Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — إبراهيم 14:22 – إبراهيم 14:44

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. إبراهيم 14:22
  2. إبراهيم 14:23
  3. إبراهيم 14:24
  4. إبراهيم 14:25
  5. إبراهيم 14:26
  6. إبراهيم 14:27
  7. إبراهيم 14:28
  8. إبراهيم 14:29
  9. إبراهيم 14:30
  10. إبراهيم 14:31
  11. إبراهيم 14:32
  12. إبراهيم 14:33
  13. إبراهيم 14:34
  14. إبراهيم 14:35
  15. إبراهيم 14:36
  16. إبراهيم 14:37
  17. إبراهيم 14:38
  18. إبراهيم 14:39
  19. إبراهيم 14:40
  20. إبراهيم 14:41
  21. إبراهيم 14:42
  22. إبراهيم 14:43
  23. إبراهيم 14:44

إبراهيم 14:22

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] (p-٤١٤)الرَّمادُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ ابْنُ عِيسى: هو جِسْمٌ يَسْحَقُهُ الإحْراقُ سَحْقَ الغُبارِ، ويُجْمَعُ عَلى رُمُدٍ في الكَثْرَةِ وأرْمِدَةٍ في القِلَّةِ، وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أفْعِلاءَ، قالُوا: أرْمِداءُ، ورَمادٌ رَمْدَدٌ إذا صارَ هَباءً أرَقَّ ما يَكُونُ. الجَزَعُ: عَدَمُ احْتِمالِ الشِّدَّةِ، وهو نَقِيضُ الصَّبْرِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎جَزِعْتُ ولَمْ أجْزَعْ مِنَ البَيْنِ مَجْزَعًا وعَزَّيْتُ قَلْبًا بِالكَواعِبِ مُولَعا المُصْرِخُ: المُغِيثُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا تَجْزَعُوا إنِّي لَكم غَيْرُ مُصْرِخٍ ∗∗∗ ولَيْسَ لَكم عَنِّي غَناءٌ ولا نَصْرٌ والصّارِخُ: المُسْتَغِيثُ، صَرَخَ يَصْرُخُ صَرْخًا وصُراخًا وصَرْخَةً. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ: ؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ واصْطَرَخَ بِمَعْنى صَرَخَ، وتَصَرَّخَ: تَكَلَّفَ الصُّراخَ، واسْتَصْرَخَ اسْتَغاثَ، فَقالَ: اسْتَصْرَخَنِي فَأصْرَخْتُهُ، والصَّرِيخُ: مَصْدَرٌ كالتَّرِيحِ، ويُوصَفُ بِهِ المُغِيثُ والمُسْتَغِيثُ مِنَ الأضْدادِ. الفَرْعُ: الغُصْنُ مِنَ الشَّجَرَةِ. ويُطْلَقُ عَلى ما يُولَدُ مِنَ الشَّيْءِ، والفَرْعُ: الشَّعْرُ، يُقالُ: رَجُلٌ أفْرَعُ وامْرَأةٌ فَرْعاءُ لِمَن كَثُرَ شَعْرُهُ. وقالَ الشّاعِرُ: وهو امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ حُجْرٍ: ؎وفَـرْعٍ يُغَشِّـي المَـتْنَ أسْـوَدَ فَـاحِمِ اجْتَثَّ الشَّيْءَ: اقْتَلَعَهُ، وجَثَّ الشَّيْءَ: قَلَعَهُ، والجُثَّةُ: شَخْصُ الإنْسانِ قاعِدًا وقائِمًا. وقالَ لَقِيطٌ الإيادِيُّ: ؎هُوَ الجَلاءُ الَّذِي يَجْتَثُّ أصْلَكم ∗∗∗ فَمَن رَأى مِثْلَ ذا آتٍ ومَن سَمِعا البَوارُ: الهَلاكُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ ∗∗∗ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨]: ارْتِفاعُ ”مَثَلُ“ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فِيما يُتْلى عَلَيْكم، أوْ يُقَصُّ. والمَثَلُ مُسْتَعارٌ لِلصِّفَةِ الَّتِي فِيها غَرابَةٌ، ﴿وأعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ مَثَلُهم ؟ فَقِيلَ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ: عِرْضُهُ مَصُونٌ، ومالُهُ مَبْذُولٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ: أنَّهُ عَلى إلْغاءٍ ”مَثَلُ“، وأنَّ المَعْنى: الَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَرَمادٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مَثَلُ﴾ [إبراهيم: ١٨] رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وأعْمالُهم بَدَلٌ مِن ﴿مَثَلُ﴾ [إبراهيم: ١٨] بَدَلَ اشْتِمالٍ. كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ما لِلْجَمالِ مَشْيُها وئِيدًا ∗∗∗ أجُنْدُلًا يَحْمِلْنَ أمْ حَدِيدًا وكَرَمادٍ: الخَبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَكُونُ أعْمالُهم بَدَلًا مِن مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، عَلى تَقْدِيرِ: مَثَلُ أعْمالِهِمْ، و﴿كَرَمادٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] الخَبَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: هو ابْتِداءٌ، و﴿أعْمالُهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٨] ابْتِداءٌ ثانٍ، و﴿كَرَمادٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] خَبَرٌ لِلثّانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ (p-٤١٥)الأوَّلِ. وهَذا عِنْدِي أرْجَحُ الأقْوالِ، وكَأنَّكَ قُلْتَ: المُتَحَصِّلُ مِثالًا في النَّفْسِ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، هَذِهِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ، وهي أعْمالُهم في فَسادِها وقْتَ الحاجَةِ، وتَلاشِيها كالرَّمادِ الَّذِي تَذْرُوهُ الرِّيحُ، وتُفَرِّقُهُ بِشِدَّتِها حَتّى لا يَبْقى لَهُ أثَرٌ، ولا يَجْتَمِعَ مِنهُ شَيْءٌ، انْتَهى. وهَذا القَوْلُ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وهو لا يَجُوزُ، لِأنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، الَّذِي هو ”مَثَلُ“ عارِيَةٌ مِن رابِطٍ يَعُودُ عَلى المَثَلِ، ولَيْسَتْ نَفْسَ المُبْتَدَأِ في المَعْنى، فَلا تَحْتاجُ إلى رابِطٍ. وأعْمالُ الكَفَرَةِ: المَكارِمُ الَّتِي كانَتْ لَهم مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وعِتْقِ الرِّقابِ، وفِداءِ الأسارى، وعَقْرِ الإبِل لِلْأضْيافِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ، والإجارَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ شَبَّهَها في حُبُوطِها وذَهابِها هَباءًا مَنثُورًا، لِبِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ والإيمانِ بِهِ، وكَوْنِها لِوَجْهِهِ بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ العاصِفُ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: الرِّياحُ عَلى الجَمْعِ، والجُمْهُورُ عَلى الإفْرادِ. ووَصْفُ اليَوْمِ بِيَوْمٍ عاصِفٍ، وإنْ كانَ مِن صِفَةِ الرِّيحِ، عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ، كَما قالُوا: يَوْمَ ما حَلَّ وكِيلٌ نائِمٌ. وقالَ الهَرَوِيُّ: التَّقْدِيرُ في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ، فَحُذِفَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا جاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كاسِفُ يُرِيدُ كاسِفُ الشَّمْسِ. وقِيلَ: عاصِفٌ مِن صِفَةِ الرِّيحِ، إلّا أنَّهُ لَمّا جاءَ بَعْدَ اليَوْمِ أُتْبِعَ إعْرابَهُ، كَما قِيلَ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، يَعْنِي: أنَّهُ خُفِضَ عَلى الجِوارِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، عَلى إضافَةِ اليَوْمِ لِعاصِفٍ، وهو عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ، وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ، تَقْدِيرُهُ: في يَوْمِ رِيحٍ عاصِفٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ (العُصُوفِ) في يُونُسَ في قَوْلِهِ: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢]، وعَلى قَوْلِ مَن أجازَ إضافَةَ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ مِنهُ: لا يَقْدِرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِمّا كَسَبُوا مِن أعْمالِهِمْ عَلى شَيْءٍ، أيْ: لا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِن ثَوابٍ، كَما لا يُقْدَرُ مِنَ الرَّمادِ المَطِيرِ بِالرِّيحِ عَلى شَيْءٍ. وقِيلَ: لا يَقْدِرُونَ مِن ثَوابِ ما كَسَبُوا، هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ. وفي الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، هَلْ ذَلِكَ نافِعُهُ ؟ قالَ: لا يَنْفَعُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)»، وفي الصَّحِيحِ أيْضًا: «إنَّ الكافِرَ لَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا ما عَمِلَ لِلَّهِ مِنها»، ذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ بِهَذِهِ الحالِ. وعَلى مِثْلِ هَذا الغَرَرِ البَعِيدِ الَّذِي يُعْمِقُ فِيهِ صاحِبُهُ، وأُبْعِدَ عَنْ طَرِيقِ النَّجاةِ، والبَعِيدُ عَنِ الحَقِّ، أوِ الثَّوابِ. وفي البَقَرَةِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا﴾ [إبراهيم: ١٨] عَلى شَيْءٍ مِنَ التَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ، والمُغايَرَةِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمَعْنى واحِدٌ. ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] . ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينِ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]: قَرَأ السُّلَمِيُّ (ألَمْ تَرْ) بِسُكُونِ الرّاءِ، ووَجْهُهُ: أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مُجْرى الوَقْفِ. وتَوْجِيهٌ آخَرُ، وهو أنَّ تَرى (p-٤١٦)حَذَفَتِ العَرَبُ ألِفَها في قَوْلِهِمْ: قامَ القَوْمُ ولَوْ تَرَ ما زَيْدٌ، كَما حُذِفَتْ ياءُ (لا أُبالِي) في لا أُبالِ، فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ تُخُيِّلَ أنَّ الرّاءَ هي آخِرُ الكَلِمَةِ، فَسُكِّنَتْ لِلْجازِمِ، كَما قالُوا في: (لا أُبالِي) لَمْ أُبَلْ، تَخَيَّلُوا اللّامَ آخِرَ الكَلِمَةِ. والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، فَهي مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. وقَرَأ الأخَوانِ: (خالِقُ) اسْمَ فاعِلٍ، و(الأرْضِ) بِالخَفْضِ. قَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (خَلَقَ) فِعْلًا ماضِيًا، و(الأرْضَ) بِالفَتْحِ. ومَعْنى بِالحَقِّ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالحِكْمَةِ، والغَرَضِ الصَّحِيحِ، والأمْرِ العَظِيمِ، ولَمْ يَخْلُقْها عَبَثًا ولا شَهْوَةً. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِالحَقِّ أيْ بِما يَحِقُّ مِن جِهَةِ مَصالِحِ عِبادِهِ، وإنْفاذِ سابِقِ قَضائِهِ، ولِيَدُلَّ عَلَيْهِ وعَلى قُدْرَتِهِ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِ وكَلامِهِ. وقِيلَ: ﴿بِالحَقِّ﴾ [إبراهيم: ١٩] حالٌ أيْ مُحِقًّا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٩]، خِطابٌ عامٌّ لِلنّاسِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطابٌ لِلْكُفّارِ. ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِناسٍ آخَرِينَ مِن جِنْسِكم آدَمِيِّينَ، ويَحْتَمِلْ مِن غَيْرِ جِنْسِكم. والأوَّلُ: قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وتَقَدَّمَ نَحْوُ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ لِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ في النِّساءِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] وبَيَّنّا في ذَلِكَ أنَّهُ لا يَحْتَمِلُ إلّا الوَجْهَ الأوَّلَ. وما ذَلِكَ، أيْ: وما ذَهابُكم والإتْيانُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ بِمُمْتَنِعٍ ولا مُتَعَذِّرٍ عَلَيْهِ تَعالى، لِأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى ما يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهُ قادِرُ الذّاتِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُون مَقْدُورٍ، فَإذا خَلَصَ لَهُ الدّاعِي إلى شَيْءٍ، وانْتَفى الصّارِفُ، تَكُونُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ كَتَحْرِيكِ أُصْبُعِكَ. وإذا دَعا إلَيْهِ داعٍ ولَمْ يَعْتَرِضْ مِن دُونِهِ صارِفٌ، انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ لِقَوْلِهِ: القادِرُ، لِأنَّهم يُثْبِتُونَ القادِرِيَّةَ ويَنْفُونَ القُدْرَةَ، ولِتَشْبِيهِ فِعْلِهِ تَعالى بِفِعْلِ العَبْدِ في قَوْلِهِ: كَتَحْرِيكِ أُصْبُعِكَ. وعِنْدَنا أنَّ تَحْرِيكَ أُصْبُعِنا لَيْسَ إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ ما نُسِبَ إلَيْنا مِنَ القُدْرَةِ لَيْسَ مُؤَثِّرًا في إيجادِ شَيْءٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: وهَذِهِ الآيَةُ بَيانٌ لِإبْعادِهِمْ في الضَّلالِ، وعَظِيمِ خَطْبِهِمْ في الكُفْرِ بِاللَّهِ، لِوُضُوحِ آياتِهِ الشّاهِدَةِ لَهُ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ، وأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُعْبَدَ ويُخافَ عِقابُهُ، ويُرْجى ثَوابُهُ في دارِ الجَزاءِ، انْتَهى. ﴿وبَرَزُوا﴾ [إبراهيم: ٢١]: أيْ ظَهَرُوا مِن قُبُورِهِمْ إلى جَزاءِ اللَّهِ وحِسابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى بُرُوزِهِمْ لِلَّهِ، واللَّهُ تَعالى لا يَتَوارى عَنْهُ شَيْءٌ حَتّى يُبْرِزَ أنَّهم كانُوا يَسْتَتِرُونَ مِنَ العُيُونِ عِنْدَ ارْتِكابِ الفَواحِشِ، ويَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ خافٍ عَلى اللَّهِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لِلَّهِ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَرَزُوا: مَعْناهُ صارُوا بِالبَرازِ، وهي الأرْضُ المُتَّسِعَةُ، فاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِجَمْعِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَأْوِيلُ الحُكَماءِ: أنَّ النَّفْسَ إذا فارَقَتِ الجَسَدَ فَكَأنَّهُ زالَ الغِطاءُ وبَقِيَتْ مُتَجَرِّدَةً بِذاتِها عارِيَةً عَنْ كُلِّ ما سِواها، وذَلِكَ هو البُرُوزُ لِلَّهِ تَعالى. وهَذا الرَّجُلُ كَثِيرًا ما يُورِدُ كَلامَ الفَلاسِفَةِ، وهم مُبايِنُونَ لِأهْلِ الشَّرائِعِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلِ بِلُغَةِ العَرَبِ، والعَرَبُ لا تَفْهَمُ شَيْئًا مِن مَفاهِيمِ أهْلِ الفَلْسَفَةِ، فَتَفْسِيرُهم كاللُّغَزِ والأحاجِيَّ، ويُسَمِّيهِمْ هَذا الرَّجُلُ حُكَماءَ، وهم مِن أجْهَلِ الكَفَرَةِ بِاللَّهِ تَعالى وبِأنْبِيائِهِ. والضَّمِيرُ في ﴿وبَرَزُوا﴾ [إبراهيم: ٢١] عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المُحاسَبِينَ، وعَبَّرَ بِلَفْظِ الماضِي لِصِدْقِ المُخْبِرِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وبَرَزُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وبِتَشْدِيدِ الرّاءِ. والضُّعَفاءُ: الأتْباعُ، والعَوامُّ. وكُتِبَ بِواوٍ في المُصْحَفِ قَبْلَ الهَمْزَةِ عَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ فَيُمِيلُها إلى الواوِ، ومِثْلُهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ. والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: هم رُؤَساؤُهم وقاداتُهم، اسْتَغْفَرُوا الضُّعَفاءَ واسْتَتْبَعُوهم. واسْتَكْبَرُوا وتَكَبَّرُوا، وأظْهَرُوا تَعْظِيمَ أنْفُسِهِمْ. أوِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّباعِ الرُّسُلِ وعِبادَةِ اللَّهِ. وتَبَعًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ لِتابِعٍ، كَخادِمٍ وخُدَّمٍ، وغائِبٍ وغُيَّبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَقَوْلِهِ: عَدْلٌ ورِضًا. وهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ: مَعْناهُ تَوْبِيخُهم إيّاهم وتَقْرِيعُهم، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهم لَنْ يُغْنُوا، والمَعْنى: إنّا اتَّبَعْناكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ كَما أمَرْتُمُونا وما أغْنَيْتُمْ عَنّا شَيْئًا، فَلِذَلِكَ جاءَ (p-٤١٧)جَوابُهم: لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم، أجابُوا بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِذارِ والخَجَلِ ورَدِّ الهِدايَةِ لِلَّهِ تَعالى، وهو كَلامٌ حَقٌّ في نَفْسِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن) الأُولى لِلتَّبْيِينِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ الشَّيْءِ الَّذِي هو عَذابُ اللَّهِ ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا لِلتَّبْعِيضِ مَعًا بِمَعْنى: هَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ شَيْءٍ، هو بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ، أيْ: بَعْضُ بَعْضِ عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى. وهَذانِ التَّوْجِيهانِ اللَّذانِ وجَّهَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ في (مِن) في المَكانَيْنِ يَقْتَضِي أوَّلُهُما التَّقْدِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٢١]، لِأنَّهُ جَعَلَ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] هو المُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٢١] . و(مِن) التَّبْيِينِيَّةُ يَتَقَدَّمُ عَلَيْها ما تُبَيِّنُهُ، ولا يَتَأخَّرُ والتَّوْجِيهُ الثّانِي، وهو بَعْضُ شَيْءٍ، هو بَعْضُ العَذابِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَدَلًا، فَيَكُونُ بَدَلَ عامٍّ مِن خاصٍّ، لِأنَّ مِن شَيْءٍ أعَمُّ مِن قَوْلِهِ: مِن عَذابِ اللَّهِ، وإنْ عَنى بِشَيْءٍ شَيْئًا مِنَ العَذابِ فَيَئُولُ المَعْنى إلى ما قُدِّرَ، وهو بَعْضُ بَعْضِ عَذابِ اللَّهِ. وهَذا لا يُقالُ، لِأنَّ بَعْضِيَّةَ الشَّيْءِ مُطْلَقَةٌ، فَلا يَكُونُ لَها بَعْضٌ. ونَصَّ الحَوْفِيُّ، وأبُو البَقاءِ: عَلى أنَّ (مِن) في قَوْلِهِ: مِن شَيْءٍ، زائِدَةٌ. قالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٢١] مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿مُغْنُونَ﴾ [إبراهيم: ٢١]، و(مِن) في ﴿مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: و(مِن) زائِدَةٌ أيْ: شَيْئًا كائِنًا مِن عَذابِ اللَّهِ، ويَكُونُ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى تَقْدِيرُهُ: هَلْ تَمْنَعُونَ عَنّا شَيْئًا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ واقِعًا مَوْقِعَ المَصْدَرِ، أيْ: غِنًى فَيَكُونُ مِن عَذابِ اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿مُغْنُونَ﴾ [إبراهيم: ٢١]؛ انْتَهى. ومُسَوِّغُ الزِّيادَةِ: كَوْنُ الخَبَرِ في سِياقِ الِاسْتِفْهامِ، فَكَأنَ الِاسْتِفْهامَ دَخَلَ عَلَيْهِ وباشَرَهُ، وصارَتِ الزِّيادَةُ هُنا كالزِّيادَةِ في تَرْكِيبِ: فَهَلْ تُغْنُونَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أجابُوهم مُعْتَذِرِينَ عَمّا كانَ مِنهم إلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لَوْ هَداهم إلى الإيمانِ لَهَدَوْهم، ولَمْ يُضِلُّوهم إمّا مُدْرِكِينَ الذَّنْبَ في ضَلالِهِمْ، وإضْلالِهِمْ عَلى اللَّهِ كَما حَكى الله عَنْهم. وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ، يَقُولُونَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ كَما كانُوا يَقُولُونَهُ في الدُّنْيا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨]؛ انْتَهى. وحَكى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ مَعَ أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨] . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ لا يُجَوِّزُونَ صُدُورَ الكَذِبِ عَلى أهْلِ القِيامَةِ، فَكانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ مُخالِفًا لِأُصُولِ مَشايِخِهِ، فَلا يُقْبَلُ مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَوْ كُنّا مِن أهْلِ اللُّطْفِ فَلَطَفَ بِنا رَبُّنا. واهْتَدَيْنا لَهَدَيْناكم إلى الإيمانِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وذَكَرَ القاضِي هَذا الوَجْهَ وزَيَّفَهُ بِأنْ قالَ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذا عَلى اللُّطْفِ، لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: لَوْ خَلَّصَنا اللَّهُ مِنَ العَذابِ، وهَدانا إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ لَهَدَيْناكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في بَسْطِ هَذا القَوْلِ: لَوْ هَدانا اللَّهُ طَرِيقَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ لَهَدَيْناكم أيْ: لَأغْنَيْنا عَنْكم وسَلَكْنا بِكم طَرِيقَ النَّجاةِ، كَما سَلَكْنا بِكم سَبِيلَ الهَلَكَةِ؛ انْتَهى. وقِيلَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالهُدى: الهُدى إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، أنَّهُ هو الَّذِي التَمَسُوهُ وطَلَبُوهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ أرْشَدَنا اللَّهُ لَأرْشَدْناكم. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] إلى آخِرِهِ، داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِ المُسْتَكْبِرِينَ، وجاءَتْ جُمَلُهُ بِلا واوِ عَطْفٍ، كَأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ أنُشِئَتْ مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ، وإنْ كانَتْ مُرْتَبِطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ مِن جِهَةِ المَعْنى، لِأنَّ سُؤالَهم: هَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا ؟ إنَّما كانَ لِجَزَعِهِمْ مِمّا هم فِيهِ؛ فَقالُوا ذَلِكَ: سَوَّوْا بَيْنَهم وبَيْنَهم في ذَلِكَ لِاجْتِماعِهِمْ في عِقابِ الضَّلالَةِ الَّتِي كانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيها، يَقُولُونَ: ما هَذا الجَزَعُ والتَّوْبِيخُ، ولا فائِدَةَ في الجَزَعِ، كَما لا فائِدَةَ في الصَّبْرِ. ولَمّا قالُوا: لَوْ هَدانا اللَّهُ، أتْبَعُوا ذَلِكَ بِالإقْناطِ مِنَ النَّجاةِ؛ فَقالُوا: ما لَنا مِن مَحِيصٍ: أيْ مَنجًى ومَهْرَبٍ، جَزِعْنا أمْ صَبَرْنا. وقِيلَ: سَواءٌ عَلَيْنا مِن كَلامِ الضُّعَفاءِ والَّذِينَ (p-٤١٨)اسْتَكْبَرُوا، والتَّقْدِيرُ: قالُوا جَمِيعًا سَواءٌ عَلَيْنا يُخْبِرُونَ عَنْ حالِهِمْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مِثْلِ هَذِهِ التَّسْوِيَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ المُحاوَرَةَ بَيْنَ الضُّعَفاءِ والرُّؤَساءِ هي في مَوْضِعِ العَرْضِ وقْتَ البُرُوزِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ زَيْدٍ: أنَّ قَوْلَهم: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١]، بَعْدَ صَبْرِهِمْ في النّارِ خَمْسَمِائَةِ عامٍ، وبَعْدَ جَزَعِهِمْ مِثْلَها. ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مُحاوَرَةَ الأتْباعِ لِرُؤَسائِهِمُ الكَفَرَةِ، ذَكَرَ مُحاوَرَةَ الشَّيْطانِ وأتْباعِهِ مِنَ الإنْسِ، وذَلِكَ لِاشْتِراكِ الرُّؤَساءِ والشَّياطِينِ في التَّلَبُّسِ بِالإضْلالِ. والشَّيْطانُ هُنا: إبْلِيسُ، وهو رَأْسُ الشَّياطِينِ. وفي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ: «أنَّ الكافِرِينَ يَقُولُونَ: وجَدَ المُؤْمِنُونَ مَن يَشْفَعُ لَهم فَمَن يَشْفَعُ لَنا ؟ فَيَقُولُونَ: ما هو غَيْرُ إبْلِيسَ هو الَّذِي أضَلَّنا، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: قَدْ وجَدَ المُؤْمِنُونَ مَن يَشْفَعُ لَهم، فَقُمْ أنْتَ فاشْفَعْ لَنا، فَإنَّكَ أضْلَلْتَنا، فَيَقُومُ فَيَثُورُ مِن مَجْلِسِهِ أنْتَنُ رِيحٍ شَمَّهُ أحَدٌ؛ ويَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: (إنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكم) الآيَةَ»، وعَنِ الحَسَنِ: يَقِفُ إبْلِيسُ خَطِيبًا في جَهَنَّمَ عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ يَسْمَعُهُ الخَلائِقُ جَمِيعًا فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ، يَعْنِي: البَعْثَ، والجَنَّةَ، والنّارَ، وثَوابَ المُطِيعِ، وعِقابَ العاصِي، فَصَدَقَكم وعْدَهُ، ووَعَدْتُكم أنْ لا بَعْثٌ ولا جَنَّةٌ ولا نارٌ، ولا ثَوابٌ ولا عِقابٌ، فَأخْلَفْتُكم. قُضِيَ الأمْرُ، تَعَيَّنَ قَوْمٌ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٌ لِلنّارِ، وذَلِكَ كُلُّهُ في المَوْقِفِ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ الشَّفاعَةِ أوْ بَعْدَ حُصُولِ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ في النّارِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْناهُ عَنِ الحَسَنِ، وهو تَأْوِيلُ الطَّبَرِيِّ. وقِيلَ: قُضِيَ الأمْرُ: قُطِعَ، وفُرِعَ مِنهُ؛ وهو الحِسابُ، وتَصادَرَ الفَرِيقَيْنِ إلى مَقَرَّيْهِما. ووَعْدُ الحَقِّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ؛ أيْ: الوَعْدِ الحَقِّ، وأنْ يَكُونَ الحَقُّ: صِفَةَ اللَّهِ؛ أيْ: وعْدَهُ، وأنْ يَكُونَ الحَقُّ: الشَّيْءَ الثّابِتَ، وهو البَعْثُ والجَزاءُ عَلى الأعْمالِ؛ أيْ: فَوَفّى لَكم بِما وعَدَكم ووَعَدْتُكم خِلافَ ذَلِكَ فَأخْلَفْتُكم، وإلّا أنْ دَعَوْتُكُمُ الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ دُعاءَهُ إيّاهم إلى الضَّلالَةِ ووَسْوَسَتَهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ السُّلْطانِ، وهو الحُجَّةُ البَيِّنَةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسُّلْطانِ (p-٤١٩)الغَلَبَةَ والتَّسْلِيطَ والقُدْرَةَ؛ أيْ: ما اضْطَرَرْتُكم ولا خَوَّفْتُكم بِقُوَّةٍ، بَلْ عَرَضْتُ عَلَيْكم شَيْئًا فَأتى رَأْيُكم عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّ القُدْرَةَ عَلى حَمْلِ الإنْسانِ عَلى الشَّيْءِ تارَةً يَكُونُ بِالقَهْرِ مِنَ الحامِلِ، وتارَةً يَكُونُ بِتَقْوِيَةِ الدّاعِيَةِ في قَلْبِهِ، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الوَسْواسِ إلَيْهِ، فَهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّسْلِيطِ. وقِيلَ: وظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى صَرْعِ الإنْسانِ وتَعْوِيجِ أعْضائِهِ وجَوارِحِهِ، وإزالَةِ عَقْلِهِ، فَلا تَلُومُونِي. وقُرِئَ: (فَلا يَلُومُونِي) بِالياءِ، عَلى الغَيْبَةِ، وهو التِفاتٌ يُرِيدُ في ما آتَيْتُمُوهُ مِنَ الضَّلالِ، ولُومُوا أنْفُسَكم في سُوءِ نَظَرِكم واسْتِجابَتِكم لِدُعائِي مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا حُجَّةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولُومُوا أنْفُسَكم حَيْثُ اغْتَرَرْتُمْ، وأطَعْتُمُونِي إذْ دَعَوْتُكم، ولَمْ تُطِيعُوا رَبَّكم إذْ دَعاكم، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ هو الَّذِي يَخْتارُ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ ويُحَصِّلُها لِنَفْسِهِ، ولَيْسَ مِنَ اللَّهِ إلّا التَّمْكِينُ، ولا مِنَ الشَّيْطانِ إلّا التَّزْيِينُ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ المُجْبِرَةُ لَقالَ: فَلا تَلُومُونِي ولا أنْفُسَكم، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ قَضى عَلَيْكُمِ الكُفْرَ وأجْبَرَكم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِنافِعِكم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِمُنْقِذِكم، وقالَ الرَّبِيعُ: بِمُنْجِيكم، وقالَ مُجاهِدٌ: بِمُغِيثِكم، وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وقَرَأ يَحْيَـى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: بِمُصْرِخِيِّ، بِكَسْرِ الياءِ، وطَعَنَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ في هَذِهِ القِراءَةِ. قالَ الفَرّاءُ: لَعَلَّها مِن وهْمِ القُرّاءِ، فَإنَّهُ قَلَّ مَن سَلِمَ مِنهم مَنِ الوَهْمِ، ولَعَلَّهُ ظَنَّ أنَّ الباءَ في ﴿بِمُصْرِخِيِّ﴾ خافِضَةٌ لِلَّفْظِ كُلِّهِ، والباءُ لِلْمُتَكَلِّمِ خارِجَةٌ مِن ذَلِكَ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: نَراهم غَلِطُوا، ظَنُّوا أنَّ الباءَ تُكْسَرُ لِما بَعْدَها. وقالَ الأخْفَشُ: ما سَمِعْتُ هَذا مِن أحَدٍ مِنَ العَرَبِ، ولا مِنَ النَّحْوِيِّينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ القِراءَةُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ رَدِيئَةٌ مَرْذُولَةٌ، ولا وجْهَ لَها إلّا وجْهٌ ضَعِيفٌ. وقالَ النَّحّاسُ: صارَ هَذا إجْماعًا، ولا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ كِتابُ اللَّهِ عَلى الشُّذُوذِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي ضَعِيفَةٌ، واسْتَشْهَدُوا لَها بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ: ؎قالَ لَها هَلْ لَكِ يا تافِيِّ ∗∗∗ قالَتْ لَهُ ما أنْتَ بِالمَرَضِيِّ وكَأنَّهُ قَدَّرَ ياءَ الإضافَةِ ساكِنَةً، وقَبْلَها ياءٌ ساكِنَةٌ فَحَرَّكَها بِالكَسْرِ لِما عَلَيْهِ أصْلُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ ياءَ الإضافَةِ لا تَكُونُ إلّا مَفْتُوحَةً حَيْثُ قَبْلَها ألِفٌ، نَحْوَ: عَصايَ فَما بالُها، وقَبْلَها ياءٌ. (فَإنْ قُلْتَ): جَرَتِ الياءُ الأُولى مَجْرى الحُرِّ الصَّحِيحِ لِأجْلِ الإدْغامِ، كَأنَّها ياءٌ وقَعَتْ ساكِنَةً بَعْدَ حَرْفٍ صَحِيحٍ ساكِنٍ، فَحُرِّكَتْ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ. (قُلْتُ): هَذا قِياسٌ حَسَنٌ، ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ المُسْتَفِيضَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الخَبَرِ المُتَواتِرِ تَتَضاءَلُ إلَيْهِ القِياساتُ؛ انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: واسْتَشْهَدُوا لَها بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ، قَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ لِلْأغْلَبِ العِجْلِيِّ، وهي لُغَةٌ باقِيَةٌ في أفْواهِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ إلى اليَوْمِ، يَقُولُ القائِلُ: ما فِيِّ أفْعَلُ كَذا، بِكَسْرِ الياءِ. وأمّا التَّقْدِيرُ الَّذِي قالَ: فَهو تَوْجِيهُ الفَرّاءِ، ذَكَرَهُ عَنْهُ الزَّجّاجُ. وأمّا (p-٤٢٠)قَوْلُهُ، في غُضُونِ كَلامِهِ حَيْثُ قَبْلَها ألِفٌ، فَلا أعْلَمُ حَيْثُ يُضافُ إلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِالظَّرْفِ، نَحْوَ: قَعَدَ زَيْدٌ حَيْثُ أمامَ عُمَرَ وبَكْرٍ، فَيَحْتاجُ هَذا التَّرْكِيبُ إلى سَماعٍ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّ ياءَ الإضافَةِ إلى آخِرِهِ، قَدْ رَوى سُكُونَ الياءِ بَعْدَ الألِفِ. وقَرَأ بِذَلِكَ القُرّاءُ نَحْوَ: مَحْيايَ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن ذَكَرْنا مِنَ النُّحاةِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ. واقْتَفى آثارَهم فِيها الخَلَفُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ فِيها: إنَّها خَطَأٌ، أوْ قَبِيحَةٌ، أوْ رَدِيئَةٌ، وقَدْ نَقَلَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَة أنَّها لُغَةٌ، لَكِنَّهُ قَلَّ اسْتِعْمالُها. ونَصَّ قُطْرُبٌ عَلى أنَّها لُغَةٌ في بَنِي يَرْبُوعٍ. وقالَ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، وهو مِن رُؤَساءِ النَّحْوِيِّينَ الكُوفِيِّينَ: هي صَوابٌ، وسَألَ حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ، وذَكَرَ تَلْحِينَ أهْلِ النَّحْوِ فَقالَ: هي جائِزَةٌ. وقالَ أيْضًا: لا تُبالِي إلى أسْفَلِ حَرَكَتِها، أوْ إلى فَوْقُ. وعَنْهُ أنَّهُ قالَ: هي بِالخَفْضِ حَسَنَةٌ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هي جائِزَةٌ. ولَيْسَتْ عِنْدَ الإعْرابِ بِذَلِكَ، ولا التِفاتَ إلى إنْكارِ أبِي حاتِمٍ عَلى أبِي عَمْرٍو تَحْسِينَها، فَأبُو عَمْرٍو إمامُ لُغَةٍ، وإمامُ نَحْوٍ، وإمامُ قِراءَةٍ، وعَرَبِيٌّ صَرِيحٌ، وقَدْ أجازَها وحَسَّنَها، وقَدْ رَوَوْا بَيْتَ النّابِغَةِ: ( ؎عَلَيِّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبَ بِخَفْض الياء مِن عَلَيِّ. و(ما) في ﴿بِما أشْرَكْتُمُونِي﴾: مَصْدَرِيَّةٌ، و﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِأشْرَكْتُمُونِي) أيْ: كَفَرْتُ اليَوْمَ بِإشْراكِكم إيّايَ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ، أيْ: في الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤] وقالَ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] . وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: كَفَرْتُ بِالصَّنَمِ الَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ، فَحَذَفَ العائِدَ. وقِيلَ: (مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّق بِـ ﴿كَفَرْتُ﴾، و(ما) بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: كَفَرْتُ مِن قَبْلُ حِينِ أبَيْتُ السُّجُودَ لِآدَمَ، بِالَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ؛ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . تَقُولُ: شَرَكْتُ زَيْدًا، فَإذا أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ قُلْتُ: أشْرَكْتُ زَيْدًا عَمْرًا، أيْ جَعَلْتُهُ لَهُ شَرِيكًا. إلّا أنَّ في هَذا القَوْلِ إطْلاقَ (ما) عَلى اللَّهِ تَعالى، و(ما) الأصَحُّ فِيها أنَّها لا تُطْلَقُ عَلى آحادٍ مِن يَعْلَمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَحْوُ (ما) هَذِهِ يَعْنِي: في إطْلاقِها عَلى اللَّهِ، (ما) في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لَنا؛ انْتَهى. ومَن مَنَعَ ذَلِكَ جَعَلَ سُبْحانَ عَلَمًا عَلى مَعْنى التَّسْبِيحِ، كَما جَعَلَ بَرَّةً عَلَمًا لِلْمَبَرَّةِ. و(ما): مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن إبْلِيسَ إقْرارًا عَلى نَفْسِهِ بِكُفْرِهِ الأقْدَمِ؛ أيْ: خَطِيئَتِي قَبْلَ خَطِيئَتِكم. فَلا إصْراخَ عِنْدِي أنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ مِن تَمامِ كَلامِ إبْلِيسَ، حَكى اللَّهُ عَنْهُ ما سَيَقُولُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِيَكُونَ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ عَلَيَّ النَّظَرُ في عاقِبَتِهِمْ، والِاسْتِعْدادُ لِما لا بُدَّ مِنهُ. وأنْ يَتَصَوَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ذَلِكَ المَقامَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّيْطانُ ما يَقُولُ، فَيَخافُوا، ويَعْمَلُوا ما يُخَلِّصُهم مِنهُ، ويُنْجِيهِمْ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ الخَزَنَةِ يَوْمَ ذاكَ. وقِيلَ: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ هُنا في الشَّيْطانِ والمَلائِكَةِ يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن تَفْسِيرِهِ. ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾: لَمّا جَمَعَ الفَرِيقَيْنِ، في قَوْلِهِ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ، ذَكَرَ ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ مِن إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأُدْخِلَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: وأُدْخِلُ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ مُضارِعُ أدْخَلَ؛ أيْ: وأُدْخِلُ أنا. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ المَلائِكَةَ، والظّاهِرُ تَعَلَّقَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِأُدْخِلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَتَعَلَّقُ - يَعْنِي بِإذْنِ رَبِّهِمْ - في القِراءَةِ الأُخْرى، وقَوْلِكَ وأُدْخِلُهم أنا بِإذْنِ رَبِّهِمْ، كَلامٌ غَيْرُ مُلْئَتِمٍ؛ (قُلْتُ): الوَجْهُ في هَذِهِ القِراءَةِ: أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِما بَعْدَهُ، أيْ: تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ بِإذْنِ رَبِّهِمْ؛ يَعْنِي: أنَّ المَلائِكَةَ يُحَيُّونَهم بِإذْنِ رَبِّهِمْ؛ انْتَهى. فَظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ بِإذْنِ رَبِّهِمْ مَعْمُولٌ، لِقَوْلِهِ: (p-٤٢١)تَحِيَّتُهم، ولِذَلِكَ قالَ: يَعْنِي أنَّ المَلائِكَةَ يُحَيُّونَهم بِإذْنِ رَبِّهِمْ، وهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المَصْدَرِ المُنْحَلِّ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلُ عَلَيْهِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ. وقالَ أبُو الفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ الرّازِيُّ الحَسَنُ: أُدْخِلُ، بِرَفْعِ اللّامِ عَلى الِاسْتِقْبالِ، بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ألْطَفَ لَهم وأحْنى عَلَيْهِمْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ في أوائِلِ سُورَةِ يُونُسَ.

إبراهيم 14:23

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] (p-٤١٤)الرَّمادُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ ابْنُ عِيسى: هو جِسْمٌ يَسْحَقُهُ الإحْراقُ سَحْقَ الغُبارِ، ويُجْمَعُ عَلى رُمُدٍ في الكَثْرَةِ وأرْمِدَةٍ في القِلَّةِ، وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أفْعِلاءَ، قالُوا: أرْمِداءُ، ورَمادٌ رَمْدَدٌ إذا صارَ هَباءً أرَقَّ ما يَكُونُ. الجَزَعُ: عَدَمُ احْتِمالِ الشِّدَّةِ، وهو نَقِيضُ الصَّبْرِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎جَزِعْتُ ولَمْ أجْزَعْ مِنَ البَيْنِ مَجْزَعًا وعَزَّيْتُ قَلْبًا بِالكَواعِبِ مُولَعا المُصْرِخُ: المُغِيثُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا تَجْزَعُوا إنِّي لَكم غَيْرُ مُصْرِخٍ ∗∗∗ ولَيْسَ لَكم عَنِّي غَناءٌ ولا نَصْرٌ والصّارِخُ: المُسْتَغِيثُ، صَرَخَ يَصْرُخُ صَرْخًا وصُراخًا وصَرْخَةً. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ: ؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ واصْطَرَخَ بِمَعْنى صَرَخَ، وتَصَرَّخَ: تَكَلَّفَ الصُّراخَ، واسْتَصْرَخَ اسْتَغاثَ، فَقالَ: اسْتَصْرَخَنِي فَأصْرَخْتُهُ، والصَّرِيخُ: مَصْدَرٌ كالتَّرِيحِ، ويُوصَفُ بِهِ المُغِيثُ والمُسْتَغِيثُ مِنَ الأضْدادِ. الفَرْعُ: الغُصْنُ مِنَ الشَّجَرَةِ. ويُطْلَقُ عَلى ما يُولَدُ مِنَ الشَّيْءِ، والفَرْعُ: الشَّعْرُ، يُقالُ: رَجُلٌ أفْرَعُ وامْرَأةٌ فَرْعاءُ لِمَن كَثُرَ شَعْرُهُ. وقالَ الشّاعِرُ: وهو امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ حُجْرٍ: ؎وفَـرْعٍ يُغَشِّـي المَـتْنَ أسْـوَدَ فَـاحِمِ اجْتَثَّ الشَّيْءَ: اقْتَلَعَهُ، وجَثَّ الشَّيْءَ: قَلَعَهُ، والجُثَّةُ: شَخْصُ الإنْسانِ قاعِدًا وقائِمًا. وقالَ لَقِيطٌ الإيادِيُّ: ؎هُوَ الجَلاءُ الَّذِي يَجْتَثُّ أصْلَكم ∗∗∗ فَمَن رَأى مِثْلَ ذا آتٍ ومَن سَمِعا البَوارُ: الهَلاكُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ ∗∗∗ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨]: ارْتِفاعُ ”مَثَلُ“ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فِيما يُتْلى عَلَيْكم، أوْ يُقَصُّ. والمَثَلُ مُسْتَعارٌ لِلصِّفَةِ الَّتِي فِيها غَرابَةٌ، ﴿وأعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ مَثَلُهم ؟ فَقِيلَ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ: عِرْضُهُ مَصُونٌ، ومالُهُ مَبْذُولٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ: أنَّهُ عَلى إلْغاءٍ ”مَثَلُ“، وأنَّ المَعْنى: الَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَرَمادٍ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مَثَلُ﴾ [إبراهيم: ١٨] رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وأعْمالُهم بَدَلٌ مِن ﴿مَثَلُ﴾ [إبراهيم: ١٨] بَدَلَ اشْتِمالٍ. كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ما لِلْجَمالِ مَشْيُها وئِيدًا ∗∗∗ أجُنْدُلًا يَحْمِلْنَ أمْ حَدِيدًا وكَرَمادٍ: الخَبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَكُونُ أعْمالُهم بَدَلًا مِن مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، عَلى تَقْدِيرِ: مَثَلُ أعْمالِهِمْ، و﴿كَرَمادٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] الخَبَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: هو ابْتِداءٌ، و﴿أعْمالُهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٨] ابْتِداءٌ ثانٍ، و﴿كَرَمادٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] خَبَرٌ لِلثّانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ (p-٤١٥)الأوَّلِ. وهَذا عِنْدِي أرْجَحُ الأقْوالِ، وكَأنَّكَ قُلْتَ: المُتَحَصِّلُ مِثالًا في النَّفْسِ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، هَذِهِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ، وهي أعْمالُهم في فَسادِها وقْتَ الحاجَةِ، وتَلاشِيها كالرَّمادِ الَّذِي تَذْرُوهُ الرِّيحُ، وتُفَرِّقُهُ بِشِدَّتِها حَتّى لا يَبْقى لَهُ أثَرٌ، ولا يَجْتَمِعَ مِنهُ شَيْءٌ، انْتَهى. وهَذا القَوْلُ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وهو لا يَجُوزُ، لِأنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، الَّذِي هو ”مَثَلُ“ عارِيَةٌ مِن رابِطٍ يَعُودُ عَلى المَثَلِ، ولَيْسَتْ نَفْسَ المُبْتَدَأِ في المَعْنى، فَلا تَحْتاجُ إلى رابِطٍ. وأعْمالُ الكَفَرَةِ: المَكارِمُ الَّتِي كانَتْ لَهم مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وعِتْقِ الرِّقابِ، وفِداءِ الأسارى، وعَقْرِ الإبِل لِلْأضْيافِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ، والإجارَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ شَبَّهَها في حُبُوطِها وذَهابِها هَباءًا مَنثُورًا، لِبِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ والإيمانِ بِهِ، وكَوْنِها لِوَجْهِهِ بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ العاصِفُ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: الرِّياحُ عَلى الجَمْعِ، والجُمْهُورُ عَلى الإفْرادِ. ووَصْفُ اليَوْمِ بِيَوْمٍ عاصِفٍ، وإنْ كانَ مِن صِفَةِ الرِّيحِ، عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ، كَما قالُوا: يَوْمَ ما حَلَّ وكِيلٌ نائِمٌ. وقالَ الهَرَوِيُّ: التَّقْدِيرُ في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ، فَحُذِفَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا جاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كاسِفُ يُرِيدُ كاسِفُ الشَّمْسِ. وقِيلَ: عاصِفٌ مِن صِفَةِ الرِّيحِ، إلّا أنَّهُ لَمّا جاءَ بَعْدَ اليَوْمِ أُتْبِعَ إعْرابَهُ، كَما قِيلَ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، يَعْنِي: أنَّهُ خُفِضَ عَلى الجِوارِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، عَلى إضافَةِ اليَوْمِ لِعاصِفٍ، وهو عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ، وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ، تَقْدِيرُهُ: في يَوْمِ رِيحٍ عاصِفٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ (العُصُوفِ) في يُونُسَ في قَوْلِهِ: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢]، وعَلى قَوْلِ مَن أجازَ إضافَةَ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ مِنهُ: لا يَقْدِرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِمّا كَسَبُوا مِن أعْمالِهِمْ عَلى شَيْءٍ، أيْ: لا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِن ثَوابٍ، كَما لا يُقْدَرُ مِنَ الرَّمادِ المَطِيرِ بِالرِّيحِ عَلى شَيْءٍ. وقِيلَ: لا يَقْدِرُونَ مِن ثَوابِ ما كَسَبُوا، هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ. وفي الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، هَلْ ذَلِكَ نافِعُهُ ؟ قالَ: لا يَنْفَعُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)»، وفي الصَّحِيحِ أيْضًا: «إنَّ الكافِرَ لَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا ما عَمِلَ لِلَّهِ مِنها»، ذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ بِهَذِهِ الحالِ. وعَلى مِثْلِ هَذا الغَرَرِ البَعِيدِ الَّذِي يُعْمِقُ فِيهِ صاحِبُهُ، وأُبْعِدَ عَنْ طَرِيقِ النَّجاةِ، والبَعِيدُ عَنِ الحَقِّ، أوِ الثَّوابِ. وفي البَقَرَةِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا﴾ [إبراهيم: ١٨] عَلى شَيْءٍ مِنَ التَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ، والمُغايَرَةِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمَعْنى واحِدٌ. ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] . ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينِ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]: قَرَأ السُّلَمِيُّ (ألَمْ تَرْ) بِسُكُونِ الرّاءِ، ووَجْهُهُ: أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مُجْرى الوَقْفِ. وتَوْجِيهٌ آخَرُ، وهو أنَّ تَرى (p-٤١٦)حَذَفَتِ العَرَبُ ألِفَها في قَوْلِهِمْ: قامَ القَوْمُ ولَوْ تَرَ ما زَيْدٌ، كَما حُذِفَتْ ياءُ (لا أُبالِي) في لا أُبالِ، فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ تُخُيِّلَ أنَّ الرّاءَ هي آخِرُ الكَلِمَةِ، فَسُكِّنَتْ لِلْجازِمِ، كَما قالُوا في: (لا أُبالِي) لَمْ أُبَلْ، تَخَيَّلُوا اللّامَ آخِرَ الكَلِمَةِ. والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، فَهي مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. وقَرَأ الأخَوانِ: (خالِقُ) اسْمَ فاعِلٍ، و(الأرْضِ) بِالخَفْضِ. قَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (خَلَقَ) فِعْلًا ماضِيًا، و(الأرْضَ) بِالفَتْحِ. ومَعْنى بِالحَقِّ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالحِكْمَةِ، والغَرَضِ الصَّحِيحِ، والأمْرِ العَظِيمِ، ولَمْ يَخْلُقْها عَبَثًا ولا شَهْوَةً. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِالحَقِّ أيْ بِما يَحِقُّ مِن جِهَةِ مَصالِحِ عِبادِهِ، وإنْفاذِ سابِقِ قَضائِهِ، ولِيَدُلَّ عَلَيْهِ وعَلى قُدْرَتِهِ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِ وكَلامِهِ. وقِيلَ: ﴿بِالحَقِّ﴾ [إبراهيم: ١٩] حالٌ أيْ مُحِقًّا، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٩]، خِطابٌ عامٌّ لِلنّاسِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطابٌ لِلْكُفّارِ. ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِناسٍ آخَرِينَ مِن جِنْسِكم آدَمِيِّينَ، ويَحْتَمِلْ مِن غَيْرِ جِنْسِكم. والأوَّلُ: قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وتَقَدَّمَ نَحْوُ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ لِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ في النِّساءِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣] وبَيَّنّا في ذَلِكَ أنَّهُ لا يَحْتَمِلُ إلّا الوَجْهَ الأوَّلَ. وما ذَلِكَ، أيْ: وما ذَهابُكم والإتْيانُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ بِمُمْتَنِعٍ ولا مُتَعَذِّرٍ عَلَيْهِ تَعالى، لِأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى ما يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّهُ قادِرُ الذّاتِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُون مَقْدُورٍ، فَإذا خَلَصَ لَهُ الدّاعِي إلى شَيْءٍ، وانْتَفى الصّارِفُ، تَكُونُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ كَتَحْرِيكِ أُصْبُعِكَ. وإذا دَعا إلَيْهِ داعٍ ولَمْ يَعْتَرِضْ مِن دُونِهِ صارِفٌ، انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ لِقَوْلِهِ: القادِرُ، لِأنَّهم يُثْبِتُونَ القادِرِيَّةَ ويَنْفُونَ القُدْرَةَ، ولِتَشْبِيهِ فِعْلِهِ تَعالى بِفِعْلِ العَبْدِ في قَوْلِهِ: كَتَحْرِيكِ أُصْبُعِكَ. وعِنْدَنا أنَّ تَحْرِيكَ أُصْبُعِنا لَيْسَ إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ ما نُسِبَ إلَيْنا مِنَ القُدْرَةِ لَيْسَ مُؤَثِّرًا في إيجادِ شَيْءٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: وهَذِهِ الآيَةُ بَيانٌ لِإبْعادِهِمْ في الضَّلالِ، وعَظِيمِ خَطْبِهِمْ في الكُفْرِ بِاللَّهِ، لِوُضُوحِ آياتِهِ الشّاهِدَةِ لَهُ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ، وأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُعْبَدَ ويُخافَ عِقابُهُ، ويُرْجى ثَوابُهُ في دارِ الجَزاءِ، انْتَهى. ﴿وبَرَزُوا﴾ [إبراهيم: ٢١]: أيْ ظَهَرُوا مِن قُبُورِهِمْ إلى جَزاءِ اللَّهِ وحِسابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى بُرُوزِهِمْ لِلَّهِ، واللَّهُ تَعالى لا يَتَوارى عَنْهُ شَيْءٌ حَتّى يُبْرِزَ أنَّهم كانُوا يَسْتَتِرُونَ مِنَ العُيُونِ عِنْدَ ارْتِكابِ الفَواحِشِ، ويَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ خافٍ عَلى اللَّهِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لِلَّهِ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَرَزُوا: مَعْناهُ صارُوا بِالبَرازِ، وهي الأرْضُ المُتَّسِعَةُ، فاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِجَمْعِ يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَأْوِيلُ الحُكَماءِ: أنَّ النَّفْسَ إذا فارَقَتِ الجَسَدَ فَكَأنَّهُ زالَ الغِطاءُ وبَقِيَتْ مُتَجَرِّدَةً بِذاتِها عارِيَةً عَنْ كُلِّ ما سِواها، وذَلِكَ هو البُرُوزُ لِلَّهِ تَعالى. وهَذا الرَّجُلُ كَثِيرًا ما يُورِدُ كَلامَ الفَلاسِفَةِ، وهم مُبايِنُونَ لِأهْلِ الشَّرائِعِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلِ بِلُغَةِ العَرَبِ، والعَرَبُ لا تَفْهَمُ شَيْئًا مِن مَفاهِيمِ أهْلِ الفَلْسَفَةِ، فَتَفْسِيرُهم كاللُّغَزِ والأحاجِيَّ، ويُسَمِّيهِمْ هَذا الرَّجُلُ حُكَماءَ، وهم مِن أجْهَلِ الكَفَرَةِ بِاللَّهِ تَعالى وبِأنْبِيائِهِ. والضَّمِيرُ في ﴿وبَرَزُوا﴾ [إبراهيم: ٢١] عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المُحاسَبِينَ، وعَبَّرَ بِلَفْظِ الماضِي لِصِدْقِ المُخْبِرِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (وبَرَزُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وبِتَشْدِيدِ الرّاءِ. والضُّعَفاءُ: الأتْباعُ، والعَوامُّ. وكُتِبَ بِواوٍ في المُصْحَفِ قَبْلَ الهَمْزَةِ عَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ فَيُمِيلُها إلى الواوِ، ومِثْلُهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ. والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: هم رُؤَساؤُهم وقاداتُهم، اسْتَغْفَرُوا الضُّعَفاءَ واسْتَتْبَعُوهم. واسْتَكْبَرُوا وتَكَبَّرُوا، وأظْهَرُوا تَعْظِيمَ أنْفُسِهِمْ. أوِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّباعِ الرُّسُلِ وعِبادَةِ اللَّهِ. وتَبَعًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ لِتابِعٍ، كَخادِمٍ وخُدَّمٍ، وغائِبٍ وغُيَّبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَقَوْلِهِ: عَدْلٌ ورِضًا. وهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ: مَعْناهُ تَوْبِيخُهم إيّاهم وتَقْرِيعُهم، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهم لَنْ يُغْنُوا، والمَعْنى: إنّا اتَّبَعْناكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ كَما أمَرْتُمُونا وما أغْنَيْتُمْ عَنّا شَيْئًا، فَلِذَلِكَ جاءَ (p-٤١٧)جَوابُهم: لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم، أجابُوا بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِذارِ والخَجَلِ ورَدِّ الهِدايَةِ لِلَّهِ تَعالى، وهو كَلامٌ حَقٌّ في نَفْسِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن) الأُولى لِلتَّبْيِينِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ الشَّيْءِ الَّذِي هو عَذابُ اللَّهِ ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا لِلتَّبْعِيضِ مَعًا بِمَعْنى: هَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ شَيْءٍ، هو بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ، أيْ: بَعْضُ بَعْضِ عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى. وهَذانِ التَّوْجِيهانِ اللَّذانِ وجَّهَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ في (مِن) في المَكانَيْنِ يَقْتَضِي أوَّلُهُما التَّقْدِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٢١]، لِأنَّهُ جَعَلَ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] هو المُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٢١] . و(مِن) التَّبْيِينِيَّةُ يَتَقَدَّمُ عَلَيْها ما تُبَيِّنُهُ، ولا يَتَأخَّرُ والتَّوْجِيهُ الثّانِي، وهو بَعْضُ شَيْءٍ، هو بَعْضُ العَذابِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَدَلًا، فَيَكُونُ بَدَلَ عامٍّ مِن خاصٍّ، لِأنَّ مِن شَيْءٍ أعَمُّ مِن قَوْلِهِ: مِن عَذابِ اللَّهِ، وإنْ عَنى بِشَيْءٍ شَيْئًا مِنَ العَذابِ فَيَئُولُ المَعْنى إلى ما قُدِّرَ، وهو بَعْضُ بَعْضِ عَذابِ اللَّهِ. وهَذا لا يُقالُ، لِأنَّ بَعْضِيَّةَ الشَّيْءِ مُطْلَقَةٌ، فَلا يَكُونُ لَها بَعْضٌ. ونَصَّ الحَوْفِيُّ، وأبُو البَقاءِ: عَلى أنَّ (مِن) في قَوْلِهِ: مِن شَيْءٍ، زائِدَةٌ. قالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٢١] مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿مُغْنُونَ﴾ [إبراهيم: ٢١]، و(مِن) في ﴿مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: و(مِن) زائِدَةٌ أيْ: شَيْئًا كائِنًا مِن عَذابِ اللَّهِ، ويَكُونُ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى تَقْدِيرُهُ: هَلْ تَمْنَعُونَ عَنّا شَيْئًا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ واقِعًا مَوْقِعَ المَصْدَرِ، أيْ: غِنًى فَيَكُونُ مِن عَذابِ اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿مُغْنُونَ﴾ [إبراهيم: ٢١]؛ انْتَهى. ومُسَوِّغُ الزِّيادَةِ: كَوْنُ الخَبَرِ في سِياقِ الِاسْتِفْهامِ، فَكَأنَ الِاسْتِفْهامَ دَخَلَ عَلَيْهِ وباشَرَهُ، وصارَتِ الزِّيادَةُ هُنا كالزِّيادَةِ في تَرْكِيبِ: فَهَلْ تُغْنُونَ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أجابُوهم مُعْتَذِرِينَ عَمّا كانَ مِنهم إلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لَوْ هَداهم إلى الإيمانِ لَهَدَوْهم، ولَمْ يُضِلُّوهم إمّا مُدْرِكِينَ الذَّنْبَ في ضَلالِهِمْ، وإضْلالِهِمْ عَلى اللَّهِ كَما حَكى الله عَنْهم. وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ، يَقُولُونَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ كَما كانُوا يَقُولُونَهُ في الدُّنْيا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨]؛ انْتَهى. وحَكى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ مَعَ أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨] . قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ لا يُجَوِّزُونَ صُدُورَ الكَذِبِ عَلى أهْلِ القِيامَةِ، فَكانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ مُخالِفًا لِأُصُولِ مَشايِخِهِ، فَلا يُقْبَلُ مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَوْ كُنّا مِن أهْلِ اللُّطْفِ فَلَطَفَ بِنا رَبُّنا. واهْتَدَيْنا لَهَدَيْناكم إلى الإيمانِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وذَكَرَ القاضِي هَذا الوَجْهَ وزَيَّفَهُ بِأنْ قالَ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذا عَلى اللُّطْفِ، لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: لَوْ خَلَّصَنا اللَّهُ مِنَ العَذابِ، وهَدانا إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ لَهَدَيْناكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في بَسْطِ هَذا القَوْلِ: لَوْ هَدانا اللَّهُ طَرِيقَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ لَهَدَيْناكم أيْ: لَأغْنَيْنا عَنْكم وسَلَكْنا بِكم طَرِيقَ النَّجاةِ، كَما سَلَكْنا بِكم سَبِيلَ الهَلَكَةِ؛ انْتَهى. وقِيلَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالهُدى: الهُدى إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، أنَّهُ هو الَّذِي التَمَسُوهُ وطَلَبُوهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ أرْشَدَنا اللَّهُ لَأرْشَدْناكم. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] إلى آخِرِهِ، داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِ المُسْتَكْبِرِينَ، وجاءَتْ جُمَلُهُ بِلا واوِ عَطْفٍ، كَأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ أنُشِئَتْ مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ، وإنْ كانَتْ مُرْتَبِطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ مِن جِهَةِ المَعْنى، لِأنَّ سُؤالَهم: هَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا ؟ إنَّما كانَ لِجَزَعِهِمْ مِمّا هم فِيهِ؛ فَقالُوا ذَلِكَ: سَوَّوْا بَيْنَهم وبَيْنَهم في ذَلِكَ لِاجْتِماعِهِمْ في عِقابِ الضَّلالَةِ الَّتِي كانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيها، يَقُولُونَ: ما هَذا الجَزَعُ والتَّوْبِيخُ، ولا فائِدَةَ في الجَزَعِ، كَما لا فائِدَةَ في الصَّبْرِ. ولَمّا قالُوا: لَوْ هَدانا اللَّهُ، أتْبَعُوا ذَلِكَ بِالإقْناطِ مِنَ النَّجاةِ؛ فَقالُوا: ما لَنا مِن مَحِيصٍ: أيْ مَنجًى ومَهْرَبٍ، جَزِعْنا أمْ صَبَرْنا. وقِيلَ: سَواءٌ عَلَيْنا مِن كَلامِ الضُّعَفاءِ والَّذِينَ (p-٤١٨)اسْتَكْبَرُوا، والتَّقْدِيرُ: قالُوا جَمِيعًا سَواءٌ عَلَيْنا يُخْبِرُونَ عَنْ حالِهِمْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مِثْلِ هَذِهِ التَّسْوِيَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ المُحاوَرَةَ بَيْنَ الضُّعَفاءِ والرُّؤَساءِ هي في مَوْضِعِ العَرْضِ وقْتَ البُرُوزِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ زَيْدٍ: أنَّ قَوْلَهم: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١]، بَعْدَ صَبْرِهِمْ في النّارِ خَمْسَمِائَةِ عامٍ، وبَعْدَ جَزَعِهِمْ مِثْلَها. ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مُحاوَرَةَ الأتْباعِ لِرُؤَسائِهِمُ الكَفَرَةِ، ذَكَرَ مُحاوَرَةَ الشَّيْطانِ وأتْباعِهِ مِنَ الإنْسِ، وذَلِكَ لِاشْتِراكِ الرُّؤَساءِ والشَّياطِينِ في التَّلَبُّسِ بِالإضْلالِ. والشَّيْطانُ هُنا: إبْلِيسُ، وهو رَأْسُ الشَّياطِينِ. وفي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ: «أنَّ الكافِرِينَ يَقُولُونَ: وجَدَ المُؤْمِنُونَ مَن يَشْفَعُ لَهم فَمَن يَشْفَعُ لَنا ؟ فَيَقُولُونَ: ما هو غَيْرُ إبْلِيسَ هو الَّذِي أضَلَّنا، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: قَدْ وجَدَ المُؤْمِنُونَ مَن يَشْفَعُ لَهم، فَقُمْ أنْتَ فاشْفَعْ لَنا، فَإنَّكَ أضْلَلْتَنا، فَيَقُومُ فَيَثُورُ مِن مَجْلِسِهِ أنْتَنُ رِيحٍ شَمَّهُ أحَدٌ؛ ويَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: (إنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَكم) الآيَةَ»، وعَنِ الحَسَنِ: يَقِفُ إبْلِيسُ خَطِيبًا في جَهَنَّمَ عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ يَسْمَعُهُ الخَلائِقُ جَمِيعًا فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ، يَعْنِي: البَعْثَ، والجَنَّةَ، والنّارَ، وثَوابَ المُطِيعِ، وعِقابَ العاصِي، فَصَدَقَكم وعْدَهُ، ووَعَدْتُكم أنْ لا بَعْثٌ ولا جَنَّةٌ ولا نارٌ، ولا ثَوابٌ ولا عِقابٌ، فَأخْلَفْتُكم. قُضِيَ الأمْرُ، تَعَيَّنَ قَوْمٌ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٌ لِلنّارِ، وذَلِكَ كُلُّهُ في المَوْقِفِ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ الشَّفاعَةِ أوْ بَعْدَ حُصُولِ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ في النّارِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْناهُ عَنِ الحَسَنِ، وهو تَأْوِيلُ الطَّبَرِيِّ. وقِيلَ: قُضِيَ الأمْرُ: قُطِعَ، وفُرِعَ مِنهُ؛ وهو الحِسابُ، وتَصادَرَ الفَرِيقَيْنِ إلى مَقَرَّيْهِما. ووَعْدُ الحَقِّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ؛ أيْ: الوَعْدِ الحَقِّ، وأنْ يَكُونَ الحَقُّ: صِفَةَ اللَّهِ؛ أيْ: وعْدَهُ، وأنْ يَكُونَ الحَقُّ: الشَّيْءَ الثّابِتَ، وهو البَعْثُ والجَزاءُ عَلى الأعْمالِ؛ أيْ: فَوَفّى لَكم بِما وعَدَكم ووَعَدْتُكم خِلافَ ذَلِكَ فَأخْلَفْتُكم، وإلّا أنْ دَعَوْتُكُمُ الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ دُعاءَهُ إيّاهم إلى الضَّلالَةِ ووَسْوَسَتَهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ السُّلْطانِ، وهو الحُجَّةُ البَيِّنَةُ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسُّلْطانِ (p-٤١٩)الغَلَبَةَ والتَّسْلِيطَ والقُدْرَةَ؛ أيْ: ما اضْطَرَرْتُكم ولا خَوَّفْتُكم بِقُوَّةٍ، بَلْ عَرَضْتُ عَلَيْكم شَيْئًا فَأتى رَأْيُكم عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّ القُدْرَةَ عَلى حَمْلِ الإنْسانِ عَلى الشَّيْءِ تارَةً يَكُونُ بِالقَهْرِ مِنَ الحامِلِ، وتارَةً يَكُونُ بِتَقْوِيَةِ الدّاعِيَةِ في قَلْبِهِ، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الوَسْواسِ إلَيْهِ، فَهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّسْلِيطِ. وقِيلَ: وظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى صَرْعِ الإنْسانِ وتَعْوِيجِ أعْضائِهِ وجَوارِحِهِ، وإزالَةِ عَقْلِهِ، فَلا تَلُومُونِي. وقُرِئَ: (فَلا يَلُومُونِي) بِالياءِ، عَلى الغَيْبَةِ، وهو التِفاتٌ يُرِيدُ في ما آتَيْتُمُوهُ مِنَ الضَّلالِ، ولُومُوا أنْفُسَكم في سُوءِ نَظَرِكم واسْتِجابَتِكم لِدُعائِي مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا حُجَّةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولُومُوا أنْفُسَكم حَيْثُ اغْتَرَرْتُمْ، وأطَعْتُمُونِي إذْ دَعَوْتُكم، ولَمْ تُطِيعُوا رَبَّكم إذْ دَعاكم، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ هو الَّذِي يَخْتارُ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ ويُحَصِّلُها لِنَفْسِهِ، ولَيْسَ مِنَ اللَّهِ إلّا التَّمْكِينُ، ولا مِنَ الشَّيْطانِ إلّا التَّزْيِينُ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ المُجْبِرَةُ لَقالَ: فَلا تَلُومُونِي ولا أنْفُسَكم، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ قَضى عَلَيْكُمِ الكُفْرَ وأجْبَرَكم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِنافِعِكم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِمُنْقِذِكم، وقالَ الرَّبِيعُ: بِمُنْجِيكم، وقالَ مُجاهِدٌ: بِمُغِيثِكم، وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وقَرَأ يَحْيَـى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: بِمُصْرِخِيِّ، بِكَسْرِ الياءِ، وطَعَنَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ في هَذِهِ القِراءَةِ. قالَ الفَرّاءُ: لَعَلَّها مِن وهْمِ القُرّاءِ، فَإنَّهُ قَلَّ مَن سَلِمَ مِنهم مَنِ الوَهْمِ، ولَعَلَّهُ ظَنَّ أنَّ الباءَ في ﴿بِمُصْرِخِيِّ﴾ خافِضَةٌ لِلَّفْظِ كُلِّهِ، والباءُ لِلْمُتَكَلِّمِ خارِجَةٌ مِن ذَلِكَ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: نَراهم غَلِطُوا، ظَنُّوا أنَّ الباءَ تُكْسَرُ لِما بَعْدَها. وقالَ الأخْفَشُ: ما سَمِعْتُ هَذا مِن أحَدٍ مِنَ العَرَبِ، ولا مِنَ النَّحْوِيِّينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ القِراءَةُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ رَدِيئَةٌ مَرْذُولَةٌ، ولا وجْهَ لَها إلّا وجْهٌ ضَعِيفٌ. وقالَ النَّحّاسُ: صارَ هَذا إجْماعًا، ولا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ كِتابُ اللَّهِ عَلى الشُّذُوذِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي ضَعِيفَةٌ، واسْتَشْهَدُوا لَها بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ: ؎قالَ لَها هَلْ لَكِ يا تافِيِّ ∗∗∗ قالَتْ لَهُ ما أنْتَ بِالمَرَضِيِّ وكَأنَّهُ قَدَّرَ ياءَ الإضافَةِ ساكِنَةً، وقَبْلَها ياءٌ ساكِنَةٌ فَحَرَّكَها بِالكَسْرِ لِما عَلَيْهِ أصْلُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ ياءَ الإضافَةِ لا تَكُونُ إلّا مَفْتُوحَةً حَيْثُ قَبْلَها ألِفٌ، نَحْوَ: عَصايَ فَما بالُها، وقَبْلَها ياءٌ. (فَإنْ قُلْتَ): جَرَتِ الياءُ الأُولى مَجْرى الحُرِّ الصَّحِيحِ لِأجْلِ الإدْغامِ، كَأنَّها ياءٌ وقَعَتْ ساكِنَةً بَعْدَ حَرْفٍ صَحِيحٍ ساكِنٍ، فَحُرِّكَتْ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ. (قُلْتُ): هَذا قِياسٌ حَسَنٌ، ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ المُسْتَفِيضَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الخَبَرِ المُتَواتِرِ تَتَضاءَلُ إلَيْهِ القِياساتُ؛ انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: واسْتَشْهَدُوا لَها بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ، قَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ لِلْأغْلَبِ العِجْلِيِّ، وهي لُغَةٌ باقِيَةٌ في أفْواهِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ إلى اليَوْمِ، يَقُولُ القائِلُ: ما فِيِّ أفْعَلُ كَذا، بِكَسْرِ الياءِ. وأمّا التَّقْدِيرُ الَّذِي قالَ: فَهو تَوْجِيهُ الفَرّاءِ، ذَكَرَهُ عَنْهُ الزَّجّاجُ. وأمّا (p-٤٢٠)قَوْلُهُ، في غُضُونِ كَلامِهِ حَيْثُ قَبْلَها ألِفٌ، فَلا أعْلَمُ حَيْثُ يُضافُ إلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِالظَّرْفِ، نَحْوَ: قَعَدَ زَيْدٌ حَيْثُ أمامَ عُمَرَ وبَكْرٍ، فَيَحْتاجُ هَذا التَّرْكِيبُ إلى سَماعٍ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّ ياءَ الإضافَةِ إلى آخِرِهِ، قَدْ رَوى سُكُونَ الياءِ بَعْدَ الألِفِ. وقَرَأ بِذَلِكَ القُرّاءُ نَحْوَ: مَحْيايَ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن ذَكَرْنا مِنَ النُّحاةِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ. واقْتَفى آثارَهم فِيها الخَلَفُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ فِيها: إنَّها خَطَأٌ، أوْ قَبِيحَةٌ، أوْ رَدِيئَةٌ، وقَدْ نَقَلَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَة أنَّها لُغَةٌ، لَكِنَّهُ قَلَّ اسْتِعْمالُها. ونَصَّ قُطْرُبٌ عَلى أنَّها لُغَةٌ في بَنِي يَرْبُوعٍ. وقالَ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، وهو مِن رُؤَساءِ النَّحْوِيِّينَ الكُوفِيِّينَ: هي صَوابٌ، وسَألَ حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ، وذَكَرَ تَلْحِينَ أهْلِ النَّحْوِ فَقالَ: هي جائِزَةٌ. وقالَ أيْضًا: لا تُبالِي إلى أسْفَلِ حَرَكَتِها، أوْ إلى فَوْقُ. وعَنْهُ أنَّهُ قالَ: هي بِالخَفْضِ حَسَنَةٌ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: هي جائِزَةٌ. ولَيْسَتْ عِنْدَ الإعْرابِ بِذَلِكَ، ولا التِفاتَ إلى إنْكارِ أبِي حاتِمٍ عَلى أبِي عَمْرٍو تَحْسِينَها، فَأبُو عَمْرٍو إمامُ لُغَةٍ، وإمامُ نَحْوٍ، وإمامُ قِراءَةٍ، وعَرَبِيٌّ صَرِيحٌ، وقَدْ أجازَها وحَسَّنَها، وقَدْ رَوَوْا بَيْتَ النّابِغَةِ: ( ؎عَلَيِّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبَ بِخَفْض الياء مِن عَلَيِّ. و(ما) في ﴿بِما أشْرَكْتُمُونِي﴾: مَصْدَرِيَّةٌ، و﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِأشْرَكْتُمُونِي) أيْ: كَفَرْتُ اليَوْمَ بِإشْراكِكم إيّايَ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ، أيْ: في الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤] وقالَ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] . وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: كَفَرْتُ بِالصَّنَمِ الَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ، فَحَذَفَ العائِدَ. وقِيلَ: (مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّق بِـ ﴿كَفَرْتُ﴾، و(ما) بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: كَفَرْتُ مِن قَبْلُ حِينِ أبَيْتُ السُّجُودَ لِآدَمَ، بِالَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ؛ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . تَقُولُ: شَرَكْتُ زَيْدًا، فَإذا أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ قُلْتُ: أشْرَكْتُ زَيْدًا عَمْرًا، أيْ جَعَلْتُهُ لَهُ شَرِيكًا. إلّا أنَّ في هَذا القَوْلِ إطْلاقَ (ما) عَلى اللَّهِ تَعالى، و(ما) الأصَحُّ فِيها أنَّها لا تُطْلَقُ عَلى آحادٍ مِن يَعْلَمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَحْوُ (ما) هَذِهِ يَعْنِي: في إطْلاقِها عَلى اللَّهِ، (ما) في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لَنا؛ انْتَهى. ومَن مَنَعَ ذَلِكَ جَعَلَ سُبْحانَ عَلَمًا عَلى مَعْنى التَّسْبِيحِ، كَما جَعَلَ بَرَّةً عَلَمًا لِلْمَبَرَّةِ. و(ما): مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن إبْلِيسَ إقْرارًا عَلى نَفْسِهِ بِكُفْرِهِ الأقْدَمِ؛ أيْ: خَطِيئَتِي قَبْلَ خَطِيئَتِكم. فَلا إصْراخَ عِنْدِي أنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ مِن تَمامِ كَلامِ إبْلِيسَ، حَكى اللَّهُ عَنْهُ ما سَيَقُولُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِيَكُونَ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ عَلَيَّ النَّظَرُ في عاقِبَتِهِمْ، والِاسْتِعْدادُ لِما لا بُدَّ مِنهُ. وأنْ يَتَصَوَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ذَلِكَ المَقامَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّيْطانُ ما يَقُولُ، فَيَخافُوا، ويَعْمَلُوا ما يُخَلِّصُهم مِنهُ، ويُنْجِيهِمْ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ الخَزَنَةِ يَوْمَ ذاكَ. وقِيلَ: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ هُنا في الشَّيْطانِ والمَلائِكَةِ يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن تَفْسِيرِهِ. ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾: لَمّا جَمَعَ الفَرِيقَيْنِ، في قَوْلِهِ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ، ذَكَرَ ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ مِن إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأُدْخِلَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: وأُدْخِلُ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ مُضارِعُ أدْخَلَ؛ أيْ: وأُدْخِلُ أنا. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ المَلائِكَةَ، والظّاهِرُ تَعَلَّقَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِأُدْخِلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَتَعَلَّقُ - يَعْنِي بِإذْنِ رَبِّهِمْ - في القِراءَةِ الأُخْرى، وقَوْلِكَ وأُدْخِلُهم أنا بِإذْنِ رَبِّهِمْ، كَلامٌ غَيْرُ مُلْئَتِمٍ؛ (قُلْتُ): الوَجْهُ في هَذِهِ القِراءَةِ: أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِما بَعْدَهُ، أيْ: تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ بِإذْنِ رَبِّهِمْ؛ يَعْنِي: أنَّ المَلائِكَةَ يُحَيُّونَهم بِإذْنِ رَبِّهِمْ؛ انْتَهى. فَظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ بِإذْنِ رَبِّهِمْ مَعْمُولٌ، لِقَوْلِهِ: (p-٤٢١)تَحِيَّتُهم، ولِذَلِكَ قالَ: يَعْنِي أنَّ المَلائِكَةَ يُحَيُّونَهم بِإذْنِ رَبِّهِمْ، وهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المَصْدَرِ المُنْحَلِّ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلُ عَلَيْهِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ. وقالَ أبُو الفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ الرّازِيُّ الحَسَنُ: أُدْخِلُ، بِرَفْعِ اللّامِ عَلى الِاسْتِقْبالِ، بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ألْطَفَ لَهم وأحْنى عَلَيْهِمْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ في أوائِلِ سُورَةِ يُونُسَ.

إبراهيم 14:24

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في (ضَرَبَ) مَعَ (المَثَلِ) في أوائِلِ البَقَرَةِ، فَكانَ يُغْنِي ذَلِكَ عَنِ الكَلامِ فِيهِ هُنا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أبْدَوْا هُنا تَقْدِيراتٍ، فَأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والمَهْدَوِيُّ وأبُو البَقاءِ (مَثَلًا) مَفْعُولًا بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) بَدَلٌ مِن (مَثَلًا) . وإعْرابُهم هَذا تَفْرِيعٌ، عَلى أنَّ (ضَرَبَ مَثَلًا) لا يَتَعَدّى لا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَثَلًا) مَفْعُولٌ بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ تَفْرِيعًا عَلى أنَّها مَعَ (المَثَلِ) تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّها بِمَعْنى جَعَلَ. وعَلى هَذا تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةَ طَيِّبَةٍ مَثَلًا هي، أيِ: الكَلِمَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وعَلى البَدَلِ تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) نَعْتًا لِلْكَلِمَةِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبَدَأ بِهِ أنْ تَكُونَ (كَلِمَةً) نَصْبًا بِمُضْمَرٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ؛ انْتَهى. وفِيهِ تَكَلُّفُ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ. وقُرِئَ شاذًّا (كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى الِابْتِداءِ، و(كَشَجَرَةٍ) خَبَرُهُ؛ انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو؛ أيِ: المَثَلُ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ، و(كَشَجَرَةٍ) نَعْتٍ لِكَلِمَةٍ، و(الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الإيمانُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ أوِ المُؤْمِنُ نَفْسُهُ؛ قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ والرَّبِيعُ؛ أوْ جَمِيعُ طاعاتِهِ أوِ القُرْآنُ، قالَهُ الأصَمُّ؛ أوْ دَعْوَةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوِ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ أوِ التَّسْبِيحُ والتَّنْزِيهُ؛ والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ جَوْزَةُ الهِنْدِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ النَّخْلَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، وهو قَوْلُ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وجاءَ ذَلِكَ نَصًّا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِمّا خَرَّجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ، قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ الآيَةَ، فَقالَ: أتَدْرُونَ ما هي ؟ فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ»؛ الحَدِيثَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: «أتَيْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ فَجِيءَ بِطِبْقٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ، فَقالَ أنَسٌ: كُلْ يا أبا العالِيَةِ، فَإنَّها الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصاعِ بُسْرٍ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ» . وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوُ هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٤٢٢)كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ، وشَجَرَةِ التِّينِ، والعِنَبِ، والرُّمّانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَدْ شَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ المُؤْمِنَ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ بِالأُتْرُجَّةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُشَبَّهَ أيْضًا بِشَجَرَتِها. أصْلُها ثابِتٌ؛ أيْ: في الأرْضِ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيها. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثابِتٌ أصْلُها، أُجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى الشَّجَرَةِ لَفْظًا وإنْ كانَتْ في الحَقِيقَةِ لِلسَّبَبِيِّ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ فِيها إسْنادُ الثُّبُوتِ إلى السَّبَبِيِّ لَفْظًا ومَعْنًى، وفِيها حُسْنُ التَّقْسِيمِ، إذْ جاءَ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ، يُرِيدُ بِالفَرْعِ: أعْلاها ورَأسَها، وإنْ كانَ المُشَبَّهُ بِهِ ذا فُرُوعٍ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ. ومَعْنى في السَّماءِ: جِهَةُ العُلُوِّ والصُّعُودِ لا المِظَلَّةُ. وفي الحَدِيثِ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ في السَّماءِ سِتُّونَ ذِراعًا» ولَمّا شُبِّهَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ كانَتِ الكَلِمَةُ أصْلُها ثابِتٌ في قُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ، وما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفْعالِ الزَّكِيَّةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ هو فَرْعُها يَصْعَدُ إلى السَّماءِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ وهو ثَوابُ اللَّهِ، هو جَناها، ووَصَفَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِأرْبَعَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ قَوْلُهُ: طَيِّبَةٍ، أيْ كَرِيمَةِ المَنبَتِ، والأصْلُ في الشَّجَرَةِ لَهُ لَذَّةٌ في المَطْعَمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎طَيِّبُ الباءَةِ سَهْلٌ ولَهم سُبُلٌ إنْ شِئْتَ في وحْشٍ وعْرِ أيْ ساحَتُهم سَهْلَةٌ طَيِّبَةٌ. الثّانِي: رُسُوخُ أصْلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِها، وأنَّ الرِّياحَ لا تَقْصِفُها، فَهي بَطِيئَةُ الفَناءِ، وما كانَ كَذَلِكَ حَصَلَ الفَرَحُ بِوِجْدانِهِ. والثّالِثُ: عُلُوُّ فَرْعِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الشَّجَرَةِ ورُسُوخِ عُرُوقِها، وعَلى بُعْدِها عَنْ عُفُوناتِ الأرْضِ، وعَلى صَفائِها مِنَ الشَّوائِبِ. الرّابِعُ: دَيْمُومَةُ وُجُودِ ثَمَرَتِها وحُضُورُها في كُلِّ الأوْقاتِ. والحِينُ في اللُّغَةِ قِطْعَةٌ مِنَ الزَّمانِ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سُمِّها ∗∗∗ تُطْلِقُهُ حِينًا وحِينًا تُراجِعُ والمَعْنى: تُعْطِي جَناها كُلَّ وقْتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ لَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، أيْ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: مَن حَلَفَ أنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا حِينًا فَإنَّهُ لا يَفْعَلُهُ سَنَةً، واسْتَشْهَدُوا بِهَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ، سِتَّةُ أشْهُرٍ، وهي مُدَّةُ بَقاءِ الثَّمَرِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: الحِينُ شَهْرانِ، لِأنَّ النَّخْلَةَ تَدُومُ مُثْمِرَةً شَهْرَيْنِ. وقِيلَ: لا تَتَعَطَّلُ مِن ثَمَرٍ تَحْمِلُ في كُلِّ شَهْرٍ، وهي شَجَرَةُ جَوْزِ الهِنْدِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: كُلَّ حِينٍ أي كُلَّ غُدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ، ومَتى أُرِيدُ جَناها، ويَتَخَرَّجُ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ. والتَّذَكُّرُ المَرْجُوُّ بِضَرْبِ المَثَلِ هو التَّفَهُّمُ والتَّصَوُّرُ لِلْمَعانِي المُدْرَكَةِ بِالعَقْلِ، فَمَتى أُبْرِزَتْ بِالمَحْسُوساتِ لَمْ يُنازَعْ فِيها الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ، وانْطَبَقَ المَعْقُولُ عَلى المَحْسُوسِ، فَحَصَلَ الفَهْمُ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ. والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ: هي كَلِمَةُ الكُفْرِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مَسْرُوقٌ: الكَذِبُ، وقالَ: أنْ تَجُرَّ دَعْوَةَ الكُفْرِ وما يُعْزى إلَيْهِ الكافِرُ. وقِيلَ: كُلُّ كَلامٍ لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ أُبَيٌّ: (وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً)، وقُرِئَ: و(مَثَلَ كَلِمَةٍ) بِنَصْبِ (مَثَلَ) عَطْفًا عَلى ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ . والشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ: شَجَرَةُ الحَنْظَلِ؛ قالَهُ الأكْثَرُونَ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ورَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ وفِرْقَةٌ: شَجَرَةُ الثُّومِ. وقِيلَ: شَجَرَةُ الكَشُوتِ، وهي شَجَرَةٌ لا ورَقَ لَها ولا أصْلَ، قالَ: وهي كُشُوتٌ، فَلا أصْلَ ولا ثَمَرَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُرَدُّ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِنَ النَّجْمِ ولَيْسَتْ مِنَ الشَّجَرِ، واللَّهُ تَعالى إنَّما مَثَّلَ بِالشَّجَرِ فَلا تُسَمّى هَذِهِ شَجَرَةً إلّا بِتَجَوُّزٍ، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الثُّومِ والبَصَلِ «مَن أكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ» وقِيلَ: الطُّحْلُبَةُ. وقِيلَ: الكَمْأةُ. وقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَطِيبُ لَهُ ثَمَرٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي الكافِرُ، وعَنْهُ أيْضًا: شَجَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ عَلى الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٤٢٣)والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بِشَجَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، إذا وُجِدَتْ مِنها هَذِهِ الأوْصافُ هو أنْ يَكُونَ كالعِضاةِ أوْ شَجَرَةِ السُّمُومِ ونَحْوِها إذا اجْتُثَّتْ؛ أيِ: اقْتُلِعَتْ جَثَّها بِنَزْعِ الأُصُولِ وبَقِيَتْ في غايَةِ الوَهْيِ والضَّعْفِ، فَتُقَلِّبُها أقَلُّ رِيحٍ. فالكافِرُ يَرى أنَّ بِيَدِهِ شَيْئًا، وهو لا يَسْتَقِرُّ، ولا يُغْنِي عَنْهُ كَهَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي يَظُنُّ بِها عَلى بُعْدِ الجاهِلِ أنَّها شَيْءٌ نافِعٌ، وهي خَبِيثَةُ الجَنْيِ غَيْرُ نافِعَةٍ؛ انْتَهى. واجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: أصْلُها ثابِتٌ، أيْ: لَمْ يَتَمَكَّنْ لَها أصْلٌ ولا عِرْقٌ في الأرْضِ، وإنَّما هي نابِتَةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ. ما لَها مِن قَرارٍ، أيِ: اسْتِقْرارٍ. يُقالُ: قَرَّ الشَّيْءُ قَرارًا ثَبَتَ ثَباتًا، شَبَّهَ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ القَوْلَ الَّذِي لَمْ يُعَضَّدْ بِحُجَّةٍ، فَهو لا يَثْبُتُ بَلْ يَضْمَحِلُّ عَنْ قَرِيبٍ لِبُطْلانِهِ، والقَوْلُ الثّابِتُ هو الَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ في قَلْبِ صاحِبِهِ وتَمَكَّنَ فِيهِ، واطْمَأنَّتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ. وتَثْبِيتُهم بِهِ في الدُّنْيا كَوْنُهم لَوْ فُتِنُوا عَنْ دِينِهِمْ في الدُّنْيا لَثَبَتُوا عَلَيْهِ وما زَلُّوا، كَما جَرى لِأصْحابِ الأُخْدُودِ، والَّذِينَ نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ، وكُشِطَتْ لُحُومُهم بِأمْشاطِ الحَدِيدِ، كَما ثَبَتَ جُرْجِيسُ وشَمْعُونُ وبِلالٌ حَتّى كانَ يُعَذَّبُ بِالرَّمْضاءِ وهو يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ. وتَثْبِيتُهم في الآخِرَةِ كَوْنُهم إذا سُئِلُوا عِنْدَ تَوافُقِ الإشْهادِ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، ولَمْ يَبْهَتُوا، ولَمْ تُحَيِّرْهم أهْوالُ الحَشْرِ. والَّذِينَ آمَنُوا عامٌّ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ طاوُسٌ وقَتادَةُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: أنَّ تَثْبِيتَهم في الدُّنْيا هو مُدَّةُ حَياةِ الإنْسانِ، وفي الآخِرَةِ هو وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ الطَّبَرِيُّ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وجَماعَةٌ: في الحَياةِ الدُّنْيا هي وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَواهُ البَراءُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفي الآخِرَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى تَثْبِيتِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ: هو حَياتُهُ عَلى الإيمانِ، وحَشْرُهُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: التَّثْبِيتُ في الدُّنْيا: الفَتْحُ والنَّصْرُ، وفي الآخِرَةِ: الجَنَّةُ والثَّوابُ. وما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ في حَدِيثِ البَراءِ مِن تِلاوَتِهِ عِنْدَ إيعادِ المُؤْمِنِ في قَبْرِهِ، وسُئِلَ وشَهِدَ شَهادَةَ الإخْلاصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، الآيَةَ، لا يَظْهَرُ مِنهُ؛ يَعْنِي: أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا هي حَياةُ الإنْسانِ، وأنَّ الآخِرَةَ في القَبْرِ، ولا أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا هي في القَبْرِ، وأنَّ الآخِرَةَ هي يَوْمُ القِيامَةِ، بَلِ اللَّفْظُ مُحْتَمَلٌ. ومَعْنى يُثَبِّتُ: يُدِيمُهم عَلَيْهِ، ويَمْنَعُهم مِنَ الزَّلَلِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: ؎فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِن حُسْنٍ ∗∗∗ تَثْبِيتَ مُوسى ونَصْرًا كالَّذِي نُصِرُوا والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يُثَبِّتُ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِآمَنُوا. وسُؤالُ العَبْدِ في قَبْرِهِ مُعْتَقَدُ أهْلِ السُّنَّةِ. ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾، أيِ: الكافِرِينَ، لِمُقابَلَتِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، وإضْلالُهم في الدُّنْيا كَوْنُهم لا يَثْبُتُونَ في مَواقِفِ الفِتَنِ، وتَزِلُّ أقْدامُهم، وهي الحَيْرَةُ الَّتِي تَلْحَقُهم، إذْ لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِحُجَّةٍ. وفي الآخِرَةِ هو اضْطِرابُهم في جَوابِهِمْ. ولَمّا تَقَدَّمَ تَشْبِيهُ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ عَلى تَشْبِيهِ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ، تَقَدَّمَ في هَذا الكَلامِ مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وتَلاهُ مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما فَعَلَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ ذَكَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ اعْتِراضٌ فِيما خَصَّ بِهِ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، إذْ ذاكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، أيْ: تَوْجِيهَ الحِكْمَةِ، لِأنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَأْيِيدِهِمْ وعِصْمَتِهِمْ عِنْدَ ثَباتِهِمْ وعَزْمِهِمْ، ومِن إضْلالِ الظّالِمِينَ وخِذْلانِهِمْ والتَّخْلِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ شَأْنِهِمْ عِنْدَ زَلَلِهِمْ؛ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

إبراهيم 14:25

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في (ضَرَبَ) مَعَ (المَثَلِ) في أوائِلِ البَقَرَةِ، فَكانَ يُغْنِي ذَلِكَ عَنِ الكَلامِ فِيهِ هُنا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أبْدَوْا هُنا تَقْدِيراتٍ، فَأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والمَهْدَوِيُّ وأبُو البَقاءِ (مَثَلًا) مَفْعُولًا بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) بَدَلٌ مِن (مَثَلًا) . وإعْرابُهم هَذا تَفْرِيعٌ، عَلى أنَّ (ضَرَبَ مَثَلًا) لا يَتَعَدّى لا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَثَلًا) مَفْعُولٌ بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ تَفْرِيعًا عَلى أنَّها مَعَ (المَثَلِ) تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّها بِمَعْنى جَعَلَ. وعَلى هَذا تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةَ طَيِّبَةٍ مَثَلًا هي، أيِ: الكَلِمَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وعَلى البَدَلِ تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) نَعْتًا لِلْكَلِمَةِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبَدَأ بِهِ أنْ تَكُونَ (كَلِمَةً) نَصْبًا بِمُضْمَرٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ؛ انْتَهى. وفِيهِ تَكَلُّفُ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ. وقُرِئَ شاذًّا (كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى الِابْتِداءِ، و(كَشَجَرَةٍ) خَبَرُهُ؛ انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو؛ أيِ: المَثَلُ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ، و(كَشَجَرَةٍ) نَعْتٍ لِكَلِمَةٍ، و(الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الإيمانُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ أوِ المُؤْمِنُ نَفْسُهُ؛ قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ والرَّبِيعُ؛ أوْ جَمِيعُ طاعاتِهِ أوِ القُرْآنُ، قالَهُ الأصَمُّ؛ أوْ دَعْوَةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوِ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ أوِ التَّسْبِيحُ والتَّنْزِيهُ؛ والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ جَوْزَةُ الهِنْدِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ النَّخْلَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، وهو قَوْلُ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وجاءَ ذَلِكَ نَصًّا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِمّا خَرَّجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ، قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ الآيَةَ، فَقالَ: أتَدْرُونَ ما هي ؟ فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ»؛ الحَدِيثَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: «أتَيْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ فَجِيءَ بِطِبْقٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ، فَقالَ أنَسٌ: كُلْ يا أبا العالِيَةِ، فَإنَّها الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصاعِ بُسْرٍ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ» . وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوُ هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٤٢٢)كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ، وشَجَرَةِ التِّينِ، والعِنَبِ، والرُّمّانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَدْ شَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ المُؤْمِنَ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ بِالأُتْرُجَّةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُشَبَّهَ أيْضًا بِشَجَرَتِها. أصْلُها ثابِتٌ؛ أيْ: في الأرْضِ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيها. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثابِتٌ أصْلُها، أُجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى الشَّجَرَةِ لَفْظًا وإنْ كانَتْ في الحَقِيقَةِ لِلسَّبَبِيِّ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ فِيها إسْنادُ الثُّبُوتِ إلى السَّبَبِيِّ لَفْظًا ومَعْنًى، وفِيها حُسْنُ التَّقْسِيمِ، إذْ جاءَ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ، يُرِيدُ بِالفَرْعِ: أعْلاها ورَأسَها، وإنْ كانَ المُشَبَّهُ بِهِ ذا فُرُوعٍ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ. ومَعْنى في السَّماءِ: جِهَةُ العُلُوِّ والصُّعُودِ لا المِظَلَّةُ. وفي الحَدِيثِ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ في السَّماءِ سِتُّونَ ذِراعًا» ولَمّا شُبِّهَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ كانَتِ الكَلِمَةُ أصْلُها ثابِتٌ في قُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ، وما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفْعالِ الزَّكِيَّةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ هو فَرْعُها يَصْعَدُ إلى السَّماءِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ وهو ثَوابُ اللَّهِ، هو جَناها، ووَصَفَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِأرْبَعَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ قَوْلُهُ: طَيِّبَةٍ، أيْ كَرِيمَةِ المَنبَتِ، والأصْلُ في الشَّجَرَةِ لَهُ لَذَّةٌ في المَطْعَمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎طَيِّبُ الباءَةِ سَهْلٌ ولَهم سُبُلٌ إنْ شِئْتَ في وحْشٍ وعْرِ أيْ ساحَتُهم سَهْلَةٌ طَيِّبَةٌ. الثّانِي: رُسُوخُ أصْلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِها، وأنَّ الرِّياحَ لا تَقْصِفُها، فَهي بَطِيئَةُ الفَناءِ، وما كانَ كَذَلِكَ حَصَلَ الفَرَحُ بِوِجْدانِهِ. والثّالِثُ: عُلُوُّ فَرْعِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الشَّجَرَةِ ورُسُوخِ عُرُوقِها، وعَلى بُعْدِها عَنْ عُفُوناتِ الأرْضِ، وعَلى صَفائِها مِنَ الشَّوائِبِ. الرّابِعُ: دَيْمُومَةُ وُجُودِ ثَمَرَتِها وحُضُورُها في كُلِّ الأوْقاتِ. والحِينُ في اللُّغَةِ قِطْعَةٌ مِنَ الزَّمانِ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سُمِّها ∗∗∗ تُطْلِقُهُ حِينًا وحِينًا تُراجِعُ والمَعْنى: تُعْطِي جَناها كُلَّ وقْتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ لَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، أيْ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: مَن حَلَفَ أنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا حِينًا فَإنَّهُ لا يَفْعَلُهُ سَنَةً، واسْتَشْهَدُوا بِهَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ، سِتَّةُ أشْهُرٍ، وهي مُدَّةُ بَقاءِ الثَّمَرِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: الحِينُ شَهْرانِ، لِأنَّ النَّخْلَةَ تَدُومُ مُثْمِرَةً شَهْرَيْنِ. وقِيلَ: لا تَتَعَطَّلُ مِن ثَمَرٍ تَحْمِلُ في كُلِّ شَهْرٍ، وهي شَجَرَةُ جَوْزِ الهِنْدِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: كُلَّ حِينٍ أي كُلَّ غُدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ، ومَتى أُرِيدُ جَناها، ويَتَخَرَّجُ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ. والتَّذَكُّرُ المَرْجُوُّ بِضَرْبِ المَثَلِ هو التَّفَهُّمُ والتَّصَوُّرُ لِلْمَعانِي المُدْرَكَةِ بِالعَقْلِ، فَمَتى أُبْرِزَتْ بِالمَحْسُوساتِ لَمْ يُنازَعْ فِيها الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ، وانْطَبَقَ المَعْقُولُ عَلى المَحْسُوسِ، فَحَصَلَ الفَهْمُ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ. والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ: هي كَلِمَةُ الكُفْرِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مَسْرُوقٌ: الكَذِبُ، وقالَ: أنْ تَجُرَّ دَعْوَةَ الكُفْرِ وما يُعْزى إلَيْهِ الكافِرُ. وقِيلَ: كُلُّ كَلامٍ لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ أُبَيٌّ: (وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً)، وقُرِئَ: و(مَثَلَ كَلِمَةٍ) بِنَصْبِ (مَثَلَ) عَطْفًا عَلى ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ . والشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ: شَجَرَةُ الحَنْظَلِ؛ قالَهُ الأكْثَرُونَ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ورَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ وفِرْقَةٌ: شَجَرَةُ الثُّومِ. وقِيلَ: شَجَرَةُ الكَشُوتِ، وهي شَجَرَةٌ لا ورَقَ لَها ولا أصْلَ، قالَ: وهي كُشُوتٌ، فَلا أصْلَ ولا ثَمَرَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُرَدُّ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِنَ النَّجْمِ ولَيْسَتْ مِنَ الشَّجَرِ، واللَّهُ تَعالى إنَّما مَثَّلَ بِالشَّجَرِ فَلا تُسَمّى هَذِهِ شَجَرَةً إلّا بِتَجَوُّزٍ، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الثُّومِ والبَصَلِ «مَن أكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ» وقِيلَ: الطُّحْلُبَةُ. وقِيلَ: الكَمْأةُ. وقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَطِيبُ لَهُ ثَمَرٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي الكافِرُ، وعَنْهُ أيْضًا: شَجَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ عَلى الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٤٢٣)والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بِشَجَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، إذا وُجِدَتْ مِنها هَذِهِ الأوْصافُ هو أنْ يَكُونَ كالعِضاةِ أوْ شَجَرَةِ السُّمُومِ ونَحْوِها إذا اجْتُثَّتْ؛ أيِ: اقْتُلِعَتْ جَثَّها بِنَزْعِ الأُصُولِ وبَقِيَتْ في غايَةِ الوَهْيِ والضَّعْفِ، فَتُقَلِّبُها أقَلُّ رِيحٍ. فالكافِرُ يَرى أنَّ بِيَدِهِ شَيْئًا، وهو لا يَسْتَقِرُّ، ولا يُغْنِي عَنْهُ كَهَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي يَظُنُّ بِها عَلى بُعْدِ الجاهِلِ أنَّها شَيْءٌ نافِعٌ، وهي خَبِيثَةُ الجَنْيِ غَيْرُ نافِعَةٍ؛ انْتَهى. واجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: أصْلُها ثابِتٌ، أيْ: لَمْ يَتَمَكَّنْ لَها أصْلٌ ولا عِرْقٌ في الأرْضِ، وإنَّما هي نابِتَةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ. ما لَها مِن قَرارٍ، أيِ: اسْتِقْرارٍ. يُقالُ: قَرَّ الشَّيْءُ قَرارًا ثَبَتَ ثَباتًا، شَبَّهَ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ القَوْلَ الَّذِي لَمْ يُعَضَّدْ بِحُجَّةٍ، فَهو لا يَثْبُتُ بَلْ يَضْمَحِلُّ عَنْ قَرِيبٍ لِبُطْلانِهِ، والقَوْلُ الثّابِتُ هو الَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ في قَلْبِ صاحِبِهِ وتَمَكَّنَ فِيهِ، واطْمَأنَّتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ. وتَثْبِيتُهم بِهِ في الدُّنْيا كَوْنُهم لَوْ فُتِنُوا عَنْ دِينِهِمْ في الدُّنْيا لَثَبَتُوا عَلَيْهِ وما زَلُّوا، كَما جَرى لِأصْحابِ الأُخْدُودِ، والَّذِينَ نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ، وكُشِطَتْ لُحُومُهم بِأمْشاطِ الحَدِيدِ، كَما ثَبَتَ جُرْجِيسُ وشَمْعُونُ وبِلالٌ حَتّى كانَ يُعَذَّبُ بِالرَّمْضاءِ وهو يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ. وتَثْبِيتُهم في الآخِرَةِ كَوْنُهم إذا سُئِلُوا عِنْدَ تَوافُقِ الإشْهادِ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، ولَمْ يَبْهَتُوا، ولَمْ تُحَيِّرْهم أهْوالُ الحَشْرِ. والَّذِينَ آمَنُوا عامٌّ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ طاوُسٌ وقَتادَةُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: أنَّ تَثْبِيتَهم في الدُّنْيا هو مُدَّةُ حَياةِ الإنْسانِ، وفي الآخِرَةِ هو وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ الطَّبَرِيُّ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وجَماعَةٌ: في الحَياةِ الدُّنْيا هي وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَواهُ البَراءُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفي الآخِرَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى تَثْبِيتِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ: هو حَياتُهُ عَلى الإيمانِ، وحَشْرُهُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: التَّثْبِيتُ في الدُّنْيا: الفَتْحُ والنَّصْرُ، وفي الآخِرَةِ: الجَنَّةُ والثَّوابُ. وما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ في حَدِيثِ البَراءِ مِن تِلاوَتِهِ عِنْدَ إيعادِ المُؤْمِنِ في قَبْرِهِ، وسُئِلَ وشَهِدَ شَهادَةَ الإخْلاصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، الآيَةَ، لا يَظْهَرُ مِنهُ؛ يَعْنِي: أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا هي حَياةُ الإنْسانِ، وأنَّ الآخِرَةَ في القَبْرِ، ولا أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا هي في القَبْرِ، وأنَّ الآخِرَةَ هي يَوْمُ القِيامَةِ، بَلِ اللَّفْظُ مُحْتَمَلٌ. ومَعْنى يُثَبِّتُ: يُدِيمُهم عَلَيْهِ، ويَمْنَعُهم مِنَ الزَّلَلِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: ؎فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِن حُسْنٍ ∗∗∗ تَثْبِيتَ مُوسى ونَصْرًا كالَّذِي نُصِرُوا والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يُثَبِّتُ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِآمَنُوا. وسُؤالُ العَبْدِ في قَبْرِهِ مُعْتَقَدُ أهْلِ السُّنَّةِ. ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾، أيِ: الكافِرِينَ، لِمُقابَلَتِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، وإضْلالُهم في الدُّنْيا كَوْنُهم لا يَثْبُتُونَ في مَواقِفِ الفِتَنِ، وتَزِلُّ أقْدامُهم، وهي الحَيْرَةُ الَّتِي تَلْحَقُهم، إذْ لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِحُجَّةٍ. وفي الآخِرَةِ هو اضْطِرابُهم في جَوابِهِمْ. ولَمّا تَقَدَّمَ تَشْبِيهُ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ عَلى تَشْبِيهِ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ، تَقَدَّمَ في هَذا الكَلامِ مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وتَلاهُ مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما فَعَلَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ ذَكَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ اعْتِراضٌ فِيما خَصَّ بِهِ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، إذْ ذاكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، أيْ: تَوْجِيهَ الحِكْمَةِ، لِأنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَأْيِيدِهِمْ وعِصْمَتِهِمْ عِنْدَ ثَباتِهِمْ وعَزْمِهِمْ، ومِن إضْلالِ الظّالِمِينَ وخِذْلانِهِمْ والتَّخْلِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ شَأْنِهِمْ عِنْدَ زَلَلِهِمْ؛ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

إبراهيم 14:26

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في (ضَرَبَ) مَعَ (المَثَلِ) في أوائِلِ البَقَرَةِ، فَكانَ يُغْنِي ذَلِكَ عَنِ الكَلامِ فِيهِ هُنا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أبْدَوْا هُنا تَقْدِيراتٍ، فَأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والمَهْدَوِيُّ وأبُو البَقاءِ (مَثَلًا) مَفْعُولًا بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) بَدَلٌ مِن (مَثَلًا) . وإعْرابُهم هَذا تَفْرِيعٌ، عَلى أنَّ (ضَرَبَ مَثَلًا) لا يَتَعَدّى لا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَثَلًا) مَفْعُولٌ بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ تَفْرِيعًا عَلى أنَّها مَعَ (المَثَلِ) تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّها بِمَعْنى جَعَلَ. وعَلى هَذا تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةَ طَيِّبَةٍ مَثَلًا هي، أيِ: الكَلِمَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وعَلى البَدَلِ تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) نَعْتًا لِلْكَلِمَةِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبَدَأ بِهِ أنْ تَكُونَ (كَلِمَةً) نَصْبًا بِمُضْمَرٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ؛ انْتَهى. وفِيهِ تَكَلُّفُ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ. وقُرِئَ شاذًّا (كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى الِابْتِداءِ، و(كَشَجَرَةٍ) خَبَرُهُ؛ انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو؛ أيِ: المَثَلُ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ، و(كَشَجَرَةٍ) نَعْتٍ لِكَلِمَةٍ، و(الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الإيمانُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ أوِ المُؤْمِنُ نَفْسُهُ؛ قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ والرَّبِيعُ؛ أوْ جَمِيعُ طاعاتِهِ أوِ القُرْآنُ، قالَهُ الأصَمُّ؛ أوْ دَعْوَةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوِ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ أوِ التَّسْبِيحُ والتَّنْزِيهُ؛ والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ جَوْزَةُ الهِنْدِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ النَّخْلَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، وهو قَوْلُ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وجاءَ ذَلِكَ نَصًّا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِمّا خَرَّجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ، قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ الآيَةَ، فَقالَ: أتَدْرُونَ ما هي ؟ فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ»؛ الحَدِيثَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: «أتَيْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ فَجِيءَ بِطِبْقٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ، فَقالَ أنَسٌ: كُلْ يا أبا العالِيَةِ، فَإنَّها الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصاعِ بُسْرٍ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ» . وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوُ هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٤٢٢)كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ، وشَجَرَةِ التِّينِ، والعِنَبِ، والرُّمّانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَدْ شَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ المُؤْمِنَ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ بِالأُتْرُجَّةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُشَبَّهَ أيْضًا بِشَجَرَتِها. أصْلُها ثابِتٌ؛ أيْ: في الأرْضِ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيها. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثابِتٌ أصْلُها، أُجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى الشَّجَرَةِ لَفْظًا وإنْ كانَتْ في الحَقِيقَةِ لِلسَّبَبِيِّ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ فِيها إسْنادُ الثُّبُوتِ إلى السَّبَبِيِّ لَفْظًا ومَعْنًى، وفِيها حُسْنُ التَّقْسِيمِ، إذْ جاءَ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ، يُرِيدُ بِالفَرْعِ: أعْلاها ورَأسَها، وإنْ كانَ المُشَبَّهُ بِهِ ذا فُرُوعٍ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ. ومَعْنى في السَّماءِ: جِهَةُ العُلُوِّ والصُّعُودِ لا المِظَلَّةُ. وفي الحَدِيثِ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ في السَّماءِ سِتُّونَ ذِراعًا» ولَمّا شُبِّهَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ كانَتِ الكَلِمَةُ أصْلُها ثابِتٌ في قُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ، وما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفْعالِ الزَّكِيَّةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ هو فَرْعُها يَصْعَدُ إلى السَّماءِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ وهو ثَوابُ اللَّهِ، هو جَناها، ووَصَفَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِأرْبَعَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ قَوْلُهُ: طَيِّبَةٍ، أيْ كَرِيمَةِ المَنبَتِ، والأصْلُ في الشَّجَرَةِ لَهُ لَذَّةٌ في المَطْعَمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎طَيِّبُ الباءَةِ سَهْلٌ ولَهم سُبُلٌ إنْ شِئْتَ في وحْشٍ وعْرِ أيْ ساحَتُهم سَهْلَةٌ طَيِّبَةٌ. الثّانِي: رُسُوخُ أصْلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِها، وأنَّ الرِّياحَ لا تَقْصِفُها، فَهي بَطِيئَةُ الفَناءِ، وما كانَ كَذَلِكَ حَصَلَ الفَرَحُ بِوِجْدانِهِ. والثّالِثُ: عُلُوُّ فَرْعِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الشَّجَرَةِ ورُسُوخِ عُرُوقِها، وعَلى بُعْدِها عَنْ عُفُوناتِ الأرْضِ، وعَلى صَفائِها مِنَ الشَّوائِبِ. الرّابِعُ: دَيْمُومَةُ وُجُودِ ثَمَرَتِها وحُضُورُها في كُلِّ الأوْقاتِ. والحِينُ في اللُّغَةِ قِطْعَةٌ مِنَ الزَّمانِ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سُمِّها ∗∗∗ تُطْلِقُهُ حِينًا وحِينًا تُراجِعُ والمَعْنى: تُعْطِي جَناها كُلَّ وقْتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ لَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، أيْ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: مَن حَلَفَ أنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا حِينًا فَإنَّهُ لا يَفْعَلُهُ سَنَةً، واسْتَشْهَدُوا بِهَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ، سِتَّةُ أشْهُرٍ، وهي مُدَّةُ بَقاءِ الثَّمَرِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: الحِينُ شَهْرانِ، لِأنَّ النَّخْلَةَ تَدُومُ مُثْمِرَةً شَهْرَيْنِ. وقِيلَ: لا تَتَعَطَّلُ مِن ثَمَرٍ تَحْمِلُ في كُلِّ شَهْرٍ، وهي شَجَرَةُ جَوْزِ الهِنْدِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: كُلَّ حِينٍ أي كُلَّ غُدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ، ومَتى أُرِيدُ جَناها، ويَتَخَرَّجُ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ. والتَّذَكُّرُ المَرْجُوُّ بِضَرْبِ المَثَلِ هو التَّفَهُّمُ والتَّصَوُّرُ لِلْمَعانِي المُدْرَكَةِ بِالعَقْلِ، فَمَتى أُبْرِزَتْ بِالمَحْسُوساتِ لَمْ يُنازَعْ فِيها الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ، وانْطَبَقَ المَعْقُولُ عَلى المَحْسُوسِ، فَحَصَلَ الفَهْمُ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ. والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ: هي كَلِمَةُ الكُفْرِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مَسْرُوقٌ: الكَذِبُ، وقالَ: أنْ تَجُرَّ دَعْوَةَ الكُفْرِ وما يُعْزى إلَيْهِ الكافِرُ. وقِيلَ: كُلُّ كَلامٍ لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ أُبَيٌّ: (وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً)، وقُرِئَ: و(مَثَلَ كَلِمَةٍ) بِنَصْبِ (مَثَلَ) عَطْفًا عَلى ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ . والشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ: شَجَرَةُ الحَنْظَلِ؛ قالَهُ الأكْثَرُونَ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ورَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ وفِرْقَةٌ: شَجَرَةُ الثُّومِ. وقِيلَ: شَجَرَةُ الكَشُوتِ، وهي شَجَرَةٌ لا ورَقَ لَها ولا أصْلَ، قالَ: وهي كُشُوتٌ، فَلا أصْلَ ولا ثَمَرَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُرَدُّ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِنَ النَّجْمِ ولَيْسَتْ مِنَ الشَّجَرِ، واللَّهُ تَعالى إنَّما مَثَّلَ بِالشَّجَرِ فَلا تُسَمّى هَذِهِ شَجَرَةً إلّا بِتَجَوُّزٍ، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الثُّومِ والبَصَلِ «مَن أكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ» وقِيلَ: الطُّحْلُبَةُ. وقِيلَ: الكَمْأةُ. وقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَطِيبُ لَهُ ثَمَرٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي الكافِرُ، وعَنْهُ أيْضًا: شَجَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ عَلى الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٤٢٣)والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بِشَجَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، إذا وُجِدَتْ مِنها هَذِهِ الأوْصافُ هو أنْ يَكُونَ كالعِضاةِ أوْ شَجَرَةِ السُّمُومِ ونَحْوِها إذا اجْتُثَّتْ؛ أيِ: اقْتُلِعَتْ جَثَّها بِنَزْعِ الأُصُولِ وبَقِيَتْ في غايَةِ الوَهْيِ والضَّعْفِ، فَتُقَلِّبُها أقَلُّ رِيحٍ. فالكافِرُ يَرى أنَّ بِيَدِهِ شَيْئًا، وهو لا يَسْتَقِرُّ، ولا يُغْنِي عَنْهُ كَهَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي يَظُنُّ بِها عَلى بُعْدِ الجاهِلِ أنَّها شَيْءٌ نافِعٌ، وهي خَبِيثَةُ الجَنْيِ غَيْرُ نافِعَةٍ؛ انْتَهى. واجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: أصْلُها ثابِتٌ، أيْ: لَمْ يَتَمَكَّنْ لَها أصْلٌ ولا عِرْقٌ في الأرْضِ، وإنَّما هي نابِتَةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ. ما لَها مِن قَرارٍ، أيِ: اسْتِقْرارٍ. يُقالُ: قَرَّ الشَّيْءُ قَرارًا ثَبَتَ ثَباتًا، شَبَّهَ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ القَوْلَ الَّذِي لَمْ يُعَضَّدْ بِحُجَّةٍ، فَهو لا يَثْبُتُ بَلْ يَضْمَحِلُّ عَنْ قَرِيبٍ لِبُطْلانِهِ، والقَوْلُ الثّابِتُ هو الَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ في قَلْبِ صاحِبِهِ وتَمَكَّنَ فِيهِ، واطْمَأنَّتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ. وتَثْبِيتُهم بِهِ في الدُّنْيا كَوْنُهم لَوْ فُتِنُوا عَنْ دِينِهِمْ في الدُّنْيا لَثَبَتُوا عَلَيْهِ وما زَلُّوا، كَما جَرى لِأصْحابِ الأُخْدُودِ، والَّذِينَ نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ، وكُشِطَتْ لُحُومُهم بِأمْشاطِ الحَدِيدِ، كَما ثَبَتَ جُرْجِيسُ وشَمْعُونُ وبِلالٌ حَتّى كانَ يُعَذَّبُ بِالرَّمْضاءِ وهو يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ. وتَثْبِيتُهم في الآخِرَةِ كَوْنُهم إذا سُئِلُوا عِنْدَ تَوافُقِ الإشْهادِ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، ولَمْ يَبْهَتُوا، ولَمْ تُحَيِّرْهم أهْوالُ الحَشْرِ. والَّذِينَ آمَنُوا عامٌّ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ طاوُسٌ وقَتادَةُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: أنَّ تَثْبِيتَهم في الدُّنْيا هو مُدَّةُ حَياةِ الإنْسانِ، وفي الآخِرَةِ هو وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ الطَّبَرِيُّ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وجَماعَةٌ: في الحَياةِ الدُّنْيا هي وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَواهُ البَراءُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفي الآخِرَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى تَثْبِيتِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ: هو حَياتُهُ عَلى الإيمانِ، وحَشْرُهُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: التَّثْبِيتُ في الدُّنْيا: الفَتْحُ والنَّصْرُ، وفي الآخِرَةِ: الجَنَّةُ والثَّوابُ. وما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ في حَدِيثِ البَراءِ مِن تِلاوَتِهِ عِنْدَ إيعادِ المُؤْمِنِ في قَبْرِهِ، وسُئِلَ وشَهِدَ شَهادَةَ الإخْلاصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، الآيَةَ، لا يَظْهَرُ مِنهُ؛ يَعْنِي: أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا هي حَياةُ الإنْسانِ، وأنَّ الآخِرَةَ في القَبْرِ، ولا أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا هي في القَبْرِ، وأنَّ الآخِرَةَ هي يَوْمُ القِيامَةِ، بَلِ اللَّفْظُ مُحْتَمَلٌ. ومَعْنى يُثَبِّتُ: يُدِيمُهم عَلَيْهِ، ويَمْنَعُهم مِنَ الزَّلَلِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: ؎فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِن حُسْنٍ ∗∗∗ تَثْبِيتَ مُوسى ونَصْرًا كالَّذِي نُصِرُوا والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يُثَبِّتُ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِآمَنُوا. وسُؤالُ العَبْدِ في قَبْرِهِ مُعْتَقَدُ أهْلِ السُّنَّةِ. ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾، أيِ: الكافِرِينَ، لِمُقابَلَتِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، وإضْلالُهم في الدُّنْيا كَوْنُهم لا يَثْبُتُونَ في مَواقِفِ الفِتَنِ، وتَزِلُّ أقْدامُهم، وهي الحَيْرَةُ الَّتِي تَلْحَقُهم، إذْ لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِحُجَّةٍ. وفي الآخِرَةِ هو اضْطِرابُهم في جَوابِهِمْ. ولَمّا تَقَدَّمَ تَشْبِيهُ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ عَلى تَشْبِيهِ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ، تَقَدَّمَ في هَذا الكَلامِ مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وتَلاهُ مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما فَعَلَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ ذَكَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ اعْتِراضٌ فِيما خَصَّ بِهِ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، إذْ ذاكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، أيْ: تَوْجِيهَ الحِكْمَةِ، لِأنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَأْيِيدِهِمْ وعِصْمَتِهِمْ عِنْدَ ثَباتِهِمْ وعَزْمِهِمْ، ومِن إضْلالِ الظّالِمِينَ وخِذْلانِهِمْ والتَّخْلِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ شَأْنِهِمْ عِنْدَ زَلَلِهِمْ؛ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

إبراهيم 14:27

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في (ضَرَبَ) مَعَ (المَثَلِ) في أوائِلِ البَقَرَةِ، فَكانَ يُغْنِي ذَلِكَ عَنِ الكَلامِ فِيهِ هُنا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أبْدَوْا هُنا تَقْدِيراتٍ، فَأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والمَهْدَوِيُّ وأبُو البَقاءِ (مَثَلًا) مَفْعُولًا بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) بَدَلٌ مِن (مَثَلًا) . وإعْرابُهم هَذا تَفْرِيعٌ، عَلى أنَّ (ضَرَبَ مَثَلًا) لا يَتَعَدّى لا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَثَلًا) مَفْعُولٌ بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ تَفْرِيعًا عَلى أنَّها مَعَ (المَثَلِ) تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّها بِمَعْنى جَعَلَ. وعَلى هَذا تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةَ طَيِّبَةٍ مَثَلًا هي، أيِ: الكَلِمَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وعَلى البَدَلِ تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) نَعْتًا لِلْكَلِمَةِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبَدَأ بِهِ أنْ تَكُونَ (كَلِمَةً) نَصْبًا بِمُضْمَرٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ؛ انْتَهى. وفِيهِ تَكَلُّفُ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ. وقُرِئَ شاذًّا (كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى الِابْتِداءِ، و(كَشَجَرَةٍ) خَبَرُهُ؛ انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو؛ أيِ: المَثَلُ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ، و(كَشَجَرَةٍ) نَعْتٍ لِكَلِمَةٍ، و(الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الإيمانُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ أوِ المُؤْمِنُ نَفْسُهُ؛ قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ والرَّبِيعُ؛ أوْ جَمِيعُ طاعاتِهِ أوِ القُرْآنُ، قالَهُ الأصَمُّ؛ أوْ دَعْوَةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوِ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ أوِ التَّسْبِيحُ والتَّنْزِيهُ؛ والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ جَوْزَةُ الهِنْدِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ النَّخْلَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، وهو قَوْلُ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وجاءَ ذَلِكَ نَصًّا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِمّا خَرَّجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ، قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ الآيَةَ، فَقالَ: أتَدْرُونَ ما هي ؟ فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ»؛ الحَدِيثَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: «أتَيْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ فَجِيءَ بِطِبْقٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ، فَقالَ أنَسٌ: كُلْ يا أبا العالِيَةِ، فَإنَّها الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصاعِ بُسْرٍ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ» . وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوُ هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٤٢٢)كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ، وشَجَرَةِ التِّينِ، والعِنَبِ، والرُّمّانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَدْ شَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ المُؤْمِنَ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ بِالأُتْرُجَّةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُشَبَّهَ أيْضًا بِشَجَرَتِها. أصْلُها ثابِتٌ؛ أيْ: في الأرْضِ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيها. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثابِتٌ أصْلُها، أُجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى الشَّجَرَةِ لَفْظًا وإنْ كانَتْ في الحَقِيقَةِ لِلسَّبَبِيِّ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ فِيها إسْنادُ الثُّبُوتِ إلى السَّبَبِيِّ لَفْظًا ومَعْنًى، وفِيها حُسْنُ التَّقْسِيمِ، إذْ جاءَ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ، يُرِيدُ بِالفَرْعِ: أعْلاها ورَأسَها، وإنْ كانَ المُشَبَّهُ بِهِ ذا فُرُوعٍ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ. ومَعْنى في السَّماءِ: جِهَةُ العُلُوِّ والصُّعُودِ لا المِظَلَّةُ. وفي الحَدِيثِ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ في السَّماءِ سِتُّونَ ذِراعًا» ولَمّا شُبِّهَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ كانَتِ الكَلِمَةُ أصْلُها ثابِتٌ في قُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ، وما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفْعالِ الزَّكِيَّةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ هو فَرْعُها يَصْعَدُ إلى السَّماءِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ وهو ثَوابُ اللَّهِ، هو جَناها، ووَصَفَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِأرْبَعَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ قَوْلُهُ: طَيِّبَةٍ، أيْ كَرِيمَةِ المَنبَتِ، والأصْلُ في الشَّجَرَةِ لَهُ لَذَّةٌ في المَطْعَمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎طَيِّبُ الباءَةِ سَهْلٌ ولَهم سُبُلٌ إنْ شِئْتَ في وحْشٍ وعْرِ أيْ ساحَتُهم سَهْلَةٌ طَيِّبَةٌ. الثّانِي: رُسُوخُ أصْلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِها، وأنَّ الرِّياحَ لا تَقْصِفُها، فَهي بَطِيئَةُ الفَناءِ، وما كانَ كَذَلِكَ حَصَلَ الفَرَحُ بِوِجْدانِهِ. والثّالِثُ: عُلُوُّ فَرْعِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الشَّجَرَةِ ورُسُوخِ عُرُوقِها، وعَلى بُعْدِها عَنْ عُفُوناتِ الأرْضِ، وعَلى صَفائِها مِنَ الشَّوائِبِ. الرّابِعُ: دَيْمُومَةُ وُجُودِ ثَمَرَتِها وحُضُورُها في كُلِّ الأوْقاتِ. والحِينُ في اللُّغَةِ قِطْعَةٌ مِنَ الزَّمانِ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سُمِّها ∗∗∗ تُطْلِقُهُ حِينًا وحِينًا تُراجِعُ والمَعْنى: تُعْطِي جَناها كُلَّ وقْتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ لَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، أيْ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: مَن حَلَفَ أنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا حِينًا فَإنَّهُ لا يَفْعَلُهُ سَنَةً، واسْتَشْهَدُوا بِهَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ، سِتَّةُ أشْهُرٍ، وهي مُدَّةُ بَقاءِ الثَّمَرِ عَلَيْها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: الحِينُ شَهْرانِ، لِأنَّ النَّخْلَةَ تَدُومُ مُثْمِرَةً شَهْرَيْنِ. وقِيلَ: لا تَتَعَطَّلُ مِن ثَمَرٍ تَحْمِلُ في كُلِّ شَهْرٍ، وهي شَجَرَةُ جَوْزِ الهِنْدِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: كُلَّ حِينٍ أي كُلَّ غُدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ، ومَتى أُرِيدُ جَناها، ويَتَخَرَّجُ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ. والتَّذَكُّرُ المَرْجُوُّ بِضَرْبِ المَثَلِ هو التَّفَهُّمُ والتَّصَوُّرُ لِلْمَعانِي المُدْرَكَةِ بِالعَقْلِ، فَمَتى أُبْرِزَتْ بِالمَحْسُوساتِ لَمْ يُنازَعْ فِيها الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ، وانْطَبَقَ المَعْقُولُ عَلى المَحْسُوسِ، فَحَصَلَ الفَهْمُ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ. والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ: هي كَلِمَةُ الكُفْرِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مَسْرُوقٌ: الكَذِبُ، وقالَ: أنْ تَجُرَّ دَعْوَةَ الكُفْرِ وما يُعْزى إلَيْهِ الكافِرُ. وقِيلَ: كُلُّ كَلامٍ لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ أُبَيٌّ: (وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً)، وقُرِئَ: و(مَثَلَ كَلِمَةٍ) بِنَصْبِ (مَثَلَ) عَطْفًا عَلى ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ . والشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ: شَجَرَةُ الحَنْظَلِ؛ قالَهُ الأكْثَرُونَ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ورَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ وفِرْقَةٌ: شَجَرَةُ الثُّومِ. وقِيلَ: شَجَرَةُ الكَشُوتِ، وهي شَجَرَةٌ لا ورَقَ لَها ولا أصْلَ، قالَ: وهي كُشُوتٌ، فَلا أصْلَ ولا ثَمَرَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُرَدُّ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِنَ النَّجْمِ ولَيْسَتْ مِنَ الشَّجَرِ، واللَّهُ تَعالى إنَّما مَثَّلَ بِالشَّجَرِ فَلا تُسَمّى هَذِهِ شَجَرَةً إلّا بِتَجَوُّزٍ، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الثُّومِ والبَصَلِ «مَن أكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ» وقِيلَ: الطُّحْلُبَةُ. وقِيلَ: الكَمْأةُ. وقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَطِيبُ لَهُ ثَمَرٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي الكافِرُ، وعَنْهُ أيْضًا: شَجَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ عَلى الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٤٢٣)والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بِشَجَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، إذا وُجِدَتْ مِنها هَذِهِ الأوْصافُ هو أنْ يَكُونَ كالعِضاةِ أوْ شَجَرَةِ السُّمُومِ ونَحْوِها إذا اجْتُثَّتْ؛ أيِ: اقْتُلِعَتْ جَثَّها بِنَزْعِ الأُصُولِ وبَقِيَتْ في غايَةِ الوَهْيِ والضَّعْفِ، فَتُقَلِّبُها أقَلُّ رِيحٍ. فالكافِرُ يَرى أنَّ بِيَدِهِ شَيْئًا، وهو لا يَسْتَقِرُّ، ولا يُغْنِي عَنْهُ كَهَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي يَظُنُّ بِها عَلى بُعْدِ الجاهِلِ أنَّها شَيْءٌ نافِعٌ، وهي خَبِيثَةُ الجَنْيِ غَيْرُ نافِعَةٍ؛ انْتَهى. واجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: أصْلُها ثابِتٌ، أيْ: لَمْ يَتَمَكَّنْ لَها أصْلٌ ولا عِرْقٌ في الأرْضِ، وإنَّما هي نابِتَةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ. ما لَها مِن قَرارٍ، أيِ: اسْتِقْرارٍ. يُقالُ: قَرَّ الشَّيْءُ قَرارًا ثَبَتَ ثَباتًا، شَبَّهَ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ القَوْلَ الَّذِي لَمْ يُعَضَّدْ بِحُجَّةٍ، فَهو لا يَثْبُتُ بَلْ يَضْمَحِلُّ عَنْ قَرِيبٍ لِبُطْلانِهِ، والقَوْلُ الثّابِتُ هو الَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ في قَلْبِ صاحِبِهِ وتَمَكَّنَ فِيهِ، واطْمَأنَّتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ. وتَثْبِيتُهم بِهِ في الدُّنْيا كَوْنُهم لَوْ فُتِنُوا عَنْ دِينِهِمْ في الدُّنْيا لَثَبَتُوا عَلَيْهِ وما زَلُّوا، كَما جَرى لِأصْحابِ الأُخْدُودِ، والَّذِينَ نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ، وكُشِطَتْ لُحُومُهم بِأمْشاطِ الحَدِيدِ، كَما ثَبَتَ جُرْجِيسُ وشَمْعُونُ وبِلالٌ حَتّى كانَ يُعَذَّبُ بِالرَّمْضاءِ وهو يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ. وتَثْبِيتُهم في الآخِرَةِ كَوْنُهم إذا سُئِلُوا عِنْدَ تَوافُقِ الإشْهادِ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، ولَمْ يَبْهَتُوا، ولَمْ تُحَيِّرْهم أهْوالُ الحَشْرِ. والَّذِينَ آمَنُوا عامٌّ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ طاوُسٌ وقَتادَةُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: أنَّ تَثْبِيتَهم في الدُّنْيا هو مُدَّةُ حَياةِ الإنْسانِ، وفي الآخِرَةِ هو وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ الطَّبَرِيُّ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وجَماعَةٌ: في الحَياةِ الدُّنْيا هي وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَواهُ البَراءُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفي الآخِرَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى تَثْبِيتِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ: هو حَياتُهُ عَلى الإيمانِ، وحَشْرُهُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: التَّثْبِيتُ في الدُّنْيا: الفَتْحُ والنَّصْرُ، وفي الآخِرَةِ: الجَنَّةُ والثَّوابُ. وما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ في حَدِيثِ البَراءِ مِن تِلاوَتِهِ عِنْدَ إيعادِ المُؤْمِنِ في قَبْرِهِ، وسُئِلَ وشَهِدَ شَهادَةَ الإخْلاصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، الآيَةَ، لا يَظْهَرُ مِنهُ؛ يَعْنِي: أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا هي حَياةُ الإنْسانِ، وأنَّ الآخِرَةَ في القَبْرِ، ولا أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا هي في القَبْرِ، وأنَّ الآخِرَةَ هي يَوْمُ القِيامَةِ، بَلِ اللَّفْظُ مُحْتَمَلٌ. ومَعْنى يُثَبِّتُ: يُدِيمُهم عَلَيْهِ، ويَمْنَعُهم مِنَ الزَّلَلِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: ؎فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِن حُسْنٍ ∗∗∗ تَثْبِيتَ مُوسى ونَصْرًا كالَّذِي نُصِرُوا والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يُثَبِّتُ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِآمَنُوا. وسُؤالُ العَبْدِ في قَبْرِهِ مُعْتَقَدُ أهْلِ السُّنَّةِ. ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾، أيِ: الكافِرِينَ، لِمُقابَلَتِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، وإضْلالُهم في الدُّنْيا كَوْنُهم لا يَثْبُتُونَ في مَواقِفِ الفِتَنِ، وتَزِلُّ أقْدامُهم، وهي الحَيْرَةُ الَّتِي تَلْحَقُهم، إذْ لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِحُجَّةٍ. وفي الآخِرَةِ هو اضْطِرابُهم في جَوابِهِمْ. ولَمّا تَقَدَّمَ تَشْبِيهُ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ عَلى تَشْبِيهِ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ، تَقَدَّمَ في هَذا الكَلامِ مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وتَلاهُ مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما فَعَلَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ ذَكَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ اعْتِراضٌ فِيما خَصَّ بِهِ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، إذْ ذاكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، أيْ: تَوْجِيهَ الحِكْمَةِ، لِأنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَأْيِيدِهِمْ وعِصْمَتِهِمْ عِنْدَ ثَباتِهِمْ وعَزْمِهِمْ، ومِن إضْلالِ الظّالِمِينَ وخِذْلانِهِمْ والتَّخْلِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ شَأْنِهِمْ عِنْدَ زَلَلِهِمْ؛ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

إبراهيم 14:28

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وهُداهم، وحالَ الكافِرِينَ وإضْلالَهم، ذَكَرَ السَّبَبَ في إضْلالِهِمْ. والَّذِينَ بَدَّلُوا ظاهِرَهُ أنَّهُ عامٌّ (p-٤٢٤)فِي جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، بَدَّلُوا بِنِعْمَةِ الإيمانِ الكُفْرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ، أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِبَعْثِهِ رَسُولًا مِنهم يُعَلِّمُهم أمْرَ دِينِهِ وشَرَّفَهم بِهِ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ، فَوَضَعُوا مَكانَ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ كُفْرًا. وسَألَ ابْنُ عَبّاسٍ عُمَرَ عَنْهم فَقالَ: هُما الأعْرابُ مِن قُرَيْشٍ أخْوالِي، أيْ: بَنِي مَخْزُومٍ، واسْتُؤْصِلُوا بِبَدْرٍ. وأعْمامُكَ، أيْ: بَنِي أُمَيَّةَ، ومُتِّعُوا إلى حِينٍ. وعَنْ عَلِيٍّ نَحْوٌ مَن ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: هم قادَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَنْ عَلِيٍّ: هم قُرَيْشٌ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ. وعَلى أنَّهم قُرَيْشٌ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: هم مُنافِقُو قُرَيْشٍ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ عَلَمِ الإسْلامِ بِأنْ صانَ دِماءَهم وأمْوالَهم وذَرارِيَّهم، ثُمَّ عادُوا إلى الكُفْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، ولا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ قَبْلَ قِصَّتِهِ، وقِصَّتُهُ كانَتْ في خِلافَةِ عُمَرَ، وإنَّما يُرِيدُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها تَخُصُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا جِبِلَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ شُكْرَ رِزْقِكم، كَأنَّهُ وجَبَ عَلَيْهِمُ الشُّكْرُ فَوَضَعُوا مَكانَهُ كُفْرًا، وجَعَلُوا مَكانَ شُكْرِهِمُ التَّكْذِيبَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ بِالكُفْرِ حاصِلًا لَهُمِ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وهم أهْلُ مَكَّةَ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ، وأكْرَمَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، بَدَلَ ما ألْزَمَهم مِنَ الشُّكْرِ العَظِيمِ، أوْ أصابَهُمُ اللَّهُ بِالنِّعْمَةِ والسَّعَةِ لِإيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ، فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ، فَضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ، فَحَصَلَ لَهُمُ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وبَقِيَ الكُفْرُ طَوْقًا في أعْناقِهِمْ؛ انْتَهى. ونِعْمَةُ اللَّهِ، هو المَفْعُولُ الثّانِي، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الجَرِّ، أيْ: بِنِعْمَةِ اللَّهِ، وكُفْرًا، هو المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] أيْ بِسَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. فالمَنصُوبُ هو الحاصِلُ، والمَجْرُورُ بِالباءِ أوِ المَنصُوبُ عَلى إسْقاطِها هو الذّاهِبُ، عَلى هَذا لِسانُ العَرَبِ، وهو عَلى خِلافِ ما يَفْهَمُهُ العَوامُّ، وكَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلى العِلْمِ. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في قَوْلِهِ في البَقَرَةِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] وإذا قَدَّرْتَ مُضافًا مَحْذُوفًا، وهو شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَهو الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ ثُمَّ حُذِفَتْ، وإذا لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، فالباءُ دَخَلَتْ عَلى نِعْمَةِ، ثُمَّ حُذِفَتْ. وأحَلُّوا قَوْمَهم، أيْ: مَن تابَعَهم عَلى الكُفْرِ. وزَعَمَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنَّ كُفْرًا، هو مَفْعُولٌ ثانٍ لَبَدَّلُوا، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ بَدَّلَ مِن أخَواتِ اخْتارَ، فالَّذِي يُباشِرُهُ حَرْفُ الجَرِّ هو المَفْعُولُ الثّانِي، والَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ لا بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: جَهَنَّمُ: بَدَلًا مِن دارِ البَوارِ، والزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الإحْلالُ في الآخِرَةِ. ودارُ البَوارِ: جَهَنَّمُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: عَنْ عَلِيٍّ يَوْمَ بَدْرٍ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ: نَزَلَتْ في قَتْلى بَدْرٍ، فَيَكُونُ دارُ البَوارِ، أيِ: الهَلاكِ في الدُّنْيا كَقَلِيبِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي قُتِلُوا فِيهِ. وعَلى هَذا أعْرَبَ ابْنُ عَطِيَّة وأبُو البَقاء: جَهَنَّمَ، مَنصُوبٌ عَلى الِاشْتِغالِ؛ أيْ: يَصْلَوْنَ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: جَهَنَّمُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى، لِأنَّ النَّصْبَ عَلى الِاشْتِغالِ مَرْجُوحٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُرَجِّحُهُ، ولا ما يَكُونُ مُساوِيًا، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى النَّصْبِ. ولَمْ يَكُونُوا لِيَقْرَءُوا بِغَيْرِ الرّاجِحِ أوِ المُساوِي، إذْ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ: أفْصَحُ مِن زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، فَلِذَلِكَ كانَ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ في قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ راجِحًا، وعَلى تَأْوِيلِ الِاشْتِغالِ يَكُونُ ﴿يَصْلَوْنَها﴾ ) لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِن جَهَنَّمَ، أوْ حالًا مِن دارِ البَوارِ، أوْ حالًا مَن قَوْمِهِمْ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وبِئْسَ القَرارُ هي؛ أيْ: جَهَنَّمُ. ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ زادُوا إلى كُفْرِهِمْ نِعْمَتَهُ أنْ صَيَّرُوا لَهُ أنْدادًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ. (p-٤٢٥)وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ: ولِيَضِلُّوا هُنا، و(لِيُضِلَّ) في الحَجِّ ولُقْمانَ والرُّومِ، بِفَتْحِ الياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لامِ الصَّيْرُورَةِ والمَآلِ. لَمّا كانَتْ نَتِيجَةُ جَعْلِ الأنْدادِ آلِهَةً الضَّلالَ أوِ الإضْلالَ، جَرى مَجْرى لامِ العِلَّةِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِتُكْرِمَنِي، عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ. وقِيلَ: قِراءَةُ الفَتْحِ لا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ العاقِبَةِ، وأمّا بِالضَّمِّ فَتَحْتَمِلُ العاقِبَةَ. والعِلَّةُ والأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَمَتَّعُوا، إيذانٌ بِأنَّهم لِانْغِماسِهِمْ في التَّمَتُّعِ بِالحاضِرِ، وأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ ولا يُرِيدُونَهُ، مَأْمُورُونَ بِهِ، قَدْ أمَرَهم آمِرٌ مُطاعٌ لا يَسَعُهم أنْ يُخالِفُوهُ، ولا يَمْلِكُوهُ لِأنْفُسِهِمْ أمْرًا دُونَهُ، وهو آمِرُ الشَّهْوَةِ؛ والمَعْنى: إنْ دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِامْتِثالِ لِأمْرِ الشَّهْوَةِ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الخِذْلانُ والتَّخْلِيَةُ ونَحْوُهُ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨]؛ انْتَهى و﴿مَصِيرَكُمْ﴾: مَصْدَرُ صارَ التّامَّةِ، بِمَعْنى رَجَعَ. وخَبَرُ إنَّ هو قَوْلُهُ: ﴿إلى النّارِ﴾، ولا يُقالُ هُنا صارَ بِمَعْنى انْتَقَلَ، ولِذَلِكَ تَعَدّى بِإلى، أيْ: فَإنَّ انْتِقالَكم إلى النّارِ، لِأنَّهُ تَبْقى إنَّ بِلا خَبَرٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَدَّعِيَ حَذْفَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ واقِعٌ لا مَحالَةَ أوْ كائِنٌ، لِأنَّ حَذْفَ الخَبَرِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ قَلِيلٌ، وأكْثَرُ ما يُحْذَفُ إذا كانَ اسْمُ إنَّ نَكِرَةً، والخَبَرُ جارٌّ ومَجْرُورٌ. وقَدْ أجازَ الحَوْفِيُّ: أنْ يَكُونَ إلى النّارِ مُتَعَلِّقًا بِمَصِيرَكم، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا.

إبراهيم 14:29

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وهُداهم، وحالَ الكافِرِينَ وإضْلالَهم، ذَكَرَ السَّبَبَ في إضْلالِهِمْ. والَّذِينَ بَدَّلُوا ظاهِرَهُ أنَّهُ عامٌّ (p-٤٢٤)فِي جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، بَدَّلُوا بِنِعْمَةِ الإيمانِ الكُفْرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ، أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِبَعْثِهِ رَسُولًا مِنهم يُعَلِّمُهم أمْرَ دِينِهِ وشَرَّفَهم بِهِ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ، فَوَضَعُوا مَكانَ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ كُفْرًا. وسَألَ ابْنُ عَبّاسٍ عُمَرَ عَنْهم فَقالَ: هُما الأعْرابُ مِن قُرَيْشٍ أخْوالِي، أيْ: بَنِي مَخْزُومٍ، واسْتُؤْصِلُوا بِبَدْرٍ. وأعْمامُكَ، أيْ: بَنِي أُمَيَّةَ، ومُتِّعُوا إلى حِينٍ. وعَنْ عَلِيٍّ نَحْوٌ مَن ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: هم قادَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَنْ عَلِيٍّ: هم قُرَيْشٌ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ. وعَلى أنَّهم قُرَيْشٌ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: هم مُنافِقُو قُرَيْشٍ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ عَلَمِ الإسْلامِ بِأنْ صانَ دِماءَهم وأمْوالَهم وذَرارِيَّهم، ثُمَّ عادُوا إلى الكُفْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، ولا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ قَبْلَ قِصَّتِهِ، وقِصَّتُهُ كانَتْ في خِلافَةِ عُمَرَ، وإنَّما يُرِيدُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها تَخُصُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا جِبِلَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ شُكْرَ رِزْقِكم، كَأنَّهُ وجَبَ عَلَيْهِمُ الشُّكْرُ فَوَضَعُوا مَكانَهُ كُفْرًا، وجَعَلُوا مَكانَ شُكْرِهِمُ التَّكْذِيبَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ بِالكُفْرِ حاصِلًا لَهُمِ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وهم أهْلُ مَكَّةَ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ، وأكْرَمَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، بَدَلَ ما ألْزَمَهم مِنَ الشُّكْرِ العَظِيمِ، أوْ أصابَهُمُ اللَّهُ بِالنِّعْمَةِ والسَّعَةِ لِإيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ، فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ، فَضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ، فَحَصَلَ لَهُمُ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وبَقِيَ الكُفْرُ طَوْقًا في أعْناقِهِمْ؛ انْتَهى. ونِعْمَةُ اللَّهِ، هو المَفْعُولُ الثّانِي، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الجَرِّ، أيْ: بِنِعْمَةِ اللَّهِ، وكُفْرًا، هو المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] أيْ بِسَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. فالمَنصُوبُ هو الحاصِلُ، والمَجْرُورُ بِالباءِ أوِ المَنصُوبُ عَلى إسْقاطِها هو الذّاهِبُ، عَلى هَذا لِسانُ العَرَبِ، وهو عَلى خِلافِ ما يَفْهَمُهُ العَوامُّ، وكَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلى العِلْمِ. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في قَوْلِهِ في البَقَرَةِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] وإذا قَدَّرْتَ مُضافًا مَحْذُوفًا، وهو شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَهو الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ ثُمَّ حُذِفَتْ، وإذا لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، فالباءُ دَخَلَتْ عَلى نِعْمَةِ، ثُمَّ حُذِفَتْ. وأحَلُّوا قَوْمَهم، أيْ: مَن تابَعَهم عَلى الكُفْرِ. وزَعَمَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنَّ كُفْرًا، هو مَفْعُولٌ ثانٍ لَبَدَّلُوا، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ بَدَّلَ مِن أخَواتِ اخْتارَ، فالَّذِي يُباشِرُهُ حَرْفُ الجَرِّ هو المَفْعُولُ الثّانِي، والَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ لا بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: جَهَنَّمُ: بَدَلًا مِن دارِ البَوارِ، والزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الإحْلالُ في الآخِرَةِ. ودارُ البَوارِ: جَهَنَّمُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: عَنْ عَلِيٍّ يَوْمَ بَدْرٍ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ: نَزَلَتْ في قَتْلى بَدْرٍ، فَيَكُونُ دارُ البَوارِ، أيِ: الهَلاكِ في الدُّنْيا كَقَلِيبِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي قُتِلُوا فِيهِ. وعَلى هَذا أعْرَبَ ابْنُ عَطِيَّة وأبُو البَقاء: جَهَنَّمَ، مَنصُوبٌ عَلى الِاشْتِغالِ؛ أيْ: يَصْلَوْنَ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: جَهَنَّمُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى، لِأنَّ النَّصْبَ عَلى الِاشْتِغالِ مَرْجُوحٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُرَجِّحُهُ، ولا ما يَكُونُ مُساوِيًا، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى النَّصْبِ. ولَمْ يَكُونُوا لِيَقْرَءُوا بِغَيْرِ الرّاجِحِ أوِ المُساوِي، إذْ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ: أفْصَحُ مِن زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، فَلِذَلِكَ كانَ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ في قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ راجِحًا، وعَلى تَأْوِيلِ الِاشْتِغالِ يَكُونُ ﴿يَصْلَوْنَها﴾ ) لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِن جَهَنَّمَ، أوْ حالًا مِن دارِ البَوارِ، أوْ حالًا مَن قَوْمِهِمْ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وبِئْسَ القَرارُ هي؛ أيْ: جَهَنَّمُ. ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ زادُوا إلى كُفْرِهِمْ نِعْمَتَهُ أنْ صَيَّرُوا لَهُ أنْدادًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ. (p-٤٢٥)وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ: ولِيَضِلُّوا هُنا، و(لِيُضِلَّ) في الحَجِّ ولُقْمانَ والرُّومِ، بِفَتْحِ الياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لامِ الصَّيْرُورَةِ والمَآلِ. لَمّا كانَتْ نَتِيجَةُ جَعْلِ الأنْدادِ آلِهَةً الضَّلالَ أوِ الإضْلالَ، جَرى مَجْرى لامِ العِلَّةِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِتُكْرِمَنِي، عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ. وقِيلَ: قِراءَةُ الفَتْحِ لا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ العاقِبَةِ، وأمّا بِالضَّمِّ فَتَحْتَمِلُ العاقِبَةَ. والعِلَّةُ والأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَمَتَّعُوا، إيذانٌ بِأنَّهم لِانْغِماسِهِمْ في التَّمَتُّعِ بِالحاضِرِ، وأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ ولا يُرِيدُونَهُ، مَأْمُورُونَ بِهِ، قَدْ أمَرَهم آمِرٌ مُطاعٌ لا يَسَعُهم أنْ يُخالِفُوهُ، ولا يَمْلِكُوهُ لِأنْفُسِهِمْ أمْرًا دُونَهُ، وهو آمِرُ الشَّهْوَةِ؛ والمَعْنى: إنْ دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِامْتِثالِ لِأمْرِ الشَّهْوَةِ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الخِذْلانُ والتَّخْلِيَةُ ونَحْوُهُ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨]؛ انْتَهى و﴿مَصِيرَكُمْ﴾: مَصْدَرُ صارَ التّامَّةِ، بِمَعْنى رَجَعَ. وخَبَرُ إنَّ هو قَوْلُهُ: ﴿إلى النّارِ﴾، ولا يُقالُ هُنا صارَ بِمَعْنى انْتَقَلَ، ولِذَلِكَ تَعَدّى بِإلى، أيْ: فَإنَّ انْتِقالَكم إلى النّارِ، لِأنَّهُ تَبْقى إنَّ بِلا خَبَرٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَدَّعِيَ حَذْفَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ واقِعٌ لا مَحالَةَ أوْ كائِنٌ، لِأنَّ حَذْفَ الخَبَرِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ قَلِيلٌ، وأكْثَرُ ما يُحْذَفُ إذا كانَ اسْمُ إنَّ نَكِرَةً، والخَبَرُ جارٌّ ومَجْرُورٌ. وقَدْ أجازَ الحَوْفِيُّ: أنْ يَكُونَ إلى النّارِ مُتَعَلِّقًا بِمَصِيرَكم، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا.

إبراهيم 14:30

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وهُداهم، وحالَ الكافِرِينَ وإضْلالَهم، ذَكَرَ السَّبَبَ في إضْلالِهِمْ. والَّذِينَ بَدَّلُوا ظاهِرَهُ أنَّهُ عامٌّ (p-٤٢٤)فِي جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، بَدَّلُوا بِنِعْمَةِ الإيمانِ الكُفْرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ، أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِبَعْثِهِ رَسُولًا مِنهم يُعَلِّمُهم أمْرَ دِينِهِ وشَرَّفَهم بِهِ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ، فَوَضَعُوا مَكانَ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ كُفْرًا. وسَألَ ابْنُ عَبّاسٍ عُمَرَ عَنْهم فَقالَ: هُما الأعْرابُ مِن قُرَيْشٍ أخْوالِي، أيْ: بَنِي مَخْزُومٍ، واسْتُؤْصِلُوا بِبَدْرٍ. وأعْمامُكَ، أيْ: بَنِي أُمَيَّةَ، ومُتِّعُوا إلى حِينٍ. وعَنْ عَلِيٍّ نَحْوٌ مَن ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: هم قادَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَنْ عَلِيٍّ: هم قُرَيْشٌ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ. وعَلى أنَّهم قُرَيْشٌ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: هم مُنافِقُو قُرَيْشٍ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ عَلَمِ الإسْلامِ بِأنْ صانَ دِماءَهم وأمْوالَهم وذَرارِيَّهم، ثُمَّ عادُوا إلى الكُفْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، ولا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ قَبْلَ قِصَّتِهِ، وقِصَّتُهُ كانَتْ في خِلافَةِ عُمَرَ، وإنَّما يُرِيدُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها تَخُصُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا جِبِلَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ شُكْرَ رِزْقِكم، كَأنَّهُ وجَبَ عَلَيْهِمُ الشُّكْرُ فَوَضَعُوا مَكانَهُ كُفْرًا، وجَعَلُوا مَكانَ شُكْرِهِمُ التَّكْذِيبَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ بِالكُفْرِ حاصِلًا لَهُمِ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وهم أهْلُ مَكَّةَ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ، وأكْرَمَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، بَدَلَ ما ألْزَمَهم مِنَ الشُّكْرِ العَظِيمِ، أوْ أصابَهُمُ اللَّهُ بِالنِّعْمَةِ والسَّعَةِ لِإيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ، فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ، فَضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ، فَحَصَلَ لَهُمُ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وبَقِيَ الكُفْرُ طَوْقًا في أعْناقِهِمْ؛ انْتَهى. ونِعْمَةُ اللَّهِ، هو المَفْعُولُ الثّانِي، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الجَرِّ، أيْ: بِنِعْمَةِ اللَّهِ، وكُفْرًا، هو المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] أيْ بِسَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. فالمَنصُوبُ هو الحاصِلُ، والمَجْرُورُ بِالباءِ أوِ المَنصُوبُ عَلى إسْقاطِها هو الذّاهِبُ، عَلى هَذا لِسانُ العَرَبِ، وهو عَلى خِلافِ ما يَفْهَمُهُ العَوامُّ، وكَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلى العِلْمِ. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في قَوْلِهِ في البَقَرَةِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] وإذا قَدَّرْتَ مُضافًا مَحْذُوفًا، وهو شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَهو الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ ثُمَّ حُذِفَتْ، وإذا لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، فالباءُ دَخَلَتْ عَلى نِعْمَةِ، ثُمَّ حُذِفَتْ. وأحَلُّوا قَوْمَهم، أيْ: مَن تابَعَهم عَلى الكُفْرِ. وزَعَمَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنَّ كُفْرًا، هو مَفْعُولٌ ثانٍ لَبَدَّلُوا، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ بَدَّلَ مِن أخَواتِ اخْتارَ، فالَّذِي يُباشِرُهُ حَرْفُ الجَرِّ هو المَفْعُولُ الثّانِي، والَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ لا بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: جَهَنَّمُ: بَدَلًا مِن دارِ البَوارِ، والزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الإحْلالُ في الآخِرَةِ. ودارُ البَوارِ: جَهَنَّمُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: عَنْ عَلِيٍّ يَوْمَ بَدْرٍ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ: نَزَلَتْ في قَتْلى بَدْرٍ، فَيَكُونُ دارُ البَوارِ، أيِ: الهَلاكِ في الدُّنْيا كَقَلِيبِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي قُتِلُوا فِيهِ. وعَلى هَذا أعْرَبَ ابْنُ عَطِيَّة وأبُو البَقاء: جَهَنَّمَ، مَنصُوبٌ عَلى الِاشْتِغالِ؛ أيْ: يَصْلَوْنَ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: جَهَنَّمُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى، لِأنَّ النَّصْبَ عَلى الِاشْتِغالِ مَرْجُوحٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُرَجِّحُهُ، ولا ما يَكُونُ مُساوِيًا، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى النَّصْبِ. ولَمْ يَكُونُوا لِيَقْرَءُوا بِغَيْرِ الرّاجِحِ أوِ المُساوِي، إذْ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ: أفْصَحُ مِن زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، فَلِذَلِكَ كانَ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ في قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ راجِحًا، وعَلى تَأْوِيلِ الِاشْتِغالِ يَكُونُ ﴿يَصْلَوْنَها﴾ ) لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِن جَهَنَّمَ، أوْ حالًا مِن دارِ البَوارِ، أوْ حالًا مَن قَوْمِهِمْ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وبِئْسَ القَرارُ هي؛ أيْ: جَهَنَّمُ. ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ زادُوا إلى كُفْرِهِمْ نِعْمَتَهُ أنْ صَيَّرُوا لَهُ أنْدادًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ. (p-٤٢٥)وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ: ولِيَضِلُّوا هُنا، و(لِيُضِلَّ) في الحَجِّ ولُقْمانَ والرُّومِ، بِفَتْحِ الياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لامِ الصَّيْرُورَةِ والمَآلِ. لَمّا كانَتْ نَتِيجَةُ جَعْلِ الأنْدادِ آلِهَةً الضَّلالَ أوِ الإضْلالَ، جَرى مَجْرى لامِ العِلَّةِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِتُكْرِمَنِي، عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ. وقِيلَ: قِراءَةُ الفَتْحِ لا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ العاقِبَةِ، وأمّا بِالضَّمِّ فَتَحْتَمِلُ العاقِبَةَ. والعِلَّةُ والأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَمَتَّعُوا، إيذانٌ بِأنَّهم لِانْغِماسِهِمْ في التَّمَتُّعِ بِالحاضِرِ، وأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ ولا يُرِيدُونَهُ، مَأْمُورُونَ بِهِ، قَدْ أمَرَهم آمِرٌ مُطاعٌ لا يَسَعُهم أنْ يُخالِفُوهُ، ولا يَمْلِكُوهُ لِأنْفُسِهِمْ أمْرًا دُونَهُ، وهو آمِرُ الشَّهْوَةِ؛ والمَعْنى: إنْ دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِامْتِثالِ لِأمْرِ الشَّهْوَةِ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الخِذْلانُ والتَّخْلِيَةُ ونَحْوُهُ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨]؛ انْتَهى و﴿مَصِيرَكُمْ﴾: مَصْدَرُ صارَ التّامَّةِ، بِمَعْنى رَجَعَ. وخَبَرُ إنَّ هو قَوْلُهُ: ﴿إلى النّارِ﴾، ولا يُقالُ هُنا صارَ بِمَعْنى انْتَقَلَ، ولِذَلِكَ تَعَدّى بِإلى، أيْ: فَإنَّ انْتِقالَكم إلى النّارِ، لِأنَّهُ تَبْقى إنَّ بِلا خَبَرٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَدَّعِيَ حَذْفَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ واقِعٌ لا مَحالَةَ أوْ كائِنٌ، لِأنَّ حَذْفَ الخَبَرِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ قَلِيلٌ، وأكْثَرُ ما يُحْذَفُ إذا كانَ اسْمُ إنَّ نَكِرَةً، والخَبَرُ جارٌّ ومَجْرُورٌ. وقَدْ أجازَ الحَوْفِيُّ: أنْ يَكُونَ إلى النّارِ مُتَعَلِّقًا بِمَصِيرَكم، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا.

إبراهيم 14:31

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ الكُفّارِ وكُفْرَهم نِعْمَتَهُ، وجَعَلَهم لَهُ أنْدادًا، وتَهَدُّدَهم أمْرَ المُؤْمِنِينَ بِلُزُومِ الطّاعَةِ والتَّيَقُّظِ لِأنْفُسِهِمْ، وإلْزامِ عَمُودَيِ الإسْلامِ: الصَّلاةِ والزَّكاةِ، قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ. ومَعْمُولُ قُلْ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أقِيمُوا الصَّلاةَ يُقِيمُوا. ويُقِيمُوا: مَجْزُومٌ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وهَذا قَوْلُ: الأخْفَشِ، والمازِنِيِّ. ورَدَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ القَوْلِ إنْ (p-٤٢٦)يُقِيمُوا، ورَدَ هَذا الرَّدُّ بِأنَّهُ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإقامَةِ لا الكافِرِينَ، والمُؤْمِنُونَ مَتى أمَرَهُمُ الرَّسُولُ بِشَيْءٍ فَعَلُوُهُ لا مَحالَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿يُقِيمُوا﴾ جَوابَ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: (قُلْ) وذَلِكَ أنْ تَجْعَلَ (قُلْ) في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ؛ انْتَهى. وهَذا قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ، إلّا أنَّ في ما قَبْلَهُ مَعْمُولَ القَوْلِ: أقِيمُوا، وفي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلى تَقْدِيرِ بَلِّغِ الشَّرِيعَةَ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ: يُقِيمُوا، وهو أمْرٌ مَجْزُومٌ بِلامِ الأمْرِ مَحْذُوفَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مُحَمَّـدُ تَفْـدِ نَفْسَـكَ كُـلُّ نَفْـسِ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا القَوْلِ: وإنَّما جازَ حَذْفُ اللّامِ لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي هو قُلْ، عِوَضٌ مِنهُ. ولَوْ قِيلَ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا، ابْتِداءٌ بِحَذْفِ اللّامِ، لَمْ يَجُزْ؛ انْتَهى. وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: قُلْ لَهم أقِيمُوا يُقِيمُوا، فَيُقِيمُوا المُصَرَّحُ بِهِ جَوابُ أقِيمُوا المَحْذُوفِ؛ قِيلَ: وهو فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ يُخالِفُ الشَّرْطَ إمّا في الفِعْلِ، أوْ في الفاعِلِ، أوْ فِيهِما. فَأمّا إذا كانَ مِثْلُهُ فِيهِما فَهو خَطَأٌ، كَقَوْلِكَ: قُمْ يَقُمْ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ: أنْ يُقِيمُوا يُقِيمُوا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأمْرَ المُقَدَّرَ لِلْمُواجَهَةِ و﴿يُقِيمُوا﴾ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وهو خَطَأٌ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْ تَقُلْ لَهم: أقِيمُوا يُقِيمُوا، قالَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ الأمْرِ مَعَهُ شَرْطٌ مُقَدَّرٌ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ. ومُخالَفَةُ هَذا القَوْلِ لِلْقَوْلِ قَبْلَهُ أنَّ الشَّرْطَ في هَذا مُقَدَّرٌ بَعْدَ فِعْلِ الأمْرِ، وفي الَّذِي قَبْلَهُ الأمْرُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ. وقِيلَ: هو مُضارِعٌ بِلَفْظِ الخَبَرِ صُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ، والمَعْنى: أقِيمُوا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وفِرْقَةٌ، ورَدَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مُضارِعًا بِلَفْظِ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، لَبَقِيَ عَلى إعْرابِهِ بِالنُّونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] ثُمَّ قالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ [الصف: ١١] والمَعْنى: آمِنُوا. واعْتَلَّ أبُو عَلِيٍّ لِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ بِمَعْنى الأمْرِ بُنِيَ؛ يَعْنِي: عَلى حَذْفِ النُّونِ، لِأنَّ المُرادَ أقِيمُوا، وهَذا كَما بُنِيَ الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في (p-٤٢٧)النِّداءِ في قَوْلِكَ: يا زَيْدُ، يَعْنِي عَلى الضَّمَّةِ لَمّا شُبِّهَ بِقَبْلُ وبَعْدُ؛ انْتَهى. ومُتَعَلِّقُ القَوْلِ المَلْفُوظِ بِهِ أوِ المُقَدَّرِ في هَذِهِ التَّخارِيجِ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ، إلّا في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ فَمُتَعَلِّقُهُ الشَّرِيعَةُ فَهو أعَمُّ، إذْ قُدِّرَ قُلْ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِن كَوْنِ مَعْمُولِ القَوْلِ هو قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ الآيَةَ، تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، يُخالِفُهُ تَرْتِيبُ التَّرْكِيبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، كَلامًا مُفْلِتًا مِنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، أوْ يَكُونُ جَوابًا فُصِلَ بِهِ بَيْنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، ولا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، لا يَسْتَدْعِي إقامَةَ الصَّلاةِ والإنْفاقَ إلّا بِتَقْدِيرٍ بَعِيدٍ جِدًّا. واحْتَمَلَ الصَّلاةَ أنْ يُرادَ بِها العُمُومُ؛ أيْ: كُلُّ صَلاةٍ فَرْضٍ وتَطَوُّعٍ، وأنْ يُرادَ بِها الخَمْسُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ. وفَسَّرَ الإنْفاقَ بِزَكاةِ الأمْوالِ. وتَقَدَّمَ إعْرابُ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وشَرَحَها في أواخِرِ البَقَرَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَيْعُ هُنا: البَذْلُ، والخِلالُ: المُخالَّةُ، وهو مَصْدَرٌ مِن خالَلْتُ خِلالًا ومُخالَّةً، وهي المُصاحَبَةُ؛ انْتَهى. ويَعْنِي بِالبَذْلِ: مُقابِلَ شَيْءٍ. وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎صَرَفْتُ الهَوى عَنْهُنَّ مِن خَشْيَةِ ∗∗∗ الرَّدى ولَسْتُ بِمُقْلِي الخِلالِ ولا قالِ وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خَلَّةٍ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ بِالفَتْحِ أوْ بِالرَّفْعِ، في البَقَرَةِ، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ الأمْرُ بِالإنْفاقِ وصْفَ اليَوْمِ بِأنَّهُ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ؟ (قُلْتُ): مِن قِبَلِ أنَّ النّاسَ يُخْرِجُونَ أمْوالَهم في عُقُودِ المُعاوَضاتِ، فَيُعْطُونَ بَدَلًا لِيَأْخُذُوا مِثْلَهُ، وفي المُكارَماتِ ومُهاداةِ الأصْدِقاءِ لِيَسْتَخْرِجُوا بِهَداياهم أمْثالَها وخَيْرًا مِنها، وأمّا الإنْفاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ خالِصًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] فَلا يَفْعَلُهُ إلّا المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ، فَبَعَثُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوا بَدَلَهُ في يَوْمٍ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ، أيْ: لا انْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا مُخالَّةٍ، ولا بِما يُنْفِقُونَ فِيهِ أمْوالَهم مِنَ المُعاوَضاتِ والمُكارَماتِ، وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ انْتَهى. ولَمّا أطالَ تَعالى الكَلامَ في وصْفِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وكانَ حُصُولُ السَّعادَةِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، والشَّقاوَةِ بِالجَهْلِ، بِذَلِكَ خَتَمَ وصْفَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وذَكَرَ عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، فَذَكَرَ أوَّلًا إبْداعَهُ، وإنْشاءَ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أعْقَبَ بِباقِي الدَّلائِلِ، وأبْرَزَها في جُمَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِيَدُلَّ ويُنَبِّهَ عَلى أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ في الدَّلالَةِ، ولَمْ يَجْعَلْ مُتَعَلِّقاتِها مَعْطُوفاتِ عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، و(الَّذِي) خَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن أخْبَرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ؛ انْتَهى. يُشِيرُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: إنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، جَوابٌ لِقَوْلِهِ: قُلْ لِعِبادِي اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. والظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ (أخْرَجَ) هو رِزْقًا لَكم، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. ولَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَكُونُ المَعْنى: إنَّ الرِّزْقَ هو بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَخْرُجُ مِنها ما لَيْسَ بِرِزْقٍ، كالمُجَرِّدِ لِلْمَضَرّاتِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ قالَ: فَأخْرَجَ بِهِ رِزْقًا لَكم، هو الثَّمَراتُ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ (مِن) الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ إنَّما تَأْتِي بَعْد المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مَفْعُولَ أخْرَجَ، و(رِزْقًا) حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أوْ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ مِن أخْرَجَ، لِأنَّهُ في مَعْنى رِزْقٍ. وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ ما قَبْلَها واجِبٌ، وبَعْدَها مَعْرِفَةٌ، ويَجُوزُ عِنْدَ الأخْفَشِ. والفُلْكُ هُنا جَمْعُ فُلْكٍ، ولِذَلِكَ قالَ: (p-٤٢٨)لِتَجْرِيَ. ومَعْنى بِأمْرِهِ: راجِعٌ إلى الأمْرِ القائِمِ بِالذّاتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقَوْلِهِ: كُنْ، وانْطَوى في تَسْخِيرِ الفُلْكِ تَسْخِيرُ البِحارِ، وتَسْخِيرُ الرِّياحِ. وأمّا تَسْخِيرُ الأنْهارِ: فَبِجَرَيانِها وبِتَفْجِيرِها لِلِانْتِفاعِ بِها. وانْتَصَبَ ﴿دائِبَيْنِ﴾ عَلى الحالِ، والمَعْنى: يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِهِما ما يُصْلِحانِ مِنَ الأرْضِ والأبْدانِ والنَّباتِ، عَنْمُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ: يَرْفَعُهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ دائِبَيْنِ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ، إنْ كانَ يُرادُ بِهِ أنَّ الطّاعَةَ انْقِيادٌ مِنهُما في التَّسْخِيرِ، فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ: سَخَّرَ، وإنْ كانَ يُرادُ أنَّها طاعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَطاعَةِ العِبادَةِ مِنَ البَشَرِ فَهَذا جَيِّدٌ، واللَّهُ أعْلَمُ؛ انْتَهى. وتَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ كَوْنُهُما يَتَعاقَبانِ خَلْفَهُ لِلْمَنامِ والمَعاشِ. وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: تَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، مَجازٌ، لِأنَّهُما عَرَضانِ، والأعْراضُ لا تُسَخَّرُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، ذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْها فَقالَ: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، والخِطابُ لِلْجِنْسِ مِنَ البَشَرِ؛ أيْ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ ويَنْتَفِعَ بِهِ، ولا يَطَّرِدُ هَذا في كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، وإنَّما تَفَرَّقَتْ هَذِهِ النِّعَمُ في البَشَرِ؛ فَيُقالُ: بِحَسَبِ هَذا الجَمِيعِ أُوتِيتُمْ كَذا عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لِلنِّعْمَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ، وقَتادَةُ، وسَلامٌ، ويَعْقُوبُ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: مِن كُلٍّ؛ بِالتَّنْوِينِ؛ أيْ: مِن كُلِّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُوراتِ. و (ما) مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ؛ أيْ: ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ بِمَعْنى يَطْلُبُ الِانْتِفاعَ بِهِ. وقِيلَ: (ما) نافِيَةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو (مِن كُلٍّ) كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]؛ أيْ: غَيْرَ سائِلِيهِ. أخْبَرَ بِسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِما لَمْ يَسْألُوهُ مِنَ النِّعَمِ، ولَمْ يَعْرِضْ لِما سَألُوهُ. والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وهَذا القَوْلُ بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وثَنّى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: إنَّهُ تَفْسِيرُ الضَّحّاكِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُظْهِرُ أنَّهُ مُنافٍ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ بِالإضافَةِ، لِأنَّ في تِلْكَ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ تَكُونُ (ما) نافِيَةً، فَيَكُونُونَ لَمْ يَسْألُوهُ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُونَ قَدْ سَألُوهُ، و(ما) بِمَعْنى الَّذِي. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِظُهُورِ التَّنافِي بَيْنَ هَذِهِ القِراءَةِ وبَيْنَ تِلْكَ، عَلى تَقْدِيرٍ أنَّ (ما) نافِيَةٌ؛ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً عَلى ﴿وآتاكم مِن كُلِّ﴾ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ، ولَمْ تَصْلُحْ أحْوالُكم ومَعائِشُكم إلّا بِهِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ، أوْ طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ. فَتَأوَّلَ سَألْتُمُوهُ بِقَوْلِهِ: ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ. والضَّمِيرُ في ﴿سَألْتُمُوهُ﴾ إنْ كانَتْ (ما) مَصْدَرِيَّةً عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ المَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَسْئُولُ. وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي عادَ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ إيّاهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اللَّهِ. والرّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، لِأنَّكَ إنْ قَدَّرْتَهُ مُتَّصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُوهُ، فَلا يَجُوزُ. أوْ مُنْفَصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُ إيّاهُ، فالمُنْفَصِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ. والنِّعْمَةُ هُنا؛ قالَ الواحِدِيُّ: اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، يُقالُ: أنْعَمَ إنْعامًا ونِعْمَةً، أُقِيمَ الِاسْمُ مَقامَ الإنْعامِ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ إنْفاقًا ونَفَقَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ؛ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النِّعْمَةَ هو المُنْعَمُ بِهِ، وأنَّهُ هو اسْمُ جِنْسٍ لا يُرادُ بِهِ الواحِدُ بَلْ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ؛ ومَعْنى ﴿لا تُحْصُوها﴾: لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّها، هَذا إذا أرادُوا أنْ يَعُدُّوها عَلى الإجْمالِ. وأمّا التَّفْصِيلُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: مَن لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ، وحَضَرَ عَذابُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا: الجِنْسُ؛ أيْ: تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الخِلالُ وهي: الظُّلْمُ، والكُفْرُ، يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، ويَكْفُرُها بِجَحْدِها. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ فَيَشْكُو ويَجْزَعُ، كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ. وفي النَّحْلِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]؛ والفَرْقَ بَيْنَ الخَتْمَيْنِ: أنَّهُ هُنا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] وبَعْدَهُ، ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠]، فَكانَ ذَلِكَ (p-٤٢٩)نَصًّا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ والظُّلْمِ الَّذِي هو الشِّرْكُ، بِجَعْلِ الأنْدادِ ناسَبَ أنْ يَخْتِمَ بِذَمِّ مَن وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ، فَجاءَ أنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ. وأمّا في النَّحْلِ: فَلَمّا ذَكَرَ عِدَّةَ تَفَضُّلاتٍ، وأطْنَبَ فِيها، وقالَ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]؛ أيْ: مَن أوْجَدَ هَذِهِ النِّعَمَ السّابِقَ ذِكْرُها لَيْسَ كَمَن لا يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ ولا عَلى شَيْءٍ مِنهُ، ذَكَرَ مِن تَفَضُّلاتِهِ اتِّصافَهُ بِالعَذابِ والرَّحْمَةِ تَحْرِيضًا عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هو مُتَّصِفٌ بِهِما، كَما هو مُتَّصِفٌ بِالخَلْقِ، فَفي ذَلِكَ إطْماعٌ لِمَن آمَنَ بِهِ. وانْتَقَلَ مِن عِبادَةِ المَخْلُوقِ إلى عِبادَةِ الخالِقِ أنَّهُ يَغْفِرُ زَلَلَهُ السّابِقَ ويَرْحَمُهُ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو المُتَفَضِّلُ بِالنِّعَمِ عَلى الإنْسانِ، ذَكَرَ ما حَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ، ومِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ عَطائِهِ وهو الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ، إذْ لَوْلاهُما لَما أنْعَمَ عَلَيْهِ. وحَصَلَ مِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ الإنْعامِ عَلَيْهِ، وهو الظُّلْمُ والكُفْرانُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ صَدَرَ مِنَ الإنْسانِ ظُلْمٌ فاللَّهُ غَفُورٌ، أوْ كُفْرانُ نِعْمَةٍ فاللَّهُ رَحِيمٌ، لِعِلْمِهِ بِعَجْزِ الإنْسانِ وقُصُورِهِ. ودَعْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النَّحْلِ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها، ونَقَلَ ذَلِكَ السَّخاوِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

إبراهيم 14:32

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ الكُفّارِ وكُفْرَهم نِعْمَتَهُ، وجَعَلَهم لَهُ أنْدادًا، وتَهَدُّدَهم أمْرَ المُؤْمِنِينَ بِلُزُومِ الطّاعَةِ والتَّيَقُّظِ لِأنْفُسِهِمْ، وإلْزامِ عَمُودَيِ الإسْلامِ: الصَّلاةِ والزَّكاةِ، قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ. ومَعْمُولُ قُلْ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أقِيمُوا الصَّلاةَ يُقِيمُوا. ويُقِيمُوا: مَجْزُومٌ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وهَذا قَوْلُ: الأخْفَشِ، والمازِنِيِّ. ورَدَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ القَوْلِ إنْ (p-٤٢٦)يُقِيمُوا، ورَدَ هَذا الرَّدُّ بِأنَّهُ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإقامَةِ لا الكافِرِينَ، والمُؤْمِنُونَ مَتى أمَرَهُمُ الرَّسُولُ بِشَيْءٍ فَعَلُوُهُ لا مَحالَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿يُقِيمُوا﴾ جَوابَ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: (قُلْ) وذَلِكَ أنْ تَجْعَلَ (قُلْ) في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ؛ انْتَهى. وهَذا قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ، إلّا أنَّ في ما قَبْلَهُ مَعْمُولَ القَوْلِ: أقِيمُوا، وفي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلى تَقْدِيرِ بَلِّغِ الشَّرِيعَةَ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ: يُقِيمُوا، وهو أمْرٌ مَجْزُومٌ بِلامِ الأمْرِ مَحْذُوفَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مُحَمَّـدُ تَفْـدِ نَفْسَـكَ كُـلُّ نَفْـسِ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا القَوْلِ: وإنَّما جازَ حَذْفُ اللّامِ لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي هو قُلْ، عِوَضٌ مِنهُ. ولَوْ قِيلَ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا، ابْتِداءٌ بِحَذْفِ اللّامِ، لَمْ يَجُزْ؛ انْتَهى. وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: قُلْ لَهم أقِيمُوا يُقِيمُوا، فَيُقِيمُوا المُصَرَّحُ بِهِ جَوابُ أقِيمُوا المَحْذُوفِ؛ قِيلَ: وهو فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ يُخالِفُ الشَّرْطَ إمّا في الفِعْلِ، أوْ في الفاعِلِ، أوْ فِيهِما. فَأمّا إذا كانَ مِثْلُهُ فِيهِما فَهو خَطَأٌ، كَقَوْلِكَ: قُمْ يَقُمْ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ: أنْ يُقِيمُوا يُقِيمُوا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأمْرَ المُقَدَّرَ لِلْمُواجَهَةِ و﴿يُقِيمُوا﴾ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وهو خَطَأٌ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْ تَقُلْ لَهم: أقِيمُوا يُقِيمُوا، قالَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ الأمْرِ مَعَهُ شَرْطٌ مُقَدَّرٌ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ. ومُخالَفَةُ هَذا القَوْلِ لِلْقَوْلِ قَبْلَهُ أنَّ الشَّرْطَ في هَذا مُقَدَّرٌ بَعْدَ فِعْلِ الأمْرِ، وفي الَّذِي قَبْلَهُ الأمْرُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ. وقِيلَ: هو مُضارِعٌ بِلَفْظِ الخَبَرِ صُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ، والمَعْنى: أقِيمُوا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وفِرْقَةٌ، ورَدَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مُضارِعًا بِلَفْظِ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، لَبَقِيَ عَلى إعْرابِهِ بِالنُّونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] ثُمَّ قالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ [الصف: ١١] والمَعْنى: آمِنُوا. واعْتَلَّ أبُو عَلِيٍّ لِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ بِمَعْنى الأمْرِ بُنِيَ؛ يَعْنِي: عَلى حَذْفِ النُّونِ، لِأنَّ المُرادَ أقِيمُوا، وهَذا كَما بُنِيَ الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في (p-٤٢٧)النِّداءِ في قَوْلِكَ: يا زَيْدُ، يَعْنِي عَلى الضَّمَّةِ لَمّا شُبِّهَ بِقَبْلُ وبَعْدُ؛ انْتَهى. ومُتَعَلِّقُ القَوْلِ المَلْفُوظِ بِهِ أوِ المُقَدَّرِ في هَذِهِ التَّخارِيجِ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ، إلّا في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ فَمُتَعَلِّقُهُ الشَّرِيعَةُ فَهو أعَمُّ، إذْ قُدِّرَ قُلْ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِن كَوْنِ مَعْمُولِ القَوْلِ هو قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ الآيَةَ، تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، يُخالِفُهُ تَرْتِيبُ التَّرْكِيبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، كَلامًا مُفْلِتًا مِنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، أوْ يَكُونُ جَوابًا فُصِلَ بِهِ بَيْنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، ولا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، لا يَسْتَدْعِي إقامَةَ الصَّلاةِ والإنْفاقَ إلّا بِتَقْدِيرٍ بَعِيدٍ جِدًّا. واحْتَمَلَ الصَّلاةَ أنْ يُرادَ بِها العُمُومُ؛ أيْ: كُلُّ صَلاةٍ فَرْضٍ وتَطَوُّعٍ، وأنْ يُرادَ بِها الخَمْسُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ. وفَسَّرَ الإنْفاقَ بِزَكاةِ الأمْوالِ. وتَقَدَّمَ إعْرابُ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وشَرَحَها في أواخِرِ البَقَرَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَيْعُ هُنا: البَذْلُ، والخِلالُ: المُخالَّةُ، وهو مَصْدَرٌ مِن خالَلْتُ خِلالًا ومُخالَّةً، وهي المُصاحَبَةُ؛ انْتَهى. ويَعْنِي بِالبَذْلِ: مُقابِلَ شَيْءٍ. وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎صَرَفْتُ الهَوى عَنْهُنَّ مِن خَشْيَةِ ∗∗∗ الرَّدى ولَسْتُ بِمُقْلِي الخِلالِ ولا قالِ وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خَلَّةٍ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ بِالفَتْحِ أوْ بِالرَّفْعِ، في البَقَرَةِ، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ الأمْرُ بِالإنْفاقِ وصْفَ اليَوْمِ بِأنَّهُ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ؟ (قُلْتُ): مِن قِبَلِ أنَّ النّاسَ يُخْرِجُونَ أمْوالَهم في عُقُودِ المُعاوَضاتِ، فَيُعْطُونَ بَدَلًا لِيَأْخُذُوا مِثْلَهُ، وفي المُكارَماتِ ومُهاداةِ الأصْدِقاءِ لِيَسْتَخْرِجُوا بِهَداياهم أمْثالَها وخَيْرًا مِنها، وأمّا الإنْفاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ خالِصًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] فَلا يَفْعَلُهُ إلّا المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ، فَبَعَثُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوا بَدَلَهُ في يَوْمٍ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ، أيْ: لا انْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا مُخالَّةٍ، ولا بِما يُنْفِقُونَ فِيهِ أمْوالَهم مِنَ المُعاوَضاتِ والمُكارَماتِ، وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ انْتَهى. ولَمّا أطالَ تَعالى الكَلامَ في وصْفِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وكانَ حُصُولُ السَّعادَةِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، والشَّقاوَةِ بِالجَهْلِ، بِذَلِكَ خَتَمَ وصْفَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وذَكَرَ عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، فَذَكَرَ أوَّلًا إبْداعَهُ، وإنْشاءَ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أعْقَبَ بِباقِي الدَّلائِلِ، وأبْرَزَها في جُمَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِيَدُلَّ ويُنَبِّهَ عَلى أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ في الدَّلالَةِ، ولَمْ يَجْعَلْ مُتَعَلِّقاتِها مَعْطُوفاتِ عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، و(الَّذِي) خَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن أخْبَرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ؛ انْتَهى. يُشِيرُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: إنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، جَوابٌ لِقَوْلِهِ: قُلْ لِعِبادِي اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. والظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ (أخْرَجَ) هو رِزْقًا لَكم، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. ولَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَكُونُ المَعْنى: إنَّ الرِّزْقَ هو بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَخْرُجُ مِنها ما لَيْسَ بِرِزْقٍ، كالمُجَرِّدِ لِلْمَضَرّاتِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ قالَ: فَأخْرَجَ بِهِ رِزْقًا لَكم، هو الثَّمَراتُ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ (مِن) الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ إنَّما تَأْتِي بَعْد المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مَفْعُولَ أخْرَجَ، و(رِزْقًا) حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أوْ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ مِن أخْرَجَ، لِأنَّهُ في مَعْنى رِزْقٍ. وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ ما قَبْلَها واجِبٌ، وبَعْدَها مَعْرِفَةٌ، ويَجُوزُ عِنْدَ الأخْفَشِ. والفُلْكُ هُنا جَمْعُ فُلْكٍ، ولِذَلِكَ قالَ: (p-٤٢٨)لِتَجْرِيَ. ومَعْنى بِأمْرِهِ: راجِعٌ إلى الأمْرِ القائِمِ بِالذّاتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقَوْلِهِ: كُنْ، وانْطَوى في تَسْخِيرِ الفُلْكِ تَسْخِيرُ البِحارِ، وتَسْخِيرُ الرِّياحِ. وأمّا تَسْخِيرُ الأنْهارِ: فَبِجَرَيانِها وبِتَفْجِيرِها لِلِانْتِفاعِ بِها. وانْتَصَبَ ﴿دائِبَيْنِ﴾ عَلى الحالِ، والمَعْنى: يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِهِما ما يُصْلِحانِ مِنَ الأرْضِ والأبْدانِ والنَّباتِ، عَنْمُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ: يَرْفَعُهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ دائِبَيْنِ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ، إنْ كانَ يُرادُ بِهِ أنَّ الطّاعَةَ انْقِيادٌ مِنهُما في التَّسْخِيرِ، فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ: سَخَّرَ، وإنْ كانَ يُرادُ أنَّها طاعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَطاعَةِ العِبادَةِ مِنَ البَشَرِ فَهَذا جَيِّدٌ، واللَّهُ أعْلَمُ؛ انْتَهى. وتَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ كَوْنُهُما يَتَعاقَبانِ خَلْفَهُ لِلْمَنامِ والمَعاشِ. وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: تَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، مَجازٌ، لِأنَّهُما عَرَضانِ، والأعْراضُ لا تُسَخَّرُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، ذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْها فَقالَ: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، والخِطابُ لِلْجِنْسِ مِنَ البَشَرِ؛ أيْ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ ويَنْتَفِعَ بِهِ، ولا يَطَّرِدُ هَذا في كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، وإنَّما تَفَرَّقَتْ هَذِهِ النِّعَمُ في البَشَرِ؛ فَيُقالُ: بِحَسَبِ هَذا الجَمِيعِ أُوتِيتُمْ كَذا عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لِلنِّعْمَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ، وقَتادَةُ، وسَلامٌ، ويَعْقُوبُ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: مِن كُلٍّ؛ بِالتَّنْوِينِ؛ أيْ: مِن كُلِّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُوراتِ. و (ما) مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ؛ أيْ: ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ بِمَعْنى يَطْلُبُ الِانْتِفاعَ بِهِ. وقِيلَ: (ما) نافِيَةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو (مِن كُلٍّ) كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]؛ أيْ: غَيْرَ سائِلِيهِ. أخْبَرَ بِسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِما لَمْ يَسْألُوهُ مِنَ النِّعَمِ، ولَمْ يَعْرِضْ لِما سَألُوهُ. والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وهَذا القَوْلُ بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وثَنّى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: إنَّهُ تَفْسِيرُ الضَّحّاكِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُظْهِرُ أنَّهُ مُنافٍ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ بِالإضافَةِ، لِأنَّ في تِلْكَ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ تَكُونُ (ما) نافِيَةً، فَيَكُونُونَ لَمْ يَسْألُوهُ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُونَ قَدْ سَألُوهُ، و(ما) بِمَعْنى الَّذِي. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِظُهُورِ التَّنافِي بَيْنَ هَذِهِ القِراءَةِ وبَيْنَ تِلْكَ، عَلى تَقْدِيرٍ أنَّ (ما) نافِيَةٌ؛ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً عَلى ﴿وآتاكم مِن كُلِّ﴾ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ، ولَمْ تَصْلُحْ أحْوالُكم ومَعائِشُكم إلّا بِهِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ، أوْ طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ. فَتَأوَّلَ سَألْتُمُوهُ بِقَوْلِهِ: ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ. والضَّمِيرُ في ﴿سَألْتُمُوهُ﴾ إنْ كانَتْ (ما) مَصْدَرِيَّةً عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ المَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَسْئُولُ. وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي عادَ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ إيّاهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اللَّهِ. والرّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، لِأنَّكَ إنْ قَدَّرْتَهُ مُتَّصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُوهُ، فَلا يَجُوزُ. أوْ مُنْفَصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُ إيّاهُ، فالمُنْفَصِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ. والنِّعْمَةُ هُنا؛ قالَ الواحِدِيُّ: اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، يُقالُ: أنْعَمَ إنْعامًا ونِعْمَةً، أُقِيمَ الِاسْمُ مَقامَ الإنْعامِ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ إنْفاقًا ونَفَقَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ؛ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النِّعْمَةَ هو المُنْعَمُ بِهِ، وأنَّهُ هو اسْمُ جِنْسٍ لا يُرادُ بِهِ الواحِدُ بَلْ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ؛ ومَعْنى ﴿لا تُحْصُوها﴾: لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّها، هَذا إذا أرادُوا أنْ يَعُدُّوها عَلى الإجْمالِ. وأمّا التَّفْصِيلُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: مَن لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ، وحَضَرَ عَذابُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا: الجِنْسُ؛ أيْ: تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الخِلالُ وهي: الظُّلْمُ، والكُفْرُ، يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، ويَكْفُرُها بِجَحْدِها. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ فَيَشْكُو ويَجْزَعُ، كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ. وفي النَّحْلِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]؛ والفَرْقَ بَيْنَ الخَتْمَيْنِ: أنَّهُ هُنا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] وبَعْدَهُ، ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠]، فَكانَ ذَلِكَ (p-٤٢٩)نَصًّا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ والظُّلْمِ الَّذِي هو الشِّرْكُ، بِجَعْلِ الأنْدادِ ناسَبَ أنْ يَخْتِمَ بِذَمِّ مَن وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ، فَجاءَ أنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ. وأمّا في النَّحْلِ: فَلَمّا ذَكَرَ عِدَّةَ تَفَضُّلاتٍ، وأطْنَبَ فِيها، وقالَ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]؛ أيْ: مَن أوْجَدَ هَذِهِ النِّعَمَ السّابِقَ ذِكْرُها لَيْسَ كَمَن لا يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ ولا عَلى شَيْءٍ مِنهُ، ذَكَرَ مِن تَفَضُّلاتِهِ اتِّصافَهُ بِالعَذابِ والرَّحْمَةِ تَحْرِيضًا عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هو مُتَّصِفٌ بِهِما، كَما هو مُتَّصِفٌ بِالخَلْقِ، فَفي ذَلِكَ إطْماعٌ لِمَن آمَنَ بِهِ. وانْتَقَلَ مِن عِبادَةِ المَخْلُوقِ إلى عِبادَةِ الخالِقِ أنَّهُ يَغْفِرُ زَلَلَهُ السّابِقَ ويَرْحَمُهُ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو المُتَفَضِّلُ بِالنِّعَمِ عَلى الإنْسانِ، ذَكَرَ ما حَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ، ومِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ عَطائِهِ وهو الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ، إذْ لَوْلاهُما لَما أنْعَمَ عَلَيْهِ. وحَصَلَ مِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ الإنْعامِ عَلَيْهِ، وهو الظُّلْمُ والكُفْرانُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ صَدَرَ مِنَ الإنْسانِ ظُلْمٌ فاللَّهُ غَفُورٌ، أوْ كُفْرانُ نِعْمَةٍ فاللَّهُ رَحِيمٌ، لِعِلْمِهِ بِعَجْزِ الإنْسانِ وقُصُورِهِ. ودَعْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النَّحْلِ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها، ونَقَلَ ذَلِكَ السَّخاوِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

إبراهيم 14:33

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ الكُفّارِ وكُفْرَهم نِعْمَتَهُ، وجَعَلَهم لَهُ أنْدادًا، وتَهَدُّدَهم أمْرَ المُؤْمِنِينَ بِلُزُومِ الطّاعَةِ والتَّيَقُّظِ لِأنْفُسِهِمْ، وإلْزامِ عَمُودَيِ الإسْلامِ: الصَّلاةِ والزَّكاةِ، قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ. ومَعْمُولُ قُلْ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أقِيمُوا الصَّلاةَ يُقِيمُوا. ويُقِيمُوا: مَجْزُومٌ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وهَذا قَوْلُ: الأخْفَشِ، والمازِنِيِّ. ورَدَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ القَوْلِ إنْ (p-٤٢٦)يُقِيمُوا، ورَدَ هَذا الرَّدُّ بِأنَّهُ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإقامَةِ لا الكافِرِينَ، والمُؤْمِنُونَ مَتى أمَرَهُمُ الرَّسُولُ بِشَيْءٍ فَعَلُوُهُ لا مَحالَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿يُقِيمُوا﴾ جَوابَ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: (قُلْ) وذَلِكَ أنْ تَجْعَلَ (قُلْ) في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ؛ انْتَهى. وهَذا قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ، إلّا أنَّ في ما قَبْلَهُ مَعْمُولَ القَوْلِ: أقِيمُوا، وفي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلى تَقْدِيرِ بَلِّغِ الشَّرِيعَةَ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ: يُقِيمُوا، وهو أمْرٌ مَجْزُومٌ بِلامِ الأمْرِ مَحْذُوفَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مُحَمَّـدُ تَفْـدِ نَفْسَـكَ كُـلُّ نَفْـسِ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا القَوْلِ: وإنَّما جازَ حَذْفُ اللّامِ لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي هو قُلْ، عِوَضٌ مِنهُ. ولَوْ قِيلَ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا، ابْتِداءٌ بِحَذْفِ اللّامِ، لَمْ يَجُزْ؛ انْتَهى. وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: قُلْ لَهم أقِيمُوا يُقِيمُوا، فَيُقِيمُوا المُصَرَّحُ بِهِ جَوابُ أقِيمُوا المَحْذُوفِ؛ قِيلَ: وهو فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ يُخالِفُ الشَّرْطَ إمّا في الفِعْلِ، أوْ في الفاعِلِ، أوْ فِيهِما. فَأمّا إذا كانَ مِثْلُهُ فِيهِما فَهو خَطَأٌ، كَقَوْلِكَ: قُمْ يَقُمْ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ: أنْ يُقِيمُوا يُقِيمُوا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأمْرَ المُقَدَّرَ لِلْمُواجَهَةِ و﴿يُقِيمُوا﴾ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وهو خَطَأٌ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْ تَقُلْ لَهم: أقِيمُوا يُقِيمُوا، قالَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ الأمْرِ مَعَهُ شَرْطٌ مُقَدَّرٌ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ. ومُخالَفَةُ هَذا القَوْلِ لِلْقَوْلِ قَبْلَهُ أنَّ الشَّرْطَ في هَذا مُقَدَّرٌ بَعْدَ فِعْلِ الأمْرِ، وفي الَّذِي قَبْلَهُ الأمْرُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ. وقِيلَ: هو مُضارِعٌ بِلَفْظِ الخَبَرِ صُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ، والمَعْنى: أقِيمُوا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وفِرْقَةٌ، ورَدَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مُضارِعًا بِلَفْظِ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، لَبَقِيَ عَلى إعْرابِهِ بِالنُّونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] ثُمَّ قالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ [الصف: ١١] والمَعْنى: آمِنُوا. واعْتَلَّ أبُو عَلِيٍّ لِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ بِمَعْنى الأمْرِ بُنِيَ؛ يَعْنِي: عَلى حَذْفِ النُّونِ، لِأنَّ المُرادَ أقِيمُوا، وهَذا كَما بُنِيَ الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في (p-٤٢٧)النِّداءِ في قَوْلِكَ: يا زَيْدُ، يَعْنِي عَلى الضَّمَّةِ لَمّا شُبِّهَ بِقَبْلُ وبَعْدُ؛ انْتَهى. ومُتَعَلِّقُ القَوْلِ المَلْفُوظِ بِهِ أوِ المُقَدَّرِ في هَذِهِ التَّخارِيجِ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ، إلّا في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ فَمُتَعَلِّقُهُ الشَّرِيعَةُ فَهو أعَمُّ، إذْ قُدِّرَ قُلْ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِن كَوْنِ مَعْمُولِ القَوْلِ هو قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ الآيَةَ، تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، يُخالِفُهُ تَرْتِيبُ التَّرْكِيبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، كَلامًا مُفْلِتًا مِنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، أوْ يَكُونُ جَوابًا فُصِلَ بِهِ بَيْنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، ولا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، لا يَسْتَدْعِي إقامَةَ الصَّلاةِ والإنْفاقَ إلّا بِتَقْدِيرٍ بَعِيدٍ جِدًّا. واحْتَمَلَ الصَّلاةَ أنْ يُرادَ بِها العُمُومُ؛ أيْ: كُلُّ صَلاةٍ فَرْضٍ وتَطَوُّعٍ، وأنْ يُرادَ بِها الخَمْسُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ. وفَسَّرَ الإنْفاقَ بِزَكاةِ الأمْوالِ. وتَقَدَّمَ إعْرابُ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وشَرَحَها في أواخِرِ البَقَرَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَيْعُ هُنا: البَذْلُ، والخِلالُ: المُخالَّةُ، وهو مَصْدَرٌ مِن خالَلْتُ خِلالًا ومُخالَّةً، وهي المُصاحَبَةُ؛ انْتَهى. ويَعْنِي بِالبَذْلِ: مُقابِلَ شَيْءٍ. وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎صَرَفْتُ الهَوى عَنْهُنَّ مِن خَشْيَةِ ∗∗∗ الرَّدى ولَسْتُ بِمُقْلِي الخِلالِ ولا قالِ وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خَلَّةٍ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ بِالفَتْحِ أوْ بِالرَّفْعِ، في البَقَرَةِ، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ الأمْرُ بِالإنْفاقِ وصْفَ اليَوْمِ بِأنَّهُ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ؟ (قُلْتُ): مِن قِبَلِ أنَّ النّاسَ يُخْرِجُونَ أمْوالَهم في عُقُودِ المُعاوَضاتِ، فَيُعْطُونَ بَدَلًا لِيَأْخُذُوا مِثْلَهُ، وفي المُكارَماتِ ومُهاداةِ الأصْدِقاءِ لِيَسْتَخْرِجُوا بِهَداياهم أمْثالَها وخَيْرًا مِنها، وأمّا الإنْفاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ خالِصًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] فَلا يَفْعَلُهُ إلّا المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ، فَبَعَثُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوا بَدَلَهُ في يَوْمٍ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ، أيْ: لا انْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا مُخالَّةٍ، ولا بِما يُنْفِقُونَ فِيهِ أمْوالَهم مِنَ المُعاوَضاتِ والمُكارَماتِ، وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ انْتَهى. ولَمّا أطالَ تَعالى الكَلامَ في وصْفِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وكانَ حُصُولُ السَّعادَةِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، والشَّقاوَةِ بِالجَهْلِ، بِذَلِكَ خَتَمَ وصْفَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وذَكَرَ عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، فَذَكَرَ أوَّلًا إبْداعَهُ، وإنْشاءَ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أعْقَبَ بِباقِي الدَّلائِلِ، وأبْرَزَها في جُمَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِيَدُلَّ ويُنَبِّهَ عَلى أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ في الدَّلالَةِ، ولَمْ يَجْعَلْ مُتَعَلِّقاتِها مَعْطُوفاتِ عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، و(الَّذِي) خَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن أخْبَرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ؛ انْتَهى. يُشِيرُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: إنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، جَوابٌ لِقَوْلِهِ: قُلْ لِعِبادِي اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. والظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ (أخْرَجَ) هو رِزْقًا لَكم، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. ولَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَكُونُ المَعْنى: إنَّ الرِّزْقَ هو بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَخْرُجُ مِنها ما لَيْسَ بِرِزْقٍ، كالمُجَرِّدِ لِلْمَضَرّاتِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ قالَ: فَأخْرَجَ بِهِ رِزْقًا لَكم، هو الثَّمَراتُ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ (مِن) الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ إنَّما تَأْتِي بَعْد المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مَفْعُولَ أخْرَجَ، و(رِزْقًا) حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أوْ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ مِن أخْرَجَ، لِأنَّهُ في مَعْنى رِزْقٍ. وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ ما قَبْلَها واجِبٌ، وبَعْدَها مَعْرِفَةٌ، ويَجُوزُ عِنْدَ الأخْفَشِ. والفُلْكُ هُنا جَمْعُ فُلْكٍ، ولِذَلِكَ قالَ: (p-٤٢٨)لِتَجْرِيَ. ومَعْنى بِأمْرِهِ: راجِعٌ إلى الأمْرِ القائِمِ بِالذّاتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقَوْلِهِ: كُنْ، وانْطَوى في تَسْخِيرِ الفُلْكِ تَسْخِيرُ البِحارِ، وتَسْخِيرُ الرِّياحِ. وأمّا تَسْخِيرُ الأنْهارِ: فَبِجَرَيانِها وبِتَفْجِيرِها لِلِانْتِفاعِ بِها. وانْتَصَبَ ﴿دائِبَيْنِ﴾ عَلى الحالِ، والمَعْنى: يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِهِما ما يُصْلِحانِ مِنَ الأرْضِ والأبْدانِ والنَّباتِ، عَنْمُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ: يَرْفَعُهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ دائِبَيْنِ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ، إنْ كانَ يُرادُ بِهِ أنَّ الطّاعَةَ انْقِيادٌ مِنهُما في التَّسْخِيرِ، فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ: سَخَّرَ، وإنْ كانَ يُرادُ أنَّها طاعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَطاعَةِ العِبادَةِ مِنَ البَشَرِ فَهَذا جَيِّدٌ، واللَّهُ أعْلَمُ؛ انْتَهى. وتَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ كَوْنُهُما يَتَعاقَبانِ خَلْفَهُ لِلْمَنامِ والمَعاشِ. وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: تَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، مَجازٌ، لِأنَّهُما عَرَضانِ، والأعْراضُ لا تُسَخَّرُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، ذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْها فَقالَ: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، والخِطابُ لِلْجِنْسِ مِنَ البَشَرِ؛ أيْ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ ويَنْتَفِعَ بِهِ، ولا يَطَّرِدُ هَذا في كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، وإنَّما تَفَرَّقَتْ هَذِهِ النِّعَمُ في البَشَرِ؛ فَيُقالُ: بِحَسَبِ هَذا الجَمِيعِ أُوتِيتُمْ كَذا عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لِلنِّعْمَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ، وقَتادَةُ، وسَلامٌ، ويَعْقُوبُ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: مِن كُلٍّ؛ بِالتَّنْوِينِ؛ أيْ: مِن كُلِّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُوراتِ. و (ما) مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ؛ أيْ: ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ بِمَعْنى يَطْلُبُ الِانْتِفاعَ بِهِ. وقِيلَ: (ما) نافِيَةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو (مِن كُلٍّ) كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]؛ أيْ: غَيْرَ سائِلِيهِ. أخْبَرَ بِسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِما لَمْ يَسْألُوهُ مِنَ النِّعَمِ، ولَمْ يَعْرِضْ لِما سَألُوهُ. والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وهَذا القَوْلُ بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وثَنّى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: إنَّهُ تَفْسِيرُ الضَّحّاكِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُظْهِرُ أنَّهُ مُنافٍ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ بِالإضافَةِ، لِأنَّ في تِلْكَ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ تَكُونُ (ما) نافِيَةً، فَيَكُونُونَ لَمْ يَسْألُوهُ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُونَ قَدْ سَألُوهُ، و(ما) بِمَعْنى الَّذِي. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِظُهُورِ التَّنافِي بَيْنَ هَذِهِ القِراءَةِ وبَيْنَ تِلْكَ، عَلى تَقْدِيرٍ أنَّ (ما) نافِيَةٌ؛ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً عَلى ﴿وآتاكم مِن كُلِّ﴾ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ، ولَمْ تَصْلُحْ أحْوالُكم ومَعائِشُكم إلّا بِهِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ، أوْ طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ. فَتَأوَّلَ سَألْتُمُوهُ بِقَوْلِهِ: ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ. والضَّمِيرُ في ﴿سَألْتُمُوهُ﴾ إنْ كانَتْ (ما) مَصْدَرِيَّةً عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ المَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَسْئُولُ. وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي عادَ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ إيّاهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اللَّهِ. والرّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، لِأنَّكَ إنْ قَدَّرْتَهُ مُتَّصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُوهُ، فَلا يَجُوزُ. أوْ مُنْفَصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُ إيّاهُ، فالمُنْفَصِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ. والنِّعْمَةُ هُنا؛ قالَ الواحِدِيُّ: اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، يُقالُ: أنْعَمَ إنْعامًا ونِعْمَةً، أُقِيمَ الِاسْمُ مَقامَ الإنْعامِ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ إنْفاقًا ونَفَقَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ؛ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النِّعْمَةَ هو المُنْعَمُ بِهِ، وأنَّهُ هو اسْمُ جِنْسٍ لا يُرادُ بِهِ الواحِدُ بَلْ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ؛ ومَعْنى ﴿لا تُحْصُوها﴾: لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّها، هَذا إذا أرادُوا أنْ يَعُدُّوها عَلى الإجْمالِ. وأمّا التَّفْصِيلُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: مَن لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ، وحَضَرَ عَذابُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا: الجِنْسُ؛ أيْ: تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الخِلالُ وهي: الظُّلْمُ، والكُفْرُ، يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، ويَكْفُرُها بِجَحْدِها. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ فَيَشْكُو ويَجْزَعُ، كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ. وفي النَّحْلِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]؛ والفَرْقَ بَيْنَ الخَتْمَيْنِ: أنَّهُ هُنا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] وبَعْدَهُ، ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠]، فَكانَ ذَلِكَ (p-٤٢٩)نَصًّا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ والظُّلْمِ الَّذِي هو الشِّرْكُ، بِجَعْلِ الأنْدادِ ناسَبَ أنْ يَخْتِمَ بِذَمِّ مَن وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ، فَجاءَ أنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ. وأمّا في النَّحْلِ: فَلَمّا ذَكَرَ عِدَّةَ تَفَضُّلاتٍ، وأطْنَبَ فِيها، وقالَ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]؛ أيْ: مَن أوْجَدَ هَذِهِ النِّعَمَ السّابِقَ ذِكْرُها لَيْسَ كَمَن لا يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ ولا عَلى شَيْءٍ مِنهُ، ذَكَرَ مِن تَفَضُّلاتِهِ اتِّصافَهُ بِالعَذابِ والرَّحْمَةِ تَحْرِيضًا عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هو مُتَّصِفٌ بِهِما، كَما هو مُتَّصِفٌ بِالخَلْقِ، فَفي ذَلِكَ إطْماعٌ لِمَن آمَنَ بِهِ. وانْتَقَلَ مِن عِبادَةِ المَخْلُوقِ إلى عِبادَةِ الخالِقِ أنَّهُ يَغْفِرُ زَلَلَهُ السّابِقَ ويَرْحَمُهُ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو المُتَفَضِّلُ بِالنِّعَمِ عَلى الإنْسانِ، ذَكَرَ ما حَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ، ومِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ عَطائِهِ وهو الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ، إذْ لَوْلاهُما لَما أنْعَمَ عَلَيْهِ. وحَصَلَ مِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ الإنْعامِ عَلَيْهِ، وهو الظُّلْمُ والكُفْرانُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ صَدَرَ مِنَ الإنْسانِ ظُلْمٌ فاللَّهُ غَفُورٌ، أوْ كُفْرانُ نِعْمَةٍ فاللَّهُ رَحِيمٌ، لِعِلْمِهِ بِعَجْزِ الإنْسانِ وقُصُورِهِ. ودَعْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النَّحْلِ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها، ونَقَلَ ذَلِكَ السَّخاوِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

إبراهيم 14:34

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ الكُفّارِ وكُفْرَهم نِعْمَتَهُ، وجَعَلَهم لَهُ أنْدادًا، وتَهَدُّدَهم أمْرَ المُؤْمِنِينَ بِلُزُومِ الطّاعَةِ والتَّيَقُّظِ لِأنْفُسِهِمْ، وإلْزامِ عَمُودَيِ الإسْلامِ: الصَّلاةِ والزَّكاةِ، قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ. ومَعْمُولُ قُلْ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أقِيمُوا الصَّلاةَ يُقِيمُوا. ويُقِيمُوا: مَجْزُومٌ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وهَذا قَوْلُ: الأخْفَشِ، والمازِنِيِّ. ورَدَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ القَوْلِ إنْ (p-٤٢٦)يُقِيمُوا، ورَدَ هَذا الرَّدُّ بِأنَّهُ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإقامَةِ لا الكافِرِينَ، والمُؤْمِنُونَ مَتى أمَرَهُمُ الرَّسُولُ بِشَيْءٍ فَعَلُوُهُ لا مَحالَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿يُقِيمُوا﴾ جَوابَ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: (قُلْ) وذَلِكَ أنْ تَجْعَلَ (قُلْ) في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ؛ انْتَهى. وهَذا قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ، إلّا أنَّ في ما قَبْلَهُ مَعْمُولَ القَوْلِ: أقِيمُوا، وفي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلى تَقْدِيرِ بَلِّغِ الشَّرِيعَةَ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ: يُقِيمُوا، وهو أمْرٌ مَجْزُومٌ بِلامِ الأمْرِ مَحْذُوفَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مُحَمَّـدُ تَفْـدِ نَفْسَـكَ كُـلُّ نَفْـسِ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا القَوْلِ: وإنَّما جازَ حَذْفُ اللّامِ لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي هو قُلْ، عِوَضٌ مِنهُ. ولَوْ قِيلَ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا، ابْتِداءٌ بِحَذْفِ اللّامِ، لَمْ يَجُزْ؛ انْتَهى. وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: قُلْ لَهم أقِيمُوا يُقِيمُوا، فَيُقِيمُوا المُصَرَّحُ بِهِ جَوابُ أقِيمُوا المَحْذُوفِ؛ قِيلَ: وهو فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ يُخالِفُ الشَّرْطَ إمّا في الفِعْلِ، أوْ في الفاعِلِ، أوْ فِيهِما. فَأمّا إذا كانَ مِثْلُهُ فِيهِما فَهو خَطَأٌ، كَقَوْلِكَ: قُمْ يَقُمْ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ: أنْ يُقِيمُوا يُقِيمُوا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأمْرَ المُقَدَّرَ لِلْمُواجَهَةِ و﴿يُقِيمُوا﴾ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وهو خَطَأٌ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْ تَقُلْ لَهم: أقِيمُوا يُقِيمُوا، قالَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ الأمْرِ مَعَهُ شَرْطٌ مُقَدَّرٌ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ. ومُخالَفَةُ هَذا القَوْلِ لِلْقَوْلِ قَبْلَهُ أنَّ الشَّرْطَ في هَذا مُقَدَّرٌ بَعْدَ فِعْلِ الأمْرِ، وفي الَّذِي قَبْلَهُ الأمْرُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ. وقِيلَ: هو مُضارِعٌ بِلَفْظِ الخَبَرِ صُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ، والمَعْنى: أقِيمُوا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وفِرْقَةٌ، ورَدَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مُضارِعًا بِلَفْظِ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، لَبَقِيَ عَلى إعْرابِهِ بِالنُّونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] ثُمَّ قالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ [الصف: ١١] والمَعْنى: آمِنُوا. واعْتَلَّ أبُو عَلِيٍّ لِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ بِمَعْنى الأمْرِ بُنِيَ؛ يَعْنِي: عَلى حَذْفِ النُّونِ، لِأنَّ المُرادَ أقِيمُوا، وهَذا كَما بُنِيَ الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في (p-٤٢٧)النِّداءِ في قَوْلِكَ: يا زَيْدُ، يَعْنِي عَلى الضَّمَّةِ لَمّا شُبِّهَ بِقَبْلُ وبَعْدُ؛ انْتَهى. ومُتَعَلِّقُ القَوْلِ المَلْفُوظِ بِهِ أوِ المُقَدَّرِ في هَذِهِ التَّخارِيجِ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ، إلّا في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ فَمُتَعَلِّقُهُ الشَّرِيعَةُ فَهو أعَمُّ، إذْ قُدِّرَ قُلْ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِن كَوْنِ مَعْمُولِ القَوْلِ هو قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ الآيَةَ، تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، يُخالِفُهُ تَرْتِيبُ التَّرْكِيبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، كَلامًا مُفْلِتًا مِنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، أوْ يَكُونُ جَوابًا فُصِلَ بِهِ بَيْنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، ولا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، لا يَسْتَدْعِي إقامَةَ الصَّلاةِ والإنْفاقَ إلّا بِتَقْدِيرٍ بَعِيدٍ جِدًّا. واحْتَمَلَ الصَّلاةَ أنْ يُرادَ بِها العُمُومُ؛ أيْ: كُلُّ صَلاةٍ فَرْضٍ وتَطَوُّعٍ، وأنْ يُرادَ بِها الخَمْسُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ. وفَسَّرَ الإنْفاقَ بِزَكاةِ الأمْوالِ. وتَقَدَّمَ إعْرابُ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وشَرَحَها في أواخِرِ البَقَرَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَيْعُ هُنا: البَذْلُ، والخِلالُ: المُخالَّةُ، وهو مَصْدَرٌ مِن خالَلْتُ خِلالًا ومُخالَّةً، وهي المُصاحَبَةُ؛ انْتَهى. ويَعْنِي بِالبَذْلِ: مُقابِلَ شَيْءٍ. وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎صَرَفْتُ الهَوى عَنْهُنَّ مِن خَشْيَةِ ∗∗∗ الرَّدى ولَسْتُ بِمُقْلِي الخِلالِ ولا قالِ وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خَلَّةٍ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ بِالفَتْحِ أوْ بِالرَّفْعِ، في البَقَرَةِ، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ الأمْرُ بِالإنْفاقِ وصْفَ اليَوْمِ بِأنَّهُ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ؟ (قُلْتُ): مِن قِبَلِ أنَّ النّاسَ يُخْرِجُونَ أمْوالَهم في عُقُودِ المُعاوَضاتِ، فَيُعْطُونَ بَدَلًا لِيَأْخُذُوا مِثْلَهُ، وفي المُكارَماتِ ومُهاداةِ الأصْدِقاءِ لِيَسْتَخْرِجُوا بِهَداياهم أمْثالَها وخَيْرًا مِنها، وأمّا الإنْفاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ خالِصًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] فَلا يَفْعَلُهُ إلّا المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ، فَبَعَثُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوا بَدَلَهُ في يَوْمٍ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ، أيْ: لا انْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا مُخالَّةٍ، ولا بِما يُنْفِقُونَ فِيهِ أمْوالَهم مِنَ المُعاوَضاتِ والمُكارَماتِ، وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ انْتَهى. ولَمّا أطالَ تَعالى الكَلامَ في وصْفِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وكانَ حُصُولُ السَّعادَةِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، والشَّقاوَةِ بِالجَهْلِ، بِذَلِكَ خَتَمَ وصْفَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وذَكَرَ عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، فَذَكَرَ أوَّلًا إبْداعَهُ، وإنْشاءَ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أعْقَبَ بِباقِي الدَّلائِلِ، وأبْرَزَها في جُمَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِيَدُلَّ ويُنَبِّهَ عَلى أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ في الدَّلالَةِ، ولَمْ يَجْعَلْ مُتَعَلِّقاتِها مَعْطُوفاتِ عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، و(الَّذِي) خَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن أخْبَرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ؛ انْتَهى. يُشِيرُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: إنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، جَوابٌ لِقَوْلِهِ: قُلْ لِعِبادِي اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. والظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ (أخْرَجَ) هو رِزْقًا لَكم، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. ولَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَكُونُ المَعْنى: إنَّ الرِّزْقَ هو بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَخْرُجُ مِنها ما لَيْسَ بِرِزْقٍ، كالمُجَرِّدِ لِلْمَضَرّاتِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ قالَ: فَأخْرَجَ بِهِ رِزْقًا لَكم، هو الثَّمَراتُ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ (مِن) الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ إنَّما تَأْتِي بَعْد المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مَفْعُولَ أخْرَجَ، و(رِزْقًا) حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أوْ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ مِن أخْرَجَ، لِأنَّهُ في مَعْنى رِزْقٍ. وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ ما قَبْلَها واجِبٌ، وبَعْدَها مَعْرِفَةٌ، ويَجُوزُ عِنْدَ الأخْفَشِ. والفُلْكُ هُنا جَمْعُ فُلْكٍ، ولِذَلِكَ قالَ: (p-٤٢٨)لِتَجْرِيَ. ومَعْنى بِأمْرِهِ: راجِعٌ إلى الأمْرِ القائِمِ بِالذّاتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقَوْلِهِ: كُنْ، وانْطَوى في تَسْخِيرِ الفُلْكِ تَسْخِيرُ البِحارِ، وتَسْخِيرُ الرِّياحِ. وأمّا تَسْخِيرُ الأنْهارِ: فَبِجَرَيانِها وبِتَفْجِيرِها لِلِانْتِفاعِ بِها. وانْتَصَبَ ﴿دائِبَيْنِ﴾ عَلى الحالِ، والمَعْنى: يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِهِما ما يُصْلِحانِ مِنَ الأرْضِ والأبْدانِ والنَّباتِ، عَنْمُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ: يَرْفَعُهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ دائِبَيْنِ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ، إنْ كانَ يُرادُ بِهِ أنَّ الطّاعَةَ انْقِيادٌ مِنهُما في التَّسْخِيرِ، فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ: سَخَّرَ، وإنْ كانَ يُرادُ أنَّها طاعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَطاعَةِ العِبادَةِ مِنَ البَشَرِ فَهَذا جَيِّدٌ، واللَّهُ أعْلَمُ؛ انْتَهى. وتَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ كَوْنُهُما يَتَعاقَبانِ خَلْفَهُ لِلْمَنامِ والمَعاشِ. وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: تَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، مَجازٌ، لِأنَّهُما عَرَضانِ، والأعْراضُ لا تُسَخَّرُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، ذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْها فَقالَ: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، والخِطابُ لِلْجِنْسِ مِنَ البَشَرِ؛ أيْ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ ويَنْتَفِعَ بِهِ، ولا يَطَّرِدُ هَذا في كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، وإنَّما تَفَرَّقَتْ هَذِهِ النِّعَمُ في البَشَرِ؛ فَيُقالُ: بِحَسَبِ هَذا الجَمِيعِ أُوتِيتُمْ كَذا عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لِلنِّعْمَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ، وقَتادَةُ، وسَلامٌ، ويَعْقُوبُ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: مِن كُلٍّ؛ بِالتَّنْوِينِ؛ أيْ: مِن كُلِّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُوراتِ. و (ما) مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ؛ أيْ: ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ بِمَعْنى يَطْلُبُ الِانْتِفاعَ بِهِ. وقِيلَ: (ما) نافِيَةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو (مِن كُلٍّ) كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]؛ أيْ: غَيْرَ سائِلِيهِ. أخْبَرَ بِسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِما لَمْ يَسْألُوهُ مِنَ النِّعَمِ، ولَمْ يَعْرِضْ لِما سَألُوهُ. والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وهَذا القَوْلُ بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وثَنّى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: إنَّهُ تَفْسِيرُ الضَّحّاكِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُظْهِرُ أنَّهُ مُنافٍ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ بِالإضافَةِ، لِأنَّ في تِلْكَ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ تَكُونُ (ما) نافِيَةً، فَيَكُونُونَ لَمْ يَسْألُوهُ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُونَ قَدْ سَألُوهُ، و(ما) بِمَعْنى الَّذِي. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِظُهُورِ التَّنافِي بَيْنَ هَذِهِ القِراءَةِ وبَيْنَ تِلْكَ، عَلى تَقْدِيرٍ أنَّ (ما) نافِيَةٌ؛ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً عَلى ﴿وآتاكم مِن كُلِّ﴾ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ، ولَمْ تَصْلُحْ أحْوالُكم ومَعائِشُكم إلّا بِهِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ، أوْ طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ. فَتَأوَّلَ سَألْتُمُوهُ بِقَوْلِهِ: ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ. والضَّمِيرُ في ﴿سَألْتُمُوهُ﴾ إنْ كانَتْ (ما) مَصْدَرِيَّةً عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ المَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَسْئُولُ. وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي عادَ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ إيّاهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اللَّهِ. والرّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، لِأنَّكَ إنْ قَدَّرْتَهُ مُتَّصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُوهُ، فَلا يَجُوزُ. أوْ مُنْفَصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُ إيّاهُ، فالمُنْفَصِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ. والنِّعْمَةُ هُنا؛ قالَ الواحِدِيُّ: اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، يُقالُ: أنْعَمَ إنْعامًا ونِعْمَةً، أُقِيمَ الِاسْمُ مَقامَ الإنْعامِ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ إنْفاقًا ونَفَقَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ؛ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النِّعْمَةَ هو المُنْعَمُ بِهِ، وأنَّهُ هو اسْمُ جِنْسٍ لا يُرادُ بِهِ الواحِدُ بَلْ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ؛ ومَعْنى ﴿لا تُحْصُوها﴾: لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّها، هَذا إذا أرادُوا أنْ يَعُدُّوها عَلى الإجْمالِ. وأمّا التَّفْصِيلُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: مَن لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ، وحَضَرَ عَذابُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا: الجِنْسُ؛ أيْ: تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الخِلالُ وهي: الظُّلْمُ، والكُفْرُ، يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، ويَكْفُرُها بِجَحْدِها. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ فَيَشْكُو ويَجْزَعُ، كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ. وفي النَّحْلِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]؛ والفَرْقَ بَيْنَ الخَتْمَيْنِ: أنَّهُ هُنا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] وبَعْدَهُ، ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠]، فَكانَ ذَلِكَ (p-٤٢٩)نَصًّا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ والظُّلْمِ الَّذِي هو الشِّرْكُ، بِجَعْلِ الأنْدادِ ناسَبَ أنْ يَخْتِمَ بِذَمِّ مَن وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ، فَجاءَ أنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ. وأمّا في النَّحْلِ: فَلَمّا ذَكَرَ عِدَّةَ تَفَضُّلاتٍ، وأطْنَبَ فِيها، وقالَ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]؛ أيْ: مَن أوْجَدَ هَذِهِ النِّعَمَ السّابِقَ ذِكْرُها لَيْسَ كَمَن لا يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ ولا عَلى شَيْءٍ مِنهُ، ذَكَرَ مِن تَفَضُّلاتِهِ اتِّصافَهُ بِالعَذابِ والرَّحْمَةِ تَحْرِيضًا عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هو مُتَّصِفٌ بِهِما، كَما هو مُتَّصِفٌ بِالخَلْقِ، فَفي ذَلِكَ إطْماعٌ لِمَن آمَنَ بِهِ. وانْتَقَلَ مِن عِبادَةِ المَخْلُوقِ إلى عِبادَةِ الخالِقِ أنَّهُ يَغْفِرُ زَلَلَهُ السّابِقَ ويَرْحَمُهُ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو المُتَفَضِّلُ بِالنِّعَمِ عَلى الإنْسانِ، ذَكَرَ ما حَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ، ومِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ عَطائِهِ وهو الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ، إذْ لَوْلاهُما لَما أنْعَمَ عَلَيْهِ. وحَصَلَ مِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ الإنْعامِ عَلَيْهِ، وهو الظُّلْمُ والكُفْرانُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ صَدَرَ مِنَ الإنْسانِ ظُلْمٌ فاللَّهُ غَفُورٌ، أوْ كُفْرانُ نِعْمَةٍ فاللَّهُ رَحِيمٌ، لِعِلْمِهِ بِعَجْزِ الإنْسانِ وقُصُورِهِ. ودَعْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النَّحْلِ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها، ونَقَلَ ذَلِكَ السَّخاوِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

إبراهيم 14:35

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ الكُفّارِ وكُفْرَهم نِعْمَتَهُ، وجَعَلَهم لَهُ أنْدادًا، وتَهَدُّدَهم أمْرَ المُؤْمِنِينَ بِلُزُومِ الطّاعَةِ والتَّيَقُّظِ لِأنْفُسِهِمْ، وإلْزامِ عَمُودَيِ الإسْلامِ: الصَّلاةِ والزَّكاةِ، قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ. ومَعْمُولُ قُلْ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أقِيمُوا الصَّلاةَ يُقِيمُوا. ويُقِيمُوا: مَجْزُومٌ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وهَذا قَوْلُ: الأخْفَشِ، والمازِنِيِّ. ورَدَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ القَوْلِ إنْ (p-٤٢٦)يُقِيمُوا، ورَدَ هَذا الرَّدُّ بِأنَّهُ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإقامَةِ لا الكافِرِينَ، والمُؤْمِنُونَ مَتى أمَرَهُمُ الرَّسُولُ بِشَيْءٍ فَعَلُوُهُ لا مَحالَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿يُقِيمُوا﴾ جَوابَ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: (قُلْ) وذَلِكَ أنْ تَجْعَلَ (قُلْ) في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ؛ انْتَهى. وهَذا قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ، إلّا أنَّ في ما قَبْلَهُ مَعْمُولَ القَوْلِ: أقِيمُوا، وفي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلى تَقْدِيرِ بَلِّغِ الشَّرِيعَةَ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ: يُقِيمُوا، وهو أمْرٌ مَجْزُومٌ بِلامِ الأمْرِ مَحْذُوفَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مُحَمَّـدُ تَفْـدِ نَفْسَـكَ كُـلُّ نَفْـسِ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا القَوْلِ: وإنَّما جازَ حَذْفُ اللّامِ لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي هو قُلْ، عِوَضٌ مِنهُ. ولَوْ قِيلَ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا، ابْتِداءٌ بِحَذْفِ اللّامِ، لَمْ يَجُزْ؛ انْتَهى. وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: قُلْ لَهم أقِيمُوا يُقِيمُوا، فَيُقِيمُوا المُصَرَّحُ بِهِ جَوابُ أقِيمُوا المَحْذُوفِ؛ قِيلَ: وهو فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ يُخالِفُ الشَّرْطَ إمّا في الفِعْلِ، أوْ في الفاعِلِ، أوْ فِيهِما. فَأمّا إذا كانَ مِثْلُهُ فِيهِما فَهو خَطَأٌ، كَقَوْلِكَ: قُمْ يَقُمْ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ: أنْ يُقِيمُوا يُقِيمُوا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأمْرَ المُقَدَّرَ لِلْمُواجَهَةِ و﴿يُقِيمُوا﴾ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وهو خَطَأٌ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْ تَقُلْ لَهم: أقِيمُوا يُقِيمُوا، قالَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ الأمْرِ مَعَهُ شَرْطٌ مُقَدَّرٌ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ. ومُخالَفَةُ هَذا القَوْلِ لِلْقَوْلِ قَبْلَهُ أنَّ الشَّرْطَ في هَذا مُقَدَّرٌ بَعْدَ فِعْلِ الأمْرِ، وفي الَّذِي قَبْلَهُ الأمْرُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ. وقِيلَ: هو مُضارِعٌ بِلَفْظِ الخَبَرِ صُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ، والمَعْنى: أقِيمُوا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وفِرْقَةٌ، ورَدَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مُضارِعًا بِلَفْظِ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، لَبَقِيَ عَلى إعْرابِهِ بِالنُّونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] ثُمَّ قالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ [الصف: ١١] والمَعْنى: آمِنُوا. واعْتَلَّ أبُو عَلِيٍّ لِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ بِمَعْنى الأمْرِ بُنِيَ؛ يَعْنِي: عَلى حَذْفِ النُّونِ، لِأنَّ المُرادَ أقِيمُوا، وهَذا كَما بُنِيَ الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في (p-٤٢٧)النِّداءِ في قَوْلِكَ: يا زَيْدُ، يَعْنِي عَلى الضَّمَّةِ لَمّا شُبِّهَ بِقَبْلُ وبَعْدُ؛ انْتَهى. ومُتَعَلِّقُ القَوْلِ المَلْفُوظِ بِهِ أوِ المُقَدَّرِ في هَذِهِ التَّخارِيجِ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ، إلّا في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ فَمُتَعَلِّقُهُ الشَّرِيعَةُ فَهو أعَمُّ، إذْ قُدِّرَ قُلْ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِن كَوْنِ مَعْمُولِ القَوْلِ هو قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ الآيَةَ، تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، يُخالِفُهُ تَرْتِيبُ التَّرْكِيبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، كَلامًا مُفْلِتًا مِنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، أوْ يَكُونُ جَوابًا فُصِلَ بِهِ بَيْنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، ولا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، لا يَسْتَدْعِي إقامَةَ الصَّلاةِ والإنْفاقَ إلّا بِتَقْدِيرٍ بَعِيدٍ جِدًّا. واحْتَمَلَ الصَّلاةَ أنْ يُرادَ بِها العُمُومُ؛ أيْ: كُلُّ صَلاةٍ فَرْضٍ وتَطَوُّعٍ، وأنْ يُرادَ بِها الخَمْسُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ. وفَسَّرَ الإنْفاقَ بِزَكاةِ الأمْوالِ. وتَقَدَّمَ إعْرابُ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وشَرَحَها في أواخِرِ البَقَرَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَيْعُ هُنا: البَذْلُ، والخِلالُ: المُخالَّةُ، وهو مَصْدَرٌ مِن خالَلْتُ خِلالًا ومُخالَّةً، وهي المُصاحَبَةُ؛ انْتَهى. ويَعْنِي بِالبَذْلِ: مُقابِلَ شَيْءٍ. وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎صَرَفْتُ الهَوى عَنْهُنَّ مِن خَشْيَةِ ∗∗∗ الرَّدى ولَسْتُ بِمُقْلِي الخِلالِ ولا قالِ وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خَلَّةٍ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ بِالفَتْحِ أوْ بِالرَّفْعِ، في البَقَرَةِ، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ الأمْرُ بِالإنْفاقِ وصْفَ اليَوْمِ بِأنَّهُ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ؟ (قُلْتُ): مِن قِبَلِ أنَّ النّاسَ يُخْرِجُونَ أمْوالَهم في عُقُودِ المُعاوَضاتِ، فَيُعْطُونَ بَدَلًا لِيَأْخُذُوا مِثْلَهُ، وفي المُكارَماتِ ومُهاداةِ الأصْدِقاءِ لِيَسْتَخْرِجُوا بِهَداياهم أمْثالَها وخَيْرًا مِنها، وأمّا الإنْفاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ خالِصًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] فَلا يَفْعَلُهُ إلّا المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ، فَبَعَثُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوا بَدَلَهُ في يَوْمٍ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ، أيْ: لا انْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا مُخالَّةٍ، ولا بِما يُنْفِقُونَ فِيهِ أمْوالَهم مِنَ المُعاوَضاتِ والمُكارَماتِ، وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ انْتَهى. ولَمّا أطالَ تَعالى الكَلامَ في وصْفِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وكانَ حُصُولُ السَّعادَةِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، والشَّقاوَةِ بِالجَهْلِ، بِذَلِكَ خَتَمَ وصْفَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وذَكَرَ عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، فَذَكَرَ أوَّلًا إبْداعَهُ، وإنْشاءَ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أعْقَبَ بِباقِي الدَّلائِلِ، وأبْرَزَها في جُمَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِيَدُلَّ ويُنَبِّهَ عَلى أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ في الدَّلالَةِ، ولَمْ يَجْعَلْ مُتَعَلِّقاتِها مَعْطُوفاتِ عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، و(الَّذِي) خَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن أخْبَرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ؛ انْتَهى. يُشِيرُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: إنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، جَوابٌ لِقَوْلِهِ: قُلْ لِعِبادِي اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. والظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ (أخْرَجَ) هو رِزْقًا لَكم، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. ولَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَكُونُ المَعْنى: إنَّ الرِّزْقَ هو بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَخْرُجُ مِنها ما لَيْسَ بِرِزْقٍ، كالمُجَرِّدِ لِلْمَضَرّاتِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ قالَ: فَأخْرَجَ بِهِ رِزْقًا لَكم، هو الثَّمَراتُ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ (مِن) الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ إنَّما تَأْتِي بَعْد المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مَفْعُولَ أخْرَجَ، و(رِزْقًا) حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أوْ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ مِن أخْرَجَ، لِأنَّهُ في مَعْنى رِزْقٍ. وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ ما قَبْلَها واجِبٌ، وبَعْدَها مَعْرِفَةٌ، ويَجُوزُ عِنْدَ الأخْفَشِ. والفُلْكُ هُنا جَمْعُ فُلْكٍ، ولِذَلِكَ قالَ: (p-٤٢٨)لِتَجْرِيَ. ومَعْنى بِأمْرِهِ: راجِعٌ إلى الأمْرِ القائِمِ بِالذّاتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقَوْلِهِ: كُنْ، وانْطَوى في تَسْخِيرِ الفُلْكِ تَسْخِيرُ البِحارِ، وتَسْخِيرُ الرِّياحِ. وأمّا تَسْخِيرُ الأنْهارِ: فَبِجَرَيانِها وبِتَفْجِيرِها لِلِانْتِفاعِ بِها. وانْتَصَبَ ﴿دائِبَيْنِ﴾ عَلى الحالِ، والمَعْنى: يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِهِما ما يُصْلِحانِ مِنَ الأرْضِ والأبْدانِ والنَّباتِ، عَنْمُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ: يَرْفَعُهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ دائِبَيْنِ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ، إنْ كانَ يُرادُ بِهِ أنَّ الطّاعَةَ انْقِيادٌ مِنهُما في التَّسْخِيرِ، فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ: سَخَّرَ، وإنْ كانَ يُرادُ أنَّها طاعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَطاعَةِ العِبادَةِ مِنَ البَشَرِ فَهَذا جَيِّدٌ، واللَّهُ أعْلَمُ؛ انْتَهى. وتَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ كَوْنُهُما يَتَعاقَبانِ خَلْفَهُ لِلْمَنامِ والمَعاشِ. وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: تَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، مَجازٌ، لِأنَّهُما عَرَضانِ، والأعْراضُ لا تُسَخَّرُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، ذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْها فَقالَ: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، والخِطابُ لِلْجِنْسِ مِنَ البَشَرِ؛ أيْ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ ويَنْتَفِعَ بِهِ، ولا يَطَّرِدُ هَذا في كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، وإنَّما تَفَرَّقَتْ هَذِهِ النِّعَمُ في البَشَرِ؛ فَيُقالُ: بِحَسَبِ هَذا الجَمِيعِ أُوتِيتُمْ كَذا عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لِلنِّعْمَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ، وقَتادَةُ، وسَلامٌ، ويَعْقُوبُ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: مِن كُلٍّ؛ بِالتَّنْوِينِ؛ أيْ: مِن كُلِّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُوراتِ. و (ما) مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ؛ أيْ: ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ بِمَعْنى يَطْلُبُ الِانْتِفاعَ بِهِ. وقِيلَ: (ما) نافِيَةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو (مِن كُلٍّ) كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]؛ أيْ: غَيْرَ سائِلِيهِ. أخْبَرَ بِسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِما لَمْ يَسْألُوهُ مِنَ النِّعَمِ، ولَمْ يَعْرِضْ لِما سَألُوهُ. والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وهَذا القَوْلُ بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وثَنّى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: إنَّهُ تَفْسِيرُ الضَّحّاكِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُظْهِرُ أنَّهُ مُنافٍ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ بِالإضافَةِ، لِأنَّ في تِلْكَ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ تَكُونُ (ما) نافِيَةً، فَيَكُونُونَ لَمْ يَسْألُوهُ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُونَ قَدْ سَألُوهُ، و(ما) بِمَعْنى الَّذِي. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِظُهُورِ التَّنافِي بَيْنَ هَذِهِ القِراءَةِ وبَيْنَ تِلْكَ، عَلى تَقْدِيرٍ أنَّ (ما) نافِيَةٌ؛ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً عَلى ﴿وآتاكم مِن كُلِّ﴾ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ، ولَمْ تَصْلُحْ أحْوالُكم ومَعائِشُكم إلّا بِهِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ، أوْ طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ. فَتَأوَّلَ سَألْتُمُوهُ بِقَوْلِهِ: ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ. والضَّمِيرُ في ﴿سَألْتُمُوهُ﴾ إنْ كانَتْ (ما) مَصْدَرِيَّةً عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ المَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَسْئُولُ. وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي عادَ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ إيّاهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اللَّهِ. والرّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، لِأنَّكَ إنْ قَدَّرْتَهُ مُتَّصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُوهُ، فَلا يَجُوزُ. أوْ مُنْفَصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُ إيّاهُ، فالمُنْفَصِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ. والنِّعْمَةُ هُنا؛ قالَ الواحِدِيُّ: اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، يُقالُ: أنْعَمَ إنْعامًا ونِعْمَةً، أُقِيمَ الِاسْمُ مَقامَ الإنْعامِ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ إنْفاقًا ونَفَقَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ؛ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النِّعْمَةَ هو المُنْعَمُ بِهِ، وأنَّهُ هو اسْمُ جِنْسٍ لا يُرادُ بِهِ الواحِدُ بَلْ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ؛ ومَعْنى ﴿لا تُحْصُوها﴾: لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّها، هَذا إذا أرادُوا أنْ يَعُدُّوها عَلى الإجْمالِ. وأمّا التَّفْصِيلُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: مَن لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ، وحَضَرَ عَذابُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا: الجِنْسُ؛ أيْ: تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الخِلالُ وهي: الظُّلْمُ، والكُفْرُ، يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، ويَكْفُرُها بِجَحْدِها. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ فَيَشْكُو ويَجْزَعُ، كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ. وفي النَّحْلِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]؛ والفَرْقَ بَيْنَ الخَتْمَيْنِ: أنَّهُ هُنا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] وبَعْدَهُ، ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠]، فَكانَ ذَلِكَ (p-٤٢٩)نَصًّا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ والظُّلْمِ الَّذِي هو الشِّرْكُ، بِجَعْلِ الأنْدادِ ناسَبَ أنْ يَخْتِمَ بِذَمِّ مَن وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ، فَجاءَ أنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ. وأمّا في النَّحْلِ: فَلَمّا ذَكَرَ عِدَّةَ تَفَضُّلاتٍ، وأطْنَبَ فِيها، وقالَ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]؛ أيْ: مَن أوْجَدَ هَذِهِ النِّعَمَ السّابِقَ ذِكْرُها لَيْسَ كَمَن لا يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ ولا عَلى شَيْءٍ مِنهُ، ذَكَرَ مِن تَفَضُّلاتِهِ اتِّصافَهُ بِالعَذابِ والرَّحْمَةِ تَحْرِيضًا عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هو مُتَّصِفٌ بِهِما، كَما هو مُتَّصِفٌ بِالخَلْقِ، فَفي ذَلِكَ إطْماعٌ لِمَن آمَنَ بِهِ. وانْتَقَلَ مِن عِبادَةِ المَخْلُوقِ إلى عِبادَةِ الخالِقِ أنَّهُ يَغْفِرُ زَلَلَهُ السّابِقَ ويَرْحَمُهُ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو المُتَفَضِّلُ بِالنِّعَمِ عَلى الإنْسانِ، ذَكَرَ ما حَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ، ومِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ عَطائِهِ وهو الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ، إذْ لَوْلاهُما لَما أنْعَمَ عَلَيْهِ. وحَصَلَ مِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ الإنْعامِ عَلَيْهِ، وهو الظُّلْمُ والكُفْرانُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ صَدَرَ مِنَ الإنْسانِ ظُلْمٌ فاللَّهُ غَفُورٌ، أوْ كُفْرانُ نِعْمَةٍ فاللَّهُ رَحِيمٌ، لِعِلْمِهِ بِعَجْزِ الإنْسانِ وقُصُورِهِ. ودَعْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النَّحْلِ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها، ونَقَلَ ذَلِكَ السَّخاوِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

إبراهيم 14:36

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ الكُفّارِ وكُفْرَهم نِعْمَتَهُ، وجَعَلَهم لَهُ أنْدادًا، وتَهَدُّدَهم أمْرَ المُؤْمِنِينَ بِلُزُومِ الطّاعَةِ والتَّيَقُّظِ لِأنْفُسِهِمْ، وإلْزامِ عَمُودَيِ الإسْلامِ: الصَّلاةِ والزَّكاةِ، قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ. ومَعْمُولُ قُلْ، مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أقِيمُوا الصَّلاةَ يُقِيمُوا. ويُقِيمُوا: مَجْزُومٌ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وهَذا قَوْلُ: الأخْفَشِ، والمازِنِيِّ. ورَدَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ القَوْلِ إنْ (p-٤٢٦)يُقِيمُوا، ورَدَ هَذا الرَّدُّ بِأنَّهُ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالإقامَةِ لا الكافِرِينَ، والمُؤْمِنُونَ مَتى أمَرَهُمُ الرَّسُولُ بِشَيْءٍ فَعَلُوُهُ لا مَحالَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿يُقِيمُوا﴾ جَوابَ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: (قُلْ) وذَلِكَ أنْ تَجْعَلَ (قُلْ) في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ؛ انْتَهى. وهَذا قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ، إلّا أنَّ في ما قَبْلَهُ مَعْمُولَ القَوْلِ: أقِيمُوا، وفي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلى تَقْدِيرِ بَلِّغِ الشَّرِيعَةَ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ: يُقِيمُوا، وهو أمْرٌ مَجْزُومٌ بِلامِ الأمْرِ مَحْذُوفَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مُحَمَّـدُ تَفْـدِ نَفْسَـكَ كُـلُّ نَفْـسِ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا القَوْلِ: وإنَّما جازَ حَذْفُ اللّامِ لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي هو قُلْ، عِوَضٌ مِنهُ. ولَوْ قِيلَ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا، ابْتِداءٌ بِحَذْفِ اللّامِ، لَمْ يَجُزْ؛ انْتَهى. وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: قُلْ لَهم أقِيمُوا يُقِيمُوا، فَيُقِيمُوا المُصَرَّحُ بِهِ جَوابُ أقِيمُوا المَحْذُوفِ؛ قِيلَ: وهو فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ يُخالِفُ الشَّرْطَ إمّا في الفِعْلِ، أوْ في الفاعِلِ، أوْ فِيهِما. فَأمّا إذا كانَ مِثْلُهُ فِيهِما فَهو خَطَأٌ، كَقَوْلِكَ: قُمْ يَقُمْ، والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ: أنْ يُقِيمُوا يُقِيمُوا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الأمْرَ المُقَدَّرَ لِلْمُواجَهَةِ و﴿يُقِيمُوا﴾ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وهو خَطَأٌ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْ تَقُلْ لَهم: أقِيمُوا يُقِيمُوا، قالَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ الأمْرِ مَعَهُ شَرْطٌ مُقَدَّرٌ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ. ومُخالَفَةُ هَذا القَوْلِ لِلْقَوْلِ قَبْلَهُ أنَّ الشَّرْطَ في هَذا مُقَدَّرٌ بَعْدَ فِعْلِ الأمْرِ، وفي الَّذِي قَبْلَهُ الأمْرُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ. وقِيلَ: هو مُضارِعٌ بِلَفْظِ الخَبَرِ صُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ، والمَعْنى: أقِيمُوا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وفِرْقَةٌ، ورَدَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مُضارِعًا بِلَفْظِ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، لَبَقِيَ عَلى إعْرابِهِ بِالنُّونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] ثُمَّ قالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ [الصف: ١١] والمَعْنى: آمِنُوا. واعْتَلَّ أبُو عَلِيٍّ لِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ بِمَعْنى الأمْرِ بُنِيَ؛ يَعْنِي: عَلى حَذْفِ النُّونِ، لِأنَّ المُرادَ أقِيمُوا، وهَذا كَما بُنِيَ الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في (p-٤٢٧)النِّداءِ في قَوْلِكَ: يا زَيْدُ، يَعْنِي عَلى الضَّمَّةِ لَمّا شُبِّهَ بِقَبْلُ وبَعْدُ؛ انْتَهى. ومُتَعَلِّقُ القَوْلِ المَلْفُوظِ بِهِ أوِ المُقَدَّرِ في هَذِهِ التَّخارِيجِ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ، إلّا في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ فَمُتَعَلِّقُهُ الشَّرِيعَةُ فَهو أعَمُّ، إذْ قُدِّرَ قُلْ بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِن كَوْنِ مَعْمُولِ القَوْلِ هو قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ الآيَةَ، تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، يُخالِفُهُ تَرْتِيبُ التَّرْكِيبِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، كَلامًا مُفْلِتًا مِنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، أوْ يَكُونُ جَوابًا فُصِلَ بِهِ بَيْنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، ولا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، لا يَسْتَدْعِي إقامَةَ الصَّلاةِ والإنْفاقَ إلّا بِتَقْدِيرٍ بَعِيدٍ جِدًّا. واحْتَمَلَ الصَّلاةَ أنْ يُرادَ بِها العُمُومُ؛ أيْ: كُلُّ صَلاةٍ فَرْضٍ وتَطَوُّعٍ، وأنْ يُرادَ بِها الخَمْسُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ. وفَسَّرَ الإنْفاقَ بِزَكاةِ الأمْوالِ. وتَقَدَّمَ إعْرابُ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وشَرَحَها في أواخِرِ البَقَرَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَيْعُ هُنا: البَذْلُ، والخِلالُ: المُخالَّةُ، وهو مَصْدَرٌ مِن خالَلْتُ خِلالًا ومُخالَّةً، وهي المُصاحَبَةُ؛ انْتَهى. ويَعْنِي بِالبَذْلِ: مُقابِلَ شَيْءٍ. وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎صَرَفْتُ الهَوى عَنْهُنَّ مِن خَشْيَةِ ∗∗∗ الرَّدى ولَسْتُ بِمُقْلِي الخِلالِ ولا قالِ وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خَلَّةٍ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ بِالفَتْحِ أوْ بِالرَّفْعِ، في البَقَرَةِ، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ طابَقَ الأمْرُ بِالإنْفاقِ وصْفَ اليَوْمِ بِأنَّهُ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ؟ (قُلْتُ): مِن قِبَلِ أنَّ النّاسَ يُخْرِجُونَ أمْوالَهم في عُقُودِ المُعاوَضاتِ، فَيُعْطُونَ بَدَلًا لِيَأْخُذُوا مِثْلَهُ، وفي المُكارَماتِ ومُهاداةِ الأصْدِقاءِ لِيَسْتَخْرِجُوا بِهَداياهم أمْثالَها وخَيْرًا مِنها، وأمّا الإنْفاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ خالِصًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] فَلا يَفْعَلُهُ إلّا المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ، فَبَعَثُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوا بَدَلَهُ في يَوْمٍ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ، أيْ: لا انْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا مُخالَّةٍ، ولا بِما يُنْفِقُونَ فِيهِ أمْوالَهم مِنَ المُعاوَضاتِ والمُكارَماتِ، وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ انْتَهى. ولَمّا أطالَ تَعالى الكَلامَ في وصْفِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وكانَ حُصُولُ السَّعادَةِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، والشَّقاوَةِ بِالجَهْلِ، بِذَلِكَ خَتَمَ وصْفَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وذَكَرَ عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، فَذَكَرَ أوَّلًا إبْداعَهُ، وإنْشاءَ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أعْقَبَ بِباقِي الدَّلائِلِ، وأبْرَزَها في جُمَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِيَدُلَّ ويُنَبِّهَ عَلى أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ في الدَّلالَةِ، ولَمْ يَجْعَلْ مُتَعَلِّقاتِها مَعْطُوفاتِ عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، و(الَّذِي) خَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن أخْبَرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ؛ انْتَهى. يُشِيرُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: إنَّ مَعْمُولَ (قُلْ) هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةَ. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ، جَوابٌ لِقَوْلِهِ: قُلْ لِعِبادِي اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. والظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ (أخْرَجَ) هو رِزْقًا لَكم، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. ولَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَكُونُ المَعْنى: إنَّ الرِّزْقَ هو بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَخْرُجُ مِنها ما لَيْسَ بِرِزْقٍ، كالمُجَرِّدِ لِلْمَضَرّاتِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ، وكَأنَّهُ قالَ: فَأخْرَجَ بِهِ رِزْقًا لَكم، هو الثَّمَراتُ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ (مِن) الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ إنَّما تَأْتِي بَعْد المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مَفْعُولَ أخْرَجَ، و(رِزْقًا) حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أوْ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ مِن أخْرَجَ، لِأنَّهُ في مَعْنى رِزْقٍ. وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ ما قَبْلَها واجِبٌ، وبَعْدَها مَعْرِفَةٌ، ويَجُوزُ عِنْدَ الأخْفَشِ. والفُلْكُ هُنا جَمْعُ فُلْكٍ، ولِذَلِكَ قالَ: (p-٤٢٨)لِتَجْرِيَ. ومَعْنى بِأمْرِهِ: راجِعٌ إلى الأمْرِ القائِمِ بِالذّاتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقَوْلِهِ: كُنْ، وانْطَوى في تَسْخِيرِ الفُلْكِ تَسْخِيرُ البِحارِ، وتَسْخِيرُ الرِّياحِ. وأمّا تَسْخِيرُ الأنْهارِ: فَبِجَرَيانِها وبِتَفْجِيرِها لِلِانْتِفاعِ بِها. وانْتَصَبَ ﴿دائِبَيْنِ﴾ عَلى الحالِ، والمَعْنى: يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِهِما ما يُصْلِحانِ مِنَ الأرْضِ والأبْدانِ والنَّباتِ، عَنْمُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ: يَرْفَعُهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ دائِبَيْنِ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ، إنْ كانَ يُرادُ بِهِ أنَّ الطّاعَةَ انْقِيادٌ مِنهُما في التَّسْخِيرِ، فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ: سَخَّرَ، وإنْ كانَ يُرادُ أنَّها طاعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَطاعَةِ العِبادَةِ مِنَ البَشَرِ فَهَذا جَيِّدٌ، واللَّهُ أعْلَمُ؛ انْتَهى. وتَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ كَوْنُهُما يَتَعاقَبانِ خَلْفَهُ لِلْمَنامِ والمَعاشِ. وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: تَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، مَجازٌ، لِأنَّهُما عَرَضانِ، والأعْراضُ لا تُسَخَّرُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، ذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْها فَقالَ: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، والخِطابُ لِلْجِنْسِ مِنَ البَشَرِ؛ أيْ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ ويَنْتَفِعَ بِهِ، ولا يَطَّرِدُ هَذا في كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، وإنَّما تَفَرَّقَتْ هَذِهِ النِّعَمُ في البَشَرِ؛ فَيُقالُ: بِحَسَبِ هَذا الجَمِيعِ أُوتِيتُمْ كَذا عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لِلنِّعْمَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والحَسَنُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ، وقَتادَةُ، وسَلامٌ، ويَعْقُوبُ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: مِن كُلٍّ؛ بِالتَّنْوِينِ؛ أيْ: مِن كُلِّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُوراتِ. و (ما) مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ؛ أيْ: ما شَأْنُهُ أنْ يَسْألَ بِمَعْنى يَطْلُبُ الِانْتِفاعَ بِهِ. وقِيلَ: (ما) نافِيَةٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو (مِن كُلٍّ) كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]؛ أيْ: غَيْرَ سائِلِيهِ. أخْبَرَ بِسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِما لَمْ يَسْألُوهُ مِنَ النِّعَمِ، ولَمْ يَعْرِضْ لِما سَألُوهُ. والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وهَذا القَوْلُ بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وثَنّى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ وقالَ: إنَّهُ تَفْسِيرُ الضَّحّاكِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُظْهِرُ أنَّهُ مُنافٍ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ بِالإضافَةِ، لِأنَّ في تِلْكَ القِراءَةِ عَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ تَكُونُ (ما) نافِيَةً، فَيَكُونُونَ لَمْ يَسْألُوهُ. وفي هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُونَ قَدْ سَألُوهُ، و(ما) بِمَعْنى الَّذِي. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِظُهُورِ التَّنافِي بَيْنَ هَذِهِ القِراءَةِ وبَيْنَ تِلْكَ، عَلى تَقْدِيرٍ أنَّ (ما) نافِيَةٌ؛ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً عَلى ﴿وآتاكم مِن كُلِّ﴾ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ، ولَمْ تَصْلُحْ أحْوالُكم ومَعائِشُكم إلّا بِهِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ، أوْ طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ. فَتَأوَّلَ سَألْتُمُوهُ بِقَوْلِهِ: ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ. والضَّمِيرُ في ﴿سَألْتُمُوهُ﴾ إنْ كانَتْ (ما) مَصْدَرِيَّةً عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ المَصْدَرُ يُرادُ بِهِ المَسْئُولُ. وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي عادَ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ إيّاهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اللَّهِ. والرّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، لِأنَّكَ إنْ قَدَّرْتَهُ مُتَّصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُوهُ، فَلا يَجُوزُ. أوْ مُنْفَصِلًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما سَألْتُمُوهُ إيّاهُ، فالمُنْفَصِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ. والنِّعْمَةُ هُنا؛ قالَ الواحِدِيُّ: اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، يُقالُ: أنْعَمَ إنْعامًا ونِعْمَةً، أُقِيمَ الِاسْمُ مَقامَ الإنْعامِ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ إنْفاقًا ونَفَقَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ؛ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النِّعْمَةَ هو المُنْعَمُ بِهِ، وأنَّهُ هو اسْمُ جِنْسٍ لا يُرادُ بِهِ الواحِدُ بَلْ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ؛ ومَعْنى ﴿لا تُحْصُوها﴾: لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّها، هَذا إذا أرادُوا أنْ يَعُدُّوها عَلى الإجْمالِ. وأمّا التَّفْصِيلُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: مَن لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ، وحَضَرَ عَذابُهُ. والمُرادُ بِالإنْسانِ هُنا: الجِنْسُ؛ أيْ: تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الخِلالُ وهي: الظُّلْمُ، والكُفْرُ، يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، ويَكْفُرُها بِجَحْدِها. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ فَيَشْكُو ويَجْزَعُ، كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ. وفي النَّحْلِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]؛ والفَرْقَ بَيْنَ الخَتْمَيْنِ: أنَّهُ هُنا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] وبَعْدَهُ، ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠]، فَكانَ ذَلِكَ (p-٤٢٩)نَصًّا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ والظُّلْمِ الَّذِي هو الشِّرْكُ، بِجَعْلِ الأنْدادِ ناسَبَ أنْ يَخْتِمَ بِذَمِّ مَن وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ، فَجاءَ أنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ. وأمّا في النَّحْلِ: فَلَمّا ذَكَرَ عِدَّةَ تَفَضُّلاتٍ، وأطْنَبَ فِيها، وقالَ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]؛ أيْ: مَن أوْجَدَ هَذِهِ النِّعَمَ السّابِقَ ذِكْرُها لَيْسَ كَمَن لا يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ ولا عَلى شَيْءٍ مِنهُ، ذَكَرَ مِن تَفَضُّلاتِهِ اتِّصافَهُ بِالعَذابِ والرَّحْمَةِ تَحْرِيضًا عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هو مُتَّصِفٌ بِهِما، كَما هو مُتَّصِفٌ بِالخَلْقِ، فَفي ذَلِكَ إطْماعٌ لِمَن آمَنَ بِهِ. وانْتَقَلَ مِن عِبادَةِ المَخْلُوقِ إلى عِبادَةِ الخالِقِ أنَّهُ يَغْفِرُ زَلَلَهُ السّابِقَ ويَرْحَمُهُ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو المُتَفَضِّلُ بِالنِّعَمِ عَلى الإنْسانِ، ذَكَرَ ما حَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ، ومِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ عَطائِهِ وهو الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ، إذْ لَوْلاهُما لَما أنْعَمَ عَلَيْهِ. وحَصَلَ مِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ ما يُناسِبُهُ حالَةَ الإنْعامِ عَلَيْهِ، وهو الظُّلْمُ والكُفْرانُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ صَدَرَ مِنَ الإنْسانِ ظُلْمٌ فاللَّهُ غَفُورٌ، أوْ كُفْرانُ نِعْمَةٍ فاللَّهُ رَحِيمٌ، لِعِلْمِهِ بِعَجْزِ الإنْسانِ وقُصُورِهِ. ودَعْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ النَّحْلِ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها، ونَقَلَ ذَلِكَ السَّخاوِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

إبراهيم 14:37

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩] ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [إبراهيم: ٥١] ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] . جَنَبَ مُخَفَّفًا وأجْنَبَ رُباعِيًّا، لُغَةُ نَجْدٍ؛ وجَنَّبَ مُشَدَّدًا لُغَةُ الحِجازِ، والمَعْنى مَنَعَ، وأصَّلَهُ الجانِبُ. الهَوى: الهُبُوطُ بِسُرْعَةٍ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا رُمِيَتْ بِهِ الفِجاجُ رَأيْتَهُ تَهْوِي مَخارِمُها هَوى الأجْدَلِ شَخَصَ البَصَرُ أحَدَ النَّظَرِ، ولَمْ يَسْتَقِرَّ في مَكانِهِ. المُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مَشْيِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِمُهْطِعٍ سَرَحَ كَأنَّ عِنانَهُ في ∗∗∗ رَأْسِ جِذْعٍ مَن أراكٍ مُشَذَّبِ وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ: ؎إذا دَعانا فَأُهْطِعْنا لِدَعْوَتِهِ ∗∗∗ داعٍ سُمَيْعٍ فَلَبَوْنا وساقُونا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الإهْطاعُ: الإسْراعُ وإدامَةُ النَّظَرِ. المُقْنِعُ: هو الرّافِعُ رَأْسَ المُقْبِلِ بِبَصَرِهِ عَلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والقُتَبِيُّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُباكِرُنَّ العُصاةَ بِمُقْنِعاتٍ ∗∗∗ نَواجِذُهُنَّ كالحَدَأِ الوَقِيعِ (p-٤٣٠)يَصِفُ الإبِلَ بِالإقْناعِ عِنْدَ رَعْيِها أعالِيَ الشَّجَرِ، ويُقالُ: أقْنَعَ رَأْسَهُ نَكَّسَهُ وطَأْطَأهُ، فَهو مِنَ الأضْدادِ. قالَ المُبَرِّدُ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى رَفَعَ أعْرَفَ في اللُّغَة؛ انْتَهى. وقِيلَ: مِنهُ قَنِعَ الرَّجُلُ إذا رَضِيَ، كَأنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السُّؤالِ. وفَمٌ مُقْنِعٌ مَعْطُوفَةٌ أسْنانُهُ إلَيْهِ داخِلًا، ورَجُلٌ مُقَنِّعٌ، بِالتَّشْدِيدِ، عَلَيْهِ بَيْضَةُ الرَّأْسِ؛ مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أرْؤُسٍ. الطَّرْفُ: العَيْنُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ويُقالُ: طَرَفَ الرَّجُلُ: طَبَّقَ جَفْنَهُ عَلى الآخَرِ، وسُمِّيَ الجَفْنُ طَرَفًا لِأنَّهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ الهَواءُ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلُهُ الأجْرامُ الكَثِيفَةُ، واسْتُعِيرَ لِلْجَبانِ، فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ الرَّجُلَ مِنها فَوْقَ صَعْلٍ ∗∗∗ مِنَ الظُّلُماتِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ المُقَرَّنُ: المَشْدُودُ في القَرْنِ، وهو الحَبْلُ. الصَّفَدُ: الغُلُّ، والقَيْدُ، يُقالُ: صَفَدَهُ صَفْدًا قَيَّدَهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، وفي التَّكْثِيرِ صَفَّدَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وأبْقَـى بِــالمُلُــوكِ مُصْفِــدِينَــا وأصْفَدْتُهُ: أعْطَيْتُهُ. وقِيلَ: صَفَّدَ وأصْفَدَ مَعًا في القَيْدِ والإعْطاءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فلـم أعْرِضْ، أبَيْتُ اللَّعْـنَ، بِالصَّفَـدِ أيْ: بِالعَطاءِ. وسُمِّيَ العَطاءُ صَفَدًا لِأنَّهُ يُقَيَّدُ ويُعْبَدُ. السِّرْبالُ: القَمِيصُ، يُقالُ: سَرْبَلْتُهُ فَتَسَرْبَلَ. القَطِرانُ: ما يُحْلَبُ مِن شَجَرِ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ، وتَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى، فَيُحْرَقُ الجَرَبُ بِحَرِّهِ وحِدَّتِهِ، وهو أقْبَلُ الأشْياءِ اشْتِعالًا، ويُقالُ فِيهِ قَطْرانٌ بِوَزْنِ سَكْرانَ، وقِطْرانٌ بِوَزْنِ سِرْحانٍ. ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ التَّعْجِيبَ مِنَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وهم قُرَيْشٌ ومَن تابَعَهم مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، وكانَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إسْكانُهُ إيّاهم حَرَمَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أصْلِهِمْ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - دَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ آمِنَةً، ودَعا بِأنْ يُجَنِّبَ بَنِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ، وأنَّهُ أسْكَنَهُ وذُرِّيَّتَهُ في بَيْتِهِ لِيَعْبُدُوهُ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ العِبادَةِ وهي الصَّلاةُ، لِيَنْظُرُوا في دِينِ أبِيهِمْ، وأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ارْتَكَبُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَيَزْدَجِرُوا ويَرْجِعُوا عَنْها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ هُنا هَذا البَلَدُ مُعَرَّفًا، وفي البَقَرَةِ مُنْكَرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا سَألَ في الأوَّلِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي يَأْمَنُ أهْلُها ولا يَخافُونَ، وفي الثّانِي أنْ يَخْرُجَ مِن صِفَةٍ كانَ عَلَيْها مِنَ الخَوْفِ إلى ضِدِّها مِنَ الأمْنِ، كَأنَّهُ قالَ: هو بَلَدٌ مَخُوفٌ، فاجْعَلْهُ آمِنًا؛ انْتَهى. ودَعا إبْراهِيمُ أوَّلًا بِما هو عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو كَوْنُ مَحَلِّ العابِدِ آمِنًا لا يَخافُ فِيهِ، إذْ يَتَمَكَّنُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ دَعا ثانِيًا بِأنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. ومَعْنى واجْنُبْنِي وبَنِيَّ: أدِمْنِي وإيّاهم عَلى اجْتِنابِ عِبادَةِ الأصْنامِ. وأرادَ بِقَوْلِهِ: وبَنِيَّ: أوْلادَهُ، مِن صُلْبِهِ الأقْرِباءِ. وأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ الحَرَمَ آمِنًا، ولَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن بَنِيهِ الأقْرِباءِ لِصُلْبِهِ صَنَمًا. قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وقَدْ سُئِلَ، كَيْفَ عَبَدَتِ العَرَبُ الأصْنامَ ؟ قالَ: ما عَبَدَ أحَدٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ صَنَمًا وكانُوا ثَمانِيَةً، إنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَنْصُبُونَها ويَقُولُونَ: حَجَرٌ، فَحَيْثُ ما نَصَبُوا حَجَرًا فَهو بِمَعْنى البَيْتِ، فَكانُوا يَدُورُونَ بِذَلِكَ الحَجَرِ ويُسَمُّونَهُ الدُّوارَ؛ انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الدُّعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا ؟ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ. وكَرَّرَ النِّداءَ اسْتِعْطافًا لِرَبِّهِ تَعالى، وذَكَرَ سَبَبَ طَلَبِهِ: أنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ عِبادَةَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، إذْ قَدْ شاهَدَ أباهُ (p-٤٣١)وقَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ. ومَعْنى أضْلَلْنا: كُنّا سَبَبًا لِإضْلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، والمَعْنى: أنَّهم ضَلُّوا بِعِبادَتِها، كَما تَقُولُ: فِتْنَتُهُمُ الدُّنْيا، أيِ: افْتَتَنُوا بِها، واغْتَرُّوا بِسَبَبِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ: وأجْنِبْنِي مِن أجْنَبَ، وأنَّثَ الأصْنامَ لِأنَّهُ جَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُخْبِرُ عَنْهُ أخْبارَ المُؤَنَّثِ كَما تَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرَتْ. والإخْبارُ عَنْهُ إخْبارُ جَمْعِ العاقِلِ المُذَكَّرِ بِالواوِ ومَجازٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: فَقَدْ ضَلُّوا كَثِيرًا. فَمَن تَبِعَنِي، أيْ: عَلى دِينِي وما أنا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مِنِّي. جَعَلَهُ لِفَرْطِ الِاخْتِصاصِ بِهِ ومُلابَسَتِهِ كَقَوْلِهِ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» أيْ لَيْسَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ تَنْبِيهًا عَلى تَعْظِيمِ الغِشِّ بِحَيْثُ هو يَسْلُبُ الغاشَّ الإيمانَ، والمَعْنى: أنَّ الغِشَّ لَيْسَ مِن أوْصافِ أهْلِ الإيمانِ. ومَن عَصانِي، هَذا فِيهِ طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، لِأنَّ التَّبَعِيَّةَ طاعَةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . قالَ مُقاتِلٌ: ومَن عَصانِي فَيُحادُّونَ الشِّرْكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَغْفِرُ لِي ما سَلَفَ مِنَ العِصْيانِ إذا بَدا لِي فِيهِ واسْتَحْدَثَ الطّاعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن عَصانِي ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَعْناهُ حِين يُؤْمِنُوا، لِأنَّهُ أرادَ أنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِكُلِّ كافِرٍ، لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُّطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ ﷺ . وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] . ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ رَغْبَةً في الإجابَةِ وإظْهارًا لِلتَّذَلُّلِ، والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى. وأتى بِضَمِيرِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وذَكَرَ بَنِيهِ في قَوْلِهِ: واجْنُبْنِي وبَنِيَّ، ومِن ذُرِّيَّتِي هو إسْماعِيلُ، ومَن وُلِدَ مِنهُ. وذَلِكَ هاجَرُ لَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ غارَتْ مِنها سارَّةُ، فَرُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِّفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا ولِيَ دَعا بِما في ضِمْنِ هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما جَرى لَها ولِإسْماعِيلَ هُناكَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِّيَرِ وغَيْرِهِ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ في الشّامِ، والوادِي ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ ماءٌ، وإنَّما قالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، لِأنَّهُ كانَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ هاجَرَ وابْنَها في ذَلِكَ الوادِي، وأنَّهُ يَرْزُقُها الماءَ، وإنَّما نَظَرَ النَّظَرَ البَعِيدَ، فَقالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، ولَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَقالَ: غَيْرِ ذِي ماءٍ، عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ حالُ الوادِي عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُقالُ إنَّ انْتِفاءَ كَوْنِهِ ذا زَرْعٍ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفاءِ الماءِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ زَرْعٌ إلّا حَيْثُ وُجِدَ الماءُ، فَنَفى ما يَتَسَبَّبُ عَنِ الماءِ وهو الزَّرْعُ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ وهو الماءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِوادٍ هو (p-٤٣٢)وادِي مَكَّةَ، غَيْرِ ذِي زَرْعٍ: لا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ قَطُّ كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يُوجَدُ فِيهِ اعْوِجاجٌ، ما فِيهِ إلّا اسْتِقامَةٌ لا غَيْرَ؛ انْتَهى. واسْتَعْمَلَ (قَطُّ) وهي ظَرْفٌ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ الماضِي مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (لا يَكُونُ)، ولَيْسَ هو ماضِيًا، وهو مَكانُ (أبَدًا) الَّذِي يُسْتَعْمَلُ مَعَ غَيْرِ الماضِي مِنَ المُسْتَقْبَلاتِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾، يَقْتَضِي وُجُودَ البَيْتِ حالَةَ الدُّعاءِ، وسَبَقَهُ قِبَلَهُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَيْتِ، ومَتى وُضِعَ في البَقَرَةِ، وفي آلِ عِمْرانَ. ووُصِفَ بِالمُحَرَّمِ لِكَوْنِهِ حُرِّمَ عَلى الطُّوفانِ، أيْ: مُنِعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ بِعَتِيقٍ لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا مُمَنَّعًا مِنَ الجَبابِرَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ مُحْتَرَمًا لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. و﴿لِيُقِيمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ أسْكَنْتُ. ورَبَّنا دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يَخْلُو هَذا البَيْتُ المُعَظَّمُ مِنَ العِبادَةِ. وقِيلَ: هي لامُ الأمْرِ، دَعا لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وخَصَّ الصَّلاةَ دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِأنَّها أفْضَلُها، أوْ لِأنَّها سَبَبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُقِيمُوا﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ دَلالَةً عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُهُ بِأنَّ هَذا الطِّفْلَ سَيُعَقَّبُ هُنالِكَ، ويَكُونُ لَهُ نَسْلٌ. وأفْئِدَةٌ: جَمْعُ فُؤادٍ، وهي القُلُوبُ، سُمِّيَ القَلْبُ فُؤادًا لِإتْفادِهِ مَأْخُوذٌ مِن فَأدَ، ومِنهُ المُفْتَأدُ، وهو مُسْتَوْقَدُ النّارِ حَيْثُ يُشْوى اللَّحْمُ. وقالَ مُؤَرِّجٌ الأفْئِدَةُ: القَطْعُ مِنَ النّاسِ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ بَحْرٍ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْئِدَةُ النّاسِ، لازْدَحَمَتْ عَلى البَيْتِ فارِسُ والرُّومُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَحَجَّتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى. والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أفْئِدَةٌ مِنَ النّاسِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلِابْتِداءِ، كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفْئِدَةُ ناسٍ، وإنَّما نَكَّرَ المُضافَ إلَيْهِ في هَذا التَّمْثِيلِ لِتَنْكِيرِ أفْئِدَةٍ، لِأنَّها في الآيَةِ نَكِرَةٌ لِتَتَناوَلَ بَعْضَ الأفْئِدَةِ؛ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّها لَيْسَ لَنا فِعْلٌ يُبْتَدَأُ فِيهِ لِغايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها، إذْ لا يَصِحُّ ابْتِداءً جَعْلُ الأفْئِدَةِ مِنَ النّاسِ، وإنَّما الظّاهِرُ في (مِن) التَّبْعِيضُ. وقَرَأ هِشامٌ: أفْئِيدَةً، بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الحُلْوانِيُّ، عَنْهُ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى الإشْباعِ، ولَمّا كانَ الإشْباعُ لا يَكُونُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنَّ هِشامًا قَرَأ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ كالياءِ، فَعَبَّرَ الرّاوِي عَنْها بِالياءِ، فَظَنَّ مَن أخْطَأ فَهْمَهُ أنَّها بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، والمُرادُ بِياءٍ عِوَضًا مِنَ الهَمْزَةِ، قالَ: فَيَكُونُ هَذا التَّحْرِيفُ مِن جِنْسِ التَّحْرِيفِ المَنسُوبِ إلى مَن رَوى عَنْ أبِي عَمْرٍو: بارِئُكم ويَأْمُرُكم، ونَحْوُهُ بِإسْكانِ حَرَكَةِ الإعْرابِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ اخْتِلاسًا. قالَ أبُو عَمْرٍو والدّانِيُّ الحافِظُ: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ هَذا القَوْلِ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأنَّ النَّقَلَةَ عَنْ هِشامٍ وأبِي عُمَرَ، وكانُوا مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالقِراءَةِ ووُجُوهِها، ولَيْسَ يُفْضِي بِهِمُ الجَهْلُ إلى أنْ يُعْتَقَدَ فِيهِمْ مِثْلُ هَذا، وقُرِئَ آفِدَةً: عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْحَذْفِ مَن أفِدَ، أيْ: دَنا وقَرُبَ وعَجِلَ، أيْ: جَماعَةٌ آفِدَةٌ، أوْ جَماعاتٌ آفِدَةٌ، وأنْ يَكُونَ جَمْعُ ذَلِكَ فُؤادٌ، ويَكُونُ مِن بابِ القَلْبِ، وصارَ بِالقَلْبِ أأْفِدَةً، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ ألِفًا كَما قالُوا في آرَآمٍ: أأْرامٍ، فَوَزْنُهُ أعْفِلَةٌ. وقُرِئَ أفِدَّةٌ عَلى وزْنِ فَعِلَّةٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ فُؤادٍ، وذَلِكَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو الفاءُ، وإنْ كانَ تَسْهِيلُها بَيْنَ بَيْنَ هو الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِل مِن أفِدَ، كَما تَقُولُ: فَرِحَ فَهو فَرِحٌ. وقَرَأتْ أُمُّ الهَيْثَمِ: أفْوِدَةٌ، بِالواوِ المَكْسُورَةِ، بَدَلَ الهَمْزَةِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو جَمْعُ وفَدٍ، والقِراءَةُ حَسَنَةٌ: لَكِنِّي لا أعْرِفُ هَذِهِ المَرْأةَ، بَلْ ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ؛ انْتَهى. أبْدَلَ الهَمْزَةَ في فُؤادٍ بَعْدَ الضَّمَّةِ كَما أُبْدِلَتْ في جَوْنٍ، ثُمَّ جَمَعَ فَأقَرَّها في الجَمْعِ إقْرارَها في المُفْرَدِ. وهو جَمْعُ وفَدٍ، كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقَلَبَ إذِ الأصْلُ أوْفَدَهُ. وجَمْعَ فَعْلٍ عَلى أفْعِلَةٍ شاذٌّ نَحْوَ: نَجْدٍ وأنْجِدَةٍ، ووَهْيٍ وأوْهِيَةٍ. وأُمُّ الهَيْثَمِ (p-٤٣٣)امْرَأةٌ نُقِلَ عَنْها شَيْءٌ مِن لُغاتِ العَرَبِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إفادَةٌ عَلى وزْنِ إشارَةٍ. ويَظْهَرُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ، كَما قالُوا: إشاحٌ في وِشاحٍ، فالوَزْن فِعالَةٌ؛ أيْ: فاجْعَلْ ذَوِي وِفادَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ أفادَ إفادَةً، أوْ ذَوِي إفادَةٍ، وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يُفِيدُونَ ويُنْتَفَعُ بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ وتَطِيرُ نَحْوَهم شَوْقًا ونِزاعًا، ولَمّا ضَمَّنَ تَهْوِي مَعْنى تَمِيلُ عَدّاهُ بِإلى، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِاللّامِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الوَلِيدِ بِها ∗∗∗ طارَتْ وفي كَفِّهِ مِن رِيشِها تَبْكِ ومِثالُ ما في الآيَةِ؛ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَكُفّارِها . وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: تُهْوى، بِضَمِّ التّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى المَنقُولَةِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن هَوى اللّازِمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُسْرِعُ بِها إلَيْهِمْ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومُجاهِدٌ: تَهْوى: مُضارِعُ هَوى بِمَعْنى أحَبَّ، ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى النُّزُوعِ والمَيْلِ عُدِّيَ بِإلى. وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ مَعَ سُكّانِهِمْ وادِيًا ما فِيهِ شَيْءٌ مِنها بِأنْ يُجْلَبَ إلَيْهِمْ مِنَ البِلادِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ورُوِيَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطّائِفِيِّ أنَّهُ لَمّا دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَرْزُقَ سُكّانَ مَكَّةَ الثَّمَراتِ، بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاقْتَلَعَ بِجَناحِهِ قِطْعَةٌ مِن فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: مِنَ الأُرْدُنِّ فَجاءَ بِها، وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا، ووَضَعَها قَرِيبَ مَكَّةَ فَهي الطّائِفُ. وبِهَذِهِ القِصَّةِ سُمِّيَتْ وهي مَوْضِعُ ثَقِيفٍ، وبِها أشْجارٌ وثَمَراتٌ. ورُوِيَ نَحْوٌ مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ النِّعْمَةُ في أنْ يُرْزَقُوا أنْواعَ الثَّمَراتِ حاضِرَةً في وادٍ بِبابٍ لَيْسَ فِيهِ نَجْمٌ ولا شَجَرٌ ولا ماءٌ، لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أجابَ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا، ثُمَّ فَضَّلَهُ في وُجُودِ أصْنافِ الثِّمارِ فِيهِ عَلى كُلِّ رِيفٍ، وعَلى أخْصَبِ البِلادِ وأكْثَرِها ثِمارًا، وفي أيِّ بَلَدٍ مِن بِلادِ الشَّرْقِ والغَرْبِ تَرى الأُعْجُوبَةَ الَّتِي يُرِيكُها اللَّهُ. بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ؛ وهي: اجْتِماعُ البَواكِيرِ والفَواكِهِ المُخْتَلِفَةِ الأزْمانِ مِنَ الرَّبِيعِيَّةِ والصَّيْفِيَّةِ والخَرِيفِيَّةِ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن آياتِهِ بِعَجِيبٍ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْم يَقُومُ الحِسابُ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّضَرُّعِ والِالتِجاءِ، ولا يَظْهَرُ تَفاوُتٌ بَيْنَ إضافَةِ رَبٍّ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وبَيْنَ إضافَتِهِ إلى جَمْعِ المُتَكَلِّمِ، وما نُخْفِي وما نُعْلِنُ: عامٌّ فِيما يُخْفُونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ لِما وقَعَ بَيْنَنا مِنَ الفُرْقَةِ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِن كَآبَةِ الِافْتِراقِ، وما نُعْلِنُ مِمّا جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حِينَ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ قالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم. قالَتْ: آللَّهُ أمْرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَتْ: لا نَخْشى، تَرَكْتَنا إلى كافٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾، مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لِاكْتِنافِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ بِكَلامِ إبْراهِيمَ. لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى عَمَّمَ (ما يَخْفى) هو ومَن كَنّى عَنْهُ، تَمَّمَ جَمِيعَ الأشْياءِ، وأنَّها غَيْرُ خافِيَةٍ عَنْهُ تَعالى. وقِيلَ: ﴿وما يَخْفى﴾ الآيَةُ مِن كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] والظّاهِرُ أنَّ (p-٤٣٤)هَذِهِ الجُمَلَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ تَقَعْ مِنهُ في زَمانٍ واحِدٍ، وإنَّما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ما وقَعَ في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ إسْحاقَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حالَةَ دُعائِهِ، إذْ تَرَكَ هاجَرَ والطُّفَيْلَ بِمَكَّةَ. فالظّاهِرُ أنَّ حَمْدَهُ اللَّهَ تَعالى عَلى هِبَةِ ولَدَيْهِ لَهُ كانَ بَعْدَ وُجُودِ إسْحاقَ، وعَلى الكِبَرِ: يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الكِبَرِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْيِينِ المُدَّةِ الَّتِي وُهِبَ لَهُ فِيها ولَداهُ. ورُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وقِيلَ: إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ، وإسْحاقُ لِتِسْعِينَ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وإنَّما ذَكَرَ حالَ الكِبَرِ لِأنَّ المِنَّةَ فِيها بِهِبَةِ الوَلَدِ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ الكِبَرَ مَظِنَّةُ اليَأْسِ مِنَ الوَلَدِ، فَإنَّ مَجِيءَ الشَّيْءِ بَعْدَ الإياسِ أحْلى في النَّفْسِ وأبْهَجُ لَها. وعَلى الكِبَرِ: في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ قالَ: وأنا كَبِيرٌ، و(عَلى) عَلى بابِها مِنَ الِاسْتِعْلاءِ لَكِنَّهُ مَجازٌ، إذِ الكِبَرُ مَعْنى لا جَرَمَ يَتَكَوَّنُ، وكَأنَّهُ لَمّا أسَنَّ وكَبِرَ صارَ مُسْتَعْلِيًا عَلى الكِبَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (عَلى) في قَوْلِهِ ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي ∗∗∗ أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وكَنّى بِسَمِيعِ الدُّعاءِ عَنِ الإجابَةِ والتَّقَبُّلِ، وكانَ قَدْ دَعا اللَّهَ أنْ يَهَبَهُ ولَدًا، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فَحَمِدَ اللَّهَ عَلى ما وهَبَهُ مِنَ الوَلَدِ وأكْرَمَهُ بِهِ مِن إجابَةِ دُعائِهِ. والظّاهِرُ إضافَةُ سَمِيعٍ إلى المَفْعُولِ، وهو مِن إضافَةِ المِثالِ الَّذِي عَلى وزْنِ فَعِيلٍ إلى المَفْعُولِ، فَيَكُونُ إضافَةً مِن نَصْبٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى إعْمالِ فَعِيلٍ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ في المَفْعُولِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وخالَفَ الكُوفِيُّونَ فِيهِ. وفي إعْمالِ باقِي الخَمْسَةِ الأمْثِلَةِ فَعُولٍ، وفَعّالٍ، ومِفْعالٍ، وفَعِلٍ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذا لَيْسَ ذَلِكَ إضافَةً مِن نَصْبٍ فَيَلْزَمُ جَوازُ إعْمالِهِ، بَلْ هي إضافَةٌ كَإضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ، في نَحْوِ: هَذا ضارِبُ زَيْدٍ أمْسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ فَعِيلٍ إلى فاعِلِهِ، ويَجْعَلُ دُعاءَ اللَّهِ سَمِيعًا عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، والمُرادُ: سَماعُ اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو بَعِيدٌ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والصِّفَةُ مُتَعَدِّيَةٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عِنْدأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ حَيْثُ لا يَكُونُ لَبْسٌ. وأمّا هُنا فاللَّبْسُ حاصِلٌ، إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن إضافَةِ المِثالِ لِلْمَفْعُولِ، لا مِن إضافَتِهِ إلى الفاعِلِ. وإنَّما أجازَ ذَلِكَ الفارِسِيُّ في مِثْلِ: زَيْدٌ ظالِمُ العَبِيدِ إذا عُلِمَ أنَّ لَهُ عَبِيدًا ظالِمِينَ. ودُعاؤُهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ وهو مُقِيمُها، إنَّما يُرِيدُ بِذَلِكَ الدَّيْمُومَةَ. ومِن ذُرِّيَّتِي: (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ أُعْلِمَ أنَّ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ كافِرًا، أوْ مَن يُهْمِلُ إقامَتَها وإنْ كانَ مُؤْمِنًا. وقَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ: دُعاءُ رَبِّنا، بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَقْفِ. ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: إثْباتُها في الوَصْلِ. والظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ المَغْفِرَة لِأبَوَيْهِ القَرِيبَيْنِ، وكانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، وكانَ والِدُهُ لَمْ يَيْأسْ مِن إيمانِهِ ولَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ عَداوَةُ اللَّهِ، وهَذا يَتَمَشّى إذا قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الأدْعِيَةَ كانَتْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَمَعَ هُنا أشْياء مِمّا كانَ دَعا بِها. وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ، ونُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ. والأظْهَرُ: القَوْلُ الأوَّلُ. وقَدْ جاءَ نَصًّا دُعاؤُهُ لِأبِيهِ بِالمَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ لَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ (قُلْتُ): هو مِن تَجْوِيزاتِ العَقْلِ، لا يُعْلَمُ امْتِناعُ جَوازِهِ إلّا بِالتَّوْقِيفِ؛ انْتَهى. وهو في ذَلِكَ مُوافِقٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ، مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدٌ، وزَيْدٌ: (رَبَّنا) عَلى الخَبَرِ. وابْنُ يَعْمَرَ والزُّهْرِيُّ والنَّخَعِيُّ: (ولِوَلَدَيَّ) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللّامِ، يَعْنِي: إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (ولِأبَوِيَّ)، وعَنْ يَحْيَـى بْنِ يَعْمَرَ: (ولِوُلْدَيَّ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ (p-٤٣٥)يَكُونَ جَمْعَ ولَدٍ كَأسُدٍ في أسَدٍ، ويَكُونُ قَدْ دَعا ذُرِّيَّتَهُ، وأنْ يَكُونَ لُغَةً في الوَلَدِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ ولَدَ حِمارٍ كَما قالُوا: العَدَمُ والعُدْمُ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ولِوالِدِي)، بِإسْكانِ الياءِ عَلى الإفْرادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]، وقِيامُ الحِسابِ مَجازٌ عَنْ وُقُوعِهِ وثُبُوتِهِ، كَما يُقالُ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: أهْلِ الحِسابِ، كَما قالَ:

إبراهيم 14:38

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩] ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [إبراهيم: ٥١] ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] . جَنَبَ مُخَفَّفًا وأجْنَبَ رُباعِيًّا، لُغَةُ نَجْدٍ؛ وجَنَّبَ مُشَدَّدًا لُغَةُ الحِجازِ، والمَعْنى مَنَعَ، وأصَّلَهُ الجانِبُ. الهَوى: الهُبُوطُ بِسُرْعَةٍ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا رُمِيَتْ بِهِ الفِجاجُ رَأيْتَهُ تَهْوِي مَخارِمُها هَوى الأجْدَلِ شَخَصَ البَصَرُ أحَدَ النَّظَرِ، ولَمْ يَسْتَقِرَّ في مَكانِهِ. المُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مَشْيِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِمُهْطِعٍ سَرَحَ كَأنَّ عِنانَهُ في ∗∗∗ رَأْسِ جِذْعٍ مَن أراكٍ مُشَذَّبِ وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ: ؎إذا دَعانا فَأُهْطِعْنا لِدَعْوَتِهِ ∗∗∗ داعٍ سُمَيْعٍ فَلَبَوْنا وساقُونا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الإهْطاعُ: الإسْراعُ وإدامَةُ النَّظَرِ. المُقْنِعُ: هو الرّافِعُ رَأْسَ المُقْبِلِ بِبَصَرِهِ عَلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والقُتَبِيُّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُباكِرُنَّ العُصاةَ بِمُقْنِعاتٍ ∗∗∗ نَواجِذُهُنَّ كالحَدَأِ الوَقِيعِ (p-٤٣٠)يَصِفُ الإبِلَ بِالإقْناعِ عِنْدَ رَعْيِها أعالِيَ الشَّجَرِ، ويُقالُ: أقْنَعَ رَأْسَهُ نَكَّسَهُ وطَأْطَأهُ، فَهو مِنَ الأضْدادِ. قالَ المُبَرِّدُ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى رَفَعَ أعْرَفَ في اللُّغَة؛ انْتَهى. وقِيلَ: مِنهُ قَنِعَ الرَّجُلُ إذا رَضِيَ، كَأنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السُّؤالِ. وفَمٌ مُقْنِعٌ مَعْطُوفَةٌ أسْنانُهُ إلَيْهِ داخِلًا، ورَجُلٌ مُقَنِّعٌ، بِالتَّشْدِيدِ، عَلَيْهِ بَيْضَةُ الرَّأْسِ؛ مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أرْؤُسٍ. الطَّرْفُ: العَيْنُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ويُقالُ: طَرَفَ الرَّجُلُ: طَبَّقَ جَفْنَهُ عَلى الآخَرِ، وسُمِّيَ الجَفْنُ طَرَفًا لِأنَّهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ الهَواءُ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلُهُ الأجْرامُ الكَثِيفَةُ، واسْتُعِيرَ لِلْجَبانِ، فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ الرَّجُلَ مِنها فَوْقَ صَعْلٍ ∗∗∗ مِنَ الظُّلُماتِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ المُقَرَّنُ: المَشْدُودُ في القَرْنِ، وهو الحَبْلُ. الصَّفَدُ: الغُلُّ، والقَيْدُ، يُقالُ: صَفَدَهُ صَفْدًا قَيَّدَهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، وفي التَّكْثِيرِ صَفَّدَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وأبْقَـى بِــالمُلُــوكِ مُصْفِــدِينَــا وأصْفَدْتُهُ: أعْطَيْتُهُ. وقِيلَ: صَفَّدَ وأصْفَدَ مَعًا في القَيْدِ والإعْطاءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فلـم أعْرِضْ، أبَيْتُ اللَّعْـنَ، بِالصَّفَـدِ أيْ: بِالعَطاءِ. وسُمِّيَ العَطاءُ صَفَدًا لِأنَّهُ يُقَيَّدُ ويُعْبَدُ. السِّرْبالُ: القَمِيصُ، يُقالُ: سَرْبَلْتُهُ فَتَسَرْبَلَ. القَطِرانُ: ما يُحْلَبُ مِن شَجَرِ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ، وتَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى، فَيُحْرَقُ الجَرَبُ بِحَرِّهِ وحِدَّتِهِ، وهو أقْبَلُ الأشْياءِ اشْتِعالًا، ويُقالُ فِيهِ قَطْرانٌ بِوَزْنِ سَكْرانَ، وقِطْرانٌ بِوَزْنِ سِرْحانٍ. ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ التَّعْجِيبَ مِنَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وهم قُرَيْشٌ ومَن تابَعَهم مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، وكانَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إسْكانُهُ إيّاهم حَرَمَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أصْلِهِمْ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - دَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ آمِنَةً، ودَعا بِأنْ يُجَنِّبَ بَنِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ، وأنَّهُ أسْكَنَهُ وذُرِّيَّتَهُ في بَيْتِهِ لِيَعْبُدُوهُ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ العِبادَةِ وهي الصَّلاةُ، لِيَنْظُرُوا في دِينِ أبِيهِمْ، وأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ارْتَكَبُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَيَزْدَجِرُوا ويَرْجِعُوا عَنْها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ هُنا هَذا البَلَدُ مُعَرَّفًا، وفي البَقَرَةِ مُنْكَرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا سَألَ في الأوَّلِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي يَأْمَنُ أهْلُها ولا يَخافُونَ، وفي الثّانِي أنْ يَخْرُجَ مِن صِفَةٍ كانَ عَلَيْها مِنَ الخَوْفِ إلى ضِدِّها مِنَ الأمْنِ، كَأنَّهُ قالَ: هو بَلَدٌ مَخُوفٌ، فاجْعَلْهُ آمِنًا؛ انْتَهى. ودَعا إبْراهِيمُ أوَّلًا بِما هو عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو كَوْنُ مَحَلِّ العابِدِ آمِنًا لا يَخافُ فِيهِ، إذْ يَتَمَكَّنُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ دَعا ثانِيًا بِأنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. ومَعْنى واجْنُبْنِي وبَنِيَّ: أدِمْنِي وإيّاهم عَلى اجْتِنابِ عِبادَةِ الأصْنامِ. وأرادَ بِقَوْلِهِ: وبَنِيَّ: أوْلادَهُ، مِن صُلْبِهِ الأقْرِباءِ. وأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ الحَرَمَ آمِنًا، ولَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن بَنِيهِ الأقْرِباءِ لِصُلْبِهِ صَنَمًا. قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وقَدْ سُئِلَ، كَيْفَ عَبَدَتِ العَرَبُ الأصْنامَ ؟ قالَ: ما عَبَدَ أحَدٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ صَنَمًا وكانُوا ثَمانِيَةً، إنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَنْصُبُونَها ويَقُولُونَ: حَجَرٌ، فَحَيْثُ ما نَصَبُوا حَجَرًا فَهو بِمَعْنى البَيْتِ، فَكانُوا يَدُورُونَ بِذَلِكَ الحَجَرِ ويُسَمُّونَهُ الدُّوارَ؛ انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الدُّعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا ؟ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ. وكَرَّرَ النِّداءَ اسْتِعْطافًا لِرَبِّهِ تَعالى، وذَكَرَ سَبَبَ طَلَبِهِ: أنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ عِبادَةَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، إذْ قَدْ شاهَدَ أباهُ (p-٤٣١)وقَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ. ومَعْنى أضْلَلْنا: كُنّا سَبَبًا لِإضْلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، والمَعْنى: أنَّهم ضَلُّوا بِعِبادَتِها، كَما تَقُولُ: فِتْنَتُهُمُ الدُّنْيا، أيِ: افْتَتَنُوا بِها، واغْتَرُّوا بِسَبَبِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ: وأجْنِبْنِي مِن أجْنَبَ، وأنَّثَ الأصْنامَ لِأنَّهُ جَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُخْبِرُ عَنْهُ أخْبارَ المُؤَنَّثِ كَما تَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرَتْ. والإخْبارُ عَنْهُ إخْبارُ جَمْعِ العاقِلِ المُذَكَّرِ بِالواوِ ومَجازٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: فَقَدْ ضَلُّوا كَثِيرًا. فَمَن تَبِعَنِي، أيْ: عَلى دِينِي وما أنا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مِنِّي. جَعَلَهُ لِفَرْطِ الِاخْتِصاصِ بِهِ ومُلابَسَتِهِ كَقَوْلِهِ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» أيْ لَيْسَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ تَنْبِيهًا عَلى تَعْظِيمِ الغِشِّ بِحَيْثُ هو يَسْلُبُ الغاشَّ الإيمانَ، والمَعْنى: أنَّ الغِشَّ لَيْسَ مِن أوْصافِ أهْلِ الإيمانِ. ومَن عَصانِي، هَذا فِيهِ طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، لِأنَّ التَّبَعِيَّةَ طاعَةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . قالَ مُقاتِلٌ: ومَن عَصانِي فَيُحادُّونَ الشِّرْكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَغْفِرُ لِي ما سَلَفَ مِنَ العِصْيانِ إذا بَدا لِي فِيهِ واسْتَحْدَثَ الطّاعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن عَصانِي ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَعْناهُ حِين يُؤْمِنُوا، لِأنَّهُ أرادَ أنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِكُلِّ كافِرٍ، لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُّطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ ﷺ . وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] . ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ رَغْبَةً في الإجابَةِ وإظْهارًا لِلتَّذَلُّلِ، والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى. وأتى بِضَمِيرِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وذَكَرَ بَنِيهِ في قَوْلِهِ: واجْنُبْنِي وبَنِيَّ، ومِن ذُرِّيَّتِي هو إسْماعِيلُ، ومَن وُلِدَ مِنهُ. وذَلِكَ هاجَرُ لَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ غارَتْ مِنها سارَّةُ، فَرُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِّفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا ولِيَ دَعا بِما في ضِمْنِ هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما جَرى لَها ولِإسْماعِيلَ هُناكَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِّيَرِ وغَيْرِهِ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ في الشّامِ، والوادِي ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ ماءٌ، وإنَّما قالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، لِأنَّهُ كانَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ هاجَرَ وابْنَها في ذَلِكَ الوادِي، وأنَّهُ يَرْزُقُها الماءَ، وإنَّما نَظَرَ النَّظَرَ البَعِيدَ، فَقالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، ولَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَقالَ: غَيْرِ ذِي ماءٍ، عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ حالُ الوادِي عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُقالُ إنَّ انْتِفاءَ كَوْنِهِ ذا زَرْعٍ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفاءِ الماءِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ زَرْعٌ إلّا حَيْثُ وُجِدَ الماءُ، فَنَفى ما يَتَسَبَّبُ عَنِ الماءِ وهو الزَّرْعُ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ وهو الماءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِوادٍ هو (p-٤٣٢)وادِي مَكَّةَ، غَيْرِ ذِي زَرْعٍ: لا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ قَطُّ كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يُوجَدُ فِيهِ اعْوِجاجٌ، ما فِيهِ إلّا اسْتِقامَةٌ لا غَيْرَ؛ انْتَهى. واسْتَعْمَلَ (قَطُّ) وهي ظَرْفٌ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ الماضِي مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (لا يَكُونُ)، ولَيْسَ هو ماضِيًا، وهو مَكانُ (أبَدًا) الَّذِي يُسْتَعْمَلُ مَعَ غَيْرِ الماضِي مِنَ المُسْتَقْبَلاتِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾، يَقْتَضِي وُجُودَ البَيْتِ حالَةَ الدُّعاءِ، وسَبَقَهُ قِبَلَهُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَيْتِ، ومَتى وُضِعَ في البَقَرَةِ، وفي آلِ عِمْرانَ. ووُصِفَ بِالمُحَرَّمِ لِكَوْنِهِ حُرِّمَ عَلى الطُّوفانِ، أيْ: مُنِعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ بِعَتِيقٍ لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا مُمَنَّعًا مِنَ الجَبابِرَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ مُحْتَرَمًا لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. و﴿لِيُقِيمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ أسْكَنْتُ. ورَبَّنا دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يَخْلُو هَذا البَيْتُ المُعَظَّمُ مِنَ العِبادَةِ. وقِيلَ: هي لامُ الأمْرِ، دَعا لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وخَصَّ الصَّلاةَ دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِأنَّها أفْضَلُها، أوْ لِأنَّها سَبَبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُقِيمُوا﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ دَلالَةً عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُهُ بِأنَّ هَذا الطِّفْلَ سَيُعَقَّبُ هُنالِكَ، ويَكُونُ لَهُ نَسْلٌ. وأفْئِدَةٌ: جَمْعُ فُؤادٍ، وهي القُلُوبُ، سُمِّيَ القَلْبُ فُؤادًا لِإتْفادِهِ مَأْخُوذٌ مِن فَأدَ، ومِنهُ المُفْتَأدُ، وهو مُسْتَوْقَدُ النّارِ حَيْثُ يُشْوى اللَّحْمُ. وقالَ مُؤَرِّجٌ الأفْئِدَةُ: القَطْعُ مِنَ النّاسِ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ بَحْرٍ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْئِدَةُ النّاسِ، لازْدَحَمَتْ عَلى البَيْتِ فارِسُ والرُّومُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَحَجَّتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى. والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أفْئِدَةٌ مِنَ النّاسِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلِابْتِداءِ، كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفْئِدَةُ ناسٍ، وإنَّما نَكَّرَ المُضافَ إلَيْهِ في هَذا التَّمْثِيلِ لِتَنْكِيرِ أفْئِدَةٍ، لِأنَّها في الآيَةِ نَكِرَةٌ لِتَتَناوَلَ بَعْضَ الأفْئِدَةِ؛ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّها لَيْسَ لَنا فِعْلٌ يُبْتَدَأُ فِيهِ لِغايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها، إذْ لا يَصِحُّ ابْتِداءً جَعْلُ الأفْئِدَةِ مِنَ النّاسِ، وإنَّما الظّاهِرُ في (مِن) التَّبْعِيضُ. وقَرَأ هِشامٌ: أفْئِيدَةً، بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الحُلْوانِيُّ، عَنْهُ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى الإشْباعِ، ولَمّا كانَ الإشْباعُ لا يَكُونُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنَّ هِشامًا قَرَأ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ كالياءِ، فَعَبَّرَ الرّاوِي عَنْها بِالياءِ، فَظَنَّ مَن أخْطَأ فَهْمَهُ أنَّها بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، والمُرادُ بِياءٍ عِوَضًا مِنَ الهَمْزَةِ، قالَ: فَيَكُونُ هَذا التَّحْرِيفُ مِن جِنْسِ التَّحْرِيفِ المَنسُوبِ إلى مَن رَوى عَنْ أبِي عَمْرٍو: بارِئُكم ويَأْمُرُكم، ونَحْوُهُ بِإسْكانِ حَرَكَةِ الإعْرابِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ اخْتِلاسًا. قالَ أبُو عَمْرٍو والدّانِيُّ الحافِظُ: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ هَذا القَوْلِ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأنَّ النَّقَلَةَ عَنْ هِشامٍ وأبِي عُمَرَ، وكانُوا مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالقِراءَةِ ووُجُوهِها، ولَيْسَ يُفْضِي بِهِمُ الجَهْلُ إلى أنْ يُعْتَقَدَ فِيهِمْ مِثْلُ هَذا، وقُرِئَ آفِدَةً: عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْحَذْفِ مَن أفِدَ، أيْ: دَنا وقَرُبَ وعَجِلَ، أيْ: جَماعَةٌ آفِدَةٌ، أوْ جَماعاتٌ آفِدَةٌ، وأنْ يَكُونَ جَمْعُ ذَلِكَ فُؤادٌ، ويَكُونُ مِن بابِ القَلْبِ، وصارَ بِالقَلْبِ أأْفِدَةً، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ ألِفًا كَما قالُوا في آرَآمٍ: أأْرامٍ، فَوَزْنُهُ أعْفِلَةٌ. وقُرِئَ أفِدَّةٌ عَلى وزْنِ فَعِلَّةٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ فُؤادٍ، وذَلِكَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو الفاءُ، وإنْ كانَ تَسْهِيلُها بَيْنَ بَيْنَ هو الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِل مِن أفِدَ، كَما تَقُولُ: فَرِحَ فَهو فَرِحٌ. وقَرَأتْ أُمُّ الهَيْثَمِ: أفْوِدَةٌ، بِالواوِ المَكْسُورَةِ، بَدَلَ الهَمْزَةِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو جَمْعُ وفَدٍ، والقِراءَةُ حَسَنَةٌ: لَكِنِّي لا أعْرِفُ هَذِهِ المَرْأةَ، بَلْ ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ؛ انْتَهى. أبْدَلَ الهَمْزَةَ في فُؤادٍ بَعْدَ الضَّمَّةِ كَما أُبْدِلَتْ في جَوْنٍ، ثُمَّ جَمَعَ فَأقَرَّها في الجَمْعِ إقْرارَها في المُفْرَدِ. وهو جَمْعُ وفَدٍ، كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقَلَبَ إذِ الأصْلُ أوْفَدَهُ. وجَمْعَ فَعْلٍ عَلى أفْعِلَةٍ شاذٌّ نَحْوَ: نَجْدٍ وأنْجِدَةٍ، ووَهْيٍ وأوْهِيَةٍ. وأُمُّ الهَيْثَمِ (p-٤٣٣)امْرَأةٌ نُقِلَ عَنْها شَيْءٌ مِن لُغاتِ العَرَبِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إفادَةٌ عَلى وزْنِ إشارَةٍ. ويَظْهَرُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ، كَما قالُوا: إشاحٌ في وِشاحٍ، فالوَزْن فِعالَةٌ؛ أيْ: فاجْعَلْ ذَوِي وِفادَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ أفادَ إفادَةً، أوْ ذَوِي إفادَةٍ، وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يُفِيدُونَ ويُنْتَفَعُ بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ وتَطِيرُ نَحْوَهم شَوْقًا ونِزاعًا، ولَمّا ضَمَّنَ تَهْوِي مَعْنى تَمِيلُ عَدّاهُ بِإلى، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِاللّامِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الوَلِيدِ بِها ∗∗∗ طارَتْ وفي كَفِّهِ مِن رِيشِها تَبْكِ ومِثالُ ما في الآيَةِ؛ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَكُفّارِها . وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: تُهْوى، بِضَمِّ التّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى المَنقُولَةِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن هَوى اللّازِمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُسْرِعُ بِها إلَيْهِمْ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومُجاهِدٌ: تَهْوى: مُضارِعُ هَوى بِمَعْنى أحَبَّ، ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى النُّزُوعِ والمَيْلِ عُدِّيَ بِإلى. وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ مَعَ سُكّانِهِمْ وادِيًا ما فِيهِ شَيْءٌ مِنها بِأنْ يُجْلَبَ إلَيْهِمْ مِنَ البِلادِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ورُوِيَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطّائِفِيِّ أنَّهُ لَمّا دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَرْزُقَ سُكّانَ مَكَّةَ الثَّمَراتِ، بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاقْتَلَعَ بِجَناحِهِ قِطْعَةٌ مِن فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: مِنَ الأُرْدُنِّ فَجاءَ بِها، وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا، ووَضَعَها قَرِيبَ مَكَّةَ فَهي الطّائِفُ. وبِهَذِهِ القِصَّةِ سُمِّيَتْ وهي مَوْضِعُ ثَقِيفٍ، وبِها أشْجارٌ وثَمَراتٌ. ورُوِيَ نَحْوٌ مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ النِّعْمَةُ في أنْ يُرْزَقُوا أنْواعَ الثَّمَراتِ حاضِرَةً في وادٍ بِبابٍ لَيْسَ فِيهِ نَجْمٌ ولا شَجَرٌ ولا ماءٌ، لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أجابَ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا، ثُمَّ فَضَّلَهُ في وُجُودِ أصْنافِ الثِّمارِ فِيهِ عَلى كُلِّ رِيفٍ، وعَلى أخْصَبِ البِلادِ وأكْثَرِها ثِمارًا، وفي أيِّ بَلَدٍ مِن بِلادِ الشَّرْقِ والغَرْبِ تَرى الأُعْجُوبَةَ الَّتِي يُرِيكُها اللَّهُ. بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ؛ وهي: اجْتِماعُ البَواكِيرِ والفَواكِهِ المُخْتَلِفَةِ الأزْمانِ مِنَ الرَّبِيعِيَّةِ والصَّيْفِيَّةِ والخَرِيفِيَّةِ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن آياتِهِ بِعَجِيبٍ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْم يَقُومُ الحِسابُ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّضَرُّعِ والِالتِجاءِ، ولا يَظْهَرُ تَفاوُتٌ بَيْنَ إضافَةِ رَبٍّ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وبَيْنَ إضافَتِهِ إلى جَمْعِ المُتَكَلِّمِ، وما نُخْفِي وما نُعْلِنُ: عامٌّ فِيما يُخْفُونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ لِما وقَعَ بَيْنَنا مِنَ الفُرْقَةِ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِن كَآبَةِ الِافْتِراقِ، وما نُعْلِنُ مِمّا جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حِينَ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ قالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم. قالَتْ: آللَّهُ أمْرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَتْ: لا نَخْشى، تَرَكْتَنا إلى كافٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾، مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لِاكْتِنافِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ بِكَلامِ إبْراهِيمَ. لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى عَمَّمَ (ما يَخْفى) هو ومَن كَنّى عَنْهُ، تَمَّمَ جَمِيعَ الأشْياءِ، وأنَّها غَيْرُ خافِيَةٍ عَنْهُ تَعالى. وقِيلَ: ﴿وما يَخْفى﴾ الآيَةُ مِن كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] والظّاهِرُ أنَّ (p-٤٣٤)هَذِهِ الجُمَلَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ تَقَعْ مِنهُ في زَمانٍ واحِدٍ، وإنَّما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ما وقَعَ في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ إسْحاقَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حالَةَ دُعائِهِ، إذْ تَرَكَ هاجَرَ والطُّفَيْلَ بِمَكَّةَ. فالظّاهِرُ أنَّ حَمْدَهُ اللَّهَ تَعالى عَلى هِبَةِ ولَدَيْهِ لَهُ كانَ بَعْدَ وُجُودِ إسْحاقَ، وعَلى الكِبَرِ: يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الكِبَرِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْيِينِ المُدَّةِ الَّتِي وُهِبَ لَهُ فِيها ولَداهُ. ورُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وقِيلَ: إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ، وإسْحاقُ لِتِسْعِينَ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وإنَّما ذَكَرَ حالَ الكِبَرِ لِأنَّ المِنَّةَ فِيها بِهِبَةِ الوَلَدِ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ الكِبَرَ مَظِنَّةُ اليَأْسِ مِنَ الوَلَدِ، فَإنَّ مَجِيءَ الشَّيْءِ بَعْدَ الإياسِ أحْلى في النَّفْسِ وأبْهَجُ لَها. وعَلى الكِبَرِ: في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ قالَ: وأنا كَبِيرٌ، و(عَلى) عَلى بابِها مِنَ الِاسْتِعْلاءِ لَكِنَّهُ مَجازٌ، إذِ الكِبَرُ مَعْنى لا جَرَمَ يَتَكَوَّنُ، وكَأنَّهُ لَمّا أسَنَّ وكَبِرَ صارَ مُسْتَعْلِيًا عَلى الكِبَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (عَلى) في قَوْلِهِ ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي ∗∗∗ أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وكَنّى بِسَمِيعِ الدُّعاءِ عَنِ الإجابَةِ والتَّقَبُّلِ، وكانَ قَدْ دَعا اللَّهَ أنْ يَهَبَهُ ولَدًا، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فَحَمِدَ اللَّهَ عَلى ما وهَبَهُ مِنَ الوَلَدِ وأكْرَمَهُ بِهِ مِن إجابَةِ دُعائِهِ. والظّاهِرُ إضافَةُ سَمِيعٍ إلى المَفْعُولِ، وهو مِن إضافَةِ المِثالِ الَّذِي عَلى وزْنِ فَعِيلٍ إلى المَفْعُولِ، فَيَكُونُ إضافَةً مِن نَصْبٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى إعْمالِ فَعِيلٍ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ في المَفْعُولِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وخالَفَ الكُوفِيُّونَ فِيهِ. وفي إعْمالِ باقِي الخَمْسَةِ الأمْثِلَةِ فَعُولٍ، وفَعّالٍ، ومِفْعالٍ، وفَعِلٍ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذا لَيْسَ ذَلِكَ إضافَةً مِن نَصْبٍ فَيَلْزَمُ جَوازُ إعْمالِهِ، بَلْ هي إضافَةٌ كَإضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ، في نَحْوِ: هَذا ضارِبُ زَيْدٍ أمْسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ فَعِيلٍ إلى فاعِلِهِ، ويَجْعَلُ دُعاءَ اللَّهِ سَمِيعًا عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، والمُرادُ: سَماعُ اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو بَعِيدٌ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والصِّفَةُ مُتَعَدِّيَةٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عِنْدأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ حَيْثُ لا يَكُونُ لَبْسٌ. وأمّا هُنا فاللَّبْسُ حاصِلٌ، إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن إضافَةِ المِثالِ لِلْمَفْعُولِ، لا مِن إضافَتِهِ إلى الفاعِلِ. وإنَّما أجازَ ذَلِكَ الفارِسِيُّ في مِثْلِ: زَيْدٌ ظالِمُ العَبِيدِ إذا عُلِمَ أنَّ لَهُ عَبِيدًا ظالِمِينَ. ودُعاؤُهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ وهو مُقِيمُها، إنَّما يُرِيدُ بِذَلِكَ الدَّيْمُومَةَ. ومِن ذُرِّيَّتِي: (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ أُعْلِمَ أنَّ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ كافِرًا، أوْ مَن يُهْمِلُ إقامَتَها وإنْ كانَ مُؤْمِنًا. وقَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ: دُعاءُ رَبِّنا، بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَقْفِ. ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: إثْباتُها في الوَصْلِ. والظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ المَغْفِرَة لِأبَوَيْهِ القَرِيبَيْنِ، وكانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، وكانَ والِدُهُ لَمْ يَيْأسْ مِن إيمانِهِ ولَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ عَداوَةُ اللَّهِ، وهَذا يَتَمَشّى إذا قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الأدْعِيَةَ كانَتْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَمَعَ هُنا أشْياء مِمّا كانَ دَعا بِها. وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ، ونُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ. والأظْهَرُ: القَوْلُ الأوَّلُ. وقَدْ جاءَ نَصًّا دُعاؤُهُ لِأبِيهِ بِالمَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ لَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ (قُلْتُ): هو مِن تَجْوِيزاتِ العَقْلِ، لا يُعْلَمُ امْتِناعُ جَوازِهِ إلّا بِالتَّوْقِيفِ؛ انْتَهى. وهو في ذَلِكَ مُوافِقٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ، مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدٌ، وزَيْدٌ: (رَبَّنا) عَلى الخَبَرِ. وابْنُ يَعْمَرَ والزُّهْرِيُّ والنَّخَعِيُّ: (ولِوَلَدَيَّ) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللّامِ، يَعْنِي: إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (ولِأبَوِيَّ)، وعَنْ يَحْيَـى بْنِ يَعْمَرَ: (ولِوُلْدَيَّ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ (p-٤٣٥)يَكُونَ جَمْعَ ولَدٍ كَأسُدٍ في أسَدٍ، ويَكُونُ قَدْ دَعا ذُرِّيَّتَهُ، وأنْ يَكُونَ لُغَةً في الوَلَدِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ ولَدَ حِمارٍ كَما قالُوا: العَدَمُ والعُدْمُ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ولِوالِدِي)، بِإسْكانِ الياءِ عَلى الإفْرادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]، وقِيامُ الحِسابِ مَجازٌ عَنْ وُقُوعِهِ وثُبُوتِهِ، كَما يُقالُ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: أهْلِ الحِسابِ، كَما قالَ:

إبراهيم 14:39

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩] ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [إبراهيم: ٥١] ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] . جَنَبَ مُخَفَّفًا وأجْنَبَ رُباعِيًّا، لُغَةُ نَجْدٍ؛ وجَنَّبَ مُشَدَّدًا لُغَةُ الحِجازِ، والمَعْنى مَنَعَ، وأصَّلَهُ الجانِبُ. الهَوى: الهُبُوطُ بِسُرْعَةٍ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا رُمِيَتْ بِهِ الفِجاجُ رَأيْتَهُ تَهْوِي مَخارِمُها هَوى الأجْدَلِ شَخَصَ البَصَرُ أحَدَ النَّظَرِ، ولَمْ يَسْتَقِرَّ في مَكانِهِ. المُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مَشْيِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِمُهْطِعٍ سَرَحَ كَأنَّ عِنانَهُ في ∗∗∗ رَأْسِ جِذْعٍ مَن أراكٍ مُشَذَّبِ وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ: ؎إذا دَعانا فَأُهْطِعْنا لِدَعْوَتِهِ ∗∗∗ داعٍ سُمَيْعٍ فَلَبَوْنا وساقُونا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الإهْطاعُ: الإسْراعُ وإدامَةُ النَّظَرِ. المُقْنِعُ: هو الرّافِعُ رَأْسَ المُقْبِلِ بِبَصَرِهِ عَلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والقُتَبِيُّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُباكِرُنَّ العُصاةَ بِمُقْنِعاتٍ ∗∗∗ نَواجِذُهُنَّ كالحَدَأِ الوَقِيعِ (p-٤٣٠)يَصِفُ الإبِلَ بِالإقْناعِ عِنْدَ رَعْيِها أعالِيَ الشَّجَرِ، ويُقالُ: أقْنَعَ رَأْسَهُ نَكَّسَهُ وطَأْطَأهُ، فَهو مِنَ الأضْدادِ. قالَ المُبَرِّدُ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى رَفَعَ أعْرَفَ في اللُّغَة؛ انْتَهى. وقِيلَ: مِنهُ قَنِعَ الرَّجُلُ إذا رَضِيَ، كَأنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السُّؤالِ. وفَمٌ مُقْنِعٌ مَعْطُوفَةٌ أسْنانُهُ إلَيْهِ داخِلًا، ورَجُلٌ مُقَنِّعٌ، بِالتَّشْدِيدِ، عَلَيْهِ بَيْضَةُ الرَّأْسِ؛ مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أرْؤُسٍ. الطَّرْفُ: العَيْنُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ويُقالُ: طَرَفَ الرَّجُلُ: طَبَّقَ جَفْنَهُ عَلى الآخَرِ، وسُمِّيَ الجَفْنُ طَرَفًا لِأنَّهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ الهَواءُ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلُهُ الأجْرامُ الكَثِيفَةُ، واسْتُعِيرَ لِلْجَبانِ، فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ الرَّجُلَ مِنها فَوْقَ صَعْلٍ ∗∗∗ مِنَ الظُّلُماتِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ المُقَرَّنُ: المَشْدُودُ في القَرْنِ، وهو الحَبْلُ. الصَّفَدُ: الغُلُّ، والقَيْدُ، يُقالُ: صَفَدَهُ صَفْدًا قَيَّدَهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، وفي التَّكْثِيرِ صَفَّدَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وأبْقَـى بِــالمُلُــوكِ مُصْفِــدِينَــا وأصْفَدْتُهُ: أعْطَيْتُهُ. وقِيلَ: صَفَّدَ وأصْفَدَ مَعًا في القَيْدِ والإعْطاءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فلـم أعْرِضْ، أبَيْتُ اللَّعْـنَ، بِالصَّفَـدِ أيْ: بِالعَطاءِ. وسُمِّيَ العَطاءُ صَفَدًا لِأنَّهُ يُقَيَّدُ ويُعْبَدُ. السِّرْبالُ: القَمِيصُ، يُقالُ: سَرْبَلْتُهُ فَتَسَرْبَلَ. القَطِرانُ: ما يُحْلَبُ مِن شَجَرِ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ، وتَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى، فَيُحْرَقُ الجَرَبُ بِحَرِّهِ وحِدَّتِهِ، وهو أقْبَلُ الأشْياءِ اشْتِعالًا، ويُقالُ فِيهِ قَطْرانٌ بِوَزْنِ سَكْرانَ، وقِطْرانٌ بِوَزْنِ سِرْحانٍ. ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ التَّعْجِيبَ مِنَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وهم قُرَيْشٌ ومَن تابَعَهم مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، وكانَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إسْكانُهُ إيّاهم حَرَمَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أصْلِهِمْ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - دَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ آمِنَةً، ودَعا بِأنْ يُجَنِّبَ بَنِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ، وأنَّهُ أسْكَنَهُ وذُرِّيَّتَهُ في بَيْتِهِ لِيَعْبُدُوهُ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ العِبادَةِ وهي الصَّلاةُ، لِيَنْظُرُوا في دِينِ أبِيهِمْ، وأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ارْتَكَبُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَيَزْدَجِرُوا ويَرْجِعُوا عَنْها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ هُنا هَذا البَلَدُ مُعَرَّفًا، وفي البَقَرَةِ مُنْكَرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا سَألَ في الأوَّلِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي يَأْمَنُ أهْلُها ولا يَخافُونَ، وفي الثّانِي أنْ يَخْرُجَ مِن صِفَةٍ كانَ عَلَيْها مِنَ الخَوْفِ إلى ضِدِّها مِنَ الأمْنِ، كَأنَّهُ قالَ: هو بَلَدٌ مَخُوفٌ، فاجْعَلْهُ آمِنًا؛ انْتَهى. ودَعا إبْراهِيمُ أوَّلًا بِما هو عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو كَوْنُ مَحَلِّ العابِدِ آمِنًا لا يَخافُ فِيهِ، إذْ يَتَمَكَّنُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ دَعا ثانِيًا بِأنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. ومَعْنى واجْنُبْنِي وبَنِيَّ: أدِمْنِي وإيّاهم عَلى اجْتِنابِ عِبادَةِ الأصْنامِ. وأرادَ بِقَوْلِهِ: وبَنِيَّ: أوْلادَهُ، مِن صُلْبِهِ الأقْرِباءِ. وأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ الحَرَمَ آمِنًا، ولَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن بَنِيهِ الأقْرِباءِ لِصُلْبِهِ صَنَمًا. قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وقَدْ سُئِلَ، كَيْفَ عَبَدَتِ العَرَبُ الأصْنامَ ؟ قالَ: ما عَبَدَ أحَدٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ صَنَمًا وكانُوا ثَمانِيَةً، إنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَنْصُبُونَها ويَقُولُونَ: حَجَرٌ، فَحَيْثُ ما نَصَبُوا حَجَرًا فَهو بِمَعْنى البَيْتِ، فَكانُوا يَدُورُونَ بِذَلِكَ الحَجَرِ ويُسَمُّونَهُ الدُّوارَ؛ انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الدُّعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا ؟ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ. وكَرَّرَ النِّداءَ اسْتِعْطافًا لِرَبِّهِ تَعالى، وذَكَرَ سَبَبَ طَلَبِهِ: أنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ عِبادَةَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، إذْ قَدْ شاهَدَ أباهُ (p-٤٣١)وقَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ. ومَعْنى أضْلَلْنا: كُنّا سَبَبًا لِإضْلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، والمَعْنى: أنَّهم ضَلُّوا بِعِبادَتِها، كَما تَقُولُ: فِتْنَتُهُمُ الدُّنْيا، أيِ: افْتَتَنُوا بِها، واغْتَرُّوا بِسَبَبِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ: وأجْنِبْنِي مِن أجْنَبَ، وأنَّثَ الأصْنامَ لِأنَّهُ جَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُخْبِرُ عَنْهُ أخْبارَ المُؤَنَّثِ كَما تَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرَتْ. والإخْبارُ عَنْهُ إخْبارُ جَمْعِ العاقِلِ المُذَكَّرِ بِالواوِ ومَجازٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: فَقَدْ ضَلُّوا كَثِيرًا. فَمَن تَبِعَنِي، أيْ: عَلى دِينِي وما أنا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مِنِّي. جَعَلَهُ لِفَرْطِ الِاخْتِصاصِ بِهِ ومُلابَسَتِهِ كَقَوْلِهِ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» أيْ لَيْسَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ تَنْبِيهًا عَلى تَعْظِيمِ الغِشِّ بِحَيْثُ هو يَسْلُبُ الغاشَّ الإيمانَ، والمَعْنى: أنَّ الغِشَّ لَيْسَ مِن أوْصافِ أهْلِ الإيمانِ. ومَن عَصانِي، هَذا فِيهِ طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، لِأنَّ التَّبَعِيَّةَ طاعَةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . قالَ مُقاتِلٌ: ومَن عَصانِي فَيُحادُّونَ الشِّرْكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَغْفِرُ لِي ما سَلَفَ مِنَ العِصْيانِ إذا بَدا لِي فِيهِ واسْتَحْدَثَ الطّاعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن عَصانِي ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَعْناهُ حِين يُؤْمِنُوا، لِأنَّهُ أرادَ أنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِكُلِّ كافِرٍ، لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُّطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ ﷺ . وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] . ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ رَغْبَةً في الإجابَةِ وإظْهارًا لِلتَّذَلُّلِ، والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى. وأتى بِضَمِيرِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وذَكَرَ بَنِيهِ في قَوْلِهِ: واجْنُبْنِي وبَنِيَّ، ومِن ذُرِّيَّتِي هو إسْماعِيلُ، ومَن وُلِدَ مِنهُ. وذَلِكَ هاجَرُ لَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ غارَتْ مِنها سارَّةُ، فَرُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِّفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا ولِيَ دَعا بِما في ضِمْنِ هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما جَرى لَها ولِإسْماعِيلَ هُناكَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِّيَرِ وغَيْرِهِ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ في الشّامِ، والوادِي ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ ماءٌ، وإنَّما قالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، لِأنَّهُ كانَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ هاجَرَ وابْنَها في ذَلِكَ الوادِي، وأنَّهُ يَرْزُقُها الماءَ، وإنَّما نَظَرَ النَّظَرَ البَعِيدَ، فَقالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، ولَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَقالَ: غَيْرِ ذِي ماءٍ، عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ حالُ الوادِي عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُقالُ إنَّ انْتِفاءَ كَوْنِهِ ذا زَرْعٍ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفاءِ الماءِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ زَرْعٌ إلّا حَيْثُ وُجِدَ الماءُ، فَنَفى ما يَتَسَبَّبُ عَنِ الماءِ وهو الزَّرْعُ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ وهو الماءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِوادٍ هو (p-٤٣٢)وادِي مَكَّةَ، غَيْرِ ذِي زَرْعٍ: لا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ قَطُّ كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يُوجَدُ فِيهِ اعْوِجاجٌ، ما فِيهِ إلّا اسْتِقامَةٌ لا غَيْرَ؛ انْتَهى. واسْتَعْمَلَ (قَطُّ) وهي ظَرْفٌ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ الماضِي مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (لا يَكُونُ)، ولَيْسَ هو ماضِيًا، وهو مَكانُ (أبَدًا) الَّذِي يُسْتَعْمَلُ مَعَ غَيْرِ الماضِي مِنَ المُسْتَقْبَلاتِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾، يَقْتَضِي وُجُودَ البَيْتِ حالَةَ الدُّعاءِ، وسَبَقَهُ قِبَلَهُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَيْتِ، ومَتى وُضِعَ في البَقَرَةِ، وفي آلِ عِمْرانَ. ووُصِفَ بِالمُحَرَّمِ لِكَوْنِهِ حُرِّمَ عَلى الطُّوفانِ، أيْ: مُنِعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ بِعَتِيقٍ لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا مُمَنَّعًا مِنَ الجَبابِرَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ مُحْتَرَمًا لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. و﴿لِيُقِيمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ أسْكَنْتُ. ورَبَّنا دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يَخْلُو هَذا البَيْتُ المُعَظَّمُ مِنَ العِبادَةِ. وقِيلَ: هي لامُ الأمْرِ، دَعا لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وخَصَّ الصَّلاةَ دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِأنَّها أفْضَلُها، أوْ لِأنَّها سَبَبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُقِيمُوا﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ دَلالَةً عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُهُ بِأنَّ هَذا الطِّفْلَ سَيُعَقَّبُ هُنالِكَ، ويَكُونُ لَهُ نَسْلٌ. وأفْئِدَةٌ: جَمْعُ فُؤادٍ، وهي القُلُوبُ، سُمِّيَ القَلْبُ فُؤادًا لِإتْفادِهِ مَأْخُوذٌ مِن فَأدَ، ومِنهُ المُفْتَأدُ، وهو مُسْتَوْقَدُ النّارِ حَيْثُ يُشْوى اللَّحْمُ. وقالَ مُؤَرِّجٌ الأفْئِدَةُ: القَطْعُ مِنَ النّاسِ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ بَحْرٍ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْئِدَةُ النّاسِ، لازْدَحَمَتْ عَلى البَيْتِ فارِسُ والرُّومُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَحَجَّتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى. والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أفْئِدَةٌ مِنَ النّاسِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلِابْتِداءِ، كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفْئِدَةُ ناسٍ، وإنَّما نَكَّرَ المُضافَ إلَيْهِ في هَذا التَّمْثِيلِ لِتَنْكِيرِ أفْئِدَةٍ، لِأنَّها في الآيَةِ نَكِرَةٌ لِتَتَناوَلَ بَعْضَ الأفْئِدَةِ؛ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّها لَيْسَ لَنا فِعْلٌ يُبْتَدَأُ فِيهِ لِغايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها، إذْ لا يَصِحُّ ابْتِداءً جَعْلُ الأفْئِدَةِ مِنَ النّاسِ، وإنَّما الظّاهِرُ في (مِن) التَّبْعِيضُ. وقَرَأ هِشامٌ: أفْئِيدَةً، بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الحُلْوانِيُّ، عَنْهُ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى الإشْباعِ، ولَمّا كانَ الإشْباعُ لا يَكُونُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنَّ هِشامًا قَرَأ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ كالياءِ، فَعَبَّرَ الرّاوِي عَنْها بِالياءِ، فَظَنَّ مَن أخْطَأ فَهْمَهُ أنَّها بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، والمُرادُ بِياءٍ عِوَضًا مِنَ الهَمْزَةِ، قالَ: فَيَكُونُ هَذا التَّحْرِيفُ مِن جِنْسِ التَّحْرِيفِ المَنسُوبِ إلى مَن رَوى عَنْ أبِي عَمْرٍو: بارِئُكم ويَأْمُرُكم، ونَحْوُهُ بِإسْكانِ حَرَكَةِ الإعْرابِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ اخْتِلاسًا. قالَ أبُو عَمْرٍو والدّانِيُّ الحافِظُ: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ هَذا القَوْلِ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأنَّ النَّقَلَةَ عَنْ هِشامٍ وأبِي عُمَرَ، وكانُوا مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالقِراءَةِ ووُجُوهِها، ولَيْسَ يُفْضِي بِهِمُ الجَهْلُ إلى أنْ يُعْتَقَدَ فِيهِمْ مِثْلُ هَذا، وقُرِئَ آفِدَةً: عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْحَذْفِ مَن أفِدَ، أيْ: دَنا وقَرُبَ وعَجِلَ، أيْ: جَماعَةٌ آفِدَةٌ، أوْ جَماعاتٌ آفِدَةٌ، وأنْ يَكُونَ جَمْعُ ذَلِكَ فُؤادٌ، ويَكُونُ مِن بابِ القَلْبِ، وصارَ بِالقَلْبِ أأْفِدَةً، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ ألِفًا كَما قالُوا في آرَآمٍ: أأْرامٍ، فَوَزْنُهُ أعْفِلَةٌ. وقُرِئَ أفِدَّةٌ عَلى وزْنِ فَعِلَّةٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ فُؤادٍ، وذَلِكَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو الفاءُ، وإنْ كانَ تَسْهِيلُها بَيْنَ بَيْنَ هو الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِل مِن أفِدَ، كَما تَقُولُ: فَرِحَ فَهو فَرِحٌ. وقَرَأتْ أُمُّ الهَيْثَمِ: أفْوِدَةٌ، بِالواوِ المَكْسُورَةِ، بَدَلَ الهَمْزَةِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو جَمْعُ وفَدٍ، والقِراءَةُ حَسَنَةٌ: لَكِنِّي لا أعْرِفُ هَذِهِ المَرْأةَ، بَلْ ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ؛ انْتَهى. أبْدَلَ الهَمْزَةَ في فُؤادٍ بَعْدَ الضَّمَّةِ كَما أُبْدِلَتْ في جَوْنٍ، ثُمَّ جَمَعَ فَأقَرَّها في الجَمْعِ إقْرارَها في المُفْرَدِ. وهو جَمْعُ وفَدٍ، كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقَلَبَ إذِ الأصْلُ أوْفَدَهُ. وجَمْعَ فَعْلٍ عَلى أفْعِلَةٍ شاذٌّ نَحْوَ: نَجْدٍ وأنْجِدَةٍ، ووَهْيٍ وأوْهِيَةٍ. وأُمُّ الهَيْثَمِ (p-٤٣٣)امْرَأةٌ نُقِلَ عَنْها شَيْءٌ مِن لُغاتِ العَرَبِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إفادَةٌ عَلى وزْنِ إشارَةٍ. ويَظْهَرُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ، كَما قالُوا: إشاحٌ في وِشاحٍ، فالوَزْن فِعالَةٌ؛ أيْ: فاجْعَلْ ذَوِي وِفادَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ أفادَ إفادَةً، أوْ ذَوِي إفادَةٍ، وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يُفِيدُونَ ويُنْتَفَعُ بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ وتَطِيرُ نَحْوَهم شَوْقًا ونِزاعًا، ولَمّا ضَمَّنَ تَهْوِي مَعْنى تَمِيلُ عَدّاهُ بِإلى، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِاللّامِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الوَلِيدِ بِها ∗∗∗ طارَتْ وفي كَفِّهِ مِن رِيشِها تَبْكِ ومِثالُ ما في الآيَةِ؛ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَكُفّارِها . وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: تُهْوى، بِضَمِّ التّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى المَنقُولَةِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن هَوى اللّازِمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُسْرِعُ بِها إلَيْهِمْ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومُجاهِدٌ: تَهْوى: مُضارِعُ هَوى بِمَعْنى أحَبَّ، ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى النُّزُوعِ والمَيْلِ عُدِّيَ بِإلى. وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ مَعَ سُكّانِهِمْ وادِيًا ما فِيهِ شَيْءٌ مِنها بِأنْ يُجْلَبَ إلَيْهِمْ مِنَ البِلادِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ورُوِيَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطّائِفِيِّ أنَّهُ لَمّا دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَرْزُقَ سُكّانَ مَكَّةَ الثَّمَراتِ، بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاقْتَلَعَ بِجَناحِهِ قِطْعَةٌ مِن فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: مِنَ الأُرْدُنِّ فَجاءَ بِها، وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا، ووَضَعَها قَرِيبَ مَكَّةَ فَهي الطّائِفُ. وبِهَذِهِ القِصَّةِ سُمِّيَتْ وهي مَوْضِعُ ثَقِيفٍ، وبِها أشْجارٌ وثَمَراتٌ. ورُوِيَ نَحْوٌ مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ النِّعْمَةُ في أنْ يُرْزَقُوا أنْواعَ الثَّمَراتِ حاضِرَةً في وادٍ بِبابٍ لَيْسَ فِيهِ نَجْمٌ ولا شَجَرٌ ولا ماءٌ، لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أجابَ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا، ثُمَّ فَضَّلَهُ في وُجُودِ أصْنافِ الثِّمارِ فِيهِ عَلى كُلِّ رِيفٍ، وعَلى أخْصَبِ البِلادِ وأكْثَرِها ثِمارًا، وفي أيِّ بَلَدٍ مِن بِلادِ الشَّرْقِ والغَرْبِ تَرى الأُعْجُوبَةَ الَّتِي يُرِيكُها اللَّهُ. بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ؛ وهي: اجْتِماعُ البَواكِيرِ والفَواكِهِ المُخْتَلِفَةِ الأزْمانِ مِنَ الرَّبِيعِيَّةِ والصَّيْفِيَّةِ والخَرِيفِيَّةِ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن آياتِهِ بِعَجِيبٍ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْم يَقُومُ الحِسابُ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّضَرُّعِ والِالتِجاءِ، ولا يَظْهَرُ تَفاوُتٌ بَيْنَ إضافَةِ رَبٍّ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وبَيْنَ إضافَتِهِ إلى جَمْعِ المُتَكَلِّمِ، وما نُخْفِي وما نُعْلِنُ: عامٌّ فِيما يُخْفُونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ لِما وقَعَ بَيْنَنا مِنَ الفُرْقَةِ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِن كَآبَةِ الِافْتِراقِ، وما نُعْلِنُ مِمّا جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حِينَ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ قالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم. قالَتْ: آللَّهُ أمْرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَتْ: لا نَخْشى، تَرَكْتَنا إلى كافٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾، مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لِاكْتِنافِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ بِكَلامِ إبْراهِيمَ. لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى عَمَّمَ (ما يَخْفى) هو ومَن كَنّى عَنْهُ، تَمَّمَ جَمِيعَ الأشْياءِ، وأنَّها غَيْرُ خافِيَةٍ عَنْهُ تَعالى. وقِيلَ: ﴿وما يَخْفى﴾ الآيَةُ مِن كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] والظّاهِرُ أنَّ (p-٤٣٤)هَذِهِ الجُمَلَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ تَقَعْ مِنهُ في زَمانٍ واحِدٍ، وإنَّما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ما وقَعَ في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ إسْحاقَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حالَةَ دُعائِهِ، إذْ تَرَكَ هاجَرَ والطُّفَيْلَ بِمَكَّةَ. فالظّاهِرُ أنَّ حَمْدَهُ اللَّهَ تَعالى عَلى هِبَةِ ولَدَيْهِ لَهُ كانَ بَعْدَ وُجُودِ إسْحاقَ، وعَلى الكِبَرِ: يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الكِبَرِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْيِينِ المُدَّةِ الَّتِي وُهِبَ لَهُ فِيها ولَداهُ. ورُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وقِيلَ: إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ، وإسْحاقُ لِتِسْعِينَ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وإنَّما ذَكَرَ حالَ الكِبَرِ لِأنَّ المِنَّةَ فِيها بِهِبَةِ الوَلَدِ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ الكِبَرَ مَظِنَّةُ اليَأْسِ مِنَ الوَلَدِ، فَإنَّ مَجِيءَ الشَّيْءِ بَعْدَ الإياسِ أحْلى في النَّفْسِ وأبْهَجُ لَها. وعَلى الكِبَرِ: في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ قالَ: وأنا كَبِيرٌ، و(عَلى) عَلى بابِها مِنَ الِاسْتِعْلاءِ لَكِنَّهُ مَجازٌ، إذِ الكِبَرُ مَعْنى لا جَرَمَ يَتَكَوَّنُ، وكَأنَّهُ لَمّا أسَنَّ وكَبِرَ صارَ مُسْتَعْلِيًا عَلى الكِبَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (عَلى) في قَوْلِهِ ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي ∗∗∗ أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وكَنّى بِسَمِيعِ الدُّعاءِ عَنِ الإجابَةِ والتَّقَبُّلِ، وكانَ قَدْ دَعا اللَّهَ أنْ يَهَبَهُ ولَدًا، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فَحَمِدَ اللَّهَ عَلى ما وهَبَهُ مِنَ الوَلَدِ وأكْرَمَهُ بِهِ مِن إجابَةِ دُعائِهِ. والظّاهِرُ إضافَةُ سَمِيعٍ إلى المَفْعُولِ، وهو مِن إضافَةِ المِثالِ الَّذِي عَلى وزْنِ فَعِيلٍ إلى المَفْعُولِ، فَيَكُونُ إضافَةً مِن نَصْبٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى إعْمالِ فَعِيلٍ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ في المَفْعُولِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وخالَفَ الكُوفِيُّونَ فِيهِ. وفي إعْمالِ باقِي الخَمْسَةِ الأمْثِلَةِ فَعُولٍ، وفَعّالٍ، ومِفْعالٍ، وفَعِلٍ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذا لَيْسَ ذَلِكَ إضافَةً مِن نَصْبٍ فَيَلْزَمُ جَوازُ إعْمالِهِ، بَلْ هي إضافَةٌ كَإضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ، في نَحْوِ: هَذا ضارِبُ زَيْدٍ أمْسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ فَعِيلٍ إلى فاعِلِهِ، ويَجْعَلُ دُعاءَ اللَّهِ سَمِيعًا عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، والمُرادُ: سَماعُ اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو بَعِيدٌ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والصِّفَةُ مُتَعَدِّيَةٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عِنْدأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ حَيْثُ لا يَكُونُ لَبْسٌ. وأمّا هُنا فاللَّبْسُ حاصِلٌ، إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن إضافَةِ المِثالِ لِلْمَفْعُولِ، لا مِن إضافَتِهِ إلى الفاعِلِ. وإنَّما أجازَ ذَلِكَ الفارِسِيُّ في مِثْلِ: زَيْدٌ ظالِمُ العَبِيدِ إذا عُلِمَ أنَّ لَهُ عَبِيدًا ظالِمِينَ. ودُعاؤُهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ وهو مُقِيمُها، إنَّما يُرِيدُ بِذَلِكَ الدَّيْمُومَةَ. ومِن ذُرِّيَّتِي: (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ أُعْلِمَ أنَّ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ كافِرًا، أوْ مَن يُهْمِلُ إقامَتَها وإنْ كانَ مُؤْمِنًا. وقَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ: دُعاءُ رَبِّنا، بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَقْفِ. ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: إثْباتُها في الوَصْلِ. والظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ المَغْفِرَة لِأبَوَيْهِ القَرِيبَيْنِ، وكانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، وكانَ والِدُهُ لَمْ يَيْأسْ مِن إيمانِهِ ولَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ عَداوَةُ اللَّهِ، وهَذا يَتَمَشّى إذا قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الأدْعِيَةَ كانَتْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَمَعَ هُنا أشْياء مِمّا كانَ دَعا بِها. وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ، ونُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ. والأظْهَرُ: القَوْلُ الأوَّلُ. وقَدْ جاءَ نَصًّا دُعاؤُهُ لِأبِيهِ بِالمَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ لَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ (قُلْتُ): هو مِن تَجْوِيزاتِ العَقْلِ، لا يُعْلَمُ امْتِناعُ جَوازِهِ إلّا بِالتَّوْقِيفِ؛ انْتَهى. وهو في ذَلِكَ مُوافِقٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ، مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدٌ، وزَيْدٌ: (رَبَّنا) عَلى الخَبَرِ. وابْنُ يَعْمَرَ والزُّهْرِيُّ والنَّخَعِيُّ: (ولِوَلَدَيَّ) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللّامِ، يَعْنِي: إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (ولِأبَوِيَّ)، وعَنْ يَحْيَـى بْنِ يَعْمَرَ: (ولِوُلْدَيَّ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ (p-٤٣٥)يَكُونَ جَمْعَ ولَدٍ كَأسُدٍ في أسَدٍ، ويَكُونُ قَدْ دَعا ذُرِّيَّتَهُ، وأنْ يَكُونَ لُغَةً في الوَلَدِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ ولَدَ حِمارٍ كَما قالُوا: العَدَمُ والعُدْمُ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ولِوالِدِي)، بِإسْكانِ الياءِ عَلى الإفْرادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]، وقِيامُ الحِسابِ مَجازٌ عَنْ وُقُوعِهِ وثُبُوتِهِ، كَما يُقالُ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: أهْلِ الحِسابِ، كَما قالَ:

إبراهيم 14:40

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩] ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [إبراهيم: ٥١] ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] . جَنَبَ مُخَفَّفًا وأجْنَبَ رُباعِيًّا، لُغَةُ نَجْدٍ؛ وجَنَّبَ مُشَدَّدًا لُغَةُ الحِجازِ، والمَعْنى مَنَعَ، وأصَّلَهُ الجانِبُ. الهَوى: الهُبُوطُ بِسُرْعَةٍ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا رُمِيَتْ بِهِ الفِجاجُ رَأيْتَهُ تَهْوِي مَخارِمُها هَوى الأجْدَلِ شَخَصَ البَصَرُ أحَدَ النَّظَرِ، ولَمْ يَسْتَقِرَّ في مَكانِهِ. المُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مَشْيِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِمُهْطِعٍ سَرَحَ كَأنَّ عِنانَهُ في ∗∗∗ رَأْسِ جِذْعٍ مَن أراكٍ مُشَذَّبِ وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ: ؎إذا دَعانا فَأُهْطِعْنا لِدَعْوَتِهِ ∗∗∗ داعٍ سُمَيْعٍ فَلَبَوْنا وساقُونا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الإهْطاعُ: الإسْراعُ وإدامَةُ النَّظَرِ. المُقْنِعُ: هو الرّافِعُ رَأْسَ المُقْبِلِ بِبَصَرِهِ عَلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والقُتَبِيُّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُباكِرُنَّ العُصاةَ بِمُقْنِعاتٍ ∗∗∗ نَواجِذُهُنَّ كالحَدَأِ الوَقِيعِ (p-٤٣٠)يَصِفُ الإبِلَ بِالإقْناعِ عِنْدَ رَعْيِها أعالِيَ الشَّجَرِ، ويُقالُ: أقْنَعَ رَأْسَهُ نَكَّسَهُ وطَأْطَأهُ، فَهو مِنَ الأضْدادِ. قالَ المُبَرِّدُ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى رَفَعَ أعْرَفَ في اللُّغَة؛ انْتَهى. وقِيلَ: مِنهُ قَنِعَ الرَّجُلُ إذا رَضِيَ، كَأنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السُّؤالِ. وفَمٌ مُقْنِعٌ مَعْطُوفَةٌ أسْنانُهُ إلَيْهِ داخِلًا، ورَجُلٌ مُقَنِّعٌ، بِالتَّشْدِيدِ، عَلَيْهِ بَيْضَةُ الرَّأْسِ؛ مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أرْؤُسٍ. الطَّرْفُ: العَيْنُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ويُقالُ: طَرَفَ الرَّجُلُ: طَبَّقَ جَفْنَهُ عَلى الآخَرِ، وسُمِّيَ الجَفْنُ طَرَفًا لِأنَّهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ الهَواءُ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلُهُ الأجْرامُ الكَثِيفَةُ، واسْتُعِيرَ لِلْجَبانِ، فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ الرَّجُلَ مِنها فَوْقَ صَعْلٍ ∗∗∗ مِنَ الظُّلُماتِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ المُقَرَّنُ: المَشْدُودُ في القَرْنِ، وهو الحَبْلُ. الصَّفَدُ: الغُلُّ، والقَيْدُ، يُقالُ: صَفَدَهُ صَفْدًا قَيَّدَهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، وفي التَّكْثِيرِ صَفَّدَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وأبْقَـى بِــالمُلُــوكِ مُصْفِــدِينَــا وأصْفَدْتُهُ: أعْطَيْتُهُ. وقِيلَ: صَفَّدَ وأصْفَدَ مَعًا في القَيْدِ والإعْطاءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فلـم أعْرِضْ، أبَيْتُ اللَّعْـنَ، بِالصَّفَـدِ أيْ: بِالعَطاءِ. وسُمِّيَ العَطاءُ صَفَدًا لِأنَّهُ يُقَيَّدُ ويُعْبَدُ. السِّرْبالُ: القَمِيصُ، يُقالُ: سَرْبَلْتُهُ فَتَسَرْبَلَ. القَطِرانُ: ما يُحْلَبُ مِن شَجَرِ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ، وتَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى، فَيُحْرَقُ الجَرَبُ بِحَرِّهِ وحِدَّتِهِ، وهو أقْبَلُ الأشْياءِ اشْتِعالًا، ويُقالُ فِيهِ قَطْرانٌ بِوَزْنِ سَكْرانَ، وقِطْرانٌ بِوَزْنِ سِرْحانٍ. ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ التَّعْجِيبَ مِنَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وهم قُرَيْشٌ ومَن تابَعَهم مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، وكانَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إسْكانُهُ إيّاهم حَرَمَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أصْلِهِمْ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - دَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ آمِنَةً، ودَعا بِأنْ يُجَنِّبَ بَنِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ، وأنَّهُ أسْكَنَهُ وذُرِّيَّتَهُ في بَيْتِهِ لِيَعْبُدُوهُ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ العِبادَةِ وهي الصَّلاةُ، لِيَنْظُرُوا في دِينِ أبِيهِمْ، وأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ارْتَكَبُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَيَزْدَجِرُوا ويَرْجِعُوا عَنْها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ هُنا هَذا البَلَدُ مُعَرَّفًا، وفي البَقَرَةِ مُنْكَرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا سَألَ في الأوَّلِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي يَأْمَنُ أهْلُها ولا يَخافُونَ، وفي الثّانِي أنْ يَخْرُجَ مِن صِفَةٍ كانَ عَلَيْها مِنَ الخَوْفِ إلى ضِدِّها مِنَ الأمْنِ، كَأنَّهُ قالَ: هو بَلَدٌ مَخُوفٌ، فاجْعَلْهُ آمِنًا؛ انْتَهى. ودَعا إبْراهِيمُ أوَّلًا بِما هو عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو كَوْنُ مَحَلِّ العابِدِ آمِنًا لا يَخافُ فِيهِ، إذْ يَتَمَكَّنُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ دَعا ثانِيًا بِأنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. ومَعْنى واجْنُبْنِي وبَنِيَّ: أدِمْنِي وإيّاهم عَلى اجْتِنابِ عِبادَةِ الأصْنامِ. وأرادَ بِقَوْلِهِ: وبَنِيَّ: أوْلادَهُ، مِن صُلْبِهِ الأقْرِباءِ. وأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ الحَرَمَ آمِنًا، ولَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن بَنِيهِ الأقْرِباءِ لِصُلْبِهِ صَنَمًا. قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وقَدْ سُئِلَ، كَيْفَ عَبَدَتِ العَرَبُ الأصْنامَ ؟ قالَ: ما عَبَدَ أحَدٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ صَنَمًا وكانُوا ثَمانِيَةً، إنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَنْصُبُونَها ويَقُولُونَ: حَجَرٌ، فَحَيْثُ ما نَصَبُوا حَجَرًا فَهو بِمَعْنى البَيْتِ، فَكانُوا يَدُورُونَ بِذَلِكَ الحَجَرِ ويُسَمُّونَهُ الدُّوارَ؛ انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الدُّعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا ؟ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ. وكَرَّرَ النِّداءَ اسْتِعْطافًا لِرَبِّهِ تَعالى، وذَكَرَ سَبَبَ طَلَبِهِ: أنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ عِبادَةَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، إذْ قَدْ شاهَدَ أباهُ (p-٤٣١)وقَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ. ومَعْنى أضْلَلْنا: كُنّا سَبَبًا لِإضْلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، والمَعْنى: أنَّهم ضَلُّوا بِعِبادَتِها، كَما تَقُولُ: فِتْنَتُهُمُ الدُّنْيا، أيِ: افْتَتَنُوا بِها، واغْتَرُّوا بِسَبَبِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ: وأجْنِبْنِي مِن أجْنَبَ، وأنَّثَ الأصْنامَ لِأنَّهُ جَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُخْبِرُ عَنْهُ أخْبارَ المُؤَنَّثِ كَما تَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرَتْ. والإخْبارُ عَنْهُ إخْبارُ جَمْعِ العاقِلِ المُذَكَّرِ بِالواوِ ومَجازٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: فَقَدْ ضَلُّوا كَثِيرًا. فَمَن تَبِعَنِي، أيْ: عَلى دِينِي وما أنا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مِنِّي. جَعَلَهُ لِفَرْطِ الِاخْتِصاصِ بِهِ ومُلابَسَتِهِ كَقَوْلِهِ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» أيْ لَيْسَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ تَنْبِيهًا عَلى تَعْظِيمِ الغِشِّ بِحَيْثُ هو يَسْلُبُ الغاشَّ الإيمانَ، والمَعْنى: أنَّ الغِشَّ لَيْسَ مِن أوْصافِ أهْلِ الإيمانِ. ومَن عَصانِي، هَذا فِيهِ طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، لِأنَّ التَّبَعِيَّةَ طاعَةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . قالَ مُقاتِلٌ: ومَن عَصانِي فَيُحادُّونَ الشِّرْكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَغْفِرُ لِي ما سَلَفَ مِنَ العِصْيانِ إذا بَدا لِي فِيهِ واسْتَحْدَثَ الطّاعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن عَصانِي ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَعْناهُ حِين يُؤْمِنُوا، لِأنَّهُ أرادَ أنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِكُلِّ كافِرٍ، لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُّطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ ﷺ . وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] . ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ رَغْبَةً في الإجابَةِ وإظْهارًا لِلتَّذَلُّلِ، والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى. وأتى بِضَمِيرِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وذَكَرَ بَنِيهِ في قَوْلِهِ: واجْنُبْنِي وبَنِيَّ، ومِن ذُرِّيَّتِي هو إسْماعِيلُ، ومَن وُلِدَ مِنهُ. وذَلِكَ هاجَرُ لَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ غارَتْ مِنها سارَّةُ، فَرُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِّفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا ولِيَ دَعا بِما في ضِمْنِ هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما جَرى لَها ولِإسْماعِيلَ هُناكَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِّيَرِ وغَيْرِهِ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ في الشّامِ، والوادِي ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ ماءٌ، وإنَّما قالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، لِأنَّهُ كانَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ هاجَرَ وابْنَها في ذَلِكَ الوادِي، وأنَّهُ يَرْزُقُها الماءَ، وإنَّما نَظَرَ النَّظَرَ البَعِيدَ، فَقالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، ولَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَقالَ: غَيْرِ ذِي ماءٍ، عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ حالُ الوادِي عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُقالُ إنَّ انْتِفاءَ كَوْنِهِ ذا زَرْعٍ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفاءِ الماءِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ زَرْعٌ إلّا حَيْثُ وُجِدَ الماءُ، فَنَفى ما يَتَسَبَّبُ عَنِ الماءِ وهو الزَّرْعُ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ وهو الماءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِوادٍ هو (p-٤٣٢)وادِي مَكَّةَ، غَيْرِ ذِي زَرْعٍ: لا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ قَطُّ كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يُوجَدُ فِيهِ اعْوِجاجٌ، ما فِيهِ إلّا اسْتِقامَةٌ لا غَيْرَ؛ انْتَهى. واسْتَعْمَلَ (قَطُّ) وهي ظَرْفٌ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ الماضِي مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (لا يَكُونُ)، ولَيْسَ هو ماضِيًا، وهو مَكانُ (أبَدًا) الَّذِي يُسْتَعْمَلُ مَعَ غَيْرِ الماضِي مِنَ المُسْتَقْبَلاتِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾، يَقْتَضِي وُجُودَ البَيْتِ حالَةَ الدُّعاءِ، وسَبَقَهُ قِبَلَهُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَيْتِ، ومَتى وُضِعَ في البَقَرَةِ، وفي آلِ عِمْرانَ. ووُصِفَ بِالمُحَرَّمِ لِكَوْنِهِ حُرِّمَ عَلى الطُّوفانِ، أيْ: مُنِعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ بِعَتِيقٍ لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا مُمَنَّعًا مِنَ الجَبابِرَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ مُحْتَرَمًا لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. و﴿لِيُقِيمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ أسْكَنْتُ. ورَبَّنا دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يَخْلُو هَذا البَيْتُ المُعَظَّمُ مِنَ العِبادَةِ. وقِيلَ: هي لامُ الأمْرِ، دَعا لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وخَصَّ الصَّلاةَ دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِأنَّها أفْضَلُها، أوْ لِأنَّها سَبَبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُقِيمُوا﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ دَلالَةً عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُهُ بِأنَّ هَذا الطِّفْلَ سَيُعَقَّبُ هُنالِكَ، ويَكُونُ لَهُ نَسْلٌ. وأفْئِدَةٌ: جَمْعُ فُؤادٍ، وهي القُلُوبُ، سُمِّيَ القَلْبُ فُؤادًا لِإتْفادِهِ مَأْخُوذٌ مِن فَأدَ، ومِنهُ المُفْتَأدُ، وهو مُسْتَوْقَدُ النّارِ حَيْثُ يُشْوى اللَّحْمُ. وقالَ مُؤَرِّجٌ الأفْئِدَةُ: القَطْعُ مِنَ النّاسِ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ بَحْرٍ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْئِدَةُ النّاسِ، لازْدَحَمَتْ عَلى البَيْتِ فارِسُ والرُّومُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَحَجَّتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى. والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أفْئِدَةٌ مِنَ النّاسِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلِابْتِداءِ، كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفْئِدَةُ ناسٍ، وإنَّما نَكَّرَ المُضافَ إلَيْهِ في هَذا التَّمْثِيلِ لِتَنْكِيرِ أفْئِدَةٍ، لِأنَّها في الآيَةِ نَكِرَةٌ لِتَتَناوَلَ بَعْضَ الأفْئِدَةِ؛ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّها لَيْسَ لَنا فِعْلٌ يُبْتَدَأُ فِيهِ لِغايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها، إذْ لا يَصِحُّ ابْتِداءً جَعْلُ الأفْئِدَةِ مِنَ النّاسِ، وإنَّما الظّاهِرُ في (مِن) التَّبْعِيضُ. وقَرَأ هِشامٌ: أفْئِيدَةً، بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الحُلْوانِيُّ، عَنْهُ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى الإشْباعِ، ولَمّا كانَ الإشْباعُ لا يَكُونُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنَّ هِشامًا قَرَأ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ كالياءِ، فَعَبَّرَ الرّاوِي عَنْها بِالياءِ، فَظَنَّ مَن أخْطَأ فَهْمَهُ أنَّها بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، والمُرادُ بِياءٍ عِوَضًا مِنَ الهَمْزَةِ، قالَ: فَيَكُونُ هَذا التَّحْرِيفُ مِن جِنْسِ التَّحْرِيفِ المَنسُوبِ إلى مَن رَوى عَنْ أبِي عَمْرٍو: بارِئُكم ويَأْمُرُكم، ونَحْوُهُ بِإسْكانِ حَرَكَةِ الإعْرابِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ اخْتِلاسًا. قالَ أبُو عَمْرٍو والدّانِيُّ الحافِظُ: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ هَذا القَوْلِ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأنَّ النَّقَلَةَ عَنْ هِشامٍ وأبِي عُمَرَ، وكانُوا مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالقِراءَةِ ووُجُوهِها، ولَيْسَ يُفْضِي بِهِمُ الجَهْلُ إلى أنْ يُعْتَقَدَ فِيهِمْ مِثْلُ هَذا، وقُرِئَ آفِدَةً: عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْحَذْفِ مَن أفِدَ، أيْ: دَنا وقَرُبَ وعَجِلَ، أيْ: جَماعَةٌ آفِدَةٌ، أوْ جَماعاتٌ آفِدَةٌ، وأنْ يَكُونَ جَمْعُ ذَلِكَ فُؤادٌ، ويَكُونُ مِن بابِ القَلْبِ، وصارَ بِالقَلْبِ أأْفِدَةً، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ ألِفًا كَما قالُوا في آرَآمٍ: أأْرامٍ، فَوَزْنُهُ أعْفِلَةٌ. وقُرِئَ أفِدَّةٌ عَلى وزْنِ فَعِلَّةٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ فُؤادٍ، وذَلِكَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو الفاءُ، وإنْ كانَ تَسْهِيلُها بَيْنَ بَيْنَ هو الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِل مِن أفِدَ، كَما تَقُولُ: فَرِحَ فَهو فَرِحٌ. وقَرَأتْ أُمُّ الهَيْثَمِ: أفْوِدَةٌ، بِالواوِ المَكْسُورَةِ، بَدَلَ الهَمْزَةِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو جَمْعُ وفَدٍ، والقِراءَةُ حَسَنَةٌ: لَكِنِّي لا أعْرِفُ هَذِهِ المَرْأةَ، بَلْ ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ؛ انْتَهى. أبْدَلَ الهَمْزَةَ في فُؤادٍ بَعْدَ الضَّمَّةِ كَما أُبْدِلَتْ في جَوْنٍ، ثُمَّ جَمَعَ فَأقَرَّها في الجَمْعِ إقْرارَها في المُفْرَدِ. وهو جَمْعُ وفَدٍ، كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقَلَبَ إذِ الأصْلُ أوْفَدَهُ. وجَمْعَ فَعْلٍ عَلى أفْعِلَةٍ شاذٌّ نَحْوَ: نَجْدٍ وأنْجِدَةٍ، ووَهْيٍ وأوْهِيَةٍ. وأُمُّ الهَيْثَمِ (p-٤٣٣)امْرَأةٌ نُقِلَ عَنْها شَيْءٌ مِن لُغاتِ العَرَبِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إفادَةٌ عَلى وزْنِ إشارَةٍ. ويَظْهَرُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ، كَما قالُوا: إشاحٌ في وِشاحٍ، فالوَزْن فِعالَةٌ؛ أيْ: فاجْعَلْ ذَوِي وِفادَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ أفادَ إفادَةً، أوْ ذَوِي إفادَةٍ، وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يُفِيدُونَ ويُنْتَفَعُ بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ وتَطِيرُ نَحْوَهم شَوْقًا ونِزاعًا، ولَمّا ضَمَّنَ تَهْوِي مَعْنى تَمِيلُ عَدّاهُ بِإلى، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِاللّامِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الوَلِيدِ بِها ∗∗∗ طارَتْ وفي كَفِّهِ مِن رِيشِها تَبْكِ ومِثالُ ما في الآيَةِ؛ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَكُفّارِها . وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: تُهْوى، بِضَمِّ التّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى المَنقُولَةِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن هَوى اللّازِمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُسْرِعُ بِها إلَيْهِمْ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومُجاهِدٌ: تَهْوى: مُضارِعُ هَوى بِمَعْنى أحَبَّ، ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى النُّزُوعِ والمَيْلِ عُدِّيَ بِإلى. وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ مَعَ سُكّانِهِمْ وادِيًا ما فِيهِ شَيْءٌ مِنها بِأنْ يُجْلَبَ إلَيْهِمْ مِنَ البِلادِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ورُوِيَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطّائِفِيِّ أنَّهُ لَمّا دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَرْزُقَ سُكّانَ مَكَّةَ الثَّمَراتِ، بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاقْتَلَعَ بِجَناحِهِ قِطْعَةٌ مِن فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: مِنَ الأُرْدُنِّ فَجاءَ بِها، وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا، ووَضَعَها قَرِيبَ مَكَّةَ فَهي الطّائِفُ. وبِهَذِهِ القِصَّةِ سُمِّيَتْ وهي مَوْضِعُ ثَقِيفٍ، وبِها أشْجارٌ وثَمَراتٌ. ورُوِيَ نَحْوٌ مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ النِّعْمَةُ في أنْ يُرْزَقُوا أنْواعَ الثَّمَراتِ حاضِرَةً في وادٍ بِبابٍ لَيْسَ فِيهِ نَجْمٌ ولا شَجَرٌ ولا ماءٌ، لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أجابَ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا، ثُمَّ فَضَّلَهُ في وُجُودِ أصْنافِ الثِّمارِ فِيهِ عَلى كُلِّ رِيفٍ، وعَلى أخْصَبِ البِلادِ وأكْثَرِها ثِمارًا، وفي أيِّ بَلَدٍ مِن بِلادِ الشَّرْقِ والغَرْبِ تَرى الأُعْجُوبَةَ الَّتِي يُرِيكُها اللَّهُ. بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ؛ وهي: اجْتِماعُ البَواكِيرِ والفَواكِهِ المُخْتَلِفَةِ الأزْمانِ مِنَ الرَّبِيعِيَّةِ والصَّيْفِيَّةِ والخَرِيفِيَّةِ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن آياتِهِ بِعَجِيبٍ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْم يَقُومُ الحِسابُ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّضَرُّعِ والِالتِجاءِ، ولا يَظْهَرُ تَفاوُتٌ بَيْنَ إضافَةِ رَبٍّ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وبَيْنَ إضافَتِهِ إلى جَمْعِ المُتَكَلِّمِ، وما نُخْفِي وما نُعْلِنُ: عامٌّ فِيما يُخْفُونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ لِما وقَعَ بَيْنَنا مِنَ الفُرْقَةِ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِن كَآبَةِ الِافْتِراقِ، وما نُعْلِنُ مِمّا جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حِينَ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ قالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم. قالَتْ: آللَّهُ أمْرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَتْ: لا نَخْشى، تَرَكْتَنا إلى كافٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾، مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لِاكْتِنافِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ بِكَلامِ إبْراهِيمَ. لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى عَمَّمَ (ما يَخْفى) هو ومَن كَنّى عَنْهُ، تَمَّمَ جَمِيعَ الأشْياءِ، وأنَّها غَيْرُ خافِيَةٍ عَنْهُ تَعالى. وقِيلَ: ﴿وما يَخْفى﴾ الآيَةُ مِن كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] والظّاهِرُ أنَّ (p-٤٣٤)هَذِهِ الجُمَلَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ تَقَعْ مِنهُ في زَمانٍ واحِدٍ، وإنَّما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ما وقَعَ في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ إسْحاقَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حالَةَ دُعائِهِ، إذْ تَرَكَ هاجَرَ والطُّفَيْلَ بِمَكَّةَ. فالظّاهِرُ أنَّ حَمْدَهُ اللَّهَ تَعالى عَلى هِبَةِ ولَدَيْهِ لَهُ كانَ بَعْدَ وُجُودِ إسْحاقَ، وعَلى الكِبَرِ: يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الكِبَرِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْيِينِ المُدَّةِ الَّتِي وُهِبَ لَهُ فِيها ولَداهُ. ورُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وقِيلَ: إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ، وإسْحاقُ لِتِسْعِينَ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وإنَّما ذَكَرَ حالَ الكِبَرِ لِأنَّ المِنَّةَ فِيها بِهِبَةِ الوَلَدِ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ الكِبَرَ مَظِنَّةُ اليَأْسِ مِنَ الوَلَدِ، فَإنَّ مَجِيءَ الشَّيْءِ بَعْدَ الإياسِ أحْلى في النَّفْسِ وأبْهَجُ لَها. وعَلى الكِبَرِ: في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ قالَ: وأنا كَبِيرٌ، و(عَلى) عَلى بابِها مِنَ الِاسْتِعْلاءِ لَكِنَّهُ مَجازٌ، إذِ الكِبَرُ مَعْنى لا جَرَمَ يَتَكَوَّنُ، وكَأنَّهُ لَمّا أسَنَّ وكَبِرَ صارَ مُسْتَعْلِيًا عَلى الكِبَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (عَلى) في قَوْلِهِ ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي ∗∗∗ أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وكَنّى بِسَمِيعِ الدُّعاءِ عَنِ الإجابَةِ والتَّقَبُّلِ، وكانَ قَدْ دَعا اللَّهَ أنْ يَهَبَهُ ولَدًا، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فَحَمِدَ اللَّهَ عَلى ما وهَبَهُ مِنَ الوَلَدِ وأكْرَمَهُ بِهِ مِن إجابَةِ دُعائِهِ. والظّاهِرُ إضافَةُ سَمِيعٍ إلى المَفْعُولِ، وهو مِن إضافَةِ المِثالِ الَّذِي عَلى وزْنِ فَعِيلٍ إلى المَفْعُولِ، فَيَكُونُ إضافَةً مِن نَصْبٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى إعْمالِ فَعِيلٍ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ في المَفْعُولِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وخالَفَ الكُوفِيُّونَ فِيهِ. وفي إعْمالِ باقِي الخَمْسَةِ الأمْثِلَةِ فَعُولٍ، وفَعّالٍ، ومِفْعالٍ، وفَعِلٍ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذا لَيْسَ ذَلِكَ إضافَةً مِن نَصْبٍ فَيَلْزَمُ جَوازُ إعْمالِهِ، بَلْ هي إضافَةٌ كَإضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ، في نَحْوِ: هَذا ضارِبُ زَيْدٍ أمْسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ فَعِيلٍ إلى فاعِلِهِ، ويَجْعَلُ دُعاءَ اللَّهِ سَمِيعًا عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، والمُرادُ: سَماعُ اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو بَعِيدٌ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والصِّفَةُ مُتَعَدِّيَةٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عِنْدأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ حَيْثُ لا يَكُونُ لَبْسٌ. وأمّا هُنا فاللَّبْسُ حاصِلٌ، إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن إضافَةِ المِثالِ لِلْمَفْعُولِ، لا مِن إضافَتِهِ إلى الفاعِلِ. وإنَّما أجازَ ذَلِكَ الفارِسِيُّ في مِثْلِ: زَيْدٌ ظالِمُ العَبِيدِ إذا عُلِمَ أنَّ لَهُ عَبِيدًا ظالِمِينَ. ودُعاؤُهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ وهو مُقِيمُها، إنَّما يُرِيدُ بِذَلِكَ الدَّيْمُومَةَ. ومِن ذُرِّيَّتِي: (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ أُعْلِمَ أنَّ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ كافِرًا، أوْ مَن يُهْمِلُ إقامَتَها وإنْ كانَ مُؤْمِنًا. وقَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ: دُعاءُ رَبِّنا، بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَقْفِ. ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: إثْباتُها في الوَصْلِ. والظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ المَغْفِرَة لِأبَوَيْهِ القَرِيبَيْنِ، وكانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، وكانَ والِدُهُ لَمْ يَيْأسْ مِن إيمانِهِ ولَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ عَداوَةُ اللَّهِ، وهَذا يَتَمَشّى إذا قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الأدْعِيَةَ كانَتْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَمَعَ هُنا أشْياء مِمّا كانَ دَعا بِها. وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ، ونُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ. والأظْهَرُ: القَوْلُ الأوَّلُ. وقَدْ جاءَ نَصًّا دُعاؤُهُ لِأبِيهِ بِالمَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ لَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ (قُلْتُ): هو مِن تَجْوِيزاتِ العَقْلِ، لا يُعْلَمُ امْتِناعُ جَوازِهِ إلّا بِالتَّوْقِيفِ؛ انْتَهى. وهو في ذَلِكَ مُوافِقٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ، مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدٌ، وزَيْدٌ: (رَبَّنا) عَلى الخَبَرِ. وابْنُ يَعْمَرَ والزُّهْرِيُّ والنَّخَعِيُّ: (ولِوَلَدَيَّ) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللّامِ، يَعْنِي: إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (ولِأبَوِيَّ)، وعَنْ يَحْيَـى بْنِ يَعْمَرَ: (ولِوُلْدَيَّ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ (p-٤٣٥)يَكُونَ جَمْعَ ولَدٍ كَأسُدٍ في أسَدٍ، ويَكُونُ قَدْ دَعا ذُرِّيَّتَهُ، وأنْ يَكُونَ لُغَةً في الوَلَدِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ ولَدَ حِمارٍ كَما قالُوا: العَدَمُ والعُدْمُ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ولِوالِدِي)، بِإسْكانِ الياءِ عَلى الإفْرادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]، وقِيامُ الحِسابِ مَجازٌ عَنْ وُقُوعِهِ وثُبُوتِهِ، كَما يُقالُ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: أهْلِ الحِسابِ، كَما قالَ:

إبراهيم 14:41

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩] ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [إبراهيم: ٥١] ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] . جَنَبَ مُخَفَّفًا وأجْنَبَ رُباعِيًّا، لُغَةُ نَجْدٍ؛ وجَنَّبَ مُشَدَّدًا لُغَةُ الحِجازِ، والمَعْنى مَنَعَ، وأصَّلَهُ الجانِبُ. الهَوى: الهُبُوطُ بِسُرْعَةٍ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا رُمِيَتْ بِهِ الفِجاجُ رَأيْتَهُ تَهْوِي مَخارِمُها هَوى الأجْدَلِ شَخَصَ البَصَرُ أحَدَ النَّظَرِ، ولَمْ يَسْتَقِرَّ في مَكانِهِ. المُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مَشْيِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِمُهْطِعٍ سَرَحَ كَأنَّ عِنانَهُ في ∗∗∗ رَأْسِ جِذْعٍ مَن أراكٍ مُشَذَّبِ وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ: ؎إذا دَعانا فَأُهْطِعْنا لِدَعْوَتِهِ ∗∗∗ داعٍ سُمَيْعٍ فَلَبَوْنا وساقُونا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الإهْطاعُ: الإسْراعُ وإدامَةُ النَّظَرِ. المُقْنِعُ: هو الرّافِعُ رَأْسَ المُقْبِلِ بِبَصَرِهِ عَلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والقُتَبِيُّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُباكِرُنَّ العُصاةَ بِمُقْنِعاتٍ ∗∗∗ نَواجِذُهُنَّ كالحَدَأِ الوَقِيعِ (p-٤٣٠)يَصِفُ الإبِلَ بِالإقْناعِ عِنْدَ رَعْيِها أعالِيَ الشَّجَرِ، ويُقالُ: أقْنَعَ رَأْسَهُ نَكَّسَهُ وطَأْطَأهُ، فَهو مِنَ الأضْدادِ. قالَ المُبَرِّدُ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى رَفَعَ أعْرَفَ في اللُّغَة؛ انْتَهى. وقِيلَ: مِنهُ قَنِعَ الرَّجُلُ إذا رَضِيَ، كَأنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السُّؤالِ. وفَمٌ مُقْنِعٌ مَعْطُوفَةٌ أسْنانُهُ إلَيْهِ داخِلًا، ورَجُلٌ مُقَنِّعٌ، بِالتَّشْدِيدِ، عَلَيْهِ بَيْضَةُ الرَّأْسِ؛ مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أرْؤُسٍ. الطَّرْفُ: العَيْنُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ويُقالُ: طَرَفَ الرَّجُلُ: طَبَّقَ جَفْنَهُ عَلى الآخَرِ، وسُمِّيَ الجَفْنُ طَرَفًا لِأنَّهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ الهَواءُ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلُهُ الأجْرامُ الكَثِيفَةُ، واسْتُعِيرَ لِلْجَبانِ، فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ الرَّجُلَ مِنها فَوْقَ صَعْلٍ ∗∗∗ مِنَ الظُّلُماتِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ المُقَرَّنُ: المَشْدُودُ في القَرْنِ، وهو الحَبْلُ. الصَّفَدُ: الغُلُّ، والقَيْدُ، يُقالُ: صَفَدَهُ صَفْدًا قَيَّدَهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، وفي التَّكْثِيرِ صَفَّدَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وأبْقَـى بِــالمُلُــوكِ مُصْفِــدِينَــا وأصْفَدْتُهُ: أعْطَيْتُهُ. وقِيلَ: صَفَّدَ وأصْفَدَ مَعًا في القَيْدِ والإعْطاءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فلـم أعْرِضْ، أبَيْتُ اللَّعْـنَ، بِالصَّفَـدِ أيْ: بِالعَطاءِ. وسُمِّيَ العَطاءُ صَفَدًا لِأنَّهُ يُقَيَّدُ ويُعْبَدُ. السِّرْبالُ: القَمِيصُ، يُقالُ: سَرْبَلْتُهُ فَتَسَرْبَلَ. القَطِرانُ: ما يُحْلَبُ مِن شَجَرِ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ، وتَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى، فَيُحْرَقُ الجَرَبُ بِحَرِّهِ وحِدَّتِهِ، وهو أقْبَلُ الأشْياءِ اشْتِعالًا، ويُقالُ فِيهِ قَطْرانٌ بِوَزْنِ سَكْرانَ، وقِطْرانٌ بِوَزْنِ سِرْحانٍ. ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ التَّعْجِيبَ مِنَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وهم قُرَيْشٌ ومَن تابَعَهم مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، وكانَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إسْكانُهُ إيّاهم حَرَمَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أصْلِهِمْ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - دَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ آمِنَةً، ودَعا بِأنْ يُجَنِّبَ بَنِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ، وأنَّهُ أسْكَنَهُ وذُرِّيَّتَهُ في بَيْتِهِ لِيَعْبُدُوهُ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ العِبادَةِ وهي الصَّلاةُ، لِيَنْظُرُوا في دِينِ أبِيهِمْ، وأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ارْتَكَبُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَيَزْدَجِرُوا ويَرْجِعُوا عَنْها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ هُنا هَذا البَلَدُ مُعَرَّفًا، وفي البَقَرَةِ مُنْكَرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا سَألَ في الأوَّلِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي يَأْمَنُ أهْلُها ولا يَخافُونَ، وفي الثّانِي أنْ يَخْرُجَ مِن صِفَةٍ كانَ عَلَيْها مِنَ الخَوْفِ إلى ضِدِّها مِنَ الأمْنِ، كَأنَّهُ قالَ: هو بَلَدٌ مَخُوفٌ، فاجْعَلْهُ آمِنًا؛ انْتَهى. ودَعا إبْراهِيمُ أوَّلًا بِما هو عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو كَوْنُ مَحَلِّ العابِدِ آمِنًا لا يَخافُ فِيهِ، إذْ يَتَمَكَّنُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ دَعا ثانِيًا بِأنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. ومَعْنى واجْنُبْنِي وبَنِيَّ: أدِمْنِي وإيّاهم عَلى اجْتِنابِ عِبادَةِ الأصْنامِ. وأرادَ بِقَوْلِهِ: وبَنِيَّ: أوْلادَهُ، مِن صُلْبِهِ الأقْرِباءِ. وأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ الحَرَمَ آمِنًا، ولَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن بَنِيهِ الأقْرِباءِ لِصُلْبِهِ صَنَمًا. قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وقَدْ سُئِلَ، كَيْفَ عَبَدَتِ العَرَبُ الأصْنامَ ؟ قالَ: ما عَبَدَ أحَدٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ صَنَمًا وكانُوا ثَمانِيَةً، إنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَنْصُبُونَها ويَقُولُونَ: حَجَرٌ، فَحَيْثُ ما نَصَبُوا حَجَرًا فَهو بِمَعْنى البَيْتِ، فَكانُوا يَدُورُونَ بِذَلِكَ الحَجَرِ ويُسَمُّونَهُ الدُّوارَ؛ انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الدُّعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا ؟ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ. وكَرَّرَ النِّداءَ اسْتِعْطافًا لِرَبِّهِ تَعالى، وذَكَرَ سَبَبَ طَلَبِهِ: أنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ عِبادَةَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، إذْ قَدْ شاهَدَ أباهُ (p-٤٣١)وقَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ. ومَعْنى أضْلَلْنا: كُنّا سَبَبًا لِإضْلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، والمَعْنى: أنَّهم ضَلُّوا بِعِبادَتِها، كَما تَقُولُ: فِتْنَتُهُمُ الدُّنْيا، أيِ: افْتَتَنُوا بِها، واغْتَرُّوا بِسَبَبِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ: وأجْنِبْنِي مِن أجْنَبَ، وأنَّثَ الأصْنامَ لِأنَّهُ جَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُخْبِرُ عَنْهُ أخْبارَ المُؤَنَّثِ كَما تَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرَتْ. والإخْبارُ عَنْهُ إخْبارُ جَمْعِ العاقِلِ المُذَكَّرِ بِالواوِ ومَجازٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: فَقَدْ ضَلُّوا كَثِيرًا. فَمَن تَبِعَنِي، أيْ: عَلى دِينِي وما أنا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مِنِّي. جَعَلَهُ لِفَرْطِ الِاخْتِصاصِ بِهِ ومُلابَسَتِهِ كَقَوْلِهِ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» أيْ لَيْسَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ تَنْبِيهًا عَلى تَعْظِيمِ الغِشِّ بِحَيْثُ هو يَسْلُبُ الغاشَّ الإيمانَ، والمَعْنى: أنَّ الغِشَّ لَيْسَ مِن أوْصافِ أهْلِ الإيمانِ. ومَن عَصانِي، هَذا فِيهِ طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، لِأنَّ التَّبَعِيَّةَ طاعَةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . قالَ مُقاتِلٌ: ومَن عَصانِي فَيُحادُّونَ الشِّرْكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَغْفِرُ لِي ما سَلَفَ مِنَ العِصْيانِ إذا بَدا لِي فِيهِ واسْتَحْدَثَ الطّاعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن عَصانِي ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَعْناهُ حِين يُؤْمِنُوا، لِأنَّهُ أرادَ أنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِكُلِّ كافِرٍ، لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُّطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ ﷺ . وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] . ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ رَغْبَةً في الإجابَةِ وإظْهارًا لِلتَّذَلُّلِ، والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى. وأتى بِضَمِيرِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وذَكَرَ بَنِيهِ في قَوْلِهِ: واجْنُبْنِي وبَنِيَّ، ومِن ذُرِّيَّتِي هو إسْماعِيلُ، ومَن وُلِدَ مِنهُ. وذَلِكَ هاجَرُ لَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ غارَتْ مِنها سارَّةُ، فَرُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِّفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا ولِيَ دَعا بِما في ضِمْنِ هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما جَرى لَها ولِإسْماعِيلَ هُناكَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِّيَرِ وغَيْرِهِ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ في الشّامِ، والوادِي ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ ماءٌ، وإنَّما قالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، لِأنَّهُ كانَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ هاجَرَ وابْنَها في ذَلِكَ الوادِي، وأنَّهُ يَرْزُقُها الماءَ، وإنَّما نَظَرَ النَّظَرَ البَعِيدَ، فَقالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، ولَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَقالَ: غَيْرِ ذِي ماءٍ، عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ حالُ الوادِي عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُقالُ إنَّ انْتِفاءَ كَوْنِهِ ذا زَرْعٍ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفاءِ الماءِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ زَرْعٌ إلّا حَيْثُ وُجِدَ الماءُ، فَنَفى ما يَتَسَبَّبُ عَنِ الماءِ وهو الزَّرْعُ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ وهو الماءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِوادٍ هو (p-٤٣٢)وادِي مَكَّةَ، غَيْرِ ذِي زَرْعٍ: لا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ قَطُّ كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يُوجَدُ فِيهِ اعْوِجاجٌ، ما فِيهِ إلّا اسْتِقامَةٌ لا غَيْرَ؛ انْتَهى. واسْتَعْمَلَ (قَطُّ) وهي ظَرْفٌ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ الماضِي مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (لا يَكُونُ)، ولَيْسَ هو ماضِيًا، وهو مَكانُ (أبَدًا) الَّذِي يُسْتَعْمَلُ مَعَ غَيْرِ الماضِي مِنَ المُسْتَقْبَلاتِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾، يَقْتَضِي وُجُودَ البَيْتِ حالَةَ الدُّعاءِ، وسَبَقَهُ قِبَلَهُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَيْتِ، ومَتى وُضِعَ في البَقَرَةِ، وفي آلِ عِمْرانَ. ووُصِفَ بِالمُحَرَّمِ لِكَوْنِهِ حُرِّمَ عَلى الطُّوفانِ، أيْ: مُنِعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ بِعَتِيقٍ لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا مُمَنَّعًا مِنَ الجَبابِرَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ مُحْتَرَمًا لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. و﴿لِيُقِيمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ أسْكَنْتُ. ورَبَّنا دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يَخْلُو هَذا البَيْتُ المُعَظَّمُ مِنَ العِبادَةِ. وقِيلَ: هي لامُ الأمْرِ، دَعا لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وخَصَّ الصَّلاةَ دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِأنَّها أفْضَلُها، أوْ لِأنَّها سَبَبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُقِيمُوا﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ دَلالَةً عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُهُ بِأنَّ هَذا الطِّفْلَ سَيُعَقَّبُ هُنالِكَ، ويَكُونُ لَهُ نَسْلٌ. وأفْئِدَةٌ: جَمْعُ فُؤادٍ، وهي القُلُوبُ، سُمِّيَ القَلْبُ فُؤادًا لِإتْفادِهِ مَأْخُوذٌ مِن فَأدَ، ومِنهُ المُفْتَأدُ، وهو مُسْتَوْقَدُ النّارِ حَيْثُ يُشْوى اللَّحْمُ. وقالَ مُؤَرِّجٌ الأفْئِدَةُ: القَطْعُ مِنَ النّاسِ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ بَحْرٍ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْئِدَةُ النّاسِ، لازْدَحَمَتْ عَلى البَيْتِ فارِسُ والرُّومُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَحَجَّتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى. والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أفْئِدَةٌ مِنَ النّاسِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلِابْتِداءِ، كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفْئِدَةُ ناسٍ، وإنَّما نَكَّرَ المُضافَ إلَيْهِ في هَذا التَّمْثِيلِ لِتَنْكِيرِ أفْئِدَةٍ، لِأنَّها في الآيَةِ نَكِرَةٌ لِتَتَناوَلَ بَعْضَ الأفْئِدَةِ؛ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّها لَيْسَ لَنا فِعْلٌ يُبْتَدَأُ فِيهِ لِغايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها، إذْ لا يَصِحُّ ابْتِداءً جَعْلُ الأفْئِدَةِ مِنَ النّاسِ، وإنَّما الظّاهِرُ في (مِن) التَّبْعِيضُ. وقَرَأ هِشامٌ: أفْئِيدَةً، بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الحُلْوانِيُّ، عَنْهُ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى الإشْباعِ، ولَمّا كانَ الإشْباعُ لا يَكُونُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنَّ هِشامًا قَرَأ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ كالياءِ، فَعَبَّرَ الرّاوِي عَنْها بِالياءِ، فَظَنَّ مَن أخْطَأ فَهْمَهُ أنَّها بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، والمُرادُ بِياءٍ عِوَضًا مِنَ الهَمْزَةِ، قالَ: فَيَكُونُ هَذا التَّحْرِيفُ مِن جِنْسِ التَّحْرِيفِ المَنسُوبِ إلى مَن رَوى عَنْ أبِي عَمْرٍو: بارِئُكم ويَأْمُرُكم، ونَحْوُهُ بِإسْكانِ حَرَكَةِ الإعْرابِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ اخْتِلاسًا. قالَ أبُو عَمْرٍو والدّانِيُّ الحافِظُ: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ هَذا القَوْلِ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأنَّ النَّقَلَةَ عَنْ هِشامٍ وأبِي عُمَرَ، وكانُوا مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالقِراءَةِ ووُجُوهِها، ولَيْسَ يُفْضِي بِهِمُ الجَهْلُ إلى أنْ يُعْتَقَدَ فِيهِمْ مِثْلُ هَذا، وقُرِئَ آفِدَةً: عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْحَذْفِ مَن أفِدَ، أيْ: دَنا وقَرُبَ وعَجِلَ، أيْ: جَماعَةٌ آفِدَةٌ، أوْ جَماعاتٌ آفِدَةٌ، وأنْ يَكُونَ جَمْعُ ذَلِكَ فُؤادٌ، ويَكُونُ مِن بابِ القَلْبِ، وصارَ بِالقَلْبِ أأْفِدَةً، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ ألِفًا كَما قالُوا في آرَآمٍ: أأْرامٍ، فَوَزْنُهُ أعْفِلَةٌ. وقُرِئَ أفِدَّةٌ عَلى وزْنِ فَعِلَّةٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ فُؤادٍ، وذَلِكَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو الفاءُ، وإنْ كانَ تَسْهِيلُها بَيْنَ بَيْنَ هو الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِل مِن أفِدَ، كَما تَقُولُ: فَرِحَ فَهو فَرِحٌ. وقَرَأتْ أُمُّ الهَيْثَمِ: أفْوِدَةٌ، بِالواوِ المَكْسُورَةِ، بَدَلَ الهَمْزَةِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو جَمْعُ وفَدٍ، والقِراءَةُ حَسَنَةٌ: لَكِنِّي لا أعْرِفُ هَذِهِ المَرْأةَ، بَلْ ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ؛ انْتَهى. أبْدَلَ الهَمْزَةَ في فُؤادٍ بَعْدَ الضَّمَّةِ كَما أُبْدِلَتْ في جَوْنٍ، ثُمَّ جَمَعَ فَأقَرَّها في الجَمْعِ إقْرارَها في المُفْرَدِ. وهو جَمْعُ وفَدٍ، كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقَلَبَ إذِ الأصْلُ أوْفَدَهُ. وجَمْعَ فَعْلٍ عَلى أفْعِلَةٍ شاذٌّ نَحْوَ: نَجْدٍ وأنْجِدَةٍ، ووَهْيٍ وأوْهِيَةٍ. وأُمُّ الهَيْثَمِ (p-٤٣٣)امْرَأةٌ نُقِلَ عَنْها شَيْءٌ مِن لُغاتِ العَرَبِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إفادَةٌ عَلى وزْنِ إشارَةٍ. ويَظْهَرُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ، كَما قالُوا: إشاحٌ في وِشاحٍ، فالوَزْن فِعالَةٌ؛ أيْ: فاجْعَلْ ذَوِي وِفادَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ أفادَ إفادَةً، أوْ ذَوِي إفادَةٍ، وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يُفِيدُونَ ويُنْتَفَعُ بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ وتَطِيرُ نَحْوَهم شَوْقًا ونِزاعًا، ولَمّا ضَمَّنَ تَهْوِي مَعْنى تَمِيلُ عَدّاهُ بِإلى، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِاللّامِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الوَلِيدِ بِها ∗∗∗ طارَتْ وفي كَفِّهِ مِن رِيشِها تَبْكِ ومِثالُ ما في الآيَةِ؛ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَكُفّارِها . وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: تُهْوى، بِضَمِّ التّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى المَنقُولَةِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن هَوى اللّازِمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُسْرِعُ بِها إلَيْهِمْ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومُجاهِدٌ: تَهْوى: مُضارِعُ هَوى بِمَعْنى أحَبَّ، ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى النُّزُوعِ والمَيْلِ عُدِّيَ بِإلى. وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ مَعَ سُكّانِهِمْ وادِيًا ما فِيهِ شَيْءٌ مِنها بِأنْ يُجْلَبَ إلَيْهِمْ مِنَ البِلادِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ورُوِيَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطّائِفِيِّ أنَّهُ لَمّا دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَرْزُقَ سُكّانَ مَكَّةَ الثَّمَراتِ، بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاقْتَلَعَ بِجَناحِهِ قِطْعَةٌ مِن فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: مِنَ الأُرْدُنِّ فَجاءَ بِها، وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا، ووَضَعَها قَرِيبَ مَكَّةَ فَهي الطّائِفُ. وبِهَذِهِ القِصَّةِ سُمِّيَتْ وهي مَوْضِعُ ثَقِيفٍ، وبِها أشْجارٌ وثَمَراتٌ. ورُوِيَ نَحْوٌ مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ النِّعْمَةُ في أنْ يُرْزَقُوا أنْواعَ الثَّمَراتِ حاضِرَةً في وادٍ بِبابٍ لَيْسَ فِيهِ نَجْمٌ ولا شَجَرٌ ولا ماءٌ، لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أجابَ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا، ثُمَّ فَضَّلَهُ في وُجُودِ أصْنافِ الثِّمارِ فِيهِ عَلى كُلِّ رِيفٍ، وعَلى أخْصَبِ البِلادِ وأكْثَرِها ثِمارًا، وفي أيِّ بَلَدٍ مِن بِلادِ الشَّرْقِ والغَرْبِ تَرى الأُعْجُوبَةَ الَّتِي يُرِيكُها اللَّهُ. بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ؛ وهي: اجْتِماعُ البَواكِيرِ والفَواكِهِ المُخْتَلِفَةِ الأزْمانِ مِنَ الرَّبِيعِيَّةِ والصَّيْفِيَّةِ والخَرِيفِيَّةِ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن آياتِهِ بِعَجِيبٍ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْم يَقُومُ الحِسابُ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّضَرُّعِ والِالتِجاءِ، ولا يَظْهَرُ تَفاوُتٌ بَيْنَ إضافَةِ رَبٍّ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وبَيْنَ إضافَتِهِ إلى جَمْعِ المُتَكَلِّمِ، وما نُخْفِي وما نُعْلِنُ: عامٌّ فِيما يُخْفُونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ لِما وقَعَ بَيْنَنا مِنَ الفُرْقَةِ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِن كَآبَةِ الِافْتِراقِ، وما نُعْلِنُ مِمّا جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حِينَ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ قالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم. قالَتْ: آللَّهُ أمْرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَتْ: لا نَخْشى، تَرَكْتَنا إلى كافٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾، مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لِاكْتِنافِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ بِكَلامِ إبْراهِيمَ. لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى عَمَّمَ (ما يَخْفى) هو ومَن كَنّى عَنْهُ، تَمَّمَ جَمِيعَ الأشْياءِ، وأنَّها غَيْرُ خافِيَةٍ عَنْهُ تَعالى. وقِيلَ: ﴿وما يَخْفى﴾ الآيَةُ مِن كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] والظّاهِرُ أنَّ (p-٤٣٤)هَذِهِ الجُمَلَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ تَقَعْ مِنهُ في زَمانٍ واحِدٍ، وإنَّما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ما وقَعَ في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ إسْحاقَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حالَةَ دُعائِهِ، إذْ تَرَكَ هاجَرَ والطُّفَيْلَ بِمَكَّةَ. فالظّاهِرُ أنَّ حَمْدَهُ اللَّهَ تَعالى عَلى هِبَةِ ولَدَيْهِ لَهُ كانَ بَعْدَ وُجُودِ إسْحاقَ، وعَلى الكِبَرِ: يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الكِبَرِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْيِينِ المُدَّةِ الَّتِي وُهِبَ لَهُ فِيها ولَداهُ. ورُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وقِيلَ: إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ، وإسْحاقُ لِتِسْعِينَ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وإنَّما ذَكَرَ حالَ الكِبَرِ لِأنَّ المِنَّةَ فِيها بِهِبَةِ الوَلَدِ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ الكِبَرَ مَظِنَّةُ اليَأْسِ مِنَ الوَلَدِ، فَإنَّ مَجِيءَ الشَّيْءِ بَعْدَ الإياسِ أحْلى في النَّفْسِ وأبْهَجُ لَها. وعَلى الكِبَرِ: في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ قالَ: وأنا كَبِيرٌ، و(عَلى) عَلى بابِها مِنَ الِاسْتِعْلاءِ لَكِنَّهُ مَجازٌ، إذِ الكِبَرُ مَعْنى لا جَرَمَ يَتَكَوَّنُ، وكَأنَّهُ لَمّا أسَنَّ وكَبِرَ صارَ مُسْتَعْلِيًا عَلى الكِبَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (عَلى) في قَوْلِهِ ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي ∗∗∗ أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وكَنّى بِسَمِيعِ الدُّعاءِ عَنِ الإجابَةِ والتَّقَبُّلِ، وكانَ قَدْ دَعا اللَّهَ أنْ يَهَبَهُ ولَدًا، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فَحَمِدَ اللَّهَ عَلى ما وهَبَهُ مِنَ الوَلَدِ وأكْرَمَهُ بِهِ مِن إجابَةِ دُعائِهِ. والظّاهِرُ إضافَةُ سَمِيعٍ إلى المَفْعُولِ، وهو مِن إضافَةِ المِثالِ الَّذِي عَلى وزْنِ فَعِيلٍ إلى المَفْعُولِ، فَيَكُونُ إضافَةً مِن نَصْبٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى إعْمالِ فَعِيلٍ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ في المَفْعُولِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وخالَفَ الكُوفِيُّونَ فِيهِ. وفي إعْمالِ باقِي الخَمْسَةِ الأمْثِلَةِ فَعُولٍ، وفَعّالٍ، ومِفْعالٍ، وفَعِلٍ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذا لَيْسَ ذَلِكَ إضافَةً مِن نَصْبٍ فَيَلْزَمُ جَوازُ إعْمالِهِ، بَلْ هي إضافَةٌ كَإضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ، في نَحْوِ: هَذا ضارِبُ زَيْدٍ أمْسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ فَعِيلٍ إلى فاعِلِهِ، ويَجْعَلُ دُعاءَ اللَّهِ سَمِيعًا عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، والمُرادُ: سَماعُ اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو بَعِيدٌ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والصِّفَةُ مُتَعَدِّيَةٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عِنْدأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ حَيْثُ لا يَكُونُ لَبْسٌ. وأمّا هُنا فاللَّبْسُ حاصِلٌ، إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن إضافَةِ المِثالِ لِلْمَفْعُولِ، لا مِن إضافَتِهِ إلى الفاعِلِ. وإنَّما أجازَ ذَلِكَ الفارِسِيُّ في مِثْلِ: زَيْدٌ ظالِمُ العَبِيدِ إذا عُلِمَ أنَّ لَهُ عَبِيدًا ظالِمِينَ. ودُعاؤُهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ وهو مُقِيمُها، إنَّما يُرِيدُ بِذَلِكَ الدَّيْمُومَةَ. ومِن ذُرِّيَّتِي: (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ أُعْلِمَ أنَّ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ كافِرًا، أوْ مَن يُهْمِلُ إقامَتَها وإنْ كانَ مُؤْمِنًا. وقَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ: دُعاءُ رَبِّنا، بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَقْفِ. ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: إثْباتُها في الوَصْلِ. والظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ المَغْفِرَة لِأبَوَيْهِ القَرِيبَيْنِ، وكانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، وكانَ والِدُهُ لَمْ يَيْأسْ مِن إيمانِهِ ولَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ عَداوَةُ اللَّهِ، وهَذا يَتَمَشّى إذا قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الأدْعِيَةَ كانَتْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَمَعَ هُنا أشْياء مِمّا كانَ دَعا بِها. وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ، ونُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ. والأظْهَرُ: القَوْلُ الأوَّلُ. وقَدْ جاءَ نَصًّا دُعاؤُهُ لِأبِيهِ بِالمَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ لَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ (قُلْتُ): هو مِن تَجْوِيزاتِ العَقْلِ، لا يُعْلَمُ امْتِناعُ جَوازِهِ إلّا بِالتَّوْقِيفِ؛ انْتَهى. وهو في ذَلِكَ مُوافِقٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ، مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدٌ، وزَيْدٌ: (رَبَّنا) عَلى الخَبَرِ. وابْنُ يَعْمَرَ والزُّهْرِيُّ والنَّخَعِيُّ: (ولِوَلَدَيَّ) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللّامِ، يَعْنِي: إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (ولِأبَوِيَّ)، وعَنْ يَحْيَـى بْنِ يَعْمَرَ: (ولِوُلْدَيَّ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ (p-٤٣٥)يَكُونَ جَمْعَ ولَدٍ كَأسُدٍ في أسَدٍ، ويَكُونُ قَدْ دَعا ذُرِّيَّتَهُ، وأنْ يَكُونَ لُغَةً في الوَلَدِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ ولَدَ حِمارٍ كَما قالُوا: العَدَمُ والعُدْمُ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ولِوالِدِي)، بِإسْكانِ الياءِ عَلى الإفْرادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]، وقِيامُ الحِسابِ مَجازٌ عَنْ وُقُوعِهِ وثُبُوتِهِ، كَما يُقالُ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: أهْلِ الحِسابِ، كَما قالَ:

إبراهيم 14:42

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩] ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [إبراهيم: ٥١] ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] . جَنَبَ مُخَفَّفًا وأجْنَبَ رُباعِيًّا، لُغَةُ نَجْدٍ؛ وجَنَّبَ مُشَدَّدًا لُغَةُ الحِجازِ، والمَعْنى مَنَعَ، وأصَّلَهُ الجانِبُ. الهَوى: الهُبُوطُ بِسُرْعَةٍ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا رُمِيَتْ بِهِ الفِجاجُ رَأيْتَهُ تَهْوِي مَخارِمُها هَوى الأجْدَلِ شَخَصَ البَصَرُ أحَدَ النَّظَرِ، ولَمْ يَسْتَقِرَّ في مَكانِهِ. المُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مَشْيِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِمُهْطِعٍ سَرَحَ كَأنَّ عِنانَهُ في ∗∗∗ رَأْسِ جِذْعٍ مَن أراكٍ مُشَذَّبِ وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ: ؎إذا دَعانا فَأُهْطِعْنا لِدَعْوَتِهِ ∗∗∗ داعٍ سُمَيْعٍ فَلَبَوْنا وساقُونا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الإهْطاعُ: الإسْراعُ وإدامَةُ النَّظَرِ. المُقْنِعُ: هو الرّافِعُ رَأْسَ المُقْبِلِ بِبَصَرِهِ عَلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والقُتَبِيُّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُباكِرُنَّ العُصاةَ بِمُقْنِعاتٍ ∗∗∗ نَواجِذُهُنَّ كالحَدَأِ الوَقِيعِ (p-٤٣٠)يَصِفُ الإبِلَ بِالإقْناعِ عِنْدَ رَعْيِها أعالِيَ الشَّجَرِ، ويُقالُ: أقْنَعَ رَأْسَهُ نَكَّسَهُ وطَأْطَأهُ، فَهو مِنَ الأضْدادِ. قالَ المُبَرِّدُ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى رَفَعَ أعْرَفَ في اللُّغَة؛ انْتَهى. وقِيلَ: مِنهُ قَنِعَ الرَّجُلُ إذا رَضِيَ، كَأنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السُّؤالِ. وفَمٌ مُقْنِعٌ مَعْطُوفَةٌ أسْنانُهُ إلَيْهِ داخِلًا، ورَجُلٌ مُقَنِّعٌ، بِالتَّشْدِيدِ، عَلَيْهِ بَيْضَةُ الرَّأْسِ؛ مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أرْؤُسٍ. الطَّرْفُ: العَيْنُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ويُقالُ: طَرَفَ الرَّجُلُ: طَبَّقَ جَفْنَهُ عَلى الآخَرِ، وسُمِّيَ الجَفْنُ طَرَفًا لِأنَّهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ الهَواءُ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلُهُ الأجْرامُ الكَثِيفَةُ، واسْتُعِيرَ لِلْجَبانِ، فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ الرَّجُلَ مِنها فَوْقَ صَعْلٍ ∗∗∗ مِنَ الظُّلُماتِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ المُقَرَّنُ: المَشْدُودُ في القَرْنِ، وهو الحَبْلُ. الصَّفَدُ: الغُلُّ، والقَيْدُ، يُقالُ: صَفَدَهُ صَفْدًا قَيَّدَهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، وفي التَّكْثِيرِ صَفَّدَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وأبْقَـى بِــالمُلُــوكِ مُصْفِــدِينَــا وأصْفَدْتُهُ: أعْطَيْتُهُ. وقِيلَ: صَفَّدَ وأصْفَدَ مَعًا في القَيْدِ والإعْطاءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فلـم أعْرِضْ، أبَيْتُ اللَّعْـنَ، بِالصَّفَـدِ أيْ: بِالعَطاءِ. وسُمِّيَ العَطاءُ صَفَدًا لِأنَّهُ يُقَيَّدُ ويُعْبَدُ. السِّرْبالُ: القَمِيصُ، يُقالُ: سَرْبَلْتُهُ فَتَسَرْبَلَ. القَطِرانُ: ما يُحْلَبُ مِن شَجَرِ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ، وتَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى، فَيُحْرَقُ الجَرَبُ بِحَرِّهِ وحِدَّتِهِ، وهو أقْبَلُ الأشْياءِ اشْتِعالًا، ويُقالُ فِيهِ قَطْرانٌ بِوَزْنِ سَكْرانَ، وقِطْرانٌ بِوَزْنِ سِرْحانٍ. ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ التَّعْجِيبَ مِنَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وهم قُرَيْشٌ ومَن تابَعَهم مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، وكانَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إسْكانُهُ إيّاهم حَرَمَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أصْلِهِمْ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - دَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ آمِنَةً، ودَعا بِأنْ يُجَنِّبَ بَنِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ، وأنَّهُ أسْكَنَهُ وذُرِّيَّتَهُ في بَيْتِهِ لِيَعْبُدُوهُ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ العِبادَةِ وهي الصَّلاةُ، لِيَنْظُرُوا في دِينِ أبِيهِمْ، وأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ارْتَكَبُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَيَزْدَجِرُوا ويَرْجِعُوا عَنْها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ هُنا هَذا البَلَدُ مُعَرَّفًا، وفي البَقَرَةِ مُنْكَرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا سَألَ في الأوَّلِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي يَأْمَنُ أهْلُها ولا يَخافُونَ، وفي الثّانِي أنْ يَخْرُجَ مِن صِفَةٍ كانَ عَلَيْها مِنَ الخَوْفِ إلى ضِدِّها مِنَ الأمْنِ، كَأنَّهُ قالَ: هو بَلَدٌ مَخُوفٌ، فاجْعَلْهُ آمِنًا؛ انْتَهى. ودَعا إبْراهِيمُ أوَّلًا بِما هو عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو كَوْنُ مَحَلِّ العابِدِ آمِنًا لا يَخافُ فِيهِ، إذْ يَتَمَكَّنُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ دَعا ثانِيًا بِأنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. ومَعْنى واجْنُبْنِي وبَنِيَّ: أدِمْنِي وإيّاهم عَلى اجْتِنابِ عِبادَةِ الأصْنامِ. وأرادَ بِقَوْلِهِ: وبَنِيَّ: أوْلادَهُ، مِن صُلْبِهِ الأقْرِباءِ. وأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ الحَرَمَ آمِنًا، ولَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن بَنِيهِ الأقْرِباءِ لِصُلْبِهِ صَنَمًا. قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وقَدْ سُئِلَ، كَيْفَ عَبَدَتِ العَرَبُ الأصْنامَ ؟ قالَ: ما عَبَدَ أحَدٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ صَنَمًا وكانُوا ثَمانِيَةً، إنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَنْصُبُونَها ويَقُولُونَ: حَجَرٌ، فَحَيْثُ ما نَصَبُوا حَجَرًا فَهو بِمَعْنى البَيْتِ، فَكانُوا يَدُورُونَ بِذَلِكَ الحَجَرِ ويُسَمُّونَهُ الدُّوارَ؛ انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الدُّعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا ؟ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ. وكَرَّرَ النِّداءَ اسْتِعْطافًا لِرَبِّهِ تَعالى، وذَكَرَ سَبَبَ طَلَبِهِ: أنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ عِبادَةَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، إذْ قَدْ شاهَدَ أباهُ (p-٤٣١)وقَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ. ومَعْنى أضْلَلْنا: كُنّا سَبَبًا لِإضْلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، والمَعْنى: أنَّهم ضَلُّوا بِعِبادَتِها، كَما تَقُولُ: فِتْنَتُهُمُ الدُّنْيا، أيِ: افْتَتَنُوا بِها، واغْتَرُّوا بِسَبَبِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ: وأجْنِبْنِي مِن أجْنَبَ، وأنَّثَ الأصْنامَ لِأنَّهُ جَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُخْبِرُ عَنْهُ أخْبارَ المُؤَنَّثِ كَما تَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرَتْ. والإخْبارُ عَنْهُ إخْبارُ جَمْعِ العاقِلِ المُذَكَّرِ بِالواوِ ومَجازٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: فَقَدْ ضَلُّوا كَثِيرًا. فَمَن تَبِعَنِي، أيْ: عَلى دِينِي وما أنا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مِنِّي. جَعَلَهُ لِفَرْطِ الِاخْتِصاصِ بِهِ ومُلابَسَتِهِ كَقَوْلِهِ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» أيْ لَيْسَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ تَنْبِيهًا عَلى تَعْظِيمِ الغِشِّ بِحَيْثُ هو يَسْلُبُ الغاشَّ الإيمانَ، والمَعْنى: أنَّ الغِشَّ لَيْسَ مِن أوْصافِ أهْلِ الإيمانِ. ومَن عَصانِي، هَذا فِيهِ طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، لِأنَّ التَّبَعِيَّةَ طاعَةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . قالَ مُقاتِلٌ: ومَن عَصانِي فَيُحادُّونَ الشِّرْكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَغْفِرُ لِي ما سَلَفَ مِنَ العِصْيانِ إذا بَدا لِي فِيهِ واسْتَحْدَثَ الطّاعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن عَصانِي ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَعْناهُ حِين يُؤْمِنُوا، لِأنَّهُ أرادَ أنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِكُلِّ كافِرٍ، لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُّطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ ﷺ . وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] . ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ رَغْبَةً في الإجابَةِ وإظْهارًا لِلتَّذَلُّلِ، والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى. وأتى بِضَمِيرِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وذَكَرَ بَنِيهِ في قَوْلِهِ: واجْنُبْنِي وبَنِيَّ، ومِن ذُرِّيَّتِي هو إسْماعِيلُ، ومَن وُلِدَ مِنهُ. وذَلِكَ هاجَرُ لَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ غارَتْ مِنها سارَّةُ، فَرُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِّفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا ولِيَ دَعا بِما في ضِمْنِ هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما جَرى لَها ولِإسْماعِيلَ هُناكَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِّيَرِ وغَيْرِهِ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ في الشّامِ، والوادِي ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ ماءٌ، وإنَّما قالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، لِأنَّهُ كانَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ هاجَرَ وابْنَها في ذَلِكَ الوادِي، وأنَّهُ يَرْزُقُها الماءَ، وإنَّما نَظَرَ النَّظَرَ البَعِيدَ، فَقالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، ولَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَقالَ: غَيْرِ ذِي ماءٍ، عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ حالُ الوادِي عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُقالُ إنَّ انْتِفاءَ كَوْنِهِ ذا زَرْعٍ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفاءِ الماءِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ زَرْعٌ إلّا حَيْثُ وُجِدَ الماءُ، فَنَفى ما يَتَسَبَّبُ عَنِ الماءِ وهو الزَّرْعُ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ وهو الماءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِوادٍ هو (p-٤٣٢)وادِي مَكَّةَ، غَيْرِ ذِي زَرْعٍ: لا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ قَطُّ كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يُوجَدُ فِيهِ اعْوِجاجٌ، ما فِيهِ إلّا اسْتِقامَةٌ لا غَيْرَ؛ انْتَهى. واسْتَعْمَلَ (قَطُّ) وهي ظَرْفٌ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ الماضِي مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (لا يَكُونُ)، ولَيْسَ هو ماضِيًا، وهو مَكانُ (أبَدًا) الَّذِي يُسْتَعْمَلُ مَعَ غَيْرِ الماضِي مِنَ المُسْتَقْبَلاتِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾، يَقْتَضِي وُجُودَ البَيْتِ حالَةَ الدُّعاءِ، وسَبَقَهُ قِبَلَهُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَيْتِ، ومَتى وُضِعَ في البَقَرَةِ، وفي آلِ عِمْرانَ. ووُصِفَ بِالمُحَرَّمِ لِكَوْنِهِ حُرِّمَ عَلى الطُّوفانِ، أيْ: مُنِعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ بِعَتِيقٍ لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا مُمَنَّعًا مِنَ الجَبابِرَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ مُحْتَرَمًا لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. و﴿لِيُقِيمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ أسْكَنْتُ. ورَبَّنا دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يَخْلُو هَذا البَيْتُ المُعَظَّمُ مِنَ العِبادَةِ. وقِيلَ: هي لامُ الأمْرِ، دَعا لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وخَصَّ الصَّلاةَ دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِأنَّها أفْضَلُها، أوْ لِأنَّها سَبَبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُقِيمُوا﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ دَلالَةً عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُهُ بِأنَّ هَذا الطِّفْلَ سَيُعَقَّبُ هُنالِكَ، ويَكُونُ لَهُ نَسْلٌ. وأفْئِدَةٌ: جَمْعُ فُؤادٍ، وهي القُلُوبُ، سُمِّيَ القَلْبُ فُؤادًا لِإتْفادِهِ مَأْخُوذٌ مِن فَأدَ، ومِنهُ المُفْتَأدُ، وهو مُسْتَوْقَدُ النّارِ حَيْثُ يُشْوى اللَّحْمُ. وقالَ مُؤَرِّجٌ الأفْئِدَةُ: القَطْعُ مِنَ النّاسِ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ بَحْرٍ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْئِدَةُ النّاسِ، لازْدَحَمَتْ عَلى البَيْتِ فارِسُ والرُّومُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَحَجَّتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى. والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أفْئِدَةٌ مِنَ النّاسِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلِابْتِداءِ، كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفْئِدَةُ ناسٍ، وإنَّما نَكَّرَ المُضافَ إلَيْهِ في هَذا التَّمْثِيلِ لِتَنْكِيرِ أفْئِدَةٍ، لِأنَّها في الآيَةِ نَكِرَةٌ لِتَتَناوَلَ بَعْضَ الأفْئِدَةِ؛ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّها لَيْسَ لَنا فِعْلٌ يُبْتَدَأُ فِيهِ لِغايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها، إذْ لا يَصِحُّ ابْتِداءً جَعْلُ الأفْئِدَةِ مِنَ النّاسِ، وإنَّما الظّاهِرُ في (مِن) التَّبْعِيضُ. وقَرَأ هِشامٌ: أفْئِيدَةً، بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الحُلْوانِيُّ، عَنْهُ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى الإشْباعِ، ولَمّا كانَ الإشْباعُ لا يَكُونُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنَّ هِشامًا قَرَأ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ كالياءِ، فَعَبَّرَ الرّاوِي عَنْها بِالياءِ، فَظَنَّ مَن أخْطَأ فَهْمَهُ أنَّها بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، والمُرادُ بِياءٍ عِوَضًا مِنَ الهَمْزَةِ، قالَ: فَيَكُونُ هَذا التَّحْرِيفُ مِن جِنْسِ التَّحْرِيفِ المَنسُوبِ إلى مَن رَوى عَنْ أبِي عَمْرٍو: بارِئُكم ويَأْمُرُكم، ونَحْوُهُ بِإسْكانِ حَرَكَةِ الإعْرابِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ اخْتِلاسًا. قالَ أبُو عَمْرٍو والدّانِيُّ الحافِظُ: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ هَذا القَوْلِ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأنَّ النَّقَلَةَ عَنْ هِشامٍ وأبِي عُمَرَ، وكانُوا مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالقِراءَةِ ووُجُوهِها، ولَيْسَ يُفْضِي بِهِمُ الجَهْلُ إلى أنْ يُعْتَقَدَ فِيهِمْ مِثْلُ هَذا، وقُرِئَ آفِدَةً: عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْحَذْفِ مَن أفِدَ، أيْ: دَنا وقَرُبَ وعَجِلَ، أيْ: جَماعَةٌ آفِدَةٌ، أوْ جَماعاتٌ آفِدَةٌ، وأنْ يَكُونَ جَمْعُ ذَلِكَ فُؤادٌ، ويَكُونُ مِن بابِ القَلْبِ، وصارَ بِالقَلْبِ أأْفِدَةً، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ ألِفًا كَما قالُوا في آرَآمٍ: أأْرامٍ، فَوَزْنُهُ أعْفِلَةٌ. وقُرِئَ أفِدَّةٌ عَلى وزْنِ فَعِلَّةٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ فُؤادٍ، وذَلِكَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو الفاءُ، وإنْ كانَ تَسْهِيلُها بَيْنَ بَيْنَ هو الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِل مِن أفِدَ، كَما تَقُولُ: فَرِحَ فَهو فَرِحٌ. وقَرَأتْ أُمُّ الهَيْثَمِ: أفْوِدَةٌ، بِالواوِ المَكْسُورَةِ، بَدَلَ الهَمْزَةِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو جَمْعُ وفَدٍ، والقِراءَةُ حَسَنَةٌ: لَكِنِّي لا أعْرِفُ هَذِهِ المَرْأةَ، بَلْ ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ؛ انْتَهى. أبْدَلَ الهَمْزَةَ في فُؤادٍ بَعْدَ الضَّمَّةِ كَما أُبْدِلَتْ في جَوْنٍ، ثُمَّ جَمَعَ فَأقَرَّها في الجَمْعِ إقْرارَها في المُفْرَدِ. وهو جَمْعُ وفَدٍ، كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقَلَبَ إذِ الأصْلُ أوْفَدَهُ. وجَمْعَ فَعْلٍ عَلى أفْعِلَةٍ شاذٌّ نَحْوَ: نَجْدٍ وأنْجِدَةٍ، ووَهْيٍ وأوْهِيَةٍ. وأُمُّ الهَيْثَمِ (p-٤٣٣)امْرَأةٌ نُقِلَ عَنْها شَيْءٌ مِن لُغاتِ العَرَبِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إفادَةٌ عَلى وزْنِ إشارَةٍ. ويَظْهَرُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ، كَما قالُوا: إشاحٌ في وِشاحٍ، فالوَزْن فِعالَةٌ؛ أيْ: فاجْعَلْ ذَوِي وِفادَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ أفادَ إفادَةً، أوْ ذَوِي إفادَةٍ، وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يُفِيدُونَ ويُنْتَفَعُ بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ وتَطِيرُ نَحْوَهم شَوْقًا ونِزاعًا، ولَمّا ضَمَّنَ تَهْوِي مَعْنى تَمِيلُ عَدّاهُ بِإلى، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِاللّامِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الوَلِيدِ بِها ∗∗∗ طارَتْ وفي كَفِّهِ مِن رِيشِها تَبْكِ ومِثالُ ما في الآيَةِ؛ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَكُفّارِها . وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: تُهْوى، بِضَمِّ التّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى المَنقُولَةِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن هَوى اللّازِمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُسْرِعُ بِها إلَيْهِمْ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومُجاهِدٌ: تَهْوى: مُضارِعُ هَوى بِمَعْنى أحَبَّ، ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى النُّزُوعِ والمَيْلِ عُدِّيَ بِإلى. وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ مَعَ سُكّانِهِمْ وادِيًا ما فِيهِ شَيْءٌ مِنها بِأنْ يُجْلَبَ إلَيْهِمْ مِنَ البِلادِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ورُوِيَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطّائِفِيِّ أنَّهُ لَمّا دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَرْزُقَ سُكّانَ مَكَّةَ الثَّمَراتِ، بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاقْتَلَعَ بِجَناحِهِ قِطْعَةٌ مِن فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: مِنَ الأُرْدُنِّ فَجاءَ بِها، وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا، ووَضَعَها قَرِيبَ مَكَّةَ فَهي الطّائِفُ. وبِهَذِهِ القِصَّةِ سُمِّيَتْ وهي مَوْضِعُ ثَقِيفٍ، وبِها أشْجارٌ وثَمَراتٌ. ورُوِيَ نَحْوٌ مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ النِّعْمَةُ في أنْ يُرْزَقُوا أنْواعَ الثَّمَراتِ حاضِرَةً في وادٍ بِبابٍ لَيْسَ فِيهِ نَجْمٌ ولا شَجَرٌ ولا ماءٌ، لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أجابَ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا، ثُمَّ فَضَّلَهُ في وُجُودِ أصْنافِ الثِّمارِ فِيهِ عَلى كُلِّ رِيفٍ، وعَلى أخْصَبِ البِلادِ وأكْثَرِها ثِمارًا، وفي أيِّ بَلَدٍ مِن بِلادِ الشَّرْقِ والغَرْبِ تَرى الأُعْجُوبَةَ الَّتِي يُرِيكُها اللَّهُ. بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ؛ وهي: اجْتِماعُ البَواكِيرِ والفَواكِهِ المُخْتَلِفَةِ الأزْمانِ مِنَ الرَّبِيعِيَّةِ والصَّيْفِيَّةِ والخَرِيفِيَّةِ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن آياتِهِ بِعَجِيبٍ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْم يَقُومُ الحِسابُ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّضَرُّعِ والِالتِجاءِ، ولا يَظْهَرُ تَفاوُتٌ بَيْنَ إضافَةِ رَبٍّ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وبَيْنَ إضافَتِهِ إلى جَمْعِ المُتَكَلِّمِ، وما نُخْفِي وما نُعْلِنُ: عامٌّ فِيما يُخْفُونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ لِما وقَعَ بَيْنَنا مِنَ الفُرْقَةِ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِن كَآبَةِ الِافْتِراقِ، وما نُعْلِنُ مِمّا جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حِينَ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ قالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم. قالَتْ: آللَّهُ أمْرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَتْ: لا نَخْشى، تَرَكْتَنا إلى كافٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾، مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لِاكْتِنافِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ بِكَلامِ إبْراهِيمَ. لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى عَمَّمَ (ما يَخْفى) هو ومَن كَنّى عَنْهُ، تَمَّمَ جَمِيعَ الأشْياءِ، وأنَّها غَيْرُ خافِيَةٍ عَنْهُ تَعالى. وقِيلَ: ﴿وما يَخْفى﴾ الآيَةُ مِن كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] والظّاهِرُ أنَّ (p-٤٣٤)هَذِهِ الجُمَلَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ تَقَعْ مِنهُ في زَمانٍ واحِدٍ، وإنَّما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ما وقَعَ في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ إسْحاقَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حالَةَ دُعائِهِ، إذْ تَرَكَ هاجَرَ والطُّفَيْلَ بِمَكَّةَ. فالظّاهِرُ أنَّ حَمْدَهُ اللَّهَ تَعالى عَلى هِبَةِ ولَدَيْهِ لَهُ كانَ بَعْدَ وُجُودِ إسْحاقَ، وعَلى الكِبَرِ: يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الكِبَرِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْيِينِ المُدَّةِ الَّتِي وُهِبَ لَهُ فِيها ولَداهُ. ورُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وقِيلَ: إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ، وإسْحاقُ لِتِسْعِينَ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وإنَّما ذَكَرَ حالَ الكِبَرِ لِأنَّ المِنَّةَ فِيها بِهِبَةِ الوَلَدِ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ الكِبَرَ مَظِنَّةُ اليَأْسِ مِنَ الوَلَدِ، فَإنَّ مَجِيءَ الشَّيْءِ بَعْدَ الإياسِ أحْلى في النَّفْسِ وأبْهَجُ لَها. وعَلى الكِبَرِ: في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ قالَ: وأنا كَبِيرٌ، و(عَلى) عَلى بابِها مِنَ الِاسْتِعْلاءِ لَكِنَّهُ مَجازٌ، إذِ الكِبَرُ مَعْنى لا جَرَمَ يَتَكَوَّنُ، وكَأنَّهُ لَمّا أسَنَّ وكَبِرَ صارَ مُسْتَعْلِيًا عَلى الكِبَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (عَلى) في قَوْلِهِ ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي ∗∗∗ أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وكَنّى بِسَمِيعِ الدُّعاءِ عَنِ الإجابَةِ والتَّقَبُّلِ، وكانَ قَدْ دَعا اللَّهَ أنْ يَهَبَهُ ولَدًا، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فَحَمِدَ اللَّهَ عَلى ما وهَبَهُ مِنَ الوَلَدِ وأكْرَمَهُ بِهِ مِن إجابَةِ دُعائِهِ. والظّاهِرُ إضافَةُ سَمِيعٍ إلى المَفْعُولِ، وهو مِن إضافَةِ المِثالِ الَّذِي عَلى وزْنِ فَعِيلٍ إلى المَفْعُولِ، فَيَكُونُ إضافَةً مِن نَصْبٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى إعْمالِ فَعِيلٍ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ في المَفْعُولِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وخالَفَ الكُوفِيُّونَ فِيهِ. وفي إعْمالِ باقِي الخَمْسَةِ الأمْثِلَةِ فَعُولٍ، وفَعّالٍ، ومِفْعالٍ، وفَعِلٍ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذا لَيْسَ ذَلِكَ إضافَةً مِن نَصْبٍ فَيَلْزَمُ جَوازُ إعْمالِهِ، بَلْ هي إضافَةٌ كَإضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ، في نَحْوِ: هَذا ضارِبُ زَيْدٍ أمْسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ فَعِيلٍ إلى فاعِلِهِ، ويَجْعَلُ دُعاءَ اللَّهِ سَمِيعًا عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، والمُرادُ: سَماعُ اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو بَعِيدٌ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والصِّفَةُ مُتَعَدِّيَةٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عِنْدأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ حَيْثُ لا يَكُونُ لَبْسٌ. وأمّا هُنا فاللَّبْسُ حاصِلٌ، إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن إضافَةِ المِثالِ لِلْمَفْعُولِ، لا مِن إضافَتِهِ إلى الفاعِلِ. وإنَّما أجازَ ذَلِكَ الفارِسِيُّ في مِثْلِ: زَيْدٌ ظالِمُ العَبِيدِ إذا عُلِمَ أنَّ لَهُ عَبِيدًا ظالِمِينَ. ودُعاؤُهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ وهو مُقِيمُها، إنَّما يُرِيدُ بِذَلِكَ الدَّيْمُومَةَ. ومِن ذُرِّيَّتِي: (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ أُعْلِمَ أنَّ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ كافِرًا، أوْ مَن يُهْمِلُ إقامَتَها وإنْ كانَ مُؤْمِنًا. وقَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ: دُعاءُ رَبِّنا، بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَقْفِ. ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: إثْباتُها في الوَصْلِ. والظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ المَغْفِرَة لِأبَوَيْهِ القَرِيبَيْنِ، وكانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، وكانَ والِدُهُ لَمْ يَيْأسْ مِن إيمانِهِ ولَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ عَداوَةُ اللَّهِ، وهَذا يَتَمَشّى إذا قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الأدْعِيَةَ كانَتْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَمَعَ هُنا أشْياء مِمّا كانَ دَعا بِها. وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ، ونُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ. والأظْهَرُ: القَوْلُ الأوَّلُ. وقَدْ جاءَ نَصًّا دُعاؤُهُ لِأبِيهِ بِالمَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ لَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ (قُلْتُ): هو مِن تَجْوِيزاتِ العَقْلِ، لا يُعْلَمُ امْتِناعُ جَوازِهِ إلّا بِالتَّوْقِيفِ؛ انْتَهى. وهو في ذَلِكَ مُوافِقٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ، مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدٌ، وزَيْدٌ: (رَبَّنا) عَلى الخَبَرِ. وابْنُ يَعْمَرَ والزُّهْرِيُّ والنَّخَعِيُّ: (ولِوَلَدَيَّ) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللّامِ، يَعْنِي: إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (ولِأبَوِيَّ)، وعَنْ يَحْيَـى بْنِ يَعْمَرَ: (ولِوُلْدَيَّ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ (p-٤٣٥)يَكُونَ جَمْعَ ولَدٍ كَأسُدٍ في أسَدٍ، ويَكُونُ قَدْ دَعا ذُرِّيَّتَهُ، وأنْ يَكُونَ لُغَةً في الوَلَدِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ ولَدَ حِمارٍ كَما قالُوا: العَدَمُ والعُدْمُ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ولِوالِدِي)، بِإسْكانِ الياءِ عَلى الإفْرادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]، وقِيامُ الحِسابِ مَجازٌ عَنْ وُقُوعِهِ وثُبُوتِهِ، كَما يُقالُ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: أهْلِ الحِسابِ، كَما قالَ:

إبراهيم 14:43

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩] ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [إبراهيم: ٥١] ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] . جَنَبَ مُخَفَّفًا وأجْنَبَ رُباعِيًّا، لُغَةُ نَجْدٍ؛ وجَنَّبَ مُشَدَّدًا لُغَةُ الحِجازِ، والمَعْنى مَنَعَ، وأصَّلَهُ الجانِبُ. الهَوى: الهُبُوطُ بِسُرْعَةٍ؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎وإذا رُمِيَتْ بِهِ الفِجاجُ رَأيْتَهُ تَهْوِي مَخارِمُها هَوى الأجْدَلِ شَخَصَ البَصَرُ أحَدَ النَّظَرِ، ولَمْ يَسْتَقِرَّ في مَكانِهِ. المُهْطِعُ: المُسْرِعُ في مَشْيِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِمُهْطِعٍ سَرَحَ كَأنَّ عِنانَهُ في ∗∗∗ رَأْسِ جِذْعٍ مَن أراكٍ مُشَذَّبِ وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ: ؎إذا دَعانا فَأُهْطِعْنا لِدَعْوَتِهِ ∗∗∗ داعٍ سُمَيْعٍ فَلَبَوْنا وساقُونا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ يَكُونُ الإهْطاعُ: الإسْراعُ وإدامَةُ النَّظَرِ. المُقْنِعُ: هو الرّافِعُ رَأْسَ المُقْبِلِ بِبَصَرِهِ عَلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ والقُتَبِيُّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُباكِرُنَّ العُصاةَ بِمُقْنِعاتٍ ∗∗∗ نَواجِذُهُنَّ كالحَدَأِ الوَقِيعِ (p-٤٣٠)يَصِفُ الإبِلَ بِالإقْناعِ عِنْدَ رَعْيِها أعالِيَ الشَّجَرِ، ويُقالُ: أقْنَعَ رَأْسَهُ نَكَّسَهُ وطَأْطَأهُ، فَهو مِنَ الأضْدادِ. قالَ المُبَرِّدُ: وكَوْنُهُ بِمَعْنى رَفَعَ أعْرَفَ في اللُّغَة؛ انْتَهى. وقِيلَ: مِنهُ قَنِعَ الرَّجُلُ إذا رَضِيَ، كَأنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السُّؤالِ. وفَمٌ مُقْنِعٌ مَعْطُوفَةٌ أسْنانُهُ إلَيْهِ داخِلًا، ورَجُلٌ مُقَنِّعٌ، بِالتَّشْدِيدِ، عَلَيْهِ بَيْضَةُ الرَّأْسِ؛ مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أرْؤُسٍ. الطَّرْفُ: العَيْنُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدَتْ لِي جارَتِي ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي مَأْواها ويُقالُ: طَرَفَ الرَّجُلُ: طَبَّقَ جَفْنَهُ عَلى الآخَرِ، وسُمِّيَ الجَفْنُ طَرَفًا لِأنَّهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ الهَواءُ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلُهُ الأجْرامُ الكَثِيفَةُ، واسْتُعِيرَ لِلْجَبانِ، فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ الرَّجُلَ مِنها فَوْقَ صَعْلٍ ∗∗∗ مِنَ الظُّلُماتِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ المُقَرَّنُ: المَشْدُودُ في القَرْنِ، وهو الحَبْلُ. الصَّفَدُ: الغُلُّ، والقَيْدُ، يُقالُ: صَفَدَهُ صَفْدًا قَيَّدَهُ، والِاسْمُ الصَّفْدُ، وفي التَّكْثِيرِ صَفَّدَهُ مُشَدَّدًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وأبْقَـى بِــالمُلُــوكِ مُصْفِــدِينَــا وأصْفَدْتُهُ: أعْطَيْتُهُ. وقِيلَ: صَفَّدَ وأصْفَدَ مَعًا في القَيْدِ والإعْطاءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فلـم أعْرِضْ، أبَيْتُ اللَّعْـنَ، بِالصَّفَـدِ أيْ: بِالعَطاءِ. وسُمِّيَ العَطاءُ صَفَدًا لِأنَّهُ يُقَيَّدُ ويُعْبَدُ. السِّرْبالُ: القَمِيصُ، يُقالُ: سَرْبَلْتُهُ فَتَسَرْبَلَ. القَطِرانُ: ما يُحْلَبُ مِن شَجَرِ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ، وتَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى، فَيُحْرَقُ الجَرَبُ بِحَرِّهِ وحِدَّتِهِ، وهو أقْبَلُ الأشْياءِ اشْتِعالًا، ويُقالُ فِيهِ قَطْرانٌ بِوَزْنِ سَكْرانَ، وقِطْرانٌ بِوَزْنِ سِرْحانٍ. ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ التَّعْجِيبَ مِنَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وهم قُرَيْشٌ ومَن تابَعَهم مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، وكانَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إسْكانُهُ إيّاهم حَرَمَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أصْلِهِمْ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - دَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ آمِنَةً، ودَعا بِأنْ يُجَنِّبَ بَنِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ، وأنَّهُ أسْكَنَهُ وذُرِّيَّتَهُ في بَيْتِهِ لِيَعْبُدُوهُ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ العِبادَةِ وهي الصَّلاةُ، لِيَنْظُرُوا في دِينِ أبِيهِمْ، وأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ارْتَكَبُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَيَزْدَجِرُوا ويَرْجِعُوا عَنْها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ هُنا هَذا البَلَدُ مُعَرَّفًا، وفي البَقَرَةِ مُنْكَرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا سَألَ في الأوَّلِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي يَأْمَنُ أهْلُها ولا يَخافُونَ، وفي الثّانِي أنْ يَخْرُجَ مِن صِفَةٍ كانَ عَلَيْها مِنَ الخَوْفِ إلى ضِدِّها مِنَ الأمْنِ، كَأنَّهُ قالَ: هو بَلَدٌ مَخُوفٌ، فاجْعَلْهُ آمِنًا؛ انْتَهى. ودَعا إبْراهِيمُ أوَّلًا بِما هو عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو كَوْنُ مَحَلِّ العابِدِ آمِنًا لا يَخافُ فِيهِ، إذْ يَتَمَكَّنُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ دَعا ثانِيًا بِأنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ. ومَعْنى واجْنُبْنِي وبَنِيَّ: أدِمْنِي وإيّاهم عَلى اجْتِنابِ عِبادَةِ الأصْنامِ. وأرادَ بِقَوْلِهِ: وبَنِيَّ: أوْلادَهُ، مِن صُلْبِهِ الأقْرِباءِ. وأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَ الحَرَمَ آمِنًا، ولَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن بَنِيهِ الأقْرِباءِ لِصُلْبِهِ صَنَمًا. قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وقَدْ سُئِلَ، كَيْفَ عَبَدَتِ العَرَبُ الأصْنامَ ؟ قالَ: ما عَبَدَ أحَدٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ صَنَمًا وكانُوا ثَمانِيَةً، إنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَنْصُبُونَها ويَقُولُونَ: حَجَرٌ، فَحَيْثُ ما نَصَبُوا حَجَرًا فَهو بِمَعْنى البَيْتِ، فَكانُوا يَدُورُونَ بِذَلِكَ الحَجَرِ ويُسَمُّونَهُ الدُّوارَ؛ انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الدُّعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ، ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا ؟ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ. وكَرَّرَ النِّداءَ اسْتِعْطافًا لِرَبِّهِ تَعالى، وذَكَرَ سَبَبَ طَلَبِهِ: أنْ يُجَنَّبَ هو وبَنُوهُ عِبادَةَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، إذْ قَدْ شاهَدَ أباهُ (p-٤٣١)وقَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ. ومَعْنى أضْلَلْنا: كُنّا سَبَبًا لِإضْلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، والمَعْنى: أنَّهم ضَلُّوا بِعِبادَتِها، كَما تَقُولُ: فِتْنَتُهُمُ الدُّنْيا، أيِ: افْتَتَنُوا بِها، واغْتَرُّوا بِسَبَبِها. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وعِيسى الثَّقَفِيُّ: وأجْنِبْنِي مِن أجْنَبَ، وأنَّثَ الأصْنامَ لِأنَّهُ جَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُخْبِرُ عَنْهُ أخْبارَ المُؤَنَّثِ كَما تَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرَتْ. والإخْبارُ عَنْهُ إخْبارُ جَمْعِ العاقِلِ المُذَكَّرِ بِالواوِ ومَجازٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: فَقَدْ ضَلُّوا كَثِيرًا. فَمَن تَبِعَنِي، أيْ: عَلى دِينِي وما أنا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مِنِّي. جَعَلَهُ لِفَرْطِ الِاخْتِصاصِ بِهِ ومُلابَسَتِهِ كَقَوْلِهِ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» أيْ لَيْسَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ تَنْبِيهًا عَلى تَعْظِيمِ الغِشِّ بِحَيْثُ هو يَسْلُبُ الغاشَّ الإيمانَ، والمَعْنى: أنَّ الغِشَّ لَيْسَ مِن أوْصافِ أهْلِ الإيمانِ. ومَن عَصانِي، هَذا فِيهِ طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، لِأنَّ التَّبَعِيَّةَ طاعَةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . قالَ مُقاتِلٌ: ومَن عَصانِي فَيُحادُّونَ الشِّرْكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَغْفِرُ لِي ما سَلَفَ مِنَ العِصْيانِ إذا بَدا لِي فِيهِ واسْتَحْدَثَ الطّاعَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن عَصانِي ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَعْناهُ حِين يُؤْمِنُوا، لِأنَّهُ أرادَ أنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِكُلِّ كافِرٍ، لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُّطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ ﷺ . وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] . ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ رَغْبَةً في الإجابَةِ وإظْهارًا لِلتَّذَلُّلِ، والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى. وأتى بِضَمِيرِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وذَكَرَ بَنِيهِ في قَوْلِهِ: واجْنُبْنِي وبَنِيَّ، ومِن ذُرِّيَّتِي هو إسْماعِيلُ، ومَن وُلِدَ مِنهُ. وذَلِكَ هاجَرُ لَمّا ولَدَتْ إسْماعِيلَ غارَتْ مِنها سارَّةُ، فَرُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِّفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا ولِيَ دَعا بِما في ضِمْنِ هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما جَرى لَها ولِإسْماعِيلَ هُناكَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِّيَرِ وغَيْرِهِ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ في الشّامِ، والوادِي ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ ماءٌ، وإنَّما قالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، لِأنَّهُ كانَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ هاجَرَ وابْنَها في ذَلِكَ الوادِي، وأنَّهُ يَرْزُقُها الماءَ، وإنَّما نَظَرَ النَّظَرَ البَعِيدَ، فَقالَ: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، ولَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَقالَ: غَيْرِ ذِي ماءٍ، عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ حالُ الوادِي عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُقالُ إنَّ انْتِفاءَ كَوْنِهِ ذا زَرْعٍ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفاءِ الماءِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ زَرْعٌ إلّا حَيْثُ وُجِدَ الماءُ، فَنَفى ما يَتَسَبَّبُ عَنِ الماءِ وهو الزَّرْعُ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ وهو الماءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِوادٍ هو (p-٤٣٢)وادِي مَكَّةَ، غَيْرِ ذِي زَرْعٍ: لا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ قَطُّ كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يُوجَدُ فِيهِ اعْوِجاجٌ، ما فِيهِ إلّا اسْتِقامَةٌ لا غَيْرَ؛ انْتَهى. واسْتَعْمَلَ (قَطُّ) وهي ظَرْفٌ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ الماضِي مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (لا يَكُونُ)، ولَيْسَ هو ماضِيًا، وهو مَكانُ (أبَدًا) الَّذِي يُسْتَعْمَلُ مَعَ غَيْرِ الماضِي مِنَ المُسْتَقْبَلاتِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾، يَقْتَضِي وُجُودَ البَيْتِ حالَةَ الدُّعاءِ، وسَبَقَهُ قِبَلَهُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في البَيْتِ، ومَتى وُضِعَ في البَقَرَةِ، وفي آلِ عِمْرانَ. ووُصِفَ بِالمُحَرَّمِ لِكَوْنِهِ حُرِّمَ عَلى الطُّوفانِ، أيْ: مُنِعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ بِعَتِيقٍ لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ، أوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا مُمَنَّعًا مِنَ الجَبابِرَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ مُحْتَرَمًا لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. و﴿لِيُقِيمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ أسْكَنْتُ. ورَبَّنا دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يَخْلُو هَذا البَيْتُ المُعَظَّمُ مِنَ العِبادَةِ. وقِيلَ: هي لامُ الأمْرِ، دَعا لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ انْتَهى. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وخَصَّ الصَّلاةَ دُونَ سائِرِ العِباداتِ لِأنَّها أفْضَلُها، أوْ لِأنَّها سَبَبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُقِيمُوا﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ دَلالَةً عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُهُ بِأنَّ هَذا الطِّفْلَ سَيُعَقَّبُ هُنالِكَ، ويَكُونُ لَهُ نَسْلٌ. وأفْئِدَةٌ: جَمْعُ فُؤادٍ، وهي القُلُوبُ، سُمِّيَ القَلْبُ فُؤادًا لِإتْفادِهِ مَأْخُوذٌ مِن فَأدَ، ومِنهُ المُفْتَأدُ، وهو مُسْتَوْقَدُ النّارِ حَيْثُ يُشْوى اللَّحْمُ. وقالَ مُؤَرِّجٌ الأفْئِدَةُ: القَطْعُ مِنَ النّاسِ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ بَحْرٍ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْئِدَةُ النّاسِ، لازْدَحَمَتْ عَلى البَيْتِ فارِسُ والرُّومُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لَحَجَّتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى. والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أفْئِدَةٌ مِنَ النّاسِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلِابْتِداءِ، كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ، يُرِيدُ قَلْبِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفْئِدَةُ ناسٍ، وإنَّما نَكَّرَ المُضافَ إلَيْهِ في هَذا التَّمْثِيلِ لِتَنْكِيرِ أفْئِدَةٍ، لِأنَّها في الآيَةِ نَكِرَةٌ لِتَتَناوَلَ بَعْضَ الأفْئِدَةِ؛ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّها لَيْسَ لَنا فِعْلٌ يُبْتَدَأُ فِيهِ لِغايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها، إذْ لا يَصِحُّ ابْتِداءً جَعْلُ الأفْئِدَةِ مِنَ النّاسِ، وإنَّما الظّاهِرُ في (مِن) التَّبْعِيضُ. وقَرَأ هِشامٌ: أفْئِيدَةً، بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الحُلْوانِيُّ، عَنْهُ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى الإشْباعِ، ولَمّا كانَ الإشْباعُ لا يَكُونُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ حَمَلَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنَّ هِشامًا قَرَأ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ كالياءِ، فَعَبَّرَ الرّاوِي عَنْها بِالياءِ، فَظَنَّ مَن أخْطَأ فَهْمَهُ أنَّها بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، والمُرادُ بِياءٍ عِوَضًا مِنَ الهَمْزَةِ، قالَ: فَيَكُونُ هَذا التَّحْرِيفُ مِن جِنْسِ التَّحْرِيفِ المَنسُوبِ إلى مَن رَوى عَنْ أبِي عَمْرٍو: بارِئُكم ويَأْمُرُكم، ونَحْوُهُ بِإسْكانِ حَرَكَةِ الإعْرابِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ اخْتِلاسًا. قالَ أبُو عَمْرٍو والدّانِيُّ الحافِظُ: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ هَذا القَوْلِ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأنَّ النَّقَلَةَ عَنْ هِشامٍ وأبِي عُمَرَ، وكانُوا مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالقِراءَةِ ووُجُوهِها، ولَيْسَ يُفْضِي بِهِمُ الجَهْلُ إلى أنْ يُعْتَقَدَ فِيهِمْ مِثْلُ هَذا، وقُرِئَ آفِدَةً: عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ لِلْحَذْفِ مَن أفِدَ، أيْ: دَنا وقَرُبَ وعَجِلَ، أيْ: جَماعَةٌ آفِدَةٌ، أوْ جَماعاتٌ آفِدَةٌ، وأنْ يَكُونَ جَمْعُ ذَلِكَ فُؤادٌ، ويَكُونُ مِن بابِ القَلْبِ، وصارَ بِالقَلْبِ أأْفِدَةً، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ السّاكِنَةُ ألِفًا كَما قالُوا في آرَآمٍ: أأْرامٍ، فَوَزْنُهُ أعْفِلَةٌ. وقُرِئَ أفِدَّةٌ عَلى وزْنِ فَعِلَّةٌ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ فُؤادٍ، وذَلِكَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو الفاءُ، وإنْ كانَ تَسْهِيلُها بَيْنَ بَيْنَ هو الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِل مِن أفِدَ، كَما تَقُولُ: فَرِحَ فَهو فَرِحٌ. وقَرَأتْ أُمُّ الهَيْثَمِ: أفْوِدَةٌ، بِالواوِ المَكْسُورَةِ، بَدَلَ الهَمْزَةِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو جَمْعُ وفَدٍ، والقِراءَةُ حَسَنَةٌ: لَكِنِّي لا أعْرِفُ هَذِهِ المَرْأةَ، بَلْ ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ؛ انْتَهى. أبْدَلَ الهَمْزَةَ في فُؤادٍ بَعْدَ الضَّمَّةِ كَما أُبْدِلَتْ في جَوْنٍ، ثُمَّ جَمَعَ فَأقَرَّها في الجَمْعِ إقْرارَها في المُفْرَدِ. وهو جَمْعُ وفَدٍ، كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقَلَبَ إذِ الأصْلُ أوْفَدَهُ. وجَمْعَ فَعْلٍ عَلى أفْعِلَةٍ شاذٌّ نَحْوَ: نَجْدٍ وأنْجِدَةٍ، ووَهْيٍ وأوْهِيَةٍ. وأُمُّ الهَيْثَمِ (p-٤٣٣)امْرَأةٌ نُقِلَ عَنْها شَيْءٌ مِن لُغاتِ العَرَبِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: إفادَةٌ عَلى وزْنِ إشارَةٍ. ويَظْهَرُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ، كَما قالُوا: إشاحٌ في وِشاحٍ، فالوَزْن فِعالَةٌ؛ أيْ: فاجْعَلْ ذَوِي وِفادَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ أفادَ إفادَةً، أوْ ذَوِي إفادَةٍ، وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يُفِيدُونَ ويُنْتَفَعُ بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ وتَطِيرُ نَحْوَهم شَوْقًا ونِزاعًا، ولَمّا ضَمَّنَ تَهْوِي مَعْنى تَمِيلُ عَدّاهُ بِإلى، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِاللّامِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎حَتّى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الوَلِيدِ بِها ∗∗∗ طارَتْ وفي كَفِّهِ مِن رِيشِها تَبْكِ ومِثالُ ما في الآيَةِ؛ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَكُفّارِها . وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: تُهْوى، بِضَمِّ التّاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى المَنقُولَةِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن هَوى اللّازِمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُسْرِعُ بِها إلَيْهِمْ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومُجاهِدٌ: تَهْوى: مُضارِعُ هَوى بِمَعْنى أحَبَّ، ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى النُّزُوعِ والمَيْلِ عُدِّيَ بِإلى. وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ مَعَ سُكّانِهِمْ وادِيًا ما فِيهِ شَيْءٌ مِنها بِأنْ يُجْلَبَ إلَيْهِمْ مِنَ البِلادِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ورُوِيَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطّائِفِيِّ أنَّهُ لَمّا دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَرْزُقَ سُكّانَ مَكَّةَ الثَّمَراتِ، بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاقْتَلَعَ بِجَناحِهِ قِطْعَةٌ مِن فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: مِنَ الأُرْدُنِّ فَجاءَ بِها، وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا، ووَضَعَها قَرِيبَ مَكَّةَ فَهي الطّائِفُ. وبِهَذِهِ القِصَّةِ سُمِّيَتْ وهي مَوْضِعُ ثَقِيفٍ، وبِها أشْجارٌ وثَمَراتٌ. ورُوِيَ نَحْوٌ مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ النِّعْمَةُ في أنْ يُرْزَقُوا أنْواعَ الثَّمَراتِ حاضِرَةً في وادٍ بِبابٍ لَيْسَ فِيهِ نَجْمٌ ولا شَجَرٌ ولا ماءٌ، لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أجابَ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا، ثُمَّ فَضَّلَهُ في وُجُودِ أصْنافِ الثِّمارِ فِيهِ عَلى كُلِّ رِيفٍ، وعَلى أخْصَبِ البِلادِ وأكْثَرِها ثِمارًا، وفي أيِّ بَلَدٍ مِن بِلادِ الشَّرْقِ والغَرْبِ تَرى الأُعْجُوبَةَ الَّتِي يُرِيكُها اللَّهُ. بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ؛ وهي: اجْتِماعُ البَواكِيرِ والفَواكِهِ المُخْتَلِفَةِ الأزْمانِ مِنَ الرَّبِيعِيَّةِ والصَّيْفِيَّةِ والخَرِيفِيَّةِ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن آياتِهِ بِعَجِيبٍ. ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْم يَقُومُ الحِسابُ﴾: كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّضَرُّعِ والِالتِجاءِ، ولا يَظْهَرُ تَفاوُتٌ بَيْنَ إضافَةِ رَبٍّ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وبَيْنَ إضافَتِهِ إلى جَمْعِ المُتَكَلِّمِ، وما نُخْفِي وما نُعْلِنُ: عامٌّ فِيما يُخْفُونَهُ وما يُعْلِنُونَهُ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ لِما وقَعَ بَيْنَنا مِنَ الفُرْقَةِ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ. وقِيلَ: ما نُخْفِي مِن كَآبَةِ الِافْتِراقِ، وما نُعْلِنُ مِمّا جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حِينَ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ قالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم. قالَتْ: آللَّهُ أمْرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَتْ: لا نَخْشى، تَرَكْتَنا إلى كافٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾، مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لِاكْتِنافِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ بِكَلامِ إبْراهِيمَ. لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى عَمَّمَ (ما يَخْفى) هو ومَن كَنّى عَنْهُ، تَمَّمَ جَمِيعَ الأشْياءِ، وأنَّها غَيْرُ خافِيَةٍ عَنْهُ تَعالى. وقِيلَ: ﴿وما يَخْفى﴾ الآيَةُ مِن كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] والظّاهِرُ أنَّ (p-٤٣٤)هَذِهِ الجُمَلَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ تَقَعْ مِنهُ في زَمانٍ واحِدٍ، وإنَّما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ما وقَعَ في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ إسْحاقَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حالَةَ دُعائِهِ، إذْ تَرَكَ هاجَرَ والطُّفَيْلَ بِمَكَّةَ. فالظّاهِرُ أنَّ حَمْدَهُ اللَّهَ تَعالى عَلى هِبَةِ ولَدَيْهِ لَهُ كانَ بَعْدَ وُجُودِ إسْحاقَ، وعَلى الكِبَرِ: يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ الكِبَرِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْيِينِ المُدَّةِ الَّتِي وُهِبَ لَهُ فِيها ولَداهُ. ورُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وقِيلَ: إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ، وإسْحاقُ لِتِسْعِينَ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وإنَّما ذَكَرَ حالَ الكِبَرِ لِأنَّ المِنَّةَ فِيها بِهِبَةِ الوَلَدِ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ الكِبَرَ مَظِنَّةُ اليَأْسِ مِنَ الوَلَدِ، فَإنَّ مَجِيءَ الشَّيْءِ بَعْدَ الإياسِ أحْلى في النَّفْسِ وأبْهَجُ لَها. وعَلى الكِبَرِ: في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ قالَ: وأنا كَبِيرٌ، و(عَلى) عَلى بابِها مِنَ الِاسْتِعْلاءِ لَكِنَّهُ مَجازٌ، إذِ الكِبَرُ مَعْنى لا جَرَمَ يَتَكَوَّنُ، وكَأنَّهُ لَمّا أسَنَّ وكَبِرَ صارَ مُسْتَعْلِيًا عَلى الكِبَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (عَلى) في قَوْلِهِ ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَقَوْلِهِ: ؎إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي ∗∗∗ أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وكَنّى بِسَمِيعِ الدُّعاءِ عَنِ الإجابَةِ والتَّقَبُّلِ، وكانَ قَدْ دَعا اللَّهَ أنْ يَهَبَهُ ولَدًا، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] فَحَمِدَ اللَّهَ عَلى ما وهَبَهُ مِنَ الوَلَدِ وأكْرَمَهُ بِهِ مِن إجابَةِ دُعائِهِ. والظّاهِرُ إضافَةُ سَمِيعٍ إلى المَفْعُولِ، وهو مِن إضافَةِ المِثالِ الَّذِي عَلى وزْنِ فَعِيلٍ إلى المَفْعُولِ، فَيَكُونُ إضافَةً مِن نَصْبٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى إعْمالِ فَعِيلٍ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ في المَفْعُولِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وخالَفَ الكُوفِيُّونَ فِيهِ. وفي إعْمالِ باقِي الخَمْسَةِ الأمْثِلَةِ فَعُولٍ، وفَعّالٍ، ومِفْعالٍ، وفَعِلٍ، وهَذا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في هَذا لَيْسَ ذَلِكَ إضافَةً مِن نَصْبٍ فَيَلْزَمُ جَوازُ إعْمالِهِ، بَلْ هي إضافَةٌ كَإضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ، في نَحْوِ: هَذا ضارِبُ زَيْدٍ أمْسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ فَعِيلٍ إلى فاعِلِهِ، ويَجْعَلُ دُعاءَ اللَّهِ سَمِيعًا عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، والمُرادُ: سَماعُ اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو بَعِيدٌ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، والصِّفَةُ مُتَعَدِّيَةٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عِنْدأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ حَيْثُ لا يَكُونُ لَبْسٌ. وأمّا هُنا فاللَّبْسُ حاصِلٌ، إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن إضافَةِ المِثالِ لِلْمَفْعُولِ، لا مِن إضافَتِهِ إلى الفاعِلِ. وإنَّما أجازَ ذَلِكَ الفارِسِيُّ في مِثْلِ: زَيْدٌ ظالِمُ العَبِيدِ إذا عُلِمَ أنَّ لَهُ عَبِيدًا ظالِمِينَ. ودُعاؤُهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ وهو مُقِيمُها، إنَّما يُرِيدُ بِذَلِكَ الدَّيْمُومَةَ. ومِن ذُرِّيَّتِي: (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ أُعْلِمَ أنَّ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ كافِرًا، أوْ مَن يُهْمِلُ إقامَتَها وإنْ كانَ مُؤْمِنًا. وقَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ: دُعاءُ رَبِّنا، بِغَيْرِ ياءٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَقْفِ. ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: إثْباتُها في الوَصْلِ. والظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ المَغْفِرَة لِأبَوَيْهِ القَرِيبَيْنِ، وكانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، وكانَ والِدُهُ لَمْ يَيْأسْ مِن إيمانِهِ ولَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ عَداوَةُ اللَّهِ، وهَذا يَتَمَشّى إذا قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الأدْعِيَةَ كانَتْ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَمَعَ هُنا أشْياء مِمّا كانَ دَعا بِها. وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ، ونُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ. والأظْهَرُ: القَوْلُ الأوَّلُ. وقَدْ جاءَ نَصًّا دُعاؤُهُ لِأبِيهِ بِالمَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ لَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ (قُلْتُ): هو مِن تَجْوِيزاتِ العَقْلِ، لا يُعْلَمُ امْتِناعُ جَوازِهِ إلّا بِالتَّوْقِيفِ؛ انْتَهى. وهو في ذَلِكَ مُوافِقٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ، مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ. وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدٌ، وزَيْدٌ: (رَبَّنا) عَلى الخَبَرِ. وابْنُ يَعْمَرَ والزُّهْرِيُّ والنَّخَعِيُّ: (ولِوَلَدَيَّ) بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللّامِ، يَعْنِي: إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (ولِأبَوِيَّ)، وعَنْ يَحْيَـى بْنِ يَعْمَرَ: (ولِوُلْدَيَّ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ (p-٤٣٥)يَكُونَ جَمْعَ ولَدٍ كَأسُدٍ في أسَدٍ، ويَكُونُ قَدْ دَعا ذُرِّيَّتَهُ، وأنْ يَكُونَ لُغَةً في الوَلَدِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ ولَدَ حِمارٍ كَما قالُوا: العَدَمُ والعُدْمُ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: (ولِوالِدِي)، بِإسْكانِ الياءِ عَلى الإفْرادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]، وقِيامُ الحِسابِ مَجازٌ عَنْ وُقُوعِهِ وثُبُوتِهِ، كَما يُقالُ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: أهْلِ الحِسابِ، كَما قالَ:

إبراهيم 14:44

﴿يَوْم يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] . ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ولا تَحْسَبَنَّ، لِلسّامِعِ الَّذِي يُمْكِنُ مِنهُ حُسْبانُ مِثْلِ هَذا لِجَهْلِهِ بِصِفاتِ اللَّهِ، لا لِلرَّسُولِ، فَإنَّهُ مُسْتَحِيلٌ ذَلِكَ في حَقِّهِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ عَظِيمٌ لِلظّالِمِينَ، وتَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِينَ. وقَرَأ طَلْحَةُ: ولا تَحْسَبْ، بِغَيْرِ نُونِ التَّوْكِيدِ، وكَذا: فَلا تَحْسَبِ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ. والمُرادُ بِالنَّهْيِ عَنْ حُسْبانِهِ: غافِلًا الإيذانُ بِأنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ الظّالِمُونَ، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ، وأنَّهُ مُعاقِبُهم عَلى قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] يُرِيدُ الوَعِيدَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: ولا تَحْسَبَنَّهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ، ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ عَلَيْهِمُ المُحاسِبِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ، والأعْرَجُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ وعَبّاسِ بْنِ الفَضْلِ، وهارُونَ العَتَكِيِّ، ويُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أبِي عُمَرَ: ونُؤَخِّرُهم، بِنُونِ العَظْمَةِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ، أيْ: يُؤَخِّرُهُمُ اللَّهُ. مُهْطِعِينَ مُسْرِعِينَ، قالَهُ: ابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ. وذَلِكَ بِذِلَّة واسْتِكانَةٍ، كَإسْراعِ الأسِيرِ والخائِفِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الضُّحى: شَدِيدِي النَّظَرِ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرُقُوا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: غَيْرَ رافِعِي رُءُوسِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَدَّ يَمِينِ النَّظَرِ. وقالَ الأخْفَشُ: مُقْبِلِينَ لِلْإصْغاءِ، وأنْشَدَ: ؎بـِدِجْاَـةَ دارُهُـمْ ولَقَـدْ أراهُـمْ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ وقالَ الحَسَنُ: مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ: وُجُوهُ النّاسِ يَوْمَئِذٍ إلى السَّماءِ، لا يَنْظُرُ أحَدٌ إلى أحَدٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَواءٌ: صُفْرٌ مِنَ الخَيْرِ خاوِيَةٌ مِنهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَوْفٌ لا عُقُولَ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: خَرِبَةٌ خاوِيَةٌ لَيْسَ فِيها خَيْرٌ ولا عَقْلٌ. وقالَ سُفْيانُ: خالِيَةٌ إلّا مِن فَزَعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠]، أيْ: إلّا مِن هَمِّ مُوسى. وهَواءٌ: تَشْبِيهٌ مَحْضٌ، لِأنَّها لَيْسَتْ بِهَواءٍ حَقِيقَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ في فَراغِها مِنَ الرَّجاءِ والطَّمَعِ في الرَّحْمَةِ، فَهي مُنْخَرِقَةٌ مُشْبِهَةُ الهَواءِ في تَفَرُّغِهِ مِنَ الأشْياءِ وانْخِراقِهِ، وأنْ يَكُونَ في اضْطِرابِ أفْئِدَتِهِمْ وجَيَشانِها في الصُّدُورِ، وأنَّها تَجِيءُ وتَذْهَبُ وتَبْلُغُ عَلى ما رَوى حَناجِرَهم، فَهي في ذَلِكَ كالهَواءِ الَّذِي هو أبَدًا في اضْطِرابٍ. وحُصُولُ هَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسِ لِلظّالِمِينَ قَبْلَ المُحاسَبَةِ بِدَلِيلِ ذِكْرِها عَقِيبَ قَوْلِهِ: يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ. وقِيلَ: عِنْدَ إجابَةِ الدّاعِي، والقِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: عِنْدَ ذَهابِ السُّعَداءِ إلى الجَنَّةِ، والأشْقِياءِ إلى النّارِ. (p-٤٣٦)﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ مالَكم مِن زَوالٍ﴾ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾: هَذا خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . ويَوْمَ: مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأنْذِرِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لَيْسَ بِزَمانٍ لِلْإنْذارِ، وهَذا اليَوْمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ؛ والمَعْنى: وأنْذِرِ النّاسَ الظّالِمِينَ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يُبَشِّرُونَ ولا يُنْذِرُونَ. وقِيلَ: اليَوْمُ يَوْمُ هَلاكِهِمْ بِالعَذابِ العاجِلِ، أوْ يَوْمُ مَوْتِهِمْ مُعَذَّبِينَ بِشِدَّةِ السَّكَراتِ، ولِقاءِ المَلائِكَةِ بِلا بُشْرى، كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَقَ﴾ [المنافقون: ١٠] ومَعْنى التَّأخُّرِ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ الرَّدُّ إلى الدُّنْيا؛ قالَهُ الضَّحّاكُ، إذِ الإمْهالُ إلى أمَدٍ وحَدٍّ مِنَ الزَّمانِ قَرِيبٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أيْ: لِتَدارُكِ ما فَرَّطُوا مِن إجابَةِ الدَّعْوَةِ، واتِّباعِ الرُّسُلِ. أوْ لَمْ تَكُونُوا: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ والظّاهِرُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَيُقالُ لَهم، والقائِلُ المَلائِكَةُ، أوِ القائِلُ اللَّهُ تَعالى. يُوَبِّخُونَ بِذَلِكَ، ويَذْكُرُونَ مَقالَتَهم في إنْكارِ البَعْثِ، وإقْسامَهم عَلى ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] ومَعْنى ما لَكم مِن زَوالٍ، مِنَ الأرْضِ بَعْدَ المَوْتِ؛ أيْ: لا نُبْعَثُ مِنَ القُبُورِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ هَذا القَوْلَ يَكُونُ مِنهم، وهم في النّارِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ: أوْ لَمْ تَكُونُوا، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أوْ لَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، وفِيهِ وجْهانِ: أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ بَطَرًا وأشَرًا، ولِما اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ مِن عادَةِ الجَهْلِ والسَّفَهِ. وأنْ يَقُولُوا بِلِسانِ الحالِ حَيْثُ بَنَوْا شَدِيدًا، وأمْلَوْا بَعِيدًا. وما لَكم: جَوابُ القَسَمِ، وإنَّما جاءَ بِلَفْظِ الخِطابِ، لِقَوْلِهِ: أقْسَمْتُمْ، ولَوْ حَكى لَفْظَ المُقْسِمِينَ لَقِيلَ: ما لَنا مِن زَوالٍ، والمَعْنى: أقْسَمْتُمْ أنَّكم باقُونَ في الدُّنْيا لا تَزُولُونَ بِالمَوْتِ والفَناءِ، وقِيلَ: لا تَنْتَقِلُونَ إلى دارٍ أُخْرى؛ انْتَهى. فَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوْ لَمْ تَكُونُوا) مَحْكِيًّا بِقَوْلِهِمْ، وهو مُخالِفٌ لِما قَدْ بَيَّنّاهُ مِن أنَّهُ يُقالُ لَهم ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: لا يَزُولُونَ بِالمَوْتِ والفَناءِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهم مُقِرُّونَ بِالمَوْتِ والفَناءِ. وقَوْلُهُ هو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وسَكَنْتُمْ: إنْ كانَ مِنَ السُّكُونِ، فالمَعْنى: أنَّهم قَرُّوا فِيها واطْمَأنُّوا طَيِّبِي النُّفُوسِ سائِرِينَ بِسَيْرَةِ مَن قَبْلَهم في الظُّلْمِ والفَسادِ، لا يُحَدِّثُونَها بِما لَقِيَ الظّالِمُونَ قَبْلَهم. وإنْ كانَ مِنَ السُّكْنى، فَإنَّ السُّكْنى مِنَ السُّكُونِ الَّذِي هو اللُّبْثُ، والأصْلُ تَعْدِيَتُهُ بفي، كَما يُقالُ: أقامَ في الدّارِ وقَرَّ فِيها، ولَكِنَّهُ لَمّا أُطْلِقَ عَلى سُكُونٍ خاصٍّ تَصَرَّفَ فِيهِ، فَقِيلَ: سَكَنَ الدّارَ، كَما قِيلَ: تَبَوَّأها، وتَبَيَّنَ لَكم بِالخَبَرِ وبِالمُشاهَدَةِ ما فَعَلْنا بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ والِانْتِقامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وتَبَيَّنَ: فِعْلًا ماضِيًا، وفاعِلُهُ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: وتَبَيَّنَ لَكم هو، أيْ: حالُهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ كَيْفَ، لِأنَّ (كَيْفَ) إنَّما تَأْتِي اسْمَ اسْتِفْهامٍ أوْ شَرْطٍ، وكِلاهُما لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، إلّا ما رُوِيَ شاذًّا مِن دُخُولِ (عَلى) عَلى (كَيْفَ) في قَوْلِهِمْ: عَلى كَيْفَ تَبِيعُ الأحْمَرَيْنِ، و(إلى) في قَوْلِهِمْ: أنْظُرُ إلى كَيْفَ تَصْنَعُ، وإنَّما كَيْفَ هُنا سُؤالٌ عَنْ حالٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفَعَلْنا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ فِيما حَكى عَنْهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ: ونُبَيِّنُ، بِضَمِّ النُّونِ، ورَفْعِ النُّونِ الأخِيرَةِ مُضارِعُ بَيَّنَ، وحَكاها صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ عَلى إضْمارِ (ونَحْنُ نُبَيِّنُ)، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. وقالَ الَمَهَدَوِيُّ عَنِ السُّلَمِيِّ: إنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ جَزَمَ النُّونَ عَطْفًا عَلى ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا﴾ أيْ: ولَمْ نُبَيِّنْ، فَهو مُشارِكٌ في التَّقْرِيرِ. ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾، أيْ: صِفاتِ ما فَعَلُوا وما فُعِلَ بِهِمْ، وهي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لِكُلِّ ظالِمٍ. ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ (p-٤٣٧)الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في مَكَرُوا عائِدٌ عَلى المُخاطِبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مَكَرُوا بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ، وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى قَوْمِ الرَّسُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ أيْ: وقَدْ مَكَرَ قَوْمُكَ يا مُحَمَّدُ، وهو الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآيَةَ؛ ومَعْنى مَكْرُهم، أيِ: المَكْرُ العَظِيمُ الَّذِي اسْتَفْرَغُوا فِيهِ جُهْدَهم، والظّاهِرُ أنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ بِما صَدَرَ مِنهم في الدُّنْيا، ولَيْسَ مَقُولًا في الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلظَّلَمَةِ الَّذِينَ سَكَنَ في مَنازِلِهِمْ. وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم، أيْ: عِلْمُ مَكْرِهِمْ فَهو مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، فَلا يُنَفِّذُ لَهم فِيهِ قَصْدًا، ولا يُبَلِّغُهم فِيهِ أمَلًا أوْ جَزاءَ مَكْرِهِمْ، وهو عَذابُهُ لَهم. والظّاهِرُ إضافَةُ مَكْرٍ - وهو المَصْدَرُ - إلى الفاعِلِ، كَما هو مُضافٌ في الأوَّلِ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وعِنْدَ اللَّهِ ما مَكَرُوا، أيْ: مَكْرُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَكُونُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ عَلى مَعْنى: وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمُ الَّذِي يَمْكُرُهم بِهِ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ، يَأْتِيهِمْ بِهِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ولا يَحْتَسِبُونَ؛ انْتَهى. وهَذا لا يَصِحُّ إلّا إنْ كانَ مَكْرٌ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما قالَ هو، إذْ قُدِّرَ: يَمْكُرُهم بِهِ، والمَحْفُوظُ أنَّ (مَكَرَ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ بِنَفْسِهِ. قالَ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] وتَقُولُ: زَيْدٌ مَمْكُورٌ بِهِ، ولا يُحْفَظُ زَيْدٌ مَمْكُورٌ بِسَبَبِ كَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وإنْ كانَ بِالنُّونِ. وقَرَأ عَمْرٌو، وعَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، وأُبَيٌّ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: وإنْ (كادَ) بِدالٍ مَكانَ النُّونِ (لَتَزُولُ) بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى ورَفْعِ الثّانِيَةِ، ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (p-٤٣٨)ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، والكِسائِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم قَرَءُوا (وإنْ كانَ) بِالنُّونِ، فَعَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ تَكُونُ (إنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا. فَمَن قَرَأ (كادَ) بِالدّالِ فالمَعْنى: أنَّهُ يَقْرُبُ زَوالُ الجِبالِ بِمَكْرِهِمْ، ولا يَقَعُ الزَّوالُ. وعَلى قِراءَةِ (كانَ) بِالنُّونِ، يَكُونُ زَوالُ الجِبالِ قَدْ وقَعَ، ويَكُونُ في ذَلِكَ تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ وشِدَّتُهُ، وهو بِحَيْثُ يَزُولُ مِنهُ الجِبالُ وتَنْقَطِعُ عَنْ أماكِنِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى لِتَزُولَ لَيَقْرُبُ زَوالُها، فَيَصِيرُ المَعْنى كَمَعْنى قِراءَةِ كادَ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ ما ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ مِن أنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: ولَوْلا كَلِمَةُ اللَّهِ لَزالَ مِن مَكْرِهِمُ الجِبالُ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى التَّفْسِيرِ لِمُخالَفَتِها لِسَوادِ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ وباقِي السَّبْعَةِ: ﴿وإنْ كانَ﴾ بِالنُّونِ، ﴿مَكْرُهم لِتَزُولَ﴾، بِكَسْرِ اللّامِ، ونَصْبِ الأخِيرَةِ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عَلِيٍّ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِها. فَعَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ، و(كانَ) تامَّةٌ، والمَعْنى: وتَحْقِيرُ مَكْرِهِمْ، وأنَّهُ ما كانَ لِتَزُولَ مِنهُ الشَّرائِعُ والنُّبُوّاتُ وأقْدارُ اللَّهِ الَّتِي هي كالجِبالِ في ثُبُوتِها وقُوَّتِها، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: (وما كانَ) بِما النّافِيَةِ: لَكِنَّ هَذا التَّأْوِيلَ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن قِراءَةِ (وما) بِالنَّفْيِ، يُعارِضُ ما تَقَدَّمَ مِنَ القِراءاتِ، لِأنَّ فِيها تَعْظِيمَ مَكْرِهِمْ، وفي هَذا تَحْقِيرُهُ. ويُحْتَمَلُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها نافِيَةٌ أنْ تَكُونَ كانَ ناقِصَةً، واللّامُ لامُ الجُحُودِ، وخَبَرُ كانَ عَلى الخِلافِ الَّذِي بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ: أهْوَ مَحْذُوفٌ ؟ أوْ هو الفِعْلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ اللّامُ ؟ وعَلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ وكانَ ناقِصَةٌ، واللّامُ في لِتَزُولَ مُتَعَلِّقَة بِفِعْلٍ في مَوْضِعِ خَبَرِ كانَ، خَرَّجَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ، وإنْ عَظُمَ مَكْرُهم، وتَتابَعَ في الشِّدَّةِ بِضَرْبِ زَوالِ الجِبالِ مِنهُ مَثَلًا لِتَفاقُمِهِ وشِدَّتِهِ؛ أيْ: وإنْ كانَ مَكْرُهم مُسْتَوٍ لِإزالَةِ الجِبالِ مُعَدًّا لِذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي هَذِهِ القِراءَةَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى تَعْظِيمِ مَكْرِهِمْ؛ أيْ: وإنْ كانَ شَدِيدًا بِما يَفْعَلُ لِيَذْهَبَ بِهِ عِظامُ الأُمُورِ؛ انْتَهى. وعَلى تَخْرِيجِ هَذَيْنِ تَكُونُ (إنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وكانَ هي النّاقِصَةُ. وعَلى هَذا التَّخْرِيجِ تَتَّفِقُ مَعانِي القِراءاتِ أوْ تَتَقارَبُ، وعَلى تَخْرِيجِ النَّفْيِ تَتَعارَضُ، كَما ذَكَرْنا. وقُرِئَ (لِتَزُولَ) بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى ونَصْبِ الثّانِيَةِ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن فَتَحَ لامَ كَيْ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ زَوالَ الجِبالِ مَجازٌ ضُرِبَ مَثَلًا لِمَكْرِ قُرَيْشٍ، وعِظَمِهِ والجِبالُ لا تَزُولُ، وهَذا مِن بابِ الغُلُوِّ والإيغالِ والمُبالَغَةِ في ذَمِّ مَكْرِهِمْ. وأمّا ما رُوِيَ أنَّ جَبَلًا زالَ بِحَلِفِ امْرَأةٍ اتَّهَمَها زَوْجُها، وكانَ ذَلِكَ الجَبَلُ مَن حَلَفَ عَلَيْهِ كاذِبًا ماتَ، فَحَمَلَها لِلْحَلِفِ، فَمَكَرَتْ بِأنْ رَمَتْ نَفْسَها عَنِ الدّابَّةِ، وكانَتْ وعَدَتْ مَنِ اتُّهِمَتْ بِهِ أنْ يَكُونَ في المَكانِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ عَنِ الدّابَّةِ، فَأرْكَبَها زَوْجُها وذَلِكَ الرَّجُلُ، وحَلَفَتْ عَلى الجَبَلِ أنَّها ما مَسَّها غَيْرُهُما، فَنَزَلَتْ سالِمَةً، وأصْبَحَ الجَبَلُ قَدِ انْدَكَّ، وكانَتِ المَرْأةُ مِن عَدْنانَ. وما رُوِيَ مِن قِصَّةِ النَّمْرُودِ أوْ بُخْتُ نَصَّرَ، واتِّخاذُ الأنْسَرِ وصُعُودُهُما عَلَيْها إلى قُرْبِ السَّماءِ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ. وما تَأوَّلَ بَعْضُهم أنَّهُ عَبَّرَ بِالجِبالِ عَنِ الإسْلامِ، والقُرْآنِ لِثُبُوتِهِ ورُسُوخِهِ، وعَبَّرَ بِمَكْرِهِمْ عَنِ اخْتِلافِهِمْ فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا سِحْرٌ، هَذا شِعْرٌ، هَذا إفْكٌ، فَأقْوالٌ يَنْبُو عَنْها ظاهِرُ اللَّفْظِ، وبِعِيدٌ جِدًّا قِصَّةُ الأنْسَرِ. والنَّهْيُ عَنِ الحُسْبانِ كَهَوَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا﴾ [إبراهيم: ٤٢] وأطْلَقَ الحُسْبانَ عَلى الأمْرِ المُتَحَقِّقِ هُنا؛ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا تَحْسَبَنَّ أنِّي أضِلُّ مَنِيَّتِي ∗∗∗ فَكُلُّ امْرِئٍ كَأْسَ الحِمامِ يَذُوقُ وهَذا الوَعْدُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١]، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ مُخْلِفَ إلى وعْدِهِ، ونَصْبِ رُسُلَهُ. واخْتُلِفَ في إعْرابِهِ فَقالَ الجُمْهُورُ: الفَرّاءُ، وقُطْرُبٌ، والحَوْفِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ: إنَّهُ مِمّا أُضِيفَ فِيهِ اسْمُ الفاعِلِ إلى المَفْعُولِ الثّانِي، كَقَوْلِهِمْ: هَذا مُعْطِي دِرْهَمٍ (p-٤٣٩)زَيْدًا، لَمّا كانَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ جازَتْ إضافَتُهُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَيَنْتَصِبُ ما تَأخَّرَ. وأنْشَدَ بَعْضُهم نَظِيرًا لَهُ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ ∗∗∗ وسائِرُهُ بادٍ إلى الشَّمْسِ أجْمَعَ . وقالَ أبُو البَقاءِ: هو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِمْ: يا سارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدّارِ. وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: لَمّا تَعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِما جَمِيعًا لَمْ يُبالِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، ولِمَ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ عَلى الأوَّلِ ؟ (قُلْتُ): قَدَّمَ الوَعْدَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [الرعد: ٣١] ثُمَّ قالَ: رُسُلَهُ، لِيُؤْذِنَ أنَّهُ إذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا، ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ، كَيْفَ يَخْلُفُهُ رُسُلُهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ ؟؛ انْتَهى. وهو جَوابٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في أنَّ وعْدَ اللَّهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، فَمَن وعَدَهُ بِالنّارِ مِنَ العُصاةِ لا يَجُوزُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ أصْلًا. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ كُلَّ ما وعَدَ مِنَ العَذابِ لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ هو مَشْرُوطٌ إنْفاذُهُ بِالمَشِيئَةِ. وقِيلَ: مُخْلِفُ هُنا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [الرعد: ٣١] فَأُضِيفَ إلَيْهِ، وانْتَصَبَ رُسُلَهُ بِوَعْدِهِ إذْ هو مَصْدَرٌ يَنْحَلُّ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ، والفِعْلِ كَأنَّهُ قالَ: مُخْلِفَ ما وعَدَ رُسُلَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، لا بِمَعْنى الَّذِي. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ، بِنَصْبِ وعْدَهُ، وإضافَةِ مُخْلِفَ إلى رُسُلِهِ، فَفَصَلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، وهو كَقِراءَةِ: قَتْلُ أوْلادِهِمْ شُرَكائِهِمْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ مُشَبَّعًا في الأنْعامِ. وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ إعْرابَ الجُمْهُورِ في القِراءَةِ الأُولى، وأنَّهُ مِمّا تَعَدّى فِيهِ مُخْلِفَ إلى مَفْعُولَيْنِ. إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يُغالَبُ ذُو انْتِقامٍ مِنَ الكَفَرَةِ لا يَعْفُو عَنْهم. والتَّبْدِيلُ يَكُونُ في الذّاتِ؛ أيْ: تَزُولُ ذاتٌ وتَجِيءُ أُخْرى. ومِنهُ: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبإ: ١٦] ويَكُونُ في الصِّفاتِ كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الحَلَقَةَ خاتَمًا، فالذّاتُ لَمْ تُفْقَدْ لَكِنَّها انْتَقَلَتْ مِن شَكْلٍ إلى شَكْلٍ. واخْتَلَفُوا في التَّبْدِيلِ هُنا، أهْوَ في الذّاتِ، أوْ في الصِّفاتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تُمَدُّ كَما يُمَدُّ الأدِيمُ، وتُزالُ عَنْها جِبالُها وآكامُها وشَجَرُها، وجَمِيعُ ما فِيها حَتّى تَصِيرَ مُسْتَوِيَةً لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، وتُبَدَّلُ السَّماواتُ بِتَكْوِيرِ شَمْسِها، وانْتِثارِ كَواكِبها، وانْشِقاقِها، وخُسُوفِ قَمَرِها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُبَدَّلُ الأرْضُ بِأرْضٍ كالفِضَّةِ نَقِيَّةٍ لَمْ يُسْفَكْ فِيها دَمٌ، ولَمْ يُعْمَلْ فِيها خَطِيئَةٌ. وقالَ: عَلى تِلْكَ الأرْضِ مِن فِضَّةٍ والجَنَّةِ مِن ذَهَبٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: هي أرْضٌ مِن خُبْزٍ يَأْكُلُ مِنها المُؤْمِنُونَ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ، وجاءَ هَذا مَرْفُوعًا. وقِيلَ: تَصِيرُ نارًا والجَنَّةُ مِن ورائِها تَرى أكْوابَها وكَواعِبَها. وقالَ أُبَيٌّ: تَصِيرُ السَّماواتُ حِقابًا. وقِيلَ: تَبْدِيلُها طَيُّها. وقِيلَ: مَرَّةً كالمُهْلِ، ومَرَّةً ورْدَةٌ كالدِّهانِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقِيلَ: بِانْشِقاقِها فَلا تَظَلُّ. وفي الحَدِيثِ: (إنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُ هَذِهِ الأرْضَ بِأرْضٍ عَفْراءَ بَيْضاءَ كَأنَّها قُرْصَةُ نَقِيٍّ) وفي كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وعَنْ عَلِيٍّ: تُبَدَّلُ أرْضًا مِن فِضَّةٍ، وسَماواتٍ مِن ذَهَبٍ. وعَنِ الضَّحّاكِ: أرْضًا مِن فِضَّةٍ بَيْضاءَ كالصَّحائِفِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي تِلْكَ الأرْضُ وإنَّما تُغَيَّرُ، وأنْشَدَ: ؎وما النّاسُ بِالنّاسِ الَّذِينَ عَهِدْتَهم ∗∗∗ ولا الدّارُ بِالدّارِ الَّتِي كُنْتَ تَعْلَمُ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وسَمِعْتُ مِن أُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوى أنَّ التَّبْدِيلَ يَقَعُ في الأرْضِ، ولَكِنْ تُبَدَّلُ لِكُلِّ فَرِيقٍ بِما يَقْتَضِيهِ حالُهُ، فالمُؤْمِنُ يَكُونُ عَلى خُبْزٍ يَأْكُلُ مِنهُ بِحَسَبِ حاجَتِهِ إلَيْهِ، وفَرِيقٌ يَكُونُونَ عَلى فِضَّةٍ إنْ صَحَّ السَّنَدُ بِها، وفَرِيقُ الكَفَرَةِ يَكُونُونَ عَلى نارٍ ونَحْوِ هَذا، وكُلُّهُ واقِعٌ تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. وفي الحَدِيثِ: ”المُؤْمِنُونَ وقْتَ التَّبْدِيلِ في ظِلِّ العَرْشِ، وفِيهِ أنَّهم ذَلِكَ الوَقْتَ عَلى الصِّراطِ“ وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن تَبْدِيلِ الأرْضِ والسَّماواتِ هو أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الأرْضَ جَهَنَّمَ، ويَجْعَلُ (p-٤٤٠)السَّماواتِ الجَنَّةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]؛ انْتَهى. وكَلامُهُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنّارَ غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ، وظاهِرُ القُرْآنِ والحَدِيثِ أنَّهُما قَدْ خُلِقَتا، وصَحَّ في الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اطَّلَعَ عَلَيْهِما، ولا يُمْكِنُ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِما حَقِيقَةً إلّا بَعْدَ خَلْقِهِما. وبَرَزُوا: أيْ: ظَهَرُوا. لا يُوارِيهِمْ بِناءٌ ولا حِصْنٌ، وانْتِصابُ (يَوْمَ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ مَعْمُولًا لِـ ﴿مُخْلِفَ وعْدِهِ﴾ . وإنَّ وما بَعْدَها اعْتِراضٌ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا فالمُخْلِفُ ولا لِوَعْدِهِ، لِأنَّ ما قَبْلَ (أنْ) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها، ولَكِنْ جُوِّزَ أنْ يَلْحَقَ مِن مَعْنى الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ؛ أيْ: لا يُخْلِفُ وعْدَهُ يَوْمَ تُبَدَّلُ؛ انْتَهى. وإذا كانَ (إنَّ) وما بَعْدَها اعْتِراضًا، لَمْ يُبالِ أنَّهُ فَصْلًا بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ، أوْ مَعْمُولًا لِانْتِقامٍ؛ قالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ، والحَوْفِيُّ، وأبُو البَقاءِ، أوَّلًا ذَكَرَ؛ قالَهُ أبُو البَقاءِ. وقُرِئَ: (نُبَدِّلُ) بِالنُّونِ (الأرْضَ) بِالنَّصْبِ، و(السَّماواتِ) مَعْطُوفٌ عَلى الأرْضِ، و (ثُمَّ) مَحْذُوفٌ؛ أيْ: غَيْرَ السَّماواتِ، حُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ اسْتِئْنافٌ. وبَرَزُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الأرْضِ، و(قَدْ) مَعَهُ مُزادَةٌ. ومَعْنى لِلَّهِ: لِحُكْمِ اللَّهِ، أوْ لِمَوْعُودِهِ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: وبُرِزُوا؛ بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى سَبِيلِ التَّكْثِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى العالَمِ وكَثْرَتِهِمْ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ. وجِيءَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وهُما: الواحِدُ: وهو الواحِدُ الَّذِي لا يُشْرِكُهُ أحَدٌ في أُلُوهِيَّتِهِ، ونَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ آلِهَتَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ لا تَنْفَعُ. والقَهّارُ: وهو الغالِبُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] . وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَوْمَ إذْ تُبَدَّلُ، وبَرَزُوا، مُقَرَّنِينَ، مَشْدُودِينَ في القَرْنِ؛ أيْ: مَقْرُونٌ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ في القُيُودِ والأغْلالِ، أوْ مَعَ شَياطِينِهِمْ، كُلُّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانِهِ في غُلٍّ أوْ تُقْرَنُ أيْدِيهِمْ إلى أرْجُلِهِمْ مُغَلَّلِينَ. والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ في الأصْفادِ بِقَوْلِهِ: مُقَرَّنِينَ؛ أيْ: يُقْرَنُونَ في الأصْفادِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (مُقَرَّنِينَ)، وفي مَوْضِعِ الحالِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مُسْتَقِرِّينَ في الأصْفادِ. وقالَ الحَسَنُ: ما في جَهَنَّمَ وادٍ، ولا مَفازَةٌ، ولا قَيْدٌ، ولا سِلْسِلَةٌ، إلّا اسْمُ صاحِبِهِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، بِخِلافٍ عَنْهُ. وسِنانُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ المُحْنِقِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ، والكَلْبِيُّ، وعِيسى الهَمْدانِيُّ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: مِن قَطِرٍ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطّاءِ وتَنْوِين الرّاء، أنَّ اسْمَ فاعِلٍ مِن أنّى صِفَةٌ لِقِطْرٍ. قِيلَ: وهو القَصْدِيرُ، وقِيلَ: النُّحاسُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِالقَطِرانِ، ولَكِنَّهُ النُّحاسُ يَصِيرُ بِلَوْنِهِ. والآنِيُّ: الذّائِبُ الحارُّ الَّذِي قَدْ تَناهى حَرُّهُ. قالَ الحَسَنُ: قَدْ سُعِّرَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَتَناهى حَرُّهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: آنَ أنْ يُعَذَّبُوا بِهِ، يَعْنِي: حانَ تَعْذِيبُهم بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن شَأْنِهِ. أيِ: القَطْرانُ، أنْ يُسْرِعَ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ، وقَدْ يَسْتَسْرِجُ بِهِ، وهو أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ حَتّى يَعُودَ طِلاؤُهُ لَهم كالسَّرابِيلِ وهي القُمُصُ، لِتَجْتَمِع عَلَيْهِمُ الأرْبَعُ: لَذْعُ القَطِرانِ وحُرْقَتُهُ، وإسْراعُ النّارِ في جُلُودِهِمْ، واللَّوْنُ الوَحْشُ، ونَتَنُ الرِّيحِ. عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ القَطِرانَيْنِ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ. وكُلُّ ما وعَدَهُ اللَّهُ، أوْ أوْعَدَ بِهِ في الآخِرَةِ، فَبَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُشاهِدُهُ مِن جِنْسِهِ ما لا يُقادِرُ قَدْرَهُ، وكَأنَّهُ ما عِنْدَنا مِنهُ إلّا الأسامِيَ والمُسَمَّياتِ ثَمَّةَ، فَبِكَرَمِهِ الواسِعِ نَعُوذُ مِن سُخْطِهِ ونَسْألُهُ التَّوْفِيقَ فِيما يُنْجِينا مِن عَذابِهِ؛ انْتَهى. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مِن قَطْرانٍ، بِفَتْحِ القافِ وإسْكانِ الطّاءِ، وهو في شِعْرِ أبِي النَّجْمِ؛ قالَ: ؎لَبِسْنَهُ القَطْرانَ والمُسُوحا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمْ﴾، بِالنَّصْبِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، فالأوَّلُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] فَهي عَلى (p-٤٤١)حَقِيقَةِ الغَشَيانِ، والثّانِيَةُ عَلى التَّجَوُّزِ، جَعَلَ وُرُودَ الوَجْهِ عَلى النّارِ غَشَيانًا. وقُرِئَ: وتَغْشى وُجُوهَهم، بِمَعْنى تَتَغَشّى، وخَصَّ الوُجُوهَ هُنا. وفي قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤]، و﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] لِأنَّ الوَجْهَ أعَزُّ مَوْضِعٍ في ظاهِرِ البَدَنِ وأشْرَفِهِ كالقَلْبِ في باطِنِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] . ولِيَجْزِيَ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ ما يَفْعَلُ، لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ؛ أيْ: مُجْرِمَةٍ بِما كَسَبَتْ، أوْ كُلَّ نَفْسٍ مِن مُجْرِمَةٍ ومُطِيعَةٍ: لِأنَّهُ إذا عاقَبَ المُجْرِمِينَ لِإجْرامِهِمْ عُلِمَ أنَّهُ يُثِيبُ المُطِيعِينَ لِطاعَتِهِمْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَظْهَرُ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وبَرَزُوا؛ أيِ: الخَلْقُ كُلُّهم، ويَكُونُ كُلُّ نَفْسٍ عامًّا؛ أيْ: مُطِيعَةٌ ومُجْرِمَةٌ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: وتَرى، مُعْتَرِضَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اللّامُ مُتَعَلِّقَة بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَ هَذا، أوْ أنْفَذَ هَذا العِقابَ عَلى المُجْرِمِينَ لِيَجْزِيَ في ذَلِكَ المُسِيءَ عَلى إساءَتِهِ؛ انْتَهى. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ذُكِرَ بِهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا﴾ [إبراهيم: ٤٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: إلى السُّورَةِ. ومَعْنى بَلاغٌ: كِفايَةٌ في الوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ولِيُنْذَرُوا بِهِ. قالَ الماوَرْدِيُّ: الواوُ زائِدَةٌ، وعَنِ المُبَرِّدِ: هو عَطْفٌ مُفْرَدٌ؛ أيْ: هَذا بَلاغٌ وإنْذارٌ؛ انْتَهى. وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ. وقِيلَ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى؛ أيْ: لِيُبَلِّغُوا ولِيُنْذِرُوا. وقِيلَ: اللّامُ لامُ الأمْرِ. قالَ بَعْضُهم: وهو حَسَنٌ لَوْلا قَوْلُهُ: ولِيَذَّكَّرَ، فَإنَّهُ مَنصُوبٌ لا غَيْرُ؛ انْتَهى. ولا يَخْدِشُ ذَلِكَ، إذْ يَكُونُ (ولِيَذَّكَّرَ) لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى الأمْرِ، بَلْ يُضْمِرُ لَهُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ، وهو لِيُنْذَرُوا بِهِ؛ انْتَهى. فَجَعَلَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرًا لِهو المَحْذُوفَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِيُنْذَرُوا، مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لِيُنْصَحُوا ولِيُنْذَرُوا بِهِ بِهَذا البَلاغِ؛ انْتَهى. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ الذّالِ، كانَ البَلاغُ العُمُومَ، والإنْذارُ لِلْمُخاطِبِينَ. وقَرَأ يَحْيَـى بْنُ عُمارَةَ: الذَّرّاعُ عَنْ أبِيهِ، وأحْمَدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ: ولِيَنْذَرُوا، بِفَتْحِ الياءِ والذّالِ، مُضارِعُ نَذَرَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَ بِهِ فاسْتَعَدَّ لَهُ. قالُوا: ولَمْ يُعْرَفْ لِهَذا الفِعْلِ مَصْدَرٌ، فَهو مِثْلُ عَسى وغَيْرِهِ مِمّا اسْتُعْمِلَ مِنَ الأفْعالِ ولَمْ يُعْرَفْ لَهُ أصْلٌ. ولِيَعْلَمُوا لِأنَّهم إذا خافُوا ما أنْذَرُوا بِهِ دَعاهم ذَلِكَ إلى النَّظَرِ، فَيَتَوَصَّلُونَ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، إذِ الخَشْيَةُ أصْلُ الخَيْرِ. ولِيَذَّكَّرَ؛ أيْ: يَتَّعِظَ ويُراجِعَ نَفْسَهُ بِما سَمِعَ مِنَ المَواعِظِ. وأسْنَدَ التَّذَكُّرَ والِاتِّعاظَ إلى مَن لَهُ لُبٌّ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُجْدِي فِيهِمُ التَّذَكُّرُ. وقِيلَ: هي في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وناسَبَ مُخْتَتَمُ هَذِهِ السُّورَة مُفْتَتَحَها، وكَثِيرًا ما جاءَ في سُوَرِ القُرْآنِ، حَتّى إنَّ بَعْضهمْ زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ولِيُنْذَرُوا بِهِ، مَعْطُوفٌ عَلى قَوْله: لِتُخْرِجَ النّاسَ.