Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الرعد 13:25 – إبراهيم 14:21

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الرعد 13:25
  2. الرعد 13:26
  3. الرعد 13:27
  4. الرعد 13:28
  5. الرعد 13:29
  6. الرعد 13:30
  7. الرعد 13:31
  8. الرعد 13:32
  9. الرعد 13:33
  10. الرعد 13:34
  11. الرعد 13:35
  12. الرعد 13:36
  13. الرعد 13:37
  14. الرعد 13:38
  15. الرعد 13:39
  16. الرعد 13:40
  17. الرعد 13:41
  18. الرعد 13:42
  19. الرعد 13:43
  20. إبراهيم 14:1
  21. إبراهيم 14:2
  22. إبراهيم 14:3
  23. إبراهيم 14:4
  24. إبراهيم 14:5
  25. إبراهيم 14:6
  26. إبراهيم 14:7
  27. إبراهيم 14:8
  28. إبراهيم 14:9
  29. إبراهيم 14:10
  30. إبراهيم 14:11
  31. إبراهيم 14:12
  32. إبراهيم 14:13
  33. إبراهيم 14:14
  34. إبراهيم 14:15
  35. إبراهيم 14:16
  36. إبراهيم 14:17
  37. إبراهيم 14:18
  38. إبراهيم 14:19
  39. إبراهيم 14:20
  40. إبراهيم 14:21

الرعد 13:25

﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠] ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [الرعد: ٣١] ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ [الرعد: ٣٢] ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الرعد: ٣٣] ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ [الرعد: ٣٥] ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد: ٣٦] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] (p-٣٨٤)القارِعَةُ: الرَّزِيَّةُ الَّتِي تَقْرَعُ قَلْبَ صاحِبِها؛ أيْ: تَضْرِبُهُ بِشِدَّةٍ كالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ وكَشْفِ الحَرِيمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا قَرَعْنا النَّبْعَ بِالنَّبْعِ بَعْضَهُ بِبَعْضِ أبَتْ عِيدانُهُ أنْ تُكْسَرا أيْ: ضَرَبْنا بِقُوَّةٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: القارِعَةُ في اللُّغَةِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ تَنْزِلُ بِأمْرٍ عَظِيمٍ. المَحْوُ الإزالَةُ مَحَوْتُ الخَطَّ أذْهَبْتُ أثَرَهُ ومَحا المَطَرُ رَسْمَ الدّارِ أذْهَبَهُ وأزالَهُ ويُقالُ في مُضارِعِهِ يَمْحُو ويَمْحِي لِأنَّ عَيْنَهُ حَرْفُ حَلْقٍ والإثْباتُ ضِدُّ المَحْوِ. ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ. وقِيلَ: في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي جَهْلٍ. وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ. قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أوَ مَن) بِالواوِ بَدَلُ الفاءِ، إنَّما (أنْزَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَثَلَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وذَكَرَ ما لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الثَّوابِ، وما لِلْكافِرِ مِنَ العِقابِ، ذَكَرَ اسْتِبْعادَ مَن يَجْعَلُها سَواءً، وأنْكَرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ أيْ: لَيْسا مُشْتَبِهَيْنِ؛ لِأنَّ العالِمَ بِالشَّيْءِ بَصِيرٌ بِهِ، والجاهِلَ بِهِ كالأعْمى، والمُرادُ أعْمى البَصِيرَةِ ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِالعِلْمِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ، المُرادُ بِهِ: إنْكارُ أنْ تَقَعَ شُبْهَةٌ بَعْدَما ضَرَبَ مِنَ المَثَلِ في أنَّ حالَ مَن عَلِمَ إنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ فاسْتَجابَ، بِمَعْزِلٍ مِن حالِ الجاهِلِ الَّذِي لَمْ يَسْتَبْصِرْ فَيَسْتَجِيبُ، كَبُعْدِ ما بَيْنَ الزَّبَدِ والماءِ، والخَبَثِ والإبْرِيزِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ بِالمَوْعِظَةِ وضَرْبِ الأمْثالِ إلّا أصْحابُ العُقُولِ. والفاءُ لِلْعَطْفِ، وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَأمَن يَعْلَمُ، ويُبْعِدُها أنْ يَكُونَ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ، والفاءُ عاطِفَةٌ ما بَعْدَها عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ (p-٣٨٥)كَما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨] وجَوَّزُوا في (الَّذِينَ) أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أُولُو)، أوْ صِفَةً لَهُ، وصِفَةً لِمَن مِن قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾، (وإنَّما يَتَذَكَّرُ) اعْتِراضٌ، ومُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والظّاهِرُ عُمُومُ العَهْدِ. وقِيلَ: هو خاصٌّ، فَقالَ السُّدِّيُّ: ما عَهِدَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ. وقالَ قَتادَةُ: في الأوَّلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقالَ القَفّالُ: ما في حِيلَتِهِمْ وعُقُولِهِمْ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوّاتِ. وقِيلَ: في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ والقُرْآنِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ. وقِيلَ: الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والظّاهِرُ إضافَةُ العَهْدِ إلى الفاعِلِ أيْ: بِما عَهِدَ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ جُمْلَةٌ تَوْكِيدِيَّةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ العَهْدَ هو المِيثاقُ، ويَلْزَمُ مِن إيفاءِ العَهْدِ انْتِفاءُ نَقِيضِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَهْدُ اللَّهِ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الشَّهادَةِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم ؟ قالُوا: بَلى. ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ، ولا يَنْقُضُونَ كُلَّ ما وثَّقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وقَبِلُوهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى، وغَيْرُهُ مِنَ المَواثِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العِبادِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، انْتَهى. فَأضافَ العَهْدَ إلى المَفْعُولِ، وغايَرَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ بِكَوْنِ الثّانِيَةِ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ، انْتَهى. إذْ أخْذُ المِيثاقِ عامٌّ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العِبادِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”بِعَهْدِ اللَّهِ“ اسْمُ الجِنْسِ أيْ: بِجَمِيعِ عُهُودِ اللَّهِ، وبَيْنَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ. ويَدْخُلُ في هَذِهِ الألْفاظِ التِزامُ جَمِيعِ الفُرُوضِ، وتَجَنُّبُ جَمِيعِ المَعاصِي. وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ أيْ: إذا اعْتَقَدُوا في طاعَةِ اللَّهِ عَهْدًا لَمْ يَنْقُضُوهُ. قالَ قَتادَةُ: وتَقَدَّمَ وعِيدُ اللَّهِ إلى عِبادِهِ في نَقْضِ المِيثاقِ ونَهى عَنْهُ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ يُشِيرُ إلى مِيثاقٍ مُعَيَّنٍ وهو الَّذِي أخَذَهُ تَعالى عَلى ظَهْرِ أبِيهِمْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتَهى. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: مِن أعْظَمِ المَواثِيقِ في الذِّكْرِ أنْ لا يُسْألَ سِواهُ، وذَكَرَ قِصَّةَ أبِي حَمْزَةَ الخُراسانِيِّ ووُقُوعَهُ في البِئْرِ، ومُرُورَ النّاسِ عَلَيْهِ، وتَغْطِيتَهُمُ البِئْرَ وهو لا يَسْألُهم أنْ يُخْرِجُوهُ، إلى أنْ جاءَ مَن أخْرَجَهُ بِغَيْرِ سُؤالٍ، ولَمْ يَرَ مَن أخْرَجَهُ، وهَتَفَ بِهِ هاتِفٌ: كَيْفَ رَأيْتَ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ ؟ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذا رَجُلٌ عاهَدَ اللَّهَ فَوَجَدَ الوَفاءَ عَلى التَّمامِ، فاقْتَدُوا بِهِ. وقَدْ أنْكَرَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ فِعْلَ أبِي حَمْزَةَ هَذا وبَيَّنَ خَطَأهُ، وأنَّ التَّوَكُّلَ لا يُنافِي الِاسْتِغاثَةَ في تِلْكَ الحالِ. وذَكَرَ أنَّ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ وغَيْرَهُ قالُوا: إنَّ إنْسانًا لَوْ جاعَ فَلَمْ يَسْألْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النّارَ. ولا يُنْكَرُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى لَطَفَ بِأبِي حَمْزَةَ الجاهِلِ. و﴿ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ. وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِهِ صِلَةُ الرَّسُولِ ﷺ بِالإيمانِ بِهِ، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ قَتادَةُ: الرَّحِمُ. وقِيلَ: صِلَةُ الإيمانِ بِالعَمَلِ. وقِيلَ: صِلَةُ قَرابَةِ الإسْلامِ بِإفْشاءِ السَّلامِ، وعِيادَةِ المَرْضى، وشُهُودِ الجَنائِزِ، ومُراعاةِ حَقِّ الجِيرانِ والرُّفَقاءِ والأصْحابِ والخَدَمِ. وقِيلَ: نُصْرَةُ المُؤْمِنِينَ. و(أمَرَ) يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ بِحَرْفِ جَرٍّ وهو (بِهِ) والأوَّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ. و﴿أنْ يُوصَلَ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ: بِوَصْلِهِ. و﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٩] أيْ: وعِيدَهُ كُلَّهُ. و﴿يَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ أيْ: اسْتِقْصاءً فَيُحاسِبُونَ أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا. وقِيلَ: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٩]: يُعَظِّمُونَهُ. وقِيلَ: في قَطْعِ الرَّحِمِ. وقِيلَ: في جَمِيعِ المَعاصِي. وقِيلَ: فِيما أمَرَهم بِوَصْلِهِ. و(صَبَرُوا) مُطْلَقٌ فِيما يُصْبَرُ عَلَيْهِ مِنَ المَصائِبِ في النُّفُوسِ والأمْوالِ، ومِيثاقِ التَّكْلِيفِ. وجاءَتِ الصِّلَةُ هُنا بِلَفْظِ الماضِي، وفي المُوصِلِينَ قَبْلُ بِلَفْظِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾، ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ و(ما) عُطِفَ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ، لِأنَّ المُبْتَدَأ هُنا في مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ بِالماضِي كالمُضارِعِ في اسْمِ الشَّرْطِ، فَكَذَلِكَ فِيما أشْبَهَهُ، ولِذَلِكَ قالَ النَّحْوِيُّونَ: إذا وقَعَ الماضِي صِلَةً أوْ صِفَةً لِنَكِرَةٍ عامَّةٍ (p-٣٨٦)احْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ المُضِيُّ، وأنْ يُرادَ بِهِ الِاسْتِقْبالُ. فَمِنَ المُرادِ بِهِ المُضِيُّ في الصِّلَةِ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ومِنَ المُرادِ بِهِ الِاسْتِقْبالُ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ اخْتِصاصَ هَذِهِ الصِّلَةِ بِالماضِي وتَيْنِكَ بِالمُضارِعِ، أنَّ تَيْنِكَ الصِّلَتَيْنِ قُصِدَ بِهِما الِاسْتِصْحابُ والِالتِباسُ دائِمًا، وهَذِهِ الصِّلَةُ قُصِدَ بِها تَقَدُّمُها عَلى تَيْنِكَ الصِّلَتَيْنِ، و(ما) عُطِفَ عَلَيْهِما، لِأنَّ حُصُولَ تِلْكَ الصِّلاتِ إنَّما هي مُتَرَتِّبَةٌ عَلى حُصُولِ الصَّبْرِ وتَقَدُّمِهِ عَلَيْها، ولِذَلِكَ لَمْ تَأْتِ صِلَةٌ في القُرْآنِ إلّا بِصِيغَةِ الماضِي، إذْ هو شَرْطٌ في حُصُولِ التَّكالِيفِ وإيقاعِها، واللَّهُ أعْلَمُ. وانْتَصَبَ (ابْتِغاءَ) قِيلَ: عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ أيْ: إنَّ صَبْرَهم هو لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ خالِصًا، لا لِرَجاءِ أنْ يُقالَ: ما أصْبَرَهُ، ولا مَخافَةَ أنْ يُعابَ بِالجَزَعِ، أوْ تَشْمَتْ بِهِ الأعْداءُ، كَما قالَ: ؎وتَجَلُّدِي لِلشّامِتِينَ أُرِيهِمُ ∗∗∗ أنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أتَضَعْضَعُ ولِأنَّ الجَزَعَ لا طائِلَ تَحْتَهُ، أوْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا مَرَدَّ لِما فاتَ ولا لِما وقَعَ. والظّاهِرُ في مَعْنى الوَجْهِ هُنا جِهَةُ اللَّهِ أيْ: الجِهَةُ الَّتِي تُقْصَدُ عِنْدَهُ تَعالى بِالحَسَناتِ لِتَقَعَ عَلَيْها المَثُوبَةُ، كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ لِوَجْهِ كَذا. ونَبَّهَ عَلى هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ: العِبادَةُ البَدَنِيَّةُ، والعِبادَةُ المالِيَّةُ، إذْ هُما عَمُودُ الدِّينِ، والصَّبْرُ عَلَيْهِما أعْظَمُ صَبْرٍ لِتَكَرُّرِ الصَّلَواتِ، ولِتَعَلُّقِ النُّفُوسِ بِحُبِّ تَحْصِيلِ المالِ. ونَبَّهَ عَلى حالَتَيِ الإنْفاقِ، فالسِّرُّ أفْضَلُ حالاتِ إنْفاقِ التَّطَوُّعِ كَما جاءَ في السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها، والعَلانِيَةُ أفْضَلُ حالاتِ إنْفاقِ الفُرُوضِ؛ لِأنَّ الإظْهارَ فِيها أفْضَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ مِنَ الحَلالِ؛ لِأنَّ الحَرامَ لا يَكُونُ رِزْقًا ولا يُسْنَدُ إلى اللَّهِ، انْتَهى. وهَذا عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. ولِلسَّلَفِ هُنا في الصَّبْرِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَبَرُوا عَلى أمْرِ اللَّهِ. وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: صَبَرُوا عَلى دِينِهِمْ. وقالَ عَطاءٌ: صَبَرُوا عَلى الرَّزايا والمَصائِبِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَبَرُوا عَلى الطّاعَةِ وعَنِ المَعْصِيَةِ. (ويَدْرَءُونَ): يَدْفَعُونَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ بِالخَيْرِ. وقالَ قَتادَةُ: رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ الحَسَنُ: إذا حُرِمُوا أعْطَوْا، وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا، وإذا قُطِعُوا وصَلُوا. وقالَ القُتَبِيُّ: إذا سُفِّهَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَدْفَعُونَ المُنْكَرَ بِالمَعْرُوفِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إذا أذْنَبُوا تابُوا، وإذا هَرَبُوا أنابُوا لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالتَّوْبَةِ مَعَرَّةَ الذَّنْبِ، وهَذا المَعْنى قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنْهُ. وقِيلَ: يَدْفَعُونَ بـ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ شِرْكَهم. وقِيلَ: بِالسَّلامِ غَوائِلَ النّاسِ. وقِيلَ: مَن رَأوْا مِنهُ مَكْرُوهًا بِالَّتِي هي أحْسَنُ. وقِيلَ: بِالصّالِحِ مِنَ العَمَلِ السَّيِّئِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ مُعاذًا قالَ: أوْصِنِي يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فاعْمَلْ إلى جَنْبِها حَسَنَةً تَمْحُها) السِّرُّ بِالسِّرِّ والعَلانِيَةُ بِالعَلانِيَةِ» . وقِيلَ العَذابُ: بِالصَّدَقَةِ. وقِيلَ: إذا هَمُّوا بِالسَّيِّئَةِ فَكَرُّوا ورَجَعُوا عَنْها واسْتَغْفَرُوا. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وبِالجُمْلَةِ لا يُكافِئُونَ الشَّرَّ بِالشَّرِّ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَجْزُونَ مِن ظُلْمِ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ ومِن إساءَةِ أهْلِ السُّوءِ إحْسانًا وهَذا بِخِلافِ خُلُقِ الجاهِلِيَّةِ كَما قالَ: ؎جَرِيءٌ مَتى يُظْلَمُ يُعاقِبُ بِظُلْمِهِ ∗∗∗ سَرِيعًا وإنْ لا يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأنْصارِ، ثُمَّ هي عامَّةٌ بَعْدَ ذَلِكَ في كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ. و﴿عُقْبى الدّارِ﴾ عاقِبَةُ الدُّنْيا، وهي الجَنَّةُ؛ لِأنَّها الَّتِي أرادَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُّنْيا ومَوْضِعَ أهْلِها. و﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿عُقْبى الدّارِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ عُقْبى دارِ الآخِرَةِ لِدارِ الدُّنْيا في العُقْبى الحَسَنَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ هي لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (جَنّاتُ) خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتُ)، والنَّخْعِيُّ: (جَنَّةُ) بِالإفْرادِ. (p-٣٨٧)ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو: (يُدْخَلُونَها) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ بِضَمِّ اللّامِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها؛ وهو أفْصَحُ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: (وذُرِّيَّتَهم) بِالتَّوْحِيدِ، والجُمْهُورُ بِالجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ: (فَنَعِمَ) بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ وهي الأصْلُ، كَما قالَ الرّاجِزُ: ؎نَعِمَ السّاعُونَ في اليَوْمِ الشُّطُرِ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: (فَنَعْمَ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ المِيمِ لُغَةٌ تَمِيمِيَّمَةٌ، والجُمْهُورُ (نِعْمَ) بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ، وهي أكْثَرُ اسْتِعْمالًا. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ أيْ: عَمَلَ صالِحًا وآمَنَ، انْتَهى. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ النَّسَبِ مِنَ الصّالِحِ لا يَنْفَعُ، إنَّما تَنْفَعُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ. وقِيلَ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ أيْ: لِذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعالى وسابِقِ عِلْمِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الصَّلاحُ هو الإيمانُ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ ﷺ، وهَذِهِ بِشارَةٌ بِنِعْمَةِ اجْتِماعِهِمْ مَعَ قَراباتِهِمْ في الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ ”ومَن“ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في (يَدْخُلُونَها) وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُما بِالمَفْعُولِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ؛ أيْ: يَدْخُلُونَها مَعَ مَن صَلَحَ. ويَشْتَمِلُ قَوْلُهُ: (مِن آبائِهِمْ) أبَوا كُلِّ واحِدٍ والِدُهُ ووالِدَتُهُ، وغَلَبَ الذُّكُورُ عَلى الإناثِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ. ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ أيْ: بِالتُّحَفِ والهَدايا مِنَ اللَّهِ تَعالى تَكْرِمَةً لَهم. قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: هَذِهِ ثَمانِيَةُ أعْمالٍ تُشِيرُ إلى ثَمانِيَةِ أبْوابِ الجَنَّةِ، مَن عَمِلَها دَخَلَها مِن أيِّ بابٍ شاءَ. قالَ الأصَمُّ: نَحْوَ هَذا قالَ: (مِن كُلِّ بابٍ) بابُ الصَّلاةِ، وبابُ الزَّكاةِ، وبابُ الصَّبْرِ. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ عَجِيبٌ في المَلائِكَةِ، ذَكَرَ: أنَّ المَلائِكَةَ طَوائِفُ مِنهم رُوحانِيُّونَ، ومِنهم كَرُوبِيُّونَ، فالعَبْدُ إذا راضَ نَفْسَهُ بِأنْواعِ الرِّياضاتِ كالصَّبْرِ والشُّكْرِ والمُراقَبَةِ والمُحاسَبَةِ، فَلِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ جَوْهَرٌ قُدْسِيٌّ ورُوحٌ عُلْوِيٌّ يُحْفَظُ لِتِلْكَ الصِّفَةِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ، فَعِنْدَ المَوْتِ إذا أشْرَقَتْ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدْسِيَّةُ تَجَلَّتْ فِيها مِن كُلِّ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّمائِيَّةِ ما يُناسِبُها مِنَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ، فَيَفِيضُ عَلَيْها مِن مَلائِكَةِ الصَّبْرِ كَمالاتٌ مَخْصُوصَةٌ نَفْسانِيَّةٌ لا تَظْهَرُ إلّا في مَقامِ الصَّبْرِ، ومِن مَلائِكَةِ الشُّكْرِ كَمالاتٌ رُوحانِيَّةٌ لا تَتَجَلّى إلّا في مَقامِ الشُّكْرِ، وهَكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المَراتِبِ، انْتَهى. وهَذا كَلامٌ فَلْسَفِيٌّ لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، ولا جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، فَهو كَلامٌ مُطْرَحٌ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَكى الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صِفَةِ دُخُولِ المَلائِكَةِ أحادِيثَ لَمْ نُطَوِّلْ بِها لِضَعْفِ أسانِيدِها، انْتَهى. وارْتَفَعَ (سَلامٌ) عَلى الِابْتِداءِ، و(عَلَيْكم) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكم. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (سَلامٌ عَلَيْكم) تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (بِما صَبَرْتُمْ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هَذا الثَّوابُ بِسَبَبِ صَبْرِكم في الدُّنْيا عَلى المَشاقِّ، أوْ تَكُونُ الباءُ بِمَعْنى بَدَلٍ؛ أيْ: بَدَلَ صَبْرِكم أيْ: بَدَلَ ما احْتَمَلْتُمْ مِن مَشاقِّ الصَّبْرِ، هَذِهِ المَلاذُ والنِّعَمُ. وقِيلَ: (سَلامٌ) جَمْعُ سَلامَةٍ؛ أيْ: إنَّما سَلَّمَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ بِصَبْرِكم في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (سَلامٌ) أيْ: يُسَلِّمُ عَلَيْكم ويُكْرِمُكم بِصَبْرِكم، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ الجَنَّةُ مِن جَهَنَّمَ، و(الدّارِ) تَحْتَمِلُ الدُّنْيا وتَحْتَمِلُ الآخِرَةَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى أنْ عَقَّبُوا الجَنَّةَ مِن جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّأْوِيلُ مَبْنِيٌّ عَلى حَدِيثٍ ورَدَ وهو: أنَّ كُلَّ رَجُلٍ في الجَنَّةِ قَدْ كانَ لَهُ مَقْعَدٌ مَعْرُوفٌ في النّارِ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى النَّعِيمِ فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ ويُقالُ لَهُ: «هَذا مَكانُ مَقْعَدِكَ، فَبَدَّلَكَ اللَّهُ مِنهُ الجَنَّةَ بِإيمانِكَ وطاعَتِكَ وصَبْرِكَ» انْتَهى. ولَمّا كانَ الصَّبْرُ هو الَّذِي نَشَأ عَنْهُ تِلْكَ الطّاعاتُ السّابِقَةُ، ذَكَرَتِ المَلائِكَةُ أنَّ النَّعِيمَ السَّرْمَدِيَّ إنَّما هو حاصِلٌ بِسَبَبِ الصَّبْرِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ بِالإيفاءِ بِالعَهْدِ، ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ (p-٣٨٨)قالَ مُقاتِلٌ نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ في أهْلِ الكِتابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ السُّعَداءِ وما تَرَتَّبَ لَهم مِنَ الأُمُورِ السُّنِّيَّةِ الشَّرِيفَةِ، ذَكَرَ حالَ الأشْقِياءِ وما تَرَتَّبَ لَهم مِنَ الأُمُورِ المُخْزِيَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧] الآيَةَ. في أوائِلِ البَقَرَةِ، وتَرَتَّبَ لِلسُّعَداءِ هُناكَ التَّصْرِيحُ بِـ ﴿عُقْبى الدّارِ﴾ وهي الجَنَّةُ، وإكْرامِ المَلائِكَةِ لَهم بِالسَّلامِ، وذَلِكَ غايَةُ القُرْبِ والتَّأْنِيسِ. وهُنا تَرَتَّبَ لِلْأشْقِياءِ الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. و﴿سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ: الدّارُ السُّوءُ وهي النّارُ، و(سُوءُ) عاقِبَةُ الدّارِ، وتَكُونُ دارَ الدُّنْيا. ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِنَ الأشْقِياءِ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ نِعَمُ الدُّنْيا ولَذّاتُها أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ هو الَّذِي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ، والكُفْرُ والإيمانُ لا تَعَلُّقَ لَهُما بِالرِّزْقِ. قَدْ يَقْدِرُ عَلى المُؤْمِنِ لِيَعْظُمَ أجْرُهُ، ويَبْسُطُ لِلْكافِرِ إمْلاءً لِازْدِيادِ آثامِهِ. و(يَقْدِرُ) مُقابِلُ (يَبْسُطُ) وهو التَّضْيِيقُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقَوْلُ ذَلِكَ الَّذِي أُحْرِقَ وذُرِيَ في البَحْرِ: (لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ) أيْ: لَئِنْ ضَيَّقَ. وقِيلَ: يَقْدِرُ يُعْطِي بِقَدْرِ الكِفايَةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَقْدُرُ) بِضَمِّ الدّالِّ، حَيْثُ وقَعَ، والضَّمِيرُ في (فَرِحُوا) عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ جَهْلِهِمْ بِما أُوتُوا مِن بَسْطَةِ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ، وفَرَحُهم فَرَحُ بَطَرٍ وبَسْطٍ لا فَرَحُ سُرُورٍ بِفَضْلِ اللَّهِ وإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُقابِلُوهُ بِالشُّكْرِ حَتّى يَسْتَوْجِبُوا نَعِيمَ الآخِرَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ بِهِ، واسْتَجْهَلَهم بِهَذا الفَرَحِ إذْ هو فَرَحٌ بِما يَزُولُ عَنْ قَرِيبٍ ويَنْقَضِي. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلاتٍ. ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ أيْ: يُفْسِدُونَ في الأرْضِ. ﴿وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ . وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. و(مَتاعٌ) مَعْناهُ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ يَسْتَمْتِعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَفْنى. كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَمَتَّعْ يا مُشَعَّثُ إنَّ شَيْئًا ∗∗∗ سَبَقْتَ بِهِ المَماتَ هو المَتاعُ (وقالَ آخَرُ) : ؎أنْتَ نِعْمَ المَتاعُ لَوْ كُنْتَ تَبْقى ∗∗∗ غَيْرَ أنْ لا بَقاءَ لِلْإنْسانِ (وقالَ آخَرُ) : ؎تَمَتَّعْ مِنَ الدُّنْيا فَإنَّكَ فانٍ ∗∗∗ مِنَ النَّشَواتِ والنِّساءِ الحِسانِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خُفِيَ عَلَيْهِمْ أنَّ نَعِيمَ الدُّنْيا في جَنْبِ نَعِيمِ الآخِرَةِ لَيْسَ إلّا شَيْئًا نَذْرًا، يَتَمَتَّعُ بِهِ كَعُجالَةِ الرّاكِبِ، وهو ما يَتَعَجَّلُهُ مِن تُمَيْراتٍ أوْ شَرْبَةِ سَوِيقٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، انْتَهى. وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ: أعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا في جَنْبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ في الآخِرَةِ نَذْرٌ لَيْسَ يَتَمَتَّعُ بِهِ كَعُجالَةِ الرّاكِبِ، وهو ما يَتَعَجَّلُهُ مِن تُمَيْراتٍ أوْ شَرْبَةِ سَوِيقٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زادٌ كَزادِ الرَّعْيِ. وقالَ مُجاهِدٌ: قَلِيلٌ ذاهِبٌ مِن مُتَعِ النَّهارِ إذا ارْتَفَعَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن زَوالٍ.

الرعد 13:26

﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠] ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [الرعد: ٣١] ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ [الرعد: ٣٢] ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الرعد: ٣٣] ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ [الرعد: ٣٥] ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد: ٣٦] ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] (p-٣٨٤)القارِعَةُ: الرَّزِيَّةُ الَّتِي تَقْرَعُ قَلْبَ صاحِبِها؛ أيْ: تَضْرِبُهُ بِشِدَّةٍ كالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ وكَشْفِ الحَرِيمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا قَرَعْنا النَّبْعَ بِالنَّبْعِ بَعْضَهُ بِبَعْضِ أبَتْ عِيدانُهُ أنْ تُكْسَرا أيْ: ضَرَبْنا بِقُوَّةٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: القارِعَةُ في اللُّغَةِ النّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ تَنْزِلُ بِأمْرٍ عَظِيمٍ. المَحْوُ الإزالَةُ مَحَوْتُ الخَطَّ أذْهَبْتُ أثَرَهُ ومَحا المَطَرُ رَسْمَ الدّارِ أذْهَبَهُ وأزالَهُ ويُقالُ في مُضارِعِهِ يَمْحُو ويَمْحِي لِأنَّ عَيْنَهُ حَرْفُ حَلْقٍ والإثْباتُ ضِدُّ المَحْوِ. ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ في حَمْزَةَ وأبِي جَهْلٍ. وقِيلَ: في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي جَهْلٍ. وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ. قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أوَ مَن) بِالواوِ بَدَلُ الفاءِ، إنَّما (أنْزَلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَثَلَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وذَكَرَ ما لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الثَّوابِ، وما لِلْكافِرِ مِنَ العِقابِ، ذَكَرَ اسْتِبْعادَ مَن يَجْعَلُها سَواءً، وأنْكَرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ أيْ: لَيْسا مُشْتَبِهَيْنِ؛ لِأنَّ العالِمَ بِالشَّيْءِ بَصِيرٌ بِهِ، والجاهِلَ بِهِ كالأعْمى، والمُرادُ أعْمى البَصِيرَةِ ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِالعِلْمِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ، المُرادُ بِهِ: إنْكارُ أنْ تَقَعَ شُبْهَةٌ بَعْدَما ضَرَبَ مِنَ المَثَلِ في أنَّ حالَ مَن عَلِمَ إنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ فاسْتَجابَ، بِمَعْزِلٍ مِن حالِ الجاهِلِ الَّذِي لَمْ يَسْتَبْصِرْ فَيَسْتَجِيبُ، كَبُعْدِ ما بَيْنَ الزَّبَدِ والماءِ، والخَبَثِ والإبْرِيزِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ بِالمَوْعِظَةِ وضَرْبِ الأمْثالِ إلّا أصْحابُ العُقُولِ. والفاءُ لِلْعَطْفِ، وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّهُ صَدْرُ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَأمَن يَعْلَمُ، ويُبْعِدُها أنْ يَكُونَ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ، والفاءُ عاطِفَةٌ ما بَعْدَها عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ (p-٣٨٥)كَما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨] وجَوَّزُوا في (الَّذِينَ) أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أُولُو)، أوْ صِفَةً لَهُ، وصِفَةً لِمَن مِن قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾، (وإنَّما يَتَذَكَّرُ) اعْتِراضٌ، ومُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والظّاهِرُ عُمُومُ العَهْدِ. وقِيلَ: هو خاصٌّ، فَقالَ السُّدِّيُّ: ما عَهِدَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ. وقالَ قَتادَةُ: في الأوَّلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقالَ القَفّالُ: ما في حِيلَتِهِمْ وعُقُولِهِمْ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوّاتِ. وقِيلَ: في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ والقُرْآنِ. وقِيلَ: المَأْخُوذُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ. وقِيلَ: الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والظّاهِرُ إضافَةُ العَهْدِ إلى الفاعِلِ أيْ: بِما عَهِدَ اللَّهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ جُمْلَةٌ تَوْكِيدِيَّةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ العَهْدَ هو المِيثاقُ، ويَلْزَمُ مِن إيفاءِ العَهْدِ انْتِفاءُ نَقِيضِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَهْدُ اللَّهِ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الشَّهادَةِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم ؟ قالُوا: بَلى. ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ، ولا يَنْقُضُونَ كُلَّ ما وثَّقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وقَبِلُوهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى، وغَيْرُهُ مِنَ المَواثِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العِبادِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، انْتَهى. فَأضافَ العَهْدَ إلى المَفْعُولِ، وغايَرَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ بِكَوْنِ الثّانِيَةِ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ، انْتَهى. إذْ أخْذُ المِيثاقِ عامٌّ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العِبادِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”بِعَهْدِ اللَّهِ“ اسْمُ الجِنْسِ أيْ: بِجَمِيعِ عُهُودِ اللَّهِ، وبَيْنَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ. ويَدْخُلُ في هَذِهِ الألْفاظِ التِزامُ جَمِيعِ الفُرُوضِ، وتَجَنُّبُ جَمِيعِ المَعاصِي. وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ أيْ: إذا اعْتَقَدُوا في طاعَةِ اللَّهِ عَهْدًا لَمْ يَنْقُضُوهُ. قالَ قَتادَةُ: وتَقَدَّمَ وعِيدُ اللَّهِ إلى عِبادِهِ في نَقْضِ المِيثاقِ ونَهى عَنْهُ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ يُشِيرُ إلى مِيثاقٍ مُعَيَّنٍ وهو الَّذِي أخَذَهُ تَعالى عَلى ظَهْرِ أبِيهِمْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتَهى. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: مِن أعْظَمِ المَواثِيقِ في الذِّكْرِ أنْ لا يُسْألَ سِواهُ، وذَكَرَ قِصَّةَ أبِي حَمْزَةَ الخُراسانِيِّ ووُقُوعَهُ في البِئْرِ، ومُرُورَ النّاسِ عَلَيْهِ، وتَغْطِيتَهُمُ البِئْرَ وهو لا يَسْألُهم أنْ يُخْرِجُوهُ، إلى أنْ جاءَ مَن أخْرَجَهُ بِغَيْرِ سُؤالٍ، ولَمْ يَرَ مَن أخْرَجَهُ، وهَتَفَ بِهِ هاتِفٌ: كَيْفَ رَأيْتَ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ ؟ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذا رَجُلٌ عاهَدَ اللَّهَ فَوَجَدَ الوَفاءَ عَلى التَّمامِ، فاقْتَدُوا بِهِ. وقَدْ أنْكَرَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ فِعْلَ أبِي حَمْزَةَ هَذا وبَيَّنَ خَطَأهُ، وأنَّ التَّوَكُّلَ لا يُنافِي الِاسْتِغاثَةَ في تِلْكَ الحالِ. وذَكَرَ أنَّ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ وغَيْرَهُ قالُوا: إنَّ إنْسانًا لَوْ جاعَ فَلَمْ يَسْألْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النّارَ. ولا يُنْكَرُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى لَطَفَ بِأبِي حَمْزَةَ الجاهِلِ. و﴿ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ. وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِهِ صِلَةُ الرَّسُولِ ﷺ بِالإيمانِ بِهِ، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ قَتادَةُ: الرَّحِمُ. وقِيلَ: صِلَةُ الإيمانِ بِالعَمَلِ. وقِيلَ: صِلَةُ قَرابَةِ الإسْلامِ بِإفْشاءِ السَّلامِ، وعِيادَةِ المَرْضى، وشُهُودِ الجَنائِزِ، ومُراعاةِ حَقِّ الجِيرانِ والرُّفَقاءِ والأصْحابِ والخَدَمِ. وقِيلَ: نُصْرَةُ المُؤْمِنِينَ. و(أمَرَ) يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ بِحَرْفِ جَرٍّ وهو (بِهِ) والأوَّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ. و﴿أنْ يُوصَلَ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ: بِوَصْلِهِ. و﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٩] أيْ: وعِيدَهُ كُلَّهُ. و﴿يَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ أيْ: اسْتِقْصاءً فَيُحاسِبُونَ أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا. وقِيلَ: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٩]: يُعَظِّمُونَهُ. وقِيلَ: في قَطْعِ الرَّحِمِ. وقِيلَ: في جَمِيعِ المَعاصِي. وقِيلَ: فِيما أمَرَهم بِوَصْلِهِ. و(صَبَرُوا) مُطْلَقٌ فِيما يُصْبَرُ عَلَيْهِ مِنَ المَصائِبِ في النُّفُوسِ والأمْوالِ، ومِيثاقِ التَّكْلِيفِ. وجاءَتِ الصِّلَةُ هُنا بِلَفْظِ الماضِي، وفي المُوصِلِينَ قَبْلُ بِلَفْظِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾، ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ و(ما) عُطِفَ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ، لِأنَّ المُبْتَدَأ هُنا في مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ بِالماضِي كالمُضارِعِ في اسْمِ الشَّرْطِ، فَكَذَلِكَ فِيما أشْبَهَهُ، ولِذَلِكَ قالَ النَّحْوِيُّونَ: إذا وقَعَ الماضِي صِلَةً أوْ صِفَةً لِنَكِرَةٍ عامَّةٍ (p-٣٨٦)احْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ المُضِيُّ، وأنْ يُرادَ بِهِ الِاسْتِقْبالُ. فَمِنَ المُرادِ بِهِ المُضِيُّ في الصِّلَةِ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ومِنَ المُرادِ بِهِ الِاسْتِقْبالُ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ اخْتِصاصَ هَذِهِ الصِّلَةِ بِالماضِي وتَيْنِكَ بِالمُضارِعِ، أنَّ تَيْنِكَ الصِّلَتَيْنِ قُصِدَ بِهِما الِاسْتِصْحابُ والِالتِباسُ دائِمًا، وهَذِهِ الصِّلَةُ قُصِدَ بِها تَقَدُّمُها عَلى تَيْنِكَ الصِّلَتَيْنِ، و(ما) عُطِفَ عَلَيْهِما، لِأنَّ حُصُولَ تِلْكَ الصِّلاتِ إنَّما هي مُتَرَتِّبَةٌ عَلى حُصُولِ الصَّبْرِ وتَقَدُّمِهِ عَلَيْها، ولِذَلِكَ لَمْ تَأْتِ صِلَةٌ في القُرْآنِ إلّا بِصِيغَةِ الماضِي، إذْ هو شَرْطٌ في حُصُولِ التَّكالِيفِ وإيقاعِها، واللَّهُ أعْلَمُ. وانْتَصَبَ (ابْتِغاءَ) قِيلَ: عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ أيْ: إنَّ صَبْرَهم هو لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ خالِصًا، لا لِرَجاءِ أنْ يُقالَ: ما أصْبَرَهُ، ولا مَخافَةَ أنْ يُعابَ بِالجَزَعِ، أوْ تَشْمَتْ بِهِ الأعْداءُ، كَما قالَ: ؎وتَجَلُّدِي لِلشّامِتِينَ أُرِيهِمُ ∗∗∗ أنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أتَضَعْضَعُ ولِأنَّ الجَزَعَ لا طائِلَ تَحْتَهُ، أوْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا مَرَدَّ لِما فاتَ ولا لِما وقَعَ. والظّاهِرُ في مَعْنى الوَجْهِ هُنا جِهَةُ اللَّهِ أيْ: الجِهَةُ الَّتِي تُقْصَدُ عِنْدَهُ تَعالى بِالحَسَناتِ لِتَقَعَ عَلَيْها المَثُوبَةُ، كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ لِوَجْهِ كَذا. ونَبَّهَ عَلى هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ: العِبادَةُ البَدَنِيَّةُ، والعِبادَةُ المالِيَّةُ، إذْ هُما عَمُودُ الدِّينِ، والصَّبْرُ عَلَيْهِما أعْظَمُ صَبْرٍ لِتَكَرُّرِ الصَّلَواتِ، ولِتَعَلُّقِ النُّفُوسِ بِحُبِّ تَحْصِيلِ المالِ. ونَبَّهَ عَلى حالَتَيِ الإنْفاقِ، فالسِّرُّ أفْضَلُ حالاتِ إنْفاقِ التَّطَوُّعِ كَما جاءَ في السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها، والعَلانِيَةُ أفْضَلُ حالاتِ إنْفاقِ الفُرُوضِ؛ لِأنَّ الإظْهارَ فِيها أفْضَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ مِنَ الحَلالِ؛ لِأنَّ الحَرامَ لا يَكُونُ رِزْقًا ولا يُسْنَدُ إلى اللَّهِ، انْتَهى. وهَذا عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ. ولِلسَّلَفِ هُنا في الصَّبْرِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَبَرُوا عَلى أمْرِ اللَّهِ. وقالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: صَبَرُوا عَلى دِينِهِمْ. وقالَ عَطاءٌ: صَبَرُوا عَلى الرَّزايا والمَصائِبِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَبَرُوا عَلى الطّاعَةِ وعَنِ المَعْصِيَةِ. (ويَدْرَءُونَ): يَدْفَعُونَ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ بِالخَيْرِ. وقالَ قَتادَةُ: رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ الحَسَنُ: إذا حُرِمُوا أعْطَوْا، وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا، وإذا قُطِعُوا وصَلُوا. وقالَ القُتَبِيُّ: إذا سُفِّهَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَدْفَعُونَ المُنْكَرَ بِالمَعْرُوفِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إذا أذْنَبُوا تابُوا، وإذا هَرَبُوا أنابُوا لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالتَّوْبَةِ مَعَرَّةَ الذَّنْبِ، وهَذا المَعْنى قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنْهُ. وقِيلَ: يَدْفَعُونَ بـ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ شِرْكَهم. وقِيلَ: بِالسَّلامِ غَوائِلَ النّاسِ. وقِيلَ: مَن رَأوْا مِنهُ مَكْرُوهًا بِالَّتِي هي أحْسَنُ. وقِيلَ: بِالصّالِحِ مِنَ العَمَلِ السَّيِّئِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ مُعاذًا قالَ: أوْصِنِي يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: (إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فاعْمَلْ إلى جَنْبِها حَسَنَةً تَمْحُها) السِّرُّ بِالسِّرِّ والعَلانِيَةُ بِالعَلانِيَةِ» . وقِيلَ العَذابُ: بِالصَّدَقَةِ. وقِيلَ: إذا هَمُّوا بِالسَّيِّئَةِ فَكَرُّوا ورَجَعُوا عَنْها واسْتَغْفَرُوا. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وبِالجُمْلَةِ لا يُكافِئُونَ الشَّرَّ بِالشَّرِّ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎يَجْزُونَ مِن ظُلْمِ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ ومِن إساءَةِ أهْلِ السُّوءِ إحْسانًا وهَذا بِخِلافِ خُلُقِ الجاهِلِيَّةِ كَما قالَ: ؎جَرِيءٌ مَتى يُظْلَمُ يُعاقِبُ بِظُلْمِهِ ∗∗∗ سَرِيعًا وإنْ لا يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأنْصارِ، ثُمَّ هي عامَّةٌ بَعْدَ ذَلِكَ في كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ. و﴿عُقْبى الدّارِ﴾ عاقِبَةُ الدُّنْيا، وهي الجَنَّةُ؛ لِأنَّها الَّتِي أرادَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُّنْيا ومَوْضِعَ أهْلِها. و﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿عُقْبى الدّارِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ عُقْبى دارِ الآخِرَةِ لِدارِ الدُّنْيا في العُقْبى الحَسَنَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ هي لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (جَنّاتُ) خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَنّاتُ)، والنَّخْعِيُّ: (جَنَّةُ) بِالإفْرادِ. (p-٣٨٧)ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو: (يُدْخَلُونَها) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ بِضَمِّ اللّامِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها؛ وهو أفْصَحُ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: (وذُرِّيَّتَهم) بِالتَّوْحِيدِ، والجُمْهُورُ بِالجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ: (فَنَعِمَ) بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ وهي الأصْلُ، كَما قالَ الرّاجِزُ: ؎نَعِمَ السّاعُونَ في اليَوْمِ الشُّطُرِ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: (فَنَعْمَ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ المِيمِ لُغَةٌ تَمِيمِيَّمَةٌ، والجُمْهُورُ (نِعْمَ) بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ، وهي أكْثَرُ اسْتِعْمالًا. قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ أيْ: عَمَلَ صالِحًا وآمَنَ، انْتَهى. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ النَّسَبِ مِنَ الصّالِحِ لا يَنْفَعُ، إنَّما تَنْفَعُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ. وقِيلَ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ أيْ: لِذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعالى وسابِقِ عِلْمِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الصَّلاحُ هو الإيمانُ بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ ﷺ، وهَذِهِ بِشارَةٌ بِنِعْمَةِ اجْتِماعِهِمْ مَعَ قَراباتِهِمْ في الجَنَّةِ. والظّاهِرُ أنَّ ”ومَن“ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في (يَدْخُلُونَها) وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُما بِالمَفْعُولِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ؛ أيْ: يَدْخُلُونَها مَعَ مَن صَلَحَ. ويَشْتَمِلُ قَوْلُهُ: (مِن آبائِهِمْ) أبَوا كُلِّ واحِدٍ والِدُهُ ووالِدَتُهُ، وغَلَبَ الذُّكُورُ عَلى الإناثِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ. ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ أيْ: بِالتُّحَفِ والهَدايا مِنَ اللَّهِ تَعالى تَكْرِمَةً لَهم. قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: هَذِهِ ثَمانِيَةُ أعْمالٍ تُشِيرُ إلى ثَمانِيَةِ أبْوابِ الجَنَّةِ، مَن عَمِلَها دَخَلَها مِن أيِّ بابٍ شاءَ. قالَ الأصَمُّ: نَحْوَ هَذا قالَ: (مِن كُلِّ بابٍ) بابُ الصَّلاةِ، وبابُ الزَّكاةِ، وبابُ الصَّبْرِ. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ عَجِيبٌ في المَلائِكَةِ، ذَكَرَ: أنَّ المَلائِكَةَ طَوائِفُ مِنهم رُوحانِيُّونَ، ومِنهم كَرُوبِيُّونَ، فالعَبْدُ إذا راضَ نَفْسَهُ بِأنْواعِ الرِّياضاتِ كالصَّبْرِ والشُّكْرِ والمُراقَبَةِ والمُحاسَبَةِ، فَلِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ جَوْهَرٌ قُدْسِيٌّ ورُوحٌ عُلْوِيٌّ يُحْفَظُ لِتِلْكَ الصِّفَةِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ، فَعِنْدَ المَوْتِ إذا أشْرَقَتْ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدْسِيَّةُ تَجَلَّتْ فِيها مِن كُلِّ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّمائِيَّةِ ما يُناسِبُها مِنَ الصِّفَةِ المَخْصُوصَةِ، فَيَفِيضُ عَلَيْها مِن مَلائِكَةِ الصَّبْرِ كَمالاتٌ مَخْصُوصَةٌ نَفْسانِيَّةٌ لا تَظْهَرُ إلّا في مَقامِ الصَّبْرِ، ومِن مَلائِكَةِ الشُّكْرِ كَمالاتٌ رُوحانِيَّةٌ لا تَتَجَلّى إلّا في مَقامِ الشُّكْرِ، وهَكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المَراتِبِ، انْتَهى. وهَذا كَلامٌ فَلْسَفِيٌّ لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، ولا جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، فَهو كَلامٌ مُطْرَحٌ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَكى الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صِفَةِ دُخُولِ المَلائِكَةِ أحادِيثَ لَمْ نُطَوِّلْ بِها لِضَعْفِ أسانِيدِها، انْتَهى. وارْتَفَعَ (سَلامٌ) عَلى الِابْتِداءِ، و(عَلَيْكم) الخَبَرُ، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكم. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (سَلامٌ عَلَيْكم) تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: (بِما صَبَرْتُمْ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هَذا الثَّوابُ بِسَبَبِ صَبْرِكم في الدُّنْيا عَلى المَشاقِّ، أوْ تَكُونُ الباءُ بِمَعْنى بَدَلٍ؛ أيْ: بَدَلَ صَبْرِكم أيْ: بَدَلَ ما احْتَمَلْتُمْ مِن مَشاقِّ الصَّبْرِ، هَذِهِ المَلاذُ والنِّعَمُ. وقِيلَ: (سَلامٌ) جَمْعُ سَلامَةٍ؛ أيْ: إنَّما سَلَّمَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ بِصَبْرِكم في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (سَلامٌ) أيْ: يُسَلِّمُ عَلَيْكم ويُكْرِمُكم بِصَبْرِكم، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ الجَنَّةُ مِن جَهَنَّمَ، و(الدّارِ) تَحْتَمِلُ الدُّنْيا وتَحْتَمِلُ الآخِرَةَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى أنْ عَقَّبُوا الجَنَّةَ مِن جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّأْوِيلُ مَبْنِيٌّ عَلى حَدِيثٍ ورَدَ وهو: أنَّ كُلَّ رَجُلٍ في الجَنَّةِ قَدْ كانَ لَهُ مَقْعَدٌ مَعْرُوفٌ في النّارِ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى النَّعِيمِ فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ ويُقالُ لَهُ: «هَذا مَكانُ مَقْعَدِكَ، فَبَدَّلَكَ اللَّهُ مِنهُ الجَنَّةَ بِإيمانِكَ وطاعَتِكَ وصَبْرِكَ» انْتَهى. ولَمّا كانَ الصَّبْرُ هو الَّذِي نَشَأ عَنْهُ تِلْكَ الطّاعاتُ السّابِقَةُ، ذَكَرَتِ المَلائِكَةُ أنَّ النَّعِيمَ السَّرْمَدِيَّ إنَّما هو حاصِلٌ بِسَبَبِ الصَّبْرِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ بِالإيفاءِ بِالعَهْدِ، ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ. ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ (p-٣٨٨)قالَ مُقاتِلٌ نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ في أهْلِ الكِتابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ السُّعَداءِ وما تَرَتَّبَ لَهم مِنَ الأُمُورِ السُّنِّيَّةِ الشَّرِيفَةِ، ذَكَرَ حالَ الأشْقِياءِ وما تَرَتَّبَ لَهم مِنَ الأُمُورِ المُخْزِيَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧] الآيَةَ. في أوائِلِ البَقَرَةِ، وتَرَتَّبَ لِلسُّعَداءِ هُناكَ التَّصْرِيحُ بِـ ﴿عُقْبى الدّارِ﴾ وهي الجَنَّةُ، وإكْرامِ المَلائِكَةِ لَهم بِالسَّلامِ، وذَلِكَ غايَةُ القُرْبِ والتَّأْنِيسِ. وهُنا تَرَتَّبَ لِلْأشْقِياءِ الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. و﴿سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ: الدّارُ السُّوءُ وهي النّارُ، و(سُوءُ) عاقِبَةُ الدّارِ، وتَكُونُ دارَ الدُّنْيا. ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِنَ الأشْقِياءِ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ نِعَمُ الدُّنْيا ولَذّاتُها أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ هو الَّذِي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ، والكُفْرُ والإيمانُ لا تَعَلُّقَ لَهُما بِالرِّزْقِ. قَدْ يَقْدِرُ عَلى المُؤْمِنِ لِيَعْظُمَ أجْرُهُ، ويَبْسُطُ لِلْكافِرِ إمْلاءً لِازْدِيادِ آثامِهِ. و(يَقْدِرُ) مُقابِلُ (يَبْسُطُ) وهو التَّضْيِيقُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقَوْلُ ذَلِكَ الَّذِي أُحْرِقَ وذُرِيَ في البَحْرِ: (لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ) أيْ: لَئِنْ ضَيَّقَ. وقِيلَ: يَقْدِرُ يُعْطِي بِقَدْرِ الكِفايَةِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ويَقْدُرُ) بِضَمِّ الدّالِّ، حَيْثُ وقَعَ، والضَّمِيرُ في (فَرِحُوا) عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ جَهْلِهِمْ بِما أُوتُوا مِن بَسْطَةِ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ، وفَرَحُهم فَرَحُ بَطَرٍ وبَسْطٍ لا فَرَحُ سُرُورٍ بِفَضْلِ اللَّهِ وإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُقابِلُوهُ بِالشُّكْرِ حَتّى يَسْتَوْجِبُوا نَعِيمَ الآخِرَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ بِهِ، واسْتَجْهَلَهم بِهَذا الفَرَحِ إذْ هو فَرَحٌ بِما يَزُولُ عَنْ قَرِيبٍ ويَنْقَضِي. ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلاتٍ. ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ أيْ: يُفْسِدُونَ في الأرْضِ. ﴿وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ . وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. و(مَتاعٌ) مَعْناهُ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ يَسْتَمْتِعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَفْنى. كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَمَتَّعْ يا مُشَعَّثُ إنَّ شَيْئًا ∗∗∗ سَبَقْتَ بِهِ المَماتَ هو المَتاعُ (وقالَ آخَرُ) : ؎أنْتَ نِعْمَ المَتاعُ لَوْ كُنْتَ تَبْقى ∗∗∗ غَيْرَ أنْ لا بَقاءَ لِلْإنْسانِ (وقالَ آخَرُ) : ؎تَمَتَّعْ مِنَ الدُّنْيا فَإنَّكَ فانٍ ∗∗∗ مِنَ النَّشَواتِ والنِّساءِ الحِسانِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خُفِيَ عَلَيْهِمْ أنَّ نَعِيمَ الدُّنْيا في جَنْبِ نَعِيمِ الآخِرَةِ لَيْسَ إلّا شَيْئًا نَذْرًا، يَتَمَتَّعُ بِهِ كَعُجالَةِ الرّاكِبِ، وهو ما يَتَعَجَّلُهُ مِن تُمَيْراتٍ أوْ شَرْبَةِ سَوِيقٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، انْتَهى. وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ: أعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا في جَنْبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ في الآخِرَةِ نَذْرٌ لَيْسَ يَتَمَتَّعُ بِهِ كَعُجالَةِ الرّاكِبِ، وهو ما يَتَعَجَّلُهُ مِن تُمَيْراتٍ أوْ شَرْبَةِ سَوِيقٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زادٌ كَزادِ الرَّعْيِ. وقالَ مُجاهِدٌ: قَلِيلٌ ذاهِبٌ مِن مُتَعِ النَّهارِ إذا ارْتَفَعَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن زَوالٍ.

الرعد 13:27

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ نَزَلَتْ: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٤٣] في مُشْرِكِي مَكَّةَ، طَلَبُوا مِثْلَ آياتِ الأنْبِياءِ، والمُلْتَمِسُ ذَلِكَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ وأصْحابُهُ، رَدَّ تَعالى عَلى مُقْتَرَحِي الآياتِ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ كَسُقُوطِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ كِسَفًا. وقَوْلُهم: سَيِّرْ عَلَيْنا الأخْشَبَيْنِ، واجْعَلْ لَنا البِطاحَ مَحارِثَ ومُغْتَرَسًا (p-٣٨٩)كالأُرْدُنِّ، وأحْيِ لَنا مُضُيَّنا وأسْلافَنا، ولَمْ تَجْرِ عادَةُ اللَّهِ في الإتْيانِ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا إذا أرادَ هَلاكَ مُقْتَرِحِها، فَرَدَّ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ لا يَقْتَضِي ضَرُورَةَ إيمانِكم وهُداكم؛ لِأنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُطابِقُ قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ الآياتِ الباهِرَةِ المُتَكاثِرَةِ الَّتِي أُوتِيَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْتَها نَبِيٌّ قَبْلَهُ، وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً وراءَ كُلِّ آيَةٍ، فَإذا جَحَدُوها ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها وجَعَلُوهُ كَأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قَطُّ كانَ مَوْضِعُ التَّعَجُّبِ والِاسْتِنْكارِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: ما أعْظَمَ عِنادَكم ! وما أشَدَّ تَصْمِيمَكم عَلى كُفْرِكم ! ﴿إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ فَمَن كانَ عَلى صِفَتِكم مِنَ التَّصْمِيمِ وشِدَّةِ التَّسْلِيمِ في الكُفْرِ فَلا سَبِيلَ إلى اهْتِدائِكم وإنْ أُنْزِلَتْ كُلُّ آيَةٍ، ويَهْدِي إلَيْهِ مَن كانَ عَلى خِلافِ صِفَتِكم. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: يُضِلُّ مَن يَشاءُ عَنْ رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ عُقُوبَةً لَهُ عَلى كُفْرِهِ، ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ: إلى جَنَّتِهِ، ﴿مَن أنابَ﴾ أيْ: مَن تابَ. والهُدى تَعَلُّقُهُ بِالمُؤْمِنِ هو الثَّوابُ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عَلى إيمانِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُضِلُّ عَنِ الثَّوابِ بِالعِقابِ، لا عَنِ الدِّينِ بِالكُفْرِ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن خالَفَنا، انْتَهى. وهي عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أوْ عَلى الرَّسُولِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: إلى دِينِهِ وشَرْعِهِ. و(أنابَ) أقْبَلَ إلى الحَقِّ، وحَقِيقَتُهُ دَخَلَ في تَوْبَةِ الخَيْرِ. و﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِن (أنابَ) . واطْمِئْنانُ القُلُوبِ سُكُونُها بَعْدَ الِاضْطِرابِ مِن خَشْيَتِهِ. و﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٩١] ذِكْرُ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، أوْ ذِكْرُ دَلائِلِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ المُزِيلَةِ لِعَلَقِ الشُّبَهِ. أوْ تَطْمَئِنُّ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ المُعْجِزاتِ تَسْكُنُ بِهِ القُلُوبُ وتَنْتَبِهُ. ثُمَّ ذَكَرَ الحَضَّ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأنَّهُ بِهِ تَحْصُلُ الطُّمَأْنِينَةُ تَرْغِيبًا في الإيمانِ، والمَعْنى: أنَّهُ بِذِكْرِهِ تَعالى تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، بَلْ رُبَّما كَفَرَ بَعْدَها، فَنَزَلَ العَذابُ كَما سَلَفَ في بَعْضِ الأُمَمِ. وجَوَّزُوا في (الَّذِينَ) أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ) وبَدَلًا مِنَ (القُلُوبُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: قُلُوبُ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. و(طُوبى) فِعْلٌ مِنَ الطِّيبِ، قُلِبَتْ ياؤُهُ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها كَما قَلُبِتْ في مُوسِرٍ، واخْتَلَفُوا في مَدْلُولِها: فَقالَ أبُو الحَسَنِ الهَنائِيُّ: هي جَمْعُ طَيِّبَةٍ قالُوا في جَمْعِ كَيِّسَةٍ كُوسى، وضَيِّقَةٍ ضُوقى. وفُعْلى لَيْسَتْ مِن ألْفاظِ الجُمُوعِ، فَلَعَلَّهُ يَعْنِي بِها اسْمَ جَمْعٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: هي مُفْرَدٌ كَبُشْرى وسُقْيا ورُجْعى وعُقْبى، واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِهَذا في مَعْناها. فَقالَ الضَّحّاكُ: المَعْنى غِبْطَةٌ لَهم، وعَنْهُ أيْضًا: أصَبْتَ خَيْرًا. وقالَ عِكْرِمَةُ: نُعْمى لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ. وقالَ قَتادَةُ: حُسْنى لَهم. وقالَ النَّخَعِيُّ: خَيْرٌ لَهم، وعَنْهُ أيْضًا: كَرامَةٌ لَهم. وعَنْ سُمَيْطِ بْنِ عَجْلانَ: دَوامُ الخَيْرِ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى العَيْشُ الطَّيِّبُ لَهم. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: طُوبى: اسْمٌ لِلْجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ. وقِيلَ: بِلُغَةِ الهِنْدِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُعَتِّبُ بْنُ سُمَيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هي شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ. ورُوِيَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ السُّلَمِيِّ أنَّهُ قالَ. وقَدْ سَألَهُ أعْرابِيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي الجَنَّةِ فاكِهَةٌ ؟ قالَ: ”نَعَمْ فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى“ وذَكَرَ الحَدِيثَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّها شَجَرَةٌ لِلْحَدِيثِ المَرْفُوعِ حَدِيثِ عُتْبَةَ، وهو صَحِيحٌ عَلى ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ، وذَكَرَهُ أبُو عُمَرَ في التَّمْهِيدِ والثَّعْلَبِيُّ. و﴿طُوبى﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (لَهم) فَإنْ كانَتْ عَلَمًا لِشَجَرَةٍ في الجَنَّةِ فَلا كَلامَ في جَوازِ الِابْتِداءِ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَمُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِها ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّهُ ذَهَبَ بِها مَذْهَبَ الدُّعاءِ كَقَوْلِهِمْ: سَلامٌ عَلَيْكَ، إلّا أنَّهُ التَزَمَ فِيهِ (p-٣٩٠)الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ نَواسِخُهُ، هَكَذا قالَ ابْنُ مالِكٍ: ويَرُدُّهُ أنَّهُ قُرِئَ: (وحُسْنَ مَآبٍ) بِالنَّصْبِ، قَرَأهُ كَذَلِكَ عِيسى الثَّقَفِيُّ، وخَرَّجَ ذَلِكَ ثَعْلَبٌ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (طُوبى)، وأنَّها في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْها. قالَ ثَعْلَبٌ: و(طُوبى) عَلى هَذا مَصْدَرٌ كَما قالُوا: سُقْيا. وخَرَّجَهُ صاحِبُ اللَوامِحِ عَلى النِّداءِ قالَ: بِتَقْدِيرِ يا طُوبى لَهم، ويا حُسْنَ مَآبٍ. فَـ (حُسْنَ) مَعْطُوفٌ عَلى المُنادى المُضافِ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَهَذا نِداءٌ لِلتَّحْنِينِ والتَّشْوِيقِ كَما قالَ: يا أسَفى، عَلى الفَوْتِ والنُّدْبَةِ، انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَعْطُوفٌ عَلى المُنادى المُضافِ، أنَّ (طُوبى) مُضافٌ لِلضَّمِيرِ، واللّامَ مُقْحَمَةٌ كَما أُقْحِمَتْ في قَوْلِهِ: يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضِرارًا لِأقْوامٍ. وقَوْلِ الآخَرِ: يا بُؤْسَ لِلْحَرْبِ الَّتِي، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن بُؤْسٍ وكَأنَّهُ قِيلَ: يا طُوباهم وحُسْنَ مَآبٍ أيْ: ما أطْيَبَهم وأحْسَنَ مَآبَهم، كَما تَقُولُ: يا طِيبَها لَيْلَةً أيْ: ما أطْيَبَها لَيْلَةً. وقَرَأ بَكْرَةُ الأعْرابِيُّ (طِيبى) بِكَسْرِ الطّاءِ، لِتَسْلَمَ الياءُ مِنَ القَلْبِ، وإنْ كانَ وزْنُها ”فُعْلى“، كَما كَسَرُوا في بِيضٍ لِتَسْلَمَ الياءُ، وإنْ كانَ وزْنُها فُعُلًا كَحُمُرٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصَبْتَ خَيْرًا وطِيبًا، ومَحَلُّها النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ كَقَوْلِكَ: طِيبًا لَكَ، وطِيبٌ لَكَ، وسَلامًا لَكَ، وسَلامٌ لَكَ، والقِراءَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ بِذَلِكَ عَلى مَحَلِّها، واللّامُ في (لَهم) لِلْبَيانِ مِثْلُها في ”سُقْيًا لَكَ“ . وقُرِئَ: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ ورَفْعِ مَآبٍ. فَـ (حُسْنَ) فِعْلٌ ماضٍ أصْلُهُ وحَسُنَ نُقِلَتْ ضَمَّةُ سِينِهِ إلى الحاءِ، وهَذا جائِزٌ في فِعْلٍ، إذا كانَ لِلْمَدْحِ أوِ الذَّمِّ كَما قالُوا: حُسْنَ ذا أدَبا.

الرعد 13:28

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ نَزَلَتْ: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٤٣] في مُشْرِكِي مَكَّةَ، طَلَبُوا مِثْلَ آياتِ الأنْبِياءِ، والمُلْتَمِسُ ذَلِكَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ وأصْحابُهُ، رَدَّ تَعالى عَلى مُقْتَرَحِي الآياتِ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ كَسُقُوطِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ كِسَفًا. وقَوْلُهم: سَيِّرْ عَلَيْنا الأخْشَبَيْنِ، واجْعَلْ لَنا البِطاحَ مَحارِثَ ومُغْتَرَسًا (p-٣٨٩)كالأُرْدُنِّ، وأحْيِ لَنا مُضُيَّنا وأسْلافَنا، ولَمْ تَجْرِ عادَةُ اللَّهِ في الإتْيانِ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا إذا أرادَ هَلاكَ مُقْتَرِحِها، فَرَدَّ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ لا يَقْتَضِي ضَرُورَةَ إيمانِكم وهُداكم؛ لِأنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُطابِقُ قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ الآياتِ الباهِرَةِ المُتَكاثِرَةِ الَّتِي أُوتِيَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْتَها نَبِيٌّ قَبْلَهُ، وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً وراءَ كُلِّ آيَةٍ، فَإذا جَحَدُوها ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها وجَعَلُوهُ كَأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قَطُّ كانَ مَوْضِعُ التَّعَجُّبِ والِاسْتِنْكارِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: ما أعْظَمَ عِنادَكم ! وما أشَدَّ تَصْمِيمَكم عَلى كُفْرِكم ! ﴿إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ فَمَن كانَ عَلى صِفَتِكم مِنَ التَّصْمِيمِ وشِدَّةِ التَّسْلِيمِ في الكُفْرِ فَلا سَبِيلَ إلى اهْتِدائِكم وإنْ أُنْزِلَتْ كُلُّ آيَةٍ، ويَهْدِي إلَيْهِ مَن كانَ عَلى خِلافِ صِفَتِكم. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: يُضِلُّ مَن يَشاءُ عَنْ رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ عُقُوبَةً لَهُ عَلى كُفْرِهِ، ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ: إلى جَنَّتِهِ، ﴿مَن أنابَ﴾ أيْ: مَن تابَ. والهُدى تَعَلُّقُهُ بِالمُؤْمِنِ هو الثَّوابُ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عَلى إيمانِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُضِلُّ عَنِ الثَّوابِ بِالعِقابِ، لا عَنِ الدِّينِ بِالكُفْرِ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن خالَفَنا، انْتَهى. وهي عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أوْ عَلى الرَّسُولِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: إلى دِينِهِ وشَرْعِهِ. و(أنابَ) أقْبَلَ إلى الحَقِّ، وحَقِيقَتُهُ دَخَلَ في تَوْبَةِ الخَيْرِ. و﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِن (أنابَ) . واطْمِئْنانُ القُلُوبِ سُكُونُها بَعْدَ الِاضْطِرابِ مِن خَشْيَتِهِ. و﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٩١] ذِكْرُ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، أوْ ذِكْرُ دَلائِلِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ المُزِيلَةِ لِعَلَقِ الشُّبَهِ. أوْ تَطْمَئِنُّ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ المُعْجِزاتِ تَسْكُنُ بِهِ القُلُوبُ وتَنْتَبِهُ. ثُمَّ ذَكَرَ الحَضَّ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأنَّهُ بِهِ تَحْصُلُ الطُّمَأْنِينَةُ تَرْغِيبًا في الإيمانِ، والمَعْنى: أنَّهُ بِذِكْرِهِ تَعالى تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، بَلْ رُبَّما كَفَرَ بَعْدَها، فَنَزَلَ العَذابُ كَما سَلَفَ في بَعْضِ الأُمَمِ. وجَوَّزُوا في (الَّذِينَ) أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ) وبَدَلًا مِنَ (القُلُوبُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: قُلُوبُ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. و(طُوبى) فِعْلٌ مِنَ الطِّيبِ، قُلِبَتْ ياؤُهُ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها كَما قَلُبِتْ في مُوسِرٍ، واخْتَلَفُوا في مَدْلُولِها: فَقالَ أبُو الحَسَنِ الهَنائِيُّ: هي جَمْعُ طَيِّبَةٍ قالُوا في جَمْعِ كَيِّسَةٍ كُوسى، وضَيِّقَةٍ ضُوقى. وفُعْلى لَيْسَتْ مِن ألْفاظِ الجُمُوعِ، فَلَعَلَّهُ يَعْنِي بِها اسْمَ جَمْعٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: هي مُفْرَدٌ كَبُشْرى وسُقْيا ورُجْعى وعُقْبى، واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِهَذا في مَعْناها. فَقالَ الضَّحّاكُ: المَعْنى غِبْطَةٌ لَهم، وعَنْهُ أيْضًا: أصَبْتَ خَيْرًا. وقالَ عِكْرِمَةُ: نُعْمى لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ. وقالَ قَتادَةُ: حُسْنى لَهم. وقالَ النَّخَعِيُّ: خَيْرٌ لَهم، وعَنْهُ أيْضًا: كَرامَةٌ لَهم. وعَنْ سُمَيْطِ بْنِ عَجْلانَ: دَوامُ الخَيْرِ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى العَيْشُ الطَّيِّبُ لَهم. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: طُوبى: اسْمٌ لِلْجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ. وقِيلَ: بِلُغَةِ الهِنْدِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُعَتِّبُ بْنُ سُمَيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هي شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ. ورُوِيَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ السُّلَمِيِّ أنَّهُ قالَ. وقَدْ سَألَهُ أعْرابِيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي الجَنَّةِ فاكِهَةٌ ؟ قالَ: ”نَعَمْ فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى“ وذَكَرَ الحَدِيثَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّها شَجَرَةٌ لِلْحَدِيثِ المَرْفُوعِ حَدِيثِ عُتْبَةَ، وهو صَحِيحٌ عَلى ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ، وذَكَرَهُ أبُو عُمَرَ في التَّمْهِيدِ والثَّعْلَبِيُّ. و﴿طُوبى﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (لَهم) فَإنْ كانَتْ عَلَمًا لِشَجَرَةٍ في الجَنَّةِ فَلا كَلامَ في جَوازِ الِابْتِداءِ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَمُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِها ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّهُ ذَهَبَ بِها مَذْهَبَ الدُّعاءِ كَقَوْلِهِمْ: سَلامٌ عَلَيْكَ، إلّا أنَّهُ التَزَمَ فِيهِ (p-٣٩٠)الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ نَواسِخُهُ، هَكَذا قالَ ابْنُ مالِكٍ: ويَرُدُّهُ أنَّهُ قُرِئَ: (وحُسْنَ مَآبٍ) بِالنَّصْبِ، قَرَأهُ كَذَلِكَ عِيسى الثَّقَفِيُّ، وخَرَّجَ ذَلِكَ ثَعْلَبٌ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (طُوبى)، وأنَّها في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْها. قالَ ثَعْلَبٌ: و(طُوبى) عَلى هَذا مَصْدَرٌ كَما قالُوا: سُقْيا. وخَرَّجَهُ صاحِبُ اللَوامِحِ عَلى النِّداءِ قالَ: بِتَقْدِيرِ يا طُوبى لَهم، ويا حُسْنَ مَآبٍ. فَـ (حُسْنَ) مَعْطُوفٌ عَلى المُنادى المُضافِ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَهَذا نِداءٌ لِلتَّحْنِينِ والتَّشْوِيقِ كَما قالَ: يا أسَفى، عَلى الفَوْتِ والنُّدْبَةِ، انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَعْطُوفٌ عَلى المُنادى المُضافِ، أنَّ (طُوبى) مُضافٌ لِلضَّمِيرِ، واللّامَ مُقْحَمَةٌ كَما أُقْحِمَتْ في قَوْلِهِ: يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضِرارًا لِأقْوامٍ. وقَوْلِ الآخَرِ: يا بُؤْسَ لِلْحَرْبِ الَّتِي، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن بُؤْسٍ وكَأنَّهُ قِيلَ: يا طُوباهم وحُسْنَ مَآبٍ أيْ: ما أطْيَبَهم وأحْسَنَ مَآبَهم، كَما تَقُولُ: يا طِيبَها لَيْلَةً أيْ: ما أطْيَبَها لَيْلَةً. وقَرَأ بَكْرَةُ الأعْرابِيُّ (طِيبى) بِكَسْرِ الطّاءِ، لِتَسْلَمَ الياءُ مِنَ القَلْبِ، وإنْ كانَ وزْنُها ”فُعْلى“، كَما كَسَرُوا في بِيضٍ لِتَسْلَمَ الياءُ، وإنْ كانَ وزْنُها فُعُلًا كَحُمُرٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصَبْتَ خَيْرًا وطِيبًا، ومَحَلُّها النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ كَقَوْلِكَ: طِيبًا لَكَ، وطِيبٌ لَكَ، وسَلامًا لَكَ، وسَلامٌ لَكَ، والقِراءَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ بِذَلِكَ عَلى مَحَلِّها، واللّامُ في (لَهم) لِلْبَيانِ مِثْلُها في ”سُقْيًا لَكَ“ . وقُرِئَ: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ ورَفْعِ مَآبٍ. فَـ (حُسْنَ) فِعْلٌ ماضٍ أصْلُهُ وحَسُنَ نُقِلَتْ ضَمَّةُ سِينِهِ إلى الحاءِ، وهَذا جائِزٌ في فِعْلٍ، إذا كانَ لِلْمَدْحِ أوِ الذَّمِّ كَما قالُوا: حُسْنَ ذا أدَبا.

الرعد 13:29

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾ نَزَلَتْ: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٤٣] في مُشْرِكِي مَكَّةَ، طَلَبُوا مِثْلَ آياتِ الأنْبِياءِ، والمُلْتَمِسُ ذَلِكَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ وأصْحابُهُ، رَدَّ تَعالى عَلى مُقْتَرَحِي الآياتِ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ كَسُقُوطِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ كِسَفًا. وقَوْلُهم: سَيِّرْ عَلَيْنا الأخْشَبَيْنِ، واجْعَلْ لَنا البِطاحَ مَحارِثَ ومُغْتَرَسًا (p-٣٨٩)كالأُرْدُنِّ، وأحْيِ لَنا مُضُيَّنا وأسْلافَنا، ولَمْ تَجْرِ عادَةُ اللَّهِ في الإتْيانِ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا إذا أرادَ هَلاكَ مُقْتَرِحِها، فَرَدَّ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ لا يَقْتَضِي ضَرُورَةَ إيمانِكم وهُداكم؛ لِأنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُطابِقُ قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ الآياتِ الباهِرَةِ المُتَكاثِرَةِ الَّتِي أُوتِيَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُؤْتَها نَبِيٌّ قَبْلَهُ، وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً وراءَ كُلِّ آيَةٍ، فَإذا جَحَدُوها ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها وجَعَلُوهُ كَأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قَطُّ كانَ مَوْضِعُ التَّعَجُّبِ والِاسْتِنْكارِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: ما أعْظَمَ عِنادَكم ! وما أشَدَّ تَصْمِيمَكم عَلى كُفْرِكم ! ﴿إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ فَمَن كانَ عَلى صِفَتِكم مِنَ التَّصْمِيمِ وشِدَّةِ التَّسْلِيمِ في الكُفْرِ فَلا سَبِيلَ إلى اهْتِدائِكم وإنْ أُنْزِلَتْ كُلُّ آيَةٍ، ويَهْدِي إلَيْهِ مَن كانَ عَلى خِلافِ صِفَتِكم. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: يُضِلُّ مَن يَشاءُ عَنْ رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ عُقُوبَةً لَهُ عَلى كُفْرِهِ، ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أيْ: إلى جَنَّتِهِ، ﴿مَن أنابَ﴾ أيْ: مَن تابَ. والهُدى تَعَلُّقُهُ بِالمُؤْمِنِ هو الثَّوابُ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عَلى إيمانِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُضِلُّ عَنِ الثَّوابِ بِالعِقابِ، لا عَنِ الدِّينِ بِالكُفْرِ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن خالَفَنا، انْتَهى. وهي عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في إلَيْهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أوْ عَلى الرَّسُولِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: إلى دِينِهِ وشَرْعِهِ. و(أنابَ) أقْبَلَ إلى الحَقِّ، وحَقِيقَتُهُ دَخَلَ في تَوْبَةِ الخَيْرِ. و﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِن (أنابَ) . واطْمِئْنانُ القُلُوبِ سُكُونُها بَعْدَ الِاضْطِرابِ مِن خَشْيَتِهِ. و﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٩١] ذِكْرُ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، أوْ ذِكْرُ دَلائِلِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ المُزِيلَةِ لِعَلَقِ الشُّبَهِ. أوْ تَطْمَئِنُّ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ المُعْجِزاتِ تَسْكُنُ بِهِ القُلُوبُ وتَنْتَبِهُ. ثُمَّ ذَكَرَ الحَضَّ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأنَّهُ بِهِ تَحْصُلُ الطُّمَأْنِينَةُ تَرْغِيبًا في الإيمانِ، والمَعْنى: أنَّهُ بِذِكْرِهِ تَعالى تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، بَلْ رُبَّما كَفَرَ بَعْدَها، فَنَزَلَ العَذابُ كَما سَلَفَ في بَعْضِ الأُمَمِ. وجَوَّزُوا في (الَّذِينَ) أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ) وبَدَلًا مِنَ (القُلُوبُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: قُلُوبُ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. و(طُوبى) فِعْلٌ مِنَ الطِّيبِ، قُلِبَتْ ياؤُهُ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها كَما قَلُبِتْ في مُوسِرٍ، واخْتَلَفُوا في مَدْلُولِها: فَقالَ أبُو الحَسَنِ الهَنائِيُّ: هي جَمْعُ طَيِّبَةٍ قالُوا في جَمْعِ كَيِّسَةٍ كُوسى، وضَيِّقَةٍ ضُوقى. وفُعْلى لَيْسَتْ مِن ألْفاظِ الجُمُوعِ، فَلَعَلَّهُ يَعْنِي بِها اسْمَ جَمْعٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: هي مُفْرَدٌ كَبُشْرى وسُقْيا ورُجْعى وعُقْبى، واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِهَذا في مَعْناها. فَقالَ الضَّحّاكُ: المَعْنى غِبْطَةٌ لَهم، وعَنْهُ أيْضًا: أصَبْتَ خَيْرًا. وقالَ عِكْرِمَةُ: نُعْمى لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ. وقالَ قَتادَةُ: حُسْنى لَهم. وقالَ النَّخَعِيُّ: خَيْرٌ لَهم، وعَنْهُ أيْضًا: كَرامَةٌ لَهم. وعَنْ سُمَيْطِ بْنِ عَجْلانَ: دَوامُ الخَيْرِ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى العَيْشُ الطَّيِّبُ لَهم. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: طُوبى: اسْمٌ لِلْجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ. وقِيلَ: بِلُغَةِ الهِنْدِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُعَتِّبُ بْنُ سُمَيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هي شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ. ورُوِيَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ السُّلَمِيِّ أنَّهُ قالَ. وقَدْ سَألَهُ أعْرابِيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي الجَنَّةِ فاكِهَةٌ ؟ قالَ: ”نَعَمْ فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى“ وذَكَرَ الحَدِيثَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّها شَجَرَةٌ لِلْحَدِيثِ المَرْفُوعِ حَدِيثِ عُتْبَةَ، وهو صَحِيحٌ عَلى ما ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ، وذَكَرَهُ أبُو عُمَرَ في التَّمْهِيدِ والثَّعْلَبِيُّ. و﴿طُوبى﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ (لَهم) فَإنْ كانَتْ عَلَمًا لِشَجَرَةٍ في الجَنَّةِ فَلا كَلامَ في جَوازِ الِابْتِداءِ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَمُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِها ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّهُ ذَهَبَ بِها مَذْهَبَ الدُّعاءِ كَقَوْلِهِمْ: سَلامٌ عَلَيْكَ، إلّا أنَّهُ التَزَمَ فِيهِ (p-٣٩٠)الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ، فَلا تَدْخُلُ عَلَيْهِ نَواسِخُهُ، هَكَذا قالَ ابْنُ مالِكٍ: ويَرُدُّهُ أنَّهُ قُرِئَ: (وحُسْنَ مَآبٍ) بِالنَّصْبِ، قَرَأهُ كَذَلِكَ عِيسى الثَّقَفِيُّ، وخَرَّجَ ذَلِكَ ثَعْلَبٌ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (طُوبى)، وأنَّها في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْها. قالَ ثَعْلَبٌ: و(طُوبى) عَلى هَذا مَصْدَرٌ كَما قالُوا: سُقْيا. وخَرَّجَهُ صاحِبُ اللَوامِحِ عَلى النِّداءِ قالَ: بِتَقْدِيرِ يا طُوبى لَهم، ويا حُسْنَ مَآبٍ. فَـ (حُسْنَ) مَعْطُوفٌ عَلى المُنادى المُضافِ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَهَذا نِداءٌ لِلتَّحْنِينِ والتَّشْوِيقِ كَما قالَ: يا أسَفى، عَلى الفَوْتِ والنُّدْبَةِ، انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: مَعْطُوفٌ عَلى المُنادى المُضافِ، أنَّ (طُوبى) مُضافٌ لِلضَّمِيرِ، واللّامَ مُقْحَمَةٌ كَما أُقْحِمَتْ في قَوْلِهِ: يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضِرارًا لِأقْوامٍ. وقَوْلِ الآخَرِ: يا بُؤْسَ لِلْحَرْبِ الَّتِي، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن بُؤْسٍ وكَأنَّهُ قِيلَ: يا طُوباهم وحُسْنَ مَآبٍ أيْ: ما أطْيَبَهم وأحْسَنَ مَآبَهم، كَما تَقُولُ: يا طِيبَها لَيْلَةً أيْ: ما أطْيَبَها لَيْلَةً. وقَرَأ بَكْرَةُ الأعْرابِيُّ (طِيبى) بِكَسْرِ الطّاءِ، لِتَسْلَمَ الياءُ مِنَ القَلْبِ، وإنْ كانَ وزْنُها ”فُعْلى“، كَما كَسَرُوا في بِيضٍ لِتَسْلَمَ الياءُ، وإنْ كانَ وزْنُها فُعُلًا كَحُمُرٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصَبْتَ خَيْرًا وطِيبًا، ومَحَلُّها النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ كَقَوْلِكَ: طِيبًا لَكَ، وطِيبٌ لَكَ، وسَلامًا لَكَ، وسَلامٌ لَكَ، والقِراءَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ بِذَلِكَ عَلى مَحَلِّها، واللّامُ في (لَهم) لِلْبَيانِ مِثْلُها في ”سُقْيًا لَكَ“ . وقُرِئَ: ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ ورَفْعِ مَآبٍ. فَـ (حُسْنَ) فِعْلٌ ماضٍ أصْلُهُ وحَسُنَ نُقِلَتْ ضَمَّةُ سِينِهِ إلى الحاءِ، وهَذا جائِزٌ في فِعْلٍ، إذا كانَ لِلْمَدْحِ أوِ الذَّمِّ كَما قالُوا: حُسْنَ ذا أدَبا.

الرعد 13:30

﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ قالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٌ: لَمّا رَأوْا كِتابَ الصُّلْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ كُتِبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: ما يَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا مُسَيْلِمَةُ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: سَمِعَ أبُو جَهْلٍ الرَّسُولَ ﷺ يَقُولُ: يا رَحْمَنُ، فَقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَنْهانا عَنْ عِبادَةِ آلِهَةٍ وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ فَنَزَلَتْ. ذَكَرَ هَذا عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا قِيلَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا: وما الرَّحْمَنُ فَنَزَلَتْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثْلُ ذَلِكَ الإرْسالِ أرْسَلْناكَ يَعْنِي: أرْسَلْناكَ إرْسالًا لَهُ شَأْنٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ الإرْسالاتِ، انْتَهى. ولَمْ يَتَقَدَّمْ إرْسالٌ يُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ، إلّا إنْ كانَ يُفْهَمُ مِنَ المَعْنى فَيُمْكِنُ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: كَإرْسالِنا الرُّسُلَ أرْسَلْناكَ، فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى إرْسالِهِ الرُّسُلَ. وقِيلَ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] كَما أنْفَذَ اللَّهُ هَذا كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المَعْنى كَما أجْرَيْنا العادَةَ بِأنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فَكَذَلِكَ فَعَلْنا في هَذِهِ الأُمَّةِ أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: الكافُ لِلتَّشْبِيهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: كَفِعْلِنا الهِدايَةَ والإضْلالَ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِن أنَّهُ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: كَذَلِكَ التَّقْدِيرُ الأمْرُ كَذَلِكَ. ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أيْ: تَقَدَّمَتْها أُمَمٌ كَثِيرَةٌ، والمَعْنى: أُرْسِلَتْ فِيهِمْ رُسُلٌ فَمِثْلُ ذَلِكَ الإرْسالِ أرْسَلْناكَ. ودَلَّ هَذا المَحْذُوفُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى عَلى أنَّ الإشارَةَ بِذَلِكَ إلى إرْسالِهِ تَعالى الرُّسُلَ كَما قالَ الحَسَنُ. و﴿لِتَتْلُوَ﴾ أيْ: لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلَيْكَ. وعِلَّةُ الإرْسالِ هي الإبْلاغُ لِلدِّينِ الَّذِي أتى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ﴿وهم يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: وحالُ هَؤُلاءِ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ؛ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ رَحْمَةً لَها مِنِّي وهم يَكْفُرُونَ بِي؛ أيْ: وحالُ هَؤُلاءِ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (وهم) عائِدٌ عَلى أُمَّةِ المُرْسَلِ إلَيْهِمُ الرَّسُولُ إعادَةً عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ أعادَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ التَّرْكِيبُ وهي تَكْفُرُ، والمَعْنى: أرْسَلْناكَ (p-٣٩١)إلَيْهِمْ وهم يَدِينُونَ دِينَ الكُفْرِ، فَهَدى اللَّهُ بِكَ مَن أرادَ هِدايَتَهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] وقِيلَ: يَعُودُ عَلى أُمَّةٍ وعَلى أُمَمٍ، والمَعْنى: الإخْبارُ بِأنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ أُرْسِلَتْ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، والأُمَّةُ الَّتِي أُرْسِلَتْ إلَيْها، جَمِيعُهم جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ وهم يَدِينُونَ دِينَ الكُفْرِ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ إذْ أُمَّتُهُ مِثْلُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِإرْسالِ الرَّسُولِ وهو الرَّحْمَةُ المُوجِبَةُ لَشُكْرِ اللَّهِ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِبَعْثَةِ الرَّسُولِ والإيمانِ بِهِ. (قُلْ هو) أيِ: الرَّحْمَنُ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ هو رَبِّي الواحِدُ المُتَعالِ عَنِ الشُّرَكاءِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في نُصْرَتِي عَلَيْكم، وجَمِيعِ أُمُورِي، وإلَيْهِ مَرْجِعِي، فَيُثَبِّتُنِي عَلى مُجاهَدَتِكم.

الرعد 13:31

﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: إنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: سَيِّرْ جَبَلَيْ مَكَّةَ فَقَدْ ضَيَّقا عَلَيْنا، واجْعَلْ لَنا أرْضًا قِطَعًا غِراسًا، وأحْيِ لَنا آباءَنا وأجْدادَنا، وفُلانًا وفُلانًا، فَنَزَلَتْ مُعْلِمَةً أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى عِلَّةَ إرْسالِهِ، وهي تِلاوَةُ ما أوْحاهُ إلَيْهِ، ذَكَرَ تَعْظِيمَ هَذا المُوحى وأنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا تَسِيرُ بِهِ الجِبالُ عَنْ مَقارِّها، أوْ تُقَطَّعُ بِهِ الأرْضُ حَتّى تَتَزايَلَ قِطَعًا قِطَعًا، أوْ تُكَلَّمُ بِهِ المَوْتى فَتَسْمَعُ وتُجِيبُ، لَكانَ هَذا القُرْآنُ لِكَوْنِهِ غايَةً في التَّذْكِيرِ ونِهايَةً في الإنْذارِ والتَّخْوِيفِ. كَما قالَ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] الآيَةَ، فَجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ وهو ما قَدَّرْناهُ، وحَذْفُ جَوابِ ”لَوْ“ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ جائِزٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وقالَ الشّاعِرُ: ؎وجَدِّكَ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ عَنْكَ مَدْفَعا وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ لَمّا آمَنُوا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١] قالَ الزَّجّاجُ وقالَ الفَرّاءُ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ، ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وعَلى قَوْلِ الفَرّاءِ: يَتَرَتَّبُ جَوابُ ”لَوْ“ أنْ يَكُونَ ”لَمّا آمَنُوا“؛ لِأنَّ قَوْلَهم ”وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ“ لَيْسَ جَوابًا، وإنَّما هو دَلِيلٌ عَلى الجَوابِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ شُقِّقَتْ فَجُعِلَتْ أنْهارًا وعُيُونًا. ويَتَرَتَّبُ عَلى أنْ يَكُونَ الجَوابُ المَحْذُوفُ لَمّا آمَنُوا قَوْلَهُ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ: الإيمانُ والكُفْرُ، إنَّما يَخْلُقُهُما اللَّهُ تَعالى ويُرِيدُهُما. وأمّا عَلى تَقْدِيرِ لَكانَ هَذا القُرْآنَ فَيَحْتاجُ إلى ضَمِيمَةٍ وهو أنْ يُقَدَّرَ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ المَطْلُوبَ فِيهِ إيمانُهم وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّكالِيفِ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ: الإيمانُ والكُفْرُ بِيَدِ اللَّهِ يَخْلُقُهُما فِيمَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بَلْ لِلَّهِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وهو قادِرٌ عَلى (p-٣٩٢)الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، إلّا أنَّ عِلْمَهُ بِأنَّ إظْهارَها مَفْسَدَةٌ. والثّانِي: بَلْ لِلَّهِ أنْ يُلْجِئَهم إلى الإيمانِ وهو قادِرٌ عَلى الإلْجاءِ. لَوْلا أنَّهُ بَنى أمْرَ التَّكْلِيفِ عَلى الِاخْتِيارِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ﴾ مَشِيئَةَ الإلْجاءِ والقَسْرِ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. واليَأْسُ: القُنُوطُ في الشَّيْءِ، وهو هُنا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ بِمَعْنى العِلْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ: هي لُغَةُ هَوازِنَ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: هي لُغَةُ حَيٍّ مِنَ النَّخَعِ وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ لِسُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ الرِّياحِيِّ وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: ؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ (وقالَ رَباحُ بْنُ عَدِيٍّ) : ؎ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيا (وقالَ آخَرُ) ؎حَتّى إذا يَئِسَ الرُّماةُ وأرْسَلُوا ∗∗∗ غُضْفًا دَواجِنَ قافِلًا أعْصامُها أيْ: إذا عَلِمُوا أنْ لَيْسَ وجْهٌ إلّا الَّذِي رَأوْا. وأنْكَرَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ يَئِسَ بِمَعْنى عَلِمَ، وزَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ أحَدًا مِنَ العَرَبِ يَقُولُ: يَئِسْتُ بِمَعْنى عَلِمْتُ، انْتَهى. وقَدْ حَفِظَ ذَلِكَ غَيْرُهُ، وهَذا القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ مِن ثِقاةِ الكُوفِيِّينَ وأجِلّائِهِمْ نَقَلَ أنَّها لُغَةُ هَوازِنَ، وابْنُ الكَلْبِيِّ نَقَلَ أنَّها لُغَةٌ لِحَيٍّ مِنَ النَّخَعِ، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ. وقِيلَ: إنَّما اسْتُعْمِلَ اليَأْسُ بِمَعْنى العِلْمِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْناهُ؛ لِأنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ عالِمٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، كَما اسْتُعْمِلَ الرَّجاءُ في مَعْنى الخَوْفِ، والنِّسْيانُ في مَعْنى التَّرْكِ. وحَمَلَ جَماعَةٌ هُنا اليَأْسَ عَلى المَعْرُوفِ فِيهِ في اللُّغَةِ وهو: القُنُوطُ مِنَ الشَّيْءِ، وتَأوَّلُوا ذَلِكَ. فَقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ المُعانِدِينَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ؟ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَألُوا هَذِهِ الآياتِ اشْتاقَ المُؤْمِنُونَ إلَيْها وأحَبُّوا نُزُولَها لِيُؤْمِنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِهِمْ. وقالَ الفَرّاءُ: وقَعَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ لَوْ يَشاءُ هَدى النّاسَ جَمِيعًا فَقالَ: أفَلَمْ يَيْأسُوا ؟ عَلِمْنا بِقَوْلِ آبائِهِمْ، فالعِلْمُ مُضْمَرٌ كَما تَقُولُ في الكَلامِ: يَئِسْتُ مِنكَ أنْ لا تُفْلِحَ كَأنَّهُ قالَ: عَلِمْتُهُ عِلْمًا قالَ: فَيَئِسْتُ بِمَعْنى عَلِمْتُ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سُمِعَ، فَإنَّهُ يَتَوَجَّهُ إلى ذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ. وقالَ أبُو العَبّاسِ: أفَلَمْ يَيْأسُوا بِعِلْمِهِمْ أنْ لا هِدايَةَ إلّا بِالمَشِيئَةِ ؟ وإيضاحُ هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (آمَنُوا) أيْ: أفَلَمْ يَقْنَطْ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، ولَهَداهم إلى الإيمانِ أوِ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اليَأْسُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَ إيمانَهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ الآيَةَ، عَلى التَّأْوِيلِ في المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ. قالَ في هَذِهِ: أفَلَمْ يَيْأسِ المُؤْمِنُونَ، انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ﴾ بِـ (آمَنُوا) عَلى أوَلَمْ يَقْنَطْ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، انْتَهى. وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي وجْهٌ آخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنَّ الكَلامَ تامٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذْ هو تَقْرِيرٌ؛ أيْ: قَدْ يَئِسَ المُؤْمِنُونَ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ، و﴿أنْ لَوْ يَشاءُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: وأقْسَمُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، ويَدُلُّ عَلى إضْمارِ هَذا القَسَمِ وُجُودُ (أنْ) مَعَ (لَوْ) كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أما واللَّهِ أنْ لَوْ كُنْتَ حُرًّا ∗∗∗ وما بِالحُرِّ أنْتَ ولا القَمِينُ (وقَوْلِ الآخَرِ)(p-٣٩٣) ؎فَأُقْسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنْتُمُ ∗∗∗ لَكانَ لَنا يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ ”أنْ“ تَأْتِي بَعْدَ القَسَمِ، وجَعَلَها ابْنُ عُصْفُورٍ رابِطَةً لِلْقَسَمِ بِالجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها، وأمّا عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ فَـ (أنْ) عِنْدَهم هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ أيْ: أنَّهُ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقالَ غَيْرُهُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ والجَحْدَرِيُّ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْنُهُ زَيْدٌ وأبُو زَيْدٍ المُزَنِيُّ وعَلِيُّ بْنُ بَذِيمَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ مِن بَيَّنْتُ كَذا إذا عَرَفْتَهُ. وتَدُلُّ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ﴾ هُنا مَعْنى العِلْمِ، كَما تَظافَرَتِ النُّقُولُ أنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ. وهَذِهِ القِراءَةُ لَيْسَتْ قِراءَةَ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ﴾ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، بَلْ هي قِراءَةٌ مُسْنَدَةٌ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ولَيْسَتْ مُخالِفَةً لِلسَّوادِ إذْ كَتَبُوا يَيْئَسُ بِغَيْرِ صُورَةِ الهَمْزَةِ، وهَذا كَقِراءَةِ: (فَتَبَيَّنُوا)، و(فَتَثَبَّتُوا) وكِلْتاهُما في السَّبْعَةِ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّما كَتَبَهُ الكاتِبُ وهو ناعِسٌ، فَسَوّى أسْنانَ السِّينِ فَقَوْلُ زِنْدِيقٍ مُلْحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا ونَحْوُهُ مِمّا لا يُصَدَّقُ في كِتابِ اللَّهِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ، وكَيْفَ يَخْفى مِثْلُ هَذا حَتّى يَبْقى ثابِتًا بَيْنَ دَفَّتَيِ الإمامِ، وكانَ مُتَقَلِّبًا في أيْدِي أُولَئِكَ الأعْلامِ المُحْتاطِينَ في دِينِ اللَّهِ المُهْتَمِّينَ عَلَيْهِ، لا يَغْفُلُونَ عَنْ جَلائِلِهِ ودَقائِقِهِ، خُصُوصًا عَنِ القانُونِ الَّذِي إلَيْهِ المَرْجِعُ، والقاعِدَةُ الَّتِي عَلَيْها البِناءُ، وهَذِهِ واللَّهِ فِرْيَةٌ ما فِيها مِرْيَةٌ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: لا يُتْلى إلّا كَما أنْزَلَ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ﴾ انْتَهى. والكُفّارُ عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ، وهَذا الأمْرُ مُسْتَمِرٌّ فِيهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ السّائِبِ، أوْ هو ظاهِرُ اللَّفْظِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ، والعَرَبُ لا تَزالُ تُصِيبُهم قَوارِعُ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وغَزَواتِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ والزَّمَخْشَرِيُّ: كُفّارُ مَكَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا مِن كُفْرِهِمْ وسُوءِ أعْمالِهِمْ قارِعَةٌ داهِيَةٌ تَقْرَعَهم بِما يُحِلُّ اللَّهُ بِهِمْ في كُلِّ وقْتٍ مِن صُنُوفِ البَلايا والمَصائِبِ في أنْفُسِهِمْ وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ تَحُلُّ القارِعَةُ قَرِيبًا مِنهم فَيَفْزَعُونَ ويَضْطَرِبُونَ ويَتَطايَرُ إلَيْهِمْ شَرَرُها، وتَتَعَدّى إلَيْهِمْ شُرُورُها حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ وهو مَوْتُهم أوِ القِيامَةُ، انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ: حالُ الكَفَرَةِ هَكَذا هو أبَدًا، ووَعَدَ اللَّهُ قِيامَ السّاعَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (تَحُلُّ) عائِدٌ عَلى ﴿قارِعَةٌ﴾ قالَهُ الحَسَنُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: التّاءُ لِلْخِطابِ، والضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ بِجَيْشِكَ كَما حَلَّ بِالحُدَيْبِيَةِ، وعَزاهُ الطَّبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وقالَهُ عِكْرِمَةُ. ويَكُونُ ﴿وعْدُ اللَّهِ﴾ فَتْحَ مَكَّةَ، وكانَ اللَّهُ قَدْ وعَدَهُ ذَلِكَ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: (أوْ يَحُلُّ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى مَعْنى القارِعَةِ، راعى فِيهِ التَّذْكِيرَ؛ لِأنَّها بِمَعْنى البَلاءِ، أوْ تَكُونَ الهاءُ في (قارِعَةٌ) لِلْمُبالَغَةِ فَذُكِّرَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الرَّسُولِ ﷺ؛ أيْ: ويَحُلُّ الرَّسُولُ قَرِيبًا. وقَرَأ أيْضًا ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥] عَلى الجَمْعِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القارِعَةُ: العَذابُ مِنَ السَّماءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: السَّرايا والطَّلائِعُ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ الآيَةَ، تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ حالَكَ حالُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الرُّسُلِ، وأنَّ المُسْتَهْزِئِينَ يُمْلى لَهم؛ أيْ: يُمْهَلُونَ ثُمَّ يُؤْخَذُونَ. وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حالَ مَنِ اسْتَهْزَأ بِكَ، وإنْ أمْهَلَ حالَ أُولَئِكَ في أخْذِهِمْ، ووَعِيدٌ لَهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ؟ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ بِما حَلَّ، وفي ضِمْنِهِ وعِيدُ مُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ.

الرعد 13:32

﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: إنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: سَيِّرْ جَبَلَيْ مَكَّةَ فَقَدْ ضَيَّقا عَلَيْنا، واجْعَلْ لَنا أرْضًا قِطَعًا غِراسًا، وأحْيِ لَنا آباءَنا وأجْدادَنا، وفُلانًا وفُلانًا، فَنَزَلَتْ مُعْلِمَةً أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى عِلَّةَ إرْسالِهِ، وهي تِلاوَةُ ما أوْحاهُ إلَيْهِ، ذَكَرَ تَعْظِيمَ هَذا المُوحى وأنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا تَسِيرُ بِهِ الجِبالُ عَنْ مَقارِّها، أوْ تُقَطَّعُ بِهِ الأرْضُ حَتّى تَتَزايَلَ قِطَعًا قِطَعًا، أوْ تُكَلَّمُ بِهِ المَوْتى فَتَسْمَعُ وتُجِيبُ، لَكانَ هَذا القُرْآنُ لِكَوْنِهِ غايَةً في التَّذْكِيرِ ونِهايَةً في الإنْذارِ والتَّخْوِيفِ. كَما قالَ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] الآيَةَ، فَجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ وهو ما قَدَّرْناهُ، وحَذْفُ جَوابِ ”لَوْ“ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ جائِزٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وقالَ الشّاعِرُ: ؎وجَدِّكَ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ عَنْكَ مَدْفَعا وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ لَمّا آمَنُوا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١] قالَ الزَّجّاجُ وقالَ الفَرّاءُ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ، ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وعَلى قَوْلِ الفَرّاءِ: يَتَرَتَّبُ جَوابُ ”لَوْ“ أنْ يَكُونَ ”لَمّا آمَنُوا“؛ لِأنَّ قَوْلَهم ”وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ“ لَيْسَ جَوابًا، وإنَّما هو دَلِيلٌ عَلى الجَوابِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ شُقِّقَتْ فَجُعِلَتْ أنْهارًا وعُيُونًا. ويَتَرَتَّبُ عَلى أنْ يَكُونَ الجَوابُ المَحْذُوفُ لَمّا آمَنُوا قَوْلَهُ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ: الإيمانُ والكُفْرُ، إنَّما يَخْلُقُهُما اللَّهُ تَعالى ويُرِيدُهُما. وأمّا عَلى تَقْدِيرِ لَكانَ هَذا القُرْآنَ فَيَحْتاجُ إلى ضَمِيمَةٍ وهو أنْ يُقَدَّرَ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ المَطْلُوبَ فِيهِ إيمانُهم وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّكالِيفِ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ أيْ: الإيمانُ والكُفْرُ بِيَدِ اللَّهِ يَخْلُقُهُما فِيمَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بَلْ لِلَّهِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وهو قادِرٌ عَلى (p-٣٩٢)الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، إلّا أنَّ عِلْمَهُ بِأنَّ إظْهارَها مَفْسَدَةٌ. والثّانِي: بَلْ لِلَّهِ أنْ يُلْجِئَهم إلى الإيمانِ وهو قادِرٌ عَلى الإلْجاءِ. لَوْلا أنَّهُ بَنى أمْرَ التَّكْلِيفِ عَلى الِاخْتِيارِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ﴾ مَشِيئَةَ الإلْجاءِ والقَسْرِ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. واليَأْسُ: القُنُوطُ في الشَّيْءِ، وهو هُنا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ بِمَعْنى العِلْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا. قالَ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ: هي لُغَةُ هَوازِنَ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: هي لُغَةُ حَيٍّ مِنَ النَّخَعِ وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ لِسُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ الرِّياحِيِّ وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: ؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ (وقالَ رَباحُ بْنُ عَدِيٍّ) : ؎ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيا (وقالَ آخَرُ) ؎حَتّى إذا يَئِسَ الرُّماةُ وأرْسَلُوا ∗∗∗ غُضْفًا دَواجِنَ قافِلًا أعْصامُها أيْ: إذا عَلِمُوا أنْ لَيْسَ وجْهٌ إلّا الَّذِي رَأوْا. وأنْكَرَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ يَئِسَ بِمَعْنى عَلِمَ، وزَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ أحَدًا مِنَ العَرَبِ يَقُولُ: يَئِسْتُ بِمَعْنى عَلِمْتُ، انْتَهى. وقَدْ حَفِظَ ذَلِكَ غَيْرُهُ، وهَذا القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ مِن ثِقاةِ الكُوفِيِّينَ وأجِلّائِهِمْ نَقَلَ أنَّها لُغَةُ هَوازِنَ، وابْنُ الكَلْبِيِّ نَقَلَ أنَّها لُغَةٌ لِحَيٍّ مِنَ النَّخَعِ، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ. وقِيلَ: إنَّما اسْتُعْمِلَ اليَأْسُ بِمَعْنى العِلْمِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْناهُ؛ لِأنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ عالِمٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، كَما اسْتُعْمِلَ الرَّجاءُ في مَعْنى الخَوْفِ، والنِّسْيانُ في مَعْنى التَّرْكِ. وحَمَلَ جَماعَةٌ هُنا اليَأْسَ عَلى المَعْرُوفِ فِيهِ في اللُّغَةِ وهو: القُنُوطُ مِنَ الشَّيْءِ، وتَأوَّلُوا ذَلِكَ. فَقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى أفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ المُعانِدِينَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ؟ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَألُوا هَذِهِ الآياتِ اشْتاقَ المُؤْمِنُونَ إلَيْها وأحَبُّوا نُزُولَها لِيُؤْمِنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِهِمْ. وقالَ الفَرّاءُ: وقَعَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ لَوْ يَشاءُ هَدى النّاسَ جَمِيعًا فَقالَ: أفَلَمْ يَيْأسُوا ؟ عَلِمْنا بِقَوْلِ آبائِهِمْ، فالعِلْمُ مُضْمَرٌ كَما تَقُولُ في الكَلامِ: يَئِسْتُ مِنكَ أنْ لا تُفْلِحَ كَأنَّهُ قالَ: عَلِمْتُهُ عِلْمًا قالَ: فَيَئِسْتُ بِمَعْنى عَلِمْتُ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سُمِعَ، فَإنَّهُ يَتَوَجَّهُ إلى ذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ. وقالَ أبُو العَبّاسِ: أفَلَمْ يَيْأسُوا بِعِلْمِهِمْ أنْ لا هِدايَةَ إلّا بِالمَشِيئَةِ ؟ وإيضاحُ هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (آمَنُوا) أيْ: أفَلَمْ يَقْنَطْ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، ولَهَداهم إلى الإيمانِ أوِ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اليَأْسُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَ إيمانَهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ الآيَةَ، عَلى التَّأْوِيلِ في المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ. قالَ في هَذِهِ: أفَلَمْ يَيْأسِ المُؤْمِنُونَ، انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ﴾ بِـ (آمَنُوا) عَلى أوَلَمْ يَقْنَطْ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، انْتَهى. وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي وجْهٌ آخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ، وهو أنَّ الكَلامَ تامٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذْ هو تَقْرِيرٌ؛ أيْ: قَدْ يَئِسَ المُؤْمِنُونَ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ، و﴿أنْ لَوْ يَشاءُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: وأقْسَمُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، ويَدُلُّ عَلى إضْمارِ هَذا القَسَمِ وُجُودُ (أنْ) مَعَ (لَوْ) كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أما واللَّهِ أنْ لَوْ كُنْتَ حُرًّا ∗∗∗ وما بِالحُرِّ أنْتَ ولا القَمِينُ (وقَوْلِ الآخَرِ)(p-٣٩٣) ؎فَأُقْسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنْتُمُ ∗∗∗ لَكانَ لَنا يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ ”أنْ“ تَأْتِي بَعْدَ القَسَمِ، وجَعَلَها ابْنُ عُصْفُورٍ رابِطَةً لِلْقَسَمِ بِالجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها، وأمّا عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ فَـ (أنْ) عِنْدَهم هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ أيْ: أنَّهُ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقالَ غَيْرُهُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ والجَحْدَرِيُّ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْنُهُ زَيْدٌ وأبُو زَيْدٍ المُزَنِيُّ وعَلِيُّ بْنُ بَذِيمَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ مِن بَيَّنْتُ كَذا إذا عَرَفْتَهُ. وتَدُلُّ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ﴾ هُنا مَعْنى العِلْمِ، كَما تَظافَرَتِ النُّقُولُ أنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ. وهَذِهِ القِراءَةُ لَيْسَتْ قِراءَةَ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ﴾ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، بَلْ هي قِراءَةٌ مُسْنَدَةٌ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ولَيْسَتْ مُخالِفَةً لِلسَّوادِ إذْ كَتَبُوا يَيْئَسُ بِغَيْرِ صُورَةِ الهَمْزَةِ، وهَذا كَقِراءَةِ: (فَتَبَيَّنُوا)، و(فَتَثَبَّتُوا) وكِلْتاهُما في السَّبْعَةِ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّما كَتَبَهُ الكاتِبُ وهو ناعِسٌ، فَسَوّى أسْنانَ السِّينِ فَقَوْلُ زِنْدِيقٍ مُلْحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا ونَحْوُهُ مِمّا لا يُصَدَّقُ في كِتابِ اللَّهِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ، وكَيْفَ يَخْفى مِثْلُ هَذا حَتّى يَبْقى ثابِتًا بَيْنَ دَفَّتَيِ الإمامِ، وكانَ مُتَقَلِّبًا في أيْدِي أُولَئِكَ الأعْلامِ المُحْتاطِينَ في دِينِ اللَّهِ المُهْتَمِّينَ عَلَيْهِ، لا يَغْفُلُونَ عَنْ جَلائِلِهِ ودَقائِقِهِ، خُصُوصًا عَنِ القانُونِ الَّذِي إلَيْهِ المَرْجِعُ، والقاعِدَةُ الَّتِي عَلَيْها البِناءُ، وهَذِهِ واللَّهِ فِرْيَةٌ ما فِيها مِرْيَةٌ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: لا يُتْلى إلّا كَما أنْزَلَ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ﴾ انْتَهى. والكُفّارُ عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ، وهَذا الأمْرُ مُسْتَمِرٌّ فِيهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ السّائِبِ، أوْ هو ظاهِرُ اللَّفْظِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ، والعَرَبُ لا تَزالُ تُصِيبُهم قَوارِعُ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وغَزَواتِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ والزَّمَخْشَرِيُّ: كُفّارُ مَكَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا مِن كُفْرِهِمْ وسُوءِ أعْمالِهِمْ قارِعَةٌ داهِيَةٌ تَقْرَعَهم بِما يُحِلُّ اللَّهُ بِهِمْ في كُلِّ وقْتٍ مِن صُنُوفِ البَلايا والمَصائِبِ في أنْفُسِهِمْ وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ تَحُلُّ القارِعَةُ قَرِيبًا مِنهم فَيَفْزَعُونَ ويَضْطَرِبُونَ ويَتَطايَرُ إلَيْهِمْ شَرَرُها، وتَتَعَدّى إلَيْهِمْ شُرُورُها حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ وهو مَوْتُهم أوِ القِيامَةُ، انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ: حالُ الكَفَرَةِ هَكَذا هو أبَدًا، ووَعَدَ اللَّهُ قِيامَ السّاعَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (تَحُلُّ) عائِدٌ عَلى ﴿قارِعَةٌ﴾ قالَهُ الحَسَنُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: التّاءُ لِلْخِطابِ، والضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ بِجَيْشِكَ كَما حَلَّ بِالحُدَيْبِيَةِ، وعَزاهُ الطَّبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وقالَهُ عِكْرِمَةُ. ويَكُونُ ﴿وعْدُ اللَّهِ﴾ فَتْحَ مَكَّةَ، وكانَ اللَّهُ قَدْ وعَدَهُ ذَلِكَ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: (أوْ يَحُلُّ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى مَعْنى القارِعَةِ، راعى فِيهِ التَّذْكِيرَ؛ لِأنَّها بِمَعْنى البَلاءِ، أوْ تَكُونَ الهاءُ في (قارِعَةٌ) لِلْمُبالَغَةِ فَذُكِّرَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الرَّسُولِ ﷺ؛ أيْ: ويَحُلُّ الرَّسُولُ قَرِيبًا. وقَرَأ أيْضًا ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥] عَلى الجَمْعِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القارِعَةُ: العَذابُ مِنَ السَّماءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: السَّرايا والطَّلائِعُ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ الآيَةَ، تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ حالَكَ حالُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الرُّسُلِ، وأنَّ المُسْتَهْزِئِينَ يُمْلى لَهم؛ أيْ: يُمْهَلُونَ ثُمَّ يُؤْخَذُونَ. وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حالَ مَنِ اسْتَهْزَأ بِكَ، وإنْ أمْهَلَ حالَ أُولَئِكَ في أخْذِهِمْ، ووَعِيدٌ لَهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ؟ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ بِما حَلَّ، وفي ضِمْنِهِ وعِيدُ مُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ.

الرعد 13:33

﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ (p-٣٩٤)”مَن“ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها ما بَعْدَها، وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن يَيَئْسُ كَذَلِكَ مِن شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي قَلْبُهُ الَّذِي هو في ظُلْمَةٍ. ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ كَما دَلَّ عَلى القاسِي ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٢] ويُحَسِّنُ حَذْفَ هَذا الخَبَرِ كَوْنُ المُبْتَدَأِ يَكُونُ مُقابِلُهُ الخَبَرَ المَحْذُوفَ، وقَدْ جاءَ مُثْبَتًا كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ [الرعد: ١٩]، ثُمَّ قالَ: ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] . والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وكَوْنِهِمْ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ ما لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ. نَعى عَلَيْهِمْ هَذا الفِعْلَ القَبِيحَ، هَذا والبارِي تَعالى هو المُحِيطُ بِأحْوالِ النُّفُوسِ جَلَيِّها وخَفِيِّها. ونَبَّهَ عَلى بَعْضِ حالاتِها وهو الكَسْبُ، لِيَتَفَكَّرَ الإنْسانُ فِيما يَكْسِبُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى الكَسْبِ في الجَزاءِ، وعَبَّرَ بِقائِمٍ عَنِ الإحاطَةِ والمُراقَبَةِ الَّتِي لا يَغْفُلُ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ ويُعْطَفُ عَلَيْهِ، ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: وجَعَلُوا وتَمْثِيلُهُ ﴿أفَمَن هُوَ﴾ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، وهو اللَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وحْدَهُ، انْتَهى. وفي هَذا التَّوْجِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: وجَعَلُوا لَهُ، وفِيهِ حَذْفُ الخَبَرِ عَنِ المُقابِلِ، وأكْثَرُ ما جاءَ هَذا الخَبَرُ مُقابِلًا. وفي تَفْسِيرِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ قالَ: الشَّدِيدُ صاحِبُ العَقْدِ: الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: (وجَعَلُوا) واوُ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مَوْجُودٌ، والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، ثُمَّ أُقِيمَ الظّاهِرُ وهو لِلَّهِ مَقامَ المُضْمَرِ تَقْدِيرًا لِأُلُوهِيَّتِهِ وتَصْرِيحًا بِها، كَما تَقُولُ: مُعْطِي النّاسِ ومُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ، ويُحْرَمُ مِثْلِي ؟ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ أحَقُّ بِالعِبادَةِ أمِ الجَماداتُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ؟ هَذا تَأْوِيلٌ. ويَظْهَرُ أنَّ القَوْلَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ كَأنَّ المَعْنى: أفَمَن لَهُ القُدْرَةُ والوَحْدانِيَّةُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكٌ، هَلْ يَنْتَقِمُ ويُعاقِبُ أمْ لا ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ المُرادُ بِهِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ. والخَبَرُ أيْضًا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَغَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقِينَ. وأبْعَدَ أيْضًا مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: (وجَعَلُوا) مَعْطُوفًا عَلى (اسْتُهْزِئَ) أيْ: اسْتَهْزَءُوا وجَعَلُوا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم: (سَمُّوهم) أيْ: اذْكُرُوهم بِأسْمائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يُذْكَرُ ويُسَمّى، إنَّما يُذْكَرُ ويُسَمّى مَن هو يَنْفَعُ ويَضُرُّ، وهَذا مِثْلُ مَن يَذْكُرُ لَكَ أنَّ شَخْصًا يُوَقَّرُ ويُعَظَّمُ وهو عِنْدَكَ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَتَقُولُ لَذاكِرِهِ: سَمِّهِ حَتّى أُبَيِّنَ لَكَ زَيْفَهُ وأنَّهُ لَيْسَ كَما تَذْكُرُ. وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي يَبْلُغُ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ لَهُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ؛ أيْ: هو أخَسُّ مِن أنْ يُذْكَرَ ويُسَمّى. ولَكِنْ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ، فَكَأنَّهُ قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ. والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أمْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَلْفِتَ العاقِلُ إلَيْها. وقِيلَ: سَمُّوهم إذا صَنَعُوا وأماتُوا وأحْيَوْا لِتَصِحَّ الشَّرِكَةُ. وقِيلَ: طالِبُوهم بِالحُجَّةِ عَلى أنَّها آلِهَةٌ. وقِيلَ: صِفُوهم وانْظُرُوا هَلْ يَسْتَحِقُّونَ الإلَهِيَّةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكاءَ فَسَمُّوهم لَهُ مَن هم، وبَيِّنُوهم بِأسْمائِهِمْ ؟ وقِيلَ: هَذا تَهْدِيدٌ كَما تَقُولُ لِمَن تُهَدِّدُهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ: سَمِّ الخَمْرَ بَعْدَ هَذا ! و(أمْ) في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ مُنْقَطِعَةٌ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَلْ أتُنَبِّئُونَهُ بِشُرَكاءَ لا (p-٣٩٥)يَعْلَمُهم في الأرْضِ وهو العالِمُ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذا لَمْ يَعْلَمْهم عُلِمَ أنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ، ونَحْوُهُ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [يونس: ١٨] انْتَهى. فَجُعِلَ الفاعِلُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ عائِدًا عَلى اللَّهِ. والعائِدُ عَلى (بِما) مَحْذُوفٌ أيْ: بِما لا يَعْلَمُهُ اللَّهُ. وكُنّا قَدْ خَرَّجْنا تِلْكَ الآيَةَ عَلى الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ عائِدٌ عَلى (ما) وقَرَّرْنا ذَلِكَ هُناكَ، وهو يَتَقَرَّرُ هُنا أيْضًا؛ أيْ: أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِشَرِكَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَتَّصِفُ بِعِلْمٍ البَتَّةَ. وذَكَرَ نَفْيَ العِلْمِ في الأرْضِ؛ إذِ الأرْضُ هي مَقَرُّ تِلْكَ الأصْنامِ، فَإذا انْتَفى عِلْمُها في المَقَرِّ الَّتِي هي فِيهِ، فانْتِفاؤُهُ في السَّماواتِ أحْرى. وقَرَأ الحَسَنُ: (تُنْبِئُونَهُ مِن أنْبَأ) وقِيلَ: المُرادُ تُقَدِّرُونَ أنْ تُعْلِمُوهُ بِأمْرٍ تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ وهو لا يَعْلَمُهُ، وخَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا في الأرْضِ لا في غَيْرِها. والظّاهِرُ في (أمْ) في قَوْلِهِ: (أمْ بِظاهِرٍ) أنَّها مُنْقَطِعَةٌ أيْضًا أيْ: بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ؛ أيْ: إنَّكم تَنْطِقُونَ بِتِلْكَ الأسْماءِ وتُسَمُّونَها آلِهَةً ولا حَقِيقَةَ لَها، إذْ أنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِن أوْصافِ الأُلُوهِيَّةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٠] وقالَ مُجاهِدٌ: أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ. وقالَ قَتادَةُ: بِباطِلٍ مِنَ القَوْلِ لا باطِنَ لَهُ في الحَقِيقَةِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ أيْ: باطِلٌ. وقِيلَ: (أمْ) مُتَّصِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ لا حَقِيقَةَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِما هم عَلَيْهِ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ . وقالَ الواحِدِيُّ: لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ وقالَ: دَعْ ذَلِكَ الدَّلِيلَ؛ لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهم مَكْرُهم. وقَرَأ مُجاهِدٌ: (بَلْ زَيَّنَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ (مَكْرَهم) بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: (زُيِّنَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (مَكْرُهم) بِالرَّفْعِ أيْ: كَيْدُهم لِلْإسْلامِ بِشِرْكِهِمْ، وما قَصَدُوا بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ مِن مُناقَضَةِ الشَّرْعِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (وصُدُّوا) هُنا، وفي (غافِرٍ) بِضَمِّ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فالفِعْلُ مُتَعَدٍّ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، فاحْتَمَلَ التَّعَدِّيَ واللُّزُومَ؛ أيْ: صَدُّوا أنْفُسَهم أوْ غَيْرَهم. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: (وصِدُّوا) بِكَسْرِ الصّادِ، وهي كَقِراءَةِ ﴿رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] بِكَسْرِ الرّاءِ. وفي اللَوامِحِ الكِسائِيُّ لِابْنِ يَعْمَرَ (وصِدُّوا) بِالكَسْرِ لُغَةً، وفي الضَّمِّ أجْراهُ بِحَرْفِ الجَرِّ نَحْوَ قَبْلُ، فَأمّا في المُؤْمِنِ فَبِالكَسْرِ لِابْنِ وثّابٍ، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: وصَدٌّ بِالتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَكْرُهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ ومَن يَخْذُلْهُ يَعْلَمْهُ أنَّهُ لا يَهْتَدِي. ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ فَما لَهُ مِن واحِدٍ يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والعَذابُ في الدُّنْيا هو ما يُصِيبُهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والذِّلَّةِ والحُرُوبِ والبَلايا في أجْسامِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُمْتَحَنُ بِهِ الكُفّارُ، وكانَ عَذابُ الآخِرَةِ أشَقَّ عَلى النُّفُوسِ؛ لِأنَّهُ إحْراقٌ بِالنّارِ دائِمًا ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] (ومِن واقٍ) مِن ساتِرٍ يَحْفَظُهم مِنَ العَذابِ ويَحْمِيهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ ما أُعِدَّ لِلْكُفّارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ ما أُعِدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: صِفَتُها الَّتِي هي في غَرابَةِ المَثَلِ، وارْتَفَعَ ”مَثَلُ“ عَلى الِابْتِداءِ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ. و﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ المَثَلِ. تَقُولُ: مَثَّلْتُ الشَّيْءَ إذا وصَفْتَهُ وقَرَّبْتَهُ لِلْفَهْمِ، ولَيْسَ هُنا ضَرْبُ مَثَلٍ لَها فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الروم: ٢٧] أيِ: الصِّفَةُ العُلْيا، وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (مَثَلُ) بِمَعْنى صِفَةٍ، قالَ: إنَّما مَعْناهُ التَّنْبِيهُ. وقالَ الفَرّاءُ: أيْ صِفَتُها أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، ونَحْوُ هَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، انْتَهى. ولا يُمْكِنُ حَذْفُ أنْها، وإنَّما فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يَذْكُرِ (p-٣٩٦)الإعْرابَ. وتَأوَّلَ قَوْمٌ عَلى القُرْآنِ (مَثَلٌ مُقْحَمٌ)، وأنَّ التَّقْدِيرَ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي، وإقْحامُ الأسْماءِ لا يَجُوزُ. وحَكَوْا عَنِ الفَرّاءِ أنَّ العَرَبَ تُقْحِمُ كَثِيرًا المَثَلَ والمِثْلَ، وخَرَجَ عَلى ذَلِكَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أيْ: كَهو شَيْءٌ. فَقالَ غَيْرُهُما: الخَبَرُ: تَجْرِي، كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ، وهَذا أيْضًا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَجْرِي خَبَرًا عَنِ الصِّفَةِ، وإنَّما يُتَأوَّلُ تَجْرِي عَلى إسْقاطِ ”أنْ“ ورَفْعِ الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: أنْ تَجْرِيَ - خَبَرٌ ثانٍ - الأنْهارُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي، عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ تَمْثِيلًا لِما غابَ عَنّا بِما نُشاهِدُ، انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَصِحُّ ما قالَ الزَّجّاجُ، لا عَلى مَعْنى الصِّفَةِ، ولا عَلى مَعْنى الشَّبَهِ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ الَّتِي قَدَّرَها جَنَّةٌ، ولا تَكُونُ الصِّفَةَ، ولِأنَّ الشَّبَهَ عِبارَةٌ عَنِ المُماثَلَةِ الَّتِي بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ وهو حَدَثٌ، والجَنَّةُ جَنَّةٌ فَلا تَكُونُ المُماثَلَةُ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: (مِثالُ الجَنَّةِ) عَلى الجَمْعِ أيْ: صِفاتُها. وفي اللَوامِحِ عَلى السُّلَمِيِّ أمْثالُ الجَنَّةِ: جَمْعٌ ومَعْناهُ: صِفاتُ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها صِفاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَلِذَلِكَ جُمِعَ نَحْوَ الحُلْقُومِ والإسْعالِ. والأُكُلُ ما يُؤْكَلُ فِيها، ومَعْنى دَوامُهُ: أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: أيْ لَذّاتُهُ دائِمَةٌ لا تُزادُ بِجُوعٍ ولا تُمَلُّ مِن شِبَعٍ. وظِلُّها أيْ: دائِمُ البَقاءِ والرّاحَةِ، لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ولا يَمِيلُ لِبَرْدٍ كَما في الدُّنْيا؛ أيْ: تِلْكَ الجَنَّةُ عاقِبَةُ الَّذِينَ اتَّقَوْا؛ أيْ: اجْتَنَبُوا الشِّرْكَ.

الرعد 13:34

﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ (p-٣٩٤)”مَن“ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها ما بَعْدَها، وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن يَيَئْسُ كَذَلِكَ مِن شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي قَلْبُهُ الَّذِي هو في ظُلْمَةٍ. ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ كَما دَلَّ عَلى القاسِي ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٢] ويُحَسِّنُ حَذْفَ هَذا الخَبَرِ كَوْنُ المُبْتَدَأِ يَكُونُ مُقابِلُهُ الخَبَرَ المَحْذُوفَ، وقَدْ جاءَ مُثْبَتًا كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ [الرعد: ١٩]، ثُمَّ قالَ: ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] . والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وكَوْنِهِمْ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ ما لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ. نَعى عَلَيْهِمْ هَذا الفِعْلَ القَبِيحَ، هَذا والبارِي تَعالى هو المُحِيطُ بِأحْوالِ النُّفُوسِ جَلَيِّها وخَفِيِّها. ونَبَّهَ عَلى بَعْضِ حالاتِها وهو الكَسْبُ، لِيَتَفَكَّرَ الإنْسانُ فِيما يَكْسِبُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى الكَسْبِ في الجَزاءِ، وعَبَّرَ بِقائِمٍ عَنِ الإحاطَةِ والمُراقَبَةِ الَّتِي لا يَغْفُلُ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ ويُعْطَفُ عَلَيْهِ، ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: وجَعَلُوا وتَمْثِيلُهُ ﴿أفَمَن هُوَ﴾ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، وهو اللَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وحْدَهُ، انْتَهى. وفي هَذا التَّوْجِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: وجَعَلُوا لَهُ، وفِيهِ حَذْفُ الخَبَرِ عَنِ المُقابِلِ، وأكْثَرُ ما جاءَ هَذا الخَبَرُ مُقابِلًا. وفي تَفْسِيرِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ قالَ: الشَّدِيدُ صاحِبُ العَقْدِ: الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: (وجَعَلُوا) واوُ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مَوْجُودٌ، والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، ثُمَّ أُقِيمَ الظّاهِرُ وهو لِلَّهِ مَقامَ المُضْمَرِ تَقْدِيرًا لِأُلُوهِيَّتِهِ وتَصْرِيحًا بِها، كَما تَقُولُ: مُعْطِي النّاسِ ومُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ، ويُحْرَمُ مِثْلِي ؟ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ أحَقُّ بِالعِبادَةِ أمِ الجَماداتُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ؟ هَذا تَأْوِيلٌ. ويَظْهَرُ أنَّ القَوْلَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ كَأنَّ المَعْنى: أفَمَن لَهُ القُدْرَةُ والوَحْدانِيَّةُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكٌ، هَلْ يَنْتَقِمُ ويُعاقِبُ أمْ لا ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ المُرادُ بِهِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ. والخَبَرُ أيْضًا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَغَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقِينَ. وأبْعَدَ أيْضًا مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: (وجَعَلُوا) مَعْطُوفًا عَلى (اسْتُهْزِئَ) أيْ: اسْتَهْزَءُوا وجَعَلُوا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم: (سَمُّوهم) أيْ: اذْكُرُوهم بِأسْمائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يُذْكَرُ ويُسَمّى، إنَّما يُذْكَرُ ويُسَمّى مَن هو يَنْفَعُ ويَضُرُّ، وهَذا مِثْلُ مَن يَذْكُرُ لَكَ أنَّ شَخْصًا يُوَقَّرُ ويُعَظَّمُ وهو عِنْدَكَ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَتَقُولُ لَذاكِرِهِ: سَمِّهِ حَتّى أُبَيِّنَ لَكَ زَيْفَهُ وأنَّهُ لَيْسَ كَما تَذْكُرُ. وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي يَبْلُغُ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ لَهُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ؛ أيْ: هو أخَسُّ مِن أنْ يُذْكَرَ ويُسَمّى. ولَكِنْ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ، فَكَأنَّهُ قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ. والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أمْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَلْفِتَ العاقِلُ إلَيْها. وقِيلَ: سَمُّوهم إذا صَنَعُوا وأماتُوا وأحْيَوْا لِتَصِحَّ الشَّرِكَةُ. وقِيلَ: طالِبُوهم بِالحُجَّةِ عَلى أنَّها آلِهَةٌ. وقِيلَ: صِفُوهم وانْظُرُوا هَلْ يَسْتَحِقُّونَ الإلَهِيَّةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكاءَ فَسَمُّوهم لَهُ مَن هم، وبَيِّنُوهم بِأسْمائِهِمْ ؟ وقِيلَ: هَذا تَهْدِيدٌ كَما تَقُولُ لِمَن تُهَدِّدُهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ: سَمِّ الخَمْرَ بَعْدَ هَذا ! و(أمْ) في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ مُنْقَطِعَةٌ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَلْ أتُنَبِّئُونَهُ بِشُرَكاءَ لا (p-٣٩٥)يَعْلَمُهم في الأرْضِ وهو العالِمُ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذا لَمْ يَعْلَمْهم عُلِمَ أنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ، ونَحْوُهُ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [يونس: ١٨] انْتَهى. فَجُعِلَ الفاعِلُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ عائِدًا عَلى اللَّهِ. والعائِدُ عَلى (بِما) مَحْذُوفٌ أيْ: بِما لا يَعْلَمُهُ اللَّهُ. وكُنّا قَدْ خَرَّجْنا تِلْكَ الآيَةَ عَلى الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ عائِدٌ عَلى (ما) وقَرَّرْنا ذَلِكَ هُناكَ، وهو يَتَقَرَّرُ هُنا أيْضًا؛ أيْ: أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِشَرِكَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَتَّصِفُ بِعِلْمٍ البَتَّةَ. وذَكَرَ نَفْيَ العِلْمِ في الأرْضِ؛ إذِ الأرْضُ هي مَقَرُّ تِلْكَ الأصْنامِ، فَإذا انْتَفى عِلْمُها في المَقَرِّ الَّتِي هي فِيهِ، فانْتِفاؤُهُ في السَّماواتِ أحْرى. وقَرَأ الحَسَنُ: (تُنْبِئُونَهُ مِن أنْبَأ) وقِيلَ: المُرادُ تُقَدِّرُونَ أنْ تُعْلِمُوهُ بِأمْرٍ تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ وهو لا يَعْلَمُهُ، وخَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا في الأرْضِ لا في غَيْرِها. والظّاهِرُ في (أمْ) في قَوْلِهِ: (أمْ بِظاهِرٍ) أنَّها مُنْقَطِعَةٌ أيْضًا أيْ: بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ؛ أيْ: إنَّكم تَنْطِقُونَ بِتِلْكَ الأسْماءِ وتُسَمُّونَها آلِهَةً ولا حَقِيقَةَ لَها، إذْ أنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِن أوْصافِ الأُلُوهِيَّةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٠] وقالَ مُجاهِدٌ: أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ. وقالَ قَتادَةُ: بِباطِلٍ مِنَ القَوْلِ لا باطِنَ لَهُ في الحَقِيقَةِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ أيْ: باطِلٌ. وقِيلَ: (أمْ) مُتَّصِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ لا حَقِيقَةَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِما هم عَلَيْهِ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ . وقالَ الواحِدِيُّ: لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ وقالَ: دَعْ ذَلِكَ الدَّلِيلَ؛ لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهم مَكْرُهم. وقَرَأ مُجاهِدٌ: (بَلْ زَيَّنَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ (مَكْرَهم) بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: (زُيِّنَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (مَكْرُهم) بِالرَّفْعِ أيْ: كَيْدُهم لِلْإسْلامِ بِشِرْكِهِمْ، وما قَصَدُوا بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ مِن مُناقَضَةِ الشَّرْعِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (وصُدُّوا) هُنا، وفي (غافِرٍ) بِضَمِّ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فالفِعْلُ مُتَعَدٍّ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، فاحْتَمَلَ التَّعَدِّيَ واللُّزُومَ؛ أيْ: صَدُّوا أنْفُسَهم أوْ غَيْرَهم. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: (وصِدُّوا) بِكَسْرِ الصّادِ، وهي كَقِراءَةِ ﴿رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] بِكَسْرِ الرّاءِ. وفي اللَوامِحِ الكِسائِيُّ لِابْنِ يَعْمَرَ (وصِدُّوا) بِالكَسْرِ لُغَةً، وفي الضَّمِّ أجْراهُ بِحَرْفِ الجَرِّ نَحْوَ قَبْلُ، فَأمّا في المُؤْمِنِ فَبِالكَسْرِ لِابْنِ وثّابٍ، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: وصَدٌّ بِالتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَكْرُهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ ومَن يَخْذُلْهُ يَعْلَمْهُ أنَّهُ لا يَهْتَدِي. ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ فَما لَهُ مِن واحِدٍ يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والعَذابُ في الدُّنْيا هو ما يُصِيبُهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والذِّلَّةِ والحُرُوبِ والبَلايا في أجْسامِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُمْتَحَنُ بِهِ الكُفّارُ، وكانَ عَذابُ الآخِرَةِ أشَقَّ عَلى النُّفُوسِ؛ لِأنَّهُ إحْراقٌ بِالنّارِ دائِمًا ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] (ومِن واقٍ) مِن ساتِرٍ يَحْفَظُهم مِنَ العَذابِ ويَحْمِيهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ ما أُعِدَّ لِلْكُفّارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ ما أُعِدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: صِفَتُها الَّتِي هي في غَرابَةِ المَثَلِ، وارْتَفَعَ ”مَثَلُ“ عَلى الِابْتِداءِ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ. و﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ المَثَلِ. تَقُولُ: مَثَّلْتُ الشَّيْءَ إذا وصَفْتَهُ وقَرَّبْتَهُ لِلْفَهْمِ، ولَيْسَ هُنا ضَرْبُ مَثَلٍ لَها فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الروم: ٢٧] أيِ: الصِّفَةُ العُلْيا، وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (مَثَلُ) بِمَعْنى صِفَةٍ، قالَ: إنَّما مَعْناهُ التَّنْبِيهُ. وقالَ الفَرّاءُ: أيْ صِفَتُها أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، ونَحْوُ هَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، انْتَهى. ولا يُمْكِنُ حَذْفُ أنْها، وإنَّما فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يَذْكُرِ (p-٣٩٦)الإعْرابَ. وتَأوَّلَ قَوْمٌ عَلى القُرْآنِ (مَثَلٌ مُقْحَمٌ)، وأنَّ التَّقْدِيرَ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي، وإقْحامُ الأسْماءِ لا يَجُوزُ. وحَكَوْا عَنِ الفَرّاءِ أنَّ العَرَبَ تُقْحِمُ كَثِيرًا المَثَلَ والمِثْلَ، وخَرَجَ عَلى ذَلِكَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أيْ: كَهو شَيْءٌ. فَقالَ غَيْرُهُما: الخَبَرُ: تَجْرِي، كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ، وهَذا أيْضًا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَجْرِي خَبَرًا عَنِ الصِّفَةِ، وإنَّما يُتَأوَّلُ تَجْرِي عَلى إسْقاطِ ”أنْ“ ورَفْعِ الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: أنْ تَجْرِيَ - خَبَرٌ ثانٍ - الأنْهارُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي، عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ تَمْثِيلًا لِما غابَ عَنّا بِما نُشاهِدُ، انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَصِحُّ ما قالَ الزَّجّاجُ، لا عَلى مَعْنى الصِّفَةِ، ولا عَلى مَعْنى الشَّبَهِ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ الَّتِي قَدَّرَها جَنَّةٌ، ولا تَكُونُ الصِّفَةَ، ولِأنَّ الشَّبَهَ عِبارَةٌ عَنِ المُماثَلَةِ الَّتِي بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ وهو حَدَثٌ، والجَنَّةُ جَنَّةٌ فَلا تَكُونُ المُماثَلَةُ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: (مِثالُ الجَنَّةِ) عَلى الجَمْعِ أيْ: صِفاتُها. وفي اللَوامِحِ عَلى السُّلَمِيِّ أمْثالُ الجَنَّةِ: جَمْعٌ ومَعْناهُ: صِفاتُ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها صِفاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَلِذَلِكَ جُمِعَ نَحْوَ الحُلْقُومِ والإسْعالِ. والأُكُلُ ما يُؤْكَلُ فِيها، ومَعْنى دَوامُهُ: أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: أيْ لَذّاتُهُ دائِمَةٌ لا تُزادُ بِجُوعٍ ولا تُمَلُّ مِن شِبَعٍ. وظِلُّها أيْ: دائِمُ البَقاءِ والرّاحَةِ، لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ولا يَمِيلُ لِبَرْدٍ كَما في الدُّنْيا؛ أيْ: تِلْكَ الجَنَّةُ عاقِبَةُ الَّذِينَ اتَّقَوْا؛ أيْ: اجْتَنَبُوا الشِّرْكَ.

الرعد 13:35

﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ (p-٣٩٤)”مَن“ مَوْصُولَةٌ صِلَتُها ما بَعْدَها، وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمَن يَيَئْسُ كَذَلِكَ مِن شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي قَلْبُهُ الَّذِي هو في ظُلْمَةٍ. ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ كَما دَلَّ عَلى القاسِي ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٢] ويُحَسِّنُ حَذْفَ هَذا الخَبَرِ كَوْنُ المُبْتَدَأِ يَكُونُ مُقابِلُهُ الخَبَرَ المَحْذُوفَ، وقَدْ جاءَ مُثْبَتًا كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ [الرعد: ١٩]، ثُمَّ قالَ: ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] . والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وكَوْنِهِمْ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ ما لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ. نَعى عَلَيْهِمْ هَذا الفِعْلَ القَبِيحَ، هَذا والبارِي تَعالى هو المُحِيطُ بِأحْوالِ النُّفُوسِ جَلَيِّها وخَفِيِّها. ونَبَّهَ عَلى بَعْضِ حالاتِها وهو الكَسْبُ، لِيَتَفَكَّرَ الإنْسانُ فِيما يَكْسِبُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى الكَسْبِ في الجَزاءِ، وعَبَّرَ بِقائِمٍ عَنِ الإحاطَةِ والمُراقَبَةِ الَّتِي لا يَغْفُلُ عَنْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ ويُعْطَفُ عَلَيْهِ، ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: وجَعَلُوا وتَمْثِيلُهُ ﴿أفَمَن هُوَ﴾ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، وهو اللَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وحْدَهُ، انْتَهى. وفي هَذا التَّوْجِيهِ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: وجَعَلُوا لَهُ، وفِيهِ حَذْفُ الخَبَرِ عَنِ المُقابِلِ، وأكْثَرُ ما جاءَ هَذا الخَبَرُ مُقابِلًا. وفي تَفْسِيرِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ قالَ: الشَّدِيدُ صاحِبُ العَقْدِ: الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: (وجَعَلُوا) واوُ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مَوْجُودٌ، والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، ثُمَّ أُقِيمَ الظّاهِرُ وهو لِلَّهِ مَقامَ المُضْمَرِ تَقْدِيرًا لِأُلُوهِيَّتِهِ وتَصْرِيحًا بِها، كَما تَقُولُ: مُعْطِي النّاسِ ومُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ، ويُحْرَمُ مِثْلِي ؟ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ أحَقُّ بِالعِبادَةِ أمِ الجَماداتُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ؟ هَذا تَأْوِيلٌ. ويَظْهَرُ أنَّ القَوْلَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ كَأنَّ المَعْنى: أفَمَن لَهُ القُدْرَةُ والوَحْدانِيَّةُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكٌ، هَلْ يَنْتَقِمُ ويُعاقِبُ أمْ لا ؟ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ المُرادُ بِهِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ. والخَبَرُ أيْضًا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَغَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقِينَ. وأبْعَدَ أيْضًا مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: (وجَعَلُوا) مَعْطُوفًا عَلى (اسْتُهْزِئَ) أيْ: اسْتَهْزَءُوا وجَعَلُوا، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم: (سَمُّوهم) أيْ: اذْكُرُوهم بِأسْمائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يُذْكَرُ ويُسَمّى، إنَّما يُذْكَرُ ويُسَمّى مَن هو يَنْفَعُ ويَضُرُّ، وهَذا مِثْلُ مَن يَذْكُرُ لَكَ أنَّ شَخْصًا يُوَقَّرُ ويُعَظَّمُ وهو عِنْدَكَ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَتَقُولُ لَذاكِرِهِ: سَمِّهِ حَتّى أُبَيِّنَ لَكَ زَيْفَهُ وأنَّهُ لَيْسَ كَما تَذْكُرُ. وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي يَبْلُغُ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ لَهُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ؛ أيْ: هو أخَسُّ مِن أنْ يُذْكَرَ ويُسَمّى. ولَكِنْ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ، فَكَأنَّهُ قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ. والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أمْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَلْفِتَ العاقِلُ إلَيْها. وقِيلَ: سَمُّوهم إذا صَنَعُوا وأماتُوا وأحْيَوْا لِتَصِحَّ الشَّرِكَةُ. وقِيلَ: طالِبُوهم بِالحُجَّةِ عَلى أنَّها آلِهَةٌ. وقِيلَ: صِفُوهم وانْظُرُوا هَلْ يَسْتَحِقُّونَ الإلَهِيَّةَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكاءَ فَسَمُّوهم لَهُ مَن هم، وبَيِّنُوهم بِأسْمائِهِمْ ؟ وقِيلَ: هَذا تَهْدِيدٌ كَما تَقُولُ لِمَن تُهَدِّدُهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ: سَمِّ الخَمْرَ بَعْدَ هَذا ! و(أمْ) في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ مُنْقَطِعَةٌ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَلْ أتُنَبِّئُونَهُ بِشُرَكاءَ لا (p-٣٩٥)يَعْلَمُهم في الأرْضِ وهو العالِمُ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذا لَمْ يَعْلَمْهم عُلِمَ أنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ، ونَحْوُهُ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [يونس: ١٨] انْتَهى. فَجُعِلَ الفاعِلُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ عائِدًا عَلى اللَّهِ. والعائِدُ عَلى (بِما) مَحْذُوفٌ أيْ: بِما لا يَعْلَمُهُ اللَّهُ. وكُنّا قَدْ خَرَّجْنا تِلْكَ الآيَةَ عَلى الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ عائِدٌ عَلى (ما) وقَرَّرْنا ذَلِكَ هُناكَ، وهو يَتَقَرَّرُ هُنا أيْضًا؛ أيْ: أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِشَرِكَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَتَّصِفُ بِعِلْمٍ البَتَّةَ. وذَكَرَ نَفْيَ العِلْمِ في الأرْضِ؛ إذِ الأرْضُ هي مَقَرُّ تِلْكَ الأصْنامِ، فَإذا انْتَفى عِلْمُها في المَقَرِّ الَّتِي هي فِيهِ، فانْتِفاؤُهُ في السَّماواتِ أحْرى. وقَرَأ الحَسَنُ: (تُنْبِئُونَهُ مِن أنْبَأ) وقِيلَ: المُرادُ تُقَدِّرُونَ أنْ تُعْلِمُوهُ بِأمْرٍ تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ وهو لا يَعْلَمُهُ، وخَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا في الأرْضِ لا في غَيْرِها. والظّاهِرُ في (أمْ) في قَوْلِهِ: (أمْ بِظاهِرٍ) أنَّها مُنْقَطِعَةٌ أيْضًا أيْ: بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ؛ أيْ: إنَّكم تَنْطِقُونَ بِتِلْكَ الأسْماءِ وتُسَمُّونَها آلِهَةً ولا حَقِيقَةَ لَها، إذْ أنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِن أوْصافِ الأُلُوهِيَّةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٠] وقالَ مُجاهِدٌ: أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ. وقالَ قَتادَةُ: بِباطِلٍ مِنَ القَوْلِ لا باطِنَ لَهُ في الحَقِيقَةِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ أيْ: باطِلٌ. وقِيلَ: (أمْ) مُتَّصِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ لا حَقِيقَةَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِما هم عَلَيْهِ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ . وقالَ الواحِدِيُّ: لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ وقالَ: دَعْ ذَلِكَ الدَّلِيلَ؛ لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهم مَكْرُهم. وقَرَأ مُجاهِدٌ: (بَلْ زَيَّنَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ (مَكْرَهم) بِالنَّصْبِ. والجُمْهُورُ: (زُيِّنَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (مَكْرُهم) بِالرَّفْعِ أيْ: كَيْدُهم لِلْإسْلامِ بِشِرْكِهِمْ، وما قَصَدُوا بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ مِن مُناقَضَةِ الشَّرْعِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (وصُدُّوا) هُنا، وفي (غافِرٍ) بِضَمِّ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فالفِعْلُ مُتَعَدٍّ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، فاحْتَمَلَ التَّعَدِّيَ واللُّزُومَ؛ أيْ: صَدُّوا أنْفُسَهم أوْ غَيْرَهم. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: (وصِدُّوا) بِكَسْرِ الصّادِ، وهي كَقِراءَةِ ﴿رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] بِكَسْرِ الرّاءِ. وفي اللَوامِحِ الكِسائِيُّ لِابْنِ يَعْمَرَ (وصِدُّوا) بِالكَسْرِ لُغَةً، وفي الضَّمِّ أجْراهُ بِحَرْفِ الجَرِّ نَحْوَ قَبْلُ، فَأمّا في المُؤْمِنِ فَبِالكَسْرِ لِابْنِ وثّابٍ، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: وصَدٌّ بِالتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى (مَكْرُهم) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ ومَن يَخْذُلْهُ يَعْلَمْهُ أنَّهُ لا يَهْتَدِي. ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ فَما لَهُ مِن واحِدٍ يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والعَذابُ في الدُّنْيا هو ما يُصِيبُهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والذِّلَّةِ والحُرُوبِ والبَلايا في أجْسامِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُمْتَحَنُ بِهِ الكُفّارُ، وكانَ عَذابُ الآخِرَةِ أشَقَّ عَلى النُّفُوسِ؛ لِأنَّهُ إحْراقٌ بِالنّارِ دائِمًا ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] (ومِن واقٍ) مِن ساتِرٍ يَحْفَظُهم مِنَ العَذابِ ويَحْمِيهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ ما أُعِدَّ لِلْكُفّارِ في الآخِرَةِ ذَكَرَ ما أُعِدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: صِفَتُها الَّتِي هي في غَرابَةِ المَثَلِ، وارْتَفَعَ ”مَثَلُ“ عَلى الِابْتِداءِ في مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ. و﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ المَثَلِ. تَقُولُ: مَثَّلْتُ الشَّيْءَ إذا وصَفْتَهُ وقَرَّبْتَهُ لِلْفَهْمِ، ولَيْسَ هُنا ضَرْبُ مَثَلٍ لَها فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الروم: ٢٧] أيِ: الصِّفَةُ العُلْيا، وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ (مَثَلُ) بِمَعْنى صِفَةٍ، قالَ: إنَّما مَعْناهُ التَّنْبِيهُ. وقالَ الفَرّاءُ: أيْ صِفَتُها أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، ونَحْوُ هَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، انْتَهى. ولا يُمْكِنُ حَذْفُ أنْها، وإنَّما فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يَذْكُرِ (p-٣٩٦)الإعْرابَ. وتَأوَّلَ قَوْمٌ عَلى القُرْآنِ (مَثَلٌ مُقْحَمٌ)، وأنَّ التَّقْدِيرَ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي، وإقْحامُ الأسْماءِ لا يَجُوزُ. وحَكَوْا عَنِ الفَرّاءِ أنَّ العَرَبَ تُقْحِمُ كَثِيرًا المَثَلَ والمِثْلَ، وخَرَجَ عَلى ذَلِكَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أيْ: كَهو شَيْءٌ. فَقالَ غَيْرُهُما: الخَبَرُ: تَجْرِي، كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ، وهَذا أيْضًا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَجْرِي خَبَرًا عَنِ الصِّفَةِ، وإنَّما يُتَأوَّلُ تَجْرِي عَلى إسْقاطِ ”أنْ“ ورَفْعِ الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: أنْ تَجْرِيَ - خَبَرٌ ثانٍ - الأنْهارُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي، عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ تَمْثِيلًا لِما غابَ عَنّا بِما نُشاهِدُ، انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَصِحُّ ما قالَ الزَّجّاجُ، لا عَلى مَعْنى الصِّفَةِ، ولا عَلى مَعْنى الشَّبَهِ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ الَّتِي قَدَّرَها جَنَّةٌ، ولا تَكُونُ الصِّفَةَ، ولِأنَّ الشَّبَهَ عِبارَةٌ عَنِ المُماثَلَةِ الَّتِي بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ وهو حَدَثٌ، والجَنَّةُ جَنَّةٌ فَلا تَكُونُ المُماثَلَةُ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: (مِثالُ الجَنَّةِ) عَلى الجَمْعِ أيْ: صِفاتُها. وفي اللَوامِحِ عَلى السُّلَمِيِّ أمْثالُ الجَنَّةِ: جَمْعٌ ومَعْناهُ: صِفاتُ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها صِفاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَلِذَلِكَ جُمِعَ نَحْوَ الحُلْقُومِ والإسْعالِ. والأُكُلُ ما يُؤْكَلُ فِيها، ومَعْنى دَوامُهُ: أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: أيْ لَذّاتُهُ دائِمَةٌ لا تُزادُ بِجُوعٍ ولا تُمَلُّ مِن شِبَعٍ. وظِلُّها أيْ: دائِمُ البَقاءِ والرّاحَةِ، لا تَنْسَخُهُ شَمْسٌ، ولا يَمِيلُ لِبَرْدٍ كَما في الدُّنْيا؛ أيْ: تِلْكَ الجَنَّةُ عاقِبَةُ الَّذِينَ اتَّقَوْا؛ أيْ: اجْتَنَبُوا الشِّرْكَ.

الرعد 13:36

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابَيْنِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: مَن أسَلَمَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأصْحابِهِما، ومَن أسْلَمَ مِنَ النَّصارى وهم ثَمانُونَ رَجُلًا: أرْبَعُونَ مِن نَجْرانَ، وثَمانِيَةٌ مِنَ اليَمَنِ، واثْنانِ وثَلاثُونَ مِنَ الحَبَشَةِ. ﴿ومِنَ الأحْزابِ﴾ يَعْنِي: ومِن أحْزابِهِمْ وهم كَفَرَتُهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعَداوَةِ نَحْوُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ، والسَّيِّدِ والعاقِبِ أُسْقُفَّيْ نَجْرانَ وأشْياعِهِما. ﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ لِأنَّهم كانُوا لا يُنْكِرُونَ الأقاصِيصَ وبَعْضَ الأحْكامِ والمَعانِي مِمّا هو ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ غَيْرُ مُحَرَّفٍ، وكانُوا يُنْكِرُونَ ما هو نَعْتُ الإسْلامِ، ونَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ: في مُؤْمِنِي اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وعَنْ قَتادَةَ في أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم يُسِرُّونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن أمْرِ الدِّينِ. وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ: أنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ جَمِيعُهم يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ، إذْ فِيهِ تَصْدِيقُ كُتُبِهِمْ، وثَناءٌ عَلى أنْبِيائِهِمْ وأحْبارِهِمْ ورُهْبانِهِمُ الَّذِينَ هم عَلى دِينِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. وضَعُفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ هَمَّهم بِهِ أكْثَرُ مِن فَرَحِهِمْ، فَلا يُعْتَدُّ بِفَرَحِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ، وقَدْ قَذَفَ تَعالى بَيْنَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ. و(الأحْزابِ) قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم أحْزابُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَرَبِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأحْزابُ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ وآلُ أبِي طَلْحَةَ. ولَمّا كانَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ اللَّهِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ، أمَرَ بِجَوابِ المُنْكِرِينَ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ فَإنْكارُكم لِبَعْضِ القُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وأنْتُمْ تَدْعُونَ (p-٣٩٧)وُجُوبَ العِبادَةِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ إلَيْهِ، أدْعُو إلى شَرْعِهِ ودِينِهِ، وإلَيْهِ مَرْجِعِي عِنْدَ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ في جَمِيعِ أحْوالِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَرَأ أبُو جُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ: ﴿ولا أُشْرِكَ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ؛ أيْ: وأنا لا أُشْرِكُ بِهِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا؛ أيْ: أنْ أعْبُدَ اللَّهَ غَيْرَ مُشْرِكٍ بِهِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إنْزالِنا الكِتابَ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يَتَضَمَّنُ إنْزالَهُ الكِتابَ، وهَذا الَّذِي أنْزَلْناهُ هو بِلِسانِ العَرَبِ، كَما أنَّ الكُتُبَ السّابِقَةَ بِلِسانِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وأرادَ بِالحُكْمِ أنَّهُ يُفَصِّلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ويَحْكُمُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (وكَذَلِكَ) المَعْنى كَما يَسَرَّنا لِهَؤُلاءِ الفَرَحَ ولِهَؤُلاءِ الإنْكارَ لِبَعْضٍ كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا، انْتَهى. وانْتَصَبَ (حُكْمًا) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في (أنْزَلْناهُ) والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والحُكْمُ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنَ المَعانِي. ولَمّا كانَتِ العِبارَةُ عَنْهُ بِلِسانِ العَرَبِ نَسَبَهُ إلَيْها. ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الخُطّابُ لِغَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّهُ مَعْصُومٌ مِنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا مِن بابِ الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ والبَعْثِ لِلسّامِعِينَ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ والتَّصَلُّبِ فِيهِ. أنْ لا يَزِلَّ زالٌّ عِنْدَ الشُّبَهِ بَعْدَ اسْتِمْساكِهِ بِالحُجَّةِ، وإلّا فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن شِدَّةِ الشَّكِيمَةِ بِمَكانٍ.

الرعد 13:37

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابَيْنِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: مَن أسَلَمَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأصْحابِهِما، ومَن أسْلَمَ مِنَ النَّصارى وهم ثَمانُونَ رَجُلًا: أرْبَعُونَ مِن نَجْرانَ، وثَمانِيَةٌ مِنَ اليَمَنِ، واثْنانِ وثَلاثُونَ مِنَ الحَبَشَةِ. ﴿ومِنَ الأحْزابِ﴾ يَعْنِي: ومِن أحْزابِهِمْ وهم كَفَرَتُهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعَداوَةِ نَحْوُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ، والسَّيِّدِ والعاقِبِ أُسْقُفَّيْ نَجْرانَ وأشْياعِهِما. ﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ لِأنَّهم كانُوا لا يُنْكِرُونَ الأقاصِيصَ وبَعْضَ الأحْكامِ والمَعانِي مِمّا هو ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ غَيْرُ مُحَرَّفٍ، وكانُوا يُنْكِرُونَ ما هو نَعْتُ الإسْلامِ، ونَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ: في مُؤْمِنِي اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وعَنْ قَتادَةَ في أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم يُسِرُّونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن أمْرِ الدِّينِ. وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ: أنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ جَمِيعُهم يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ، إذْ فِيهِ تَصْدِيقُ كُتُبِهِمْ، وثَناءٌ عَلى أنْبِيائِهِمْ وأحْبارِهِمْ ورُهْبانِهِمُ الَّذِينَ هم عَلى دِينِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. وضَعُفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ هَمَّهم بِهِ أكْثَرُ مِن فَرَحِهِمْ، فَلا يُعْتَدُّ بِفَرَحِهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ، وقَدْ قَذَفَ تَعالى بَيْنَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ. و(الأحْزابِ) قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم أحْزابُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَرَبِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأحْزابُ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ وآلُ أبِي طَلْحَةَ. ولَمّا كانَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ اللَّهِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ، أمَرَ بِجَوابِ المُنْكِرِينَ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ فَإنْكارُكم لِبَعْضِ القُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ لِعِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وأنْتُمْ تَدْعُونَ (p-٣٩٧)وُجُوبَ العِبادَةِ ونَفْيَ الشَّرِيكِ إلَيْهِ، أدْعُو إلى شَرْعِهِ ودِينِهِ، وإلَيْهِ مَرْجِعِي عِنْدَ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ في جَمِيعِ أحْوالِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَرَأ أبُو جُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ: ﴿ولا أُشْرِكَ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ؛ أيْ: وأنا لا أُشْرِكُ بِهِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا؛ أيْ: أنْ أعْبُدَ اللَّهَ غَيْرَ مُشْرِكٍ بِهِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ إنْزالِنا الكِتابَ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يَتَضَمَّنُ إنْزالَهُ الكِتابَ، وهَذا الَّذِي أنْزَلْناهُ هو بِلِسانِ العَرَبِ، كَما أنَّ الكُتُبَ السّابِقَةَ بِلِسانِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وأرادَ بِالحُكْمِ أنَّهُ يُفَصِّلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ويَحْكُمُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (وكَذَلِكَ) المَعْنى كَما يَسَرَّنا لِهَؤُلاءِ الفَرَحَ ولِهَؤُلاءِ الإنْكارَ لِبَعْضٍ كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا، انْتَهى. وانْتَصَبَ (حُكْمًا) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في (أنْزَلْناهُ) والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والحُكْمُ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنَ المَعانِي. ولَمّا كانَتِ العِبارَةُ عَنْهُ بِلِسانِ العَرَبِ نَسَبَهُ إلَيْها. ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ الخُطّابُ لِغَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّهُ مَعْصُومٌ مِنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا مِن بابِ الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ والبَعْثِ لِلسّامِعِينَ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ والتَّصَلُّبِ فِيهِ. أنْ لا يَزِلَّ زالٌّ عِنْدَ الشُّبَهِ بَعْدَ اسْتِمْساكِهِ بِالحُجَّةِ، وإلّا فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن شِدَّةِ الشَّكِيمَةِ بِمَكانٍ.

الرعد 13:38

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ ﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: عَيَّرَتِ اليَهُودُ الرَّسُولَ ﷺ وقالُوا: ما تَرى لِهَذا الرَّجُلِ هِمَّةً إلّا النِّساءَ والنِّكاحَ، ولَوْ كانَ نَبِيًّا كَما زَعَمَ لَشَغَلَهُ أمْرُ النُّبُوَّةِ عَنِ النِّساءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قِيلَ: وكانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ويُنْكِرُونَ النَّسْخَ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ كانُوا مِثْلَهُ ذَوِي أزْواجٍ وذُرِّيَّةٍ، وما كانَ لَهم أنْ يَأْتُوا بِآياتٍ بِرَأْيِهِمْ، ولا يَأْتُونَ بِما يُقْتَرَحُ عَلَيْهِمْ. ومِنَ الشَّرائِعِ مَصالِحُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ والأوْقاتِ، فَلِكُلِّ وقْتٍ حُكْمٌ يُكْتَبُ فِيهِ عَلى العِبادِ؛ أيْ: يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ ما يُرِيدُهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في الأشْياءِ الَّتِي لَها آجالٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ إلّا ولَهُ أجَلٌ في بَدْئِهِ وفي خاتِمَتِهِ، وذَلِكَ الأجَلُ مَكْتُوبٌ مَحْصُورٌ. وقالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ: المَعْنى لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ، ولا يَجُوزُ ادِّعاءُ القَلْبِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأمّا هُنا فالمَعْنى في غايَةِ الصِّحَّةِ بِلا عَكْسٍ ولا قَلْبٍ بَلِ ادِّعاءُ القَلْبِ هُنا لا يَصِحُّ المَعْنى عَلَيْهِ، إذْ ثَمَّ أشْياءُ كَتَبَها اللَّهُ تَعالى أزَلِيَّةً كالجَنَّةِ ونَعِيمِ أهْلِها لا أجَلَ لَها. والظّاهِرُ أنَّ المَحْوَ عِبارَةٌ عَنِ النَّسْخِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، والإثْباتَ عِبارَةٌ عَنْ دَوامِها وتَقْرِيرِها وبَقائِها؛ أيْ: (p-٣٩٨)يَمْحُو ما يَشاءُ مَحْوَهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ إثْباتَهُ. وقِيلَ: هَذا عامٌّ في الرِّزْقِ والأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ونُسِبَ هَذا إلى عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي وائِلٍ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ وكَعْبِ الأحْبارِ والكَلْبِيِّ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي وائِلٍ في دُعائِهِمْ ما مَعْناهُ: إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي في السُّعَداءِ فَأثْبِتْنِي فِيهِمْ أوْ في الأشْقِياءِ فامْحُنِي مِنهم، وإنْ صَحَّ عَنْهم فَيَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ عَلى أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتَ أشْقَيْتِنا بِالمَعْصِيَةِ فامْحُها عَنّا بِالمَغْفِرَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّقاءَ والسَّعادَةَ والرِّزْقَ والخَلْقَ والأجَلَ لا يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ مِنها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ إلّا السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ والآجالَ، فَإنَّهُ لا مَحْوَ فِيها. وقالَ الحَسَنُ وفِرْقَةٌ: هي آجالُ بَنِي آدَمَ تُكْتَبُ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: في لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبانَ آجالُ المَوْتى، فَتُمْحى ناسٌ مِن دِيوانِ الأحْياءِ ويُثْبَتُونَ في دِيوانِ الأمْواتِ. وقالَ قَيْسُ بْنُ عَبّادٍ: في العاشِرِ مِن رَجَبٍ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ بِحَسَنَةٍ ولا سَيِّئَةٍ؛ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِكَتْبِ كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ، ويُثْبِتُ غَيْرَهُ. وقِيلَ: يَمْحُو كُفْرَ التّائِبِينَ ومَعاصِيَهم بِالتَّوْبَةِ، ويُثْبِتُ إيمانَهم وطاعَتَهم. وقِيلَ: يَمْحُو بَعْضَ الخَلائِقِ ويُثْبِتُ بَعْضًا مِنَ الأناسِيِّ وسائِرِ الحَيَوانِ والنَّباتِ والأشْجارِ وصِفاتِها وأحْوالِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ، يَنْسَخُ ما يَسْتَصْوِبُ نَسْخَهُ، ويُثْبِتُ بِهِ لَهُ ما يَرى المَصْلَحَةَ في اتِّباعِهِ، أوْ يَتْرُكُهُ غَيْرَ مَنسُوخٍ، والكَلامُ في نَحْوِ هَذا واسِعُ المَجالِ، انْتَهى. وهو وقَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ زَيْدٍ قالُوا: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الشَّرائِعِ والفَرائِضِ فَيَنْسَخُهُ ويُبَدِّلُهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يَنْسَخُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يُحْكِمُ اللَّهُ أمْرَ السَّنَةِ في رَمَضانَ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ إلّا الحَياةَ والمَوْتَ والشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: يَغْفِرُ ما يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ، ويَتْرُكُ ما يَشاءُ فَلا يَغْفِرُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَمْحُو يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ جَمِيعَ الذُّنُوبِ، ويُثْبِتُ بَدَلَ الذُّنُوبِ حَسَناتٍ. قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيَّآتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] وقِيلَ: يُنْسِي الحَفَظَةَ مِنَ الذُّنُوبِ ولا يَنْسى. وقالَ الحَسَنُ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ أجَلَهُ، ويُثْبِتُ مَن يَأْتِي أجَلَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: (يَمْحُو اللَّهُ) يَعْنِي القَمَرَ، (ويُثْبِتُ) يَعْنِي الشَّمْسَ؛ بَيانُهُ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] الآيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِلَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا وذَكَرَ وصْفَهُ في كِتابِ التَّحْبِيرِ، ثُمَّ قالَ: لِلَّهِ تَعالى فِيهِ في كُلِّ يَوْمٍ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ نَظْرَةً، يُثْبِتُ ما يَشاءُ ويَمْحُو ما يَشاءُ. وقالَ الرَّبِيعُ: هَذا في الأرْواحِ حالَةَ النَّوْمِ يَقْبِضُها عِنْدَ النَّوْمِ إذا أرادَ مَوْتَهُ فَجْأةً أمْسَكَهُ، ومَن أرادَ بَقاءَهُ أثْبَتَهُ ورَدَّهُ إلى صاحِبِهِ؛ بَيانُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] الآيَةَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ القُرُونِ لِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ [يس: ٣١] ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢] فَيَمْحُو قَرْنًا ويُثْبِتُ قَرْنًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (يَمْحُو) يُمِيتُ الرَّجُلَ عَلى ضَلالَةٍ وقَدْ عَمِلَ بِالطّاعَةِ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ، يَخْتِمُهُ بِالمَعْصِيَةِ ويُثْبِتُ عَكْسَهُ. وقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ. وفي الحَدِيثِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: ”أنَّهُ تَعالى يَفْتَحُ الذِّكْرَ في ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَنْظُرُ ما في الكِتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرَهُ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ“ وقالَ الغَزْنَوِيُّ: ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ خَرَجَ عَنِ الغَيْبِ لِإحاطَةِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، فَيَحْتَمَلُ التَّبْدِيلَ وإحاطَتَهُ الخَلْقَ بِجَمِيعِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وما في عِلْمِهِ تَعالى مِن تَقْدِيرِ الأشْياءِ لا يُبَدَّلُ، انْتَهى. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ نَقْلُهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّتِ الرّافِضَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ عَلى أنَّ البَدْءَ جائِزٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو أنْ يَعْتَقِدَ شَيْئًا ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ أنَّ الأمْرَ خِلافُ ما اعْتَقَدَهُ، وهَذا باطِلٌ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى مِن لَوازِمِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ دُخُولُ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ (p-٣٩٩)فِيهِ مُحالًا، وأمّا الآيَةُ فَقَدِ احْتَمَلَتْ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ المُتَقَدِّمَةَ، فَلَيْسَتْ نَصًّا فِيما ادَّعَوْهُ، ولَوْ كانَتْ نَصًّا وجَبَ تَأْوِيلُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ: (ويُثْبِتُ) مُخَفَّفًا مِن أثْبَتَ، وباقِي السَّبْعَةِ مُثَقَّلًا مِن ثَبَّتَ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ الذِّكْرُ. وقالَ أيْضًا هو وكَعْبٌ: هو عِلْمُ ما هو خالِقٌ وما خَلْقُهُ عامِلُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَلالُ والحَرامُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُ كُلِّ كِتابٍ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ لِأنَّ كُلَّ كائِنٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ، انْتَهى. وما جَرى مَجْرى الأصْلِ لِلشَّيْءِ تُسَمِّيهِ العَرَبُ، أمّا كَقَوْلِهِمْ: أُمُّ الرَّأْسِ لِلدِّماغِ، وأُمُّ القُرى مَكَّةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأصْوَبُ ما يُفَسَّرُ بِهِ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ أنَّهُ دِيوانُ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ أنْ تُبَدَّلَ وتُمْحى أوْ تُثْبَتَ. وقالَ نَحْوَهُ قَتادَةُ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ، وكَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ في ”ما، ونُونِ التَّوْكِيدِ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإمّا نُرِيَنَّكَ، وكَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ مَصارِعَهم، وما وعَدْناهم مِن إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَما يَجِبُ عَلَيْكَ إلّا تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ، وعَلَيْنا لا عَلَيْكَ حِسابُهم وجَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَلا يُهِمَّنَّكَ إعْراضَهم، ولا تَسْتَعْجِلْ بِعَذابِهِمْ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والَّذِي تَقَدَّمَ شَرْطانِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الشَّرْطِ شَرْطٌ. فَأمّا كَوْنُهُ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ فَلَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ما نَعِدُهم مِنَ العَذابِ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وأمّا كَوْنُهُ جَوابًا لِلشَّرْطِ الثّانِي هو أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: إنَّ ما نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، ولا يَتَرَتَّبُ وُجُوبُ التَّبْلِيغِ عَلَيْهِ عَلى وفاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لِأنَّ التَّكْلِيفَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ الوَفاةِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ وهو: أنْ يَتَقَدَّرَ لِكُلِّ شَرْطٍ مِنهُما ما يُناسِبُ أنْ يَكُونَ جَزاءً مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ. وذَلِكَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - وإنَّ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم بِهِ مِنَ العَذابِ فَذَلِكَ شافِيكَ مِن أعْدائِكَ، ودَلِيلٌ عَلى صِدْقِكَ، إذا أخْبَرْتَ بِما يَحُلُّ بِهِمْ. ولَمْ يُعَيِّنْ زَمانَ حُلُولِهِ بِهِمْ، فاحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ في حَياتِكَ، واحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ بِهِمْ بَعْدَ وفاتِكَ. ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أيْ: أوْ أنْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ، فَلا لَوْمَ عَلَيْكَ ولا عَتْبَ، إذْ قَدْ حَلَّ بِهِمْ بَعْضُ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِكَ مِن عَذابِهِمْ، فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، لا حُلُولُ العَذابِ بِهِمْ؛ إذْ ذاكَ راجِعٌ إلَيَّ، وعَلَيْنا جَزاؤُهم في تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، وكَفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ.

الرعد 13:39

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ ﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: عَيَّرَتِ اليَهُودُ الرَّسُولَ ﷺ وقالُوا: ما تَرى لِهَذا الرَّجُلِ هِمَّةً إلّا النِّساءَ والنِّكاحَ، ولَوْ كانَ نَبِيًّا كَما زَعَمَ لَشَغَلَهُ أمْرُ النُّبُوَّةِ عَنِ النِّساءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قِيلَ: وكانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ويُنْكِرُونَ النَّسْخَ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ كانُوا مِثْلَهُ ذَوِي أزْواجٍ وذُرِّيَّةٍ، وما كانَ لَهم أنْ يَأْتُوا بِآياتٍ بِرَأْيِهِمْ، ولا يَأْتُونَ بِما يُقْتَرَحُ عَلَيْهِمْ. ومِنَ الشَّرائِعِ مَصالِحُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ والأوْقاتِ، فَلِكُلِّ وقْتٍ حُكْمٌ يُكْتَبُ فِيهِ عَلى العِبادِ؛ أيْ: يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ ما يُرِيدُهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في الأشْياءِ الَّتِي لَها آجالٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ إلّا ولَهُ أجَلٌ في بَدْئِهِ وفي خاتِمَتِهِ، وذَلِكَ الأجَلُ مَكْتُوبٌ مَحْصُورٌ. وقالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ: المَعْنى لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ، ولا يَجُوزُ ادِّعاءُ القَلْبِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأمّا هُنا فالمَعْنى في غايَةِ الصِّحَّةِ بِلا عَكْسٍ ولا قَلْبٍ بَلِ ادِّعاءُ القَلْبِ هُنا لا يَصِحُّ المَعْنى عَلَيْهِ، إذْ ثَمَّ أشْياءُ كَتَبَها اللَّهُ تَعالى أزَلِيَّةً كالجَنَّةِ ونَعِيمِ أهْلِها لا أجَلَ لَها. والظّاهِرُ أنَّ المَحْوَ عِبارَةٌ عَنِ النَّسْخِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، والإثْباتَ عِبارَةٌ عَنْ دَوامِها وتَقْرِيرِها وبَقائِها؛ أيْ: (p-٣٩٨)يَمْحُو ما يَشاءُ مَحْوَهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ إثْباتَهُ. وقِيلَ: هَذا عامٌّ في الرِّزْقِ والأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ونُسِبَ هَذا إلى عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي وائِلٍ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ وكَعْبِ الأحْبارِ والكَلْبِيِّ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي وائِلٍ في دُعائِهِمْ ما مَعْناهُ: إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي في السُّعَداءِ فَأثْبِتْنِي فِيهِمْ أوْ في الأشْقِياءِ فامْحُنِي مِنهم، وإنْ صَحَّ عَنْهم فَيَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ عَلى أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتَ أشْقَيْتِنا بِالمَعْصِيَةِ فامْحُها عَنّا بِالمَغْفِرَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّقاءَ والسَّعادَةَ والرِّزْقَ والخَلْقَ والأجَلَ لا يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ مِنها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ إلّا السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ والآجالَ، فَإنَّهُ لا مَحْوَ فِيها. وقالَ الحَسَنُ وفِرْقَةٌ: هي آجالُ بَنِي آدَمَ تُكْتَبُ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: في لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبانَ آجالُ المَوْتى، فَتُمْحى ناسٌ مِن دِيوانِ الأحْياءِ ويُثْبَتُونَ في دِيوانِ الأمْواتِ. وقالَ قَيْسُ بْنُ عَبّادٍ: في العاشِرِ مِن رَجَبٍ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ بِحَسَنَةٍ ولا سَيِّئَةٍ؛ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِكَتْبِ كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ، ويُثْبِتُ غَيْرَهُ. وقِيلَ: يَمْحُو كُفْرَ التّائِبِينَ ومَعاصِيَهم بِالتَّوْبَةِ، ويُثْبِتُ إيمانَهم وطاعَتَهم. وقِيلَ: يَمْحُو بَعْضَ الخَلائِقِ ويُثْبِتُ بَعْضًا مِنَ الأناسِيِّ وسائِرِ الحَيَوانِ والنَّباتِ والأشْجارِ وصِفاتِها وأحْوالِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ، يَنْسَخُ ما يَسْتَصْوِبُ نَسْخَهُ، ويُثْبِتُ بِهِ لَهُ ما يَرى المَصْلَحَةَ في اتِّباعِهِ، أوْ يَتْرُكُهُ غَيْرَ مَنسُوخٍ، والكَلامُ في نَحْوِ هَذا واسِعُ المَجالِ، انْتَهى. وهو وقَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ زَيْدٍ قالُوا: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الشَّرائِعِ والفَرائِضِ فَيَنْسَخُهُ ويُبَدِّلُهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يَنْسَخُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يُحْكِمُ اللَّهُ أمْرَ السَّنَةِ في رَمَضانَ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ إلّا الحَياةَ والمَوْتَ والشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: يَغْفِرُ ما يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ، ويَتْرُكُ ما يَشاءُ فَلا يَغْفِرُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَمْحُو يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ جَمِيعَ الذُّنُوبِ، ويُثْبِتُ بَدَلَ الذُّنُوبِ حَسَناتٍ. قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيَّآتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] وقِيلَ: يُنْسِي الحَفَظَةَ مِنَ الذُّنُوبِ ولا يَنْسى. وقالَ الحَسَنُ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ أجَلَهُ، ويُثْبِتُ مَن يَأْتِي أجَلَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: (يَمْحُو اللَّهُ) يَعْنِي القَمَرَ، (ويُثْبِتُ) يَعْنِي الشَّمْسَ؛ بَيانُهُ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] الآيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِلَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا وذَكَرَ وصْفَهُ في كِتابِ التَّحْبِيرِ، ثُمَّ قالَ: لِلَّهِ تَعالى فِيهِ في كُلِّ يَوْمٍ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ نَظْرَةً، يُثْبِتُ ما يَشاءُ ويَمْحُو ما يَشاءُ. وقالَ الرَّبِيعُ: هَذا في الأرْواحِ حالَةَ النَّوْمِ يَقْبِضُها عِنْدَ النَّوْمِ إذا أرادَ مَوْتَهُ فَجْأةً أمْسَكَهُ، ومَن أرادَ بَقاءَهُ أثْبَتَهُ ورَدَّهُ إلى صاحِبِهِ؛ بَيانُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] الآيَةَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ القُرُونِ لِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ [يس: ٣١] ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢] فَيَمْحُو قَرْنًا ويُثْبِتُ قَرْنًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (يَمْحُو) يُمِيتُ الرَّجُلَ عَلى ضَلالَةٍ وقَدْ عَمِلَ بِالطّاعَةِ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ، يَخْتِمُهُ بِالمَعْصِيَةِ ويُثْبِتُ عَكْسَهُ. وقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ. وفي الحَدِيثِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: ”أنَّهُ تَعالى يَفْتَحُ الذِّكْرَ في ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَنْظُرُ ما في الكِتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرَهُ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ“ وقالَ الغَزْنَوِيُّ: ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ خَرَجَ عَنِ الغَيْبِ لِإحاطَةِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، فَيَحْتَمَلُ التَّبْدِيلَ وإحاطَتَهُ الخَلْقَ بِجَمِيعِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وما في عِلْمِهِ تَعالى مِن تَقْدِيرِ الأشْياءِ لا يُبَدَّلُ، انْتَهى. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ نَقْلُهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّتِ الرّافِضَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ عَلى أنَّ البَدْءَ جائِزٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو أنْ يَعْتَقِدَ شَيْئًا ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ أنَّ الأمْرَ خِلافُ ما اعْتَقَدَهُ، وهَذا باطِلٌ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى مِن لَوازِمِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ دُخُولُ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ (p-٣٩٩)فِيهِ مُحالًا، وأمّا الآيَةُ فَقَدِ احْتَمَلَتْ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ المُتَقَدِّمَةَ، فَلَيْسَتْ نَصًّا فِيما ادَّعَوْهُ، ولَوْ كانَتْ نَصًّا وجَبَ تَأْوِيلُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ: (ويُثْبِتُ) مُخَفَّفًا مِن أثْبَتَ، وباقِي السَّبْعَةِ مُثَقَّلًا مِن ثَبَّتَ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ الذِّكْرُ. وقالَ أيْضًا هو وكَعْبٌ: هو عِلْمُ ما هو خالِقٌ وما خَلْقُهُ عامِلُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَلالُ والحَرامُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُ كُلِّ كِتابٍ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ لِأنَّ كُلَّ كائِنٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ، انْتَهى. وما جَرى مَجْرى الأصْلِ لِلشَّيْءِ تُسَمِّيهِ العَرَبُ، أمّا كَقَوْلِهِمْ: أُمُّ الرَّأْسِ لِلدِّماغِ، وأُمُّ القُرى مَكَّةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأصْوَبُ ما يُفَسَّرُ بِهِ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ أنَّهُ دِيوانُ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ أنْ تُبَدَّلَ وتُمْحى أوْ تُثْبَتَ. وقالَ نَحْوَهُ قَتادَةُ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ، وكَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ في ”ما، ونُونِ التَّوْكِيدِ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإمّا نُرِيَنَّكَ، وكَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ مَصارِعَهم، وما وعَدْناهم مِن إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَما يَجِبُ عَلَيْكَ إلّا تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ، وعَلَيْنا لا عَلَيْكَ حِسابُهم وجَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَلا يُهِمَّنَّكَ إعْراضَهم، ولا تَسْتَعْجِلْ بِعَذابِهِمْ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والَّذِي تَقَدَّمَ شَرْطانِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الشَّرْطِ شَرْطٌ. فَأمّا كَوْنُهُ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ فَلَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ما نَعِدُهم مِنَ العَذابِ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وأمّا كَوْنُهُ جَوابًا لِلشَّرْطِ الثّانِي هو أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: إنَّ ما نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، ولا يَتَرَتَّبُ وُجُوبُ التَّبْلِيغِ عَلَيْهِ عَلى وفاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لِأنَّ التَّكْلِيفَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ الوَفاةِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ وهو: أنْ يَتَقَدَّرَ لِكُلِّ شَرْطٍ مِنهُما ما يُناسِبُ أنْ يَكُونَ جَزاءً مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ. وذَلِكَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - وإنَّ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم بِهِ مِنَ العَذابِ فَذَلِكَ شافِيكَ مِن أعْدائِكَ، ودَلِيلٌ عَلى صِدْقِكَ، إذا أخْبَرْتَ بِما يَحُلُّ بِهِمْ. ولَمْ يُعَيِّنْ زَمانَ حُلُولِهِ بِهِمْ، فاحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ في حَياتِكَ، واحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ بِهِمْ بَعْدَ وفاتِكَ. ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أيْ: أوْ أنْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ، فَلا لَوْمَ عَلَيْكَ ولا عَتْبَ، إذْ قَدْ حَلَّ بِهِمْ بَعْضُ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِكَ مِن عَذابِهِمْ، فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، لا حُلُولُ العَذابِ بِهِمْ؛ إذْ ذاكَ راجِعٌ إلَيَّ، وعَلَيْنا جَزاؤُهم في تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، وكَفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ.

الرعد 13:40

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ ﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: عَيَّرَتِ اليَهُودُ الرَّسُولَ ﷺ وقالُوا: ما تَرى لِهَذا الرَّجُلِ هِمَّةً إلّا النِّساءَ والنِّكاحَ، ولَوْ كانَ نَبِيًّا كَما زَعَمَ لَشَغَلَهُ أمْرُ النُّبُوَّةِ عَنِ النِّساءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قِيلَ: وكانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ويُنْكِرُونَ النَّسْخَ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ كانُوا مِثْلَهُ ذَوِي أزْواجٍ وذُرِّيَّةٍ، وما كانَ لَهم أنْ يَأْتُوا بِآياتٍ بِرَأْيِهِمْ، ولا يَأْتُونَ بِما يُقْتَرَحُ عَلَيْهِمْ. ومِنَ الشَّرائِعِ مَصالِحُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ والأوْقاتِ، فَلِكُلِّ وقْتٍ حُكْمٌ يُكْتَبُ فِيهِ عَلى العِبادِ؛ أيْ: يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ ما يُرِيدُهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في الأشْياءِ الَّتِي لَها آجالٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ إلّا ولَهُ أجَلٌ في بَدْئِهِ وفي خاتِمَتِهِ، وذَلِكَ الأجَلُ مَكْتُوبٌ مَحْصُورٌ. وقالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ: المَعْنى لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ، ولا يَجُوزُ ادِّعاءُ القَلْبِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأمّا هُنا فالمَعْنى في غايَةِ الصِّحَّةِ بِلا عَكْسٍ ولا قَلْبٍ بَلِ ادِّعاءُ القَلْبِ هُنا لا يَصِحُّ المَعْنى عَلَيْهِ، إذْ ثَمَّ أشْياءُ كَتَبَها اللَّهُ تَعالى أزَلِيَّةً كالجَنَّةِ ونَعِيمِ أهْلِها لا أجَلَ لَها. والظّاهِرُ أنَّ المَحْوَ عِبارَةٌ عَنِ النَّسْخِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، والإثْباتَ عِبارَةٌ عَنْ دَوامِها وتَقْرِيرِها وبَقائِها؛ أيْ: (p-٣٩٨)يَمْحُو ما يَشاءُ مَحْوَهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ إثْباتَهُ. وقِيلَ: هَذا عامٌّ في الرِّزْقِ والأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ونُسِبَ هَذا إلى عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي وائِلٍ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ وكَعْبِ الأحْبارِ والكَلْبِيِّ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي وائِلٍ في دُعائِهِمْ ما مَعْناهُ: إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي في السُّعَداءِ فَأثْبِتْنِي فِيهِمْ أوْ في الأشْقِياءِ فامْحُنِي مِنهم، وإنْ صَحَّ عَنْهم فَيَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ عَلى أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتَ أشْقَيْتِنا بِالمَعْصِيَةِ فامْحُها عَنّا بِالمَغْفِرَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّقاءَ والسَّعادَةَ والرِّزْقَ والخَلْقَ والأجَلَ لا يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ مِنها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ إلّا السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ والآجالَ، فَإنَّهُ لا مَحْوَ فِيها. وقالَ الحَسَنُ وفِرْقَةٌ: هي آجالُ بَنِي آدَمَ تُكْتَبُ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقِيلَ: في لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبانَ آجالُ المَوْتى، فَتُمْحى ناسٌ مِن دِيوانِ الأحْياءِ ويُثْبَتُونَ في دِيوانِ الأمْواتِ. وقالَ قَيْسُ بْنُ عَبّادٍ: في العاشِرِ مِن رَجَبٍ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ بِحَسَنَةٍ ولا سَيِّئَةٍ؛ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِكَتْبِ كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ، ويُثْبِتُ غَيْرَهُ. وقِيلَ: يَمْحُو كُفْرَ التّائِبِينَ ومَعاصِيَهم بِالتَّوْبَةِ، ويُثْبِتُ إيمانَهم وطاعَتَهم. وقِيلَ: يَمْحُو بَعْضَ الخَلائِقِ ويُثْبِتُ بَعْضًا مِنَ الأناسِيِّ وسائِرِ الحَيَوانِ والنَّباتِ والأشْجارِ وصِفاتِها وأحْوالِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ، يَنْسَخُ ما يَسْتَصْوِبُ نَسْخَهُ، ويُثْبِتُ بِهِ لَهُ ما يَرى المَصْلَحَةَ في اتِّباعِهِ، أوْ يَتْرُكُهُ غَيْرَ مَنسُوخٍ، والكَلامُ في نَحْوِ هَذا واسِعُ المَجالِ، انْتَهى. وهو وقَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ زَيْدٍ قالُوا: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الشَّرائِعِ والفَرائِضِ فَيَنْسَخُهُ ويُبَدِّلُهُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يَنْسَخُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يُحْكِمُ اللَّهُ أمْرَ السَّنَةِ في رَمَضانَ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ إلّا الحَياةَ والمَوْتَ والشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ فِيهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: يَغْفِرُ ما يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ، ويَتْرُكُ ما يَشاءُ فَلا يَغْفِرُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: يَمْحُو يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ جَمِيعَ الذُّنُوبِ، ويُثْبِتُ بَدَلَ الذُّنُوبِ حَسَناتٍ. قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيَّآتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] وقِيلَ: يُنْسِي الحَفَظَةَ مِنَ الذُّنُوبِ ولا يَنْسى. وقالَ الحَسَنُ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ أجَلَهُ، ويُثْبِتُ مَن يَأْتِي أجَلَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: (يَمْحُو اللَّهُ) يَعْنِي القَمَرَ، (ويُثْبِتُ) يَعْنِي الشَّمْسَ؛ بَيانُهُ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] الآيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِلَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا وذَكَرَ وصْفَهُ في كِتابِ التَّحْبِيرِ، ثُمَّ قالَ: لِلَّهِ تَعالى فِيهِ في كُلِّ يَوْمٍ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ نَظْرَةً، يُثْبِتُ ما يَشاءُ ويَمْحُو ما يَشاءُ. وقالَ الرَّبِيعُ: هَذا في الأرْواحِ حالَةَ النَّوْمِ يَقْبِضُها عِنْدَ النَّوْمِ إذا أرادَ مَوْتَهُ فَجْأةً أمْسَكَهُ، ومَن أرادَ بَقاءَهُ أثْبَتَهُ ورَدَّهُ إلى صاحِبِهِ؛ بَيانُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] الآيَةَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ القُرُونِ لِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ [يس: ٣١] ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢] فَيَمْحُو قَرْنًا ويُثْبِتُ قَرْنًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (يَمْحُو) يُمِيتُ الرَّجُلَ عَلى ضَلالَةٍ وقَدْ عَمِلَ بِالطّاعَةِ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ، يَخْتِمُهُ بِالمَعْصِيَةِ ويُثْبِتُ عَكْسَهُ. وقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ. وفي الحَدِيثِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: ”أنَّهُ تَعالى يَفْتَحُ الذِّكْرَ في ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَنْظُرُ ما في الكِتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرَهُ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ“ وقالَ الغَزْنَوِيُّ: ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ خَرَجَ عَنِ الغَيْبِ لِإحاطَةِ بَعْضِ المَلائِكَةِ، فَيَحْتَمَلُ التَّبْدِيلَ وإحاطَتَهُ الخَلْقَ بِجَمِيعِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وما في عِلْمِهِ تَعالى مِن تَقْدِيرِ الأشْياءِ لا يُبَدَّلُ، انْتَهى. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ نَقْلُهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّتِ الرّافِضَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ عَلى أنَّ البَدْءَ جائِزٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو أنْ يَعْتَقِدَ شَيْئًا ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ أنَّ الأمْرَ خِلافُ ما اعْتَقَدَهُ، وهَذا باطِلٌ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى مِن لَوازِمِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ دُخُولُ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ (p-٣٩٩)فِيهِ مُحالًا، وأمّا الآيَةُ فَقَدِ احْتَمَلَتْ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ المُتَقَدِّمَةَ، فَلَيْسَتْ نَصًّا فِيما ادَّعَوْهُ، ولَوْ كانَتْ نَصًّا وجَبَ تَأْوِيلُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ: (ويُثْبِتُ) مُخَفَّفًا مِن أثْبَتَ، وباقِي السَّبْعَةِ مُثَقَّلًا مِن ثَبَّتَ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ الذِّكْرُ. وقالَ أيْضًا هو وكَعْبٌ: هو عِلْمُ ما هو خالِقٌ وما خَلْقُهُ عامِلُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَلالُ والحَرامُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُ كُلِّ كِتابٍ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ لِأنَّ كُلَّ كائِنٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ، انْتَهى. وما جَرى مَجْرى الأصْلِ لِلشَّيْءِ تُسَمِّيهِ العَرَبُ، أمّا كَقَوْلِهِمْ: أُمُّ الرَّأْسِ لِلدِّماغِ، وأُمُّ القُرى مَكَّةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأصْوَبُ ما يُفَسَّرُ بِهِ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ أنَّهُ دِيوانُ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ أنْ تُبَدَّلَ وتُمْحى أوْ تُثْبَتَ. وقالَ نَحْوَهُ قَتادَةُ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ، وكَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ في ”ما، ونُونِ التَّوْكِيدِ“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإمّا نُرِيَنَّكَ، وكَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ مَصارِعَهم، وما وعَدْناهم مِن إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَما يَجِبُ عَلَيْكَ إلّا تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ، وعَلَيْنا لا عَلَيْكَ حِسابُهم وجَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَلا يُهِمَّنَّكَ إعْراضَهم، ولا تَسْتَعْجِلْ بِعَذابِهِمْ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والَّذِي تَقَدَّمَ شَرْطانِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الشَّرْطِ شَرْطٌ. فَأمّا كَوْنُهُ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ فَلَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ما نَعِدُهم مِنَ العَذابِ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وأمّا كَوْنُهُ جَوابًا لِلشَّرْطِ الثّانِي هو أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: إنَّ ما نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، ولا يَتَرَتَّبُ وُجُوبُ التَّبْلِيغِ عَلَيْهِ عَلى وفاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لِأنَّ التَّكْلِيفَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ الوَفاةِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ وهو: أنْ يَتَقَدَّرَ لِكُلِّ شَرْطٍ مِنهُما ما يُناسِبُ أنْ يَكُونَ جَزاءً مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ. وذَلِكَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - وإنَّ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم بِهِ مِنَ العَذابِ فَذَلِكَ شافِيكَ مِن أعْدائِكَ، ودَلِيلٌ عَلى صِدْقِكَ، إذا أخْبَرْتَ بِما يَحُلُّ بِهِمْ. ولَمْ يُعَيِّنْ زَمانَ حُلُولِهِ بِهِمْ، فاحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ في حَياتِكَ، واحْتَمَلَ أنْ يَقَعَ بِهِمْ بَعْدَ وفاتِكَ. ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أيْ: أوْ أنْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ، فَلا لَوْمَ عَلَيْكَ ولا عَتْبَ، إذْ قَدْ حَلَّ بِهِمْ بَعْضُ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِكَ مِن عَذابِهِمْ، فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، لا حُلُولُ العَذابِ بِهِمْ؛ إذْ ذاكَ راجِعٌ إلَيَّ، وعَلَيْنا جَزاؤُهم في تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ، وكَفْرِهِمْ بِما جِئْتَ بِهِ.

الرعد 13:41

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ (p-٤٠٠)الضَّمِيرُ في ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ وُعِدُوا، وفي ذَلِكَ اتِّعاظٌ لِمَنِ اتَّعَظَ، نُبِّهُوا عَلى أنْ يَنْظُرُوا بَعْضَ الأرْضِ مِن أطْرافِها. و(نَأْتِي) يَعْنِي بِالأمْرِ والقُدْرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ [النحل: ٢٦] والأرْضُ أرْضُ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ، ويَعْنِي بِنَقْصِها مِن أطْرافِها لِلْمُسْلِمِينَ: مِن جَوانِبِها. كانَ المُسْلِمُونَ يَغْزُونَ مِن حَوالَيْ أرْضِ الكُفّارِ مِمّا يَلِي المَدِينَةَ، ويَغْلِبُونَ عَلى جَوانِبِ أرْضِ مَكَّةَ، والأطْرافُ: الجَوانِبُ. وقِيلَ: الطَّرَفُ مِن كُلِّ شَيْءِ خِيارُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: العُلُومُ أوْدِيَةٌ، في أيِّ وادٍ أخَذْتَ مِنها خَسِرْتَ، فَخُذُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا يَعْنِي: خِيارًا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مَعْنى طَرَفًا جانِبًا وبَعْضًا، كَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّ الإنْسانَ يَكُونُ مُشارِكًا في أطْرافٍ مِنَ العُلُومِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ اسْتِيعابُ جَمِيعِها، ولَمْ يُشِرْ إلى أنَّهُ يَسْتَغْرِقُ زَمانَهُ في عِلْمٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: نَأْتِي أرْضَ هَؤُلاءِ بِالفَتْحِ عَلَيْكَ، فَتَنْقُصُها بِما يَدْخُلُ في دِينِكَ مِنَ القَبائِلِ والبِلادِ المُجاوِرَةِ لَهم، فَما يُؤْمِنُهم أنْ يُمَكِّنَهُ مِنهم. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يَتَأتّى إلّا أنْ قُدِّرَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَدِينَةِ. وقِيلَ: (الأرْضَ) اسْمُ جِنْسٍ، والِانْتِقاصُ مِنَ الأطْرافِ بِتَخْرِيبِ العُمْرانِ الَّذِي يُحِلُّهُ اللَّهُ بِالكَفَرَةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ، وعَنْهُما أيْضًا: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ البَشَرِ، وهَلاكِ الثَّمَراتِ، ونَقْصِ البَرَكَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: مَوْتُ أشْرافِها وكُبَرائِها، وذَهابُ الصُّلَحاءِ والأخْيارِ، فَعَلى هَذا الأطْرافُ هُنا الأشْرافُ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الطَّرْفُ والطَّرَفُ: الرَّجُلُ الكَرِيمُ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ذَهابُ فُقَهائِها وخُيّارِ أهْلِها. وعَنْ مُجاهِدٍ: مَوْتُ الفُقَهاءِ والعُلَماءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ: هو نَقْصُ الأنْفُسِ. وقِيلَ: هَلاكُ مَن أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ قُرَيْشٍ، وهَلاكُ أرْضِهِمْ بَعْدَهم. والمُناسِبُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ هو الأوَّلُ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ إلّا ما هو قَرِيبٌ مِنهُ قالَ: ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ أرْضَ الكُفْرِ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِما يُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن بِلادِهِمْ، فَيُنْقِصُ دارَ الحَرْبِ، ويُزِيدُ في دارِ الإسْلامِ، وذَلِكَ مِن آياتِ الغَلَبَةِ والنُّصْرَةِ. ونَحْوُهُ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ [فصلت: ٥٣] والمَعْنى: عَلَيْكَ بِبَلاغِ الَّذِي حَمَلْتَهُ، ولا تَهْتَمَّ بِما وراءَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَهُ، ونُتِمُّ ما وعَدْناكَ مِنَ الظَّفَرِ، ولا يُضْجِرُكَ تَأخُّرُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لِما نَعْلَمُ مِنَ المَصالِحِ الَّتِي لا تَعْلَمُها، ثُمَّ طَيَّبَ نَفْسَهُ ونَفَّسَ عَنْها بِما ذَكَرَ مِن طُلُوعِ تَباشِيرِ الظَّفَرِ. ويَتَّجِهُ قَوْلُ مَن قالَ: النَّقْصُ بِمَوْتِ الأشْرافِ والعُلَماءِ والخُيّارِ، وتَقْرِيرُهُ: أوْلَمَ يَرَوْا أنا نُحْدِثُ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافاتِ خَرابًا بَعْدَ عَمارِهِ، ومَوْتًا بَعْدَ حَياةٍ، ذُلًّا بَعْدَ عِزٍّ، ونَقْصًا بَعْدَ كَمالٍ، وهَذِهِ تَغْيِيراتٌ مُدْرَكَةٌ بِالحِسِّ. فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم أنْ يُقَلِّبَ اللَّهُ الأمْرَ عَلَيْهِمْ ويَصِيرُونَ ذَلِيلِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا قاهِرِينَ. وقَرَأ الضَّحّاكُ: (نُنَقِّصُها) مُثَقَّلًا مِن نَقَّصَ عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ مِن نَقَصَ اللّازِمِ، والمُعَقِّبُ الَّذِي يَكُرُّ عَلى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ، وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعْقِبُهُ؛ أيْ: بِالرَّدِّ والإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِصاحِبِ الحَقِّ: مُعَقِّبٌ؛ لِأنَّهُ يُقَفِّي غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ والطَّلَبِ. قالَ لَبِيَدٌ: ؎طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ المَظْلُومُ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالغَلَبَةِ والإقْبالِ، وعَلى الكُفْرِ بِالإدْبارِ والِانْتِكاسِ. وقِيلَ: تَتَعَقَّبُ أحْكامَهُ؛ أيْ: يَنْظُرُ في أعْقابِها أمُصِيبَةٌ هي أمْ لا، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: نافِذُ حُكْمِهِ. ﴿وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأُمَمَ السّابِقَةَ كانَ يَصْدُرُ مِنهُمُ المَكْرُ بِأنْبِيائِهِمْ كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وأنَّ ذَلِكَ عادَةُ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ، مَكَرَ بِإبْراهِيمَ نَمْرُوذُ، وبِمُوسى فِرْعَوْنُ، وبِعِيسى اليَهُودُ، وجَعَلَ تَعالى مَكْرَهم كَلا مَكْرٍ؛ إذْ أضافَ المَكْرَ كُلَّهُ لَهُ تَعالى. ومَعْنى مَكْرِهِ تَعالى عُقُوبَتُهُ إيّاهم، سَمّاها مَكْرًا إذْ كانَتْ ناشِئَةً عَنِ المَكْرِ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ (p-٤٠١)ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ والمَعْنى: يُجازِي كُلَّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ. ثُمَّ هَدَّدَ الكافِرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ إذْ يَأْتِيهِ العَذابُ مِن حَيْثُ هو في غَفْلَةٍ عَنْهُ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ لِمَن هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: (وسَيُعْلَمُ الكافِرُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أعْلَمَ؛ أيْ: وسَيُخْبَرُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: (الكافِرُ) عَلى الإفْرادِ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، وباقِي السَّبْعَةِ (الكُفّارُ) جَمْعَ تَكْسِيرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: (الكافِرُونَ) جَمْعَ سَلامَةٍ، وأُبَيٌّ: (الَّذِينَ كَفَرُوا)، وفَسَّرَ عَطاءٌ ”الكافِرَ“ بِالمُسْتَهْزِئِينَ وهم خَمْسَةٌ، والمُقْتَسِمِينَ وهم ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالكافِرِ أبا جَهْلٍ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ تَفْسِيرُهُ عَطاءً عَلى التَّمْثِيلِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِعِلْمِ الكافِرِ لِمَن عُقْبى الدّارِ مَعْنًى يَعُمُّ جَمِيعَ الكُفّارِ، ولَمّا قالَ الكُفّارُ: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أيْ: إنَّما أنْتَ مُدَّعٍ ما لَيْسَ لَكَ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَكْتَفِيَ بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَهم، إذْ قَدْ أظْهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِهِ ما في بَعْضِها كِفايَةٌ لِمَن وُفِّقَ، ثُمَّ أرْدَفَ شَهادَةَ اللَّهِ بِشَهادَةِ مَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ. والكِتابُ هُنا: القُرْآنُ، والمَعْنى: إنَّ مَن عَرِفَ ما أُلِّفَ فِيهِ مِنَ المَعانِي الصَّحِيحَةِ والنَّظْمِ المُعْجِزِ الفائِتِ لِقُدَرِ البَشَرِ يَشْهَدُ بِذَلِكَ. وقِيلَ: (الكِتابِ) التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ: مَن أسْلَمَ مِن عُلَمائِهِمْ؛ لِأنَّهم يَشْهَدُونَ نَعْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كُتُبِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وتَمِيمِ الدّارِيِّ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ خاصَّةً. وهَذانِ القَوْلانِ لا يَسْتَقِيمانِ إلّا عَلى أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ والباقِرُ: هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: جِبْرِيلُ، و(الكِتابُ) اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: هو اللَّهُ تَعالى قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ والزَّجّاجُ. وعَنِ الحَسَنِ: لا واللَّهِ ما يَعْنِي إلّا اللَّهُ، والمَعْنى: كَفى بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وبِالَّذِي لا يَعْلَمُ ما في اللَّوْحِ إلّا هو شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُعْتَرَضُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ فِيهِ عَطْفُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وإنَّما تُعْطَفُ الصِّفاتُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، انْتَهى. ولَيْسَ ذَلِكَ كَما زَعَمَ مَن عَطَفَ الصِّفَةَ عَلى المَوْصُوفِ؛ لِأنَّ ”مَن“ لا يُوصَفُ بِها، ولا لِشَيْءٍ مِنَ المَوْصُولاتِ إلّا بِالَّذِي والَّتِي وفُرُوعِهِما، وذِي وذَواتِ الطّائِيَّتَيْنِ. وقَوْلُهُ: وإنَّما تُعْطَفُ الصِّفاتُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، بَلْ لَهُ شَرْطٌ وهو أنْ تَخْتَلِفَ مَدْلُولاتُها. ويَعْنِي ابْنَ عَطِيَّةَ: لا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ والعالِمِ فَتَعْطِفُ العالِمِ عَلى الِاسْمِ وهو عَلَمٌ لَمْ يَلْحَظْ مِنهُ مَعْنى صِفَةٍ، وكَذَلِكَ ”اللَّهُ“ عَلَمٌ. ولَمّا شَعَرَ بِهَذا الِاعْتِراضِ مِن جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى اللَّهِ قَدَّرَ قَوْلَهُ: بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، حَتّى يَكُونَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، لا مِن عَطْفِ الصِّفَةِ (p-٤٠٢)عَلى الِاسْمِ. ومَن في قِراءَةِ الجُمْهُورِ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى لَفْظِ اللَّهِ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ اللَّهِ، إذْ هو في مَذْهَبِ مَن جَعَلَ الباءَ زائِدَةً عَلى فاعِلِ كَفى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أعْدَلُ وأمْضى قَوْلًا، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظَةُ (شَهِيدًا) ويُرادُ بِذَلِكَ اللَّهُ تَعالى. وقُرِئَ: (وبِمَن) بِدُخُولِ الباءِ عَلى (مَن) عَطْفًا عَلى (بِاللَّهِ) . وقَرَأ عَلِيٌّ وأُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ والضَّحّاكُ وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أبِي إسْحاقَ ومُجاهِدٌ والحَكَمُ والأعْمَشُ: ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ: بِجَعْلِ ”مِن“ حَرْفُ جَرٍّ، وجُرَّ ما بَعْدَهُ بِهِ، وارْتِفاعُ ”عِلْمُ“ بِالِابْتِداءِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الجَرِّ. وقَرَأ عَلِيٌّ أيْضًا وابْنُ السَّمَيْقَعِ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ. ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ بِجَعْلِ ”مِن“ حَرْفُ جَرٍّ ﴿عِلْمُ الكِتابِ﴾ بِجَعْلِ ”عُلِمَ“ فِعْلًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و”الكِتابُ“ رُفِعَ بِهِ. وقُرِئَ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ بِحَرْفِ جَرٍّ، ﴿عِلْمُ الكِتابِ﴾ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والضَّمِيرُ في ”عِنْدِهِ“ في هَذِهِ القِراآتِ الثَّلاثِ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في القِراءَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها (عِنْدَهُ) صِلَةً يَرْتَفِعُ العِلْمُ بِالمُقَدَّرِ في الظَّرْفِ فَيَكُونُ فاعِلًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ إذا وقَعَ صِلَةً أوْغَلَ في شَبَهِ الفِعْلِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُولِ، فَعَمِلَ عَلى الفِعْلِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالَّذِي في الدّارِ أخُوهُ، ”فَأخُوهُ“ فاعِلٌ، كَما تَقُولُ: بِالَّذِي اسْتَقَرَّ في الدّارِ أخُوهُ، انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ عَلى وجْهِ التَّحَتُّمِ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ والجارَّ والمَجْرُورَ إذا وقَعا صِلَتَيْنِ أوْ حالَيْنِ أوْ خَبَرَيْنِ، إمّا في الأصْلِ، وإمّا في النّاسِخِ، أوْ تَقَدَّمَهُما أداةُ نَفْيٍ أوِ اسْتِفْهامٍ جازَ فِيما بَعْدَهُما مِنَ الِاسْمِ الظّاهِرِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الفاعِلِ وهو الأجْوَدُ، وجازَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَرْفُوعُ مُبْتَدَأً، والظَّرْفُ أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِهِ، والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ خَبَرٌ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى اسْمِ الفاعِلِ. فَكَما جازَ ذَلِكَ في اسْمِ الفاعِلِ، وإنْ كانَ الأحْسَنُ إعْمالَهُ في الِاسْمِ الظّاهِرِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ في ما نابَ عَنْهُ مِن ظَرْفٍ أوْ مَجْرُورٍ. وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى إجازَةِ ذَلِكَ في نَحْوِ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٌ وجْهُهُ، فَأجازَ ”حَسَنٌ وجْهُهُ“ عَلى رَفْعِ ”حَسَنٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وهَكَذا تَلَقَّفْنا هَذِهِ المَسْألَةَ عَنِ الشُّيُوخِ. وقَدْ يُتَوَهَّمُ بَعْضُ النَّشْأةِ في النَّحْوِ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا اعْتَمَدَ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرْناهُ يَتَحَتَّمُ إعْمالُهُ في الظّاهِرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وقَدْ أعْرَبَ الحَوْفِيُّ ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا في صِلَةِ (مَن) . وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا: يَعْنِي (عِنْدَهُ) والمُبْتَدَأُ: ﴿عِلْمُ الكِتابِ﴾ انْتَهى. ومَن قَرَأ: ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ عَلى أنَّهُ حَرْفُ جَرٍّ فالكِتابُ في قِراءَتِهِ هو القُرْآنُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى مِن جِهَةِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ عَلِمَ الكِتابَ أوْ عُلِمَ الكِتابُ عَلى القِراءَتَيْنِ؛ أيْ: عَلِمْتُ مَعانِيَهُ، وكَوْنُهُ أعْظَمَ المُعْجِزاتِ الباقِي عَلى مَرِّ الأعْصارِ، فَتَشْرِيفُ العَبْدِ بِعُلُومِ القُرْآنِ إنَّما ذَلِكَ مِن إحْسانِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ وتَوْفِيقِهِ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا، وتَوْفِيقِهِ لِإدْراكِ ذَلِكَ.

الرعد 13:42

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ (p-٤٠٠)الضَّمِيرُ في ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ وُعِدُوا، وفي ذَلِكَ اتِّعاظٌ لِمَنِ اتَّعَظَ، نُبِّهُوا عَلى أنْ يَنْظُرُوا بَعْضَ الأرْضِ مِن أطْرافِها. و(نَأْتِي) يَعْنِي بِالأمْرِ والقُدْرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ [النحل: ٢٦] والأرْضُ أرْضُ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ، ويَعْنِي بِنَقْصِها مِن أطْرافِها لِلْمُسْلِمِينَ: مِن جَوانِبِها. كانَ المُسْلِمُونَ يَغْزُونَ مِن حَوالَيْ أرْضِ الكُفّارِ مِمّا يَلِي المَدِينَةَ، ويَغْلِبُونَ عَلى جَوانِبِ أرْضِ مَكَّةَ، والأطْرافُ: الجَوانِبُ. وقِيلَ: الطَّرَفُ مِن كُلِّ شَيْءِ خِيارُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: العُلُومُ أوْدِيَةٌ، في أيِّ وادٍ أخَذْتَ مِنها خَسِرْتَ، فَخُذُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا يَعْنِي: خِيارًا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مَعْنى طَرَفًا جانِبًا وبَعْضًا، كَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّ الإنْسانَ يَكُونُ مُشارِكًا في أطْرافٍ مِنَ العُلُومِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ اسْتِيعابُ جَمِيعِها، ولَمْ يُشِرْ إلى أنَّهُ يَسْتَغْرِقُ زَمانَهُ في عِلْمٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: نَأْتِي أرْضَ هَؤُلاءِ بِالفَتْحِ عَلَيْكَ، فَتَنْقُصُها بِما يَدْخُلُ في دِينِكَ مِنَ القَبائِلِ والبِلادِ المُجاوِرَةِ لَهم، فَما يُؤْمِنُهم أنْ يُمَكِّنَهُ مِنهم. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يَتَأتّى إلّا أنْ قُدِّرَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَدِينَةِ. وقِيلَ: (الأرْضَ) اسْمُ جِنْسٍ، والِانْتِقاصُ مِنَ الأطْرافِ بِتَخْرِيبِ العُمْرانِ الَّذِي يُحِلُّهُ اللَّهُ بِالكَفَرَةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ، وعَنْهُما أيْضًا: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ البَشَرِ، وهَلاكِ الثَّمَراتِ، ونَقْصِ البَرَكَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: مَوْتُ أشْرافِها وكُبَرائِها، وذَهابُ الصُّلَحاءِ والأخْيارِ، فَعَلى هَذا الأطْرافُ هُنا الأشْرافُ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الطَّرْفُ والطَّرَفُ: الرَّجُلُ الكَرِيمُ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ذَهابُ فُقَهائِها وخُيّارِ أهْلِها. وعَنْ مُجاهِدٍ: مَوْتُ الفُقَهاءِ والعُلَماءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ: هو نَقْصُ الأنْفُسِ. وقِيلَ: هَلاكُ مَن أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ قُرَيْشٍ، وهَلاكُ أرْضِهِمْ بَعْدَهم. والمُناسِبُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ هو الأوَّلُ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ إلّا ما هو قَرِيبٌ مِنهُ قالَ: ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ أرْضَ الكُفْرِ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِما يُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن بِلادِهِمْ، فَيُنْقِصُ دارَ الحَرْبِ، ويُزِيدُ في دارِ الإسْلامِ، وذَلِكَ مِن آياتِ الغَلَبَةِ والنُّصْرَةِ. ونَحْوُهُ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ [فصلت: ٥٣] والمَعْنى: عَلَيْكَ بِبَلاغِ الَّذِي حَمَلْتَهُ، ولا تَهْتَمَّ بِما وراءَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَهُ، ونُتِمُّ ما وعَدْناكَ مِنَ الظَّفَرِ، ولا يُضْجِرُكَ تَأخُّرُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لِما نَعْلَمُ مِنَ المَصالِحِ الَّتِي لا تَعْلَمُها، ثُمَّ طَيَّبَ نَفْسَهُ ونَفَّسَ عَنْها بِما ذَكَرَ مِن طُلُوعِ تَباشِيرِ الظَّفَرِ. ويَتَّجِهُ قَوْلُ مَن قالَ: النَّقْصُ بِمَوْتِ الأشْرافِ والعُلَماءِ والخُيّارِ، وتَقْرِيرُهُ: أوْلَمَ يَرَوْا أنا نُحْدِثُ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافاتِ خَرابًا بَعْدَ عَمارِهِ، ومَوْتًا بَعْدَ حَياةٍ، ذُلًّا بَعْدَ عِزٍّ، ونَقْصًا بَعْدَ كَمالٍ، وهَذِهِ تَغْيِيراتٌ مُدْرَكَةٌ بِالحِسِّ. فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم أنْ يُقَلِّبَ اللَّهُ الأمْرَ عَلَيْهِمْ ويَصِيرُونَ ذَلِيلِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا قاهِرِينَ. وقَرَأ الضَّحّاكُ: (نُنَقِّصُها) مُثَقَّلًا مِن نَقَّصَ عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ مِن نَقَصَ اللّازِمِ، والمُعَقِّبُ الَّذِي يَكُرُّ عَلى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ، وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعْقِبُهُ؛ أيْ: بِالرَّدِّ والإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِصاحِبِ الحَقِّ: مُعَقِّبٌ؛ لِأنَّهُ يُقَفِّي غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ والطَّلَبِ. قالَ لَبِيَدٌ: ؎طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ المَظْلُومُ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالغَلَبَةِ والإقْبالِ، وعَلى الكُفْرِ بِالإدْبارِ والِانْتِكاسِ. وقِيلَ: تَتَعَقَّبُ أحْكامَهُ؛ أيْ: يَنْظُرُ في أعْقابِها أمُصِيبَةٌ هي أمْ لا، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: نافِذُ حُكْمِهِ. ﴿وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأُمَمَ السّابِقَةَ كانَ يَصْدُرُ مِنهُمُ المَكْرُ بِأنْبِيائِهِمْ كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وأنَّ ذَلِكَ عادَةُ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ، مَكَرَ بِإبْراهِيمَ نَمْرُوذُ، وبِمُوسى فِرْعَوْنُ، وبِعِيسى اليَهُودُ، وجَعَلَ تَعالى مَكْرَهم كَلا مَكْرٍ؛ إذْ أضافَ المَكْرَ كُلَّهُ لَهُ تَعالى. ومَعْنى مَكْرِهِ تَعالى عُقُوبَتُهُ إيّاهم، سَمّاها مَكْرًا إذْ كانَتْ ناشِئَةً عَنِ المَكْرِ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ (p-٤٠١)ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ والمَعْنى: يُجازِي كُلَّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ. ثُمَّ هَدَّدَ الكافِرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ إذْ يَأْتِيهِ العَذابُ مِن حَيْثُ هو في غَفْلَةٍ عَنْهُ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ لِمَن هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: (وسَيُعْلَمُ الكافِرُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أعْلَمَ؛ أيْ: وسَيُخْبَرُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: (الكافِرُ) عَلى الإفْرادِ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، وباقِي السَّبْعَةِ (الكُفّارُ) جَمْعَ تَكْسِيرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: (الكافِرُونَ) جَمْعَ سَلامَةٍ، وأُبَيٌّ: (الَّذِينَ كَفَرُوا)، وفَسَّرَ عَطاءٌ ”الكافِرَ“ بِالمُسْتَهْزِئِينَ وهم خَمْسَةٌ، والمُقْتَسِمِينَ وهم ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالكافِرِ أبا جَهْلٍ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ تَفْسِيرُهُ عَطاءً عَلى التَّمْثِيلِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِعِلْمِ الكافِرِ لِمَن عُقْبى الدّارِ مَعْنًى يَعُمُّ جَمِيعَ الكُفّارِ، ولَمّا قالَ الكُفّارُ: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أيْ: إنَّما أنْتَ مُدَّعٍ ما لَيْسَ لَكَ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَكْتَفِيَ بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَهم، إذْ قَدْ أظْهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِهِ ما في بَعْضِها كِفايَةٌ لِمَن وُفِّقَ، ثُمَّ أرْدَفَ شَهادَةَ اللَّهِ بِشَهادَةِ مَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ. والكِتابُ هُنا: القُرْآنُ، والمَعْنى: إنَّ مَن عَرِفَ ما أُلِّفَ فِيهِ مِنَ المَعانِي الصَّحِيحَةِ والنَّظْمِ المُعْجِزِ الفائِتِ لِقُدَرِ البَشَرِ يَشْهَدُ بِذَلِكَ. وقِيلَ: (الكِتابِ) التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ: مَن أسْلَمَ مِن عُلَمائِهِمْ؛ لِأنَّهم يَشْهَدُونَ نَعْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كُتُبِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وتَمِيمِ الدّارِيِّ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ خاصَّةً. وهَذانِ القَوْلانِ لا يَسْتَقِيمانِ إلّا عَلى أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ والباقِرُ: هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: جِبْرِيلُ، و(الكِتابُ) اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: هو اللَّهُ تَعالى قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ والزَّجّاجُ. وعَنِ الحَسَنِ: لا واللَّهِ ما يَعْنِي إلّا اللَّهُ، والمَعْنى: كَفى بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وبِالَّذِي لا يَعْلَمُ ما في اللَّوْحِ إلّا هو شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُعْتَرَضُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ فِيهِ عَطْفُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وإنَّما تُعْطَفُ الصِّفاتُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، انْتَهى. ولَيْسَ ذَلِكَ كَما زَعَمَ مَن عَطَفَ الصِّفَةَ عَلى المَوْصُوفِ؛ لِأنَّ ”مَن“ لا يُوصَفُ بِها، ولا لِشَيْءٍ مِنَ المَوْصُولاتِ إلّا بِالَّذِي والَّتِي وفُرُوعِهِما، وذِي وذَواتِ الطّائِيَّتَيْنِ. وقَوْلُهُ: وإنَّما تُعْطَفُ الصِّفاتُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، بَلْ لَهُ شَرْطٌ وهو أنْ تَخْتَلِفَ مَدْلُولاتُها. ويَعْنِي ابْنَ عَطِيَّةَ: لا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ والعالِمِ فَتَعْطِفُ العالِمِ عَلى الِاسْمِ وهو عَلَمٌ لَمْ يَلْحَظْ مِنهُ مَعْنى صِفَةٍ، وكَذَلِكَ ”اللَّهُ“ عَلَمٌ. ولَمّا شَعَرَ بِهَذا الِاعْتِراضِ مِن جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى اللَّهِ قَدَّرَ قَوْلَهُ: بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، حَتّى يَكُونَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، لا مِن عَطْفِ الصِّفَةِ (p-٤٠٢)عَلى الِاسْمِ. ومَن في قِراءَةِ الجُمْهُورِ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى لَفْظِ اللَّهِ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ اللَّهِ، إذْ هو في مَذْهَبِ مَن جَعَلَ الباءَ زائِدَةً عَلى فاعِلِ كَفى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أعْدَلُ وأمْضى قَوْلًا، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظَةُ (شَهِيدًا) ويُرادُ بِذَلِكَ اللَّهُ تَعالى. وقُرِئَ: (وبِمَن) بِدُخُولِ الباءِ عَلى (مَن) عَطْفًا عَلى (بِاللَّهِ) . وقَرَأ عَلِيٌّ وأُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ والضَّحّاكُ وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أبِي إسْحاقَ ومُجاهِدٌ والحَكَمُ والأعْمَشُ: ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ: بِجَعْلِ ”مِن“ حَرْفُ جَرٍّ، وجُرَّ ما بَعْدَهُ بِهِ، وارْتِفاعُ ”عِلْمُ“ بِالِابْتِداءِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الجَرِّ. وقَرَأ عَلِيٌّ أيْضًا وابْنُ السَّمَيْقَعِ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ. ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ بِجَعْلِ ”مِن“ حَرْفُ جَرٍّ ﴿عِلْمُ الكِتابِ﴾ بِجَعْلِ ”عُلِمَ“ فِعْلًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و”الكِتابُ“ رُفِعَ بِهِ. وقُرِئَ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ بِحَرْفِ جَرٍّ، ﴿عِلْمُ الكِتابِ﴾ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والضَّمِيرُ في ”عِنْدِهِ“ في هَذِهِ القِراآتِ الثَّلاثِ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في القِراءَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها (عِنْدَهُ) صِلَةً يَرْتَفِعُ العِلْمُ بِالمُقَدَّرِ في الظَّرْفِ فَيَكُونُ فاعِلًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ إذا وقَعَ صِلَةً أوْغَلَ في شَبَهِ الفِعْلِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُولِ، فَعَمِلَ عَلى الفِعْلِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالَّذِي في الدّارِ أخُوهُ، ”فَأخُوهُ“ فاعِلٌ، كَما تَقُولُ: بِالَّذِي اسْتَقَرَّ في الدّارِ أخُوهُ، انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ عَلى وجْهِ التَّحَتُّمِ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ والجارَّ والمَجْرُورَ إذا وقَعا صِلَتَيْنِ أوْ حالَيْنِ أوْ خَبَرَيْنِ، إمّا في الأصْلِ، وإمّا في النّاسِخِ، أوْ تَقَدَّمَهُما أداةُ نَفْيٍ أوِ اسْتِفْهامٍ جازَ فِيما بَعْدَهُما مِنَ الِاسْمِ الظّاهِرِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الفاعِلِ وهو الأجْوَدُ، وجازَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَرْفُوعُ مُبْتَدَأً، والظَّرْفُ أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِهِ، والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ خَبَرٌ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى اسْمِ الفاعِلِ. فَكَما جازَ ذَلِكَ في اسْمِ الفاعِلِ، وإنْ كانَ الأحْسَنُ إعْمالَهُ في الِاسْمِ الظّاهِرِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ في ما نابَ عَنْهُ مِن ظَرْفٍ أوْ مَجْرُورٍ. وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى إجازَةِ ذَلِكَ في نَحْوِ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٌ وجْهُهُ، فَأجازَ ”حَسَنٌ وجْهُهُ“ عَلى رَفْعِ ”حَسَنٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وهَكَذا تَلَقَّفْنا هَذِهِ المَسْألَةَ عَنِ الشُّيُوخِ. وقَدْ يُتَوَهَّمُ بَعْضُ النَّشْأةِ في النَّحْوِ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا اعْتَمَدَ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرْناهُ يَتَحَتَّمُ إعْمالُهُ في الظّاهِرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وقَدْ أعْرَبَ الحَوْفِيُّ ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا في صِلَةِ (مَن) . وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا: يَعْنِي (عِنْدَهُ) والمُبْتَدَأُ: ﴿عِلْمُ الكِتابِ﴾ انْتَهى. ومَن قَرَأ: ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ عَلى أنَّهُ حَرْفُ جَرٍّ فالكِتابُ في قِراءَتِهِ هو القُرْآنُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى مِن جِهَةِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ عَلِمَ الكِتابَ أوْ عُلِمَ الكِتابُ عَلى القِراءَتَيْنِ؛ أيْ: عَلِمْتُ مَعانِيَهُ، وكَوْنُهُ أعْظَمَ المُعْجِزاتِ الباقِي عَلى مَرِّ الأعْصارِ، فَتَشْرِيفُ العَبْدِ بِعُلُومِ القُرْآنِ إنَّما ذَلِكَ مِن إحْسانِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ وتَوْفِيقِهِ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا، وتَوْفِيقِهِ لِإدْراكِ ذَلِكَ.

الرعد 13:43

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ (p-٤٠٠)الضَّمِيرُ في ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ وُعِدُوا، وفي ذَلِكَ اتِّعاظٌ لِمَنِ اتَّعَظَ، نُبِّهُوا عَلى أنْ يَنْظُرُوا بَعْضَ الأرْضِ مِن أطْرافِها. و(نَأْتِي) يَعْنِي بِالأمْرِ والقُدْرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ [النحل: ٢٦] والأرْضُ أرْضُ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ، ويَعْنِي بِنَقْصِها مِن أطْرافِها لِلْمُسْلِمِينَ: مِن جَوانِبِها. كانَ المُسْلِمُونَ يَغْزُونَ مِن حَوالَيْ أرْضِ الكُفّارِ مِمّا يَلِي المَدِينَةَ، ويَغْلِبُونَ عَلى جَوانِبِ أرْضِ مَكَّةَ، والأطْرافُ: الجَوانِبُ. وقِيلَ: الطَّرَفُ مِن كُلِّ شَيْءِ خِيارُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: العُلُومُ أوْدِيَةٌ، في أيِّ وادٍ أخَذْتَ مِنها خَسِرْتَ، فَخُذُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا يَعْنِي: خِيارًا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مَعْنى طَرَفًا جانِبًا وبَعْضًا، كَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّ الإنْسانَ يَكُونُ مُشارِكًا في أطْرافٍ مِنَ العُلُومِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ اسْتِيعابُ جَمِيعِها، ولَمْ يُشِرْ إلى أنَّهُ يَسْتَغْرِقُ زَمانَهُ في عِلْمٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: نَأْتِي أرْضَ هَؤُلاءِ بِالفَتْحِ عَلَيْكَ، فَتَنْقُصُها بِما يَدْخُلُ في دِينِكَ مِنَ القَبائِلِ والبِلادِ المُجاوِرَةِ لَهم، فَما يُؤْمِنُهم أنْ يُمَكِّنَهُ مِنهم. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يَتَأتّى إلّا أنْ قُدِّرَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَدِينَةِ. وقِيلَ: (الأرْضَ) اسْمُ جِنْسٍ، والِانْتِقاصُ مِنَ الأطْرافِ بِتَخْرِيبِ العُمْرانِ الَّذِي يُحِلُّهُ اللَّهُ بِالكَفَرَةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ، وعَنْهُما أيْضًا: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ البَشَرِ، وهَلاكِ الثَّمَراتِ، ونَقْصِ البَرَكَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: مَوْتُ أشْرافِها وكُبَرائِها، وذَهابُ الصُّلَحاءِ والأخْيارِ، فَعَلى هَذا الأطْرافُ هُنا الأشْرافُ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الطَّرْفُ والطَّرَفُ: الرَّجُلُ الكَرِيمُ. وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: ذَهابُ فُقَهائِها وخُيّارِ أهْلِها. وعَنْ مُجاهِدٍ: مَوْتُ الفُقَهاءِ والعُلَماءِ. وقالَ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ: هو نَقْصُ الأنْفُسِ. وقِيلَ: هَلاكُ مَن أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ قُرَيْشٍ، وهَلاكُ أرْضِهِمْ بَعْدَهم. والمُناسِبُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ هو الأوَّلُ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ إلّا ما هو قَرِيبٌ مِنهُ قالَ: ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ أرْضَ الكُفْرِ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِما يُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن بِلادِهِمْ، فَيُنْقِصُ دارَ الحَرْبِ، ويُزِيدُ في دارِ الإسْلامِ، وذَلِكَ مِن آياتِ الغَلَبَةِ والنُّصْرَةِ. ونَحْوُهُ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ [فصلت: ٥٣] والمَعْنى: عَلَيْكَ بِبَلاغِ الَّذِي حَمَلْتَهُ، ولا تَهْتَمَّ بِما وراءَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَهُ، ونُتِمُّ ما وعَدْناكَ مِنَ الظَّفَرِ، ولا يُضْجِرُكَ تَأخُّرُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لِما نَعْلَمُ مِنَ المَصالِحِ الَّتِي لا تَعْلَمُها، ثُمَّ طَيَّبَ نَفْسَهُ ونَفَّسَ عَنْها بِما ذَكَرَ مِن طُلُوعِ تَباشِيرِ الظَّفَرِ. ويَتَّجِهُ قَوْلُ مَن قالَ: النَّقْصُ بِمَوْتِ الأشْرافِ والعُلَماءِ والخُيّارِ، وتَقْرِيرُهُ: أوْلَمَ يَرَوْا أنا نُحْدِثُ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافاتِ خَرابًا بَعْدَ عَمارِهِ، ومَوْتًا بَعْدَ حَياةٍ، ذُلًّا بَعْدَ عِزٍّ، ونَقْصًا بَعْدَ كَمالٍ، وهَذِهِ تَغْيِيراتٌ مُدْرَكَةٌ بِالحِسِّ. فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم أنْ يُقَلِّبَ اللَّهُ الأمْرَ عَلَيْهِمْ ويَصِيرُونَ ذَلِيلِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا قاهِرِينَ. وقَرَأ الضَّحّاكُ: (نُنَقِّصُها) مُثَقَّلًا مِن نَقَّصَ عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ مِن نَقَصَ اللّازِمِ، والمُعَقِّبُ الَّذِي يَكُرُّ عَلى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ، وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعْقِبُهُ؛ أيْ: بِالرَّدِّ والإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِصاحِبِ الحَقِّ: مُعَقِّبٌ؛ لِأنَّهُ يُقَفِّي غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ والطَّلَبِ. قالَ لَبِيَدٌ: ؎طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ المَظْلُومُ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالغَلَبَةِ والإقْبالِ، وعَلى الكُفْرِ بِالإدْبارِ والِانْتِكاسِ. وقِيلَ: تَتَعَقَّبُ أحْكامَهُ؛ أيْ: يَنْظُرُ في أعْقابِها أمُصِيبَةٌ هي أمْ لا، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: نافِذُ حُكْمِهِ. ﴿وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأُمَمَ السّابِقَةَ كانَ يَصْدُرُ مِنهُمُ المَكْرُ بِأنْبِيائِهِمْ كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وأنَّ ذَلِكَ عادَةُ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ، مَكَرَ بِإبْراهِيمَ نَمْرُوذُ، وبِمُوسى فِرْعَوْنُ، وبِعِيسى اليَهُودُ، وجَعَلَ تَعالى مَكْرَهم كَلا مَكْرٍ؛ إذْ أضافَ المَكْرَ كُلَّهُ لَهُ تَعالى. ومَعْنى مَكْرِهِ تَعالى عُقُوبَتُهُ إيّاهم، سَمّاها مَكْرًا إذْ كانَتْ ناشِئَةً عَنِ المَكْرِ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ (p-٤٠١)ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ والمَعْنى: يُجازِي كُلَّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ. ثُمَّ هَدَّدَ الكافِرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ إذْ يَأْتِيهِ العَذابُ مِن حَيْثُ هو في غَفْلَةٍ عَنْهُ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ لِمَن هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: (وسَيُعْلَمُ الكافِرُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أعْلَمَ؛ أيْ: وسَيُخْبَرُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: (الكافِرُ) عَلى الإفْرادِ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، وباقِي السَّبْعَةِ (الكُفّارُ) جَمْعَ تَكْسِيرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: (الكافِرُونَ) جَمْعَ سَلامَةٍ، وأُبَيٌّ: (الَّذِينَ كَفَرُوا)، وفَسَّرَ عَطاءٌ ”الكافِرَ“ بِالمُسْتَهْزِئِينَ وهم خَمْسَةٌ، والمُقْتَسِمِينَ وهم ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالكافِرِ أبا جَهْلٍ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ تَفْسِيرُهُ عَطاءً عَلى التَّمْثِيلِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِعِلْمِ الكافِرِ لِمَن عُقْبى الدّارِ مَعْنًى يَعُمُّ جَمِيعَ الكُفّارِ، ولَمّا قالَ الكُفّارُ: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أيْ: إنَّما أنْتَ مُدَّعٍ ما لَيْسَ لَكَ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَكْتَفِيَ بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَهم، إذْ قَدْ أظْهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِهِ ما في بَعْضِها كِفايَةٌ لِمَن وُفِّقَ، ثُمَّ أرْدَفَ شَهادَةَ اللَّهِ بِشَهادَةِ مَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ. والكِتابُ هُنا: القُرْآنُ، والمَعْنى: إنَّ مَن عَرِفَ ما أُلِّفَ فِيهِ مِنَ المَعانِي الصَّحِيحَةِ والنَّظْمِ المُعْجِزِ الفائِتِ لِقُدَرِ البَشَرِ يَشْهَدُ بِذَلِكَ. وقِيلَ: (الكِتابِ) التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ: مَن أسْلَمَ مِن عُلَمائِهِمْ؛ لِأنَّهم يَشْهَدُونَ نَعْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كُتُبِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وتَمِيمِ الدّارِيِّ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ خاصَّةً. وهَذانِ القَوْلانِ لا يَسْتَقِيمانِ إلّا عَلى أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ والباقِرُ: هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: جِبْرِيلُ، و(الكِتابُ) اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: هو اللَّهُ تَعالى قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ والزَّجّاجُ. وعَنِ الحَسَنِ: لا واللَّهِ ما يَعْنِي إلّا اللَّهُ، والمَعْنى: كَفى بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وبِالَّذِي لا يَعْلَمُ ما في اللَّوْحِ إلّا هو شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُعْتَرَضُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ فِيهِ عَطْفُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وإنَّما تُعْطَفُ الصِّفاتُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، انْتَهى. ولَيْسَ ذَلِكَ كَما زَعَمَ مَن عَطَفَ الصِّفَةَ عَلى المَوْصُوفِ؛ لِأنَّ ”مَن“ لا يُوصَفُ بِها، ولا لِشَيْءٍ مِنَ المَوْصُولاتِ إلّا بِالَّذِي والَّتِي وفُرُوعِهِما، وذِي وذَواتِ الطّائِيَّتَيْنِ. وقَوْلُهُ: وإنَّما تُعْطَفُ الصِّفاتُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، بَلْ لَهُ شَرْطٌ وهو أنْ تَخْتَلِفَ مَدْلُولاتُها. ويَعْنِي ابْنَ عَطِيَّةَ: لا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ والعالِمِ فَتَعْطِفُ العالِمِ عَلى الِاسْمِ وهو عَلَمٌ لَمْ يَلْحَظْ مِنهُ مَعْنى صِفَةٍ، وكَذَلِكَ ”اللَّهُ“ عَلَمٌ. ولَمّا شَعَرَ بِهَذا الِاعْتِراضِ مِن جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى اللَّهِ قَدَّرَ قَوْلَهُ: بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، حَتّى يَكُونَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، لا مِن عَطْفِ الصِّفَةِ (p-٤٠٢)عَلى الِاسْمِ. ومَن في قِراءَةِ الجُمْهُورِ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى لَفْظِ اللَّهِ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ اللَّهِ، إذْ هو في مَذْهَبِ مَن جَعَلَ الباءَ زائِدَةً عَلى فاعِلِ كَفى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أعْدَلُ وأمْضى قَوْلًا، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظَةُ (شَهِيدًا) ويُرادُ بِذَلِكَ اللَّهُ تَعالى. وقُرِئَ: (وبِمَن) بِدُخُولِ الباءِ عَلى (مَن) عَطْفًا عَلى (بِاللَّهِ) . وقَرَأ عَلِيٌّ وأُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ والضَّحّاكُ وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أبِي إسْحاقَ ومُجاهِدٌ والحَكَمُ والأعْمَشُ: ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ: بِجَعْلِ ”مِن“ حَرْفُ جَرٍّ، وجُرَّ ما بَعْدَهُ بِهِ، وارْتِفاعُ ”عِلْمُ“ بِالِابْتِداءِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الجَرِّ. وقَرَأ عَلِيٌّ أيْضًا وابْنُ السَّمَيْقَعِ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ. ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ بِجَعْلِ ”مِن“ حَرْفُ جَرٍّ ﴿عِلْمُ الكِتابِ﴾ بِجَعْلِ ”عُلِمَ“ فِعْلًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و”الكِتابُ“ رُفِعَ بِهِ. وقُرِئَ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ بِحَرْفِ جَرٍّ، ﴿عِلْمُ الكِتابِ﴾ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والضَّمِيرُ في ”عِنْدِهِ“ في هَذِهِ القِراآتِ الثَّلاثِ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في القِراءَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها (عِنْدَهُ) صِلَةً يَرْتَفِعُ العِلْمُ بِالمُقَدَّرِ في الظَّرْفِ فَيَكُونُ فاعِلًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ إذا وقَعَ صِلَةً أوْغَلَ في شَبَهِ الفِعْلِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُولِ، فَعَمِلَ عَلى الفِعْلِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالَّذِي في الدّارِ أخُوهُ، ”فَأخُوهُ“ فاعِلٌ، كَما تَقُولُ: بِالَّذِي اسْتَقَرَّ في الدّارِ أخُوهُ، انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ عَلى وجْهِ التَّحَتُّمِ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ والجارَّ والمَجْرُورَ إذا وقَعا صِلَتَيْنِ أوْ حالَيْنِ أوْ خَبَرَيْنِ، إمّا في الأصْلِ، وإمّا في النّاسِخِ، أوْ تَقَدَّمَهُما أداةُ نَفْيٍ أوِ اسْتِفْهامٍ جازَ فِيما بَعْدَهُما مِنَ الِاسْمِ الظّاهِرِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الفاعِلِ وهو الأجْوَدُ، وجازَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَرْفُوعُ مُبْتَدَأً، والظَّرْفُ أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِهِ، والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ خَبَرٌ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى اسْمِ الفاعِلِ. فَكَما جازَ ذَلِكَ في اسْمِ الفاعِلِ، وإنْ كانَ الأحْسَنُ إعْمالَهُ في الِاسْمِ الظّاهِرِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ في ما نابَ عَنْهُ مِن ظَرْفٍ أوْ مَجْرُورٍ. وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى إجازَةِ ذَلِكَ في نَحْوِ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٌ وجْهُهُ، فَأجازَ ”حَسَنٌ وجْهُهُ“ عَلى رَفْعِ ”حَسَنٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وهَكَذا تَلَقَّفْنا هَذِهِ المَسْألَةَ عَنِ الشُّيُوخِ. وقَدْ يُتَوَهَّمُ بَعْضُ النَّشْأةِ في النَّحْوِ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا اعْتَمَدَ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذَكَرْناهُ يَتَحَتَّمُ إعْمالُهُ في الظّاهِرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وقَدْ أعْرَبَ الحَوْفِيُّ ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا في صِلَةِ (مَن) . وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا: يَعْنِي (عِنْدَهُ) والمُبْتَدَأُ: ﴿عِلْمُ الكِتابِ﴾ انْتَهى. ومَن قَرَأ: ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ عَلى أنَّهُ حَرْفُ جَرٍّ فالكِتابُ في قِراءَتِهِ هو القُرْآنُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى مِن جِهَةِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ عَلِمَ الكِتابَ أوْ عُلِمَ الكِتابُ عَلى القِراءَتَيْنِ؛ أيْ: عَلِمْتُ مَعانِيَهُ، وكَوْنُهُ أعْظَمَ المُعْجِزاتِ الباقِي عَلى مَرِّ الأعْصارِ، فَتَشْرِيفُ العَبْدِ بِعُلُومِ القُرْآنِ إنَّما ذَلِكَ مِن إحْسانِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ وتَوْفِيقِهِ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا، وتَوْفِيقِهِ لِإدْراكِ ذَلِكَ.

إبراهيم 14:1

(سُورَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (p-٤٠٣)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] وارْتِباطُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالسُّورَةِ قَبْلَها واضِحٌ جِدًّا، لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيها ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١]، ثُمَّ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]، ثُمَّ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] فَناسَبَ هَذا قَوْلَهُ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ . وأيْضًا فَإنَّهم لَمّا قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] وقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] أنْزَلَ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْلَمَ يَكْفِهِمْ مِنَ الآياتِ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ - هي الضَّلالُ - إلى النُّورِ - وهو الهُدى - . وجَوَّزُوا في إعْرابِ ”الر“ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و(كِتابٌ): الخَبَرُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الر، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمْ أوِ اقْرَأْ ﴿الر﴾ . و﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ في هَذَيْنِ الإعْرابَيْنِ، و(كِتابٌ) مُبْتَدَأٌ. وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا في التَّقْدِيرِ؛ أيْ: كِتابٌ عَظِيمٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (كِتابٌ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا كِتابٌ، و(أنْزَلْناهُ) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وفي قَوْلِهِ: (أنْزَلْناهُ) وإسْنادِ الإنْزالِ إلى نُونِ العَظَمَةِ ومُخاطَبَتِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: (إلَيْكَ)، وإسْنادِ الإخْراجِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْوِيهٌ عَظِيمٌ وتَشْرِيفٌ لَهُ مِن حَيْثُ المُشارَكَةُ في تَحْصِيلِ الهِدايَةِ بِإنْزالِهِ تَعالى، وبِإخْراجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ إذْ هو الدّاعِي والمُنْذِرُ، وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ مُخْتَرِعُ الهِدايَةِ هو اللَّهُ تَعالى. و(النّاسَ) عامٌّ؛ إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، والظُّلُماتُ والنُّورُ: مُسْتَعارانِ لِلْكُفْرِ والإيمانِ. ولَمّا ذَكَرَ عِلَّةَ إنْزالِ الكِتابِ وهي قَوْلُهُ: (لِتُخْرِجَ) قالَ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ؛ أيْ: ذَلِكَ الإخْراجُ بِتَسْهِيلِ مالِكِهِمُ النّاظِرِ في مَصالِحِهِمْ؛ إذْ هم عَبِيدُهُ، فَناسَبَ ذِكْرَ الرَّبِّ هُنا تَنْبِيهًا عَلى مِنَّةِ المالِكِ، وكَوْنُهُ ناظِرًا في حالِ عَبِيدِهِ، و(بِإذْنِ): ظاهِرُهُ التَّعَلُّقُ بِقَوْلِهِ: (لِتُخْرِجَ) . وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ: أيْ مَأْذُونًا لَكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ، مُسْتَعارٌ مِنَ الإذْنِ الَّذِي هو تَسْهِيلُ الحِجابِ، وذَلِكَ ما يَمْنَحُهم مِنَ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ، انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (إلى صِراطِ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (إلى النُّورِ)، ولا يَضُرُّ هَذا الفَصْلُ بَيْنَ المُبَدَلِ مِنهُ والبَدَلِ؛ لِأنَّ (بِإذْنِ) مَعْمُولٌ لِلْعامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ وهو (لِتُخْرِجَ) . وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ”إلى صِراطِ“ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلى أيِّ نُورٍ ؟ فَقِيلَ: إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ. وقُرِئَ: (لِيَخْرُجَ) مُضارِعُ خَرَجَ بِالياءِ بِنُقْطَتَيْنِ مِن تَحْتِها، و(النّاسُ) رُفِعَ بِهِ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: (إلى النُّورِ) فِيهِ إبْهامٌ ما أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: (إلى صِراطِ) . ولَمّا تَقَدَّمَ شَيْئانِ؛ أحَدُهُما: إسْنادُ إنْزالِ هَذا الكِتابِ إلَيْهِ. والثّانِي: إخْراجُ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ، ناسَبَ ذِكْرُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ صِفَةَ العِزَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْقُدْرَةِ والغَلَبَةِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنْزالُ الكِتابِ، وصِفَةُ الحَمْدِ المُتَضَمِّنَةُ اسْتِحْقاقِهِ الحَمْدَ مِن حَيْثُ الإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، إذِ الهِدايَةُ إلى الإيمانِ هي النِّعْمَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلى العَبْدِ الحَمْدُ عَلَيْها والشُّكْرُ. وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (العَزِيزِ) لِتَقَدُّمِ ما دَلَّ عَلَيْها، وتَلِيها صِفَةُ (الحَمِيدِ) لِتُلُوِّ ما دَلَّ عَلَيْها. وقَرَأ نافِعٌ (p-٤٠٤)وابْنُ عامِرٍ ”اللَّهُ“ بِالرَّفْعِ فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: هو اللَّهُ. وهَذا الإعْرابُ أمْكَنَ لِظُهُورِ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ، وتَفَلُّتِهِ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: ”اللَّهِ“ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والحَوْفِيِّ وأبِي البَقاءِ، وعَلى عَطْفِ البَيانِ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: لِأنَّهُ جَرى مَجْرى الأسْماءِ الأعْلامِ لِغَلَبَتِهِ واخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ، كَما غَلَبَ النَّجْمُ عَلى الثُّرَيّا، انْتَهى. وهَذا التَّعْلِيلُ لا يَتِمُّ إلّا عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الإلَهَ، ثُمَّ نُقِلَتِ الحَرَكَةُ إلى لامِ التَّعْرِيفِ وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، والتَزَمَ فِيهِ النَّقْلَ والحَذْفَ، ومادَّتُهُ إذْ ذاكَ الهُمَزَةُ واللّامُ والهاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في هَذا اللَّفْظِ في البَسْمَلَةِ أوَّلَ الحَمْدِ. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: لا تُقَدَّمُ صِفَةٌ عَلى مَوْصُوفٍ إلّا حَيْثُ سُمِعَ وذَلِكَ قَلِيلٌ، ولِلْعَرَبِ فِيما وُجِدَ مِن ذَلِكَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنْ تُقَدَّمَ الصِّفَةُ وتَبْقِيَتُها عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ، وفي إعْرابِ مِثْلِ هَذا وجْهانِ؛ أحَدُهُما: إعْرابُهُ نَعْتًا مُقَدَّمًا، والثّانِي: أنْ يَجْعَلَ ما بَعْدَ الصِّفَةِ بَدَلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تُضِيفَ الصِّفَةَ إلى المَوْصُوفِ إذا قَدِمَتْها، انْتَهى. فَعَلى هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (العَزِيزِ الحَمِيدِ) يُعْرَبانِ صِفَتَيْنِ مُتَقَدِّمَتَيْنِ، ويُعْرَبُ لَفْظُ (اللَّهِ) مَوْصُوفًا مُتَأخِّرًا. ومِمّا جاءَ فِيهِ تَقْدِيمُ ما لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وتَأْخِيرُ ما لَوْ تَقَدَّمَ لَكانَ مَوْصُوفًا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎والمُؤْمِنِ العائِذاتِ الطَّيْرَ يَمْسَحُها رُكْبانُ مَكَّةَ بَيْنَ الغَيْلِ والسَّعَدِ فَلَوْ جاءَ عَلى الكَثِيرِ لَكانَ التَّرْكِيبُ: والمُؤْمِنِ الطَّيْرَ العائِذاتِ. وارْتَفَعَ (ويْلٌ) عَلى الِابْتِداءِ، ولِلْكافِرِينَ خَبَرُهُ. لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (الظُّلُماتِ) دَعا بِالهَلَكَةِ عَلى مَن لَمْ يَخْرُجْ مِنها، و(مِن عَذابٍ شَدِيدٍ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (ويْلٌ) . ولا يَضُرُّ الفَصْلُ والخَبَرُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (ويْلٌ) لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ بِالخَبَرِ. ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لَيْسَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. قالَ: (فَإنْ قُلْتَ) ما وجْهُ اتِّصالِ قَوْلِهِ: (مِن عَذابٍ شَدِيدٍ) بِالوَيْلِ ؟ (قُلْتُ) لِأنَّ المَعْنى أنَّهم يُوَلُّونَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ ويَضِجُّونَ مِنهُ، ويَقُولُونَ يا ويْلاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] انْتَهى. وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ عامِلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ويُحْتَمَلُ هَذا العَذابُ أنْ يَكُونَ واقِعًا بِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ واقِعًا بِهِمْ في الآخِرَةِ. والِاسْتِحْبابُ الإيثارُ والِاخْتِيارُ، وهو اسْتِفْعالٌ مِنَ المَحَبَّةِ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ لِلشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ كَأنَّهُ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ يَكُونُ أحَبَّ إلَيْها وأفْضَلَ عِنْدَها مِنَ الآخَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ كاسْتَجابَ وأجابَ، ولَمّا ضَمِنَ مَعْنى الإيثارِ عُدِّيَ بِـ (عَلى) . وجَوَّزُوا في إعْرابِ (الَّذِينَ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الذَّمِّ، إمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، وإمّا مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ أذُمُّ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْكافِرِينَ. ونَصَّ عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُما وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ سَواءٌ كانَ ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (ويْلٌ)، أمْ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَضِجُّونَ ويُوَلْوِلُونَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ. ونَظِيرُهُ إذا كانَ صِفَةً أنْ تَقُولَ: الدّارُ لِزَيْدٍ الحَسَنَةُ القُرَشِيِّ، فَهَذا التَّرْكِيبُ لا يَجُوزُ، لِأنَّكَ فَصَلْتَ بَيْنَ زَيْدٍ وصِفَتِهِ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُما وهو صِفَةُ الدّارِ، والتَّرْكِيبُ الفَصِيحُ أنْ تَقُولَ: الدّارُ الحَسَنَةُ لِزَيْدٍ القُرَشِيِّ، أوِ الدّارُ لِزَيْدٍ القُرَشِيِّ الحَسَنَةُ، وقَرَأ الحَسَنُ: (ويُصِدُّونَ) مُضارِعُ أصَدَّ الدّاخِلِ عَلَيْهِ هَمْزَةُ النَّقْلِ مِن صَدَّ - اللّازِمِ - صُدُودًا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ في آلِ عِمْرانَ، وعَلى وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ.

إبراهيم 14:2

(سُورَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (p-٤٠٣)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] وارْتِباطُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالسُّورَةِ قَبْلَها واضِحٌ جِدًّا، لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيها ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١]، ثُمَّ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]، ثُمَّ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] فَناسَبَ هَذا قَوْلَهُ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ . وأيْضًا فَإنَّهم لَمّا قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] وقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] أنْزَلَ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْلَمَ يَكْفِهِمْ مِنَ الآياتِ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ - هي الضَّلالُ - إلى النُّورِ - وهو الهُدى - . وجَوَّزُوا في إعْرابِ ”الر“ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و(كِتابٌ): الخَبَرُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الر، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمْ أوِ اقْرَأْ ﴿الر﴾ . و﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ في هَذَيْنِ الإعْرابَيْنِ، و(كِتابٌ) مُبْتَدَأٌ. وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا في التَّقْدِيرِ؛ أيْ: كِتابٌ عَظِيمٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (كِتابٌ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا كِتابٌ، و(أنْزَلْناهُ) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وفي قَوْلِهِ: (أنْزَلْناهُ) وإسْنادِ الإنْزالِ إلى نُونِ العَظَمَةِ ومُخاطَبَتِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: (إلَيْكَ)، وإسْنادِ الإخْراجِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْوِيهٌ عَظِيمٌ وتَشْرِيفٌ لَهُ مِن حَيْثُ المُشارَكَةُ في تَحْصِيلِ الهِدايَةِ بِإنْزالِهِ تَعالى، وبِإخْراجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ إذْ هو الدّاعِي والمُنْذِرُ، وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ مُخْتَرِعُ الهِدايَةِ هو اللَّهُ تَعالى. و(النّاسَ) عامٌّ؛ إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، والظُّلُماتُ والنُّورُ: مُسْتَعارانِ لِلْكُفْرِ والإيمانِ. ولَمّا ذَكَرَ عِلَّةَ إنْزالِ الكِتابِ وهي قَوْلُهُ: (لِتُخْرِجَ) قالَ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ؛ أيْ: ذَلِكَ الإخْراجُ بِتَسْهِيلِ مالِكِهِمُ النّاظِرِ في مَصالِحِهِمْ؛ إذْ هم عَبِيدُهُ، فَناسَبَ ذِكْرَ الرَّبِّ هُنا تَنْبِيهًا عَلى مِنَّةِ المالِكِ، وكَوْنُهُ ناظِرًا في حالِ عَبِيدِهِ، و(بِإذْنِ): ظاهِرُهُ التَّعَلُّقُ بِقَوْلِهِ: (لِتُخْرِجَ) . وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ: أيْ مَأْذُونًا لَكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ، مُسْتَعارٌ مِنَ الإذْنِ الَّذِي هو تَسْهِيلُ الحِجابِ، وذَلِكَ ما يَمْنَحُهم مِنَ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ، انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (إلى صِراطِ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (إلى النُّورِ)، ولا يَضُرُّ هَذا الفَصْلُ بَيْنَ المُبَدَلِ مِنهُ والبَدَلِ؛ لِأنَّ (بِإذْنِ) مَعْمُولٌ لِلْعامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ وهو (لِتُخْرِجَ) . وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ”إلى صِراطِ“ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلى أيِّ نُورٍ ؟ فَقِيلَ: إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ. وقُرِئَ: (لِيَخْرُجَ) مُضارِعُ خَرَجَ بِالياءِ بِنُقْطَتَيْنِ مِن تَحْتِها، و(النّاسُ) رُفِعَ بِهِ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: (إلى النُّورِ) فِيهِ إبْهامٌ ما أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: (إلى صِراطِ) . ولَمّا تَقَدَّمَ شَيْئانِ؛ أحَدُهُما: إسْنادُ إنْزالِ هَذا الكِتابِ إلَيْهِ. والثّانِي: إخْراجُ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ، ناسَبَ ذِكْرُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ صِفَةَ العِزَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْقُدْرَةِ والغَلَبَةِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنْزالُ الكِتابِ، وصِفَةُ الحَمْدِ المُتَضَمِّنَةُ اسْتِحْقاقِهِ الحَمْدَ مِن حَيْثُ الإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، إذِ الهِدايَةُ إلى الإيمانِ هي النِّعْمَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلى العَبْدِ الحَمْدُ عَلَيْها والشُّكْرُ. وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (العَزِيزِ) لِتَقَدُّمِ ما دَلَّ عَلَيْها، وتَلِيها صِفَةُ (الحَمِيدِ) لِتُلُوِّ ما دَلَّ عَلَيْها. وقَرَأ نافِعٌ (p-٤٠٤)وابْنُ عامِرٍ ”اللَّهُ“ بِالرَّفْعِ فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: هو اللَّهُ. وهَذا الإعْرابُ أمْكَنَ لِظُهُورِ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ، وتَفَلُّتِهِ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: ”اللَّهِ“ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والحَوْفِيِّ وأبِي البَقاءِ، وعَلى عَطْفِ البَيانِ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: لِأنَّهُ جَرى مَجْرى الأسْماءِ الأعْلامِ لِغَلَبَتِهِ واخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ، كَما غَلَبَ النَّجْمُ عَلى الثُّرَيّا، انْتَهى. وهَذا التَّعْلِيلُ لا يَتِمُّ إلّا عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الإلَهَ، ثُمَّ نُقِلَتِ الحَرَكَةُ إلى لامِ التَّعْرِيفِ وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، والتَزَمَ فِيهِ النَّقْلَ والحَذْفَ، ومادَّتُهُ إذْ ذاكَ الهُمَزَةُ واللّامُ والهاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في هَذا اللَّفْظِ في البَسْمَلَةِ أوَّلَ الحَمْدِ. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: لا تُقَدَّمُ صِفَةٌ عَلى مَوْصُوفٍ إلّا حَيْثُ سُمِعَ وذَلِكَ قَلِيلٌ، ولِلْعَرَبِ فِيما وُجِدَ مِن ذَلِكَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنْ تُقَدَّمَ الصِّفَةُ وتَبْقِيَتُها عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ، وفي إعْرابِ مِثْلِ هَذا وجْهانِ؛ أحَدُهُما: إعْرابُهُ نَعْتًا مُقَدَّمًا، والثّانِي: أنْ يَجْعَلَ ما بَعْدَ الصِّفَةِ بَدَلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تُضِيفَ الصِّفَةَ إلى المَوْصُوفِ إذا قَدِمَتْها، انْتَهى. فَعَلى هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (العَزِيزِ الحَمِيدِ) يُعْرَبانِ صِفَتَيْنِ مُتَقَدِّمَتَيْنِ، ويُعْرَبُ لَفْظُ (اللَّهِ) مَوْصُوفًا مُتَأخِّرًا. ومِمّا جاءَ فِيهِ تَقْدِيمُ ما لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وتَأْخِيرُ ما لَوْ تَقَدَّمَ لَكانَ مَوْصُوفًا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎والمُؤْمِنِ العائِذاتِ الطَّيْرَ يَمْسَحُها رُكْبانُ مَكَّةَ بَيْنَ الغَيْلِ والسَّعَدِ فَلَوْ جاءَ عَلى الكَثِيرِ لَكانَ التَّرْكِيبُ: والمُؤْمِنِ الطَّيْرَ العائِذاتِ. وارْتَفَعَ (ويْلٌ) عَلى الِابْتِداءِ، ولِلْكافِرِينَ خَبَرُهُ. لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (الظُّلُماتِ) دَعا بِالهَلَكَةِ عَلى مَن لَمْ يَخْرُجْ مِنها، و(مِن عَذابٍ شَدِيدٍ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (ويْلٌ) . ولا يَضُرُّ الفَصْلُ والخَبَرُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (ويْلٌ) لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ بِالخَبَرِ. ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لَيْسَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. قالَ: (فَإنْ قُلْتَ) ما وجْهُ اتِّصالِ قَوْلِهِ: (مِن عَذابٍ شَدِيدٍ) بِالوَيْلِ ؟ (قُلْتُ) لِأنَّ المَعْنى أنَّهم يُوَلُّونَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ ويَضِجُّونَ مِنهُ، ويَقُولُونَ يا ويْلاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] انْتَهى. وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ عامِلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ويُحْتَمَلُ هَذا العَذابُ أنْ يَكُونَ واقِعًا بِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ واقِعًا بِهِمْ في الآخِرَةِ. والِاسْتِحْبابُ الإيثارُ والِاخْتِيارُ، وهو اسْتِفْعالٌ مِنَ المَحَبَّةِ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ لِلشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ كَأنَّهُ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ يَكُونُ أحَبَّ إلَيْها وأفْضَلَ عِنْدَها مِنَ الآخَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ كاسْتَجابَ وأجابَ، ولَمّا ضَمِنَ مَعْنى الإيثارِ عُدِّيَ بِـ (عَلى) . وجَوَّزُوا في إعْرابِ (الَّذِينَ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الذَّمِّ، إمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، وإمّا مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ أذُمُّ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْكافِرِينَ. ونَصَّ عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُما وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ سَواءٌ كانَ ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (ويْلٌ)، أمْ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَضِجُّونَ ويُوَلْوِلُونَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ. ونَظِيرُهُ إذا كانَ صِفَةً أنْ تَقُولَ: الدّارُ لِزَيْدٍ الحَسَنَةُ القُرَشِيِّ، فَهَذا التَّرْكِيبُ لا يَجُوزُ، لِأنَّكَ فَصَلْتَ بَيْنَ زَيْدٍ وصِفَتِهِ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُما وهو صِفَةُ الدّارِ، والتَّرْكِيبُ الفَصِيحُ أنْ تَقُولَ: الدّارُ الحَسَنَةُ لِزَيْدٍ القُرَشِيِّ، أوِ الدّارُ لِزَيْدٍ القُرَشِيِّ الحَسَنَةُ، وقَرَأ الحَسَنُ: (ويُصِدُّونَ) مُضارِعُ أصَدَّ الدّاخِلِ عَلَيْهِ هَمْزَةُ النَّقْلِ مِن صَدَّ - اللّازِمِ - صُدُودًا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ في آلِ عِمْرانَ، وعَلى وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ.

إبراهيم 14:3

(سُورَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (p-٤٠٣)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] وارْتِباطُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالسُّورَةِ قَبْلَها واضِحٌ جِدًّا، لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيها ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١]، ثُمَّ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]، ثُمَّ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] فَناسَبَ هَذا قَوْلَهُ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ . وأيْضًا فَإنَّهم لَمّا قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] وقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] أنْزَلَ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْلَمَ يَكْفِهِمْ مِنَ الآياتِ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ - هي الضَّلالُ - إلى النُّورِ - وهو الهُدى - . وجَوَّزُوا في إعْرابِ ”الر“ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و(كِتابٌ): الخَبَرُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الر، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمْ أوِ اقْرَأْ ﴿الر﴾ . و﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ في هَذَيْنِ الإعْرابَيْنِ، و(كِتابٌ) مُبْتَدَأٌ. وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا في التَّقْدِيرِ؛ أيْ: كِتابٌ عَظِيمٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (كِتابٌ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا كِتابٌ، و(أنْزَلْناهُ) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وفي قَوْلِهِ: (أنْزَلْناهُ) وإسْنادِ الإنْزالِ إلى نُونِ العَظَمَةِ ومُخاطَبَتِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: (إلَيْكَ)، وإسْنادِ الإخْراجِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْوِيهٌ عَظِيمٌ وتَشْرِيفٌ لَهُ مِن حَيْثُ المُشارَكَةُ في تَحْصِيلِ الهِدايَةِ بِإنْزالِهِ تَعالى، وبِإخْراجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ إذْ هو الدّاعِي والمُنْذِرُ، وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ مُخْتَرِعُ الهِدايَةِ هو اللَّهُ تَعالى. و(النّاسَ) عامٌّ؛ إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، والظُّلُماتُ والنُّورُ: مُسْتَعارانِ لِلْكُفْرِ والإيمانِ. ولَمّا ذَكَرَ عِلَّةَ إنْزالِ الكِتابِ وهي قَوْلُهُ: (لِتُخْرِجَ) قالَ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ؛ أيْ: ذَلِكَ الإخْراجُ بِتَسْهِيلِ مالِكِهِمُ النّاظِرِ في مَصالِحِهِمْ؛ إذْ هم عَبِيدُهُ، فَناسَبَ ذِكْرَ الرَّبِّ هُنا تَنْبِيهًا عَلى مِنَّةِ المالِكِ، وكَوْنُهُ ناظِرًا في حالِ عَبِيدِهِ، و(بِإذْنِ): ظاهِرُهُ التَّعَلُّقُ بِقَوْلِهِ: (لِتُخْرِجَ) . وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ: أيْ مَأْذُونًا لَكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ، مُسْتَعارٌ مِنَ الإذْنِ الَّذِي هو تَسْهِيلُ الحِجابِ، وذَلِكَ ما يَمْنَحُهم مِنَ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ، انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (إلى صِراطِ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (إلى النُّورِ)، ولا يَضُرُّ هَذا الفَصْلُ بَيْنَ المُبَدَلِ مِنهُ والبَدَلِ؛ لِأنَّ (بِإذْنِ) مَعْمُولٌ لِلْعامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ وهو (لِتُخْرِجَ) . وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ”إلى صِراطِ“ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلى أيِّ نُورٍ ؟ فَقِيلَ: إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ. وقُرِئَ: (لِيَخْرُجَ) مُضارِعُ خَرَجَ بِالياءِ بِنُقْطَتَيْنِ مِن تَحْتِها، و(النّاسُ) رُفِعَ بِهِ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: (إلى النُّورِ) فِيهِ إبْهامٌ ما أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: (إلى صِراطِ) . ولَمّا تَقَدَّمَ شَيْئانِ؛ أحَدُهُما: إسْنادُ إنْزالِ هَذا الكِتابِ إلَيْهِ. والثّانِي: إخْراجُ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ، ناسَبَ ذِكْرُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ صِفَةَ العِزَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْقُدْرَةِ والغَلَبَةِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنْزالُ الكِتابِ، وصِفَةُ الحَمْدِ المُتَضَمِّنَةُ اسْتِحْقاقِهِ الحَمْدَ مِن حَيْثُ الإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، إذِ الهِدايَةُ إلى الإيمانِ هي النِّعْمَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلى العَبْدِ الحَمْدُ عَلَيْها والشُّكْرُ. وتَقَدَّمَتْ صِفَةُ (العَزِيزِ) لِتَقَدُّمِ ما دَلَّ عَلَيْها، وتَلِيها صِفَةُ (الحَمِيدِ) لِتُلُوِّ ما دَلَّ عَلَيْها. وقَرَأ نافِعٌ (p-٤٠٤)وابْنُ عامِرٍ ”اللَّهُ“ بِالرَّفْعِ فَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: هو اللَّهُ. وهَذا الإعْرابُ أمْكَنَ لِظُهُورِ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ، وتَفَلُّتِهِ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: ”اللَّهِ“ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والحَوْفِيِّ وأبِي البَقاءِ، وعَلى عَطْفِ البَيانِ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: لِأنَّهُ جَرى مَجْرى الأسْماءِ الأعْلامِ لِغَلَبَتِهِ واخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ، كَما غَلَبَ النَّجْمُ عَلى الثُّرَيّا، انْتَهى. وهَذا التَّعْلِيلُ لا يَتِمُّ إلّا عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الإلَهَ، ثُمَّ نُقِلَتِ الحَرَكَةُ إلى لامِ التَّعْرِيفِ وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، والتَزَمَ فِيهِ النَّقْلَ والحَذْفَ، ومادَّتُهُ إذْ ذاكَ الهُمَزَةُ واللّامُ والهاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في هَذا اللَّفْظِ في البَسْمَلَةِ أوَّلَ الحَمْدِ. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: لا تُقَدَّمُ صِفَةٌ عَلى مَوْصُوفٍ إلّا حَيْثُ سُمِعَ وذَلِكَ قَلِيلٌ، ولِلْعَرَبِ فِيما وُجِدَ مِن ذَلِكَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنْ تُقَدَّمَ الصِّفَةُ وتَبْقِيَتُها عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ، وفي إعْرابِ مِثْلِ هَذا وجْهانِ؛ أحَدُهُما: إعْرابُهُ نَعْتًا مُقَدَّمًا، والثّانِي: أنْ يَجْعَلَ ما بَعْدَ الصِّفَةِ بَدَلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تُضِيفَ الصِّفَةَ إلى المَوْصُوفِ إذا قَدِمَتْها، انْتَهى. فَعَلى هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (العَزِيزِ الحَمِيدِ) يُعْرَبانِ صِفَتَيْنِ مُتَقَدِّمَتَيْنِ، ويُعْرَبُ لَفْظُ (اللَّهِ) مَوْصُوفًا مُتَأخِّرًا. ومِمّا جاءَ فِيهِ تَقْدِيمُ ما لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وتَأْخِيرُ ما لَوْ تَقَدَّمَ لَكانَ مَوْصُوفًا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎والمُؤْمِنِ العائِذاتِ الطَّيْرَ يَمْسَحُها رُكْبانُ مَكَّةَ بَيْنَ الغَيْلِ والسَّعَدِ فَلَوْ جاءَ عَلى الكَثِيرِ لَكانَ التَّرْكِيبُ: والمُؤْمِنِ الطَّيْرَ العائِذاتِ. وارْتَفَعَ (ويْلٌ) عَلى الِابْتِداءِ، ولِلْكافِرِينَ خَبَرُهُ. لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (الظُّلُماتِ) دَعا بِالهَلَكَةِ عَلى مَن لَمْ يَخْرُجْ مِنها، و(مِن عَذابٍ شَدِيدٍ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (ويْلٌ) . ولا يَضُرُّ الفَصْلُ والخَبَرُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (ويْلٌ) لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ بِالخَبَرِ. ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لَيْسَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. قالَ: (فَإنْ قُلْتَ) ما وجْهُ اتِّصالِ قَوْلِهِ: (مِن عَذابٍ شَدِيدٍ) بِالوَيْلِ ؟ (قُلْتُ) لِأنَّ المَعْنى أنَّهم يُوَلُّونَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ ويَضِجُّونَ مِنهُ، ويَقُولُونَ يا ويْلاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] انْتَهى. وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ عامِلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ويُحْتَمَلُ هَذا العَذابُ أنْ يَكُونَ واقِعًا بِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ واقِعًا بِهِمْ في الآخِرَةِ. والِاسْتِحْبابُ الإيثارُ والِاخْتِيارُ، وهو اسْتِفْعالٌ مِنَ المَحَبَّةِ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ لِلشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ كَأنَّهُ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ يَكُونُ أحَبَّ إلَيْها وأفْضَلَ عِنْدَها مِنَ الآخَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ كاسْتَجابَ وأجابَ، ولَمّا ضَمِنَ مَعْنى الإيثارِ عُدِّيَ بِـ (عَلى) . وجَوَّزُوا في إعْرابِ (الَّذِينَ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الذَّمِّ، إمّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، وإمّا مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ أذُمُّ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْكافِرِينَ. ونَصَّ عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ، وهو لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُما وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ سَواءٌ كانَ ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (ويْلٌ)، أمْ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يَضِجُّونَ ويُوَلْوِلُونَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ. ونَظِيرُهُ إذا كانَ صِفَةً أنْ تَقُولَ: الدّارُ لِزَيْدٍ الحَسَنَةُ القُرَشِيِّ، فَهَذا التَّرْكِيبُ لا يَجُوزُ، لِأنَّكَ فَصَلْتَ بَيْنَ زَيْدٍ وصِفَتِهِ بِأجْنَبِيٍّ مِنهُما وهو صِفَةُ الدّارِ، والتَّرْكِيبُ الفَصِيحُ أنْ تَقُولَ: الدّارُ الحَسَنَةُ لِزَيْدٍ القُرَشِيِّ، أوِ الدّارُ لِزَيْدٍ القُرَشِيِّ الحَسَنَةُ، وقَرَأ الحَسَنُ: (ويُصِدُّونَ) مُضارِعُ أصَدَّ الدّاخِلِ عَلَيْهِ هَمْزَةُ النَّقْلِ مِن صَدَّ - اللّازِمِ - صُدُودًا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ في آلِ عِمْرانَ، وعَلى وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ.

إبراهيم 14:4

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (p-٤٠٥)سَبَبُ نُزُولِها أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: ما بالُ الكُتُبِ كُلِّها أعْجَمِيَّةٌ وهَذا عَرَبِيٌّ ؟ فَنَزَلَتْ. وساقَ قِصَّةَ مُوسى أنَّهُ تَعالى أرْسَلَهُ إلى قَوْمِهِ بِلِسانِهِ ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ كَما أرْسَلَكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ﴾ العُمُومُ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَإنْ كانَتِ الدَّعْوَةُ عامَّةً لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، أوِ انْدَرَجَ في اتِّباعِ ذَلِكَ الرَّسُولِ مَن لَيْسَ مِن قَوْمِهِ، كانَ مَن لَمْ تَكُنْ لُغَتُهُ لُغَةَ ذَلِكَ النَّبِيِّ مَوْقُوفًا عَلى تَعَلُّمِ تِلْكَ اللُّغَةِ حَتّى يَفْهَمَها، وأنْ يَرْجِعَ في تَفْسِيرِها إلى مَن يَعْلَمُها. وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ قَبْلَكَ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ، وأنْتَ أرْسَلْناكَ لِلنّاسِ كافَّةً بِلِسانِ قَوْمِكَ، وقَوْمُكَ يُتَرْجِمُونَ لِغَيْرِهِمْ بِألْسِنَتِهِمْ، ومَعْنى ﴿بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ بِلُغَةِ قَوْمِهِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وأبُو الجَوْزاءِ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: (بِلِسْنِ) بِإسْكانِ السِّينِ، قالُوا: هو كالرِّيشِ والرِّياشِ. وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: واللِّسْنُ خاصٌّ بِاللُّغَةِ، واللِّسانُ قَدْ يَقَعُ عَلى العُضْوِ وعَلى الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مِثْلَ ذَلِكَ قالَ: اللِّسانُ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ اللُّغَةُ، ويُقالُ: لِسْنٌ ولِسانٌ في اللُّغَةِ، فَأمّا العُضْوُ فَلا يُقالُ فِيهِ لِسْنٌ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ والجَحْدَرِيُّ: (لُسُنِ) بِضَمِّ اللّامِ والسِّينِ، وهو جَمْعُ لِسانٍ كَعِمادٍ وعُمُدٍ. وقُرِئَ أيْضًا بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ السِّينِ مُخَفَّفٌ كَرُسُلٍ ورُسْلٍ، والضَّمِيرُ في (قَوْمِهِ) عائِدٌ عَلى (رَسُولٍ) أيْ: قَوْمِ ذَلِكَ الرَّسُولِ. وقالَ الضَّحّاكُ: والضَّمِيرُ في قَوْمِهِ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ قالَ: والكُتُبُ كُلُّها نَزَلَتْ بِالعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ أدّاها كُلُّ نَبِيٍّ بِلُغَةِ قَوْمِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ضَمِيرُ القَوْمِ وهُمُ العَرَبُ، فَيُؤَدِّي إلى أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ التَّوْراةَ مِنَ السَّماءِ بِالعَرَبِيَّةِ لِيُبَيِّنَ لِلْعَرَبِ، وهَذا مَعْنًى فاسِدٌ، انْتَهى. وقالَ الكَلْبِيُّ: جَمِيعُ الكُتُبِ أُدَّتْ إلى جِبْرِيلَ بِالعَرَبِيَّةِ، وأمَرَهُ تَعالى أنْ يَأْتِيَ رَسُولَ كُلِّ قَوْمٍ بِلُغَتِهِمْ. وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا سُؤالًا وابْنُ عَطِيَّةَ أخَّرَهُما في كِتابَيْهِما، ويَقُولُ: قامَتِ الحُجَّةُ عَلى البَشَرِ بِإذْعانِ الفُصَحاءِ الَّذِينَ يُظَنُّ بِهِمُ القُدْرَةُ عَلى المُعارَضَةِ وإقْرارُهم بِالعَجْزِ، كَما قامَتْ بِإذْعانِ السَّحَرَةِ لِمُوسى، والأطِبّاءِ لِعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، بَيَّنَ تَعالى العِلَّةَ في كَوْنِ مَن أرْسَلَ مِنَ الرُّسُلِ بِلُغَةِ قَوْمِهِ وهي التَّبْيِينُ لَهم، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ مَن يَشاءُ إضْلالَهُ، ويَهْدِي مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ، فَلَيْسَ عَلى ذَلِكَ الرَّسُولِ غَيْرُ التَّبْلِيغِ والتَّبْيِينِ، ولَمْ يُكَلَّفْ أنْ يَهْدِيَ بَلْ ذَلِكَ بِيَدِ اللَّهِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ. ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ. (الحَكِيمُ) الواضِعُ الأشْياءَ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وإرادَتُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ بِالإضْلالِ التَّخْلِيَةُ ومَنعُ الإلْطافِ، وبِالهِدايَةِ التَّوْفِيقُ واللُّطْفُ، وكانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الكُفْرِ والإيمانِ. ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ فَلا يُغْلَبُ عَلى مَشِيئَتِهِ (الحَكِيمُ) فَلا يَخْذُلُ إلّا أهْلَ الخِذْلانِ، ولا يَلْطُفُ إلّا بِأهْلِ اللُّطْفِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، والجُمْهُورُ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (بِآياتِنا) إنَّها تِسْعُ الآياتِ الَّتِي أجْراها اللَّهُ عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها آياتُ التَّوْراةِ، والتَّقْدِيرُ: كَما أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ بِالقُرْآنِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ وهو آياتُنا، كَذَلِكَ أرْسَلْنا مُوسى بِالتَّوْراةِ بِلِسانِ قَوْمِهِ. و﴿أنْ أخْرِجْ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ ”أنْ“ تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَضْعُفُ زَعْمُ مَن زَعَمَ أنَّها زائِدَةٌ. وفي قَوْلِهِ: (قَوْمَكَ) خُصُوصٌ لِرِسالَتِهِ إلى قَوْمِهِ، بِخِلافِ ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ١]، والظّاهِرُ أنَّ قَوْمَهُ هم بَنُو إسْرائِيلَ. وقِيلَ: القِبْطُ. فَإنْ كانُوا القِبْطَ فالظُّلُماتُ هُنا الكُفْرُ، والنُّورُ الإيمانُ. وإنْ كانُوا بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْنا: إنَّهم كُلُّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ، فالظُّلُماتُ ذُلُّ العُبُودِيَّةِ، والنُّورُ العِزَّةُ بِالدِّينِ وظُهُورُ أمْرِ اللَّهِ. وإنْ كانُوا أشْياعًا مُتَفَرِّقِينَ في الدِّينِ - قَوْمٌ مَعَ القِبْطِ في عِبادَةِ فِرْعَوْنَ، وقَوْمٌ عَلى غَيْرِ شَيْءٍ - فالظُّلُماتُ الكُفْرُ والنُّورُ الإيمانُ. قِيلَ: وكانَ مُوسى مَبْعُوثًا إلى القِبْطِ (p-٤٠٦)وبَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: إلى القِبْطِ بِالِاعْتِرافِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وأنْ لا يُشْرَكَ بِهِ والإيمانِ بِمُوسى، وأنَّهُ نَبِيٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالتَّكْلِيفِ وبِفُرُوعِ شَرِيعَتِهِ إذْ كانُوا مُؤْمِنِينَ. ويَحْتَمِلُ (وذَكِّرْهم) أنْ يَكُونَ أمْرًا مُسْتَأْنَفًا، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿أنْ أخْرِجْ﴾ فَيَكُونُ في حَيِّزِ (أنْ) . و(أيّامِ اللَّهِ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ورَواهُ أُبَيٌّ مَرْفُوعًا. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأيّامٍ لَنا غُرٍّ طِوالٍ عَصَيْنا المَلِكَ فِيها أنْ نَدِينا وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُقاتِلٍ وابْنِ زَيْدٍ: وقائِعُهُ ونَقَماتُهُ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، ويُقالُ: فُلانٌ عالِمٌ بِأيّامِ العَرَبِ؛ أيْ: وقائِعِها وحُرُوبِها ومَلاحِمِها: كَيَوْمِ ذِي قارٍ ويَوْمِ الفِجارِ ويَوْمِ فِضَّةَ وغَيْرِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مالِكٍ قالَ: بَلاؤُهُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأيّامُنا مَشْهُورَةٌ في عَدُوِّنا أيْ: وقائِعُنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: نَعْماؤُهُ وبَلاؤُهُ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، فَنَعْماؤُهُ: بِتَظْلِيلِهِ عَلَيْهِمُ الغَمامَ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وفَلْقِ البَحْرِ. وبَلاؤُهُ: بِاسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ لَهم، وتَذْبِيحِ أبْنائِهِمْ، وإهْلاكِ القُرُونِ قَبْلَهم. وفي حَدِيثِ أُبَيٍّ في قِصَّةِ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ بَيْنَما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِهِ يُذَكِّرُهم بِأيّامِ اللَّهِ، وأيّامُ اللَّهِ بَلاؤُهُ ونَعْماؤُهُ، واخْتارَ الطَّبَرِيُّ هَذا القَوْلَ الآخَرَ. ولَفْظَةُ الأيّامِ تَعُمُّ المَعْنَيَّيْنِ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ يَقَعُ بِالوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. وفي هَذِهِ اللَّفْظَةِ تَعْظِيمُ الكَوائِنِ المُذَكَّرِ بِها. وعَبَّرَ عَنْها بِالظَّرْفِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ. وكَثِيرًا ما يَقَعُ الإسْنادُ إلى الظَّرْفِ، وفي الحَقِيقَةِ الإسْنادُ لِغَيْرِها كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣]، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: يَوْمٌ عَبُوسٌ، ويَوْمٌ عَصِيبٌ، ويَوْمٌ بَسّامٌ. والحَقِيقَةُ وصْفُ ما وقَعَ فِيهِ مِن شِدَّةٍ أوْ سُرُورٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إلى التَّذْكِيرِ بِأيّامِ اللَّهِ. و﴿صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ صِفَتا مُبالَغَةٍ، وهُما مُشْعِرَتانِ بِأنَّ ﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] المُرادُ بِهِما بَلاؤُهُ ونَعْماؤُهُ؛ أيْ: صَبّارٌ عَلى بَلائِهِ، شَكُورٌ لِنَعْمائِهِ. فَإذا سَمِعَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ البَلاءِ عَلى الأُمَمِ، أوْ بِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، تَنَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ إذا أصابَهُ بَلاءٌ، ومِنَ الشُّكْرِ إذا أصابَتْهُ نَعْماءُ، وخَصَّ الصَّبّارَ والشَّكُورَ؛ لِأنَّهُما هُما اللَّذانِ يَنْتَفِعانِ بِالتَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ ويَتَّعِظانِ بِهِ. وقِيلَ: أرادَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ناظِرٍ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ والشُّكْرَ مِن سَجايا أهْلِ الإيمانِ.

إبراهيم 14:5

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (p-٤٠٥)سَبَبُ نُزُولِها أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: ما بالُ الكُتُبِ كُلِّها أعْجَمِيَّةٌ وهَذا عَرَبِيٌّ ؟ فَنَزَلَتْ. وساقَ قِصَّةَ مُوسى أنَّهُ تَعالى أرْسَلَهُ إلى قَوْمِهِ بِلِسانِهِ ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ كَما أرْسَلَكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ﴾ العُمُومُ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَإنْ كانَتِ الدَّعْوَةُ عامَّةً لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، أوِ انْدَرَجَ في اتِّباعِ ذَلِكَ الرَّسُولِ مَن لَيْسَ مِن قَوْمِهِ، كانَ مَن لَمْ تَكُنْ لُغَتُهُ لُغَةَ ذَلِكَ النَّبِيِّ مَوْقُوفًا عَلى تَعَلُّمِ تِلْكَ اللُّغَةِ حَتّى يَفْهَمَها، وأنْ يَرْجِعَ في تَفْسِيرِها إلى مَن يَعْلَمُها. وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ قَبْلَكَ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ، وأنْتَ أرْسَلْناكَ لِلنّاسِ كافَّةً بِلِسانِ قَوْمِكَ، وقَوْمُكَ يُتَرْجِمُونَ لِغَيْرِهِمْ بِألْسِنَتِهِمْ، ومَعْنى ﴿بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ بِلُغَةِ قَوْمِهِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وأبُو الجَوْزاءِ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: (بِلِسْنِ) بِإسْكانِ السِّينِ، قالُوا: هو كالرِّيشِ والرِّياشِ. وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: واللِّسْنُ خاصٌّ بِاللُّغَةِ، واللِّسانُ قَدْ يَقَعُ عَلى العُضْوِ وعَلى الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مِثْلَ ذَلِكَ قالَ: اللِّسانُ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ اللُّغَةُ، ويُقالُ: لِسْنٌ ولِسانٌ في اللُّغَةِ، فَأمّا العُضْوُ فَلا يُقالُ فِيهِ لِسْنٌ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ والجَحْدَرِيُّ: (لُسُنِ) بِضَمِّ اللّامِ والسِّينِ، وهو جَمْعُ لِسانٍ كَعِمادٍ وعُمُدٍ. وقُرِئَ أيْضًا بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ السِّينِ مُخَفَّفٌ كَرُسُلٍ ورُسْلٍ، والضَّمِيرُ في (قَوْمِهِ) عائِدٌ عَلى (رَسُولٍ) أيْ: قَوْمِ ذَلِكَ الرَّسُولِ. وقالَ الضَّحّاكُ: والضَّمِيرُ في قَوْمِهِ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ قالَ: والكُتُبُ كُلُّها نَزَلَتْ بِالعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ أدّاها كُلُّ نَبِيٍّ بِلُغَةِ قَوْمِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ضَمِيرُ القَوْمِ وهُمُ العَرَبُ، فَيُؤَدِّي إلى أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ التَّوْراةَ مِنَ السَّماءِ بِالعَرَبِيَّةِ لِيُبَيِّنَ لِلْعَرَبِ، وهَذا مَعْنًى فاسِدٌ، انْتَهى. وقالَ الكَلْبِيُّ: جَمِيعُ الكُتُبِ أُدَّتْ إلى جِبْرِيلَ بِالعَرَبِيَّةِ، وأمَرَهُ تَعالى أنْ يَأْتِيَ رَسُولَ كُلِّ قَوْمٍ بِلُغَتِهِمْ. وأوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا سُؤالًا وابْنُ عَطِيَّةَ أخَّرَهُما في كِتابَيْهِما، ويَقُولُ: قامَتِ الحُجَّةُ عَلى البَشَرِ بِإذْعانِ الفُصَحاءِ الَّذِينَ يُظَنُّ بِهِمُ القُدْرَةُ عَلى المُعارَضَةِ وإقْرارُهم بِالعَجْزِ، كَما قامَتْ بِإذْعانِ السَّحَرَةِ لِمُوسى، والأطِبّاءِ لِعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، بَيَّنَ تَعالى العِلَّةَ في كَوْنِ مَن أرْسَلَ مِنَ الرُّسُلِ بِلُغَةِ قَوْمِهِ وهي التَّبْيِينُ لَهم، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ مَن يَشاءُ إضْلالَهُ، ويَهْدِي مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ، فَلَيْسَ عَلى ذَلِكَ الرَّسُولِ غَيْرُ التَّبْلِيغِ والتَّبْيِينِ، ولَمْ يُكَلَّفْ أنْ يَهْدِيَ بَلْ ذَلِكَ بِيَدِ اللَّهِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ. ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ. (الحَكِيمُ) الواضِعُ الأشْياءَ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وإرادَتُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ بِالإضْلالِ التَّخْلِيَةُ ومَنعُ الإلْطافِ، وبِالهِدايَةِ التَّوْفِيقُ واللُّطْفُ، وكانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الكُفْرِ والإيمانِ. ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ فَلا يُغْلَبُ عَلى مَشِيئَتِهِ (الحَكِيمُ) فَلا يَخْذُلُ إلّا أهْلَ الخِذْلانِ، ولا يَلْطُفُ إلّا بِأهْلِ اللُّطْفِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، والجُمْهُورُ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (بِآياتِنا) إنَّها تِسْعُ الآياتِ الَّتِي أجْراها اللَّهُ عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها آياتُ التَّوْراةِ، والتَّقْدِيرُ: كَما أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ بِالقُرْآنِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ وهو آياتُنا، كَذَلِكَ أرْسَلْنا مُوسى بِالتَّوْراةِ بِلِسانِ قَوْمِهِ. و﴿أنْ أخْرِجْ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ ”أنْ“ تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَضْعُفُ زَعْمُ مَن زَعَمَ أنَّها زائِدَةٌ. وفي قَوْلِهِ: (قَوْمَكَ) خُصُوصٌ لِرِسالَتِهِ إلى قَوْمِهِ، بِخِلافِ ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ١]، والظّاهِرُ أنَّ قَوْمَهُ هم بَنُو إسْرائِيلَ. وقِيلَ: القِبْطُ. فَإنْ كانُوا القِبْطَ فالظُّلُماتُ هُنا الكُفْرُ، والنُّورُ الإيمانُ. وإنْ كانُوا بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْنا: إنَّهم كُلُّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ، فالظُّلُماتُ ذُلُّ العُبُودِيَّةِ، والنُّورُ العِزَّةُ بِالدِّينِ وظُهُورُ أمْرِ اللَّهِ. وإنْ كانُوا أشْياعًا مُتَفَرِّقِينَ في الدِّينِ - قَوْمٌ مَعَ القِبْطِ في عِبادَةِ فِرْعَوْنَ، وقَوْمٌ عَلى غَيْرِ شَيْءٍ - فالظُّلُماتُ الكُفْرُ والنُّورُ الإيمانُ. قِيلَ: وكانَ مُوسى مَبْعُوثًا إلى القِبْطِ (p-٤٠٦)وبَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: إلى القِبْطِ بِالِاعْتِرافِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وأنْ لا يُشْرَكَ بِهِ والإيمانِ بِمُوسى، وأنَّهُ نَبِيٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالتَّكْلِيفِ وبِفُرُوعِ شَرِيعَتِهِ إذْ كانُوا مُؤْمِنِينَ. ويَحْتَمِلُ (وذَكِّرْهم) أنْ يَكُونَ أمْرًا مُسْتَأْنَفًا، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿أنْ أخْرِجْ﴾ فَيَكُونُ في حَيِّزِ (أنْ) . و(أيّامِ اللَّهِ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ورَواهُ أُبَيٌّ مَرْفُوعًا. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وأيّامٍ لَنا غُرٍّ طِوالٍ عَصَيْنا المَلِكَ فِيها أنْ نَدِينا وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُقاتِلٍ وابْنِ زَيْدٍ: وقائِعُهُ ونَقَماتُهُ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، ويُقالُ: فُلانٌ عالِمٌ بِأيّامِ العَرَبِ؛ أيْ: وقائِعِها وحُرُوبِها ومَلاحِمِها: كَيَوْمِ ذِي قارٍ ويَوْمِ الفِجارِ ويَوْمِ فِضَّةَ وغَيْرِها. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مالِكٍ قالَ: بَلاؤُهُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأيّامُنا مَشْهُورَةٌ في عَدُوِّنا أيْ: وقائِعُنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: نَعْماؤُهُ وبَلاؤُهُ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، فَنَعْماؤُهُ: بِتَظْلِيلِهِ عَلَيْهِمُ الغَمامَ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وفَلْقِ البَحْرِ. وبَلاؤُهُ: بِاسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ لَهم، وتَذْبِيحِ أبْنائِهِمْ، وإهْلاكِ القُرُونِ قَبْلَهم. وفي حَدِيثِ أُبَيٍّ في قِصَّةِ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ بَيْنَما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِهِ يُذَكِّرُهم بِأيّامِ اللَّهِ، وأيّامُ اللَّهِ بَلاؤُهُ ونَعْماؤُهُ، واخْتارَ الطَّبَرِيُّ هَذا القَوْلَ الآخَرَ. ولَفْظَةُ الأيّامِ تَعُمُّ المَعْنَيَّيْنِ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ يَقَعُ بِالوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. وفي هَذِهِ اللَّفْظَةِ تَعْظِيمُ الكَوائِنِ المُذَكَّرِ بِها. وعَبَّرَ عَنْها بِالظَّرْفِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ. وكَثِيرًا ما يَقَعُ الإسْنادُ إلى الظَّرْفِ، وفي الحَقِيقَةِ الإسْنادُ لِغَيْرِها كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣]، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: يَوْمٌ عَبُوسٌ، ويَوْمٌ عَصِيبٌ، ويَوْمٌ بَسّامٌ. والحَقِيقَةُ وصْفُ ما وقَعَ فِيهِ مِن شِدَّةٍ أوْ سُرُورٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إلى التَّذْكِيرِ بِأيّامِ اللَّهِ. و﴿صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ صِفَتا مُبالَغَةٍ، وهُما مُشْعِرَتانِ بِأنَّ ﴿أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] المُرادُ بِهِما بَلاؤُهُ ونَعْماؤُهُ؛ أيْ: صَبّارٌ عَلى بَلائِهِ، شَكُورٌ لِنَعْمائِهِ. فَإذا سَمِعَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ البَلاءِ عَلى الأُمَمِ، أوْ بِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، تَنَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ إذا أصابَهُ بَلاءٌ، ومِنَ الشُّكْرِ إذا أصابَتْهُ نَعْماءُ، وخَصَّ الصَّبّارَ والشَّكُورَ؛ لِأنَّهُما هُما اللَّذانِ يَنْتَفِعانِ بِالتَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ ويَتَّعِظانِ بِهِ. وقِيلَ: أرادَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ناظِرٍ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ والشُّكْرَ مِن سَجايا أهْلِ الإيمانِ.

إبراهيم 14:6

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ تَعالى لِمُوسى بِالتَّذْكِيرِ بِأيّامِ اللَّهِ، ذَكَّرَهم بِما أنْعَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نَجاتِهِمْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وفي ضِمْنِها تَعْدادُ شَيْءٍ مِمّا جَرى عَلَيْهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ إعْرابُ ”إذْ“ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾ [آل عمران: ١٠٣] وتَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، إلّا أنَّ هُنا (ويُذَبِّحُونَ) بِالواوِ، وفي البَقَرَةِ بِغَيْرِ واوٍ، وفي الأعْرافِ (يَقْتُلُونَ) فَحَيْثُ لَمْ يُؤْتَ بِالواوِ جَعَلَ الفِعْلَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: (يَسُومُونَكم) . وحَيْثُ أتى بِها دَلَّ عَلى المُغايَرَةِ. وأنَّ سَوْمَ سُوءِ العَذابِ كانَ بِالتَّذْبِيحِ وبِغَيْرِهِ، وحَيْثُ جاءَ يُقَتِّلُونَ جاءَ بِاللَّفْظِ المُطْلَقِ المُحْتَمِلِ لِلتَّذْبِيحِ، (p-٤٠٧)ولِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ القَتْلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (ويَذْبَحُونَ) مُضارِعُ ذَبَحَ ثُلاثِيًّا، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ؛ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الواوَ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (تَأذَّنَ) وتَلَقِّيهِ بِالقَسَمِ في قَوْلِهِ في الأعْرافِ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦٧] واحْتَمَلَ (إذْ) أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ (اذْكُرُوا)، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿إذْ أنْجاكُمْ﴾ لِأنَّ هَذا الإعْلامَ بِالمَزِيدِ عَلى الشُّكْرِ مَن نِعَمِهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ هو الإنْعامُ؛ أيْ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي، وقالَهُ الحَسَنُ والرَّبِيعُ. قالَ الحَسَنُ: لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي. وقالَ الرَّبِيعُ: لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ لَئِنْ وحَّدْتُمْ وأطَعْتُمْ لَأزِيدَنَّكم في الثَّوابِ. وكَأنَّهُ راعى ظاهِرَ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وظاهِرُ الكُفْرِ المُرادُ بِهِ الشِّرْكُ، فَلِذَلِكَ فَسَّرَ الشُّكْرَ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ وغَيْرِهِ. قالَ: ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ نِعْمَتِي فَلَمْ تَشْكُرُوها، رَتَّبَ العَذابَ الشَّدِيدَ عَلى كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يُبَيِّنْ مَحَلِّ الزِّيادَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، وجاءَ التَّرْكِيبُ عَلى ما عُهِدَ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ إذا ذُكِرَ الخَيْرُ أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى. وإذا ذُكِرَ العَذابُ بَعْدَهُ عَدَلَ عَنْ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿لَأزِيدَنَّكُمْ﴾، فَنَسَبَ الزِّيادَةَ إلَيْهِ وقالَ: ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ لَأُعَذِّبَنَّكم، وخَرَجَ في لَأزِيدَنَّكم بِالمَفْعُولِ، وهُنا لَمْ يُذْكَرْ. وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ؛ أيْ: إنَّ عَذابِي لَكم لَشَدِيدٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وإذْ قالَ رَبُّكم)، كَأنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ: (تَأذَّنَ) لِأنَّهُ بِمَعْنى أذِنَ؛ أيْ: أعْلَمَ، وأعْلَمَ يَكُونُ بِالقَوْلِ. ثُمَّ نَبَّهَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ عَلى أنَّ البارِيَ تَعالى، وإنْ أوْعَدَ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ عَلى الكُفْرِ، فَهو غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى شُكْرِكم؛ لِأنَّهُ تَعالى هو الغَنِيُّ عَنْ شُكْرِكم، الحَمِيدُ المُسْتَوْجِبُ الحَمْدَ عَلى ما أسْبَغَ مِن نِعَمِهِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ الحامِدُونَ، فَثَمَرَةُ شُكْرِكم إنَّما هي عائِدَةٌ إلَيْكم. و(أنْتُمْ) خِطابٌ لِقَوْمِهِ، وقالَ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ يَعْنِي النّاسَ كُلَّهم، لِأنَّ مَن كانَ في العالَمِ العُلْوِيِّ وهُمُ المَلائِكَةُ لا يَدْخُلُونَ في مَن في الأرْضِ، وجَوابُ (إنْ تَكْفُرُوا) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: فَإنَّما ضَرَرُ كُفْرِكم لاحِقٌ بِكم، واللَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ بِالغِنى المُطْلَقِ والحَمْدِ، سَواءٌ كَفَرُوا أمْ شَكَرُوا، وفي خِطابِهِ لَهم تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهِمْ، وتَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ في ذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ.

إبراهيم 14:7

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ تَعالى لِمُوسى بِالتَّذْكِيرِ بِأيّامِ اللَّهِ، ذَكَّرَهم بِما أنْعَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نَجاتِهِمْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وفي ضِمْنِها تَعْدادُ شَيْءٍ مِمّا جَرى عَلَيْهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ إعْرابُ ”إذْ“ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾ [آل عمران: ١٠٣] وتَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، إلّا أنَّ هُنا (ويُذَبِّحُونَ) بِالواوِ، وفي البَقَرَةِ بِغَيْرِ واوٍ، وفي الأعْرافِ (يَقْتُلُونَ) فَحَيْثُ لَمْ يُؤْتَ بِالواوِ جَعَلَ الفِعْلَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: (يَسُومُونَكم) . وحَيْثُ أتى بِها دَلَّ عَلى المُغايَرَةِ. وأنَّ سَوْمَ سُوءِ العَذابِ كانَ بِالتَّذْبِيحِ وبِغَيْرِهِ، وحَيْثُ جاءَ يُقَتِّلُونَ جاءَ بِاللَّفْظِ المُطْلَقِ المُحْتَمِلِ لِلتَّذْبِيحِ، (p-٤٠٧)ولِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ القَتْلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (ويَذْبَحُونَ) مُضارِعُ ذَبَحَ ثُلاثِيًّا، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ؛ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الواوَ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (تَأذَّنَ) وتَلَقِّيهِ بِالقَسَمِ في قَوْلِهِ في الأعْرافِ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦٧] واحْتَمَلَ (إذْ) أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ (اذْكُرُوا)، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿إذْ أنْجاكُمْ﴾ لِأنَّ هَذا الإعْلامَ بِالمَزِيدِ عَلى الشُّكْرِ مَن نِعَمِهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ هو الإنْعامُ؛ أيْ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي، وقالَهُ الحَسَنُ والرَّبِيعُ. قالَ الحَسَنُ: لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي. وقالَ الرَّبِيعُ: لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ لَئِنْ وحَّدْتُمْ وأطَعْتُمْ لَأزِيدَنَّكم في الثَّوابِ. وكَأنَّهُ راعى ظاهِرَ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وظاهِرُ الكُفْرِ المُرادُ بِهِ الشِّرْكُ، فَلِذَلِكَ فَسَّرَ الشُّكْرَ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ وغَيْرِهِ. قالَ: ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ نِعْمَتِي فَلَمْ تَشْكُرُوها، رَتَّبَ العَذابَ الشَّدِيدَ عَلى كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يُبَيِّنْ مَحَلِّ الزِّيادَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، وجاءَ التَّرْكِيبُ عَلى ما عُهِدَ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ إذا ذُكِرَ الخَيْرُ أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى. وإذا ذُكِرَ العَذابُ بَعْدَهُ عَدَلَ عَنْ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿لَأزِيدَنَّكُمْ﴾، فَنَسَبَ الزِّيادَةَ إلَيْهِ وقالَ: ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ لَأُعَذِّبَنَّكم، وخَرَجَ في لَأزِيدَنَّكم بِالمَفْعُولِ، وهُنا لَمْ يُذْكَرْ. وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ؛ أيْ: إنَّ عَذابِي لَكم لَشَدِيدٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وإذْ قالَ رَبُّكم)، كَأنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ: (تَأذَّنَ) لِأنَّهُ بِمَعْنى أذِنَ؛ أيْ: أعْلَمَ، وأعْلَمَ يَكُونُ بِالقَوْلِ. ثُمَّ نَبَّهَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ عَلى أنَّ البارِيَ تَعالى، وإنْ أوْعَدَ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ عَلى الكُفْرِ، فَهو غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى شُكْرِكم؛ لِأنَّهُ تَعالى هو الغَنِيُّ عَنْ شُكْرِكم، الحَمِيدُ المُسْتَوْجِبُ الحَمْدَ عَلى ما أسْبَغَ مِن نِعَمِهِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ الحامِدُونَ، فَثَمَرَةُ شُكْرِكم إنَّما هي عائِدَةٌ إلَيْكم. و(أنْتُمْ) خِطابٌ لِقَوْمِهِ، وقالَ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ يَعْنِي النّاسَ كُلَّهم، لِأنَّ مَن كانَ في العالَمِ العُلْوِيِّ وهُمُ المَلائِكَةُ لا يَدْخُلُونَ في مَن في الأرْضِ، وجَوابُ (إنْ تَكْفُرُوا) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: فَإنَّما ضَرَرُ كُفْرِكم لاحِقٌ بِكم، واللَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ بِالغِنى المُطْلَقِ والحَمْدِ، سَواءٌ كَفَرُوا أمْ شَكَرُوا، وفي خِطابِهِ لَهم تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهِمْ، وتَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ في ذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ.

إبراهيم 14:8

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ تَعالى لِمُوسى بِالتَّذْكِيرِ بِأيّامِ اللَّهِ، ذَكَّرَهم بِما أنْعَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نَجاتِهِمْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وفي ضِمْنِها تَعْدادُ شَيْءٍ مِمّا جَرى عَلَيْهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ إعْرابُ ”إذْ“ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾ [آل عمران: ١٠٣] وتَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، إلّا أنَّ هُنا (ويُذَبِّحُونَ) بِالواوِ، وفي البَقَرَةِ بِغَيْرِ واوٍ، وفي الأعْرافِ (يَقْتُلُونَ) فَحَيْثُ لَمْ يُؤْتَ بِالواوِ جَعَلَ الفِعْلَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: (يَسُومُونَكم) . وحَيْثُ أتى بِها دَلَّ عَلى المُغايَرَةِ. وأنَّ سَوْمَ سُوءِ العَذابِ كانَ بِالتَّذْبِيحِ وبِغَيْرِهِ، وحَيْثُ جاءَ يُقَتِّلُونَ جاءَ بِاللَّفْظِ المُطْلَقِ المُحْتَمِلِ لِلتَّذْبِيحِ، (p-٤٠٧)ولِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ القَتْلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (ويَذْبَحُونَ) مُضارِعُ ذَبَحَ ثُلاثِيًّا، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ؛ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الواوَ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ (تَأذَّنَ) وتَلَقِّيهِ بِالقَسَمِ في قَوْلِهِ في الأعْرافِ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ﴾ [الأعراف: ١٦٧] واحْتَمَلَ (إذْ) أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ (اذْكُرُوا)، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿إذْ أنْجاكُمْ﴾ لِأنَّ هَذا الإعْلامَ بِالمَزِيدِ عَلى الشُّكْرِ مَن نِعَمِهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ هو الإنْعامُ؛ أيْ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي، وقالَهُ الحَسَنُ والرَّبِيعُ. قالَ الحَسَنُ: لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي. وقالَ الرَّبِيعُ: لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ لَئِنْ وحَّدْتُمْ وأطَعْتُمْ لَأزِيدَنَّكم في الثَّوابِ. وكَأنَّهُ راعى ظاهِرَ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وظاهِرُ الكُفْرِ المُرادُ بِهِ الشِّرْكُ، فَلِذَلِكَ فَسَّرَ الشُّكْرَ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ وغَيْرِهِ. قالَ: ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ نِعْمَتِي فَلَمْ تَشْكُرُوها، رَتَّبَ العَذابَ الشَّدِيدَ عَلى كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يُبَيِّنْ مَحَلِّ الزِّيادَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، وجاءَ التَّرْكِيبُ عَلى ما عُهِدَ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ إذا ذُكِرَ الخَيْرُ أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى. وإذا ذُكِرَ العَذابُ بَعْدَهُ عَدَلَ عَنْ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿لَأزِيدَنَّكُمْ﴾، فَنَسَبَ الزِّيادَةَ إلَيْهِ وقالَ: ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ لَأُعَذِّبَنَّكم، وخَرَجَ في لَأزِيدَنَّكم بِالمَفْعُولِ، وهُنا لَمْ يُذْكَرْ. وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ؛ أيْ: إنَّ عَذابِي لَكم لَشَدِيدٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وإذْ قالَ رَبُّكم)، كَأنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ: (تَأذَّنَ) لِأنَّهُ بِمَعْنى أذِنَ؛ أيْ: أعْلَمَ، وأعْلَمَ يَكُونُ بِالقَوْلِ. ثُمَّ نَبَّهَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ عَلى أنَّ البارِيَ تَعالى، وإنْ أوْعَدَ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ عَلى الكُفْرِ، فَهو غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى شُكْرِكم؛ لِأنَّهُ تَعالى هو الغَنِيُّ عَنْ شُكْرِكم، الحَمِيدُ المُسْتَوْجِبُ الحَمْدَ عَلى ما أسْبَغَ مِن نِعَمِهِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ الحامِدُونَ، فَثَمَرَةُ شُكْرِكم إنَّما هي عائِدَةٌ إلَيْكم. و(أنْتُمْ) خِطابٌ لِقَوْمِهِ، وقالَ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ يَعْنِي النّاسَ كُلَّهم، لِأنَّ مَن كانَ في العالَمِ العُلْوِيِّ وهُمُ المَلائِكَةُ لا يَدْخُلُونَ في مَن في الأرْضِ، وجَوابُ (إنْ تَكْفُرُوا) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: فَإنَّما ضَرَرُ كُفْرِكم لاحِقٌ بِكم، واللَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ بِالغِنى المُطْلَقِ والحَمْدِ، سَواءٌ كَفَرُوا أمْ شَكَرُوا، وفي خِطابِهِ لَهم تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهِمْ، وتَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ في ذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ.

إبراهيم 14:9

﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (p-٤٠٨)الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن خِطابِ مُوسى لِقَوْمِهِ. وقِيلَ: ابْتِداءُ خِطابٍ مِنَ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وخَبَرُ ﴿قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ قَدْ قَصَّهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ وهُودٍ، والهَمْزَةُ في (ألَمْ) لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ. والظّاهِرُ أنَّ (والَّذِينَ) في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ إمّا عَلى (الَّذِينَ) وإمّا عَلى ﴿قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ اعْتِراضٌ والمَعْنى: أنَّهم مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَتْ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ الِاعْتِراضِ تَكُونُ بَيْنَ جُزْأيْنِ، يَطْلُبُ أحَدُهُما الآخَرَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾، فَإنْ عَنى مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (بَعْدِهِمْ) فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ حالٌ مِمّا جُرَّ بِالإضافَةِ، ولَيْسَ لَهُ مَحَلُّ إعْرابٍ مِن رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ، وإنْ عَنى مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ النّائِبِ عَنِ العامِلِ أمْكَنَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وكَذَلِكَ جاءَتْهم. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ وقَعَتِ اعْتِراضًا، انْتَهى. ولَيْسَتْ بِاعْتِراضٍ؛ لِأنَّها لَمْ تَقَعْ بَيْنَ جُزْأيْنِ أحَدُهُما يَطْلُبُ الآخَرَ. والضَّمِيرُ في (جاءَتْهم) عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، والجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ لِلنَّبَأِ. والظّاهِرُ أنَّ الأيْدِيَ هي الجَوارِحُ، وأنَّ الضَّمِيرَ في (أيْدِيهِمْ) وفي (أفْواهِهِمْ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ زَيْدٍ: أيْ جَعَلُوا؛ أيْ: أيْدِي أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ أنْفُسِهِمْ لِيَعَضُّوها غَيْظًا مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] والعَضُّ بِسَبَبٍ مَشْهُورٍ مِنَ البَشَرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهْ وأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا (وقالَ آخَرُ) : ؎لَوْ أنَّ سَلْمى أبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ∗∗∗ ودَقَّةً في عَظْمِ ساقِي ويَدِي ؎وبُعْدَ أهْلِي وجَفاءَ عُوَّدِي ∗∗∗ عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بِأطْرافِ اليَدِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ عَجِبُوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ. وقالَ أبُو صالِحٍ: لَمّا قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِهِمْ أنِ اسْكُتْ تَكْذِيبًا لَهُ، ورَدًّا لِقَوْلِهِ، واسْتِبْشاعًا لِما جاءَ بِهِ. وقِيلَ: رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ضَحِكًا واسْتِهْزاءً كَمَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ. وقِيلَ: أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى ألْسِنَتِهِمْ وما نَطَقَتْ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: هَذا جَوابٌ لَكم لَيْسَ عِنْدَنا غَيْرُهُ إقْناطًا لَهم مِنَ التَّصْدِيقِ. وقِيلَ: الضَّمِيرانِ عائِدانِ عَلى الرُّسُلِ قالَهُ: مُقاتِلٌ، قالَ: أخَذُوا أيْدِيَ الرُّسُلِ ووَضَعُوها عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ لِيُسْكِتُوهم ويَقْطَعُوا كَلامَهم. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: جَعَلُوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ الرُّسُلِ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ، وهَذا أشْنَعُ في الرَّدِّ وأذْهَبُ في الِاسْتِطالَةِ عَلى الرُّسُلِ والنَّيْلِ مِنهم، فَعَلى هَذا الضَّمِيرِ في (أيْدِيهِمْ) عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأيْدِي هُنا النِّعَمُ، جَمْعُ يَدٍ المُرادُ بِها النِّعْمَةُ؛ أيْ: رَدُّوا نِعَمَ الأنْبِياءِ الَّتِي هي أجَلُّ النِّعَمِ مِن مَواعِظِهِمْ ونَصائِحِهِمْ، وما أُوحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ الشَّرائِعِ والآياتِ في أفْواهِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّهم إذا كَذَّبُوها ولَمْ يَقْبَلُوها فَكَأنَّهم رَدُّوها في أفْواهِهِمْ، ورَجَعُوها إلى حَيْثُ جاءَتْ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المِثْلِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أفْواهِهِمْ) عَلى هَذا القَوْلِ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، وفي بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ: بِأفْواهِهِمْ، والمَعْنى: كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ. وفي بِمَعْنى الباءِ يُقالُ: جَلَسْتُ في البَيْتِ، وبِالبَيْتِ. (p-٤٠٩)وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ ”في“ مَوْضِعَ ”الباءِ“ فَتَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ الجَنَّةَ، وفي الجَنَّةِ. وأنْشَدَ: ؎وأرْغَبُ فِيها مِن لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنِّي عَنْ شِنْبِسٍ لَسْتُ أرْغَبُ يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا ضَرْبُ مَثَلٍ أيْ: لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يُجِيبُوا. والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا سَكَتَ عَنِ الجَوابِ وأمْسَكَ: رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ، وقالَهُ الأخْفَشُ أيْضًا. وقالَ القُتَبِيُّ: لَمْ يَسْمَعْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ: رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ إذا تَرَكَ ما أمَرَ بِهِ، انْتَهى. ومَن سَمِعَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَسْمَعْ، هَذاأبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ نَقَلا ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ، فَعَلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ يَكُونُ ذَلِكَ مِن مَجازِ التَّمْثِيلِ، كَأنَّ المُمْسِكَ عَنِ الجَوابِ السّاكِتَ عَنْهُ وضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ. وقَدْ رَدَّ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ أبِي عُبَيْدَةَ وقالَ: إنَّهم قَدْ أجابُوا بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهم قالُوا: إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ، ولا يَرُدُّ ما قالَهُ الطَّبَرِيُّ، لِأنَّهُ يُرِيدُ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهم أمْسَكُوا وسَكَتُوا عَنِ الجَوابِ المُرْضِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَجِيءُ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، وهو الِاعْتِرافُ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ لِلرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَجَوَّزَ في لَفْظَةِ الأيْدِي أيْ: أنَّهم رَدُّوا قُوَّتَهم ومُدافَعَتَهم ومُكافَحَتَهم فِيما قالُوا بِأفْواهِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَكانَ المَعْنى: رَدُّوا جَمِيعَ مُدافَعَتِهِمْ في أفْواهِهِمْ؛ أيْ: في أقْوالِهِمْ، وعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ المُدافَعَةِ بِالأيْدِي، إذِ الأيْدِي مَوْضِعُ أشَدِّ المُدافَعَةِ والمَرادَّةِ، انْتَهى. بادَرُوا أوَّلًا إلى الكُفْرِ وهو التَّكْذِيبُ المَحْضُ، ثُمَّ أخْبَرُوا بِأنَّهم في شَكٍّ وهو التَّرَدُّدُ، كَأنَّهم نَظَرُوا بَعْضَ نَظَرٍ اقْتَضى أنِ انْتَقَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ المَحْضِ إلى التَّرَدُّدِ، أوْ هُما قَوْلانِ مِن طائِفَتَيْنِ: طائِفَةٍ بادَرَتْ بِالتَّكْذِيبِ والكُفْرِ، وطائِفَةٍ شَكَّتْ، والشَّكُّ في مِثْلِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ كُفْرٌ. وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِمّا تَدْعُونا) بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في الضَّمِيرِ، كَما تُدْغَمُ في نُونِ الوِقايَةِ في مِثْلِ: (أتُحاجُّونِّي) والمَعْنى: مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ. و(مُرِيبٍ) صِفَةٌ تَوْكِيدِيَّةٌ، ودَخَلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ عَلى الظَّرْفِ الَّذِي هو خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في الشَّكِّ إنَّما هو في المَشْكُوكِ فِيهِ، وأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ لِظُهُورِ الأدِلَّةِ وشَهادَتِها عَلَيْهِ. وقُدِّرَ مُضافٌ فَقِيلَ: أفِي إلاهِيَّةِ اللَّهِ. وقِيلَ: أفِي وحْدانِيَّتِهِ، ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَقْتَضِي أنْ لا يَقَعَ فِيهِ شَكٌّ البَتَّةَ وهو كَوْنُهُ مُنْشِئَ العالَمِ ومُوجِدَهُ، فَقالَ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . و(فاطِرِ) صِفَةٌ لِلَّهِ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِمِثْلِ هَذا المُبْتَدَأِ، فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: في الدّارِ زِيدٌ الحَسَنَةِ، وإنْ كانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ في الدّارِ الحَسَنَةِ زَيْدٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”فاطِرَ“ نَصْبًا عَلى المَدْحِ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ فِيهِ شَكٌّ ذَكَرَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ والإحْسانِ إلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ أيْ: يَدْعُوكم إلى الإيمانِ كَما قالَ: ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ [غافر: ١٠]، أوْ يَدْعُوكم لِأجْلِ المَغْفِرَةِ، نَحْوَ: دَعَوْتُهُ لِيَنْصُرَنِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا ∗∗∗ فَلَبّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ و﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ إلى زِيادَةِ (مِن) أيْ: لِيَغْفِرَ لَكم ذُنُوبَكم. وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ لا يُجِيزُ زِيادَتَها في الواجِبِ، ولا إذا جُرَّتِ المَعْرِفَةُ، والتَّبْعِيضُ يُصْبِحُ فِيها إذِ المَغْفُورُ هو ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، بِخِلافِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ مِنَ المَظالِمِ. وبِطَرِيقٍ آخَرَ يَصِحُّ التَّبْعِيضُ وهو أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، ويَبْقى ما يُسْتَأْنَفُ بَعْدَ الإيمانِ مِنَ الذُّنُوبِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، هو في المَشِيئَةِ والوَعْدُ إنَّما هو بِغُفْرانِ ما تَقَدَّمَ، لا بِغُفْرانِ ما يُسْتَأْنَفُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ الِاسْتِقْراءَ في الكافِرِينَ أنْ يَأْتِيَ مِن ذُنُوبِكم، وفي المُؤْمِنِينَ ذُنُوبَكم، وكانَ ذَلِكَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ، ولِأنْ لا يُسَوِّيَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، انْتَهى. ويُقالُ: ما فائِدَةُ الفَرْقِ في الخِطابِ والمَعْنى مُشْتَرَكٌ، إذِ الكافِرُ إذا آمَنَ، والمُؤْمِنُ إذا تابَ مُشْتَرِكانِ في الغُفْرانِ، (p-٤١٠)وما تَخَيَّلْتَ فِيهِ مَغْفِرَةَ بَعْضِ الذُّنُوبِ في الكافِرِ الَّذِي آمَنَ هو مَوْجُودٌ في المُؤْمِنِ الَّذِي تابَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أمّا قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: المُرادُ تَمْيِيزُ خِطابِ المُؤْمِنِ مِن خِطابِ الكافِرِ، فَهو مِن بابِ الطّامّاتِ؛ لِأنَّ هَذا التَّبْعِيضَ إنْ حَصَلَ فَلا حاجَةَ إلى ذِكْرِ هَذا الجَوابِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ كانَ هَذا الكَلامُ فاسِدًا. وقالَ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى وقْتٍ قَدْ بَيَّنّاهُ، أوْ بَيَّنّا مِقْدارَهُ إنْ آمَنتُمْ، وإلّا عاجَلَكم بِالهَلاكِ قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ، انْتَهى. وهَذا بِناءً عَلى القَوْلِ بِالأجَلَيْنِ، وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في طَرْفٍ مِن هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [الأعراف: ٣٤] وقِيلَ هُنا: ويُؤَخِّرُكم إلى أجَلٍ مُسَمّى قَبْلَ المَوْتِ فَلا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ، إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ بَيْنَنا وبَيْنَكم، ولا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَلِمَ تُخَصُّونَ بِالنُّبُوَّةِ دُونَنا ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى البَشَرِ رُسَلًا لَجَعَلَهم مِن جِنْسٍ أفْضَلَ مِنهم وهُمُ المَلائِكَةُ، انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى مَن سِواهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في قَوْلِهِمُ اسْتِبْعادُ بِعْثَةِ البَشَرِ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: بَلْ أرادُوا إحالَتَهُ، وذَهَبُوا مَذْهَبَ البَراهِمَةِ، أوْ مَن يَقُولُ مِنَ الفَلاسِفَةِ أنَّ الأجْناسَ لا يَقَعُ فِيها هَذا القِياسُ. فَظاهِرُ كَلامِهِمْ لا يَقْتَضِي أنَّهم أغْمَضُوا هَذا الإغْماضَ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْتُ أنَّهم طَلَبُوا مِنهم حُجَّةً، ويُحْتَمَلُ أنَّ طَلَبَهم مِنهُمُ السُّلْطانَ إنَّما هو عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ؛ أيْ: بَعْثَتُكم مُحالٌ، وإلّا فَأتُوا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ؛ أيْ: إنَّكم لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ أبَدًا، فَتَقْوى بِهَذا الِاحْتِمالِ مَنَحاهم إلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ طَلَبَهُمُ السُّلْطانَ المُبِينَ وقَدْ أتَتْهُمُ الرُّسُلُ بِالبَيِّناتِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والِاقْتِراحِ، وإلّا فَما أُتُوا بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ والآياتِ كافٍ لِمَنِ اسْتَبْصَرَ، ولَكِنَّهم قَلَّدُوا آباءَهم فِيما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، ألا تَرى إلى أنَّهم لَمّا ذَكَرُوا أنَّهم مُماثِلُوهم قالُوا: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أيْ: لَيْسَ مَقْصُودُكم إلّا أنْ نَكُونَ لَكم تَبَعًا، ونَتْرُكُ ما نَشَأْنا عَلَيْهِ مِن دِينِ آبائِنا. وقَرَأ طَلْحَةُ: ﴿أنْ تَصُدُّونا﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، جَعَلَ ”أنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَدَّرَ فَصْلًا بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ، وكانَ الأصْلُ أنَّهُ تَصُدُّونَنا، فَأدْغَمَ نُونَ الرَّفْعِ في الضَّمِيرِ، والأوْلى أنْ تَكُونَ ”أنْ“ الثُّنائِيَّةَ الَّتِي تَنْصِبُ المُضارِعَ، لَكِنَّهُ هُنا لَمْ يُعْمِلْها بَلْ ألْغاها، كَما ألْغاها مَن قَرَأ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بِرَفْعِ (يُتِمُّ) حَمَلًا عَلى ”ما“ المَصْدَرِيَّةِ أُخْتِها.

إبراهيم 14:10

﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (p-٤٠٨)الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن خِطابِ مُوسى لِقَوْمِهِ. وقِيلَ: ابْتِداءُ خِطابٍ مِنَ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وخَبَرُ ﴿قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ قَدْ قَصَّهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ وهُودٍ، والهَمْزَةُ في (ألَمْ) لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ. والظّاهِرُ أنَّ (والَّذِينَ) في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ إمّا عَلى (الَّذِينَ) وإمّا عَلى ﴿قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ اعْتِراضٌ والمَعْنى: أنَّهم مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، انْتَهى. ولَيْسَتْ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ الِاعْتِراضِ تَكُونُ بَيْنَ جُزْأيْنِ، يَطْلُبُ أحَدُهُما الآخَرَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾، فَإنْ عَنى مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (بَعْدِهِمْ) فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ حالٌ مِمّا جُرَّ بِالإضافَةِ، ولَيْسَ لَهُ مَحَلُّ إعْرابٍ مِن رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ، وإنْ عَنى مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ النّائِبِ عَنِ العامِلِ أمْكَنَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْضًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وكَذَلِكَ جاءَتْهم. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ (والَّذِينَ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ وقَعَتِ اعْتِراضًا، انْتَهى. ولَيْسَتْ بِاعْتِراضٍ؛ لِأنَّها لَمْ تَقَعْ بَيْنَ جُزْأيْنِ أحَدُهُما يَطْلُبُ الآخَرَ. والضَّمِيرُ في (جاءَتْهم) عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، والجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ لِلنَّبَأِ. والظّاهِرُ أنَّ الأيْدِيَ هي الجَوارِحُ، وأنَّ الضَّمِيرَ في (أيْدِيهِمْ) وفي (أفْواهِهِمْ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ زَيْدٍ: أيْ جَعَلُوا؛ أيْ: أيْدِي أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ أنْفُسِهِمْ لِيَعَضُّوها غَيْظًا مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] والعَضُّ بِسَبَبٍ مَشْهُورٍ مِنَ البَشَرِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهْ وأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا (وقالَ آخَرُ) : ؎لَوْ أنَّ سَلْمى أبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ∗∗∗ ودَقَّةً في عَظْمِ ساقِي ويَدِي ؎وبُعْدَ أهْلِي وجَفاءَ عُوَّدِي ∗∗∗ عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بِأطْرافِ اليَدِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ عَجِبُوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ. وقالَ أبُو صالِحٍ: لَمّا قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِهِمْ أنِ اسْكُتْ تَكْذِيبًا لَهُ، ورَدًّا لِقَوْلِهِ، واسْتِبْشاعًا لِما جاءَ بِهِ. وقِيلَ: رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ضَحِكًا واسْتِهْزاءً كَمَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ. وقِيلَ: أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى ألْسِنَتِهِمْ وما نَطَقَتْ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: هَذا جَوابٌ لَكم لَيْسَ عِنْدَنا غَيْرُهُ إقْناطًا لَهم مِنَ التَّصْدِيقِ. وقِيلَ: الضَّمِيرانِ عائِدانِ عَلى الرُّسُلِ قالَهُ: مُقاتِلٌ، قالَ: أخَذُوا أيْدِيَ الرُّسُلِ ووَضَعُوها عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ لِيُسْكِتُوهم ويَقْطَعُوا كَلامَهم. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: جَعَلُوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ الرُّسُلِ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ، وهَذا أشْنَعُ في الرَّدِّ وأذْهَبُ في الِاسْتِطالَةِ عَلى الرُّسُلِ والنَّيْلِ مِنهم، فَعَلى هَذا الضَّمِيرِ في (أيْدِيهِمْ) عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأيْدِي هُنا النِّعَمُ، جَمْعُ يَدٍ المُرادُ بِها النِّعْمَةُ؛ أيْ: رَدُّوا نِعَمَ الأنْبِياءِ الَّتِي هي أجَلُّ النِّعَمِ مِن مَواعِظِهِمْ ونَصائِحِهِمْ، وما أُوحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ الشَّرائِعِ والآياتِ في أفْواهِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّهم إذا كَذَّبُوها ولَمْ يَقْبَلُوها فَكَأنَّهم رَدُّوها في أفْواهِهِمْ، ورَجَعُوها إلى حَيْثُ جاءَتْ مِنهُ عَلى طَرِيقِ المِثْلِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أفْواهِهِمْ) عَلى هَذا القَوْلِ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، وفي بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ: بِأفْواهِهِمْ، والمَعْنى: كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ. وفي بِمَعْنى الباءِ يُقالُ: جَلَسْتُ في البَيْتِ، وبِالبَيْتِ. (p-٤٠٩)وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ ”في“ مَوْضِعَ ”الباءِ“ فَتَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ الجَنَّةَ، وفي الجَنَّةِ. وأنْشَدَ: ؎وأرْغَبُ فِيها مِن لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنِّي عَنْ شِنْبِسٍ لَسْتُ أرْغَبُ يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا ضَرْبُ مَثَلٍ أيْ: لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يُجِيبُوا. والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا سَكَتَ عَنِ الجَوابِ وأمْسَكَ: رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ، وقالَهُ الأخْفَشُ أيْضًا. وقالَ القُتَبِيُّ: لَمْ يَسْمَعْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ: رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ إذا تَرَكَ ما أمَرَ بِهِ، انْتَهى. ومَن سَمِعَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَسْمَعْ، هَذاأبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ نَقَلا ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ، فَعَلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ يَكُونُ ذَلِكَ مِن مَجازِ التَّمْثِيلِ، كَأنَّ المُمْسِكَ عَنِ الجَوابِ السّاكِتَ عَنْهُ وضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ. وقَدْ رَدَّ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ أبِي عُبَيْدَةَ وقالَ: إنَّهم قَدْ أجابُوا بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهم قالُوا: إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ، ولا يَرُدُّ ما قالَهُ الطَّبَرِيُّ، لِأنَّهُ يُرِيدُ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهم أمْسَكُوا وسَكَتُوا عَنِ الجَوابِ المُرْضِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَجِيءُ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، وهو الِاعْتِرافُ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ لِلرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَجَوَّزَ في لَفْظَةِ الأيْدِي أيْ: أنَّهم رَدُّوا قُوَّتَهم ومُدافَعَتَهم ومُكافَحَتَهم فِيما قالُوا بِأفْواهِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَكانَ المَعْنى: رَدُّوا جَمِيعَ مُدافَعَتِهِمْ في أفْواهِهِمْ؛ أيْ: في أقْوالِهِمْ، وعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ المُدافَعَةِ بِالأيْدِي، إذِ الأيْدِي مَوْضِعُ أشَدِّ المُدافَعَةِ والمَرادَّةِ، انْتَهى. بادَرُوا أوَّلًا إلى الكُفْرِ وهو التَّكْذِيبُ المَحْضُ، ثُمَّ أخْبَرُوا بِأنَّهم في شَكٍّ وهو التَّرَدُّدُ، كَأنَّهم نَظَرُوا بَعْضَ نَظَرٍ اقْتَضى أنِ انْتَقَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ المَحْضِ إلى التَّرَدُّدِ، أوْ هُما قَوْلانِ مِن طائِفَتَيْنِ: طائِفَةٍ بادَرَتْ بِالتَّكْذِيبِ والكُفْرِ، وطائِفَةٍ شَكَّتْ، والشَّكُّ في مِثْلِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ كُفْرٌ. وقَرَأ طَلْحَةُ: (مِمّا تَدْعُونا) بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في الضَّمِيرِ، كَما تُدْغَمُ في نُونِ الوِقايَةِ في مِثْلِ: (أتُحاجُّونِّي) والمَعْنى: مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ. و(مُرِيبٍ) صِفَةٌ تَوْكِيدِيَّةٌ، ودَخَلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ عَلى الظَّرْفِ الَّذِي هو خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في الشَّكِّ إنَّما هو في المَشْكُوكِ فِيهِ، وأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ لِظُهُورِ الأدِلَّةِ وشَهادَتِها عَلَيْهِ. وقُدِّرَ مُضافٌ فَقِيلَ: أفِي إلاهِيَّةِ اللَّهِ. وقِيلَ: أفِي وحْدانِيَّتِهِ، ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَقْتَضِي أنْ لا يَقَعَ فِيهِ شَكٌّ البَتَّةَ وهو كَوْنُهُ مُنْشِئَ العالَمِ ومُوجِدَهُ، فَقالَ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . و(فاطِرِ) صِفَةٌ لِلَّهِ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِمِثْلِ هَذا المُبْتَدَأِ، فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: في الدّارِ زِيدٌ الحَسَنَةِ، وإنْ كانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ في الدّارِ الحَسَنَةِ زَيْدٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”فاطِرَ“ نَصْبًا عَلى المَدْحِ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ فِيهِ شَكٌّ ذَكَرَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ والإحْسانِ إلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ أيْ: يَدْعُوكم إلى الإيمانِ كَما قالَ: ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ﴾ [غافر: ١٠]، أوْ يَدْعُوكم لِأجْلِ المَغْفِرَةِ، نَحْوَ: دَعَوْتُهُ لِيَنْصُرَنِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا ∗∗∗ فَلَبّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ و﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ إلى زِيادَةِ (مِن) أيْ: لِيَغْفِرَ لَكم ذُنُوبَكم. وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ لا يُجِيزُ زِيادَتَها في الواجِبِ، ولا إذا جُرَّتِ المَعْرِفَةُ، والتَّبْعِيضُ يُصْبِحُ فِيها إذِ المَغْفُورُ هو ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، بِخِلافِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ مِنَ المَظالِمِ. وبِطَرِيقٍ آخَرَ يَصِحُّ التَّبْعِيضُ وهو أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، ويَبْقى ما يُسْتَأْنَفُ بَعْدَ الإيمانِ مِنَ الذُّنُوبِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، هو في المَشِيئَةِ والوَعْدُ إنَّما هو بِغُفْرانِ ما تَقَدَّمَ، لا بِغُفْرانِ ما يُسْتَأْنَفُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ الِاسْتِقْراءَ في الكافِرِينَ أنْ يَأْتِيَ مِن ذُنُوبِكم، وفي المُؤْمِنِينَ ذُنُوبَكم، وكانَ ذَلِكَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ، ولِأنْ لا يُسَوِّيَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، انْتَهى. ويُقالُ: ما فائِدَةُ الفَرْقِ في الخِطابِ والمَعْنى مُشْتَرَكٌ، إذِ الكافِرُ إذا آمَنَ، والمُؤْمِنُ إذا تابَ مُشْتَرِكانِ في الغُفْرانِ، (p-٤١٠)وما تَخَيَّلْتَ فِيهِ مَغْفِرَةَ بَعْضِ الذُّنُوبِ في الكافِرِ الَّذِي آمَنَ هو مَوْجُودٌ في المُؤْمِنِ الَّذِي تابَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أمّا قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: المُرادُ تَمْيِيزُ خِطابِ المُؤْمِنِ مِن خِطابِ الكافِرِ، فَهو مِن بابِ الطّامّاتِ؛ لِأنَّ هَذا التَّبْعِيضَ إنْ حَصَلَ فَلا حاجَةَ إلى ذِكْرِ هَذا الجَوابِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ كانَ هَذا الكَلامُ فاسِدًا. وقالَ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى وقْتٍ قَدْ بَيَّنّاهُ، أوْ بَيَّنّا مِقْدارَهُ إنْ آمَنتُمْ، وإلّا عاجَلَكم بِالهَلاكِ قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ، انْتَهى. وهَذا بِناءً عَلى القَوْلِ بِالأجَلَيْنِ، وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في طَرْفٍ مِن هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [الأعراف: ٣٤] وقِيلَ هُنا: ويُؤَخِّرُكم إلى أجَلٍ مُسَمّى قَبْلَ المَوْتِ فَلا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ، إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ بَيْنَنا وبَيْنَكم، ولا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، فَلِمَ تُخَصُّونَ بِالنُّبُوَّةِ دُونَنا ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى البَشَرِ رُسَلًا لَجَعَلَهم مِن جِنْسٍ أفْضَلَ مِنهم وهُمُ المَلائِكَةُ، انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى مَن سِواهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في قَوْلِهِمُ اسْتِبْعادُ بِعْثَةِ البَشَرِ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: بَلْ أرادُوا إحالَتَهُ، وذَهَبُوا مَذْهَبَ البَراهِمَةِ، أوْ مَن يَقُولُ مِنَ الفَلاسِفَةِ أنَّ الأجْناسَ لا يَقَعُ فِيها هَذا القِياسُ. فَظاهِرُ كَلامِهِمْ لا يَقْتَضِي أنَّهم أغْمَضُوا هَذا الإغْماضَ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْتُ أنَّهم طَلَبُوا مِنهم حُجَّةً، ويُحْتَمَلُ أنَّ طَلَبَهم مِنهُمُ السُّلْطانَ إنَّما هو عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ؛ أيْ: بَعْثَتُكم مُحالٌ، وإلّا فَأتُوا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ؛ أيْ: إنَّكم لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ أبَدًا، فَتَقْوى بِهَذا الِاحْتِمالِ مَنَحاهم إلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ طَلَبَهُمُ السُّلْطانَ المُبِينَ وقَدْ أتَتْهُمُ الرُّسُلُ بِالبَيِّناتِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والِاقْتِراحِ، وإلّا فَما أُتُوا بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ والآياتِ كافٍ لِمَنِ اسْتَبْصَرَ، ولَكِنَّهم قَلَّدُوا آباءَهم فِيما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، ألا تَرى إلى أنَّهم لَمّا ذَكَرُوا أنَّهم مُماثِلُوهم قالُوا: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أيْ: لَيْسَ مَقْصُودُكم إلّا أنْ نَكُونَ لَكم تَبَعًا، ونَتْرُكُ ما نَشَأْنا عَلَيْهِ مِن دِينِ آبائِنا. وقَرَأ طَلْحَةُ: ﴿أنْ تَصُدُّونا﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، جَعَلَ ”أنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَدَّرَ فَصْلًا بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ، وكانَ الأصْلُ أنَّهُ تَصُدُّونَنا، فَأدْغَمَ نُونَ الرَّفْعِ في الضَّمِيرِ، والأوْلى أنْ تَكُونَ ”أنْ“ الثُّنائِيَّةَ الَّتِي تَنْصِبُ المُضارِعَ، لَكِنَّهُ هُنا لَمْ يُعْمِلْها بَلْ ألْغاها، كَما ألْغاها مَن قَرَأ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بِرَفْعِ (يُتِمُّ) حَمَلًا عَلى ”ما“ المَصْدَرِيَّةِ أُخْتِها.

إبراهيم 14:11

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ. ﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى. ﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ: ؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا وقالَ آخَرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.

إبراهيم 14:12

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ. ﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى. ﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ: ؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا وقالَ آخَرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.

إبراهيم 14:13

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ. ﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى. ﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ: ؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا وقالَ آخَرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.

إبراهيم 14:14

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ. ﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى. ﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ: ؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا وقالَ آخَرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.

إبراهيم 14:15

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ. ﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى. ﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ: ؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا وقالَ آخَرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.

إبراهيم 14:16

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ. ﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى. ﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ: ؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا وقالَ آخَرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.

إبراهيم 14:17

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ. ﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى. ﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ: ؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا وقالَ آخَرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.

إبراهيم 14:18

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ. ﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى. ﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ: ؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا وقالَ آخَرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.

إبراهيم 14:19

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ. ﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى. ﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ: ؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا وقالَ آخَرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.

إبراهيم 14:20

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ. ﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى. ﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ: ؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا وقالَ آخَرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.

إبراهيم 14:21

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (p-٤١١)سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ. ﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ سَبَقَ كَوْنُهم كانُوا في مِلَّتِهِمْ، وأمّا الرُّسُلُ فَلَمْ يَكُونُوا في مِلَّتِهِمْ قَطُّ. أوْ يَكُونُ المَعْنى في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ سُكُوتَهم عَنْهم، وكَوْنَهم أغْفالًا عَنْهم لا يُطالِبُونَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ وما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ) ولِيُسْكِنَنَّكم، بِياءِ الغَيْبَةِ، اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، إذْ لَفْظُهُ لَفْظُ الغائِبِ. وجاءَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمْ﴾ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لَهم بِالخِطابِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ . ولَمّا أقْسَمُوا بِهِمْ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ والعَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ، أقْسَمَ تَعالى عَلى إهْلاكِهِمْ. وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِنَ الإهْلاكِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم عَوْدَةٌ إلَيْها أبَدًا، وعَلى إسْكانِ الرُّسُلِ ومَن آمَنَ بِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ أرْضَ أُولَئِكَ المُقْسِمِينَ عَلى إخْراجِ الرُّسُلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخَصَّ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، وإنَّما تَوَعَّدَ لِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَوْرِيثِ الأرْضِ الأنْبِياءَ ومَن آمَنَ بِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . ومَقامٌ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَكانَ. فَقالَ الفَرّاءُ: ﴿مَقامِي﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، أيْ: قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ، ومُراقَبَتِي إيّاهُ لِقَوْلِهِ: (p-٤١٢)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: مَكانُ وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ، وهو مَوْقِفُ اللَّهِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ وعَلى إقْحامِ المَقامِ، أيْ لِمَن خافَنِي. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ: أيِ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفُتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ، أيِ: اسْتَحْكَمُوا اللَّهَ، طَلَبُوا مِنهُ القَضاءَ بَيْنَهم. واسْتِنْصارُ الرُّسُلِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي﴾ [الشعراء: ١١٨]، وقَوْلِ لُوطٍ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ وقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ وقَوْلِ مُوسى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ أيْ: واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ ما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦]؛ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقَطَعَنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ. وكَأنَّهم لَمّا قَوِيَ تَكْذِيبُهم وأذاهم؛ ولَمْ يُعاجَلُوا بِالعُقُوبَةِ، ظَنُّوا أنَّ ما جاءُوا بِهِ باطِلٌ؛ فاسْتَفْتَحُوا عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَقَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢]؛ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧]؛ وعادٍ: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]؛ وبَعْضِ قُرَيْشٍ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ: الأنْبِياءِ، ومُكَذِّبِيهِمْ، لِأنَّهم كانُوا كُلُّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ ويُبْطَلَ المُبْطِلُ. ويُقَوِّي عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ، خاصَّةً قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ: ﴿واسْتَفْتِحُوا﴾ بِكَسْرِ التّاءِ، أمْرًا لِلرُّسُلِ مَعْطُوفًا عَلى (لَيُهْلِكَنَّ) أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: (لَيُهْلِكَنَّ)، وقالَ لَهُمُ: (اسْتَفْتِحُوا) أيِ: اطْلُبُوا النَّصْرَ، وسَلُوهُ مِن رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أهْلُ مَكَّةَ قَدِ اسْتَفْتَحُوا أيِ اسْتَمْطَرُوا، والفَتْحُ: المَطَرُ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ، وأنَّهُ خَيَّبَ رَجاءَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وأنَّهُ يُسْقى في جَهَنَّمَ؛ بَدَلَ سُقْياهُ ماءً آخَرَ، وهو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ حَدِيثِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ؛ انْتَهى. ﴿وخابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَنُصِرُوا وظَفِرُوا. وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُ الرُّسُلِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ جَبّارٍ. والعَنِيدُ: المُعانِدُ، كالخَلِيطِ بِمَعْنى المُخالِطِ، عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ، كَأنَّ وخابَ عَطْفًا عَلى واسْتَفْتَحُوا. ومِن ورائِهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ، أيْ: مِن بَعْدِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَهْرَبُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا، وقُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ: و﴿مِن ورائِهِ﴾؛ أيْ: ومِن أمامِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: مِن بَيْنِ يَدَيْهِ. وأنْشَدَ: ؎عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ ∗∗∗ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ وهَذا وصْفُ حالِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ، فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها، أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حِينَ يُبْعَثُ ويُوقَفُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمُ تَمِيمٍ والفَلاةُ ورائِيا وقالَ آخَرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تَحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ ووَراءُ مَنِ الأضْدادِ قالَهُ: أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ. وقِيلَ: لَيْسَ مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: اسْمٌ لِما تَوارى عَنْكَ، سَواءٌ كانَ أمامَكَ أمْ خَلْفَكَ. وقِيلَ: بِمَعْنى مِن خَلْفِهِ؛ أيْ: في طَلَبِهِ كَما تَقُولُ الأمْرُ مِن ورائِكَ؛ أيْ: سَوْفَ يَأْتِيكَ. ويُسْقى مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: يُلْقى فِيها ويُسْقى، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى العامِلِ في مِن ورائِهِ، وهو واقِعٌ مَوْقِعَ الصِّفَةِ. وارْتِفاعُ جَهَنَّمَ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والظّاهِرُ إرادَةُ حَقِيقَةِ الماءِ (p-٤١٣)وصَدِيدٍ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو نَعْتٌ لِماءٍ، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا يَعْنِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ ماءٌ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ عَلى إسْقاطِ أداةِ التَّشْبِيهِ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ أسَدٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ صَدِيدٍ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: هو نَفْسُ الصَّدِيدِ، ولَيْسَ بِماءٍ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ صَدِيدًا، ولَكِنَّهُ ما يُشَبَّهُ بِالصَّدِيدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَدِيدٍ: عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ؛ قالَ: ويُسْقى مِن ماءٍ، فَأبْهَمَهُ إبْهامًا، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: صَدِيدٍ؛ انْتَهى. والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ عَطْفَ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، فَأعْرَبَ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عَطْفَ بَيانٍ ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فَعَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدِيدٍ عَطْفَ بَيانٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: صَدِيدٍ: نَعْتٌ لِماءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ: هو غُسالَةُ أهْلِ النّارِ في النّارِ. وقِيلَ: هو ما يَسِيلُ مِن فُرُوجِ الزُّناةِ والزَّوانِي. وقِيلَ: ”صَدِيدٍ“؛ بِمَعْنى مَصْدُودٍ عَنْهُ؛ أيْ: لِكَراهَتِهِ يُصَدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا عَنْهُ مِنَ الصَّدِّ. وذَكَرَ ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ الرَّسُولِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: ”يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنهُ شَوى وجْهَهُ ووَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِن دُبُرِهِ“ يَتَجَرَّعُهُ: يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ. ولا يَكادُ يُسِيغُهُ؛ أيْ: ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ، فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ. والظّاهِرُ هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ إساغَتِهِ إيّاهُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفَتِ الإساغَةُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]؛ أيْ: لَمْ يَقْرُبُ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ والحَدِيثُ: جاءَنا ثُمَّ يَشْرَبُهُ فَإنْ صَحَّ الحَدِيثُ كانَ المَعْنى: ولا يَكادُ يُسِيغُهُ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهُ ثُمَّ شَرِبَهُ، كَما جاءَ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَ الذَّبْحِ. وتَجَرَّعَ: تَفَعَّلَ، ويَحْتَمِلُ هُنا وُجُوهًا: أنْ يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ؛ أيْ: جَرَّعَهُ فَتَجَرَّعَ، كَقَوْلِكَ: عَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. وأنْ يَكُونَ لِلتَّكَلُّفِ، نَحْوَ: تَحَلَّمَ، وأنْ يَكُونَ لِمُواصَلَةِ العَمَلِ في مُهْلَةٍ؛ نَحْو: تَفَهَّمَ؛ أيْ: يَأْخُذُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وأنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ؛ أيْ: تَجَرَّعَهُ، كَما تَقُولُ: عَدا الشَّيْءَ وتَعَدّاهُ. ويَتَجَرَّعُهُ: صِفَةٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرٍ ﴿ويُسْقى﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ. ويَأْتِيهِ المَوْتُ؛ أيْ: أسْبابُهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: مِن كُلِّ مَكانٍ؛ مَعْناهُ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، وذَلِكَ لِفَظِيعِ ما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ. وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِن كُلِّ مَكانٍ: مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ. وقِيلَ: حَتّى مِن إبْهامِ رِجْلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الآخِرَةِ. وقالَ الأخْفَشُ: أرادَ البَلايا الَّتِي تُصِيبُ الكافِرَ في الدُّنْيا، سَمّاها مَوْتًا وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا مِن أحْوالِ الكافِرِ في جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: وما هو بِمَيِّتٍ؛ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ، وامْتِدادِ سَكَراتِهِ. ومِن ورائِهِ: الخِلافُ في ﴿مِن ورائِهِ﴾ كالخِلافِ في ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن ورائِهِ؛ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ عَذابٌ غَلِيظٌ؛ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذًَابا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ. وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ (في ورائِهِ) هو يَعُودُ عَلى العَذابِ المُتَقَدِّمِ لا عَلى كُلِّ جَبّارٍ.