَلُوا، و(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ في نَفْسِ المَلِكِ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في أرْضِ مِصْرَ.
﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أيْ: يَتَّخِذُ مِنها مَباءَةً ومَنزِلًا كُلَّ مَكانٍ أرادَ، فاسْتَوْلى عَلى جَمِيعِها، ودَخَلَتْ تَحْتَ سُلْطانِهِ، رُوِيَ أنَّ المَلِكَ تَوَجَّهَ بِتاجِهِ، وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ، ورَداهُ بِسَيْفِهِ، ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ، فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، وفَوَّضَ المَلِكُ إلَيْهِ أمَرَهُ وعَزَلَ قِطْفِيرَ، ثُمَّ ماتَ بَعْدُ، فَزَوَّجَهُ المَلِكُ امْرَأتَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها قالَ: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا طَلَبْتِ ؟ فَوَجَدَها عَذْراءَ، لِأنَّ العَزِيزَ كانَ لا يَطَأُ، فَوَلَدَتْ لَهُ ولَدَيْنِ: أفْراثِيمَ، ومَنشا، وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ، وأحَبَّهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وأسْلَمَ عَلى يَدِهِ المَلِكُ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ بِالدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ في السَّنَّةِ الأُولى حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهم شَيْءٌ مِنها، ثُمَّ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ، ثُمَّ بِالدَّوابِّ، ثُمَّ بِالضَّياعِ والعَقارِ، ثُمَّ بِرِقابِهِمْ، ثُمَّ اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا فَقالُوا: واللَّهِ ما رَأيْنا كاليَوْمِ مَلِكًا أجَلَّ ولا أعْظَمَ مِنهُ فَقالَ لِلْمَلِكِ: كَيْفَ رَأيْتَ صُنْعَ اللَّهِ بِي فِيما خَوَّلَنِي، فَما تَرى ؟ قالَ: الرَّأْيُ رَأْيُكَ قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكَ أنِّي أعْتَقْتُ أهْلَ مِصْرَ عَنْ آخِرِهِمْ، ورَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أمْلاكَهم، وكانَ لا يَبِيعُ مِن أحَدٍ مِنَ المُمْتارِينَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ تَقْسِيطًا بَيْنَ النّاسِ، وأصابَ أرْضَ كَنْعانَ وبِلادَ الشّامِ نَحْوَ ما أصابَ مِصْرَ، فَأرْسَلَ يَعْقُوبُ بَنِيهِ لِيَمْتارُوا، واحْتَبَسَ بِنْيامِينَ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ: بِخِلافٍ عَنْهم أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ: (حَيْثُ نَشاءُ) بِالنُّونِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ، والظّاهِرُ أنَّ قِراءَةَ الياءِ يَكُونُ فاعِلُ (نَشاءُ) ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى يُوسُفَ، ومَشِيئَتُهُ مَعْذُوقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إذْ هو نَبِيُّهُ ورَسُولُهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى اللَّهِ؛ أيْ: حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ، فَيَكُونُ التِفاتًا ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا﴾ أيْ: بِنِعْمَتِنا مِنَ المُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما، ولا نُضِيعُ في الدُّنْيا أجْرَ مَن أحْسَنَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ أجْرَ الآخِرَةِ خَيْرٌ؛ لِأنَّهُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَفْنى، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المُؤْمِنُ يُثابُ عَلى حَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والفاجِرُ يُعَجَّلُ لَهُ الخَيْرُ في الدُّنْيا، وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وفي الحَدِيثِ ما يُوافِقُ ما قالَ سُفْيانُ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ حالَ يُوسُفَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن حالَتِهِ العَظِيمَةِ في الدُّنْيا.
يوسف 12:58
﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
(p-٣٢١)أيْ: جاءُوا مِنَ القُرَياتِ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ بِأرْضِ الشّامِ، وقِيلَ: مِنَ الأوْلاجِ مِن ناحِيَةِ الشِّعْبِ إلى مِصْرَ لِيَمْتارُوا مِنها، فَتَوَصَّلُوا إلى يُوسُفَ لِلْمِيرَةِ، فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم وهم رِجالٌ، ورَأى زِيَّهم قَرِيبًا مِن زِيِّهِمْ إذْ ذاكَ، ولِأنَّ هِمَّتَهُ كانَتْ مَعْمُورَةً بِهِمْ وبِمَعْرِفَتِهِمْ، فَكانَ يَتَأمَّلُ ويَتَفَطَّنُ، ورُوِيَ أنَّهُمُ انْتَسَبُوا في الِاسْتِئْذانِ عَلَيْهِ فَعَرَفَهم، وأمَرَ بِإنْزالِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا لَهُ، وإنْكارُهم إيّاهُ كانَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِطُولِ العَهْدِ ومُفارَقَتِهِ إيّاهم في سِنِّ الحَداثَةِ، ولِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ، ولِذَهابِهِ عَنْ أوْهامِهِمْ لِقِلَّةِ فِكْرِهِمْ فِيهِ، ولِبُعْدِ حالِهِ الَّتِي بَلَغَها مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ عَنْ حالَتِهِ الَّتِي فارَقُوهُ عَلَيْها طَرِيحًا في البِئْرِ مَشْرِيًّا بِدَراهِمَ مَعْدُودَةٍ، حَتّى لَوْ تَخَيَّلَ لَهم أنَّهُ هو لَكَذَّبُوا أنْفُسَهم، ولِأنَّ المُلْكَ مِمّا يُبَدِّلُ الزِّيَّ ويُلْبِسُ صاحِبَهُ مِنَ التَّهَيُّبِ والِاسْتِعْظامِ ما يُنْكَرُ مِنهُ المَعْرُوفُ، وقِيلَ: رَأوْهُ عَلى زِيِّ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِ ثِيابُ الحَرِيرِ جالِسًا عَلى سَرِيرٍ في عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ، وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ، فَما خَطَرَ لَهم أنَّهُ هو، وقِيلَ: ما رَأوْهُ إلّا مِن بَعِيدٍ بَيْنَهم وبَيْنَهُ مَسافَةٌ وحِجابٌ، وما وقَفُوا إلّا حَيْثُ يَقِفُ طُلّابُ الحَوائِجِ.
ولَمّا جَهَّزَهم بِجِهازِهِمْ، وكانَ الجِهازُ الَّذِي لَهم هو الطَّعامُ الَّذِي امْتارُوهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَدْ كانَ اسْتَوْضَحَ مِنهم أنَّهم لَهم أخٌ قَعَدَ عِنْدَ أبِيهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا عَرَفَهم أرادَ أنْ يُخْبِرُوهُ بِجَمِيعِ أمْرِهِمْ، فَباحَثَهم بِأنْ قالَ لَهم تُرْجُمانُهِ: أظُنُّكم جَواسِيسَ، فاحْتاجُوا إلى التَّعْرِيفِ بِأنْفُسِهِمْ فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ رَجُلٍ صِدِّيقٍ، وكُنّا اثَّنَيْ عَشَرَ، ذَهَبَ مِنّا واحِدٌ في البَرِيَّةِ، وبَقِيَ أصْغَرُنا عِنْدَ أبِينا، وجِئْنا نَحْنُ لِلْمِيرَةِ، وسُقْنا بِعِيرِ الباقِي مِنّا وكانُوا عَشَرَةً ولَهم أحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: ولِمَ تَخَلَّفَ أحَدُكم ؟ قالُوا: لِمَحَبَّةِ أبَيْنا فِيهِ، قالَ: فَأتَوْنِي بِهَذا الأخِ حَتّى أعْلَمَ حَقِيقَةَ قَوْلِكم، وأرى لِمَ أحَبَّهُ أبُوكم أكْثَرَ مِنكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَصَصَ بِألْفاظٍ أُخَرَ تُقارِبُ هَذِهِ في المَعْنى، وفي آخِرِهِ قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم إنَّكم لَسْتُمْ بِعُيُونٍ وأنَّ الَّذِي تَقُولُونَ حَقٌّ ؟ قالُوا: إنّا بِبِلادٍ لا يَعْرِفُنا فِيها أحَدٌ يَشْهَدُ لَنا، قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتُونِي بِأخِيكم مِن أبِيكم وهو حَمْلُ رِسالَةٍ مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم، فاقْتَرَعُوا فَأصابَ القُرْعَةُ شَمْعُونَ، وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا في يُوسُفَ، فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، وكانَ قَدْ أحْسَنَ إنْزالَهم وضِيافَتَهم، وقِيلَ: لَمْ يَرْتَهِنْ أحَدًا.
ورُوِيَ غَيْرُ هَذا في طَلَبِ الأخِ مِن أبِيهِمْ، قِيلَ: كانَ يُوسُفُ مُلَثَّمًا أبَدًا سَتْرًا لِجَمالِهِ، وكانَ يَنْقُرُ في الصُّواعِ فَيُفْهَمُ مِن طَنِينِهِ صِدْقَ الحَدِيثِ أوْ كَذِبَهُ، فَسُئِلُوا عَنْ أخْبارِهِمْ، فَكُلَّما صَدَقُوا قالَ لَهم: صَدَقْتُمْ، فَلَمّا قالُوا: وكانَ لَنا أخٌ أكَلَهُ الذِّئْبُ أطَنَّ يُوسُفُ الصُّواعَ وقالَ: كَذَبْتُمْ، ثُمَّ تَغَيَّرَ لَهم وقالَ: أراكم جَواسِيسَ، وكَلَّفَهم سَوْقَ الأخِ الباقِي لِيَظْهَرَ صِدْقُهم، وقُرِئَ: (بِجِهازِهِمْ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وتَنَكَّرَ أخٌ، ولَمْ يَقُلْ بِأخِيكم وإنْ كانَ قَدْ عَرَّفَهُ، و(عَرَفَهم) مُبالَغَةً في كَوْنِهِ لا يُرِيدُ أنْ يَتَعَرَّفَ لَهم، ولا أنَّهُ يُدْرِي مَن هو، ألا تَرى فَرْقًا بَيْنَ مَرَرْتُ بِغُلامِكَ، ومَرَرْتُ بِغُلامٍ لَكَ ؟ إنَّكَ في التَّعْرِيفِ تَكُونُ عارِفًا بِالغُلامِ، وفي التَّنْكِيرِ أنْتَ جاهِلٌ بِهِ، فالتَّعْرِيفُ يُفِيدُ فَرْعَ عَهْدٍ في الغُلامِ بَيْنَكَ وبَيْنَ المُخاطَبِ، والتَّنْكِيرُ لا عَهْدَ فِيهِ البَتَّةَ، وجائِزٌ أنْ نُخْبِرَ عَمَّنْ تَعْرِفُهُ أخْبارُ النَّكِرَةِ فَتَقُولُ: قالَ رَجُلٌ لَنا وأنْتَ تَعْرِفُهُ لِصِدْقِ إطْلاقِ النَّكِرَةِ عَلى المَعْرِفَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُحَرِّضُهم بِهِ عَلى الإتْيانِ بِأخِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيِ: المُضِيفِينَ ؟ يَعْنِي في قُطْرِهِ وفي زَمانِهِ يُؤْنِسُهم بِذَلِكَ ويَسْتَمِيلُهم، ثُمَّ تَوَعَّدَهم إنْ لَمْ يَأْتُوا بِهِ إلَيْهِ بِحِرْمانِهِمْ مِنَ المِيرَةِ في المُسْتَقْبَلِ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُونِ﴾ أنْ يَكُونَ نَهْيًا، وأنْ يَكُونَ نَفْيًا مُسْتَقِلًّا ومَعْناهُ النَّهْيُ، وحُذِفَتِ النُّونُ وهو مَرْفُوعٌ، كَما حُذِفَتْ في ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ [الحجر: ٥٤] أنْ يَكُونَ نَفْيًا داخِلًا في الجَزاءِ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلٍّ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي، فَيَكُونُ مَجْزُومًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْرُبُونَ لَهُ (p-٣٢٢)بِكَذا ولا طاعَةٍ.
وظاهِرُ كُلِّ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم أنَّهُ بِوَحْيٍ، وإلّا فَإنَّهُ كانَ مُقْتَضى البِرِّ أنْ يُبادِرَ إلى أبِيهِ ويَسْتَدْعِيَهُ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ تَكْمِيلَ أجْرِ يَعْقُوبَ ومِحْنَتِهِ، ولِتَتَفَسَّرَ الرُّؤْيا الأُولى.
قالُوا: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ: سَنُخادِعُهُ ونَسْتَمِيلُهُ في رِفْقٍ إلى أنْ يَتْرُكَهُ يَأْتِيَ مَعَنا إلَيْكَ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الوَعْدَ بِأنَّهم فاعِلُو ذَلِكَ لا مَحالَةَ، لا نُفَرِّطُ فِيهِ ولا نَتَوانى، وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: (لِفِتْيانِهِ)، وباقِي السَّبْعَةِ: (لِفِتْيَتِهِ) فالكَثْرَةُ عَلى مُراعاةِ المَأْمُورِينَ، والقِلَّةُ عَلى مُراعاةِ المُتَأوِّلِينَ، فَهُمُ الخَدَمَةُ الكائِلُونَ أمَرَهم بِجَعْلِ المالِ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ الطَّعامَ في رِحالِهِمْ مُبالِغَةً في اسْتِمالَتِهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ: يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها، وحَقَّ التَّكَرُّمِ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ فَيَرْغَبُونَ فِينا إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وفَرَّغُوا ظُرُوفَهم، و﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ تَعْلِيقٌ بِالجَعْلِ، و﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيقٌ بِتَرَجِّي مَعْرِفَةِ البِضاعَةِ لِلرُّجُوعِ إلى يُوسُفَ، قِيلَ: وكانَتْ بِضاعَتُهُمُ النِّعالَ والأُدُمَ، وقِيلَ: (يَرْجِعُونَ) مُتَعَدٍّ، فالمَعْنى لَعَلَّهم يَرُدُّونَ البِضاعَةَ، وقِيلَ: تَخَوَّفَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ مِنَ المَتاعِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ، وقِيلَ: عَلِمَ أنَّ دِيانَتَهم تَحْمِلُهم عَلى رَدِّ البِضاعَةِ، لا يَسْتَحِلُّونَ إمْساكَها فَيَرْجِعُونَ لِأجْلِها، وقِيلَ: جَعَلَها تَوْطِئَةً لَجَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِ أخِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، لِيَتَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ لِمَن يَتَأمَّلُ القِصَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ مِن صِلَتِهِمْ وجَبْرِهِمْ في تِلْكَ الشِّدَّةِ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، إذْ هو مَلِكٌ عادِلٌ وهم أهْلُ إيمانٍ ونُبُوَّةٍ.
يوسف 12:59
﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
(p-٣٢١)أيْ: جاءُوا مِنَ القُرَياتِ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ بِأرْضِ الشّامِ، وقِيلَ: مِنَ الأوْلاجِ مِن ناحِيَةِ الشِّعْبِ إلى مِصْرَ لِيَمْتارُوا مِنها، فَتَوَصَّلُوا إلى يُوسُفَ لِلْمِيرَةِ، فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم وهم رِجالٌ، ورَأى زِيَّهم قَرِيبًا مِن زِيِّهِمْ إذْ ذاكَ، ولِأنَّ هِمَّتَهُ كانَتْ مَعْمُورَةً بِهِمْ وبِمَعْرِفَتِهِمْ، فَكانَ يَتَأمَّلُ ويَتَفَطَّنُ، ورُوِيَ أنَّهُمُ انْتَسَبُوا في الِاسْتِئْذانِ عَلَيْهِ فَعَرَفَهم، وأمَرَ بِإنْزالِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا لَهُ، وإنْكارُهم إيّاهُ كانَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِطُولِ العَهْدِ ومُفارَقَتِهِ إيّاهم في سِنِّ الحَداثَةِ، ولِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ، ولِذَهابِهِ عَنْ أوْهامِهِمْ لِقِلَّةِ فِكْرِهِمْ فِيهِ، ولِبُعْدِ حالِهِ الَّتِي بَلَغَها مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ عَنْ حالَتِهِ الَّتِي فارَقُوهُ عَلَيْها طَرِيحًا في البِئْرِ مَشْرِيًّا بِدَراهِمَ مَعْدُودَةٍ، حَتّى لَوْ تَخَيَّلَ لَهم أنَّهُ هو لَكَذَّبُوا أنْفُسَهم، ولِأنَّ المُلْكَ مِمّا يُبَدِّلُ الزِّيَّ ويُلْبِسُ صاحِبَهُ مِنَ التَّهَيُّبِ والِاسْتِعْظامِ ما يُنْكَرُ مِنهُ المَعْرُوفُ، وقِيلَ: رَأوْهُ عَلى زِيِّ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِ ثِيابُ الحَرِيرِ جالِسًا عَلى سَرِيرٍ في عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ، وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ، فَما خَطَرَ لَهم أنَّهُ هو، وقِيلَ: ما رَأوْهُ إلّا مِن بَعِيدٍ بَيْنَهم وبَيْنَهُ مَسافَةٌ وحِجابٌ، وما وقَفُوا إلّا حَيْثُ يَقِفُ طُلّابُ الحَوائِجِ.
ولَمّا جَهَّزَهم بِجِهازِهِمْ، وكانَ الجِهازُ الَّذِي لَهم هو الطَّعامُ الَّذِي امْتارُوهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَدْ كانَ اسْتَوْضَحَ مِنهم أنَّهم لَهم أخٌ قَعَدَ عِنْدَ أبِيهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا عَرَفَهم أرادَ أنْ يُخْبِرُوهُ بِجَمِيعِ أمْرِهِمْ، فَباحَثَهم بِأنْ قالَ لَهم تُرْجُمانُهِ: أظُنُّكم جَواسِيسَ، فاحْتاجُوا إلى التَّعْرِيفِ بِأنْفُسِهِمْ فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ رَجُلٍ صِدِّيقٍ، وكُنّا اثَّنَيْ عَشَرَ، ذَهَبَ مِنّا واحِدٌ في البَرِيَّةِ، وبَقِيَ أصْغَرُنا عِنْدَ أبِينا، وجِئْنا نَحْنُ لِلْمِيرَةِ، وسُقْنا بِعِيرِ الباقِي مِنّا وكانُوا عَشَرَةً ولَهم أحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: ولِمَ تَخَلَّفَ أحَدُكم ؟ قالُوا: لِمَحَبَّةِ أبَيْنا فِيهِ، قالَ: فَأتَوْنِي بِهَذا الأخِ حَتّى أعْلَمَ حَقِيقَةَ قَوْلِكم، وأرى لِمَ أحَبَّهُ أبُوكم أكْثَرَ مِنكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَصَصَ بِألْفاظٍ أُخَرَ تُقارِبُ هَذِهِ في المَعْنى، وفي آخِرِهِ قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم إنَّكم لَسْتُمْ بِعُيُونٍ وأنَّ الَّذِي تَقُولُونَ حَقٌّ ؟ قالُوا: إنّا بِبِلادٍ لا يَعْرِفُنا فِيها أحَدٌ يَشْهَدُ لَنا، قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتُونِي بِأخِيكم مِن أبِيكم وهو حَمْلُ رِسالَةٍ مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم، فاقْتَرَعُوا فَأصابَ القُرْعَةُ شَمْعُونَ، وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا في يُوسُفَ، فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، وكانَ قَدْ أحْسَنَ إنْزالَهم وضِيافَتَهم، وقِيلَ: لَمْ يَرْتَهِنْ أحَدًا.
ورُوِيَ غَيْرُ هَذا في طَلَبِ الأخِ مِن أبِيهِمْ، قِيلَ: كانَ يُوسُفُ مُلَثَّمًا أبَدًا سَتْرًا لِجَمالِهِ، وكانَ يَنْقُرُ في الصُّواعِ فَيُفْهَمُ مِن طَنِينِهِ صِدْقَ الحَدِيثِ أوْ كَذِبَهُ، فَسُئِلُوا عَنْ أخْبارِهِمْ، فَكُلَّما صَدَقُوا قالَ لَهم: صَدَقْتُمْ، فَلَمّا قالُوا: وكانَ لَنا أخٌ أكَلَهُ الذِّئْبُ أطَنَّ يُوسُفُ الصُّواعَ وقالَ: كَذَبْتُمْ، ثُمَّ تَغَيَّرَ لَهم وقالَ: أراكم جَواسِيسَ، وكَلَّفَهم سَوْقَ الأخِ الباقِي لِيَظْهَرَ صِدْقُهم، وقُرِئَ: (بِجِهازِهِمْ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وتَنَكَّرَ أخٌ، ولَمْ يَقُلْ بِأخِيكم وإنْ كانَ قَدْ عَرَّفَهُ، و(عَرَفَهم) مُبالَغَةً في كَوْنِهِ لا يُرِيدُ أنْ يَتَعَرَّفَ لَهم، ولا أنَّهُ يُدْرِي مَن هو، ألا تَرى فَرْقًا بَيْنَ مَرَرْتُ بِغُلامِكَ، ومَرَرْتُ بِغُلامٍ لَكَ ؟ إنَّكَ في التَّعْرِيفِ تَكُونُ عارِفًا بِالغُلامِ، وفي التَّنْكِيرِ أنْتَ جاهِلٌ بِهِ، فالتَّعْرِيفُ يُفِيدُ فَرْعَ عَهْدٍ في الغُلامِ بَيْنَكَ وبَيْنَ المُخاطَبِ، والتَّنْكِيرُ لا عَهْدَ فِيهِ البَتَّةَ، وجائِزٌ أنْ نُخْبِرَ عَمَّنْ تَعْرِفُهُ أخْبارُ النَّكِرَةِ فَتَقُولُ: قالَ رَجُلٌ لَنا وأنْتَ تَعْرِفُهُ لِصِدْقِ إطْلاقِ النَّكِرَةِ عَلى المَعْرِفَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُحَرِّضُهم بِهِ عَلى الإتْيانِ بِأخِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيِ: المُضِيفِينَ ؟ يَعْنِي في قُطْرِهِ وفي زَمانِهِ يُؤْنِسُهم بِذَلِكَ ويَسْتَمِيلُهم، ثُمَّ تَوَعَّدَهم إنْ لَمْ يَأْتُوا بِهِ إلَيْهِ بِحِرْمانِهِمْ مِنَ المِيرَةِ في المُسْتَقْبَلِ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُونِ﴾ أنْ يَكُونَ نَهْيًا، وأنْ يَكُونَ نَفْيًا مُسْتَقِلًّا ومَعْناهُ النَّهْيُ، وحُذِفَتِ النُّونُ وهو مَرْفُوعٌ، كَما حُذِفَتْ في ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ [الحجر: ٥٤] أنْ يَكُونَ نَفْيًا داخِلًا في الجَزاءِ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلٍّ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي، فَيَكُونُ مَجْزُومًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْرُبُونَ لَهُ (p-٣٢٢)بِكَذا ولا طاعَةٍ.
وظاهِرُ كُلِّ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم أنَّهُ بِوَحْيٍ، وإلّا فَإنَّهُ كانَ مُقْتَضى البِرِّ أنْ يُبادِرَ إلى أبِيهِ ويَسْتَدْعِيَهُ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ تَكْمِيلَ أجْرِ يَعْقُوبَ ومِحْنَتِهِ، ولِتَتَفَسَّرَ الرُّؤْيا الأُولى.
قالُوا: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ: سَنُخادِعُهُ ونَسْتَمِيلُهُ في رِفْقٍ إلى أنْ يَتْرُكَهُ يَأْتِيَ مَعَنا إلَيْكَ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الوَعْدَ بِأنَّهم فاعِلُو ذَلِكَ لا مَحالَةَ، لا نُفَرِّطُ فِيهِ ولا نَتَوانى، وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: (لِفِتْيانِهِ)، وباقِي السَّبْعَةِ: (لِفِتْيَتِهِ) فالكَثْرَةُ عَلى مُراعاةِ المَأْمُورِينَ، والقِلَّةُ عَلى مُراعاةِ المُتَأوِّلِينَ، فَهُمُ الخَدَمَةُ الكائِلُونَ أمَرَهم بِجَعْلِ المالِ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ الطَّعامَ في رِحالِهِمْ مُبالِغَةً في اسْتِمالَتِهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ: يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها، وحَقَّ التَّكَرُّمِ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ فَيَرْغَبُونَ فِينا إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وفَرَّغُوا ظُرُوفَهم، و﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ تَعْلِيقٌ بِالجَعْلِ، و﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيقٌ بِتَرَجِّي مَعْرِفَةِ البِضاعَةِ لِلرُّجُوعِ إلى يُوسُفَ، قِيلَ: وكانَتْ بِضاعَتُهُمُ النِّعالَ والأُدُمَ، وقِيلَ: (يَرْجِعُونَ) مُتَعَدٍّ، فالمَعْنى لَعَلَّهم يَرُدُّونَ البِضاعَةَ، وقِيلَ: تَخَوَّفَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ مِنَ المَتاعِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ، وقِيلَ: عَلِمَ أنَّ دِيانَتَهم تَحْمِلُهم عَلى رَدِّ البِضاعَةِ، لا يَسْتَحِلُّونَ إمْساكَها فَيَرْجِعُونَ لِأجْلِها، وقِيلَ: جَعَلَها تَوْطِئَةً لَجَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِ أخِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، لِيَتَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ لِمَن يَتَأمَّلُ القِصَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ مِن صِلَتِهِمْ وجَبْرِهِمْ في تِلْكَ الشِّدَّةِ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، إذْ هو مَلِكٌ عادِلٌ وهم أهْلُ إيمانٍ ونُبُوَّةٍ.
يوسف 12:60
﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
(p-٣٢١)أيْ: جاءُوا مِنَ القُرَياتِ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ بِأرْضِ الشّامِ، وقِيلَ: مِنَ الأوْلاجِ مِن ناحِيَةِ الشِّعْبِ إلى مِصْرَ لِيَمْتارُوا مِنها، فَتَوَصَّلُوا إلى يُوسُفَ لِلْمِيرَةِ، فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم وهم رِجالٌ، ورَأى زِيَّهم قَرِيبًا مِن زِيِّهِمْ إذْ ذاكَ، ولِأنَّ هِمَّتَهُ كانَتْ مَعْمُورَةً بِهِمْ وبِمَعْرِفَتِهِمْ، فَكانَ يَتَأمَّلُ ويَتَفَطَّنُ، ورُوِيَ أنَّهُمُ انْتَسَبُوا في الِاسْتِئْذانِ عَلَيْهِ فَعَرَفَهم، وأمَرَ بِإنْزالِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا لَهُ، وإنْكارُهم إيّاهُ كانَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِطُولِ العَهْدِ ومُفارَقَتِهِ إيّاهم في سِنِّ الحَداثَةِ، ولِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ، ولِذَهابِهِ عَنْ أوْهامِهِمْ لِقِلَّةِ فِكْرِهِمْ فِيهِ، ولِبُعْدِ حالِهِ الَّتِي بَلَغَها مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ عَنْ حالَتِهِ الَّتِي فارَقُوهُ عَلَيْها طَرِيحًا في البِئْرِ مَشْرِيًّا بِدَراهِمَ مَعْدُودَةٍ، حَتّى لَوْ تَخَيَّلَ لَهم أنَّهُ هو لَكَذَّبُوا أنْفُسَهم، ولِأنَّ المُلْكَ مِمّا يُبَدِّلُ الزِّيَّ ويُلْبِسُ صاحِبَهُ مِنَ التَّهَيُّبِ والِاسْتِعْظامِ ما يُنْكَرُ مِنهُ المَعْرُوفُ، وقِيلَ: رَأوْهُ عَلى زِيِّ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِ ثِيابُ الحَرِيرِ جالِسًا عَلى سَرِيرٍ في عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ، وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ، فَما خَطَرَ لَهم أنَّهُ هو، وقِيلَ: ما رَأوْهُ إلّا مِن بَعِيدٍ بَيْنَهم وبَيْنَهُ مَسافَةٌ وحِجابٌ، وما وقَفُوا إلّا حَيْثُ يَقِفُ طُلّابُ الحَوائِجِ.
ولَمّا جَهَّزَهم بِجِهازِهِمْ، وكانَ الجِهازُ الَّذِي لَهم هو الطَّعامُ الَّذِي امْتارُوهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَدْ كانَ اسْتَوْضَحَ مِنهم أنَّهم لَهم أخٌ قَعَدَ عِنْدَ أبِيهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا عَرَفَهم أرادَ أنْ يُخْبِرُوهُ بِجَمِيعِ أمْرِهِمْ، فَباحَثَهم بِأنْ قالَ لَهم تُرْجُمانُهِ: أظُنُّكم جَواسِيسَ، فاحْتاجُوا إلى التَّعْرِيفِ بِأنْفُسِهِمْ فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ رَجُلٍ صِدِّيقٍ، وكُنّا اثَّنَيْ عَشَرَ، ذَهَبَ مِنّا واحِدٌ في البَرِيَّةِ، وبَقِيَ أصْغَرُنا عِنْدَ أبِينا، وجِئْنا نَحْنُ لِلْمِيرَةِ، وسُقْنا بِعِيرِ الباقِي مِنّا وكانُوا عَشَرَةً ولَهم أحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: ولِمَ تَخَلَّفَ أحَدُكم ؟ قالُوا: لِمَحَبَّةِ أبَيْنا فِيهِ، قالَ: فَأتَوْنِي بِهَذا الأخِ حَتّى أعْلَمَ حَقِيقَةَ قَوْلِكم، وأرى لِمَ أحَبَّهُ أبُوكم أكْثَرَ مِنكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَصَصَ بِألْفاظٍ أُخَرَ تُقارِبُ هَذِهِ في المَعْنى، وفي آخِرِهِ قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم إنَّكم لَسْتُمْ بِعُيُونٍ وأنَّ الَّذِي تَقُولُونَ حَقٌّ ؟ قالُوا: إنّا بِبِلادٍ لا يَعْرِفُنا فِيها أحَدٌ يَشْهَدُ لَنا، قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتُونِي بِأخِيكم مِن أبِيكم وهو حَمْلُ رِسالَةٍ مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم، فاقْتَرَعُوا فَأصابَ القُرْعَةُ شَمْعُونَ، وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا في يُوسُفَ، فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، وكانَ قَدْ أحْسَنَ إنْزالَهم وضِيافَتَهم، وقِيلَ: لَمْ يَرْتَهِنْ أحَدًا.
ورُوِيَ غَيْرُ هَذا في طَلَبِ الأخِ مِن أبِيهِمْ، قِيلَ: كانَ يُوسُفُ مُلَثَّمًا أبَدًا سَتْرًا لِجَمالِهِ، وكانَ يَنْقُرُ في الصُّواعِ فَيُفْهَمُ مِن طَنِينِهِ صِدْقَ الحَدِيثِ أوْ كَذِبَهُ، فَسُئِلُوا عَنْ أخْبارِهِمْ، فَكُلَّما صَدَقُوا قالَ لَهم: صَدَقْتُمْ، فَلَمّا قالُوا: وكانَ لَنا أخٌ أكَلَهُ الذِّئْبُ أطَنَّ يُوسُفُ الصُّواعَ وقالَ: كَذَبْتُمْ، ثُمَّ تَغَيَّرَ لَهم وقالَ: أراكم جَواسِيسَ، وكَلَّفَهم سَوْقَ الأخِ الباقِي لِيَظْهَرَ صِدْقُهم، وقُرِئَ: (بِجِهازِهِمْ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وتَنَكَّرَ أخٌ، ولَمْ يَقُلْ بِأخِيكم وإنْ كانَ قَدْ عَرَّفَهُ، و(عَرَفَهم) مُبالَغَةً في كَوْنِهِ لا يُرِيدُ أنْ يَتَعَرَّفَ لَهم، ولا أنَّهُ يُدْرِي مَن هو، ألا تَرى فَرْقًا بَيْنَ مَرَرْتُ بِغُلامِكَ، ومَرَرْتُ بِغُلامٍ لَكَ ؟ إنَّكَ في التَّعْرِيفِ تَكُونُ عارِفًا بِالغُلامِ، وفي التَّنْكِيرِ أنْتَ جاهِلٌ بِهِ، فالتَّعْرِيفُ يُفِيدُ فَرْعَ عَهْدٍ في الغُلامِ بَيْنَكَ وبَيْنَ المُخاطَبِ، والتَّنْكِيرُ لا عَهْدَ فِيهِ البَتَّةَ، وجائِزٌ أنْ نُخْبِرَ عَمَّنْ تَعْرِفُهُ أخْبارُ النَّكِرَةِ فَتَقُولُ: قالَ رَجُلٌ لَنا وأنْتَ تَعْرِفُهُ لِصِدْقِ إطْلاقِ النَّكِرَةِ عَلى المَعْرِفَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُحَرِّضُهم بِهِ عَلى الإتْيانِ بِأخِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيِ: المُضِيفِينَ ؟ يَعْنِي في قُطْرِهِ وفي زَمانِهِ يُؤْنِسُهم بِذَلِكَ ويَسْتَمِيلُهم، ثُمَّ تَوَعَّدَهم إنْ لَمْ يَأْتُوا بِهِ إلَيْهِ بِحِرْمانِهِمْ مِنَ المِيرَةِ في المُسْتَقْبَلِ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُونِ﴾ أنْ يَكُونَ نَهْيًا، وأنْ يَكُونَ نَفْيًا مُسْتَقِلًّا ومَعْناهُ النَّهْيُ، وحُذِفَتِ النُّونُ وهو مَرْفُوعٌ، كَما حُذِفَتْ في ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ [الحجر: ٥٤] أنْ يَكُونَ نَفْيًا داخِلًا في الجَزاءِ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلٍّ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي، فَيَكُونُ مَجْزُومًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْرُبُونَ لَهُ (p-٣٢٢)بِكَذا ولا طاعَةٍ.
وظاهِرُ كُلِّ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم أنَّهُ بِوَحْيٍ، وإلّا فَإنَّهُ كانَ مُقْتَضى البِرِّ أنْ يُبادِرَ إلى أبِيهِ ويَسْتَدْعِيَهُ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ تَكْمِيلَ أجْرِ يَعْقُوبَ ومِحْنَتِهِ، ولِتَتَفَسَّرَ الرُّؤْيا الأُولى.
قالُوا: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ: سَنُخادِعُهُ ونَسْتَمِيلُهُ في رِفْقٍ إلى أنْ يَتْرُكَهُ يَأْتِيَ مَعَنا إلَيْكَ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الوَعْدَ بِأنَّهم فاعِلُو ذَلِكَ لا مَحالَةَ، لا نُفَرِّطُ فِيهِ ولا نَتَوانى، وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: (لِفِتْيانِهِ)، وباقِي السَّبْعَةِ: (لِفِتْيَتِهِ) فالكَثْرَةُ عَلى مُراعاةِ المَأْمُورِينَ، والقِلَّةُ عَلى مُراعاةِ المُتَأوِّلِينَ، فَهُمُ الخَدَمَةُ الكائِلُونَ أمَرَهم بِجَعْلِ المالِ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ الطَّعامَ في رِحالِهِمْ مُبالِغَةً في اسْتِمالَتِهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ: يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها، وحَقَّ التَّكَرُّمِ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ فَيَرْغَبُونَ فِينا إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وفَرَّغُوا ظُرُوفَهم، و﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ تَعْلِيقٌ بِالجَعْلِ، و﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيقٌ بِتَرَجِّي مَعْرِفَةِ البِضاعَةِ لِلرُّجُوعِ إلى يُوسُفَ، قِيلَ: وكانَتْ بِضاعَتُهُمُ النِّعالَ والأُدُمَ، وقِيلَ: (يَرْجِعُونَ) مُتَعَدٍّ، فالمَعْنى لَعَلَّهم يَرُدُّونَ البِضاعَةَ، وقِيلَ: تَخَوَّفَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ مِنَ المَتاعِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ، وقِيلَ: عَلِمَ أنَّ دِيانَتَهم تَحْمِلُهم عَلى رَدِّ البِضاعَةِ، لا يَسْتَحِلُّونَ إمْساكَها فَيَرْجِعُونَ لِأجْلِها، وقِيلَ: جَعَلَها تَوْطِئَةً لَجَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِ أخِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، لِيَتَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ لِمَن يَتَأمَّلُ القِصَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ مِن صِلَتِهِمْ وجَبْرِهِمْ في تِلْكَ الشِّدَّةِ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، إذْ هو مَلِكٌ عادِلٌ وهم أهْلُ إيمانٍ ونُبُوَّةٍ.
يوسف 12:61
﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
(p-٣٢١)أيْ: جاءُوا مِنَ القُرَياتِ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ بِأرْضِ الشّامِ، وقِيلَ: مِنَ الأوْلاجِ مِن ناحِيَةِ الشِّعْبِ إلى مِصْرَ لِيَمْتارُوا مِنها، فَتَوَصَّلُوا إلى يُوسُفَ لِلْمِيرَةِ، فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم وهم رِجالٌ، ورَأى زِيَّهم قَرِيبًا مِن زِيِّهِمْ إذْ ذاكَ، ولِأنَّ هِمَّتَهُ كانَتْ مَعْمُورَةً بِهِمْ وبِمَعْرِفَتِهِمْ، فَكانَ يَتَأمَّلُ ويَتَفَطَّنُ، ورُوِيَ أنَّهُمُ انْتَسَبُوا في الِاسْتِئْذانِ عَلَيْهِ فَعَرَفَهم، وأمَرَ بِإنْزالِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا لَهُ، وإنْكارُهم إيّاهُ كانَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِطُولِ العَهْدِ ومُفارَقَتِهِ إيّاهم في سِنِّ الحَداثَةِ، ولِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ، ولِذَهابِهِ عَنْ أوْهامِهِمْ لِقِلَّةِ فِكْرِهِمْ فِيهِ، ولِبُعْدِ حالِهِ الَّتِي بَلَغَها مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ عَنْ حالَتِهِ الَّتِي فارَقُوهُ عَلَيْها طَرِيحًا في البِئْرِ مَشْرِيًّا بِدَراهِمَ مَعْدُودَةٍ، حَتّى لَوْ تَخَيَّلَ لَهم أنَّهُ هو لَكَذَّبُوا أنْفُسَهم، ولِأنَّ المُلْكَ مِمّا يُبَدِّلُ الزِّيَّ ويُلْبِسُ صاحِبَهُ مِنَ التَّهَيُّبِ والِاسْتِعْظامِ ما يُنْكَرُ مِنهُ المَعْرُوفُ، وقِيلَ: رَأوْهُ عَلى زِيِّ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِ ثِيابُ الحَرِيرِ جالِسًا عَلى سَرِيرٍ في عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ، وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ، فَما خَطَرَ لَهم أنَّهُ هو، وقِيلَ: ما رَأوْهُ إلّا مِن بَعِيدٍ بَيْنَهم وبَيْنَهُ مَسافَةٌ وحِجابٌ، وما وقَفُوا إلّا حَيْثُ يَقِفُ طُلّابُ الحَوائِجِ.
ولَمّا جَهَّزَهم بِجِهازِهِمْ، وكانَ الجِهازُ الَّذِي لَهم هو الطَّعامُ الَّذِي امْتارُوهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَدْ كانَ اسْتَوْضَحَ مِنهم أنَّهم لَهم أخٌ قَعَدَ عِنْدَ أبِيهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا عَرَفَهم أرادَ أنْ يُخْبِرُوهُ بِجَمِيعِ أمْرِهِمْ، فَباحَثَهم بِأنْ قالَ لَهم تُرْجُمانُهِ: أظُنُّكم جَواسِيسَ، فاحْتاجُوا إلى التَّعْرِيفِ بِأنْفُسِهِمْ فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ رَجُلٍ صِدِّيقٍ، وكُنّا اثَّنَيْ عَشَرَ، ذَهَبَ مِنّا واحِدٌ في البَرِيَّةِ، وبَقِيَ أصْغَرُنا عِنْدَ أبِينا، وجِئْنا نَحْنُ لِلْمِيرَةِ، وسُقْنا بِعِيرِ الباقِي مِنّا وكانُوا عَشَرَةً ولَهم أحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: ولِمَ تَخَلَّفَ أحَدُكم ؟ قالُوا: لِمَحَبَّةِ أبَيْنا فِيهِ، قالَ: فَأتَوْنِي بِهَذا الأخِ حَتّى أعْلَمَ حَقِيقَةَ قَوْلِكم، وأرى لِمَ أحَبَّهُ أبُوكم أكْثَرَ مِنكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَصَصَ بِألْفاظٍ أُخَرَ تُقارِبُ هَذِهِ في المَعْنى، وفي آخِرِهِ قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم إنَّكم لَسْتُمْ بِعُيُونٍ وأنَّ الَّذِي تَقُولُونَ حَقٌّ ؟ قالُوا: إنّا بِبِلادٍ لا يَعْرِفُنا فِيها أحَدٌ يَشْهَدُ لَنا، قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتُونِي بِأخِيكم مِن أبِيكم وهو حَمْلُ رِسالَةٍ مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم، فاقْتَرَعُوا فَأصابَ القُرْعَةُ شَمْعُونَ، وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا في يُوسُفَ، فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، وكانَ قَدْ أحْسَنَ إنْزالَهم وضِيافَتَهم، وقِيلَ: لَمْ يَرْتَهِنْ أحَدًا.
ورُوِيَ غَيْرُ هَذا في طَلَبِ الأخِ مِن أبِيهِمْ، قِيلَ: كانَ يُوسُفُ مُلَثَّمًا أبَدًا سَتْرًا لِجَمالِهِ، وكانَ يَنْقُرُ في الصُّواعِ فَيُفْهَمُ مِن طَنِينِهِ صِدْقَ الحَدِيثِ أوْ كَذِبَهُ، فَسُئِلُوا عَنْ أخْبارِهِمْ، فَكُلَّما صَدَقُوا قالَ لَهم: صَدَقْتُمْ، فَلَمّا قالُوا: وكانَ لَنا أخٌ أكَلَهُ الذِّئْبُ أطَنَّ يُوسُفُ الصُّواعَ وقالَ: كَذَبْتُمْ، ثُمَّ تَغَيَّرَ لَهم وقالَ: أراكم جَواسِيسَ، وكَلَّفَهم سَوْقَ الأخِ الباقِي لِيَظْهَرَ صِدْقُهم، وقُرِئَ: (بِجِهازِهِمْ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وتَنَكَّرَ أخٌ، ولَمْ يَقُلْ بِأخِيكم وإنْ كانَ قَدْ عَرَّفَهُ، و(عَرَفَهم) مُبالَغَةً في كَوْنِهِ لا يُرِيدُ أنْ يَتَعَرَّفَ لَهم، ولا أنَّهُ يُدْرِي مَن هو، ألا تَرى فَرْقًا بَيْنَ مَرَرْتُ بِغُلامِكَ، ومَرَرْتُ بِغُلامٍ لَكَ ؟ إنَّكَ في التَّعْرِيفِ تَكُونُ عارِفًا بِالغُلامِ، وفي التَّنْكِيرِ أنْتَ جاهِلٌ بِهِ، فالتَّعْرِيفُ يُفِيدُ فَرْعَ عَهْدٍ في الغُلامِ بَيْنَكَ وبَيْنَ المُخاطَبِ، والتَّنْكِيرُ لا عَهْدَ فِيهِ البَتَّةَ، وجائِزٌ أنْ نُخْبِرَ عَمَّنْ تَعْرِفُهُ أخْبارُ النَّكِرَةِ فَتَقُولُ: قالَ رَجُلٌ لَنا وأنْتَ تَعْرِفُهُ لِصِدْقِ إطْلاقِ النَّكِرَةِ عَلى المَعْرِفَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُحَرِّضُهم بِهِ عَلى الإتْيانِ بِأخِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيِ: المُضِيفِينَ ؟ يَعْنِي في قُطْرِهِ وفي زَمانِهِ يُؤْنِسُهم بِذَلِكَ ويَسْتَمِيلُهم، ثُمَّ تَوَعَّدَهم إنْ لَمْ يَأْتُوا بِهِ إلَيْهِ بِحِرْمانِهِمْ مِنَ المِيرَةِ في المُسْتَقْبَلِ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُونِ﴾ أنْ يَكُونَ نَهْيًا، وأنْ يَكُونَ نَفْيًا مُسْتَقِلًّا ومَعْناهُ النَّهْيُ، وحُذِفَتِ النُّونُ وهو مَرْفُوعٌ، كَما حُذِفَتْ في ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ [الحجر: ٥٤] أنْ يَكُونَ نَفْيًا داخِلًا في الجَزاءِ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلٍّ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي، فَيَكُونُ مَجْزُومًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْرُبُونَ لَهُ (p-٣٢٢)بِكَذا ولا طاعَةٍ.
وظاهِرُ كُلِّ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم أنَّهُ بِوَحْيٍ، وإلّا فَإنَّهُ كانَ مُقْتَضى البِرِّ أنْ يُبادِرَ إلى أبِيهِ ويَسْتَدْعِيَهُ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ تَكْمِيلَ أجْرِ يَعْقُوبَ ومِحْنَتِهِ، ولِتَتَفَسَّرَ الرُّؤْيا الأُولى.
قالُوا: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ: سَنُخادِعُهُ ونَسْتَمِيلُهُ في رِفْقٍ إلى أنْ يَتْرُكَهُ يَأْتِيَ مَعَنا إلَيْكَ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الوَعْدَ بِأنَّهم فاعِلُو ذَلِكَ لا مَحالَةَ، لا نُفَرِّطُ فِيهِ ولا نَتَوانى، وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: (لِفِتْيانِهِ)، وباقِي السَّبْعَةِ: (لِفِتْيَتِهِ) فالكَثْرَةُ عَلى مُراعاةِ المَأْمُورِينَ، والقِلَّةُ عَلى مُراعاةِ المُتَأوِّلِينَ، فَهُمُ الخَدَمَةُ الكائِلُونَ أمَرَهم بِجَعْلِ المالِ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ الطَّعامَ في رِحالِهِمْ مُبالِغَةً في اسْتِمالَتِهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ: يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها، وحَقَّ التَّكَرُّمِ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ فَيَرْغَبُونَ فِينا إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وفَرَّغُوا ظُرُوفَهم، و﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ تَعْلِيقٌ بِالجَعْلِ، و﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيقٌ بِتَرَجِّي مَعْرِفَةِ البِضاعَةِ لِلرُّجُوعِ إلى يُوسُفَ، قِيلَ: وكانَتْ بِضاعَتُهُمُ النِّعالَ والأُدُمَ، وقِيلَ: (يَرْجِعُونَ) مُتَعَدٍّ، فالمَعْنى لَعَلَّهم يَرُدُّونَ البِضاعَةَ، وقِيلَ: تَخَوَّفَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ مِنَ المَتاعِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ، وقِيلَ: عَلِمَ أنَّ دِيانَتَهم تَحْمِلُهم عَلى رَدِّ البِضاعَةِ، لا يَسْتَحِلُّونَ إمْساكَها فَيَرْجِعُونَ لِأجْلِها، وقِيلَ: جَعَلَها تَوْطِئَةً لَجَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِ أخِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، لِيَتَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ لِمَن يَتَأمَّلُ القِصَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ مِن صِلَتِهِمْ وجَبْرِهِمْ في تِلْكَ الشِّدَّةِ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، إذْ هو مَلِكٌ عادِلٌ وهم أهْلُ إيمانٍ ونُبُوَّةٍ.
يوسف 12:62
﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
(p-٣٢١)أيْ: جاءُوا مِنَ القُرَياتِ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ بِأرْضِ الشّامِ، وقِيلَ: مِنَ الأوْلاجِ مِن ناحِيَةِ الشِّعْبِ إلى مِصْرَ لِيَمْتارُوا مِنها، فَتَوَصَّلُوا إلى يُوسُفَ لِلْمِيرَةِ، فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم وهم رِجالٌ، ورَأى زِيَّهم قَرِيبًا مِن زِيِّهِمْ إذْ ذاكَ، ولِأنَّ هِمَّتَهُ كانَتْ مَعْمُورَةً بِهِمْ وبِمَعْرِفَتِهِمْ، فَكانَ يَتَأمَّلُ ويَتَفَطَّنُ، ورُوِيَ أنَّهُمُ انْتَسَبُوا في الِاسْتِئْذانِ عَلَيْهِ فَعَرَفَهم، وأمَرَ بِإنْزالِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا لَهُ، وإنْكارُهم إيّاهُ كانَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِطُولِ العَهْدِ ومُفارَقَتِهِ إيّاهم في سِنِّ الحَداثَةِ، ولِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ، ولِذَهابِهِ عَنْ أوْهامِهِمْ لِقِلَّةِ فِكْرِهِمْ فِيهِ، ولِبُعْدِ حالِهِ الَّتِي بَلَغَها مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ عَنْ حالَتِهِ الَّتِي فارَقُوهُ عَلَيْها طَرِيحًا في البِئْرِ مَشْرِيًّا بِدَراهِمَ مَعْدُودَةٍ، حَتّى لَوْ تَخَيَّلَ لَهم أنَّهُ هو لَكَذَّبُوا أنْفُسَهم، ولِأنَّ المُلْكَ مِمّا يُبَدِّلُ الزِّيَّ ويُلْبِسُ صاحِبَهُ مِنَ التَّهَيُّبِ والِاسْتِعْظامِ ما يُنْكَرُ مِنهُ المَعْرُوفُ، وقِيلَ: رَأوْهُ عَلى زِيِّ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِ ثِيابُ الحَرِيرِ جالِسًا عَلى سَرِيرٍ في عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ، وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ، فَما خَطَرَ لَهم أنَّهُ هو، وقِيلَ: ما رَأوْهُ إلّا مِن بَعِيدٍ بَيْنَهم وبَيْنَهُ مَسافَةٌ وحِجابٌ، وما وقَفُوا إلّا حَيْثُ يَقِفُ طُلّابُ الحَوائِجِ.
ولَمّا جَهَّزَهم بِجِهازِهِمْ، وكانَ الجِهازُ الَّذِي لَهم هو الطَّعامُ الَّذِي امْتارُوهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَدْ كانَ اسْتَوْضَحَ مِنهم أنَّهم لَهم أخٌ قَعَدَ عِنْدَ أبِيهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا عَرَفَهم أرادَ أنْ يُخْبِرُوهُ بِجَمِيعِ أمْرِهِمْ، فَباحَثَهم بِأنْ قالَ لَهم تُرْجُمانُهِ: أظُنُّكم جَواسِيسَ، فاحْتاجُوا إلى التَّعْرِيفِ بِأنْفُسِهِمْ فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ رَجُلٍ صِدِّيقٍ، وكُنّا اثَّنَيْ عَشَرَ، ذَهَبَ مِنّا واحِدٌ في البَرِيَّةِ، وبَقِيَ أصْغَرُنا عِنْدَ أبِينا، وجِئْنا نَحْنُ لِلْمِيرَةِ، وسُقْنا بِعِيرِ الباقِي مِنّا وكانُوا عَشَرَةً ولَهم أحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: ولِمَ تَخَلَّفَ أحَدُكم ؟ قالُوا: لِمَحَبَّةِ أبَيْنا فِيهِ، قالَ: فَأتَوْنِي بِهَذا الأخِ حَتّى أعْلَمَ حَقِيقَةَ قَوْلِكم، وأرى لِمَ أحَبَّهُ أبُوكم أكْثَرَ مِنكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَصَصَ بِألْفاظٍ أُخَرَ تُقارِبُ هَذِهِ في المَعْنى، وفي آخِرِهِ قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم إنَّكم لَسْتُمْ بِعُيُونٍ وأنَّ الَّذِي تَقُولُونَ حَقٌّ ؟ قالُوا: إنّا بِبِلادٍ لا يَعْرِفُنا فِيها أحَدٌ يَشْهَدُ لَنا، قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتُونِي بِأخِيكم مِن أبِيكم وهو حَمْلُ رِسالَةٍ مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم، فاقْتَرَعُوا فَأصابَ القُرْعَةُ شَمْعُونَ، وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا في يُوسُفَ، فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، وكانَ قَدْ أحْسَنَ إنْزالَهم وضِيافَتَهم، وقِيلَ: لَمْ يَرْتَهِنْ أحَدًا.
ورُوِيَ غَيْرُ هَذا في طَلَبِ الأخِ مِن أبِيهِمْ، قِيلَ: كانَ يُوسُفُ مُلَثَّمًا أبَدًا سَتْرًا لِجَمالِهِ، وكانَ يَنْقُرُ في الصُّواعِ فَيُفْهَمُ مِن طَنِينِهِ صِدْقَ الحَدِيثِ أوْ كَذِبَهُ، فَسُئِلُوا عَنْ أخْبارِهِمْ، فَكُلَّما صَدَقُوا قالَ لَهم: صَدَقْتُمْ، فَلَمّا قالُوا: وكانَ لَنا أخٌ أكَلَهُ الذِّئْبُ أطَنَّ يُوسُفُ الصُّواعَ وقالَ: كَذَبْتُمْ، ثُمَّ تَغَيَّرَ لَهم وقالَ: أراكم جَواسِيسَ، وكَلَّفَهم سَوْقَ الأخِ الباقِي لِيَظْهَرَ صِدْقُهم، وقُرِئَ: (بِجِهازِهِمْ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وتَنَكَّرَ أخٌ، ولَمْ يَقُلْ بِأخِيكم وإنْ كانَ قَدْ عَرَّفَهُ، و(عَرَفَهم) مُبالَغَةً في كَوْنِهِ لا يُرِيدُ أنْ يَتَعَرَّفَ لَهم، ولا أنَّهُ يُدْرِي مَن هو، ألا تَرى فَرْقًا بَيْنَ مَرَرْتُ بِغُلامِكَ، ومَرَرْتُ بِغُلامٍ لَكَ ؟ إنَّكَ في التَّعْرِيفِ تَكُونُ عارِفًا بِالغُلامِ، وفي التَّنْكِيرِ أنْتَ جاهِلٌ بِهِ، فالتَّعْرِيفُ يُفِيدُ فَرْعَ عَهْدٍ في الغُلامِ بَيْنَكَ وبَيْنَ المُخاطَبِ، والتَّنْكِيرُ لا عَهْدَ فِيهِ البَتَّةَ، وجائِزٌ أنْ نُخْبِرَ عَمَّنْ تَعْرِفُهُ أخْبارُ النَّكِرَةِ فَتَقُولُ: قالَ رَجُلٌ لَنا وأنْتَ تَعْرِفُهُ لِصِدْقِ إطْلاقِ النَّكِرَةِ عَلى المَعْرِفَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يُحَرِّضُهم بِهِ عَلى الإتْيانِ بِأخِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيِ: المُضِيفِينَ ؟ يَعْنِي في قُطْرِهِ وفي زَمانِهِ يُؤْنِسُهم بِذَلِكَ ويَسْتَمِيلُهم، ثُمَّ تَوَعَّدَهم إنْ لَمْ يَأْتُوا بِهِ إلَيْهِ بِحِرْمانِهِمْ مِنَ المِيرَةِ في المُسْتَقْبَلِ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُونِ﴾ أنْ يَكُونَ نَهْيًا، وأنْ يَكُونَ نَفْيًا مُسْتَقِلًّا ومَعْناهُ النَّهْيُ، وحُذِفَتِ النُّونُ وهو مَرْفُوعٌ، كَما حُذِفَتْ في ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ [الحجر: ٥٤] أنْ يَكُونَ نَفْيًا داخِلًا في الجَزاءِ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلٍّ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي، فَيَكُونُ مَجْزُومًا، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْرُبُونَ لَهُ (p-٣٢٢)بِكَذا ولا طاعَةٍ.
وظاهِرُ كُلِّ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم أنَّهُ بِوَحْيٍ، وإلّا فَإنَّهُ كانَ مُقْتَضى البِرِّ أنْ يُبادِرَ إلى أبِيهِ ويَسْتَدْعِيَهُ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ تَكْمِيلَ أجْرِ يَعْقُوبَ ومِحْنَتِهِ، ولِتَتَفَسَّرَ الرُّؤْيا الأُولى.
قالُوا: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ: سَنُخادِعُهُ ونَسْتَمِيلُهُ في رِفْقٍ إلى أنْ يَتْرُكَهُ يَأْتِيَ مَعَنا إلَيْكَ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الوَعْدَ بِأنَّهم فاعِلُو ذَلِكَ لا مَحالَةَ، لا نُفَرِّطُ فِيهِ ولا نَتَوانى، وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: (لِفِتْيانِهِ)، وباقِي السَّبْعَةِ: (لِفِتْيَتِهِ) فالكَثْرَةُ عَلى مُراعاةِ المَأْمُورِينَ، والقِلَّةُ عَلى مُراعاةِ المُتَأوِّلِينَ، فَهُمُ الخَدَمَةُ الكائِلُونَ أمَرَهم بِجَعْلِ المالِ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ الطَّعامَ في رِحالِهِمْ مُبالِغَةً في اسْتِمالَتِهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ: يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها، وحَقَّ التَّكَرُّمِ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ فَيَرْغَبُونَ فِينا إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وفَرَّغُوا ظُرُوفَهم، و﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ تَعْلِيقٌ بِالجَعْلِ، و﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ تَعْلِيقٌ بِتَرَجِّي مَعْرِفَةِ البِضاعَةِ لِلرُّجُوعِ إلى يُوسُفَ، قِيلَ: وكانَتْ بِضاعَتُهُمُ النِّعالَ والأُدُمَ، وقِيلَ: (يَرْجِعُونَ) مُتَعَدٍّ، فالمَعْنى لَعَلَّهم يَرُدُّونَ البِضاعَةَ، وقِيلَ: تَخَوَّفَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ مِنَ المَتاعِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ، وقِيلَ: عَلِمَ أنَّ دِيانَتَهم تَحْمِلُهم عَلى رَدِّ البِضاعَةِ، لا يَسْتَحِلُّونَ إمْساكَها فَيَرْجِعُونَ لِأجْلِها، وقِيلَ: جَعَلَها تَوْطِئَةً لَجَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِ أخِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، لِيَتَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ لِمَن يَتَأمَّلُ القِصَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ ما فَعَلَهُ يُوسُفُ مِن صِلَتِهِمْ وجَبْرِهِمْ في تِلْكَ الشِّدَّةِ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، إذْ هو مَلِكٌ عادِلٌ وهم أهْلُ إيمانٍ ونُبُوَّةٍ.
يوسف 12:63
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أيْ: رَجَعُوا مِن مِصْرَ مُمْتارِينَ، بادَرُوا بِما كانَ أهَمَّ الأشْياءِ عِنْدَهم مِنَ التَّوْطِئَةِ لِإرْسالِ أخِيهِمْ مَعَهم، وذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَتاعِهِمْ وعِلْمِهِمْ بِإحْسانِ العَزِيزِ إلَيْهِمْ مِن رَدِّ بِضاعَتِهِمْ، وأخْبَرُوا بِما جَرى لَهم مَعَ العَزِيزِ الَّذِي عَلى إهْراءِ مِصْرَ، وأنَّهُمُ اسْتَدْعى مِنهُمُ العَزِيزُ أنْ يَأْتُوا بِأخِيهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ صِدْقُهم أنَّهم لَيْسُوا جَواسِيسَ، وقَوْلُهم: ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ [يوسف: ٦٠] ويَكُونُ (مُنِعَ) يُرادُ بِهِ في المُسْتَأْنَفِ، وإلّا فَقَدَ كَيَّلَ لَهم، وجاءُوا أباهم بِالمِيرَةِ، لَكِنْ لَمّا أُنْذِرُوا بِمَنعِ الكَيْلِ قالُوا: (مُنِعَ) وقِيلَ: أشارُوا إلى بَعِيرِ بِنْيامِينَ الَّذِي مُنِعَ مِنَ المِيرَةِ، وهَذا أوْلى بِحَمْلِ (مُنِعَ) عَلى الماضِي حَقِيقَةً، ولِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾، ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ (يَكْتَلْ) بِالياءِ أيْ: يَكْتَلْ أخُونا، فَإنَّما مُنِعَ كَيْلُ بَعِيرِهِ لِغَيْبَتِهِ، أوْ يَكُنْ سَبَبًا لِلِاكْتِيالِ، فَإنَّ امْتِناعَهُ في المُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهٌ، وهي قِراءَةُ الأخَوَيْنِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ؛ أيْ: نَرْفَعُ المانِعَ مِنَ الكَيْلِ، أوْ نَكْتَلْ مِنَ الطَّعامِ ما نَحْتاجُ إلَيْهِ، وضَمِنُوا لَهُ حِفْظَهُ وحِياطَتَهُ، قالَ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، وتَألُّمٌ مِن فِراقِهِ بِنْيامِينَ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِمَنعِهِ مِن حَمْلِهِ لَمّا رَأى في ذَلِكَ مِنَ المَصْلَحَةِ، وشَبَّهَ هَذا الِائْتِمانَ في ابْنِهِ هَذا بِائْتِمانِهِ إيّاهم في حَقِّ يُوسُفَ، قُلْتُمْ فِيهِ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] كَما قُلْتُمْ في هَذا، فَأخافُ أنْ تَكِيدُوا لَهُ كَما كِدْتُمْ لِذَلِكَ، لَكِنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ كَما خافَ عَلى يُوسُفَ، واسْتَسْلَمَ لِلَّهِ وقالَ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: (حافِظًا) اسْمُ فاعِلٍ، وانْتَصَبَ ”حِفْظًا، وحافِظًا“ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَنسُوبُ لَهُ الخَيْرُ هو حِفْظُ اللَّهِ، والحافِظُ الَّذِي مِن جِهَةِ اللَّهِ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (حافِظًا) حالًا، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ (p-٣٢٣)لِأنَّ فِيهِ تَقْيِيدُ (خَيْرٌ) بِهَذِهِ الحالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (خَيْرُ حافِظٍ) عَلى الإضافَةِ، فاللَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ بِالحِفْظِ وزِيادَتِهِ عَلى كُلِّ حافِظٍ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ: (خَيْرُ الحافِظِينَ) كَذا نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، (فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو خَيْرُ الحافِظِينَ) ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ لا أنَّها قُرْآنٌ.
﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ اعْتِرافٌ بِأنَّ اللَّهَ هو ذُو الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، فَأرْجُو مِنهُ حِفْظَهُ، وأنْ لا يَجْمَعَ عَلى مُصِيبَتِهِ ومُصِيبَةِ أخِيهِ.
يوسف 12:64
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أيْ: رَجَعُوا مِن مِصْرَ مُمْتارِينَ، بادَرُوا بِما كانَ أهَمَّ الأشْياءِ عِنْدَهم مِنَ التَّوْطِئَةِ لِإرْسالِ أخِيهِمْ مَعَهم، وذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَتاعِهِمْ وعِلْمِهِمْ بِإحْسانِ العَزِيزِ إلَيْهِمْ مِن رَدِّ بِضاعَتِهِمْ، وأخْبَرُوا بِما جَرى لَهم مَعَ العَزِيزِ الَّذِي عَلى إهْراءِ مِصْرَ، وأنَّهُمُ اسْتَدْعى مِنهُمُ العَزِيزُ أنْ يَأْتُوا بِأخِيهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ صِدْقُهم أنَّهم لَيْسُوا جَواسِيسَ، وقَوْلُهم: ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ [يوسف: ٦٠] ويَكُونُ (مُنِعَ) يُرادُ بِهِ في المُسْتَأْنَفِ، وإلّا فَقَدَ كَيَّلَ لَهم، وجاءُوا أباهم بِالمِيرَةِ، لَكِنْ لَمّا أُنْذِرُوا بِمَنعِ الكَيْلِ قالُوا: (مُنِعَ) وقِيلَ: أشارُوا إلى بَعِيرِ بِنْيامِينَ الَّذِي مُنِعَ مِنَ المِيرَةِ، وهَذا أوْلى بِحَمْلِ (مُنِعَ) عَلى الماضِي حَقِيقَةً، ولِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾، ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ (يَكْتَلْ) بِالياءِ أيْ: يَكْتَلْ أخُونا، فَإنَّما مُنِعَ كَيْلُ بَعِيرِهِ لِغَيْبَتِهِ، أوْ يَكُنْ سَبَبًا لِلِاكْتِيالِ، فَإنَّ امْتِناعَهُ في المُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهٌ، وهي قِراءَةُ الأخَوَيْنِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ؛ أيْ: نَرْفَعُ المانِعَ مِنَ الكَيْلِ، أوْ نَكْتَلْ مِنَ الطَّعامِ ما نَحْتاجُ إلَيْهِ، وضَمِنُوا لَهُ حِفْظَهُ وحِياطَتَهُ، قالَ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، وتَألُّمٌ مِن فِراقِهِ بِنْيامِينَ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِمَنعِهِ مِن حَمْلِهِ لَمّا رَأى في ذَلِكَ مِنَ المَصْلَحَةِ، وشَبَّهَ هَذا الِائْتِمانَ في ابْنِهِ هَذا بِائْتِمانِهِ إيّاهم في حَقِّ يُوسُفَ، قُلْتُمْ فِيهِ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] كَما قُلْتُمْ في هَذا، فَأخافُ أنْ تَكِيدُوا لَهُ كَما كِدْتُمْ لِذَلِكَ، لَكِنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ كَما خافَ عَلى يُوسُفَ، واسْتَسْلَمَ لِلَّهِ وقالَ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: (حافِظًا) اسْمُ فاعِلٍ، وانْتَصَبَ ”حِفْظًا، وحافِظًا“ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَنسُوبُ لَهُ الخَيْرُ هو حِفْظُ اللَّهِ، والحافِظُ الَّذِي مِن جِهَةِ اللَّهِ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (حافِظًا) حالًا، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ (p-٣٢٣)لِأنَّ فِيهِ تَقْيِيدُ (خَيْرٌ) بِهَذِهِ الحالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (خَيْرُ حافِظٍ) عَلى الإضافَةِ، فاللَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ بِالحِفْظِ وزِيادَتِهِ عَلى كُلِّ حافِظٍ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ: (خَيْرُ الحافِظِينَ) كَذا نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، (فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو خَيْرُ الحافِظِينَ) ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ لا أنَّها قُرْآنٌ.
﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ اعْتِرافٌ بِأنَّ اللَّهَ هو ذُو الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، فَأرْجُو مِنهُ حِفْظَهُ، وأنْ لا يَجْمَعَ عَلى مُصِيبَتِهِ ومُصِيبَةِ أخِيهِ.
يوسف 12:65
﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿وقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
قَرَأ عَلْقَمَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ (رِدَّتْ) بِكَسْرِ الرّاءِ، نَقَلَ حَرَكَةَ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ بَعْدَ تَوَهُّمِ خُلُوِّها مِنَ الضَّمَّةِ، وهي لُغَةٌ لِبَنِي ضَبَّةَ، كَما نَقَلَتِ العَرَبُ في قِيلَ وبِيعَ، وحَكى قُطْرُبٌ: النَّقْلُ في الحَرْفِ الصَّحِيحِ غَيْرُ المُدْغَمِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ، سَمَّوُا المَشْدُودَ المَرْبُوطَ بِجُمْلَتِهِ مَتاعًا، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الفَتْحُ فِيهِ (وما نَبْغِي) ”ما“ فِيهِ اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ نَبْغِي ونَطْلُبُ مِنَ الكَرامَةِ هَذِهِ (p-٣٢٤)أمْوالُنا رُدَّتْ إلَيْنا، قالَهُ قَتادَةُ. وكانُوا قالُوا لِأبِيهِمْ: قَدِمْنا عَلى خَيْرِ رَجُلٍ أنْزَلَنا وأكْرَمَنا كَرامَةً، لَوْ كانَ رَجُلًا مِن آلِ يَعْقُوبَ ما أكْرَمَنا كَرامَتَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً أيْ: ما بَقِيَ لَنا ما نَطْلُبُ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ نافِيَةً مِنَ البَغْيِ؛ أيْ: ما افْتَرَيْنا فَكَذَبْنا عَلى هَذا المَلِكِ، ولا في وصْفِ إجْمالِهِ وإكْرامِهِ، هَذِهِ البِضاعَةُ مَرْدُودَةٌ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ ما نَبْغِي في القَوْلِ ما تَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ والكَرامَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ ما نُرِيدُ مِنكَ بِضاعَةً أُخْرى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأبُو حَيْوَةَ: (ما تَبْغِي) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ يَعْقُوبَ، ورَوَتْها عائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ويَحْتَمِلُ ”ما“ في هَذِهِ القِراءَةِ الِاسْتِفْهامَ والنَّفْيَ كَقِراءَةِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: (ونُمِيرُ) بِضَمِّ النُّونِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُوَضِّحَةٌ لِقَوْلِهِمْ: (ما نَبْغِي) والجُمَلُ بَعْدَها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها عَلى تَقْدِيرِ: فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونَسْتَعِينُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا في رُجُوعِنا إلى المَلِكِ، ونَحْفَظُ أخانا فَلا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِمّا تَخافُهُ، وإذا كانَ ما نَبْغِي ما نَتَزَيَّدُ وما نَكْذِبُ، جازَ أنْ يَكُونَ (ونَمِيرُ) مَعْطُوفًا عَلى (ما نَبْغِي) أيْ: لا نَبْغِي فِيما نَقُولُ، ونَمِيرُ أهْلَنا ونَفْعَلُ كَيْتَ وكَيْتَ، وجازَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً، وكَرَّرُوا حِفْظَ الأخِ مُبالَغَةً في الحَضِّ عَلى إرْسالِهِ، ونَزْدادُ بِاسْتِصْحابِ أخِينا، وسَقَ بَعِيرٍ عَلى أوَساقِ بَعِيرِنا؛ لِأنَّهُ إنَّما كانَ حَمَّلَ لَهم عَشَرَةَ أبْعِرَةٍ، ولَمْ يُحَمِّلِ الحادِي عَشَرَ لِغَيْبَةِ صاحِبِهِ، والظّاهِرُ أنَّ البَعِيرَ هو مِنَ الإبِلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كَيْلُ حِمارٍ، قالَ: وبَعْضُ العَرَبِ تَقُولُ لِلْحِمارِ: بَعِيرٌ، وهَذا شاذٌّ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ مِن كَلامِهِمْ لا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ، والإشارَةُ بِذَلِكَ الظّاهِرُ أنَّها إلى (كَيْلَ بَعِيرٍ) أيْ: يَسِيرٍ، بِمَعْنى قَلِيلٍ، يُحَبِّبُنا إلَيْهِ المَلِكُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، أوْ يَسِيرٌ بِمَعْنى سَهْلٍ مُتَيَسِّرٍ لا يَتَعاظَمَهُ. وقِيلَ: يَسِيرٌ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَهُ. وقالَ الحَسَنُ: وقَدْ كانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم أنْ يَزِيدَهم حِمْلَ بَعِيرٍ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ذَلِكَ مِكْيَلٌ قَلِيلٌ لا يَكْفِينا، يَعْنِي: ما يُكالُ لَهم، فازْدادُوا إلَيْهِ ما يُكالُ لِأخِيهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ يَعْقُوبَ؛ أيْ: حِمْلُ بَعِيرٍ واحِدٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطَرُ لِمِثْلِهِ بِالوَلَدِ، كَقَوْلِهِ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ)، انْتَهى. ويَعْنِي أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ أنَّهُ مِن كَلامِهِمْ، وهو مِن كَلامِ يَعْقُوبَ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وهو مِن كَلامِ يُوسُفَ، وهَذا كُلُّهُ تَحْمِيلٌ لِلَفْظِ القُرْآنِ ما يَبْعُدُ تَحْمِيلُهُ، وفِيهِ مُخالَفَةُ الظّاهِرِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ، ولَمّا كانَ يَعْقُوبُ غَيْرَ مُخْتارٍ لِإرْسالِ ابْنِهِ، وألَحُّوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ، عَلَّقَ إرْسالَهُ بِأخْذِ المَوْثِقِ عَلَيْهِمْ وهو الحَلِفُ بِاللَّهِ، إذْ بِهِ تُؤَكَّدُ العُهُودُ وتُشَدَّدُ، و﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابٌ لِلْحَلِفِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا﴾ حَتّى تَحْلِفُوا لِي لَتَأْتُنَّنِي بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الغَلَبَةِ، والمَعْنى: تَعُمُّكُمُ الغَلَبَةُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ حَتّى لا يَكُونَ لَكم حِيلَةٌ ولا وجْهُ تَخَلُّصٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تُهْلَكُوا، وعَنْهُ أيْضًا: إلّا أنْ تُطِيقُوا ذَلِكَ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ مُراعى في قَوْلِهِ: (لَتَأْتُنَّنِي) وإنْ كانَ (p-٣٢٥)مُثْبِتًا مَعْنى النَّفْيِ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا تَمْتَنِعُونَ مِنَ الإتْيانِ بِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأنْ يُحاطَ بِكم، ومِثالُهُ مِنَ المُثْبَتِ في اللَّفْظِ ومَعْناهُ النَّفْيُ، قَوْلُهم: أُنْشُدُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ؛ أيْ: ما أُنْشُدُكَ إلّا الفِعْلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنى مِنَ الأحْوالِ مُقَدَّرًا بِالمَصْدَرِ الواقِعِ حالًا، وإنْ كانَ صَرِيحُ المَصْدَرِ قَدْ يَقَعُ حالًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا إحاطَةً بِكم أيْ: مُحاطًا بِكم؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ (أنْ) النّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ لا تَقَعُ حالًا وإنْ كانَتْ مُقَدَّرَةً بِالمَصْدَرِ الَّذِي قَدْ يَقَعُ بِنَفْسِهِ حالًا، فَإنْ جَعَلْتَ أنْ والفِعْلَ واقِعَةً مَوْقِعَ المَصْدَرِ الواقِعِ ظَرْفَ زَمانٍ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا إحاطَةً بِكم أيْ: إلّا وقْتَ إحاطَةٍ بِكم، قُلْتُ: مَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فَقالَ: ما مَعْناهُ: يَجُوزُ خُرُوجُنا صِياحَ الدِّيكِ أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا يَجُوزُ خُرُوجُنا أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، ولا ما يَصِيحُ الدِّيكُ، وإنْ كانَتْ ”أنْ، وما“ مَصْدَرِيَّتَيْنِ، وإنَّما يَقَعُ ظَرْفًا المَصْدَرُ المُصَرَّحُ بِلَفْظِهِ، وأجازَ ابْنُ جِنِّي أنْ تَقَعَ ”أنْ“ ظَرْفًا، كَما يَقَعُ صَرِيحُ المَصْدَرِ، فَأجازَ في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
؎وقالُوا لَها لا تَنْكِحِيهِ فَإنَّهُ لِأوَّلِ فَصْلٍ أنْ يُلاقِيَ مَجْمَعًا
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎وتاللَّهِ ما إنْ شَهْلٌ أُمُّ واحِدٍ ∗∗∗ بِأوْجَدَ مِنِّي أنْ يُهانَ صَغِيرُها
أنْ يَكُونَ ”أنْ تُلاقِيَ“ تَقْدِيرَهُ: وقْتَ لِقائِهِ الجَمْعَ، وأنْ يَكُونَ ”أنْ يُهانَ“ تَقْدِيرَهُ: وقْتَ إهانَةِ صَغِيرِها، فَعَلى ما أجازَهُ ابْنُ جِنِّي يَجُوزُ أنْ تَخْرُجَ الآيَةُ ويَبْقى ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الإثْباتِ، ولا يُقَدَّرُ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأجابُوهُ إلى ما طَلَبَهُ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ مِن طَلَبِ المَوْثِقِ وإعْطائِهِ (وكِيلٌ) رَقِيبٌ مُطَّلِعٌ، ونَهْيُهُ إيّاهم أنْ يَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ هو خَشْيَةُ العَيْنِ، وكانُوا أحَدَ عَشَرَ لِرَجُلٍ واحِدٍ، أهْلَ جَمالٍ وبَسْطَةٍ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم، والعَيْنُ حَقٌّ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ،» وفي التَّعَوُّذِ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ“ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: لِأنَّهم كانُوا ذَوِي بَهاءٍ وشارَةٍ حَسَنَةٍ، وقَدْ أشْهَرَهم أهْلُ مِصْرَ بِالقُرْبَةِ عِنْدَ المَلِكِ والكَرامَةِ الخاصَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِمْ فَكانُوا مَظِنَّةً لِطُمُوحِ الأبْصارِ إلَيْهِمْ مِنَ الوُفُودِ وأنْ يُشارَ إلَيْهِمْ بِالأصابِعِ ويُقالَ: هَؤُلاءِ أضْيافُ المَلِكِ، انْظُرُوا إلَيْهِمْ ما أحْسَنَهم مِن فِتْيانٍ وما أحَقَّهم بِالإكْرامِ، لِأمْرٍ ما قَرَّبَهُمُ المَلِكُ وقَرَّبَهم وفَضَّلَهم عَلى الوافِدِينَ عَلَيْهِ، فَخافَ لِذَلِكَ أنْ يَدْخُلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً فَيُعانُوا لِجَمالِهِمْ وجَلالَةِ أمْرِهِمْ في الصُّدُورِ يُصِبْهم ما يَسُوءُهم، ولِذَلِكَ لَمْ يُوصِهِمْ بِالتَّفَرُّقِ في المَرَّةِ الأُولى لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ مَغْمُورِينَ بَيْنَ النّاسِ، انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ خَوْفَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَيْنِ في هَذِهِ الكَرَّةِ بِحَسَبِ أنَّ مَحْبُوبَهُ فِيهِمْ وهو بِنْيامِينُ الَّذِي كانَ يَتَسَلّى بِهِ عَنْ شَقِيقِهِ يُوسُفَ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ في الكَرَّةِ الأُولى، فَأهْمَلَ أمْرَهم ولَمْ يَحْتَفِلْ بِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ في يُوسُفَ، وقِيلَ: نَهاهم خَشْيَةَ أنْ يُسْتَرابَ بِهِمْ لِقَوْلِ يُوسُفَ: أنْتُمْ جَواسِيسُ، وقِيلَ: طَمَعَ بِافْتِراقِهِمْ أنْ يَتَسَمَّعُوا خَبَرَ يُوسُفَ، ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يُغْنِيَ عَنْهم شَيْئًا يَعْنِي: بِوَصاتِهِ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ أيْ: هو الَّذِي يَحْكُمُ وحْدَهُ ويَنْفُذُ ما يُرِيدُ، فَعَلَيْهِ وحْدَهُ تَوَكَّلْتُ، و﴿مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ: مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، رُوِيَ أنَّهم لَمّا ودَّعُوا أباهم قالَ لَهم: بَلِّغُوا مَلِكَ مِصْرَ سَلامِي وقُولُوا لَهُ: إنَّ أبانا يُصَلِّي عَلَيْكَ، ويَدْعُو لَكَ، ويَشْكُرُ صَنِيعَكَ مَعَنا، وفي كِتابِ أبِي مَنصُورٍ المَهْرانِيِّ: أنَّهُ خاطَبَهُ بِكِتابٍ قُرِئَ عَلى يُوسُفَ فَبَكى، وجَوابُ ”لَمّا“ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وفِيهِ حُجَّةٌ لِمَن زَعَمَ أنَّ (لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ لا ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ، إذْ لَوْ كانَتْ ظَرْفَ زَمانٍ ما جازَ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِما بَعْدَ ما النّافِيَةِ، لا يَجُوزُ حِينَ قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، ويَجُوزُ لَمّا قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ”لَمّا“ حَرْفٌ يَتَرَتَّبُ جَوابُهُ عَلى ما بَعْدَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ (p-٣٢٦)يَكُونَ جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا، ثُمَّ يُخْبِرُ عَنْ دُخُولِهِمْ أنَّهُ ما كانَ يُغْنِي، ومَعْنى الجُمْلَةِ: لَمْ يَكُنْ في دُخُولِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ دَفْعُ قَدَرِ اللَّهُ الَّذِي قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِن تَشْرِيفِهِمْ وافْتِضاحِهِمْ بِذَلِكَ، وأخْذِ أخِيهِمْ بِوِجْدانِ الصّاعِ في رَحْلِهِ، وتَزايُدِ مُصِيبَتِهِ عَلى أبِيهِمْ، بَلْ كانَ إرْبًا لِيَعْقُوبَ قَضاهُ وتَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ ما يَرُدُّ عَنْهم قَدَرًا لِأنَّهُ لَوْ قَضى أنْ يُصِيبَهم عَيْنٌ لَأصابَتُهم مُتَفَرِّقِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وإنَّما طَمِعَ يَعْقُوبُ أنْ تُصادِفَ وصِيَّتُهُ قَدَرَ السَّلامَةِ، فَوَصّى وقَضى بِذَلِكَ حاجَةَ نَفْسِهِ في أنْ بَقِيَ يَتَنَعَّمُ بِرَجائِهِ أنْ يُصادِفَ وصِيَّتَهُ القَدَرُ في سَلامَتِهِمْ.
﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ يَعْنِي لِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وما بَعْدَهُ وعِلْمُهُ بِأنَّ القَدَرَ لا يَدْفَعُهُ الحَذَرُ، وهَذا ثَناءٌ مِنَ اللَّهِ عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقالَ قَتادَةُ: لَعامِلٌ بِما عَلِمْناهُ، وقالَ سُفْيانُ: مَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا، ولَفْظَةُ (ذُو عِلْمٍ) لا تُساعِدُهُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ وإنْ كانَ صَحِيحًا في نَفْسِهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (مِمّا عَلَّمْناهُ) .
يوسف 12:66
﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿وقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
قَرَأ عَلْقَمَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ (رِدَّتْ) بِكَسْرِ الرّاءِ، نَقَلَ حَرَكَةَ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ بَعْدَ تَوَهُّمِ خُلُوِّها مِنَ الضَّمَّةِ، وهي لُغَةٌ لِبَنِي ضَبَّةَ، كَما نَقَلَتِ العَرَبُ في قِيلَ وبِيعَ، وحَكى قُطْرُبٌ: النَّقْلُ في الحَرْفِ الصَّحِيحِ غَيْرُ المُدْغَمِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ، سَمَّوُا المَشْدُودَ المَرْبُوطَ بِجُمْلَتِهِ مَتاعًا، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الفَتْحُ فِيهِ (وما نَبْغِي) ”ما“ فِيهِ اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ نَبْغِي ونَطْلُبُ مِنَ الكَرامَةِ هَذِهِ (p-٣٢٤)أمْوالُنا رُدَّتْ إلَيْنا، قالَهُ قَتادَةُ. وكانُوا قالُوا لِأبِيهِمْ: قَدِمْنا عَلى خَيْرِ رَجُلٍ أنْزَلَنا وأكْرَمَنا كَرامَةً، لَوْ كانَ رَجُلًا مِن آلِ يَعْقُوبَ ما أكْرَمَنا كَرامَتَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً أيْ: ما بَقِيَ لَنا ما نَطْلُبُ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ نافِيَةً مِنَ البَغْيِ؛ أيْ: ما افْتَرَيْنا فَكَذَبْنا عَلى هَذا المَلِكِ، ولا في وصْفِ إجْمالِهِ وإكْرامِهِ، هَذِهِ البِضاعَةُ مَرْدُودَةٌ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ ما نَبْغِي في القَوْلِ ما تَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ والكَرامَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ ما نُرِيدُ مِنكَ بِضاعَةً أُخْرى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأبُو حَيْوَةَ: (ما تَبْغِي) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ يَعْقُوبَ، ورَوَتْها عائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ويَحْتَمِلُ ”ما“ في هَذِهِ القِراءَةِ الِاسْتِفْهامَ والنَّفْيَ كَقِراءَةِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: (ونُمِيرُ) بِضَمِّ النُّونِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُوَضِّحَةٌ لِقَوْلِهِمْ: (ما نَبْغِي) والجُمَلُ بَعْدَها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها عَلى تَقْدِيرِ: فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونَسْتَعِينُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا في رُجُوعِنا إلى المَلِكِ، ونَحْفَظُ أخانا فَلا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِمّا تَخافُهُ، وإذا كانَ ما نَبْغِي ما نَتَزَيَّدُ وما نَكْذِبُ، جازَ أنْ يَكُونَ (ونَمِيرُ) مَعْطُوفًا عَلى (ما نَبْغِي) أيْ: لا نَبْغِي فِيما نَقُولُ، ونَمِيرُ أهْلَنا ونَفْعَلُ كَيْتَ وكَيْتَ، وجازَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً، وكَرَّرُوا حِفْظَ الأخِ مُبالَغَةً في الحَضِّ عَلى إرْسالِهِ، ونَزْدادُ بِاسْتِصْحابِ أخِينا، وسَقَ بَعِيرٍ عَلى أوَساقِ بَعِيرِنا؛ لِأنَّهُ إنَّما كانَ حَمَّلَ لَهم عَشَرَةَ أبْعِرَةٍ، ولَمْ يُحَمِّلِ الحادِي عَشَرَ لِغَيْبَةِ صاحِبِهِ، والظّاهِرُ أنَّ البَعِيرَ هو مِنَ الإبِلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كَيْلُ حِمارٍ، قالَ: وبَعْضُ العَرَبِ تَقُولُ لِلْحِمارِ: بَعِيرٌ، وهَذا شاذٌّ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ مِن كَلامِهِمْ لا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ، والإشارَةُ بِذَلِكَ الظّاهِرُ أنَّها إلى (كَيْلَ بَعِيرٍ) أيْ: يَسِيرٍ، بِمَعْنى قَلِيلٍ، يُحَبِّبُنا إلَيْهِ المَلِكُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، أوْ يَسِيرٌ بِمَعْنى سَهْلٍ مُتَيَسِّرٍ لا يَتَعاظَمَهُ. وقِيلَ: يَسِيرٌ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَهُ. وقالَ الحَسَنُ: وقَدْ كانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم أنْ يَزِيدَهم حِمْلَ بَعِيرٍ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ذَلِكَ مِكْيَلٌ قَلِيلٌ لا يَكْفِينا، يَعْنِي: ما يُكالُ لَهم، فازْدادُوا إلَيْهِ ما يُكالُ لِأخِيهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ يَعْقُوبَ؛ أيْ: حِمْلُ بَعِيرٍ واحِدٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطَرُ لِمِثْلِهِ بِالوَلَدِ، كَقَوْلِهِ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ)، انْتَهى. ويَعْنِي أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ أنَّهُ مِن كَلامِهِمْ، وهو مِن كَلامِ يَعْقُوبَ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وهو مِن كَلامِ يُوسُفَ، وهَذا كُلُّهُ تَحْمِيلٌ لِلَفْظِ القُرْآنِ ما يَبْعُدُ تَحْمِيلُهُ، وفِيهِ مُخالَفَةُ الظّاهِرِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ، ولَمّا كانَ يَعْقُوبُ غَيْرَ مُخْتارٍ لِإرْسالِ ابْنِهِ، وألَحُّوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ، عَلَّقَ إرْسالَهُ بِأخْذِ المَوْثِقِ عَلَيْهِمْ وهو الحَلِفُ بِاللَّهِ، إذْ بِهِ تُؤَكَّدُ العُهُودُ وتُشَدَّدُ، و﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابٌ لِلْحَلِفِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا﴾ حَتّى تَحْلِفُوا لِي لَتَأْتُنَّنِي بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الغَلَبَةِ، والمَعْنى: تَعُمُّكُمُ الغَلَبَةُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ حَتّى لا يَكُونَ لَكم حِيلَةٌ ولا وجْهُ تَخَلُّصٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تُهْلَكُوا، وعَنْهُ أيْضًا: إلّا أنْ تُطِيقُوا ذَلِكَ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ مُراعى في قَوْلِهِ: (لَتَأْتُنَّنِي) وإنْ كانَ (p-٣٢٥)مُثْبِتًا مَعْنى النَّفْيِ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا تَمْتَنِعُونَ مِنَ الإتْيانِ بِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأنْ يُحاطَ بِكم، ومِثالُهُ مِنَ المُثْبَتِ في اللَّفْظِ ومَعْناهُ النَّفْيُ، قَوْلُهم: أُنْشُدُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ؛ أيْ: ما أُنْشُدُكَ إلّا الفِعْلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنى مِنَ الأحْوالِ مُقَدَّرًا بِالمَصْدَرِ الواقِعِ حالًا، وإنْ كانَ صَرِيحُ المَصْدَرِ قَدْ يَقَعُ حالًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا إحاطَةً بِكم أيْ: مُحاطًا بِكم؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ (أنْ) النّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ لا تَقَعُ حالًا وإنْ كانَتْ مُقَدَّرَةً بِالمَصْدَرِ الَّذِي قَدْ يَقَعُ بِنَفْسِهِ حالًا، فَإنْ جَعَلْتَ أنْ والفِعْلَ واقِعَةً مَوْقِعَ المَصْدَرِ الواقِعِ ظَرْفَ زَمانٍ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا إحاطَةً بِكم أيْ: إلّا وقْتَ إحاطَةٍ بِكم، قُلْتُ: مَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فَقالَ: ما مَعْناهُ: يَجُوزُ خُرُوجُنا صِياحَ الدِّيكِ أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا يَجُوزُ خُرُوجُنا أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، ولا ما يَصِيحُ الدِّيكُ، وإنْ كانَتْ ”أنْ، وما“ مَصْدَرِيَّتَيْنِ، وإنَّما يَقَعُ ظَرْفًا المَصْدَرُ المُصَرَّحُ بِلَفْظِهِ، وأجازَ ابْنُ جِنِّي أنْ تَقَعَ ”أنْ“ ظَرْفًا، كَما يَقَعُ صَرِيحُ المَصْدَرِ، فَأجازَ في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
؎وقالُوا لَها لا تَنْكِحِيهِ فَإنَّهُ لِأوَّلِ فَصْلٍ أنْ يُلاقِيَ مَجْمَعًا
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎وتاللَّهِ ما إنْ شَهْلٌ أُمُّ واحِدٍ ∗∗∗ بِأوْجَدَ مِنِّي أنْ يُهانَ صَغِيرُها
أنْ يَكُونَ ”أنْ تُلاقِيَ“ تَقْدِيرَهُ: وقْتَ لِقائِهِ الجَمْعَ، وأنْ يَكُونَ ”أنْ يُهانَ“ تَقْدِيرَهُ: وقْتَ إهانَةِ صَغِيرِها، فَعَلى ما أجازَهُ ابْنُ جِنِّي يَجُوزُ أنْ تَخْرُجَ الآيَةُ ويَبْقى ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الإثْباتِ، ولا يُقَدَّرُ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأجابُوهُ إلى ما طَلَبَهُ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ مِن طَلَبِ المَوْثِقِ وإعْطائِهِ (وكِيلٌ) رَقِيبٌ مُطَّلِعٌ، ونَهْيُهُ إيّاهم أنْ يَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ هو خَشْيَةُ العَيْنِ، وكانُوا أحَدَ عَشَرَ لِرَجُلٍ واحِدٍ، أهْلَ جَمالٍ وبَسْطَةٍ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم، والعَيْنُ حَقٌّ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ،» وفي التَّعَوُّذِ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ“ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: لِأنَّهم كانُوا ذَوِي بَهاءٍ وشارَةٍ حَسَنَةٍ، وقَدْ أشْهَرَهم أهْلُ مِصْرَ بِالقُرْبَةِ عِنْدَ المَلِكِ والكَرامَةِ الخاصَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِمْ فَكانُوا مَظِنَّةً لِطُمُوحِ الأبْصارِ إلَيْهِمْ مِنَ الوُفُودِ وأنْ يُشارَ إلَيْهِمْ بِالأصابِعِ ويُقالَ: هَؤُلاءِ أضْيافُ المَلِكِ، انْظُرُوا إلَيْهِمْ ما أحْسَنَهم مِن فِتْيانٍ وما أحَقَّهم بِالإكْرامِ، لِأمْرٍ ما قَرَّبَهُمُ المَلِكُ وقَرَّبَهم وفَضَّلَهم عَلى الوافِدِينَ عَلَيْهِ، فَخافَ لِذَلِكَ أنْ يَدْخُلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً فَيُعانُوا لِجَمالِهِمْ وجَلالَةِ أمْرِهِمْ في الصُّدُورِ يُصِبْهم ما يَسُوءُهم، ولِذَلِكَ لَمْ يُوصِهِمْ بِالتَّفَرُّقِ في المَرَّةِ الأُولى لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ مَغْمُورِينَ بَيْنَ النّاسِ، انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ خَوْفَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَيْنِ في هَذِهِ الكَرَّةِ بِحَسَبِ أنَّ مَحْبُوبَهُ فِيهِمْ وهو بِنْيامِينُ الَّذِي كانَ يَتَسَلّى بِهِ عَنْ شَقِيقِهِ يُوسُفَ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ في الكَرَّةِ الأُولى، فَأهْمَلَ أمْرَهم ولَمْ يَحْتَفِلْ بِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ في يُوسُفَ، وقِيلَ: نَهاهم خَشْيَةَ أنْ يُسْتَرابَ بِهِمْ لِقَوْلِ يُوسُفَ: أنْتُمْ جَواسِيسُ، وقِيلَ: طَمَعَ بِافْتِراقِهِمْ أنْ يَتَسَمَّعُوا خَبَرَ يُوسُفَ، ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يُغْنِيَ عَنْهم شَيْئًا يَعْنِي: بِوَصاتِهِ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ أيْ: هو الَّذِي يَحْكُمُ وحْدَهُ ويَنْفُذُ ما يُرِيدُ، فَعَلَيْهِ وحْدَهُ تَوَكَّلْتُ، و﴿مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ: مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، رُوِيَ أنَّهم لَمّا ودَّعُوا أباهم قالَ لَهم: بَلِّغُوا مَلِكَ مِصْرَ سَلامِي وقُولُوا لَهُ: إنَّ أبانا يُصَلِّي عَلَيْكَ، ويَدْعُو لَكَ، ويَشْكُرُ صَنِيعَكَ مَعَنا، وفي كِتابِ أبِي مَنصُورٍ المَهْرانِيِّ: أنَّهُ خاطَبَهُ بِكِتابٍ قُرِئَ عَلى يُوسُفَ فَبَكى، وجَوابُ ”لَمّا“ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وفِيهِ حُجَّةٌ لِمَن زَعَمَ أنَّ (لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ لا ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ، إذْ لَوْ كانَتْ ظَرْفَ زَمانٍ ما جازَ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِما بَعْدَ ما النّافِيَةِ، لا يَجُوزُ حِينَ قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، ويَجُوزُ لَمّا قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ”لَمّا“ حَرْفٌ يَتَرَتَّبُ جَوابُهُ عَلى ما بَعْدَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ (p-٣٢٦)يَكُونَ جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا، ثُمَّ يُخْبِرُ عَنْ دُخُولِهِمْ أنَّهُ ما كانَ يُغْنِي، ومَعْنى الجُمْلَةِ: لَمْ يَكُنْ في دُخُولِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ دَفْعُ قَدَرِ اللَّهُ الَّذِي قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِن تَشْرِيفِهِمْ وافْتِضاحِهِمْ بِذَلِكَ، وأخْذِ أخِيهِمْ بِوِجْدانِ الصّاعِ في رَحْلِهِ، وتَزايُدِ مُصِيبَتِهِ عَلى أبِيهِمْ، بَلْ كانَ إرْبًا لِيَعْقُوبَ قَضاهُ وتَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ ما يَرُدُّ عَنْهم قَدَرًا لِأنَّهُ لَوْ قَضى أنْ يُصِيبَهم عَيْنٌ لَأصابَتُهم مُتَفَرِّقِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وإنَّما طَمِعَ يَعْقُوبُ أنْ تُصادِفَ وصِيَّتُهُ قَدَرَ السَّلامَةِ، فَوَصّى وقَضى بِذَلِكَ حاجَةَ نَفْسِهِ في أنْ بَقِيَ يَتَنَعَّمُ بِرَجائِهِ أنْ يُصادِفَ وصِيَّتَهُ القَدَرُ في سَلامَتِهِمْ.
﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ يَعْنِي لِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وما بَعْدَهُ وعِلْمُهُ بِأنَّ القَدَرَ لا يَدْفَعُهُ الحَذَرُ، وهَذا ثَناءٌ مِنَ اللَّهِ عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقالَ قَتادَةُ: لَعامِلٌ بِما عَلِمْناهُ، وقالَ سُفْيانُ: مَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا، ولَفْظَةُ (ذُو عِلْمٍ) لا تُساعِدُهُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ وإنْ كانَ صَحِيحًا في نَفْسِهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (مِمّا عَلَّمْناهُ) .
يوسف 12:67
﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿وقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
قَرَأ عَلْقَمَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ (رِدَّتْ) بِكَسْرِ الرّاءِ، نَقَلَ حَرَكَةَ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ بَعْدَ تَوَهُّمِ خُلُوِّها مِنَ الضَّمَّةِ، وهي لُغَةٌ لِبَنِي ضَبَّةَ، كَما نَقَلَتِ العَرَبُ في قِيلَ وبِيعَ، وحَكى قُطْرُبٌ: النَّقْلُ في الحَرْفِ الصَّحِيحِ غَيْرُ المُدْغَمِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ، سَمَّوُا المَشْدُودَ المَرْبُوطَ بِجُمْلَتِهِ مَتاعًا، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الفَتْحُ فِيهِ (وما نَبْغِي) ”ما“ فِيهِ اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ نَبْغِي ونَطْلُبُ مِنَ الكَرامَةِ هَذِهِ (p-٣٢٤)أمْوالُنا رُدَّتْ إلَيْنا، قالَهُ قَتادَةُ. وكانُوا قالُوا لِأبِيهِمْ: قَدِمْنا عَلى خَيْرِ رَجُلٍ أنْزَلَنا وأكْرَمَنا كَرامَةً، لَوْ كانَ رَجُلًا مِن آلِ يَعْقُوبَ ما أكْرَمَنا كَرامَتَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً أيْ: ما بَقِيَ لَنا ما نَطْلُبُ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ نافِيَةً مِنَ البَغْيِ؛ أيْ: ما افْتَرَيْنا فَكَذَبْنا عَلى هَذا المَلِكِ، ولا في وصْفِ إجْمالِهِ وإكْرامِهِ، هَذِهِ البِضاعَةُ مَرْدُودَةٌ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ ما نَبْغِي في القَوْلِ ما تَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ والكَرامَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ ما نُرِيدُ مِنكَ بِضاعَةً أُخْرى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأبُو حَيْوَةَ: (ما تَبْغِي) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ يَعْقُوبَ، ورَوَتْها عائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ويَحْتَمِلُ ”ما“ في هَذِهِ القِراءَةِ الِاسْتِفْهامَ والنَّفْيَ كَقِراءَةِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: (ونُمِيرُ) بِضَمِّ النُّونِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُوَضِّحَةٌ لِقَوْلِهِمْ: (ما نَبْغِي) والجُمَلُ بَعْدَها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها عَلى تَقْدِيرِ: فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونَسْتَعِينُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا في رُجُوعِنا إلى المَلِكِ، ونَحْفَظُ أخانا فَلا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِمّا تَخافُهُ، وإذا كانَ ما نَبْغِي ما نَتَزَيَّدُ وما نَكْذِبُ، جازَ أنْ يَكُونَ (ونَمِيرُ) مَعْطُوفًا عَلى (ما نَبْغِي) أيْ: لا نَبْغِي فِيما نَقُولُ، ونَمِيرُ أهْلَنا ونَفْعَلُ كَيْتَ وكَيْتَ، وجازَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً، وكَرَّرُوا حِفْظَ الأخِ مُبالَغَةً في الحَضِّ عَلى إرْسالِهِ، ونَزْدادُ بِاسْتِصْحابِ أخِينا، وسَقَ بَعِيرٍ عَلى أوَساقِ بَعِيرِنا؛ لِأنَّهُ إنَّما كانَ حَمَّلَ لَهم عَشَرَةَ أبْعِرَةٍ، ولَمْ يُحَمِّلِ الحادِي عَشَرَ لِغَيْبَةِ صاحِبِهِ، والظّاهِرُ أنَّ البَعِيرَ هو مِنَ الإبِلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كَيْلُ حِمارٍ، قالَ: وبَعْضُ العَرَبِ تَقُولُ لِلْحِمارِ: بَعِيرٌ، وهَذا شاذٌّ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ مِن كَلامِهِمْ لا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ، والإشارَةُ بِذَلِكَ الظّاهِرُ أنَّها إلى (كَيْلَ بَعِيرٍ) أيْ: يَسِيرٍ، بِمَعْنى قَلِيلٍ، يُحَبِّبُنا إلَيْهِ المَلِكُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، أوْ يَسِيرٌ بِمَعْنى سَهْلٍ مُتَيَسِّرٍ لا يَتَعاظَمَهُ. وقِيلَ: يَسِيرٌ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَهُ. وقالَ الحَسَنُ: وقَدْ كانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم أنْ يَزِيدَهم حِمْلَ بَعِيرٍ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ذَلِكَ مِكْيَلٌ قَلِيلٌ لا يَكْفِينا، يَعْنِي: ما يُكالُ لَهم، فازْدادُوا إلَيْهِ ما يُكالُ لِأخِيهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ يَعْقُوبَ؛ أيْ: حِمْلُ بَعِيرٍ واحِدٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطَرُ لِمِثْلِهِ بِالوَلَدِ، كَقَوْلِهِ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ)، انْتَهى. ويَعْنِي أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ أنَّهُ مِن كَلامِهِمْ، وهو مِن كَلامِ يَعْقُوبَ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وهو مِن كَلامِ يُوسُفَ، وهَذا كُلُّهُ تَحْمِيلٌ لِلَفْظِ القُرْآنِ ما يَبْعُدُ تَحْمِيلُهُ، وفِيهِ مُخالَفَةُ الظّاهِرِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ، ولَمّا كانَ يَعْقُوبُ غَيْرَ مُخْتارٍ لِإرْسالِ ابْنِهِ، وألَحُّوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ، عَلَّقَ إرْسالَهُ بِأخْذِ المَوْثِقِ عَلَيْهِمْ وهو الحَلِفُ بِاللَّهِ، إذْ بِهِ تُؤَكَّدُ العُهُودُ وتُشَدَّدُ، و﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابٌ لِلْحَلِفِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا﴾ حَتّى تَحْلِفُوا لِي لَتَأْتُنَّنِي بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الغَلَبَةِ، والمَعْنى: تَعُمُّكُمُ الغَلَبَةُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ حَتّى لا يَكُونَ لَكم حِيلَةٌ ولا وجْهُ تَخَلُّصٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تُهْلَكُوا، وعَنْهُ أيْضًا: إلّا أنْ تُطِيقُوا ذَلِكَ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ مُراعى في قَوْلِهِ: (لَتَأْتُنَّنِي) وإنْ كانَ (p-٣٢٥)مُثْبِتًا مَعْنى النَّفْيِ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا تَمْتَنِعُونَ مِنَ الإتْيانِ بِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأنْ يُحاطَ بِكم، ومِثالُهُ مِنَ المُثْبَتِ في اللَّفْظِ ومَعْناهُ النَّفْيُ، قَوْلُهم: أُنْشُدُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ؛ أيْ: ما أُنْشُدُكَ إلّا الفِعْلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنى مِنَ الأحْوالِ مُقَدَّرًا بِالمَصْدَرِ الواقِعِ حالًا، وإنْ كانَ صَرِيحُ المَصْدَرِ قَدْ يَقَعُ حالًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا إحاطَةً بِكم أيْ: مُحاطًا بِكم؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ (أنْ) النّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ لا تَقَعُ حالًا وإنْ كانَتْ مُقَدَّرَةً بِالمَصْدَرِ الَّذِي قَدْ يَقَعُ بِنَفْسِهِ حالًا، فَإنْ جَعَلْتَ أنْ والفِعْلَ واقِعَةً مَوْقِعَ المَصْدَرِ الواقِعِ ظَرْفَ زَمانٍ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا إحاطَةً بِكم أيْ: إلّا وقْتَ إحاطَةٍ بِكم، قُلْتُ: مَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فَقالَ: ما مَعْناهُ: يَجُوزُ خُرُوجُنا صِياحَ الدِّيكِ أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا يَجُوزُ خُرُوجُنا أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، ولا ما يَصِيحُ الدِّيكُ، وإنْ كانَتْ ”أنْ، وما“ مَصْدَرِيَّتَيْنِ، وإنَّما يَقَعُ ظَرْفًا المَصْدَرُ المُصَرَّحُ بِلَفْظِهِ، وأجازَ ابْنُ جِنِّي أنْ تَقَعَ ”أنْ“ ظَرْفًا، كَما يَقَعُ صَرِيحُ المَصْدَرِ، فَأجازَ في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
؎وقالُوا لَها لا تَنْكِحِيهِ فَإنَّهُ لِأوَّلِ فَصْلٍ أنْ يُلاقِيَ مَجْمَعًا
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎وتاللَّهِ ما إنْ شَهْلٌ أُمُّ واحِدٍ ∗∗∗ بِأوْجَدَ مِنِّي أنْ يُهانَ صَغِيرُها
أنْ يَكُونَ ”أنْ تُلاقِيَ“ تَقْدِيرَهُ: وقْتَ لِقائِهِ الجَمْعَ، وأنْ يَكُونَ ”أنْ يُهانَ“ تَقْدِيرَهُ: وقْتَ إهانَةِ صَغِيرِها، فَعَلى ما أجازَهُ ابْنُ جِنِّي يَجُوزُ أنْ تَخْرُجَ الآيَةُ ويَبْقى ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الإثْباتِ، ولا يُقَدَّرُ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأجابُوهُ إلى ما طَلَبَهُ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ مِن طَلَبِ المَوْثِقِ وإعْطائِهِ (وكِيلٌ) رَقِيبٌ مُطَّلِعٌ، ونَهْيُهُ إيّاهم أنْ يَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ هو خَشْيَةُ العَيْنِ، وكانُوا أحَدَ عَشَرَ لِرَجُلٍ واحِدٍ، أهْلَ جَمالٍ وبَسْطَةٍ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم، والعَيْنُ حَقٌّ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ،» وفي التَّعَوُّذِ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ“ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: لِأنَّهم كانُوا ذَوِي بَهاءٍ وشارَةٍ حَسَنَةٍ، وقَدْ أشْهَرَهم أهْلُ مِصْرَ بِالقُرْبَةِ عِنْدَ المَلِكِ والكَرامَةِ الخاصَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِمْ فَكانُوا مَظِنَّةً لِطُمُوحِ الأبْصارِ إلَيْهِمْ مِنَ الوُفُودِ وأنْ يُشارَ إلَيْهِمْ بِالأصابِعِ ويُقالَ: هَؤُلاءِ أضْيافُ المَلِكِ، انْظُرُوا إلَيْهِمْ ما أحْسَنَهم مِن فِتْيانٍ وما أحَقَّهم بِالإكْرامِ، لِأمْرٍ ما قَرَّبَهُمُ المَلِكُ وقَرَّبَهم وفَضَّلَهم عَلى الوافِدِينَ عَلَيْهِ، فَخافَ لِذَلِكَ أنْ يَدْخُلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً فَيُعانُوا لِجَمالِهِمْ وجَلالَةِ أمْرِهِمْ في الصُّدُورِ يُصِبْهم ما يَسُوءُهم، ولِذَلِكَ لَمْ يُوصِهِمْ بِالتَّفَرُّقِ في المَرَّةِ الأُولى لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ مَغْمُورِينَ بَيْنَ النّاسِ، انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ خَوْفَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَيْنِ في هَذِهِ الكَرَّةِ بِحَسَبِ أنَّ مَحْبُوبَهُ فِيهِمْ وهو بِنْيامِينُ الَّذِي كانَ يَتَسَلّى بِهِ عَنْ شَقِيقِهِ يُوسُفَ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ في الكَرَّةِ الأُولى، فَأهْمَلَ أمْرَهم ولَمْ يَحْتَفِلْ بِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ في يُوسُفَ، وقِيلَ: نَهاهم خَشْيَةَ أنْ يُسْتَرابَ بِهِمْ لِقَوْلِ يُوسُفَ: أنْتُمْ جَواسِيسُ، وقِيلَ: طَمَعَ بِافْتِراقِهِمْ أنْ يَتَسَمَّعُوا خَبَرَ يُوسُفَ، ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يُغْنِيَ عَنْهم شَيْئًا يَعْنِي: بِوَصاتِهِ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ أيْ: هو الَّذِي يَحْكُمُ وحْدَهُ ويَنْفُذُ ما يُرِيدُ، فَعَلَيْهِ وحْدَهُ تَوَكَّلْتُ، و﴿مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ: مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، رُوِيَ أنَّهم لَمّا ودَّعُوا أباهم قالَ لَهم: بَلِّغُوا مَلِكَ مِصْرَ سَلامِي وقُولُوا لَهُ: إنَّ أبانا يُصَلِّي عَلَيْكَ، ويَدْعُو لَكَ، ويَشْكُرُ صَنِيعَكَ مَعَنا، وفي كِتابِ أبِي مَنصُورٍ المَهْرانِيِّ: أنَّهُ خاطَبَهُ بِكِتابٍ قُرِئَ عَلى يُوسُفَ فَبَكى، وجَوابُ ”لَمّا“ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وفِيهِ حُجَّةٌ لِمَن زَعَمَ أنَّ (لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ لا ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ، إذْ لَوْ كانَتْ ظَرْفَ زَمانٍ ما جازَ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِما بَعْدَ ما النّافِيَةِ، لا يَجُوزُ حِينَ قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، ويَجُوزُ لَمّا قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ”لَمّا“ حَرْفٌ يَتَرَتَّبُ جَوابُهُ عَلى ما بَعْدَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ (p-٣٢٦)يَكُونَ جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا، ثُمَّ يُخْبِرُ عَنْ دُخُولِهِمْ أنَّهُ ما كانَ يُغْنِي، ومَعْنى الجُمْلَةِ: لَمْ يَكُنْ في دُخُولِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ دَفْعُ قَدَرِ اللَّهُ الَّذِي قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِن تَشْرِيفِهِمْ وافْتِضاحِهِمْ بِذَلِكَ، وأخْذِ أخِيهِمْ بِوِجْدانِ الصّاعِ في رَحْلِهِ، وتَزايُدِ مُصِيبَتِهِ عَلى أبِيهِمْ، بَلْ كانَ إرْبًا لِيَعْقُوبَ قَضاهُ وتَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ ما يَرُدُّ عَنْهم قَدَرًا لِأنَّهُ لَوْ قَضى أنْ يُصِيبَهم عَيْنٌ لَأصابَتُهم مُتَفَرِّقِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وإنَّما طَمِعَ يَعْقُوبُ أنْ تُصادِفَ وصِيَّتُهُ قَدَرَ السَّلامَةِ، فَوَصّى وقَضى بِذَلِكَ حاجَةَ نَفْسِهِ في أنْ بَقِيَ يَتَنَعَّمُ بِرَجائِهِ أنْ يُصادِفَ وصِيَّتَهُ القَدَرُ في سَلامَتِهِمْ.
﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ يَعْنِي لِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وما بَعْدَهُ وعِلْمُهُ بِأنَّ القَدَرَ لا يَدْفَعُهُ الحَذَرُ، وهَذا ثَناءٌ مِنَ اللَّهِ عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقالَ قَتادَةُ: لَعامِلٌ بِما عَلِمْناهُ، وقالَ سُفْيانُ: مَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا، ولَفْظَةُ (ذُو عِلْمٍ) لا تُساعِدُهُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ وإنْ كانَ صَحِيحًا في نَفْسِهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (مِمّا عَلَّمْناهُ) .
يوسف 12:68
﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿وقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
قَرَأ عَلْقَمَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ (رِدَّتْ) بِكَسْرِ الرّاءِ، نَقَلَ حَرَكَةَ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ بَعْدَ تَوَهُّمِ خُلُوِّها مِنَ الضَّمَّةِ، وهي لُغَةٌ لِبَنِي ضَبَّةَ، كَما نَقَلَتِ العَرَبُ في قِيلَ وبِيعَ، وحَكى قُطْرُبٌ: النَّقْلُ في الحَرْفِ الصَّحِيحِ غَيْرُ المُدْغَمِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ، سَمَّوُا المَشْدُودَ المَرْبُوطَ بِجُمْلَتِهِ مَتاعًا، فَلِذَلِكَ حَسُنَ الفَتْحُ فِيهِ (وما نَبْغِي) ”ما“ فِيهِ اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ نَبْغِي ونَطْلُبُ مِنَ الكَرامَةِ هَذِهِ (p-٣٢٤)أمْوالُنا رُدَّتْ إلَيْنا، قالَهُ قَتادَةُ. وكانُوا قالُوا لِأبِيهِمْ: قَدِمْنا عَلى خَيْرِ رَجُلٍ أنْزَلَنا وأكْرَمَنا كَرامَةً، لَوْ كانَ رَجُلًا مِن آلِ يَعْقُوبَ ما أكْرَمَنا كَرامَتَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً أيْ: ما بَقِيَ لَنا ما نَطْلُبُ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ نافِيَةً مِنَ البَغْيِ؛ أيْ: ما افْتَرَيْنا فَكَذَبْنا عَلى هَذا المَلِكِ، ولا في وصْفِ إجْمالِهِ وإكْرامِهِ، هَذِهِ البِضاعَةُ مَرْدُودَةٌ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ ما نَبْغِي في القَوْلِ ما تَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ والكَرامَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ ما نُرِيدُ مِنكَ بِضاعَةً أُخْرى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأبُو حَيْوَةَ: (ما تَبْغِي) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ يَعْقُوبَ، ورَوَتْها عائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ويَحْتَمِلُ ”ما“ في هَذِهِ القِراءَةِ الِاسْتِفْهامَ والنَّفْيَ كَقِراءَةِ النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: (ونُمِيرُ) بِضَمِّ النُّونِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُوَضِّحَةٌ لِقَوْلِهِمْ: (ما نَبْغِي) والجُمَلُ بَعْدَها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها عَلى تَقْدِيرِ: فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونَسْتَعِينُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا في رُجُوعِنا إلى المَلِكِ، ونَحْفَظُ أخانا فَلا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِمّا تَخافُهُ، وإذا كانَ ما نَبْغِي ما نَتَزَيَّدُ وما نَكْذِبُ، جازَ أنْ يَكُونَ (ونَمِيرُ) مَعْطُوفًا عَلى (ما نَبْغِي) أيْ: لا نَبْغِي فِيما نَقُولُ، ونَمِيرُ أهْلَنا ونَفْعَلُ كَيْتَ وكَيْتَ، وجازَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً، وكَرَّرُوا حِفْظَ الأخِ مُبالَغَةً في الحَضِّ عَلى إرْسالِهِ، ونَزْدادُ بِاسْتِصْحابِ أخِينا، وسَقَ بَعِيرٍ عَلى أوَساقِ بَعِيرِنا؛ لِأنَّهُ إنَّما كانَ حَمَّلَ لَهم عَشَرَةَ أبْعِرَةٍ، ولَمْ يُحَمِّلِ الحادِي عَشَرَ لِغَيْبَةِ صاحِبِهِ، والظّاهِرُ أنَّ البَعِيرَ هو مِنَ الإبِلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كَيْلُ حِمارٍ، قالَ: وبَعْضُ العَرَبِ تَقُولُ لِلْحِمارِ: بَعِيرٌ، وهَذا شاذٌّ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ مِن كَلامِهِمْ لا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ، والإشارَةُ بِذَلِكَ الظّاهِرُ أنَّها إلى (كَيْلَ بَعِيرٍ) أيْ: يَسِيرٍ، بِمَعْنى قَلِيلٍ، يُحَبِّبُنا إلَيْهِ المَلِكُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، أوْ يَسِيرٌ بِمَعْنى سَهْلٍ مُتَيَسِّرٍ لا يَتَعاظَمَهُ. وقِيلَ: يَسِيرٌ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَهُ. وقالَ الحَسَنُ: وقَدْ كانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَهم أنْ يَزِيدَهم حِمْلَ بَعِيرٍ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ذَلِكَ مِكْيَلٌ قَلِيلٌ لا يَكْفِينا، يَعْنِي: ما يُكالُ لَهم، فازْدادُوا إلَيْهِ ما يُكالُ لِأخِيهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ يَعْقُوبَ؛ أيْ: حِمْلُ بَعِيرٍ واحِدٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطَرُ لِمِثْلِهِ بِالوَلَدِ، كَقَوْلِهِ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ)، انْتَهى. ويَعْنِي أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ أنَّهُ مِن كَلامِهِمْ، وهو مِن كَلامِ يَعْقُوبَ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ)، ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وهو مِن كَلامِ يُوسُفَ، وهَذا كُلُّهُ تَحْمِيلٌ لِلَفْظِ القُرْآنِ ما يَبْعُدُ تَحْمِيلُهُ، وفِيهِ مُخالَفَةُ الظّاهِرِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ، ولَمّا كانَ يَعْقُوبُ غَيْرَ مُخْتارٍ لِإرْسالِ ابْنِهِ، وألَحُّوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ، عَلَّقَ إرْسالَهُ بِأخْذِ المَوْثِقِ عَلَيْهِمْ وهو الحَلِفُ بِاللَّهِ، إذْ بِهِ تُؤَكَّدُ العُهُودُ وتُشَدَّدُ، و﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابٌ لِلْحَلِفِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا﴾ حَتّى تَحْلِفُوا لِي لَتَأْتُنَّنِي بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الغَلَبَةِ، والمَعْنى: تَعُمُّكُمُ الغَلَبَةُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ حَتّى لا يَكُونَ لَكم حِيلَةٌ ولا وجْهُ تَخَلُّصٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تُهْلَكُوا، وعَنْهُ أيْضًا: إلّا أنْ تُطِيقُوا ذَلِكَ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ مُراعى في قَوْلِهِ: (لَتَأْتُنَّنِي) وإنْ كانَ (p-٣٢٥)مُثْبِتًا مَعْنى النَّفْيِ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا تَمْتَنِعُونَ مِنَ الإتْيانِ بِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأنْ يُحاطَ بِكم، ومِثالُهُ مِنَ المُثْبَتِ في اللَّفْظِ ومَعْناهُ النَّفْيُ، قَوْلُهم: أُنْشُدُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ؛ أيْ: ما أُنْشُدُكَ إلّا الفِعْلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنى مِنَ الأحْوالِ مُقَدَّرًا بِالمَصْدَرِ الواقِعِ حالًا، وإنْ كانَ صَرِيحُ المَصْدَرِ قَدْ يَقَعُ حالًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا إحاطَةً بِكم أيْ: مُحاطًا بِكم؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ (أنْ) النّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ لا تَقَعُ حالًا وإنْ كانَتْ مُقَدَّرَةً بِالمَصْدَرِ الَّذِي قَدْ يَقَعُ بِنَفْسِهِ حالًا، فَإنْ جَعَلْتَ أنْ والفِعْلَ واقِعَةً مَوْقِعَ المَصْدَرِ الواقِعِ ظَرْفَ زَمانٍ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا إحاطَةً بِكم أيْ: إلّا وقْتَ إحاطَةٍ بِكم، قُلْتُ: مَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فَقالَ: ما مَعْناهُ: يَجُوزُ خُرُوجُنا صِياحَ الدِّيكِ أيْ: وقْتَ صِياحِ الدِّيكِ، ولا يَجُوزُ خُرُوجُنا أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، ولا ما يَصِيحُ الدِّيكُ، وإنْ كانَتْ ”أنْ، وما“ مَصْدَرِيَّتَيْنِ، وإنَّما يَقَعُ ظَرْفًا المَصْدَرُ المُصَرَّحُ بِلَفْظِهِ، وأجازَ ابْنُ جِنِّي أنْ تَقَعَ ”أنْ“ ظَرْفًا، كَما يَقَعُ صَرِيحُ المَصْدَرِ، فَأجازَ في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
؎وقالُوا لَها لا تَنْكِحِيهِ فَإنَّهُ لِأوَّلِ فَصْلٍ أنْ يُلاقِيَ مَجْمَعًا
وقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎وتاللَّهِ ما إنْ شَهْلٌ أُمُّ واحِدٍ ∗∗∗ بِأوْجَدَ مِنِّي أنْ يُهانَ صَغِيرُها
أنْ يَكُونَ ”أنْ تُلاقِيَ“ تَقْدِيرَهُ: وقْتَ لِقائِهِ الجَمْعَ، وأنْ يَكُونَ ”أنْ يُهانَ“ تَقْدِيرَهُ: وقْتَ إهانَةِ صَغِيرِها، فَعَلى ما أجازَهُ ابْنُ جِنِّي يَجُوزُ أنْ تَخْرُجَ الآيَةُ ويَبْقى ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الإثْباتِ، ولا يُقَدَّرُ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأجابُوهُ إلى ما طَلَبَهُ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ قالَ يَعْقُوبُ: ﴿اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ مِن طَلَبِ المَوْثِقِ وإعْطائِهِ (وكِيلٌ) رَقِيبٌ مُطَّلِعٌ، ونَهْيُهُ إيّاهم أنْ يَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ هو خَشْيَةُ العَيْنِ، وكانُوا أحَدَ عَشَرَ لِرَجُلٍ واحِدٍ، أهْلَ جَمالٍ وبَسْطَةٍ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم، والعَيْنُ حَقٌّ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ،» وفي التَّعَوُّذِ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ“ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: لِأنَّهم كانُوا ذَوِي بَهاءٍ وشارَةٍ حَسَنَةٍ، وقَدْ أشْهَرَهم أهْلُ مِصْرَ بِالقُرْبَةِ عِنْدَ المَلِكِ والكَرامَةِ الخاصَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِمْ فَكانُوا مَظِنَّةً لِطُمُوحِ الأبْصارِ إلَيْهِمْ مِنَ الوُفُودِ وأنْ يُشارَ إلَيْهِمْ بِالأصابِعِ ويُقالَ: هَؤُلاءِ أضْيافُ المَلِكِ، انْظُرُوا إلَيْهِمْ ما أحْسَنَهم مِن فِتْيانٍ وما أحَقَّهم بِالإكْرامِ، لِأمْرٍ ما قَرَّبَهُمُ المَلِكُ وقَرَّبَهم وفَضَّلَهم عَلى الوافِدِينَ عَلَيْهِ، فَخافَ لِذَلِكَ أنْ يَدْخُلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً فَيُعانُوا لِجَمالِهِمْ وجَلالَةِ أمْرِهِمْ في الصُّدُورِ يُصِبْهم ما يَسُوءُهم، ولِذَلِكَ لَمْ يُوصِهِمْ بِالتَّفَرُّقِ في المَرَّةِ الأُولى لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ مَغْمُورِينَ بَيْنَ النّاسِ، انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ خَوْفَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَيْنِ في هَذِهِ الكَرَّةِ بِحَسَبِ أنَّ مَحْبُوبَهُ فِيهِمْ وهو بِنْيامِينُ الَّذِي كانَ يَتَسَلّى بِهِ عَنْ شَقِيقِهِ يُوسُفَ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ في الكَرَّةِ الأُولى، فَأهْمَلَ أمْرَهم ولَمْ يَحْتَفِلْ بِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ في يُوسُفَ، وقِيلَ: نَهاهم خَشْيَةَ أنْ يُسْتَرابَ بِهِمْ لِقَوْلِ يُوسُفَ: أنْتُمْ جَواسِيسُ، وقِيلَ: طَمَعَ بِافْتِراقِهِمْ أنْ يَتَسَمَّعُوا خَبَرَ يُوسُفَ، ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يُغْنِيَ عَنْهم شَيْئًا يَعْنِي: بِوَصاتِهِ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ أيْ: هو الَّذِي يَحْكُمُ وحْدَهُ ويَنْفُذُ ما يُرِيدُ، فَعَلَيْهِ وحْدَهُ تَوَكَّلْتُ، و﴿مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ: مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، رُوِيَ أنَّهم لَمّا ودَّعُوا أباهم قالَ لَهم: بَلِّغُوا مَلِكَ مِصْرَ سَلامِي وقُولُوا لَهُ: إنَّ أبانا يُصَلِّي عَلَيْكَ، ويَدْعُو لَكَ، ويَشْكُرُ صَنِيعَكَ مَعَنا، وفي كِتابِ أبِي مَنصُورٍ المَهْرانِيِّ: أنَّهُ خاطَبَهُ بِكِتابٍ قُرِئَ عَلى يُوسُفَ فَبَكى، وجَوابُ ”لَمّا“ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وفِيهِ حُجَّةٌ لِمَن زَعَمَ أنَّ (لَمّا) حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ لا ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ، إذْ لَوْ كانَتْ ظَرْفَ زَمانٍ ما جازَ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِما بَعْدَ ما النّافِيَةِ، لا يَجُوزُ حِينَ قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، ويَجُوزُ لَمّا قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ”لَمّا“ حَرْفٌ يَتَرَتَّبُ جَوابُهُ عَلى ما بَعْدَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ (p-٣٢٦)يَكُونَ جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا، ثُمَّ يُخْبِرُ عَنْ دُخُولِهِمْ أنَّهُ ما كانَ يُغْنِي، ومَعْنى الجُمْلَةِ: لَمْ يَكُنْ في دُخُولِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ دَفْعُ قَدَرِ اللَّهُ الَّذِي قَضاهُ عَلَيْهِمْ مِن تَشْرِيفِهِمْ وافْتِضاحِهِمْ بِذَلِكَ، وأخْذِ أخِيهِمْ بِوِجْدانِ الصّاعِ في رَحْلِهِ، وتَزايُدِ مُصِيبَتِهِ عَلى أبِيهِمْ، بَلْ كانَ إرْبًا لِيَعْقُوبَ قَضاهُ وتَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ ما يَرُدُّ عَنْهم قَدَرًا لِأنَّهُ لَوْ قَضى أنْ يُصِيبَهم عَيْنٌ لَأصابَتُهم مُتَفَرِّقِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وإنَّما طَمِعَ يَعْقُوبُ أنْ تُصادِفَ وصِيَّتُهُ قَدَرَ السَّلامَةِ، فَوَصّى وقَضى بِذَلِكَ حاجَةَ نَفْسِهِ في أنْ بَقِيَ يَتَنَعَّمُ بِرَجائِهِ أنْ يُصادِفَ وصِيَّتَهُ القَدَرُ في سَلامَتِهِمْ.
﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ يَعْنِي لِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وما بَعْدَهُ وعِلْمُهُ بِأنَّ القَدَرَ لا يَدْفَعُهُ الحَذَرُ، وهَذا ثَناءٌ مِنَ اللَّهِ عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقالَ قَتادَةُ: لَعامِلٌ بِما عَلِمْناهُ، وقالَ سُفْيانُ: مَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا، ولَفْظَةُ (ذُو عِلْمٍ) لا تُساعِدُهُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ وإنْ كانَ صَحِيحًا في نَفْسِهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (مِمّا عَلَّمْناهُ) .
يوسف 12:69
﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥]
العِيرُ: الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ عِيرٌ، كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ، وأصْلُها فُعْلٌ كَسَقْفٍ وسُقْفٍ، فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ وعِينٍ، والعِيرُ مُؤَنَّثٌ، وقالُوا في الجَمْعِ: عِيَراتٌ، فَشَذُّوا في جَمْعِهِ بِالألِفِ والتّاءِ، وفي فَتْحِ يائِهِ وقالَ الشّاعِرُ:
؎غَشِيتُ دِيارَ الحَيِّ بِالبَكَراتِ فَعارِمَةٍ فَبَرْقَةِ العِيَراتِ
قالَ الأعْلَمُ: هُنا مَواضِعُ الأعْيارِ، وهي الحَمِيرُ. الصُّواعُ: الصّاعُ، وفِيهِ لُغاتٌ تَأْتِي في القُرْآنِ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ. الوِعاءُ: الظَّرْفُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ وتُضَمُّ واوُهُ، ويَجُوزُ أنْ تُبْدَلَ واوُهُ هَمْزَةً. فَتِئَ: مِن أخَواتِ كانَ النّاقِصَةِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
؎فَما فَتِئَتْ حَيٌّ كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ بُومٍ ذِي رِياحٍ تَرَفَّعُ
وقالَ أيْضًا:
؎فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ∗∗∗ ويَلْحَقُ مِنها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ
(p-٣٢٧)ويُقالُ فِيها: فَتَأ عَلى وزْنِ ضَرَبَ، وأفْتَأ عَلى وزْنِ أكْرَمَ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى سَكَنَ وأطْفَأ، فَتَكُونُ تامَّةً، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ مِنهُ، صَحَّفَ الثّاءَ بِثَلاثٍ، بِالتّاءِ بِثِنْتَيْنِ مِن فَوْقُ، وشَرَحَها بِسَكَنٍ وأطْفَأ. الحَرَضُ: المُشْفِي عَلى الهَلاكِ يُقالُ: حَرِضَ فَهو حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، حَرَضًا بِفَتْحِها وهو المَصْدَرُ، ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والجَمْعُ، وأحْرَضَهُ المَرَضُ فَهو مُحْرَضٌ قالَ:
؎أرى المَرْءَ كالأزْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ∗∗∗ كَإحْراضِ بَكْرٍ في الدِّيارِ مَرِيضِ
وقالَ الآخَرُ:
؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ
وقالَ: رَجُلٌ حُرُضٌ بِضَمَّتَيْنِ كَجُنُبٍ وشُلُلٍ.
* *
﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
(p-٣٢٨)رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: هَذا أخُونا قَدْ جِئْناكَ بِهِ، فَقالَ: أحْسَنْتُمْ وأصَبْتُمْ، وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي، فَأنْزَلَهم وأكْرَمَهم، ثُمَّ أضافَهم، وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ، وجَعَلَ يُؤاكِلُهم وقالَ: أنْتُمْ عَشَرَةٌ، فَلْيَنْزِلْ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم بَيْتًا، وهَذا لا ثانِيَ لَهُ فَيَكُونُ مَعِي، فَباتَ يُوسُفُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويَشُمُّ رائِحَتَهُ حَتّى أصْبَحَ، وسَألَهُ عَنْ ولَدِهِ فَقالَ: لِي عَشَرَةُ بَنِينَ اشْتَقَقْتُ أسْماءَهم مِنِ اسْمِ أخٍ لِي هَلَكَ، فَقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ ؟ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ، فَبَكى يُوسُفُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ وقالَ لَهُ: أنا أخُوكَ يُوسُفُ فَلا تَبْتَئِسْ، فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بِنا فِيما مَضى، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا عَلى خَيْرٍ، ولا تُعْلِمُهم بِما أعْلَمْتُكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَعَرَّفَ إلَيْهِ أنَّهُ أخُوهُ، وهو الظّاهِرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، أعْلَمَهُ أنَّهُ أخُوهُ حَقِيقَةً واسْتَكْتَمَهُ، وقالَ لَهُ: لا تُبالِي بِكُلِّ ما تَراهُ مِنَ المَكْرُوهِ في تَحَيُّلِي في أخْذِكَ مِنهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِقَوْلِهِ: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إلى ما يَعْمَلُهُ فِتْيانُ يُوسُفَ مِن أمْرِ السِّقايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. ولا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ بِما يَعْمَلُونَ بِغَيْرٍ كانُوا، لَأمْكَنَ عَلى بُعْدِهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما هو مَعَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وأمّا ذِكْرُ فِتْيانِهِ فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ [يوسف: ٦٢] وقَدْ حالَ بَيْنَهُما قَصَصٌ.
(p-٣٢٩)واتَّسَقَ الكَلامُ مَعَ الإخْوَةِ اتِّساقًا لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ عائِدٌ إلَيْهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما كانَ يَلْقى مِنهم قَدِيمًا مِنَ الأذى، إذْ قَدْ أمِنَ مِن ذَلِكَ بِاجْتِماعِهِ بِأخِيهِ يُوسُفَ، وقالَ وهْبٌ: إنَّما أخْبَرَ أنَّهُ أخُوهُ في الوُدِّ مَقامَ أخِيهِ الذّاهِبِ، ولَمْ يَكْشِفْ إلَيْهِ الأمْرَ، بَلْ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ كَسائِرِ إخْوَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ هو يُوسُفُ، ويَظْهَرُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مَلِكًا أنَّهُ لَمْ يُباشِرْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، بَلْ جَعَلَ غَيْرَهُ مِن فِتْيانِهِ، أوْ غَيْرِهِمْ أنْ يَجْعَلَها، وتَقَدَّمَ قَوْلُ وهْبٍ: أنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ لَهُ أنَّهُ أخُوهُ وأنَّهُ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِ يُوسُفَ: أنا لا أُفارِقُكَ قالَ: قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ والِدِي، فَإذا حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسُبَكَ إلى ما لا يُحْمَلُ، قالَ: لا أُبالِي، فافْعَلْ ما بَدا لَكَ، قالَ: فَإنِّي أدُسُّ صاعِي في رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهم، قالَ: فافْعَلْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ، أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا، ثُمَّ أذَّنَ، وفي نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ وجَعَلَ السِّقايَةَ بِزِيادَةِ واوٍ في جَعَلَ دُونَ الزِّيادَةِ الَّتِي زادَها الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَقَدَها حافِظُها، كَما قِيلَ: إنَّما أُوحِيَ إلى يُوسُفَ أنْ يَجْعَلَ السِّقايَةَ فَقَطْ، ثُمَّ إنَّ حافِظَها فَقَدَها، فَنادى بِرَأْيِهِ عَلى ما ظَهَرَ لَهُ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وتَفْتِيشُ الأوْعِيَةِ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَأْذِينَ المُؤَذِّنِ كانَ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ هَذا الجَعْلُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِن بِنْيامِينَ، وما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ بِعِلْمٍ مِنهُ.
وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: السِّقايَةُ إناءٌ يَشْرَبُ بِهِ المَلِكُ، وبِهِ كانَ يُكالُ الطَّعامُ لِلنّاسِ، وقِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تَسْقِي بِها ويُكالُ بِها، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الصُّواعُ هو مِثْلُ المَكُّوكِ الفارِسِيِّ، وكانَ إناءُ يُوسُفَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ، وكانَ إلى الطُّولِ ماهِرٌ، قالَ: وحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الصُّواعُ المَكُّوكُ الفارِسِيُّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ، كانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأعاجِمُ، والسِّقايَةُ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، أوْ نُحاسٍ، أوْ مِسْكٍ، أوْ كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ. أقْوالٌ؛ أوَّلُها لِلْجُمْهُورِ، ولِعِزَّةِ الطَّعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قَصَرَ كَيْلُهُ عَلى ذَلِكَ الإناءِ.
﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أيْ: نادى مُنادٍ، أذَّنَ: أعْلَمَ، وآذَنَ أكْثَرَ الإعْلامَ، ومِنهُ المُؤَذِّنُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنهُ، و”ثُمَّ“ تَقْتَضِي مُهْلَةً بَيْنَ جَعْلِ السِّقايَةِ والتَّأْذِينِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا فَصَلَتِ العِيرُ بِأوْقارِها وخَرَجُوا مِن مِصْرَ أُدْرَكُوا وقِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: قَبْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ أُمِرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا، وأذَّنَ مُؤَذِّنٌ، والظّاهِرُ وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ العِيرَ الإبِلُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ دَوابُّهم حَمِيرًا، ومُناداةُ العِيرِ والمُرادُ أصْحابُها كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ فَرُوعِيَ المَحْذُوفُ، ولَمْ يُراعَ العِيرُ كَما رُوعِيَ في ارْكَبِي، وفي قَوْلِهِ: ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢] ويَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ العِيرُ عَلى القافِلَةِ، أوِ الرُّفْقَةِ، فَلا يَكُونُ مِن مَجازِ الحَذْفِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّحَيُّلَ، ورَمْيَ أبْرِياءٍ بِالسَّرِقَةِ، وإدْخالَ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ، بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ؛ لَمّا عَلِمَ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الصَّلاحِ، ولَمّا أرادَ مِن مِحْنَتِهِمْ بِذَلِكَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] . وقِيلَ: لَمّا كانُوا باعُوا يُوسُفَ اسْتُجِيزَ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، ونِسْبَةُ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا وإنْ كانَ الصُّواعُ إنَّما وُجِدَ في رَحْلِ واحِدٍ مِنهم كَما تَقُولُ: بَنُو فُلانٍ فَتَلُوا فُلانًا، والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم (قالُوا) أيْ: إخْوَةُ يُوسُفَ (وأقْبَلُوا) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: وقَدْ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى طالِبِيِ السِّقايَةِ، أوْ عَلى المُؤَذِّنِ إنْ كانَ أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، كَأنَّهُ جَعَلَ مُؤَذِّنِينَ يُنادُونَ، وساءَهم أنْ يُرْمَوْا بِهَذِهِ المَثْلَبَةِ، وقالُوا: ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ لِيَقَعَ التَّفْتِيشُ فَتَظْهَرُ بَراءَتُهم ؟ ولَمْ يَلُوذُوا بِالإنْكارِ مِن أوَّلُ، بَلْ سَألُوا كَمالَ الدَّعْوى رَجاءَ أنْ يَكُونَ فِيها ما (p-٣٣٠)تُبْطَلُ بِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى خِصامٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ (ماذا) اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَفْقِدُونَ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”ما“ وحْدَها اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و”ذا“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْ ”ما“ و(تَفْقِدُونَ) صِلَةٌ لِذا، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: تَفْقِدُونَهُ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا نَحْوَ: أحَمَدْتُهُ إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وجْهُها ما ذَكَرْناهُ.
وصُواعُ المَلِكِ هو المِكْيالُ، وهو السِّقايَةُ سَمّاهُ أوَّلًا بِإحْدى جِهَتَيْهِ، وآخِرًا بِالثّانِيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُواعَ) بِضَمِّ الصّادِ بَعْدَها واوٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَها ألِفٌ بَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلابْنُ عَطِيَّةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الصّادَ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٌ: (صاعَ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى وزْنِ فَعَلَ، فالألِفُ فِيها بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (صَوْعَ) عَلى وزْنِ قَوْسٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أبِي أرْطَبانَ: (صُوَعَ) بِضَمِّ الصّادِ، وكُلُّها لُغاتٌ في الصّاعِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ عَنْهُما صاحِبُ اللَوامِحِ: (صُواغَ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ غُرابٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ يَحْذِفُ الألِفَ ويُسَكِّنُ الواوَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (صَوْغَ) مَصْدَرُ صاغٍ، وصُواغٌ وصَوْغٌ مُشْتَقّانِ مِنَ الصَّوْغِ مَصْدَرُ صاغَ يَصُوغُ، أُقِيما مَقامَ المَفْعُولِ بِمَعْنى مَصُوغِ المَلِكِ.
(ولِمَن جاءَ بِهِ) أيْ: ولِمَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ، وهَذا جَعْلٌ وأنابَهُ زَعِيمٌ مِن كَلامِ المُؤَذِّنِ، وأنا بِحَمْلِ البَعِيرِ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى ما جاءَ بِهِ، وأرادَ بِهِ وسَقَ بَعِيرٍ مِن طَعامٍ جَعْلًا لِمَن حَصَّلَهُ، قالُوا: تاللَّهِ، أقْسَمُوا بِالتّاءِ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، لِأنَّها تَكُونُ فِيها التَّعَجُّبُ غالِبًا كَأنَّهم عَجِبُوا مِن رَمْيِهِمْ بِهَذا الأمْرِ، ورُوِيَ أنَّهم رَدُّوا البِضاعَةَ الَّتِي وجَدُوها في الطَّعامِ وتَحَرَّجُوا مِن أكْلِ الطَّعامِ بِلا ثَمَنٍ، وكانُوا قَدِ اشْتُهِرُوا بِمِصْرَ بِصَلاحٍ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأكَمَةَ في أفْواهِ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ زُرُوعَ النّاسِ، فَأقْسَمُوا عَلى إثْباتِ شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوهُ مِنهم، وهو أنَّكم قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مَجِيئَنا لَمْ يَكُنْ لِفَسادٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا الإخْبارَ عَنْ نَفْيِ صِفَةِ السَّرِقَةِ عَنْهم، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ مِنهم قَطُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ جَوابِ القَسَمِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (لَقَدْ عَلِمْتُمْ)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، كَما أُبْدِلَتْ في تُراثٍ، وفي التَّوْراةِ، والتُّخْمَةِ، ولا تَدْخُلُ التّاءُ في القَسَمِ إلّا في المَكْتُوبَةِ مِن بَيْنِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ لا تَقُولُ: تالرَّحْمَنِ، ولا تالرَّحِيمِ، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، فَهو قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وخالَفَهُمُ السُّهَيْلِيُّ فَزَعَمَ أنَّها أصْلٌ بِنَفْسِها ولَيْسَتْ بَدَلًا مِن واوٍ، وهو الصَّحِيحُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: وفي التَّوْراةِ فَعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ الأصْلَ، ووَراهُ مِن ورى الزَّنْدِ. ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ التّاءَ زائِدَةٌ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: ولا تَدْخُلُ إلى آخِرِهِ فَقَدْ حُكِيَ عَنِ العَرَبِ دُخُولَها عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، وعَلى حَياتِكَ، قالُوا: تَرَبِّ الكَعْبَةِ، وتالرَّحْمَنِ، وتَحِيّاتِكَ، والخِطابُ في (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) لِطالِبِي الصُّواعِ، والضَّمِيرُ في (جَزاؤُهُ) عائِدٌ عَلى السّارِقِ، فَما جَزاءُ السّارِقِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قَوْلِكم: ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لَهُ ؟ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَما جَزاؤُهُ) الضَّمِيرُ (p-٣٣١)لِلصُّواعِ أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَتِهِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في جُحُودِكم وادِّعائِكُمُ البَراءَةَ مِنهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: هو الظّاهِرُ لِاتِّحادِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ إذِ التَّقْدِيرُ إذْ ذاكَ قالَ: جَزاءُ الصّاعِ؛ أيْ: سَرِقَتُهُ مَن وُجِدَ الصّاعُ في رَحْلِهِ، وقَوْلُهم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ كَلامُ مَن لَمْ يَشُكَّ أنَّهم بُرَآءُ مِمّا رُمُوا بِهِ، ولِاعْتِقادِهِمُ البَراءَةَ عَلَّقُوا الحُكْمَ عَلى وِجْدانِ الصّاعِ لا عَلى سَرِقَتِهِ، فَكَأنَّهم يَقُولُونَ: لا يُمْكِنُ أنْ نَسْرِقَ، لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ الصّاعُ في رِحالِنا، وكانَ في دِينِ يَعْقُوبَ اسْتِعْبادُ السّارِقِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُنَّةٌ، وكانَ في دِينِ مِصْرَ أنْ يُضْرَبَ ويُضَعَّفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ، ولِذَلِكَ أجابُوا عَلى شَرِيعَتِهِمْ، وجَوَّزُوا، في إعْرابِ هَذا الكَلامِ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، و(مَن) شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانٍ (فَهو جَزاؤُهُ) جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ خَبَرُ ”ما“ المَوْصُولَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (مَن وُجِدَ) إلى آخِرِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والضَّمِيرُ في قالُوا: (جَزاؤُهُ) لِلسّارِقِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَصِحُّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرَ (جَزاؤُهُ) مِن رابِطٍ، الثّانِي: أنَّ المَعْنى قالُوا: جَزاءُ سَرِقَتِهِ، ويَكُونُ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ فِيها مَقامُ المُضْمَرِ، والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، فَهو هو. فَمَوْضِعُ الجَزاءِ مَوْضِعُ هو، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: مَن أخُو زَيْدٍ ؟ فَتَقُولُ: أخُوهُ مَن يَقْعُدُ إلى جَنْبِهِ، فَهو هو يَرْجِعُ الضَّمِيرُ الأوَّلُ إلى مَن، والثّانِي إلى الأخِ، ثُمَّ تَقُولُ: فَهو أخُوهُ مُقِيمًا لِلْمُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلرَّبْطِ إنَّما هو فَصِيحٌ في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، وغَيْرُ فَصِيحٍ فِيما سِوى ذَلِكَ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ زَيْدٌ، ويُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَوْ قُلْتَ كانَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ ضِدَّ الكَلامِ، وكانَ هاهُنا ضَعِيفًا، ولَمْ يَكُنْ كَقَوْلِكَ: ما زَيْدٌ مُنْطَلِقًا هو، لِأنَّكَ قَدِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ إظْهارِهِ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُضْمِرَ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، ثُمَّ أفْتُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ كَما تَقُولُ: مَن يَسْتَفْتِي في جَزاءِ صَيْدِ الحَرَمِ جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ، ثُمَّ تَقُولُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مُتَكَلِّفٌ؛ إذْ تَصِيرُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: (فَما جَزاؤُهُ) أنَّ الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ جَزاءُ سَرِقَتِهِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في نُطْقِهِمْ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المِثالِ الَّذِي مُثِّلَ بِهِ مِن قَوْلِ المُسْتَفْتِي.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً؛ أيْ: جَزاءُ سَرِقَةِ الصّاعِ، والخَبَرُ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ أيْ: أُخِذَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ. وقَوْلُهم: (فَهو جَزاؤُهُ) تَقْرِيرٌ لِحُكْمٍ؛ أيْ: فَأخْذُ السّارِقِ نَفْسِهِ هو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ، كَقَوْلِكَ: حَقُّ زَيْدٍ أنْ يُكْسى ويُطْعَمَ ويُنْعَمَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَزاؤُهُ، أوْ فَهو حَقُّهُ، لِتُقَرِّرَ ما ذَكَرْتُهُ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ القَوْلَ الواحِدَ قَوْلَيْنِ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (مَن) خَبَرًا عَلى أنَّ المَعْنى جَزاءُ السّارِقِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ عائِدٌ عَلى ”مَن“ ويَكُونُ قَوْلُهُ: (فَهو جَزاؤُهُ) زِيادَةَ بَيانٍ وتَأْكِيدٍ، ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، ثُمَّ يُؤَكِّدُ بِقَوْلِهِ: (فَهو جَزاؤُهُ) وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ أبْرَزَ المُضافَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وفِيما قَبْلَهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ؛ لِأنَّ الذّاتَ لا تَكُونُ خَبَرًا عَنِ المَصْدَرِ، فالتَّقْدِيرُ في القَوْلِ قَبْلَهُ: جَزاؤُهُ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، أوِ اسْتِرْقاقُ هَذا لا بُدَّ مِنهُ عَلى هَذا الإعْرابِ، وهَذا الوَجْهُ هو أحْسَنُ الوُجُوهِ، وأبْعَدُها مِنَ التَّكَلُّفِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ الجَزاءِ، وهو الِاسْتِرْقاقُ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِالسَّرِقَةِ وهو دِينُنا وسُنَّتُنا في أهْلِ السَّرِقَةِ.
يوسف 12:70
﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥]
العِيرُ: الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ عِيرٌ، كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ، وأصْلُها فُعْلٌ كَسَقْفٍ وسُقْفٍ، فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ وعِينٍ، والعِيرُ مُؤَنَّثٌ، وقالُوا في الجَمْعِ: عِيَراتٌ، فَشَذُّوا في جَمْعِهِ بِالألِفِ والتّاءِ، وفي فَتْحِ يائِهِ وقالَ الشّاعِرُ:
؎غَشِيتُ دِيارَ الحَيِّ بِالبَكَراتِ فَعارِمَةٍ فَبَرْقَةِ العِيَراتِ
قالَ الأعْلَمُ: هُنا مَواضِعُ الأعْيارِ، وهي الحَمِيرُ. الصُّواعُ: الصّاعُ، وفِيهِ لُغاتٌ تَأْتِي في القُرْآنِ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ. الوِعاءُ: الظَّرْفُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ وتُضَمُّ واوُهُ، ويَجُوزُ أنْ تُبْدَلَ واوُهُ هَمْزَةً. فَتِئَ: مِن أخَواتِ كانَ النّاقِصَةِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
؎فَما فَتِئَتْ حَيٌّ كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ بُومٍ ذِي رِياحٍ تَرَفَّعُ
وقالَ أيْضًا:
؎فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ∗∗∗ ويَلْحَقُ مِنها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ
(p-٣٢٧)ويُقالُ فِيها: فَتَأ عَلى وزْنِ ضَرَبَ، وأفْتَأ عَلى وزْنِ أكْرَمَ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى سَكَنَ وأطْفَأ، فَتَكُونُ تامَّةً، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ مِنهُ، صَحَّفَ الثّاءَ بِثَلاثٍ، بِالتّاءِ بِثِنْتَيْنِ مِن فَوْقُ، وشَرَحَها بِسَكَنٍ وأطْفَأ. الحَرَضُ: المُشْفِي عَلى الهَلاكِ يُقالُ: حَرِضَ فَهو حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، حَرَضًا بِفَتْحِها وهو المَصْدَرُ، ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والجَمْعُ، وأحْرَضَهُ المَرَضُ فَهو مُحْرَضٌ قالَ:
؎أرى المَرْءَ كالأزْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ∗∗∗ كَإحْراضِ بَكْرٍ في الدِّيارِ مَرِيضِ
وقالَ الآخَرُ:
؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ
وقالَ: رَجُلٌ حُرُضٌ بِضَمَّتَيْنِ كَجُنُبٍ وشُلُلٍ.
* *
﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
(p-٣٢٨)رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: هَذا أخُونا قَدْ جِئْناكَ بِهِ، فَقالَ: أحْسَنْتُمْ وأصَبْتُمْ، وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي، فَأنْزَلَهم وأكْرَمَهم، ثُمَّ أضافَهم، وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ، وجَعَلَ يُؤاكِلُهم وقالَ: أنْتُمْ عَشَرَةٌ، فَلْيَنْزِلْ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم بَيْتًا، وهَذا لا ثانِيَ لَهُ فَيَكُونُ مَعِي، فَباتَ يُوسُفُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويَشُمُّ رائِحَتَهُ حَتّى أصْبَحَ، وسَألَهُ عَنْ ولَدِهِ فَقالَ: لِي عَشَرَةُ بَنِينَ اشْتَقَقْتُ أسْماءَهم مِنِ اسْمِ أخٍ لِي هَلَكَ، فَقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ ؟ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ، فَبَكى يُوسُفُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ وقالَ لَهُ: أنا أخُوكَ يُوسُفُ فَلا تَبْتَئِسْ، فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بِنا فِيما مَضى، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا عَلى خَيْرٍ، ولا تُعْلِمُهم بِما أعْلَمْتُكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَعَرَّفَ إلَيْهِ أنَّهُ أخُوهُ، وهو الظّاهِرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، أعْلَمَهُ أنَّهُ أخُوهُ حَقِيقَةً واسْتَكْتَمَهُ، وقالَ لَهُ: لا تُبالِي بِكُلِّ ما تَراهُ مِنَ المَكْرُوهِ في تَحَيُّلِي في أخْذِكَ مِنهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِقَوْلِهِ: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إلى ما يَعْمَلُهُ فِتْيانُ يُوسُفَ مِن أمْرِ السِّقايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. ولا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ بِما يَعْمَلُونَ بِغَيْرٍ كانُوا، لَأمْكَنَ عَلى بُعْدِهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما هو مَعَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وأمّا ذِكْرُ فِتْيانِهِ فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ [يوسف: ٦٢] وقَدْ حالَ بَيْنَهُما قَصَصٌ.
(p-٣٢٩)واتَّسَقَ الكَلامُ مَعَ الإخْوَةِ اتِّساقًا لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ عائِدٌ إلَيْهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما كانَ يَلْقى مِنهم قَدِيمًا مِنَ الأذى، إذْ قَدْ أمِنَ مِن ذَلِكَ بِاجْتِماعِهِ بِأخِيهِ يُوسُفَ، وقالَ وهْبٌ: إنَّما أخْبَرَ أنَّهُ أخُوهُ في الوُدِّ مَقامَ أخِيهِ الذّاهِبِ، ولَمْ يَكْشِفْ إلَيْهِ الأمْرَ، بَلْ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ كَسائِرِ إخْوَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ هو يُوسُفُ، ويَظْهَرُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مَلِكًا أنَّهُ لَمْ يُباشِرْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، بَلْ جَعَلَ غَيْرَهُ مِن فِتْيانِهِ، أوْ غَيْرِهِمْ أنْ يَجْعَلَها، وتَقَدَّمَ قَوْلُ وهْبٍ: أنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ لَهُ أنَّهُ أخُوهُ وأنَّهُ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِ يُوسُفَ: أنا لا أُفارِقُكَ قالَ: قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ والِدِي، فَإذا حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسُبَكَ إلى ما لا يُحْمَلُ، قالَ: لا أُبالِي، فافْعَلْ ما بَدا لَكَ، قالَ: فَإنِّي أدُسُّ صاعِي في رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهم، قالَ: فافْعَلْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ، أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا، ثُمَّ أذَّنَ، وفي نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ وجَعَلَ السِّقايَةَ بِزِيادَةِ واوٍ في جَعَلَ دُونَ الزِّيادَةِ الَّتِي زادَها الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَقَدَها حافِظُها، كَما قِيلَ: إنَّما أُوحِيَ إلى يُوسُفَ أنْ يَجْعَلَ السِّقايَةَ فَقَطْ، ثُمَّ إنَّ حافِظَها فَقَدَها، فَنادى بِرَأْيِهِ عَلى ما ظَهَرَ لَهُ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وتَفْتِيشُ الأوْعِيَةِ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَأْذِينَ المُؤَذِّنِ كانَ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ هَذا الجَعْلُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِن بِنْيامِينَ، وما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ بِعِلْمٍ مِنهُ.
وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: السِّقايَةُ إناءٌ يَشْرَبُ بِهِ المَلِكُ، وبِهِ كانَ يُكالُ الطَّعامُ لِلنّاسِ، وقِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تَسْقِي بِها ويُكالُ بِها، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الصُّواعُ هو مِثْلُ المَكُّوكِ الفارِسِيِّ، وكانَ إناءُ يُوسُفَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ، وكانَ إلى الطُّولِ ماهِرٌ، قالَ: وحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الصُّواعُ المَكُّوكُ الفارِسِيُّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ، كانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأعاجِمُ، والسِّقايَةُ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، أوْ نُحاسٍ، أوْ مِسْكٍ، أوْ كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ. أقْوالٌ؛ أوَّلُها لِلْجُمْهُورِ، ولِعِزَّةِ الطَّعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قَصَرَ كَيْلُهُ عَلى ذَلِكَ الإناءِ.
﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أيْ: نادى مُنادٍ، أذَّنَ: أعْلَمَ، وآذَنَ أكْثَرَ الإعْلامَ، ومِنهُ المُؤَذِّنُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنهُ، و”ثُمَّ“ تَقْتَضِي مُهْلَةً بَيْنَ جَعْلِ السِّقايَةِ والتَّأْذِينِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا فَصَلَتِ العِيرُ بِأوْقارِها وخَرَجُوا مِن مِصْرَ أُدْرَكُوا وقِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: قَبْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ أُمِرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا، وأذَّنَ مُؤَذِّنٌ، والظّاهِرُ وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ العِيرَ الإبِلُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ دَوابُّهم حَمِيرًا، ومُناداةُ العِيرِ والمُرادُ أصْحابُها كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ فَرُوعِيَ المَحْذُوفُ، ولَمْ يُراعَ العِيرُ كَما رُوعِيَ في ارْكَبِي، وفي قَوْلِهِ: ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢] ويَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ العِيرُ عَلى القافِلَةِ، أوِ الرُّفْقَةِ، فَلا يَكُونُ مِن مَجازِ الحَذْفِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّحَيُّلَ، ورَمْيَ أبْرِياءٍ بِالسَّرِقَةِ، وإدْخالَ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ، بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ؛ لَمّا عَلِمَ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الصَّلاحِ، ولَمّا أرادَ مِن مِحْنَتِهِمْ بِذَلِكَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] . وقِيلَ: لَمّا كانُوا باعُوا يُوسُفَ اسْتُجِيزَ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، ونِسْبَةُ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا وإنْ كانَ الصُّواعُ إنَّما وُجِدَ في رَحْلِ واحِدٍ مِنهم كَما تَقُولُ: بَنُو فُلانٍ فَتَلُوا فُلانًا، والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم (قالُوا) أيْ: إخْوَةُ يُوسُفَ (وأقْبَلُوا) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: وقَدْ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى طالِبِيِ السِّقايَةِ، أوْ عَلى المُؤَذِّنِ إنْ كانَ أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، كَأنَّهُ جَعَلَ مُؤَذِّنِينَ يُنادُونَ، وساءَهم أنْ يُرْمَوْا بِهَذِهِ المَثْلَبَةِ، وقالُوا: ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ لِيَقَعَ التَّفْتِيشُ فَتَظْهَرُ بَراءَتُهم ؟ ولَمْ يَلُوذُوا بِالإنْكارِ مِن أوَّلُ، بَلْ سَألُوا كَمالَ الدَّعْوى رَجاءَ أنْ يَكُونَ فِيها ما (p-٣٣٠)تُبْطَلُ بِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى خِصامٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ (ماذا) اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَفْقِدُونَ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”ما“ وحْدَها اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و”ذا“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْ ”ما“ و(تَفْقِدُونَ) صِلَةٌ لِذا، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: تَفْقِدُونَهُ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا نَحْوَ: أحَمَدْتُهُ إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وجْهُها ما ذَكَرْناهُ.
وصُواعُ المَلِكِ هو المِكْيالُ، وهو السِّقايَةُ سَمّاهُ أوَّلًا بِإحْدى جِهَتَيْهِ، وآخِرًا بِالثّانِيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُواعَ) بِضَمِّ الصّادِ بَعْدَها واوٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَها ألِفٌ بَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلابْنُ عَطِيَّةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الصّادَ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٌ: (صاعَ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى وزْنِ فَعَلَ، فالألِفُ فِيها بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (صَوْعَ) عَلى وزْنِ قَوْسٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أبِي أرْطَبانَ: (صُوَعَ) بِضَمِّ الصّادِ، وكُلُّها لُغاتٌ في الصّاعِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ عَنْهُما صاحِبُ اللَوامِحِ: (صُواغَ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ غُرابٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ يَحْذِفُ الألِفَ ويُسَكِّنُ الواوَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (صَوْغَ) مَصْدَرُ صاغٍ، وصُواغٌ وصَوْغٌ مُشْتَقّانِ مِنَ الصَّوْغِ مَصْدَرُ صاغَ يَصُوغُ، أُقِيما مَقامَ المَفْعُولِ بِمَعْنى مَصُوغِ المَلِكِ.
(ولِمَن جاءَ بِهِ) أيْ: ولِمَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ، وهَذا جَعْلٌ وأنابَهُ زَعِيمٌ مِن كَلامِ المُؤَذِّنِ، وأنا بِحَمْلِ البَعِيرِ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى ما جاءَ بِهِ، وأرادَ بِهِ وسَقَ بَعِيرٍ مِن طَعامٍ جَعْلًا لِمَن حَصَّلَهُ، قالُوا: تاللَّهِ، أقْسَمُوا بِالتّاءِ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، لِأنَّها تَكُونُ فِيها التَّعَجُّبُ غالِبًا كَأنَّهم عَجِبُوا مِن رَمْيِهِمْ بِهَذا الأمْرِ، ورُوِيَ أنَّهم رَدُّوا البِضاعَةَ الَّتِي وجَدُوها في الطَّعامِ وتَحَرَّجُوا مِن أكْلِ الطَّعامِ بِلا ثَمَنٍ، وكانُوا قَدِ اشْتُهِرُوا بِمِصْرَ بِصَلاحٍ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأكَمَةَ في أفْواهِ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ زُرُوعَ النّاسِ، فَأقْسَمُوا عَلى إثْباتِ شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوهُ مِنهم، وهو أنَّكم قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مَجِيئَنا لَمْ يَكُنْ لِفَسادٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا الإخْبارَ عَنْ نَفْيِ صِفَةِ السَّرِقَةِ عَنْهم، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ مِنهم قَطُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ جَوابِ القَسَمِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (لَقَدْ عَلِمْتُمْ)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، كَما أُبْدِلَتْ في تُراثٍ، وفي التَّوْراةِ، والتُّخْمَةِ، ولا تَدْخُلُ التّاءُ في القَسَمِ إلّا في المَكْتُوبَةِ مِن بَيْنِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ لا تَقُولُ: تالرَّحْمَنِ، ولا تالرَّحِيمِ، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، فَهو قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وخالَفَهُمُ السُّهَيْلِيُّ فَزَعَمَ أنَّها أصْلٌ بِنَفْسِها ولَيْسَتْ بَدَلًا مِن واوٍ، وهو الصَّحِيحُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: وفي التَّوْراةِ فَعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ الأصْلَ، ووَراهُ مِن ورى الزَّنْدِ. ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ التّاءَ زائِدَةٌ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: ولا تَدْخُلُ إلى آخِرِهِ فَقَدْ حُكِيَ عَنِ العَرَبِ دُخُولَها عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، وعَلى حَياتِكَ، قالُوا: تَرَبِّ الكَعْبَةِ، وتالرَّحْمَنِ، وتَحِيّاتِكَ، والخِطابُ في (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) لِطالِبِي الصُّواعِ، والضَّمِيرُ في (جَزاؤُهُ) عائِدٌ عَلى السّارِقِ، فَما جَزاءُ السّارِقِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قَوْلِكم: ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لَهُ ؟ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَما جَزاؤُهُ) الضَّمِيرُ (p-٣٣١)لِلصُّواعِ أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَتِهِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في جُحُودِكم وادِّعائِكُمُ البَراءَةَ مِنهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: هو الظّاهِرُ لِاتِّحادِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ إذِ التَّقْدِيرُ إذْ ذاكَ قالَ: جَزاءُ الصّاعِ؛ أيْ: سَرِقَتُهُ مَن وُجِدَ الصّاعُ في رَحْلِهِ، وقَوْلُهم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ كَلامُ مَن لَمْ يَشُكَّ أنَّهم بُرَآءُ مِمّا رُمُوا بِهِ، ولِاعْتِقادِهِمُ البَراءَةَ عَلَّقُوا الحُكْمَ عَلى وِجْدانِ الصّاعِ لا عَلى سَرِقَتِهِ، فَكَأنَّهم يَقُولُونَ: لا يُمْكِنُ أنْ نَسْرِقَ، لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ الصّاعُ في رِحالِنا، وكانَ في دِينِ يَعْقُوبَ اسْتِعْبادُ السّارِقِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُنَّةٌ، وكانَ في دِينِ مِصْرَ أنْ يُضْرَبَ ويُضَعَّفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ، ولِذَلِكَ أجابُوا عَلى شَرِيعَتِهِمْ، وجَوَّزُوا، في إعْرابِ هَذا الكَلامِ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، و(مَن) شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانٍ (فَهو جَزاؤُهُ) جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ خَبَرُ ”ما“ المَوْصُولَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (مَن وُجِدَ) إلى آخِرِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والضَّمِيرُ في قالُوا: (جَزاؤُهُ) لِلسّارِقِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَصِحُّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرَ (جَزاؤُهُ) مِن رابِطٍ، الثّانِي: أنَّ المَعْنى قالُوا: جَزاءُ سَرِقَتِهِ، ويَكُونُ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ فِيها مَقامُ المُضْمَرِ، والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، فَهو هو. فَمَوْضِعُ الجَزاءِ مَوْضِعُ هو، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: مَن أخُو زَيْدٍ ؟ فَتَقُولُ: أخُوهُ مَن يَقْعُدُ إلى جَنْبِهِ، فَهو هو يَرْجِعُ الضَّمِيرُ الأوَّلُ إلى مَن، والثّانِي إلى الأخِ، ثُمَّ تَقُولُ: فَهو أخُوهُ مُقِيمًا لِلْمُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلرَّبْطِ إنَّما هو فَصِيحٌ في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، وغَيْرُ فَصِيحٍ فِيما سِوى ذَلِكَ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ زَيْدٌ، ويُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَوْ قُلْتَ كانَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ ضِدَّ الكَلامِ، وكانَ هاهُنا ضَعِيفًا، ولَمْ يَكُنْ كَقَوْلِكَ: ما زَيْدٌ مُنْطَلِقًا هو، لِأنَّكَ قَدِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ إظْهارِهِ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُضْمِرَ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، ثُمَّ أفْتُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ كَما تَقُولُ: مَن يَسْتَفْتِي في جَزاءِ صَيْدِ الحَرَمِ جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ، ثُمَّ تَقُولُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مُتَكَلِّفٌ؛ إذْ تَصِيرُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: (فَما جَزاؤُهُ) أنَّ الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ جَزاءُ سَرِقَتِهِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في نُطْقِهِمْ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المِثالِ الَّذِي مُثِّلَ بِهِ مِن قَوْلِ المُسْتَفْتِي.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً؛ أيْ: جَزاءُ سَرِقَةِ الصّاعِ، والخَبَرُ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ أيْ: أُخِذَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ. وقَوْلُهم: (فَهو جَزاؤُهُ) تَقْرِيرٌ لِحُكْمٍ؛ أيْ: فَأخْذُ السّارِقِ نَفْسِهِ هو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ، كَقَوْلِكَ: حَقُّ زَيْدٍ أنْ يُكْسى ويُطْعَمَ ويُنْعَمَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَزاؤُهُ، أوْ فَهو حَقُّهُ، لِتُقَرِّرَ ما ذَكَرْتُهُ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ القَوْلَ الواحِدَ قَوْلَيْنِ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (مَن) خَبَرًا عَلى أنَّ المَعْنى جَزاءُ السّارِقِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ عائِدٌ عَلى ”مَن“ ويَكُونُ قَوْلُهُ: (فَهو جَزاؤُهُ) زِيادَةَ بَيانٍ وتَأْكِيدٍ، ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، ثُمَّ يُؤَكِّدُ بِقَوْلِهِ: (فَهو جَزاؤُهُ) وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ أبْرَزَ المُضافَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وفِيما قَبْلَهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ؛ لِأنَّ الذّاتَ لا تَكُونُ خَبَرًا عَنِ المَصْدَرِ، فالتَّقْدِيرُ في القَوْلِ قَبْلَهُ: جَزاؤُهُ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، أوِ اسْتِرْقاقُ هَذا لا بُدَّ مِنهُ عَلى هَذا الإعْرابِ، وهَذا الوَجْهُ هو أحْسَنُ الوُجُوهِ، وأبْعَدُها مِنَ التَّكَلُّفِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ الجَزاءِ، وهو الِاسْتِرْقاقُ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِالسَّرِقَةِ وهو دِينُنا وسُنَّتُنا في أهْلِ السَّرِقَةِ.
يوسف 12:71
﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥]
العِيرُ: الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ عِيرٌ، كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ، وأصْلُها فُعْلٌ كَسَقْفٍ وسُقْفٍ، فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ وعِينٍ، والعِيرُ مُؤَنَّثٌ، وقالُوا في الجَمْعِ: عِيَراتٌ، فَشَذُّوا في جَمْعِهِ بِالألِفِ والتّاءِ، وفي فَتْحِ يائِهِ وقالَ الشّاعِرُ:
؎غَشِيتُ دِيارَ الحَيِّ بِالبَكَراتِ فَعارِمَةٍ فَبَرْقَةِ العِيَراتِ
قالَ الأعْلَمُ: هُنا مَواضِعُ الأعْيارِ، وهي الحَمِيرُ. الصُّواعُ: الصّاعُ، وفِيهِ لُغاتٌ تَأْتِي في القُرْآنِ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ. الوِعاءُ: الظَّرْفُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ وتُضَمُّ واوُهُ، ويَجُوزُ أنْ تُبْدَلَ واوُهُ هَمْزَةً. فَتِئَ: مِن أخَواتِ كانَ النّاقِصَةِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
؎فَما فَتِئَتْ حَيٌّ كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ بُومٍ ذِي رِياحٍ تَرَفَّعُ
وقالَ أيْضًا:
؎فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ∗∗∗ ويَلْحَقُ مِنها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ
(p-٣٢٧)ويُقالُ فِيها: فَتَأ عَلى وزْنِ ضَرَبَ، وأفْتَأ عَلى وزْنِ أكْرَمَ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى سَكَنَ وأطْفَأ، فَتَكُونُ تامَّةً، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ مِنهُ، صَحَّفَ الثّاءَ بِثَلاثٍ، بِالتّاءِ بِثِنْتَيْنِ مِن فَوْقُ، وشَرَحَها بِسَكَنٍ وأطْفَأ. الحَرَضُ: المُشْفِي عَلى الهَلاكِ يُقالُ: حَرِضَ فَهو حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، حَرَضًا بِفَتْحِها وهو المَصْدَرُ، ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والجَمْعُ، وأحْرَضَهُ المَرَضُ فَهو مُحْرَضٌ قالَ:
؎أرى المَرْءَ كالأزْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ∗∗∗ كَإحْراضِ بَكْرٍ في الدِّيارِ مَرِيضِ
وقالَ الآخَرُ:
؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ
وقالَ: رَجُلٌ حُرُضٌ بِضَمَّتَيْنِ كَجُنُبٍ وشُلُلٍ.
* *
﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
(p-٣٢٨)رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: هَذا أخُونا قَدْ جِئْناكَ بِهِ، فَقالَ: أحْسَنْتُمْ وأصَبْتُمْ، وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي، فَأنْزَلَهم وأكْرَمَهم، ثُمَّ أضافَهم، وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ، وجَعَلَ يُؤاكِلُهم وقالَ: أنْتُمْ عَشَرَةٌ، فَلْيَنْزِلْ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم بَيْتًا، وهَذا لا ثانِيَ لَهُ فَيَكُونُ مَعِي، فَباتَ يُوسُفُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويَشُمُّ رائِحَتَهُ حَتّى أصْبَحَ، وسَألَهُ عَنْ ولَدِهِ فَقالَ: لِي عَشَرَةُ بَنِينَ اشْتَقَقْتُ أسْماءَهم مِنِ اسْمِ أخٍ لِي هَلَكَ، فَقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ ؟ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ، فَبَكى يُوسُفُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ وقالَ لَهُ: أنا أخُوكَ يُوسُفُ فَلا تَبْتَئِسْ، فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بِنا فِيما مَضى، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا عَلى خَيْرٍ، ولا تُعْلِمُهم بِما أعْلَمْتُكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَعَرَّفَ إلَيْهِ أنَّهُ أخُوهُ، وهو الظّاهِرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، أعْلَمَهُ أنَّهُ أخُوهُ حَقِيقَةً واسْتَكْتَمَهُ، وقالَ لَهُ: لا تُبالِي بِكُلِّ ما تَراهُ مِنَ المَكْرُوهِ في تَحَيُّلِي في أخْذِكَ مِنهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِقَوْلِهِ: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إلى ما يَعْمَلُهُ فِتْيانُ يُوسُفَ مِن أمْرِ السِّقايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. ولا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ بِما يَعْمَلُونَ بِغَيْرٍ كانُوا، لَأمْكَنَ عَلى بُعْدِهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما هو مَعَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وأمّا ذِكْرُ فِتْيانِهِ فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ [يوسف: ٦٢] وقَدْ حالَ بَيْنَهُما قَصَصٌ.
(p-٣٢٩)واتَّسَقَ الكَلامُ مَعَ الإخْوَةِ اتِّساقًا لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ عائِدٌ إلَيْهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما كانَ يَلْقى مِنهم قَدِيمًا مِنَ الأذى، إذْ قَدْ أمِنَ مِن ذَلِكَ بِاجْتِماعِهِ بِأخِيهِ يُوسُفَ، وقالَ وهْبٌ: إنَّما أخْبَرَ أنَّهُ أخُوهُ في الوُدِّ مَقامَ أخِيهِ الذّاهِبِ، ولَمْ يَكْشِفْ إلَيْهِ الأمْرَ، بَلْ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ كَسائِرِ إخْوَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ هو يُوسُفُ، ويَظْهَرُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مَلِكًا أنَّهُ لَمْ يُباشِرْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، بَلْ جَعَلَ غَيْرَهُ مِن فِتْيانِهِ، أوْ غَيْرِهِمْ أنْ يَجْعَلَها، وتَقَدَّمَ قَوْلُ وهْبٍ: أنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ لَهُ أنَّهُ أخُوهُ وأنَّهُ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِ يُوسُفَ: أنا لا أُفارِقُكَ قالَ: قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ والِدِي، فَإذا حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسُبَكَ إلى ما لا يُحْمَلُ، قالَ: لا أُبالِي، فافْعَلْ ما بَدا لَكَ، قالَ: فَإنِّي أدُسُّ صاعِي في رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهم، قالَ: فافْعَلْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ، أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا، ثُمَّ أذَّنَ، وفي نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ وجَعَلَ السِّقايَةَ بِزِيادَةِ واوٍ في جَعَلَ دُونَ الزِّيادَةِ الَّتِي زادَها الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَقَدَها حافِظُها، كَما قِيلَ: إنَّما أُوحِيَ إلى يُوسُفَ أنْ يَجْعَلَ السِّقايَةَ فَقَطْ، ثُمَّ إنَّ حافِظَها فَقَدَها، فَنادى بِرَأْيِهِ عَلى ما ظَهَرَ لَهُ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وتَفْتِيشُ الأوْعِيَةِ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَأْذِينَ المُؤَذِّنِ كانَ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ هَذا الجَعْلُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِن بِنْيامِينَ، وما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ بِعِلْمٍ مِنهُ.
وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: السِّقايَةُ إناءٌ يَشْرَبُ بِهِ المَلِكُ، وبِهِ كانَ يُكالُ الطَّعامُ لِلنّاسِ، وقِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تَسْقِي بِها ويُكالُ بِها، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الصُّواعُ هو مِثْلُ المَكُّوكِ الفارِسِيِّ، وكانَ إناءُ يُوسُفَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ، وكانَ إلى الطُّولِ ماهِرٌ، قالَ: وحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الصُّواعُ المَكُّوكُ الفارِسِيُّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ، كانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأعاجِمُ، والسِّقايَةُ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، أوْ نُحاسٍ، أوْ مِسْكٍ، أوْ كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ. أقْوالٌ؛ أوَّلُها لِلْجُمْهُورِ، ولِعِزَّةِ الطَّعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قَصَرَ كَيْلُهُ عَلى ذَلِكَ الإناءِ.
﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أيْ: نادى مُنادٍ، أذَّنَ: أعْلَمَ، وآذَنَ أكْثَرَ الإعْلامَ، ومِنهُ المُؤَذِّنُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنهُ، و”ثُمَّ“ تَقْتَضِي مُهْلَةً بَيْنَ جَعْلِ السِّقايَةِ والتَّأْذِينِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا فَصَلَتِ العِيرُ بِأوْقارِها وخَرَجُوا مِن مِصْرَ أُدْرَكُوا وقِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: قَبْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ أُمِرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا، وأذَّنَ مُؤَذِّنٌ، والظّاهِرُ وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ العِيرَ الإبِلُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ دَوابُّهم حَمِيرًا، ومُناداةُ العِيرِ والمُرادُ أصْحابُها كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ فَرُوعِيَ المَحْذُوفُ، ولَمْ يُراعَ العِيرُ كَما رُوعِيَ في ارْكَبِي، وفي قَوْلِهِ: ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢] ويَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ العِيرُ عَلى القافِلَةِ، أوِ الرُّفْقَةِ، فَلا يَكُونُ مِن مَجازِ الحَذْفِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّحَيُّلَ، ورَمْيَ أبْرِياءٍ بِالسَّرِقَةِ، وإدْخالَ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ، بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ؛ لَمّا عَلِمَ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الصَّلاحِ، ولَمّا أرادَ مِن مِحْنَتِهِمْ بِذَلِكَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] . وقِيلَ: لَمّا كانُوا باعُوا يُوسُفَ اسْتُجِيزَ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، ونِسْبَةُ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا وإنْ كانَ الصُّواعُ إنَّما وُجِدَ في رَحْلِ واحِدٍ مِنهم كَما تَقُولُ: بَنُو فُلانٍ فَتَلُوا فُلانًا، والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم (قالُوا) أيْ: إخْوَةُ يُوسُفَ (وأقْبَلُوا) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: وقَدْ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى طالِبِيِ السِّقايَةِ، أوْ عَلى المُؤَذِّنِ إنْ كانَ أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، كَأنَّهُ جَعَلَ مُؤَذِّنِينَ يُنادُونَ، وساءَهم أنْ يُرْمَوْا بِهَذِهِ المَثْلَبَةِ، وقالُوا: ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ لِيَقَعَ التَّفْتِيشُ فَتَظْهَرُ بَراءَتُهم ؟ ولَمْ يَلُوذُوا بِالإنْكارِ مِن أوَّلُ، بَلْ سَألُوا كَمالَ الدَّعْوى رَجاءَ أنْ يَكُونَ فِيها ما (p-٣٣٠)تُبْطَلُ بِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى خِصامٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ (ماذا) اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَفْقِدُونَ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”ما“ وحْدَها اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و”ذا“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْ ”ما“ و(تَفْقِدُونَ) صِلَةٌ لِذا، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: تَفْقِدُونَهُ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا نَحْوَ: أحَمَدْتُهُ إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وجْهُها ما ذَكَرْناهُ.
وصُواعُ المَلِكِ هو المِكْيالُ، وهو السِّقايَةُ سَمّاهُ أوَّلًا بِإحْدى جِهَتَيْهِ، وآخِرًا بِالثّانِيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُواعَ) بِضَمِّ الصّادِ بَعْدَها واوٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَها ألِفٌ بَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلابْنُ عَطِيَّةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الصّادَ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٌ: (صاعَ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى وزْنِ فَعَلَ، فالألِفُ فِيها بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (صَوْعَ) عَلى وزْنِ قَوْسٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أبِي أرْطَبانَ: (صُوَعَ) بِضَمِّ الصّادِ، وكُلُّها لُغاتٌ في الصّاعِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ عَنْهُما صاحِبُ اللَوامِحِ: (صُواغَ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ غُرابٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ يَحْذِفُ الألِفَ ويُسَكِّنُ الواوَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (صَوْغَ) مَصْدَرُ صاغٍ، وصُواغٌ وصَوْغٌ مُشْتَقّانِ مِنَ الصَّوْغِ مَصْدَرُ صاغَ يَصُوغُ، أُقِيما مَقامَ المَفْعُولِ بِمَعْنى مَصُوغِ المَلِكِ.
(ولِمَن جاءَ بِهِ) أيْ: ولِمَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ، وهَذا جَعْلٌ وأنابَهُ زَعِيمٌ مِن كَلامِ المُؤَذِّنِ، وأنا بِحَمْلِ البَعِيرِ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى ما جاءَ بِهِ، وأرادَ بِهِ وسَقَ بَعِيرٍ مِن طَعامٍ جَعْلًا لِمَن حَصَّلَهُ، قالُوا: تاللَّهِ، أقْسَمُوا بِالتّاءِ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، لِأنَّها تَكُونُ فِيها التَّعَجُّبُ غالِبًا كَأنَّهم عَجِبُوا مِن رَمْيِهِمْ بِهَذا الأمْرِ، ورُوِيَ أنَّهم رَدُّوا البِضاعَةَ الَّتِي وجَدُوها في الطَّعامِ وتَحَرَّجُوا مِن أكْلِ الطَّعامِ بِلا ثَمَنٍ، وكانُوا قَدِ اشْتُهِرُوا بِمِصْرَ بِصَلاحٍ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأكَمَةَ في أفْواهِ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ زُرُوعَ النّاسِ، فَأقْسَمُوا عَلى إثْباتِ شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوهُ مِنهم، وهو أنَّكم قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مَجِيئَنا لَمْ يَكُنْ لِفَسادٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا الإخْبارَ عَنْ نَفْيِ صِفَةِ السَّرِقَةِ عَنْهم، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ مِنهم قَطُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ جَوابِ القَسَمِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (لَقَدْ عَلِمْتُمْ)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، كَما أُبْدِلَتْ في تُراثٍ، وفي التَّوْراةِ، والتُّخْمَةِ، ولا تَدْخُلُ التّاءُ في القَسَمِ إلّا في المَكْتُوبَةِ مِن بَيْنِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ لا تَقُولُ: تالرَّحْمَنِ، ولا تالرَّحِيمِ، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، فَهو قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وخالَفَهُمُ السُّهَيْلِيُّ فَزَعَمَ أنَّها أصْلٌ بِنَفْسِها ولَيْسَتْ بَدَلًا مِن واوٍ، وهو الصَّحِيحُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: وفي التَّوْراةِ فَعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ الأصْلَ، ووَراهُ مِن ورى الزَّنْدِ. ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ التّاءَ زائِدَةٌ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: ولا تَدْخُلُ إلى آخِرِهِ فَقَدْ حُكِيَ عَنِ العَرَبِ دُخُولَها عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، وعَلى حَياتِكَ، قالُوا: تَرَبِّ الكَعْبَةِ، وتالرَّحْمَنِ، وتَحِيّاتِكَ، والخِطابُ في (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) لِطالِبِي الصُّواعِ، والضَّمِيرُ في (جَزاؤُهُ) عائِدٌ عَلى السّارِقِ، فَما جَزاءُ السّارِقِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قَوْلِكم: ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لَهُ ؟ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَما جَزاؤُهُ) الضَّمِيرُ (p-٣٣١)لِلصُّواعِ أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَتِهِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في جُحُودِكم وادِّعائِكُمُ البَراءَةَ مِنهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: هو الظّاهِرُ لِاتِّحادِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ إذِ التَّقْدِيرُ إذْ ذاكَ قالَ: جَزاءُ الصّاعِ؛ أيْ: سَرِقَتُهُ مَن وُجِدَ الصّاعُ في رَحْلِهِ، وقَوْلُهم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ كَلامُ مَن لَمْ يَشُكَّ أنَّهم بُرَآءُ مِمّا رُمُوا بِهِ، ولِاعْتِقادِهِمُ البَراءَةَ عَلَّقُوا الحُكْمَ عَلى وِجْدانِ الصّاعِ لا عَلى سَرِقَتِهِ، فَكَأنَّهم يَقُولُونَ: لا يُمْكِنُ أنْ نَسْرِقَ، لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ الصّاعُ في رِحالِنا، وكانَ في دِينِ يَعْقُوبَ اسْتِعْبادُ السّارِقِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُنَّةٌ، وكانَ في دِينِ مِصْرَ أنْ يُضْرَبَ ويُضَعَّفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ، ولِذَلِكَ أجابُوا عَلى شَرِيعَتِهِمْ، وجَوَّزُوا، في إعْرابِ هَذا الكَلامِ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، و(مَن) شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانٍ (فَهو جَزاؤُهُ) جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ خَبَرُ ”ما“ المَوْصُولَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (مَن وُجِدَ) إلى آخِرِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والضَّمِيرُ في قالُوا: (جَزاؤُهُ) لِلسّارِقِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَصِحُّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرَ (جَزاؤُهُ) مِن رابِطٍ، الثّانِي: أنَّ المَعْنى قالُوا: جَزاءُ سَرِقَتِهِ، ويَكُونُ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ فِيها مَقامُ المُضْمَرِ، والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، فَهو هو. فَمَوْضِعُ الجَزاءِ مَوْضِعُ هو، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: مَن أخُو زَيْدٍ ؟ فَتَقُولُ: أخُوهُ مَن يَقْعُدُ إلى جَنْبِهِ، فَهو هو يَرْجِعُ الضَّمِيرُ الأوَّلُ إلى مَن، والثّانِي إلى الأخِ، ثُمَّ تَقُولُ: فَهو أخُوهُ مُقِيمًا لِلْمُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلرَّبْطِ إنَّما هو فَصِيحٌ في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، وغَيْرُ فَصِيحٍ فِيما سِوى ذَلِكَ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ زَيْدٌ، ويُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَوْ قُلْتَ كانَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ ضِدَّ الكَلامِ، وكانَ هاهُنا ضَعِيفًا، ولَمْ يَكُنْ كَقَوْلِكَ: ما زَيْدٌ مُنْطَلِقًا هو، لِأنَّكَ قَدِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ إظْهارِهِ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُضْمِرَ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، ثُمَّ أفْتُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ كَما تَقُولُ: مَن يَسْتَفْتِي في جَزاءِ صَيْدِ الحَرَمِ جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ، ثُمَّ تَقُولُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مُتَكَلِّفٌ؛ إذْ تَصِيرُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: (فَما جَزاؤُهُ) أنَّ الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ جَزاءُ سَرِقَتِهِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في نُطْقِهِمْ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المِثالِ الَّذِي مُثِّلَ بِهِ مِن قَوْلِ المُسْتَفْتِي.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً؛ أيْ: جَزاءُ سَرِقَةِ الصّاعِ، والخَبَرُ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ أيْ: أُخِذَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ. وقَوْلُهم: (فَهو جَزاؤُهُ) تَقْرِيرٌ لِحُكْمٍ؛ أيْ: فَأخْذُ السّارِقِ نَفْسِهِ هو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ، كَقَوْلِكَ: حَقُّ زَيْدٍ أنْ يُكْسى ويُطْعَمَ ويُنْعَمَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَزاؤُهُ، أوْ فَهو حَقُّهُ، لِتُقَرِّرَ ما ذَكَرْتُهُ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ القَوْلَ الواحِدَ قَوْلَيْنِ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (مَن) خَبَرًا عَلى أنَّ المَعْنى جَزاءُ السّارِقِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ عائِدٌ عَلى ”مَن“ ويَكُونُ قَوْلُهُ: (فَهو جَزاؤُهُ) زِيادَةَ بَيانٍ وتَأْكِيدٍ، ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، ثُمَّ يُؤَكِّدُ بِقَوْلِهِ: (فَهو جَزاؤُهُ) وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ أبْرَزَ المُضافَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وفِيما قَبْلَهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ؛ لِأنَّ الذّاتَ لا تَكُونُ خَبَرًا عَنِ المَصْدَرِ، فالتَّقْدِيرُ في القَوْلِ قَبْلَهُ: جَزاؤُهُ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، أوِ اسْتِرْقاقُ هَذا لا بُدَّ مِنهُ عَلى هَذا الإعْرابِ، وهَذا الوَجْهُ هو أحْسَنُ الوُجُوهِ، وأبْعَدُها مِنَ التَّكَلُّفِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ الجَزاءِ، وهو الِاسْتِرْقاقُ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِالسَّرِقَةِ وهو دِينُنا وسُنَّتُنا في أهْلِ السَّرِقَةِ.
يوسف 12:72
﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥]
العِيرُ: الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ عِيرٌ، كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ، وأصْلُها فُعْلٌ كَسَقْفٍ وسُقْفٍ، فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِبِيضٍ وعِينٍ، والعِيرُ مُؤَنَّثٌ، وقالُوا في الجَمْعِ: عِيَراتٌ، فَشَذُّوا في جَمْعِهِ بِالألِفِ والتّاءِ، وفي فَتْحِ يائِهِ وقالَ الشّاعِرُ:
؎غَشِيتُ دِيارَ الحَيِّ بِالبَكَراتِ فَعارِمَةٍ فَبَرْقَةِ العِيَراتِ
قالَ الأعْلَمُ: هُنا مَواضِعُ الأعْيارِ، وهي الحَمِيرُ. الصُّواعُ: الصّاعُ، وفِيهِ لُغاتٌ تَأْتِي في القُرْآنِ، ويُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ. الوِعاءُ: الظَّرْفُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ وتُضَمُّ واوُهُ، ويَجُوزُ أنْ تُبْدَلَ واوُهُ هَمْزَةً. فَتِئَ: مِن أخَواتِ كانَ النّاقِصَةِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
؎فَما فَتِئَتْ حَيٌّ كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ بُومٍ ذِي رِياحٍ تَرَفَّعُ
وقالَ أيْضًا:
؎فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ∗∗∗ ويَلْحَقُ مِنها لاحِقٌ وتَقَطَّعُ
(p-٣٢٧)ويُقالُ فِيها: فَتَأ عَلى وزْنِ ضَرَبَ، وأفْتَأ عَلى وزْنِ أكْرَمَ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى سَكَنَ وأطْفَأ، فَتَكُونُ تامَّةً، ورَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ مِنهُ، صَحَّفَ الثّاءَ بِثَلاثٍ، بِالتّاءِ بِثِنْتَيْنِ مِن فَوْقُ، وشَرَحَها بِسَكَنٍ وأطْفَأ. الحَرَضُ: المُشْفِي عَلى الهَلاكِ يُقالُ: حَرِضَ فَهو حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، حَرَضًا بِفَتْحِها وهو المَصْدَرُ، ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُفْرَدُ والجَمْعُ، وأحْرَضَهُ المَرَضُ فَهو مُحْرَضٌ قالَ:
؎أرى المَرْءَ كالأزْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ∗∗∗ كَإحْراضِ بَكْرٍ في الدِّيارِ مَرِيضِ
وقالَ الآخَرُ:
؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ
وقالَ: رَجُلٌ حُرُضٌ بِضَمَّتَيْنِ كَجُنُبٍ وشُلُلٍ.
* *
﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
(p-٣٢٨)رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: هَذا أخُونا قَدْ جِئْناكَ بِهِ، فَقالَ: أحْسَنْتُمْ وأصَبْتُمْ، وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي، فَأنْزَلَهم وأكْرَمَهم، ثُمَّ أضافَهم، وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ، وجَعَلَ يُؤاكِلُهم وقالَ: أنْتُمْ عَشَرَةٌ، فَلْيَنْزِلْ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم بَيْتًا، وهَذا لا ثانِيَ لَهُ فَيَكُونُ مَعِي، فَباتَ يُوسُفُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويَشُمُّ رائِحَتَهُ حَتّى أصْبَحَ، وسَألَهُ عَنْ ولَدِهِ فَقالَ: لِي عَشَرَةُ بَنِينَ اشْتَقَقْتُ أسْماءَهم مِنِ اسْمِ أخٍ لِي هَلَكَ، فَقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ ؟ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ، ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ، فَبَكى يُوسُفُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ وقالَ لَهُ: أنا أخُوكَ يُوسُفُ فَلا تَبْتَئِسْ، فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بِنا فِيما مَضى، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا عَلى خَيْرٍ، ولا تُعْلِمُهم بِما أعْلَمْتُكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَعَرَّفَ إلَيْهِ أنَّهُ أخُوهُ، وهو الظّاهِرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ، أعْلَمَهُ أنَّهُ أخُوهُ حَقِيقَةً واسْتَكْتَمَهُ، وقالَ لَهُ: لا تُبالِي بِكُلِّ ما تَراهُ مِنَ المَكْرُوهِ في تَحَيُّلِي في أخْذِكَ مِنهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِقَوْلِهِ: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إلى ما يَعْمَلُهُ فِتْيانُ يُوسُفَ مِن أمْرِ السِّقايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهى. ولا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ بِما يَعْمَلُونَ بِغَيْرٍ كانُوا، لَأمْكَنَ عَلى بُعْدِهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما هو مَعَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وأمّا ذِكْرُ فِتْيانِهِ فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ [يوسف: ٦٢] وقَدْ حالَ بَيْنَهُما قَصَصٌ.
(p-٣٢٩)واتَّسَقَ الكَلامُ مَعَ الإخْوَةِ اتِّساقًا لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ عائِدٌ إلَيْهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما كانَ يَلْقى مِنهم قَدِيمًا مِنَ الأذى، إذْ قَدْ أمِنَ مِن ذَلِكَ بِاجْتِماعِهِ بِأخِيهِ يُوسُفَ، وقالَ وهْبٌ: إنَّما أخْبَرَ أنَّهُ أخُوهُ في الوُدِّ مَقامَ أخِيهِ الذّاهِبِ، ولَمْ يَكْشِفْ إلَيْهِ الأمْرَ، بَلْ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ كَسائِرِ إخْوَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ هو يُوسُفُ، ويَظْهَرُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مَلِكًا أنَّهُ لَمْ يُباشِرْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، بَلْ جَعَلَ غَيْرَهُ مِن فِتْيانِهِ، أوْ غَيْرِهِمْ أنْ يَجْعَلَها، وتَقَدَّمَ قَوْلُ وهْبٍ: أنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ لَهُ أنَّهُ أخُوهُ وأنَّهُ تَرَكَهُ تَجُوزُ عَلَيْهِ الحِيلَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِ يُوسُفَ: أنا لا أُفارِقُكَ قالَ: قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ والِدِي، فَإذا حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسُبَكَ إلى ما لا يُحْمَلُ، قالَ: لا أُبالِي، فافْعَلْ ما بَدا لَكَ، قالَ: فَإنِّي أدُسُّ صاعِي في رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهم، قالَ: فافْعَلْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ، أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا، ثُمَّ أذَّنَ، وفي نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ وجَعَلَ السِّقايَةَ بِزِيادَةِ واوٍ في جَعَلَ دُونَ الزِّيادَةِ الَّتِي زادَها الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَقَدَها حافِظُها، كَما قِيلَ: إنَّما أُوحِيَ إلى يُوسُفَ أنْ يَجْعَلَ السِّقايَةَ فَقَطْ، ثُمَّ إنَّ حافِظَها فَقَدَها، فَنادى بِرَأْيِهِ عَلى ما ظَهَرَ لَهُ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وتَفْتِيشُ الأوْعِيَةِ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَأْذِينَ المُؤَذِّنِ كانَ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ هَذا الجَعْلُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِن بِنْيامِينَ، وما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ بِعِلْمٍ مِنهُ.
وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: السِّقايَةُ إناءٌ يَشْرَبُ بِهِ المَلِكُ، وبِهِ كانَ يُكالُ الطَّعامُ لِلنّاسِ، وقِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تَسْقِي بِها ويُكالُ بِها، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الصُّواعُ هو مِثْلُ المَكُّوكِ الفارِسِيِّ، وكانَ إناءُ يُوسُفَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ، وكانَ إلى الطُّولِ ماهِرٌ، قالَ: وحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الصُّواعُ المَكُّوكُ الفارِسِيُّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ، كانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأعاجِمُ، والسِّقايَةُ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، أوْ نُحاسٍ، أوْ مِسْكٍ، أوْ كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ. أقْوالٌ؛ أوَّلُها لِلْجُمْهُورِ، ولِعِزَّةِ الطَّعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قَصَرَ كَيْلُهُ عَلى ذَلِكَ الإناءِ.
﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أيْ: نادى مُنادٍ، أذَّنَ: أعْلَمَ، وآذَنَ أكْثَرَ الإعْلامَ، ومِنهُ المُؤَذِّنُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنهُ، و”ثُمَّ“ تَقْتَضِي مُهْلَةً بَيْنَ جَعْلِ السِّقايَةِ والتَّأْذِينِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا فَصَلَتِ العِيرُ بِأوْقارِها وخَرَجُوا مِن مِصْرَ أُدْرَكُوا وقِيلَ لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: قَبْلَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ أُمِرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا، وأذَّنَ مُؤَذِّنٌ، والظّاهِرُ وقَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ العِيرَ الإبِلُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ دَوابُّهم حَمِيرًا، ومُناداةُ العِيرِ والمُرادُ أصْحابُها كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، ولِذَلِكَ جاءَ الخِطابُ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ فَرُوعِيَ المَحْذُوفُ، ولَمْ يُراعَ العِيرُ كَما رُوعِيَ في ارْكَبِي، وفي قَوْلِهِ: ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢] ويَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ العِيرُ عَلى القافِلَةِ، أوِ الرُّفْقَةِ، فَلا يَكُونُ مِن مَجازِ الحَذْفِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّحَيُّلَ، ورَمْيَ أبْرِياءٍ بِالسَّرِقَةِ، وإدْخالَ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ، بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ؛ لَمّا عَلِمَ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الصَّلاحِ، ولَمّا أرادَ مِن مِحْنَتِهِمْ بِذَلِكَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] . وقِيلَ: لَمّا كانُوا باعُوا يُوسُفَ اسْتُجِيزَ أنْ يُقالَ لَهم هَذا، ونِسْبَةُ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا وإنْ كانَ الصُّواعُ إنَّما وُجِدَ في رَحْلِ واحِدٍ مِنهم كَما تَقُولُ: بَنُو فُلانٍ فَتَلُوا فُلانًا، والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم (قالُوا) أيْ: إخْوَةُ يُوسُفَ (وأقْبَلُوا) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: وقَدْ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، أيْ: عَلى طالِبِيِ السِّقايَةِ، أوْ عَلى المُؤَذِّنِ إنْ كانَ أُرِيدَ بِهِ جَمْعٌ، كَأنَّهُ جَعَلَ مُؤَذِّنِينَ يُنادُونَ، وساءَهم أنْ يُرْمَوْا بِهَذِهِ المَثْلَبَةِ، وقالُوا: ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ لِيَقَعَ التَّفْتِيشُ فَتَظْهَرُ بَراءَتُهم ؟ ولَمْ يَلُوذُوا بِالإنْكارِ مِن أوَّلُ، بَلْ سَألُوا كَمالَ الدَّعْوى رَجاءَ أنْ يَكُونَ فِيها ما (p-٣٣٠)تُبْطَلُ بِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى خِصامٍ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ (ماذا) اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَفْقِدُونَ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”ما“ وحْدَها اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و”ذا“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْ ”ما“ و(تَفْقِدُونَ) صِلَةٌ لِذا، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: تَفْقِدُونَهُ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا نَحْوَ: أحَمَدْتُهُ إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وجْهُها ما ذَكَرْناهُ.
وصُواعُ المَلِكِ هو المِكْيالُ، وهو السِّقايَةُ سَمّاهُ أوَّلًا بِإحْدى جِهَتَيْهِ، وآخِرًا بِالثّانِيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صُواعَ) بِضَمِّ الصّادِ بَعْدَها واوٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَها ألِفٌ بَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلابْنُ عَطِيَّةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الصّادَ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٌ: (صاعَ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى وزْنِ فَعَلَ، فالألِفُ فِيها بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: (صَوْعَ) عَلى وزْنِ قَوْسٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أبِي أرْطَبانَ: (صُوَعَ) بِضَمِّ الصّادِ، وكُلُّها لُغاتٌ في الصّاعِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ عَنْهُما صاحِبُ اللَوامِحِ: (صُواغَ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ غُرابٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ يَحْذِفُ الألِفَ ويُسَكِّنُ الواوَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (صَوْغَ) مَصْدَرُ صاغٍ، وصُواغٌ وصَوْغٌ مُشْتَقّانِ مِنَ الصَّوْغِ مَصْدَرُ صاغَ يَصُوغُ، أُقِيما مَقامَ المَفْعُولِ بِمَعْنى مَصُوغِ المَلِكِ.
(ولِمَن جاءَ بِهِ) أيْ: ولِمَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ، وهَذا جَعْلٌ وأنابَهُ زَعِيمٌ مِن كَلامِ المُؤَذِّنِ، وأنا بِحَمْلِ البَعِيرِ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلى ما جاءَ بِهِ، وأرادَ بِهِ وسَقَ بَعِيرٍ مِن طَعامٍ جَعْلًا لِمَن حَصَّلَهُ، قالُوا: تاللَّهِ، أقْسَمُوا بِالتّاءِ مِن حُرُوفِ القَسَمِ، لِأنَّها تَكُونُ فِيها التَّعَجُّبُ غالِبًا كَأنَّهم عَجِبُوا مِن رَمْيِهِمْ بِهَذا الأمْرِ، ورُوِيَ أنَّهم رَدُّوا البِضاعَةَ الَّتِي وجَدُوها في الطَّعامِ وتَحَرَّجُوا مِن أكْلِ الطَّعامِ بِلا ثَمَنٍ، وكانُوا قَدِ اشْتُهِرُوا بِمِصْرَ بِصَلاحٍ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأكَمَةَ في أفْواهِ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ زُرُوعَ النّاسِ، فَأقْسَمُوا عَلى إثْباتِ شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوهُ مِنهم، وهو أنَّكم قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مَجِيئَنا لَمْ يَكُنْ لِفَسادٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا الإخْبارَ عَنْ نَفْيِ صِفَةِ السَّرِقَةِ عَنْهم، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ مِنهم قَطُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ جَوابِ القَسَمِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (لَقَدْ عَلِمْتُمْ)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، كَما أُبْدِلَتْ في تُراثٍ، وفي التَّوْراةِ، والتُّخْمَةِ، ولا تَدْخُلُ التّاءُ في القَسَمِ إلّا في المَكْتُوبَةِ مِن بَيْنِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ لا تَقُولُ: تالرَّحْمَنِ، ولا تالرَّحِيمِ، انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: والتّاءُ في (تاللَّهِ) بَدَلٌ مِن واوٍ، فَهو قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وخالَفَهُمُ السُّهَيْلِيُّ فَزَعَمَ أنَّها أصْلٌ بِنَفْسِها ولَيْسَتْ بَدَلًا مِن واوٍ، وهو الصَّحِيحُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: وفي التَّوْراةِ فَعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ الأصْلَ، ووَراهُ مِن ورى الزَّنْدِ. ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن زَعَمَ أنَّ التّاءَ زائِدَةٌ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُهُ: ولا تَدْخُلُ إلى آخِرِهِ فَقَدْ حُكِيَ عَنِ العَرَبِ دُخُولَها عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، وعَلى حَياتِكَ، قالُوا: تَرَبِّ الكَعْبَةِ، وتالرَّحْمَنِ، وتَحِيّاتِكَ، والخِطابُ في (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) لِطالِبِي الصُّواعِ، والضَّمِيرُ في (جَزاؤُهُ) عائِدٌ عَلى السّارِقِ، فَما جَزاءُ السّارِقِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قَوْلِكم: ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لَهُ ؟ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَما جَزاؤُهُ) الضَّمِيرُ (p-٣٣١)لِلصُّواعِ أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَتِهِ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في جُحُودِكم وادِّعائِكُمُ البَراءَةَ مِنهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: هو الظّاهِرُ لِاتِّحادِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ إذِ التَّقْدِيرُ إذْ ذاكَ قالَ: جَزاءُ الصّاعِ؛ أيْ: سَرِقَتُهُ مَن وُجِدَ الصّاعُ في رَحْلِهِ، وقَوْلُهم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ كَلامُ مَن لَمْ يَشُكَّ أنَّهم بُرَآءُ مِمّا رُمُوا بِهِ، ولِاعْتِقادِهِمُ البَراءَةَ عَلَّقُوا الحُكْمَ عَلى وِجْدانِ الصّاعِ لا عَلى سَرِقَتِهِ، فَكَأنَّهم يَقُولُونَ: لا يُمْكِنُ أنْ نَسْرِقَ، لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ الصّاعُ في رِحالِنا، وكانَ في دِينِ يَعْقُوبَ اسْتِعْبادُ السّارِقِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُنَّةٌ، وكانَ في دِينِ مِصْرَ أنْ يُضْرَبَ ويُضَعَّفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ، ولِذَلِكَ أجابُوا عَلى شَرِيعَتِهِمْ، وجَوَّزُوا، في إعْرابِ هَذا الكَلامِ وُجُوهٌ؛ أحَدُها: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، و(مَن) شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانٍ (فَهو جَزاؤُهُ) جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ خَبَرُ ”ما“ المَوْصُولَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (مَن وُجِدَ) إلى آخِرِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والضَّمِيرُ في قالُوا: (جَزاؤُهُ) لِلسّارِقِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَصِحُّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرَ (جَزاؤُهُ) مِن رابِطٍ، الثّانِي: أنَّ المَعْنى قالُوا: جَزاءُ سَرِقَتِهِ، ويَكُونُ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ فِيها مَقامُ المُضْمَرِ، والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، فَهو هو. فَمَوْضِعُ الجَزاءِ مَوْضِعُ هو، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: مَن أخُو زَيْدٍ ؟ فَتَقُولُ: أخُوهُ مَن يَقْعُدُ إلى جَنْبِهِ، فَهو هو يَرْجِعُ الضَّمِيرُ الأوَّلُ إلى مَن، والثّانِي إلى الأخِ، ثُمَّ تَقُولُ: فَهو أخُوهُ مُقِيمًا لِلْمُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلرَّبْطِ إنَّما هو فَصِيحٌ في مَواضِعِ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، وغَيْرُ فَصِيحٍ فِيما سِوى ذَلِكَ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ زَيْدٌ، ويُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَوْ قُلْتَ كانَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ ضِدَّ الكَلامِ، وكانَ هاهُنا ضَعِيفًا، ولَمْ يَكُنْ كَقَوْلِكَ: ما زَيْدٌ مُنْطَلِقًا هو، لِأنَّكَ قَدِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْ إظْهارِهِ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُضْمِرَ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، ثُمَّ أفْتُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ كَما تَقُولُ: مَن يَسْتَفْتِي في جَزاءِ صَيْدِ الحَرَمِ جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ، ثُمَّ تَقُولُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مُتَكَلِّفٌ؛ إذْ تَصِيرُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: المَسْئُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ، عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: (فَما جَزاؤُهُ) أنَّ الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ جَزاءُ سَرِقَتِهِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في نُطْقِهِمْ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في المِثالِ الَّذِي مُثِّلَ بِهِ مِن قَوْلِ المُسْتَفْتِي.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأً؛ أيْ: جَزاءُ سَرِقَةِ الصّاعِ، والخَبَرُ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ أيْ: أُخِذَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ. وقَوْلُهم: (فَهو جَزاؤُهُ) تَقْرِيرٌ لِحُكْمٍ؛ أيْ: فَأخْذُ السّارِقِ نَفْسِهِ هو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ، كَقَوْلِكَ: حَقُّ زَيْدٍ أنْ يُكْسى ويُطْعَمَ ويُنْعَمَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَزاؤُهُ، أوْ فَهو حَقُّهُ، لِتُقَرِّرَ ما ذَكَرْتُهُ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ القَوْلَ الواحِدَ قَوْلَيْنِ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (مَن) خَبَرًا عَلى أنَّ المَعْنى جَزاءُ السّارِقِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ عائِدٌ عَلى ”مَن“ ويَكُونُ قَوْلُهُ: (فَهو جَزاؤُهُ) زِيادَةَ بَيانٍ وتَأْكِيدٍ، ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَزاؤُهُ اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، ثُمَّ يُؤَكِّدُ بِقَوْلِهِ: (فَهو جَزاؤُهُ) وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ أبْرَزَ المُضافَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: اسْتِرْقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وفِيما قَبْلَهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ؛ لِأنَّ الذّاتَ لا تَكُونُ خَبَرًا عَنِ المَصْدَرِ، فالتَّقْدِيرُ في القَوْلِ قَبْلَهُ: جَزاؤُهُ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، أوِ اسْتِرْقاقُ هَذا لا بُدَّ مِنهُ عَلى هَذا الإعْرابِ، وهَذا الوَجْهُ هو أحْسَنُ الوُجُوهِ، وأبْعَدُها مِنَ التَّكَلُّفِ.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ الجَزاءِ، وهو الِاسْتِرْقاقُ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِالسَّرِقَةِ وهو دِينُنا وسُنَّتُنا في أهْلِ السَّرِقَةِ.