Al-Bahr Al-Muhit — الحجر 15:95 – النحل 16:9
المحتويات
الحجر 15:95
(p-٤٦٢)﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: اسْتِبْشارُهم: فَرَحُهم بِالأضْيافِ الَّذِينَ ورَدُوا عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا المَجِيءَ ومُحاوَرَتَهُ مَعَ قَوْمِهِ في حَقِّ أضْيافِهِ، وعَرْضِهِ بَناتِهِ عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ إعْلامِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ وعِلْمِهِ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ، ولِذَلِكَ سَمّاهم ضِيفانًا خَوْفَ الفَضِيحَةِ، لِأجْلِ تَعاطِيهِمْ ما لا يَجُوزُ مِنَ الفِعْلِ القَبِيحِ. وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُرَتَّبًا هَكَذا في هُودٍ، والواوُ لا تُرَتَّبُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجِيءُ والمُحاوَرَةُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وحاوَرَ تِلْكَ المُحاوَرَةَ عَلى جِهَةِ التَّكَتُّمِ عَنْهم، والإمْلاءِ لَهم، والتَّرَبُّصِ بِهِمْ؛ انْتَهى. ونَهاهم عَنْ فَضْحِهِمْ إيّاهُ لِأنَّ مَن أساءَ إلى ضَيْفِهِ أوْ جارِهِ فَقَدْ أساءَ إلَيْهِ. ولا تُخْزُونِ: مِنَ الخِزْيِ وهو الإذْلالُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهو الِاسْتِحْياءُ. وفي قَوْلِهِمْ: أوْ لَمْ نَنْهَكَ، دَلِيلٌ عَلى تَقَدُّمَ نَهْيِهِمْ إيّاهُ عَنْ أنْ يَضِيفَ، أوْ يُجِيرَ أحَدًا، أوْ يَدْفَعَ عَنْهُ، أوْ يَمْنَعَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ هو - صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ - يَقُومُ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، والحَجْزِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن تَعَرَّضُوا لَهُ، فَأوْعَدُوهُ بِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ أخْرَجُوهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: بَناتِي، ومَعْنى الإضافَةِ في هُودٍ. و﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ شَكَّ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِ: كَأنَّهُ قالَ إنْ فَعَلْتُمْ ما أقُولُ، ولَكم ما أظُنُّكم تَفْعَلُونَ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ قَضاءَ الشَّهْوَةِ فِيما أحَلَّ اللَّهُ دُونَ ما حَرَّمَ. واللّامُ في لَعَمْرُكَ لامُ الِابْتِداءِ، والكافُ خِطابٌ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّقْدِيرُ: قالَتِ المَلائِكَة لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، وكَنّى عَنِ الضَّلالَةِ والغَفْلَةِ بِالسَّكْرَةِ، أيْ: تَحَبُّرُهم في غَفْلَتِهِمْ، وضَلالَتِهِمْ مَنَعَهم عَنْ إدْراكِ الصَّوابِ الَّذِي يُشِيرُ بِهِ مِن تَرْكِ البَنِينَ إلى البَناتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الحَوْراءِ، وغَيْرُهُما. أقْسَمَ تَعالى بِحَياتِهِ تَكْرِيمًا لَهُ. والعَمْرُ: بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها، البَقاءُ، وألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ، ويَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: وعَمْرُكَ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: لَعَمْرُكَ: لَدِينُكَ الَّذِي يَعْمُرُ، وأنْشَدَ:
؎أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ
أيْ: عِبادَتُكَ اللَّهَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: عَمَرْتُ رَبِّي أيْ: عَبَدْتُهُ، وفُلانٌ عامِرٌ لِرَبِّهِ أيْ: عابِدٌ. قالَ: ويُقالُ: تَرَكْتُ فُلانًا يَعْمُرُ رَبَّهُ أيْ يَعْبُدُهُ، فَعَلى هَذا، لَعَمْرُكَ: لَعِبادَتُكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ لِأنَّهُ أخَفُّ عَلَيْهِمْ، وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ، فَلَزِمُوا الأخَفَّ، وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أقْسَمَ بِهِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلَّهِ تَعالى عَمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: هو أزَلِيٌّ، وكَأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ العَمْرَ يُقالُ إلّا فِيما لَهُ انْقِطاعٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ العَمْرُ، والعَمْرُ: البَقاءُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللَّهُ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ولَعَمْرُ مَن جَعَلَ الشُّهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ فَبَيَّنَ مِنها نَقْصَها وكَمالَها
وكَرِهَ النَّخَعِيُّ أنْ يُقالَ: لَعَمْرِي، لِأنَّهُ حَلِفٌ بِحَياةِ المُقْسِمِ. وقالَ النّابِغَةُ:
؎لَعَمْـرِي ومَـا عَمْـرِي عَلَـيَّ بِهَيِّـنٍ
والضَّمِيرُ في سَكْرَتِهِمْ عائِدٌ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: لِقُرَيْشٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ نَفْسًا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِن مُحَمَّدٍ قالَ لَهُ: وحَياتِكَ إنَّهم أيْ: قَوْمَكَ مِن قُرَيْشٍ لَفي سَكْرَتِهِمْ أيْ ضَلالِهِمْ، وجَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ يَتَرَدَّدْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا بَعِيدٌ لِانْقِطاعِهِ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وقَرَأ الأشْهَبُ: سُكْرَتِهِمْ، بِضَمِّ السِّينِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَكَراتِهِمْ، بِالجَمْعِ، والأعْمَشُ: سُكْرِهِمْ، بِغَيْرِ تاءٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَة الجَهْضَمِيِّ: (أنَّهم) بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّهم. والصَّيْحَةُ: صَيْحَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: صَوْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صَيْحَةُ الوَحْشَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ (p-٤٦٣)مُشْرِقِينَ: داخِلِينَ في الشُّرُوقِ، وهو بُزُوغُ الشَّمْسِ. وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ الصُّبْحِ، وامْتَدَّ إلى شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَكَأنَّهُ تَمامُ الهَلاكِ عِنْدَ ذَلِكَ. والضَّمِيرُ في عالِيَها سافِلَها عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقُرى قَوْمِ لُوطٍ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ القُرى. وقالَ مُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: لِلْمُتَوَسِّمِينَ: لِلْمُتَفَكِّرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لِلنّاظِرِينَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أوَ كُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلى عَرِيفِهِمْ يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: لِلْمُعْتَبِرِينَ. ورُوِيَ نَهْشَلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قالَ: لِأهْلِ الصَّلاحِ والخَيْرِ، والضَّمِيرُ في (وإنَّها) عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها لِبِطْرِيقٍ ظاهِرٍ بَيِّنٍ لِلْمُعْتَبِرِ؛ قالَهُ: مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ. وقَوْلُهُ: لَبِسَبِيلٍ، أيْ: مَمَرٍّ ثابِتٍ، وهي بِحَيْثُ يَراها النّاسُ ويَعْتَبِرُونَ بِها لَمْ تَنْدَرِسْ. وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الصَّيْحَةِ؛ أيْ: وإنَّ الصَّيْحَةَ لَبِمَرْصَدٍ لِمَن يَعْمَلُ عَمَلَهم لِقَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] . وقِيلَ: مُقِيمٌ: مَعْلُومٌ. وقِيلَ: مُعْتَدٍ دائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلاكٌ دائِمُ السُّلُوكِ؛ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في صُنْعِنا بِقَوْمِ لُوطٍ لَعَلامَةً ودَلِيلًا لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ.
﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، والأيْكَةُ الَّتِي أُضِيفُوا إلَيْها كانَتْ شَجَرَ الدَّوْمِ. وقِيلَ: المُقْلُ. وقِيلَ: السِّدْرُ. وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ النّاحِيَةِ، فَيَكُونُ عَلَمًا. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ في الشُّعَراءِ وص: (لَيْكَةَ) مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. كَفَرُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ، وأُهْلِكُوا بِعَذابِ الظُّلَّةِ. ويَأْتِي ذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ. و(إنْ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي لِمُخَفَّفَةٍ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعِنْدَ الفَرّاءِ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا. وتَقَدَّمُ نَظِيرُ ذَلِكَ في: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في (وإنَّهُما) عائِدٌ عَلى قَرْيَتَيْ: قَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ. أيْ: عَلى أنَّهُما مَمَرُّ السّائِلَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى شُعَيْبٍ ولُوطٍ؛، أيْ: وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ،، أيْ بِطَرِيقٍ مِنَ الحَقِّ واضِحٍ، والإمامُ: الطَّرِيقُ. وقِيلَ: وإنَّهُما؛ أيْ: الحَرُّ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الأيْكَةِ، لَفي مَكْتُوبٍ مُبِينٍ؛ أيِ: اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ مُؤَرِّجٌ: والإمامُ: الكِتابُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ ومَدْيَنَ، لِأنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِما، فَدَلَّ ذِكْرُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِما.
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أصْحابُ الحِجْرِ: ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والحِجْرُ: أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في الأعْرافِ مُسْتَوْفاةً. والمُرْسَلِينَ يَعْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا، لِأنَّ مِن كَذَّبَ واحِدًا مِنهم فَكَأنَّما كَذَّبَهم جَمِيعًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما قِيلَ: الخُبَيْبِيُّونَ في ابْنِ الزُّبَيْرِ وأصْحابِهِ. وعَنْ جابِرٍ قالَ: «مَرَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الحِجْرِ فَقالَ لَنا: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ حَذَرَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ“ ثُمَّ زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راحِلَتَهُ فَأسْرَعَ حَتّى خَلَّفَها» وفي بَعْضِ طُرُقِهِ ثُمَّ قالَ: «هَؤُلاءِ قَوْمُ صالِحٍ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ إلّا رَجُلًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ مَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِن عَذابِ اللَّهِ ”قِيلَ: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ أبُو رِغالٍ» وإلَيْهِ تُنْسَبُ ثَقِيفٌ.
﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾: قِيلَ: أُنْزِلَ إلَيْهِمْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، وقِيلَ: يُرادُ نَصْبُ الأدِلَّةِ فَأعْرَضُوا عَنْها. وقِيلَ: كانَ في النّاقَةِ آياتٌ خَمْسٌ. خُرُوجُها مِنَ الصَّخْرَةِ، ودُنُوُّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها، وعِظَمُها حَتّى لَمْ تُشْبِهْها ناقَةٌ، وكَثْرَةُ لَبَنِها حَتّى يَكْفِيَهم جَمِيعًا. وقِيلَ: كانَتْ لَهُ آياتٌ غَيْرُ النّاقَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَنْحِتُونَ، بِكَسْرِ الحاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو (p-٤٦٤)حَيْوَةَ بِفَتْحِها وصَفَهم بِشِدَّةِ النَّظَرِ لِلدُّنْيا والتَّكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا وهو نَقْرُهم بِالمَعاوِلِ ونَحْوِها في الحِجارَةِ، وآمِنِينَ؛ قِيلَ: مِنَ الِانْهِدامِ. وقِيلَ: مِن حَوادِثِ الدُّنْيا. وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمارِ. وقِيلَ: مِن نَقَبِ اللُّصُوصِ، ومِنَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مِن عَذابِ اللَّهِ، يَحْسَبُونَ أنَّ الجِبالَ تَحْمِيهِمْ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَة، فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها. ومُصْبِحِينَ: داخِلِينَ في الصَّباحِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) في قَوْلِهِ فَما أغْنى نافِيَةٌ، وتَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهامَ المُرادَ مِنهُ التَّعَجُّبُ. و(ما) في ﴿ما كانُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، والظّاهِرُ أنَّها بِمَعْنى الَّذِي، والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَكْسِبُونَهُ مِنَ البُيُوتِ الوَثِيقَةِ والأمْوالِ والعُدَدِ، بَلْ خَرُّوا جاثِمِينَ هَلْكى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾: (p-٤٦٥)إلّا بِالحَقِّ: أيْ: خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ. لَمْ يُخْلَقْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَبَثًا ولا هَمَلًا، بَلْ لِيُطِيعَ مَن أطاعَ بِالتَّفَكُّرِ في ذَلِكَ الخَلْقِ العَظِيمِ، ولِيَتَذَكَّرَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ بِهَذِهِ النَّشْأةِ الأُولى. ولِذَلِكَ نَبَّهَ مَن يَتَنَبَّهُ بِقَوْلِهِ: وأنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ، فَيُجازِي مَن أطاعَ ومَن عَصى. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّفْحِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُهادَنَةَ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إظْهارِ الحُكْمِ عَنْهم والإغْضاءِ لَهم.
ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قالَ: إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ، أتى بِصِفَةِ المُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ ما خَلَقَ، أوِ الخَلّاقُ مَن شاءَ لِما شاءَ مِن سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلّاقُ الَّذِي خَلَقَكَ وخَلَقَهم، وهو العَلِيمُ بِحالِكَ وحالِهِمْ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَجْرِي بَيْنَكم. أوْ إنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي خَلَقَكم وعَلِمَ ما هو الأصْلَحُ لَكم، وقَدْ عَلِمَ أنَّ الصَّفْحَ اليَوْمَ أصْلَحُ إلى أنْ يَكُونَ السَّيْفُ أصْلُحَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: هو الخالِقُ، وكَذا في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعُثْمانَ، مِنَ المَثانِي. والمَثانِي جَمْعُ ثَناةٍ، والمُثَنّى كُلُّ شَيْءٍ يُثَنّى؛ أيْ: يُجْعَلُ اثْنَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ ثَنْيًا؛ أيْ: عَطَفْتُهُ وضَمَمْتُ إلَيْهِ آخَرَ، ومِنهُ يُقالُ لِرُكْبَتَيِ الدّابَّةِ ومِرْفَقَيْهِ: مَثانِي، لِأنَّهُ يُثْنِي بِالفَخِذِ والعَضُدِ. ومَثانِي الوادِي: مَعاطِفُهُ. فَتَقُولُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي مَفْهُومُ سَبْعَةِ أشْياءَ مِن جِنْسِ الأشْياءِ الَّتِي تُثَنّى، وهَذا مُجْمَلٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَعْيِينِهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَّبْعُ هُنا هي السَّبْعُ الطِّوالُ: البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، والنِّساءِ، والمائِدَةِ، والأنْعامِ، والأعْرافِ، والأنْفالِ، وبَراءَةٌ، لِأنَّهُما في حُكْمِ سُورَةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُما بِالتَّسْمِيَةِ. وسُمِّيَتِ الطِّوالُ مَثانِيَ لِأنَّ الحُدُودَ والفَرائِضَ والأمْثالَ ثُنِّيَتْ فِيها قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلى قَوْلِهِ مِن لِبَيانِ الجِنْسِ. وقِيلَ: السّابِعَةُ سُورَةُ يُونُسَ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: بَراءَةٌ وحْدَها، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والمَثانِي عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ وابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ: القُرْآنُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تُثَنّى فِيهِ وتُرَدَّدُ. وقِيلَ: السَّبْعُ آلُ حَمِيم، أوْ سَبْعُ صَحائِفَ وهي الأسْباعُ. وقِيلَ: السَّبْعُ هي المَعانِي الَّتِي أُنْزِلَتْ في القُرْآنِ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وبِشارَةٌ، وإنْذارٌ، وضَرْبُ أمْثالٍ، وتَعْدادُ النِّعَمِ، وإخْبارُ الأُمَمِ. قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ. وقالَ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةُ السَّبْعِ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي سَبْعٌ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وقالَ غَيْرُهُ: سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَّبْعِ الطِّوالِ شَيْءٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْ هَذا القَوْلِ، بَلْ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ لِما في حَدِيثِ أُبَيٍّ فَفي آخِرِهِ ”هي السَّبْعُ المَثانِي“ وحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّها السَّبْعُ المَثانِي وأُمُّ القُرْآنِ وفاتِحَةُ الكِتابِ» وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ. وقِيلَ: لِأنَّها يُثَنّى بِها عَلى اللَّهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ نَظَرٌ؛ انْتَهى. ولا نَظَرَ في ذَلِكَ، لِأنَّها جَمْعُ مُثْنِي، بِضَمِّ المِيمِ، مُفْعِلٌ مَن أثْنى رُباعِيًّا، أيْ: مُقِرُّ (p-٤٦٦)ثَناءً عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: فِيها ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّ اللَّهَ اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ الوارِدِ في الحَدِيثِ تَكُونُ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّتِي هي المَثانِي، وكَذا في قَوْلِ مَن جَعَلَها أسْباعَ القُرْآنِ، أوْ سَبْعَ المَعانِي. وأمّا مَن جَعَلَها السَّبْعَ الطِّوالِ أوْ آلَ حَمِيم، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ، وكَذا في قَوْلِ مَن جَعَلَ سَبْعًا الفاتِحَةَ والمَثانِيَ القُرْآنَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها مَثانِيَ، لِأنَّها تُثْنِي عَلَيْهِ، ولِما فِيها مِنَ المَواعِظِ المُكَرَّرَةِ، ويَكُونُ القُرْآنُ بَعْضَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والقُرْآنَ العَظِيمَ بِالنَّصْبِ. فَإنْ عَنى بِالسَّبْعِ الفاتِحَةَ أوِ السَّبْعِ الطِّوالِ لَكانَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وصارَ الخاصُّ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ. إحْداهُما: بِجِهَةِ الخُصُوصِ، والأُخْرى: بِجِهَةِ العُمُومِ. أوْ لِأنَّ ما دُونَ الفاتِحَةِ أوِ السَّبْعِ الطِّوالِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ، إذْ هو اسْمٌ يَقَعُ عَلى بَعْضِ الشَّيْءِ، كَما يَقَعُ عَلى كُلِّهِ. وإنْ عَنى الإسْباعَ فَهو مِن بابِ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، مِن حَيْثُ إنَّ المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْناكَ ما يُقالُ لَهُ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ أيِ: الجامِعُ لِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ وهو الثَّناءُ والتَّنْبِيهُ والعِظَمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: والقُرْآنِ العَظِيمِ، بِالخَفْضِ، عَطْفًا عَلى المَثانِي. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الواوَ مُقْحَمَةٌ، والتَّقْدِيرُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي القُرْآنِ العَظِيمِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى رَسُولِهِ ﷺ مِن إتْيانِهِ ما آتاهُ، نَهاهُ. وقَدْ قُلْنا: إنَّ النَّهْيَ لا يَقْتَضِي المُلابَسَةَ ولا المُقارَبَةَ عَنْ طُمُوحِ عَيْنِهِ إلى شَيْءٍ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ فالمَعْنى: نَهى أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ مَن أُوتِيَ القُرْآنَ شَغَلَهُ النَّظَرُ فِيهِ وامْتِثالُ تَكالِيفِهِ وفَهْمُ مَعانِيهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِزَهْرَةِ الدُّنْيا. ومَدُّ العَيْنِ لِلشَّيْءِ إنَّما هو لِاسْتِحْسانِهِ وإيثارِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ لا تَتَمَنَّ ما فَضَّلْنا بِهِ أحَدًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا أزْواجًا مِنهم، أيْ: رِجالًا مَعَ نِسائِهِمْ، أوْ أمْثالًا في النِّعَمِ، وأصْنافًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ أقْوالٌ. ونَهاهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وكانَ كَثِيرَ الشَّفَقَةِ عَلى مَن بُعِثَ إلَيْهِ، وادًّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ كُلُّهم، فَكانَ يَلْحَقُهُ الحُزْنُ عَلَيْهِمْ. نَهاهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ عَمَّنْ لَمْ يُؤْمِن، وأمَرَهُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِمَن آمَنَ، وهي كِنايَةٌ عَنِ التَّلَطُّفِ والرِّفْقِ. وأصْلُهُ: أنَّ الطّائِرَ إذا ضَمَّ الفَرْخَ إلَيْهِ بَسَطَ جَناحَهُ لَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ عَلى فَرْخِهِ، والجَناحانِ مِنِ ابْنِ آدَمَ: جانِباهُ. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُبَلِّغَ أنَّهُ هو النَّذِيرُ الكاشِفُ لَكم ما جِئْتُ بِهِ إلَيْكم مِن تَعْذِيبِكم إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وإنْزالِ نِقَمِ اللَّهِ المَخُوفَةِ بِكم. والكافُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْكَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُقْتَسِمُونَ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾، حَيْثُ قالُوا بِعِنادِهِمْ وعَداوَتِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، فاقْتَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ، وعَصَوْهُ. وقِيلَ: كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فَيَقُولُ بَعْضُهم: سُورَةُ البَقَرَةِ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِي. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ ما يَقْرَءُونَهُ مِن كُتُبِهِمْ، وقَدِ اقْتَسَمُوهُ بِتَحْرِيفِهِمْ، وبِأنَّ اليَهُودَ أقَرَّتْ بِبَعْضِ التَّوْراةِ وكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، والنَّصارى أقَرَّتْ بِبَعْضِ الإنْجِيلِ وكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَنِيعِ قَوْمِهِ بِالقُرْآنِ وتَكْذِيبِهِمْ وقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ، وشِعْرٌ، وأساطِيرُ، بِأنَّ غَيْرَهم مِنَ الكَفَرَةِ فَعَلُوا بِغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ نَحْوَ فِعْلِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾، وأنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ يَعْنِي: اليَهُودَ، هو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، جَعَلَ المُتَوَقَّعَ بِمَنزِلَةِ (p-٤٦٧)الواقِعِ، وهو مِنَ الإعْجازِ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ وقَدْ كانَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ، أيْ: أنْذِرِ المُعْضِينَ الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ وهُمُ: الِاثْنا عَشَرَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ أيّامَ المَوْسِمِ، فَقَعَدُوا في كُلِّ مَدْخَلٍ (p-٤٦٨)مُتَفَرِّقِينَ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَعْضُهم: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ مِنّا فَإنَّهُ ساحِرٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: كَذّابٌ، والآخَرُ: شاعِرٌ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ، وقَبْلَهُ بِآفاتٍ: كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنِ وائِلٍ، والأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وغَيْرِهِمْ. أوْ مِثْلَ ما أنْزَلَنا عَلى الرَّهْطِ الَّذِينَ تَقاسَمُوا عَلى أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - والِاقْتِسامُ بِمَعْنى التَّقاسُمِ، (فَإنْ قُلْتَ): إذا عَلَّقْتَ قَوْلَهُ كَما أنْزَلْنا بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ فَما مَعْنى تَوَسُّطِ ﴿لا تَمُدَّنَّ﴾ إلى آخِرِهِ بَيْنَهُما (قُلْتُ): لَمّا كانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وعَداوَتِهِمُ اعْتَرَضَ بِما هو مَدَدٌ لِمَعْنى التَّسْلِيَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى دُنْياهم والتَّأسُّفِ عَلى كُفْرِهِمْ ومِنَ الأمْرِ بِأنْ يُقْبِلَ بِمَجامِعِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ وهو تَعَلُّقُ (كَما) بِآتَيْناكَ، فَذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ عَلى تَقْدِيرٍ (وهو) وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ إيتاءً كَما أنْزَلْنا أوْ إنْزالًا كَما أنْزَلْنا لِأنَّ آتَيْناكَ بِمَعْنى أنْزَلْنا عَلَيْكَ وأمّا قَوْلُهُ إنَّ المُقْتَسِمِينَ هم أهْلُ الكِتابِ؛ فَهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأمّا قَوْلُهُ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ فَهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأمّا قَوْلُهُ (اقْتَسَمُوا) فَقالَ بَعْضُهم سُورَةُ البَقَرَةِ وبَعْضُهم سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، إلَخْ؛ فَقالَهُ عِكْرِمَةُ وقالَ السُّدِّيُّ هُمُ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والوَلِيدُ والعاصِي والحارِثُ بْنُ قَيْسٍ ذَكَرُوا القُرْآنَ، فَمِن قائِلِ البَعُوضِ لِي ومِن قائِلِ النَّمْلِ لِي وقائِلِ الذُّبابِ لِي وقائِلِ العَنْكَبُوتِ لِي اسْتِهْزاءً، فَأهْلَكَ اللَّهُ جَمِيعَهم. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ القُرْآنَ عِبارَةٌ عَمّا يَقْرَءُونَهُ مِن كُتُبِهِمْ إلى آخِرِهِ، فَقالَهُ مُجاهِدٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ، أيْ: أنْذِرِ المُعْضِينَ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ كَما ذُكِرَ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالمُبِينِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ إذا وُصِفَ قَبْلَ ذِكْرِ المَعْمُولِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ لا يُجَوِّزُ هَذا عَلِيمٌ شُجاعٌ عِلْمَ النَّحْوِ فَتَفْصِلُ بَيْن عَلِيمٌ وعِلْمَ بِقَوْلِهِ: شُجاعٌ؛ وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ تُذْكَرُ دَلائِلُها في عِلْمِ النَّحْوِ. وأمّا قَوْلُهُ: الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ، فَمَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ إلّا أنَّهُ قالَ بَدَلَ شِعْرٍ كِهانَةٍ. وأمّا قَوْلُهُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ فَهو قَوْلُ السّائِبِ، وفِيهِ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: لِيَقُلْ بَعْضُكم كاهِنٌ وبَعْضُكم ساحِرٌ وبَعْضُكم شاعِرٌ وبَعْضُكم غاوَوْهم: حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلٍ والعاصِي بْنُ هِشامٍ وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ وقَيْسُ بْنُ الفاكِهِ وزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وهِلالُ بْنُ عَبْدِ الأسْوَدِ والسّائِبُ بْنُ صَيْفِيٍّ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأبُو البُحْتُرِيِّ بْنُ هِشامٍ وزَمَعَةُ بْنُ الحَجّاجِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَف وأوْسُ بْنُ المُغِيرَةِ تَقاسَمُوا عَلى تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُهْلِكُوا جَمِيعًا. وأمّا قَوْلُهُ إنَّهُمُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا فَقَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (p-٤٦٩)والكافُ مِن قَوْلِهِ (كَما) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ﴾ عَذابًا كالَّذِي أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، فالكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ (كَما) لَيْسَ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بَلْ هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ يُقَدَّرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ أنْذِرْ عَذابًا (كَما) والَّذِي أقُولُ في هَذا المَعْنى: وقُلْ أنا النَّذِيرُ المُبِينُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، كَما قَدْ أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا وهَذا عَلى أنَّ المُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابِ؛ انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ وهو عِنْدِي، غَيْرُ صَحِيحٍ إلى آخِرِهِ، فَقَدِ اسْتَعْذَرَ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: أنا النَّذِيرُ بِعَذابٍ مِثْلَ ما أنْزَلْنا وإنْ كانَ المُنَزِّلُ اللَّهَ كَما يَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: أُمِرَنا بِكَذا وإنْ كانَ المَلِكُ هو الآمِرَ. وأمّا قَوْلُهُ: والَّذِي أقُولُ في هَذا المَعْنى إلى آخِرِهِ فَكَلامٌ مُثَبَّجٌ ولَعَلَّهُ مِنَ النّاسِخِ ولَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ وأنْزَلَنا عَلَيْكَ كَما أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ وقِيلَ التَّقْدِيرُ مَتَّعْناهم تَمْتِيعًا كَما أنْزَلْنا، والمَعْنى: مَتَّعْنا بَعْضَهم كَما عَذَّبْنا بَعْضَهم. وقِيلَ التَّقْدِيرُ إنْذارٌ مِثْلَ ما أنْزَلْنا؛ انْتَهى. وقِيلَ الكافُ زائِدَةٌ؛ التَّقْدِيرُ: أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، هَذِهِ أقْوالٌ وتَوْجِيهاتٌ مُتَكَلَّفَةٌ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِأنْ لا يَحْزَنَ عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن وأمَرَهُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَهُ أنْ يُعْلِمَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم إنَّهُ هو النَّذِيرُ المُبِينُ لِئَلّا يَظُنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم لَمّا أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لَهم خَرَجُوا مِن عُهْدَةِ النِّذارَةِ، فَأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ لَكم ولِغَيْرِكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وتَكُونُ الكافُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ قَوْلًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، إنَّكَ نَذِيرٌ لَهم، فالقَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النِّذارَةِ كالقَوْلِ لِلْكُفّارِ المُقْتَسِمِينَ لِئَلّا يُظَنُّ إنْذارُكَ لِلْكَفّارِ مُخالِفٌ لِإنْذارِ المُؤْمِنِينَ بَلْ أنْتَ في وصْفِ النِّذارَة لَهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ تُنْذِرُ المُؤْمِنِينَ كَما تُنْذِرُ الكافِرِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْمُقْتَسِمِينَ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ، وتَقَدَّمَ تَجْوِيزُ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِالنَّذِيرِ، فَوَرَبِّكَ: أقْسَمَ تَعالى بِذاتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، مُضافًا إلى رَسُولِهِ عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ، والضَّمِيرُ في (لَنَسْألَنَّهم) يَظْهَرُ عَوْدُهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ؛ وهو وعِيدُهُ مِن سُؤالِ تَقْرِيعٍ، ويُقالُ إنَّهُ يَعُودُ عَلى الجَمِيعِ مِن كافِرٍ ومُؤْمِنٍ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، والسُّؤالُ عامٌّ لِلْخَلْقِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ كِنايَةً عَنِ الجَزاءِ، وعَنْ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْمالِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ يَسْألُ العِبادَ عَنْ حالَتَيْنِ: عَنْ ما كانُوا يَعْبُدُونَ، وعَنْ ما أجابُوا المُرْسَلِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُقالُ لَهم: لِمْ عَمِلْتُمْ كَذا ؟ قالَ أنَسٌ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ السُّؤالُ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ وذَكَرَهُ الزَّهْراوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَكُونُ المَعْنى عَنِ الوَفاءِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والصِّدْقِ لِمَقالِها كَما قالَ الحَسَنُ: لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّحَلِّي ولا الدِّينُ بِالتَّمَنِّي، ولَكِنْ ما وقَرَ في القُلُوبِ وصَدَّقَتْهُ الأعْمالُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: امْضِ بِهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: اجْهَرْ بِهِ وأظْهِرْهُ مِنَ الصَّدِيعِ، وهو الفَجْرُ (p-٤٧٠)قالَ الشّاعِرُ:
؎كـَأنَّ بَيَـاضَ غُـرَّتِـهِ صَـدِيـعٌ
وقالَ السُّدِّيُّ: تَكَلَّمْ بِما تُؤْمَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أعْلَمْ بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ جَرَّدَ لَهُمُ القَوْلُ في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ: ما في القُرْآنِ أغْرَبُ مِن قَوْلِهِ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ و(ما) في (بِما) بِمَعْنى الَّذِي، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِما تُؤْمَرُهُ، وكانَ أصْلُهُ تُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ، فَحَذَفَ الحَرْفَ فَتَعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ. وقالَ الأخْفَشُ (ما) مَوْصُولَةٌ والتَّقْدِيرُ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ بِصَدْعِهِ، فَحَذَفَ المُضافَ ثُمَّ الجارَّ ثُمَّ الضَّمِيرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: بِأمْرِكَ: مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ انْتَهى. وهَذا يَنْبَنِي عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ أنَّ المَصْدَرَ يُرادُ بِهِ أنْ والفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ: مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِمَصائِبَ أصابَتْهم لَمْ يَسْعَ فِيها الرَّسُولُ ولا تَكَلَّفَ لَها مَشَقَّةً. قالَ عُرْوَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هم خَمْسَةٌ، الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، وأبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن بَنِي خُزاعَةَ: الحارِثُ بْنُ الطَّلاطِلَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ؛ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ هو الحارِثُ بْنُ عَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُّهْرِيُّ: صَدَقا، إنَّهُ عَيْطَلَةُ وأبُوهُ قَيْسٌ؛ وذَكَرَ الشَّعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ: هَبّارَ بْنَ الأسْوَدِ، وذَلِكَ وهْمٌ لِأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً؛ وفي رِوايَةٍ: مَكانَ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ، عَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ وابْنُ أبِي بَزَّةَ كانُوا سَبْعَةً: فَذَكَرَ الوَلِيدَ والحارِثَ بْنَ عَدِيٍّ والأسْوَدَيْنِ والأثْرَمَ وبَعْكَكَ ابْنِي الحارِثِ بْنِ السَّبّاقِ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، إلّا أنَّهُ قالَ: مَكانَ الحارِثِ بْنِ عَدِيٍّ، الحارِثَ بْنَ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرْتُ أنْ أكْفِيَكَهم، فَأوْمَأ إلى ساقِ الوَلِيدِ فَمَرَّ بِنِبالٍ فَتَعَلَّقَ بِثَوْبِهِ سَهْمٌ فَمَنَعَهُ الكِبَرُ أنْ يُطامِنَ لِنَزْعِهِ فَأصابَ عِرْقًا في عَقِبِهِ» . قالَ قَتادَةُ ومِقْسَمٌ: وهو الأكْحَلُ فَقَطَعَهُ فَماتَ وأوْمَأ إلى أخْمَصِ العاصِي، فَدَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَةٌ. وقِيلَ ضَرَبَتْهُ حَيَّةٌ فانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ حَتّى صارَتْ كالرَّحى وماتَ، وأوْمَأ إلى عَيْنَيِ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ، فَعَمِيَ وهَلَكَ؛ وأشارَ إلى أنْفِ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ فامْتَخَطَ قَيْحًا فَماتَ. وقِيلَ أصابَتْهُ سَمُومٌ فاسْوَدَّ حَتّى صارَ كَأنَّهُ حَبَشِيٌّ فَأتى أهْلُهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ وأغْلَقُوا البابَ في وجْهِهِ فَصارَ يَطُوفُ في شِعابِ مَكَّةَ حَتّى ماتَ وفي بَعْضِ ما أصابَ هَؤُلاءِ اخْتِلافٌ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. وقالَ مُقاتِلٌ أصابَ الأثْرَمَ أوْ بَعْكَكًا الدُّبَيْلَةُ والآخَرَ ذاتُ الجَنْبِ فَماتا، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وعِيدٌ لَهم بِالمُجازاةِ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ وجَعْلِهِمْ إلَهًا مَعَ اللَّهِ في الآخِرَةِ كَما جَوَّزُوا في الدُّنْيا، وكُنِّيَ بِالصَّدْرِ عَنِ القَلْبِ لِأنَّهُ مَحَلُّهُ، وجَعَلَ سَبَبَ الضِّيقِ ما يَقُولُونَ وهو ما يَنْطَلِقُونَ بِهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والطَّعْنِ فِيما جاءَ بِهِ ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِتَنْزِيهِهِ عَنْ ما نُسِبُوا إلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الشَّرِيكِ مَعَهُ مَصْحُوبًا بِحَمْدِهِ والثَّناءِ عَلى ما أُسْدِيَ إلَيْهِ مِن نِعْمَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ والتَّوْحِيدِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ؛ فَهَذا في المُعْتَقَدِ والفِعْلِ القَلْبِيِّ، وأمَرَهُ بِكَوْنِهِ مِنَ السّاجِدِينَ والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِنَ المُصَلِّينَ، فَكَنّى بِالسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ، وهي أشْرَفُ أفْعالِ الجَسَدِ وأقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ، ولَمّا كانَ الصّادِرُ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ اعْتِقادًا وهو فِعْلُ القَلْبِ وقَوْلًا، وهو ما يَقُولُونَ في الرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ وهو فِعْلُ جارِحَةٍ أمَرَ تَعالى بِما يُقابِلُ ذَلِكَ مِنَ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ ومِنَ السُّجُودِ وهُما جامِعانِ فِعْلَ القَلْبِ وفِعْلَ الجَسَدِ ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ الَّتِي هي شامِلَةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ ما يُتَقَرَّبُ بِها إلَيْهِ تَعالى، وهَذِهِ الأوامِرُ مَعْناها: دُمْ عَلى كَذا لِأنَّهُ ﷺ ما زالَ مُتَلَبِّسًا بِها؛ أيْ: دُمْ عَلى التَّسْبِيحِ والسُّجُودِ والعِبادَةِ؛ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِاليَقِينِ: المَوْتُ؛ (p-٤٧١)أيْ: ما دُمْتَ حَيًّا فَلا تُخِلَّ بِالعِبادَةِ، وهو تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُهُ ﷺ في عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ»، ويُرْوى فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ، ولَيْسَ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ فَسُمِّيَ يَقِينًا تَجَوُّزًا؛ أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَّصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ بَحْرٍ: قالَ: اليَقِينُ: النَّصْرُ عَلى الكافِرِينَ؛ انْتَهى. وحِكْمَةُ التَّغْيِيَةِ بِاليَقِينِ، وهو المَوْتُ، أنَّهُ يَقْتَضِي دَيْمُومَةَ العِبادَةِ ما دامَ حَيًّا بِخِلافِ الِاقْتِصارِ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ غَيْرَ مُغَيًّا لِأنَّهُ يَكُونُ مُطْلَقًا فَيَكُونُ مُطِيعًا بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ والمَقْصُودُ أنْ لا يُفارِقَ العِبادَةَ حَتّى يَمُوتَ.
الحجر 15:96
(p-٤٦٢)﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: اسْتِبْشارُهم: فَرَحُهم بِالأضْيافِ الَّذِينَ ورَدُوا عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا المَجِيءَ ومُحاوَرَتَهُ مَعَ قَوْمِهِ في حَقِّ أضْيافِهِ، وعَرْضِهِ بَناتِهِ عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ إعْلامِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ وعِلْمِهِ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ، ولِذَلِكَ سَمّاهم ضِيفانًا خَوْفَ الفَضِيحَةِ، لِأجْلِ تَعاطِيهِمْ ما لا يَجُوزُ مِنَ الفِعْلِ القَبِيحِ. وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُرَتَّبًا هَكَذا في هُودٍ، والواوُ لا تُرَتَّبُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجِيءُ والمُحاوَرَةُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وحاوَرَ تِلْكَ المُحاوَرَةَ عَلى جِهَةِ التَّكَتُّمِ عَنْهم، والإمْلاءِ لَهم، والتَّرَبُّصِ بِهِمْ؛ انْتَهى. ونَهاهم عَنْ فَضْحِهِمْ إيّاهُ لِأنَّ مَن أساءَ إلى ضَيْفِهِ أوْ جارِهِ فَقَدْ أساءَ إلَيْهِ. ولا تُخْزُونِ: مِنَ الخِزْيِ وهو الإذْلالُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهو الِاسْتِحْياءُ. وفي قَوْلِهِمْ: أوْ لَمْ نَنْهَكَ، دَلِيلٌ عَلى تَقَدُّمَ نَهْيِهِمْ إيّاهُ عَنْ أنْ يَضِيفَ، أوْ يُجِيرَ أحَدًا، أوْ يَدْفَعَ عَنْهُ، أوْ يَمْنَعَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ هو - صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ - يَقُومُ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، والحَجْزِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن تَعَرَّضُوا لَهُ، فَأوْعَدُوهُ بِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ أخْرَجُوهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: بَناتِي، ومَعْنى الإضافَةِ في هُودٍ. و﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ شَكَّ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِ: كَأنَّهُ قالَ إنْ فَعَلْتُمْ ما أقُولُ، ولَكم ما أظُنُّكم تَفْعَلُونَ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ قَضاءَ الشَّهْوَةِ فِيما أحَلَّ اللَّهُ دُونَ ما حَرَّمَ. واللّامُ في لَعَمْرُكَ لامُ الِابْتِداءِ، والكافُ خِطابٌ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّقْدِيرُ: قالَتِ المَلائِكَة لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، وكَنّى عَنِ الضَّلالَةِ والغَفْلَةِ بِالسَّكْرَةِ، أيْ: تَحَبُّرُهم في غَفْلَتِهِمْ، وضَلالَتِهِمْ مَنَعَهم عَنْ إدْراكِ الصَّوابِ الَّذِي يُشِيرُ بِهِ مِن تَرْكِ البَنِينَ إلى البَناتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الحَوْراءِ، وغَيْرُهُما. أقْسَمَ تَعالى بِحَياتِهِ تَكْرِيمًا لَهُ. والعَمْرُ: بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها، البَقاءُ، وألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ، ويَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: وعَمْرُكَ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: لَعَمْرُكَ: لَدِينُكَ الَّذِي يَعْمُرُ، وأنْشَدَ:
؎أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ
أيْ: عِبادَتُكَ اللَّهَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: عَمَرْتُ رَبِّي أيْ: عَبَدْتُهُ، وفُلانٌ عامِرٌ لِرَبِّهِ أيْ: عابِدٌ. قالَ: ويُقالُ: تَرَكْتُ فُلانًا يَعْمُرُ رَبَّهُ أيْ يَعْبُدُهُ، فَعَلى هَذا، لَعَمْرُكَ: لَعِبادَتُكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ لِأنَّهُ أخَفُّ عَلَيْهِمْ، وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ، فَلَزِمُوا الأخَفَّ، وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أقْسَمَ بِهِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلَّهِ تَعالى عَمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: هو أزَلِيٌّ، وكَأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ العَمْرَ يُقالُ إلّا فِيما لَهُ انْقِطاعٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ العَمْرُ، والعَمْرُ: البَقاءُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللَّهُ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ولَعَمْرُ مَن جَعَلَ الشُّهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ فَبَيَّنَ مِنها نَقْصَها وكَمالَها
وكَرِهَ النَّخَعِيُّ أنْ يُقالَ: لَعَمْرِي، لِأنَّهُ حَلِفٌ بِحَياةِ المُقْسِمِ. وقالَ النّابِغَةُ:
؎لَعَمْـرِي ومَـا عَمْـرِي عَلَـيَّ بِهَيِّـنٍ
والضَّمِيرُ في سَكْرَتِهِمْ عائِدٌ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: لِقُرَيْشٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ نَفْسًا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِن مُحَمَّدٍ قالَ لَهُ: وحَياتِكَ إنَّهم أيْ: قَوْمَكَ مِن قُرَيْشٍ لَفي سَكْرَتِهِمْ أيْ ضَلالِهِمْ، وجَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ يَتَرَدَّدْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا بَعِيدٌ لِانْقِطاعِهِ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وقَرَأ الأشْهَبُ: سُكْرَتِهِمْ، بِضَمِّ السِّينِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَكَراتِهِمْ، بِالجَمْعِ، والأعْمَشُ: سُكْرِهِمْ، بِغَيْرِ تاءٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَة الجَهْضَمِيِّ: (أنَّهم) بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّهم. والصَّيْحَةُ: صَيْحَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: صَوْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صَيْحَةُ الوَحْشَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ (p-٤٦٣)مُشْرِقِينَ: داخِلِينَ في الشُّرُوقِ، وهو بُزُوغُ الشَّمْسِ. وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ الصُّبْحِ، وامْتَدَّ إلى شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَكَأنَّهُ تَمامُ الهَلاكِ عِنْدَ ذَلِكَ. والضَّمِيرُ في عالِيَها سافِلَها عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقُرى قَوْمِ لُوطٍ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ القُرى. وقالَ مُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: لِلْمُتَوَسِّمِينَ: لِلْمُتَفَكِّرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لِلنّاظِرِينَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أوَ كُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلى عَرِيفِهِمْ يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: لِلْمُعْتَبِرِينَ. ورُوِيَ نَهْشَلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قالَ: لِأهْلِ الصَّلاحِ والخَيْرِ، والضَّمِيرُ في (وإنَّها) عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها لِبِطْرِيقٍ ظاهِرٍ بَيِّنٍ لِلْمُعْتَبِرِ؛ قالَهُ: مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ. وقَوْلُهُ: لَبِسَبِيلٍ، أيْ: مَمَرٍّ ثابِتٍ، وهي بِحَيْثُ يَراها النّاسُ ويَعْتَبِرُونَ بِها لَمْ تَنْدَرِسْ. وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الصَّيْحَةِ؛ أيْ: وإنَّ الصَّيْحَةَ لَبِمَرْصَدٍ لِمَن يَعْمَلُ عَمَلَهم لِقَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] . وقِيلَ: مُقِيمٌ: مَعْلُومٌ. وقِيلَ: مُعْتَدٍ دائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلاكٌ دائِمُ السُّلُوكِ؛ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في صُنْعِنا بِقَوْمِ لُوطٍ لَعَلامَةً ودَلِيلًا لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ.
﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، والأيْكَةُ الَّتِي أُضِيفُوا إلَيْها كانَتْ شَجَرَ الدَّوْمِ. وقِيلَ: المُقْلُ. وقِيلَ: السِّدْرُ. وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ النّاحِيَةِ، فَيَكُونُ عَلَمًا. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ في الشُّعَراءِ وص: (لَيْكَةَ) مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. كَفَرُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ، وأُهْلِكُوا بِعَذابِ الظُّلَّةِ. ويَأْتِي ذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ. و(إنْ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي لِمُخَفَّفَةٍ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعِنْدَ الفَرّاءِ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا. وتَقَدَّمُ نَظِيرُ ذَلِكَ في: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في (وإنَّهُما) عائِدٌ عَلى قَرْيَتَيْ: قَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ. أيْ: عَلى أنَّهُما مَمَرُّ السّائِلَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى شُعَيْبٍ ولُوطٍ؛، أيْ: وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ،، أيْ بِطَرِيقٍ مِنَ الحَقِّ واضِحٍ، والإمامُ: الطَّرِيقُ. وقِيلَ: وإنَّهُما؛ أيْ: الحَرُّ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الأيْكَةِ، لَفي مَكْتُوبٍ مُبِينٍ؛ أيِ: اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ مُؤَرِّجٌ: والإمامُ: الكِتابُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ ومَدْيَنَ، لِأنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِما، فَدَلَّ ذِكْرُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِما.
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أصْحابُ الحِجْرِ: ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والحِجْرُ: أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في الأعْرافِ مُسْتَوْفاةً. والمُرْسَلِينَ يَعْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا، لِأنَّ مِن كَذَّبَ واحِدًا مِنهم فَكَأنَّما كَذَّبَهم جَمِيعًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما قِيلَ: الخُبَيْبِيُّونَ في ابْنِ الزُّبَيْرِ وأصْحابِهِ. وعَنْ جابِرٍ قالَ: «مَرَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الحِجْرِ فَقالَ لَنا: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ حَذَرَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ“ ثُمَّ زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راحِلَتَهُ فَأسْرَعَ حَتّى خَلَّفَها» وفي بَعْضِ طُرُقِهِ ثُمَّ قالَ: «هَؤُلاءِ قَوْمُ صالِحٍ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ إلّا رَجُلًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ مَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِن عَذابِ اللَّهِ ”قِيلَ: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ أبُو رِغالٍ» وإلَيْهِ تُنْسَبُ ثَقِيفٌ.
﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾: قِيلَ: أُنْزِلَ إلَيْهِمْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، وقِيلَ: يُرادُ نَصْبُ الأدِلَّةِ فَأعْرَضُوا عَنْها. وقِيلَ: كانَ في النّاقَةِ آياتٌ خَمْسٌ. خُرُوجُها مِنَ الصَّخْرَةِ، ودُنُوُّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها، وعِظَمُها حَتّى لَمْ تُشْبِهْها ناقَةٌ، وكَثْرَةُ لَبَنِها حَتّى يَكْفِيَهم جَمِيعًا. وقِيلَ: كانَتْ لَهُ آياتٌ غَيْرُ النّاقَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَنْحِتُونَ، بِكَسْرِ الحاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو (p-٤٦٤)حَيْوَةَ بِفَتْحِها وصَفَهم بِشِدَّةِ النَّظَرِ لِلدُّنْيا والتَّكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا وهو نَقْرُهم بِالمَعاوِلِ ونَحْوِها في الحِجارَةِ، وآمِنِينَ؛ قِيلَ: مِنَ الِانْهِدامِ. وقِيلَ: مِن حَوادِثِ الدُّنْيا. وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمارِ. وقِيلَ: مِن نَقَبِ اللُّصُوصِ، ومِنَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مِن عَذابِ اللَّهِ، يَحْسَبُونَ أنَّ الجِبالَ تَحْمِيهِمْ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَة، فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها. ومُصْبِحِينَ: داخِلِينَ في الصَّباحِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) في قَوْلِهِ فَما أغْنى نافِيَةٌ، وتَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهامَ المُرادَ مِنهُ التَّعَجُّبُ. و(ما) في ﴿ما كانُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، والظّاهِرُ أنَّها بِمَعْنى الَّذِي، والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَكْسِبُونَهُ مِنَ البُيُوتِ الوَثِيقَةِ والأمْوالِ والعُدَدِ، بَلْ خَرُّوا جاثِمِينَ هَلْكى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾: (p-٤٦٥)إلّا بِالحَقِّ: أيْ: خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ. لَمْ يُخْلَقْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَبَثًا ولا هَمَلًا، بَلْ لِيُطِيعَ مَن أطاعَ بِالتَّفَكُّرِ في ذَلِكَ الخَلْقِ العَظِيمِ، ولِيَتَذَكَّرَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ بِهَذِهِ النَّشْأةِ الأُولى. ولِذَلِكَ نَبَّهَ مَن يَتَنَبَّهُ بِقَوْلِهِ: وأنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ، فَيُجازِي مَن أطاعَ ومَن عَصى. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّفْحِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُهادَنَةَ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إظْهارِ الحُكْمِ عَنْهم والإغْضاءِ لَهم.
ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قالَ: إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ، أتى بِصِفَةِ المُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ ما خَلَقَ، أوِ الخَلّاقُ مَن شاءَ لِما شاءَ مِن سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلّاقُ الَّذِي خَلَقَكَ وخَلَقَهم، وهو العَلِيمُ بِحالِكَ وحالِهِمْ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَجْرِي بَيْنَكم. أوْ إنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي خَلَقَكم وعَلِمَ ما هو الأصْلَحُ لَكم، وقَدْ عَلِمَ أنَّ الصَّفْحَ اليَوْمَ أصْلَحُ إلى أنْ يَكُونَ السَّيْفُ أصْلُحَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: هو الخالِقُ، وكَذا في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعُثْمانَ، مِنَ المَثانِي. والمَثانِي جَمْعُ ثَناةٍ، والمُثَنّى كُلُّ شَيْءٍ يُثَنّى؛ أيْ: يُجْعَلُ اثْنَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ ثَنْيًا؛ أيْ: عَطَفْتُهُ وضَمَمْتُ إلَيْهِ آخَرَ، ومِنهُ يُقالُ لِرُكْبَتَيِ الدّابَّةِ ومِرْفَقَيْهِ: مَثانِي، لِأنَّهُ يُثْنِي بِالفَخِذِ والعَضُدِ. ومَثانِي الوادِي: مَعاطِفُهُ. فَتَقُولُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي مَفْهُومُ سَبْعَةِ أشْياءَ مِن جِنْسِ الأشْياءِ الَّتِي تُثَنّى، وهَذا مُجْمَلٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَعْيِينِهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَّبْعُ هُنا هي السَّبْعُ الطِّوالُ: البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، والنِّساءِ، والمائِدَةِ، والأنْعامِ، والأعْرافِ، والأنْفالِ، وبَراءَةٌ، لِأنَّهُما في حُكْمِ سُورَةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُما بِالتَّسْمِيَةِ. وسُمِّيَتِ الطِّوالُ مَثانِيَ لِأنَّ الحُدُودَ والفَرائِضَ والأمْثالَ ثُنِّيَتْ فِيها قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلى قَوْلِهِ مِن لِبَيانِ الجِنْسِ. وقِيلَ: السّابِعَةُ سُورَةُ يُونُسَ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: بَراءَةٌ وحْدَها، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والمَثانِي عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ وابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ: القُرْآنُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تُثَنّى فِيهِ وتُرَدَّدُ. وقِيلَ: السَّبْعُ آلُ حَمِيم، أوْ سَبْعُ صَحائِفَ وهي الأسْباعُ. وقِيلَ: السَّبْعُ هي المَعانِي الَّتِي أُنْزِلَتْ في القُرْآنِ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وبِشارَةٌ، وإنْذارٌ، وضَرْبُ أمْثالٍ، وتَعْدادُ النِّعَمِ، وإخْبارُ الأُمَمِ. قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ. وقالَ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةُ السَّبْعِ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي سَبْعٌ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وقالَ غَيْرُهُ: سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَّبْعِ الطِّوالِ شَيْءٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْ هَذا القَوْلِ، بَلْ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ لِما في حَدِيثِ أُبَيٍّ فَفي آخِرِهِ ”هي السَّبْعُ المَثانِي“ وحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّها السَّبْعُ المَثانِي وأُمُّ القُرْآنِ وفاتِحَةُ الكِتابِ» وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ. وقِيلَ: لِأنَّها يُثَنّى بِها عَلى اللَّهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ نَظَرٌ؛ انْتَهى. ولا نَظَرَ في ذَلِكَ، لِأنَّها جَمْعُ مُثْنِي، بِضَمِّ المِيمِ، مُفْعِلٌ مَن أثْنى رُباعِيًّا، أيْ: مُقِرُّ (p-٤٦٦)ثَناءً عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: فِيها ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّ اللَّهَ اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ الوارِدِ في الحَدِيثِ تَكُونُ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّتِي هي المَثانِي، وكَذا في قَوْلِ مَن جَعَلَها أسْباعَ القُرْآنِ، أوْ سَبْعَ المَعانِي. وأمّا مَن جَعَلَها السَّبْعَ الطِّوالِ أوْ آلَ حَمِيم، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ، وكَذا في قَوْلِ مَن جَعَلَ سَبْعًا الفاتِحَةَ والمَثانِيَ القُرْآنَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها مَثانِيَ، لِأنَّها تُثْنِي عَلَيْهِ، ولِما فِيها مِنَ المَواعِظِ المُكَرَّرَةِ، ويَكُونُ القُرْآنُ بَعْضَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والقُرْآنَ العَظِيمَ بِالنَّصْبِ. فَإنْ عَنى بِالسَّبْعِ الفاتِحَةَ أوِ السَّبْعِ الطِّوالِ لَكانَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وصارَ الخاصُّ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ. إحْداهُما: بِجِهَةِ الخُصُوصِ، والأُخْرى: بِجِهَةِ العُمُومِ. أوْ لِأنَّ ما دُونَ الفاتِحَةِ أوِ السَّبْعِ الطِّوالِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ، إذْ هو اسْمٌ يَقَعُ عَلى بَعْضِ الشَّيْءِ، كَما يَقَعُ عَلى كُلِّهِ. وإنْ عَنى الإسْباعَ فَهو مِن بابِ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، مِن حَيْثُ إنَّ المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْناكَ ما يُقالُ لَهُ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ أيِ: الجامِعُ لِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ وهو الثَّناءُ والتَّنْبِيهُ والعِظَمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: والقُرْآنِ العَظِيمِ، بِالخَفْضِ، عَطْفًا عَلى المَثانِي. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الواوَ مُقْحَمَةٌ، والتَّقْدِيرُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي القُرْآنِ العَظِيمِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى رَسُولِهِ ﷺ مِن إتْيانِهِ ما آتاهُ، نَهاهُ. وقَدْ قُلْنا: إنَّ النَّهْيَ لا يَقْتَضِي المُلابَسَةَ ولا المُقارَبَةَ عَنْ طُمُوحِ عَيْنِهِ إلى شَيْءٍ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ فالمَعْنى: نَهى أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ مَن أُوتِيَ القُرْآنَ شَغَلَهُ النَّظَرُ فِيهِ وامْتِثالُ تَكالِيفِهِ وفَهْمُ مَعانِيهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِزَهْرَةِ الدُّنْيا. ومَدُّ العَيْنِ لِلشَّيْءِ إنَّما هو لِاسْتِحْسانِهِ وإيثارِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ لا تَتَمَنَّ ما فَضَّلْنا بِهِ أحَدًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا أزْواجًا مِنهم، أيْ: رِجالًا مَعَ نِسائِهِمْ، أوْ أمْثالًا في النِّعَمِ، وأصْنافًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ أقْوالٌ. ونَهاهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وكانَ كَثِيرَ الشَّفَقَةِ عَلى مَن بُعِثَ إلَيْهِ، وادًّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ كُلُّهم، فَكانَ يَلْحَقُهُ الحُزْنُ عَلَيْهِمْ. نَهاهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ عَمَّنْ لَمْ يُؤْمِن، وأمَرَهُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِمَن آمَنَ، وهي كِنايَةٌ عَنِ التَّلَطُّفِ والرِّفْقِ. وأصْلُهُ: أنَّ الطّائِرَ إذا ضَمَّ الفَرْخَ إلَيْهِ بَسَطَ جَناحَهُ لَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ عَلى فَرْخِهِ، والجَناحانِ مِنِ ابْنِ آدَمَ: جانِباهُ. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُبَلِّغَ أنَّهُ هو النَّذِيرُ الكاشِفُ لَكم ما جِئْتُ بِهِ إلَيْكم مِن تَعْذِيبِكم إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وإنْزالِ نِقَمِ اللَّهِ المَخُوفَةِ بِكم. والكافُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْكَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُقْتَسِمُونَ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾، حَيْثُ قالُوا بِعِنادِهِمْ وعَداوَتِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، فاقْتَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ، وعَصَوْهُ. وقِيلَ: كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فَيَقُولُ بَعْضُهم: سُورَةُ البَقَرَةِ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِي. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ ما يَقْرَءُونَهُ مِن كُتُبِهِمْ، وقَدِ اقْتَسَمُوهُ بِتَحْرِيفِهِمْ، وبِأنَّ اليَهُودَ أقَرَّتْ بِبَعْضِ التَّوْراةِ وكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، والنَّصارى أقَرَّتْ بِبَعْضِ الإنْجِيلِ وكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَنِيعِ قَوْمِهِ بِالقُرْآنِ وتَكْذِيبِهِمْ وقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ، وشِعْرٌ، وأساطِيرُ، بِأنَّ غَيْرَهم مِنَ الكَفَرَةِ فَعَلُوا بِغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ نَحْوَ فِعْلِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾، وأنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ يَعْنِي: اليَهُودَ، هو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، جَعَلَ المُتَوَقَّعَ بِمَنزِلَةِ (p-٤٦٧)الواقِعِ، وهو مِنَ الإعْجازِ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ وقَدْ كانَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ، أيْ: أنْذِرِ المُعْضِينَ الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ وهُمُ: الِاثْنا عَشَرَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ أيّامَ المَوْسِمِ، فَقَعَدُوا في كُلِّ مَدْخَلٍ (p-٤٦٨)مُتَفَرِّقِينَ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَعْضُهم: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ مِنّا فَإنَّهُ ساحِرٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: كَذّابٌ، والآخَرُ: شاعِرٌ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ، وقَبْلَهُ بِآفاتٍ: كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنِ وائِلٍ، والأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وغَيْرِهِمْ. أوْ مِثْلَ ما أنْزَلَنا عَلى الرَّهْطِ الَّذِينَ تَقاسَمُوا عَلى أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - والِاقْتِسامُ بِمَعْنى التَّقاسُمِ، (فَإنْ قُلْتَ): إذا عَلَّقْتَ قَوْلَهُ كَما أنْزَلْنا بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ فَما مَعْنى تَوَسُّطِ ﴿لا تَمُدَّنَّ﴾ إلى آخِرِهِ بَيْنَهُما (قُلْتُ): لَمّا كانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وعَداوَتِهِمُ اعْتَرَضَ بِما هو مَدَدٌ لِمَعْنى التَّسْلِيَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى دُنْياهم والتَّأسُّفِ عَلى كُفْرِهِمْ ومِنَ الأمْرِ بِأنْ يُقْبِلَ بِمَجامِعِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ وهو تَعَلُّقُ (كَما) بِآتَيْناكَ، فَذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ عَلى تَقْدِيرٍ (وهو) وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ إيتاءً كَما أنْزَلْنا أوْ إنْزالًا كَما أنْزَلْنا لِأنَّ آتَيْناكَ بِمَعْنى أنْزَلْنا عَلَيْكَ وأمّا قَوْلُهُ إنَّ المُقْتَسِمِينَ هم أهْلُ الكِتابِ؛ فَهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأمّا قَوْلُهُ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ فَهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأمّا قَوْلُهُ (اقْتَسَمُوا) فَقالَ بَعْضُهم سُورَةُ البَقَرَةِ وبَعْضُهم سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، إلَخْ؛ فَقالَهُ عِكْرِمَةُ وقالَ السُّدِّيُّ هُمُ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والوَلِيدُ والعاصِي والحارِثُ بْنُ قَيْسٍ ذَكَرُوا القُرْآنَ، فَمِن قائِلِ البَعُوضِ لِي ومِن قائِلِ النَّمْلِ لِي وقائِلِ الذُّبابِ لِي وقائِلِ العَنْكَبُوتِ لِي اسْتِهْزاءً، فَأهْلَكَ اللَّهُ جَمِيعَهم. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ القُرْآنَ عِبارَةٌ عَمّا يَقْرَءُونَهُ مِن كُتُبِهِمْ إلى آخِرِهِ، فَقالَهُ مُجاهِدٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ، أيْ: أنْذِرِ المُعْضِينَ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ كَما ذُكِرَ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالمُبِينِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ إذا وُصِفَ قَبْلَ ذِكْرِ المَعْمُولِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ لا يُجَوِّزُ هَذا عَلِيمٌ شُجاعٌ عِلْمَ النَّحْوِ فَتَفْصِلُ بَيْن عَلِيمٌ وعِلْمَ بِقَوْلِهِ: شُجاعٌ؛ وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ تُذْكَرُ دَلائِلُها في عِلْمِ النَّحْوِ. وأمّا قَوْلُهُ: الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ، فَمَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ إلّا أنَّهُ قالَ بَدَلَ شِعْرٍ كِهانَةٍ. وأمّا قَوْلُهُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ فَهو قَوْلُ السّائِبِ، وفِيهِ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: لِيَقُلْ بَعْضُكم كاهِنٌ وبَعْضُكم ساحِرٌ وبَعْضُكم شاعِرٌ وبَعْضُكم غاوَوْهم: حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلٍ والعاصِي بْنُ هِشامٍ وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ وقَيْسُ بْنُ الفاكِهِ وزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وهِلالُ بْنُ عَبْدِ الأسْوَدِ والسّائِبُ بْنُ صَيْفِيٍّ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأبُو البُحْتُرِيِّ بْنُ هِشامٍ وزَمَعَةُ بْنُ الحَجّاجِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَف وأوْسُ بْنُ المُغِيرَةِ تَقاسَمُوا عَلى تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُهْلِكُوا جَمِيعًا. وأمّا قَوْلُهُ إنَّهُمُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا فَقَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (p-٤٦٩)والكافُ مِن قَوْلِهِ (كَما) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ﴾ عَذابًا كالَّذِي أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، فالكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ (كَما) لَيْسَ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بَلْ هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ يُقَدَّرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ أنْذِرْ عَذابًا (كَما) والَّذِي أقُولُ في هَذا المَعْنى: وقُلْ أنا النَّذِيرُ المُبِينُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، كَما قَدْ أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا وهَذا عَلى أنَّ المُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابِ؛ انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ وهو عِنْدِي، غَيْرُ صَحِيحٍ إلى آخِرِهِ، فَقَدِ اسْتَعْذَرَ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: أنا النَّذِيرُ بِعَذابٍ مِثْلَ ما أنْزَلْنا وإنْ كانَ المُنَزِّلُ اللَّهَ كَما يَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: أُمِرَنا بِكَذا وإنْ كانَ المَلِكُ هو الآمِرَ. وأمّا قَوْلُهُ: والَّذِي أقُولُ في هَذا المَعْنى إلى آخِرِهِ فَكَلامٌ مُثَبَّجٌ ولَعَلَّهُ مِنَ النّاسِخِ ولَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ وأنْزَلَنا عَلَيْكَ كَما أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ وقِيلَ التَّقْدِيرُ مَتَّعْناهم تَمْتِيعًا كَما أنْزَلْنا، والمَعْنى: مَتَّعْنا بَعْضَهم كَما عَذَّبْنا بَعْضَهم. وقِيلَ التَّقْدِيرُ إنْذارٌ مِثْلَ ما أنْزَلْنا؛ انْتَهى. وقِيلَ الكافُ زائِدَةٌ؛ التَّقْدِيرُ: أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، هَذِهِ أقْوالٌ وتَوْجِيهاتٌ مُتَكَلَّفَةٌ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِأنْ لا يَحْزَنَ عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن وأمَرَهُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَهُ أنْ يُعْلِمَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم إنَّهُ هو النَّذِيرُ المُبِينُ لِئَلّا يَظُنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم لَمّا أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لَهم خَرَجُوا مِن عُهْدَةِ النِّذارَةِ، فَأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ لَكم ولِغَيْرِكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وتَكُونُ الكافُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ قَوْلًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، إنَّكَ نَذِيرٌ لَهم، فالقَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النِّذارَةِ كالقَوْلِ لِلْكُفّارِ المُقْتَسِمِينَ لِئَلّا يُظَنُّ إنْذارُكَ لِلْكَفّارِ مُخالِفٌ لِإنْذارِ المُؤْمِنِينَ بَلْ أنْتَ في وصْفِ النِّذارَة لَهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ تُنْذِرُ المُؤْمِنِينَ كَما تُنْذِرُ الكافِرِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْمُقْتَسِمِينَ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ، وتَقَدَّمَ تَجْوِيزُ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِالنَّذِيرِ، فَوَرَبِّكَ: أقْسَمَ تَعالى بِذاتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، مُضافًا إلى رَسُولِهِ عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ، والضَّمِيرُ في (لَنَسْألَنَّهم) يَظْهَرُ عَوْدُهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ؛ وهو وعِيدُهُ مِن سُؤالِ تَقْرِيعٍ، ويُقالُ إنَّهُ يَعُودُ عَلى الجَمِيعِ مِن كافِرٍ ومُؤْمِنٍ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، والسُّؤالُ عامٌّ لِلْخَلْقِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ كِنايَةً عَنِ الجَزاءِ، وعَنْ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْمالِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ يَسْألُ العِبادَ عَنْ حالَتَيْنِ: عَنْ ما كانُوا يَعْبُدُونَ، وعَنْ ما أجابُوا المُرْسَلِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُقالُ لَهم: لِمْ عَمِلْتُمْ كَذا ؟ قالَ أنَسٌ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ السُّؤالُ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ وذَكَرَهُ الزَّهْراوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَكُونُ المَعْنى عَنِ الوَفاءِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والصِّدْقِ لِمَقالِها كَما قالَ الحَسَنُ: لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّحَلِّي ولا الدِّينُ بِالتَّمَنِّي، ولَكِنْ ما وقَرَ في القُلُوبِ وصَدَّقَتْهُ الأعْمالُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: امْضِ بِهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: اجْهَرْ بِهِ وأظْهِرْهُ مِنَ الصَّدِيعِ، وهو الفَجْرُ (p-٤٧٠)قالَ الشّاعِرُ:
؎كـَأنَّ بَيَـاضَ غُـرَّتِـهِ صَـدِيـعٌ
وقالَ السُّدِّيُّ: تَكَلَّمْ بِما تُؤْمَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أعْلَمْ بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ جَرَّدَ لَهُمُ القَوْلُ في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ: ما في القُرْآنِ أغْرَبُ مِن قَوْلِهِ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ و(ما) في (بِما) بِمَعْنى الَّذِي، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِما تُؤْمَرُهُ، وكانَ أصْلُهُ تُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ، فَحَذَفَ الحَرْفَ فَتَعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ. وقالَ الأخْفَشُ (ما) مَوْصُولَةٌ والتَّقْدِيرُ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ بِصَدْعِهِ، فَحَذَفَ المُضافَ ثُمَّ الجارَّ ثُمَّ الضَّمِيرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: بِأمْرِكَ: مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ انْتَهى. وهَذا يَنْبَنِي عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ أنَّ المَصْدَرَ يُرادُ بِهِ أنْ والفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ: مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِمَصائِبَ أصابَتْهم لَمْ يَسْعَ فِيها الرَّسُولُ ولا تَكَلَّفَ لَها مَشَقَّةً. قالَ عُرْوَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هم خَمْسَةٌ، الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، وأبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن بَنِي خُزاعَةَ: الحارِثُ بْنُ الطَّلاطِلَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ؛ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ هو الحارِثُ بْنُ عَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُّهْرِيُّ: صَدَقا، إنَّهُ عَيْطَلَةُ وأبُوهُ قَيْسٌ؛ وذَكَرَ الشَّعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ: هَبّارَ بْنَ الأسْوَدِ، وذَلِكَ وهْمٌ لِأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً؛ وفي رِوايَةٍ: مَكانَ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ، عَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ وابْنُ أبِي بَزَّةَ كانُوا سَبْعَةً: فَذَكَرَ الوَلِيدَ والحارِثَ بْنَ عَدِيٍّ والأسْوَدَيْنِ والأثْرَمَ وبَعْكَكَ ابْنِي الحارِثِ بْنِ السَّبّاقِ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، إلّا أنَّهُ قالَ: مَكانَ الحارِثِ بْنِ عَدِيٍّ، الحارِثَ بْنَ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرْتُ أنْ أكْفِيَكَهم، فَأوْمَأ إلى ساقِ الوَلِيدِ فَمَرَّ بِنِبالٍ فَتَعَلَّقَ بِثَوْبِهِ سَهْمٌ فَمَنَعَهُ الكِبَرُ أنْ يُطامِنَ لِنَزْعِهِ فَأصابَ عِرْقًا في عَقِبِهِ» . قالَ قَتادَةُ ومِقْسَمٌ: وهو الأكْحَلُ فَقَطَعَهُ فَماتَ وأوْمَأ إلى أخْمَصِ العاصِي، فَدَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَةٌ. وقِيلَ ضَرَبَتْهُ حَيَّةٌ فانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ حَتّى صارَتْ كالرَّحى وماتَ، وأوْمَأ إلى عَيْنَيِ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ، فَعَمِيَ وهَلَكَ؛ وأشارَ إلى أنْفِ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ فامْتَخَطَ قَيْحًا فَماتَ. وقِيلَ أصابَتْهُ سَمُومٌ فاسْوَدَّ حَتّى صارَ كَأنَّهُ حَبَشِيٌّ فَأتى أهْلُهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ وأغْلَقُوا البابَ في وجْهِهِ فَصارَ يَطُوفُ في شِعابِ مَكَّةَ حَتّى ماتَ وفي بَعْضِ ما أصابَ هَؤُلاءِ اخْتِلافٌ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. وقالَ مُقاتِلٌ أصابَ الأثْرَمَ أوْ بَعْكَكًا الدُّبَيْلَةُ والآخَرَ ذاتُ الجَنْبِ فَماتا، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وعِيدٌ لَهم بِالمُجازاةِ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ وجَعْلِهِمْ إلَهًا مَعَ اللَّهِ في الآخِرَةِ كَما جَوَّزُوا في الدُّنْيا، وكُنِّيَ بِالصَّدْرِ عَنِ القَلْبِ لِأنَّهُ مَحَلُّهُ، وجَعَلَ سَبَبَ الضِّيقِ ما يَقُولُونَ وهو ما يَنْطَلِقُونَ بِهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والطَّعْنِ فِيما جاءَ بِهِ ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِتَنْزِيهِهِ عَنْ ما نُسِبُوا إلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الشَّرِيكِ مَعَهُ مَصْحُوبًا بِحَمْدِهِ والثَّناءِ عَلى ما أُسْدِيَ إلَيْهِ مِن نِعْمَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ والتَّوْحِيدِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ؛ فَهَذا في المُعْتَقَدِ والفِعْلِ القَلْبِيِّ، وأمَرَهُ بِكَوْنِهِ مِنَ السّاجِدِينَ والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِنَ المُصَلِّينَ، فَكَنّى بِالسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ، وهي أشْرَفُ أفْعالِ الجَسَدِ وأقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ، ولَمّا كانَ الصّادِرُ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ اعْتِقادًا وهو فِعْلُ القَلْبِ وقَوْلًا، وهو ما يَقُولُونَ في الرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ وهو فِعْلُ جارِحَةٍ أمَرَ تَعالى بِما يُقابِلُ ذَلِكَ مِنَ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ ومِنَ السُّجُودِ وهُما جامِعانِ فِعْلَ القَلْبِ وفِعْلَ الجَسَدِ ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ الَّتِي هي شامِلَةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ ما يُتَقَرَّبُ بِها إلَيْهِ تَعالى، وهَذِهِ الأوامِرُ مَعْناها: دُمْ عَلى كَذا لِأنَّهُ ﷺ ما زالَ مُتَلَبِّسًا بِها؛ أيْ: دُمْ عَلى التَّسْبِيحِ والسُّجُودِ والعِبادَةِ؛ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِاليَقِينِ: المَوْتُ؛ (p-٤٧١)أيْ: ما دُمْتَ حَيًّا فَلا تُخِلَّ بِالعِبادَةِ، وهو تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُهُ ﷺ في عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ»، ويُرْوى فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ، ولَيْسَ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ فَسُمِّيَ يَقِينًا تَجَوُّزًا؛ أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَّصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ بَحْرٍ: قالَ: اليَقِينُ: النَّصْرُ عَلى الكافِرِينَ؛ انْتَهى. وحِكْمَةُ التَّغْيِيَةِ بِاليَقِينِ، وهو المَوْتُ، أنَّهُ يَقْتَضِي دَيْمُومَةَ العِبادَةِ ما دامَ حَيًّا بِخِلافِ الِاقْتِصارِ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ غَيْرَ مُغَيًّا لِأنَّهُ يَكُونُ مُطْلَقًا فَيَكُونُ مُطِيعًا بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ والمَقْصُودُ أنْ لا يُفارِقَ العِبادَةَ حَتّى يَمُوتَ.
الحجر 15:97
(p-٤٦٢)﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: اسْتِبْشارُهم: فَرَحُهم بِالأضْيافِ الَّذِينَ ورَدُوا عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا المَجِيءَ ومُحاوَرَتَهُ مَعَ قَوْمِهِ في حَقِّ أضْيافِهِ، وعَرْضِهِ بَناتِهِ عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ إعْلامِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ وعِلْمِهِ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ، ولِذَلِكَ سَمّاهم ضِيفانًا خَوْفَ الفَضِيحَةِ، لِأجْلِ تَعاطِيهِمْ ما لا يَجُوزُ مِنَ الفِعْلِ القَبِيحِ. وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُرَتَّبًا هَكَذا في هُودٍ، والواوُ لا تُرَتَّبُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجِيءُ والمُحاوَرَةُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وحاوَرَ تِلْكَ المُحاوَرَةَ عَلى جِهَةِ التَّكَتُّمِ عَنْهم، والإمْلاءِ لَهم، والتَّرَبُّصِ بِهِمْ؛ انْتَهى. ونَهاهم عَنْ فَضْحِهِمْ إيّاهُ لِأنَّ مَن أساءَ إلى ضَيْفِهِ أوْ جارِهِ فَقَدْ أساءَ إلَيْهِ. ولا تُخْزُونِ: مِنَ الخِزْيِ وهو الإذْلالُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهو الِاسْتِحْياءُ. وفي قَوْلِهِمْ: أوْ لَمْ نَنْهَكَ، دَلِيلٌ عَلى تَقَدُّمَ نَهْيِهِمْ إيّاهُ عَنْ أنْ يَضِيفَ، أوْ يُجِيرَ أحَدًا، أوْ يَدْفَعَ عَنْهُ، أوْ يَمْنَعَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ هو - صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ - يَقُومُ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، والحَجْزِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن تَعَرَّضُوا لَهُ، فَأوْعَدُوهُ بِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ أخْرَجُوهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: بَناتِي، ومَعْنى الإضافَةِ في هُودٍ. و﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ شَكَّ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِ: كَأنَّهُ قالَ إنْ فَعَلْتُمْ ما أقُولُ، ولَكم ما أظُنُّكم تَفْعَلُونَ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ قَضاءَ الشَّهْوَةِ فِيما أحَلَّ اللَّهُ دُونَ ما حَرَّمَ. واللّامُ في لَعَمْرُكَ لامُ الِابْتِداءِ، والكافُ خِطابٌ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّقْدِيرُ: قالَتِ المَلائِكَة لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، وكَنّى عَنِ الضَّلالَةِ والغَفْلَةِ بِالسَّكْرَةِ، أيْ: تَحَبُّرُهم في غَفْلَتِهِمْ، وضَلالَتِهِمْ مَنَعَهم عَنْ إدْراكِ الصَّوابِ الَّذِي يُشِيرُ بِهِ مِن تَرْكِ البَنِينَ إلى البَناتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الحَوْراءِ، وغَيْرُهُما. أقْسَمَ تَعالى بِحَياتِهِ تَكْرِيمًا لَهُ. والعَمْرُ: بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها، البَقاءُ، وألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ، ويَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: وعَمْرُكَ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: لَعَمْرُكَ: لَدِينُكَ الَّذِي يَعْمُرُ، وأنْشَدَ:
؎أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ
أيْ: عِبادَتُكَ اللَّهَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: عَمَرْتُ رَبِّي أيْ: عَبَدْتُهُ، وفُلانٌ عامِرٌ لِرَبِّهِ أيْ: عابِدٌ. قالَ: ويُقالُ: تَرَكْتُ فُلانًا يَعْمُرُ رَبَّهُ أيْ يَعْبُدُهُ، فَعَلى هَذا، لَعَمْرُكَ: لَعِبادَتُكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ لِأنَّهُ أخَفُّ عَلَيْهِمْ، وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ، فَلَزِمُوا الأخَفَّ، وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أقْسَمَ بِهِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلَّهِ تَعالى عَمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: هو أزَلِيٌّ، وكَأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ العَمْرَ يُقالُ إلّا فِيما لَهُ انْقِطاعٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ العَمْرُ، والعَمْرُ: البَقاءُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللَّهُ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ولَعَمْرُ مَن جَعَلَ الشُّهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ فَبَيَّنَ مِنها نَقْصَها وكَمالَها
وكَرِهَ النَّخَعِيُّ أنْ يُقالَ: لَعَمْرِي، لِأنَّهُ حَلِفٌ بِحَياةِ المُقْسِمِ. وقالَ النّابِغَةُ:
؎لَعَمْـرِي ومَـا عَمْـرِي عَلَـيَّ بِهَيِّـنٍ
والضَّمِيرُ في سَكْرَتِهِمْ عائِدٌ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: لِقُرَيْشٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ نَفْسًا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِن مُحَمَّدٍ قالَ لَهُ: وحَياتِكَ إنَّهم أيْ: قَوْمَكَ مِن قُرَيْشٍ لَفي سَكْرَتِهِمْ أيْ ضَلالِهِمْ، وجَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ يَتَرَدَّدْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا بَعِيدٌ لِانْقِطاعِهِ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وقَرَأ الأشْهَبُ: سُكْرَتِهِمْ، بِضَمِّ السِّينِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَكَراتِهِمْ، بِالجَمْعِ، والأعْمَشُ: سُكْرِهِمْ، بِغَيْرِ تاءٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَة الجَهْضَمِيِّ: (أنَّهم) بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّهم. والصَّيْحَةُ: صَيْحَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: صَوْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صَيْحَةُ الوَحْشَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ (p-٤٦٣)مُشْرِقِينَ: داخِلِينَ في الشُّرُوقِ، وهو بُزُوغُ الشَّمْسِ. وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ الصُّبْحِ، وامْتَدَّ إلى شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَكَأنَّهُ تَمامُ الهَلاكِ عِنْدَ ذَلِكَ. والضَّمِيرُ في عالِيَها سافِلَها عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقُرى قَوْمِ لُوطٍ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ القُرى. وقالَ مُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: لِلْمُتَوَسِّمِينَ: لِلْمُتَفَكِّرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لِلنّاظِرِينَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أوَ كُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلى عَرِيفِهِمْ يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: لِلْمُعْتَبِرِينَ. ورُوِيَ نَهْشَلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قالَ: لِأهْلِ الصَّلاحِ والخَيْرِ، والضَّمِيرُ في (وإنَّها) عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها لِبِطْرِيقٍ ظاهِرٍ بَيِّنٍ لِلْمُعْتَبِرِ؛ قالَهُ: مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ. وقَوْلُهُ: لَبِسَبِيلٍ، أيْ: مَمَرٍّ ثابِتٍ، وهي بِحَيْثُ يَراها النّاسُ ويَعْتَبِرُونَ بِها لَمْ تَنْدَرِسْ. وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الصَّيْحَةِ؛ أيْ: وإنَّ الصَّيْحَةَ لَبِمَرْصَدٍ لِمَن يَعْمَلُ عَمَلَهم لِقَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] . وقِيلَ: مُقِيمٌ: مَعْلُومٌ. وقِيلَ: مُعْتَدٍ دائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلاكٌ دائِمُ السُّلُوكِ؛ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في صُنْعِنا بِقَوْمِ لُوطٍ لَعَلامَةً ودَلِيلًا لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ.
﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، والأيْكَةُ الَّتِي أُضِيفُوا إلَيْها كانَتْ شَجَرَ الدَّوْمِ. وقِيلَ: المُقْلُ. وقِيلَ: السِّدْرُ. وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ النّاحِيَةِ، فَيَكُونُ عَلَمًا. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ في الشُّعَراءِ وص: (لَيْكَةَ) مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. كَفَرُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ، وأُهْلِكُوا بِعَذابِ الظُّلَّةِ. ويَأْتِي ذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ. و(إنْ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي لِمُخَفَّفَةٍ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعِنْدَ الفَرّاءِ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا. وتَقَدَّمُ نَظِيرُ ذَلِكَ في: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في (وإنَّهُما) عائِدٌ عَلى قَرْيَتَيْ: قَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ. أيْ: عَلى أنَّهُما مَمَرُّ السّائِلَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى شُعَيْبٍ ولُوطٍ؛، أيْ: وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ،، أيْ بِطَرِيقٍ مِنَ الحَقِّ واضِحٍ، والإمامُ: الطَّرِيقُ. وقِيلَ: وإنَّهُما؛ أيْ: الحَرُّ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الأيْكَةِ، لَفي مَكْتُوبٍ مُبِينٍ؛ أيِ: اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ مُؤَرِّجٌ: والإمامُ: الكِتابُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ ومَدْيَنَ، لِأنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِما، فَدَلَّ ذِكْرُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِما.
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أصْحابُ الحِجْرِ: ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والحِجْرُ: أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في الأعْرافِ مُسْتَوْفاةً. والمُرْسَلِينَ يَعْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا، لِأنَّ مِن كَذَّبَ واحِدًا مِنهم فَكَأنَّما كَذَّبَهم جَمِيعًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما قِيلَ: الخُبَيْبِيُّونَ في ابْنِ الزُّبَيْرِ وأصْحابِهِ. وعَنْ جابِرٍ قالَ: «مَرَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الحِجْرِ فَقالَ لَنا: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ حَذَرَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ“ ثُمَّ زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راحِلَتَهُ فَأسْرَعَ حَتّى خَلَّفَها» وفي بَعْضِ طُرُقِهِ ثُمَّ قالَ: «هَؤُلاءِ قَوْمُ صالِحٍ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ إلّا رَجُلًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ مَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِن عَذابِ اللَّهِ ”قِيلَ: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ أبُو رِغالٍ» وإلَيْهِ تُنْسَبُ ثَقِيفٌ.
﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾: قِيلَ: أُنْزِلَ إلَيْهِمْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، وقِيلَ: يُرادُ نَصْبُ الأدِلَّةِ فَأعْرَضُوا عَنْها. وقِيلَ: كانَ في النّاقَةِ آياتٌ خَمْسٌ. خُرُوجُها مِنَ الصَّخْرَةِ، ودُنُوُّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها، وعِظَمُها حَتّى لَمْ تُشْبِهْها ناقَةٌ، وكَثْرَةُ لَبَنِها حَتّى يَكْفِيَهم جَمِيعًا. وقِيلَ: كانَتْ لَهُ آياتٌ غَيْرُ النّاقَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَنْحِتُونَ، بِكَسْرِ الحاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو (p-٤٦٤)حَيْوَةَ بِفَتْحِها وصَفَهم بِشِدَّةِ النَّظَرِ لِلدُّنْيا والتَّكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا وهو نَقْرُهم بِالمَعاوِلِ ونَحْوِها في الحِجارَةِ، وآمِنِينَ؛ قِيلَ: مِنَ الِانْهِدامِ. وقِيلَ: مِن حَوادِثِ الدُّنْيا. وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمارِ. وقِيلَ: مِن نَقَبِ اللُّصُوصِ، ومِنَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مِن عَذابِ اللَّهِ، يَحْسَبُونَ أنَّ الجِبالَ تَحْمِيهِمْ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَة، فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها. ومُصْبِحِينَ: داخِلِينَ في الصَّباحِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) في قَوْلِهِ فَما أغْنى نافِيَةٌ، وتَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهامَ المُرادَ مِنهُ التَّعَجُّبُ. و(ما) في ﴿ما كانُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، والظّاهِرُ أنَّها بِمَعْنى الَّذِي، والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَكْسِبُونَهُ مِنَ البُيُوتِ الوَثِيقَةِ والأمْوالِ والعُدَدِ، بَلْ خَرُّوا جاثِمِينَ هَلْكى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾: (p-٤٦٥)إلّا بِالحَقِّ: أيْ: خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ. لَمْ يُخْلَقْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَبَثًا ولا هَمَلًا، بَلْ لِيُطِيعَ مَن أطاعَ بِالتَّفَكُّرِ في ذَلِكَ الخَلْقِ العَظِيمِ، ولِيَتَذَكَّرَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ بِهَذِهِ النَّشْأةِ الأُولى. ولِذَلِكَ نَبَّهَ مَن يَتَنَبَّهُ بِقَوْلِهِ: وأنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ، فَيُجازِي مَن أطاعَ ومَن عَصى. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّفْحِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُهادَنَةَ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إظْهارِ الحُكْمِ عَنْهم والإغْضاءِ لَهم.
ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قالَ: إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ، أتى بِصِفَةِ المُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ ما خَلَقَ، أوِ الخَلّاقُ مَن شاءَ لِما شاءَ مِن سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلّاقُ الَّذِي خَلَقَكَ وخَلَقَهم، وهو العَلِيمُ بِحالِكَ وحالِهِمْ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَجْرِي بَيْنَكم. أوْ إنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي خَلَقَكم وعَلِمَ ما هو الأصْلَحُ لَكم، وقَدْ عَلِمَ أنَّ الصَّفْحَ اليَوْمَ أصْلَحُ إلى أنْ يَكُونَ السَّيْفُ أصْلُحَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: هو الخالِقُ، وكَذا في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعُثْمانَ، مِنَ المَثانِي. والمَثانِي جَمْعُ ثَناةٍ، والمُثَنّى كُلُّ شَيْءٍ يُثَنّى؛ أيْ: يُجْعَلُ اثْنَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ ثَنْيًا؛ أيْ: عَطَفْتُهُ وضَمَمْتُ إلَيْهِ آخَرَ، ومِنهُ يُقالُ لِرُكْبَتَيِ الدّابَّةِ ومِرْفَقَيْهِ: مَثانِي، لِأنَّهُ يُثْنِي بِالفَخِذِ والعَضُدِ. ومَثانِي الوادِي: مَعاطِفُهُ. فَتَقُولُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي مَفْهُومُ سَبْعَةِ أشْياءَ مِن جِنْسِ الأشْياءِ الَّتِي تُثَنّى، وهَذا مُجْمَلٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَعْيِينِهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَّبْعُ هُنا هي السَّبْعُ الطِّوالُ: البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، والنِّساءِ، والمائِدَةِ، والأنْعامِ، والأعْرافِ، والأنْفالِ، وبَراءَةٌ، لِأنَّهُما في حُكْمِ سُورَةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُما بِالتَّسْمِيَةِ. وسُمِّيَتِ الطِّوالُ مَثانِيَ لِأنَّ الحُدُودَ والفَرائِضَ والأمْثالَ ثُنِّيَتْ فِيها قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلى قَوْلِهِ مِن لِبَيانِ الجِنْسِ. وقِيلَ: السّابِعَةُ سُورَةُ يُونُسَ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: بَراءَةٌ وحْدَها، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والمَثانِي عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ وابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ: القُرْآنُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تُثَنّى فِيهِ وتُرَدَّدُ. وقِيلَ: السَّبْعُ آلُ حَمِيم، أوْ سَبْعُ صَحائِفَ وهي الأسْباعُ. وقِيلَ: السَّبْعُ هي المَعانِي الَّتِي أُنْزِلَتْ في القُرْآنِ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وبِشارَةٌ، وإنْذارٌ، وضَرْبُ أمْثالٍ، وتَعْدادُ النِّعَمِ، وإخْبارُ الأُمَمِ. قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ. وقالَ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةُ السَّبْعِ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي سَبْعٌ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وقالَ غَيْرُهُ: سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَّبْعِ الطِّوالِ شَيْءٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْ هَذا القَوْلِ، بَلْ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ لِما في حَدِيثِ أُبَيٍّ فَفي آخِرِهِ ”هي السَّبْعُ المَثانِي“ وحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّها السَّبْعُ المَثانِي وأُمُّ القُرْآنِ وفاتِحَةُ الكِتابِ» وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ. وقِيلَ: لِأنَّها يُثَنّى بِها عَلى اللَّهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ نَظَرٌ؛ انْتَهى. ولا نَظَرَ في ذَلِكَ، لِأنَّها جَمْعُ مُثْنِي، بِضَمِّ المِيمِ، مُفْعِلٌ مَن أثْنى رُباعِيًّا، أيْ: مُقِرُّ (p-٤٦٦)ثَناءً عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: فِيها ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّ اللَّهَ اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ الوارِدِ في الحَدِيثِ تَكُونُ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّتِي هي المَثانِي، وكَذا في قَوْلِ مَن جَعَلَها أسْباعَ القُرْآنِ، أوْ سَبْعَ المَعانِي. وأمّا مَن جَعَلَها السَّبْعَ الطِّوالِ أوْ آلَ حَمِيم، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ، وكَذا في قَوْلِ مَن جَعَلَ سَبْعًا الفاتِحَةَ والمَثانِيَ القُرْآنَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها مَثانِيَ، لِأنَّها تُثْنِي عَلَيْهِ، ولِما فِيها مِنَ المَواعِظِ المُكَرَّرَةِ، ويَكُونُ القُرْآنُ بَعْضَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والقُرْآنَ العَظِيمَ بِالنَّصْبِ. فَإنْ عَنى بِالسَّبْعِ الفاتِحَةَ أوِ السَّبْعِ الطِّوالِ لَكانَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وصارَ الخاصُّ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ. إحْداهُما: بِجِهَةِ الخُصُوصِ، والأُخْرى: بِجِهَةِ العُمُومِ. أوْ لِأنَّ ما دُونَ الفاتِحَةِ أوِ السَّبْعِ الطِّوالِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ، إذْ هو اسْمٌ يَقَعُ عَلى بَعْضِ الشَّيْءِ، كَما يَقَعُ عَلى كُلِّهِ. وإنْ عَنى الإسْباعَ فَهو مِن بابِ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، مِن حَيْثُ إنَّ المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْناكَ ما يُقالُ لَهُ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ أيِ: الجامِعُ لِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ وهو الثَّناءُ والتَّنْبِيهُ والعِظَمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: والقُرْآنِ العَظِيمِ، بِالخَفْضِ، عَطْفًا عَلى المَثانِي. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الواوَ مُقْحَمَةٌ، والتَّقْدِيرُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي القُرْآنِ العَظِيمِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى رَسُولِهِ ﷺ مِن إتْيانِهِ ما آتاهُ، نَهاهُ. وقَدْ قُلْنا: إنَّ النَّهْيَ لا يَقْتَضِي المُلابَسَةَ ولا المُقارَبَةَ عَنْ طُمُوحِ عَيْنِهِ إلى شَيْءٍ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ فالمَعْنى: نَهى أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ مَن أُوتِيَ القُرْآنَ شَغَلَهُ النَّظَرُ فِيهِ وامْتِثالُ تَكالِيفِهِ وفَهْمُ مَعانِيهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِزَهْرَةِ الدُّنْيا. ومَدُّ العَيْنِ لِلشَّيْءِ إنَّما هو لِاسْتِحْسانِهِ وإيثارِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ لا تَتَمَنَّ ما فَضَّلْنا بِهِ أحَدًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا أزْواجًا مِنهم، أيْ: رِجالًا مَعَ نِسائِهِمْ، أوْ أمْثالًا في النِّعَمِ، وأصْنافًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ أقْوالٌ. ونَهاهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وكانَ كَثِيرَ الشَّفَقَةِ عَلى مَن بُعِثَ إلَيْهِ، وادًّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ كُلُّهم، فَكانَ يَلْحَقُهُ الحُزْنُ عَلَيْهِمْ. نَهاهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ عَمَّنْ لَمْ يُؤْمِن، وأمَرَهُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِمَن آمَنَ، وهي كِنايَةٌ عَنِ التَّلَطُّفِ والرِّفْقِ. وأصْلُهُ: أنَّ الطّائِرَ إذا ضَمَّ الفَرْخَ إلَيْهِ بَسَطَ جَناحَهُ لَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ عَلى فَرْخِهِ، والجَناحانِ مِنِ ابْنِ آدَمَ: جانِباهُ. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُبَلِّغَ أنَّهُ هو النَّذِيرُ الكاشِفُ لَكم ما جِئْتُ بِهِ إلَيْكم مِن تَعْذِيبِكم إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وإنْزالِ نِقَمِ اللَّهِ المَخُوفَةِ بِكم. والكافُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْكَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُقْتَسِمُونَ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾، حَيْثُ قالُوا بِعِنادِهِمْ وعَداوَتِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، فاقْتَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ، وعَصَوْهُ. وقِيلَ: كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فَيَقُولُ بَعْضُهم: سُورَةُ البَقَرَةِ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِي. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ ما يَقْرَءُونَهُ مِن كُتُبِهِمْ، وقَدِ اقْتَسَمُوهُ بِتَحْرِيفِهِمْ، وبِأنَّ اليَهُودَ أقَرَّتْ بِبَعْضِ التَّوْراةِ وكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، والنَّصارى أقَرَّتْ بِبَعْضِ الإنْجِيلِ وكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَنِيعِ قَوْمِهِ بِالقُرْآنِ وتَكْذِيبِهِمْ وقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ، وشِعْرٌ، وأساطِيرُ، بِأنَّ غَيْرَهم مِنَ الكَفَرَةِ فَعَلُوا بِغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ نَحْوَ فِعْلِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾، وأنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ يَعْنِي: اليَهُودَ، هو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، جَعَلَ المُتَوَقَّعَ بِمَنزِلَةِ (p-٤٦٧)الواقِعِ، وهو مِنَ الإعْجازِ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ وقَدْ كانَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ، أيْ: أنْذِرِ المُعْضِينَ الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ وهُمُ: الِاثْنا عَشَرَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ أيّامَ المَوْسِمِ، فَقَعَدُوا في كُلِّ مَدْخَلٍ (p-٤٦٨)مُتَفَرِّقِينَ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَعْضُهم: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ مِنّا فَإنَّهُ ساحِرٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: كَذّابٌ، والآخَرُ: شاعِرٌ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ، وقَبْلَهُ بِآفاتٍ: كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنِ وائِلٍ، والأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وغَيْرِهِمْ. أوْ مِثْلَ ما أنْزَلَنا عَلى الرَّهْطِ الَّذِينَ تَقاسَمُوا عَلى أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - والِاقْتِسامُ بِمَعْنى التَّقاسُمِ، (فَإنْ قُلْتَ): إذا عَلَّقْتَ قَوْلَهُ كَما أنْزَلْنا بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ فَما مَعْنى تَوَسُّطِ ﴿لا تَمُدَّنَّ﴾ إلى آخِرِهِ بَيْنَهُما (قُلْتُ): لَمّا كانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وعَداوَتِهِمُ اعْتَرَضَ بِما هو مَدَدٌ لِمَعْنى التَّسْلِيَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى دُنْياهم والتَّأسُّفِ عَلى كُفْرِهِمْ ومِنَ الأمْرِ بِأنْ يُقْبِلَ بِمَجامِعِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ وهو تَعَلُّقُ (كَما) بِآتَيْناكَ، فَذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ عَلى تَقْدِيرٍ (وهو) وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ إيتاءً كَما أنْزَلْنا أوْ إنْزالًا كَما أنْزَلْنا لِأنَّ آتَيْناكَ بِمَعْنى أنْزَلْنا عَلَيْكَ وأمّا قَوْلُهُ إنَّ المُقْتَسِمِينَ هم أهْلُ الكِتابِ؛ فَهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأمّا قَوْلُهُ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ فَهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأمّا قَوْلُهُ (اقْتَسَمُوا) فَقالَ بَعْضُهم سُورَةُ البَقَرَةِ وبَعْضُهم سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، إلَخْ؛ فَقالَهُ عِكْرِمَةُ وقالَ السُّدِّيُّ هُمُ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والوَلِيدُ والعاصِي والحارِثُ بْنُ قَيْسٍ ذَكَرُوا القُرْآنَ، فَمِن قائِلِ البَعُوضِ لِي ومِن قائِلِ النَّمْلِ لِي وقائِلِ الذُّبابِ لِي وقائِلِ العَنْكَبُوتِ لِي اسْتِهْزاءً، فَأهْلَكَ اللَّهُ جَمِيعَهم. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ القُرْآنَ عِبارَةٌ عَمّا يَقْرَءُونَهُ مِن كُتُبِهِمْ إلى آخِرِهِ، فَقالَهُ مُجاهِدٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ، أيْ: أنْذِرِ المُعْضِينَ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ كَما ذُكِرَ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالمُبِينِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ إذا وُصِفَ قَبْلَ ذِكْرِ المَعْمُولِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ لا يُجَوِّزُ هَذا عَلِيمٌ شُجاعٌ عِلْمَ النَّحْوِ فَتَفْصِلُ بَيْن عَلِيمٌ وعِلْمَ بِقَوْلِهِ: شُجاعٌ؛ وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ تُذْكَرُ دَلائِلُها في عِلْمِ النَّحْوِ. وأمّا قَوْلُهُ: الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ، فَمَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ إلّا أنَّهُ قالَ بَدَلَ شِعْرٍ كِهانَةٍ. وأمّا قَوْلُهُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ فَهو قَوْلُ السّائِبِ، وفِيهِ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: لِيَقُلْ بَعْضُكم كاهِنٌ وبَعْضُكم ساحِرٌ وبَعْضُكم شاعِرٌ وبَعْضُكم غاوَوْهم: حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلٍ والعاصِي بْنُ هِشامٍ وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ وقَيْسُ بْنُ الفاكِهِ وزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وهِلالُ بْنُ عَبْدِ الأسْوَدِ والسّائِبُ بْنُ صَيْفِيٍّ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأبُو البُحْتُرِيِّ بْنُ هِشامٍ وزَمَعَةُ بْنُ الحَجّاجِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَف وأوْسُ بْنُ المُغِيرَةِ تَقاسَمُوا عَلى تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُهْلِكُوا جَمِيعًا. وأمّا قَوْلُهُ إنَّهُمُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا فَقَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (p-٤٦٩)والكافُ مِن قَوْلِهِ (كَما) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ﴾ عَذابًا كالَّذِي أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، فالكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ (كَما) لَيْسَ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بَلْ هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ يُقَدَّرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ أنْذِرْ عَذابًا (كَما) والَّذِي أقُولُ في هَذا المَعْنى: وقُلْ أنا النَّذِيرُ المُبِينُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، كَما قَدْ أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا وهَذا عَلى أنَّ المُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابِ؛ انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ وهو عِنْدِي، غَيْرُ صَحِيحٍ إلى آخِرِهِ، فَقَدِ اسْتَعْذَرَ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: أنا النَّذِيرُ بِعَذابٍ مِثْلَ ما أنْزَلْنا وإنْ كانَ المُنَزِّلُ اللَّهَ كَما يَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: أُمِرَنا بِكَذا وإنْ كانَ المَلِكُ هو الآمِرَ. وأمّا قَوْلُهُ: والَّذِي أقُولُ في هَذا المَعْنى إلى آخِرِهِ فَكَلامٌ مُثَبَّجٌ ولَعَلَّهُ مِنَ النّاسِخِ ولَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ وأنْزَلَنا عَلَيْكَ كَما أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ وقِيلَ التَّقْدِيرُ مَتَّعْناهم تَمْتِيعًا كَما أنْزَلْنا، والمَعْنى: مَتَّعْنا بَعْضَهم كَما عَذَّبْنا بَعْضَهم. وقِيلَ التَّقْدِيرُ إنْذارٌ مِثْلَ ما أنْزَلْنا؛ انْتَهى. وقِيلَ الكافُ زائِدَةٌ؛ التَّقْدِيرُ: أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، هَذِهِ أقْوالٌ وتَوْجِيهاتٌ مُتَكَلَّفَةٌ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِأنْ لا يَحْزَنَ عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن وأمَرَهُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَهُ أنْ يُعْلِمَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم إنَّهُ هو النَّذِيرُ المُبِينُ لِئَلّا يَظُنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم لَمّا أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لَهم خَرَجُوا مِن عُهْدَةِ النِّذارَةِ، فَأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ لَكم ولِغَيْرِكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وتَكُونُ الكافُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ قَوْلًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، إنَّكَ نَذِيرٌ لَهم، فالقَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النِّذارَةِ كالقَوْلِ لِلْكُفّارِ المُقْتَسِمِينَ لِئَلّا يُظَنُّ إنْذارُكَ لِلْكَفّارِ مُخالِفٌ لِإنْذارِ المُؤْمِنِينَ بَلْ أنْتَ في وصْفِ النِّذارَة لَهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ تُنْذِرُ المُؤْمِنِينَ كَما تُنْذِرُ الكافِرِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْمُقْتَسِمِينَ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ، وتَقَدَّمَ تَجْوِيزُ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِالنَّذِيرِ، فَوَرَبِّكَ: أقْسَمَ تَعالى بِذاتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، مُضافًا إلى رَسُولِهِ عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ، والضَّمِيرُ في (لَنَسْألَنَّهم) يَظْهَرُ عَوْدُهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ؛ وهو وعِيدُهُ مِن سُؤالِ تَقْرِيعٍ، ويُقالُ إنَّهُ يَعُودُ عَلى الجَمِيعِ مِن كافِرٍ ومُؤْمِنٍ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، والسُّؤالُ عامٌّ لِلْخَلْقِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ كِنايَةً عَنِ الجَزاءِ، وعَنْ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْمالِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ يَسْألُ العِبادَ عَنْ حالَتَيْنِ: عَنْ ما كانُوا يَعْبُدُونَ، وعَنْ ما أجابُوا المُرْسَلِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُقالُ لَهم: لِمْ عَمِلْتُمْ كَذا ؟ قالَ أنَسٌ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ السُّؤالُ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ وذَكَرَهُ الزَّهْراوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَكُونُ المَعْنى عَنِ الوَفاءِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والصِّدْقِ لِمَقالِها كَما قالَ الحَسَنُ: لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّحَلِّي ولا الدِّينُ بِالتَّمَنِّي، ولَكِنْ ما وقَرَ في القُلُوبِ وصَدَّقَتْهُ الأعْمالُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: امْضِ بِهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: اجْهَرْ بِهِ وأظْهِرْهُ مِنَ الصَّدِيعِ، وهو الفَجْرُ (p-٤٧٠)قالَ الشّاعِرُ:
؎كـَأنَّ بَيَـاضَ غُـرَّتِـهِ صَـدِيـعٌ
وقالَ السُّدِّيُّ: تَكَلَّمْ بِما تُؤْمَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أعْلَمْ بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ جَرَّدَ لَهُمُ القَوْلُ في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ: ما في القُرْآنِ أغْرَبُ مِن قَوْلِهِ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ و(ما) في (بِما) بِمَعْنى الَّذِي، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِما تُؤْمَرُهُ، وكانَ أصْلُهُ تُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ، فَحَذَفَ الحَرْفَ فَتَعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ. وقالَ الأخْفَشُ (ما) مَوْصُولَةٌ والتَّقْدِيرُ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ بِصَدْعِهِ، فَحَذَفَ المُضافَ ثُمَّ الجارَّ ثُمَّ الضَّمِيرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: بِأمْرِكَ: مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ انْتَهى. وهَذا يَنْبَنِي عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ أنَّ المَصْدَرَ يُرادُ بِهِ أنْ والفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ: مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِمَصائِبَ أصابَتْهم لَمْ يَسْعَ فِيها الرَّسُولُ ولا تَكَلَّفَ لَها مَشَقَّةً. قالَ عُرْوَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هم خَمْسَةٌ، الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، وأبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن بَنِي خُزاعَةَ: الحارِثُ بْنُ الطَّلاطِلَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ؛ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ هو الحارِثُ بْنُ عَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُّهْرِيُّ: صَدَقا، إنَّهُ عَيْطَلَةُ وأبُوهُ قَيْسٌ؛ وذَكَرَ الشَّعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ: هَبّارَ بْنَ الأسْوَدِ، وذَلِكَ وهْمٌ لِأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً؛ وفي رِوايَةٍ: مَكانَ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ، عَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ وابْنُ أبِي بَزَّةَ كانُوا سَبْعَةً: فَذَكَرَ الوَلِيدَ والحارِثَ بْنَ عَدِيٍّ والأسْوَدَيْنِ والأثْرَمَ وبَعْكَكَ ابْنِي الحارِثِ بْنِ السَّبّاقِ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، إلّا أنَّهُ قالَ: مَكانَ الحارِثِ بْنِ عَدِيٍّ، الحارِثَ بْنَ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرْتُ أنْ أكْفِيَكَهم، فَأوْمَأ إلى ساقِ الوَلِيدِ فَمَرَّ بِنِبالٍ فَتَعَلَّقَ بِثَوْبِهِ سَهْمٌ فَمَنَعَهُ الكِبَرُ أنْ يُطامِنَ لِنَزْعِهِ فَأصابَ عِرْقًا في عَقِبِهِ» . قالَ قَتادَةُ ومِقْسَمٌ: وهو الأكْحَلُ فَقَطَعَهُ فَماتَ وأوْمَأ إلى أخْمَصِ العاصِي، فَدَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَةٌ. وقِيلَ ضَرَبَتْهُ حَيَّةٌ فانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ حَتّى صارَتْ كالرَّحى وماتَ، وأوْمَأ إلى عَيْنَيِ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ، فَعَمِيَ وهَلَكَ؛ وأشارَ إلى أنْفِ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ فامْتَخَطَ قَيْحًا فَماتَ. وقِيلَ أصابَتْهُ سَمُومٌ فاسْوَدَّ حَتّى صارَ كَأنَّهُ حَبَشِيٌّ فَأتى أهْلُهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ وأغْلَقُوا البابَ في وجْهِهِ فَصارَ يَطُوفُ في شِعابِ مَكَّةَ حَتّى ماتَ وفي بَعْضِ ما أصابَ هَؤُلاءِ اخْتِلافٌ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. وقالَ مُقاتِلٌ أصابَ الأثْرَمَ أوْ بَعْكَكًا الدُّبَيْلَةُ والآخَرَ ذاتُ الجَنْبِ فَماتا، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وعِيدٌ لَهم بِالمُجازاةِ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ وجَعْلِهِمْ إلَهًا مَعَ اللَّهِ في الآخِرَةِ كَما جَوَّزُوا في الدُّنْيا، وكُنِّيَ بِالصَّدْرِ عَنِ القَلْبِ لِأنَّهُ مَحَلُّهُ، وجَعَلَ سَبَبَ الضِّيقِ ما يَقُولُونَ وهو ما يَنْطَلِقُونَ بِهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والطَّعْنِ فِيما جاءَ بِهِ ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِتَنْزِيهِهِ عَنْ ما نُسِبُوا إلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الشَّرِيكِ مَعَهُ مَصْحُوبًا بِحَمْدِهِ والثَّناءِ عَلى ما أُسْدِيَ إلَيْهِ مِن نِعْمَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ والتَّوْحِيدِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ؛ فَهَذا في المُعْتَقَدِ والفِعْلِ القَلْبِيِّ، وأمَرَهُ بِكَوْنِهِ مِنَ السّاجِدِينَ والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِنَ المُصَلِّينَ، فَكَنّى بِالسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ، وهي أشْرَفُ أفْعالِ الجَسَدِ وأقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ، ولَمّا كانَ الصّادِرُ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ اعْتِقادًا وهو فِعْلُ القَلْبِ وقَوْلًا، وهو ما يَقُولُونَ في الرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ وهو فِعْلُ جارِحَةٍ أمَرَ تَعالى بِما يُقابِلُ ذَلِكَ مِنَ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ ومِنَ السُّجُودِ وهُما جامِعانِ فِعْلَ القَلْبِ وفِعْلَ الجَسَدِ ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ الَّتِي هي شامِلَةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ ما يُتَقَرَّبُ بِها إلَيْهِ تَعالى، وهَذِهِ الأوامِرُ مَعْناها: دُمْ عَلى كَذا لِأنَّهُ ﷺ ما زالَ مُتَلَبِّسًا بِها؛ أيْ: دُمْ عَلى التَّسْبِيحِ والسُّجُودِ والعِبادَةِ؛ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِاليَقِينِ: المَوْتُ؛ (p-٤٧١)أيْ: ما دُمْتَ حَيًّا فَلا تُخِلَّ بِالعِبادَةِ، وهو تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُهُ ﷺ في عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ»، ويُرْوى فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ، ولَيْسَ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ فَسُمِّيَ يَقِينًا تَجَوُّزًا؛ أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَّصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ بَحْرٍ: قالَ: اليَقِينُ: النَّصْرُ عَلى الكافِرِينَ؛ انْتَهى. وحِكْمَةُ التَّغْيِيَةِ بِاليَقِينِ، وهو المَوْتُ، أنَّهُ يَقْتَضِي دَيْمُومَةَ العِبادَةِ ما دامَ حَيًّا بِخِلافِ الِاقْتِصارِ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ غَيْرَ مُغَيًّا لِأنَّهُ يَكُونُ مُطْلَقًا فَيَكُونُ مُطِيعًا بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ والمَقْصُودُ أنْ لا يُفارِقَ العِبادَةَ حَتّى يَمُوتَ.
الحجر 15:98
(p-٤٦٢)﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: اسْتِبْشارُهم: فَرَحُهم بِالأضْيافِ الَّذِينَ ورَدُوا عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا المَجِيءَ ومُحاوَرَتَهُ مَعَ قَوْمِهِ في حَقِّ أضْيافِهِ، وعَرْضِهِ بَناتِهِ عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ إعْلامِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ وعِلْمِهِ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ، ولِذَلِكَ سَمّاهم ضِيفانًا خَوْفَ الفَضِيحَةِ، لِأجْلِ تَعاطِيهِمْ ما لا يَجُوزُ مِنَ الفِعْلِ القَبِيحِ. وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُرَتَّبًا هَكَذا في هُودٍ، والواوُ لا تُرَتَّبُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجِيءُ والمُحاوَرَةُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وحاوَرَ تِلْكَ المُحاوَرَةَ عَلى جِهَةِ التَّكَتُّمِ عَنْهم، والإمْلاءِ لَهم، والتَّرَبُّصِ بِهِمْ؛ انْتَهى. ونَهاهم عَنْ فَضْحِهِمْ إيّاهُ لِأنَّ مَن أساءَ إلى ضَيْفِهِ أوْ جارِهِ فَقَدْ أساءَ إلَيْهِ. ولا تُخْزُونِ: مِنَ الخِزْيِ وهو الإذْلالُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهو الِاسْتِحْياءُ. وفي قَوْلِهِمْ: أوْ لَمْ نَنْهَكَ، دَلِيلٌ عَلى تَقَدُّمَ نَهْيِهِمْ إيّاهُ عَنْ أنْ يَضِيفَ، أوْ يُجِيرَ أحَدًا، أوْ يَدْفَعَ عَنْهُ، أوْ يَمْنَعَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ هو - صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ - يَقُومُ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، والحَجْزِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن تَعَرَّضُوا لَهُ، فَأوْعَدُوهُ بِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ أخْرَجُوهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: بَناتِي، ومَعْنى الإضافَةِ في هُودٍ. و﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ شَكَّ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِ: كَأنَّهُ قالَ إنْ فَعَلْتُمْ ما أقُولُ، ولَكم ما أظُنُّكم تَفْعَلُونَ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ قَضاءَ الشَّهْوَةِ فِيما أحَلَّ اللَّهُ دُونَ ما حَرَّمَ. واللّامُ في لَعَمْرُكَ لامُ الِابْتِداءِ، والكافُ خِطابٌ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّقْدِيرُ: قالَتِ المَلائِكَة لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، وكَنّى عَنِ الضَّلالَةِ والغَفْلَةِ بِالسَّكْرَةِ، أيْ: تَحَبُّرُهم في غَفْلَتِهِمْ، وضَلالَتِهِمْ مَنَعَهم عَنْ إدْراكِ الصَّوابِ الَّذِي يُشِيرُ بِهِ مِن تَرْكِ البَنِينَ إلى البَناتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الحَوْراءِ، وغَيْرُهُما. أقْسَمَ تَعالى بِحَياتِهِ تَكْرِيمًا لَهُ. والعَمْرُ: بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها، البَقاءُ، وألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ، ويَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: وعَمْرُكَ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: لَعَمْرُكَ: لَدِينُكَ الَّذِي يَعْمُرُ، وأنْشَدَ:
؎أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ
أيْ: عِبادَتُكَ اللَّهَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: عَمَرْتُ رَبِّي أيْ: عَبَدْتُهُ، وفُلانٌ عامِرٌ لِرَبِّهِ أيْ: عابِدٌ. قالَ: ويُقالُ: تَرَكْتُ فُلانًا يَعْمُرُ رَبَّهُ أيْ يَعْبُدُهُ، فَعَلى هَذا، لَعَمْرُكَ: لَعِبادَتُكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ لِأنَّهُ أخَفُّ عَلَيْهِمْ، وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ، فَلَزِمُوا الأخَفَّ، وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أقْسَمَ بِهِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلَّهِ تَعالى عَمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: هو أزَلِيٌّ، وكَأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ العَمْرَ يُقالُ إلّا فِيما لَهُ انْقِطاعٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ العَمْرُ، والعَمْرُ: البَقاءُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللَّهُ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ولَعَمْرُ مَن جَعَلَ الشُّهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ فَبَيَّنَ مِنها نَقْصَها وكَمالَها
وكَرِهَ النَّخَعِيُّ أنْ يُقالَ: لَعَمْرِي، لِأنَّهُ حَلِفٌ بِحَياةِ المُقْسِمِ. وقالَ النّابِغَةُ:
؎لَعَمْـرِي ومَـا عَمْـرِي عَلَـيَّ بِهَيِّـنٍ
والضَّمِيرُ في سَكْرَتِهِمْ عائِدٌ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: لِقُرَيْشٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ نَفْسًا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِن مُحَمَّدٍ قالَ لَهُ: وحَياتِكَ إنَّهم أيْ: قَوْمَكَ مِن قُرَيْشٍ لَفي سَكْرَتِهِمْ أيْ ضَلالِهِمْ، وجَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ يَتَرَدَّدْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا بَعِيدٌ لِانْقِطاعِهِ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وقَرَأ الأشْهَبُ: سُكْرَتِهِمْ، بِضَمِّ السِّينِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَكَراتِهِمْ، بِالجَمْعِ، والأعْمَشُ: سُكْرِهِمْ، بِغَيْرِ تاءٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَة الجَهْضَمِيِّ: (أنَّهم) بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّهم. والصَّيْحَةُ: صَيْحَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: صَوْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صَيْحَةُ الوَحْشَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ (p-٤٦٣)مُشْرِقِينَ: داخِلِينَ في الشُّرُوقِ، وهو بُزُوغُ الشَّمْسِ. وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ الصُّبْحِ، وامْتَدَّ إلى شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَكَأنَّهُ تَمامُ الهَلاكِ عِنْدَ ذَلِكَ. والضَّمِيرُ في عالِيَها سافِلَها عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقُرى قَوْمِ لُوطٍ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ القُرى. وقالَ مُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: لِلْمُتَوَسِّمِينَ: لِلْمُتَفَكِّرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لِلنّاظِرِينَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أوَ كُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلى عَرِيفِهِمْ يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: لِلْمُعْتَبِرِينَ. ورُوِيَ نَهْشَلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قالَ: لِأهْلِ الصَّلاحِ والخَيْرِ، والضَّمِيرُ في (وإنَّها) عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها لِبِطْرِيقٍ ظاهِرٍ بَيِّنٍ لِلْمُعْتَبِرِ؛ قالَهُ: مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ. وقَوْلُهُ: لَبِسَبِيلٍ، أيْ: مَمَرٍّ ثابِتٍ، وهي بِحَيْثُ يَراها النّاسُ ويَعْتَبِرُونَ بِها لَمْ تَنْدَرِسْ. وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الصَّيْحَةِ؛ أيْ: وإنَّ الصَّيْحَةَ لَبِمَرْصَدٍ لِمَن يَعْمَلُ عَمَلَهم لِقَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] . وقِيلَ: مُقِيمٌ: مَعْلُومٌ. وقِيلَ: مُعْتَدٍ دائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلاكٌ دائِمُ السُّلُوكِ؛ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في صُنْعِنا بِقَوْمِ لُوطٍ لَعَلامَةً ودَلِيلًا لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ.
﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، والأيْكَةُ الَّتِي أُضِيفُوا إلَيْها كانَتْ شَجَرَ الدَّوْمِ. وقِيلَ: المُقْلُ. وقِيلَ: السِّدْرُ. وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ النّاحِيَةِ، فَيَكُونُ عَلَمًا. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ في الشُّعَراءِ وص: (لَيْكَةَ) مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. كَفَرُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ، وأُهْلِكُوا بِعَذابِ الظُّلَّةِ. ويَأْتِي ذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ. و(إنْ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي لِمُخَفَّفَةٍ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعِنْدَ الفَرّاءِ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا. وتَقَدَّمُ نَظِيرُ ذَلِكَ في: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في (وإنَّهُما) عائِدٌ عَلى قَرْيَتَيْ: قَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ. أيْ: عَلى أنَّهُما مَمَرُّ السّائِلَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى شُعَيْبٍ ولُوطٍ؛، أيْ: وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ،، أيْ بِطَرِيقٍ مِنَ الحَقِّ واضِحٍ، والإمامُ: الطَّرِيقُ. وقِيلَ: وإنَّهُما؛ أيْ: الحَرُّ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الأيْكَةِ، لَفي مَكْتُوبٍ مُبِينٍ؛ أيِ: اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ مُؤَرِّجٌ: والإمامُ: الكِتابُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ ومَدْيَنَ، لِأنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِما، فَدَلَّ ذِكْرُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِما.
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أصْحابُ الحِجْرِ: ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والحِجْرُ: أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في الأعْرافِ مُسْتَوْفاةً. والمُرْسَلِينَ يَعْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا، لِأنَّ مِن كَذَّبَ واحِدًا مِنهم فَكَأنَّما كَذَّبَهم جَمِيعًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما قِيلَ: الخُبَيْبِيُّونَ في ابْنِ الزُّبَيْرِ وأصْحابِهِ. وعَنْ جابِرٍ قالَ: «مَرَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الحِجْرِ فَقالَ لَنا: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ حَذَرَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ“ ثُمَّ زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راحِلَتَهُ فَأسْرَعَ حَتّى خَلَّفَها» وفي بَعْضِ طُرُقِهِ ثُمَّ قالَ: «هَؤُلاءِ قَوْمُ صالِحٍ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ إلّا رَجُلًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ مَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِن عَذابِ اللَّهِ ”قِيلَ: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ أبُو رِغالٍ» وإلَيْهِ تُنْسَبُ ثَقِيفٌ.
﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾: قِيلَ: أُنْزِلَ إلَيْهِمْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، وقِيلَ: يُرادُ نَصْبُ الأدِلَّةِ فَأعْرَضُوا عَنْها. وقِيلَ: كانَ في النّاقَةِ آياتٌ خَمْسٌ. خُرُوجُها مِنَ الصَّخْرَةِ، ودُنُوُّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها، وعِظَمُها حَتّى لَمْ تُشْبِهْها ناقَةٌ، وكَثْرَةُ لَبَنِها حَتّى يَكْفِيَهم جَمِيعًا. وقِيلَ: كانَتْ لَهُ آياتٌ غَيْرُ النّاقَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَنْحِتُونَ، بِكَسْرِ الحاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو (p-٤٦٤)حَيْوَةَ بِفَتْحِها وصَفَهم بِشِدَّةِ النَّظَرِ لِلدُّنْيا والتَّكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا وهو نَقْرُهم بِالمَعاوِلِ ونَحْوِها في الحِجارَةِ، وآمِنِينَ؛ قِيلَ: مِنَ الِانْهِدامِ. وقِيلَ: مِن حَوادِثِ الدُّنْيا. وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمارِ. وقِيلَ: مِن نَقَبِ اللُّصُوصِ، ومِنَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مِن عَذابِ اللَّهِ، يَحْسَبُونَ أنَّ الجِبالَ تَحْمِيهِمْ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَة، فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها. ومُصْبِحِينَ: داخِلِينَ في الصَّباحِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) في قَوْلِهِ فَما أغْنى نافِيَةٌ، وتَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهامَ المُرادَ مِنهُ التَّعَجُّبُ. و(ما) في ﴿ما كانُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، والظّاهِرُ أنَّها بِمَعْنى الَّذِي، والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَكْسِبُونَهُ مِنَ البُيُوتِ الوَثِيقَةِ والأمْوالِ والعُدَدِ، بَلْ خَرُّوا جاثِمِينَ هَلْكى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾: (p-٤٦٥)إلّا بِالحَقِّ: أيْ: خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ. لَمْ يُخْلَقْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَبَثًا ولا هَمَلًا، بَلْ لِيُطِيعَ مَن أطاعَ بِالتَّفَكُّرِ في ذَلِكَ الخَلْقِ العَظِيمِ، ولِيَتَذَكَّرَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ بِهَذِهِ النَّشْأةِ الأُولى. ولِذَلِكَ نَبَّهَ مَن يَتَنَبَّهُ بِقَوْلِهِ: وأنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ، فَيُجازِي مَن أطاعَ ومَن عَصى. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّفْحِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُهادَنَةَ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إظْهارِ الحُكْمِ عَنْهم والإغْضاءِ لَهم.
ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قالَ: إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ، أتى بِصِفَةِ المُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ ما خَلَقَ، أوِ الخَلّاقُ مَن شاءَ لِما شاءَ مِن سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلّاقُ الَّذِي خَلَقَكَ وخَلَقَهم، وهو العَلِيمُ بِحالِكَ وحالِهِمْ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَجْرِي بَيْنَكم. أوْ إنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي خَلَقَكم وعَلِمَ ما هو الأصْلَحُ لَكم، وقَدْ عَلِمَ أنَّ الصَّفْحَ اليَوْمَ أصْلَحُ إلى أنْ يَكُونَ السَّيْفُ أصْلُحَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: هو الخالِقُ، وكَذا في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعُثْمانَ، مِنَ المَثانِي. والمَثانِي جَمْعُ ثَناةٍ، والمُثَنّى كُلُّ شَيْءٍ يُثَنّى؛ أيْ: يُجْعَلُ اثْنَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ ثَنْيًا؛ أيْ: عَطَفْتُهُ وضَمَمْتُ إلَيْهِ آخَرَ، ومِنهُ يُقالُ لِرُكْبَتَيِ الدّابَّةِ ومِرْفَقَيْهِ: مَثانِي، لِأنَّهُ يُثْنِي بِالفَخِذِ والعَضُدِ. ومَثانِي الوادِي: مَعاطِفُهُ. فَتَقُولُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي مَفْهُومُ سَبْعَةِ أشْياءَ مِن جِنْسِ الأشْياءِ الَّتِي تُثَنّى، وهَذا مُجْمَلٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَعْيِينِهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَّبْعُ هُنا هي السَّبْعُ الطِّوالُ: البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، والنِّساءِ، والمائِدَةِ، والأنْعامِ، والأعْرافِ، والأنْفالِ، وبَراءَةٌ، لِأنَّهُما في حُكْمِ سُورَةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُما بِالتَّسْمِيَةِ. وسُمِّيَتِ الطِّوالُ مَثانِيَ لِأنَّ الحُدُودَ والفَرائِضَ والأمْثالَ ثُنِّيَتْ فِيها قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلى قَوْلِهِ مِن لِبَيانِ الجِنْسِ. وقِيلَ: السّابِعَةُ سُورَةُ يُونُسَ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: بَراءَةٌ وحْدَها، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والمَثانِي عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ وابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ: القُرْآنُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تُثَنّى فِيهِ وتُرَدَّدُ. وقِيلَ: السَّبْعُ آلُ حَمِيم، أوْ سَبْعُ صَحائِفَ وهي الأسْباعُ. وقِيلَ: السَّبْعُ هي المَعانِي الَّتِي أُنْزِلَتْ في القُرْآنِ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وبِشارَةٌ، وإنْذارٌ، وضَرْبُ أمْثالٍ، وتَعْدادُ النِّعَمِ، وإخْبارُ الأُمَمِ. قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ. وقالَ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةُ السَّبْعِ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي سَبْعٌ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وقالَ غَيْرُهُ: سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَّبْعِ الطِّوالِ شَيْءٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْ هَذا القَوْلِ، بَلْ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ لِما في حَدِيثِ أُبَيٍّ فَفي آخِرِهِ ”هي السَّبْعُ المَثانِي“ وحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّها السَّبْعُ المَثانِي وأُمُّ القُرْآنِ وفاتِحَةُ الكِتابِ» وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ. وقِيلَ: لِأنَّها يُثَنّى بِها عَلى اللَّهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ نَظَرٌ؛ انْتَهى. ولا نَظَرَ في ذَلِكَ، لِأنَّها جَمْعُ مُثْنِي، بِضَمِّ المِيمِ، مُفْعِلٌ مَن أثْنى رُباعِيًّا، أيْ: مُقِرُّ (p-٤٦٦)ثَناءً عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: فِيها ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّ اللَّهَ اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ الوارِدِ في الحَدِيثِ تَكُونُ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّتِي هي المَثانِي، وكَذا في قَوْلِ مَن جَعَلَها أسْباعَ القُرْآنِ، أوْ سَبْعَ المَعانِي. وأمّا مَن جَعَلَها السَّبْعَ الطِّوالِ أوْ آلَ حَمِيم، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ، وكَذا في قَوْلِ مَن جَعَلَ سَبْعًا الفاتِحَةَ والمَثانِيَ القُرْآنَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها مَثانِيَ، لِأنَّها تُثْنِي عَلَيْهِ، ولِما فِيها مِنَ المَواعِظِ المُكَرَّرَةِ، ويَكُونُ القُرْآنُ بَعْضَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والقُرْآنَ العَظِيمَ بِالنَّصْبِ. فَإنْ عَنى بِالسَّبْعِ الفاتِحَةَ أوِ السَّبْعِ الطِّوالِ لَكانَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وصارَ الخاصُّ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ. إحْداهُما: بِجِهَةِ الخُصُوصِ، والأُخْرى: بِجِهَةِ العُمُومِ. أوْ لِأنَّ ما دُونَ الفاتِحَةِ أوِ السَّبْعِ الطِّوالِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ، إذْ هو اسْمٌ يَقَعُ عَلى بَعْضِ الشَّيْءِ، كَما يَقَعُ عَلى كُلِّهِ. وإنْ عَنى الإسْباعَ فَهو مِن بابِ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، مِن حَيْثُ إنَّ المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْناكَ ما يُقالُ لَهُ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ أيِ: الجامِعُ لِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ وهو الثَّناءُ والتَّنْبِيهُ والعِظَمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: والقُرْآنِ العَظِيمِ، بِالخَفْضِ، عَطْفًا عَلى المَثانِي. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الواوَ مُقْحَمَةٌ، والتَّقْدِيرُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي القُرْآنِ العَظِيمِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى رَسُولِهِ ﷺ مِن إتْيانِهِ ما آتاهُ، نَهاهُ. وقَدْ قُلْنا: إنَّ النَّهْيَ لا يَقْتَضِي المُلابَسَةَ ولا المُقارَبَةَ عَنْ طُمُوحِ عَيْنِهِ إلى شَيْءٍ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ فالمَعْنى: نَهى أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ مَن أُوتِيَ القُرْآنَ شَغَلَهُ النَّظَرُ فِيهِ وامْتِثالُ تَكالِيفِهِ وفَهْمُ مَعانِيهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِزَهْرَةِ الدُّنْيا. ومَدُّ العَيْنِ لِلشَّيْءِ إنَّما هو لِاسْتِحْسانِهِ وإيثارِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ لا تَتَمَنَّ ما فَضَّلْنا بِهِ أحَدًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا أزْواجًا مِنهم، أيْ: رِجالًا مَعَ نِسائِهِمْ، أوْ أمْثالًا في النِّعَمِ، وأصْنافًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ أقْوالٌ. ونَهاهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وكانَ كَثِيرَ الشَّفَقَةِ عَلى مَن بُعِثَ إلَيْهِ، وادًّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ كُلُّهم، فَكانَ يَلْحَقُهُ الحُزْنُ عَلَيْهِمْ. نَهاهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ عَمَّنْ لَمْ يُؤْمِن، وأمَرَهُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِمَن آمَنَ، وهي كِنايَةٌ عَنِ التَّلَطُّفِ والرِّفْقِ. وأصْلُهُ: أنَّ الطّائِرَ إذا ضَمَّ الفَرْخَ إلَيْهِ بَسَطَ جَناحَهُ لَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ عَلى فَرْخِهِ، والجَناحانِ مِنِ ابْنِ آدَمَ: جانِباهُ. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُبَلِّغَ أنَّهُ هو النَّذِيرُ الكاشِفُ لَكم ما جِئْتُ بِهِ إلَيْكم مِن تَعْذِيبِكم إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وإنْزالِ نِقَمِ اللَّهِ المَخُوفَةِ بِكم. والكافُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْكَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُقْتَسِمُونَ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾، حَيْثُ قالُوا بِعِنادِهِمْ وعَداوَتِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، فاقْتَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ، وعَصَوْهُ. وقِيلَ: كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فَيَقُولُ بَعْضُهم: سُورَةُ البَقَرَةِ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِي. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ ما يَقْرَءُونَهُ مِن كُتُبِهِمْ، وقَدِ اقْتَسَمُوهُ بِتَحْرِيفِهِمْ، وبِأنَّ اليَهُودَ أقَرَّتْ بِبَعْضِ التَّوْراةِ وكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، والنَّصارى أقَرَّتْ بِبَعْضِ الإنْجِيلِ وكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَنِيعِ قَوْمِهِ بِالقُرْآنِ وتَكْذِيبِهِمْ وقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ، وشِعْرٌ، وأساطِيرُ، بِأنَّ غَيْرَهم مِنَ الكَفَرَةِ فَعَلُوا بِغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ نَحْوَ فِعْلِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾، وأنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ يَعْنِي: اليَهُودَ، هو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، جَعَلَ المُتَوَقَّعَ بِمَنزِلَةِ (p-٤٦٧)الواقِعِ، وهو مِنَ الإعْجازِ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ وقَدْ كانَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ، أيْ: أنْذِرِ المُعْضِينَ الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ وهُمُ: الِاثْنا عَشَرَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ أيّامَ المَوْسِمِ، فَقَعَدُوا في كُلِّ مَدْخَلٍ (p-٤٦٨)مُتَفَرِّقِينَ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَعْضُهم: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ مِنّا فَإنَّهُ ساحِرٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: كَذّابٌ، والآخَرُ: شاعِرٌ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ، وقَبْلَهُ بِآفاتٍ: كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنِ وائِلٍ، والأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وغَيْرِهِمْ. أوْ مِثْلَ ما أنْزَلَنا عَلى الرَّهْطِ الَّذِينَ تَقاسَمُوا عَلى أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - والِاقْتِسامُ بِمَعْنى التَّقاسُمِ، (فَإنْ قُلْتَ): إذا عَلَّقْتَ قَوْلَهُ كَما أنْزَلْنا بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ فَما مَعْنى تَوَسُّطِ ﴿لا تَمُدَّنَّ﴾ إلى آخِرِهِ بَيْنَهُما (قُلْتُ): لَمّا كانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وعَداوَتِهِمُ اعْتَرَضَ بِما هو مَدَدٌ لِمَعْنى التَّسْلِيَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى دُنْياهم والتَّأسُّفِ عَلى كُفْرِهِمْ ومِنَ الأمْرِ بِأنْ يُقْبِلَ بِمَجامِعِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ وهو تَعَلُّقُ (كَما) بِآتَيْناكَ، فَذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ عَلى تَقْدِيرٍ (وهو) وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ إيتاءً كَما أنْزَلْنا أوْ إنْزالًا كَما أنْزَلْنا لِأنَّ آتَيْناكَ بِمَعْنى أنْزَلْنا عَلَيْكَ وأمّا قَوْلُهُ إنَّ المُقْتَسِمِينَ هم أهْلُ الكِتابِ؛ فَهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأمّا قَوْلُهُ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ فَهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأمّا قَوْلُهُ (اقْتَسَمُوا) فَقالَ بَعْضُهم سُورَةُ البَقَرَةِ وبَعْضُهم سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، إلَخْ؛ فَقالَهُ عِكْرِمَةُ وقالَ السُّدِّيُّ هُمُ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والوَلِيدُ والعاصِي والحارِثُ بْنُ قَيْسٍ ذَكَرُوا القُرْآنَ، فَمِن قائِلِ البَعُوضِ لِي ومِن قائِلِ النَّمْلِ لِي وقائِلِ الذُّبابِ لِي وقائِلِ العَنْكَبُوتِ لِي اسْتِهْزاءً، فَأهْلَكَ اللَّهُ جَمِيعَهم. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ القُرْآنَ عِبارَةٌ عَمّا يَقْرَءُونَهُ مِن كُتُبِهِمْ إلى آخِرِهِ، فَقالَهُ مُجاهِدٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ، أيْ: أنْذِرِ المُعْضِينَ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ كَما ذُكِرَ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالمُبِينِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ إذا وُصِفَ قَبْلَ ذِكْرِ المَعْمُولِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ لا يُجَوِّزُ هَذا عَلِيمٌ شُجاعٌ عِلْمَ النَّحْوِ فَتَفْصِلُ بَيْن عَلِيمٌ وعِلْمَ بِقَوْلِهِ: شُجاعٌ؛ وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ تُذْكَرُ دَلائِلُها في عِلْمِ النَّحْوِ. وأمّا قَوْلُهُ: الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ، فَمَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ إلّا أنَّهُ قالَ بَدَلَ شِعْرٍ كِهانَةٍ. وأمّا قَوْلُهُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ فَهو قَوْلُ السّائِبِ، وفِيهِ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: لِيَقُلْ بَعْضُكم كاهِنٌ وبَعْضُكم ساحِرٌ وبَعْضُكم شاعِرٌ وبَعْضُكم غاوَوْهم: حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلٍ والعاصِي بْنُ هِشامٍ وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ وقَيْسُ بْنُ الفاكِهِ وزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وهِلالُ بْنُ عَبْدِ الأسْوَدِ والسّائِبُ بْنُ صَيْفِيٍّ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأبُو البُحْتُرِيِّ بْنُ هِشامٍ وزَمَعَةُ بْنُ الحَجّاجِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَف وأوْسُ بْنُ المُغِيرَةِ تَقاسَمُوا عَلى تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُهْلِكُوا جَمِيعًا. وأمّا قَوْلُهُ إنَّهُمُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا فَقَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (p-٤٦٩)والكافُ مِن قَوْلِهِ (كَما) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ﴾ عَذابًا كالَّذِي أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، فالكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ (كَما) لَيْسَ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بَلْ هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ يُقَدَّرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ أنْذِرْ عَذابًا (كَما) والَّذِي أقُولُ في هَذا المَعْنى: وقُلْ أنا النَّذِيرُ المُبِينُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، كَما قَدْ أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا وهَذا عَلى أنَّ المُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابِ؛ انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ وهو عِنْدِي، غَيْرُ صَحِيحٍ إلى آخِرِهِ، فَقَدِ اسْتَعْذَرَ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: أنا النَّذِيرُ بِعَذابٍ مِثْلَ ما أنْزَلْنا وإنْ كانَ المُنَزِّلُ اللَّهَ كَما يَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: أُمِرَنا بِكَذا وإنْ كانَ المَلِكُ هو الآمِرَ. وأمّا قَوْلُهُ: والَّذِي أقُولُ في هَذا المَعْنى إلى آخِرِهِ فَكَلامٌ مُثَبَّجٌ ولَعَلَّهُ مِنَ النّاسِخِ ولَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ وأنْزَلَنا عَلَيْكَ كَما أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ وقِيلَ التَّقْدِيرُ مَتَّعْناهم تَمْتِيعًا كَما أنْزَلْنا، والمَعْنى: مَتَّعْنا بَعْضَهم كَما عَذَّبْنا بَعْضَهم. وقِيلَ التَّقْدِيرُ إنْذارٌ مِثْلَ ما أنْزَلْنا؛ انْتَهى. وقِيلَ الكافُ زائِدَةٌ؛ التَّقْدِيرُ: أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، هَذِهِ أقْوالٌ وتَوْجِيهاتٌ مُتَكَلَّفَةٌ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِأنْ لا يَحْزَنَ عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن وأمَرَهُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَهُ أنْ يُعْلِمَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم إنَّهُ هو النَّذِيرُ المُبِينُ لِئَلّا يَظُنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم لَمّا أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لَهم خَرَجُوا مِن عُهْدَةِ النِّذارَةِ، فَأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ لَكم ولِغَيْرِكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وتَكُونُ الكافُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ قَوْلًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، إنَّكَ نَذِيرٌ لَهم، فالقَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النِّذارَةِ كالقَوْلِ لِلْكُفّارِ المُقْتَسِمِينَ لِئَلّا يُظَنُّ إنْذارُكَ لِلْكَفّارِ مُخالِفٌ لِإنْذارِ المُؤْمِنِينَ بَلْ أنْتَ في وصْفِ النِّذارَة لَهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ تُنْذِرُ المُؤْمِنِينَ كَما تُنْذِرُ الكافِرِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْمُقْتَسِمِينَ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ، وتَقَدَّمَ تَجْوِيزُ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِالنَّذِيرِ، فَوَرَبِّكَ: أقْسَمَ تَعالى بِذاتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، مُضافًا إلى رَسُولِهِ عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ، والضَّمِيرُ في (لَنَسْألَنَّهم) يَظْهَرُ عَوْدُهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ؛ وهو وعِيدُهُ مِن سُؤالِ تَقْرِيعٍ، ويُقالُ إنَّهُ يَعُودُ عَلى الجَمِيعِ مِن كافِرٍ ومُؤْمِنٍ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، والسُّؤالُ عامٌّ لِلْخَلْقِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ كِنايَةً عَنِ الجَزاءِ، وعَنْ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْمالِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ يَسْألُ العِبادَ عَنْ حالَتَيْنِ: عَنْ ما كانُوا يَعْبُدُونَ، وعَنْ ما أجابُوا المُرْسَلِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُقالُ لَهم: لِمْ عَمِلْتُمْ كَذا ؟ قالَ أنَسٌ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ السُّؤالُ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ وذَكَرَهُ الزَّهْراوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَكُونُ المَعْنى عَنِ الوَفاءِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والصِّدْقِ لِمَقالِها كَما قالَ الحَسَنُ: لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّحَلِّي ولا الدِّينُ بِالتَّمَنِّي، ولَكِنْ ما وقَرَ في القُلُوبِ وصَدَّقَتْهُ الأعْمالُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: امْضِ بِهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: اجْهَرْ بِهِ وأظْهِرْهُ مِنَ الصَّدِيعِ، وهو الفَجْرُ (p-٤٧٠)قالَ الشّاعِرُ:
؎كـَأنَّ بَيَـاضَ غُـرَّتِـهِ صَـدِيـعٌ
وقالَ السُّدِّيُّ: تَكَلَّمْ بِما تُؤْمَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أعْلَمْ بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ جَرَّدَ لَهُمُ القَوْلُ في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ: ما في القُرْآنِ أغْرَبُ مِن قَوْلِهِ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ و(ما) في (بِما) بِمَعْنى الَّذِي، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِما تُؤْمَرُهُ، وكانَ أصْلُهُ تُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ، فَحَذَفَ الحَرْفَ فَتَعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ. وقالَ الأخْفَشُ (ما) مَوْصُولَةٌ والتَّقْدِيرُ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ بِصَدْعِهِ، فَحَذَفَ المُضافَ ثُمَّ الجارَّ ثُمَّ الضَّمِيرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: بِأمْرِكَ: مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ انْتَهى. وهَذا يَنْبَنِي عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ أنَّ المَصْدَرَ يُرادُ بِهِ أنْ والفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ: مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِمَصائِبَ أصابَتْهم لَمْ يَسْعَ فِيها الرَّسُولُ ولا تَكَلَّفَ لَها مَشَقَّةً. قالَ عُرْوَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هم خَمْسَةٌ، الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، وأبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن بَنِي خُزاعَةَ: الحارِثُ بْنُ الطَّلاطِلَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ؛ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ هو الحارِثُ بْنُ عَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُّهْرِيُّ: صَدَقا، إنَّهُ عَيْطَلَةُ وأبُوهُ قَيْسٌ؛ وذَكَرَ الشَّعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ: هَبّارَ بْنَ الأسْوَدِ، وذَلِكَ وهْمٌ لِأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً؛ وفي رِوايَةٍ: مَكانَ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ، عَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ وابْنُ أبِي بَزَّةَ كانُوا سَبْعَةً: فَذَكَرَ الوَلِيدَ والحارِثَ بْنَ عَدِيٍّ والأسْوَدَيْنِ والأثْرَمَ وبَعْكَكَ ابْنِي الحارِثِ بْنِ السَّبّاقِ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، إلّا أنَّهُ قالَ: مَكانَ الحارِثِ بْنِ عَدِيٍّ، الحارِثَ بْنَ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرْتُ أنْ أكْفِيَكَهم، فَأوْمَأ إلى ساقِ الوَلِيدِ فَمَرَّ بِنِبالٍ فَتَعَلَّقَ بِثَوْبِهِ سَهْمٌ فَمَنَعَهُ الكِبَرُ أنْ يُطامِنَ لِنَزْعِهِ فَأصابَ عِرْقًا في عَقِبِهِ» . قالَ قَتادَةُ ومِقْسَمٌ: وهو الأكْحَلُ فَقَطَعَهُ فَماتَ وأوْمَأ إلى أخْمَصِ العاصِي، فَدَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَةٌ. وقِيلَ ضَرَبَتْهُ حَيَّةٌ فانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ حَتّى صارَتْ كالرَّحى وماتَ، وأوْمَأ إلى عَيْنَيِ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ، فَعَمِيَ وهَلَكَ؛ وأشارَ إلى أنْفِ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ فامْتَخَطَ قَيْحًا فَماتَ. وقِيلَ أصابَتْهُ سَمُومٌ فاسْوَدَّ حَتّى صارَ كَأنَّهُ حَبَشِيٌّ فَأتى أهْلُهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ وأغْلَقُوا البابَ في وجْهِهِ فَصارَ يَطُوفُ في شِعابِ مَكَّةَ حَتّى ماتَ وفي بَعْضِ ما أصابَ هَؤُلاءِ اخْتِلافٌ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. وقالَ مُقاتِلٌ أصابَ الأثْرَمَ أوْ بَعْكَكًا الدُّبَيْلَةُ والآخَرَ ذاتُ الجَنْبِ فَماتا، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وعِيدٌ لَهم بِالمُجازاةِ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ وجَعْلِهِمْ إلَهًا مَعَ اللَّهِ في الآخِرَةِ كَما جَوَّزُوا في الدُّنْيا، وكُنِّيَ بِالصَّدْرِ عَنِ القَلْبِ لِأنَّهُ مَحَلُّهُ، وجَعَلَ سَبَبَ الضِّيقِ ما يَقُولُونَ وهو ما يَنْطَلِقُونَ بِهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والطَّعْنِ فِيما جاءَ بِهِ ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِتَنْزِيهِهِ عَنْ ما نُسِبُوا إلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الشَّرِيكِ مَعَهُ مَصْحُوبًا بِحَمْدِهِ والثَّناءِ عَلى ما أُسْدِيَ إلَيْهِ مِن نِعْمَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ والتَّوْحِيدِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ؛ فَهَذا في المُعْتَقَدِ والفِعْلِ القَلْبِيِّ، وأمَرَهُ بِكَوْنِهِ مِنَ السّاجِدِينَ والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِنَ المُصَلِّينَ، فَكَنّى بِالسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ، وهي أشْرَفُ أفْعالِ الجَسَدِ وأقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ، ولَمّا كانَ الصّادِرُ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ اعْتِقادًا وهو فِعْلُ القَلْبِ وقَوْلًا، وهو ما يَقُولُونَ في الرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ وهو فِعْلُ جارِحَةٍ أمَرَ تَعالى بِما يُقابِلُ ذَلِكَ مِنَ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ ومِنَ السُّجُودِ وهُما جامِعانِ فِعْلَ القَلْبِ وفِعْلَ الجَسَدِ ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ الَّتِي هي شامِلَةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ ما يُتَقَرَّبُ بِها إلَيْهِ تَعالى، وهَذِهِ الأوامِرُ مَعْناها: دُمْ عَلى كَذا لِأنَّهُ ﷺ ما زالَ مُتَلَبِّسًا بِها؛ أيْ: دُمْ عَلى التَّسْبِيحِ والسُّجُودِ والعِبادَةِ؛ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِاليَقِينِ: المَوْتُ؛ (p-٤٧١)أيْ: ما دُمْتَ حَيًّا فَلا تُخِلَّ بِالعِبادَةِ، وهو تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُهُ ﷺ في عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ»، ويُرْوى فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ، ولَيْسَ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ فَسُمِّيَ يَقِينًا تَجَوُّزًا؛ أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَّصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ بَحْرٍ: قالَ: اليَقِينُ: النَّصْرُ عَلى الكافِرِينَ؛ انْتَهى. وحِكْمَةُ التَّغْيِيَةِ بِاليَقِينِ، وهو المَوْتُ، أنَّهُ يَقْتَضِي دَيْمُومَةَ العِبادَةِ ما دامَ حَيًّا بِخِلافِ الِاقْتِصارِ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ غَيْرَ مُغَيًّا لِأنَّهُ يَكُونُ مُطْلَقًا فَيَكُونُ مُطِيعًا بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ والمَقْصُودُ أنْ لا يُفارِقَ العِبادَةَ حَتّى يَمُوتَ.
الحجر 15:99
(p-٤٦٢)﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: اسْتِبْشارُهم: فَرَحُهم بِالأضْيافِ الَّذِينَ ورَدُوا عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا المَجِيءَ ومُحاوَرَتَهُ مَعَ قَوْمِهِ في حَقِّ أضْيافِهِ، وعَرْضِهِ بَناتِهِ عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ إعْلامِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ وعِلْمِهِ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ، ولِذَلِكَ سَمّاهم ضِيفانًا خَوْفَ الفَضِيحَةِ، لِأجْلِ تَعاطِيهِمْ ما لا يَجُوزُ مِنَ الفِعْلِ القَبِيحِ. وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُرَتَّبًا هَكَذا في هُودٍ، والواوُ لا تُرَتَّبُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجِيءُ والمُحاوَرَةُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وحاوَرَ تِلْكَ المُحاوَرَةَ عَلى جِهَةِ التَّكَتُّمِ عَنْهم، والإمْلاءِ لَهم، والتَّرَبُّصِ بِهِمْ؛ انْتَهى. ونَهاهم عَنْ فَضْحِهِمْ إيّاهُ لِأنَّ مَن أساءَ إلى ضَيْفِهِ أوْ جارِهِ فَقَدْ أساءَ إلَيْهِ. ولا تُخْزُونِ: مِنَ الخِزْيِ وهو الإذْلالُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهو الِاسْتِحْياءُ. وفي قَوْلِهِمْ: أوْ لَمْ نَنْهَكَ، دَلِيلٌ عَلى تَقَدُّمَ نَهْيِهِمْ إيّاهُ عَنْ أنْ يَضِيفَ، أوْ يُجِيرَ أحَدًا، أوْ يَدْفَعَ عَنْهُ، أوْ يَمْنَعَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ. وكانَ هو - صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ - يَقُومُ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، والحَجْزِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن تَعَرَّضُوا لَهُ، فَأوْعَدُوهُ بِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ أخْرَجُوهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: بَناتِي، ومَعْنى الإضافَةِ في هُودٍ. و﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ شَكَّ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِ: كَأنَّهُ قالَ إنْ فَعَلْتُمْ ما أقُولُ، ولَكم ما أظُنُّكم تَفْعَلُونَ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ قَضاءَ الشَّهْوَةِ فِيما أحَلَّ اللَّهُ دُونَ ما حَرَّمَ. واللّامُ في لَعَمْرُكَ لامُ الِابْتِداءِ، والكافُ خِطابٌ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّقْدِيرُ: قالَتِ المَلائِكَة لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، وكَنّى عَنِ الضَّلالَةِ والغَفْلَةِ بِالسَّكْرَةِ، أيْ: تَحَبُّرُهم في غَفْلَتِهِمْ، وضَلالَتِهِمْ مَنَعَهم عَنْ إدْراكِ الصَّوابِ الَّذِي يُشِيرُ بِهِ مِن تَرْكِ البَنِينَ إلى البَناتِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الحَوْراءِ، وغَيْرُهُما. أقْسَمَ تَعالى بِحَياتِهِ تَكْرِيمًا لَهُ. والعَمْرُ: بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها، البَقاءُ، وألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ، ويَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: وعَمْرُكَ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: لَعَمْرُكَ: لَدِينُكَ الَّذِي يَعْمُرُ، وأنْشَدَ:
؎أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ
أيْ: عِبادَتُكَ اللَّهَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: عَمَرْتُ رَبِّي أيْ: عَبَدْتُهُ، وفُلانٌ عامِرٌ لِرَبِّهِ أيْ: عابِدٌ. قالَ: ويُقالُ: تَرَكْتُ فُلانًا يَعْمُرُ رَبَّهُ أيْ يَعْبُدُهُ، فَعَلى هَذا، لَعَمْرُكَ: لَعِبادَتُكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ألْزَمُوا الفَتْحَ القَسَمَ لِأنَّهُ أخَفُّ عَلَيْهِمْ، وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِلَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ، فَلَزِمُوا الأخَفَّ، وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أقْسَمَ بِهِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلَّهِ تَعالى عَمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: هو أزَلِيٌّ، وكَأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ العَمْرَ يُقالُ إلّا فِيما لَهُ انْقِطاعٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ العَمْرُ، والعَمْرُ: البَقاءُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللَّهُ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ولَعَمْرُ مَن جَعَلَ الشُّهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ فَبَيَّنَ مِنها نَقْصَها وكَمالَها
وكَرِهَ النَّخَعِيُّ أنْ يُقالَ: لَعَمْرِي، لِأنَّهُ حَلِفٌ بِحَياةِ المُقْسِمِ. وقالَ النّابِغَةُ:
؎لَعَمْـرِي ومَـا عَمْـرِي عَلَـيَّ بِهَيِّـنٍ
والضَّمِيرُ في سَكْرَتِهِمْ عائِدٌ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: لِقُرَيْشٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ نَفْسًا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِن مُحَمَّدٍ قالَ لَهُ: وحَياتِكَ إنَّهم أيْ: قَوْمَكَ مِن قُرَيْشٍ لَفي سَكْرَتِهِمْ أيْ ضَلالِهِمْ، وجَهْلِهِمْ يَعْمَهُونَ يَتَرَدَّدْنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا بَعِيدٌ لِانْقِطاعِهِ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وقَرَأ الأشْهَبُ: سُكْرَتِهِمْ، بِضَمِّ السِّينِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: سَكَراتِهِمْ، بِالجَمْعِ، والأعْمَشُ: سُكْرِهِمْ، بِغَيْرِ تاءٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَة الجَهْضَمِيِّ: (أنَّهم) بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّهم. والصَّيْحَةُ: صَيْحَةُ الهَلاكِ. وقِيلَ: صَوْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صَيْحَةُ الوَحْشَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ (p-٤٦٣)مُشْرِقِينَ: داخِلِينَ في الشُّرُوقِ، وهو بُزُوغُ الشَّمْسِ. وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ الصُّبْحِ، وامْتَدَّ إلى شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَكَأنَّهُ تَمامُ الهَلاكِ عِنْدَ ذَلِكَ. والضَّمِيرُ في عالِيَها سافِلَها عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِقُرى قَوْمِ لُوطٍ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ القُرى. وقالَ مُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: لِلْمُتَوَسِّمِينَ: لِلْمُتَفَكِّرِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لِلنّاظِرِينَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أوَ كُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلى عَرِيفِهِمْ يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ. وقالَ قَتادَةُ: لِلْمُعْتَبِرِينَ. ورُوِيَ نَهْشَلٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قالَ: لِأهْلِ الصَّلاحِ والخَيْرِ، والضَّمِيرُ في (وإنَّها) عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها لِبِطْرِيقٍ ظاهِرٍ بَيِّنٍ لِلْمُعْتَبِرِ؛ قالَهُ: مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ. وقَوْلُهُ: لَبِسَبِيلٍ، أيْ: مَمَرٍّ ثابِتٍ، وهي بِحَيْثُ يَراها النّاسُ ويَعْتَبِرُونَ بِها لَمْ تَنْدَرِسْ. وهو تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ، وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الصَّيْحَةِ؛ أيْ: وإنَّ الصَّيْحَةَ لَبِمَرْصَدٍ لِمَن يَعْمَلُ عَمَلَهم لِقَوْلِهِ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] . وقِيلَ: مُقِيمٌ: مَعْلُومٌ. وقِيلَ: مُعْتَدٍ دائِمٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَلاكٌ دائِمُ السُّلُوكِ؛ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في صُنْعِنا بِقَوْمِ لُوطٍ لَعَلامَةً ودَلِيلًا لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ.
﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، والأيْكَةُ الَّتِي أُضِيفُوا إلَيْها كانَتْ شَجَرَ الدَّوْمِ. وقِيلَ: المُقْلُ. وقِيلَ: السِّدْرُ. وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ النّاحِيَةِ، فَيَكُونُ عَلَمًا. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ في الشُّعَراءِ وص: (لَيْكَةَ) مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. كَفَرُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ، وأُهْلِكُوا بِعَذابِ الظُّلَّةِ. ويَأْتِي ذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ. و(إنْ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي لِمُخَفَّفَةٍ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وعِنْدَ الفَرّاءِ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا. وتَقَدَّمُ نَظِيرُ ذَلِكَ في: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في (وإنَّهُما) عائِدٌ عَلى قَرْيَتَيْ: قَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ. أيْ: عَلى أنَّهُما مَمَرُّ السّائِلَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى شُعَيْبٍ ولُوطٍ؛، أيْ: وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ،، أيْ بِطَرِيقٍ مِنَ الحَقِّ واضِحٍ، والإمامُ: الطَّرِيقُ. وقِيلَ: وإنَّهُما؛ أيْ: الحَرُّ بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الأيْكَةِ، لَفي مَكْتُوبٍ مُبِينٍ؛ أيِ: اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ مُؤَرِّجٌ: والإمامُ: الكِتابُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ ومَدْيَنَ، لِأنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِما، فَدَلَّ ذِكْرُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِما.
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أصْحابُ الحِجْرِ: ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والحِجْرُ: أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في الأعْرافِ مُسْتَوْفاةً. والمُرْسَلِينَ يَعْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا، لِأنَّ مِن كَذَّبَ واحِدًا مِنهم فَكَأنَّما كَذَّبَهم جَمِيعًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما قِيلَ: الخُبَيْبِيُّونَ في ابْنِ الزُّبَيْرِ وأصْحابِهِ. وعَنْ جابِرٍ قالَ: «مَرَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الحِجْرِ فَقالَ لَنا: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ حَذَرَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ“ ثُمَّ زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راحِلَتَهُ فَأسْرَعَ حَتّى خَلَّفَها» وفي بَعْضِ طُرُقِهِ ثُمَّ قالَ: «هَؤُلاءِ قَوْمُ صالِحٍ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ إلّا رَجُلًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ مَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِن عَذابِ اللَّهِ ”قِيلَ: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ أبُو رِغالٍ» وإلَيْهِ تُنْسَبُ ثَقِيفٌ.
﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾: قِيلَ: أُنْزِلَ إلَيْهِمْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، وقِيلَ: يُرادُ نَصْبُ الأدِلَّةِ فَأعْرَضُوا عَنْها. وقِيلَ: كانَ في النّاقَةِ آياتٌ خَمْسٌ. خُرُوجُها مِنَ الصَّخْرَةِ، ودُنُوُّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها، وعِظَمُها حَتّى لَمْ تُشْبِهْها ناقَةٌ، وكَثْرَةُ لَبَنِها حَتّى يَكْفِيَهم جَمِيعًا. وقِيلَ: كانَتْ لَهُ آياتٌ غَيْرُ النّاقَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَنْحِتُونَ، بِكَسْرِ الحاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو (p-٤٦٤)حَيْوَةَ بِفَتْحِها وصَفَهم بِشِدَّةِ النَّظَرِ لِلدُّنْيا والتَّكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا وهو نَقْرُهم بِالمَعاوِلِ ونَحْوِها في الحِجارَةِ، وآمِنِينَ؛ قِيلَ: مِنَ الِانْهِدامِ. وقِيلَ: مِن حَوادِثِ الدُّنْيا. وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمارِ. وقِيلَ: مِن نَقَبِ اللُّصُوصِ، ومِنَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مِن عَذابِ اللَّهِ، يَحْسَبُونَ أنَّ الجِبالَ تَحْمِيهِمْ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَة، فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها. ومُصْبِحِينَ: داخِلِينَ في الصَّباحِ. والظّاهِرُ أنَّ (ما) في قَوْلِهِ فَما أغْنى نافِيَةٌ، وتَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهامَ المُرادَ مِنهُ التَّعَجُّبُ. و(ما) في ﴿ما كانُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، والظّاهِرُ أنَّها بِمَعْنى الَّذِي، والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَكْسِبُونَهُ مِنَ البُيُوتِ الوَثِيقَةِ والأمْوالِ والعُدَدِ، بَلْ خَرُّوا جاثِمِينَ هَلْكى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾: (p-٤٦٥)إلّا بِالحَقِّ: أيْ: خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ. لَمْ يُخْلَقْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَبَثًا ولا هَمَلًا، بَلْ لِيُطِيعَ مَن أطاعَ بِالتَّفَكُّرِ في ذَلِكَ الخَلْقِ العَظِيمِ، ولِيَتَذَكَّرَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ بِهَذِهِ النَّشْأةِ الأُولى. ولِذَلِكَ نَبَّهَ مَن يَتَنَبَّهُ بِقَوْلِهِ: وأنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ، فَيُجازِي مَن أطاعَ ومَن عَصى. ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّفْحِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُهادَنَةَ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إظْهارِ الحُكْمِ عَنْهم والإغْضاءِ لَهم.
ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما قالَ: إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ، أتى بِصِفَةِ المُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ ما خَلَقَ، أوِ الخَلّاقُ مَن شاءَ لِما شاءَ مِن سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلّاقُ الَّذِي خَلَقَكَ وخَلَقَهم، وهو العَلِيمُ بِحالِكَ وحالِهِمْ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَجْرِي بَيْنَكم. أوْ إنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي خَلَقَكم وعَلِمَ ما هو الأصْلَحُ لَكم، وقَدْ عَلِمَ أنَّ الصَّفْحَ اليَوْمَ أصْلَحُ إلى أنْ يَكُونَ السَّيْفُ أصْلُحَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: هو الخالِقُ، وكَذا في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعُثْمانَ، مِنَ المَثانِي. والمَثانِي جَمْعُ ثَناةٍ، والمُثَنّى كُلُّ شَيْءٍ يُثَنّى؛ أيْ: يُجْعَلُ اثْنَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ ثَنْيًا؛ أيْ: عَطَفْتُهُ وضَمَمْتُ إلَيْهِ آخَرَ، ومِنهُ يُقالُ لِرُكْبَتَيِ الدّابَّةِ ومِرْفَقَيْهِ: مَثانِي، لِأنَّهُ يُثْنِي بِالفَخِذِ والعَضُدِ. ومَثانِي الوادِي: مَعاطِفُهُ. فَتَقُولُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي مَفْهُومُ سَبْعَةِ أشْياءَ مِن جِنْسِ الأشْياءِ الَّتِي تُثَنّى، وهَذا مُجْمَلٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَعْيِينِهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَّبْعُ هُنا هي السَّبْعُ الطِّوالُ: البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، والنِّساءِ، والمائِدَةِ، والأنْعامِ، والأعْرافِ، والأنْفالِ، وبَراءَةٌ، لِأنَّهُما في حُكْمِ سُورَةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُما بِالتَّسْمِيَةِ. وسُمِّيَتِ الطِّوالُ مَثانِيَ لِأنَّ الحُدُودَ والفَرائِضَ والأمْثالَ ثُنِّيَتْ فِيها قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلى قَوْلِهِ مِن لِبَيانِ الجِنْسِ. وقِيلَ: السّابِعَةُ سُورَةُ يُونُسَ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: بَراءَةٌ وحْدَها، قالَهُ أبُو مالِكٍ. والمَثانِي عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ وابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ: القُرْآنُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تُثَنّى فِيهِ وتُرَدَّدُ. وقِيلَ: السَّبْعُ آلُ حَمِيم، أوْ سَبْعُ صَحائِفَ وهي الأسْباعُ. وقِيلَ: السَّبْعُ هي المَعانِي الَّتِي أُنْزِلَتْ في القُرْآنِ: أمْرٌ، ونَهْيٌ، وبِشارَةٌ، وإنْذارٌ، وضَرْبُ أمْثالٍ، وتَعْدادُ النِّعَمِ، وإخْبارُ الأُمَمِ. قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ. وقالَ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةُ السَّبْعِ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي سَبْعٌ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وقالَ غَيْرُهُ: سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَّبْعِ الطِّوالِ شَيْءٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْ هَذا القَوْلِ، بَلْ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ لِما في حَدِيثِ أُبَيٍّ فَفي آخِرِهِ ”هي السَّبْعُ المَثانِي“ وحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّها السَّبْعُ المَثانِي وأُمُّ القُرْآنِ وفاتِحَةُ الكِتابِ» وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ. وقِيلَ: لِأنَّها يُثَنّى بِها عَلى اللَّهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ نَظَرٌ؛ انْتَهى. ولا نَظَرَ في ذَلِكَ، لِأنَّها جَمْعُ مُثْنِي، بِضَمِّ المِيمِ، مُفْعِلٌ مَن أثْنى رُباعِيًّا، أيْ: مُقِرُّ (p-٤٦٦)ثَناءً عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: فِيها ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّ اللَّهَ اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ الوارِدِ في الحَدِيثِ تَكُونُ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّتِي هي المَثانِي، وكَذا في قَوْلِ مَن جَعَلَها أسْباعَ القُرْآنِ، أوْ سَبْعَ المَعانِي. وأمّا مَن جَعَلَها السَّبْعَ الطِّوالِ أوْ آلَ حَمِيم، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ، وكَذا في قَوْلِ مَن جَعَلَ سَبْعًا الفاتِحَةَ والمَثانِيَ القُرْآنَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ كُتُبُ اللَّهِ كُلُّها مَثانِيَ، لِأنَّها تُثْنِي عَلَيْهِ، ولِما فِيها مِنَ المَواعِظِ المُكَرَّرَةِ، ويَكُونُ القُرْآنُ بَعْضَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والقُرْآنَ العَظِيمَ بِالنَّصْبِ. فَإنْ عَنى بِالسَّبْعِ الفاتِحَةَ أوِ السَّبْعِ الطِّوالِ لَكانَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وصارَ الخاصُّ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ. إحْداهُما: بِجِهَةِ الخُصُوصِ، والأُخْرى: بِجِهَةِ العُمُومِ. أوْ لِأنَّ ما دُونَ الفاتِحَةِ أوِ السَّبْعِ الطِّوالِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ، إذْ هو اسْمٌ يَقَعُ عَلى بَعْضِ الشَّيْءِ، كَما يَقَعُ عَلى كُلِّهِ. وإنْ عَنى الإسْباعَ فَهو مِن بابِ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، مِن حَيْثُ إنَّ المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْناكَ ما يُقالُ لَهُ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ أيِ: الجامِعُ لِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ وهو الثَّناءُ والتَّنْبِيهُ والعِظَمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: والقُرْآنِ العَظِيمِ، بِالخَفْضِ، عَطْفًا عَلى المَثانِي. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الواوَ مُقْحَمَةٌ، والتَّقْدِيرُ: سَبْعًا مِنَ المَثانِي القُرْآنِ العَظِيمِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى رَسُولِهِ ﷺ مِن إتْيانِهِ ما آتاهُ، نَهاهُ. وقَدْ قُلْنا: إنَّ النَّهْيَ لا يَقْتَضِي المُلابَسَةَ ولا المُقارَبَةَ عَنْ طُمُوحِ عَيْنِهِ إلى شَيْءٍ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ فالمَعْنى: نَهى أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ مَن أُوتِيَ القُرْآنَ شَغَلَهُ النَّظَرُ فِيهِ وامْتِثالُ تَكالِيفِهِ وفَهْمُ مَعانِيهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِزَهْرَةِ الدُّنْيا. ومَدُّ العَيْنِ لِلشَّيْءِ إنَّما هو لِاسْتِحْسانِهِ وإيثارِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ لا تَتَمَنَّ ما فَضَّلْنا بِهِ أحَدًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا أزْواجًا مِنهم، أيْ: رِجالًا مَعَ نِسائِهِمْ، أوْ أمْثالًا في النِّعَمِ، وأصْنافًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ أقْوالٌ. ونَهاهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وكانَ كَثِيرَ الشَّفَقَةِ عَلى مَن بُعِثَ إلَيْهِ، وادًّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ كُلُّهم، فَكانَ يَلْحَقُهُ الحُزْنُ عَلَيْهِمْ. نَهاهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ عَمَّنْ لَمْ يُؤْمِن، وأمَرَهُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِمَن آمَنَ، وهي كِنايَةٌ عَنِ التَّلَطُّفِ والرِّفْقِ. وأصْلُهُ: أنَّ الطّائِرَ إذا ضَمَّ الفَرْخَ إلَيْهِ بَسَطَ جَناحَهُ لَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ عَلى فَرْخِهِ، والجَناحانِ مِنِ ابْنِ آدَمَ: جانِباهُ. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُبَلِّغَ أنَّهُ هو النَّذِيرُ الكاشِفُ لَكم ما جِئْتُ بِهِ إلَيْكم مِن تَعْذِيبِكم إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وإنْزالِ نِقَمِ اللَّهِ المَخُوفَةِ بِكم. والكافُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْكَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُقْتَسِمُونَ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾، حَيْثُ قالُوا بِعِنادِهِمْ وعَداوَتِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، فاقْتَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ، وعَصَوْهُ. وقِيلَ: كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فَيَقُولُ بَعْضُهم: سُورَةُ البَقَرَةِ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِي. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ ما يَقْرَءُونَهُ مِن كُتُبِهِمْ، وقَدِ اقْتَسَمُوهُ بِتَحْرِيفِهِمْ، وبِأنَّ اليَهُودَ أقَرَّتْ بِبَعْضِ التَّوْراةِ وكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، والنَّصارى أقَرَّتْ بِبَعْضِ الإنْجِيلِ وكَذَّبَتْ بِبَعْضٍ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَنِيعِ قَوْمِهِ بِالقُرْآنِ وتَكْذِيبِهِمْ وقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ، وشِعْرٌ، وأساطِيرُ، بِأنَّ غَيْرَهم مِنَ الكَفَرَةِ فَعَلُوا بِغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ نَحْوَ فِعْلِهِمْ. والثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾، وأنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ يَعْنِي: اليَهُودَ، هو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، جَعَلَ المُتَوَقَّعَ بِمَنزِلَةِ (p-٤٦٧)الواقِعِ، وهو مِنَ الإعْجازِ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ وقَدْ كانَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ، أيْ: أنْذِرِ المُعْضِينَ الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ وهُمُ: الِاثْنا عَشَرَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ أيّامَ المَوْسِمِ، فَقَعَدُوا في كُلِّ مَدْخَلٍ (p-٤٦٨)مُتَفَرِّقِينَ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَعْضُهم: لا تَغْتَرُّوا بِالخارِجِ مِنّا فَإنَّهُ ساحِرٌ، ويَقُولُ الآخَرُ: كَذّابٌ، والآخَرُ: شاعِرٌ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ، وقَبْلَهُ بِآفاتٍ: كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنِ وائِلٍ، والأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وغَيْرِهِمْ. أوْ مِثْلَ ما أنْزَلَنا عَلى الرَّهْطِ الَّذِينَ تَقاسَمُوا عَلى أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - والِاقْتِسامُ بِمَعْنى التَّقاسُمِ، (فَإنْ قُلْتَ): إذا عَلَّقْتَ قَوْلَهُ كَما أنْزَلْنا بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ فَما مَعْنى تَوَسُّطِ ﴿لا تَمُدَّنَّ﴾ إلى آخِرِهِ بَيْنَهُما (قُلْتُ): لَمّا كانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ وعَداوَتِهِمُ اعْتَرَضَ بِما هو مَدَدٌ لِمَعْنى التَّسْلِيَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى دُنْياهم والتَّأسُّفِ عَلى كُفْرِهِمْ ومِنَ الأمْرِ بِأنْ يُقْبِلَ بِمَجامِعِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ وهو تَعَلُّقُ (كَما) بِآتَيْناكَ، فَذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ عَلى تَقْدِيرٍ (وهو) وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ إيتاءً كَما أنْزَلْنا أوْ إنْزالًا كَما أنْزَلْنا لِأنَّ آتَيْناكَ بِمَعْنى أنْزَلْنا عَلَيْكَ وأمّا قَوْلُهُ إنَّ المُقْتَسِمِينَ هم أهْلُ الكِتابِ؛ فَهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأمّا قَوْلُهُ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ فَهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأمّا قَوْلُهُ (اقْتَسَمُوا) فَقالَ بَعْضُهم سُورَةُ البَقَرَةِ وبَعْضُهم سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، إلَخْ؛ فَقالَهُ عِكْرِمَةُ وقالَ السُّدِّيُّ هُمُ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والوَلِيدُ والعاصِي والحارِثُ بْنُ قَيْسٍ ذَكَرُوا القُرْآنَ، فَمِن قائِلِ البَعُوضِ لِي ومِن قائِلِ النَّمْلِ لِي وقائِلِ الذُّبابِ لِي وقائِلِ العَنْكَبُوتِ لِي اسْتِهْزاءً، فَأهْلَكَ اللَّهُ جَمِيعَهم. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ القُرْآنَ عِبارَةٌ عَمّا يَقْرَءُونَهُ مِن كُتُبِهِمْ إلى آخِرِهِ، فَقالَهُ مُجاهِدٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ، أيْ: أنْذِرِ المُعْضِينَ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِالنَّذِيرِ كَما ذُكِرَ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالمُبِينِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ إذا وُصِفَ قَبْلَ ذِكْرِ المَعْمُولِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ لا يُجَوِّزُ هَذا عَلِيمٌ شُجاعٌ عِلْمَ النَّحْوِ فَتَفْصِلُ بَيْن عَلِيمٌ وعِلْمَ بِقَوْلِهِ: شُجاعٌ؛ وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ تُذْكَرُ دَلائِلُها في عِلْمِ النَّحْوِ. وأمّا قَوْلُهُ: الَّذِينَ يُجَزِّؤُونَ القُرْآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وأساطِيرَ، فَمَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ إلّا أنَّهُ قالَ بَدَلَ شِعْرٍ كِهانَةٍ. وأمّا قَوْلُهُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ فَهو قَوْلُ السّائِبِ، وفِيهِ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: لِيَقُلْ بَعْضُكم كاهِنٌ وبَعْضُكم ساحِرٌ وبَعْضُكم شاعِرٌ وبَعْضُكم غاوَوْهم: حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلٍ والعاصِي بْنُ هِشامٍ وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ وقَيْسُ بْنُ الفاكِهِ وزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وهِلالُ بْنُ عَبْدِ الأسْوَدِ والسّائِبُ بْنُ صَيْفِيٍّ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأبُو البُحْتُرِيِّ بْنُ هِشامٍ وزَمَعَةُ بْنُ الحَجّاجِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَف وأوْسُ بْنُ المُغِيرَةِ تَقاسَمُوا عَلى تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُهْلِكُوا جَمِيعًا. وأمّا قَوْلُهُ إنَّهُمُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا فَقَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (p-٤٦٩)والكافُ مِن قَوْلِهِ (كَما) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ﴾ عَذابًا كالَّذِي أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، فالكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ (كَما) لَيْسَ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بَلْ هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ يُقَدَّرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ أنْذِرْ عَذابًا (كَما) والَّذِي أقُولُ في هَذا المَعْنى: وقُلْ أنا النَّذِيرُ المُبِينُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، كَما قَدْ أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا وهَذا عَلى أنَّ المُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابِ؛ انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ وهو عِنْدِي، غَيْرُ صَحِيحٍ إلى آخِرِهِ، فَقَدِ اسْتَعْذَرَ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: أنا النَّذِيرُ بِعَذابٍ مِثْلَ ما أنْزَلْنا وإنْ كانَ المُنَزِّلُ اللَّهَ كَما يَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: أُمِرَنا بِكَذا وإنْ كانَ المَلِكُ هو الآمِرَ. وأمّا قَوْلُهُ: والَّذِي أقُولُ في هَذا المَعْنى إلى آخِرِهِ فَكَلامٌ مُثَبَّجٌ ولَعَلَّهُ مِنَ النّاسِخِ ولَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ وأنْزَلَنا عَلَيْكَ كَما أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ وقِيلَ التَّقْدِيرُ مَتَّعْناهم تَمْتِيعًا كَما أنْزَلْنا، والمَعْنى: مَتَّعْنا بَعْضَهم كَما عَذَّبْنا بَعْضَهم. وقِيلَ التَّقْدِيرُ إنْذارٌ مِثْلَ ما أنْزَلْنا؛ انْتَهى. وقِيلَ الكافُ زائِدَةٌ؛ التَّقْدِيرُ: أنا النَّذِيرُ المُبِينُ، ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، هَذِهِ أقْوالٌ وتَوْجِيهاتٌ مُتَكَلَّفَةٌ والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِأنْ لا يَحْزَنَ عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن وأمَرَهُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَهُ أنْ يُعْلِمَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم إنَّهُ هو النَّذِيرُ المُبِينُ لِئَلّا يَظُنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم لَمّا أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَفْضِ جَناحِهِ لَهم خَرَجُوا مِن عُهْدَةِ النِّذارَةِ، فَأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ لَكم ولِغَيْرِكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وتَكُونُ الكافُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ قَوْلًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، إنَّكَ نَذِيرٌ لَهم، فالقَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النِّذارَةِ كالقَوْلِ لِلْكُفّارِ المُقْتَسِمِينَ لِئَلّا يُظَنُّ إنْذارُكَ لِلْكَفّارِ مُخالِفٌ لِإنْذارِ المُؤْمِنِينَ بَلْ أنْتَ في وصْفِ النِّذارَة لَهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ تُنْذِرُ المُؤْمِنِينَ كَما تُنْذِرُ الكافِرِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْمُقْتَسِمِينَ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ، وتَقَدَّمَ تَجْوِيزُ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِالنَّذِيرِ، فَوَرَبِّكَ: أقْسَمَ تَعالى بِذاتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، مُضافًا إلى رَسُولِهِ عَلى جِهَةِ التَّشْرِيفِ، والضَّمِيرُ في (لَنَسْألَنَّهم) يَظْهَرُ عَوْدُهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ؛ وهو وعِيدُهُ مِن سُؤالِ تَقْرِيعٍ، ويُقالُ إنَّهُ يَعُودُ عَلى الجَمِيعِ مِن كافِرٍ ومُؤْمِنٍ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، والسُّؤالُ عامٌّ لِلْخَلْقِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ كِنايَةً عَنِ الجَزاءِ، وعَنْ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْمالِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ يَسْألُ العِبادَ عَنْ حالَتَيْنِ: عَنْ ما كانُوا يَعْبُدُونَ، وعَنْ ما أجابُوا المُرْسَلِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُقالُ لَهم: لِمْ عَمِلْتُمْ كَذا ؟ قالَ أنَسٌ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ السُّؤالُ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ وذَكَرَهُ الزَّهْراوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَكُونُ المَعْنى عَنِ الوَفاءِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والصِّدْقِ لِمَقالِها كَما قالَ الحَسَنُ: لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّحَلِّي ولا الدِّينُ بِالتَّمَنِّي، ولَكِنْ ما وقَرَ في القُلُوبِ وصَدَّقَتْهُ الأعْمالُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: امْضِ بِهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: اجْهَرْ بِهِ وأظْهِرْهُ مِنَ الصَّدِيعِ، وهو الفَجْرُ (p-٤٧٠)قالَ الشّاعِرُ:
؎كـَأنَّ بَيَـاضَ غُـرَّتِـهِ صَـدِيـعٌ
وقالَ السُّدِّيُّ: تَكَلَّمْ بِما تُؤْمَرُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أعْلَمْ بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ جَرَّدَ لَهُمُ القَوْلُ في الدُّعاءِ إلى الإيمانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ: ما في القُرْآنِ أغْرَبُ مِن قَوْلِهِ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ و(ما) في (بِما) بِمَعْنى الَّذِي، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِما تُؤْمَرُهُ، وكانَ أصْلُهُ تُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ، فَحَذَفَ الحَرْفَ فَتَعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ. وقالَ الأخْفَشُ (ما) مَوْصُولَةٌ والتَّقْدِيرُ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ بِصَدْعِهِ، فَحَذَفَ المُضافَ ثُمَّ الجارَّ ثُمَّ الضَّمِيرَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: بِأمْرِكَ: مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ انْتَهى. وهَذا يَنْبَنِي عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ أنَّ المَصْدَرَ يُرادُ بِهِ أنْ والفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ: مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِمَصائِبَ أصابَتْهم لَمْ يَسْعَ فِيها الرَّسُولُ ولا تَكَلَّفَ لَها مَشَقَّةً. قالَ عُرْوَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هم خَمْسَةٌ، الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، وأبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن بَنِي خُزاعَةَ: الحارِثُ بْنُ الطَّلاطِلَةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ؛ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ هو الحارِثُ بْنُ عَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُّهْرِيُّ: صَدَقا، إنَّهُ عَيْطَلَةُ وأبُوهُ قَيْسٌ؛ وذَكَرَ الشَّعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ: هَبّارَ بْنَ الأسْوَدِ، وذَلِكَ وهْمٌ لِأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً؛ وفي رِوايَةٍ: مَكانَ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ، عَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ وابْنُ أبِي بَزَّةَ كانُوا سَبْعَةً: فَذَكَرَ الوَلِيدَ والحارِثَ بْنَ عَدِيٍّ والأسْوَدَيْنِ والأثْرَمَ وبَعْكَكَ ابْنِي الحارِثِ بْنِ السَّبّاقِ، وكَذا قالَ مُقاتِلٌ، إلّا أنَّهُ قالَ: مَكانَ الحارِثِ بْنِ عَدِيٍّ، الحارِثَ بْنَ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرْتُ أنْ أكْفِيَكَهم، فَأوْمَأ إلى ساقِ الوَلِيدِ فَمَرَّ بِنِبالٍ فَتَعَلَّقَ بِثَوْبِهِ سَهْمٌ فَمَنَعَهُ الكِبَرُ أنْ يُطامِنَ لِنَزْعِهِ فَأصابَ عِرْقًا في عَقِبِهِ» . قالَ قَتادَةُ ومِقْسَمٌ: وهو الأكْحَلُ فَقَطَعَهُ فَماتَ وأوْمَأ إلى أخْمَصِ العاصِي، فَدَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَةٌ. وقِيلَ ضَرَبَتْهُ حَيَّةٌ فانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ حَتّى صارَتْ كالرَّحى وماتَ، وأوْمَأ إلى عَيْنَيِ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ، فَعَمِيَ وهَلَكَ؛ وأشارَ إلى أنْفِ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ فامْتَخَطَ قَيْحًا فَماتَ. وقِيلَ أصابَتْهُ سَمُومٌ فاسْوَدَّ حَتّى صارَ كَأنَّهُ حَبَشِيٌّ فَأتى أهْلُهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ وأغْلَقُوا البابَ في وجْهِهِ فَصارَ يَطُوفُ في شِعابِ مَكَّةَ حَتّى ماتَ وفي بَعْضِ ما أصابَ هَؤُلاءِ اخْتِلافٌ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. وقالَ مُقاتِلٌ أصابَ الأثْرَمَ أوْ بَعْكَكًا الدُّبَيْلَةُ والآخَرَ ذاتُ الجَنْبِ فَماتا، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وعِيدٌ لَهم بِالمُجازاةِ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ وجَعْلِهِمْ إلَهًا مَعَ اللَّهِ في الآخِرَةِ كَما جَوَّزُوا في الدُّنْيا، وكُنِّيَ بِالصَّدْرِ عَنِ القَلْبِ لِأنَّهُ مَحَلُّهُ، وجَعَلَ سَبَبَ الضِّيقِ ما يَقُولُونَ وهو ما يَنْطَلِقُونَ بِهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والطَّعْنِ فِيما جاءَ بِهِ ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِتَنْزِيهِهِ عَنْ ما نُسِبُوا إلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الشَّرِيكِ مَعَهُ مَصْحُوبًا بِحَمْدِهِ والثَّناءِ عَلى ما أُسْدِيَ إلَيْهِ مِن نِعْمَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ والتَّوْحِيدِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ؛ فَهَذا في المُعْتَقَدِ والفِعْلِ القَلْبِيِّ، وأمَرَهُ بِكَوْنِهِ مِنَ السّاجِدِينَ والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِنَ المُصَلِّينَ، فَكَنّى بِالسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ، وهي أشْرَفُ أفْعالِ الجَسَدِ وأقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ، ولَمّا كانَ الصّادِرُ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ اعْتِقادًا وهو فِعْلُ القَلْبِ وقَوْلًا، وهو ما يَقُولُونَ في الرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ وهو فِعْلُ جارِحَةٍ أمَرَ تَعالى بِما يُقابِلُ ذَلِكَ مِنَ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ ومِنَ السُّجُودِ وهُما جامِعانِ فِعْلَ القَلْبِ وفِعْلَ الجَسَدِ ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ الَّتِي هي شامِلَةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ ما يُتَقَرَّبُ بِها إلَيْهِ تَعالى، وهَذِهِ الأوامِرُ مَعْناها: دُمْ عَلى كَذا لِأنَّهُ ﷺ ما زالَ مُتَلَبِّسًا بِها؛ أيْ: دُمْ عَلى التَّسْبِيحِ والسُّجُودِ والعِبادَةِ؛ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِاليَقِينِ: المَوْتُ؛ (p-٤٧١)أيْ: ما دُمْتَ حَيًّا فَلا تُخِلَّ بِالعِبادَةِ، وهو تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُهُ ﷺ في عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ»، ويُرْوى فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ، ولَيْسَ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ فَسُمِّيَ يَقِينًا تَجَوُّزًا؛ أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَّصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ بَحْرٍ: قالَ: اليَقِينُ: النَّصْرُ عَلى الكافِرِينَ؛ انْتَهى. وحِكْمَةُ التَّغْيِيَةِ بِاليَقِينِ، وهو المَوْتُ، أنَّهُ يَقْتَضِي دَيْمُومَةَ العِبادَةِ ما دامَ حَيًّا بِخِلافِ الِاقْتِصارِ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ غَيْرَ مُغَيًّا لِأنَّهُ يَكُونُ مُطْلَقًا فَيَكُونُ مُطِيعًا بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ والمَقْصُودُ أنْ لا يُفارِقَ العِبادَةَ حَتّى يَمُوتَ.
النحل 16:1
سُورَةُ النَّحْلِ مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣] ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] النُّطْفَةُ: القَطْرَةُ مِنَ الماءِ، نَطَفَ رَأْسُهُ ماءً أيْ: قَطَرَ. الدِّفْءُ: اسْمٌ لِما يُدَّفَأُ بِهِ، أيْ: يُسَخَّنُ. وتَقُولُ العَرَبُ: دَفِئَ يَوْمُنا فَهو دَفِيءٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ سُخُونَةٌ تُزِيلُ البَرْدَ، ودَفِئَ الرَّجُلُ دِفاءً ودَفَأً، وجَمْعُ الدِّفْءِ: أدَفاءٌ. ورَجُلٌ دَفْآنُ وامْرَأةٌ دَفْأى، والدَّفِئَةُ: الإبِلُ الكَثِيرَةُ الأوْبارِ، لِإدْفاءِ بَعْضِها بَعْضًا بِأنْفاسِها. وقَدْ تُشَدَّدُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ، الدَّفِئَةُ: الكَثِيرَةُ الأوْبارِ والشُّحُومِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الدِّفْءُ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها، وما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنها. البَغْلُ: مَعْرُوفٌ، ولِعَمْرِو بْنِ بَحْرٍ الجاحِظِ كِتابُ البِغالِ. الحِمارُ: مُعَيْرُوفٌ، يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْمُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى (p-٤٧٢)حُمُرٍ، وهو القِياسُ وعَلى حَمِيرٍ. الطَّرِيُّ: فَعِيلٌ مِن طَرَّ ويُطِرُ، وطَراوَةً مِثْلُ سَرَّ ويُسِرُّ سَراوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: طَرِيَ يَطْرِي طِراءً وطَراوَةً مِثْلُ: شَقِيَ، يَشْقى، شَقاءً، وشَقاوَةً. المَخْرُ: شَقُّ الماءِ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ. وقالَ الفَرّاءُ: صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ إذا اشْتَدَّتْ، وقَدْ يَكُونُ مِنَ السَّفِينَةِ ونَحْوِها. مادَ: تَحَرَّكَ ودارَ. السَّقْفُ: مَعْرُوفٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى سُقُوفٍ، وهو القِياسُ، وعَلى سُقُفٍ وسَقَفٍ، وفُعُلٌ وفَعَلٌ مَحْفُوظانِ في فَعْلٍ، ولَيْسا مَقِيسَيْنِ فِيهِ.
* *
(﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾: قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ حَمْزَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقِيلَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وقَتْلى أُحُدٍ، وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّك لِلَّذِينِ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] وقِيلَ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ( يُشْرِكُونَ) مَدَنِيٌّ وما سِواهُ مَكِّيٌّ. وعَنْ قَتادَةَ عَكْسُ هَذا.
ووَجْهُ ارْتِباطِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وسُؤالِهِمْ عَمّا أجْرَمُوهُ في دارِ الدُّنْيا، فَقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ بِالأمْرِ: نَصْرُ رَسُولِ اللَّهِ، وظُهُورُهُ عَلى الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما وُعِدُوا مِن قِيامِ السّاعَةِ، أوْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ؛ انْتَهى. وهَذا الثّانِي قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: الأمْرُ هُنا ما وعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّصْرِ وظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ ونَهْبِ الأمْوالِ، والِاسْتِيلاءِ عَلى مَنازِلِهِمْ ودِيارِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: الأمْرُ هُنا مَصْدَرُ أمَرَ، والمُرادُ بِهِ: فَرائِضُهُ وأحْكامُهُ. قِيلَ: وهَذا فِيهِ بَعْدُ، لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ اسْتَعْجَلَ فَرائِضَ مِن قَبْلِ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا: الأمْرُ عِقابُ اللَّهِ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، واسْتِعْجالُ العَذابِ مَنقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ. وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَّجّاجِ: هو ما وعَدَهم بِهِ مِنَ المُجازاةِ عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأمْرُ بَعْضُ أشْراطِ السّاعَةِ. وأتى: قِيلَ: باقٍ عَلى مَعْناهُ مِنَ المُضِيِّ، والمَعْنى: أتى أمْرُ اللَّهِ وعْدًا فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وُقُوعًا. وقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، أتَتْ مَبادِئُهُ وأماراتُهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَسْتَعْجِلُوهُ، بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ خِطابٌ لِلْكُفّارِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. وقالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالياءِ نَهْيًا لِلْكُفّارِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ عَلى الأمْرِ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: فَلا تَسْتَعْجِلُوا اللَّهَ بِالعَذابِ، أوْ بِإتْيانِ يَوْمِ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ والأعْرَجُ وأبُوهُ جَعْفَرٌ، وابْنُ وضّاحٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ. وقَرَأ عِيسى: الأُولى بِالتّاءِ، مِن فَوْقُ، والثّانِيَةُ بِالياءِ والتّاءِ مِن فَوْقُ مَعًا؛ الأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (p-٤٧٣)الَّذِي ومَصْدَرِيَّةً. وأفْضَلُ قِراءَتِهِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِاسْتِعْجالِهِمْ، لِأنَّ اسْتِعْجالَهُمُ اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ، وذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُنْزِلُ، مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ، مُشَدَّدًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ: تُنَزَّلُ، مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، المَلائِكَةُ، بِالرَّفْعِ. والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ. والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْرَجُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ: بِفَتْحِ التّاءِ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما نُنَزِّلُ، بِنُونِ العَظَمَةِ والتَّشْدِيدِ، وقَتادَةُ بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيهِما شُذُوذٌ كَثِيرٌ؛ انْتَهى. وشُذُوذُهُما أنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ التِفاتٌ، والمَلائِكَةُ هَنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ المَلائِكَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّوحُ: الوَحْيُ تَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ عَلى الأنْبِياءِ، ونَظِيرُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو القُرْآنُ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالرُّوحِ أرْواحُ الخَلْقِ، لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُّوحُ: الرَّحْمَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ - ما مَعْناهُ - الرُّوحُ: الهِدايَةُ، لِأنَّها تَحْيا بِها القُلُوبُ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ. وقِيلَ: الرُّوحُ: جِبْرِيلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالرُّوحِ. وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: الرُّوحُ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ، كَما المَلائِكَةُ حَفَظَةٌ عَلَيْنا لا تَراهم. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرُّوحُ اسْمُ مَلَكٍ، ومِنهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرُّوحَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَصُوَرِ ابْنِ آدَمَ، لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهم، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ، بِما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيِّتَةُ بِالجَهْلِ، مِن وحْيِهِ أوْ بِما يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ؛ انْتَهى. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ. ومَن يَشاءُ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْ): مَصْدَرِيَّةٌ، وهي الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، وُصِلَتْ بِالأمْرِ كَما وُصِلَتْ في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، وهو بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ. أوْ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ: بِأنْ أنْذِرُوا، فَيَجْرِي الخِلافُ فِيهِ: أهُوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ؟ أوْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وأنْ أنْذِرُوا) بَدَلًا مِنَ الرُّوحِ، أيْ: نُنَزِّلُهم بِأنْ أنْذِرُوا، وتَقْدِيرُهُ: أنْذِرُوا؛ أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا. أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا؛ انْتَهى. فَجَعَلَها المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأضْمَرَ اسْمَها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وقَدَّرَ إضْمارَ القَوْلِ: حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وهي أقُولُ، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ مَعَ سُهُولَةِ كَوْنِها الشّانِيَّةَ الَّتِي مِن شَأْنِها نَصْبُ المُضارِعِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وصاحِبُ الغُنْيانِ: أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ لِما في التَّنَزُّلِ بِالوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أيْ: أعْلِمُوا النّاسَ، مِن نَذَرْتُ بِكَذا إذا أعْلَمْتُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا النّاسَ قَوْلِي لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ؛ انْتَهى. لَمّا جَعَلَ أنْ هي الَّتِي حُذِفَ مِنها ضَمِيرُ (p-٤٧٤)الشَّأْنِ قَدَّرَ هَذا التَّقْدِيرَ وهو يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا. وقُرِئَ: لِيُنْذِرُوا أنَّهُ، وحَسُنَتِ النِّذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِأُلُوهِيَّتِهِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، ووَعِيدٌ وتَحْذِيرٌ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. ومَعْنى: فاتَّقُونِ؛ أيِ: اتَّقُوا عِقابِي بِاتِّخاذِكم إلَهًا غَيْرِي. وجاءَتِ الحِكايَةُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: إلّا أنا، ولَوْ جاءَتْ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكِلاهُما سائِغٌ. وحِكايَةُ المَعْنى هُنا أبْلَغُ إذْ فِيها نِسْبَةُ الحُكْمِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنَزِّلُ المَلائِكَةَ، ثُمَّ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو بِما ذَكَرَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُها. وبِالحَقِّ، أيْ: بِالواجِبِ اللّائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ تُحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ، وهي: الحَياةُ، والعِلْمُ، والقُدْرَةُ، والإرادَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا يَحِقُّ لَها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: (فَتَعالى) بِزِيادَةِ فاءٍ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُنَبِّهَةً عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مُوجِدِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ عَنْ أنْ يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ العالَمِ العُلْوِيِّ والأرْضِ، وهو اسْتِدْلالٌ بِالخارِجِ، ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ مِن نَفْسِ الإنْسانِ، فَذَكَرَ إنْشاءَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ، وكانَ حَقُّهُ والواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَ ويَنْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ. والخَصِيمُ: مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ، مِن خَصَمَ، بِمَعْنى اخْتَصَمَ، أوْ بِمَعْنى: مُخاصِمٍ، كالخَلِيطِ والجَلِيسِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ أوِ المُظْهِرُها. والظّاهِرُ أنَّ سِياقَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ سِياقُ ذَمٍّ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ الآيَةَ. ولِتَكْرِيرِ ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، ولِقَوْلِهِ في يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] الآيَةَ، وقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وعَنى بِهِ مُخاصَمَتَهم لِأنْبِياءِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ بِالحُجَجِ الدّاحِضَةِ، وأكْثَرُ ما ذُكِرَ الإنْسانُ في القُرْآنِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، أوْ مُرْدَفًا بِالذَّمِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ. وقالَ قَوْمٌ: سِياقُ الوَصْفَيْنِ سِياقُ المَدْحِ، لِأنَّهُ تَعالى قَوّاهُ عَلى مُنازَعَةِ الخُصُومِ، وجَعَلَهُ مُبَيِّنَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، ونَقَلَهُ مِن تِلْكَ الحالَةِ الجَمادِيَّةِ؛ وهو كَوْنُهُ نُطْفَةً إلى الحالَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وهي: حالَةُ النُّطْقِ والإبانَةِ. و(إذْ) هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ مِنَ النُّطْفَةِ لَمْ تَقَعِ المُفاجَأةُ بِالمُخاطَبَةِ إلّا بَعْدَ أحْوالٍ تَطَوَّرَ فِيها، فَتِلْكَ الأحْوالُ مَحْذُوفَةٌ، وتَقَعُ المُفاجَأةُ بَعْدَها.
* *
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الإنْسانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الإنْسانَ وأنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ في كَلامٍ كَثِيرٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الأفْلاكَ والكَواكِبَ أشْرَفُ مِنَ الإنْسانِ. ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ في قِوامِ مَعِيشَتِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا أكْثَرَها مَنافِعَ، وألْزَمَ لِمَن أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ وذَلِكَ الأنْعامُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأنْعامِ في الأنْعامِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لَكم فِيها دِفْءٌ اسْتِئْنافٌ لِذَكَرِ ما يُنْتَفَعُ بِها مِن جِهَتِها، ودِفْءٌ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (لَكم)، ويَتَعَلَّقُ فِيها بِما في (لَكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ فِيها حالًا مِن دِفْءٍ، إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (لَكم) حالًا مِن دِفْءٍ وفِيها الخَبَرُ، وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنًى فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها، لا يَجُوزُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، فَإنْ تَأخَّرَتِ الحالُ عَنِ الجُمْلَةِ جازَتْ بِلا خِلافٍ، أوْ تَوَسَّطَتْ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، ومَنَعَهُ الجُمْهُورُ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (دِفْءٌ) بِـ (لَكم) أوْ نَعْتَها بِـ (الـ)، والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ انْتَهى. ولا تُسَمّى جُمْلَةً، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ، أوْ خَلَقها لَكم كائِنًا فِيها دِفْءٌ، وهَذا مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (لَكم) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَها، وفِيها دِفْءٌ، اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ مَنافِعِ الأنْعامِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِئْنافُ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾، فَقابَلَ المَنفَعَةَ الضَّرُورِيَّةَ بِالمَنفَعَةِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ. (p-٤٧٥)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَكَرُهُ الأُمَوِيُّ عَنْ لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (والأنْعامَ) عَلى الِاشْتِغالِ، وحَسَّنَ النَّصْبَ كَوْنُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ تَقَدَّمَتْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَتُهُ في الشّاذِّ بِرَفْعِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى البَيانِ، وعَلى هَذا كَوْنُ (لَكم) اسْتِئْنافٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَها. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: دِفٌّ؛ بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها، ووَجْهُهُ أنَّهُ نَقَلَ الحَرَكَةَ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ بَعْدَ حَذْفِها، ثُمَّ شَدَّدَ الفاءَ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، إذْ يَجُوزُ تَشْدِيدُها في الوَقْفِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: دِفٌ، بِنَقْلِ الحَرَكَةِ، وحَذْفِ الهَمْزَةِ دُونَ تَشْدِيدِ الفاءِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الزُّهْرِيُّ دُفٌّ بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والفاءُ مُحَرَّكَةٌ بِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ. ومِنهم مَن يُعَوِّضُ مِن هَذِهِ الهَمْزَةِ فَيُشَدِّدُ الفاءَ، وهو أحَدُ وجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ وقْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ومَنافِعُ الرُّكُوبِ؛ الحَمْلُ، والألْبانُ، والسَّمْنُ، والنَّضْحُ عَلَيْها، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأفْرَدَ مَنفَعَةَ الأكْلِ بِالذِّكْرِ، كَما أفْرَدَ مَنفَعَةَ الدِّفْءِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَنافِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): تَقَدُّمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ومِنها تَأْكُلُونَ، مُؤْذِنٌ، بِالِاخْتِصاصِ وقَدْ يُؤْكَلُ مِن غَيْرِها (قُلْتُ): الأكْلُ مِنها هو الأصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ النّاسُ في مَعائِشِهِمْ، وأمّا الأكْلُ مِن غَيْرِها مِنَ الدَّجاجِ والبَطِّ وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ فَكَغَيْرِ المُعْتَدِّ بِهِ، وكالجارِي مَجْرى التَّفَكُّهِ. وما قالَهُ مِنهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ أوِ المَفْعُولِ دالٌّ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِكَ: إذا أكَلْتَ مِنَ الرَّغِيفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّ طُعْمَتَكم مِنها لِأنَّكم تَحْرُثُونَ بِالبَقْرِ، والحَبُّ والثِّمارِ الَّتِي تَأْكُلُونَها مِنها، وتَكْتَسِبُونَ بِإكْراءِ الإبِلِ، وتَبِيعُونَ نِتاجَها وألْبانَها وجُلُودَها؛ انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّبْعِيضُ مَجازًا، أوْ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِ. الجَمالُ: مَصْدَرُ جَمُلَ بِضَمِّ المِيمِ، والرَّجُلُ جَمِيلٌ، والمَرْأةُ جَمِيلَةٌ وجَمْلاءُ؛ عَنِ الكِسائِيِّ وأنْشَدَ:
؎فَهِيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ بَزَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ
ويُطْلَقُ الجَمالُ ويُرادُ بِهِ التَّجَمُّلُ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى إسْقاطِ الزَّوائِدِ. والجَمالُ يَكُونُ في الصُّورَةِ بِحُسْنِ التَّرْكِيبِ يُدْرِكُهُ البَصَرُ، ويُلْقِيهِ في ألْقابٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ. وفي الأخْلاقِ بِاشْتِمالِها عَلى الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ: كالعِلْمِ، والعِفَّةِ، والحِلْمِ، وفي الأفْعالِ: بِوُجُودِها مُلائِمَةً لِمَصالِحِ الخَلْقِ، وجَلْبِ المَنفَعَةِ إلَيْهِمْ، وصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهم. والجَمالُ الَّذِي لَنا في الأنْعامِ هو خارِجٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنا فِيها جَمالٌ وعَظَمَةٌ عِنْدَ النّاسِ بِاقْتِنائِها ودَلالَتِها عَلى سَعادَةِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وكَوْنِهِ فِيها مِن أهْلِ السِّعَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى بِالتَّجَمُّلِ بِها، كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ الضَّرُورِيِّ، لِأنَّ التَّجَمُّلَ بِها مِن أغْراضِ أصْحابِ المَواشِي ومَفاخِرِ أهْلِها، والعَرَبُ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ نَرى أمْسَ فِيهِمْ ∗∗∗ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدَّثْرِ
؎أحَبُّ إلَيْنا مِن أُناسٍ بِقَنَّةٍ ∗∗∗ يَرُوحُ عَلى آثارِ شائِهِمُ النَّمِرُ
. والعَكَرَةُ مِنَ الإبِلِ ما بَيْنَ السِتِّينَ إلى السَّبْعِينَ، والجَمْعُ عَكَرٌ. والدَّثْرُ: الكَثِيرُ، ويُقالُ: أراحَ الماشِيَةَ: رَدَّها بِالعَشِيِّ مِنَ المَرْعى، وسَرَحَها يَسْرَحُها سَرْحًا وسُرُوحًا أخْرَجَها غُدْوَةً إلى المَرْعى، وسَرَحَتْ هي يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ أيّامَ الرَّبِيعِ إذا سَقَطَ الغَيْثُ وكَبُرَ الكَلَأُ وخَرَجُوا (p-٤٧٦)لِلنُّجْعَةِ. وقَدَّمَ الإراحَةَ عَلى السَّرْحِ لِأنَّ الجَمالَ فِيها أظْهَرُ إذا أقْبَلَتْ مَلْأى البُطُونِ، حافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى الحَظائِرِ، بِخِلافِ وقْتِ سَرْحِها، وإنْ كانَتْ في الوَقْتَيْنِ تُزَيِّنُ الأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها الرُّغاءُ والثُّغاءُ، فَيَأْتَنِسُ أهْلُها، وتَفْرَحُ أرْبابُها وتُجِلُّهم في أعْيُنِ النّاظِرِينَ إلَيْها، وتُكْسِبُهُمُ الجاهَ والحُرْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ: (حِينًا) فِيهِما بِالتَّنْوِينِ، وفَكِّ الإضافَةِ. وجَعَلُوا الجُمْلَتَيْنِ صِفَتَيْنِ حُذِفَ مِنهُما العائِدُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] ويَكُونُ العامِلُ في حِينًا عَلى هَذا، إمّا المُبْتَدَأُ لِأنَّهُ في مَعْنى التَّجَمُّلِ، وإمّا خَبَرُهُ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. والأثْقالُ: الأمْتِعَةُ، واحِدُها ثِقَلٌ. وقِيلَ: الأجْسامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] أيْ أجْسادَ بَنِي آدَمَ. وقَوْلُهُ: إلى بَلَدٍ، لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، أيْ: إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ تَوَجَّهْتُمْ إلَيْهِ لِأغْراضِكم. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ وهو مَكَّةُ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ. وقِيلَ: مِصْرُ. ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى المُرادِ، إذِ المِنَّةُ لا تَخْتَصُّ بِالحَمْلِ إلَيْها. ولَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ: صِفَةٌ لِلْبَلَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِها، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى بُعْدِ البَلَدِ، وأنَّهُ مَعَ الِاسْتِعانَةِ بِها بِحَمْلِ الأثْقالِ لا يَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِالمَشَقَّةِ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم دُونَها إلّا بِالمَشَقَّةِ عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِشِقِّ، بِكَسْرِ الشِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ: بِفَتْحِها. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وهُما مَصْدَرانِ مَعْناهُما المَشَقَّةُ. وقِيلَ: الشَّقُّ، بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ، ويَعْنِي بِهِ: المَشَقَّةَ. وقالَ الشّاعِرُ في الكَسْرِ:
؎وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسَبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَءُوبُ
أيْ مَشَقَّتِها. وشِقُّ الشَّيْءِ: نِصْفُهُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ الفَرّاءُ هُنا أيْ: يُذْهِبانِ نِصْفَ الأنْفُسِ، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا كَما تَقُولُ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ. ونَحْوِ هَذا مِنَ المَجازِ. ويُقالُ: أخَذْتُ شِقَّ الشّاةِ أيْ نِصْفَها، والشِّقُّ: الجانِبُ، والأخُ الشَّقِيقُ، وشَقٌّ: اسْمُ كاهِنٍ. وناسَبَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِن حَمْلِها الأثْقالَ الخَتْمُ بِصِفَةِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّ مِن رَأْفَتِهِ تَيْسِيرُ هَذِهِ المَصالِحِ وتَسْخِيرُ الأنْعامِ لَكم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مِنَنَهُ بِالأنْعامِ ومَنافِعَها الضَّرُورِيَّةِ، ذَكَرَ الِامْتِنانَ بِمَنافِعِ الحَيَوانِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَيْلَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى (والأنْعامَ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ. ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ أعْظَمَ مَنافِعِها اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِكُلِّ الخَيْلِ، خِلافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (وزِينَةً)، ولَمْ يَكُنْ بِاللّامِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الرُّكُوبِ بِوَساطَةِ الحَرْفِ، وكِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها، والرُّكُوبُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِ لَهم ذَلِكَ فانْتَفى شَرْطُ النَّصْبِ، وهو: اتِّحادُ الفاعِلِ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ. والزِّينَةُ مِن وصْفِ الخالِقِ، فاتَّحَدَ الفاعِلُ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وزِينَةً: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلْناها زِينَةً. ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِتَرْكَبُوها زِينَةً، بِغَيْرِ واوٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: والزِّينَةُ، مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في خَلَقَها، أوْ مِن لِتَرْكَبُوها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وخَلَقَها زِينَةً لِتَرْكَبُوها، أوْ يَجْعَلُ زِينَةً حالًا مِن هاءِ، وخَلَقَها لِتَرْكَبُوها وهي زِينَةٌ وجَمالٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والنَّصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في (تَرْكَبُوها) . والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ ذَواتِ ما يَخْلُقُ تَعالى، فَقالَ الجُمْهُورُ: المَعْنى ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الآدَمِيِّينَ والحَيَواناتِ والجَماداتِ الَّتِي خَلَقَها كُلَّها لِمَنافِعِكم، فَأخْبَرَنا بِأنَّ لَهُ مِنَ الخَلائِقِ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ، لِنَزْدادَ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ بِالإخْبارِ، وإنْ طَوى عَنّا عِلْمَهُ حِكْمَةً لَهُ في طَيِّهِ، وما خَلَقَ تَعالى مِنَ الحَيَوانِ (p-٤٧٧)وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: ما لا تَعْلَمُونَ أصْلَ حُدُوثِهِ كالسُّوسِ في النَّباتِ والدُّودِ في الفَواكِهِ. وقالَ ابْن بَحْرٍ: لا تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وزادَ بَعْدُ في الجَنَّةِ وفي النّارِ لِأهْلِها، والباقِي بِالمَعْنى.
ورُوِيَتْ تَفاسِيرُ في: ما لا تَعْلَمُونَ، في الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والشَّعْبِيِّ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها. ويُقالُ: لَمّا ذَكَرَ الحَيَوانَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا ضَرُورِيًّا وغَيْرَ ضَرُورِيٍّ، أعْقَبَ بِذَكَرِ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ غالِبًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، إذْ تَفاصِيلُهُ خارِجَةٌ عَنِ الإحْصاءِ والعَدِّ، والقَصْدُ مَصْدَرٌ: يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، والسَّبِيلُ هُنا مُفْرَدُ اللَّفْظِ. فَقِيلَ: مُفْرَدُ المَدْلُولِ، والـ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي سَبِيلُ الشَّرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، إذْ لَوْ كانَتْ لَهُ لَمْ يَكُنْ مِنها جائِرٌ. والمَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ طَرِيقِ الهُدى، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ مِن سَلَكَ الطَّرِيقَ القاصِدَ فَعَلى اللَّهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ. وعَلى أنَّ الـ لِلْعَهْدِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾، عائِدٌ عَلى السَّبِيلِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ مُقابِلَها يَدُلُّ عَلَيْها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ مِنها عَلى سَبِيلِ الشَّرْعِ، وتَكُونُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: فِرَقُ الضَّلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ومِن بُنَيّاتِ الطُّرُقِ في هَذِهِ السَّبِيلِ، ومِن شُعَبِها. وقِيلَ: الـ في السَّبِيلِ: لِلْجِنْسِ، وانْقَسَمَتْ إلى مَصْدَرٍ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، وإلى جائِرٍ وهو طَرِيقُ الباطِلِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ كَما قالَ:
؎يَجُورُ بِها المَلّاحُ طَوْرًا ويَهْتَدِي
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ومِنَ الطَّرِيقَةِ جائِرٌ وهُدى ∗∗∗ قَصْدِ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ
قَسَّمَ الطَّرِيقَةَ: إلى جائِرٍ، وإلى هُدًى، وإلى ذِي دَخَلٍ، وهو الفَسادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ هِدايَةَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ (قُلْتُ): لِيُعْلَمَ بِما يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وما لا يَجُوزُ، ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُ المُجَبِّرَةُ لَقِيلَ: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وعَلَيْهِ جائِرُها، أوْ وعَلَيْهِ الجائِرُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ومِنكم جائِرٌ، يَعْنِي ومِنكم جائِرٌ عَنِ القَصْدِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واللَّهُ بَرِئٌ مِنهُ.
﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾، قَسْرًا والجاءً؛ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ومِنها) يَعُودُ عَلى الخَلائِقِ؛ أيْ: ومِنَ الخَلائِقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عِيسى: ومِنكم جائِرٌ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقِراءَةُ عَلِيٍّ: فَمِنكم جائِرٌ، بِالفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. ولَهَداكم: لَخَلَقَ فِيكُمُ الهِدايَةَ، فَلَمْ يَضِلَّ أحَدٌ مِنكم، وهي مَشِيئَةُ الِاخْتِيارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَفَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الِاهْتِداءِ والإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ، لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَّجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللَّهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ انْتَهى. ولَمْ يَعْرِفِ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الزَّجّاجَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ تَأوَّلَ أنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْهُ، وأنَّهُ وقَعَ فِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الثَّوابِ، أوْ إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْ شاءَ لَمَحَضَ قَصْدِ السَّبِيلِ دُونَ الجائِرِ. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (لَهَداكم)، أيْ: ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم.
النحل 16:2
سُورَةُ النَّحْلِ مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣] ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] النُّطْفَةُ: القَطْرَةُ مِنَ الماءِ، نَطَفَ رَأْسُهُ ماءً أيْ: قَطَرَ. الدِّفْءُ: اسْمٌ لِما يُدَّفَأُ بِهِ، أيْ: يُسَخَّنُ. وتَقُولُ العَرَبُ: دَفِئَ يَوْمُنا فَهو دَفِيءٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ سُخُونَةٌ تُزِيلُ البَرْدَ، ودَفِئَ الرَّجُلُ دِفاءً ودَفَأً، وجَمْعُ الدِّفْءِ: أدَفاءٌ. ورَجُلٌ دَفْآنُ وامْرَأةٌ دَفْأى، والدَّفِئَةُ: الإبِلُ الكَثِيرَةُ الأوْبارِ، لِإدْفاءِ بَعْضِها بَعْضًا بِأنْفاسِها. وقَدْ تُشَدَّدُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ، الدَّفِئَةُ: الكَثِيرَةُ الأوْبارِ والشُّحُومِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الدِّفْءُ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها، وما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنها. البَغْلُ: مَعْرُوفٌ، ولِعَمْرِو بْنِ بَحْرٍ الجاحِظِ كِتابُ البِغالِ. الحِمارُ: مُعَيْرُوفٌ، يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْمُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى (p-٤٧٢)حُمُرٍ، وهو القِياسُ وعَلى حَمِيرٍ. الطَّرِيُّ: فَعِيلٌ مِن طَرَّ ويُطِرُ، وطَراوَةً مِثْلُ سَرَّ ويُسِرُّ سَراوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: طَرِيَ يَطْرِي طِراءً وطَراوَةً مِثْلُ: شَقِيَ، يَشْقى، شَقاءً، وشَقاوَةً. المَخْرُ: شَقُّ الماءِ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ. وقالَ الفَرّاءُ: صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ إذا اشْتَدَّتْ، وقَدْ يَكُونُ مِنَ السَّفِينَةِ ونَحْوِها. مادَ: تَحَرَّكَ ودارَ. السَّقْفُ: مَعْرُوفٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى سُقُوفٍ، وهو القِياسُ، وعَلى سُقُفٍ وسَقَفٍ، وفُعُلٌ وفَعَلٌ مَحْفُوظانِ في فَعْلٍ، ولَيْسا مَقِيسَيْنِ فِيهِ.
* *
(﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾: قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ حَمْزَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقِيلَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وقَتْلى أُحُدٍ، وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّك لِلَّذِينِ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] وقِيلَ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ( يُشْرِكُونَ) مَدَنِيٌّ وما سِواهُ مَكِّيٌّ. وعَنْ قَتادَةَ عَكْسُ هَذا.
ووَجْهُ ارْتِباطِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وسُؤالِهِمْ عَمّا أجْرَمُوهُ في دارِ الدُّنْيا، فَقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ بِالأمْرِ: نَصْرُ رَسُولِ اللَّهِ، وظُهُورُهُ عَلى الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما وُعِدُوا مِن قِيامِ السّاعَةِ، أوْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ؛ انْتَهى. وهَذا الثّانِي قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: الأمْرُ هُنا ما وعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّصْرِ وظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ ونَهْبِ الأمْوالِ، والِاسْتِيلاءِ عَلى مَنازِلِهِمْ ودِيارِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: الأمْرُ هُنا مَصْدَرُ أمَرَ، والمُرادُ بِهِ: فَرائِضُهُ وأحْكامُهُ. قِيلَ: وهَذا فِيهِ بَعْدُ، لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ اسْتَعْجَلَ فَرائِضَ مِن قَبْلِ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا: الأمْرُ عِقابُ اللَّهِ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، واسْتِعْجالُ العَذابِ مَنقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ. وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَّجّاجِ: هو ما وعَدَهم بِهِ مِنَ المُجازاةِ عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأمْرُ بَعْضُ أشْراطِ السّاعَةِ. وأتى: قِيلَ: باقٍ عَلى مَعْناهُ مِنَ المُضِيِّ، والمَعْنى: أتى أمْرُ اللَّهِ وعْدًا فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وُقُوعًا. وقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، أتَتْ مَبادِئُهُ وأماراتُهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَسْتَعْجِلُوهُ، بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ خِطابٌ لِلْكُفّارِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. وقالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالياءِ نَهْيًا لِلْكُفّارِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ عَلى الأمْرِ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: فَلا تَسْتَعْجِلُوا اللَّهَ بِالعَذابِ، أوْ بِإتْيانِ يَوْمِ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ والأعْرَجُ وأبُوهُ جَعْفَرٌ، وابْنُ وضّاحٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ. وقَرَأ عِيسى: الأُولى بِالتّاءِ، مِن فَوْقُ، والثّانِيَةُ بِالياءِ والتّاءِ مِن فَوْقُ مَعًا؛ الأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (p-٤٧٣)الَّذِي ومَصْدَرِيَّةً. وأفْضَلُ قِراءَتِهِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِاسْتِعْجالِهِمْ، لِأنَّ اسْتِعْجالَهُمُ اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ، وذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُنْزِلُ، مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ، مُشَدَّدًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ: تُنَزَّلُ، مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، المَلائِكَةُ، بِالرَّفْعِ. والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ. والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْرَجُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ: بِفَتْحِ التّاءِ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما نُنَزِّلُ، بِنُونِ العَظَمَةِ والتَّشْدِيدِ، وقَتادَةُ بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيهِما شُذُوذٌ كَثِيرٌ؛ انْتَهى. وشُذُوذُهُما أنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ التِفاتٌ، والمَلائِكَةُ هَنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ المَلائِكَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّوحُ: الوَحْيُ تَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ عَلى الأنْبِياءِ، ونَظِيرُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو القُرْآنُ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالرُّوحِ أرْواحُ الخَلْقِ، لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُّوحُ: الرَّحْمَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ - ما مَعْناهُ - الرُّوحُ: الهِدايَةُ، لِأنَّها تَحْيا بِها القُلُوبُ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ. وقِيلَ: الرُّوحُ: جِبْرِيلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالرُّوحِ. وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: الرُّوحُ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ، كَما المَلائِكَةُ حَفَظَةٌ عَلَيْنا لا تَراهم. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرُّوحُ اسْمُ مَلَكٍ، ومِنهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرُّوحَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَصُوَرِ ابْنِ آدَمَ، لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهم، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ، بِما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيِّتَةُ بِالجَهْلِ، مِن وحْيِهِ أوْ بِما يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ؛ انْتَهى. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ. ومَن يَشاءُ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْ): مَصْدَرِيَّةٌ، وهي الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، وُصِلَتْ بِالأمْرِ كَما وُصِلَتْ في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، وهو بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ. أوْ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ: بِأنْ أنْذِرُوا، فَيَجْرِي الخِلافُ فِيهِ: أهُوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ؟ أوْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وأنْ أنْذِرُوا) بَدَلًا مِنَ الرُّوحِ، أيْ: نُنَزِّلُهم بِأنْ أنْذِرُوا، وتَقْدِيرُهُ: أنْذِرُوا؛ أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا. أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا؛ انْتَهى. فَجَعَلَها المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأضْمَرَ اسْمَها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وقَدَّرَ إضْمارَ القَوْلِ: حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وهي أقُولُ، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ مَعَ سُهُولَةِ كَوْنِها الشّانِيَّةَ الَّتِي مِن شَأْنِها نَصْبُ المُضارِعِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وصاحِبُ الغُنْيانِ: أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ لِما في التَّنَزُّلِ بِالوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أيْ: أعْلِمُوا النّاسَ، مِن نَذَرْتُ بِكَذا إذا أعْلَمْتُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا النّاسَ قَوْلِي لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ؛ انْتَهى. لَمّا جَعَلَ أنْ هي الَّتِي حُذِفَ مِنها ضَمِيرُ (p-٤٧٤)الشَّأْنِ قَدَّرَ هَذا التَّقْدِيرَ وهو يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا. وقُرِئَ: لِيُنْذِرُوا أنَّهُ، وحَسُنَتِ النِّذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِأُلُوهِيَّتِهِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، ووَعِيدٌ وتَحْذِيرٌ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. ومَعْنى: فاتَّقُونِ؛ أيِ: اتَّقُوا عِقابِي بِاتِّخاذِكم إلَهًا غَيْرِي. وجاءَتِ الحِكايَةُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: إلّا أنا، ولَوْ جاءَتْ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكِلاهُما سائِغٌ. وحِكايَةُ المَعْنى هُنا أبْلَغُ إذْ فِيها نِسْبَةُ الحُكْمِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنَزِّلُ المَلائِكَةَ، ثُمَّ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو بِما ذَكَرَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُها. وبِالحَقِّ، أيْ: بِالواجِبِ اللّائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ تُحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ، وهي: الحَياةُ، والعِلْمُ، والقُدْرَةُ، والإرادَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا يَحِقُّ لَها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: (فَتَعالى) بِزِيادَةِ فاءٍ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُنَبِّهَةً عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مُوجِدِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ عَنْ أنْ يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ العالَمِ العُلْوِيِّ والأرْضِ، وهو اسْتِدْلالٌ بِالخارِجِ، ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ مِن نَفْسِ الإنْسانِ، فَذَكَرَ إنْشاءَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ، وكانَ حَقُّهُ والواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَ ويَنْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ. والخَصِيمُ: مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ، مِن خَصَمَ، بِمَعْنى اخْتَصَمَ، أوْ بِمَعْنى: مُخاصِمٍ، كالخَلِيطِ والجَلِيسِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ أوِ المُظْهِرُها. والظّاهِرُ أنَّ سِياقَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ سِياقُ ذَمٍّ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ الآيَةَ. ولِتَكْرِيرِ ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، ولِقَوْلِهِ في يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] الآيَةَ، وقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وعَنى بِهِ مُخاصَمَتَهم لِأنْبِياءِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ بِالحُجَجِ الدّاحِضَةِ، وأكْثَرُ ما ذُكِرَ الإنْسانُ في القُرْآنِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، أوْ مُرْدَفًا بِالذَّمِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ. وقالَ قَوْمٌ: سِياقُ الوَصْفَيْنِ سِياقُ المَدْحِ، لِأنَّهُ تَعالى قَوّاهُ عَلى مُنازَعَةِ الخُصُومِ، وجَعَلَهُ مُبَيِّنَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، ونَقَلَهُ مِن تِلْكَ الحالَةِ الجَمادِيَّةِ؛ وهو كَوْنُهُ نُطْفَةً إلى الحالَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وهي: حالَةُ النُّطْقِ والإبانَةِ. و(إذْ) هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ مِنَ النُّطْفَةِ لَمْ تَقَعِ المُفاجَأةُ بِالمُخاطَبَةِ إلّا بَعْدَ أحْوالٍ تَطَوَّرَ فِيها، فَتِلْكَ الأحْوالُ مَحْذُوفَةٌ، وتَقَعُ المُفاجَأةُ بَعْدَها.
* *
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الإنْسانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الإنْسانَ وأنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ في كَلامٍ كَثِيرٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الأفْلاكَ والكَواكِبَ أشْرَفُ مِنَ الإنْسانِ. ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ في قِوامِ مَعِيشَتِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا أكْثَرَها مَنافِعَ، وألْزَمَ لِمَن أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ وذَلِكَ الأنْعامُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأنْعامِ في الأنْعامِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لَكم فِيها دِفْءٌ اسْتِئْنافٌ لِذَكَرِ ما يُنْتَفَعُ بِها مِن جِهَتِها، ودِفْءٌ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (لَكم)، ويَتَعَلَّقُ فِيها بِما في (لَكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ فِيها حالًا مِن دِفْءٍ، إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (لَكم) حالًا مِن دِفْءٍ وفِيها الخَبَرُ، وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنًى فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها، لا يَجُوزُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، فَإنْ تَأخَّرَتِ الحالُ عَنِ الجُمْلَةِ جازَتْ بِلا خِلافٍ، أوْ تَوَسَّطَتْ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، ومَنَعَهُ الجُمْهُورُ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (دِفْءٌ) بِـ (لَكم) أوْ نَعْتَها بِـ (الـ)، والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ انْتَهى. ولا تُسَمّى جُمْلَةً، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ، أوْ خَلَقها لَكم كائِنًا فِيها دِفْءٌ، وهَذا مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (لَكم) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَها، وفِيها دِفْءٌ، اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ مَنافِعِ الأنْعامِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِئْنافُ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾، فَقابَلَ المَنفَعَةَ الضَّرُورِيَّةَ بِالمَنفَعَةِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ. (p-٤٧٥)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَكَرُهُ الأُمَوِيُّ عَنْ لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (والأنْعامَ) عَلى الِاشْتِغالِ، وحَسَّنَ النَّصْبَ كَوْنُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ تَقَدَّمَتْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَتُهُ في الشّاذِّ بِرَفْعِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى البَيانِ، وعَلى هَذا كَوْنُ (لَكم) اسْتِئْنافٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَها. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: دِفٌّ؛ بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها، ووَجْهُهُ أنَّهُ نَقَلَ الحَرَكَةَ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ بَعْدَ حَذْفِها، ثُمَّ شَدَّدَ الفاءَ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، إذْ يَجُوزُ تَشْدِيدُها في الوَقْفِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: دِفٌ، بِنَقْلِ الحَرَكَةِ، وحَذْفِ الهَمْزَةِ دُونَ تَشْدِيدِ الفاءِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الزُّهْرِيُّ دُفٌّ بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والفاءُ مُحَرَّكَةٌ بِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ. ومِنهم مَن يُعَوِّضُ مِن هَذِهِ الهَمْزَةِ فَيُشَدِّدُ الفاءَ، وهو أحَدُ وجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ وقْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ومَنافِعُ الرُّكُوبِ؛ الحَمْلُ، والألْبانُ، والسَّمْنُ، والنَّضْحُ عَلَيْها، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأفْرَدَ مَنفَعَةَ الأكْلِ بِالذِّكْرِ، كَما أفْرَدَ مَنفَعَةَ الدِّفْءِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَنافِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): تَقَدُّمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ومِنها تَأْكُلُونَ، مُؤْذِنٌ، بِالِاخْتِصاصِ وقَدْ يُؤْكَلُ مِن غَيْرِها (قُلْتُ): الأكْلُ مِنها هو الأصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ النّاسُ في مَعائِشِهِمْ، وأمّا الأكْلُ مِن غَيْرِها مِنَ الدَّجاجِ والبَطِّ وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ فَكَغَيْرِ المُعْتَدِّ بِهِ، وكالجارِي مَجْرى التَّفَكُّهِ. وما قالَهُ مِنهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ أوِ المَفْعُولِ دالٌّ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِكَ: إذا أكَلْتَ مِنَ الرَّغِيفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّ طُعْمَتَكم مِنها لِأنَّكم تَحْرُثُونَ بِالبَقْرِ، والحَبُّ والثِّمارِ الَّتِي تَأْكُلُونَها مِنها، وتَكْتَسِبُونَ بِإكْراءِ الإبِلِ، وتَبِيعُونَ نِتاجَها وألْبانَها وجُلُودَها؛ انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّبْعِيضُ مَجازًا، أوْ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِ. الجَمالُ: مَصْدَرُ جَمُلَ بِضَمِّ المِيمِ، والرَّجُلُ جَمِيلٌ، والمَرْأةُ جَمِيلَةٌ وجَمْلاءُ؛ عَنِ الكِسائِيِّ وأنْشَدَ:
؎فَهِيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ بَزَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ
ويُطْلَقُ الجَمالُ ويُرادُ بِهِ التَّجَمُّلُ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى إسْقاطِ الزَّوائِدِ. والجَمالُ يَكُونُ في الصُّورَةِ بِحُسْنِ التَّرْكِيبِ يُدْرِكُهُ البَصَرُ، ويُلْقِيهِ في ألْقابٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ. وفي الأخْلاقِ بِاشْتِمالِها عَلى الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ: كالعِلْمِ، والعِفَّةِ، والحِلْمِ، وفي الأفْعالِ: بِوُجُودِها مُلائِمَةً لِمَصالِحِ الخَلْقِ، وجَلْبِ المَنفَعَةِ إلَيْهِمْ، وصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهم. والجَمالُ الَّذِي لَنا في الأنْعامِ هو خارِجٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنا فِيها جَمالٌ وعَظَمَةٌ عِنْدَ النّاسِ بِاقْتِنائِها ودَلالَتِها عَلى سَعادَةِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وكَوْنِهِ فِيها مِن أهْلِ السِّعَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى بِالتَّجَمُّلِ بِها، كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ الضَّرُورِيِّ، لِأنَّ التَّجَمُّلَ بِها مِن أغْراضِ أصْحابِ المَواشِي ومَفاخِرِ أهْلِها، والعَرَبُ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ نَرى أمْسَ فِيهِمْ ∗∗∗ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدَّثْرِ
؎أحَبُّ إلَيْنا مِن أُناسٍ بِقَنَّةٍ ∗∗∗ يَرُوحُ عَلى آثارِ شائِهِمُ النَّمِرُ
. والعَكَرَةُ مِنَ الإبِلِ ما بَيْنَ السِتِّينَ إلى السَّبْعِينَ، والجَمْعُ عَكَرٌ. والدَّثْرُ: الكَثِيرُ، ويُقالُ: أراحَ الماشِيَةَ: رَدَّها بِالعَشِيِّ مِنَ المَرْعى، وسَرَحَها يَسْرَحُها سَرْحًا وسُرُوحًا أخْرَجَها غُدْوَةً إلى المَرْعى، وسَرَحَتْ هي يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ أيّامَ الرَّبِيعِ إذا سَقَطَ الغَيْثُ وكَبُرَ الكَلَأُ وخَرَجُوا (p-٤٧٦)لِلنُّجْعَةِ. وقَدَّمَ الإراحَةَ عَلى السَّرْحِ لِأنَّ الجَمالَ فِيها أظْهَرُ إذا أقْبَلَتْ مَلْأى البُطُونِ، حافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى الحَظائِرِ، بِخِلافِ وقْتِ سَرْحِها، وإنْ كانَتْ في الوَقْتَيْنِ تُزَيِّنُ الأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها الرُّغاءُ والثُّغاءُ، فَيَأْتَنِسُ أهْلُها، وتَفْرَحُ أرْبابُها وتُجِلُّهم في أعْيُنِ النّاظِرِينَ إلَيْها، وتُكْسِبُهُمُ الجاهَ والحُرْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ: (حِينًا) فِيهِما بِالتَّنْوِينِ، وفَكِّ الإضافَةِ. وجَعَلُوا الجُمْلَتَيْنِ صِفَتَيْنِ حُذِفَ مِنهُما العائِدُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] ويَكُونُ العامِلُ في حِينًا عَلى هَذا، إمّا المُبْتَدَأُ لِأنَّهُ في مَعْنى التَّجَمُّلِ، وإمّا خَبَرُهُ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. والأثْقالُ: الأمْتِعَةُ، واحِدُها ثِقَلٌ. وقِيلَ: الأجْسامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] أيْ أجْسادَ بَنِي آدَمَ. وقَوْلُهُ: إلى بَلَدٍ، لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، أيْ: إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ تَوَجَّهْتُمْ إلَيْهِ لِأغْراضِكم. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ وهو مَكَّةُ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ. وقِيلَ: مِصْرُ. ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى المُرادِ، إذِ المِنَّةُ لا تَخْتَصُّ بِالحَمْلِ إلَيْها. ولَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ: صِفَةٌ لِلْبَلَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِها، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى بُعْدِ البَلَدِ، وأنَّهُ مَعَ الِاسْتِعانَةِ بِها بِحَمْلِ الأثْقالِ لا يَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِالمَشَقَّةِ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم دُونَها إلّا بِالمَشَقَّةِ عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِشِقِّ، بِكَسْرِ الشِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ: بِفَتْحِها. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وهُما مَصْدَرانِ مَعْناهُما المَشَقَّةُ. وقِيلَ: الشَّقُّ، بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ، ويَعْنِي بِهِ: المَشَقَّةَ. وقالَ الشّاعِرُ في الكَسْرِ:
؎وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسَبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَءُوبُ
أيْ مَشَقَّتِها. وشِقُّ الشَّيْءِ: نِصْفُهُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ الفَرّاءُ هُنا أيْ: يُذْهِبانِ نِصْفَ الأنْفُسِ، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا كَما تَقُولُ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ. ونَحْوِ هَذا مِنَ المَجازِ. ويُقالُ: أخَذْتُ شِقَّ الشّاةِ أيْ نِصْفَها، والشِّقُّ: الجانِبُ، والأخُ الشَّقِيقُ، وشَقٌّ: اسْمُ كاهِنٍ. وناسَبَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِن حَمْلِها الأثْقالَ الخَتْمُ بِصِفَةِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّ مِن رَأْفَتِهِ تَيْسِيرُ هَذِهِ المَصالِحِ وتَسْخِيرُ الأنْعامِ لَكم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مِنَنَهُ بِالأنْعامِ ومَنافِعَها الضَّرُورِيَّةِ، ذَكَرَ الِامْتِنانَ بِمَنافِعِ الحَيَوانِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَيْلَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى (والأنْعامَ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ. ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ أعْظَمَ مَنافِعِها اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِكُلِّ الخَيْلِ، خِلافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (وزِينَةً)، ولَمْ يَكُنْ بِاللّامِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الرُّكُوبِ بِوَساطَةِ الحَرْفِ، وكِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها، والرُّكُوبُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِ لَهم ذَلِكَ فانْتَفى شَرْطُ النَّصْبِ، وهو: اتِّحادُ الفاعِلِ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ. والزِّينَةُ مِن وصْفِ الخالِقِ، فاتَّحَدَ الفاعِلُ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وزِينَةً: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلْناها زِينَةً. ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِتَرْكَبُوها زِينَةً، بِغَيْرِ واوٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: والزِّينَةُ، مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في خَلَقَها، أوْ مِن لِتَرْكَبُوها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وخَلَقَها زِينَةً لِتَرْكَبُوها، أوْ يَجْعَلُ زِينَةً حالًا مِن هاءِ، وخَلَقَها لِتَرْكَبُوها وهي زِينَةٌ وجَمالٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والنَّصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في (تَرْكَبُوها) . والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ ذَواتِ ما يَخْلُقُ تَعالى، فَقالَ الجُمْهُورُ: المَعْنى ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الآدَمِيِّينَ والحَيَواناتِ والجَماداتِ الَّتِي خَلَقَها كُلَّها لِمَنافِعِكم، فَأخْبَرَنا بِأنَّ لَهُ مِنَ الخَلائِقِ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ، لِنَزْدادَ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ بِالإخْبارِ، وإنْ طَوى عَنّا عِلْمَهُ حِكْمَةً لَهُ في طَيِّهِ، وما خَلَقَ تَعالى مِنَ الحَيَوانِ (p-٤٧٧)وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: ما لا تَعْلَمُونَ أصْلَ حُدُوثِهِ كالسُّوسِ في النَّباتِ والدُّودِ في الفَواكِهِ. وقالَ ابْن بَحْرٍ: لا تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وزادَ بَعْدُ في الجَنَّةِ وفي النّارِ لِأهْلِها، والباقِي بِالمَعْنى.
ورُوِيَتْ تَفاسِيرُ في: ما لا تَعْلَمُونَ، في الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والشَّعْبِيِّ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها. ويُقالُ: لَمّا ذَكَرَ الحَيَوانَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا ضَرُورِيًّا وغَيْرَ ضَرُورِيٍّ، أعْقَبَ بِذَكَرِ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ غالِبًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، إذْ تَفاصِيلُهُ خارِجَةٌ عَنِ الإحْصاءِ والعَدِّ، والقَصْدُ مَصْدَرٌ: يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، والسَّبِيلُ هُنا مُفْرَدُ اللَّفْظِ. فَقِيلَ: مُفْرَدُ المَدْلُولِ، والـ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي سَبِيلُ الشَّرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، إذْ لَوْ كانَتْ لَهُ لَمْ يَكُنْ مِنها جائِرٌ. والمَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ طَرِيقِ الهُدى، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ مِن سَلَكَ الطَّرِيقَ القاصِدَ فَعَلى اللَّهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ. وعَلى أنَّ الـ لِلْعَهْدِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾، عائِدٌ عَلى السَّبِيلِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ مُقابِلَها يَدُلُّ عَلَيْها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ مِنها عَلى سَبِيلِ الشَّرْعِ، وتَكُونُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: فِرَقُ الضَّلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ومِن بُنَيّاتِ الطُّرُقِ في هَذِهِ السَّبِيلِ، ومِن شُعَبِها. وقِيلَ: الـ في السَّبِيلِ: لِلْجِنْسِ، وانْقَسَمَتْ إلى مَصْدَرٍ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، وإلى جائِرٍ وهو طَرِيقُ الباطِلِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ كَما قالَ:
؎يَجُورُ بِها المَلّاحُ طَوْرًا ويَهْتَدِي
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ومِنَ الطَّرِيقَةِ جائِرٌ وهُدى ∗∗∗ قَصْدِ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ
قَسَّمَ الطَّرِيقَةَ: إلى جائِرٍ، وإلى هُدًى، وإلى ذِي دَخَلٍ، وهو الفَسادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ هِدايَةَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ (قُلْتُ): لِيُعْلَمَ بِما يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وما لا يَجُوزُ، ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُ المُجَبِّرَةُ لَقِيلَ: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وعَلَيْهِ جائِرُها، أوْ وعَلَيْهِ الجائِرُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ومِنكم جائِرٌ، يَعْنِي ومِنكم جائِرٌ عَنِ القَصْدِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واللَّهُ بَرِئٌ مِنهُ.
﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾، قَسْرًا والجاءً؛ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ومِنها) يَعُودُ عَلى الخَلائِقِ؛ أيْ: ومِنَ الخَلائِقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عِيسى: ومِنكم جائِرٌ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقِراءَةُ عَلِيٍّ: فَمِنكم جائِرٌ، بِالفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. ولَهَداكم: لَخَلَقَ فِيكُمُ الهِدايَةَ، فَلَمْ يَضِلَّ أحَدٌ مِنكم، وهي مَشِيئَةُ الِاخْتِيارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَفَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الِاهْتِداءِ والإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ، لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَّجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللَّهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ انْتَهى. ولَمْ يَعْرِفِ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الزَّجّاجَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ تَأوَّلَ أنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْهُ، وأنَّهُ وقَعَ فِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الثَّوابِ، أوْ إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْ شاءَ لَمَحَضَ قَصْدِ السَّبِيلِ دُونَ الجائِرِ. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (لَهَداكم)، أيْ: ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم.
النحل 16:3
سُورَةُ النَّحْلِ مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣] ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] النُّطْفَةُ: القَطْرَةُ مِنَ الماءِ، نَطَفَ رَأْسُهُ ماءً أيْ: قَطَرَ. الدِّفْءُ: اسْمٌ لِما يُدَّفَأُ بِهِ، أيْ: يُسَخَّنُ. وتَقُولُ العَرَبُ: دَفِئَ يَوْمُنا فَهو دَفِيءٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ سُخُونَةٌ تُزِيلُ البَرْدَ، ودَفِئَ الرَّجُلُ دِفاءً ودَفَأً، وجَمْعُ الدِّفْءِ: أدَفاءٌ. ورَجُلٌ دَفْآنُ وامْرَأةٌ دَفْأى، والدَّفِئَةُ: الإبِلُ الكَثِيرَةُ الأوْبارِ، لِإدْفاءِ بَعْضِها بَعْضًا بِأنْفاسِها. وقَدْ تُشَدَّدُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ، الدَّفِئَةُ: الكَثِيرَةُ الأوْبارِ والشُّحُومِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الدِّفْءُ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها، وما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنها. البَغْلُ: مَعْرُوفٌ، ولِعَمْرِو بْنِ بَحْرٍ الجاحِظِ كِتابُ البِغالِ. الحِمارُ: مُعَيْرُوفٌ، يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْمُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى (p-٤٧٢)حُمُرٍ، وهو القِياسُ وعَلى حَمِيرٍ. الطَّرِيُّ: فَعِيلٌ مِن طَرَّ ويُطِرُ، وطَراوَةً مِثْلُ سَرَّ ويُسِرُّ سَراوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: طَرِيَ يَطْرِي طِراءً وطَراوَةً مِثْلُ: شَقِيَ، يَشْقى، شَقاءً، وشَقاوَةً. المَخْرُ: شَقُّ الماءِ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ. وقالَ الفَرّاءُ: صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ إذا اشْتَدَّتْ، وقَدْ يَكُونُ مِنَ السَّفِينَةِ ونَحْوِها. مادَ: تَحَرَّكَ ودارَ. السَّقْفُ: مَعْرُوفٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى سُقُوفٍ، وهو القِياسُ، وعَلى سُقُفٍ وسَقَفٍ، وفُعُلٌ وفَعَلٌ مَحْفُوظانِ في فَعْلٍ، ولَيْسا مَقِيسَيْنِ فِيهِ.
* *
(﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾: قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ حَمْزَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقِيلَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وقَتْلى أُحُدٍ، وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّك لِلَّذِينِ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] وقِيلَ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ( يُشْرِكُونَ) مَدَنِيٌّ وما سِواهُ مَكِّيٌّ. وعَنْ قَتادَةَ عَكْسُ هَذا.
ووَجْهُ ارْتِباطِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وسُؤالِهِمْ عَمّا أجْرَمُوهُ في دارِ الدُّنْيا، فَقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ بِالأمْرِ: نَصْرُ رَسُولِ اللَّهِ، وظُهُورُهُ عَلى الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما وُعِدُوا مِن قِيامِ السّاعَةِ، أوْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ؛ انْتَهى. وهَذا الثّانِي قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: الأمْرُ هُنا ما وعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّصْرِ وظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ ونَهْبِ الأمْوالِ، والِاسْتِيلاءِ عَلى مَنازِلِهِمْ ودِيارِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: الأمْرُ هُنا مَصْدَرُ أمَرَ، والمُرادُ بِهِ: فَرائِضُهُ وأحْكامُهُ. قِيلَ: وهَذا فِيهِ بَعْدُ، لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ اسْتَعْجَلَ فَرائِضَ مِن قَبْلِ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا: الأمْرُ عِقابُ اللَّهِ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، واسْتِعْجالُ العَذابِ مَنقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ. وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَّجّاجِ: هو ما وعَدَهم بِهِ مِنَ المُجازاةِ عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأمْرُ بَعْضُ أشْراطِ السّاعَةِ. وأتى: قِيلَ: باقٍ عَلى مَعْناهُ مِنَ المُضِيِّ، والمَعْنى: أتى أمْرُ اللَّهِ وعْدًا فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وُقُوعًا. وقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، أتَتْ مَبادِئُهُ وأماراتُهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَسْتَعْجِلُوهُ، بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ خِطابٌ لِلْكُفّارِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. وقالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالياءِ نَهْيًا لِلْكُفّارِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ عَلى الأمْرِ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: فَلا تَسْتَعْجِلُوا اللَّهَ بِالعَذابِ، أوْ بِإتْيانِ يَوْمِ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ والأعْرَجُ وأبُوهُ جَعْفَرٌ، وابْنُ وضّاحٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ. وقَرَأ عِيسى: الأُولى بِالتّاءِ، مِن فَوْقُ، والثّانِيَةُ بِالياءِ والتّاءِ مِن فَوْقُ مَعًا؛ الأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (p-٤٧٣)الَّذِي ومَصْدَرِيَّةً. وأفْضَلُ قِراءَتِهِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِاسْتِعْجالِهِمْ، لِأنَّ اسْتِعْجالَهُمُ اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ، وذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُنْزِلُ، مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ، مُشَدَّدًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ: تُنَزَّلُ، مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، المَلائِكَةُ، بِالرَّفْعِ. والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ. والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْرَجُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ: بِفَتْحِ التّاءِ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما نُنَزِّلُ، بِنُونِ العَظَمَةِ والتَّشْدِيدِ، وقَتادَةُ بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيهِما شُذُوذٌ كَثِيرٌ؛ انْتَهى. وشُذُوذُهُما أنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ التِفاتٌ، والمَلائِكَةُ هَنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ المَلائِكَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّوحُ: الوَحْيُ تَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ عَلى الأنْبِياءِ، ونَظِيرُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو القُرْآنُ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالرُّوحِ أرْواحُ الخَلْقِ، لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُّوحُ: الرَّحْمَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ - ما مَعْناهُ - الرُّوحُ: الهِدايَةُ، لِأنَّها تَحْيا بِها القُلُوبُ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ. وقِيلَ: الرُّوحُ: جِبْرِيلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالرُّوحِ. وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: الرُّوحُ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ، كَما المَلائِكَةُ حَفَظَةٌ عَلَيْنا لا تَراهم. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرُّوحُ اسْمُ مَلَكٍ، ومِنهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرُّوحَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَصُوَرِ ابْنِ آدَمَ، لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهم، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ، بِما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيِّتَةُ بِالجَهْلِ، مِن وحْيِهِ أوْ بِما يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ؛ انْتَهى. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ. ومَن يَشاءُ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْ): مَصْدَرِيَّةٌ، وهي الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، وُصِلَتْ بِالأمْرِ كَما وُصِلَتْ في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، وهو بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ. أوْ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ: بِأنْ أنْذِرُوا، فَيَجْرِي الخِلافُ فِيهِ: أهُوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ؟ أوْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وأنْ أنْذِرُوا) بَدَلًا مِنَ الرُّوحِ، أيْ: نُنَزِّلُهم بِأنْ أنْذِرُوا، وتَقْدِيرُهُ: أنْذِرُوا؛ أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا. أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا؛ انْتَهى. فَجَعَلَها المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأضْمَرَ اسْمَها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وقَدَّرَ إضْمارَ القَوْلِ: حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وهي أقُولُ، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ مَعَ سُهُولَةِ كَوْنِها الشّانِيَّةَ الَّتِي مِن شَأْنِها نَصْبُ المُضارِعِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وصاحِبُ الغُنْيانِ: أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ لِما في التَّنَزُّلِ بِالوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أيْ: أعْلِمُوا النّاسَ، مِن نَذَرْتُ بِكَذا إذا أعْلَمْتُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا النّاسَ قَوْلِي لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ؛ انْتَهى. لَمّا جَعَلَ أنْ هي الَّتِي حُذِفَ مِنها ضَمِيرُ (p-٤٧٤)الشَّأْنِ قَدَّرَ هَذا التَّقْدِيرَ وهو يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا. وقُرِئَ: لِيُنْذِرُوا أنَّهُ، وحَسُنَتِ النِّذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِأُلُوهِيَّتِهِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، ووَعِيدٌ وتَحْذِيرٌ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. ومَعْنى: فاتَّقُونِ؛ أيِ: اتَّقُوا عِقابِي بِاتِّخاذِكم إلَهًا غَيْرِي. وجاءَتِ الحِكايَةُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: إلّا أنا، ولَوْ جاءَتْ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكِلاهُما سائِغٌ. وحِكايَةُ المَعْنى هُنا أبْلَغُ إذْ فِيها نِسْبَةُ الحُكْمِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنَزِّلُ المَلائِكَةَ، ثُمَّ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو بِما ذَكَرَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُها. وبِالحَقِّ، أيْ: بِالواجِبِ اللّائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ تُحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ، وهي: الحَياةُ، والعِلْمُ، والقُدْرَةُ، والإرادَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا يَحِقُّ لَها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: (فَتَعالى) بِزِيادَةِ فاءٍ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُنَبِّهَةً عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مُوجِدِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ عَنْ أنْ يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ العالَمِ العُلْوِيِّ والأرْضِ، وهو اسْتِدْلالٌ بِالخارِجِ، ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ مِن نَفْسِ الإنْسانِ، فَذَكَرَ إنْشاءَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ، وكانَ حَقُّهُ والواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَ ويَنْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ. والخَصِيمُ: مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ، مِن خَصَمَ، بِمَعْنى اخْتَصَمَ، أوْ بِمَعْنى: مُخاصِمٍ، كالخَلِيطِ والجَلِيسِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ أوِ المُظْهِرُها. والظّاهِرُ أنَّ سِياقَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ سِياقُ ذَمٍّ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ الآيَةَ. ولِتَكْرِيرِ ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، ولِقَوْلِهِ في يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] الآيَةَ، وقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وعَنى بِهِ مُخاصَمَتَهم لِأنْبِياءِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ بِالحُجَجِ الدّاحِضَةِ، وأكْثَرُ ما ذُكِرَ الإنْسانُ في القُرْآنِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، أوْ مُرْدَفًا بِالذَّمِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ. وقالَ قَوْمٌ: سِياقُ الوَصْفَيْنِ سِياقُ المَدْحِ، لِأنَّهُ تَعالى قَوّاهُ عَلى مُنازَعَةِ الخُصُومِ، وجَعَلَهُ مُبَيِّنَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، ونَقَلَهُ مِن تِلْكَ الحالَةِ الجَمادِيَّةِ؛ وهو كَوْنُهُ نُطْفَةً إلى الحالَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وهي: حالَةُ النُّطْقِ والإبانَةِ. و(إذْ) هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ مِنَ النُّطْفَةِ لَمْ تَقَعِ المُفاجَأةُ بِالمُخاطَبَةِ إلّا بَعْدَ أحْوالٍ تَطَوَّرَ فِيها، فَتِلْكَ الأحْوالُ مَحْذُوفَةٌ، وتَقَعُ المُفاجَأةُ بَعْدَها.
* *
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الإنْسانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الإنْسانَ وأنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ في كَلامٍ كَثِيرٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الأفْلاكَ والكَواكِبَ أشْرَفُ مِنَ الإنْسانِ. ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ في قِوامِ مَعِيشَتِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا أكْثَرَها مَنافِعَ، وألْزَمَ لِمَن أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ وذَلِكَ الأنْعامُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأنْعامِ في الأنْعامِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لَكم فِيها دِفْءٌ اسْتِئْنافٌ لِذَكَرِ ما يُنْتَفَعُ بِها مِن جِهَتِها، ودِفْءٌ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (لَكم)، ويَتَعَلَّقُ فِيها بِما في (لَكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ فِيها حالًا مِن دِفْءٍ، إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (لَكم) حالًا مِن دِفْءٍ وفِيها الخَبَرُ، وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنًى فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها، لا يَجُوزُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، فَإنْ تَأخَّرَتِ الحالُ عَنِ الجُمْلَةِ جازَتْ بِلا خِلافٍ، أوْ تَوَسَّطَتْ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، ومَنَعَهُ الجُمْهُورُ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (دِفْءٌ) بِـ (لَكم) أوْ نَعْتَها بِـ (الـ)، والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ انْتَهى. ولا تُسَمّى جُمْلَةً، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ، أوْ خَلَقها لَكم كائِنًا فِيها دِفْءٌ، وهَذا مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (لَكم) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَها، وفِيها دِفْءٌ، اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ مَنافِعِ الأنْعامِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِئْنافُ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾، فَقابَلَ المَنفَعَةَ الضَّرُورِيَّةَ بِالمَنفَعَةِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ. (p-٤٧٥)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَكَرُهُ الأُمَوِيُّ عَنْ لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (والأنْعامَ) عَلى الِاشْتِغالِ، وحَسَّنَ النَّصْبَ كَوْنُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ تَقَدَّمَتْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَتُهُ في الشّاذِّ بِرَفْعِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى البَيانِ، وعَلى هَذا كَوْنُ (لَكم) اسْتِئْنافٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَها. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: دِفٌّ؛ بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها، ووَجْهُهُ أنَّهُ نَقَلَ الحَرَكَةَ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ بَعْدَ حَذْفِها، ثُمَّ شَدَّدَ الفاءَ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، إذْ يَجُوزُ تَشْدِيدُها في الوَقْفِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: دِفٌ، بِنَقْلِ الحَرَكَةِ، وحَذْفِ الهَمْزَةِ دُونَ تَشْدِيدِ الفاءِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الزُّهْرِيُّ دُفٌّ بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والفاءُ مُحَرَّكَةٌ بِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ. ومِنهم مَن يُعَوِّضُ مِن هَذِهِ الهَمْزَةِ فَيُشَدِّدُ الفاءَ، وهو أحَدُ وجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ وقْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ومَنافِعُ الرُّكُوبِ؛ الحَمْلُ، والألْبانُ، والسَّمْنُ، والنَّضْحُ عَلَيْها، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأفْرَدَ مَنفَعَةَ الأكْلِ بِالذِّكْرِ، كَما أفْرَدَ مَنفَعَةَ الدِّفْءِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَنافِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): تَقَدُّمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ومِنها تَأْكُلُونَ، مُؤْذِنٌ، بِالِاخْتِصاصِ وقَدْ يُؤْكَلُ مِن غَيْرِها (قُلْتُ): الأكْلُ مِنها هو الأصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ النّاسُ في مَعائِشِهِمْ، وأمّا الأكْلُ مِن غَيْرِها مِنَ الدَّجاجِ والبَطِّ وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ فَكَغَيْرِ المُعْتَدِّ بِهِ، وكالجارِي مَجْرى التَّفَكُّهِ. وما قالَهُ مِنهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ أوِ المَفْعُولِ دالٌّ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِكَ: إذا أكَلْتَ مِنَ الرَّغِيفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّ طُعْمَتَكم مِنها لِأنَّكم تَحْرُثُونَ بِالبَقْرِ، والحَبُّ والثِّمارِ الَّتِي تَأْكُلُونَها مِنها، وتَكْتَسِبُونَ بِإكْراءِ الإبِلِ، وتَبِيعُونَ نِتاجَها وألْبانَها وجُلُودَها؛ انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّبْعِيضُ مَجازًا، أوْ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِ. الجَمالُ: مَصْدَرُ جَمُلَ بِضَمِّ المِيمِ، والرَّجُلُ جَمِيلٌ، والمَرْأةُ جَمِيلَةٌ وجَمْلاءُ؛ عَنِ الكِسائِيِّ وأنْشَدَ:
؎فَهِيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ بَزَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ
ويُطْلَقُ الجَمالُ ويُرادُ بِهِ التَّجَمُّلُ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى إسْقاطِ الزَّوائِدِ. والجَمالُ يَكُونُ في الصُّورَةِ بِحُسْنِ التَّرْكِيبِ يُدْرِكُهُ البَصَرُ، ويُلْقِيهِ في ألْقابٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ. وفي الأخْلاقِ بِاشْتِمالِها عَلى الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ: كالعِلْمِ، والعِفَّةِ، والحِلْمِ، وفي الأفْعالِ: بِوُجُودِها مُلائِمَةً لِمَصالِحِ الخَلْقِ، وجَلْبِ المَنفَعَةِ إلَيْهِمْ، وصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهم. والجَمالُ الَّذِي لَنا في الأنْعامِ هو خارِجٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنا فِيها جَمالٌ وعَظَمَةٌ عِنْدَ النّاسِ بِاقْتِنائِها ودَلالَتِها عَلى سَعادَةِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وكَوْنِهِ فِيها مِن أهْلِ السِّعَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى بِالتَّجَمُّلِ بِها، كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ الضَّرُورِيِّ، لِأنَّ التَّجَمُّلَ بِها مِن أغْراضِ أصْحابِ المَواشِي ومَفاخِرِ أهْلِها، والعَرَبُ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ نَرى أمْسَ فِيهِمْ ∗∗∗ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدَّثْرِ
؎أحَبُّ إلَيْنا مِن أُناسٍ بِقَنَّةٍ ∗∗∗ يَرُوحُ عَلى آثارِ شائِهِمُ النَّمِرُ
. والعَكَرَةُ مِنَ الإبِلِ ما بَيْنَ السِتِّينَ إلى السَّبْعِينَ، والجَمْعُ عَكَرٌ. والدَّثْرُ: الكَثِيرُ، ويُقالُ: أراحَ الماشِيَةَ: رَدَّها بِالعَشِيِّ مِنَ المَرْعى، وسَرَحَها يَسْرَحُها سَرْحًا وسُرُوحًا أخْرَجَها غُدْوَةً إلى المَرْعى، وسَرَحَتْ هي يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ أيّامَ الرَّبِيعِ إذا سَقَطَ الغَيْثُ وكَبُرَ الكَلَأُ وخَرَجُوا (p-٤٧٦)لِلنُّجْعَةِ. وقَدَّمَ الإراحَةَ عَلى السَّرْحِ لِأنَّ الجَمالَ فِيها أظْهَرُ إذا أقْبَلَتْ مَلْأى البُطُونِ، حافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى الحَظائِرِ، بِخِلافِ وقْتِ سَرْحِها، وإنْ كانَتْ في الوَقْتَيْنِ تُزَيِّنُ الأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها الرُّغاءُ والثُّغاءُ، فَيَأْتَنِسُ أهْلُها، وتَفْرَحُ أرْبابُها وتُجِلُّهم في أعْيُنِ النّاظِرِينَ إلَيْها، وتُكْسِبُهُمُ الجاهَ والحُرْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ: (حِينًا) فِيهِما بِالتَّنْوِينِ، وفَكِّ الإضافَةِ. وجَعَلُوا الجُمْلَتَيْنِ صِفَتَيْنِ حُذِفَ مِنهُما العائِدُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] ويَكُونُ العامِلُ في حِينًا عَلى هَذا، إمّا المُبْتَدَأُ لِأنَّهُ في مَعْنى التَّجَمُّلِ، وإمّا خَبَرُهُ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. والأثْقالُ: الأمْتِعَةُ، واحِدُها ثِقَلٌ. وقِيلَ: الأجْسامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] أيْ أجْسادَ بَنِي آدَمَ. وقَوْلُهُ: إلى بَلَدٍ، لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، أيْ: إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ تَوَجَّهْتُمْ إلَيْهِ لِأغْراضِكم. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ وهو مَكَّةُ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ. وقِيلَ: مِصْرُ. ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى المُرادِ، إذِ المِنَّةُ لا تَخْتَصُّ بِالحَمْلِ إلَيْها. ولَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ: صِفَةٌ لِلْبَلَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِها، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى بُعْدِ البَلَدِ، وأنَّهُ مَعَ الِاسْتِعانَةِ بِها بِحَمْلِ الأثْقالِ لا يَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِالمَشَقَّةِ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم دُونَها إلّا بِالمَشَقَّةِ عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِشِقِّ، بِكَسْرِ الشِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ: بِفَتْحِها. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وهُما مَصْدَرانِ مَعْناهُما المَشَقَّةُ. وقِيلَ: الشَّقُّ، بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ، ويَعْنِي بِهِ: المَشَقَّةَ. وقالَ الشّاعِرُ في الكَسْرِ:
؎وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسَبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَءُوبُ
أيْ مَشَقَّتِها. وشِقُّ الشَّيْءِ: نِصْفُهُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ الفَرّاءُ هُنا أيْ: يُذْهِبانِ نِصْفَ الأنْفُسِ، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا كَما تَقُولُ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ. ونَحْوِ هَذا مِنَ المَجازِ. ويُقالُ: أخَذْتُ شِقَّ الشّاةِ أيْ نِصْفَها، والشِّقُّ: الجانِبُ، والأخُ الشَّقِيقُ، وشَقٌّ: اسْمُ كاهِنٍ. وناسَبَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِن حَمْلِها الأثْقالَ الخَتْمُ بِصِفَةِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّ مِن رَأْفَتِهِ تَيْسِيرُ هَذِهِ المَصالِحِ وتَسْخِيرُ الأنْعامِ لَكم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مِنَنَهُ بِالأنْعامِ ومَنافِعَها الضَّرُورِيَّةِ، ذَكَرَ الِامْتِنانَ بِمَنافِعِ الحَيَوانِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَيْلَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى (والأنْعامَ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ. ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ أعْظَمَ مَنافِعِها اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِكُلِّ الخَيْلِ، خِلافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (وزِينَةً)، ولَمْ يَكُنْ بِاللّامِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الرُّكُوبِ بِوَساطَةِ الحَرْفِ، وكِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها، والرُّكُوبُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِ لَهم ذَلِكَ فانْتَفى شَرْطُ النَّصْبِ، وهو: اتِّحادُ الفاعِلِ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ. والزِّينَةُ مِن وصْفِ الخالِقِ، فاتَّحَدَ الفاعِلُ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وزِينَةً: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلْناها زِينَةً. ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِتَرْكَبُوها زِينَةً، بِغَيْرِ واوٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: والزِّينَةُ، مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في خَلَقَها، أوْ مِن لِتَرْكَبُوها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وخَلَقَها زِينَةً لِتَرْكَبُوها، أوْ يَجْعَلُ زِينَةً حالًا مِن هاءِ، وخَلَقَها لِتَرْكَبُوها وهي زِينَةٌ وجَمالٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والنَّصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في (تَرْكَبُوها) . والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ ذَواتِ ما يَخْلُقُ تَعالى، فَقالَ الجُمْهُورُ: المَعْنى ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الآدَمِيِّينَ والحَيَواناتِ والجَماداتِ الَّتِي خَلَقَها كُلَّها لِمَنافِعِكم، فَأخْبَرَنا بِأنَّ لَهُ مِنَ الخَلائِقِ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ، لِنَزْدادَ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ بِالإخْبارِ، وإنْ طَوى عَنّا عِلْمَهُ حِكْمَةً لَهُ في طَيِّهِ، وما خَلَقَ تَعالى مِنَ الحَيَوانِ (p-٤٧٧)وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: ما لا تَعْلَمُونَ أصْلَ حُدُوثِهِ كالسُّوسِ في النَّباتِ والدُّودِ في الفَواكِهِ. وقالَ ابْن بَحْرٍ: لا تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وزادَ بَعْدُ في الجَنَّةِ وفي النّارِ لِأهْلِها، والباقِي بِالمَعْنى.
ورُوِيَتْ تَفاسِيرُ في: ما لا تَعْلَمُونَ، في الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والشَّعْبِيِّ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها. ويُقالُ: لَمّا ذَكَرَ الحَيَوانَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا ضَرُورِيًّا وغَيْرَ ضَرُورِيٍّ، أعْقَبَ بِذَكَرِ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ غالِبًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، إذْ تَفاصِيلُهُ خارِجَةٌ عَنِ الإحْصاءِ والعَدِّ، والقَصْدُ مَصْدَرٌ: يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، والسَّبِيلُ هُنا مُفْرَدُ اللَّفْظِ. فَقِيلَ: مُفْرَدُ المَدْلُولِ، والـ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي سَبِيلُ الشَّرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، إذْ لَوْ كانَتْ لَهُ لَمْ يَكُنْ مِنها جائِرٌ. والمَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ طَرِيقِ الهُدى، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ مِن سَلَكَ الطَّرِيقَ القاصِدَ فَعَلى اللَّهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ. وعَلى أنَّ الـ لِلْعَهْدِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾، عائِدٌ عَلى السَّبِيلِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ مُقابِلَها يَدُلُّ عَلَيْها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ مِنها عَلى سَبِيلِ الشَّرْعِ، وتَكُونُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: فِرَقُ الضَّلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ومِن بُنَيّاتِ الطُّرُقِ في هَذِهِ السَّبِيلِ، ومِن شُعَبِها. وقِيلَ: الـ في السَّبِيلِ: لِلْجِنْسِ، وانْقَسَمَتْ إلى مَصْدَرٍ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، وإلى جائِرٍ وهو طَرِيقُ الباطِلِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ كَما قالَ:
؎يَجُورُ بِها المَلّاحُ طَوْرًا ويَهْتَدِي
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ومِنَ الطَّرِيقَةِ جائِرٌ وهُدى ∗∗∗ قَصْدِ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ
قَسَّمَ الطَّرِيقَةَ: إلى جائِرٍ، وإلى هُدًى، وإلى ذِي دَخَلٍ، وهو الفَسادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ هِدايَةَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ (قُلْتُ): لِيُعْلَمَ بِما يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وما لا يَجُوزُ، ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُ المُجَبِّرَةُ لَقِيلَ: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وعَلَيْهِ جائِرُها، أوْ وعَلَيْهِ الجائِرُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ومِنكم جائِرٌ، يَعْنِي ومِنكم جائِرٌ عَنِ القَصْدِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واللَّهُ بَرِئٌ مِنهُ.
﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾، قَسْرًا والجاءً؛ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ومِنها) يَعُودُ عَلى الخَلائِقِ؛ أيْ: ومِنَ الخَلائِقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عِيسى: ومِنكم جائِرٌ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقِراءَةُ عَلِيٍّ: فَمِنكم جائِرٌ، بِالفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. ولَهَداكم: لَخَلَقَ فِيكُمُ الهِدايَةَ، فَلَمْ يَضِلَّ أحَدٌ مِنكم، وهي مَشِيئَةُ الِاخْتِيارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَفَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الِاهْتِداءِ والإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ، لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَّجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللَّهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ انْتَهى. ولَمْ يَعْرِفِ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الزَّجّاجَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ تَأوَّلَ أنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْهُ، وأنَّهُ وقَعَ فِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الثَّوابِ، أوْ إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْ شاءَ لَمَحَضَ قَصْدِ السَّبِيلِ دُونَ الجائِرِ. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (لَهَداكم)، أيْ: ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم.
النحل 16:4
سُورَةُ النَّحْلِ مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣] ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] النُّطْفَةُ: القَطْرَةُ مِنَ الماءِ، نَطَفَ رَأْسُهُ ماءً أيْ: قَطَرَ. الدِّفْءُ: اسْمٌ لِما يُدَّفَأُ بِهِ، أيْ: يُسَخَّنُ. وتَقُولُ العَرَبُ: دَفِئَ يَوْمُنا فَهو دَفِيءٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ سُخُونَةٌ تُزِيلُ البَرْدَ، ودَفِئَ الرَّجُلُ دِفاءً ودَفَأً، وجَمْعُ الدِّفْءِ: أدَفاءٌ. ورَجُلٌ دَفْآنُ وامْرَأةٌ دَفْأى، والدَّفِئَةُ: الإبِلُ الكَثِيرَةُ الأوْبارِ، لِإدْفاءِ بَعْضِها بَعْضًا بِأنْفاسِها. وقَدْ تُشَدَّدُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ، الدَّفِئَةُ: الكَثِيرَةُ الأوْبارِ والشُّحُومِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الدِّفْءُ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها، وما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنها. البَغْلُ: مَعْرُوفٌ، ولِعَمْرِو بْنِ بَحْرٍ الجاحِظِ كِتابُ البِغالِ. الحِمارُ: مُعَيْرُوفٌ، يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْمُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى (p-٤٧٢)حُمُرٍ، وهو القِياسُ وعَلى حَمِيرٍ. الطَّرِيُّ: فَعِيلٌ مِن طَرَّ ويُطِرُ، وطَراوَةً مِثْلُ سَرَّ ويُسِرُّ سَراوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: طَرِيَ يَطْرِي طِراءً وطَراوَةً مِثْلُ: شَقِيَ، يَشْقى، شَقاءً، وشَقاوَةً. المَخْرُ: شَقُّ الماءِ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ. وقالَ الفَرّاءُ: صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ إذا اشْتَدَّتْ، وقَدْ يَكُونُ مِنَ السَّفِينَةِ ونَحْوِها. مادَ: تَحَرَّكَ ودارَ. السَّقْفُ: مَعْرُوفٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى سُقُوفٍ، وهو القِياسُ، وعَلى سُقُفٍ وسَقَفٍ، وفُعُلٌ وفَعَلٌ مَحْفُوظانِ في فَعْلٍ، ولَيْسا مَقِيسَيْنِ فِيهِ.
* *
(﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾: قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ حَمْزَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقِيلَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وقَتْلى أُحُدٍ، وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّك لِلَّذِينِ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] وقِيلَ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ( يُشْرِكُونَ) مَدَنِيٌّ وما سِواهُ مَكِّيٌّ. وعَنْ قَتادَةَ عَكْسُ هَذا.
ووَجْهُ ارْتِباطِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وسُؤالِهِمْ عَمّا أجْرَمُوهُ في دارِ الدُّنْيا، فَقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ بِالأمْرِ: نَصْرُ رَسُولِ اللَّهِ، وظُهُورُهُ عَلى الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما وُعِدُوا مِن قِيامِ السّاعَةِ، أوْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ؛ انْتَهى. وهَذا الثّانِي قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: الأمْرُ هُنا ما وعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّصْرِ وظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ ونَهْبِ الأمْوالِ، والِاسْتِيلاءِ عَلى مَنازِلِهِمْ ودِيارِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: الأمْرُ هُنا مَصْدَرُ أمَرَ، والمُرادُ بِهِ: فَرائِضُهُ وأحْكامُهُ. قِيلَ: وهَذا فِيهِ بَعْدُ، لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ اسْتَعْجَلَ فَرائِضَ مِن قَبْلِ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا: الأمْرُ عِقابُ اللَّهِ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، واسْتِعْجالُ العَذابِ مَنقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ. وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَّجّاجِ: هو ما وعَدَهم بِهِ مِنَ المُجازاةِ عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأمْرُ بَعْضُ أشْراطِ السّاعَةِ. وأتى: قِيلَ: باقٍ عَلى مَعْناهُ مِنَ المُضِيِّ، والمَعْنى: أتى أمْرُ اللَّهِ وعْدًا فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وُقُوعًا. وقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، أتَتْ مَبادِئُهُ وأماراتُهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَسْتَعْجِلُوهُ، بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ خِطابٌ لِلْكُفّارِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. وقالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالياءِ نَهْيًا لِلْكُفّارِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ عَلى الأمْرِ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: فَلا تَسْتَعْجِلُوا اللَّهَ بِالعَذابِ، أوْ بِإتْيانِ يَوْمِ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ والأعْرَجُ وأبُوهُ جَعْفَرٌ، وابْنُ وضّاحٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ. وقَرَأ عِيسى: الأُولى بِالتّاءِ، مِن فَوْقُ، والثّانِيَةُ بِالياءِ والتّاءِ مِن فَوْقُ مَعًا؛ الأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (p-٤٧٣)الَّذِي ومَصْدَرِيَّةً. وأفْضَلُ قِراءَتِهِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِاسْتِعْجالِهِمْ، لِأنَّ اسْتِعْجالَهُمُ اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ، وذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُنْزِلُ، مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ، مُشَدَّدًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ: تُنَزَّلُ، مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، المَلائِكَةُ، بِالرَّفْعِ. والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ. والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْرَجُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ: بِفَتْحِ التّاءِ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما نُنَزِّلُ، بِنُونِ العَظَمَةِ والتَّشْدِيدِ، وقَتادَةُ بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيهِما شُذُوذٌ كَثِيرٌ؛ انْتَهى. وشُذُوذُهُما أنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ التِفاتٌ، والمَلائِكَةُ هَنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ المَلائِكَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّوحُ: الوَحْيُ تَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ عَلى الأنْبِياءِ، ونَظِيرُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو القُرْآنُ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالرُّوحِ أرْواحُ الخَلْقِ، لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُّوحُ: الرَّحْمَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ - ما مَعْناهُ - الرُّوحُ: الهِدايَةُ، لِأنَّها تَحْيا بِها القُلُوبُ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ. وقِيلَ: الرُّوحُ: جِبْرِيلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالرُّوحِ. وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: الرُّوحُ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ، كَما المَلائِكَةُ حَفَظَةٌ عَلَيْنا لا تَراهم. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرُّوحُ اسْمُ مَلَكٍ، ومِنهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرُّوحَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَصُوَرِ ابْنِ آدَمَ، لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهم، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ، بِما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيِّتَةُ بِالجَهْلِ، مِن وحْيِهِ أوْ بِما يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ؛ انْتَهى. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ. ومَن يَشاءُ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْ): مَصْدَرِيَّةٌ، وهي الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، وُصِلَتْ بِالأمْرِ كَما وُصِلَتْ في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، وهو بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ. أوْ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ: بِأنْ أنْذِرُوا، فَيَجْرِي الخِلافُ فِيهِ: أهُوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ؟ أوْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وأنْ أنْذِرُوا) بَدَلًا مِنَ الرُّوحِ، أيْ: نُنَزِّلُهم بِأنْ أنْذِرُوا، وتَقْدِيرُهُ: أنْذِرُوا؛ أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا. أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا؛ انْتَهى. فَجَعَلَها المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأضْمَرَ اسْمَها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وقَدَّرَ إضْمارَ القَوْلِ: حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وهي أقُولُ، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ مَعَ سُهُولَةِ كَوْنِها الشّانِيَّةَ الَّتِي مِن شَأْنِها نَصْبُ المُضارِعِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وصاحِبُ الغُنْيانِ: أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ لِما في التَّنَزُّلِ بِالوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أيْ: أعْلِمُوا النّاسَ، مِن نَذَرْتُ بِكَذا إذا أعْلَمْتُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا النّاسَ قَوْلِي لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ؛ انْتَهى. لَمّا جَعَلَ أنْ هي الَّتِي حُذِفَ مِنها ضَمِيرُ (p-٤٧٤)الشَّأْنِ قَدَّرَ هَذا التَّقْدِيرَ وهو يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا. وقُرِئَ: لِيُنْذِرُوا أنَّهُ، وحَسُنَتِ النِّذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِأُلُوهِيَّتِهِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، ووَعِيدٌ وتَحْذِيرٌ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. ومَعْنى: فاتَّقُونِ؛ أيِ: اتَّقُوا عِقابِي بِاتِّخاذِكم إلَهًا غَيْرِي. وجاءَتِ الحِكايَةُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: إلّا أنا، ولَوْ جاءَتْ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكِلاهُما سائِغٌ. وحِكايَةُ المَعْنى هُنا أبْلَغُ إذْ فِيها نِسْبَةُ الحُكْمِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنَزِّلُ المَلائِكَةَ، ثُمَّ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو بِما ذَكَرَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُها. وبِالحَقِّ، أيْ: بِالواجِبِ اللّائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ تُحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ، وهي: الحَياةُ، والعِلْمُ، والقُدْرَةُ، والإرادَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا يَحِقُّ لَها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: (فَتَعالى) بِزِيادَةِ فاءٍ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُنَبِّهَةً عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مُوجِدِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ عَنْ أنْ يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ العالَمِ العُلْوِيِّ والأرْضِ، وهو اسْتِدْلالٌ بِالخارِجِ، ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ مِن نَفْسِ الإنْسانِ، فَذَكَرَ إنْشاءَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ، وكانَ حَقُّهُ والواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَ ويَنْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ. والخَصِيمُ: مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ، مِن خَصَمَ، بِمَعْنى اخْتَصَمَ، أوْ بِمَعْنى: مُخاصِمٍ، كالخَلِيطِ والجَلِيسِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ أوِ المُظْهِرُها. والظّاهِرُ أنَّ سِياقَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ سِياقُ ذَمٍّ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ الآيَةَ. ولِتَكْرِيرِ ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، ولِقَوْلِهِ في يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] الآيَةَ، وقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وعَنى بِهِ مُخاصَمَتَهم لِأنْبِياءِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ بِالحُجَجِ الدّاحِضَةِ، وأكْثَرُ ما ذُكِرَ الإنْسانُ في القُرْآنِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، أوْ مُرْدَفًا بِالذَّمِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ. وقالَ قَوْمٌ: سِياقُ الوَصْفَيْنِ سِياقُ المَدْحِ، لِأنَّهُ تَعالى قَوّاهُ عَلى مُنازَعَةِ الخُصُومِ، وجَعَلَهُ مُبَيِّنَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، ونَقَلَهُ مِن تِلْكَ الحالَةِ الجَمادِيَّةِ؛ وهو كَوْنُهُ نُطْفَةً إلى الحالَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وهي: حالَةُ النُّطْقِ والإبانَةِ. و(إذْ) هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ مِنَ النُّطْفَةِ لَمْ تَقَعِ المُفاجَأةُ بِالمُخاطَبَةِ إلّا بَعْدَ أحْوالٍ تَطَوَّرَ فِيها، فَتِلْكَ الأحْوالُ مَحْذُوفَةٌ، وتَقَعُ المُفاجَأةُ بَعْدَها.
* *
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الإنْسانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الإنْسانَ وأنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ في كَلامٍ كَثِيرٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الأفْلاكَ والكَواكِبَ أشْرَفُ مِنَ الإنْسانِ. ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ في قِوامِ مَعِيشَتِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا أكْثَرَها مَنافِعَ، وألْزَمَ لِمَن أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ وذَلِكَ الأنْعامُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأنْعامِ في الأنْعامِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لَكم فِيها دِفْءٌ اسْتِئْنافٌ لِذَكَرِ ما يُنْتَفَعُ بِها مِن جِهَتِها، ودِفْءٌ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (لَكم)، ويَتَعَلَّقُ فِيها بِما في (لَكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ فِيها حالًا مِن دِفْءٍ، إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (لَكم) حالًا مِن دِفْءٍ وفِيها الخَبَرُ، وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنًى فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها، لا يَجُوزُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، فَإنْ تَأخَّرَتِ الحالُ عَنِ الجُمْلَةِ جازَتْ بِلا خِلافٍ، أوْ تَوَسَّطَتْ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، ومَنَعَهُ الجُمْهُورُ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (دِفْءٌ) بِـ (لَكم) أوْ نَعْتَها بِـ (الـ)، والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ انْتَهى. ولا تُسَمّى جُمْلَةً، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ، أوْ خَلَقها لَكم كائِنًا فِيها دِفْءٌ، وهَذا مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (لَكم) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَها، وفِيها دِفْءٌ، اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ مَنافِعِ الأنْعامِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِئْنافُ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾، فَقابَلَ المَنفَعَةَ الضَّرُورِيَّةَ بِالمَنفَعَةِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ. (p-٤٧٥)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَكَرُهُ الأُمَوِيُّ عَنْ لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (والأنْعامَ) عَلى الِاشْتِغالِ، وحَسَّنَ النَّصْبَ كَوْنُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ تَقَدَّمَتْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَتُهُ في الشّاذِّ بِرَفْعِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى البَيانِ، وعَلى هَذا كَوْنُ (لَكم) اسْتِئْنافٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَها. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: دِفٌّ؛ بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها، ووَجْهُهُ أنَّهُ نَقَلَ الحَرَكَةَ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ بَعْدَ حَذْفِها، ثُمَّ شَدَّدَ الفاءَ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، إذْ يَجُوزُ تَشْدِيدُها في الوَقْفِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: دِفٌ، بِنَقْلِ الحَرَكَةِ، وحَذْفِ الهَمْزَةِ دُونَ تَشْدِيدِ الفاءِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الزُّهْرِيُّ دُفٌّ بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والفاءُ مُحَرَّكَةٌ بِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ. ومِنهم مَن يُعَوِّضُ مِن هَذِهِ الهَمْزَةِ فَيُشَدِّدُ الفاءَ، وهو أحَدُ وجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ وقْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ومَنافِعُ الرُّكُوبِ؛ الحَمْلُ، والألْبانُ، والسَّمْنُ، والنَّضْحُ عَلَيْها، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأفْرَدَ مَنفَعَةَ الأكْلِ بِالذِّكْرِ، كَما أفْرَدَ مَنفَعَةَ الدِّفْءِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَنافِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): تَقَدُّمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ومِنها تَأْكُلُونَ، مُؤْذِنٌ، بِالِاخْتِصاصِ وقَدْ يُؤْكَلُ مِن غَيْرِها (قُلْتُ): الأكْلُ مِنها هو الأصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ النّاسُ في مَعائِشِهِمْ، وأمّا الأكْلُ مِن غَيْرِها مِنَ الدَّجاجِ والبَطِّ وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ فَكَغَيْرِ المُعْتَدِّ بِهِ، وكالجارِي مَجْرى التَّفَكُّهِ. وما قالَهُ مِنهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ أوِ المَفْعُولِ دالٌّ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِكَ: إذا أكَلْتَ مِنَ الرَّغِيفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّ طُعْمَتَكم مِنها لِأنَّكم تَحْرُثُونَ بِالبَقْرِ، والحَبُّ والثِّمارِ الَّتِي تَأْكُلُونَها مِنها، وتَكْتَسِبُونَ بِإكْراءِ الإبِلِ، وتَبِيعُونَ نِتاجَها وألْبانَها وجُلُودَها؛ انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّبْعِيضُ مَجازًا، أوْ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِ. الجَمالُ: مَصْدَرُ جَمُلَ بِضَمِّ المِيمِ، والرَّجُلُ جَمِيلٌ، والمَرْأةُ جَمِيلَةٌ وجَمْلاءُ؛ عَنِ الكِسائِيِّ وأنْشَدَ:
؎فَهِيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ بَزَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ
ويُطْلَقُ الجَمالُ ويُرادُ بِهِ التَّجَمُّلُ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى إسْقاطِ الزَّوائِدِ. والجَمالُ يَكُونُ في الصُّورَةِ بِحُسْنِ التَّرْكِيبِ يُدْرِكُهُ البَصَرُ، ويُلْقِيهِ في ألْقابٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ. وفي الأخْلاقِ بِاشْتِمالِها عَلى الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ: كالعِلْمِ، والعِفَّةِ، والحِلْمِ، وفي الأفْعالِ: بِوُجُودِها مُلائِمَةً لِمَصالِحِ الخَلْقِ، وجَلْبِ المَنفَعَةِ إلَيْهِمْ، وصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهم. والجَمالُ الَّذِي لَنا في الأنْعامِ هو خارِجٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنا فِيها جَمالٌ وعَظَمَةٌ عِنْدَ النّاسِ بِاقْتِنائِها ودَلالَتِها عَلى سَعادَةِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وكَوْنِهِ فِيها مِن أهْلِ السِّعَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى بِالتَّجَمُّلِ بِها، كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ الضَّرُورِيِّ، لِأنَّ التَّجَمُّلَ بِها مِن أغْراضِ أصْحابِ المَواشِي ومَفاخِرِ أهْلِها، والعَرَبُ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ نَرى أمْسَ فِيهِمْ ∗∗∗ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدَّثْرِ
؎أحَبُّ إلَيْنا مِن أُناسٍ بِقَنَّةٍ ∗∗∗ يَرُوحُ عَلى آثارِ شائِهِمُ النَّمِرُ
. والعَكَرَةُ مِنَ الإبِلِ ما بَيْنَ السِتِّينَ إلى السَّبْعِينَ، والجَمْعُ عَكَرٌ. والدَّثْرُ: الكَثِيرُ، ويُقالُ: أراحَ الماشِيَةَ: رَدَّها بِالعَشِيِّ مِنَ المَرْعى، وسَرَحَها يَسْرَحُها سَرْحًا وسُرُوحًا أخْرَجَها غُدْوَةً إلى المَرْعى، وسَرَحَتْ هي يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ أيّامَ الرَّبِيعِ إذا سَقَطَ الغَيْثُ وكَبُرَ الكَلَأُ وخَرَجُوا (p-٤٧٦)لِلنُّجْعَةِ. وقَدَّمَ الإراحَةَ عَلى السَّرْحِ لِأنَّ الجَمالَ فِيها أظْهَرُ إذا أقْبَلَتْ مَلْأى البُطُونِ، حافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى الحَظائِرِ، بِخِلافِ وقْتِ سَرْحِها، وإنْ كانَتْ في الوَقْتَيْنِ تُزَيِّنُ الأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها الرُّغاءُ والثُّغاءُ، فَيَأْتَنِسُ أهْلُها، وتَفْرَحُ أرْبابُها وتُجِلُّهم في أعْيُنِ النّاظِرِينَ إلَيْها، وتُكْسِبُهُمُ الجاهَ والحُرْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ: (حِينًا) فِيهِما بِالتَّنْوِينِ، وفَكِّ الإضافَةِ. وجَعَلُوا الجُمْلَتَيْنِ صِفَتَيْنِ حُذِفَ مِنهُما العائِدُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] ويَكُونُ العامِلُ في حِينًا عَلى هَذا، إمّا المُبْتَدَأُ لِأنَّهُ في مَعْنى التَّجَمُّلِ، وإمّا خَبَرُهُ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. والأثْقالُ: الأمْتِعَةُ، واحِدُها ثِقَلٌ. وقِيلَ: الأجْسامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] أيْ أجْسادَ بَنِي آدَمَ. وقَوْلُهُ: إلى بَلَدٍ، لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، أيْ: إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ تَوَجَّهْتُمْ إلَيْهِ لِأغْراضِكم. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ وهو مَكَّةُ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ. وقِيلَ: مِصْرُ. ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى المُرادِ، إذِ المِنَّةُ لا تَخْتَصُّ بِالحَمْلِ إلَيْها. ولَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ: صِفَةٌ لِلْبَلَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِها، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى بُعْدِ البَلَدِ، وأنَّهُ مَعَ الِاسْتِعانَةِ بِها بِحَمْلِ الأثْقالِ لا يَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِالمَشَقَّةِ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم دُونَها إلّا بِالمَشَقَّةِ عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِشِقِّ، بِكَسْرِ الشِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ: بِفَتْحِها. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وهُما مَصْدَرانِ مَعْناهُما المَشَقَّةُ. وقِيلَ: الشَّقُّ، بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ، ويَعْنِي بِهِ: المَشَقَّةَ. وقالَ الشّاعِرُ في الكَسْرِ:
؎وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسَبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَءُوبُ
أيْ مَشَقَّتِها. وشِقُّ الشَّيْءِ: نِصْفُهُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ الفَرّاءُ هُنا أيْ: يُذْهِبانِ نِصْفَ الأنْفُسِ، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا كَما تَقُولُ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ. ونَحْوِ هَذا مِنَ المَجازِ. ويُقالُ: أخَذْتُ شِقَّ الشّاةِ أيْ نِصْفَها، والشِّقُّ: الجانِبُ، والأخُ الشَّقِيقُ، وشَقٌّ: اسْمُ كاهِنٍ. وناسَبَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِن حَمْلِها الأثْقالَ الخَتْمُ بِصِفَةِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّ مِن رَأْفَتِهِ تَيْسِيرُ هَذِهِ المَصالِحِ وتَسْخِيرُ الأنْعامِ لَكم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مِنَنَهُ بِالأنْعامِ ومَنافِعَها الضَّرُورِيَّةِ، ذَكَرَ الِامْتِنانَ بِمَنافِعِ الحَيَوانِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَيْلَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى (والأنْعامَ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ. ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ أعْظَمَ مَنافِعِها اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِكُلِّ الخَيْلِ، خِلافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (وزِينَةً)، ولَمْ يَكُنْ بِاللّامِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الرُّكُوبِ بِوَساطَةِ الحَرْفِ، وكِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها، والرُّكُوبُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِ لَهم ذَلِكَ فانْتَفى شَرْطُ النَّصْبِ، وهو: اتِّحادُ الفاعِلِ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ. والزِّينَةُ مِن وصْفِ الخالِقِ، فاتَّحَدَ الفاعِلُ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وزِينَةً: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلْناها زِينَةً. ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِتَرْكَبُوها زِينَةً، بِغَيْرِ واوٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: والزِّينَةُ، مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في خَلَقَها، أوْ مِن لِتَرْكَبُوها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وخَلَقَها زِينَةً لِتَرْكَبُوها، أوْ يَجْعَلُ زِينَةً حالًا مِن هاءِ، وخَلَقَها لِتَرْكَبُوها وهي زِينَةٌ وجَمالٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والنَّصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في (تَرْكَبُوها) . والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ ذَواتِ ما يَخْلُقُ تَعالى، فَقالَ الجُمْهُورُ: المَعْنى ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الآدَمِيِّينَ والحَيَواناتِ والجَماداتِ الَّتِي خَلَقَها كُلَّها لِمَنافِعِكم، فَأخْبَرَنا بِأنَّ لَهُ مِنَ الخَلائِقِ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ، لِنَزْدادَ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ بِالإخْبارِ، وإنْ طَوى عَنّا عِلْمَهُ حِكْمَةً لَهُ في طَيِّهِ، وما خَلَقَ تَعالى مِنَ الحَيَوانِ (p-٤٧٧)وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: ما لا تَعْلَمُونَ أصْلَ حُدُوثِهِ كالسُّوسِ في النَّباتِ والدُّودِ في الفَواكِهِ. وقالَ ابْن بَحْرٍ: لا تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وزادَ بَعْدُ في الجَنَّةِ وفي النّارِ لِأهْلِها، والباقِي بِالمَعْنى.
ورُوِيَتْ تَفاسِيرُ في: ما لا تَعْلَمُونَ، في الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والشَّعْبِيِّ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها. ويُقالُ: لَمّا ذَكَرَ الحَيَوانَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا ضَرُورِيًّا وغَيْرَ ضَرُورِيٍّ، أعْقَبَ بِذَكَرِ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ غالِبًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، إذْ تَفاصِيلُهُ خارِجَةٌ عَنِ الإحْصاءِ والعَدِّ، والقَصْدُ مَصْدَرٌ: يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، والسَّبِيلُ هُنا مُفْرَدُ اللَّفْظِ. فَقِيلَ: مُفْرَدُ المَدْلُولِ، والـ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي سَبِيلُ الشَّرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، إذْ لَوْ كانَتْ لَهُ لَمْ يَكُنْ مِنها جائِرٌ. والمَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ طَرِيقِ الهُدى، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ مِن سَلَكَ الطَّرِيقَ القاصِدَ فَعَلى اللَّهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ. وعَلى أنَّ الـ لِلْعَهْدِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾، عائِدٌ عَلى السَّبِيلِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ مُقابِلَها يَدُلُّ عَلَيْها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ مِنها عَلى سَبِيلِ الشَّرْعِ، وتَكُونُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: فِرَقُ الضَّلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ومِن بُنَيّاتِ الطُّرُقِ في هَذِهِ السَّبِيلِ، ومِن شُعَبِها. وقِيلَ: الـ في السَّبِيلِ: لِلْجِنْسِ، وانْقَسَمَتْ إلى مَصْدَرٍ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، وإلى جائِرٍ وهو طَرِيقُ الباطِلِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ كَما قالَ:
؎يَجُورُ بِها المَلّاحُ طَوْرًا ويَهْتَدِي
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ومِنَ الطَّرِيقَةِ جائِرٌ وهُدى ∗∗∗ قَصْدِ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ
قَسَّمَ الطَّرِيقَةَ: إلى جائِرٍ، وإلى هُدًى، وإلى ذِي دَخَلٍ، وهو الفَسادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ هِدايَةَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ (قُلْتُ): لِيُعْلَمَ بِما يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وما لا يَجُوزُ، ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُ المُجَبِّرَةُ لَقِيلَ: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وعَلَيْهِ جائِرُها، أوْ وعَلَيْهِ الجائِرُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ومِنكم جائِرٌ، يَعْنِي ومِنكم جائِرٌ عَنِ القَصْدِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واللَّهُ بَرِئٌ مِنهُ.
﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾، قَسْرًا والجاءً؛ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ومِنها) يَعُودُ عَلى الخَلائِقِ؛ أيْ: ومِنَ الخَلائِقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عِيسى: ومِنكم جائِرٌ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقِراءَةُ عَلِيٍّ: فَمِنكم جائِرٌ، بِالفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. ولَهَداكم: لَخَلَقَ فِيكُمُ الهِدايَةَ، فَلَمْ يَضِلَّ أحَدٌ مِنكم، وهي مَشِيئَةُ الِاخْتِيارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَفَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الِاهْتِداءِ والإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ، لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَّجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللَّهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ انْتَهى. ولَمْ يَعْرِفِ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الزَّجّاجَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ تَأوَّلَ أنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْهُ، وأنَّهُ وقَعَ فِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الثَّوابِ، أوْ إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْ شاءَ لَمَحَضَ قَصْدِ السَّبِيلِ دُونَ الجائِرِ. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (لَهَداكم)، أيْ: ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم.
النحل 16:5
سُورَةُ النَّحْلِ مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣] ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] النُّطْفَةُ: القَطْرَةُ مِنَ الماءِ، نَطَفَ رَأْسُهُ ماءً أيْ: قَطَرَ. الدِّفْءُ: اسْمٌ لِما يُدَّفَأُ بِهِ، أيْ: يُسَخَّنُ. وتَقُولُ العَرَبُ: دَفِئَ يَوْمُنا فَهو دَفِيءٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ سُخُونَةٌ تُزِيلُ البَرْدَ، ودَفِئَ الرَّجُلُ دِفاءً ودَفَأً، وجَمْعُ الدِّفْءِ: أدَفاءٌ. ورَجُلٌ دَفْآنُ وامْرَأةٌ دَفْأى، والدَّفِئَةُ: الإبِلُ الكَثِيرَةُ الأوْبارِ، لِإدْفاءِ بَعْضِها بَعْضًا بِأنْفاسِها. وقَدْ تُشَدَّدُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ، الدَّفِئَةُ: الكَثِيرَةُ الأوْبارِ والشُّحُومِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الدِّفْءُ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها، وما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنها. البَغْلُ: مَعْرُوفٌ، ولِعَمْرِو بْنِ بَحْرٍ الجاحِظِ كِتابُ البِغالِ. الحِمارُ: مُعَيْرُوفٌ، يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْمُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى (p-٤٧٢)حُمُرٍ، وهو القِياسُ وعَلى حَمِيرٍ. الطَّرِيُّ: فَعِيلٌ مِن طَرَّ ويُطِرُ، وطَراوَةً مِثْلُ سَرَّ ويُسِرُّ سَراوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: طَرِيَ يَطْرِي طِراءً وطَراوَةً مِثْلُ: شَقِيَ، يَشْقى، شَقاءً، وشَقاوَةً. المَخْرُ: شَقُّ الماءِ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ. وقالَ الفَرّاءُ: صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ إذا اشْتَدَّتْ، وقَدْ يَكُونُ مِنَ السَّفِينَةِ ونَحْوِها. مادَ: تَحَرَّكَ ودارَ. السَّقْفُ: مَعْرُوفٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى سُقُوفٍ، وهو القِياسُ، وعَلى سُقُفٍ وسَقَفٍ، وفُعُلٌ وفَعَلٌ مَحْفُوظانِ في فَعْلٍ، ولَيْسا مَقِيسَيْنِ فِيهِ.
* *
(﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾: قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ حَمْزَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقِيلَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وقَتْلى أُحُدٍ، وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّك لِلَّذِينِ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] وقِيلَ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ( يُشْرِكُونَ) مَدَنِيٌّ وما سِواهُ مَكِّيٌّ. وعَنْ قَتادَةَ عَكْسُ هَذا.
ووَجْهُ ارْتِباطِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وسُؤالِهِمْ عَمّا أجْرَمُوهُ في دارِ الدُّنْيا، فَقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ بِالأمْرِ: نَصْرُ رَسُولِ اللَّهِ، وظُهُورُهُ عَلى الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما وُعِدُوا مِن قِيامِ السّاعَةِ، أوْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ؛ انْتَهى. وهَذا الثّانِي قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: الأمْرُ هُنا ما وعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّصْرِ وظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ ونَهْبِ الأمْوالِ، والِاسْتِيلاءِ عَلى مَنازِلِهِمْ ودِيارِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: الأمْرُ هُنا مَصْدَرُ أمَرَ، والمُرادُ بِهِ: فَرائِضُهُ وأحْكامُهُ. قِيلَ: وهَذا فِيهِ بَعْدُ، لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ اسْتَعْجَلَ فَرائِضَ مِن قَبْلِ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا: الأمْرُ عِقابُ اللَّهِ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، واسْتِعْجالُ العَذابِ مَنقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ. وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَّجّاجِ: هو ما وعَدَهم بِهِ مِنَ المُجازاةِ عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأمْرُ بَعْضُ أشْراطِ السّاعَةِ. وأتى: قِيلَ: باقٍ عَلى مَعْناهُ مِنَ المُضِيِّ، والمَعْنى: أتى أمْرُ اللَّهِ وعْدًا فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وُقُوعًا. وقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، أتَتْ مَبادِئُهُ وأماراتُهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَسْتَعْجِلُوهُ، بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ خِطابٌ لِلْكُفّارِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. وقالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالياءِ نَهْيًا لِلْكُفّارِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ عَلى الأمْرِ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: فَلا تَسْتَعْجِلُوا اللَّهَ بِالعَذابِ، أوْ بِإتْيانِ يَوْمِ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ والأعْرَجُ وأبُوهُ جَعْفَرٌ، وابْنُ وضّاحٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ. وقَرَأ عِيسى: الأُولى بِالتّاءِ، مِن فَوْقُ، والثّانِيَةُ بِالياءِ والتّاءِ مِن فَوْقُ مَعًا؛ الأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (p-٤٧٣)الَّذِي ومَصْدَرِيَّةً. وأفْضَلُ قِراءَتِهِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِاسْتِعْجالِهِمْ، لِأنَّ اسْتِعْجالَهُمُ اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ، وذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُنْزِلُ، مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ، مُشَدَّدًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ: تُنَزَّلُ، مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، المَلائِكَةُ، بِالرَّفْعِ. والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ. والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْرَجُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ: بِفَتْحِ التّاءِ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما نُنَزِّلُ، بِنُونِ العَظَمَةِ والتَّشْدِيدِ، وقَتادَةُ بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيهِما شُذُوذٌ كَثِيرٌ؛ انْتَهى. وشُذُوذُهُما أنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ التِفاتٌ، والمَلائِكَةُ هَنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ المَلائِكَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّوحُ: الوَحْيُ تَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ عَلى الأنْبِياءِ، ونَظِيرُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو القُرْآنُ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالرُّوحِ أرْواحُ الخَلْقِ، لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُّوحُ: الرَّحْمَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ - ما مَعْناهُ - الرُّوحُ: الهِدايَةُ، لِأنَّها تَحْيا بِها القُلُوبُ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ. وقِيلَ: الرُّوحُ: جِبْرِيلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالرُّوحِ. وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: الرُّوحُ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ، كَما المَلائِكَةُ حَفَظَةٌ عَلَيْنا لا تَراهم. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرُّوحُ اسْمُ مَلَكٍ، ومِنهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرُّوحَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَصُوَرِ ابْنِ آدَمَ، لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهم، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ، بِما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيِّتَةُ بِالجَهْلِ، مِن وحْيِهِ أوْ بِما يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ؛ انْتَهى. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ. ومَن يَشاءُ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْ): مَصْدَرِيَّةٌ، وهي الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، وُصِلَتْ بِالأمْرِ كَما وُصِلَتْ في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، وهو بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ. أوْ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ: بِأنْ أنْذِرُوا، فَيَجْرِي الخِلافُ فِيهِ: أهُوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ؟ أوْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وأنْ أنْذِرُوا) بَدَلًا مِنَ الرُّوحِ، أيْ: نُنَزِّلُهم بِأنْ أنْذِرُوا، وتَقْدِيرُهُ: أنْذِرُوا؛ أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا. أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا؛ انْتَهى. فَجَعَلَها المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأضْمَرَ اسْمَها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وقَدَّرَ إضْمارَ القَوْلِ: حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وهي أقُولُ، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ مَعَ سُهُولَةِ كَوْنِها الشّانِيَّةَ الَّتِي مِن شَأْنِها نَصْبُ المُضارِعِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وصاحِبُ الغُنْيانِ: أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ لِما في التَّنَزُّلِ بِالوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أيْ: أعْلِمُوا النّاسَ، مِن نَذَرْتُ بِكَذا إذا أعْلَمْتُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا النّاسَ قَوْلِي لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ؛ انْتَهى. لَمّا جَعَلَ أنْ هي الَّتِي حُذِفَ مِنها ضَمِيرُ (p-٤٧٤)الشَّأْنِ قَدَّرَ هَذا التَّقْدِيرَ وهو يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا. وقُرِئَ: لِيُنْذِرُوا أنَّهُ، وحَسُنَتِ النِّذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِأُلُوهِيَّتِهِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، ووَعِيدٌ وتَحْذِيرٌ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. ومَعْنى: فاتَّقُونِ؛ أيِ: اتَّقُوا عِقابِي بِاتِّخاذِكم إلَهًا غَيْرِي. وجاءَتِ الحِكايَةُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: إلّا أنا، ولَوْ جاءَتْ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكِلاهُما سائِغٌ. وحِكايَةُ المَعْنى هُنا أبْلَغُ إذْ فِيها نِسْبَةُ الحُكْمِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنَزِّلُ المَلائِكَةَ، ثُمَّ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو بِما ذَكَرَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُها. وبِالحَقِّ، أيْ: بِالواجِبِ اللّائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ تُحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ، وهي: الحَياةُ، والعِلْمُ، والقُدْرَةُ، والإرادَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا يَحِقُّ لَها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: (فَتَعالى) بِزِيادَةِ فاءٍ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُنَبِّهَةً عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مُوجِدِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ عَنْ أنْ يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ العالَمِ العُلْوِيِّ والأرْضِ، وهو اسْتِدْلالٌ بِالخارِجِ، ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ مِن نَفْسِ الإنْسانِ، فَذَكَرَ إنْشاءَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ، وكانَ حَقُّهُ والواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَ ويَنْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ. والخَصِيمُ: مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ، مِن خَصَمَ، بِمَعْنى اخْتَصَمَ، أوْ بِمَعْنى: مُخاصِمٍ، كالخَلِيطِ والجَلِيسِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ أوِ المُظْهِرُها. والظّاهِرُ أنَّ سِياقَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ سِياقُ ذَمٍّ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ الآيَةَ. ولِتَكْرِيرِ ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، ولِقَوْلِهِ في يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] الآيَةَ، وقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وعَنى بِهِ مُخاصَمَتَهم لِأنْبِياءِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ بِالحُجَجِ الدّاحِضَةِ، وأكْثَرُ ما ذُكِرَ الإنْسانُ في القُرْآنِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، أوْ مُرْدَفًا بِالذَّمِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ. وقالَ قَوْمٌ: سِياقُ الوَصْفَيْنِ سِياقُ المَدْحِ، لِأنَّهُ تَعالى قَوّاهُ عَلى مُنازَعَةِ الخُصُومِ، وجَعَلَهُ مُبَيِّنَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، ونَقَلَهُ مِن تِلْكَ الحالَةِ الجَمادِيَّةِ؛ وهو كَوْنُهُ نُطْفَةً إلى الحالَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وهي: حالَةُ النُّطْقِ والإبانَةِ. و(إذْ) هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ مِنَ النُّطْفَةِ لَمْ تَقَعِ المُفاجَأةُ بِالمُخاطَبَةِ إلّا بَعْدَ أحْوالٍ تَطَوَّرَ فِيها، فَتِلْكَ الأحْوالُ مَحْذُوفَةٌ، وتَقَعُ المُفاجَأةُ بَعْدَها.
* *
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الإنْسانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الإنْسانَ وأنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ في كَلامٍ كَثِيرٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الأفْلاكَ والكَواكِبَ أشْرَفُ مِنَ الإنْسانِ. ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ في قِوامِ مَعِيشَتِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا أكْثَرَها مَنافِعَ، وألْزَمَ لِمَن أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ وذَلِكَ الأنْعامُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأنْعامِ في الأنْعامِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لَكم فِيها دِفْءٌ اسْتِئْنافٌ لِذَكَرِ ما يُنْتَفَعُ بِها مِن جِهَتِها، ودِفْءٌ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (لَكم)، ويَتَعَلَّقُ فِيها بِما في (لَكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ فِيها حالًا مِن دِفْءٍ، إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (لَكم) حالًا مِن دِفْءٍ وفِيها الخَبَرُ، وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنًى فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها، لا يَجُوزُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، فَإنْ تَأخَّرَتِ الحالُ عَنِ الجُمْلَةِ جازَتْ بِلا خِلافٍ، أوْ تَوَسَّطَتْ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، ومَنَعَهُ الجُمْهُورُ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (دِفْءٌ) بِـ (لَكم) أوْ نَعْتَها بِـ (الـ)، والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ انْتَهى. ولا تُسَمّى جُمْلَةً، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ، أوْ خَلَقها لَكم كائِنًا فِيها دِفْءٌ، وهَذا مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (لَكم) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَها، وفِيها دِفْءٌ، اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ مَنافِعِ الأنْعامِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِئْنافُ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾، فَقابَلَ المَنفَعَةَ الضَّرُورِيَّةَ بِالمَنفَعَةِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ. (p-٤٧٥)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَكَرُهُ الأُمَوِيُّ عَنْ لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (والأنْعامَ) عَلى الِاشْتِغالِ، وحَسَّنَ النَّصْبَ كَوْنُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ تَقَدَّمَتْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَتُهُ في الشّاذِّ بِرَفْعِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى البَيانِ، وعَلى هَذا كَوْنُ (لَكم) اسْتِئْنافٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَها. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: دِفٌّ؛ بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها، ووَجْهُهُ أنَّهُ نَقَلَ الحَرَكَةَ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ بَعْدَ حَذْفِها، ثُمَّ شَدَّدَ الفاءَ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، إذْ يَجُوزُ تَشْدِيدُها في الوَقْفِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: دِفٌ، بِنَقْلِ الحَرَكَةِ، وحَذْفِ الهَمْزَةِ دُونَ تَشْدِيدِ الفاءِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الزُّهْرِيُّ دُفٌّ بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والفاءُ مُحَرَّكَةٌ بِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ. ومِنهم مَن يُعَوِّضُ مِن هَذِهِ الهَمْزَةِ فَيُشَدِّدُ الفاءَ، وهو أحَدُ وجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ وقْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ومَنافِعُ الرُّكُوبِ؛ الحَمْلُ، والألْبانُ، والسَّمْنُ، والنَّضْحُ عَلَيْها، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأفْرَدَ مَنفَعَةَ الأكْلِ بِالذِّكْرِ، كَما أفْرَدَ مَنفَعَةَ الدِّفْءِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَنافِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): تَقَدُّمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ومِنها تَأْكُلُونَ، مُؤْذِنٌ، بِالِاخْتِصاصِ وقَدْ يُؤْكَلُ مِن غَيْرِها (قُلْتُ): الأكْلُ مِنها هو الأصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ النّاسُ في مَعائِشِهِمْ، وأمّا الأكْلُ مِن غَيْرِها مِنَ الدَّجاجِ والبَطِّ وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ فَكَغَيْرِ المُعْتَدِّ بِهِ، وكالجارِي مَجْرى التَّفَكُّهِ. وما قالَهُ مِنهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ أوِ المَفْعُولِ دالٌّ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِكَ: إذا أكَلْتَ مِنَ الرَّغِيفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّ طُعْمَتَكم مِنها لِأنَّكم تَحْرُثُونَ بِالبَقْرِ، والحَبُّ والثِّمارِ الَّتِي تَأْكُلُونَها مِنها، وتَكْتَسِبُونَ بِإكْراءِ الإبِلِ، وتَبِيعُونَ نِتاجَها وألْبانَها وجُلُودَها؛ انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّبْعِيضُ مَجازًا، أوْ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِ. الجَمالُ: مَصْدَرُ جَمُلَ بِضَمِّ المِيمِ، والرَّجُلُ جَمِيلٌ، والمَرْأةُ جَمِيلَةٌ وجَمْلاءُ؛ عَنِ الكِسائِيِّ وأنْشَدَ:
؎فَهِيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ بَزَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ
ويُطْلَقُ الجَمالُ ويُرادُ بِهِ التَّجَمُّلُ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى إسْقاطِ الزَّوائِدِ. والجَمالُ يَكُونُ في الصُّورَةِ بِحُسْنِ التَّرْكِيبِ يُدْرِكُهُ البَصَرُ، ويُلْقِيهِ في ألْقابٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ. وفي الأخْلاقِ بِاشْتِمالِها عَلى الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ: كالعِلْمِ، والعِفَّةِ، والحِلْمِ، وفي الأفْعالِ: بِوُجُودِها مُلائِمَةً لِمَصالِحِ الخَلْقِ، وجَلْبِ المَنفَعَةِ إلَيْهِمْ، وصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهم. والجَمالُ الَّذِي لَنا في الأنْعامِ هو خارِجٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنا فِيها جَمالٌ وعَظَمَةٌ عِنْدَ النّاسِ بِاقْتِنائِها ودَلالَتِها عَلى سَعادَةِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وكَوْنِهِ فِيها مِن أهْلِ السِّعَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى بِالتَّجَمُّلِ بِها، كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ الضَّرُورِيِّ، لِأنَّ التَّجَمُّلَ بِها مِن أغْراضِ أصْحابِ المَواشِي ومَفاخِرِ أهْلِها، والعَرَبُ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ نَرى أمْسَ فِيهِمْ ∗∗∗ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدَّثْرِ
؎أحَبُّ إلَيْنا مِن أُناسٍ بِقَنَّةٍ ∗∗∗ يَرُوحُ عَلى آثارِ شائِهِمُ النَّمِرُ
. والعَكَرَةُ مِنَ الإبِلِ ما بَيْنَ السِتِّينَ إلى السَّبْعِينَ، والجَمْعُ عَكَرٌ. والدَّثْرُ: الكَثِيرُ، ويُقالُ: أراحَ الماشِيَةَ: رَدَّها بِالعَشِيِّ مِنَ المَرْعى، وسَرَحَها يَسْرَحُها سَرْحًا وسُرُوحًا أخْرَجَها غُدْوَةً إلى المَرْعى، وسَرَحَتْ هي يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ أيّامَ الرَّبِيعِ إذا سَقَطَ الغَيْثُ وكَبُرَ الكَلَأُ وخَرَجُوا (p-٤٧٦)لِلنُّجْعَةِ. وقَدَّمَ الإراحَةَ عَلى السَّرْحِ لِأنَّ الجَمالَ فِيها أظْهَرُ إذا أقْبَلَتْ مَلْأى البُطُونِ، حافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى الحَظائِرِ، بِخِلافِ وقْتِ سَرْحِها، وإنْ كانَتْ في الوَقْتَيْنِ تُزَيِّنُ الأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها الرُّغاءُ والثُّغاءُ، فَيَأْتَنِسُ أهْلُها، وتَفْرَحُ أرْبابُها وتُجِلُّهم في أعْيُنِ النّاظِرِينَ إلَيْها، وتُكْسِبُهُمُ الجاهَ والحُرْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ: (حِينًا) فِيهِما بِالتَّنْوِينِ، وفَكِّ الإضافَةِ. وجَعَلُوا الجُمْلَتَيْنِ صِفَتَيْنِ حُذِفَ مِنهُما العائِدُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] ويَكُونُ العامِلُ في حِينًا عَلى هَذا، إمّا المُبْتَدَأُ لِأنَّهُ في مَعْنى التَّجَمُّلِ، وإمّا خَبَرُهُ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. والأثْقالُ: الأمْتِعَةُ، واحِدُها ثِقَلٌ. وقِيلَ: الأجْسامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] أيْ أجْسادَ بَنِي آدَمَ. وقَوْلُهُ: إلى بَلَدٍ، لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، أيْ: إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ تَوَجَّهْتُمْ إلَيْهِ لِأغْراضِكم. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ وهو مَكَّةُ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ. وقِيلَ: مِصْرُ. ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى المُرادِ، إذِ المِنَّةُ لا تَخْتَصُّ بِالحَمْلِ إلَيْها. ولَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ: صِفَةٌ لِلْبَلَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِها، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى بُعْدِ البَلَدِ، وأنَّهُ مَعَ الِاسْتِعانَةِ بِها بِحَمْلِ الأثْقالِ لا يَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِالمَشَقَّةِ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم دُونَها إلّا بِالمَشَقَّةِ عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِشِقِّ، بِكَسْرِ الشِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ: بِفَتْحِها. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وهُما مَصْدَرانِ مَعْناهُما المَشَقَّةُ. وقِيلَ: الشَّقُّ، بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ، ويَعْنِي بِهِ: المَشَقَّةَ. وقالَ الشّاعِرُ في الكَسْرِ:
؎وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسَبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَءُوبُ
أيْ مَشَقَّتِها. وشِقُّ الشَّيْءِ: نِصْفُهُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ الفَرّاءُ هُنا أيْ: يُذْهِبانِ نِصْفَ الأنْفُسِ، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا كَما تَقُولُ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ. ونَحْوِ هَذا مِنَ المَجازِ. ويُقالُ: أخَذْتُ شِقَّ الشّاةِ أيْ نِصْفَها، والشِّقُّ: الجانِبُ، والأخُ الشَّقِيقُ، وشَقٌّ: اسْمُ كاهِنٍ. وناسَبَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِن حَمْلِها الأثْقالَ الخَتْمُ بِصِفَةِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّ مِن رَأْفَتِهِ تَيْسِيرُ هَذِهِ المَصالِحِ وتَسْخِيرُ الأنْعامِ لَكم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مِنَنَهُ بِالأنْعامِ ومَنافِعَها الضَّرُورِيَّةِ، ذَكَرَ الِامْتِنانَ بِمَنافِعِ الحَيَوانِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَيْلَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى (والأنْعامَ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ. ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ أعْظَمَ مَنافِعِها اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِكُلِّ الخَيْلِ، خِلافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (وزِينَةً)، ولَمْ يَكُنْ بِاللّامِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الرُّكُوبِ بِوَساطَةِ الحَرْفِ، وكِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها، والرُّكُوبُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِ لَهم ذَلِكَ فانْتَفى شَرْطُ النَّصْبِ، وهو: اتِّحادُ الفاعِلِ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ. والزِّينَةُ مِن وصْفِ الخالِقِ، فاتَّحَدَ الفاعِلُ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وزِينَةً: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلْناها زِينَةً. ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِتَرْكَبُوها زِينَةً، بِغَيْرِ واوٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: والزِّينَةُ، مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في خَلَقَها، أوْ مِن لِتَرْكَبُوها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وخَلَقَها زِينَةً لِتَرْكَبُوها، أوْ يَجْعَلُ زِينَةً حالًا مِن هاءِ، وخَلَقَها لِتَرْكَبُوها وهي زِينَةٌ وجَمالٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والنَّصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في (تَرْكَبُوها) . والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ ذَواتِ ما يَخْلُقُ تَعالى، فَقالَ الجُمْهُورُ: المَعْنى ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الآدَمِيِّينَ والحَيَواناتِ والجَماداتِ الَّتِي خَلَقَها كُلَّها لِمَنافِعِكم، فَأخْبَرَنا بِأنَّ لَهُ مِنَ الخَلائِقِ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ، لِنَزْدادَ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ بِالإخْبارِ، وإنْ طَوى عَنّا عِلْمَهُ حِكْمَةً لَهُ في طَيِّهِ، وما خَلَقَ تَعالى مِنَ الحَيَوانِ (p-٤٧٧)وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: ما لا تَعْلَمُونَ أصْلَ حُدُوثِهِ كالسُّوسِ في النَّباتِ والدُّودِ في الفَواكِهِ. وقالَ ابْن بَحْرٍ: لا تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وزادَ بَعْدُ في الجَنَّةِ وفي النّارِ لِأهْلِها، والباقِي بِالمَعْنى.
ورُوِيَتْ تَفاسِيرُ في: ما لا تَعْلَمُونَ، في الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والشَّعْبِيِّ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها. ويُقالُ: لَمّا ذَكَرَ الحَيَوانَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا ضَرُورِيًّا وغَيْرَ ضَرُورِيٍّ، أعْقَبَ بِذَكَرِ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ غالِبًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، إذْ تَفاصِيلُهُ خارِجَةٌ عَنِ الإحْصاءِ والعَدِّ، والقَصْدُ مَصْدَرٌ: يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، والسَّبِيلُ هُنا مُفْرَدُ اللَّفْظِ. فَقِيلَ: مُفْرَدُ المَدْلُولِ، والـ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي سَبِيلُ الشَّرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، إذْ لَوْ كانَتْ لَهُ لَمْ يَكُنْ مِنها جائِرٌ. والمَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ طَرِيقِ الهُدى، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ مِن سَلَكَ الطَّرِيقَ القاصِدَ فَعَلى اللَّهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ. وعَلى أنَّ الـ لِلْعَهْدِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾، عائِدٌ عَلى السَّبِيلِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ مُقابِلَها يَدُلُّ عَلَيْها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ مِنها عَلى سَبِيلِ الشَّرْعِ، وتَكُونُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: فِرَقُ الضَّلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ومِن بُنَيّاتِ الطُّرُقِ في هَذِهِ السَّبِيلِ، ومِن شُعَبِها. وقِيلَ: الـ في السَّبِيلِ: لِلْجِنْسِ، وانْقَسَمَتْ إلى مَصْدَرٍ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، وإلى جائِرٍ وهو طَرِيقُ الباطِلِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ كَما قالَ:
؎يَجُورُ بِها المَلّاحُ طَوْرًا ويَهْتَدِي
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ومِنَ الطَّرِيقَةِ جائِرٌ وهُدى ∗∗∗ قَصْدِ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ
قَسَّمَ الطَّرِيقَةَ: إلى جائِرٍ، وإلى هُدًى، وإلى ذِي دَخَلٍ، وهو الفَسادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ هِدايَةَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ (قُلْتُ): لِيُعْلَمَ بِما يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وما لا يَجُوزُ، ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُ المُجَبِّرَةُ لَقِيلَ: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وعَلَيْهِ جائِرُها، أوْ وعَلَيْهِ الجائِرُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ومِنكم جائِرٌ، يَعْنِي ومِنكم جائِرٌ عَنِ القَصْدِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واللَّهُ بَرِئٌ مِنهُ.
﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾، قَسْرًا والجاءً؛ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ومِنها) يَعُودُ عَلى الخَلائِقِ؛ أيْ: ومِنَ الخَلائِقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عِيسى: ومِنكم جائِرٌ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقِراءَةُ عَلِيٍّ: فَمِنكم جائِرٌ، بِالفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. ولَهَداكم: لَخَلَقَ فِيكُمُ الهِدايَةَ، فَلَمْ يَضِلَّ أحَدٌ مِنكم، وهي مَشِيئَةُ الِاخْتِيارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَفَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الِاهْتِداءِ والإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ، لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَّجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللَّهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ انْتَهى. ولَمْ يَعْرِفِ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الزَّجّاجَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ تَأوَّلَ أنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْهُ، وأنَّهُ وقَعَ فِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الثَّوابِ، أوْ إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْ شاءَ لَمَحَضَ قَصْدِ السَّبِيلِ دُونَ الجائِرِ. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (لَهَداكم)، أيْ: ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم.
النحل 16:6
سُورَةُ النَّحْلِ مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣] ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] النُّطْفَةُ: القَطْرَةُ مِنَ الماءِ، نَطَفَ رَأْسُهُ ماءً أيْ: قَطَرَ. الدِّفْءُ: اسْمٌ لِما يُدَّفَأُ بِهِ، أيْ: يُسَخَّنُ. وتَقُولُ العَرَبُ: دَفِئَ يَوْمُنا فَهو دَفِيءٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ سُخُونَةٌ تُزِيلُ البَرْدَ، ودَفِئَ الرَّجُلُ دِفاءً ودَفَأً، وجَمْعُ الدِّفْءِ: أدَفاءٌ. ورَجُلٌ دَفْآنُ وامْرَأةٌ دَفْأى، والدَّفِئَةُ: الإبِلُ الكَثِيرَةُ الأوْبارِ، لِإدْفاءِ بَعْضِها بَعْضًا بِأنْفاسِها. وقَدْ تُشَدَّدُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ، الدَّفِئَةُ: الكَثِيرَةُ الأوْبارِ والشُّحُومِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الدِّفْءُ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها، وما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنها. البَغْلُ: مَعْرُوفٌ، ولِعَمْرِو بْنِ بَحْرٍ الجاحِظِ كِتابُ البِغالِ. الحِمارُ: مُعَيْرُوفٌ، يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْمُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى (p-٤٧٢)حُمُرٍ، وهو القِياسُ وعَلى حَمِيرٍ. الطَّرِيُّ: فَعِيلٌ مِن طَرَّ ويُطِرُ، وطَراوَةً مِثْلُ سَرَّ ويُسِرُّ سَراوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: طَرِيَ يَطْرِي طِراءً وطَراوَةً مِثْلُ: شَقِيَ، يَشْقى، شَقاءً، وشَقاوَةً. المَخْرُ: شَقُّ الماءِ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ. وقالَ الفَرّاءُ: صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ إذا اشْتَدَّتْ، وقَدْ يَكُونُ مِنَ السَّفِينَةِ ونَحْوِها. مادَ: تَحَرَّكَ ودارَ. السَّقْفُ: مَعْرُوفٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى سُقُوفٍ، وهو القِياسُ، وعَلى سُقُفٍ وسَقَفٍ، وفُعُلٌ وفَعَلٌ مَحْفُوظانِ في فَعْلٍ، ولَيْسا مَقِيسَيْنِ فِيهِ.
* *
(﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾: قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ حَمْزَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقِيلَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وقَتْلى أُحُدٍ، وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّك لِلَّذِينِ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] وقِيلَ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ( يُشْرِكُونَ) مَدَنِيٌّ وما سِواهُ مَكِّيٌّ. وعَنْ قَتادَةَ عَكْسُ هَذا.
ووَجْهُ ارْتِباطِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وسُؤالِهِمْ عَمّا أجْرَمُوهُ في دارِ الدُّنْيا، فَقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ بِالأمْرِ: نَصْرُ رَسُولِ اللَّهِ، وظُهُورُهُ عَلى الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما وُعِدُوا مِن قِيامِ السّاعَةِ، أوْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ؛ انْتَهى. وهَذا الثّانِي قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: الأمْرُ هُنا ما وعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّصْرِ وظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ ونَهْبِ الأمْوالِ، والِاسْتِيلاءِ عَلى مَنازِلِهِمْ ودِيارِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: الأمْرُ هُنا مَصْدَرُ أمَرَ، والمُرادُ بِهِ: فَرائِضُهُ وأحْكامُهُ. قِيلَ: وهَذا فِيهِ بَعْدُ، لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ اسْتَعْجَلَ فَرائِضَ مِن قَبْلِ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا: الأمْرُ عِقابُ اللَّهِ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، واسْتِعْجالُ العَذابِ مَنقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ. وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَّجّاجِ: هو ما وعَدَهم بِهِ مِنَ المُجازاةِ عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأمْرُ بَعْضُ أشْراطِ السّاعَةِ. وأتى: قِيلَ: باقٍ عَلى مَعْناهُ مِنَ المُضِيِّ، والمَعْنى: أتى أمْرُ اللَّهِ وعْدًا فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وُقُوعًا. وقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، أتَتْ مَبادِئُهُ وأماراتُهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَسْتَعْجِلُوهُ، بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ خِطابٌ لِلْكُفّارِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. وقالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالياءِ نَهْيًا لِلْكُفّارِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ عَلى الأمْرِ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: فَلا تَسْتَعْجِلُوا اللَّهَ بِالعَذابِ، أوْ بِإتْيانِ يَوْمِ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ والأعْرَجُ وأبُوهُ جَعْفَرٌ، وابْنُ وضّاحٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ. وقَرَأ عِيسى: الأُولى بِالتّاءِ، مِن فَوْقُ، والثّانِيَةُ بِالياءِ والتّاءِ مِن فَوْقُ مَعًا؛ الأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (p-٤٧٣)الَّذِي ومَصْدَرِيَّةً. وأفْضَلُ قِراءَتِهِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِاسْتِعْجالِهِمْ، لِأنَّ اسْتِعْجالَهُمُ اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ، وذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُنْزِلُ، مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ، مُشَدَّدًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ: تُنَزَّلُ، مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، المَلائِكَةُ، بِالرَّفْعِ. والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ. والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْرَجُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ: بِفَتْحِ التّاءِ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما نُنَزِّلُ، بِنُونِ العَظَمَةِ والتَّشْدِيدِ، وقَتادَةُ بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيهِما شُذُوذٌ كَثِيرٌ؛ انْتَهى. وشُذُوذُهُما أنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ التِفاتٌ، والمَلائِكَةُ هَنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ المَلائِكَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّوحُ: الوَحْيُ تَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ عَلى الأنْبِياءِ، ونَظِيرُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو القُرْآنُ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالرُّوحِ أرْواحُ الخَلْقِ، لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُّوحُ: الرَّحْمَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ - ما مَعْناهُ - الرُّوحُ: الهِدايَةُ، لِأنَّها تَحْيا بِها القُلُوبُ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ. وقِيلَ: الرُّوحُ: جِبْرِيلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالرُّوحِ. وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: الرُّوحُ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ، كَما المَلائِكَةُ حَفَظَةٌ عَلَيْنا لا تَراهم. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرُّوحُ اسْمُ مَلَكٍ، ومِنهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرُّوحَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَصُوَرِ ابْنِ آدَمَ، لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهم، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ، بِما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيِّتَةُ بِالجَهْلِ، مِن وحْيِهِ أوْ بِما يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ؛ انْتَهى. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ. ومَن يَشاءُ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْ): مَصْدَرِيَّةٌ، وهي الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، وُصِلَتْ بِالأمْرِ كَما وُصِلَتْ في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، وهو بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ. أوْ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ: بِأنْ أنْذِرُوا، فَيَجْرِي الخِلافُ فِيهِ: أهُوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ؟ أوْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وأنْ أنْذِرُوا) بَدَلًا مِنَ الرُّوحِ، أيْ: نُنَزِّلُهم بِأنْ أنْذِرُوا، وتَقْدِيرُهُ: أنْذِرُوا؛ أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا. أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا؛ انْتَهى. فَجَعَلَها المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأضْمَرَ اسْمَها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وقَدَّرَ إضْمارَ القَوْلِ: حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وهي أقُولُ، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ مَعَ سُهُولَةِ كَوْنِها الشّانِيَّةَ الَّتِي مِن شَأْنِها نَصْبُ المُضارِعِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وصاحِبُ الغُنْيانِ: أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ لِما في التَّنَزُّلِ بِالوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أيْ: أعْلِمُوا النّاسَ، مِن نَذَرْتُ بِكَذا إذا أعْلَمْتُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا النّاسَ قَوْلِي لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ؛ انْتَهى. لَمّا جَعَلَ أنْ هي الَّتِي حُذِفَ مِنها ضَمِيرُ (p-٤٧٤)الشَّأْنِ قَدَّرَ هَذا التَّقْدِيرَ وهو يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا. وقُرِئَ: لِيُنْذِرُوا أنَّهُ، وحَسُنَتِ النِّذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِأُلُوهِيَّتِهِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، ووَعِيدٌ وتَحْذِيرٌ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. ومَعْنى: فاتَّقُونِ؛ أيِ: اتَّقُوا عِقابِي بِاتِّخاذِكم إلَهًا غَيْرِي. وجاءَتِ الحِكايَةُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: إلّا أنا، ولَوْ جاءَتْ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكِلاهُما سائِغٌ. وحِكايَةُ المَعْنى هُنا أبْلَغُ إذْ فِيها نِسْبَةُ الحُكْمِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنَزِّلُ المَلائِكَةَ، ثُمَّ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو بِما ذَكَرَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُها. وبِالحَقِّ، أيْ: بِالواجِبِ اللّائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ تُحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ، وهي: الحَياةُ، والعِلْمُ، والقُدْرَةُ، والإرادَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا يَحِقُّ لَها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: (فَتَعالى) بِزِيادَةِ فاءٍ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُنَبِّهَةً عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مُوجِدِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ عَنْ أنْ يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ العالَمِ العُلْوِيِّ والأرْضِ، وهو اسْتِدْلالٌ بِالخارِجِ، ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ مِن نَفْسِ الإنْسانِ، فَذَكَرَ إنْشاءَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ، وكانَ حَقُّهُ والواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَ ويَنْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ. والخَصِيمُ: مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ، مِن خَصَمَ، بِمَعْنى اخْتَصَمَ، أوْ بِمَعْنى: مُخاصِمٍ، كالخَلِيطِ والجَلِيسِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ أوِ المُظْهِرُها. والظّاهِرُ أنَّ سِياقَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ سِياقُ ذَمٍّ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ الآيَةَ. ولِتَكْرِيرِ ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، ولِقَوْلِهِ في يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] الآيَةَ، وقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وعَنى بِهِ مُخاصَمَتَهم لِأنْبِياءِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ بِالحُجَجِ الدّاحِضَةِ، وأكْثَرُ ما ذُكِرَ الإنْسانُ في القُرْآنِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، أوْ مُرْدَفًا بِالذَّمِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ. وقالَ قَوْمٌ: سِياقُ الوَصْفَيْنِ سِياقُ المَدْحِ، لِأنَّهُ تَعالى قَوّاهُ عَلى مُنازَعَةِ الخُصُومِ، وجَعَلَهُ مُبَيِّنَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، ونَقَلَهُ مِن تِلْكَ الحالَةِ الجَمادِيَّةِ؛ وهو كَوْنُهُ نُطْفَةً إلى الحالَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وهي: حالَةُ النُّطْقِ والإبانَةِ. و(إذْ) هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ مِنَ النُّطْفَةِ لَمْ تَقَعِ المُفاجَأةُ بِالمُخاطَبَةِ إلّا بَعْدَ أحْوالٍ تَطَوَّرَ فِيها، فَتِلْكَ الأحْوالُ مَحْذُوفَةٌ، وتَقَعُ المُفاجَأةُ بَعْدَها.
* *
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الإنْسانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الإنْسانَ وأنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ في كَلامٍ كَثِيرٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الأفْلاكَ والكَواكِبَ أشْرَفُ مِنَ الإنْسانِ. ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ في قِوامِ مَعِيشَتِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا أكْثَرَها مَنافِعَ، وألْزَمَ لِمَن أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ وذَلِكَ الأنْعامُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأنْعامِ في الأنْعامِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لَكم فِيها دِفْءٌ اسْتِئْنافٌ لِذَكَرِ ما يُنْتَفَعُ بِها مِن جِهَتِها، ودِفْءٌ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (لَكم)، ويَتَعَلَّقُ فِيها بِما في (لَكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ فِيها حالًا مِن دِفْءٍ، إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (لَكم) حالًا مِن دِفْءٍ وفِيها الخَبَرُ، وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنًى فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها، لا يَجُوزُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، فَإنْ تَأخَّرَتِ الحالُ عَنِ الجُمْلَةِ جازَتْ بِلا خِلافٍ، أوْ تَوَسَّطَتْ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، ومَنَعَهُ الجُمْهُورُ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (دِفْءٌ) بِـ (لَكم) أوْ نَعْتَها بِـ (الـ)، والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ انْتَهى. ولا تُسَمّى جُمْلَةً، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ، أوْ خَلَقها لَكم كائِنًا فِيها دِفْءٌ، وهَذا مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (لَكم) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَها، وفِيها دِفْءٌ، اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ مَنافِعِ الأنْعامِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِئْنافُ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾، فَقابَلَ المَنفَعَةَ الضَّرُورِيَّةَ بِالمَنفَعَةِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ. (p-٤٧٥)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَكَرُهُ الأُمَوِيُّ عَنْ لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (والأنْعامَ) عَلى الِاشْتِغالِ، وحَسَّنَ النَّصْبَ كَوْنُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ تَقَدَّمَتْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَتُهُ في الشّاذِّ بِرَفْعِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى البَيانِ، وعَلى هَذا كَوْنُ (لَكم) اسْتِئْنافٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَها. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: دِفٌّ؛ بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها، ووَجْهُهُ أنَّهُ نَقَلَ الحَرَكَةَ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ بَعْدَ حَذْفِها، ثُمَّ شَدَّدَ الفاءَ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، إذْ يَجُوزُ تَشْدِيدُها في الوَقْفِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: دِفٌ، بِنَقْلِ الحَرَكَةِ، وحَذْفِ الهَمْزَةِ دُونَ تَشْدِيدِ الفاءِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الزُّهْرِيُّ دُفٌّ بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والفاءُ مُحَرَّكَةٌ بِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ. ومِنهم مَن يُعَوِّضُ مِن هَذِهِ الهَمْزَةِ فَيُشَدِّدُ الفاءَ، وهو أحَدُ وجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ وقْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ومَنافِعُ الرُّكُوبِ؛ الحَمْلُ، والألْبانُ، والسَّمْنُ، والنَّضْحُ عَلَيْها، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأفْرَدَ مَنفَعَةَ الأكْلِ بِالذِّكْرِ، كَما أفْرَدَ مَنفَعَةَ الدِّفْءِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَنافِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): تَقَدُّمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ومِنها تَأْكُلُونَ، مُؤْذِنٌ، بِالِاخْتِصاصِ وقَدْ يُؤْكَلُ مِن غَيْرِها (قُلْتُ): الأكْلُ مِنها هو الأصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ النّاسُ في مَعائِشِهِمْ، وأمّا الأكْلُ مِن غَيْرِها مِنَ الدَّجاجِ والبَطِّ وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ فَكَغَيْرِ المُعْتَدِّ بِهِ، وكالجارِي مَجْرى التَّفَكُّهِ. وما قالَهُ مِنهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ أوِ المَفْعُولِ دالٌّ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِكَ: إذا أكَلْتَ مِنَ الرَّغِيفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّ طُعْمَتَكم مِنها لِأنَّكم تَحْرُثُونَ بِالبَقْرِ، والحَبُّ والثِّمارِ الَّتِي تَأْكُلُونَها مِنها، وتَكْتَسِبُونَ بِإكْراءِ الإبِلِ، وتَبِيعُونَ نِتاجَها وألْبانَها وجُلُودَها؛ انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّبْعِيضُ مَجازًا، أوْ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِ. الجَمالُ: مَصْدَرُ جَمُلَ بِضَمِّ المِيمِ، والرَّجُلُ جَمِيلٌ، والمَرْأةُ جَمِيلَةٌ وجَمْلاءُ؛ عَنِ الكِسائِيِّ وأنْشَدَ:
؎فَهِيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ بَزَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ
ويُطْلَقُ الجَمالُ ويُرادُ بِهِ التَّجَمُّلُ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى إسْقاطِ الزَّوائِدِ. والجَمالُ يَكُونُ في الصُّورَةِ بِحُسْنِ التَّرْكِيبِ يُدْرِكُهُ البَصَرُ، ويُلْقِيهِ في ألْقابٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ. وفي الأخْلاقِ بِاشْتِمالِها عَلى الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ: كالعِلْمِ، والعِفَّةِ، والحِلْمِ، وفي الأفْعالِ: بِوُجُودِها مُلائِمَةً لِمَصالِحِ الخَلْقِ، وجَلْبِ المَنفَعَةِ إلَيْهِمْ، وصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهم. والجَمالُ الَّذِي لَنا في الأنْعامِ هو خارِجٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنا فِيها جَمالٌ وعَظَمَةٌ عِنْدَ النّاسِ بِاقْتِنائِها ودَلالَتِها عَلى سَعادَةِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وكَوْنِهِ فِيها مِن أهْلِ السِّعَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى بِالتَّجَمُّلِ بِها، كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ الضَّرُورِيِّ، لِأنَّ التَّجَمُّلَ بِها مِن أغْراضِ أصْحابِ المَواشِي ومَفاخِرِ أهْلِها، والعَرَبُ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ نَرى أمْسَ فِيهِمْ ∗∗∗ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدَّثْرِ
؎أحَبُّ إلَيْنا مِن أُناسٍ بِقَنَّةٍ ∗∗∗ يَرُوحُ عَلى آثارِ شائِهِمُ النَّمِرُ
. والعَكَرَةُ مِنَ الإبِلِ ما بَيْنَ السِتِّينَ إلى السَّبْعِينَ، والجَمْعُ عَكَرٌ. والدَّثْرُ: الكَثِيرُ، ويُقالُ: أراحَ الماشِيَةَ: رَدَّها بِالعَشِيِّ مِنَ المَرْعى، وسَرَحَها يَسْرَحُها سَرْحًا وسُرُوحًا أخْرَجَها غُدْوَةً إلى المَرْعى، وسَرَحَتْ هي يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ أيّامَ الرَّبِيعِ إذا سَقَطَ الغَيْثُ وكَبُرَ الكَلَأُ وخَرَجُوا (p-٤٧٦)لِلنُّجْعَةِ. وقَدَّمَ الإراحَةَ عَلى السَّرْحِ لِأنَّ الجَمالَ فِيها أظْهَرُ إذا أقْبَلَتْ مَلْأى البُطُونِ، حافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى الحَظائِرِ، بِخِلافِ وقْتِ سَرْحِها، وإنْ كانَتْ في الوَقْتَيْنِ تُزَيِّنُ الأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها الرُّغاءُ والثُّغاءُ، فَيَأْتَنِسُ أهْلُها، وتَفْرَحُ أرْبابُها وتُجِلُّهم في أعْيُنِ النّاظِرِينَ إلَيْها، وتُكْسِبُهُمُ الجاهَ والحُرْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ: (حِينًا) فِيهِما بِالتَّنْوِينِ، وفَكِّ الإضافَةِ. وجَعَلُوا الجُمْلَتَيْنِ صِفَتَيْنِ حُذِفَ مِنهُما العائِدُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] ويَكُونُ العامِلُ في حِينًا عَلى هَذا، إمّا المُبْتَدَأُ لِأنَّهُ في مَعْنى التَّجَمُّلِ، وإمّا خَبَرُهُ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. والأثْقالُ: الأمْتِعَةُ، واحِدُها ثِقَلٌ. وقِيلَ: الأجْسامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] أيْ أجْسادَ بَنِي آدَمَ. وقَوْلُهُ: إلى بَلَدٍ، لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، أيْ: إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ تَوَجَّهْتُمْ إلَيْهِ لِأغْراضِكم. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ وهو مَكَّةُ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ. وقِيلَ: مِصْرُ. ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى المُرادِ، إذِ المِنَّةُ لا تَخْتَصُّ بِالحَمْلِ إلَيْها. ولَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ: صِفَةٌ لِلْبَلَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِها، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى بُعْدِ البَلَدِ، وأنَّهُ مَعَ الِاسْتِعانَةِ بِها بِحَمْلِ الأثْقالِ لا يَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِالمَشَقَّةِ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم دُونَها إلّا بِالمَشَقَّةِ عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِشِقِّ، بِكَسْرِ الشِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ: بِفَتْحِها. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وهُما مَصْدَرانِ مَعْناهُما المَشَقَّةُ. وقِيلَ: الشَّقُّ، بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ، ويَعْنِي بِهِ: المَشَقَّةَ. وقالَ الشّاعِرُ في الكَسْرِ:
؎وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسَبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَءُوبُ
أيْ مَشَقَّتِها. وشِقُّ الشَّيْءِ: نِصْفُهُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ الفَرّاءُ هُنا أيْ: يُذْهِبانِ نِصْفَ الأنْفُسِ، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا كَما تَقُولُ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ. ونَحْوِ هَذا مِنَ المَجازِ. ويُقالُ: أخَذْتُ شِقَّ الشّاةِ أيْ نِصْفَها، والشِّقُّ: الجانِبُ، والأخُ الشَّقِيقُ، وشَقٌّ: اسْمُ كاهِنٍ. وناسَبَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِن حَمْلِها الأثْقالَ الخَتْمُ بِصِفَةِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّ مِن رَأْفَتِهِ تَيْسِيرُ هَذِهِ المَصالِحِ وتَسْخِيرُ الأنْعامِ لَكم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مِنَنَهُ بِالأنْعامِ ومَنافِعَها الضَّرُورِيَّةِ، ذَكَرَ الِامْتِنانَ بِمَنافِعِ الحَيَوانِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَيْلَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى (والأنْعامَ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ. ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ أعْظَمَ مَنافِعِها اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِكُلِّ الخَيْلِ، خِلافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (وزِينَةً)، ولَمْ يَكُنْ بِاللّامِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الرُّكُوبِ بِوَساطَةِ الحَرْفِ، وكِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها، والرُّكُوبُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِ لَهم ذَلِكَ فانْتَفى شَرْطُ النَّصْبِ، وهو: اتِّحادُ الفاعِلِ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ. والزِّينَةُ مِن وصْفِ الخالِقِ، فاتَّحَدَ الفاعِلُ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وزِينَةً: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلْناها زِينَةً. ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِتَرْكَبُوها زِينَةً، بِغَيْرِ واوٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: والزِّينَةُ، مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في خَلَقَها، أوْ مِن لِتَرْكَبُوها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وخَلَقَها زِينَةً لِتَرْكَبُوها، أوْ يَجْعَلُ زِينَةً حالًا مِن هاءِ، وخَلَقَها لِتَرْكَبُوها وهي زِينَةٌ وجَمالٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والنَّصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في (تَرْكَبُوها) . والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ ذَواتِ ما يَخْلُقُ تَعالى، فَقالَ الجُمْهُورُ: المَعْنى ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الآدَمِيِّينَ والحَيَواناتِ والجَماداتِ الَّتِي خَلَقَها كُلَّها لِمَنافِعِكم، فَأخْبَرَنا بِأنَّ لَهُ مِنَ الخَلائِقِ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ، لِنَزْدادَ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ بِالإخْبارِ، وإنْ طَوى عَنّا عِلْمَهُ حِكْمَةً لَهُ في طَيِّهِ، وما خَلَقَ تَعالى مِنَ الحَيَوانِ (p-٤٧٧)وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: ما لا تَعْلَمُونَ أصْلَ حُدُوثِهِ كالسُّوسِ في النَّباتِ والدُّودِ في الفَواكِهِ. وقالَ ابْن بَحْرٍ: لا تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وزادَ بَعْدُ في الجَنَّةِ وفي النّارِ لِأهْلِها، والباقِي بِالمَعْنى.
ورُوِيَتْ تَفاسِيرُ في: ما لا تَعْلَمُونَ، في الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والشَّعْبِيِّ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها. ويُقالُ: لَمّا ذَكَرَ الحَيَوانَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا ضَرُورِيًّا وغَيْرَ ضَرُورِيٍّ، أعْقَبَ بِذَكَرِ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ غالِبًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، إذْ تَفاصِيلُهُ خارِجَةٌ عَنِ الإحْصاءِ والعَدِّ، والقَصْدُ مَصْدَرٌ: يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، والسَّبِيلُ هُنا مُفْرَدُ اللَّفْظِ. فَقِيلَ: مُفْرَدُ المَدْلُولِ، والـ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي سَبِيلُ الشَّرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، إذْ لَوْ كانَتْ لَهُ لَمْ يَكُنْ مِنها جائِرٌ. والمَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ طَرِيقِ الهُدى، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ مِن سَلَكَ الطَّرِيقَ القاصِدَ فَعَلى اللَّهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ. وعَلى أنَّ الـ لِلْعَهْدِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾، عائِدٌ عَلى السَّبِيلِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ مُقابِلَها يَدُلُّ عَلَيْها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ مِنها عَلى سَبِيلِ الشَّرْعِ، وتَكُونُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: فِرَقُ الضَّلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ومِن بُنَيّاتِ الطُّرُقِ في هَذِهِ السَّبِيلِ، ومِن شُعَبِها. وقِيلَ: الـ في السَّبِيلِ: لِلْجِنْسِ، وانْقَسَمَتْ إلى مَصْدَرٍ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، وإلى جائِرٍ وهو طَرِيقُ الباطِلِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ كَما قالَ:
؎يَجُورُ بِها المَلّاحُ طَوْرًا ويَهْتَدِي
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ومِنَ الطَّرِيقَةِ جائِرٌ وهُدى ∗∗∗ قَصْدِ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ
قَسَّمَ الطَّرِيقَةَ: إلى جائِرٍ، وإلى هُدًى، وإلى ذِي دَخَلٍ، وهو الفَسادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ هِدايَةَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ (قُلْتُ): لِيُعْلَمَ بِما يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وما لا يَجُوزُ، ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُ المُجَبِّرَةُ لَقِيلَ: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وعَلَيْهِ جائِرُها، أوْ وعَلَيْهِ الجائِرُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ومِنكم جائِرٌ، يَعْنِي ومِنكم جائِرٌ عَنِ القَصْدِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واللَّهُ بَرِئٌ مِنهُ.
﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾، قَسْرًا والجاءً؛ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ومِنها) يَعُودُ عَلى الخَلائِقِ؛ أيْ: ومِنَ الخَلائِقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عِيسى: ومِنكم جائِرٌ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقِراءَةُ عَلِيٍّ: فَمِنكم جائِرٌ، بِالفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. ولَهَداكم: لَخَلَقَ فِيكُمُ الهِدايَةَ، فَلَمْ يَضِلَّ أحَدٌ مِنكم، وهي مَشِيئَةُ الِاخْتِيارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَفَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الِاهْتِداءِ والإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ، لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَّجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللَّهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ انْتَهى. ولَمْ يَعْرِفِ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الزَّجّاجَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ تَأوَّلَ أنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْهُ، وأنَّهُ وقَعَ فِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الثَّوابِ، أوْ إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْ شاءَ لَمَحَضَ قَصْدِ السَّبِيلِ دُونَ الجائِرِ. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (لَهَداكم)، أيْ: ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم.
النحل 16:7
سُورَةُ النَّحْلِ مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣] ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] النُّطْفَةُ: القَطْرَةُ مِنَ الماءِ، نَطَفَ رَأْسُهُ ماءً أيْ: قَطَرَ. الدِّفْءُ: اسْمٌ لِما يُدَّفَأُ بِهِ، أيْ: يُسَخَّنُ. وتَقُولُ العَرَبُ: دَفِئَ يَوْمُنا فَهو دَفِيءٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ سُخُونَةٌ تُزِيلُ البَرْدَ، ودَفِئَ الرَّجُلُ دِفاءً ودَفَأً، وجَمْعُ الدِّفْءِ: أدَفاءٌ. ورَجُلٌ دَفْآنُ وامْرَأةٌ دَفْأى، والدَّفِئَةُ: الإبِلُ الكَثِيرَةُ الأوْبارِ، لِإدْفاءِ بَعْضِها بَعْضًا بِأنْفاسِها. وقَدْ تُشَدَّدُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ، الدَّفِئَةُ: الكَثِيرَةُ الأوْبارِ والشُّحُومِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الدِّفْءُ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها، وما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنها. البَغْلُ: مَعْرُوفٌ، ولِعَمْرِو بْنِ بَحْرٍ الجاحِظِ كِتابُ البِغالِ. الحِمارُ: مُعَيْرُوفٌ، يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْمُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى (p-٤٧٢)حُمُرٍ، وهو القِياسُ وعَلى حَمِيرٍ. الطَّرِيُّ: فَعِيلٌ مِن طَرَّ ويُطِرُ، وطَراوَةً مِثْلُ سَرَّ ويُسِرُّ سَراوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: طَرِيَ يَطْرِي طِراءً وطَراوَةً مِثْلُ: شَقِيَ، يَشْقى، شَقاءً، وشَقاوَةً. المَخْرُ: شَقُّ الماءِ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ. وقالَ الفَرّاءُ: صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ إذا اشْتَدَّتْ، وقَدْ يَكُونُ مِنَ السَّفِينَةِ ونَحْوِها. مادَ: تَحَرَّكَ ودارَ. السَّقْفُ: مَعْرُوفٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى سُقُوفٍ، وهو القِياسُ، وعَلى سُقُفٍ وسَقَفٍ، وفُعُلٌ وفَعَلٌ مَحْفُوظانِ في فَعْلٍ، ولَيْسا مَقِيسَيْنِ فِيهِ.
* *
(﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾: قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ حَمْزَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقِيلَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وقَتْلى أُحُدٍ، وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّك لِلَّذِينِ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] وقِيلَ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ( يُشْرِكُونَ) مَدَنِيٌّ وما سِواهُ مَكِّيٌّ. وعَنْ قَتادَةَ عَكْسُ هَذا.
ووَجْهُ ارْتِباطِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وسُؤالِهِمْ عَمّا أجْرَمُوهُ في دارِ الدُّنْيا، فَقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ بِالأمْرِ: نَصْرُ رَسُولِ اللَّهِ، وظُهُورُهُ عَلى الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما وُعِدُوا مِن قِيامِ السّاعَةِ، أوْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ؛ انْتَهى. وهَذا الثّانِي قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: الأمْرُ هُنا ما وعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّصْرِ وظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ ونَهْبِ الأمْوالِ، والِاسْتِيلاءِ عَلى مَنازِلِهِمْ ودِيارِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: الأمْرُ هُنا مَصْدَرُ أمَرَ، والمُرادُ بِهِ: فَرائِضُهُ وأحْكامُهُ. قِيلَ: وهَذا فِيهِ بَعْدُ، لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ اسْتَعْجَلَ فَرائِضَ مِن قَبْلِ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا: الأمْرُ عِقابُ اللَّهِ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، واسْتِعْجالُ العَذابِ مَنقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ. وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَّجّاجِ: هو ما وعَدَهم بِهِ مِنَ المُجازاةِ عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأمْرُ بَعْضُ أشْراطِ السّاعَةِ. وأتى: قِيلَ: باقٍ عَلى مَعْناهُ مِنَ المُضِيِّ، والمَعْنى: أتى أمْرُ اللَّهِ وعْدًا فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وُقُوعًا. وقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، أتَتْ مَبادِئُهُ وأماراتُهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَسْتَعْجِلُوهُ، بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ خِطابٌ لِلْكُفّارِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. وقالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالياءِ نَهْيًا لِلْكُفّارِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ عَلى الأمْرِ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: فَلا تَسْتَعْجِلُوا اللَّهَ بِالعَذابِ، أوْ بِإتْيانِ يَوْمِ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ والأعْرَجُ وأبُوهُ جَعْفَرٌ، وابْنُ وضّاحٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ. وقَرَأ عِيسى: الأُولى بِالتّاءِ، مِن فَوْقُ، والثّانِيَةُ بِالياءِ والتّاءِ مِن فَوْقُ مَعًا؛ الأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (p-٤٧٣)الَّذِي ومَصْدَرِيَّةً. وأفْضَلُ قِراءَتِهِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِاسْتِعْجالِهِمْ، لِأنَّ اسْتِعْجالَهُمُ اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ، وذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُنْزِلُ، مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ، مُشَدَّدًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ: تُنَزَّلُ، مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، المَلائِكَةُ، بِالرَّفْعِ. والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ. والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْرَجُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ: بِفَتْحِ التّاءِ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما نُنَزِّلُ، بِنُونِ العَظَمَةِ والتَّشْدِيدِ، وقَتادَةُ بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيهِما شُذُوذٌ كَثِيرٌ؛ انْتَهى. وشُذُوذُهُما أنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ التِفاتٌ، والمَلائِكَةُ هَنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ المَلائِكَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّوحُ: الوَحْيُ تَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ عَلى الأنْبِياءِ، ونَظِيرُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو القُرْآنُ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالرُّوحِ أرْواحُ الخَلْقِ، لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُّوحُ: الرَّحْمَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ - ما مَعْناهُ - الرُّوحُ: الهِدايَةُ، لِأنَّها تَحْيا بِها القُلُوبُ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ. وقِيلَ: الرُّوحُ: جِبْرِيلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالرُّوحِ. وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: الرُّوحُ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ، كَما المَلائِكَةُ حَفَظَةٌ عَلَيْنا لا تَراهم. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرُّوحُ اسْمُ مَلَكٍ، ومِنهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرُّوحَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَصُوَرِ ابْنِ آدَمَ، لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهم، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ، بِما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيِّتَةُ بِالجَهْلِ، مِن وحْيِهِ أوْ بِما يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ؛ انْتَهى. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ. ومَن يَشاءُ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْ): مَصْدَرِيَّةٌ، وهي الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، وُصِلَتْ بِالأمْرِ كَما وُصِلَتْ في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، وهو بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ. أوْ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ: بِأنْ أنْذِرُوا، فَيَجْرِي الخِلافُ فِيهِ: أهُوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ؟ أوْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وأنْ أنْذِرُوا) بَدَلًا مِنَ الرُّوحِ، أيْ: نُنَزِّلُهم بِأنْ أنْذِرُوا، وتَقْدِيرُهُ: أنْذِرُوا؛ أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا. أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا؛ انْتَهى. فَجَعَلَها المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأضْمَرَ اسْمَها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وقَدَّرَ إضْمارَ القَوْلِ: حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وهي أقُولُ، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ مَعَ سُهُولَةِ كَوْنِها الشّانِيَّةَ الَّتِي مِن شَأْنِها نَصْبُ المُضارِعِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وصاحِبُ الغُنْيانِ: أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ لِما في التَّنَزُّلِ بِالوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أيْ: أعْلِمُوا النّاسَ، مِن نَذَرْتُ بِكَذا إذا أعْلَمْتُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا النّاسَ قَوْلِي لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ؛ انْتَهى. لَمّا جَعَلَ أنْ هي الَّتِي حُذِفَ مِنها ضَمِيرُ (p-٤٧٤)الشَّأْنِ قَدَّرَ هَذا التَّقْدِيرَ وهو يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا. وقُرِئَ: لِيُنْذِرُوا أنَّهُ، وحَسُنَتِ النِّذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِأُلُوهِيَّتِهِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، ووَعِيدٌ وتَحْذِيرٌ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. ومَعْنى: فاتَّقُونِ؛ أيِ: اتَّقُوا عِقابِي بِاتِّخاذِكم إلَهًا غَيْرِي. وجاءَتِ الحِكايَةُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: إلّا أنا، ولَوْ جاءَتْ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكِلاهُما سائِغٌ. وحِكايَةُ المَعْنى هُنا أبْلَغُ إذْ فِيها نِسْبَةُ الحُكْمِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنَزِّلُ المَلائِكَةَ، ثُمَّ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو بِما ذَكَرَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُها. وبِالحَقِّ، أيْ: بِالواجِبِ اللّائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ تُحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ، وهي: الحَياةُ، والعِلْمُ، والقُدْرَةُ، والإرادَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا يَحِقُّ لَها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: (فَتَعالى) بِزِيادَةِ فاءٍ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُنَبِّهَةً عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مُوجِدِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ عَنْ أنْ يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ العالَمِ العُلْوِيِّ والأرْضِ، وهو اسْتِدْلالٌ بِالخارِجِ، ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ مِن نَفْسِ الإنْسانِ، فَذَكَرَ إنْشاءَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ، وكانَ حَقُّهُ والواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَ ويَنْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ. والخَصِيمُ: مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ، مِن خَصَمَ، بِمَعْنى اخْتَصَمَ، أوْ بِمَعْنى: مُخاصِمٍ، كالخَلِيطِ والجَلِيسِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ أوِ المُظْهِرُها. والظّاهِرُ أنَّ سِياقَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ سِياقُ ذَمٍّ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ الآيَةَ. ولِتَكْرِيرِ ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، ولِقَوْلِهِ في يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] الآيَةَ، وقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وعَنى بِهِ مُخاصَمَتَهم لِأنْبِياءِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ بِالحُجَجِ الدّاحِضَةِ، وأكْثَرُ ما ذُكِرَ الإنْسانُ في القُرْآنِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، أوْ مُرْدَفًا بِالذَّمِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ. وقالَ قَوْمٌ: سِياقُ الوَصْفَيْنِ سِياقُ المَدْحِ، لِأنَّهُ تَعالى قَوّاهُ عَلى مُنازَعَةِ الخُصُومِ، وجَعَلَهُ مُبَيِّنَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، ونَقَلَهُ مِن تِلْكَ الحالَةِ الجَمادِيَّةِ؛ وهو كَوْنُهُ نُطْفَةً إلى الحالَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وهي: حالَةُ النُّطْقِ والإبانَةِ. و(إذْ) هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ مِنَ النُّطْفَةِ لَمْ تَقَعِ المُفاجَأةُ بِالمُخاطَبَةِ إلّا بَعْدَ أحْوالٍ تَطَوَّرَ فِيها، فَتِلْكَ الأحْوالُ مَحْذُوفَةٌ، وتَقَعُ المُفاجَأةُ بَعْدَها.
* *
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الإنْسانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الإنْسانَ وأنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ في كَلامٍ كَثِيرٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الأفْلاكَ والكَواكِبَ أشْرَفُ مِنَ الإنْسانِ. ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ في قِوامِ مَعِيشَتِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا أكْثَرَها مَنافِعَ، وألْزَمَ لِمَن أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ وذَلِكَ الأنْعامُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأنْعامِ في الأنْعامِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لَكم فِيها دِفْءٌ اسْتِئْنافٌ لِذَكَرِ ما يُنْتَفَعُ بِها مِن جِهَتِها، ودِفْءٌ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (لَكم)، ويَتَعَلَّقُ فِيها بِما في (لَكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ فِيها حالًا مِن دِفْءٍ، إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (لَكم) حالًا مِن دِفْءٍ وفِيها الخَبَرُ، وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنًى فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها، لا يَجُوزُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، فَإنْ تَأخَّرَتِ الحالُ عَنِ الجُمْلَةِ جازَتْ بِلا خِلافٍ، أوْ تَوَسَّطَتْ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، ومَنَعَهُ الجُمْهُورُ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (دِفْءٌ) بِـ (لَكم) أوْ نَعْتَها بِـ (الـ)، والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ انْتَهى. ولا تُسَمّى جُمْلَةً، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ، أوْ خَلَقها لَكم كائِنًا فِيها دِفْءٌ، وهَذا مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (لَكم) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَها، وفِيها دِفْءٌ، اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ مَنافِعِ الأنْعامِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِئْنافُ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾، فَقابَلَ المَنفَعَةَ الضَّرُورِيَّةَ بِالمَنفَعَةِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ. (p-٤٧٥)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَكَرُهُ الأُمَوِيُّ عَنْ لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (والأنْعامَ) عَلى الِاشْتِغالِ، وحَسَّنَ النَّصْبَ كَوْنُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ تَقَدَّمَتْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَتُهُ في الشّاذِّ بِرَفْعِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى البَيانِ، وعَلى هَذا كَوْنُ (لَكم) اسْتِئْنافٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَها. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: دِفٌّ؛ بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها، ووَجْهُهُ أنَّهُ نَقَلَ الحَرَكَةَ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ بَعْدَ حَذْفِها، ثُمَّ شَدَّدَ الفاءَ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، إذْ يَجُوزُ تَشْدِيدُها في الوَقْفِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: دِفٌ، بِنَقْلِ الحَرَكَةِ، وحَذْفِ الهَمْزَةِ دُونَ تَشْدِيدِ الفاءِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الزُّهْرِيُّ دُفٌّ بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والفاءُ مُحَرَّكَةٌ بِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ. ومِنهم مَن يُعَوِّضُ مِن هَذِهِ الهَمْزَةِ فَيُشَدِّدُ الفاءَ، وهو أحَدُ وجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ وقْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ومَنافِعُ الرُّكُوبِ؛ الحَمْلُ، والألْبانُ، والسَّمْنُ، والنَّضْحُ عَلَيْها، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأفْرَدَ مَنفَعَةَ الأكْلِ بِالذِّكْرِ، كَما أفْرَدَ مَنفَعَةَ الدِّفْءِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَنافِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): تَقَدُّمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ومِنها تَأْكُلُونَ، مُؤْذِنٌ، بِالِاخْتِصاصِ وقَدْ يُؤْكَلُ مِن غَيْرِها (قُلْتُ): الأكْلُ مِنها هو الأصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ النّاسُ في مَعائِشِهِمْ، وأمّا الأكْلُ مِن غَيْرِها مِنَ الدَّجاجِ والبَطِّ وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ فَكَغَيْرِ المُعْتَدِّ بِهِ، وكالجارِي مَجْرى التَّفَكُّهِ. وما قالَهُ مِنهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ أوِ المَفْعُولِ دالٌّ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِكَ: إذا أكَلْتَ مِنَ الرَّغِيفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّ طُعْمَتَكم مِنها لِأنَّكم تَحْرُثُونَ بِالبَقْرِ، والحَبُّ والثِّمارِ الَّتِي تَأْكُلُونَها مِنها، وتَكْتَسِبُونَ بِإكْراءِ الإبِلِ، وتَبِيعُونَ نِتاجَها وألْبانَها وجُلُودَها؛ انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّبْعِيضُ مَجازًا، أوْ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِ. الجَمالُ: مَصْدَرُ جَمُلَ بِضَمِّ المِيمِ، والرَّجُلُ جَمِيلٌ، والمَرْأةُ جَمِيلَةٌ وجَمْلاءُ؛ عَنِ الكِسائِيِّ وأنْشَدَ:
؎فَهِيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ بَزَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ
ويُطْلَقُ الجَمالُ ويُرادُ بِهِ التَّجَمُّلُ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى إسْقاطِ الزَّوائِدِ. والجَمالُ يَكُونُ في الصُّورَةِ بِحُسْنِ التَّرْكِيبِ يُدْرِكُهُ البَصَرُ، ويُلْقِيهِ في ألْقابٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ. وفي الأخْلاقِ بِاشْتِمالِها عَلى الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ: كالعِلْمِ، والعِفَّةِ، والحِلْمِ، وفي الأفْعالِ: بِوُجُودِها مُلائِمَةً لِمَصالِحِ الخَلْقِ، وجَلْبِ المَنفَعَةِ إلَيْهِمْ، وصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهم. والجَمالُ الَّذِي لَنا في الأنْعامِ هو خارِجٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنا فِيها جَمالٌ وعَظَمَةٌ عِنْدَ النّاسِ بِاقْتِنائِها ودَلالَتِها عَلى سَعادَةِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وكَوْنِهِ فِيها مِن أهْلِ السِّعَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى بِالتَّجَمُّلِ بِها، كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ الضَّرُورِيِّ، لِأنَّ التَّجَمُّلَ بِها مِن أغْراضِ أصْحابِ المَواشِي ومَفاخِرِ أهْلِها، والعَرَبُ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ نَرى أمْسَ فِيهِمْ ∗∗∗ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدَّثْرِ
؎أحَبُّ إلَيْنا مِن أُناسٍ بِقَنَّةٍ ∗∗∗ يَرُوحُ عَلى آثارِ شائِهِمُ النَّمِرُ
. والعَكَرَةُ مِنَ الإبِلِ ما بَيْنَ السِتِّينَ إلى السَّبْعِينَ، والجَمْعُ عَكَرٌ. والدَّثْرُ: الكَثِيرُ، ويُقالُ: أراحَ الماشِيَةَ: رَدَّها بِالعَشِيِّ مِنَ المَرْعى، وسَرَحَها يَسْرَحُها سَرْحًا وسُرُوحًا أخْرَجَها غُدْوَةً إلى المَرْعى، وسَرَحَتْ هي يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ أيّامَ الرَّبِيعِ إذا سَقَطَ الغَيْثُ وكَبُرَ الكَلَأُ وخَرَجُوا (p-٤٧٦)لِلنُّجْعَةِ. وقَدَّمَ الإراحَةَ عَلى السَّرْحِ لِأنَّ الجَمالَ فِيها أظْهَرُ إذا أقْبَلَتْ مَلْأى البُطُونِ، حافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى الحَظائِرِ، بِخِلافِ وقْتِ سَرْحِها، وإنْ كانَتْ في الوَقْتَيْنِ تُزَيِّنُ الأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها الرُّغاءُ والثُّغاءُ، فَيَأْتَنِسُ أهْلُها، وتَفْرَحُ أرْبابُها وتُجِلُّهم في أعْيُنِ النّاظِرِينَ إلَيْها، وتُكْسِبُهُمُ الجاهَ والحُرْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ: (حِينًا) فِيهِما بِالتَّنْوِينِ، وفَكِّ الإضافَةِ. وجَعَلُوا الجُمْلَتَيْنِ صِفَتَيْنِ حُذِفَ مِنهُما العائِدُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] ويَكُونُ العامِلُ في حِينًا عَلى هَذا، إمّا المُبْتَدَأُ لِأنَّهُ في مَعْنى التَّجَمُّلِ، وإمّا خَبَرُهُ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. والأثْقالُ: الأمْتِعَةُ، واحِدُها ثِقَلٌ. وقِيلَ: الأجْسامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] أيْ أجْسادَ بَنِي آدَمَ. وقَوْلُهُ: إلى بَلَدٍ، لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، أيْ: إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ تَوَجَّهْتُمْ إلَيْهِ لِأغْراضِكم. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ وهو مَكَّةُ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ. وقِيلَ: مِصْرُ. ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى المُرادِ، إذِ المِنَّةُ لا تَخْتَصُّ بِالحَمْلِ إلَيْها. ولَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ: صِفَةٌ لِلْبَلَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِها، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى بُعْدِ البَلَدِ، وأنَّهُ مَعَ الِاسْتِعانَةِ بِها بِحَمْلِ الأثْقالِ لا يَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِالمَشَقَّةِ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم دُونَها إلّا بِالمَشَقَّةِ عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِشِقِّ، بِكَسْرِ الشِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ: بِفَتْحِها. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وهُما مَصْدَرانِ مَعْناهُما المَشَقَّةُ. وقِيلَ: الشَّقُّ، بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ، ويَعْنِي بِهِ: المَشَقَّةَ. وقالَ الشّاعِرُ في الكَسْرِ:
؎وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسَبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَءُوبُ
أيْ مَشَقَّتِها. وشِقُّ الشَّيْءِ: نِصْفُهُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ الفَرّاءُ هُنا أيْ: يُذْهِبانِ نِصْفَ الأنْفُسِ، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا كَما تَقُولُ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ. ونَحْوِ هَذا مِنَ المَجازِ. ويُقالُ: أخَذْتُ شِقَّ الشّاةِ أيْ نِصْفَها، والشِّقُّ: الجانِبُ، والأخُ الشَّقِيقُ، وشَقٌّ: اسْمُ كاهِنٍ. وناسَبَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِن حَمْلِها الأثْقالَ الخَتْمُ بِصِفَةِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّ مِن رَأْفَتِهِ تَيْسِيرُ هَذِهِ المَصالِحِ وتَسْخِيرُ الأنْعامِ لَكم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مِنَنَهُ بِالأنْعامِ ومَنافِعَها الضَّرُورِيَّةِ، ذَكَرَ الِامْتِنانَ بِمَنافِعِ الحَيَوانِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَيْلَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى (والأنْعامَ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ. ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ أعْظَمَ مَنافِعِها اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِكُلِّ الخَيْلِ، خِلافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (وزِينَةً)، ولَمْ يَكُنْ بِاللّامِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الرُّكُوبِ بِوَساطَةِ الحَرْفِ، وكِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها، والرُّكُوبُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِ لَهم ذَلِكَ فانْتَفى شَرْطُ النَّصْبِ، وهو: اتِّحادُ الفاعِلِ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ. والزِّينَةُ مِن وصْفِ الخالِقِ، فاتَّحَدَ الفاعِلُ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وزِينَةً: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلْناها زِينَةً. ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِتَرْكَبُوها زِينَةً، بِغَيْرِ واوٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: والزِّينَةُ، مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في خَلَقَها، أوْ مِن لِتَرْكَبُوها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وخَلَقَها زِينَةً لِتَرْكَبُوها، أوْ يَجْعَلُ زِينَةً حالًا مِن هاءِ، وخَلَقَها لِتَرْكَبُوها وهي زِينَةٌ وجَمالٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والنَّصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في (تَرْكَبُوها) . والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ ذَواتِ ما يَخْلُقُ تَعالى، فَقالَ الجُمْهُورُ: المَعْنى ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الآدَمِيِّينَ والحَيَواناتِ والجَماداتِ الَّتِي خَلَقَها كُلَّها لِمَنافِعِكم، فَأخْبَرَنا بِأنَّ لَهُ مِنَ الخَلائِقِ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ، لِنَزْدادَ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ بِالإخْبارِ، وإنْ طَوى عَنّا عِلْمَهُ حِكْمَةً لَهُ في طَيِّهِ، وما خَلَقَ تَعالى مِنَ الحَيَوانِ (p-٤٧٧)وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: ما لا تَعْلَمُونَ أصْلَ حُدُوثِهِ كالسُّوسِ في النَّباتِ والدُّودِ في الفَواكِهِ. وقالَ ابْن بَحْرٍ: لا تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وزادَ بَعْدُ في الجَنَّةِ وفي النّارِ لِأهْلِها، والباقِي بِالمَعْنى.
ورُوِيَتْ تَفاسِيرُ في: ما لا تَعْلَمُونَ، في الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والشَّعْبِيِّ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها. ويُقالُ: لَمّا ذَكَرَ الحَيَوانَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا ضَرُورِيًّا وغَيْرَ ضَرُورِيٍّ، أعْقَبَ بِذَكَرِ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ غالِبًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، إذْ تَفاصِيلُهُ خارِجَةٌ عَنِ الإحْصاءِ والعَدِّ، والقَصْدُ مَصْدَرٌ: يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، والسَّبِيلُ هُنا مُفْرَدُ اللَّفْظِ. فَقِيلَ: مُفْرَدُ المَدْلُولِ، والـ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي سَبِيلُ الشَّرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، إذْ لَوْ كانَتْ لَهُ لَمْ يَكُنْ مِنها جائِرٌ. والمَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ طَرِيقِ الهُدى، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ مِن سَلَكَ الطَّرِيقَ القاصِدَ فَعَلى اللَّهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ. وعَلى أنَّ الـ لِلْعَهْدِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾، عائِدٌ عَلى السَّبِيلِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ مُقابِلَها يَدُلُّ عَلَيْها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ مِنها عَلى سَبِيلِ الشَّرْعِ، وتَكُونُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: فِرَقُ الضَّلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ومِن بُنَيّاتِ الطُّرُقِ في هَذِهِ السَّبِيلِ، ومِن شُعَبِها. وقِيلَ: الـ في السَّبِيلِ: لِلْجِنْسِ، وانْقَسَمَتْ إلى مَصْدَرٍ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، وإلى جائِرٍ وهو طَرِيقُ الباطِلِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ كَما قالَ:
؎يَجُورُ بِها المَلّاحُ طَوْرًا ويَهْتَدِي
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ومِنَ الطَّرِيقَةِ جائِرٌ وهُدى ∗∗∗ قَصْدِ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ
قَسَّمَ الطَّرِيقَةَ: إلى جائِرٍ، وإلى هُدًى، وإلى ذِي دَخَلٍ، وهو الفَسادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ هِدايَةَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ (قُلْتُ): لِيُعْلَمَ بِما يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وما لا يَجُوزُ، ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُ المُجَبِّرَةُ لَقِيلَ: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وعَلَيْهِ جائِرُها، أوْ وعَلَيْهِ الجائِرُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ومِنكم جائِرٌ، يَعْنِي ومِنكم جائِرٌ عَنِ القَصْدِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واللَّهُ بَرِئٌ مِنهُ.
﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾، قَسْرًا والجاءً؛ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ومِنها) يَعُودُ عَلى الخَلائِقِ؛ أيْ: ومِنَ الخَلائِقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عِيسى: ومِنكم جائِرٌ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقِراءَةُ عَلِيٍّ: فَمِنكم جائِرٌ، بِالفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. ولَهَداكم: لَخَلَقَ فِيكُمُ الهِدايَةَ، فَلَمْ يَضِلَّ أحَدٌ مِنكم، وهي مَشِيئَةُ الِاخْتِيارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَفَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الِاهْتِداءِ والإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ، لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَّجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللَّهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ انْتَهى. ولَمْ يَعْرِفِ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الزَّجّاجَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ تَأوَّلَ أنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْهُ، وأنَّهُ وقَعَ فِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الثَّوابِ، أوْ إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْ شاءَ لَمَحَضَ قَصْدِ السَّبِيلِ دُونَ الجائِرِ. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (لَهَداكم)، أيْ: ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم.
النحل 16:8
سُورَةُ النَّحْلِ مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣] ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] النُّطْفَةُ: القَطْرَةُ مِنَ الماءِ، نَطَفَ رَأْسُهُ ماءً أيْ: قَطَرَ. الدِّفْءُ: اسْمٌ لِما يُدَّفَأُ بِهِ، أيْ: يُسَخَّنُ. وتَقُولُ العَرَبُ: دَفِئَ يَوْمُنا فَهو دَفِيءٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ سُخُونَةٌ تُزِيلُ البَرْدَ، ودَفِئَ الرَّجُلُ دِفاءً ودَفَأً، وجَمْعُ الدِّفْءِ: أدَفاءٌ. ورَجُلٌ دَفْآنُ وامْرَأةٌ دَفْأى، والدَّفِئَةُ: الإبِلُ الكَثِيرَةُ الأوْبارِ، لِإدْفاءِ بَعْضِها بَعْضًا بِأنْفاسِها. وقَدْ تُشَدَّدُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ، الدَّفِئَةُ: الكَثِيرَةُ الأوْبارِ والشُّحُومِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الدِّفْءُ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها، وما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنها. البَغْلُ: مَعْرُوفٌ، ولِعَمْرِو بْنِ بَحْرٍ الجاحِظِ كِتابُ البِغالِ. الحِمارُ: مُعَيْرُوفٌ، يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْمُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى (p-٤٧٢)حُمُرٍ، وهو القِياسُ وعَلى حَمِيرٍ. الطَّرِيُّ: فَعِيلٌ مِن طَرَّ ويُطِرُ، وطَراوَةً مِثْلُ سَرَّ ويُسِرُّ سَراوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: طَرِيَ يَطْرِي طِراءً وطَراوَةً مِثْلُ: شَقِيَ، يَشْقى، شَقاءً، وشَقاوَةً. المَخْرُ: شَقُّ الماءِ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ. وقالَ الفَرّاءُ: صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ إذا اشْتَدَّتْ، وقَدْ يَكُونُ مِنَ السَّفِينَةِ ونَحْوِها. مادَ: تَحَرَّكَ ودارَ. السَّقْفُ: مَعْرُوفٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى سُقُوفٍ، وهو القِياسُ، وعَلى سُقُفٍ وسَقَفٍ، وفُعُلٌ وفَعَلٌ مَحْفُوظانِ في فَعْلٍ، ولَيْسا مَقِيسَيْنِ فِيهِ.
* *
(﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾: قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ حَمْزَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقِيلَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وقَتْلى أُحُدٍ، وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّك لِلَّذِينِ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] وقِيلَ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ( يُشْرِكُونَ) مَدَنِيٌّ وما سِواهُ مَكِّيٌّ. وعَنْ قَتادَةَ عَكْسُ هَذا.
ووَجْهُ ارْتِباطِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وسُؤالِهِمْ عَمّا أجْرَمُوهُ في دارِ الدُّنْيا، فَقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ بِالأمْرِ: نَصْرُ رَسُولِ اللَّهِ، وظُهُورُهُ عَلى الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما وُعِدُوا مِن قِيامِ السّاعَةِ، أوْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ؛ انْتَهى. وهَذا الثّانِي قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: الأمْرُ هُنا ما وعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّصْرِ وظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ ونَهْبِ الأمْوالِ، والِاسْتِيلاءِ عَلى مَنازِلِهِمْ ودِيارِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: الأمْرُ هُنا مَصْدَرُ أمَرَ، والمُرادُ بِهِ: فَرائِضُهُ وأحْكامُهُ. قِيلَ: وهَذا فِيهِ بَعْدُ، لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ اسْتَعْجَلَ فَرائِضَ مِن قَبْلِ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا: الأمْرُ عِقابُ اللَّهِ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، واسْتِعْجالُ العَذابِ مَنقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ. وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَّجّاجِ: هو ما وعَدَهم بِهِ مِنَ المُجازاةِ عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأمْرُ بَعْضُ أشْراطِ السّاعَةِ. وأتى: قِيلَ: باقٍ عَلى مَعْناهُ مِنَ المُضِيِّ، والمَعْنى: أتى أمْرُ اللَّهِ وعْدًا فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وُقُوعًا. وقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، أتَتْ مَبادِئُهُ وأماراتُهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَسْتَعْجِلُوهُ، بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ خِطابٌ لِلْكُفّارِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. وقالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالياءِ نَهْيًا لِلْكُفّارِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ عَلى الأمْرِ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: فَلا تَسْتَعْجِلُوا اللَّهَ بِالعَذابِ، أوْ بِإتْيانِ يَوْمِ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ والأعْرَجُ وأبُوهُ جَعْفَرٌ، وابْنُ وضّاحٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ. وقَرَأ عِيسى: الأُولى بِالتّاءِ، مِن فَوْقُ، والثّانِيَةُ بِالياءِ والتّاءِ مِن فَوْقُ مَعًا؛ الأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (p-٤٧٣)الَّذِي ومَصْدَرِيَّةً. وأفْضَلُ قِراءَتِهِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِاسْتِعْجالِهِمْ، لِأنَّ اسْتِعْجالَهُمُ اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ، وذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُنْزِلُ، مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ، مُشَدَّدًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ: تُنَزَّلُ، مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، المَلائِكَةُ، بِالرَّفْعِ. والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ. والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْرَجُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ: بِفَتْحِ التّاءِ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما نُنَزِّلُ، بِنُونِ العَظَمَةِ والتَّشْدِيدِ، وقَتادَةُ بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيهِما شُذُوذٌ كَثِيرٌ؛ انْتَهى. وشُذُوذُهُما أنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ التِفاتٌ، والمَلائِكَةُ هَنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ المَلائِكَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّوحُ: الوَحْيُ تَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ عَلى الأنْبِياءِ، ونَظِيرُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو القُرْآنُ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالرُّوحِ أرْواحُ الخَلْقِ، لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُّوحُ: الرَّحْمَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ - ما مَعْناهُ - الرُّوحُ: الهِدايَةُ، لِأنَّها تَحْيا بِها القُلُوبُ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ. وقِيلَ: الرُّوحُ: جِبْرِيلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالرُّوحِ. وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: الرُّوحُ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ، كَما المَلائِكَةُ حَفَظَةٌ عَلَيْنا لا تَراهم. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرُّوحُ اسْمُ مَلَكٍ، ومِنهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرُّوحَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَصُوَرِ ابْنِ آدَمَ، لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهم، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ، بِما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيِّتَةُ بِالجَهْلِ، مِن وحْيِهِ أوْ بِما يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ؛ انْتَهى. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ. ومَن يَشاءُ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْ): مَصْدَرِيَّةٌ، وهي الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، وُصِلَتْ بِالأمْرِ كَما وُصِلَتْ في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، وهو بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ. أوْ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ: بِأنْ أنْذِرُوا، فَيَجْرِي الخِلافُ فِيهِ: أهُوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ؟ أوْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وأنْ أنْذِرُوا) بَدَلًا مِنَ الرُّوحِ، أيْ: نُنَزِّلُهم بِأنْ أنْذِرُوا، وتَقْدِيرُهُ: أنْذِرُوا؛ أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا. أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا؛ انْتَهى. فَجَعَلَها المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأضْمَرَ اسْمَها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وقَدَّرَ إضْمارَ القَوْلِ: حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وهي أقُولُ، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ مَعَ سُهُولَةِ كَوْنِها الشّانِيَّةَ الَّتِي مِن شَأْنِها نَصْبُ المُضارِعِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وصاحِبُ الغُنْيانِ: أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ لِما في التَّنَزُّلِ بِالوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أيْ: أعْلِمُوا النّاسَ، مِن نَذَرْتُ بِكَذا إذا أعْلَمْتُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا النّاسَ قَوْلِي لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ؛ انْتَهى. لَمّا جَعَلَ أنْ هي الَّتِي حُذِفَ مِنها ضَمِيرُ (p-٤٧٤)الشَّأْنِ قَدَّرَ هَذا التَّقْدِيرَ وهو يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا. وقُرِئَ: لِيُنْذِرُوا أنَّهُ، وحَسُنَتِ النِّذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِأُلُوهِيَّتِهِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، ووَعِيدٌ وتَحْذِيرٌ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. ومَعْنى: فاتَّقُونِ؛ أيِ: اتَّقُوا عِقابِي بِاتِّخاذِكم إلَهًا غَيْرِي. وجاءَتِ الحِكايَةُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: إلّا أنا، ولَوْ جاءَتْ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكِلاهُما سائِغٌ. وحِكايَةُ المَعْنى هُنا أبْلَغُ إذْ فِيها نِسْبَةُ الحُكْمِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنَزِّلُ المَلائِكَةَ، ثُمَّ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو بِما ذَكَرَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُها. وبِالحَقِّ، أيْ: بِالواجِبِ اللّائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ تُحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ، وهي: الحَياةُ، والعِلْمُ، والقُدْرَةُ، والإرادَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا يَحِقُّ لَها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: (فَتَعالى) بِزِيادَةِ فاءٍ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُنَبِّهَةً عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مُوجِدِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ عَنْ أنْ يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ العالَمِ العُلْوِيِّ والأرْضِ، وهو اسْتِدْلالٌ بِالخارِجِ، ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ مِن نَفْسِ الإنْسانِ، فَذَكَرَ إنْشاءَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ، وكانَ حَقُّهُ والواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَ ويَنْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ. والخَصِيمُ: مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ، مِن خَصَمَ، بِمَعْنى اخْتَصَمَ، أوْ بِمَعْنى: مُخاصِمٍ، كالخَلِيطِ والجَلِيسِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ أوِ المُظْهِرُها. والظّاهِرُ أنَّ سِياقَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ سِياقُ ذَمٍّ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ الآيَةَ. ولِتَكْرِيرِ ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، ولِقَوْلِهِ في يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] الآيَةَ، وقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وعَنى بِهِ مُخاصَمَتَهم لِأنْبِياءِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ بِالحُجَجِ الدّاحِضَةِ، وأكْثَرُ ما ذُكِرَ الإنْسانُ في القُرْآنِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، أوْ مُرْدَفًا بِالذَّمِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ. وقالَ قَوْمٌ: سِياقُ الوَصْفَيْنِ سِياقُ المَدْحِ، لِأنَّهُ تَعالى قَوّاهُ عَلى مُنازَعَةِ الخُصُومِ، وجَعَلَهُ مُبَيِّنَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، ونَقَلَهُ مِن تِلْكَ الحالَةِ الجَمادِيَّةِ؛ وهو كَوْنُهُ نُطْفَةً إلى الحالَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وهي: حالَةُ النُّطْقِ والإبانَةِ. و(إذْ) هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ مِنَ النُّطْفَةِ لَمْ تَقَعِ المُفاجَأةُ بِالمُخاطَبَةِ إلّا بَعْدَ أحْوالٍ تَطَوَّرَ فِيها، فَتِلْكَ الأحْوالُ مَحْذُوفَةٌ، وتَقَعُ المُفاجَأةُ بَعْدَها.
* *
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الإنْسانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الإنْسانَ وأنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ في كَلامٍ كَثِيرٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الأفْلاكَ والكَواكِبَ أشْرَفُ مِنَ الإنْسانِ. ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ في قِوامِ مَعِيشَتِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا أكْثَرَها مَنافِعَ، وألْزَمَ لِمَن أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ وذَلِكَ الأنْعامُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأنْعامِ في الأنْعامِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لَكم فِيها دِفْءٌ اسْتِئْنافٌ لِذَكَرِ ما يُنْتَفَعُ بِها مِن جِهَتِها، ودِفْءٌ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (لَكم)، ويَتَعَلَّقُ فِيها بِما في (لَكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ فِيها حالًا مِن دِفْءٍ، إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (لَكم) حالًا مِن دِفْءٍ وفِيها الخَبَرُ، وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنًى فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها، لا يَجُوزُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، فَإنْ تَأخَّرَتِ الحالُ عَنِ الجُمْلَةِ جازَتْ بِلا خِلافٍ، أوْ تَوَسَّطَتْ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، ومَنَعَهُ الجُمْهُورُ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (دِفْءٌ) بِـ (لَكم) أوْ نَعْتَها بِـ (الـ)، والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ انْتَهى. ولا تُسَمّى جُمْلَةً، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ، أوْ خَلَقها لَكم كائِنًا فِيها دِفْءٌ، وهَذا مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (لَكم) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَها، وفِيها دِفْءٌ، اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ مَنافِعِ الأنْعامِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِئْنافُ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾، فَقابَلَ المَنفَعَةَ الضَّرُورِيَّةَ بِالمَنفَعَةِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ. (p-٤٧٥)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَكَرُهُ الأُمَوِيُّ عَنْ لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (والأنْعامَ) عَلى الِاشْتِغالِ، وحَسَّنَ النَّصْبَ كَوْنُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ تَقَدَّمَتْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَتُهُ في الشّاذِّ بِرَفْعِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى البَيانِ، وعَلى هَذا كَوْنُ (لَكم) اسْتِئْنافٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَها. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: دِفٌّ؛ بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها، ووَجْهُهُ أنَّهُ نَقَلَ الحَرَكَةَ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ بَعْدَ حَذْفِها، ثُمَّ شَدَّدَ الفاءَ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، إذْ يَجُوزُ تَشْدِيدُها في الوَقْفِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: دِفٌ، بِنَقْلِ الحَرَكَةِ، وحَذْفِ الهَمْزَةِ دُونَ تَشْدِيدِ الفاءِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الزُّهْرِيُّ دُفٌّ بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والفاءُ مُحَرَّكَةٌ بِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ. ومِنهم مَن يُعَوِّضُ مِن هَذِهِ الهَمْزَةِ فَيُشَدِّدُ الفاءَ، وهو أحَدُ وجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ وقْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ومَنافِعُ الرُّكُوبِ؛ الحَمْلُ، والألْبانُ، والسَّمْنُ، والنَّضْحُ عَلَيْها، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأفْرَدَ مَنفَعَةَ الأكْلِ بِالذِّكْرِ، كَما أفْرَدَ مَنفَعَةَ الدِّفْءِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَنافِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): تَقَدُّمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ومِنها تَأْكُلُونَ، مُؤْذِنٌ، بِالِاخْتِصاصِ وقَدْ يُؤْكَلُ مِن غَيْرِها (قُلْتُ): الأكْلُ مِنها هو الأصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ النّاسُ في مَعائِشِهِمْ، وأمّا الأكْلُ مِن غَيْرِها مِنَ الدَّجاجِ والبَطِّ وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ فَكَغَيْرِ المُعْتَدِّ بِهِ، وكالجارِي مَجْرى التَّفَكُّهِ. وما قالَهُ مِنهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ أوِ المَفْعُولِ دالٌّ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِكَ: إذا أكَلْتَ مِنَ الرَّغِيفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّ طُعْمَتَكم مِنها لِأنَّكم تَحْرُثُونَ بِالبَقْرِ، والحَبُّ والثِّمارِ الَّتِي تَأْكُلُونَها مِنها، وتَكْتَسِبُونَ بِإكْراءِ الإبِلِ، وتَبِيعُونَ نِتاجَها وألْبانَها وجُلُودَها؛ انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّبْعِيضُ مَجازًا، أوْ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِ. الجَمالُ: مَصْدَرُ جَمُلَ بِضَمِّ المِيمِ، والرَّجُلُ جَمِيلٌ، والمَرْأةُ جَمِيلَةٌ وجَمْلاءُ؛ عَنِ الكِسائِيِّ وأنْشَدَ:
؎فَهِيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ بَزَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ
ويُطْلَقُ الجَمالُ ويُرادُ بِهِ التَّجَمُّلُ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى إسْقاطِ الزَّوائِدِ. والجَمالُ يَكُونُ في الصُّورَةِ بِحُسْنِ التَّرْكِيبِ يُدْرِكُهُ البَصَرُ، ويُلْقِيهِ في ألْقابٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ. وفي الأخْلاقِ بِاشْتِمالِها عَلى الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ: كالعِلْمِ، والعِفَّةِ، والحِلْمِ، وفي الأفْعالِ: بِوُجُودِها مُلائِمَةً لِمَصالِحِ الخَلْقِ، وجَلْبِ المَنفَعَةِ إلَيْهِمْ، وصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهم. والجَمالُ الَّذِي لَنا في الأنْعامِ هو خارِجٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنا فِيها جَمالٌ وعَظَمَةٌ عِنْدَ النّاسِ بِاقْتِنائِها ودَلالَتِها عَلى سَعادَةِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وكَوْنِهِ فِيها مِن أهْلِ السِّعَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى بِالتَّجَمُّلِ بِها، كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ الضَّرُورِيِّ، لِأنَّ التَّجَمُّلَ بِها مِن أغْراضِ أصْحابِ المَواشِي ومَفاخِرِ أهْلِها، والعَرَبُ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ نَرى أمْسَ فِيهِمْ ∗∗∗ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدَّثْرِ
؎أحَبُّ إلَيْنا مِن أُناسٍ بِقَنَّةٍ ∗∗∗ يَرُوحُ عَلى آثارِ شائِهِمُ النَّمِرُ
. والعَكَرَةُ مِنَ الإبِلِ ما بَيْنَ السِتِّينَ إلى السَّبْعِينَ، والجَمْعُ عَكَرٌ. والدَّثْرُ: الكَثِيرُ، ويُقالُ: أراحَ الماشِيَةَ: رَدَّها بِالعَشِيِّ مِنَ المَرْعى، وسَرَحَها يَسْرَحُها سَرْحًا وسُرُوحًا أخْرَجَها غُدْوَةً إلى المَرْعى، وسَرَحَتْ هي يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ أيّامَ الرَّبِيعِ إذا سَقَطَ الغَيْثُ وكَبُرَ الكَلَأُ وخَرَجُوا (p-٤٧٦)لِلنُّجْعَةِ. وقَدَّمَ الإراحَةَ عَلى السَّرْحِ لِأنَّ الجَمالَ فِيها أظْهَرُ إذا أقْبَلَتْ مَلْأى البُطُونِ، حافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى الحَظائِرِ، بِخِلافِ وقْتِ سَرْحِها، وإنْ كانَتْ في الوَقْتَيْنِ تُزَيِّنُ الأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها الرُّغاءُ والثُّغاءُ، فَيَأْتَنِسُ أهْلُها، وتَفْرَحُ أرْبابُها وتُجِلُّهم في أعْيُنِ النّاظِرِينَ إلَيْها، وتُكْسِبُهُمُ الجاهَ والحُرْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ: (حِينًا) فِيهِما بِالتَّنْوِينِ، وفَكِّ الإضافَةِ. وجَعَلُوا الجُمْلَتَيْنِ صِفَتَيْنِ حُذِفَ مِنهُما العائِدُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] ويَكُونُ العامِلُ في حِينًا عَلى هَذا، إمّا المُبْتَدَأُ لِأنَّهُ في مَعْنى التَّجَمُّلِ، وإمّا خَبَرُهُ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. والأثْقالُ: الأمْتِعَةُ، واحِدُها ثِقَلٌ. وقِيلَ: الأجْسامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] أيْ أجْسادَ بَنِي آدَمَ. وقَوْلُهُ: إلى بَلَدٍ، لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، أيْ: إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ تَوَجَّهْتُمْ إلَيْهِ لِأغْراضِكم. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ وهو مَكَّةُ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ. وقِيلَ: مِصْرُ. ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى المُرادِ، إذِ المِنَّةُ لا تَخْتَصُّ بِالحَمْلِ إلَيْها. ولَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ: صِفَةٌ لِلْبَلَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِها، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى بُعْدِ البَلَدِ، وأنَّهُ مَعَ الِاسْتِعانَةِ بِها بِحَمْلِ الأثْقالِ لا يَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِالمَشَقَّةِ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم دُونَها إلّا بِالمَشَقَّةِ عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِشِقِّ، بِكَسْرِ الشِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ: بِفَتْحِها. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وهُما مَصْدَرانِ مَعْناهُما المَشَقَّةُ. وقِيلَ: الشَّقُّ، بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ، ويَعْنِي بِهِ: المَشَقَّةَ. وقالَ الشّاعِرُ في الكَسْرِ:
؎وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسَبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَءُوبُ
أيْ مَشَقَّتِها. وشِقُّ الشَّيْءِ: نِصْفُهُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ الفَرّاءُ هُنا أيْ: يُذْهِبانِ نِصْفَ الأنْفُسِ، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا كَما تَقُولُ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ. ونَحْوِ هَذا مِنَ المَجازِ. ويُقالُ: أخَذْتُ شِقَّ الشّاةِ أيْ نِصْفَها، والشِّقُّ: الجانِبُ، والأخُ الشَّقِيقُ، وشَقٌّ: اسْمُ كاهِنٍ. وناسَبَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِن حَمْلِها الأثْقالَ الخَتْمُ بِصِفَةِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّ مِن رَأْفَتِهِ تَيْسِيرُ هَذِهِ المَصالِحِ وتَسْخِيرُ الأنْعامِ لَكم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مِنَنَهُ بِالأنْعامِ ومَنافِعَها الضَّرُورِيَّةِ، ذَكَرَ الِامْتِنانَ بِمَنافِعِ الحَيَوانِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَيْلَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى (والأنْعامَ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ. ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ أعْظَمَ مَنافِعِها اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِكُلِّ الخَيْلِ، خِلافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (وزِينَةً)، ولَمْ يَكُنْ بِاللّامِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الرُّكُوبِ بِوَساطَةِ الحَرْفِ، وكِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها، والرُّكُوبُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِ لَهم ذَلِكَ فانْتَفى شَرْطُ النَّصْبِ، وهو: اتِّحادُ الفاعِلِ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ. والزِّينَةُ مِن وصْفِ الخالِقِ، فاتَّحَدَ الفاعِلُ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وزِينَةً: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلْناها زِينَةً. ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِتَرْكَبُوها زِينَةً، بِغَيْرِ واوٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: والزِّينَةُ، مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في خَلَقَها، أوْ مِن لِتَرْكَبُوها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وخَلَقَها زِينَةً لِتَرْكَبُوها، أوْ يَجْعَلُ زِينَةً حالًا مِن هاءِ، وخَلَقَها لِتَرْكَبُوها وهي زِينَةٌ وجَمالٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والنَّصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في (تَرْكَبُوها) . والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ ذَواتِ ما يَخْلُقُ تَعالى، فَقالَ الجُمْهُورُ: المَعْنى ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الآدَمِيِّينَ والحَيَواناتِ والجَماداتِ الَّتِي خَلَقَها كُلَّها لِمَنافِعِكم، فَأخْبَرَنا بِأنَّ لَهُ مِنَ الخَلائِقِ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ، لِنَزْدادَ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ بِالإخْبارِ، وإنْ طَوى عَنّا عِلْمَهُ حِكْمَةً لَهُ في طَيِّهِ، وما خَلَقَ تَعالى مِنَ الحَيَوانِ (p-٤٧٧)وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: ما لا تَعْلَمُونَ أصْلَ حُدُوثِهِ كالسُّوسِ في النَّباتِ والدُّودِ في الفَواكِهِ. وقالَ ابْن بَحْرٍ: لا تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وزادَ بَعْدُ في الجَنَّةِ وفي النّارِ لِأهْلِها، والباقِي بِالمَعْنى.
ورُوِيَتْ تَفاسِيرُ في: ما لا تَعْلَمُونَ، في الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والشَّعْبِيِّ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها. ويُقالُ: لَمّا ذَكَرَ الحَيَوانَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا ضَرُورِيًّا وغَيْرَ ضَرُورِيٍّ، أعْقَبَ بِذَكَرِ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ غالِبًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، إذْ تَفاصِيلُهُ خارِجَةٌ عَنِ الإحْصاءِ والعَدِّ، والقَصْدُ مَصْدَرٌ: يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، والسَّبِيلُ هُنا مُفْرَدُ اللَّفْظِ. فَقِيلَ: مُفْرَدُ المَدْلُولِ، والـ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي سَبِيلُ الشَّرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، إذْ لَوْ كانَتْ لَهُ لَمْ يَكُنْ مِنها جائِرٌ. والمَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ طَرِيقِ الهُدى، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ مِن سَلَكَ الطَّرِيقَ القاصِدَ فَعَلى اللَّهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ. وعَلى أنَّ الـ لِلْعَهْدِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾، عائِدٌ عَلى السَّبِيلِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ مُقابِلَها يَدُلُّ عَلَيْها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ مِنها عَلى سَبِيلِ الشَّرْعِ، وتَكُونُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: فِرَقُ الضَّلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ومِن بُنَيّاتِ الطُّرُقِ في هَذِهِ السَّبِيلِ، ومِن شُعَبِها. وقِيلَ: الـ في السَّبِيلِ: لِلْجِنْسِ، وانْقَسَمَتْ إلى مَصْدَرٍ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، وإلى جائِرٍ وهو طَرِيقُ الباطِلِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ كَما قالَ:
؎يَجُورُ بِها المَلّاحُ طَوْرًا ويَهْتَدِي
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ومِنَ الطَّرِيقَةِ جائِرٌ وهُدى ∗∗∗ قَصْدِ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ
قَسَّمَ الطَّرِيقَةَ: إلى جائِرٍ، وإلى هُدًى، وإلى ذِي دَخَلٍ، وهو الفَسادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ هِدايَةَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ (قُلْتُ): لِيُعْلَمَ بِما يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وما لا يَجُوزُ، ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُ المُجَبِّرَةُ لَقِيلَ: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وعَلَيْهِ جائِرُها، أوْ وعَلَيْهِ الجائِرُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ومِنكم جائِرٌ، يَعْنِي ومِنكم جائِرٌ عَنِ القَصْدِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واللَّهُ بَرِئٌ مِنهُ.
﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾، قَسْرًا والجاءً؛ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ومِنها) يَعُودُ عَلى الخَلائِقِ؛ أيْ: ومِنَ الخَلائِقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عِيسى: ومِنكم جائِرٌ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقِراءَةُ عَلِيٍّ: فَمِنكم جائِرٌ، بِالفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. ولَهَداكم: لَخَلَقَ فِيكُمُ الهِدايَةَ، فَلَمْ يَضِلَّ أحَدٌ مِنكم، وهي مَشِيئَةُ الِاخْتِيارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَفَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الِاهْتِداءِ والإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ، لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَّجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللَّهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ انْتَهى. ولَمْ يَعْرِفِ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الزَّجّاجَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ تَأوَّلَ أنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْهُ، وأنَّهُ وقَعَ فِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الثَّوابِ، أوْ إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْ شاءَ لَمَحَضَ قَصْدِ السَّبِيلِ دُونَ الجائِرِ. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (لَهَداكم)، أيْ: ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم.
النحل 16:9
سُورَةُ النَّحْلِ مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣] ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤] ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] النُّطْفَةُ: القَطْرَةُ مِنَ الماءِ، نَطَفَ رَأْسُهُ ماءً أيْ: قَطَرَ. الدِّفْءُ: اسْمٌ لِما يُدَّفَأُ بِهِ، أيْ: يُسَخَّنُ. وتَقُولُ العَرَبُ: دَفِئَ يَوْمُنا فَهو دَفِيءٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ سُخُونَةٌ تُزِيلُ البَرْدَ، ودَفِئَ الرَّجُلُ دِفاءً ودَفَأً، وجَمْعُ الدِّفْءِ: أدَفاءٌ. ورَجُلٌ دَفْآنُ وامْرَأةٌ دَفْأى، والدَّفِئَةُ: الإبِلُ الكَثِيرَةُ الأوْبارِ، لِإدْفاءِ بَعْضِها بَعْضًا بِأنْفاسِها. وقَدْ تُشَدَّدُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ، الدَّفِئَةُ: الكَثِيرَةُ الأوْبارِ والشُّحُومِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: الدِّفْءُ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها، وما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنها. البَغْلُ: مَعْرُوفٌ، ولِعَمْرِو بْنِ بَحْرٍ الجاحِظِ كِتابُ البِغالِ. الحِمارُ: مُعَيْرُوفٌ، يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْمُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى (p-٤٧٢)حُمُرٍ، وهو القِياسُ وعَلى حَمِيرٍ. الطَّرِيُّ: فَعِيلٌ مِن طَرَّ ويُطِرُ، وطَراوَةً مِثْلُ سَرَّ ويُسِرُّ سَراوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: طَرِيَ يَطْرِي طِراءً وطَراوَةً مِثْلُ: شَقِيَ، يَشْقى، شَقاءً، وشَقاوَةً. المَخْرُ: شَقُّ الماءِ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ. وقالَ الفَرّاءُ: صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِّيحِ إذا اشْتَدَّتْ، وقَدْ يَكُونُ مِنَ السَّفِينَةِ ونَحْوِها. مادَ: تَحَرَّكَ ودارَ. السَّقْفُ: مَعْرُوفٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى سُقُوفٍ، وهو القِياسُ، وعَلى سُقُفٍ وسَقَفٍ، وفُعُلٌ وفَعَلٌ مَحْفُوظانِ في فَعْلٍ، ولَيْسا مَقِيسَيْنِ فِيهِ.
* *
(﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾: قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ حَمْزَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقِيلَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وقَتْلى أُحُدٍ، وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّك لِلَّذِينِ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] وقِيلَ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ( يُشْرِكُونَ) مَدَنِيٌّ وما سِواهُ مَكِّيٌّ. وعَنْ قَتادَةَ عَكْسُ هَذا.
ووَجْهُ ارْتِباطِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وسُؤالِهِمْ عَمّا أجْرَمُوهُ في دارِ الدُّنْيا، فَقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ بِالأمْرِ: نَصْرُ رَسُولِ اللَّهِ، وظُهُورُهُ عَلى الكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما وُعِدُوا مِن قِيامِ السّاعَةِ، أوْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ؛ انْتَهى. وهَذا الثّانِي قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: الأمْرُ هُنا ما وعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّصْرِ وظَفَرِهِ بِأعْدائِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ ونَهْبِ الأمْوالِ، والِاسْتِيلاءِ عَلى مَنازِلِهِمْ ودِيارِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ: الأمْرُ هُنا مَصْدَرُ أمَرَ، والمُرادُ بِهِ: فَرائِضُهُ وأحْكامُهُ. قِيلَ: وهَذا فِيهِ بَعْدُ، لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ اسْتَعْجَلَ فَرائِضَ مِن قَبْلِ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ أيْضًا: الأمْرُ عِقابُ اللَّهِ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، واسْتِعْجالُ العَذابِ مَنقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ. وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَّجّاجِ: هو ما وعَدَهم بِهِ مِنَ المُجازاةِ عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأمْرُ بَعْضُ أشْراطِ السّاعَةِ. وأتى: قِيلَ: باقٍ عَلى مَعْناهُ مِنَ المُضِيِّ، والمَعْنى: أتى أمْرُ اللَّهِ وعْدًا فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وُقُوعًا. وقِيلَ: أتى أمْرُ اللَّهِ، أتَتْ مَبادِئُهُ وأماراتُهُ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَسْتَعْجِلُوهُ، بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ خِطابٌ لِلْكُفّارِ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. وقالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالياءِ نَهْيًا لِلْكُفّارِ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ عَلى الأمْرِ لِأنَّهُ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: فَلا تَسْتَعْجِلُوا اللَّهَ بِالعَذابِ، أوْ بِإتْيانِ يَوْمِ القِيامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ والأعْرَجُ وأبُوهُ جَعْفَرٌ، وابْنُ وضّاحٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ. وقَرَأ عِيسى: الأُولى بِالتّاءِ، مِن فَوْقُ، والثّانِيَةُ بِالياءِ والتّاءِ مِن فَوْقُ مَعًا؛ الأعْمَشُ، وأبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (p-٤٧٣)الَّذِي ومَصْدَرِيَّةً. وأفْضَلُ قِراءَتِهِ عَمّا يُشْرِكُونَ بِاسْتِعْجالِهِمْ، لِأنَّ اسْتِعْجالَهُمُ اسْتِهْزاءٌ وتَكْذِيبٌ، وذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: يُنْزِلُ، مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ، مُشَدَّدًا، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ: تُنَزَّلُ، مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، المَلائِكَةُ، بِالرَّفْعِ. والجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ. والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْرَجُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ: بِفَتْحِ التّاءِ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ما نُنَزِّلُ، بِنُونِ العَظَمَةِ والتَّشْدِيدِ، وقَتادَةُ بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيهِما شُذُوذٌ كَثِيرٌ؛ انْتَهى. وشُذُوذُهُما أنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ التِفاتٌ، والمَلائِكَةُ هَنا جِبْرِيلُ وحْدَهُ قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ المَلائِكَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرُّوحُ: الوَحْيُ تَنْزِلُ بِهِ المَلائِكَةُ عَلى الأنْبِياءِ، ونَظِيرُهُ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو القُرْآنُ، ومِنهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالرُّوحِ أرْواحُ الخَلْقِ، لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُّوحُ: الرَّحْمَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ - ما مَعْناهُ - الرُّوحُ: الهِدايَةُ، لِأنَّها تَحْيا بِها القُلُوبُ، كَما تَحْيا الأبْدانُ بِالأرْواحِ. وقِيلَ: الرُّوحُ: جِبْرِيلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالرُّوحِ. وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: الرُّوحُ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ، كَما المَلائِكَةُ حَفَظَةٌ عَلَيْنا لا تَراهم. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الرُّوحُ اسْمُ مَلَكٍ، ومِنهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرُّوحَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَصُوَرِ ابْنِ آدَمَ، لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهم، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ، بِما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ المَيِّتَةُ بِالجَهْلِ، مِن وحْيِهِ أوْ بِما يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ؛ انْتَهى. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ. ومَن يَشاءُ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، و(أنْ): مَصْدَرِيَّةٌ، وهي الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، وُصِلَتْ بِالأمْرِ كَما وُصِلَتْ في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، وهو بَدَلٌ مِنَ الرُّوحِ. أوْ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ: بِأنْ أنْذِرُوا، فَيَجْرِي الخِلافُ فِيهِ: أهُوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ؟ أوْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وأنْ أنْذِرُوا) بَدَلًا مِنَ الرُّوحِ، أيْ: نُنَزِّلُهم بِأنْ أنْذِرُوا، وتَقْدِيرُهُ: أنْذِرُوا؛ أيْ: بِأنَّ الشَّأْنَ أقُولُ لَكم أنْذِرُوا. أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا؛ انْتَهى. فَجَعَلَها المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأضْمَرَ اسْمَها وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وقَدَّرَ إضْمارَ القَوْلِ: حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وهي أقُولُ، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ مَعَ سُهُولَةِ كَوْنِها الشّانِيَّةَ الَّتِي مِن شَأْنِها نَصْبُ المُضارِعِ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ، وصاحِبُ الغُنْيانِ: أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ لِما في التَّنَزُّلِ بِالوَحْيِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أيْ: أعْلِمُوا النّاسَ، مِن نَذَرْتُ بِكَذا إذا أعْلَمْتُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا النّاسَ قَوْلِي لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ؛ انْتَهى. لَمّا جَعَلَ أنْ هي الَّتِي حُذِفَ مِنها ضَمِيرُ (p-٤٧٤)الشَّأْنِ قَدَّرَ هَذا التَّقْدِيرَ وهو يَقُولُ لَهم: أعْلِمُوا. وقُرِئَ: لِيُنْذِرُوا أنَّهُ، وحَسُنَتِ النِّذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَّفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِأُلُوهِيَّتِهِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، ووَعِيدٌ وتَحْذِيرٌ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. ومَعْنى: فاتَّقُونِ؛ أيِ: اتَّقُوا عِقابِي بِاتِّخاذِكم إلَهًا غَيْرِي. وجاءَتِ الحِكايَةُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: إلّا أنا، ولَوْ جاءَتْ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكِلاهُما سائِغٌ. وحِكايَةُ المَعْنى هُنا أبْلَغُ إذْ فِيها نِسْبَةُ الحُكْمِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنَزِّلُ المَلائِكَةَ، ثُمَّ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو بِما ذَكَرَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهم مُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو خالِقُها. وبِالحَقِّ، أيْ: بِالواجِبِ اللّائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ تُحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ، وهي: الحَياةُ، والعِلْمُ، والقُدْرَةُ، والإرادَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لا يَحِقُّ لَها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: (فَتَعالى) بِزِيادَةِ فاءٍ، وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُنَبِّهَةً عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مُوجِدِ هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ عَنْ أنْ يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ. ولَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ العالَمِ العُلْوِيِّ والأرْضِ، وهو اسْتِدْلالٌ بِالخارِجِ، ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ مِن نَفْسِ الإنْسانِ، فَذَكَرَ إنْشاءَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ، وكانَ حَقُّهُ والواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَ ويَنْقادَ لِأمْرِ اللَّهِ. والخَصِيمُ: مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ، مِن خَصَمَ، بِمَعْنى اخْتَصَمَ، أوْ بِمَعْنى: مُخاصِمٍ، كالخَلِيطِ والجَلِيسِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ أوِ المُظْهِرُها. والظّاهِرُ أنَّ سِياقَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ سِياقُ ذَمٍّ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ الآيَةَ. ولِتَكْرِيرِ ﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، ولِقَوْلِهِ في يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] الآيَةَ، وقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وعَنى بِهِ مُخاصَمَتَهم لِأنْبِياءِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ بِالحُجَجِ الدّاحِضَةِ، وأكْثَرُ ما ذُكِرَ الإنْسانُ في القُرْآنِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، أوْ مُرْدَفًا بِالذَّمِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هَنا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ. وقالَ قَوْمٌ: سِياقُ الوَصْفَيْنِ سِياقُ المَدْحِ، لِأنَّهُ تَعالى قَوّاهُ عَلى مُنازَعَةِ الخُصُومِ، وجَعَلَهُ مُبَيِّنَ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، ونَقَلَهُ مِن تِلْكَ الحالَةِ الجَمادِيَّةِ؛ وهو كَوْنُهُ نُطْفَةً إلى الحالَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وهي: حالَةُ النُّطْقِ والإبانَةِ. و(إذْ) هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ مِنَ النُّطْفَةِ لَمْ تَقَعِ المُفاجَأةُ بِالمُخاطَبَةِ إلّا بَعْدَ أحْوالٍ تَطَوَّرَ فِيها، فَتِلْكَ الأحْوالُ مَحْذُوفَةٌ، وتَقَعُ المُفاجَأةُ بَعْدَها.
* *
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ الأجْسامِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الإنْسانُ، ثُمَّ ذَكَرَ الإنْسانَ وأنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن بَدَنٍ ونَفْسٍ في كَلامٍ كَثِيرٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الأفْلاكَ والكَواكِبَ أشْرَفُ مِنَ الإنْسانِ. ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الإنْسانِ ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ في قِوامِ مَعِيشَتِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا أكْثَرَها مَنافِعَ، وألْزَمَ لِمَن أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ وذَلِكَ الأنْعامُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأنْعامِ في الأنْعامِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ لَكم فِيها دِفْءٌ اسْتِئْنافٌ لِذَكَرِ ما يُنْتَفَعُ بِها مِن جِهَتِها، ودِفْءٌ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (لَكم)، ويَتَعَلَّقُ فِيها بِما في (لَكم) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ فِيها حالًا مِن دِفْءٍ، إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً. وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (لَكم) حالًا مِن دِفْءٍ وفِيها الخَبَرُ، وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنًى فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها، لا يَجُوزُ: قائِمًا في الدّارِ زَيْدٌ، فَإنْ تَأخَّرَتِ الحالُ عَنِ الجُمْلَةِ جازَتْ بِلا خِلافٍ، أوْ تَوَسَّطَتْ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ، ومَنَعَهُ الجُمْهُورُ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (دِفْءٌ) بِـ (لَكم) أوْ نَعْتَها بِـ (الـ)، والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ انْتَهى. ولا تُسَمّى جُمْلَةً، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ، أوْ خَلَقها لَكم كائِنًا فِيها دِفْءٌ، وهَذا مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، لا مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (لَكم) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَها، وفِيها دِفْءٌ، اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ مَنافِعِ الأنْعامِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِئْنافُ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾، فَقابَلَ المَنفَعَةَ الضَّرُورِيَّةَ بِالمَنفَعَةِ غَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ. (p-٤٧٥)وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وذَكَرُهُ الأُمَوِيُّ عَنْ لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ. والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (والأنْعامَ) عَلى الِاشْتِغالِ، وحَسَّنَ النَّصْبَ كَوْنُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ تَقَدَّمَتْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَتُهُ في الشّاذِّ بِرَفْعِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى البَيانِ، وعَلى هَذا كَوْنُ (لَكم) اسْتِئْنافٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَها. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: دِفٌّ؛ بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها، ووَجْهُهُ أنَّهُ نَقَلَ الحَرَكَةَ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ بَعْدَ حَذْفِها، ثُمَّ شَدَّدَ الفاءَ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، إذْ يَجُوزُ تَشْدِيدُها في الوَقْفِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: دِفٌ، بِنَقْلِ الحَرَكَةِ، وحَذْفِ الهَمْزَةِ دُونَ تَشْدِيدِ الفاءِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الزُّهْرِيُّ دُفٌّ بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والفاءُ مُحَرَّكَةٌ بِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ. ومِنهم مَن يُعَوِّضُ مِن هَذِهِ الهَمْزَةِ فَيُشَدِّدُ الفاءَ، وهو أحَدُ وجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ وقْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ومَنافِعُ الرُّكُوبِ؛ الحَمْلُ، والألْبانُ، والسَّمْنُ، والنَّضْحُ عَلَيْها، وغَيْرُ ذَلِكَ. وأفْرَدَ مَنفَعَةَ الأكْلِ بِالذِّكْرِ، كَما أفْرَدَ مَنفَعَةَ الدِّفْءِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَنافِعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): تَقَدُّمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ومِنها تَأْكُلُونَ، مُؤْذِنٌ، بِالِاخْتِصاصِ وقَدْ يُؤْكَلُ مِن غَيْرِها (قُلْتُ): الأكْلُ مِنها هو الأصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ النّاسُ في مَعائِشِهِمْ، وأمّا الأكْلُ مِن غَيْرِها مِنَ الدَّجاجِ والبَطِّ وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ فَكَغَيْرِ المُعْتَدِّ بِهِ، وكالجارِي مَجْرى التَّفَكُّهِ. وما قالَهُ مِنهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ أوِ المَفْعُولِ دالٌّ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِكَ: إذا أكَلْتَ مِنَ الرَّغِيفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنَّ طُعْمَتَكم مِنها لِأنَّكم تَحْرُثُونَ بِالبَقْرِ، والحَبُّ والثِّمارِ الَّتِي تَأْكُلُونَها مِنها، وتَكْتَسِبُونَ بِإكْراءِ الإبِلِ، وتَبِيعُونَ نِتاجَها وألْبانَها وجُلُودَها؛ انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّبْعِيضُ مَجازًا، أوْ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِ. الجَمالُ: مَصْدَرُ جَمُلَ بِضَمِّ المِيمِ، والرَّجُلُ جَمِيلٌ، والمَرْأةُ جَمِيلَةٌ وجَمْلاءُ؛ عَنِ الكِسائِيِّ وأنْشَدَ:
؎فَهِيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ بَزَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ
ويُطْلَقُ الجَمالُ ويُرادُ بِهِ التَّجَمُّلُ، كَأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى إسْقاطِ الزَّوائِدِ. والجَمالُ يَكُونُ في الصُّورَةِ بِحُسْنِ التَّرْكِيبِ يُدْرِكُهُ البَصَرُ، ويُلْقِيهِ في ألْقابٍ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ. وفي الأخْلاقِ بِاشْتِمالِها عَلى الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ: كالعِلْمِ، والعِفَّةِ، والحِلْمِ، وفي الأفْعالِ: بِوُجُودِها مُلائِمَةً لِمَصالِحِ الخَلْقِ، وجَلْبِ المَنفَعَةِ إلَيْهِمْ، وصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهم. والجَمالُ الَّذِي لَنا في الأنْعامِ هو خارِجٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَنا فِيها جَمالٌ وعَظَمَةٌ عِنْدَ النّاسِ بِاقْتِنائِها ودَلالَتِها عَلى سَعادَةِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وكَوْنِهِ فِيها مِن أهْلِ السِّعَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى بِالتَّجَمُّلِ بِها، كَما مَنَّ بِالِانْتِفاعِ الضَّرُورِيِّ، لِأنَّ التَّجَمُّلَ بِها مِن أغْراضِ أصْحابِ المَواشِي ومَفاخِرِ أهْلِها، والعَرَبُ تَفْتَخِرُ بِذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ نَرى أمْسَ فِيهِمْ ∗∗∗ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدَّثْرِ
؎أحَبُّ إلَيْنا مِن أُناسٍ بِقَنَّةٍ ∗∗∗ يَرُوحُ عَلى آثارِ شائِهِمُ النَّمِرُ
. والعَكَرَةُ مِنَ الإبِلِ ما بَيْنَ السِتِّينَ إلى السَّبْعِينَ، والجَمْعُ عَكَرٌ. والدَّثْرُ: الكَثِيرُ، ويُقالُ: أراحَ الماشِيَةَ: رَدَّها بِالعَشِيِّ مِنَ المَرْعى، وسَرَحَها يَسْرَحُها سَرْحًا وسُرُوحًا أخْرَجَها غُدْوَةً إلى المَرْعى، وسَرَحَتْ هي يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ أيّامَ الرَّبِيعِ إذا سَقَطَ الغَيْثُ وكَبُرَ الكَلَأُ وخَرَجُوا (p-٤٧٦)لِلنُّجْعَةِ. وقَدَّمَ الإراحَةَ عَلى السَّرْحِ لِأنَّ الجَمالَ فِيها أظْهَرُ إذا أقْبَلَتْ مَلْأى البُطُونِ، حافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ أوَتْ إلى الحَظائِرِ، بِخِلافِ وقْتِ سَرْحِها، وإنْ كانَتْ في الوَقْتَيْنِ تُزَيِّنُ الأفْنِيَةَ، وتَجاوَبَ فِيها الرُّغاءُ والثُّغاءُ، فَيَأْتَنِسُ أهْلُها، وتَفْرَحُ أرْبابُها وتُجِلُّهم في أعْيُنِ النّاظِرِينَ إلَيْها، وتُكْسِبُهُمُ الجاهَ والحُرْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقَرَأ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ: (حِينًا) فِيهِما بِالتَّنْوِينِ، وفَكِّ الإضافَةِ. وجَعَلُوا الجُمْلَتَيْنِ صِفَتَيْنِ حُذِفَ مِنهُما العائِدُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨] ويَكُونُ العامِلُ في حِينًا عَلى هَذا، إمّا المُبْتَدَأُ لِأنَّهُ في مَعْنى التَّجَمُّلِ، وإمّا خَبَرُهُ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. والأثْقالُ: الأمْتِعَةُ، واحِدُها ثِقَلٌ. وقِيلَ: الأجْسامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] أيْ أجْسادَ بَنِي آدَمَ. وقَوْلُهُ: إلى بَلَدٍ، لا يُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ، أيْ: إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ تَوَجَّهْتُمْ إلَيْهِ لِأغْراضِكم. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَيَّنٌ وهو مَكَّةُ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ. وقِيلَ: مِصْرُ. ويَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا عَلى المُرادِ، إذِ المِنَّةُ لا تَخْتَصُّ بِالحَمْلِ إلَيْها. ولَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ: صِفَةٌ لِلْبَلَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بِها، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى بُعْدِ البَلَدِ، وأنَّهُ مَعَ الِاسْتِعانَةِ بِها بِحَمْلِ الأثْقالِ لا يَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِالمَشَقَّةِ. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ بِأنْفُسِكم دُونَها إلّا بِالمَشَقَّةِ عَنْ أنْ تَحْمِلُوا عَلى ظُهُورِكم أثْقالَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِشِقِّ، بِكَسْرِ الشِّينِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعُمَرُ بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ: بِفَتْحِها. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وهُما مَصْدَرانِ مَعْناهُما المَشَقَّةُ. وقِيلَ: الشَّقُّ، بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ، ويَعْنِي بِهِ: المَشَقَّةَ. وقالَ الشّاعِرُ في الكَسْرِ:
؎وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسَبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَءُوبُ
أيْ مَشَقَّتِها. وشِقُّ الشَّيْءِ: نِصْفُهُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ الفَرّاءُ هُنا أيْ: يُذْهِبانِ نِصْفَ الأنْفُسِ، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا كَما تَقُولُ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ. ونَحْوِ هَذا مِنَ المَجازِ. ويُقالُ: أخَذْتُ شِقَّ الشّاةِ أيْ نِصْفَها، والشِّقُّ: الجانِبُ، والأخُ الشَّقِيقُ، وشَقٌّ: اسْمُ كاهِنٍ. وناسَبَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِن حَمْلِها الأثْقالَ الخَتْمُ بِصِفَةِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّ مِن رَأْفَتِهِ تَيْسِيرُ هَذِهِ المَصالِحِ وتَسْخِيرُ الأنْعامِ لَكم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مِنَنَهُ بِالأنْعامِ ومَنافِعَها الضَّرُورِيَّةِ، ذَكَرَ الِامْتِنانَ بِمَنافِعِ الحَيَوانِ الَّتِي لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَيْلَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى (والأنْعامَ) . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ. ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ أعْظَمَ مَنافِعِها اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِكُلِّ الخَيْلِ، خِلافًا لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ. وانْتَصَبَ (وزِينَةً)، ولَمْ يَكُنْ بِاللّامِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الرُّكُوبِ بِوَساطَةِ الحَرْفِ، وكِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: خَلَقَها، والرُّكُوبُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِ لَهم ذَلِكَ فانْتَفى شَرْطُ النَّصْبِ، وهو: اتِّحادُ الفاعِلِ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ. والزِّينَةُ مِن وصْفِ الخالِقِ، فاتَّحَدَ الفاعِلُ، فَوَصَلَ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وزِينَةً: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلْناها زِينَةً. ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لِتَرْكَبُوها زِينَةً، بِغَيْرِ واوٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: والزِّينَةُ، مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في خَلَقَها، أوْ مِن لِتَرْكَبُوها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وخَلَقَها زِينَةً لِتَرْكَبُوها، أوْ يَجْعَلُ زِينَةً حالًا مِن هاءِ، وخَلَقَها لِتَرْكَبُوها وهي زِينَةٌ وجَمالٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والنَّصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في (تَرْكَبُوها) . والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ ذَواتِ ما يَخْلُقُ تَعالى، فَقالَ الجُمْهُورُ: المَعْنى ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الآدَمِيِّينَ والحَيَواناتِ والجَماداتِ الَّتِي خَلَقَها كُلَّها لِمَنافِعِكم، فَأخْبَرَنا بِأنَّ لَهُ مِنَ الخَلائِقِ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ، لِنَزْدادَ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ بِالإخْبارِ، وإنْ طَوى عَنّا عِلْمَهُ حِكْمَةً لَهُ في طَيِّهِ، وما خَلَقَ تَعالى مِنَ الحَيَوانِ (p-٤٧٧)وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ بَشَرٌ. وقالَ قَتادَةُ: ما لا تَعْلَمُونَ أصْلَ حُدُوثِهِ كالسُّوسِ في النَّباتِ والدُّودِ في الفَواكِهِ. وقالَ ابْن بَحْرٍ: لا تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وزادَ بَعْدُ في الجَنَّةِ وفي النّارِ لِأهْلِها، والباقِي بِالمَعْنى.
ورُوِيَتْ تَفاسِيرُ في: ما لا تَعْلَمُونَ، في الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والشَّعْبِيِّ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها. ويُقالُ: لَمّا ذَكَرَ الحَيَوانَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا ضَرُورِيًّا وغَيْرَ ضَرُورِيٍّ، أعْقَبَ بِذَكَرِ الحَيَوانِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ غالِبًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، إذْ تَفاصِيلُهُ خارِجَةٌ عَنِ الإحْصاءِ والعَدِّ، والقَصْدُ مَصْدَرٌ: يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السّالِكُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، والسَّبِيلُ هُنا مُفْرَدُ اللَّفْظِ. فَقِيلَ: مُفْرَدُ المَدْلُولِ، والـ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي سَبِيلُ الشَّرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، إذْ لَوْ كانَتْ لَهُ لَمْ يَكُنْ مِنها جائِرٌ. والمَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ طَرِيقِ الهُدى، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّ مِن سَلَكَ الطَّرِيقَ القاصِدَ فَعَلى اللَّهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ. وعَلى أنَّ الـ لِلْعَهْدِ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾، عائِدٌ عَلى السَّبِيلِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ مُقابِلَها يَدُلُّ عَلَيْها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ مِنها عَلى سَبِيلِ الشَّرْعِ، وتَكُونُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: فِرَقُ الضَّلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ومِن بُنَيّاتِ الطُّرُقِ في هَذِهِ السَّبِيلِ، ومِن شُعَبِها. وقِيلَ: الـ في السَّبِيلِ: لِلْجِنْسِ، وانْقَسَمَتْ إلى مَصْدَرٍ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، وإلى جائِرٍ وهو طَرِيقُ الباطِلِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ كَما قالَ:
؎يَجُورُ بِها المَلّاحُ طَوْرًا ويَهْتَدِي
وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ومِنَ الطَّرِيقَةِ جائِرٌ وهُدى ∗∗∗ قَصْدِ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ
قَسَّمَ الطَّرِيقَةَ: إلى جائِرٍ، وإلى هُدًى، وإلى ذِي دَخَلٍ، وهو الفَسادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ هِدايَةَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ واجِبَةٌ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾ (قُلْتُ): لِيُعْلَمَ بِما يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وما لا يَجُوزُ، ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُ المُجَبِّرَةُ لَقِيلَ: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وعَلَيْهِ جائِرُها، أوْ وعَلَيْهِ الجائِرُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ومِنكم جائِرٌ، يَعْنِي ومِنكم جائِرٌ عَنِ القَصْدِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واللَّهُ بَرِئٌ مِنهُ.
﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾، قَسْرًا والجاءً؛ انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (ومِنها) يَعُودُ عَلى الخَلائِقِ؛ أيْ: ومِنَ الخَلائِقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عِيسى: ومِنكم جائِرٌ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقِراءَةُ عَلِيٍّ: فَمِنكم جائِرٌ، بِالفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ المِلَلِ المُخْتَلِفَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. ولَهَداكم: لَخَلَقَ فِيكُمُ الهِدايَةَ، فَلَمْ يَضِلَّ أحَدٌ مِنكم، وهي مَشِيئَةُ الِاخْتِيارِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَفَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الِاهْتِداءِ والإيمانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ، لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَّجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللَّهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ انْتَهى. ولَمْ يَعْرِفِ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الزَّجّاجَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ تَأوَّلَ أنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْهُ، وأنَّهُ وقَعَ فِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَوْ شاءَ لَهَداكم إلى الثَّوابِ، أوْ إلى الجَنَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْ شاءَ لَمَحَضَ قَصْدِ السَّبِيلِ دُونَ الجائِرِ. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (لَهَداكم)، أيْ: ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم.