Al-Bahr Al-Muhit — النحل 16:10 – النحل 16:35
المحتويات
النحل 16:10
(p-٤٧٨)﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا امْتَنَّ بِإيجادِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ وإيجادِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها مِنَ الرُّكُوبِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إنْزالِ الماءِ الَّذِي هو قِوامُ حَياتِهِمْ وحَياةِ الحَيَوانِ، وما يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِن أقْواتِهِمْ وأقْواتِها مِنَ الزَّرْعِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ مِنها الأغْلَبَ، ثُمَّ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّيْلِ الَّذِي هو سَكَنٌ لَهم، والنَّهارِ الَّذِي هو مَعاشٌ، ثُمَّ بِالنَّيِّرَيْنِ اللَّذَيْنِ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مُؤَثِّرَيْنِ بِإرادَتِهِ في إصْلاحِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ بِما ذَرَأ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ (لَكم)، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”ماءً“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ويَرْتَفِعُ شَرابٌ بِهِ، أيْ: ماءً كائِنًا لَكم مِنهُ شَرابٌ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْزَلَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وشَرابٌ: مُبْتَدَأٌ. لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الماءِ أخَذَ في تَقْسِيمِهِ. والشَّرابُ هو المَشْرُوبُ، والتَّبْعِيضُ في (مِنهُ) ظاهِرٌ، وأمّا في (مِنهُ شَجَرٌ) فَمَجازٌ، لَمّا كانَ الشَّجَرُ إنْباتُهُ عَلى سَقْيِهِ بِالماءِ جَعَلَ الشَّجَرَ مِنَ الماءِ، كَما قالَ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ، أيْ في سَحابِ المَطَرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو عَلى حَذْفِ المُضافِ، إمّا قَبْلَ الضَّمِيرِ، أيْ: ومِن جِهَتِهِ، أوْ سَقْيُهُ شَجَرٌ، وإمّا قَبْلَ شَجَرٍ، أيْ: شُرِبَ شَجَرٌ كَقَوْلِهِ ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أيْ: حُبَّهُ. والشَّجَرُ هُنا كُلُّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: نُطْعِمُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ، فَسُمِّيَ الكَلَأُ شَجَرًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشَّجَرُ هُنا الكَلَأُ، وفي حَدِيثِ «عِكْرِمَةَ: ”لا تَأْكُلُوا الشَّجَرَ فَإنَّهُ سُحْتٌ“» يَعْنِي الكَلَأ.
ويُقالُ: أسامَ الماشِيَةَ وسَوَّمَها جَعَلَها تَرْعى، وسامَتْ بِنَفْسِها فَهي سائِمَةٌ، وسِوامٌ: رَعَتْ حَيْثُ شاءَتْ، قالَ الزَّجّاجُ: مِنَ السَّوْمَةِ، وهي العَلامَةُ، لِأنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ عَلاماتٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَسِيمُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ، فَإنْ سُمِعَ مُتَعَدِّيًا كانَ هو، وأسامَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وإنْ كانَ لازِمًا فَتَأْوِيلُهُ عَلى حَذْفِ مُضافِ تُسِيمُونَ أيْ: تُسِيمُ مَواشِيكم، لَمّا ذَكَرَ ومِنهُ شَجَرٌ. أخَذَ في ذِكْرِ غالِبِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الشَّجَرِ إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ومِنهُ شَجَرُ العُمُومِ، وإنْ كانَ المُرادُ الكَلَأ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارِ مَنافِعِ الماءِ. ويُقالُ: نَبَتَ الشَّيْءُ وأنْبَتَهُ اللَّهُ فَهو مَنبُوتٌ، وهَذا قِياسُهُ مَنبَتٌ. وقِيلَ: يُقالُ أنْبَتَ الشَّجَرُ، لازِمًا. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎رَأيْتُ ذَوِي الحاجّاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
. أيْ: نَبَتَ. وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: نُنْبِتُ، بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: نُنَبِّتُ، بِالتَّشْدِيدِ قِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَضْعِيفُ التَّعْدِيَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: يَنْبُتُ مِن نَبَتَ، ورَفَعَ الزَّرْعَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وخَصَّ الأرْبَعَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ، وأجْمَعُهُ لِلْمَنافِعِ. وبَدَأ بِالزَّرْعِ لِأنَّهُ قُوتُ أكْثَرِ العالَمِ، ثُمَّ بِالزَّيْتُونِ لِما فِيهِ مِن فائِدَةِ الِاسْتِصْباحِ بِدُهْنِهِ، وهي ضَرُورِيَّةٌ مَعَ مَنفَعَةِ أكْلِهِ والِائْتِدامِ بِهِ وبِدَهْنِهِ، والِاطِّلاءِ بِدُهْنِهِ، ثُمَّ بِالنَّخْلِ لِأنَّ ثَمَرَتَهُ مِن أطْيَبِ الفَواكِهِ، وقُوتٌ في بَعْضِ البِلادِ، ثُمَّ بِالأعْنابِ لِأنَّها فاكِهَةٌ مَحْضَةٌ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، أتى بِلَفْظِ (مِن) الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ الثَّمَراتِ لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ، وإنَّما أُنْبِتَ في الأرْضِ بَعْضٌ مِن كُلِّها لِلتَّذْكِرَةِ. ولَمّا ذَكَرَ الحَيَواناتِ المُنْتَفَعِ بِها عَلى التَّفْصِيلِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ هُنا ذَكَرَ الأنْواعَ المُنْتَفَعَ بِها مِنَ (p-٤٧٩)النَّباتِ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَفْصِيلَ القَوْلِ في أجْناسِها وأنْواعِها وصِفاتِها ومَنافِعها مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ، كَما أنَّ تَفْصِيلَ ما خَلَقَ مِن باقِي الحَيَوانِ لا يَكادُ يُحْصَرُ. وخَتَمَ ذَلِكَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، لِأنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَأمُّلٍ واسْتِعْمالِ فِكْرٍ. ألا تَرى أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وُضِعَتْ في الأرْضِ ومَرَّ عَلَيْها مِقْدارٌ مِنَ الزَّمانِ مُعَيَّنٌ لَحِقَها مِن نَداوَةِ الأرْضِ ما تَنْتَفِخُ بِهِ، فَيَنْشَقُّ أعْلاها فَيَصْعَدُ مِنهُ شَجَرَةٌ إلى الهَواءِ، وأسْفَلُها يَغُوصُ مِنهُ في عُمْقِ الأرْضِ شَجَرَةٌ أُخْرى وهي العُرُوقُ، ثُمَّ يَنْمُو الأعْلى ويَقْوى، وتَخْرُجُ الأوْراقُ والأزْهارُ والأكْمامُ، والثِّمارُ المُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبائِعِ والطُّعُومِ والألْوانِ والرَّوائِحِ والأشْكالِ والمَنافِعِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرِ قادِرٍ مُخْتارٍ وهو اللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والشَّمْسَ“ وما بَعْدَهُ مَنصُوبًا، وانْتَصَبَ (مُسَخَّراتٍ) عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ إنْ كانَ (مُسَخَّراتٍ) اسْمَ مَفْعُولٍ، وهو إعْرابُ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنَّ كَوْنَ المَعْنى: أنَّهُ سَخَّرَها أنْواعًا مِنَ التَّسْخِيرِ جَمْعُ مُسَخَّرٍ، بِمَعْنى: تَسْخِيرٍ مِن قَوْلِكَ: سَخَّرَهُ اللَّهُ مُسَخَّرًا، كَقَوْلِكَ: سَرَّحَهُ مُسَرَّحًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَخَّرَها لَكم تَسْخِيراتٍ بِأمْرِهِ؛ انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: و”الشَّمْسُ“ وما بَعْدَهُ، بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وحَفْصٌ: والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، بِرَفْعِهِما، وهاتانِ القِراءَتانِ يُبْعِدانِ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ مُسَخَّراتٍ بِمَعْنى تَسْخِيراتٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: والرِّياحُ مُسَخَّراتٌ، في مَوْضِعِ، (والنُّجُومُ) وهي مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ. والظّاهِرُ في قِراءَةِ نَصْبِ الجَمِيعِ أنَّ (والنُّجُومَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: والنُّجُومَ، مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَأضْمَرَ الفِعْلَ. وعَلى هَذا الإعْرابِ لا تَكُونُ ”مُسَخَّراتٍ“ حالًا مُؤَكِّدَةً، بَلْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِجَعَلَ إنْ كانَ (جَعَلَ) المُقَدَّرَةُ بِمَعْنى (صَيَّرَ)، وحالًا مُبَيِّنَةً، إنْ كانَ بِمَعْنى (خَلَقَ) . وتَقَدَّمَ شَرْحُ تَسْخِيرِ هَذِهِ النَّيِّراتِ في الأعْرافِ. وجَمَعَ الآياتِ هُنا، وذَكَرَ العَقْلَ، وأفْرَدَ فِيما قَبْلُ، وذَكَرَ التَّفَكُّرَ لِأنَّ فِيما قَبْلُ اسْتِدْلالًا بِإثْباتِ الماءِ وهو واحِدٌ، وإنْ كَثُرَتْ أنْواعُ النَّباتِ، والِاسْتِدْلالُ هُنا مُتَعَدِّدٌ، ولِأنَّ الآثارَ العُلْوِيَّةَ أظْهَرُ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وأبْيَنُ شَهادَةً لِلْكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ.
﴿وما ذَرَأ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ؛ يَعْنِي: ما خَلَقَ فِيها مِن حَيَوانٍ وشَجَرٍ وثَمَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِنَ البَياضِ والسَّوادِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَّمَرِ ومِنَ الطَّعامِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعادِنُ. إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: فِيما ذَرَأ عَلى هَذِهِ الحالِ مِنِ اخْتِلافِ الألْوانِ، أوْ إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: اخْتِلافِ الألْوانِ. وخَتَمَ هَذا بِقَوْلِهِ: يَذَّكَّرُونَ، ومَعْناهُ الِاعْتِبارُ والِاتِّعاظُ، كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ سابِقًا طَرَأ عَلَيْهِ النِّسْيانُ، فَقِيلَ: يَذَّكَّرُونَ، أيْ: يَتَذَكَّرُونَ ما نَسُوا مِن تَسْخِيرِ هَذِهِ المُكَوِّناتِ في الأرْضِ.
﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الِاسْتِدْلالَ بِما ذَرَأ في الأرْضِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن تَسْخِيرِ البَحْرِ. ومَعْنى تَسْخِيرِهِ: كَوْنُهُ يَتْمَكَنُّ النّاسُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ لِلرُّكُوبِ في المَصالِحِ، ولِلْغَوْصِ في اسْتِخْراجِ ما فِيهِ، ولِلِاصْطِيادِ لِما فِيهِ. والبَحْرُ: جِنْسٌ يَشْمَلُ المِلْحَ والعَذْبَ، وبَدَأ أوَّلًا مِن مَنافِعِهِ بِما هو الأهَمُّ وهو الأكْلُ، ومِنهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِتَأْكُلُوا مِن حَيَوانِهِ طَرِيًّا، ثُمَّ ثَنّى بِما يُتَزَيَّنُ بِهِ وهو الحِلْيَةُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، ونَبَّهَ عَلى غايَةِ الحِلْيَةِ وهو اللُّبْسُ. وفِيهِ مَنافِعُ غَيْرُ اللُّبْسِ، فاللَّحْمُ الطَّرِيُّ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ، والحِلْيَةِ مِنَ المِلْحِ. وقِيلَ: إنَّ العَذْبَ يَخْرُجُ مِنهُ لُؤْلُؤٌ لا يُلْبَسُ إلّا قَلِيلًا وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُّمُرُّدِ بَحْرِيًّا، فَأمّا (لِتَأْكُلُوا) فَعامٌّ في النِّساءِ والرِّجالِ، وأمّا (تَلْبَسُونَها) فَخاصٌّ بِالنِّساءِ. والمَعْنى: يَلْبَسُها نِساؤُكم. وأُسْنِدَ اللُّبْسُ إلى (p-٤٨٠)الذُّكُورِ، لِأنَّ النِّساءَ إنَّما يَتَزَيَّنَّ بِالحِلْيَةِ مِن أجْلِ رِجالِهِنَّ، فَكَأنَّها زِينَتُهم ولِباسُهم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الأكْلِ مِنهُ والِاسْتِخْراجِ لِلْحِلْيَةِ، ذَكَرَ نِعْمَةَ تَصَرُّفِ الفُلْكِ فِيهِ؛ ماخِرَةً، أيْ: شاقَّةً فِيهِ، أوْ ذاتَ صَوْتٍ لِشَقِّ الماءِ لِحَمْلِ الأمْتِعَةِ والأقْواتِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها، وأسْنَدَ الرُّؤْيَةَ إلى المُخاطَبِ المُفْرَدِ، فَقالَ: وتَرى، وجَعَلَها جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ: تَعْلِيلِ الِاسْتِخْراجِ، وتَعْلِيلِ الِابْتِغاءِ، لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ جَمْعِ المُخاطَبِ، والظّاهِرُ عَطْفُ، ولِتَبْتَغُوا: عَلى التَّعْلِيلِ قَبْلَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: لِتَبْتَغُوا بِذَلِكَ. ولِتَبْتَغُوا، وأنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وفَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا. والفَضْلُ هُنا حُصُولُ الأرْباحِ بِالتِّجارَةِ، والوُصُولُ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ رُكُوبِ البَحْرِ.
﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، عَلى ما مَنَحَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ. قِيلَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمُورُ، وقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هي بِمَقَرِّ أحَدٍ عَلى ظَهْرِها، فَأصْبَحَتْ وقَدْ أُرْسِيَتْ بِالجِبالِ، لَمْ تَدْرِ المَلائِكَةُ مِمَّ خُلِقَتْ» . وعَطَفَ (وأنْهارًا) عَلى (رَواسِيَ) . ومَعْنى ألْقى: جَعَلَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ [فصلت: ١٠] . وقالَ ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: جَعَلْتُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُتَأوِّلُونَ: ألْقى بِمَعْنى: خَلَقَ وجَعَلَ، وهي عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ (ألْقى) يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أوْجَدَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ ما رُوِيَ في القَصَصِ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ. . . إلى آخِرِ الكَلامِ السّابِقِ، وهو أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: وقَوْلُهُ: وأنْهارًا، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ، أوْ خَلَقَ أنْهارًا، وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ ألْقى، ولَوْ كانَتْ (ألْقى) بِمَعْنى خَلَقَ لَمْ يُحْتَجْ إلى هَذا الإضْمارِ؛ انْتَهى. وأيُّ إجْماعٍ في هَذا، وقَدْ حُكِيَ عَنِ المُتَأوِّلِينَ أنَّ ألْقى بِمَعْنى خَلَقَ وجَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْهارًا، وجَعَلَ فِيها أنْهارًا لِأنَّ (ألْقى) فِيهِ مَعْنى: جَعَلَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا) . وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وشَقَّ أنْهارًا وعَلاماتٍ، أيْ: وضَعَ عَلاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ”رَواسِيَ“ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ أكْثَرَ الأنْهارِ إنَّما تَتَفَجَّرُ مَنابِعُها في الجِبالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أتْبَعَ ذِكْرَها بِتَفْجِيرِ الأنْهارِ، وسُبُلًا: طُرُقًا إلى مَقاصِدِكم ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِالسُّبُلِ إلى مَقاصِدِكم، هَذا هو الظّاهِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] . وقِيلَ: تَهْتَدُونَ، أيْ: بِالنَّظَرِ في دَلالَةِ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، فَهو مِنَ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ، ودِينِ اللَّهِ. وعَلاماتٍ: هي مَعالِمُ الطُّرُقِ، وكُلُّ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ السّابِلَةُ مِن جَبَلٍ وسَهْلٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورَأيْتُ جَماعَةً يَتَعَرَّفُونَ الطُّرُقاتِ بِشَمِّ التُّرابِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العَلامَةُ: صُورَةٌ يُعْلَمُ بِها ما يُرادُ مِن خَطٍّ أوْ لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ هَيْئَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلاماتٍ، نُصِبَ كالمَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٍ، أيْ: عِبْرَةً، وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ وبِالأنْهارِ وبِالسُّبُلِ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: العَلاماتُ: الجِبالُ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: النُّجُومُ. وأغْرَبُ ما فُسِّرَتْ بِهِ العَلاماتُ أنَّها: حَيَّتانِ طُوالٌ رِقاقٌ كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكاتِها تُسَمّى بِالعَلاماتِ، وذَلِكَ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يُسارُ إلَيْهِ مِنَ اليَمَنِ، فَإذا ظَهَرَتْ كانَتْ عَلامَةً لِلْوُصُولِ لِبِلادِ الهِنْدِ وأمارَةً لِلنَّجاةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وبِالنَّجْمِ، عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ: وبِالنُّجُمِ، بِضَمِّ النُّونِ والجِيمِ، وقِراءَةُ الحَسَنِ: بِضَمِّ النُّونِ. وفي اللَّوامِحِ الحَسَنُ: النُّجُمُ بِضَمَّتَيْنِ، وابْنُ وثّابٍ: بِضَمَّةٍ واحِدَةٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ الرِّفاعِيِّ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَذْكُرُهُ عَنْ أصْحابِ عاصِمٍ؛ انْتَهى. وذَلِكَ جَمْعٌ كَسُقُفٍ وسَقَفِ، ورُهُنٍ (p-٤٨١)ورَهَنٍ، وجَعْلُهُ مِمّا جُمِعَ عَلى فُعُلٍ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى أنَّهُ أرادَ النُّجُومَ، فَحَذَفَ الواوَ. إلّا أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهم: النُّجُمُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأنْشَدَ:
؎إنَّ الَّذِي قَضى بِذا قاضٍ حَكَمْ ∗∗∗ أنْ يَرِدَ الماءَ إذا غابَ النُّجُمْ
قالَ: يُرِيدُ النُّجُومَ. مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎حَتّى إذا ابْتَلَّتْ حَلاقِيمُ الحَلْقِ
يُرِيدُ: الحُلُوقَ. والتَّسْكِينُ: قِيلَ تَخْفِيفٌ، وقِيلَ: لُغَةٌ. وعَنِ السُّدِّيِّ: هو الثُّرَيّا، والفَرْقَدانِ، وبَناتُ نَعْشٍ، والجَدْيُ. وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ: الجَدْيُ والفَرْقَدانِ؛ انْتَهى. قِيلَ: والجَدْيُ هو السّابِعُ مِن بَناتِ نَعْشِ الصُّغْرى، والفَرْقَدانِ: الأوَّلانِ مِنها، ولَيْسَ بِالجَدْيِ الَّذِي هو المَنزِلَةُ، وبَعْضُهم يُصَغِّرُهُ فَيَقُولُ: جُدَيٌّ. وفي الحَدِيثِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: وبِالنَّجْمِ، فَقالَ: ”هو الجَدْيُ“» ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَعْدِلْ أحَدٌ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلَيْهِ قِبْلَتُكم، وبِهِ تَهْتَدُونَ في بَرِّكم وبَحْرِكم. وقِيلَ: هو القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي. وقِيلَ: هو الثُّرَيّا. وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا طَلَبَ الجَوْزاءَ والنَّجْمُ طالِعٌ ∗∗∗ فَكُلُّ مَخاضاتِ الفُراتِ مَعابِرُ
وقالَ آخَرُ:
؎حَتّى إذا ما اسْتَقَلَّ النَّجْمُ في غَلَسٍ ∗∗∗ وغُودِرَ البَقْلُ مُلَوًّى ومَحْصُودُ
أيْ ومِنهُ مُلَوًّى، ومِنهُ مَحْصُودٌ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيّا. وهم: ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، خَرَجَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، كانَ الضَّمِيرُ النَّعْتَ بِهِ إلى قُرَيْشٍ إذْ كانَ لَهُمُ اهْتِداءٌ بِالنُّجُومِ في مَسايِرِهِمْ، وكانَ لَهم بِذَلِكَ عِلْمٌ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ، فَكانَ الشُّكْرُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ والِاعْتِبارُ ألْزَمَ لَهم. وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اعْتِناءً ولِأجْلِ الفاصِلَةِ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وبِالنَّجْمِ خُصُوصًا هم يَهْتَدُونَ.
النحل 16:11
(p-٤٧٨)﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا امْتَنَّ بِإيجادِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ وإيجادِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها مِنَ الرُّكُوبِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إنْزالِ الماءِ الَّذِي هو قِوامُ حَياتِهِمْ وحَياةِ الحَيَوانِ، وما يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِن أقْواتِهِمْ وأقْواتِها مِنَ الزَّرْعِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ مِنها الأغْلَبَ، ثُمَّ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّيْلِ الَّذِي هو سَكَنٌ لَهم، والنَّهارِ الَّذِي هو مَعاشٌ، ثُمَّ بِالنَّيِّرَيْنِ اللَّذَيْنِ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مُؤَثِّرَيْنِ بِإرادَتِهِ في إصْلاحِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ بِما ذَرَأ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ (لَكم)، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”ماءً“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ويَرْتَفِعُ شَرابٌ بِهِ، أيْ: ماءً كائِنًا لَكم مِنهُ شَرابٌ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْزَلَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وشَرابٌ: مُبْتَدَأٌ. لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الماءِ أخَذَ في تَقْسِيمِهِ. والشَّرابُ هو المَشْرُوبُ، والتَّبْعِيضُ في (مِنهُ) ظاهِرٌ، وأمّا في (مِنهُ شَجَرٌ) فَمَجازٌ، لَمّا كانَ الشَّجَرُ إنْباتُهُ عَلى سَقْيِهِ بِالماءِ جَعَلَ الشَّجَرَ مِنَ الماءِ، كَما قالَ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ، أيْ في سَحابِ المَطَرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو عَلى حَذْفِ المُضافِ، إمّا قَبْلَ الضَّمِيرِ، أيْ: ومِن جِهَتِهِ، أوْ سَقْيُهُ شَجَرٌ، وإمّا قَبْلَ شَجَرٍ، أيْ: شُرِبَ شَجَرٌ كَقَوْلِهِ ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أيْ: حُبَّهُ. والشَّجَرُ هُنا كُلُّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: نُطْعِمُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ، فَسُمِّيَ الكَلَأُ شَجَرًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشَّجَرُ هُنا الكَلَأُ، وفي حَدِيثِ «عِكْرِمَةَ: ”لا تَأْكُلُوا الشَّجَرَ فَإنَّهُ سُحْتٌ“» يَعْنِي الكَلَأ.
ويُقالُ: أسامَ الماشِيَةَ وسَوَّمَها جَعَلَها تَرْعى، وسامَتْ بِنَفْسِها فَهي سائِمَةٌ، وسِوامٌ: رَعَتْ حَيْثُ شاءَتْ، قالَ الزَّجّاجُ: مِنَ السَّوْمَةِ، وهي العَلامَةُ، لِأنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ عَلاماتٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَسِيمُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ، فَإنْ سُمِعَ مُتَعَدِّيًا كانَ هو، وأسامَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وإنْ كانَ لازِمًا فَتَأْوِيلُهُ عَلى حَذْفِ مُضافِ تُسِيمُونَ أيْ: تُسِيمُ مَواشِيكم، لَمّا ذَكَرَ ومِنهُ شَجَرٌ. أخَذَ في ذِكْرِ غالِبِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الشَّجَرِ إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ومِنهُ شَجَرُ العُمُومِ، وإنْ كانَ المُرادُ الكَلَأ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارِ مَنافِعِ الماءِ. ويُقالُ: نَبَتَ الشَّيْءُ وأنْبَتَهُ اللَّهُ فَهو مَنبُوتٌ، وهَذا قِياسُهُ مَنبَتٌ. وقِيلَ: يُقالُ أنْبَتَ الشَّجَرُ، لازِمًا. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎رَأيْتُ ذَوِي الحاجّاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
. أيْ: نَبَتَ. وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: نُنْبِتُ، بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: نُنَبِّتُ، بِالتَّشْدِيدِ قِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَضْعِيفُ التَّعْدِيَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: يَنْبُتُ مِن نَبَتَ، ورَفَعَ الزَّرْعَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وخَصَّ الأرْبَعَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ، وأجْمَعُهُ لِلْمَنافِعِ. وبَدَأ بِالزَّرْعِ لِأنَّهُ قُوتُ أكْثَرِ العالَمِ، ثُمَّ بِالزَّيْتُونِ لِما فِيهِ مِن فائِدَةِ الِاسْتِصْباحِ بِدُهْنِهِ، وهي ضَرُورِيَّةٌ مَعَ مَنفَعَةِ أكْلِهِ والِائْتِدامِ بِهِ وبِدَهْنِهِ، والِاطِّلاءِ بِدُهْنِهِ، ثُمَّ بِالنَّخْلِ لِأنَّ ثَمَرَتَهُ مِن أطْيَبِ الفَواكِهِ، وقُوتٌ في بَعْضِ البِلادِ، ثُمَّ بِالأعْنابِ لِأنَّها فاكِهَةٌ مَحْضَةٌ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، أتى بِلَفْظِ (مِن) الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ الثَّمَراتِ لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ، وإنَّما أُنْبِتَ في الأرْضِ بَعْضٌ مِن كُلِّها لِلتَّذْكِرَةِ. ولَمّا ذَكَرَ الحَيَواناتِ المُنْتَفَعِ بِها عَلى التَّفْصِيلِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ هُنا ذَكَرَ الأنْواعَ المُنْتَفَعَ بِها مِنَ (p-٤٧٩)النَّباتِ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَفْصِيلَ القَوْلِ في أجْناسِها وأنْواعِها وصِفاتِها ومَنافِعها مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ، كَما أنَّ تَفْصِيلَ ما خَلَقَ مِن باقِي الحَيَوانِ لا يَكادُ يُحْصَرُ. وخَتَمَ ذَلِكَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، لِأنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَأمُّلٍ واسْتِعْمالِ فِكْرٍ. ألا تَرى أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وُضِعَتْ في الأرْضِ ومَرَّ عَلَيْها مِقْدارٌ مِنَ الزَّمانِ مُعَيَّنٌ لَحِقَها مِن نَداوَةِ الأرْضِ ما تَنْتَفِخُ بِهِ، فَيَنْشَقُّ أعْلاها فَيَصْعَدُ مِنهُ شَجَرَةٌ إلى الهَواءِ، وأسْفَلُها يَغُوصُ مِنهُ في عُمْقِ الأرْضِ شَجَرَةٌ أُخْرى وهي العُرُوقُ، ثُمَّ يَنْمُو الأعْلى ويَقْوى، وتَخْرُجُ الأوْراقُ والأزْهارُ والأكْمامُ، والثِّمارُ المُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبائِعِ والطُّعُومِ والألْوانِ والرَّوائِحِ والأشْكالِ والمَنافِعِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرِ قادِرٍ مُخْتارٍ وهو اللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والشَّمْسَ“ وما بَعْدَهُ مَنصُوبًا، وانْتَصَبَ (مُسَخَّراتٍ) عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ إنْ كانَ (مُسَخَّراتٍ) اسْمَ مَفْعُولٍ، وهو إعْرابُ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنَّ كَوْنَ المَعْنى: أنَّهُ سَخَّرَها أنْواعًا مِنَ التَّسْخِيرِ جَمْعُ مُسَخَّرٍ، بِمَعْنى: تَسْخِيرٍ مِن قَوْلِكَ: سَخَّرَهُ اللَّهُ مُسَخَّرًا، كَقَوْلِكَ: سَرَّحَهُ مُسَرَّحًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَخَّرَها لَكم تَسْخِيراتٍ بِأمْرِهِ؛ انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: و”الشَّمْسُ“ وما بَعْدَهُ، بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وحَفْصٌ: والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، بِرَفْعِهِما، وهاتانِ القِراءَتانِ يُبْعِدانِ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ مُسَخَّراتٍ بِمَعْنى تَسْخِيراتٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: والرِّياحُ مُسَخَّراتٌ، في مَوْضِعِ، (والنُّجُومُ) وهي مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ. والظّاهِرُ في قِراءَةِ نَصْبِ الجَمِيعِ أنَّ (والنُّجُومَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: والنُّجُومَ، مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَأضْمَرَ الفِعْلَ. وعَلى هَذا الإعْرابِ لا تَكُونُ ”مُسَخَّراتٍ“ حالًا مُؤَكِّدَةً، بَلْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِجَعَلَ إنْ كانَ (جَعَلَ) المُقَدَّرَةُ بِمَعْنى (صَيَّرَ)، وحالًا مُبَيِّنَةً، إنْ كانَ بِمَعْنى (خَلَقَ) . وتَقَدَّمَ شَرْحُ تَسْخِيرِ هَذِهِ النَّيِّراتِ في الأعْرافِ. وجَمَعَ الآياتِ هُنا، وذَكَرَ العَقْلَ، وأفْرَدَ فِيما قَبْلُ، وذَكَرَ التَّفَكُّرَ لِأنَّ فِيما قَبْلُ اسْتِدْلالًا بِإثْباتِ الماءِ وهو واحِدٌ، وإنْ كَثُرَتْ أنْواعُ النَّباتِ، والِاسْتِدْلالُ هُنا مُتَعَدِّدٌ، ولِأنَّ الآثارَ العُلْوِيَّةَ أظْهَرُ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وأبْيَنُ شَهادَةً لِلْكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ.
﴿وما ذَرَأ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ؛ يَعْنِي: ما خَلَقَ فِيها مِن حَيَوانٍ وشَجَرٍ وثَمَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِنَ البَياضِ والسَّوادِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَّمَرِ ومِنَ الطَّعامِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعادِنُ. إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: فِيما ذَرَأ عَلى هَذِهِ الحالِ مِنِ اخْتِلافِ الألْوانِ، أوْ إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: اخْتِلافِ الألْوانِ. وخَتَمَ هَذا بِقَوْلِهِ: يَذَّكَّرُونَ، ومَعْناهُ الِاعْتِبارُ والِاتِّعاظُ، كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ سابِقًا طَرَأ عَلَيْهِ النِّسْيانُ، فَقِيلَ: يَذَّكَّرُونَ، أيْ: يَتَذَكَّرُونَ ما نَسُوا مِن تَسْخِيرِ هَذِهِ المُكَوِّناتِ في الأرْضِ.
﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الِاسْتِدْلالَ بِما ذَرَأ في الأرْضِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن تَسْخِيرِ البَحْرِ. ومَعْنى تَسْخِيرِهِ: كَوْنُهُ يَتْمَكَنُّ النّاسُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ لِلرُّكُوبِ في المَصالِحِ، ولِلْغَوْصِ في اسْتِخْراجِ ما فِيهِ، ولِلِاصْطِيادِ لِما فِيهِ. والبَحْرُ: جِنْسٌ يَشْمَلُ المِلْحَ والعَذْبَ، وبَدَأ أوَّلًا مِن مَنافِعِهِ بِما هو الأهَمُّ وهو الأكْلُ، ومِنهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِتَأْكُلُوا مِن حَيَوانِهِ طَرِيًّا، ثُمَّ ثَنّى بِما يُتَزَيَّنُ بِهِ وهو الحِلْيَةُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، ونَبَّهَ عَلى غايَةِ الحِلْيَةِ وهو اللُّبْسُ. وفِيهِ مَنافِعُ غَيْرُ اللُّبْسِ، فاللَّحْمُ الطَّرِيُّ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ، والحِلْيَةِ مِنَ المِلْحِ. وقِيلَ: إنَّ العَذْبَ يَخْرُجُ مِنهُ لُؤْلُؤٌ لا يُلْبَسُ إلّا قَلِيلًا وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُّمُرُّدِ بَحْرِيًّا، فَأمّا (لِتَأْكُلُوا) فَعامٌّ في النِّساءِ والرِّجالِ، وأمّا (تَلْبَسُونَها) فَخاصٌّ بِالنِّساءِ. والمَعْنى: يَلْبَسُها نِساؤُكم. وأُسْنِدَ اللُّبْسُ إلى (p-٤٨٠)الذُّكُورِ، لِأنَّ النِّساءَ إنَّما يَتَزَيَّنَّ بِالحِلْيَةِ مِن أجْلِ رِجالِهِنَّ، فَكَأنَّها زِينَتُهم ولِباسُهم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الأكْلِ مِنهُ والِاسْتِخْراجِ لِلْحِلْيَةِ، ذَكَرَ نِعْمَةَ تَصَرُّفِ الفُلْكِ فِيهِ؛ ماخِرَةً، أيْ: شاقَّةً فِيهِ، أوْ ذاتَ صَوْتٍ لِشَقِّ الماءِ لِحَمْلِ الأمْتِعَةِ والأقْواتِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها، وأسْنَدَ الرُّؤْيَةَ إلى المُخاطَبِ المُفْرَدِ، فَقالَ: وتَرى، وجَعَلَها جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ: تَعْلِيلِ الِاسْتِخْراجِ، وتَعْلِيلِ الِابْتِغاءِ، لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ جَمْعِ المُخاطَبِ، والظّاهِرُ عَطْفُ، ولِتَبْتَغُوا: عَلى التَّعْلِيلِ قَبْلَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: لِتَبْتَغُوا بِذَلِكَ. ولِتَبْتَغُوا، وأنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وفَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا. والفَضْلُ هُنا حُصُولُ الأرْباحِ بِالتِّجارَةِ، والوُصُولُ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ رُكُوبِ البَحْرِ.
﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، عَلى ما مَنَحَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ. قِيلَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمُورُ، وقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هي بِمَقَرِّ أحَدٍ عَلى ظَهْرِها، فَأصْبَحَتْ وقَدْ أُرْسِيَتْ بِالجِبالِ، لَمْ تَدْرِ المَلائِكَةُ مِمَّ خُلِقَتْ» . وعَطَفَ (وأنْهارًا) عَلى (رَواسِيَ) . ومَعْنى ألْقى: جَعَلَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ [فصلت: ١٠] . وقالَ ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: جَعَلْتُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُتَأوِّلُونَ: ألْقى بِمَعْنى: خَلَقَ وجَعَلَ، وهي عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ (ألْقى) يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أوْجَدَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ ما رُوِيَ في القَصَصِ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ. . . إلى آخِرِ الكَلامِ السّابِقِ، وهو أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: وقَوْلُهُ: وأنْهارًا، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ، أوْ خَلَقَ أنْهارًا، وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ ألْقى، ولَوْ كانَتْ (ألْقى) بِمَعْنى خَلَقَ لَمْ يُحْتَجْ إلى هَذا الإضْمارِ؛ انْتَهى. وأيُّ إجْماعٍ في هَذا، وقَدْ حُكِيَ عَنِ المُتَأوِّلِينَ أنَّ ألْقى بِمَعْنى خَلَقَ وجَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْهارًا، وجَعَلَ فِيها أنْهارًا لِأنَّ (ألْقى) فِيهِ مَعْنى: جَعَلَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا) . وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وشَقَّ أنْهارًا وعَلاماتٍ، أيْ: وضَعَ عَلاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ”رَواسِيَ“ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ أكْثَرَ الأنْهارِ إنَّما تَتَفَجَّرُ مَنابِعُها في الجِبالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أتْبَعَ ذِكْرَها بِتَفْجِيرِ الأنْهارِ، وسُبُلًا: طُرُقًا إلى مَقاصِدِكم ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِالسُّبُلِ إلى مَقاصِدِكم، هَذا هو الظّاهِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] . وقِيلَ: تَهْتَدُونَ، أيْ: بِالنَّظَرِ في دَلالَةِ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، فَهو مِنَ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ، ودِينِ اللَّهِ. وعَلاماتٍ: هي مَعالِمُ الطُّرُقِ، وكُلُّ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ السّابِلَةُ مِن جَبَلٍ وسَهْلٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورَأيْتُ جَماعَةً يَتَعَرَّفُونَ الطُّرُقاتِ بِشَمِّ التُّرابِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العَلامَةُ: صُورَةٌ يُعْلَمُ بِها ما يُرادُ مِن خَطٍّ أوْ لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ هَيْئَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلاماتٍ، نُصِبَ كالمَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٍ، أيْ: عِبْرَةً، وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ وبِالأنْهارِ وبِالسُّبُلِ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: العَلاماتُ: الجِبالُ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: النُّجُومُ. وأغْرَبُ ما فُسِّرَتْ بِهِ العَلاماتُ أنَّها: حَيَّتانِ طُوالٌ رِقاقٌ كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكاتِها تُسَمّى بِالعَلاماتِ، وذَلِكَ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يُسارُ إلَيْهِ مِنَ اليَمَنِ، فَإذا ظَهَرَتْ كانَتْ عَلامَةً لِلْوُصُولِ لِبِلادِ الهِنْدِ وأمارَةً لِلنَّجاةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وبِالنَّجْمِ، عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ: وبِالنُّجُمِ، بِضَمِّ النُّونِ والجِيمِ، وقِراءَةُ الحَسَنِ: بِضَمِّ النُّونِ. وفي اللَّوامِحِ الحَسَنُ: النُّجُمُ بِضَمَّتَيْنِ، وابْنُ وثّابٍ: بِضَمَّةٍ واحِدَةٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ الرِّفاعِيِّ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَذْكُرُهُ عَنْ أصْحابِ عاصِمٍ؛ انْتَهى. وذَلِكَ جَمْعٌ كَسُقُفٍ وسَقَفِ، ورُهُنٍ (p-٤٨١)ورَهَنٍ، وجَعْلُهُ مِمّا جُمِعَ عَلى فُعُلٍ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى أنَّهُ أرادَ النُّجُومَ، فَحَذَفَ الواوَ. إلّا أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهم: النُّجُمُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأنْشَدَ:
؎إنَّ الَّذِي قَضى بِذا قاضٍ حَكَمْ ∗∗∗ أنْ يَرِدَ الماءَ إذا غابَ النُّجُمْ
قالَ: يُرِيدُ النُّجُومَ. مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎حَتّى إذا ابْتَلَّتْ حَلاقِيمُ الحَلْقِ
يُرِيدُ: الحُلُوقَ. والتَّسْكِينُ: قِيلَ تَخْفِيفٌ، وقِيلَ: لُغَةٌ. وعَنِ السُّدِّيِّ: هو الثُّرَيّا، والفَرْقَدانِ، وبَناتُ نَعْشٍ، والجَدْيُ. وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ: الجَدْيُ والفَرْقَدانِ؛ انْتَهى. قِيلَ: والجَدْيُ هو السّابِعُ مِن بَناتِ نَعْشِ الصُّغْرى، والفَرْقَدانِ: الأوَّلانِ مِنها، ولَيْسَ بِالجَدْيِ الَّذِي هو المَنزِلَةُ، وبَعْضُهم يُصَغِّرُهُ فَيَقُولُ: جُدَيٌّ. وفي الحَدِيثِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: وبِالنَّجْمِ، فَقالَ: ”هو الجَدْيُ“» ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَعْدِلْ أحَدٌ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلَيْهِ قِبْلَتُكم، وبِهِ تَهْتَدُونَ في بَرِّكم وبَحْرِكم. وقِيلَ: هو القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي. وقِيلَ: هو الثُّرَيّا. وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا طَلَبَ الجَوْزاءَ والنَّجْمُ طالِعٌ ∗∗∗ فَكُلُّ مَخاضاتِ الفُراتِ مَعابِرُ
وقالَ آخَرُ:
؎حَتّى إذا ما اسْتَقَلَّ النَّجْمُ في غَلَسٍ ∗∗∗ وغُودِرَ البَقْلُ مُلَوًّى ومَحْصُودُ
أيْ ومِنهُ مُلَوًّى، ومِنهُ مَحْصُودٌ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيّا. وهم: ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، خَرَجَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، كانَ الضَّمِيرُ النَّعْتَ بِهِ إلى قُرَيْشٍ إذْ كانَ لَهُمُ اهْتِداءٌ بِالنُّجُومِ في مَسايِرِهِمْ، وكانَ لَهم بِذَلِكَ عِلْمٌ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ، فَكانَ الشُّكْرُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ والِاعْتِبارُ ألْزَمَ لَهم. وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اعْتِناءً ولِأجْلِ الفاصِلَةِ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وبِالنَّجْمِ خُصُوصًا هم يَهْتَدُونَ.
النحل 16:12
(p-٤٧٨)﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا امْتَنَّ بِإيجادِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ وإيجادِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها مِنَ الرُّكُوبِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إنْزالِ الماءِ الَّذِي هو قِوامُ حَياتِهِمْ وحَياةِ الحَيَوانِ، وما يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِن أقْواتِهِمْ وأقْواتِها مِنَ الزَّرْعِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ مِنها الأغْلَبَ، ثُمَّ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّيْلِ الَّذِي هو سَكَنٌ لَهم، والنَّهارِ الَّذِي هو مَعاشٌ، ثُمَّ بِالنَّيِّرَيْنِ اللَّذَيْنِ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مُؤَثِّرَيْنِ بِإرادَتِهِ في إصْلاحِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ بِما ذَرَأ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ (لَكم)، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”ماءً“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ويَرْتَفِعُ شَرابٌ بِهِ، أيْ: ماءً كائِنًا لَكم مِنهُ شَرابٌ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْزَلَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وشَرابٌ: مُبْتَدَأٌ. لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الماءِ أخَذَ في تَقْسِيمِهِ. والشَّرابُ هو المَشْرُوبُ، والتَّبْعِيضُ في (مِنهُ) ظاهِرٌ، وأمّا في (مِنهُ شَجَرٌ) فَمَجازٌ، لَمّا كانَ الشَّجَرُ إنْباتُهُ عَلى سَقْيِهِ بِالماءِ جَعَلَ الشَّجَرَ مِنَ الماءِ، كَما قالَ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ، أيْ في سَحابِ المَطَرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو عَلى حَذْفِ المُضافِ، إمّا قَبْلَ الضَّمِيرِ، أيْ: ومِن جِهَتِهِ، أوْ سَقْيُهُ شَجَرٌ، وإمّا قَبْلَ شَجَرٍ، أيْ: شُرِبَ شَجَرٌ كَقَوْلِهِ ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أيْ: حُبَّهُ. والشَّجَرُ هُنا كُلُّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: نُطْعِمُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ، فَسُمِّيَ الكَلَأُ شَجَرًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشَّجَرُ هُنا الكَلَأُ، وفي حَدِيثِ «عِكْرِمَةَ: ”لا تَأْكُلُوا الشَّجَرَ فَإنَّهُ سُحْتٌ“» يَعْنِي الكَلَأ.
ويُقالُ: أسامَ الماشِيَةَ وسَوَّمَها جَعَلَها تَرْعى، وسامَتْ بِنَفْسِها فَهي سائِمَةٌ، وسِوامٌ: رَعَتْ حَيْثُ شاءَتْ، قالَ الزَّجّاجُ: مِنَ السَّوْمَةِ، وهي العَلامَةُ، لِأنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ عَلاماتٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَسِيمُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ، فَإنْ سُمِعَ مُتَعَدِّيًا كانَ هو، وأسامَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وإنْ كانَ لازِمًا فَتَأْوِيلُهُ عَلى حَذْفِ مُضافِ تُسِيمُونَ أيْ: تُسِيمُ مَواشِيكم، لَمّا ذَكَرَ ومِنهُ شَجَرٌ. أخَذَ في ذِكْرِ غالِبِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الشَّجَرِ إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ومِنهُ شَجَرُ العُمُومِ، وإنْ كانَ المُرادُ الكَلَأ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارِ مَنافِعِ الماءِ. ويُقالُ: نَبَتَ الشَّيْءُ وأنْبَتَهُ اللَّهُ فَهو مَنبُوتٌ، وهَذا قِياسُهُ مَنبَتٌ. وقِيلَ: يُقالُ أنْبَتَ الشَّجَرُ، لازِمًا. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎رَأيْتُ ذَوِي الحاجّاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
. أيْ: نَبَتَ. وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: نُنْبِتُ، بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: نُنَبِّتُ، بِالتَّشْدِيدِ قِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَضْعِيفُ التَّعْدِيَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: يَنْبُتُ مِن نَبَتَ، ورَفَعَ الزَّرْعَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وخَصَّ الأرْبَعَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ، وأجْمَعُهُ لِلْمَنافِعِ. وبَدَأ بِالزَّرْعِ لِأنَّهُ قُوتُ أكْثَرِ العالَمِ، ثُمَّ بِالزَّيْتُونِ لِما فِيهِ مِن فائِدَةِ الِاسْتِصْباحِ بِدُهْنِهِ، وهي ضَرُورِيَّةٌ مَعَ مَنفَعَةِ أكْلِهِ والِائْتِدامِ بِهِ وبِدَهْنِهِ، والِاطِّلاءِ بِدُهْنِهِ، ثُمَّ بِالنَّخْلِ لِأنَّ ثَمَرَتَهُ مِن أطْيَبِ الفَواكِهِ، وقُوتٌ في بَعْضِ البِلادِ، ثُمَّ بِالأعْنابِ لِأنَّها فاكِهَةٌ مَحْضَةٌ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، أتى بِلَفْظِ (مِن) الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ الثَّمَراتِ لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ، وإنَّما أُنْبِتَ في الأرْضِ بَعْضٌ مِن كُلِّها لِلتَّذْكِرَةِ. ولَمّا ذَكَرَ الحَيَواناتِ المُنْتَفَعِ بِها عَلى التَّفْصِيلِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ هُنا ذَكَرَ الأنْواعَ المُنْتَفَعَ بِها مِنَ (p-٤٧٩)النَّباتِ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَفْصِيلَ القَوْلِ في أجْناسِها وأنْواعِها وصِفاتِها ومَنافِعها مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ، كَما أنَّ تَفْصِيلَ ما خَلَقَ مِن باقِي الحَيَوانِ لا يَكادُ يُحْصَرُ. وخَتَمَ ذَلِكَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، لِأنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَأمُّلٍ واسْتِعْمالِ فِكْرٍ. ألا تَرى أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وُضِعَتْ في الأرْضِ ومَرَّ عَلَيْها مِقْدارٌ مِنَ الزَّمانِ مُعَيَّنٌ لَحِقَها مِن نَداوَةِ الأرْضِ ما تَنْتَفِخُ بِهِ، فَيَنْشَقُّ أعْلاها فَيَصْعَدُ مِنهُ شَجَرَةٌ إلى الهَواءِ، وأسْفَلُها يَغُوصُ مِنهُ في عُمْقِ الأرْضِ شَجَرَةٌ أُخْرى وهي العُرُوقُ، ثُمَّ يَنْمُو الأعْلى ويَقْوى، وتَخْرُجُ الأوْراقُ والأزْهارُ والأكْمامُ، والثِّمارُ المُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبائِعِ والطُّعُومِ والألْوانِ والرَّوائِحِ والأشْكالِ والمَنافِعِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرِ قادِرٍ مُخْتارٍ وهو اللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والشَّمْسَ“ وما بَعْدَهُ مَنصُوبًا، وانْتَصَبَ (مُسَخَّراتٍ) عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ إنْ كانَ (مُسَخَّراتٍ) اسْمَ مَفْعُولٍ، وهو إعْرابُ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنَّ كَوْنَ المَعْنى: أنَّهُ سَخَّرَها أنْواعًا مِنَ التَّسْخِيرِ جَمْعُ مُسَخَّرٍ، بِمَعْنى: تَسْخِيرٍ مِن قَوْلِكَ: سَخَّرَهُ اللَّهُ مُسَخَّرًا، كَقَوْلِكَ: سَرَّحَهُ مُسَرَّحًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَخَّرَها لَكم تَسْخِيراتٍ بِأمْرِهِ؛ انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: و”الشَّمْسُ“ وما بَعْدَهُ، بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وحَفْصٌ: والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، بِرَفْعِهِما، وهاتانِ القِراءَتانِ يُبْعِدانِ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ مُسَخَّراتٍ بِمَعْنى تَسْخِيراتٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: والرِّياحُ مُسَخَّراتٌ، في مَوْضِعِ، (والنُّجُومُ) وهي مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ. والظّاهِرُ في قِراءَةِ نَصْبِ الجَمِيعِ أنَّ (والنُّجُومَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: والنُّجُومَ، مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَأضْمَرَ الفِعْلَ. وعَلى هَذا الإعْرابِ لا تَكُونُ ”مُسَخَّراتٍ“ حالًا مُؤَكِّدَةً، بَلْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِجَعَلَ إنْ كانَ (جَعَلَ) المُقَدَّرَةُ بِمَعْنى (صَيَّرَ)، وحالًا مُبَيِّنَةً، إنْ كانَ بِمَعْنى (خَلَقَ) . وتَقَدَّمَ شَرْحُ تَسْخِيرِ هَذِهِ النَّيِّراتِ في الأعْرافِ. وجَمَعَ الآياتِ هُنا، وذَكَرَ العَقْلَ، وأفْرَدَ فِيما قَبْلُ، وذَكَرَ التَّفَكُّرَ لِأنَّ فِيما قَبْلُ اسْتِدْلالًا بِإثْباتِ الماءِ وهو واحِدٌ، وإنْ كَثُرَتْ أنْواعُ النَّباتِ، والِاسْتِدْلالُ هُنا مُتَعَدِّدٌ، ولِأنَّ الآثارَ العُلْوِيَّةَ أظْهَرُ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وأبْيَنُ شَهادَةً لِلْكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ.
﴿وما ذَرَأ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ؛ يَعْنِي: ما خَلَقَ فِيها مِن حَيَوانٍ وشَجَرٍ وثَمَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِنَ البَياضِ والسَّوادِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَّمَرِ ومِنَ الطَّعامِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعادِنُ. إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: فِيما ذَرَأ عَلى هَذِهِ الحالِ مِنِ اخْتِلافِ الألْوانِ، أوْ إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: اخْتِلافِ الألْوانِ. وخَتَمَ هَذا بِقَوْلِهِ: يَذَّكَّرُونَ، ومَعْناهُ الِاعْتِبارُ والِاتِّعاظُ، كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ سابِقًا طَرَأ عَلَيْهِ النِّسْيانُ، فَقِيلَ: يَذَّكَّرُونَ، أيْ: يَتَذَكَّرُونَ ما نَسُوا مِن تَسْخِيرِ هَذِهِ المُكَوِّناتِ في الأرْضِ.
﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الِاسْتِدْلالَ بِما ذَرَأ في الأرْضِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن تَسْخِيرِ البَحْرِ. ومَعْنى تَسْخِيرِهِ: كَوْنُهُ يَتْمَكَنُّ النّاسُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ لِلرُّكُوبِ في المَصالِحِ، ولِلْغَوْصِ في اسْتِخْراجِ ما فِيهِ، ولِلِاصْطِيادِ لِما فِيهِ. والبَحْرُ: جِنْسٌ يَشْمَلُ المِلْحَ والعَذْبَ، وبَدَأ أوَّلًا مِن مَنافِعِهِ بِما هو الأهَمُّ وهو الأكْلُ، ومِنهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِتَأْكُلُوا مِن حَيَوانِهِ طَرِيًّا، ثُمَّ ثَنّى بِما يُتَزَيَّنُ بِهِ وهو الحِلْيَةُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، ونَبَّهَ عَلى غايَةِ الحِلْيَةِ وهو اللُّبْسُ. وفِيهِ مَنافِعُ غَيْرُ اللُّبْسِ، فاللَّحْمُ الطَّرِيُّ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ، والحِلْيَةِ مِنَ المِلْحِ. وقِيلَ: إنَّ العَذْبَ يَخْرُجُ مِنهُ لُؤْلُؤٌ لا يُلْبَسُ إلّا قَلِيلًا وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُّمُرُّدِ بَحْرِيًّا، فَأمّا (لِتَأْكُلُوا) فَعامٌّ في النِّساءِ والرِّجالِ، وأمّا (تَلْبَسُونَها) فَخاصٌّ بِالنِّساءِ. والمَعْنى: يَلْبَسُها نِساؤُكم. وأُسْنِدَ اللُّبْسُ إلى (p-٤٨٠)الذُّكُورِ، لِأنَّ النِّساءَ إنَّما يَتَزَيَّنَّ بِالحِلْيَةِ مِن أجْلِ رِجالِهِنَّ، فَكَأنَّها زِينَتُهم ولِباسُهم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الأكْلِ مِنهُ والِاسْتِخْراجِ لِلْحِلْيَةِ، ذَكَرَ نِعْمَةَ تَصَرُّفِ الفُلْكِ فِيهِ؛ ماخِرَةً، أيْ: شاقَّةً فِيهِ، أوْ ذاتَ صَوْتٍ لِشَقِّ الماءِ لِحَمْلِ الأمْتِعَةِ والأقْواتِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها، وأسْنَدَ الرُّؤْيَةَ إلى المُخاطَبِ المُفْرَدِ، فَقالَ: وتَرى، وجَعَلَها جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ: تَعْلِيلِ الِاسْتِخْراجِ، وتَعْلِيلِ الِابْتِغاءِ، لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ جَمْعِ المُخاطَبِ، والظّاهِرُ عَطْفُ، ولِتَبْتَغُوا: عَلى التَّعْلِيلِ قَبْلَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: لِتَبْتَغُوا بِذَلِكَ. ولِتَبْتَغُوا، وأنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وفَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا. والفَضْلُ هُنا حُصُولُ الأرْباحِ بِالتِّجارَةِ، والوُصُولُ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ رُكُوبِ البَحْرِ.
﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، عَلى ما مَنَحَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ. قِيلَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمُورُ، وقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هي بِمَقَرِّ أحَدٍ عَلى ظَهْرِها، فَأصْبَحَتْ وقَدْ أُرْسِيَتْ بِالجِبالِ، لَمْ تَدْرِ المَلائِكَةُ مِمَّ خُلِقَتْ» . وعَطَفَ (وأنْهارًا) عَلى (رَواسِيَ) . ومَعْنى ألْقى: جَعَلَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ [فصلت: ١٠] . وقالَ ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: جَعَلْتُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُتَأوِّلُونَ: ألْقى بِمَعْنى: خَلَقَ وجَعَلَ، وهي عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ (ألْقى) يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أوْجَدَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ ما رُوِيَ في القَصَصِ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ. . . إلى آخِرِ الكَلامِ السّابِقِ، وهو أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: وقَوْلُهُ: وأنْهارًا، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ، أوْ خَلَقَ أنْهارًا، وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ ألْقى، ولَوْ كانَتْ (ألْقى) بِمَعْنى خَلَقَ لَمْ يُحْتَجْ إلى هَذا الإضْمارِ؛ انْتَهى. وأيُّ إجْماعٍ في هَذا، وقَدْ حُكِيَ عَنِ المُتَأوِّلِينَ أنَّ ألْقى بِمَعْنى خَلَقَ وجَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْهارًا، وجَعَلَ فِيها أنْهارًا لِأنَّ (ألْقى) فِيهِ مَعْنى: جَعَلَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا) . وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وشَقَّ أنْهارًا وعَلاماتٍ، أيْ: وضَعَ عَلاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ”رَواسِيَ“ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ أكْثَرَ الأنْهارِ إنَّما تَتَفَجَّرُ مَنابِعُها في الجِبالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أتْبَعَ ذِكْرَها بِتَفْجِيرِ الأنْهارِ، وسُبُلًا: طُرُقًا إلى مَقاصِدِكم ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِالسُّبُلِ إلى مَقاصِدِكم، هَذا هو الظّاهِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] . وقِيلَ: تَهْتَدُونَ، أيْ: بِالنَّظَرِ في دَلالَةِ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، فَهو مِنَ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ، ودِينِ اللَّهِ. وعَلاماتٍ: هي مَعالِمُ الطُّرُقِ، وكُلُّ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ السّابِلَةُ مِن جَبَلٍ وسَهْلٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورَأيْتُ جَماعَةً يَتَعَرَّفُونَ الطُّرُقاتِ بِشَمِّ التُّرابِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العَلامَةُ: صُورَةٌ يُعْلَمُ بِها ما يُرادُ مِن خَطٍّ أوْ لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ هَيْئَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلاماتٍ، نُصِبَ كالمَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٍ، أيْ: عِبْرَةً، وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ وبِالأنْهارِ وبِالسُّبُلِ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: العَلاماتُ: الجِبالُ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: النُّجُومُ. وأغْرَبُ ما فُسِّرَتْ بِهِ العَلاماتُ أنَّها: حَيَّتانِ طُوالٌ رِقاقٌ كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكاتِها تُسَمّى بِالعَلاماتِ، وذَلِكَ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يُسارُ إلَيْهِ مِنَ اليَمَنِ، فَإذا ظَهَرَتْ كانَتْ عَلامَةً لِلْوُصُولِ لِبِلادِ الهِنْدِ وأمارَةً لِلنَّجاةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وبِالنَّجْمِ، عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ: وبِالنُّجُمِ، بِضَمِّ النُّونِ والجِيمِ، وقِراءَةُ الحَسَنِ: بِضَمِّ النُّونِ. وفي اللَّوامِحِ الحَسَنُ: النُّجُمُ بِضَمَّتَيْنِ، وابْنُ وثّابٍ: بِضَمَّةٍ واحِدَةٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ الرِّفاعِيِّ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَذْكُرُهُ عَنْ أصْحابِ عاصِمٍ؛ انْتَهى. وذَلِكَ جَمْعٌ كَسُقُفٍ وسَقَفِ، ورُهُنٍ (p-٤٨١)ورَهَنٍ، وجَعْلُهُ مِمّا جُمِعَ عَلى فُعُلٍ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى أنَّهُ أرادَ النُّجُومَ، فَحَذَفَ الواوَ. إلّا أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهم: النُّجُمُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأنْشَدَ:
؎إنَّ الَّذِي قَضى بِذا قاضٍ حَكَمْ ∗∗∗ أنْ يَرِدَ الماءَ إذا غابَ النُّجُمْ
قالَ: يُرِيدُ النُّجُومَ. مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎حَتّى إذا ابْتَلَّتْ حَلاقِيمُ الحَلْقِ
يُرِيدُ: الحُلُوقَ. والتَّسْكِينُ: قِيلَ تَخْفِيفٌ، وقِيلَ: لُغَةٌ. وعَنِ السُّدِّيِّ: هو الثُّرَيّا، والفَرْقَدانِ، وبَناتُ نَعْشٍ، والجَدْيُ. وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ: الجَدْيُ والفَرْقَدانِ؛ انْتَهى. قِيلَ: والجَدْيُ هو السّابِعُ مِن بَناتِ نَعْشِ الصُّغْرى، والفَرْقَدانِ: الأوَّلانِ مِنها، ولَيْسَ بِالجَدْيِ الَّذِي هو المَنزِلَةُ، وبَعْضُهم يُصَغِّرُهُ فَيَقُولُ: جُدَيٌّ. وفي الحَدِيثِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: وبِالنَّجْمِ، فَقالَ: ”هو الجَدْيُ“» ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَعْدِلْ أحَدٌ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلَيْهِ قِبْلَتُكم، وبِهِ تَهْتَدُونَ في بَرِّكم وبَحْرِكم. وقِيلَ: هو القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي. وقِيلَ: هو الثُّرَيّا. وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا طَلَبَ الجَوْزاءَ والنَّجْمُ طالِعٌ ∗∗∗ فَكُلُّ مَخاضاتِ الفُراتِ مَعابِرُ
وقالَ آخَرُ:
؎حَتّى إذا ما اسْتَقَلَّ النَّجْمُ في غَلَسٍ ∗∗∗ وغُودِرَ البَقْلُ مُلَوًّى ومَحْصُودُ
أيْ ومِنهُ مُلَوًّى، ومِنهُ مَحْصُودٌ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيّا. وهم: ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، خَرَجَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، كانَ الضَّمِيرُ النَّعْتَ بِهِ إلى قُرَيْشٍ إذْ كانَ لَهُمُ اهْتِداءٌ بِالنُّجُومِ في مَسايِرِهِمْ، وكانَ لَهم بِذَلِكَ عِلْمٌ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ، فَكانَ الشُّكْرُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ والِاعْتِبارُ ألْزَمَ لَهم. وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اعْتِناءً ولِأجْلِ الفاصِلَةِ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وبِالنَّجْمِ خُصُوصًا هم يَهْتَدُونَ.
النحل 16:13
(p-٤٧٨)﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا امْتَنَّ بِإيجادِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ وإيجادِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها مِنَ الرُّكُوبِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إنْزالِ الماءِ الَّذِي هو قِوامُ حَياتِهِمْ وحَياةِ الحَيَوانِ، وما يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِن أقْواتِهِمْ وأقْواتِها مِنَ الزَّرْعِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ مِنها الأغْلَبَ، ثُمَّ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّيْلِ الَّذِي هو سَكَنٌ لَهم، والنَّهارِ الَّذِي هو مَعاشٌ، ثُمَّ بِالنَّيِّرَيْنِ اللَّذَيْنِ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مُؤَثِّرَيْنِ بِإرادَتِهِ في إصْلاحِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ بِما ذَرَأ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ (لَكم)، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”ماءً“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ويَرْتَفِعُ شَرابٌ بِهِ، أيْ: ماءً كائِنًا لَكم مِنهُ شَرابٌ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْزَلَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وشَرابٌ: مُبْتَدَأٌ. لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الماءِ أخَذَ في تَقْسِيمِهِ. والشَّرابُ هو المَشْرُوبُ، والتَّبْعِيضُ في (مِنهُ) ظاهِرٌ، وأمّا في (مِنهُ شَجَرٌ) فَمَجازٌ، لَمّا كانَ الشَّجَرُ إنْباتُهُ عَلى سَقْيِهِ بِالماءِ جَعَلَ الشَّجَرَ مِنَ الماءِ، كَما قالَ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ، أيْ في سَحابِ المَطَرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو عَلى حَذْفِ المُضافِ، إمّا قَبْلَ الضَّمِيرِ، أيْ: ومِن جِهَتِهِ، أوْ سَقْيُهُ شَجَرٌ، وإمّا قَبْلَ شَجَرٍ، أيْ: شُرِبَ شَجَرٌ كَقَوْلِهِ ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أيْ: حُبَّهُ. والشَّجَرُ هُنا كُلُّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: نُطْعِمُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ، فَسُمِّيَ الكَلَأُ شَجَرًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشَّجَرُ هُنا الكَلَأُ، وفي حَدِيثِ «عِكْرِمَةَ: ”لا تَأْكُلُوا الشَّجَرَ فَإنَّهُ سُحْتٌ“» يَعْنِي الكَلَأ.
ويُقالُ: أسامَ الماشِيَةَ وسَوَّمَها جَعَلَها تَرْعى، وسامَتْ بِنَفْسِها فَهي سائِمَةٌ، وسِوامٌ: رَعَتْ حَيْثُ شاءَتْ، قالَ الزَّجّاجُ: مِنَ السَّوْمَةِ، وهي العَلامَةُ، لِأنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ عَلاماتٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَسِيمُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ، فَإنْ سُمِعَ مُتَعَدِّيًا كانَ هو، وأسامَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وإنْ كانَ لازِمًا فَتَأْوِيلُهُ عَلى حَذْفِ مُضافِ تُسِيمُونَ أيْ: تُسِيمُ مَواشِيكم، لَمّا ذَكَرَ ومِنهُ شَجَرٌ. أخَذَ في ذِكْرِ غالِبِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الشَّجَرِ إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ومِنهُ شَجَرُ العُمُومِ، وإنْ كانَ المُرادُ الكَلَأ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارِ مَنافِعِ الماءِ. ويُقالُ: نَبَتَ الشَّيْءُ وأنْبَتَهُ اللَّهُ فَهو مَنبُوتٌ، وهَذا قِياسُهُ مَنبَتٌ. وقِيلَ: يُقالُ أنْبَتَ الشَّجَرُ، لازِمًا. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎رَأيْتُ ذَوِي الحاجّاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
. أيْ: نَبَتَ. وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: نُنْبِتُ، بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: نُنَبِّتُ، بِالتَّشْدِيدِ قِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَضْعِيفُ التَّعْدِيَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: يَنْبُتُ مِن نَبَتَ، ورَفَعَ الزَّرْعَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وخَصَّ الأرْبَعَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ، وأجْمَعُهُ لِلْمَنافِعِ. وبَدَأ بِالزَّرْعِ لِأنَّهُ قُوتُ أكْثَرِ العالَمِ، ثُمَّ بِالزَّيْتُونِ لِما فِيهِ مِن فائِدَةِ الِاسْتِصْباحِ بِدُهْنِهِ، وهي ضَرُورِيَّةٌ مَعَ مَنفَعَةِ أكْلِهِ والِائْتِدامِ بِهِ وبِدَهْنِهِ، والِاطِّلاءِ بِدُهْنِهِ، ثُمَّ بِالنَّخْلِ لِأنَّ ثَمَرَتَهُ مِن أطْيَبِ الفَواكِهِ، وقُوتٌ في بَعْضِ البِلادِ، ثُمَّ بِالأعْنابِ لِأنَّها فاكِهَةٌ مَحْضَةٌ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، أتى بِلَفْظِ (مِن) الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ الثَّمَراتِ لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ، وإنَّما أُنْبِتَ في الأرْضِ بَعْضٌ مِن كُلِّها لِلتَّذْكِرَةِ. ولَمّا ذَكَرَ الحَيَواناتِ المُنْتَفَعِ بِها عَلى التَّفْصِيلِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ هُنا ذَكَرَ الأنْواعَ المُنْتَفَعَ بِها مِنَ (p-٤٧٩)النَّباتِ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَفْصِيلَ القَوْلِ في أجْناسِها وأنْواعِها وصِفاتِها ومَنافِعها مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ، كَما أنَّ تَفْصِيلَ ما خَلَقَ مِن باقِي الحَيَوانِ لا يَكادُ يُحْصَرُ. وخَتَمَ ذَلِكَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، لِأنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَأمُّلٍ واسْتِعْمالِ فِكْرٍ. ألا تَرى أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وُضِعَتْ في الأرْضِ ومَرَّ عَلَيْها مِقْدارٌ مِنَ الزَّمانِ مُعَيَّنٌ لَحِقَها مِن نَداوَةِ الأرْضِ ما تَنْتَفِخُ بِهِ، فَيَنْشَقُّ أعْلاها فَيَصْعَدُ مِنهُ شَجَرَةٌ إلى الهَواءِ، وأسْفَلُها يَغُوصُ مِنهُ في عُمْقِ الأرْضِ شَجَرَةٌ أُخْرى وهي العُرُوقُ، ثُمَّ يَنْمُو الأعْلى ويَقْوى، وتَخْرُجُ الأوْراقُ والأزْهارُ والأكْمامُ، والثِّمارُ المُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبائِعِ والطُّعُومِ والألْوانِ والرَّوائِحِ والأشْكالِ والمَنافِعِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرِ قادِرٍ مُخْتارٍ وهو اللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والشَّمْسَ“ وما بَعْدَهُ مَنصُوبًا، وانْتَصَبَ (مُسَخَّراتٍ) عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ إنْ كانَ (مُسَخَّراتٍ) اسْمَ مَفْعُولٍ، وهو إعْرابُ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنَّ كَوْنَ المَعْنى: أنَّهُ سَخَّرَها أنْواعًا مِنَ التَّسْخِيرِ جَمْعُ مُسَخَّرٍ، بِمَعْنى: تَسْخِيرٍ مِن قَوْلِكَ: سَخَّرَهُ اللَّهُ مُسَخَّرًا، كَقَوْلِكَ: سَرَّحَهُ مُسَرَّحًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَخَّرَها لَكم تَسْخِيراتٍ بِأمْرِهِ؛ انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: و”الشَّمْسُ“ وما بَعْدَهُ، بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وحَفْصٌ: والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، بِرَفْعِهِما، وهاتانِ القِراءَتانِ يُبْعِدانِ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ مُسَخَّراتٍ بِمَعْنى تَسْخِيراتٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: والرِّياحُ مُسَخَّراتٌ، في مَوْضِعِ، (والنُّجُومُ) وهي مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ. والظّاهِرُ في قِراءَةِ نَصْبِ الجَمِيعِ أنَّ (والنُّجُومَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: والنُّجُومَ، مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَأضْمَرَ الفِعْلَ. وعَلى هَذا الإعْرابِ لا تَكُونُ ”مُسَخَّراتٍ“ حالًا مُؤَكِّدَةً، بَلْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِجَعَلَ إنْ كانَ (جَعَلَ) المُقَدَّرَةُ بِمَعْنى (صَيَّرَ)، وحالًا مُبَيِّنَةً، إنْ كانَ بِمَعْنى (خَلَقَ) . وتَقَدَّمَ شَرْحُ تَسْخِيرِ هَذِهِ النَّيِّراتِ في الأعْرافِ. وجَمَعَ الآياتِ هُنا، وذَكَرَ العَقْلَ، وأفْرَدَ فِيما قَبْلُ، وذَكَرَ التَّفَكُّرَ لِأنَّ فِيما قَبْلُ اسْتِدْلالًا بِإثْباتِ الماءِ وهو واحِدٌ، وإنْ كَثُرَتْ أنْواعُ النَّباتِ، والِاسْتِدْلالُ هُنا مُتَعَدِّدٌ، ولِأنَّ الآثارَ العُلْوِيَّةَ أظْهَرُ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وأبْيَنُ شَهادَةً لِلْكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ.
﴿وما ذَرَأ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ؛ يَعْنِي: ما خَلَقَ فِيها مِن حَيَوانٍ وشَجَرٍ وثَمَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِنَ البَياضِ والسَّوادِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَّمَرِ ومِنَ الطَّعامِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعادِنُ. إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: فِيما ذَرَأ عَلى هَذِهِ الحالِ مِنِ اخْتِلافِ الألْوانِ، أوْ إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: اخْتِلافِ الألْوانِ. وخَتَمَ هَذا بِقَوْلِهِ: يَذَّكَّرُونَ، ومَعْناهُ الِاعْتِبارُ والِاتِّعاظُ، كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ سابِقًا طَرَأ عَلَيْهِ النِّسْيانُ، فَقِيلَ: يَذَّكَّرُونَ، أيْ: يَتَذَكَّرُونَ ما نَسُوا مِن تَسْخِيرِ هَذِهِ المُكَوِّناتِ في الأرْضِ.
﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الِاسْتِدْلالَ بِما ذَرَأ في الأرْضِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن تَسْخِيرِ البَحْرِ. ومَعْنى تَسْخِيرِهِ: كَوْنُهُ يَتْمَكَنُّ النّاسُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ لِلرُّكُوبِ في المَصالِحِ، ولِلْغَوْصِ في اسْتِخْراجِ ما فِيهِ، ولِلِاصْطِيادِ لِما فِيهِ. والبَحْرُ: جِنْسٌ يَشْمَلُ المِلْحَ والعَذْبَ، وبَدَأ أوَّلًا مِن مَنافِعِهِ بِما هو الأهَمُّ وهو الأكْلُ، ومِنهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِتَأْكُلُوا مِن حَيَوانِهِ طَرِيًّا، ثُمَّ ثَنّى بِما يُتَزَيَّنُ بِهِ وهو الحِلْيَةُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، ونَبَّهَ عَلى غايَةِ الحِلْيَةِ وهو اللُّبْسُ. وفِيهِ مَنافِعُ غَيْرُ اللُّبْسِ، فاللَّحْمُ الطَّرِيُّ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ، والحِلْيَةِ مِنَ المِلْحِ. وقِيلَ: إنَّ العَذْبَ يَخْرُجُ مِنهُ لُؤْلُؤٌ لا يُلْبَسُ إلّا قَلِيلًا وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُّمُرُّدِ بَحْرِيًّا، فَأمّا (لِتَأْكُلُوا) فَعامٌّ في النِّساءِ والرِّجالِ، وأمّا (تَلْبَسُونَها) فَخاصٌّ بِالنِّساءِ. والمَعْنى: يَلْبَسُها نِساؤُكم. وأُسْنِدَ اللُّبْسُ إلى (p-٤٨٠)الذُّكُورِ، لِأنَّ النِّساءَ إنَّما يَتَزَيَّنَّ بِالحِلْيَةِ مِن أجْلِ رِجالِهِنَّ، فَكَأنَّها زِينَتُهم ولِباسُهم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الأكْلِ مِنهُ والِاسْتِخْراجِ لِلْحِلْيَةِ، ذَكَرَ نِعْمَةَ تَصَرُّفِ الفُلْكِ فِيهِ؛ ماخِرَةً، أيْ: شاقَّةً فِيهِ، أوْ ذاتَ صَوْتٍ لِشَقِّ الماءِ لِحَمْلِ الأمْتِعَةِ والأقْواتِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها، وأسْنَدَ الرُّؤْيَةَ إلى المُخاطَبِ المُفْرَدِ، فَقالَ: وتَرى، وجَعَلَها جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ: تَعْلِيلِ الِاسْتِخْراجِ، وتَعْلِيلِ الِابْتِغاءِ، لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ جَمْعِ المُخاطَبِ، والظّاهِرُ عَطْفُ، ولِتَبْتَغُوا: عَلى التَّعْلِيلِ قَبْلَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: لِتَبْتَغُوا بِذَلِكَ. ولِتَبْتَغُوا، وأنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وفَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا. والفَضْلُ هُنا حُصُولُ الأرْباحِ بِالتِّجارَةِ، والوُصُولُ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ رُكُوبِ البَحْرِ.
﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، عَلى ما مَنَحَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ. قِيلَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمُورُ، وقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هي بِمَقَرِّ أحَدٍ عَلى ظَهْرِها، فَأصْبَحَتْ وقَدْ أُرْسِيَتْ بِالجِبالِ، لَمْ تَدْرِ المَلائِكَةُ مِمَّ خُلِقَتْ» . وعَطَفَ (وأنْهارًا) عَلى (رَواسِيَ) . ومَعْنى ألْقى: جَعَلَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ [فصلت: ١٠] . وقالَ ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: جَعَلْتُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُتَأوِّلُونَ: ألْقى بِمَعْنى: خَلَقَ وجَعَلَ، وهي عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ (ألْقى) يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أوْجَدَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ ما رُوِيَ في القَصَصِ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ. . . إلى آخِرِ الكَلامِ السّابِقِ، وهو أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: وقَوْلُهُ: وأنْهارًا، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ، أوْ خَلَقَ أنْهارًا، وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ ألْقى، ولَوْ كانَتْ (ألْقى) بِمَعْنى خَلَقَ لَمْ يُحْتَجْ إلى هَذا الإضْمارِ؛ انْتَهى. وأيُّ إجْماعٍ في هَذا، وقَدْ حُكِيَ عَنِ المُتَأوِّلِينَ أنَّ ألْقى بِمَعْنى خَلَقَ وجَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْهارًا، وجَعَلَ فِيها أنْهارًا لِأنَّ (ألْقى) فِيهِ مَعْنى: جَعَلَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا) . وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وشَقَّ أنْهارًا وعَلاماتٍ، أيْ: وضَعَ عَلاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ”رَواسِيَ“ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ أكْثَرَ الأنْهارِ إنَّما تَتَفَجَّرُ مَنابِعُها في الجِبالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أتْبَعَ ذِكْرَها بِتَفْجِيرِ الأنْهارِ، وسُبُلًا: طُرُقًا إلى مَقاصِدِكم ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِالسُّبُلِ إلى مَقاصِدِكم، هَذا هو الظّاهِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] . وقِيلَ: تَهْتَدُونَ، أيْ: بِالنَّظَرِ في دَلالَةِ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، فَهو مِنَ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ، ودِينِ اللَّهِ. وعَلاماتٍ: هي مَعالِمُ الطُّرُقِ، وكُلُّ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ السّابِلَةُ مِن جَبَلٍ وسَهْلٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورَأيْتُ جَماعَةً يَتَعَرَّفُونَ الطُّرُقاتِ بِشَمِّ التُّرابِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العَلامَةُ: صُورَةٌ يُعْلَمُ بِها ما يُرادُ مِن خَطٍّ أوْ لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ هَيْئَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلاماتٍ، نُصِبَ كالمَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٍ، أيْ: عِبْرَةً، وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ وبِالأنْهارِ وبِالسُّبُلِ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: العَلاماتُ: الجِبالُ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: النُّجُومُ. وأغْرَبُ ما فُسِّرَتْ بِهِ العَلاماتُ أنَّها: حَيَّتانِ طُوالٌ رِقاقٌ كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكاتِها تُسَمّى بِالعَلاماتِ، وذَلِكَ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يُسارُ إلَيْهِ مِنَ اليَمَنِ، فَإذا ظَهَرَتْ كانَتْ عَلامَةً لِلْوُصُولِ لِبِلادِ الهِنْدِ وأمارَةً لِلنَّجاةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وبِالنَّجْمِ، عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ: وبِالنُّجُمِ، بِضَمِّ النُّونِ والجِيمِ، وقِراءَةُ الحَسَنِ: بِضَمِّ النُّونِ. وفي اللَّوامِحِ الحَسَنُ: النُّجُمُ بِضَمَّتَيْنِ، وابْنُ وثّابٍ: بِضَمَّةٍ واحِدَةٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ الرِّفاعِيِّ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَذْكُرُهُ عَنْ أصْحابِ عاصِمٍ؛ انْتَهى. وذَلِكَ جَمْعٌ كَسُقُفٍ وسَقَفِ، ورُهُنٍ (p-٤٨١)ورَهَنٍ، وجَعْلُهُ مِمّا جُمِعَ عَلى فُعُلٍ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى أنَّهُ أرادَ النُّجُومَ، فَحَذَفَ الواوَ. إلّا أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهم: النُّجُمُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأنْشَدَ:
؎إنَّ الَّذِي قَضى بِذا قاضٍ حَكَمْ ∗∗∗ أنْ يَرِدَ الماءَ إذا غابَ النُّجُمْ
قالَ: يُرِيدُ النُّجُومَ. مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎حَتّى إذا ابْتَلَّتْ حَلاقِيمُ الحَلْقِ
يُرِيدُ: الحُلُوقَ. والتَّسْكِينُ: قِيلَ تَخْفِيفٌ، وقِيلَ: لُغَةٌ. وعَنِ السُّدِّيِّ: هو الثُّرَيّا، والفَرْقَدانِ، وبَناتُ نَعْشٍ، والجَدْيُ. وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ: الجَدْيُ والفَرْقَدانِ؛ انْتَهى. قِيلَ: والجَدْيُ هو السّابِعُ مِن بَناتِ نَعْشِ الصُّغْرى، والفَرْقَدانِ: الأوَّلانِ مِنها، ولَيْسَ بِالجَدْيِ الَّذِي هو المَنزِلَةُ، وبَعْضُهم يُصَغِّرُهُ فَيَقُولُ: جُدَيٌّ. وفي الحَدِيثِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: وبِالنَّجْمِ، فَقالَ: ”هو الجَدْيُ“» ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَعْدِلْ أحَدٌ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلَيْهِ قِبْلَتُكم، وبِهِ تَهْتَدُونَ في بَرِّكم وبَحْرِكم. وقِيلَ: هو القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي. وقِيلَ: هو الثُّرَيّا. وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا طَلَبَ الجَوْزاءَ والنَّجْمُ طالِعٌ ∗∗∗ فَكُلُّ مَخاضاتِ الفُراتِ مَعابِرُ
وقالَ آخَرُ:
؎حَتّى إذا ما اسْتَقَلَّ النَّجْمُ في غَلَسٍ ∗∗∗ وغُودِرَ البَقْلُ مُلَوًّى ومَحْصُودُ
أيْ ومِنهُ مُلَوًّى، ومِنهُ مَحْصُودٌ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيّا. وهم: ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، خَرَجَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، كانَ الضَّمِيرُ النَّعْتَ بِهِ إلى قُرَيْشٍ إذْ كانَ لَهُمُ اهْتِداءٌ بِالنُّجُومِ في مَسايِرِهِمْ، وكانَ لَهم بِذَلِكَ عِلْمٌ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ، فَكانَ الشُّكْرُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ والِاعْتِبارُ ألْزَمَ لَهم. وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اعْتِناءً ولِأجْلِ الفاصِلَةِ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وبِالنَّجْمِ خُصُوصًا هم يَهْتَدُونَ.
النحل 16:14
(p-٤٧٨)﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا امْتَنَّ بِإيجادِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ وإيجادِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها مِنَ الرُّكُوبِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إنْزالِ الماءِ الَّذِي هو قِوامُ حَياتِهِمْ وحَياةِ الحَيَوانِ، وما يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِن أقْواتِهِمْ وأقْواتِها مِنَ الزَّرْعِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ مِنها الأغْلَبَ، ثُمَّ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّيْلِ الَّذِي هو سَكَنٌ لَهم، والنَّهارِ الَّذِي هو مَعاشٌ، ثُمَّ بِالنَّيِّرَيْنِ اللَّذَيْنِ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مُؤَثِّرَيْنِ بِإرادَتِهِ في إصْلاحِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ بِما ذَرَأ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ (لَكم)، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”ماءً“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ويَرْتَفِعُ شَرابٌ بِهِ، أيْ: ماءً كائِنًا لَكم مِنهُ شَرابٌ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْزَلَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وشَرابٌ: مُبْتَدَأٌ. لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الماءِ أخَذَ في تَقْسِيمِهِ. والشَّرابُ هو المَشْرُوبُ، والتَّبْعِيضُ في (مِنهُ) ظاهِرٌ، وأمّا في (مِنهُ شَجَرٌ) فَمَجازٌ، لَمّا كانَ الشَّجَرُ إنْباتُهُ عَلى سَقْيِهِ بِالماءِ جَعَلَ الشَّجَرَ مِنَ الماءِ، كَما قالَ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ، أيْ في سَحابِ المَطَرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو عَلى حَذْفِ المُضافِ، إمّا قَبْلَ الضَّمِيرِ، أيْ: ومِن جِهَتِهِ، أوْ سَقْيُهُ شَجَرٌ، وإمّا قَبْلَ شَجَرٍ، أيْ: شُرِبَ شَجَرٌ كَقَوْلِهِ ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أيْ: حُبَّهُ. والشَّجَرُ هُنا كُلُّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: نُطْعِمُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ، فَسُمِّيَ الكَلَأُ شَجَرًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشَّجَرُ هُنا الكَلَأُ، وفي حَدِيثِ «عِكْرِمَةَ: ”لا تَأْكُلُوا الشَّجَرَ فَإنَّهُ سُحْتٌ“» يَعْنِي الكَلَأ.
ويُقالُ: أسامَ الماشِيَةَ وسَوَّمَها جَعَلَها تَرْعى، وسامَتْ بِنَفْسِها فَهي سائِمَةٌ، وسِوامٌ: رَعَتْ حَيْثُ شاءَتْ، قالَ الزَّجّاجُ: مِنَ السَّوْمَةِ، وهي العَلامَةُ، لِأنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ عَلاماتٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَسِيمُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ، فَإنْ سُمِعَ مُتَعَدِّيًا كانَ هو، وأسامَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وإنْ كانَ لازِمًا فَتَأْوِيلُهُ عَلى حَذْفِ مُضافِ تُسِيمُونَ أيْ: تُسِيمُ مَواشِيكم، لَمّا ذَكَرَ ومِنهُ شَجَرٌ. أخَذَ في ذِكْرِ غالِبِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الشَّجَرِ إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ومِنهُ شَجَرُ العُمُومِ، وإنْ كانَ المُرادُ الكَلَأ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارِ مَنافِعِ الماءِ. ويُقالُ: نَبَتَ الشَّيْءُ وأنْبَتَهُ اللَّهُ فَهو مَنبُوتٌ، وهَذا قِياسُهُ مَنبَتٌ. وقِيلَ: يُقالُ أنْبَتَ الشَّجَرُ، لازِمًا. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎رَأيْتُ ذَوِي الحاجّاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
. أيْ: نَبَتَ. وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: نُنْبِتُ، بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: نُنَبِّتُ، بِالتَّشْدِيدِ قِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَضْعِيفُ التَّعْدِيَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: يَنْبُتُ مِن نَبَتَ، ورَفَعَ الزَّرْعَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وخَصَّ الأرْبَعَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ، وأجْمَعُهُ لِلْمَنافِعِ. وبَدَأ بِالزَّرْعِ لِأنَّهُ قُوتُ أكْثَرِ العالَمِ، ثُمَّ بِالزَّيْتُونِ لِما فِيهِ مِن فائِدَةِ الِاسْتِصْباحِ بِدُهْنِهِ، وهي ضَرُورِيَّةٌ مَعَ مَنفَعَةِ أكْلِهِ والِائْتِدامِ بِهِ وبِدَهْنِهِ، والِاطِّلاءِ بِدُهْنِهِ، ثُمَّ بِالنَّخْلِ لِأنَّ ثَمَرَتَهُ مِن أطْيَبِ الفَواكِهِ، وقُوتٌ في بَعْضِ البِلادِ، ثُمَّ بِالأعْنابِ لِأنَّها فاكِهَةٌ مَحْضَةٌ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، أتى بِلَفْظِ (مِن) الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ الثَّمَراتِ لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ، وإنَّما أُنْبِتَ في الأرْضِ بَعْضٌ مِن كُلِّها لِلتَّذْكِرَةِ. ولَمّا ذَكَرَ الحَيَواناتِ المُنْتَفَعِ بِها عَلى التَّفْصِيلِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ هُنا ذَكَرَ الأنْواعَ المُنْتَفَعَ بِها مِنَ (p-٤٧٩)النَّباتِ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَفْصِيلَ القَوْلِ في أجْناسِها وأنْواعِها وصِفاتِها ومَنافِعها مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ، كَما أنَّ تَفْصِيلَ ما خَلَقَ مِن باقِي الحَيَوانِ لا يَكادُ يُحْصَرُ. وخَتَمَ ذَلِكَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، لِأنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَأمُّلٍ واسْتِعْمالِ فِكْرٍ. ألا تَرى أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وُضِعَتْ في الأرْضِ ومَرَّ عَلَيْها مِقْدارٌ مِنَ الزَّمانِ مُعَيَّنٌ لَحِقَها مِن نَداوَةِ الأرْضِ ما تَنْتَفِخُ بِهِ، فَيَنْشَقُّ أعْلاها فَيَصْعَدُ مِنهُ شَجَرَةٌ إلى الهَواءِ، وأسْفَلُها يَغُوصُ مِنهُ في عُمْقِ الأرْضِ شَجَرَةٌ أُخْرى وهي العُرُوقُ، ثُمَّ يَنْمُو الأعْلى ويَقْوى، وتَخْرُجُ الأوْراقُ والأزْهارُ والأكْمامُ، والثِّمارُ المُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبائِعِ والطُّعُومِ والألْوانِ والرَّوائِحِ والأشْكالِ والمَنافِعِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرِ قادِرٍ مُخْتارٍ وهو اللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والشَّمْسَ“ وما بَعْدَهُ مَنصُوبًا، وانْتَصَبَ (مُسَخَّراتٍ) عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ إنْ كانَ (مُسَخَّراتٍ) اسْمَ مَفْعُولٍ، وهو إعْرابُ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنَّ كَوْنَ المَعْنى: أنَّهُ سَخَّرَها أنْواعًا مِنَ التَّسْخِيرِ جَمْعُ مُسَخَّرٍ، بِمَعْنى: تَسْخِيرٍ مِن قَوْلِكَ: سَخَّرَهُ اللَّهُ مُسَخَّرًا، كَقَوْلِكَ: سَرَّحَهُ مُسَرَّحًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَخَّرَها لَكم تَسْخِيراتٍ بِأمْرِهِ؛ انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: و”الشَّمْسُ“ وما بَعْدَهُ، بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وحَفْصٌ: والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، بِرَفْعِهِما، وهاتانِ القِراءَتانِ يُبْعِدانِ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ مُسَخَّراتٍ بِمَعْنى تَسْخِيراتٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: والرِّياحُ مُسَخَّراتٌ، في مَوْضِعِ، (والنُّجُومُ) وهي مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ. والظّاهِرُ في قِراءَةِ نَصْبِ الجَمِيعِ أنَّ (والنُّجُومَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: والنُّجُومَ، مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَأضْمَرَ الفِعْلَ. وعَلى هَذا الإعْرابِ لا تَكُونُ ”مُسَخَّراتٍ“ حالًا مُؤَكِّدَةً، بَلْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِجَعَلَ إنْ كانَ (جَعَلَ) المُقَدَّرَةُ بِمَعْنى (صَيَّرَ)، وحالًا مُبَيِّنَةً، إنْ كانَ بِمَعْنى (خَلَقَ) . وتَقَدَّمَ شَرْحُ تَسْخِيرِ هَذِهِ النَّيِّراتِ في الأعْرافِ. وجَمَعَ الآياتِ هُنا، وذَكَرَ العَقْلَ، وأفْرَدَ فِيما قَبْلُ، وذَكَرَ التَّفَكُّرَ لِأنَّ فِيما قَبْلُ اسْتِدْلالًا بِإثْباتِ الماءِ وهو واحِدٌ، وإنْ كَثُرَتْ أنْواعُ النَّباتِ، والِاسْتِدْلالُ هُنا مُتَعَدِّدٌ، ولِأنَّ الآثارَ العُلْوِيَّةَ أظْهَرُ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وأبْيَنُ شَهادَةً لِلْكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ.
﴿وما ذَرَأ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ؛ يَعْنِي: ما خَلَقَ فِيها مِن حَيَوانٍ وشَجَرٍ وثَمَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِنَ البَياضِ والسَّوادِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَّمَرِ ومِنَ الطَّعامِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعادِنُ. إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: فِيما ذَرَأ عَلى هَذِهِ الحالِ مِنِ اخْتِلافِ الألْوانِ، أوْ إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: اخْتِلافِ الألْوانِ. وخَتَمَ هَذا بِقَوْلِهِ: يَذَّكَّرُونَ، ومَعْناهُ الِاعْتِبارُ والِاتِّعاظُ، كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ سابِقًا طَرَأ عَلَيْهِ النِّسْيانُ، فَقِيلَ: يَذَّكَّرُونَ، أيْ: يَتَذَكَّرُونَ ما نَسُوا مِن تَسْخِيرِ هَذِهِ المُكَوِّناتِ في الأرْضِ.
﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الِاسْتِدْلالَ بِما ذَرَأ في الأرْضِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن تَسْخِيرِ البَحْرِ. ومَعْنى تَسْخِيرِهِ: كَوْنُهُ يَتْمَكَنُّ النّاسُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ لِلرُّكُوبِ في المَصالِحِ، ولِلْغَوْصِ في اسْتِخْراجِ ما فِيهِ، ولِلِاصْطِيادِ لِما فِيهِ. والبَحْرُ: جِنْسٌ يَشْمَلُ المِلْحَ والعَذْبَ، وبَدَأ أوَّلًا مِن مَنافِعِهِ بِما هو الأهَمُّ وهو الأكْلُ، ومِنهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِتَأْكُلُوا مِن حَيَوانِهِ طَرِيًّا، ثُمَّ ثَنّى بِما يُتَزَيَّنُ بِهِ وهو الحِلْيَةُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، ونَبَّهَ عَلى غايَةِ الحِلْيَةِ وهو اللُّبْسُ. وفِيهِ مَنافِعُ غَيْرُ اللُّبْسِ، فاللَّحْمُ الطَّرِيُّ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ، والحِلْيَةِ مِنَ المِلْحِ. وقِيلَ: إنَّ العَذْبَ يَخْرُجُ مِنهُ لُؤْلُؤٌ لا يُلْبَسُ إلّا قَلِيلًا وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُّمُرُّدِ بَحْرِيًّا، فَأمّا (لِتَأْكُلُوا) فَعامٌّ في النِّساءِ والرِّجالِ، وأمّا (تَلْبَسُونَها) فَخاصٌّ بِالنِّساءِ. والمَعْنى: يَلْبَسُها نِساؤُكم. وأُسْنِدَ اللُّبْسُ إلى (p-٤٨٠)الذُّكُورِ، لِأنَّ النِّساءَ إنَّما يَتَزَيَّنَّ بِالحِلْيَةِ مِن أجْلِ رِجالِهِنَّ، فَكَأنَّها زِينَتُهم ولِباسُهم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الأكْلِ مِنهُ والِاسْتِخْراجِ لِلْحِلْيَةِ، ذَكَرَ نِعْمَةَ تَصَرُّفِ الفُلْكِ فِيهِ؛ ماخِرَةً، أيْ: شاقَّةً فِيهِ، أوْ ذاتَ صَوْتٍ لِشَقِّ الماءِ لِحَمْلِ الأمْتِعَةِ والأقْواتِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها، وأسْنَدَ الرُّؤْيَةَ إلى المُخاطَبِ المُفْرَدِ، فَقالَ: وتَرى، وجَعَلَها جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ: تَعْلِيلِ الِاسْتِخْراجِ، وتَعْلِيلِ الِابْتِغاءِ، لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ جَمْعِ المُخاطَبِ، والظّاهِرُ عَطْفُ، ولِتَبْتَغُوا: عَلى التَّعْلِيلِ قَبْلَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: لِتَبْتَغُوا بِذَلِكَ. ولِتَبْتَغُوا، وأنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وفَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا. والفَضْلُ هُنا حُصُولُ الأرْباحِ بِالتِّجارَةِ، والوُصُولُ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ رُكُوبِ البَحْرِ.
﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، عَلى ما مَنَحَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ. قِيلَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمُورُ، وقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هي بِمَقَرِّ أحَدٍ عَلى ظَهْرِها، فَأصْبَحَتْ وقَدْ أُرْسِيَتْ بِالجِبالِ، لَمْ تَدْرِ المَلائِكَةُ مِمَّ خُلِقَتْ» . وعَطَفَ (وأنْهارًا) عَلى (رَواسِيَ) . ومَعْنى ألْقى: جَعَلَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ [فصلت: ١٠] . وقالَ ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: جَعَلْتُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُتَأوِّلُونَ: ألْقى بِمَعْنى: خَلَقَ وجَعَلَ، وهي عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ (ألْقى) يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أوْجَدَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ ما رُوِيَ في القَصَصِ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ. . . إلى آخِرِ الكَلامِ السّابِقِ، وهو أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: وقَوْلُهُ: وأنْهارًا، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ، أوْ خَلَقَ أنْهارًا، وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ ألْقى، ولَوْ كانَتْ (ألْقى) بِمَعْنى خَلَقَ لَمْ يُحْتَجْ إلى هَذا الإضْمارِ؛ انْتَهى. وأيُّ إجْماعٍ في هَذا، وقَدْ حُكِيَ عَنِ المُتَأوِّلِينَ أنَّ ألْقى بِمَعْنى خَلَقَ وجَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْهارًا، وجَعَلَ فِيها أنْهارًا لِأنَّ (ألْقى) فِيهِ مَعْنى: جَعَلَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا) . وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وشَقَّ أنْهارًا وعَلاماتٍ، أيْ: وضَعَ عَلاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ”رَواسِيَ“ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ أكْثَرَ الأنْهارِ إنَّما تَتَفَجَّرُ مَنابِعُها في الجِبالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أتْبَعَ ذِكْرَها بِتَفْجِيرِ الأنْهارِ، وسُبُلًا: طُرُقًا إلى مَقاصِدِكم ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِالسُّبُلِ إلى مَقاصِدِكم، هَذا هو الظّاهِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] . وقِيلَ: تَهْتَدُونَ، أيْ: بِالنَّظَرِ في دَلالَةِ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، فَهو مِنَ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ، ودِينِ اللَّهِ. وعَلاماتٍ: هي مَعالِمُ الطُّرُقِ، وكُلُّ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ السّابِلَةُ مِن جَبَلٍ وسَهْلٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورَأيْتُ جَماعَةً يَتَعَرَّفُونَ الطُّرُقاتِ بِشَمِّ التُّرابِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العَلامَةُ: صُورَةٌ يُعْلَمُ بِها ما يُرادُ مِن خَطٍّ أوْ لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ هَيْئَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلاماتٍ، نُصِبَ كالمَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٍ، أيْ: عِبْرَةً، وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ وبِالأنْهارِ وبِالسُّبُلِ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: العَلاماتُ: الجِبالُ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: النُّجُومُ. وأغْرَبُ ما فُسِّرَتْ بِهِ العَلاماتُ أنَّها: حَيَّتانِ طُوالٌ رِقاقٌ كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكاتِها تُسَمّى بِالعَلاماتِ، وذَلِكَ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يُسارُ إلَيْهِ مِنَ اليَمَنِ، فَإذا ظَهَرَتْ كانَتْ عَلامَةً لِلْوُصُولِ لِبِلادِ الهِنْدِ وأمارَةً لِلنَّجاةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وبِالنَّجْمِ، عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ: وبِالنُّجُمِ، بِضَمِّ النُّونِ والجِيمِ، وقِراءَةُ الحَسَنِ: بِضَمِّ النُّونِ. وفي اللَّوامِحِ الحَسَنُ: النُّجُمُ بِضَمَّتَيْنِ، وابْنُ وثّابٍ: بِضَمَّةٍ واحِدَةٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ الرِّفاعِيِّ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَذْكُرُهُ عَنْ أصْحابِ عاصِمٍ؛ انْتَهى. وذَلِكَ جَمْعٌ كَسُقُفٍ وسَقَفِ، ورُهُنٍ (p-٤٨١)ورَهَنٍ، وجَعْلُهُ مِمّا جُمِعَ عَلى فُعُلٍ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى أنَّهُ أرادَ النُّجُومَ، فَحَذَفَ الواوَ. إلّا أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهم: النُّجُمُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأنْشَدَ:
؎إنَّ الَّذِي قَضى بِذا قاضٍ حَكَمْ ∗∗∗ أنْ يَرِدَ الماءَ إذا غابَ النُّجُمْ
قالَ: يُرِيدُ النُّجُومَ. مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎حَتّى إذا ابْتَلَّتْ حَلاقِيمُ الحَلْقِ
يُرِيدُ: الحُلُوقَ. والتَّسْكِينُ: قِيلَ تَخْفِيفٌ، وقِيلَ: لُغَةٌ. وعَنِ السُّدِّيِّ: هو الثُّرَيّا، والفَرْقَدانِ، وبَناتُ نَعْشٍ، والجَدْيُ. وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ: الجَدْيُ والفَرْقَدانِ؛ انْتَهى. قِيلَ: والجَدْيُ هو السّابِعُ مِن بَناتِ نَعْشِ الصُّغْرى، والفَرْقَدانِ: الأوَّلانِ مِنها، ولَيْسَ بِالجَدْيِ الَّذِي هو المَنزِلَةُ، وبَعْضُهم يُصَغِّرُهُ فَيَقُولُ: جُدَيٌّ. وفي الحَدِيثِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: وبِالنَّجْمِ، فَقالَ: ”هو الجَدْيُ“» ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَعْدِلْ أحَدٌ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلَيْهِ قِبْلَتُكم، وبِهِ تَهْتَدُونَ في بَرِّكم وبَحْرِكم. وقِيلَ: هو القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي. وقِيلَ: هو الثُّرَيّا. وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا طَلَبَ الجَوْزاءَ والنَّجْمُ طالِعٌ ∗∗∗ فَكُلُّ مَخاضاتِ الفُراتِ مَعابِرُ
وقالَ آخَرُ:
؎حَتّى إذا ما اسْتَقَلَّ النَّجْمُ في غَلَسٍ ∗∗∗ وغُودِرَ البَقْلُ مُلَوًّى ومَحْصُودُ
أيْ ومِنهُ مُلَوًّى، ومِنهُ مَحْصُودٌ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيّا. وهم: ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، خَرَجَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، كانَ الضَّمِيرُ النَّعْتَ بِهِ إلى قُرَيْشٍ إذْ كانَ لَهُمُ اهْتِداءٌ بِالنُّجُومِ في مَسايِرِهِمْ، وكانَ لَهم بِذَلِكَ عِلْمٌ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ، فَكانَ الشُّكْرُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ والِاعْتِبارُ ألْزَمَ لَهم. وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اعْتِناءً ولِأجْلِ الفاصِلَةِ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وبِالنَّجْمِ خُصُوصًا هم يَهْتَدُونَ.
النحل 16:15
(p-٤٧٨)﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا امْتَنَّ بِإيجادِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ وإيجادِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها مِنَ الرُّكُوبِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إنْزالِ الماءِ الَّذِي هو قِوامُ حَياتِهِمْ وحَياةِ الحَيَوانِ، وما يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِن أقْواتِهِمْ وأقْواتِها مِنَ الزَّرْعِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ مِنها الأغْلَبَ، ثُمَّ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّيْلِ الَّذِي هو سَكَنٌ لَهم، والنَّهارِ الَّذِي هو مَعاشٌ، ثُمَّ بِالنَّيِّرَيْنِ اللَّذَيْنِ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مُؤَثِّرَيْنِ بِإرادَتِهِ في إصْلاحِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ بِما ذَرَأ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ (لَكم)، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”ماءً“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ويَرْتَفِعُ شَرابٌ بِهِ، أيْ: ماءً كائِنًا لَكم مِنهُ شَرابٌ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْزَلَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وشَرابٌ: مُبْتَدَأٌ. لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الماءِ أخَذَ في تَقْسِيمِهِ. والشَّرابُ هو المَشْرُوبُ، والتَّبْعِيضُ في (مِنهُ) ظاهِرٌ، وأمّا في (مِنهُ شَجَرٌ) فَمَجازٌ، لَمّا كانَ الشَّجَرُ إنْباتُهُ عَلى سَقْيِهِ بِالماءِ جَعَلَ الشَّجَرَ مِنَ الماءِ، كَما قالَ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ، أيْ في سَحابِ المَطَرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو عَلى حَذْفِ المُضافِ، إمّا قَبْلَ الضَّمِيرِ، أيْ: ومِن جِهَتِهِ، أوْ سَقْيُهُ شَجَرٌ، وإمّا قَبْلَ شَجَرٍ، أيْ: شُرِبَ شَجَرٌ كَقَوْلِهِ ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أيْ: حُبَّهُ. والشَّجَرُ هُنا كُلُّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: نُطْعِمُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ، فَسُمِّيَ الكَلَأُ شَجَرًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشَّجَرُ هُنا الكَلَأُ، وفي حَدِيثِ «عِكْرِمَةَ: ”لا تَأْكُلُوا الشَّجَرَ فَإنَّهُ سُحْتٌ“» يَعْنِي الكَلَأ.
ويُقالُ: أسامَ الماشِيَةَ وسَوَّمَها جَعَلَها تَرْعى، وسامَتْ بِنَفْسِها فَهي سائِمَةٌ، وسِوامٌ: رَعَتْ حَيْثُ شاءَتْ، قالَ الزَّجّاجُ: مِنَ السَّوْمَةِ، وهي العَلامَةُ، لِأنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ عَلاماتٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَسِيمُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ، فَإنْ سُمِعَ مُتَعَدِّيًا كانَ هو، وأسامَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وإنْ كانَ لازِمًا فَتَأْوِيلُهُ عَلى حَذْفِ مُضافِ تُسِيمُونَ أيْ: تُسِيمُ مَواشِيكم، لَمّا ذَكَرَ ومِنهُ شَجَرٌ. أخَذَ في ذِكْرِ غالِبِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الشَّجَرِ إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ومِنهُ شَجَرُ العُمُومِ، وإنْ كانَ المُرادُ الكَلَأ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارِ مَنافِعِ الماءِ. ويُقالُ: نَبَتَ الشَّيْءُ وأنْبَتَهُ اللَّهُ فَهو مَنبُوتٌ، وهَذا قِياسُهُ مَنبَتٌ. وقِيلَ: يُقالُ أنْبَتَ الشَّجَرُ، لازِمًا. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎رَأيْتُ ذَوِي الحاجّاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
. أيْ: نَبَتَ. وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: نُنْبِتُ، بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: نُنَبِّتُ، بِالتَّشْدِيدِ قِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَضْعِيفُ التَّعْدِيَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: يَنْبُتُ مِن نَبَتَ، ورَفَعَ الزَّرْعَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وخَصَّ الأرْبَعَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ، وأجْمَعُهُ لِلْمَنافِعِ. وبَدَأ بِالزَّرْعِ لِأنَّهُ قُوتُ أكْثَرِ العالَمِ، ثُمَّ بِالزَّيْتُونِ لِما فِيهِ مِن فائِدَةِ الِاسْتِصْباحِ بِدُهْنِهِ، وهي ضَرُورِيَّةٌ مَعَ مَنفَعَةِ أكْلِهِ والِائْتِدامِ بِهِ وبِدَهْنِهِ، والِاطِّلاءِ بِدُهْنِهِ، ثُمَّ بِالنَّخْلِ لِأنَّ ثَمَرَتَهُ مِن أطْيَبِ الفَواكِهِ، وقُوتٌ في بَعْضِ البِلادِ، ثُمَّ بِالأعْنابِ لِأنَّها فاكِهَةٌ مَحْضَةٌ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، أتى بِلَفْظِ (مِن) الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ الثَّمَراتِ لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ، وإنَّما أُنْبِتَ في الأرْضِ بَعْضٌ مِن كُلِّها لِلتَّذْكِرَةِ. ولَمّا ذَكَرَ الحَيَواناتِ المُنْتَفَعِ بِها عَلى التَّفْصِيلِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ هُنا ذَكَرَ الأنْواعَ المُنْتَفَعَ بِها مِنَ (p-٤٧٩)النَّباتِ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَفْصِيلَ القَوْلِ في أجْناسِها وأنْواعِها وصِفاتِها ومَنافِعها مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ، كَما أنَّ تَفْصِيلَ ما خَلَقَ مِن باقِي الحَيَوانِ لا يَكادُ يُحْصَرُ. وخَتَمَ ذَلِكَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، لِأنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَأمُّلٍ واسْتِعْمالِ فِكْرٍ. ألا تَرى أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وُضِعَتْ في الأرْضِ ومَرَّ عَلَيْها مِقْدارٌ مِنَ الزَّمانِ مُعَيَّنٌ لَحِقَها مِن نَداوَةِ الأرْضِ ما تَنْتَفِخُ بِهِ، فَيَنْشَقُّ أعْلاها فَيَصْعَدُ مِنهُ شَجَرَةٌ إلى الهَواءِ، وأسْفَلُها يَغُوصُ مِنهُ في عُمْقِ الأرْضِ شَجَرَةٌ أُخْرى وهي العُرُوقُ، ثُمَّ يَنْمُو الأعْلى ويَقْوى، وتَخْرُجُ الأوْراقُ والأزْهارُ والأكْمامُ، والثِّمارُ المُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبائِعِ والطُّعُومِ والألْوانِ والرَّوائِحِ والأشْكالِ والمَنافِعِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرِ قادِرٍ مُخْتارٍ وهو اللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والشَّمْسَ“ وما بَعْدَهُ مَنصُوبًا، وانْتَصَبَ (مُسَخَّراتٍ) عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ إنْ كانَ (مُسَخَّراتٍ) اسْمَ مَفْعُولٍ، وهو إعْرابُ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنَّ كَوْنَ المَعْنى: أنَّهُ سَخَّرَها أنْواعًا مِنَ التَّسْخِيرِ جَمْعُ مُسَخَّرٍ، بِمَعْنى: تَسْخِيرٍ مِن قَوْلِكَ: سَخَّرَهُ اللَّهُ مُسَخَّرًا، كَقَوْلِكَ: سَرَّحَهُ مُسَرَّحًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَخَّرَها لَكم تَسْخِيراتٍ بِأمْرِهِ؛ انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: و”الشَّمْسُ“ وما بَعْدَهُ، بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وحَفْصٌ: والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، بِرَفْعِهِما، وهاتانِ القِراءَتانِ يُبْعِدانِ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ مُسَخَّراتٍ بِمَعْنى تَسْخِيراتٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: والرِّياحُ مُسَخَّراتٌ، في مَوْضِعِ، (والنُّجُومُ) وهي مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ. والظّاهِرُ في قِراءَةِ نَصْبِ الجَمِيعِ أنَّ (والنُّجُومَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: والنُّجُومَ، مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَأضْمَرَ الفِعْلَ. وعَلى هَذا الإعْرابِ لا تَكُونُ ”مُسَخَّراتٍ“ حالًا مُؤَكِّدَةً، بَلْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِجَعَلَ إنْ كانَ (جَعَلَ) المُقَدَّرَةُ بِمَعْنى (صَيَّرَ)، وحالًا مُبَيِّنَةً، إنْ كانَ بِمَعْنى (خَلَقَ) . وتَقَدَّمَ شَرْحُ تَسْخِيرِ هَذِهِ النَّيِّراتِ في الأعْرافِ. وجَمَعَ الآياتِ هُنا، وذَكَرَ العَقْلَ، وأفْرَدَ فِيما قَبْلُ، وذَكَرَ التَّفَكُّرَ لِأنَّ فِيما قَبْلُ اسْتِدْلالًا بِإثْباتِ الماءِ وهو واحِدٌ، وإنْ كَثُرَتْ أنْواعُ النَّباتِ، والِاسْتِدْلالُ هُنا مُتَعَدِّدٌ، ولِأنَّ الآثارَ العُلْوِيَّةَ أظْهَرُ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وأبْيَنُ شَهادَةً لِلْكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ.
﴿وما ذَرَأ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ؛ يَعْنِي: ما خَلَقَ فِيها مِن حَيَوانٍ وشَجَرٍ وثَمَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِنَ البَياضِ والسَّوادِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَّمَرِ ومِنَ الطَّعامِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعادِنُ. إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: فِيما ذَرَأ عَلى هَذِهِ الحالِ مِنِ اخْتِلافِ الألْوانِ، أوْ إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: اخْتِلافِ الألْوانِ. وخَتَمَ هَذا بِقَوْلِهِ: يَذَّكَّرُونَ، ومَعْناهُ الِاعْتِبارُ والِاتِّعاظُ، كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ سابِقًا طَرَأ عَلَيْهِ النِّسْيانُ، فَقِيلَ: يَذَّكَّرُونَ، أيْ: يَتَذَكَّرُونَ ما نَسُوا مِن تَسْخِيرِ هَذِهِ المُكَوِّناتِ في الأرْضِ.
﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الِاسْتِدْلالَ بِما ذَرَأ في الأرْضِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن تَسْخِيرِ البَحْرِ. ومَعْنى تَسْخِيرِهِ: كَوْنُهُ يَتْمَكَنُّ النّاسُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ لِلرُّكُوبِ في المَصالِحِ، ولِلْغَوْصِ في اسْتِخْراجِ ما فِيهِ، ولِلِاصْطِيادِ لِما فِيهِ. والبَحْرُ: جِنْسٌ يَشْمَلُ المِلْحَ والعَذْبَ، وبَدَأ أوَّلًا مِن مَنافِعِهِ بِما هو الأهَمُّ وهو الأكْلُ، ومِنهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِتَأْكُلُوا مِن حَيَوانِهِ طَرِيًّا، ثُمَّ ثَنّى بِما يُتَزَيَّنُ بِهِ وهو الحِلْيَةُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، ونَبَّهَ عَلى غايَةِ الحِلْيَةِ وهو اللُّبْسُ. وفِيهِ مَنافِعُ غَيْرُ اللُّبْسِ، فاللَّحْمُ الطَّرِيُّ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ، والحِلْيَةِ مِنَ المِلْحِ. وقِيلَ: إنَّ العَذْبَ يَخْرُجُ مِنهُ لُؤْلُؤٌ لا يُلْبَسُ إلّا قَلِيلًا وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُّمُرُّدِ بَحْرِيًّا، فَأمّا (لِتَأْكُلُوا) فَعامٌّ في النِّساءِ والرِّجالِ، وأمّا (تَلْبَسُونَها) فَخاصٌّ بِالنِّساءِ. والمَعْنى: يَلْبَسُها نِساؤُكم. وأُسْنِدَ اللُّبْسُ إلى (p-٤٨٠)الذُّكُورِ، لِأنَّ النِّساءَ إنَّما يَتَزَيَّنَّ بِالحِلْيَةِ مِن أجْلِ رِجالِهِنَّ، فَكَأنَّها زِينَتُهم ولِباسُهم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الأكْلِ مِنهُ والِاسْتِخْراجِ لِلْحِلْيَةِ، ذَكَرَ نِعْمَةَ تَصَرُّفِ الفُلْكِ فِيهِ؛ ماخِرَةً، أيْ: شاقَّةً فِيهِ، أوْ ذاتَ صَوْتٍ لِشَقِّ الماءِ لِحَمْلِ الأمْتِعَةِ والأقْواتِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها، وأسْنَدَ الرُّؤْيَةَ إلى المُخاطَبِ المُفْرَدِ، فَقالَ: وتَرى، وجَعَلَها جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ: تَعْلِيلِ الِاسْتِخْراجِ، وتَعْلِيلِ الِابْتِغاءِ، لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ جَمْعِ المُخاطَبِ، والظّاهِرُ عَطْفُ، ولِتَبْتَغُوا: عَلى التَّعْلِيلِ قَبْلَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: لِتَبْتَغُوا بِذَلِكَ. ولِتَبْتَغُوا، وأنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وفَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا. والفَضْلُ هُنا حُصُولُ الأرْباحِ بِالتِّجارَةِ، والوُصُولُ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ رُكُوبِ البَحْرِ.
﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، عَلى ما مَنَحَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ. قِيلَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمُورُ، وقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هي بِمَقَرِّ أحَدٍ عَلى ظَهْرِها، فَأصْبَحَتْ وقَدْ أُرْسِيَتْ بِالجِبالِ، لَمْ تَدْرِ المَلائِكَةُ مِمَّ خُلِقَتْ» . وعَطَفَ (وأنْهارًا) عَلى (رَواسِيَ) . ومَعْنى ألْقى: جَعَلَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ [فصلت: ١٠] . وقالَ ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: جَعَلْتُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُتَأوِّلُونَ: ألْقى بِمَعْنى: خَلَقَ وجَعَلَ، وهي عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ (ألْقى) يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أوْجَدَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ ما رُوِيَ في القَصَصِ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ. . . إلى آخِرِ الكَلامِ السّابِقِ، وهو أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: وقَوْلُهُ: وأنْهارًا، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ، أوْ خَلَقَ أنْهارًا، وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ ألْقى، ولَوْ كانَتْ (ألْقى) بِمَعْنى خَلَقَ لَمْ يُحْتَجْ إلى هَذا الإضْمارِ؛ انْتَهى. وأيُّ إجْماعٍ في هَذا، وقَدْ حُكِيَ عَنِ المُتَأوِّلِينَ أنَّ ألْقى بِمَعْنى خَلَقَ وجَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْهارًا، وجَعَلَ فِيها أنْهارًا لِأنَّ (ألْقى) فِيهِ مَعْنى: جَعَلَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا) . وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وشَقَّ أنْهارًا وعَلاماتٍ، أيْ: وضَعَ عَلاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ”رَواسِيَ“ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ أكْثَرَ الأنْهارِ إنَّما تَتَفَجَّرُ مَنابِعُها في الجِبالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أتْبَعَ ذِكْرَها بِتَفْجِيرِ الأنْهارِ، وسُبُلًا: طُرُقًا إلى مَقاصِدِكم ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِالسُّبُلِ إلى مَقاصِدِكم، هَذا هو الظّاهِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] . وقِيلَ: تَهْتَدُونَ، أيْ: بِالنَّظَرِ في دَلالَةِ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، فَهو مِنَ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ، ودِينِ اللَّهِ. وعَلاماتٍ: هي مَعالِمُ الطُّرُقِ، وكُلُّ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ السّابِلَةُ مِن جَبَلٍ وسَهْلٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورَأيْتُ جَماعَةً يَتَعَرَّفُونَ الطُّرُقاتِ بِشَمِّ التُّرابِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العَلامَةُ: صُورَةٌ يُعْلَمُ بِها ما يُرادُ مِن خَطٍّ أوْ لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ هَيْئَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلاماتٍ، نُصِبَ كالمَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٍ، أيْ: عِبْرَةً، وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ وبِالأنْهارِ وبِالسُّبُلِ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: العَلاماتُ: الجِبالُ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: النُّجُومُ. وأغْرَبُ ما فُسِّرَتْ بِهِ العَلاماتُ أنَّها: حَيَّتانِ طُوالٌ رِقاقٌ كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكاتِها تُسَمّى بِالعَلاماتِ، وذَلِكَ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يُسارُ إلَيْهِ مِنَ اليَمَنِ، فَإذا ظَهَرَتْ كانَتْ عَلامَةً لِلْوُصُولِ لِبِلادِ الهِنْدِ وأمارَةً لِلنَّجاةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وبِالنَّجْمِ، عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ: وبِالنُّجُمِ، بِضَمِّ النُّونِ والجِيمِ، وقِراءَةُ الحَسَنِ: بِضَمِّ النُّونِ. وفي اللَّوامِحِ الحَسَنُ: النُّجُمُ بِضَمَّتَيْنِ، وابْنُ وثّابٍ: بِضَمَّةٍ واحِدَةٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ الرِّفاعِيِّ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَذْكُرُهُ عَنْ أصْحابِ عاصِمٍ؛ انْتَهى. وذَلِكَ جَمْعٌ كَسُقُفٍ وسَقَفِ، ورُهُنٍ (p-٤٨١)ورَهَنٍ، وجَعْلُهُ مِمّا جُمِعَ عَلى فُعُلٍ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى أنَّهُ أرادَ النُّجُومَ، فَحَذَفَ الواوَ. إلّا أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهم: النُّجُمُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأنْشَدَ:
؎إنَّ الَّذِي قَضى بِذا قاضٍ حَكَمْ ∗∗∗ أنْ يَرِدَ الماءَ إذا غابَ النُّجُمْ
قالَ: يُرِيدُ النُّجُومَ. مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎حَتّى إذا ابْتَلَّتْ حَلاقِيمُ الحَلْقِ
يُرِيدُ: الحُلُوقَ. والتَّسْكِينُ: قِيلَ تَخْفِيفٌ، وقِيلَ: لُغَةٌ. وعَنِ السُّدِّيِّ: هو الثُّرَيّا، والفَرْقَدانِ، وبَناتُ نَعْشٍ، والجَدْيُ. وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ: الجَدْيُ والفَرْقَدانِ؛ انْتَهى. قِيلَ: والجَدْيُ هو السّابِعُ مِن بَناتِ نَعْشِ الصُّغْرى، والفَرْقَدانِ: الأوَّلانِ مِنها، ولَيْسَ بِالجَدْيِ الَّذِي هو المَنزِلَةُ، وبَعْضُهم يُصَغِّرُهُ فَيَقُولُ: جُدَيٌّ. وفي الحَدِيثِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: وبِالنَّجْمِ، فَقالَ: ”هو الجَدْيُ“» ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَعْدِلْ أحَدٌ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلَيْهِ قِبْلَتُكم، وبِهِ تَهْتَدُونَ في بَرِّكم وبَحْرِكم. وقِيلَ: هو القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي. وقِيلَ: هو الثُّرَيّا. وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا طَلَبَ الجَوْزاءَ والنَّجْمُ طالِعٌ ∗∗∗ فَكُلُّ مَخاضاتِ الفُراتِ مَعابِرُ
وقالَ آخَرُ:
؎حَتّى إذا ما اسْتَقَلَّ النَّجْمُ في غَلَسٍ ∗∗∗ وغُودِرَ البَقْلُ مُلَوًّى ومَحْصُودُ
أيْ ومِنهُ مُلَوًّى، ومِنهُ مَحْصُودٌ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيّا. وهم: ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، خَرَجَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، كانَ الضَّمِيرُ النَّعْتَ بِهِ إلى قُرَيْشٍ إذْ كانَ لَهُمُ اهْتِداءٌ بِالنُّجُومِ في مَسايِرِهِمْ، وكانَ لَهم بِذَلِكَ عِلْمٌ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ، فَكانَ الشُّكْرُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ والِاعْتِبارُ ألْزَمَ لَهم. وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اعْتِناءً ولِأجْلِ الفاصِلَةِ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وبِالنَّجْمِ خُصُوصًا هم يَهْتَدُونَ.
النحل 16:16
(p-٤٧٨)﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا امْتَنَّ بِإيجادِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ وإيجادِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها مِنَ الرُّكُوبِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إنْزالِ الماءِ الَّذِي هو قِوامُ حَياتِهِمْ وحَياةِ الحَيَوانِ، وما يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِن أقْواتِهِمْ وأقْواتِها مِنَ الزَّرْعِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ مِنها الأغْلَبَ، ثُمَّ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّيْلِ الَّذِي هو سَكَنٌ لَهم، والنَّهارِ الَّذِي هو مَعاشٌ، ثُمَّ بِالنَّيِّرَيْنِ اللَّذَيْنِ جَعَلَهُما اللَّهُ تَعالى مُؤَثِّرَيْنِ بِإرادَتِهِ في إصْلاحِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ بِما ذَرَأ في الأرْضِ.
والظّاهِرُ أنَّ (لَكم)، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”ماءً“، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ويَرْتَفِعُ شَرابٌ بِهِ، أيْ: ماءً كائِنًا لَكم مِنهُ شَرابٌ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْزَلَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وشَرابٌ: مُبْتَدَأٌ. لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الماءِ أخَذَ في تَقْسِيمِهِ. والشَّرابُ هو المَشْرُوبُ، والتَّبْعِيضُ في (مِنهُ) ظاهِرٌ، وأمّا في (مِنهُ شَجَرٌ) فَمَجازٌ، لَمّا كانَ الشَّجَرُ إنْباتُهُ عَلى سَقْيِهِ بِالماءِ جَعَلَ الشَّجَرَ مِنَ الماءِ، كَما قالَ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ، أيْ في سَحابِ المَطَرِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو عَلى حَذْفِ المُضافِ، إمّا قَبْلَ الضَّمِيرِ، أيْ: ومِن جِهَتِهِ، أوْ سَقْيُهُ شَجَرٌ، وإمّا قَبْلَ شَجَرٍ، أيْ: شُرِبَ شَجَرٌ كَقَوْلِهِ ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أيْ: حُبَّهُ. والشَّجَرُ هُنا كُلُّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: نُطْعِمُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ، فَسُمِّيَ الكَلَأُ شَجَرًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشَّجَرُ هُنا الكَلَأُ، وفي حَدِيثِ «عِكْرِمَةَ: ”لا تَأْكُلُوا الشَّجَرَ فَإنَّهُ سُحْتٌ“» يَعْنِي الكَلَأ.
ويُقالُ: أسامَ الماشِيَةَ وسَوَّمَها جَعَلَها تَرْعى، وسامَتْ بِنَفْسِها فَهي سائِمَةٌ، وسِوامٌ: رَعَتْ حَيْثُ شاءَتْ، قالَ الزَّجّاجُ: مِنَ السَّوْمَةِ، وهي العَلامَةُ، لِأنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ عَلاماتٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: تَسِيمُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ، فَإنْ سُمِعَ مُتَعَدِّيًا كانَ هو، وأسامَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وإنْ كانَ لازِمًا فَتَأْوِيلُهُ عَلى حَذْفِ مُضافِ تُسِيمُونَ أيْ: تُسِيمُ مَواشِيكم، لَمّا ذَكَرَ ومِنهُ شَجَرٌ. أخَذَ في ذِكْرِ غالِبِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ الشَّجَرِ إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ومِنهُ شَجَرُ العُمُومِ، وإنْ كانَ المُرادُ الكَلَأ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارِ مَنافِعِ الماءِ. ويُقالُ: نَبَتَ الشَّيْءُ وأنْبَتَهُ اللَّهُ فَهو مَنبُوتٌ، وهَذا قِياسُهُ مَنبَتٌ. وقِيلَ: يُقالُ أنْبَتَ الشَّجَرُ، لازِمًا. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎رَأيْتُ ذَوِي الحاجّاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
. أيْ: نَبَتَ. وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: نُنْبِتُ، بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: نُنَبِّتُ، بِالتَّشْدِيدِ قِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَضْعِيفُ التَّعْدِيَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: يَنْبُتُ مِن نَبَتَ، ورَفَعَ الزَّرْعَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وخَصَّ الأرْبَعَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ، وأجْمَعُهُ لِلْمَنافِعِ. وبَدَأ بِالزَّرْعِ لِأنَّهُ قُوتُ أكْثَرِ العالَمِ، ثُمَّ بِالزَّيْتُونِ لِما فِيهِ مِن فائِدَةِ الِاسْتِصْباحِ بِدُهْنِهِ، وهي ضَرُورِيَّةٌ مَعَ مَنفَعَةِ أكْلِهِ والِائْتِدامِ بِهِ وبِدَهْنِهِ، والِاطِّلاءِ بِدُهْنِهِ، ثُمَّ بِالنَّخْلِ لِأنَّ ثَمَرَتَهُ مِن أطْيَبِ الفَواكِهِ، وقُوتٌ في بَعْضِ البِلادِ، ثُمَّ بِالأعْنابِ لِأنَّها فاكِهَةٌ مَحْضَةٌ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، أتى بِلَفْظِ (مِن) الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ الثَّمَراتِ لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ، وإنَّما أُنْبِتَ في الأرْضِ بَعْضٌ مِن كُلِّها لِلتَّذْكِرَةِ. ولَمّا ذَكَرَ الحَيَواناتِ المُنْتَفَعِ بِها عَلى التَّفْصِيلِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ، كَذَلِكَ هُنا ذَكَرَ الأنْواعَ المُنْتَفَعَ بِها مِنَ (p-٤٧٩)النَّباتِ، ثُمَّ قالَ: ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَفْصِيلَ القَوْلِ في أجْناسِها وأنْواعِها وصِفاتِها ومَنافِعها مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ، كَما أنَّ تَفْصِيلَ ما خَلَقَ مِن باقِي الحَيَوانِ لا يَكادُ يُحْصَرُ. وخَتَمَ ذَلِكَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، لِأنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَأمُّلٍ واسْتِعْمالِ فِكْرٍ. ألا تَرى أنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ إذا وُضِعَتْ في الأرْضِ ومَرَّ عَلَيْها مِقْدارٌ مِنَ الزَّمانِ مُعَيَّنٌ لَحِقَها مِن نَداوَةِ الأرْضِ ما تَنْتَفِخُ بِهِ، فَيَنْشَقُّ أعْلاها فَيَصْعَدُ مِنهُ شَجَرَةٌ إلى الهَواءِ، وأسْفَلُها يَغُوصُ مِنهُ في عُمْقِ الأرْضِ شَجَرَةٌ أُخْرى وهي العُرُوقُ، ثُمَّ يَنْمُو الأعْلى ويَقْوى، وتَخْرُجُ الأوْراقُ والأزْهارُ والأكْمامُ، والثِّمارُ المُشْتَمِلَةُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبائِعِ والطُّعُومِ والألْوانِ والرَّوائِحِ والأشْكالِ والمَنافِعِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرِ قادِرٍ مُخْتارٍ وهو اللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والشَّمْسَ“ وما بَعْدَهُ مَنصُوبًا، وانْتَصَبَ (مُسَخَّراتٍ) عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ إنْ كانَ (مُسَخَّراتٍ) اسْمَ مَفْعُولٍ، وهو إعْرابُ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنَّ كَوْنَ المَعْنى: أنَّهُ سَخَّرَها أنْواعًا مِنَ التَّسْخِيرِ جَمْعُ مُسَخَّرٍ، بِمَعْنى: تَسْخِيرٍ مِن قَوْلِكَ: سَخَّرَهُ اللَّهُ مُسَخَّرًا، كَقَوْلِكَ: سَرَّحَهُ مُسَرَّحًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَخَّرَها لَكم تَسْخِيراتٍ بِأمْرِهِ؛ انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: و”الشَّمْسُ“ وما بَعْدَهُ، بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وحَفْصٌ: والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، بِرَفْعِهِما، وهاتانِ القِراءَتانِ يُبْعِدانِ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ مُسَخَّراتٍ بِمَعْنى تَسْخِيراتٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: والرِّياحُ مُسَخَّراتٌ، في مَوْضِعِ، (والنُّجُومُ) وهي مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ. والظّاهِرُ في قِراءَةِ نَصْبِ الجَمِيعِ أنَّ (والنُّجُومَ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. وقالَ الأخْفَشُ: والنُّجُومَ، مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَأضْمَرَ الفِعْلَ. وعَلى هَذا الإعْرابِ لا تَكُونُ ”مُسَخَّراتٍ“ حالًا مُؤَكِّدَةً، بَلْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِجَعَلَ إنْ كانَ (جَعَلَ) المُقَدَّرَةُ بِمَعْنى (صَيَّرَ)، وحالًا مُبَيِّنَةً، إنْ كانَ بِمَعْنى (خَلَقَ) . وتَقَدَّمَ شَرْحُ تَسْخِيرِ هَذِهِ النَّيِّراتِ في الأعْرافِ. وجَمَعَ الآياتِ هُنا، وذَكَرَ العَقْلَ، وأفْرَدَ فِيما قَبْلُ، وذَكَرَ التَّفَكُّرَ لِأنَّ فِيما قَبْلُ اسْتِدْلالًا بِإثْباتِ الماءِ وهو واحِدٌ، وإنْ كَثُرَتْ أنْواعُ النَّباتِ، والِاسْتِدْلالُ هُنا مُتَعَدِّدٌ، ولِأنَّ الآثارَ العُلْوِيَّةَ أظْهَرُ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وأبْيَنُ شَهادَةً لِلْكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ.
﴿وما ذَرَأ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ؛ يَعْنِي: ما خَلَقَ فِيها مِن حَيَوانٍ وشَجَرٍ وثَمَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِنَ البَياضِ والسَّوادِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَّمَرِ ومِنَ الطَّعامِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعادِنُ. إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: فِيما ذَرَأ عَلى هَذِهِ الحالِ مِنِ اخْتِلافِ الألْوانِ، أوْ إنَّ في ذَلِكَ، أيْ: اخْتِلافِ الألْوانِ. وخَتَمَ هَذا بِقَوْلِهِ: يَذَّكَّرُونَ، ومَعْناهُ الِاعْتِبارُ والِاتِّعاظُ، كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ سابِقًا طَرَأ عَلَيْهِ النِّسْيانُ، فَقِيلَ: يَذَّكَّرُونَ، أيْ: يَتَذَكَّرُونَ ما نَسُوا مِن تَسْخِيرِ هَذِهِ المُكَوِّناتِ في الأرْضِ.
﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى الِاسْتِدْلالَ بِما ذَرَأ في الأرْضِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن تَسْخِيرِ البَحْرِ. ومَعْنى تَسْخِيرِهِ: كَوْنُهُ يَتْمَكَنُّ النّاسُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ لِلرُّكُوبِ في المَصالِحِ، ولِلْغَوْصِ في اسْتِخْراجِ ما فِيهِ، ولِلِاصْطِيادِ لِما فِيهِ. والبَحْرُ: جِنْسٌ يَشْمَلُ المِلْحَ والعَذْبَ، وبَدَأ أوَّلًا مِن مَنافِعِهِ بِما هو الأهَمُّ وهو الأكْلُ، ومِنهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِتَأْكُلُوا مِن حَيَوانِهِ طَرِيًّا، ثُمَّ ثَنّى بِما يُتَزَيَّنُ بِهِ وهو الحِلْيَةُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، ونَبَّهَ عَلى غايَةِ الحِلْيَةِ وهو اللُّبْسُ. وفِيهِ مَنافِعُ غَيْرُ اللُّبْسِ، فاللَّحْمُ الطَّرِيُّ مِنَ المِلْحِ والعَذْبِ، والحِلْيَةِ مِنَ المِلْحِ. وقِيلَ: إنَّ العَذْبَ يَخْرُجُ مِنهُ لُؤْلُؤٌ لا يُلْبَسُ إلّا قَلِيلًا وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُّمُرُّدِ بَحْرِيًّا، فَأمّا (لِتَأْكُلُوا) فَعامٌّ في النِّساءِ والرِّجالِ، وأمّا (تَلْبَسُونَها) فَخاصٌّ بِالنِّساءِ. والمَعْنى: يَلْبَسُها نِساؤُكم. وأُسْنِدَ اللُّبْسُ إلى (p-٤٨٠)الذُّكُورِ، لِأنَّ النِّساءَ إنَّما يَتَزَيَّنَّ بِالحِلْيَةِ مِن أجْلِ رِجالِهِنَّ، فَكَأنَّها زِينَتُهم ولِباسُهم. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الأكْلِ مِنهُ والِاسْتِخْراجِ لِلْحِلْيَةِ، ذَكَرَ نِعْمَةَ تَصَرُّفِ الفُلْكِ فِيهِ؛ ماخِرَةً، أيْ: شاقَّةً فِيهِ، أوْ ذاتَ صَوْتٍ لِشَقِّ الماءِ لِحَمْلِ الأمْتِعَةِ والأقْواتِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها، وأسْنَدَ الرُّؤْيَةَ إلى المُخاطَبِ المُفْرَدِ، فَقالَ: وتَرى، وجَعَلَها جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ: تَعْلِيلِ الِاسْتِخْراجِ، وتَعْلِيلِ الِابْتِغاءِ، لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ جَمْعِ المُخاطَبِ، والظّاهِرُ عَطْفُ، ولِتَبْتَغُوا: عَلى التَّعْلِيلِ قَبْلَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: لِتَبْتَغُوا بِذَلِكَ. ولِتَبْتَغُوا، وأنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وفَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا. والفَضْلُ هُنا حُصُولُ الأرْباحِ بِالتِّجارَةِ، والوُصُولُ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ رُكُوبِ البَحْرِ.
﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، عَلى ما مَنَحَكم مِن هَذِهِ النِّعَمِ. قِيلَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمُورُ، وقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هي بِمَقَرِّ أحَدٍ عَلى ظَهْرِها، فَأصْبَحَتْ وقَدْ أُرْسِيَتْ بِالجِبالِ، لَمْ تَدْرِ المَلائِكَةُ مِمَّ خُلِقَتْ» . وعَطَفَ (وأنْهارًا) عَلى (رَواسِيَ) . ومَعْنى ألْقى: جَعَلَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ [فصلت: ١٠] . وقالَ ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] أيْ: جَعَلْتُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُتَأوِّلُونَ: ألْقى بِمَعْنى: خَلَقَ وجَعَلَ، وهي عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ (ألْقى) يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أوْجَدَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ ما رُوِيَ في القَصَصِ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبّادٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ. . . إلى آخِرِ الكَلامِ السّابِقِ، وهو أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: وقَوْلُهُ: وأنْهارًا، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ، أوْ خَلَقَ أنْهارًا، وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ ألْقى، ولَوْ كانَتْ (ألْقى) بِمَعْنى خَلَقَ لَمْ يُحْتَجْ إلى هَذا الإضْمارِ؛ انْتَهى. وأيُّ إجْماعٍ في هَذا، وقَدْ حُكِيَ عَنِ المُتَأوِّلِينَ أنَّ ألْقى بِمَعْنى خَلَقَ وجَعَلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْهارًا، وجَعَلَ فِيها أنْهارًا لِأنَّ (ألْقى) فِيهِ مَعْنى: جَعَلَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا) . وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وشَقَّ أنْهارًا وعَلاماتٍ، أيْ: وضَعَ عَلاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ”رَواسِيَ“ . وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ أكْثَرَ الأنْهارِ إنَّما تَتَفَجَّرُ مَنابِعُها في الجِبالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أتْبَعَ ذِكْرَها بِتَفْجِيرِ الأنْهارِ، وسُبُلًا: طُرُقًا إلى مَقاصِدِكم ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِالسُّبُلِ إلى مَقاصِدِكم، هَذا هو الظّاهِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] . وقِيلَ: تَهْتَدُونَ، أيْ: بِالنَّظَرِ في دَلالَةِ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، فَهو مِنَ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ، ودِينِ اللَّهِ. وعَلاماتٍ: هي مَعالِمُ الطُّرُقِ، وكُلُّ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ السّابِلَةُ مِن جَبَلٍ وسَهْلٍ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ورَأيْتُ جَماعَةً يَتَعَرَّفُونَ الطُّرُقاتِ بِشَمِّ التُّرابِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: العَلامَةُ: صُورَةٌ يُعْلَمُ بِها ما يُرادُ مِن خَطٍّ أوْ لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ هَيْئَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلاماتٍ، نُصِبَ كالمَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٍ، أيْ: عِبْرَةً، وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ وبِالأنْهارِ وبِالسُّبُلِ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: العَلاماتُ: الجِبالُ. وقالَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ: النُّجُومُ. وأغْرَبُ ما فُسِّرَتْ بِهِ العَلاماتُ أنَّها: حَيَّتانِ طُوالٌ رِقاقٌ كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكاتِها تُسَمّى بِالعَلاماتِ، وذَلِكَ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يُسارُ إلَيْهِ مِنَ اليَمَنِ، فَإذا ظَهَرَتْ كانَتْ عَلامَةً لِلْوُصُولِ لِبِلادِ الهِنْدِ وأمارَةً لِلنَّجاةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وبِالنَّجْمِ، عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ: وبِالنُّجُمِ، بِضَمِّ النُّونِ والجِيمِ، وقِراءَةُ الحَسَنِ: بِضَمِّ النُّونِ. وفي اللَّوامِحِ الحَسَنُ: النُّجُمُ بِضَمَّتَيْنِ، وابْنُ وثّابٍ: بِضَمَّةٍ واحِدَةٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ الرِّفاعِيِّ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَذْكُرُهُ عَنْ أصْحابِ عاصِمٍ؛ انْتَهى. وذَلِكَ جَمْعٌ كَسُقُفٍ وسَقَفِ، ورُهُنٍ (p-٤٨١)ورَهَنٍ، وجَعْلُهُ مِمّا جُمِعَ عَلى فُعُلٍ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى أنَّهُ أرادَ النُّجُومَ، فَحَذَفَ الواوَ. إلّا أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهم: النُّجُمُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وأنْشَدَ:
؎إنَّ الَّذِي قَضى بِذا قاضٍ حَكَمْ ∗∗∗ أنْ يَرِدَ الماءَ إذا غابَ النُّجُمْ
قالَ: يُرِيدُ النُّجُومَ. مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎حَتّى إذا ابْتَلَّتْ حَلاقِيمُ الحَلْقِ
يُرِيدُ: الحُلُوقَ. والتَّسْكِينُ: قِيلَ تَخْفِيفٌ، وقِيلَ: لُغَةٌ. وعَنِ السُّدِّيِّ: هو الثُّرَيّا، والفَرْقَدانِ، وبَناتُ نَعْشٍ، والجَدْيُ. وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ: الجَدْيُ والفَرْقَدانِ؛ انْتَهى. قِيلَ: والجَدْيُ هو السّابِعُ مِن بَناتِ نَعْشِ الصُّغْرى، والفَرْقَدانِ: الأوَّلانِ مِنها، ولَيْسَ بِالجَدْيِ الَّذِي هو المَنزِلَةُ، وبَعْضُهم يُصَغِّرُهُ فَيَقُولُ: جُدَيٌّ. وفي الحَدِيثِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: وبِالنَّجْمِ، فَقالَ: ”هو الجَدْيُ“» ولَوْ صَحَّ هَذا لَمْ يَعْدِلْ أحَدٌ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلَيْهِ قِبْلَتُكم، وبِهِ تَهْتَدُونَ في بَرِّكم وبَحْرِكم. وقِيلَ: هو القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي. وقِيلَ: هو الثُّرَيّا. وقالَ الشّاعِرُ:
؎إذا طَلَبَ الجَوْزاءَ والنَّجْمُ طالِعٌ ∗∗∗ فَكُلُّ مَخاضاتِ الفُراتِ مَعابِرُ
وقالَ آخَرُ:
؎حَتّى إذا ما اسْتَقَلَّ النَّجْمُ في غَلَسٍ ∗∗∗ وغُودِرَ البَقْلُ مُلَوًّى ومَحْصُودُ
أيْ ومِنهُ مُلَوًّى، ومِنهُ مَحْصُودٌ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيّا. وهم: ضَمِيرُ غَيْبَةٍ، خَرَجَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، كانَ الضَّمِيرُ النَّعْتَ بِهِ إلى قُرَيْشٍ إذْ كانَ لَهُمُ اهْتِداءٌ بِالنُّجُومِ في مَسايِرِهِمْ، وكانَ لَهم بِذَلِكَ عِلْمٌ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ، فَكانَ الشُّكْرُ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ والِاعْتِبارُ ألْزَمَ لَهم. وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ اعْتِناءً ولِأجْلِ الفاصِلَةِ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وبِالنَّجْمِ خُصُوصًا هم يَهْتَدُونَ.
النحل 16:17
﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾: ذَكَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ وهو البارِي تَعالى، وبَيْنَ مَن لا يَخْلُقُ وهي الأصْنامُ، ومَن عُبِدَ مِمَّنْ لا يَعْقِلُ، فَجَدِيرٌ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن لَهُ الإنْشاءُ دُونَ غَيْرِهِ. وجِيءَ بِمَن في الثّانِي لِاشْتِمالِ المَعْبُودِ غَيْرِ اللَّهِ عَلى مَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ، أوْ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، فَعُومِلَتْ مُعامَلَةَ أُولِي العِلْمِ، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَخْلُقُ، أوْ لِتَخْصِيصِهِ بِمَن يَعْلَمُ. فَإذا وقَعَتِ البَيْنُونَةُ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ غَيْرِ الخالِقِ، مِن أُولِي العِلْمِ فَكَيْفَ بِمَن لا يَعْلَمُ البَتَّةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] أيْ: أنَّ آلِهَتَهم مُنْحَطَّةٌ عَنْ حالِ مَن لَهُ أرْجُلٌ، لِأنَّ مَن لَهُ هَذِهِ حَيٌّ، وتِلْكَ أمْواتٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ، لا أنَّ مَن لَهُ رِجْلٌ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هو إلْزامٌ لِلَّذِينِ عَبَدُوا الأوْثانَ وسَمَّوْها آلِهَةً تَشْبِيهًا بِاللَّهِ، فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ الخالِقِ مِثْلَ الخالِقِ، فَكانَ حَقَّ الإلْزامِ أنْ يُقالَ لَهم: أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ ؟ (قُلْتُ): حِينَ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ مِثْلَ اللَّهِ في تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِهِ والعِبادَةِ لَهُ، وسَوَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَقَدْ جَعَلُوا اللَّهَ مِن جِنْسِ المَخْلُوقاتِ وشَبِيهًا بِها، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: مِثْلُ هَذا لا يَنْبَغِي أنْ تَقَعَ فِيهِ الغَفْلَةُ. والنِّعْمَةُ يُرادُ بِها النِّعَمُ لا نِعْمَةٌ واحِدَةٌ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحْصُوها﴾ إذْ يَنْتَفِي العَدُّ والإحْصاءُ في الواحِدَةِ، والمَعْنى: لا تُحْصُوا عَدَّها، لِأنَّها لِكَثْرَتِها خَرَجَتْ عَنْ إحْصائِكم لَها، وانْتِفاءُ إحْصائِها يَقْتَضِي انْتِفاءَ القِيامِ بِحَقِّها مِنَ الشُّكْرِ. ولَمّا ذَكَرَ نِعَمًا سابِقَةً أخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ نِعَمِهِ (p-٤٨٢)لا يُطِيقُونَ عَدَّها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، حَيْثُ يَتَجاوَزُ عَنْ تَقْصِيرِكم في أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، ولا يَقْطَعُها عَنْكم لِتَفْرِيطِكم، ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها. ولَمّا كانَ الإنْسانُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، وأنَّ لَهُ حالَةً يَعْرِضُ فِيها مِنهُ كُفْرانَها؛ قالَ في عَقِبِ الآيَةِ الَّتِي في إبْراهِيمَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أيْ لَظَلُومٌ بِتَرْكِ الشُّكْرِ، كَفّارٌ لِلنِّعْمَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لُطْفًا بِهِ، وإيذانًا في التَّجاوُزِ عَنْهُ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ لَهم، والإخْبارَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ آلِهَتِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في تُسِرُّونَ وتُعْلِنُونَ وتَدْعُونَ، وهي قِراءَةُ: مُجاهِدٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وهُبَيْرَةَ، عَنْ عاصِمٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم. وقَرَأ عاصِمٌ في مَشْهُورِهِ: يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ، وبِالتّاءِ في السّابِقَتَيْنِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ: يَعْلَمُ الَّذِي يُبْدُونَ وما يَكْتُمُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في الثَّلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وهاتانِ القِراءَتانِ مُخالِفَتانِ لِسَوادِ المُصْحَفِ، والمَشْهُورُ ما رُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ وغَيْرِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّها قُرْآنٌ. ولَمّا أظْهَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ الخالِقِ وغَيْرِهِ، نَصَّ عَلى أنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ، وعَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ. وأخْبَرَ أنَّهم أمْواتٌ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾، ثُمَّ نَفى عَنْهُمُ الشُّعُورَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَهائِمِ، فَضْلًا عَنِ العِلْمِ الَّذِي تَتَّصِفُ بِهِ العُقَلاءُ. وعَبَّرَ بِالَّذِينِ، وهو لِلْعاقِلِ، عُومِلَ غَيْرُهُ مُعامَلَتَهُ، لِكَوْنِها عُبِدَتْ واعْتُقِدَتْ فِيها الأُلُوهِيَّةُ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: يُدْعَوْنَ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيِ: اللَّهُ أنْشَأهم واخْتَرَعَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ النّاسَ يَخْلُقُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ، وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ؛ انْتَهى. وأمْواتٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هم أمْواتٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِمّا حَدَّثَ بِهِ عَنِ الأصْنامِ، ويَكُونُ بَعْثُهم إعادَتُها بَعْدَ فَنائِها. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقِيلَ: مَعْنى بَعْثِها: إثارَتُها، كَما تَقُولُ: بَعَثْتُ النّائِمَ مِن نَوْمِهِ إذا نَبَّهْتَهُ، كَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَهم بِالتَّحْرِيكِ أوْ حَرَّكْتَهم لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، ونَفى عَنْهُمُ الحَياةَ لِأنَّ مِنَ الأمْواتِ ما يَعْقُبُ مَوْتَهُ حَياةٌ كالنُّطَفِ الَّتِي يُنْشِئُها اللَّهُ حَيَوانًا، وأجْسادِ الحَيَوانِ الَّتِي تُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِها. وأمّا الأصْنامُ مِنَ الحِجارَةِ والخَشَبِ فَأمْواتٌ لا يَعْقُبُ مَوْتَها حَياةٌ، وذَلِكَ أعْرَقُ في مَوْتِها. وقِيلَ: والَّذِينَ تَدْعُونَ، هُمُ المَلائِكَةُ، وكانَ ناسٌ مِنَ الكُفّارِ يَعْبُدُونَهم. وأمْواتٌ، أيْ: لا بُدَّ لَهم مِنَ المَوْتِ، وغَيْرُ أحْياءٍ، أيْ: غَيْرُ باقٍ حَياتُهم، وما يَشْعُرُونَ، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ. وجَوَّزُوا في قِراءَةِ: والَّذِينَ يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أمْواتٌ، يُرادُ بِهِ الكُفّارُ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في: يَدْعُونَ، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضُلّالٌ، غَيْرُ مُهْتَدِينَ وما بَعْدَهُ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ: الحَشْرُ مِن قُبُورِهِمْ. وقِيلَ: في هَذا التَّقْدِيرِ وعِيدٌ، أيْ: أيّانَ يُبْعَثُونَ إلى التَّعْذِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾، لِلْأصْنامِ، وفي: يُبْعَثُونَ، لِعَبَدَتِها، أيْ: لا تَشْعُرُ الأصْنامُ مَتى تُبْعَثُ عَبَدَتُها. وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ عَلى عِبادَتِهِمْ. وتَلَخَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ: أنْ تَكُونَ الأخْبارُ بِتِلْكَ الجُمَلِ كُلِّها مِنَ المَدْعُوِّينَ آلِهَةً، إمّا الأصْنامُ، وإمّا المَلائِكَةُ، أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِهِ: أمْواتٌ، إلى آخِرِهِ، إخْبارًا عَنِ المَدْعُوِّينَ، ويُبْعَثُونَ: إخْبارًا عَنِ الدّاعِينَ العابِدِينَ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (إيّانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إيّانَ، مَعْمُولٌ لِيُبْعَثُونِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَشْعُرُونَ، لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ. إذْ مَعْناهُ: العِلْمُ. (p-٤٨٣)والمَعْنى: أنَّهُ نَفى عَنْهم عِلْمَ ما انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ الحَيُّ القَيُّومُ، وهو وقْتُ البَعْثِ إذا أُرِيدَ بِالبَعْثِ الحَشْرُ إلى الآخِرَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ . و﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا القَوْلُ لِأنَّ (أيّانَ) إذْ ذاكَ تَخْرُجُ عَمّا اسْتَقَرَّ فِيها مِن كَوْنِها ظَرْفًا، إمّا اسْتِفَهامًا، وإمّا شَرْطًا. وفي هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ ظَرْفًا بِمَعْنى (وقْتٍ) مُضافًا لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها، مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: واحِدٌ، كَقَوْلِك: يَوْمَ يَقُومُ زَيْدٌ قائِمٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾، دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البَعْثِ، وأنَّهُ مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما اتَّصَفَتْ بِهِ آلِهَتُهم بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ إلَهَ العالَمِ هو واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَجَزَّأُ، وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ بَعْدَ وُضُوحِ بُطْلانِ أنْ تَكُونَ الإلَهِيَّةُ لِغَيْرِهِ بَلْ لَهُ وحْدَهُ، هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ، مُنْكِرُونَ وحْدانِيَّتَهُ، مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإقْرارِ بِها، لِاعْتِقادِهِمُ الإلَهِيَّةَ لِأصْنامِهِمْ وتَكَبُّرِها في الوُجُودِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مُبالَغَةٌ في نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، إذْ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِالجَزاءِ في الآخِرَةِ يَتَضَمَّنُ التَّكْذِيبَ بِاللَّهِ تَعالى وبِالبَعْثِ، إذْ مَن آمَنَ بِالبَعْثِ يَسْتَحِيلُ أنْ يُكَذِّبَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وقِيلَ: مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ واتِّباعِهِ. وقالَ العُلَماءُ: كُلُّ ذَنْبٍ يُمْكِنُ التَّسَتُّرُ بِهِ وإخْفاؤُهُ إلّا التَّكَبُّرَ فَإنَّهُ فِسْقٌ يَلْزَمُهُ الإعْلانُ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ المُسْتَكْبِرِينَ يَجِيئُونَ أمْثالَ الذَّرِّ يَوْمَ القِيامَةِ، يَطَؤُهُمُ النّاسُ بِأقْدامِهِمْ» أوْ كَما قالَ ﷺ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢] في هُودٍ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وقَدْ يُغْنِي (لا جَرَمَ) عَنْ لَفْظِ القَسَمِ، تَقُولُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ تَعَلَّقَ بِلا جَرَمَ، ولا يَكُونُ اسْتِئْنافًا. وقَدْ قالَ بَعْضُ الأعْرابِ لِمِرْداسٍ الخارِجِيِّ: لا جَرَمَ واللَّهِ لَأُفارِقَنَّكَ أبَدًا، نَفى كَلامَهُ تَعَلُّقُها بِالقَسَمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ وعِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى المُجازاةِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والنَّقّاشُ: المُرادُ هُنا بِما يُسِرُّونَ، تَشاوُرُهم في دارِ النَّدْوَةِ في قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى. ولا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ: عامٌّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ.
النحل 16:18
﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾: ذَكَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ وهو البارِي تَعالى، وبَيْنَ مَن لا يَخْلُقُ وهي الأصْنامُ، ومَن عُبِدَ مِمَّنْ لا يَعْقِلُ، فَجَدِيرٌ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن لَهُ الإنْشاءُ دُونَ غَيْرِهِ. وجِيءَ بِمَن في الثّانِي لِاشْتِمالِ المَعْبُودِ غَيْرِ اللَّهِ عَلى مَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ، أوْ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، فَعُومِلَتْ مُعامَلَةَ أُولِي العِلْمِ، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَخْلُقُ، أوْ لِتَخْصِيصِهِ بِمَن يَعْلَمُ. فَإذا وقَعَتِ البَيْنُونَةُ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ غَيْرِ الخالِقِ، مِن أُولِي العِلْمِ فَكَيْفَ بِمَن لا يَعْلَمُ البَتَّةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] أيْ: أنَّ آلِهَتَهم مُنْحَطَّةٌ عَنْ حالِ مَن لَهُ أرْجُلٌ، لِأنَّ مَن لَهُ هَذِهِ حَيٌّ، وتِلْكَ أمْواتٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ، لا أنَّ مَن لَهُ رِجْلٌ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هو إلْزامٌ لِلَّذِينِ عَبَدُوا الأوْثانَ وسَمَّوْها آلِهَةً تَشْبِيهًا بِاللَّهِ، فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ الخالِقِ مِثْلَ الخالِقِ، فَكانَ حَقَّ الإلْزامِ أنْ يُقالَ لَهم: أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ ؟ (قُلْتُ): حِينَ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ مِثْلَ اللَّهِ في تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِهِ والعِبادَةِ لَهُ، وسَوَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَقَدْ جَعَلُوا اللَّهَ مِن جِنْسِ المَخْلُوقاتِ وشَبِيهًا بِها، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: مِثْلُ هَذا لا يَنْبَغِي أنْ تَقَعَ فِيهِ الغَفْلَةُ. والنِّعْمَةُ يُرادُ بِها النِّعَمُ لا نِعْمَةٌ واحِدَةٌ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحْصُوها﴾ إذْ يَنْتَفِي العَدُّ والإحْصاءُ في الواحِدَةِ، والمَعْنى: لا تُحْصُوا عَدَّها، لِأنَّها لِكَثْرَتِها خَرَجَتْ عَنْ إحْصائِكم لَها، وانْتِفاءُ إحْصائِها يَقْتَضِي انْتِفاءَ القِيامِ بِحَقِّها مِنَ الشُّكْرِ. ولَمّا ذَكَرَ نِعَمًا سابِقَةً أخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ نِعَمِهِ (p-٤٨٢)لا يُطِيقُونَ عَدَّها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، حَيْثُ يَتَجاوَزُ عَنْ تَقْصِيرِكم في أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، ولا يَقْطَعُها عَنْكم لِتَفْرِيطِكم، ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها. ولَمّا كانَ الإنْسانُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، وأنَّ لَهُ حالَةً يَعْرِضُ فِيها مِنهُ كُفْرانَها؛ قالَ في عَقِبِ الآيَةِ الَّتِي في إبْراهِيمَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أيْ لَظَلُومٌ بِتَرْكِ الشُّكْرِ، كَفّارٌ لِلنِّعْمَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لُطْفًا بِهِ، وإيذانًا في التَّجاوُزِ عَنْهُ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ لَهم، والإخْبارَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ آلِهَتِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في تُسِرُّونَ وتُعْلِنُونَ وتَدْعُونَ، وهي قِراءَةُ: مُجاهِدٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وهُبَيْرَةَ، عَنْ عاصِمٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم. وقَرَأ عاصِمٌ في مَشْهُورِهِ: يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ، وبِالتّاءِ في السّابِقَتَيْنِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ: يَعْلَمُ الَّذِي يُبْدُونَ وما يَكْتُمُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في الثَّلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وهاتانِ القِراءَتانِ مُخالِفَتانِ لِسَوادِ المُصْحَفِ، والمَشْهُورُ ما رُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ وغَيْرِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّها قُرْآنٌ. ولَمّا أظْهَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ الخالِقِ وغَيْرِهِ، نَصَّ عَلى أنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ، وعَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ. وأخْبَرَ أنَّهم أمْواتٌ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾، ثُمَّ نَفى عَنْهُمُ الشُّعُورَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَهائِمِ، فَضْلًا عَنِ العِلْمِ الَّذِي تَتَّصِفُ بِهِ العُقَلاءُ. وعَبَّرَ بِالَّذِينِ، وهو لِلْعاقِلِ، عُومِلَ غَيْرُهُ مُعامَلَتَهُ، لِكَوْنِها عُبِدَتْ واعْتُقِدَتْ فِيها الأُلُوهِيَّةُ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: يُدْعَوْنَ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيِ: اللَّهُ أنْشَأهم واخْتَرَعَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ النّاسَ يَخْلُقُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ، وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ؛ انْتَهى. وأمْواتٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هم أمْواتٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِمّا حَدَّثَ بِهِ عَنِ الأصْنامِ، ويَكُونُ بَعْثُهم إعادَتُها بَعْدَ فَنائِها. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقِيلَ: مَعْنى بَعْثِها: إثارَتُها، كَما تَقُولُ: بَعَثْتُ النّائِمَ مِن نَوْمِهِ إذا نَبَّهْتَهُ، كَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَهم بِالتَّحْرِيكِ أوْ حَرَّكْتَهم لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، ونَفى عَنْهُمُ الحَياةَ لِأنَّ مِنَ الأمْواتِ ما يَعْقُبُ مَوْتَهُ حَياةٌ كالنُّطَفِ الَّتِي يُنْشِئُها اللَّهُ حَيَوانًا، وأجْسادِ الحَيَوانِ الَّتِي تُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِها. وأمّا الأصْنامُ مِنَ الحِجارَةِ والخَشَبِ فَأمْواتٌ لا يَعْقُبُ مَوْتَها حَياةٌ، وذَلِكَ أعْرَقُ في مَوْتِها. وقِيلَ: والَّذِينَ تَدْعُونَ، هُمُ المَلائِكَةُ، وكانَ ناسٌ مِنَ الكُفّارِ يَعْبُدُونَهم. وأمْواتٌ، أيْ: لا بُدَّ لَهم مِنَ المَوْتِ، وغَيْرُ أحْياءٍ، أيْ: غَيْرُ باقٍ حَياتُهم، وما يَشْعُرُونَ، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ. وجَوَّزُوا في قِراءَةِ: والَّذِينَ يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أمْواتٌ، يُرادُ بِهِ الكُفّارُ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في: يَدْعُونَ، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضُلّالٌ، غَيْرُ مُهْتَدِينَ وما بَعْدَهُ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ: الحَشْرُ مِن قُبُورِهِمْ. وقِيلَ: في هَذا التَّقْدِيرِ وعِيدٌ، أيْ: أيّانَ يُبْعَثُونَ إلى التَّعْذِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾، لِلْأصْنامِ، وفي: يُبْعَثُونَ، لِعَبَدَتِها، أيْ: لا تَشْعُرُ الأصْنامُ مَتى تُبْعَثُ عَبَدَتُها. وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ عَلى عِبادَتِهِمْ. وتَلَخَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ: أنْ تَكُونَ الأخْبارُ بِتِلْكَ الجُمَلِ كُلِّها مِنَ المَدْعُوِّينَ آلِهَةً، إمّا الأصْنامُ، وإمّا المَلائِكَةُ، أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِهِ: أمْواتٌ، إلى آخِرِهِ، إخْبارًا عَنِ المَدْعُوِّينَ، ويُبْعَثُونَ: إخْبارًا عَنِ الدّاعِينَ العابِدِينَ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (إيّانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إيّانَ، مَعْمُولٌ لِيُبْعَثُونِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَشْعُرُونَ، لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ. إذْ مَعْناهُ: العِلْمُ. (p-٤٨٣)والمَعْنى: أنَّهُ نَفى عَنْهم عِلْمَ ما انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ الحَيُّ القَيُّومُ، وهو وقْتُ البَعْثِ إذا أُرِيدَ بِالبَعْثِ الحَشْرُ إلى الآخِرَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ . و﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا القَوْلُ لِأنَّ (أيّانَ) إذْ ذاكَ تَخْرُجُ عَمّا اسْتَقَرَّ فِيها مِن كَوْنِها ظَرْفًا، إمّا اسْتِفَهامًا، وإمّا شَرْطًا. وفي هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ ظَرْفًا بِمَعْنى (وقْتٍ) مُضافًا لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها، مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: واحِدٌ، كَقَوْلِك: يَوْمَ يَقُومُ زَيْدٌ قائِمٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾، دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البَعْثِ، وأنَّهُ مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما اتَّصَفَتْ بِهِ آلِهَتُهم بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ إلَهَ العالَمِ هو واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَجَزَّأُ، وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ بَعْدَ وُضُوحِ بُطْلانِ أنْ تَكُونَ الإلَهِيَّةُ لِغَيْرِهِ بَلْ لَهُ وحْدَهُ، هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ، مُنْكِرُونَ وحْدانِيَّتَهُ، مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإقْرارِ بِها، لِاعْتِقادِهِمُ الإلَهِيَّةَ لِأصْنامِهِمْ وتَكَبُّرِها في الوُجُودِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مُبالَغَةٌ في نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، إذْ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِالجَزاءِ في الآخِرَةِ يَتَضَمَّنُ التَّكْذِيبَ بِاللَّهِ تَعالى وبِالبَعْثِ، إذْ مَن آمَنَ بِالبَعْثِ يَسْتَحِيلُ أنْ يُكَذِّبَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وقِيلَ: مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ واتِّباعِهِ. وقالَ العُلَماءُ: كُلُّ ذَنْبٍ يُمْكِنُ التَّسَتُّرُ بِهِ وإخْفاؤُهُ إلّا التَّكَبُّرَ فَإنَّهُ فِسْقٌ يَلْزَمُهُ الإعْلانُ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ المُسْتَكْبِرِينَ يَجِيئُونَ أمْثالَ الذَّرِّ يَوْمَ القِيامَةِ، يَطَؤُهُمُ النّاسُ بِأقْدامِهِمْ» أوْ كَما قالَ ﷺ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢] في هُودٍ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وقَدْ يُغْنِي (لا جَرَمَ) عَنْ لَفْظِ القَسَمِ، تَقُولُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ تَعَلَّقَ بِلا جَرَمَ، ولا يَكُونُ اسْتِئْنافًا. وقَدْ قالَ بَعْضُ الأعْرابِ لِمِرْداسٍ الخارِجِيِّ: لا جَرَمَ واللَّهِ لَأُفارِقَنَّكَ أبَدًا، نَفى كَلامَهُ تَعَلُّقُها بِالقَسَمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ وعِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى المُجازاةِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والنَّقّاشُ: المُرادُ هُنا بِما يُسِرُّونَ، تَشاوُرُهم في دارِ النَّدْوَةِ في قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى. ولا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ: عامٌّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ.
النحل 16:19
﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾: ذَكَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ وهو البارِي تَعالى، وبَيْنَ مَن لا يَخْلُقُ وهي الأصْنامُ، ومَن عُبِدَ مِمَّنْ لا يَعْقِلُ، فَجَدِيرٌ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن لَهُ الإنْشاءُ دُونَ غَيْرِهِ. وجِيءَ بِمَن في الثّانِي لِاشْتِمالِ المَعْبُودِ غَيْرِ اللَّهِ عَلى مَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ، أوْ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، فَعُومِلَتْ مُعامَلَةَ أُولِي العِلْمِ، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَخْلُقُ، أوْ لِتَخْصِيصِهِ بِمَن يَعْلَمُ. فَإذا وقَعَتِ البَيْنُونَةُ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ غَيْرِ الخالِقِ، مِن أُولِي العِلْمِ فَكَيْفَ بِمَن لا يَعْلَمُ البَتَّةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] أيْ: أنَّ آلِهَتَهم مُنْحَطَّةٌ عَنْ حالِ مَن لَهُ أرْجُلٌ، لِأنَّ مَن لَهُ هَذِهِ حَيٌّ، وتِلْكَ أمْواتٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ، لا أنَّ مَن لَهُ رِجْلٌ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هو إلْزامٌ لِلَّذِينِ عَبَدُوا الأوْثانَ وسَمَّوْها آلِهَةً تَشْبِيهًا بِاللَّهِ، فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ الخالِقِ مِثْلَ الخالِقِ، فَكانَ حَقَّ الإلْزامِ أنْ يُقالَ لَهم: أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ ؟ (قُلْتُ): حِينَ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ مِثْلَ اللَّهِ في تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِهِ والعِبادَةِ لَهُ، وسَوَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَقَدْ جَعَلُوا اللَّهَ مِن جِنْسِ المَخْلُوقاتِ وشَبِيهًا بِها، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: مِثْلُ هَذا لا يَنْبَغِي أنْ تَقَعَ فِيهِ الغَفْلَةُ. والنِّعْمَةُ يُرادُ بِها النِّعَمُ لا نِعْمَةٌ واحِدَةٌ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحْصُوها﴾ إذْ يَنْتَفِي العَدُّ والإحْصاءُ في الواحِدَةِ، والمَعْنى: لا تُحْصُوا عَدَّها، لِأنَّها لِكَثْرَتِها خَرَجَتْ عَنْ إحْصائِكم لَها، وانْتِفاءُ إحْصائِها يَقْتَضِي انْتِفاءَ القِيامِ بِحَقِّها مِنَ الشُّكْرِ. ولَمّا ذَكَرَ نِعَمًا سابِقَةً أخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ نِعَمِهِ (p-٤٨٢)لا يُطِيقُونَ عَدَّها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، حَيْثُ يَتَجاوَزُ عَنْ تَقْصِيرِكم في أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، ولا يَقْطَعُها عَنْكم لِتَفْرِيطِكم، ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها. ولَمّا كانَ الإنْسانُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، وأنَّ لَهُ حالَةً يَعْرِضُ فِيها مِنهُ كُفْرانَها؛ قالَ في عَقِبِ الآيَةِ الَّتِي في إبْراهِيمَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أيْ لَظَلُومٌ بِتَرْكِ الشُّكْرِ، كَفّارٌ لِلنِّعْمَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لُطْفًا بِهِ، وإيذانًا في التَّجاوُزِ عَنْهُ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ لَهم، والإخْبارَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ آلِهَتِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في تُسِرُّونَ وتُعْلِنُونَ وتَدْعُونَ، وهي قِراءَةُ: مُجاهِدٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وهُبَيْرَةَ، عَنْ عاصِمٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم. وقَرَأ عاصِمٌ في مَشْهُورِهِ: يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ، وبِالتّاءِ في السّابِقَتَيْنِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ: يَعْلَمُ الَّذِي يُبْدُونَ وما يَكْتُمُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في الثَّلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وهاتانِ القِراءَتانِ مُخالِفَتانِ لِسَوادِ المُصْحَفِ، والمَشْهُورُ ما رُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ وغَيْرِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّها قُرْآنٌ. ولَمّا أظْهَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ الخالِقِ وغَيْرِهِ، نَصَّ عَلى أنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ، وعَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ. وأخْبَرَ أنَّهم أمْواتٌ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾، ثُمَّ نَفى عَنْهُمُ الشُّعُورَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَهائِمِ، فَضْلًا عَنِ العِلْمِ الَّذِي تَتَّصِفُ بِهِ العُقَلاءُ. وعَبَّرَ بِالَّذِينِ، وهو لِلْعاقِلِ، عُومِلَ غَيْرُهُ مُعامَلَتَهُ، لِكَوْنِها عُبِدَتْ واعْتُقِدَتْ فِيها الأُلُوهِيَّةُ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: يُدْعَوْنَ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيِ: اللَّهُ أنْشَأهم واخْتَرَعَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ النّاسَ يَخْلُقُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ، وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ؛ انْتَهى. وأمْواتٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هم أمْواتٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِمّا حَدَّثَ بِهِ عَنِ الأصْنامِ، ويَكُونُ بَعْثُهم إعادَتُها بَعْدَ فَنائِها. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقِيلَ: مَعْنى بَعْثِها: إثارَتُها، كَما تَقُولُ: بَعَثْتُ النّائِمَ مِن نَوْمِهِ إذا نَبَّهْتَهُ، كَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَهم بِالتَّحْرِيكِ أوْ حَرَّكْتَهم لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، ونَفى عَنْهُمُ الحَياةَ لِأنَّ مِنَ الأمْواتِ ما يَعْقُبُ مَوْتَهُ حَياةٌ كالنُّطَفِ الَّتِي يُنْشِئُها اللَّهُ حَيَوانًا، وأجْسادِ الحَيَوانِ الَّتِي تُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِها. وأمّا الأصْنامُ مِنَ الحِجارَةِ والخَشَبِ فَأمْواتٌ لا يَعْقُبُ مَوْتَها حَياةٌ، وذَلِكَ أعْرَقُ في مَوْتِها. وقِيلَ: والَّذِينَ تَدْعُونَ، هُمُ المَلائِكَةُ، وكانَ ناسٌ مِنَ الكُفّارِ يَعْبُدُونَهم. وأمْواتٌ، أيْ: لا بُدَّ لَهم مِنَ المَوْتِ، وغَيْرُ أحْياءٍ، أيْ: غَيْرُ باقٍ حَياتُهم، وما يَشْعُرُونَ، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ. وجَوَّزُوا في قِراءَةِ: والَّذِينَ يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أمْواتٌ، يُرادُ بِهِ الكُفّارُ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في: يَدْعُونَ، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضُلّالٌ، غَيْرُ مُهْتَدِينَ وما بَعْدَهُ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ: الحَشْرُ مِن قُبُورِهِمْ. وقِيلَ: في هَذا التَّقْدِيرِ وعِيدٌ، أيْ: أيّانَ يُبْعَثُونَ إلى التَّعْذِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾، لِلْأصْنامِ، وفي: يُبْعَثُونَ، لِعَبَدَتِها، أيْ: لا تَشْعُرُ الأصْنامُ مَتى تُبْعَثُ عَبَدَتُها. وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ عَلى عِبادَتِهِمْ. وتَلَخَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ: أنْ تَكُونَ الأخْبارُ بِتِلْكَ الجُمَلِ كُلِّها مِنَ المَدْعُوِّينَ آلِهَةً، إمّا الأصْنامُ، وإمّا المَلائِكَةُ، أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِهِ: أمْواتٌ، إلى آخِرِهِ، إخْبارًا عَنِ المَدْعُوِّينَ، ويُبْعَثُونَ: إخْبارًا عَنِ الدّاعِينَ العابِدِينَ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (إيّانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إيّانَ، مَعْمُولٌ لِيُبْعَثُونِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَشْعُرُونَ، لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ. إذْ مَعْناهُ: العِلْمُ. (p-٤٨٣)والمَعْنى: أنَّهُ نَفى عَنْهم عِلْمَ ما انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ الحَيُّ القَيُّومُ، وهو وقْتُ البَعْثِ إذا أُرِيدَ بِالبَعْثِ الحَشْرُ إلى الآخِرَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ . و﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا القَوْلُ لِأنَّ (أيّانَ) إذْ ذاكَ تَخْرُجُ عَمّا اسْتَقَرَّ فِيها مِن كَوْنِها ظَرْفًا، إمّا اسْتِفَهامًا، وإمّا شَرْطًا. وفي هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ ظَرْفًا بِمَعْنى (وقْتٍ) مُضافًا لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها، مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: واحِدٌ، كَقَوْلِك: يَوْمَ يَقُومُ زَيْدٌ قائِمٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾، دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البَعْثِ، وأنَّهُ مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما اتَّصَفَتْ بِهِ آلِهَتُهم بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ إلَهَ العالَمِ هو واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَجَزَّأُ، وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ بَعْدَ وُضُوحِ بُطْلانِ أنْ تَكُونَ الإلَهِيَّةُ لِغَيْرِهِ بَلْ لَهُ وحْدَهُ، هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ، مُنْكِرُونَ وحْدانِيَّتَهُ، مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإقْرارِ بِها، لِاعْتِقادِهِمُ الإلَهِيَّةَ لِأصْنامِهِمْ وتَكَبُّرِها في الوُجُودِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مُبالَغَةٌ في نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، إذْ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِالجَزاءِ في الآخِرَةِ يَتَضَمَّنُ التَّكْذِيبَ بِاللَّهِ تَعالى وبِالبَعْثِ، إذْ مَن آمَنَ بِالبَعْثِ يَسْتَحِيلُ أنْ يُكَذِّبَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وقِيلَ: مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ واتِّباعِهِ. وقالَ العُلَماءُ: كُلُّ ذَنْبٍ يُمْكِنُ التَّسَتُّرُ بِهِ وإخْفاؤُهُ إلّا التَّكَبُّرَ فَإنَّهُ فِسْقٌ يَلْزَمُهُ الإعْلانُ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ المُسْتَكْبِرِينَ يَجِيئُونَ أمْثالَ الذَّرِّ يَوْمَ القِيامَةِ، يَطَؤُهُمُ النّاسُ بِأقْدامِهِمْ» أوْ كَما قالَ ﷺ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢] في هُودٍ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وقَدْ يُغْنِي (لا جَرَمَ) عَنْ لَفْظِ القَسَمِ، تَقُولُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ تَعَلَّقَ بِلا جَرَمَ، ولا يَكُونُ اسْتِئْنافًا. وقَدْ قالَ بَعْضُ الأعْرابِ لِمِرْداسٍ الخارِجِيِّ: لا جَرَمَ واللَّهِ لَأُفارِقَنَّكَ أبَدًا، نَفى كَلامَهُ تَعَلُّقُها بِالقَسَمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ وعِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى المُجازاةِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والنَّقّاشُ: المُرادُ هُنا بِما يُسِرُّونَ، تَشاوُرُهم في دارِ النَّدْوَةِ في قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى. ولا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ: عامٌّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ.
النحل 16:20
﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾: ذَكَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ وهو البارِي تَعالى، وبَيْنَ مَن لا يَخْلُقُ وهي الأصْنامُ، ومَن عُبِدَ مِمَّنْ لا يَعْقِلُ، فَجَدِيرٌ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن لَهُ الإنْشاءُ دُونَ غَيْرِهِ. وجِيءَ بِمَن في الثّانِي لِاشْتِمالِ المَعْبُودِ غَيْرِ اللَّهِ عَلى مَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ، أوْ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، فَعُومِلَتْ مُعامَلَةَ أُولِي العِلْمِ، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَخْلُقُ، أوْ لِتَخْصِيصِهِ بِمَن يَعْلَمُ. فَإذا وقَعَتِ البَيْنُونَةُ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ غَيْرِ الخالِقِ، مِن أُولِي العِلْمِ فَكَيْفَ بِمَن لا يَعْلَمُ البَتَّةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] أيْ: أنَّ آلِهَتَهم مُنْحَطَّةٌ عَنْ حالِ مَن لَهُ أرْجُلٌ، لِأنَّ مَن لَهُ هَذِهِ حَيٌّ، وتِلْكَ أمْواتٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ، لا أنَّ مَن لَهُ رِجْلٌ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هو إلْزامٌ لِلَّذِينِ عَبَدُوا الأوْثانَ وسَمَّوْها آلِهَةً تَشْبِيهًا بِاللَّهِ، فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ الخالِقِ مِثْلَ الخالِقِ، فَكانَ حَقَّ الإلْزامِ أنْ يُقالَ لَهم: أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ ؟ (قُلْتُ): حِينَ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ مِثْلَ اللَّهِ في تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِهِ والعِبادَةِ لَهُ، وسَوَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَقَدْ جَعَلُوا اللَّهَ مِن جِنْسِ المَخْلُوقاتِ وشَبِيهًا بِها، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: مِثْلُ هَذا لا يَنْبَغِي أنْ تَقَعَ فِيهِ الغَفْلَةُ. والنِّعْمَةُ يُرادُ بِها النِّعَمُ لا نِعْمَةٌ واحِدَةٌ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحْصُوها﴾ إذْ يَنْتَفِي العَدُّ والإحْصاءُ في الواحِدَةِ، والمَعْنى: لا تُحْصُوا عَدَّها، لِأنَّها لِكَثْرَتِها خَرَجَتْ عَنْ إحْصائِكم لَها، وانْتِفاءُ إحْصائِها يَقْتَضِي انْتِفاءَ القِيامِ بِحَقِّها مِنَ الشُّكْرِ. ولَمّا ذَكَرَ نِعَمًا سابِقَةً أخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ نِعَمِهِ (p-٤٨٢)لا يُطِيقُونَ عَدَّها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، حَيْثُ يَتَجاوَزُ عَنْ تَقْصِيرِكم في أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، ولا يَقْطَعُها عَنْكم لِتَفْرِيطِكم، ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها. ولَمّا كانَ الإنْسانُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، وأنَّ لَهُ حالَةً يَعْرِضُ فِيها مِنهُ كُفْرانَها؛ قالَ في عَقِبِ الآيَةِ الَّتِي في إبْراهِيمَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أيْ لَظَلُومٌ بِتَرْكِ الشُّكْرِ، كَفّارٌ لِلنِّعْمَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لُطْفًا بِهِ، وإيذانًا في التَّجاوُزِ عَنْهُ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ لَهم، والإخْبارَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ آلِهَتِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في تُسِرُّونَ وتُعْلِنُونَ وتَدْعُونَ، وهي قِراءَةُ: مُجاهِدٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وهُبَيْرَةَ، عَنْ عاصِمٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم. وقَرَأ عاصِمٌ في مَشْهُورِهِ: يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ، وبِالتّاءِ في السّابِقَتَيْنِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ: يَعْلَمُ الَّذِي يُبْدُونَ وما يَكْتُمُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في الثَّلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وهاتانِ القِراءَتانِ مُخالِفَتانِ لِسَوادِ المُصْحَفِ، والمَشْهُورُ ما رُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ وغَيْرِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّها قُرْآنٌ. ولَمّا أظْهَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ الخالِقِ وغَيْرِهِ، نَصَّ عَلى أنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ، وعَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ. وأخْبَرَ أنَّهم أمْواتٌ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾، ثُمَّ نَفى عَنْهُمُ الشُّعُورَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَهائِمِ، فَضْلًا عَنِ العِلْمِ الَّذِي تَتَّصِفُ بِهِ العُقَلاءُ. وعَبَّرَ بِالَّذِينِ، وهو لِلْعاقِلِ، عُومِلَ غَيْرُهُ مُعامَلَتَهُ، لِكَوْنِها عُبِدَتْ واعْتُقِدَتْ فِيها الأُلُوهِيَّةُ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: يُدْعَوْنَ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيِ: اللَّهُ أنْشَأهم واخْتَرَعَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ النّاسَ يَخْلُقُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ، وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ؛ انْتَهى. وأمْواتٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هم أمْواتٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِمّا حَدَّثَ بِهِ عَنِ الأصْنامِ، ويَكُونُ بَعْثُهم إعادَتُها بَعْدَ فَنائِها. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقِيلَ: مَعْنى بَعْثِها: إثارَتُها، كَما تَقُولُ: بَعَثْتُ النّائِمَ مِن نَوْمِهِ إذا نَبَّهْتَهُ، كَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَهم بِالتَّحْرِيكِ أوْ حَرَّكْتَهم لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، ونَفى عَنْهُمُ الحَياةَ لِأنَّ مِنَ الأمْواتِ ما يَعْقُبُ مَوْتَهُ حَياةٌ كالنُّطَفِ الَّتِي يُنْشِئُها اللَّهُ حَيَوانًا، وأجْسادِ الحَيَوانِ الَّتِي تُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِها. وأمّا الأصْنامُ مِنَ الحِجارَةِ والخَشَبِ فَأمْواتٌ لا يَعْقُبُ مَوْتَها حَياةٌ، وذَلِكَ أعْرَقُ في مَوْتِها. وقِيلَ: والَّذِينَ تَدْعُونَ، هُمُ المَلائِكَةُ، وكانَ ناسٌ مِنَ الكُفّارِ يَعْبُدُونَهم. وأمْواتٌ، أيْ: لا بُدَّ لَهم مِنَ المَوْتِ، وغَيْرُ أحْياءٍ، أيْ: غَيْرُ باقٍ حَياتُهم، وما يَشْعُرُونَ، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ. وجَوَّزُوا في قِراءَةِ: والَّذِينَ يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أمْواتٌ، يُرادُ بِهِ الكُفّارُ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في: يَدْعُونَ، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضُلّالٌ، غَيْرُ مُهْتَدِينَ وما بَعْدَهُ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ: الحَشْرُ مِن قُبُورِهِمْ. وقِيلَ: في هَذا التَّقْدِيرِ وعِيدٌ، أيْ: أيّانَ يُبْعَثُونَ إلى التَّعْذِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾، لِلْأصْنامِ، وفي: يُبْعَثُونَ، لِعَبَدَتِها، أيْ: لا تَشْعُرُ الأصْنامُ مَتى تُبْعَثُ عَبَدَتُها. وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ عَلى عِبادَتِهِمْ. وتَلَخَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ: أنْ تَكُونَ الأخْبارُ بِتِلْكَ الجُمَلِ كُلِّها مِنَ المَدْعُوِّينَ آلِهَةً، إمّا الأصْنامُ، وإمّا المَلائِكَةُ، أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِهِ: أمْواتٌ، إلى آخِرِهِ، إخْبارًا عَنِ المَدْعُوِّينَ، ويُبْعَثُونَ: إخْبارًا عَنِ الدّاعِينَ العابِدِينَ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (إيّانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إيّانَ، مَعْمُولٌ لِيُبْعَثُونِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَشْعُرُونَ، لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ. إذْ مَعْناهُ: العِلْمُ. (p-٤٨٣)والمَعْنى: أنَّهُ نَفى عَنْهم عِلْمَ ما انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ الحَيُّ القَيُّومُ، وهو وقْتُ البَعْثِ إذا أُرِيدَ بِالبَعْثِ الحَشْرُ إلى الآخِرَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ . و﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا القَوْلُ لِأنَّ (أيّانَ) إذْ ذاكَ تَخْرُجُ عَمّا اسْتَقَرَّ فِيها مِن كَوْنِها ظَرْفًا، إمّا اسْتِفَهامًا، وإمّا شَرْطًا. وفي هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ ظَرْفًا بِمَعْنى (وقْتٍ) مُضافًا لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها، مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: واحِدٌ، كَقَوْلِك: يَوْمَ يَقُومُ زَيْدٌ قائِمٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾، دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البَعْثِ، وأنَّهُ مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما اتَّصَفَتْ بِهِ آلِهَتُهم بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ إلَهَ العالَمِ هو واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَجَزَّأُ، وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ بَعْدَ وُضُوحِ بُطْلانِ أنْ تَكُونَ الإلَهِيَّةُ لِغَيْرِهِ بَلْ لَهُ وحْدَهُ، هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ، مُنْكِرُونَ وحْدانِيَّتَهُ، مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإقْرارِ بِها، لِاعْتِقادِهِمُ الإلَهِيَّةَ لِأصْنامِهِمْ وتَكَبُّرِها في الوُجُودِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مُبالَغَةٌ في نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، إذْ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِالجَزاءِ في الآخِرَةِ يَتَضَمَّنُ التَّكْذِيبَ بِاللَّهِ تَعالى وبِالبَعْثِ، إذْ مَن آمَنَ بِالبَعْثِ يَسْتَحِيلُ أنْ يُكَذِّبَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وقِيلَ: مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ واتِّباعِهِ. وقالَ العُلَماءُ: كُلُّ ذَنْبٍ يُمْكِنُ التَّسَتُّرُ بِهِ وإخْفاؤُهُ إلّا التَّكَبُّرَ فَإنَّهُ فِسْقٌ يَلْزَمُهُ الإعْلانُ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ المُسْتَكْبِرِينَ يَجِيئُونَ أمْثالَ الذَّرِّ يَوْمَ القِيامَةِ، يَطَؤُهُمُ النّاسُ بِأقْدامِهِمْ» أوْ كَما قالَ ﷺ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢] في هُودٍ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وقَدْ يُغْنِي (لا جَرَمَ) عَنْ لَفْظِ القَسَمِ، تَقُولُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ تَعَلَّقَ بِلا جَرَمَ، ولا يَكُونُ اسْتِئْنافًا. وقَدْ قالَ بَعْضُ الأعْرابِ لِمِرْداسٍ الخارِجِيِّ: لا جَرَمَ واللَّهِ لَأُفارِقَنَّكَ أبَدًا، نَفى كَلامَهُ تَعَلُّقُها بِالقَسَمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ وعِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى المُجازاةِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والنَّقّاشُ: المُرادُ هُنا بِما يُسِرُّونَ، تَشاوُرُهم في دارِ النَّدْوَةِ في قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى. ولا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ: عامٌّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ.
النحل 16:21
﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾: ذَكَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ وهو البارِي تَعالى، وبَيْنَ مَن لا يَخْلُقُ وهي الأصْنامُ، ومَن عُبِدَ مِمَّنْ لا يَعْقِلُ، فَجَدِيرٌ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن لَهُ الإنْشاءُ دُونَ غَيْرِهِ. وجِيءَ بِمَن في الثّانِي لِاشْتِمالِ المَعْبُودِ غَيْرِ اللَّهِ عَلى مَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ، أوْ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، فَعُومِلَتْ مُعامَلَةَ أُولِي العِلْمِ، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَخْلُقُ، أوْ لِتَخْصِيصِهِ بِمَن يَعْلَمُ. فَإذا وقَعَتِ البَيْنُونَةُ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ غَيْرِ الخالِقِ، مِن أُولِي العِلْمِ فَكَيْفَ بِمَن لا يَعْلَمُ البَتَّةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] أيْ: أنَّ آلِهَتَهم مُنْحَطَّةٌ عَنْ حالِ مَن لَهُ أرْجُلٌ، لِأنَّ مَن لَهُ هَذِهِ حَيٌّ، وتِلْكَ أمْواتٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ، لا أنَّ مَن لَهُ رِجْلٌ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هو إلْزامٌ لِلَّذِينِ عَبَدُوا الأوْثانَ وسَمَّوْها آلِهَةً تَشْبِيهًا بِاللَّهِ، فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ الخالِقِ مِثْلَ الخالِقِ، فَكانَ حَقَّ الإلْزامِ أنْ يُقالَ لَهم: أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ ؟ (قُلْتُ): حِينَ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ مِثْلَ اللَّهِ في تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِهِ والعِبادَةِ لَهُ، وسَوَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَقَدْ جَعَلُوا اللَّهَ مِن جِنْسِ المَخْلُوقاتِ وشَبِيهًا بِها، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: مِثْلُ هَذا لا يَنْبَغِي أنْ تَقَعَ فِيهِ الغَفْلَةُ. والنِّعْمَةُ يُرادُ بِها النِّعَمُ لا نِعْمَةٌ واحِدَةٌ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحْصُوها﴾ إذْ يَنْتَفِي العَدُّ والإحْصاءُ في الواحِدَةِ، والمَعْنى: لا تُحْصُوا عَدَّها، لِأنَّها لِكَثْرَتِها خَرَجَتْ عَنْ إحْصائِكم لَها، وانْتِفاءُ إحْصائِها يَقْتَضِي انْتِفاءَ القِيامِ بِحَقِّها مِنَ الشُّكْرِ. ولَمّا ذَكَرَ نِعَمًا سابِقَةً أخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ نِعَمِهِ (p-٤٨٢)لا يُطِيقُونَ عَدَّها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، حَيْثُ يَتَجاوَزُ عَنْ تَقْصِيرِكم في أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، ولا يَقْطَعُها عَنْكم لِتَفْرِيطِكم، ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها. ولَمّا كانَ الإنْسانُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، وأنَّ لَهُ حالَةً يَعْرِضُ فِيها مِنهُ كُفْرانَها؛ قالَ في عَقِبِ الآيَةِ الَّتِي في إبْراهِيمَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أيْ لَظَلُومٌ بِتَرْكِ الشُّكْرِ، كَفّارٌ لِلنِّعْمَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لُطْفًا بِهِ، وإيذانًا في التَّجاوُزِ عَنْهُ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ لَهم، والإخْبارَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ آلِهَتِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في تُسِرُّونَ وتُعْلِنُونَ وتَدْعُونَ، وهي قِراءَةُ: مُجاهِدٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وهُبَيْرَةَ، عَنْ عاصِمٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم. وقَرَأ عاصِمٌ في مَشْهُورِهِ: يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ، وبِالتّاءِ في السّابِقَتَيْنِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ: يَعْلَمُ الَّذِي يُبْدُونَ وما يَكْتُمُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في الثَّلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وهاتانِ القِراءَتانِ مُخالِفَتانِ لِسَوادِ المُصْحَفِ، والمَشْهُورُ ما رُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ وغَيْرِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّها قُرْآنٌ. ولَمّا أظْهَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ الخالِقِ وغَيْرِهِ، نَصَّ عَلى أنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ، وعَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ. وأخْبَرَ أنَّهم أمْواتٌ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾، ثُمَّ نَفى عَنْهُمُ الشُّعُورَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَهائِمِ، فَضْلًا عَنِ العِلْمِ الَّذِي تَتَّصِفُ بِهِ العُقَلاءُ. وعَبَّرَ بِالَّذِينِ، وهو لِلْعاقِلِ، عُومِلَ غَيْرُهُ مُعامَلَتَهُ، لِكَوْنِها عُبِدَتْ واعْتُقِدَتْ فِيها الأُلُوهِيَّةُ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: يُدْعَوْنَ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيِ: اللَّهُ أنْشَأهم واخْتَرَعَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ النّاسَ يَخْلُقُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ، وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ؛ انْتَهى. وأمْواتٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هم أمْواتٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِمّا حَدَّثَ بِهِ عَنِ الأصْنامِ، ويَكُونُ بَعْثُهم إعادَتُها بَعْدَ فَنائِها. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقِيلَ: مَعْنى بَعْثِها: إثارَتُها، كَما تَقُولُ: بَعَثْتُ النّائِمَ مِن نَوْمِهِ إذا نَبَّهْتَهُ، كَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَهم بِالتَّحْرِيكِ أوْ حَرَّكْتَهم لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، ونَفى عَنْهُمُ الحَياةَ لِأنَّ مِنَ الأمْواتِ ما يَعْقُبُ مَوْتَهُ حَياةٌ كالنُّطَفِ الَّتِي يُنْشِئُها اللَّهُ حَيَوانًا، وأجْسادِ الحَيَوانِ الَّتِي تُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِها. وأمّا الأصْنامُ مِنَ الحِجارَةِ والخَشَبِ فَأمْواتٌ لا يَعْقُبُ مَوْتَها حَياةٌ، وذَلِكَ أعْرَقُ في مَوْتِها. وقِيلَ: والَّذِينَ تَدْعُونَ، هُمُ المَلائِكَةُ، وكانَ ناسٌ مِنَ الكُفّارِ يَعْبُدُونَهم. وأمْواتٌ، أيْ: لا بُدَّ لَهم مِنَ المَوْتِ، وغَيْرُ أحْياءٍ، أيْ: غَيْرُ باقٍ حَياتُهم، وما يَشْعُرُونَ، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ. وجَوَّزُوا في قِراءَةِ: والَّذِينَ يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أمْواتٌ، يُرادُ بِهِ الكُفّارُ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في: يَدْعُونَ، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضُلّالٌ، غَيْرُ مُهْتَدِينَ وما بَعْدَهُ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ: الحَشْرُ مِن قُبُورِهِمْ. وقِيلَ: في هَذا التَّقْدِيرِ وعِيدٌ، أيْ: أيّانَ يُبْعَثُونَ إلى التَّعْذِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾، لِلْأصْنامِ، وفي: يُبْعَثُونَ، لِعَبَدَتِها، أيْ: لا تَشْعُرُ الأصْنامُ مَتى تُبْعَثُ عَبَدَتُها. وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ عَلى عِبادَتِهِمْ. وتَلَخَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ: أنْ تَكُونَ الأخْبارُ بِتِلْكَ الجُمَلِ كُلِّها مِنَ المَدْعُوِّينَ آلِهَةً، إمّا الأصْنامُ، وإمّا المَلائِكَةُ، أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِهِ: أمْواتٌ، إلى آخِرِهِ، إخْبارًا عَنِ المَدْعُوِّينَ، ويُبْعَثُونَ: إخْبارًا عَنِ الدّاعِينَ العابِدِينَ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (إيّانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إيّانَ، مَعْمُولٌ لِيُبْعَثُونِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَشْعُرُونَ، لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ. إذْ مَعْناهُ: العِلْمُ. (p-٤٨٣)والمَعْنى: أنَّهُ نَفى عَنْهم عِلْمَ ما انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ الحَيُّ القَيُّومُ، وهو وقْتُ البَعْثِ إذا أُرِيدَ بِالبَعْثِ الحَشْرُ إلى الآخِرَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ . و﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا القَوْلُ لِأنَّ (أيّانَ) إذْ ذاكَ تَخْرُجُ عَمّا اسْتَقَرَّ فِيها مِن كَوْنِها ظَرْفًا، إمّا اسْتِفَهامًا، وإمّا شَرْطًا. وفي هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ ظَرْفًا بِمَعْنى (وقْتٍ) مُضافًا لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها، مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: واحِدٌ، كَقَوْلِك: يَوْمَ يَقُومُ زَيْدٌ قائِمٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾، دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البَعْثِ، وأنَّهُ مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما اتَّصَفَتْ بِهِ آلِهَتُهم بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ إلَهَ العالَمِ هو واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَجَزَّأُ، وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ بَعْدَ وُضُوحِ بُطْلانِ أنْ تَكُونَ الإلَهِيَّةُ لِغَيْرِهِ بَلْ لَهُ وحْدَهُ، هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ، مُنْكِرُونَ وحْدانِيَّتَهُ، مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإقْرارِ بِها، لِاعْتِقادِهِمُ الإلَهِيَّةَ لِأصْنامِهِمْ وتَكَبُّرِها في الوُجُودِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مُبالَغَةٌ في نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، إذْ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِالجَزاءِ في الآخِرَةِ يَتَضَمَّنُ التَّكْذِيبَ بِاللَّهِ تَعالى وبِالبَعْثِ، إذْ مَن آمَنَ بِالبَعْثِ يَسْتَحِيلُ أنْ يُكَذِّبَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وقِيلَ: مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ واتِّباعِهِ. وقالَ العُلَماءُ: كُلُّ ذَنْبٍ يُمْكِنُ التَّسَتُّرُ بِهِ وإخْفاؤُهُ إلّا التَّكَبُّرَ فَإنَّهُ فِسْقٌ يَلْزَمُهُ الإعْلانُ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ المُسْتَكْبِرِينَ يَجِيئُونَ أمْثالَ الذَّرِّ يَوْمَ القِيامَةِ، يَطَؤُهُمُ النّاسُ بِأقْدامِهِمْ» أوْ كَما قالَ ﷺ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢] في هُودٍ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وقَدْ يُغْنِي (لا جَرَمَ) عَنْ لَفْظِ القَسَمِ، تَقُولُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ تَعَلَّقَ بِلا جَرَمَ، ولا يَكُونُ اسْتِئْنافًا. وقَدْ قالَ بَعْضُ الأعْرابِ لِمِرْداسٍ الخارِجِيِّ: لا جَرَمَ واللَّهِ لَأُفارِقَنَّكَ أبَدًا، نَفى كَلامَهُ تَعَلُّقُها بِالقَسَمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ وعِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى المُجازاةِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والنَّقّاشُ: المُرادُ هُنا بِما يُسِرُّونَ، تَشاوُرُهم في دارِ النَّدْوَةِ في قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى. ولا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ: عامٌّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ.
النحل 16:22
﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾: ذَكَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ وهو البارِي تَعالى، وبَيْنَ مَن لا يَخْلُقُ وهي الأصْنامُ، ومَن عُبِدَ مِمَّنْ لا يَعْقِلُ، فَجَدِيرٌ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن لَهُ الإنْشاءُ دُونَ غَيْرِهِ. وجِيءَ بِمَن في الثّانِي لِاشْتِمالِ المَعْبُودِ غَيْرِ اللَّهِ عَلى مَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ، أوْ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، فَعُومِلَتْ مُعامَلَةَ أُولِي العِلْمِ، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَخْلُقُ، أوْ لِتَخْصِيصِهِ بِمَن يَعْلَمُ. فَإذا وقَعَتِ البَيْنُونَةُ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ غَيْرِ الخالِقِ، مِن أُولِي العِلْمِ فَكَيْفَ بِمَن لا يَعْلَمُ البَتَّةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] أيْ: أنَّ آلِهَتَهم مُنْحَطَّةٌ عَنْ حالِ مَن لَهُ أرْجُلٌ، لِأنَّ مَن لَهُ هَذِهِ حَيٌّ، وتِلْكَ أمْواتٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ، لا أنَّ مَن لَهُ رِجْلٌ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هو إلْزامٌ لِلَّذِينِ عَبَدُوا الأوْثانَ وسَمَّوْها آلِهَةً تَشْبِيهًا بِاللَّهِ، فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ الخالِقِ مِثْلَ الخالِقِ، فَكانَ حَقَّ الإلْزامِ أنْ يُقالَ لَهم: أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ ؟ (قُلْتُ): حِينَ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ مِثْلَ اللَّهِ في تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِهِ والعِبادَةِ لَهُ، وسَوَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَقَدْ جَعَلُوا اللَّهَ مِن جِنْسِ المَخْلُوقاتِ وشَبِيهًا بِها، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: مِثْلُ هَذا لا يَنْبَغِي أنْ تَقَعَ فِيهِ الغَفْلَةُ. والنِّعْمَةُ يُرادُ بِها النِّعَمُ لا نِعْمَةٌ واحِدَةٌ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحْصُوها﴾ إذْ يَنْتَفِي العَدُّ والإحْصاءُ في الواحِدَةِ، والمَعْنى: لا تُحْصُوا عَدَّها، لِأنَّها لِكَثْرَتِها خَرَجَتْ عَنْ إحْصائِكم لَها، وانْتِفاءُ إحْصائِها يَقْتَضِي انْتِفاءَ القِيامِ بِحَقِّها مِنَ الشُّكْرِ. ولَمّا ذَكَرَ نِعَمًا سابِقَةً أخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ نِعَمِهِ (p-٤٨٢)لا يُطِيقُونَ عَدَّها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، حَيْثُ يَتَجاوَزُ عَنْ تَقْصِيرِكم في أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، ولا يَقْطَعُها عَنْكم لِتَفْرِيطِكم، ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها. ولَمّا كانَ الإنْسانُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، وأنَّ لَهُ حالَةً يَعْرِضُ فِيها مِنهُ كُفْرانَها؛ قالَ في عَقِبِ الآيَةِ الَّتِي في إبْراهِيمَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أيْ لَظَلُومٌ بِتَرْكِ الشُّكْرِ، كَفّارٌ لِلنِّعْمَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لُطْفًا بِهِ، وإيذانًا في التَّجاوُزِ عَنْهُ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ لَهم، والإخْبارَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ آلِهَتِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في تُسِرُّونَ وتُعْلِنُونَ وتَدْعُونَ، وهي قِراءَةُ: مُجاهِدٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وهُبَيْرَةَ، عَنْ عاصِمٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم. وقَرَأ عاصِمٌ في مَشْهُورِهِ: يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ، وبِالتّاءِ في السّابِقَتَيْنِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ: يَعْلَمُ الَّذِي يُبْدُونَ وما يَكْتُمُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في الثَّلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وهاتانِ القِراءَتانِ مُخالِفَتانِ لِسَوادِ المُصْحَفِ، والمَشْهُورُ ما رُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ وغَيْرِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّها قُرْآنٌ. ولَمّا أظْهَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ الخالِقِ وغَيْرِهِ، نَصَّ عَلى أنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ، وعَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ. وأخْبَرَ أنَّهم أمْواتٌ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾، ثُمَّ نَفى عَنْهُمُ الشُّعُورَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَهائِمِ، فَضْلًا عَنِ العِلْمِ الَّذِي تَتَّصِفُ بِهِ العُقَلاءُ. وعَبَّرَ بِالَّذِينِ، وهو لِلْعاقِلِ، عُومِلَ غَيْرُهُ مُعامَلَتَهُ، لِكَوْنِها عُبِدَتْ واعْتُقِدَتْ فِيها الأُلُوهِيَّةُ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: يُدْعَوْنَ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيِ: اللَّهُ أنْشَأهم واخْتَرَعَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ النّاسَ يَخْلُقُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ، وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ؛ انْتَهى. وأمْواتٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هم أمْواتٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِمّا حَدَّثَ بِهِ عَنِ الأصْنامِ، ويَكُونُ بَعْثُهم إعادَتُها بَعْدَ فَنائِها. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقِيلَ: مَعْنى بَعْثِها: إثارَتُها، كَما تَقُولُ: بَعَثْتُ النّائِمَ مِن نَوْمِهِ إذا نَبَّهْتَهُ، كَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَهم بِالتَّحْرِيكِ أوْ حَرَّكْتَهم لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، ونَفى عَنْهُمُ الحَياةَ لِأنَّ مِنَ الأمْواتِ ما يَعْقُبُ مَوْتَهُ حَياةٌ كالنُّطَفِ الَّتِي يُنْشِئُها اللَّهُ حَيَوانًا، وأجْسادِ الحَيَوانِ الَّتِي تُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِها. وأمّا الأصْنامُ مِنَ الحِجارَةِ والخَشَبِ فَأمْواتٌ لا يَعْقُبُ مَوْتَها حَياةٌ، وذَلِكَ أعْرَقُ في مَوْتِها. وقِيلَ: والَّذِينَ تَدْعُونَ، هُمُ المَلائِكَةُ، وكانَ ناسٌ مِنَ الكُفّارِ يَعْبُدُونَهم. وأمْواتٌ، أيْ: لا بُدَّ لَهم مِنَ المَوْتِ، وغَيْرُ أحْياءٍ، أيْ: غَيْرُ باقٍ حَياتُهم، وما يَشْعُرُونَ، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ. وجَوَّزُوا في قِراءَةِ: والَّذِينَ يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أمْواتٌ، يُرادُ بِهِ الكُفّارُ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في: يَدْعُونَ، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضُلّالٌ، غَيْرُ مُهْتَدِينَ وما بَعْدَهُ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ: الحَشْرُ مِن قُبُورِهِمْ. وقِيلَ: في هَذا التَّقْدِيرِ وعِيدٌ، أيْ: أيّانَ يُبْعَثُونَ إلى التَّعْذِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾، لِلْأصْنامِ، وفي: يُبْعَثُونَ، لِعَبَدَتِها، أيْ: لا تَشْعُرُ الأصْنامُ مَتى تُبْعَثُ عَبَدَتُها. وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ عَلى عِبادَتِهِمْ. وتَلَخَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ: أنْ تَكُونَ الأخْبارُ بِتِلْكَ الجُمَلِ كُلِّها مِنَ المَدْعُوِّينَ آلِهَةً، إمّا الأصْنامُ، وإمّا المَلائِكَةُ، أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِهِ: أمْواتٌ، إلى آخِرِهِ، إخْبارًا عَنِ المَدْعُوِّينَ، ويُبْعَثُونَ: إخْبارًا عَنِ الدّاعِينَ العابِدِينَ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (إيّانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إيّانَ، مَعْمُولٌ لِيُبْعَثُونِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَشْعُرُونَ، لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ. إذْ مَعْناهُ: العِلْمُ. (p-٤٨٣)والمَعْنى: أنَّهُ نَفى عَنْهم عِلْمَ ما انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ الحَيُّ القَيُّومُ، وهو وقْتُ البَعْثِ إذا أُرِيدَ بِالبَعْثِ الحَشْرُ إلى الآخِرَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ . و﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا القَوْلُ لِأنَّ (أيّانَ) إذْ ذاكَ تَخْرُجُ عَمّا اسْتَقَرَّ فِيها مِن كَوْنِها ظَرْفًا، إمّا اسْتِفَهامًا، وإمّا شَرْطًا. وفي هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ ظَرْفًا بِمَعْنى (وقْتٍ) مُضافًا لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها، مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: واحِدٌ، كَقَوْلِك: يَوْمَ يَقُومُ زَيْدٌ قائِمٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾، دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البَعْثِ، وأنَّهُ مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما اتَّصَفَتْ بِهِ آلِهَتُهم بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ إلَهَ العالَمِ هو واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَجَزَّأُ، وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ بَعْدَ وُضُوحِ بُطْلانِ أنْ تَكُونَ الإلَهِيَّةُ لِغَيْرِهِ بَلْ لَهُ وحْدَهُ، هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ، مُنْكِرُونَ وحْدانِيَّتَهُ، مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإقْرارِ بِها، لِاعْتِقادِهِمُ الإلَهِيَّةَ لِأصْنامِهِمْ وتَكَبُّرِها في الوُجُودِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مُبالَغَةٌ في نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، إذْ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِالجَزاءِ في الآخِرَةِ يَتَضَمَّنُ التَّكْذِيبَ بِاللَّهِ تَعالى وبِالبَعْثِ، إذْ مَن آمَنَ بِالبَعْثِ يَسْتَحِيلُ أنْ يُكَذِّبَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وقِيلَ: مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ واتِّباعِهِ. وقالَ العُلَماءُ: كُلُّ ذَنْبٍ يُمْكِنُ التَّسَتُّرُ بِهِ وإخْفاؤُهُ إلّا التَّكَبُّرَ فَإنَّهُ فِسْقٌ يَلْزَمُهُ الإعْلانُ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ المُسْتَكْبِرِينَ يَجِيئُونَ أمْثالَ الذَّرِّ يَوْمَ القِيامَةِ، يَطَؤُهُمُ النّاسُ بِأقْدامِهِمْ» أوْ كَما قالَ ﷺ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢] في هُودٍ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وقَدْ يُغْنِي (لا جَرَمَ) عَنْ لَفْظِ القَسَمِ، تَقُولُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ تَعَلَّقَ بِلا جَرَمَ، ولا يَكُونُ اسْتِئْنافًا. وقَدْ قالَ بَعْضُ الأعْرابِ لِمِرْداسٍ الخارِجِيِّ: لا جَرَمَ واللَّهِ لَأُفارِقَنَّكَ أبَدًا، نَفى كَلامَهُ تَعَلُّقُها بِالقَسَمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ وعِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى المُجازاةِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والنَّقّاشُ: المُرادُ هُنا بِما يُسِرُّونَ، تَشاوُرُهم في دارِ النَّدْوَةِ في قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى. ولا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ: عامٌّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ.
النحل 16:23
﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾: ذَكَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ وهو البارِي تَعالى، وبَيْنَ مَن لا يَخْلُقُ وهي الأصْنامُ، ومَن عُبِدَ مِمَّنْ لا يَعْقِلُ، فَجَدِيرٌ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن لَهُ الإنْشاءُ دُونَ غَيْرِهِ. وجِيءَ بِمَن في الثّانِي لِاشْتِمالِ المَعْبُودِ غَيْرِ اللَّهِ عَلى مَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ، أوْ لِاعْتِقادِ الكُفّارِ أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، فَعُومِلَتْ مُعامَلَةَ أُولِي العِلْمِ، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَخْلُقُ، أوْ لِتَخْصِيصِهِ بِمَن يَعْلَمُ. فَإذا وقَعَتِ البَيْنُونَةُ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ غَيْرِ الخالِقِ، مِن أُولِي العِلْمِ فَكَيْفَ بِمَن لا يَعْلَمُ البَتَّةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] أيْ: أنَّ آلِهَتَهم مُنْحَطَّةٌ عَنْ حالِ مَن لَهُ أرْجُلٌ، لِأنَّ مَن لَهُ هَذِهِ حَيٌّ، وتِلْكَ أمْواتٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ، لا أنَّ مَن لَهُ رِجْلٌ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هو إلْزامٌ لِلَّذِينِ عَبَدُوا الأوْثانَ وسَمَّوْها آلِهَةً تَشْبِيهًا بِاللَّهِ، فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ الخالِقِ مِثْلَ الخالِقِ، فَكانَ حَقَّ الإلْزامِ أنْ يُقالَ لَهم: أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ ؟ (قُلْتُ): حِينَ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ مِثْلَ اللَّهِ في تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِهِ والعِبادَةِ لَهُ، وسَوَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَقَدْ جَعَلُوا اللَّهَ مِن جِنْسِ المَخْلُوقاتِ وشَبِيهًا بِها، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: مِثْلُ هَذا لا يَنْبَغِي أنْ تَقَعَ فِيهِ الغَفْلَةُ. والنِّعْمَةُ يُرادُ بِها النِّعَمُ لا نِعْمَةٌ واحِدَةٌ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحْصُوها﴾ إذْ يَنْتَفِي العَدُّ والإحْصاءُ في الواحِدَةِ، والمَعْنى: لا تُحْصُوا عَدَّها، لِأنَّها لِكَثْرَتِها خَرَجَتْ عَنْ إحْصائِكم لَها، وانْتِفاءُ إحْصائِها يَقْتَضِي انْتِفاءَ القِيامِ بِحَقِّها مِنَ الشُّكْرِ. ولَمّا ذَكَرَ نِعَمًا سابِقَةً أخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ نِعَمِهِ (p-٤٨٢)لا يُطِيقُونَ عَدَّها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، حَيْثُ يَتَجاوَزُ عَنْ تَقْصِيرِكم في أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، ولا يَقْطَعُها عَنْكم لِتَفْرِيطِكم، ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها. ولَمّا كانَ الإنْسانُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى أداءِ شُكْرِ النِّعَمِ، وأنَّ لَهُ حالَةً يَعْرِضُ فِيها مِنهُ كُفْرانَها؛ قالَ في عَقِبِ الآيَةِ الَّتِي في إبْراهِيمَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أيْ لَظَلُومٌ بِتَرْكِ الشُّكْرِ، كَفّارٌ لِلنِّعْمَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لُطْفًا بِهِ، وإيذانًا في التَّجاوُزِ عَنْهُ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ لَهم، والإخْبارَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى نَفْيِ هَذِهِ الصِّفَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ آلِهَتِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في تُسِرُّونَ وتُعْلِنُونَ وتَدْعُونَ، وهي قِراءَةُ: مُجاهِدٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وهُبَيْرَةَ، عَنْ عاصِمٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم. وقَرَأ عاصِمٌ في مَشْهُورِهِ: يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ، وبِالتّاءِ في السّابِقَتَيْنِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ: يَعْلَمُ الَّذِي يُبْدُونَ وما يَكْتُمُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ في الثَّلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ، وتَدْعُونَ، بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وهاتانِ القِراءَتانِ مُخالِفَتانِ لِسَوادِ المُصْحَفِ، والمَشْهُورُ ما رُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ وغَيْرِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى التَّفْسِيرِ، لا عَلى أنَّها قُرْآنٌ. ولَمّا أظْهَرَ تَعالى التَّبايُنَ بَيْنَ الخالِقِ وغَيْرِهِ، نَصَّ عَلى أنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ، وعَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ. وأخْبَرَ أنَّهم أمْواتٌ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾، ثُمَّ نَفى عَنْهُمُ الشُّعُورَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَهائِمِ، فَضْلًا عَنِ العِلْمِ الَّذِي تَتَّصِفُ بِهِ العُقَلاءُ. وعَبَّرَ بِالَّذِينِ، وهو لِلْعاقِلِ، عُومِلَ غَيْرُهُ مُعامَلَتَهُ، لِكَوْنِها عُبِدَتْ واعْتُقِدَتْ فِيها الأُلُوهِيَّةُ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: يُدْعَوْنَ، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾، أيِ: اللَّهُ أنْشَأهم واخْتَرَعَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ النّاسَ يَخْلُقُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ، وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَهم أعْجَزُ مِن عَبَدَتِهِمْ؛ انْتَهى. وأمْواتٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هم أمْواتٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِمّا حَدَّثَ بِهِ عَنِ الأصْنامِ، ويَكُونُ بَعْثُهم إعادَتُها بَعْدَ فَنائِها. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقِيلَ: مَعْنى بَعْثِها: إثارَتُها، كَما تَقُولُ: بَعَثْتُ النّائِمَ مِن نَوْمِهِ إذا نَبَّهْتَهُ، كَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَهم بِالتَّحْرِيكِ أوْ حَرَّكْتَهم لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، ونَفى عَنْهُمُ الحَياةَ لِأنَّ مِنَ الأمْواتِ ما يَعْقُبُ مَوْتَهُ حَياةٌ كالنُّطَفِ الَّتِي يُنْشِئُها اللَّهُ حَيَوانًا، وأجْسادِ الحَيَوانِ الَّتِي تُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِها. وأمّا الأصْنامُ مِنَ الحِجارَةِ والخَشَبِ فَأمْواتٌ لا يَعْقُبُ مَوْتَها حَياةٌ، وذَلِكَ أعْرَقُ في مَوْتِها. وقِيلَ: والَّذِينَ تَدْعُونَ، هُمُ المَلائِكَةُ، وكانَ ناسٌ مِنَ الكُفّارِ يَعْبُدُونَهم. وأمْواتٌ، أيْ: لا بُدَّ لَهم مِنَ المَوْتِ، وغَيْرُ أحْياءٍ، أيْ: غَيْرُ باقٍ حَياتُهم، وما يَشْعُرُونَ، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ. وجَوَّزُوا في قِراءَةِ: والَّذِينَ يَدْعُونَ، بِالياءِ مِن تَحْتُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أمْواتٌ، يُرادُ بِهِ الكُفّارُ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في: يَدْعُونَ، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضُلّالٌ، غَيْرُ مُهْتَدِينَ وما بَعْدَهُ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ: الحَشْرُ مِن قُبُورِهِمْ. وقِيلَ: في هَذا التَّقْدِيرِ وعِيدٌ، أيْ: أيّانَ يُبْعَثُونَ إلى التَّعْذِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾، لِلْأصْنامِ، وفي: يُبْعَثُونَ، لِعَبَدَتِها، أيْ: لا تَشْعُرُ الأصْنامُ مَتى تُبْعَثُ عَبَدَتُها. وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ عَلى عِبادَتِهِمْ. وتَلَخَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ: أنْ تَكُونَ الأخْبارُ بِتِلْكَ الجُمَلِ كُلِّها مِنَ المَدْعُوِّينَ آلِهَةً، إمّا الأصْنامُ، وإمّا المَلائِكَةُ، أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِهِ: أمْواتٌ، إلى آخِرِهِ، إخْبارًا عَنِ المَدْعُوِّينَ، ويُبْعَثُونَ: إخْبارًا عَنِ الدّاعِينَ العابِدِينَ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (إيّانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَوْمِهِ سُلَيْمٍ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إيّانَ، مَعْمُولٌ لِيُبْعَثُونِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِيَشْعُرُونَ، لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ. إذْ مَعْناهُ: العِلْمُ. (p-٤٨٣)والمَعْنى: أنَّهُ نَفى عَنْهم عِلْمَ ما انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ الحَيُّ القَيُّومُ، وهو وقْتُ البَعْثِ إذا أُرِيدَ بِالبَعْثِ الحَشْرُ إلى الآخِرَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ . و﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾: ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، أخْبَرَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا القَوْلُ لِأنَّ (أيّانَ) إذْ ذاكَ تَخْرُجُ عَمّا اسْتَقَرَّ فِيها مِن كَوْنِها ظَرْفًا، إمّا اسْتِفَهامًا، وإمّا شَرْطًا. وفي هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ ظَرْفًا بِمَعْنى (وقْتٍ) مُضافًا لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها، مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: واحِدٌ، كَقَوْلِك: يَوْمَ يَقُومُ زَيْدٌ قائِمٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾، دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البَعْثِ، وأنَّهُ مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما اتَّصَفَتْ بِهِ آلِهَتُهم بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ إلَهَ العالَمِ هو واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَجَزَّأُ، وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ بَعْدَ وُضُوحِ بُطْلانِ أنْ تَكُونَ الإلَهِيَّةُ لِغَيْرِهِ بَلْ لَهُ وحْدَهُ، هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ، مُنْكِرُونَ وحْدانِيَّتَهُ، مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإقْرارِ بِها، لِاعْتِقادِهِمُ الإلَهِيَّةَ لِأصْنامِهِمْ وتَكَبُّرِها في الوُجُودِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مُبالَغَةٌ في نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، إذْ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِالجَزاءِ في الآخِرَةِ يَتَضَمَّنُ التَّكْذِيبَ بِاللَّهِ تَعالى وبِالبَعْثِ، إذْ مَن آمَنَ بِالبَعْثِ يَسْتَحِيلُ أنْ يُكَذِّبَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وقِيلَ: مُسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ واتِّباعِهِ. وقالَ العُلَماءُ: كُلُّ ذَنْبٍ يُمْكِنُ التَّسَتُّرُ بِهِ وإخْفاؤُهُ إلّا التَّكَبُّرَ فَإنَّهُ فِسْقٌ يَلْزَمُهُ الإعْلانُ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ المُسْتَكْبِرِينَ يَجِيئُونَ أمْثالَ الذَّرِّ يَوْمَ القِيامَةِ، يَطَؤُهُمُ النّاسُ بِأقْدامِهِمْ» أوْ كَما قالَ ﷺ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا جَرَمَ﴾ [هود: ٢٢] في هُودٍ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وقَدْ يُغْنِي (لا جَرَمَ) عَنْ لَفْظِ القَسَمِ، تَقُولُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ تَعَلَّقَ بِلا جَرَمَ، ولا يَكُونُ اسْتِئْنافًا. وقَدْ قالَ بَعْضُ الأعْرابِ لِمِرْداسٍ الخارِجِيِّ: لا جَرَمَ واللَّهِ لَأُفارِقَنَّكَ أبَدًا، نَفى كَلامَهُ تَعَلُّقُها بِالقَسَمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ وعِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى المُجازاةِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والنَّقّاشُ: المُرادُ هُنا بِما يُسِرُّونَ، تَشاوُرُهم في دارِ النَّدْوَةِ في قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى. ولا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ: عامٌّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ.
النحل 16:24
﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ . قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ وإذا قِيلَ لَهُمُ الآيَةَ، أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عَنْ مَكَّةَ إلى الحِيرَةِ، وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التَّوارِيخِ والأمْثالِ كَكَلِيلَةَ ودِمْنَةَ، وأخْبارَ اسْفَنْدِيارَ ورُسْتُمَ، فَجاءَ إلى مَكَّةَ فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ (p-٤٨٤)بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ. و(ماذا) كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ مَفْعُولٌ بِأنْزَلَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ذا بِمَعْنى الَّذِي، وعائِدُهُ في أنْزَلَ مَحْذُوفٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي أنْزَلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (ماذا) مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ؛ قالَ: بِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ أنْزَلَهُ رَبُّكم. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وماذا أنْزَلَ، لَيْسَ مَعْمُولًا لَقِيلَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهُ جُمْلَةٌ، والجُمْلَةُ لا تَقَعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَما لا تَقَعُ مَوْقِعَ الفاعِلِ. وقُرِئَ شاذًّا: (أساطِيرَ) بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى ذَكَرْتُمْ أساطِيرَ، أوْ أنْزَلَ أساطِيرَ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والسُّخْرِيَةِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالإنْزالِ يُنافِي أساطِيرَ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ ما نَزَلَ شَيْءٌ ولا أنَّ ثَمَّ مُنَزِّلًا. وبَنى قِيلَ: لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القائِلُ بَعْضَهم لِبَعْضٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ قالُوا لَهم عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ. وقِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ الَّذِينَ تَقاسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ يُنَفِّرُونَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ إذا سَألَهم وُفُودُ الحاجِّ: ماذا أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالُوا: أحادِيثُ الأوَّلِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِرَفْعِ أساطِيرَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ المَذْكُورُ: أساطِيرُ، أوِ المُنَزَّلُ أساطِيرُ، جَعَلُوهُ مُنَزَّلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وإنْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ. واللّامُ في (لِيَحْمِلُوا) لامُ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ والصَّغارِ المُوجِبِ لَهم، أوْ لامُ التَّعْلِيلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ غَرَضًا؛ كَقَوْلِكَ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ مَخافَةَ الشَّرِّ، وهي الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِلامِ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أنْ يَحْمِلُوا الأوْزارَ. ولَمّا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَرِيحُ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى قُدِّرَ هَذا لِكَذا، وهي لامُ التَّعْلِيلِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْها بِقَوْلِهِ. قالُوا: بَلْ أضْمَرَ فِعْلًا آخَرَ وهو: قَدَّرَ هَذا، وكامِلَةً: حالٌ، أيْ: لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ، ومِن: لِلتَّبْعِيضِ. فالمَعْنى: أنَّهُ يَحْمِلُ مِن وِزْرِ كُلِّ مَن أضَلَّ، أيْ: بَعْضَ وِزْرِ مَن ضَلَّ بِضَلالِهِمْ، وهو وِزْرُ الإضْلالِ، لِأنَّ المُضِلَّ والضّالَّ شَرِيكانِ، هَذا يُضِلُّهُ، وهَذا يُطاوِعُهُ عَلى إضْلالِهِ، فَيَتَحامَلانِ الوِزْرَ. وقالَ الأخْفَشُ: مِن زائِدَةٌ، أيْ: وأوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، والمَعْنى: ومِثْلَ ﴿أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» المُرادُ: ومِثْلُ وِزْرِ، والمَعْنى: أنَّ الرَّئِيسَ إذا وضَعَ سُنَّةً قَبِيحَةً عَظُمَ عِقابُهُ حَتّى إنَّ ذَلِكَ العِقابَ يَكُونُ مُساوِيًا لِعِقابِ كُلِّ مَنِ اقْتَدى بِهِ في ذَلِكَ. وقالَ الواحِدِيُّ: لَيْسَتْ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَخْفِيفَ الأوْزارِ عَنِ الأتْباعِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ» لَكِنَّها لِلْجِنْسِ، أيْ: لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الأتْباعِ؛ انْتَهى. ولا تَتَقَدَّرُ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ (p-٤٨٥)الجِنْسِ هَذا التَّقْدِيرَ الَّذِي قَدَّرَهُ الواحِدِيُّ، وإنَّما تُقَدَّرُ: الأوْزارُ الَّتِي هي أوْزارُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، فَيَئُولُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى قَوْلِ الأخْفَشِ، وإنِ اخْتَلَفا في التَّقْدِيرِ. وبِغَيْرِ عِلْمٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: يُضِلُّونَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ. وقالَ غَيْرُهُ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ وهو أوْلى، إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الإضْلالُ عَلى جِهَةِ الفاعِلِيَّةِ، والمَعْنى: أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى هَذا الإضْلالِ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ مِثْلِ ﴿ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ . فَأتى اللَّهُ، أيْ: أمْرُهُ وعَذابُهُ، والبُنْيانُ: قِيلَ: حَقِيقَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ نَمْرُودُ بَنى صَرْحًا لِيَصْعَدَ بِزَعْمِهِ إلى السَّماءِ، وأفْرَطَ في عُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَّماءِ فَرْسَخَيْنِ، عَلى ما حَكى النَّقّاشُ، وقالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ: طَولُهُ في السَّماءِ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ، وعَرْضُهُ ثَلاثَةُ آلافِ ذِراعٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَتْهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ. وقِيلَ: هَدَمَهُ جِبْرِيلُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، والحِقْفُ مِن أسْفَلِهِ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: المُرادُ: المُقْتَسِمُونَ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بُخْتُنَصَّرَ وأصْحابُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: قُرَيّاتُ قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ: مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونُ ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، تَمْثِيلًا؛ والمَعْنى: أنَّهم سَوَّوْا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ هَلاكَهم في تِلْكَ المَنصُوباتِ كَحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ، فَأتى البُنْيانَ مِنَ الأساطِينِ بِأنْ تَضَعْضَعَتْ، فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ وهَلَكُوا ونَحْوُهُ مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا، ومِنَ القَواعِدِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: أتاهم أمْرُ اللَّهِ مِن جِهَةِ القَواعِدِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَّماءِ الَّتِي هي فَوْقَهم، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَعْنى: أحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن سَقَطَ بُنْيانُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا يَنْجَرُّ إلى اللُّغْزِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: مِن فَوْقِهِمْ، رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾، فَإنَّكَ تَقُولُ: انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ ولَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: انْفَسَدَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: مِن فَوْقِهِ، ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ؛ قالَ: يُعْلِمُكَ أنَّهم كانُوا جالِسِينَ تَحْتَهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ إذا كانَ يَمْلِكُهُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ وقَعَ عَلَيْهِ فَجاءَ بِقَوْلِهِ مِن فَوْقِهِمْ لِيَخْرُجَ هَذا الَّذِي في كَلامِ العَرَبِ فَقالَ: مِن فَوْقِهِمْ، أيْ: عَلَيْهِمْ وقَعَ، وكانُوا تَحْتَهُ فَهَلَكُوا، فَأتاهُمُ العَذابُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: البَعُوضَةَ الَّتِي أُهْلِكَ بِها نُمْرُوذٌ، وقِيلَ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، مِن حَيْثُ ظَنُّوا أنَّهم في أمانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُنْيانَهم، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بُنْيَتَهم. وقَرَأ جَعْفَرٌ: بَيْتَهم، والضَّحّاكُ: بُيُوتَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: السَّقْفُ مُفْرَدًا، والأعْرَجُ: السُّقُفُ، بِضَمَّتَيْنِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ومُجاهِدٌ، بِضَمِّ السِّينِ فَقَطْ. وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ مِثْلِ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ في (وبِالنَّجْمِ) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: السَّقُفُ، بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّ القافِ، وهي لُغَةٌ في السَّقْفِ، ولَعَلَّ السَّقْفَ مُخَفَّفٌ مِنهُ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ كَما قالُوا في رَجُلٍ رَجْلٍ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما يَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ. ويُخْزِيهِمْ: يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَحُلُّ بِهِمْ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ إدْخالَهُمُ النّارَ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]؛ أيْ: أهَنْتَهُ كُلَّ الإهانَةِ. وجَمَعَ بَيْنَ الإهانَةِ بِالفِعْلِ، والإهانَةِ بِالقَوْلِ بِالتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ: يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِي، أضافَ تَعالى الشُّرَكاءَ إلَيْهِ، والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، والمَعْنى: شُرَكائِي في زَعْمِكم، إذْ أضافَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُرَكائِيَ، مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مَفْتُوحَ الياءِ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ: تُسَكِّنُها، فَسَقَطَ في الدَّرَجِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: مَقْصُورًا وفَتَحَ الياءَ هُنا خاصَّةً. ورُوِيَ عَنْهُ: تَرْكُ الهَمْزِ في القَصَصِ والعَمَلُ (p-٤٨٦)عَلى الهَمْزِ فِيهِ وقَصْرُ المَمْدُودِ، وذَكَرُوا أنَّهُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِثُبُوتِهِ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَيَجُوزُ قَلِيلًا في الكَلامِ. والمُشاقَّةُ: المُفاداةُ والمُخاصَمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُشاقُّونَ)، بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ نافِعٌ، بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى تَضْعِيفِ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِتَشْدِيدِها، أُدْغِمَ نُونُ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، عامٌّ فِيمَن أُوتِيَ العِلْمَ مِنَ الأنْبِياءِ، وعُلَماءِ أُمَمِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ ويَعِظُونَهم، فَلا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِمْ، ويُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مِن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ انْتَهى. ويَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: شَماتَةً بِالكُفّارِ وتَسْمِيعًا لَهم، وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لِلْعِلْمِ، إذْ لا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا أهْلُهُ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ النِّساءِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْكافِرِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في القَوْلِ. فَإنْ كانَ القَوْلُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنْ كانَ القَوْلُ في الدُّنْيا لَما أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ويَقُولُ لَهم ما يَقُولُ قالَ أهْلُ العِلْمِ: إذا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ أنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُخْزِيهِمْ فِيهِ، فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم عَلى بابِها. ويَشْمَلُ مِن حَيْثُ المَعْنى مَن تَوَفَّتْهُ، ومَن تَتَوَفّاهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَقُولًا لِأهْلِ العِلْمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقُولٍ، بَلْ مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾، فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا؛ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، فَإنَّهُ يُجِيزُ: زَيْدٌ فَقامَ، أيْ: قامَ. ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ الفاءَ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ المُبْتَدَإ إذا كانَ مَوْصُولًا، وضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُها في مِثْلِ هَذا الفِعْلِ مَعَ صَرِيحِ الشَّرْطِ، فَلا يَجُوزُ فِيما ضُمِّنَ مَعْناهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ: يَتَوَفّاهم، بِالياءِ مِن أسْفَلُ في المَوْضِعَيْنِ. وقُرِئَ: بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في التّاءِ بَعْدَها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، بِتاءٍ واحِدَةٍ في المَوْضِعَيْنِ. والسَّلْمُ هُنا: الِاسْتِسْلامُ. قالَهُ الأخْفَشُ، أوِ الخُضُوعُ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. أيِ: انْقادُوا حِينَ عايَنُوا المَوْتَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ. وقِيلَ: في القِيامَةِ انْقادُوا وأجابُوا بِما كانُوا عَلى خِلافِهِ في الدُّنْيا مِنَ الشِّقاقِ والكِبْرِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (فَألْقَوْا) عَلى (تَتَوَفّاهم)، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ كَلامِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ (فَألْقَوْا)، جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ الإخْبارِ بِأحْوالِ الكُفّارِ، ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ هو عَلى إضْمار القَوْلِ؛ أيْ: ونَعْتُهم بِحَمْلِ السُّوءِ، إمّا أنْ يَكُونَ صَرِيحَ كَذِبٍ كَما قالُوا: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فَقالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] . وإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: عِنْدَ أنْفُسِنا؛ أيْ: لَوْ كانَ الكُفْرُ عِنْدَ أنْفُسِنا سَواءً ما عَلِمْناهُ. ويُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى حَسْبِ اعْتِقادِهِمْ لَما كانَ الجَوابُ: بَلى، عَلى أنَّهُ يَصِحُّ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، والمَعْنى: أنَّكم كَذَبْتُمْ في اعْتِقادِكم أنَّهُ لَيْسَ بِسُوءٍ، بَلْ كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ أنَّهُ سُوءٌ لِأنَّكم تَبَيَّنْتُمُ الحَقَّ وعَرَفْتُمُوهُ وكَفَرْتُمْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] والظّاهِرُ أنَّ هَذا السِّياقَ كُلَّهُ هو مَعَ أهْلِ العِلْمِ والكُفّارِ، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ هُمُ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ إخْبارَهم بِنَفْيِ عَمَلِ السُّوءِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّدُّ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الآمِرُوهم بِالدُّخُولِ في النّارِ، يَسُوقُونَهم إلَيْها. وقِيلَ: الخَزَنَةُ، والظّاهِرُ: الأبْوابُ حَقِيقَةً. وقِيلَ: المُرادُ الدَّرَكاتُ. وقِيلَ: الأصْنافُ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَنْظُرُ في بابٍ مِنَ العِلْمِ؛ أيْ: صِنْفٍ. وأبْعَدَ مَن قالَ: المُرادُ بِذَلِكَ: عَذابُ القَبْرِ، مُسْتَدِلًّا بِما جاءَ «القَبْرُ رَوْضَةٌ (p-٤٨٧)مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» ولَمّا أكْذَبُوهم مِن دَعْواهم أُخْبِرُوا أنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِهِمْ، فَهو المُجازِي عَلَيْها، ثُمَّ أمَرُوهم بِالدُّخُولِ، واللّامُ في (فَلَبِئْسَ) لامُ تَأْكِيدٍ، ولا تَدْخُلَ عَلى الماضِي المُنْصَرِفِ، ودَخَلَتْ عَلى الجامِدِ لِبُعْدِهِ عَنِ الأفْعالِ وقُرْبِهِ مِنَ الأسْماءِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ هي؛ أيْ: جَهَنَّمُ. ووَصْفُ التَّكَبُّرِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْقاقِ صاحِبِهِ النّارَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ.
﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] .
النحل 16:25
﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ . قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ وإذا قِيلَ لَهُمُ الآيَةَ، أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عَنْ مَكَّةَ إلى الحِيرَةِ، وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التَّوارِيخِ والأمْثالِ كَكَلِيلَةَ ودِمْنَةَ، وأخْبارَ اسْفَنْدِيارَ ورُسْتُمَ، فَجاءَ إلى مَكَّةَ فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ (p-٤٨٤)بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ. و(ماذا) كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ مَفْعُولٌ بِأنْزَلَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ذا بِمَعْنى الَّذِي، وعائِدُهُ في أنْزَلَ مَحْذُوفٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي أنْزَلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (ماذا) مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ؛ قالَ: بِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ أنْزَلَهُ رَبُّكم. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وماذا أنْزَلَ، لَيْسَ مَعْمُولًا لَقِيلَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهُ جُمْلَةٌ، والجُمْلَةُ لا تَقَعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَما لا تَقَعُ مَوْقِعَ الفاعِلِ. وقُرِئَ شاذًّا: (أساطِيرَ) بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى ذَكَرْتُمْ أساطِيرَ، أوْ أنْزَلَ أساطِيرَ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والسُّخْرِيَةِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالإنْزالِ يُنافِي أساطِيرَ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ ما نَزَلَ شَيْءٌ ولا أنَّ ثَمَّ مُنَزِّلًا. وبَنى قِيلَ: لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القائِلُ بَعْضَهم لِبَعْضٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ قالُوا لَهم عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ. وقِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ الَّذِينَ تَقاسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ يُنَفِّرُونَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ إذا سَألَهم وُفُودُ الحاجِّ: ماذا أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالُوا: أحادِيثُ الأوَّلِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِرَفْعِ أساطِيرَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ المَذْكُورُ: أساطِيرُ، أوِ المُنَزَّلُ أساطِيرُ، جَعَلُوهُ مُنَزَّلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وإنْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ. واللّامُ في (لِيَحْمِلُوا) لامُ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ والصَّغارِ المُوجِبِ لَهم، أوْ لامُ التَّعْلِيلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ غَرَضًا؛ كَقَوْلِكَ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ مَخافَةَ الشَّرِّ، وهي الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِلامِ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أنْ يَحْمِلُوا الأوْزارَ. ولَمّا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَرِيحُ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى قُدِّرَ هَذا لِكَذا، وهي لامُ التَّعْلِيلِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْها بِقَوْلِهِ. قالُوا: بَلْ أضْمَرَ فِعْلًا آخَرَ وهو: قَدَّرَ هَذا، وكامِلَةً: حالٌ، أيْ: لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ، ومِن: لِلتَّبْعِيضِ. فالمَعْنى: أنَّهُ يَحْمِلُ مِن وِزْرِ كُلِّ مَن أضَلَّ، أيْ: بَعْضَ وِزْرِ مَن ضَلَّ بِضَلالِهِمْ، وهو وِزْرُ الإضْلالِ، لِأنَّ المُضِلَّ والضّالَّ شَرِيكانِ، هَذا يُضِلُّهُ، وهَذا يُطاوِعُهُ عَلى إضْلالِهِ، فَيَتَحامَلانِ الوِزْرَ. وقالَ الأخْفَشُ: مِن زائِدَةٌ، أيْ: وأوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، والمَعْنى: ومِثْلَ ﴿أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» المُرادُ: ومِثْلُ وِزْرِ، والمَعْنى: أنَّ الرَّئِيسَ إذا وضَعَ سُنَّةً قَبِيحَةً عَظُمَ عِقابُهُ حَتّى إنَّ ذَلِكَ العِقابَ يَكُونُ مُساوِيًا لِعِقابِ كُلِّ مَنِ اقْتَدى بِهِ في ذَلِكَ. وقالَ الواحِدِيُّ: لَيْسَتْ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَخْفِيفَ الأوْزارِ عَنِ الأتْباعِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ» لَكِنَّها لِلْجِنْسِ، أيْ: لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الأتْباعِ؛ انْتَهى. ولا تَتَقَدَّرُ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ (p-٤٨٥)الجِنْسِ هَذا التَّقْدِيرَ الَّذِي قَدَّرَهُ الواحِدِيُّ، وإنَّما تُقَدَّرُ: الأوْزارُ الَّتِي هي أوْزارُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، فَيَئُولُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى قَوْلِ الأخْفَشِ، وإنِ اخْتَلَفا في التَّقْدِيرِ. وبِغَيْرِ عِلْمٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: يُضِلُّونَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ. وقالَ غَيْرُهُ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ وهو أوْلى، إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الإضْلالُ عَلى جِهَةِ الفاعِلِيَّةِ، والمَعْنى: أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى هَذا الإضْلالِ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ مِثْلِ ﴿ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ . فَأتى اللَّهُ، أيْ: أمْرُهُ وعَذابُهُ، والبُنْيانُ: قِيلَ: حَقِيقَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ نَمْرُودُ بَنى صَرْحًا لِيَصْعَدَ بِزَعْمِهِ إلى السَّماءِ، وأفْرَطَ في عُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَّماءِ فَرْسَخَيْنِ، عَلى ما حَكى النَّقّاشُ، وقالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ: طَولُهُ في السَّماءِ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ، وعَرْضُهُ ثَلاثَةُ آلافِ ذِراعٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَتْهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ. وقِيلَ: هَدَمَهُ جِبْرِيلُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، والحِقْفُ مِن أسْفَلِهِ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: المُرادُ: المُقْتَسِمُونَ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بُخْتُنَصَّرَ وأصْحابُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: قُرَيّاتُ قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ: مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونُ ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، تَمْثِيلًا؛ والمَعْنى: أنَّهم سَوَّوْا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ هَلاكَهم في تِلْكَ المَنصُوباتِ كَحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ، فَأتى البُنْيانَ مِنَ الأساطِينِ بِأنْ تَضَعْضَعَتْ، فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ وهَلَكُوا ونَحْوُهُ مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا، ومِنَ القَواعِدِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: أتاهم أمْرُ اللَّهِ مِن جِهَةِ القَواعِدِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَّماءِ الَّتِي هي فَوْقَهم، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَعْنى: أحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن سَقَطَ بُنْيانُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا يَنْجَرُّ إلى اللُّغْزِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: مِن فَوْقِهِمْ، رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾، فَإنَّكَ تَقُولُ: انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ ولَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: انْفَسَدَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: مِن فَوْقِهِ، ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ؛ قالَ: يُعْلِمُكَ أنَّهم كانُوا جالِسِينَ تَحْتَهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ إذا كانَ يَمْلِكُهُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ وقَعَ عَلَيْهِ فَجاءَ بِقَوْلِهِ مِن فَوْقِهِمْ لِيَخْرُجَ هَذا الَّذِي في كَلامِ العَرَبِ فَقالَ: مِن فَوْقِهِمْ، أيْ: عَلَيْهِمْ وقَعَ، وكانُوا تَحْتَهُ فَهَلَكُوا، فَأتاهُمُ العَذابُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: البَعُوضَةَ الَّتِي أُهْلِكَ بِها نُمْرُوذٌ، وقِيلَ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، مِن حَيْثُ ظَنُّوا أنَّهم في أمانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُنْيانَهم، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بُنْيَتَهم. وقَرَأ جَعْفَرٌ: بَيْتَهم، والضَّحّاكُ: بُيُوتَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: السَّقْفُ مُفْرَدًا، والأعْرَجُ: السُّقُفُ، بِضَمَّتَيْنِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ومُجاهِدٌ، بِضَمِّ السِّينِ فَقَطْ. وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ مِثْلِ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ في (وبِالنَّجْمِ) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: السَّقُفُ، بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّ القافِ، وهي لُغَةٌ في السَّقْفِ، ولَعَلَّ السَّقْفَ مُخَفَّفٌ مِنهُ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ كَما قالُوا في رَجُلٍ رَجْلٍ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما يَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ. ويُخْزِيهِمْ: يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَحُلُّ بِهِمْ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ إدْخالَهُمُ النّارَ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]؛ أيْ: أهَنْتَهُ كُلَّ الإهانَةِ. وجَمَعَ بَيْنَ الإهانَةِ بِالفِعْلِ، والإهانَةِ بِالقَوْلِ بِالتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ: يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِي، أضافَ تَعالى الشُّرَكاءَ إلَيْهِ، والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، والمَعْنى: شُرَكائِي في زَعْمِكم، إذْ أضافَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُرَكائِيَ، مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مَفْتُوحَ الياءِ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ: تُسَكِّنُها، فَسَقَطَ في الدَّرَجِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: مَقْصُورًا وفَتَحَ الياءَ هُنا خاصَّةً. ورُوِيَ عَنْهُ: تَرْكُ الهَمْزِ في القَصَصِ والعَمَلُ (p-٤٨٦)عَلى الهَمْزِ فِيهِ وقَصْرُ المَمْدُودِ، وذَكَرُوا أنَّهُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِثُبُوتِهِ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَيَجُوزُ قَلِيلًا في الكَلامِ. والمُشاقَّةُ: المُفاداةُ والمُخاصَمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُشاقُّونَ)، بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ نافِعٌ، بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى تَضْعِيفِ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِتَشْدِيدِها، أُدْغِمَ نُونُ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، عامٌّ فِيمَن أُوتِيَ العِلْمَ مِنَ الأنْبِياءِ، وعُلَماءِ أُمَمِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ ويَعِظُونَهم، فَلا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِمْ، ويُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مِن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ انْتَهى. ويَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: شَماتَةً بِالكُفّارِ وتَسْمِيعًا لَهم، وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لِلْعِلْمِ، إذْ لا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا أهْلُهُ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ النِّساءِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْكافِرِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في القَوْلِ. فَإنْ كانَ القَوْلُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنْ كانَ القَوْلُ في الدُّنْيا لَما أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ويَقُولُ لَهم ما يَقُولُ قالَ أهْلُ العِلْمِ: إذا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ أنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُخْزِيهِمْ فِيهِ، فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم عَلى بابِها. ويَشْمَلُ مِن حَيْثُ المَعْنى مَن تَوَفَّتْهُ، ومَن تَتَوَفّاهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَقُولًا لِأهْلِ العِلْمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقُولٍ، بَلْ مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾، فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا؛ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، فَإنَّهُ يُجِيزُ: زَيْدٌ فَقامَ، أيْ: قامَ. ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ الفاءَ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ المُبْتَدَإ إذا كانَ مَوْصُولًا، وضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُها في مِثْلِ هَذا الفِعْلِ مَعَ صَرِيحِ الشَّرْطِ، فَلا يَجُوزُ فِيما ضُمِّنَ مَعْناهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ: يَتَوَفّاهم، بِالياءِ مِن أسْفَلُ في المَوْضِعَيْنِ. وقُرِئَ: بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في التّاءِ بَعْدَها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، بِتاءٍ واحِدَةٍ في المَوْضِعَيْنِ. والسَّلْمُ هُنا: الِاسْتِسْلامُ. قالَهُ الأخْفَشُ، أوِ الخُضُوعُ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. أيِ: انْقادُوا حِينَ عايَنُوا المَوْتَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ. وقِيلَ: في القِيامَةِ انْقادُوا وأجابُوا بِما كانُوا عَلى خِلافِهِ في الدُّنْيا مِنَ الشِّقاقِ والكِبْرِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (فَألْقَوْا) عَلى (تَتَوَفّاهم)، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ كَلامِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ (فَألْقَوْا)، جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ الإخْبارِ بِأحْوالِ الكُفّارِ، ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ هو عَلى إضْمار القَوْلِ؛ أيْ: ونَعْتُهم بِحَمْلِ السُّوءِ، إمّا أنْ يَكُونَ صَرِيحَ كَذِبٍ كَما قالُوا: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فَقالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] . وإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: عِنْدَ أنْفُسِنا؛ أيْ: لَوْ كانَ الكُفْرُ عِنْدَ أنْفُسِنا سَواءً ما عَلِمْناهُ. ويُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى حَسْبِ اعْتِقادِهِمْ لَما كانَ الجَوابُ: بَلى، عَلى أنَّهُ يَصِحُّ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، والمَعْنى: أنَّكم كَذَبْتُمْ في اعْتِقادِكم أنَّهُ لَيْسَ بِسُوءٍ، بَلْ كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ أنَّهُ سُوءٌ لِأنَّكم تَبَيَّنْتُمُ الحَقَّ وعَرَفْتُمُوهُ وكَفَرْتُمْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] والظّاهِرُ أنَّ هَذا السِّياقَ كُلَّهُ هو مَعَ أهْلِ العِلْمِ والكُفّارِ، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ هُمُ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ إخْبارَهم بِنَفْيِ عَمَلِ السُّوءِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّدُّ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الآمِرُوهم بِالدُّخُولِ في النّارِ، يَسُوقُونَهم إلَيْها. وقِيلَ: الخَزَنَةُ، والظّاهِرُ: الأبْوابُ حَقِيقَةً. وقِيلَ: المُرادُ الدَّرَكاتُ. وقِيلَ: الأصْنافُ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَنْظُرُ في بابٍ مِنَ العِلْمِ؛ أيْ: صِنْفٍ. وأبْعَدَ مَن قالَ: المُرادُ بِذَلِكَ: عَذابُ القَبْرِ، مُسْتَدِلًّا بِما جاءَ «القَبْرُ رَوْضَةٌ (p-٤٨٧)مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» ولَمّا أكْذَبُوهم مِن دَعْواهم أُخْبِرُوا أنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِهِمْ، فَهو المُجازِي عَلَيْها، ثُمَّ أمَرُوهم بِالدُّخُولِ، واللّامُ في (فَلَبِئْسَ) لامُ تَأْكِيدٍ، ولا تَدْخُلَ عَلى الماضِي المُنْصَرِفِ، ودَخَلَتْ عَلى الجامِدِ لِبُعْدِهِ عَنِ الأفْعالِ وقُرْبِهِ مِنَ الأسْماءِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ هي؛ أيْ: جَهَنَّمُ. ووَصْفُ التَّكَبُّرِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْقاقِ صاحِبِهِ النّارَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ.
﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] .
النحل 16:26
﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ . قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ وإذا قِيلَ لَهُمُ الآيَةَ، أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عَنْ مَكَّةَ إلى الحِيرَةِ، وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التَّوارِيخِ والأمْثالِ كَكَلِيلَةَ ودِمْنَةَ، وأخْبارَ اسْفَنْدِيارَ ورُسْتُمَ، فَجاءَ إلى مَكَّةَ فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ (p-٤٨٤)بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ. و(ماذا) كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ مَفْعُولٌ بِأنْزَلَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ذا بِمَعْنى الَّذِي، وعائِدُهُ في أنْزَلَ مَحْذُوفٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي أنْزَلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (ماذا) مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ؛ قالَ: بِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ أنْزَلَهُ رَبُّكم. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وماذا أنْزَلَ، لَيْسَ مَعْمُولًا لَقِيلَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهُ جُمْلَةٌ، والجُمْلَةُ لا تَقَعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَما لا تَقَعُ مَوْقِعَ الفاعِلِ. وقُرِئَ شاذًّا: (أساطِيرَ) بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى ذَكَرْتُمْ أساطِيرَ، أوْ أنْزَلَ أساطِيرَ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والسُّخْرِيَةِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالإنْزالِ يُنافِي أساطِيرَ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ ما نَزَلَ شَيْءٌ ولا أنَّ ثَمَّ مُنَزِّلًا. وبَنى قِيلَ: لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القائِلُ بَعْضَهم لِبَعْضٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ قالُوا لَهم عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ. وقِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ الَّذِينَ تَقاسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ يُنَفِّرُونَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ إذا سَألَهم وُفُودُ الحاجِّ: ماذا أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالُوا: أحادِيثُ الأوَّلِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِرَفْعِ أساطِيرَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ المَذْكُورُ: أساطِيرُ، أوِ المُنَزَّلُ أساطِيرُ، جَعَلُوهُ مُنَزَّلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وإنْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ. واللّامُ في (لِيَحْمِلُوا) لامُ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ والصَّغارِ المُوجِبِ لَهم، أوْ لامُ التَّعْلِيلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ غَرَضًا؛ كَقَوْلِكَ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ مَخافَةَ الشَّرِّ، وهي الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِلامِ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أنْ يَحْمِلُوا الأوْزارَ. ولَمّا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَرِيحُ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى قُدِّرَ هَذا لِكَذا، وهي لامُ التَّعْلِيلِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْها بِقَوْلِهِ. قالُوا: بَلْ أضْمَرَ فِعْلًا آخَرَ وهو: قَدَّرَ هَذا، وكامِلَةً: حالٌ، أيْ: لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ، ومِن: لِلتَّبْعِيضِ. فالمَعْنى: أنَّهُ يَحْمِلُ مِن وِزْرِ كُلِّ مَن أضَلَّ، أيْ: بَعْضَ وِزْرِ مَن ضَلَّ بِضَلالِهِمْ، وهو وِزْرُ الإضْلالِ، لِأنَّ المُضِلَّ والضّالَّ شَرِيكانِ، هَذا يُضِلُّهُ، وهَذا يُطاوِعُهُ عَلى إضْلالِهِ، فَيَتَحامَلانِ الوِزْرَ. وقالَ الأخْفَشُ: مِن زائِدَةٌ، أيْ: وأوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، والمَعْنى: ومِثْلَ ﴿أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» المُرادُ: ومِثْلُ وِزْرِ، والمَعْنى: أنَّ الرَّئِيسَ إذا وضَعَ سُنَّةً قَبِيحَةً عَظُمَ عِقابُهُ حَتّى إنَّ ذَلِكَ العِقابَ يَكُونُ مُساوِيًا لِعِقابِ كُلِّ مَنِ اقْتَدى بِهِ في ذَلِكَ. وقالَ الواحِدِيُّ: لَيْسَتْ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَخْفِيفَ الأوْزارِ عَنِ الأتْباعِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ» لَكِنَّها لِلْجِنْسِ، أيْ: لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الأتْباعِ؛ انْتَهى. ولا تَتَقَدَّرُ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ (p-٤٨٥)الجِنْسِ هَذا التَّقْدِيرَ الَّذِي قَدَّرَهُ الواحِدِيُّ، وإنَّما تُقَدَّرُ: الأوْزارُ الَّتِي هي أوْزارُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، فَيَئُولُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى قَوْلِ الأخْفَشِ، وإنِ اخْتَلَفا في التَّقْدِيرِ. وبِغَيْرِ عِلْمٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: يُضِلُّونَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ. وقالَ غَيْرُهُ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ وهو أوْلى، إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الإضْلالُ عَلى جِهَةِ الفاعِلِيَّةِ، والمَعْنى: أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى هَذا الإضْلالِ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ مِثْلِ ﴿ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ . فَأتى اللَّهُ، أيْ: أمْرُهُ وعَذابُهُ، والبُنْيانُ: قِيلَ: حَقِيقَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ نَمْرُودُ بَنى صَرْحًا لِيَصْعَدَ بِزَعْمِهِ إلى السَّماءِ، وأفْرَطَ في عُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَّماءِ فَرْسَخَيْنِ، عَلى ما حَكى النَّقّاشُ، وقالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ: طَولُهُ في السَّماءِ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ، وعَرْضُهُ ثَلاثَةُ آلافِ ذِراعٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَتْهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ. وقِيلَ: هَدَمَهُ جِبْرِيلُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، والحِقْفُ مِن أسْفَلِهِ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: المُرادُ: المُقْتَسِمُونَ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بُخْتُنَصَّرَ وأصْحابُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: قُرَيّاتُ قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ: مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونُ ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، تَمْثِيلًا؛ والمَعْنى: أنَّهم سَوَّوْا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ هَلاكَهم في تِلْكَ المَنصُوباتِ كَحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ، فَأتى البُنْيانَ مِنَ الأساطِينِ بِأنْ تَضَعْضَعَتْ، فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ وهَلَكُوا ونَحْوُهُ مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا، ومِنَ القَواعِدِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: أتاهم أمْرُ اللَّهِ مِن جِهَةِ القَواعِدِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَّماءِ الَّتِي هي فَوْقَهم، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَعْنى: أحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن سَقَطَ بُنْيانُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا يَنْجَرُّ إلى اللُّغْزِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: مِن فَوْقِهِمْ، رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾، فَإنَّكَ تَقُولُ: انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ ولَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: انْفَسَدَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: مِن فَوْقِهِ، ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ؛ قالَ: يُعْلِمُكَ أنَّهم كانُوا جالِسِينَ تَحْتَهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ إذا كانَ يَمْلِكُهُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ وقَعَ عَلَيْهِ فَجاءَ بِقَوْلِهِ مِن فَوْقِهِمْ لِيَخْرُجَ هَذا الَّذِي في كَلامِ العَرَبِ فَقالَ: مِن فَوْقِهِمْ، أيْ: عَلَيْهِمْ وقَعَ، وكانُوا تَحْتَهُ فَهَلَكُوا، فَأتاهُمُ العَذابُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: البَعُوضَةَ الَّتِي أُهْلِكَ بِها نُمْرُوذٌ، وقِيلَ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، مِن حَيْثُ ظَنُّوا أنَّهم في أمانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُنْيانَهم، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بُنْيَتَهم. وقَرَأ جَعْفَرٌ: بَيْتَهم، والضَّحّاكُ: بُيُوتَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: السَّقْفُ مُفْرَدًا، والأعْرَجُ: السُّقُفُ، بِضَمَّتَيْنِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ومُجاهِدٌ، بِضَمِّ السِّينِ فَقَطْ. وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ مِثْلِ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ في (وبِالنَّجْمِ) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: السَّقُفُ، بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّ القافِ، وهي لُغَةٌ في السَّقْفِ، ولَعَلَّ السَّقْفَ مُخَفَّفٌ مِنهُ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ كَما قالُوا في رَجُلٍ رَجْلٍ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما يَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ. ويُخْزِيهِمْ: يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَحُلُّ بِهِمْ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ إدْخالَهُمُ النّارَ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]؛ أيْ: أهَنْتَهُ كُلَّ الإهانَةِ. وجَمَعَ بَيْنَ الإهانَةِ بِالفِعْلِ، والإهانَةِ بِالقَوْلِ بِالتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ: يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِي، أضافَ تَعالى الشُّرَكاءَ إلَيْهِ، والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، والمَعْنى: شُرَكائِي في زَعْمِكم، إذْ أضافَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُرَكائِيَ، مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مَفْتُوحَ الياءِ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ: تُسَكِّنُها، فَسَقَطَ في الدَّرَجِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: مَقْصُورًا وفَتَحَ الياءَ هُنا خاصَّةً. ورُوِيَ عَنْهُ: تَرْكُ الهَمْزِ في القَصَصِ والعَمَلُ (p-٤٨٦)عَلى الهَمْزِ فِيهِ وقَصْرُ المَمْدُودِ، وذَكَرُوا أنَّهُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِثُبُوتِهِ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَيَجُوزُ قَلِيلًا في الكَلامِ. والمُشاقَّةُ: المُفاداةُ والمُخاصَمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُشاقُّونَ)، بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ نافِعٌ، بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى تَضْعِيفِ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِتَشْدِيدِها، أُدْغِمَ نُونُ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، عامٌّ فِيمَن أُوتِيَ العِلْمَ مِنَ الأنْبِياءِ، وعُلَماءِ أُمَمِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ ويَعِظُونَهم، فَلا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِمْ، ويُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مِن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ انْتَهى. ويَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: شَماتَةً بِالكُفّارِ وتَسْمِيعًا لَهم، وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لِلْعِلْمِ، إذْ لا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا أهْلُهُ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ النِّساءِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْكافِرِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في القَوْلِ. فَإنْ كانَ القَوْلُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنْ كانَ القَوْلُ في الدُّنْيا لَما أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ويَقُولُ لَهم ما يَقُولُ قالَ أهْلُ العِلْمِ: إذا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ أنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُخْزِيهِمْ فِيهِ، فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم عَلى بابِها. ويَشْمَلُ مِن حَيْثُ المَعْنى مَن تَوَفَّتْهُ، ومَن تَتَوَفّاهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَقُولًا لِأهْلِ العِلْمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقُولٍ، بَلْ مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾، فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا؛ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، فَإنَّهُ يُجِيزُ: زَيْدٌ فَقامَ، أيْ: قامَ. ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ الفاءَ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ المُبْتَدَإ إذا كانَ مَوْصُولًا، وضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُها في مِثْلِ هَذا الفِعْلِ مَعَ صَرِيحِ الشَّرْطِ، فَلا يَجُوزُ فِيما ضُمِّنَ مَعْناهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ: يَتَوَفّاهم، بِالياءِ مِن أسْفَلُ في المَوْضِعَيْنِ. وقُرِئَ: بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في التّاءِ بَعْدَها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، بِتاءٍ واحِدَةٍ في المَوْضِعَيْنِ. والسَّلْمُ هُنا: الِاسْتِسْلامُ. قالَهُ الأخْفَشُ، أوِ الخُضُوعُ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. أيِ: انْقادُوا حِينَ عايَنُوا المَوْتَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ. وقِيلَ: في القِيامَةِ انْقادُوا وأجابُوا بِما كانُوا عَلى خِلافِهِ في الدُّنْيا مِنَ الشِّقاقِ والكِبْرِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (فَألْقَوْا) عَلى (تَتَوَفّاهم)، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ كَلامِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ (فَألْقَوْا)، جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ الإخْبارِ بِأحْوالِ الكُفّارِ، ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ هو عَلى إضْمار القَوْلِ؛ أيْ: ونَعْتُهم بِحَمْلِ السُّوءِ، إمّا أنْ يَكُونَ صَرِيحَ كَذِبٍ كَما قالُوا: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فَقالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] . وإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: عِنْدَ أنْفُسِنا؛ أيْ: لَوْ كانَ الكُفْرُ عِنْدَ أنْفُسِنا سَواءً ما عَلِمْناهُ. ويُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى حَسْبِ اعْتِقادِهِمْ لَما كانَ الجَوابُ: بَلى، عَلى أنَّهُ يَصِحُّ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، والمَعْنى: أنَّكم كَذَبْتُمْ في اعْتِقادِكم أنَّهُ لَيْسَ بِسُوءٍ، بَلْ كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ أنَّهُ سُوءٌ لِأنَّكم تَبَيَّنْتُمُ الحَقَّ وعَرَفْتُمُوهُ وكَفَرْتُمْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] والظّاهِرُ أنَّ هَذا السِّياقَ كُلَّهُ هو مَعَ أهْلِ العِلْمِ والكُفّارِ، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ هُمُ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ إخْبارَهم بِنَفْيِ عَمَلِ السُّوءِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّدُّ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الآمِرُوهم بِالدُّخُولِ في النّارِ، يَسُوقُونَهم إلَيْها. وقِيلَ: الخَزَنَةُ، والظّاهِرُ: الأبْوابُ حَقِيقَةً. وقِيلَ: المُرادُ الدَّرَكاتُ. وقِيلَ: الأصْنافُ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَنْظُرُ في بابٍ مِنَ العِلْمِ؛ أيْ: صِنْفٍ. وأبْعَدَ مَن قالَ: المُرادُ بِذَلِكَ: عَذابُ القَبْرِ، مُسْتَدِلًّا بِما جاءَ «القَبْرُ رَوْضَةٌ (p-٤٨٧)مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» ولَمّا أكْذَبُوهم مِن دَعْواهم أُخْبِرُوا أنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِهِمْ، فَهو المُجازِي عَلَيْها، ثُمَّ أمَرُوهم بِالدُّخُولِ، واللّامُ في (فَلَبِئْسَ) لامُ تَأْكِيدٍ، ولا تَدْخُلَ عَلى الماضِي المُنْصَرِفِ، ودَخَلَتْ عَلى الجامِدِ لِبُعْدِهِ عَنِ الأفْعالِ وقُرْبِهِ مِنَ الأسْماءِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ هي؛ أيْ: جَهَنَّمُ. ووَصْفُ التَّكَبُّرِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْقاقِ صاحِبِهِ النّارَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ.
﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] .
النحل 16:27
﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ . قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ وإذا قِيلَ لَهُمُ الآيَةَ، أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عَنْ مَكَّةَ إلى الحِيرَةِ، وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التَّوارِيخِ والأمْثالِ كَكَلِيلَةَ ودِمْنَةَ، وأخْبارَ اسْفَنْدِيارَ ورُسْتُمَ، فَجاءَ إلى مَكَّةَ فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ (p-٤٨٤)بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ. و(ماذا) كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ مَفْعُولٌ بِأنْزَلَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ذا بِمَعْنى الَّذِي، وعائِدُهُ في أنْزَلَ مَحْذُوفٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي أنْزَلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (ماذا) مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ؛ قالَ: بِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ أنْزَلَهُ رَبُّكم. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وماذا أنْزَلَ، لَيْسَ مَعْمُولًا لَقِيلَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهُ جُمْلَةٌ، والجُمْلَةُ لا تَقَعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَما لا تَقَعُ مَوْقِعَ الفاعِلِ. وقُرِئَ شاذًّا: (أساطِيرَ) بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى ذَكَرْتُمْ أساطِيرَ، أوْ أنْزَلَ أساطِيرَ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والسُّخْرِيَةِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالإنْزالِ يُنافِي أساطِيرَ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ ما نَزَلَ شَيْءٌ ولا أنَّ ثَمَّ مُنَزِّلًا. وبَنى قِيلَ: لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القائِلُ بَعْضَهم لِبَعْضٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ قالُوا لَهم عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ. وقِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ الَّذِينَ تَقاسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ يُنَفِّرُونَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ إذا سَألَهم وُفُودُ الحاجِّ: ماذا أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالُوا: أحادِيثُ الأوَّلِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِرَفْعِ أساطِيرَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ المَذْكُورُ: أساطِيرُ، أوِ المُنَزَّلُ أساطِيرُ، جَعَلُوهُ مُنَزَّلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وإنْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ. واللّامُ في (لِيَحْمِلُوا) لامُ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ والصَّغارِ المُوجِبِ لَهم، أوْ لامُ التَّعْلِيلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ غَرَضًا؛ كَقَوْلِكَ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ مَخافَةَ الشَّرِّ، وهي الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِلامِ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أنْ يَحْمِلُوا الأوْزارَ. ولَمّا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَرِيحُ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى قُدِّرَ هَذا لِكَذا، وهي لامُ التَّعْلِيلِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْها بِقَوْلِهِ. قالُوا: بَلْ أضْمَرَ فِعْلًا آخَرَ وهو: قَدَّرَ هَذا، وكامِلَةً: حالٌ، أيْ: لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ، ومِن: لِلتَّبْعِيضِ. فالمَعْنى: أنَّهُ يَحْمِلُ مِن وِزْرِ كُلِّ مَن أضَلَّ، أيْ: بَعْضَ وِزْرِ مَن ضَلَّ بِضَلالِهِمْ، وهو وِزْرُ الإضْلالِ، لِأنَّ المُضِلَّ والضّالَّ شَرِيكانِ، هَذا يُضِلُّهُ، وهَذا يُطاوِعُهُ عَلى إضْلالِهِ، فَيَتَحامَلانِ الوِزْرَ. وقالَ الأخْفَشُ: مِن زائِدَةٌ، أيْ: وأوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، والمَعْنى: ومِثْلَ ﴿أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» المُرادُ: ومِثْلُ وِزْرِ، والمَعْنى: أنَّ الرَّئِيسَ إذا وضَعَ سُنَّةً قَبِيحَةً عَظُمَ عِقابُهُ حَتّى إنَّ ذَلِكَ العِقابَ يَكُونُ مُساوِيًا لِعِقابِ كُلِّ مَنِ اقْتَدى بِهِ في ذَلِكَ. وقالَ الواحِدِيُّ: لَيْسَتْ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَخْفِيفَ الأوْزارِ عَنِ الأتْباعِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ» لَكِنَّها لِلْجِنْسِ، أيْ: لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الأتْباعِ؛ انْتَهى. ولا تَتَقَدَّرُ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ (p-٤٨٥)الجِنْسِ هَذا التَّقْدِيرَ الَّذِي قَدَّرَهُ الواحِدِيُّ، وإنَّما تُقَدَّرُ: الأوْزارُ الَّتِي هي أوْزارُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، فَيَئُولُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى قَوْلِ الأخْفَشِ، وإنِ اخْتَلَفا في التَّقْدِيرِ. وبِغَيْرِ عِلْمٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: يُضِلُّونَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ. وقالَ غَيْرُهُ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ وهو أوْلى، إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الإضْلالُ عَلى جِهَةِ الفاعِلِيَّةِ، والمَعْنى: أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى هَذا الإضْلالِ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ مِثْلِ ﴿ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ . فَأتى اللَّهُ، أيْ: أمْرُهُ وعَذابُهُ، والبُنْيانُ: قِيلَ: حَقِيقَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ نَمْرُودُ بَنى صَرْحًا لِيَصْعَدَ بِزَعْمِهِ إلى السَّماءِ، وأفْرَطَ في عُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَّماءِ فَرْسَخَيْنِ، عَلى ما حَكى النَّقّاشُ، وقالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ: طَولُهُ في السَّماءِ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ، وعَرْضُهُ ثَلاثَةُ آلافِ ذِراعٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَتْهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ. وقِيلَ: هَدَمَهُ جِبْرِيلُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، والحِقْفُ مِن أسْفَلِهِ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: المُرادُ: المُقْتَسِمُونَ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بُخْتُنَصَّرَ وأصْحابُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: قُرَيّاتُ قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ: مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونُ ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، تَمْثِيلًا؛ والمَعْنى: أنَّهم سَوَّوْا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ هَلاكَهم في تِلْكَ المَنصُوباتِ كَحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ، فَأتى البُنْيانَ مِنَ الأساطِينِ بِأنْ تَضَعْضَعَتْ، فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ وهَلَكُوا ونَحْوُهُ مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا، ومِنَ القَواعِدِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: أتاهم أمْرُ اللَّهِ مِن جِهَةِ القَواعِدِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَّماءِ الَّتِي هي فَوْقَهم، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَعْنى: أحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن سَقَطَ بُنْيانُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا يَنْجَرُّ إلى اللُّغْزِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: مِن فَوْقِهِمْ، رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾، فَإنَّكَ تَقُولُ: انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ ولَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: انْفَسَدَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: مِن فَوْقِهِ، ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ؛ قالَ: يُعْلِمُكَ أنَّهم كانُوا جالِسِينَ تَحْتَهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ إذا كانَ يَمْلِكُهُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ وقَعَ عَلَيْهِ فَجاءَ بِقَوْلِهِ مِن فَوْقِهِمْ لِيَخْرُجَ هَذا الَّذِي في كَلامِ العَرَبِ فَقالَ: مِن فَوْقِهِمْ، أيْ: عَلَيْهِمْ وقَعَ، وكانُوا تَحْتَهُ فَهَلَكُوا، فَأتاهُمُ العَذابُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: البَعُوضَةَ الَّتِي أُهْلِكَ بِها نُمْرُوذٌ، وقِيلَ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، مِن حَيْثُ ظَنُّوا أنَّهم في أمانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُنْيانَهم، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بُنْيَتَهم. وقَرَأ جَعْفَرٌ: بَيْتَهم، والضَّحّاكُ: بُيُوتَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: السَّقْفُ مُفْرَدًا، والأعْرَجُ: السُّقُفُ، بِضَمَّتَيْنِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ومُجاهِدٌ، بِضَمِّ السِّينِ فَقَطْ. وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ مِثْلِ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ في (وبِالنَّجْمِ) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: السَّقُفُ، بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّ القافِ، وهي لُغَةٌ في السَّقْفِ، ولَعَلَّ السَّقْفَ مُخَفَّفٌ مِنهُ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ كَما قالُوا في رَجُلٍ رَجْلٍ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما يَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ. ويُخْزِيهِمْ: يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَحُلُّ بِهِمْ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ إدْخالَهُمُ النّارَ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]؛ أيْ: أهَنْتَهُ كُلَّ الإهانَةِ. وجَمَعَ بَيْنَ الإهانَةِ بِالفِعْلِ، والإهانَةِ بِالقَوْلِ بِالتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ: يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِي، أضافَ تَعالى الشُّرَكاءَ إلَيْهِ، والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، والمَعْنى: شُرَكائِي في زَعْمِكم، إذْ أضافَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُرَكائِيَ، مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مَفْتُوحَ الياءِ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ: تُسَكِّنُها، فَسَقَطَ في الدَّرَجِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: مَقْصُورًا وفَتَحَ الياءَ هُنا خاصَّةً. ورُوِيَ عَنْهُ: تَرْكُ الهَمْزِ في القَصَصِ والعَمَلُ (p-٤٨٦)عَلى الهَمْزِ فِيهِ وقَصْرُ المَمْدُودِ، وذَكَرُوا أنَّهُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِثُبُوتِهِ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَيَجُوزُ قَلِيلًا في الكَلامِ. والمُشاقَّةُ: المُفاداةُ والمُخاصَمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُشاقُّونَ)، بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ نافِعٌ، بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى تَضْعِيفِ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِتَشْدِيدِها، أُدْغِمَ نُونُ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، عامٌّ فِيمَن أُوتِيَ العِلْمَ مِنَ الأنْبِياءِ، وعُلَماءِ أُمَمِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ ويَعِظُونَهم، فَلا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِمْ، ويُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مِن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ انْتَهى. ويَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: شَماتَةً بِالكُفّارِ وتَسْمِيعًا لَهم، وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لِلْعِلْمِ، إذْ لا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا أهْلُهُ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ النِّساءِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْكافِرِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في القَوْلِ. فَإنْ كانَ القَوْلُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنْ كانَ القَوْلُ في الدُّنْيا لَما أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ويَقُولُ لَهم ما يَقُولُ قالَ أهْلُ العِلْمِ: إذا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ أنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُخْزِيهِمْ فِيهِ، فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم عَلى بابِها. ويَشْمَلُ مِن حَيْثُ المَعْنى مَن تَوَفَّتْهُ، ومَن تَتَوَفّاهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَقُولًا لِأهْلِ العِلْمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقُولٍ، بَلْ مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾، فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا؛ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، فَإنَّهُ يُجِيزُ: زَيْدٌ فَقامَ، أيْ: قامَ. ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ الفاءَ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ المُبْتَدَإ إذا كانَ مَوْصُولًا، وضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُها في مِثْلِ هَذا الفِعْلِ مَعَ صَرِيحِ الشَّرْطِ، فَلا يَجُوزُ فِيما ضُمِّنَ مَعْناهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ: يَتَوَفّاهم، بِالياءِ مِن أسْفَلُ في المَوْضِعَيْنِ. وقُرِئَ: بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في التّاءِ بَعْدَها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، بِتاءٍ واحِدَةٍ في المَوْضِعَيْنِ. والسَّلْمُ هُنا: الِاسْتِسْلامُ. قالَهُ الأخْفَشُ، أوِ الخُضُوعُ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. أيِ: انْقادُوا حِينَ عايَنُوا المَوْتَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ. وقِيلَ: في القِيامَةِ انْقادُوا وأجابُوا بِما كانُوا عَلى خِلافِهِ في الدُّنْيا مِنَ الشِّقاقِ والكِبْرِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (فَألْقَوْا) عَلى (تَتَوَفّاهم)، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ كَلامِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ (فَألْقَوْا)، جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ الإخْبارِ بِأحْوالِ الكُفّارِ، ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ هو عَلى إضْمار القَوْلِ؛ أيْ: ونَعْتُهم بِحَمْلِ السُّوءِ، إمّا أنْ يَكُونَ صَرِيحَ كَذِبٍ كَما قالُوا: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فَقالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] . وإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: عِنْدَ أنْفُسِنا؛ أيْ: لَوْ كانَ الكُفْرُ عِنْدَ أنْفُسِنا سَواءً ما عَلِمْناهُ. ويُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى حَسْبِ اعْتِقادِهِمْ لَما كانَ الجَوابُ: بَلى، عَلى أنَّهُ يَصِحُّ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، والمَعْنى: أنَّكم كَذَبْتُمْ في اعْتِقادِكم أنَّهُ لَيْسَ بِسُوءٍ، بَلْ كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ أنَّهُ سُوءٌ لِأنَّكم تَبَيَّنْتُمُ الحَقَّ وعَرَفْتُمُوهُ وكَفَرْتُمْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] والظّاهِرُ أنَّ هَذا السِّياقَ كُلَّهُ هو مَعَ أهْلِ العِلْمِ والكُفّارِ، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ هُمُ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ إخْبارَهم بِنَفْيِ عَمَلِ السُّوءِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّدُّ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الآمِرُوهم بِالدُّخُولِ في النّارِ، يَسُوقُونَهم إلَيْها. وقِيلَ: الخَزَنَةُ، والظّاهِرُ: الأبْوابُ حَقِيقَةً. وقِيلَ: المُرادُ الدَّرَكاتُ. وقِيلَ: الأصْنافُ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَنْظُرُ في بابٍ مِنَ العِلْمِ؛ أيْ: صِنْفٍ. وأبْعَدَ مَن قالَ: المُرادُ بِذَلِكَ: عَذابُ القَبْرِ، مُسْتَدِلًّا بِما جاءَ «القَبْرُ رَوْضَةٌ (p-٤٨٧)مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» ولَمّا أكْذَبُوهم مِن دَعْواهم أُخْبِرُوا أنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِهِمْ، فَهو المُجازِي عَلَيْها، ثُمَّ أمَرُوهم بِالدُّخُولِ، واللّامُ في (فَلَبِئْسَ) لامُ تَأْكِيدٍ، ولا تَدْخُلَ عَلى الماضِي المُنْصَرِفِ، ودَخَلَتْ عَلى الجامِدِ لِبُعْدِهِ عَنِ الأفْعالِ وقُرْبِهِ مِنَ الأسْماءِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ هي؛ أيْ: جَهَنَّمُ. ووَصْفُ التَّكَبُّرِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْقاقِ صاحِبِهِ النّارَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ.
﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] .
النحل 16:28
﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ . قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ وإذا قِيلَ لَهُمُ الآيَةَ، أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عَنْ مَكَّةَ إلى الحِيرَةِ، وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التَّوارِيخِ والأمْثالِ كَكَلِيلَةَ ودِمْنَةَ، وأخْبارَ اسْفَنْدِيارَ ورُسْتُمَ، فَجاءَ إلى مَكَّةَ فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ (p-٤٨٤)بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ. و(ماذا) كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ مَفْعُولٌ بِأنْزَلَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ذا بِمَعْنى الَّذِي، وعائِدُهُ في أنْزَلَ مَحْذُوفٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي أنْزَلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (ماذا) مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ؛ قالَ: بِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ أنْزَلَهُ رَبُّكم. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وماذا أنْزَلَ، لَيْسَ مَعْمُولًا لَقِيلَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهُ جُمْلَةٌ، والجُمْلَةُ لا تَقَعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَما لا تَقَعُ مَوْقِعَ الفاعِلِ. وقُرِئَ شاذًّا: (أساطِيرَ) بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى ذَكَرْتُمْ أساطِيرَ، أوْ أنْزَلَ أساطِيرَ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والسُّخْرِيَةِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالإنْزالِ يُنافِي أساطِيرَ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ ما نَزَلَ شَيْءٌ ولا أنَّ ثَمَّ مُنَزِّلًا. وبَنى قِيلَ: لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القائِلُ بَعْضَهم لِبَعْضٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ قالُوا لَهم عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ. وقِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ الَّذِينَ تَقاسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ يُنَفِّرُونَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ إذا سَألَهم وُفُودُ الحاجِّ: ماذا أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالُوا: أحادِيثُ الأوَّلِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِرَفْعِ أساطِيرَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ المَذْكُورُ: أساطِيرُ، أوِ المُنَزَّلُ أساطِيرُ، جَعَلُوهُ مُنَزَّلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وإنْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ. واللّامُ في (لِيَحْمِلُوا) لامُ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ والصَّغارِ المُوجِبِ لَهم، أوْ لامُ التَّعْلِيلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ غَرَضًا؛ كَقَوْلِكَ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ مَخافَةَ الشَّرِّ، وهي الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِلامِ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أنْ يَحْمِلُوا الأوْزارَ. ولَمّا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَرِيحُ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى قُدِّرَ هَذا لِكَذا، وهي لامُ التَّعْلِيلِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْها بِقَوْلِهِ. قالُوا: بَلْ أضْمَرَ فِعْلًا آخَرَ وهو: قَدَّرَ هَذا، وكامِلَةً: حالٌ، أيْ: لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ، ومِن: لِلتَّبْعِيضِ. فالمَعْنى: أنَّهُ يَحْمِلُ مِن وِزْرِ كُلِّ مَن أضَلَّ، أيْ: بَعْضَ وِزْرِ مَن ضَلَّ بِضَلالِهِمْ، وهو وِزْرُ الإضْلالِ، لِأنَّ المُضِلَّ والضّالَّ شَرِيكانِ، هَذا يُضِلُّهُ، وهَذا يُطاوِعُهُ عَلى إضْلالِهِ، فَيَتَحامَلانِ الوِزْرَ. وقالَ الأخْفَشُ: مِن زائِدَةٌ، أيْ: وأوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، والمَعْنى: ومِثْلَ ﴿أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» المُرادُ: ومِثْلُ وِزْرِ، والمَعْنى: أنَّ الرَّئِيسَ إذا وضَعَ سُنَّةً قَبِيحَةً عَظُمَ عِقابُهُ حَتّى إنَّ ذَلِكَ العِقابَ يَكُونُ مُساوِيًا لِعِقابِ كُلِّ مَنِ اقْتَدى بِهِ في ذَلِكَ. وقالَ الواحِدِيُّ: لَيْسَتْ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَخْفِيفَ الأوْزارِ عَنِ الأتْباعِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ» لَكِنَّها لِلْجِنْسِ، أيْ: لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الأتْباعِ؛ انْتَهى. ولا تَتَقَدَّرُ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ (p-٤٨٥)الجِنْسِ هَذا التَّقْدِيرَ الَّذِي قَدَّرَهُ الواحِدِيُّ، وإنَّما تُقَدَّرُ: الأوْزارُ الَّتِي هي أوْزارُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، فَيَئُولُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى قَوْلِ الأخْفَشِ، وإنِ اخْتَلَفا في التَّقْدِيرِ. وبِغَيْرِ عِلْمٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: يُضِلُّونَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ. وقالَ غَيْرُهُ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ وهو أوْلى، إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الإضْلالُ عَلى جِهَةِ الفاعِلِيَّةِ، والمَعْنى: أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى هَذا الإضْلالِ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ مِثْلِ ﴿ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ . فَأتى اللَّهُ، أيْ: أمْرُهُ وعَذابُهُ، والبُنْيانُ: قِيلَ: حَقِيقَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ نَمْرُودُ بَنى صَرْحًا لِيَصْعَدَ بِزَعْمِهِ إلى السَّماءِ، وأفْرَطَ في عُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَّماءِ فَرْسَخَيْنِ، عَلى ما حَكى النَّقّاشُ، وقالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ: طَولُهُ في السَّماءِ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ، وعَرْضُهُ ثَلاثَةُ آلافِ ذِراعٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَتْهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ. وقِيلَ: هَدَمَهُ جِبْرِيلُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، والحِقْفُ مِن أسْفَلِهِ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: المُرادُ: المُقْتَسِمُونَ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بُخْتُنَصَّرَ وأصْحابُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: قُرَيّاتُ قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ: مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونُ ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، تَمْثِيلًا؛ والمَعْنى: أنَّهم سَوَّوْا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ هَلاكَهم في تِلْكَ المَنصُوباتِ كَحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ، فَأتى البُنْيانَ مِنَ الأساطِينِ بِأنْ تَضَعْضَعَتْ، فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ وهَلَكُوا ونَحْوُهُ مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا، ومِنَ القَواعِدِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: أتاهم أمْرُ اللَّهِ مِن جِهَةِ القَواعِدِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَّماءِ الَّتِي هي فَوْقَهم، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَعْنى: أحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن سَقَطَ بُنْيانُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا يَنْجَرُّ إلى اللُّغْزِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: مِن فَوْقِهِمْ، رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾، فَإنَّكَ تَقُولُ: انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ ولَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: انْفَسَدَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: مِن فَوْقِهِ، ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ؛ قالَ: يُعْلِمُكَ أنَّهم كانُوا جالِسِينَ تَحْتَهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ إذا كانَ يَمْلِكُهُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ وقَعَ عَلَيْهِ فَجاءَ بِقَوْلِهِ مِن فَوْقِهِمْ لِيَخْرُجَ هَذا الَّذِي في كَلامِ العَرَبِ فَقالَ: مِن فَوْقِهِمْ، أيْ: عَلَيْهِمْ وقَعَ، وكانُوا تَحْتَهُ فَهَلَكُوا، فَأتاهُمُ العَذابُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: البَعُوضَةَ الَّتِي أُهْلِكَ بِها نُمْرُوذٌ، وقِيلَ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، مِن حَيْثُ ظَنُّوا أنَّهم في أمانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُنْيانَهم، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بُنْيَتَهم. وقَرَأ جَعْفَرٌ: بَيْتَهم، والضَّحّاكُ: بُيُوتَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: السَّقْفُ مُفْرَدًا، والأعْرَجُ: السُّقُفُ، بِضَمَّتَيْنِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ومُجاهِدٌ، بِضَمِّ السِّينِ فَقَطْ. وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ مِثْلِ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ في (وبِالنَّجْمِ) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: السَّقُفُ، بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّ القافِ، وهي لُغَةٌ في السَّقْفِ، ولَعَلَّ السَّقْفَ مُخَفَّفٌ مِنهُ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ كَما قالُوا في رَجُلٍ رَجْلٍ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما يَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ. ويُخْزِيهِمْ: يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَحُلُّ بِهِمْ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ إدْخالَهُمُ النّارَ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]؛ أيْ: أهَنْتَهُ كُلَّ الإهانَةِ. وجَمَعَ بَيْنَ الإهانَةِ بِالفِعْلِ، والإهانَةِ بِالقَوْلِ بِالتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ: يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِي، أضافَ تَعالى الشُّرَكاءَ إلَيْهِ، والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، والمَعْنى: شُرَكائِي في زَعْمِكم، إذْ أضافَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُرَكائِيَ، مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مَفْتُوحَ الياءِ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ: تُسَكِّنُها، فَسَقَطَ في الدَّرَجِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: مَقْصُورًا وفَتَحَ الياءَ هُنا خاصَّةً. ورُوِيَ عَنْهُ: تَرْكُ الهَمْزِ في القَصَصِ والعَمَلُ (p-٤٨٦)عَلى الهَمْزِ فِيهِ وقَصْرُ المَمْدُودِ، وذَكَرُوا أنَّهُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِثُبُوتِهِ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَيَجُوزُ قَلِيلًا في الكَلامِ. والمُشاقَّةُ: المُفاداةُ والمُخاصَمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُشاقُّونَ)، بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ نافِعٌ، بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى تَضْعِيفِ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِتَشْدِيدِها، أُدْغِمَ نُونُ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، عامٌّ فِيمَن أُوتِيَ العِلْمَ مِنَ الأنْبِياءِ، وعُلَماءِ أُمَمِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ ويَعِظُونَهم، فَلا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِمْ، ويُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مِن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ انْتَهى. ويَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: شَماتَةً بِالكُفّارِ وتَسْمِيعًا لَهم، وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لِلْعِلْمِ، إذْ لا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا أهْلُهُ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ النِّساءِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْكافِرِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في القَوْلِ. فَإنْ كانَ القَوْلُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنْ كانَ القَوْلُ في الدُّنْيا لَما أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ويَقُولُ لَهم ما يَقُولُ قالَ أهْلُ العِلْمِ: إذا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ أنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُخْزِيهِمْ فِيهِ، فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم عَلى بابِها. ويَشْمَلُ مِن حَيْثُ المَعْنى مَن تَوَفَّتْهُ، ومَن تَتَوَفّاهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَقُولًا لِأهْلِ العِلْمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقُولٍ، بَلْ مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾، فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا؛ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، فَإنَّهُ يُجِيزُ: زَيْدٌ فَقامَ، أيْ: قامَ. ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ الفاءَ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ المُبْتَدَإ إذا كانَ مَوْصُولًا، وضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُها في مِثْلِ هَذا الفِعْلِ مَعَ صَرِيحِ الشَّرْطِ، فَلا يَجُوزُ فِيما ضُمِّنَ مَعْناهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ: يَتَوَفّاهم، بِالياءِ مِن أسْفَلُ في المَوْضِعَيْنِ. وقُرِئَ: بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في التّاءِ بَعْدَها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، بِتاءٍ واحِدَةٍ في المَوْضِعَيْنِ. والسَّلْمُ هُنا: الِاسْتِسْلامُ. قالَهُ الأخْفَشُ، أوِ الخُضُوعُ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. أيِ: انْقادُوا حِينَ عايَنُوا المَوْتَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ. وقِيلَ: في القِيامَةِ انْقادُوا وأجابُوا بِما كانُوا عَلى خِلافِهِ في الدُّنْيا مِنَ الشِّقاقِ والكِبْرِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (فَألْقَوْا) عَلى (تَتَوَفّاهم)، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ كَلامِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ (فَألْقَوْا)، جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ الإخْبارِ بِأحْوالِ الكُفّارِ، ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ هو عَلى إضْمار القَوْلِ؛ أيْ: ونَعْتُهم بِحَمْلِ السُّوءِ، إمّا أنْ يَكُونَ صَرِيحَ كَذِبٍ كَما قالُوا: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فَقالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] . وإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: عِنْدَ أنْفُسِنا؛ أيْ: لَوْ كانَ الكُفْرُ عِنْدَ أنْفُسِنا سَواءً ما عَلِمْناهُ. ويُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى حَسْبِ اعْتِقادِهِمْ لَما كانَ الجَوابُ: بَلى، عَلى أنَّهُ يَصِحُّ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، والمَعْنى: أنَّكم كَذَبْتُمْ في اعْتِقادِكم أنَّهُ لَيْسَ بِسُوءٍ، بَلْ كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ أنَّهُ سُوءٌ لِأنَّكم تَبَيَّنْتُمُ الحَقَّ وعَرَفْتُمُوهُ وكَفَرْتُمْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] والظّاهِرُ أنَّ هَذا السِّياقَ كُلَّهُ هو مَعَ أهْلِ العِلْمِ والكُفّارِ، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ هُمُ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ إخْبارَهم بِنَفْيِ عَمَلِ السُّوءِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّدُّ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الآمِرُوهم بِالدُّخُولِ في النّارِ، يَسُوقُونَهم إلَيْها. وقِيلَ: الخَزَنَةُ، والظّاهِرُ: الأبْوابُ حَقِيقَةً. وقِيلَ: المُرادُ الدَّرَكاتُ. وقِيلَ: الأصْنافُ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَنْظُرُ في بابٍ مِنَ العِلْمِ؛ أيْ: صِنْفٍ. وأبْعَدَ مَن قالَ: المُرادُ بِذَلِكَ: عَذابُ القَبْرِ، مُسْتَدِلًّا بِما جاءَ «القَبْرُ رَوْضَةٌ (p-٤٨٧)مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» ولَمّا أكْذَبُوهم مِن دَعْواهم أُخْبِرُوا أنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِهِمْ، فَهو المُجازِي عَلَيْها، ثُمَّ أمَرُوهم بِالدُّخُولِ، واللّامُ في (فَلَبِئْسَ) لامُ تَأْكِيدٍ، ولا تَدْخُلَ عَلى الماضِي المُنْصَرِفِ، ودَخَلَتْ عَلى الجامِدِ لِبُعْدِهِ عَنِ الأفْعالِ وقُرْبِهِ مِنَ الأسْماءِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ هي؛ أيْ: جَهَنَّمُ. ووَصْفُ التَّكَبُّرِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْقاقِ صاحِبِهِ النّارَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ.
﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] .
النحل 16:29
﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ . قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ وإذا قِيلَ لَهُمُ الآيَةَ، أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عَنْ مَكَّةَ إلى الحِيرَةِ، وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التَّوارِيخِ والأمْثالِ كَكَلِيلَةَ ودِمْنَةَ، وأخْبارَ اسْفَنْدِيارَ ورُسْتُمَ، فَجاءَ إلى مَكَّةَ فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ (p-٤٨٤)بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ. و(ماذا) كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ مَفْعُولٌ بِأنْزَلَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ذا بِمَعْنى الَّذِي، وعائِدُهُ في أنْزَلَ مَحْذُوفٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي أنْزَلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ (ماذا) مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ؛ قالَ: بِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ أنْزَلَهُ رَبُّكم. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وماذا أنْزَلَ، لَيْسَ مَعْمُولًا لَقِيلَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهُ جُمْلَةٌ، والجُمْلَةُ لا تَقَعُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَما لا تَقَعُ مَوْقِعَ الفاعِلِ. وقُرِئَ شاذًّا: (أساطِيرَ) بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى ذَكَرْتُمْ أساطِيرَ، أوْ أنْزَلَ أساطِيرَ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والسُّخْرِيَةِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالإنْزالِ يُنافِي أساطِيرَ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ ما نَزَلَ شَيْءٌ ولا أنَّ ثَمَّ مُنَزِّلًا. وبَنى قِيلَ: لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القائِلُ بَعْضَهم لِبَعْضٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ قالُوا لَهم عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ. وقِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ الَّذِينَ تَقاسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ يُنَفِّرُونَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ إذا سَألَهم وُفُودُ الحاجِّ: ماذا أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالُوا: أحادِيثُ الأوَّلِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِرَفْعِ أساطِيرَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ المَذْكُورُ: أساطِيرُ، أوِ المُنَزَّلُ أساطِيرُ، جَعَلُوهُ مُنَزَّلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وإنْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ. واللّامُ في (لِيَحْمِلُوا) لامُ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ والصَّغارِ المُوجِبِ لَهم، أوْ لامُ التَّعْلِيلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ غَرَضًا؛ كَقَوْلِكَ: خَرَجْتُ مِنَ البَلَدِ مَخافَةَ الشَّرِّ، وهي الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِلامِ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أنْ يَحْمِلُوا الأوْزارَ. ولَمّا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَرِيحُ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى قُدِّرَ هَذا لِكَذا، وهي لامُ التَّعْلِيلِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْها بِقَوْلِهِ. قالُوا: بَلْ أضْمَرَ فِعْلًا آخَرَ وهو: قَدَّرَ هَذا، وكامِلَةً: حالٌ، أيْ: لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ، ومِن: لِلتَّبْعِيضِ. فالمَعْنى: أنَّهُ يَحْمِلُ مِن وِزْرِ كُلِّ مَن أضَلَّ، أيْ: بَعْضَ وِزْرِ مَن ضَلَّ بِضَلالِهِمْ، وهو وِزْرُ الإضْلالِ، لِأنَّ المُضِلَّ والضّالَّ شَرِيكانِ، هَذا يُضِلُّهُ، وهَذا يُطاوِعُهُ عَلى إضْلالِهِ، فَيَتَحامَلانِ الوِزْرَ. وقالَ الأخْفَشُ: مِن زائِدَةٌ، أيْ: وأوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، والمَعْنى: ومِثْلَ ﴿أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: «فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» المُرادُ: ومِثْلُ وِزْرِ، والمَعْنى: أنَّ الرَّئِيسَ إذا وضَعَ سُنَّةً قَبِيحَةً عَظُمَ عِقابُهُ حَتّى إنَّ ذَلِكَ العِقابَ يَكُونُ مُساوِيًا لِعِقابِ كُلِّ مَنِ اقْتَدى بِهِ في ذَلِكَ. وقالَ الواحِدِيُّ: لَيْسَتْ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَخْفِيفَ الأوْزارِ عَنِ الأتْباعِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ» لَكِنَّها لِلْجِنْسِ، أيْ: لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الأتْباعِ؛ انْتَهى. ولا تَتَقَدَّرُ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ (p-٤٨٥)الجِنْسِ هَذا التَّقْدِيرَ الَّذِي قَدَّرَهُ الواحِدِيُّ، وإنَّما تُقَدَّرُ: الأوْزارُ الَّتِي هي أوْزارُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم، فَيَئُولُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى قَوْلِ الأخْفَشِ، وإنِ اخْتَلَفا في التَّقْدِيرِ. وبِغَيْرِ عِلْمٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: يُضِلُّونَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ. وقالَ غَيْرُهُ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ وهو أوْلى، إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الإضْلالُ عَلى جِهَةِ الفاعِلِيَّةِ، والمَعْنى: أنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى هَذا الإضْلالِ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ مِثْلِ ﴿ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ . فَأتى اللَّهُ، أيْ: أمْرُهُ وعَذابُهُ، والبُنْيانُ: قِيلَ: حَقِيقَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ نَمْرُودُ بَنى صَرْحًا لِيَصْعَدَ بِزَعْمِهِ إلى السَّماءِ، وأفْرَطَ في عُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَّماءِ فَرْسَخَيْنِ، عَلى ما حَكى النَّقّاشُ، وقالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ: طَولُهُ في السَّماءِ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ، وعَرْضُهُ ثَلاثَةُ آلافِ ذِراعٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَتْهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ. وقِيلَ: هَدَمَهُ جِبْرِيلُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، والحِقْفُ مِن أسْفَلِهِ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: المُرادُ: المُقْتَسِمُونَ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الحِجْرِ. وقِيلَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بُخْتُنَصَّرَ وأصْحابُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: قُرَيّاتُ قَوْمِ لُوطٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ: مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونُ ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، تَمْثِيلًا؛ والمَعْنى: أنَّهم سَوَّوْا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ هَلاكَهم في تِلْكَ المَنصُوباتِ كَحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ، فَأتى البُنْيانَ مِنَ الأساطِينِ بِأنْ تَضَعْضَعَتْ، فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ وهَلَكُوا ونَحْوُهُ مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا، ومِنَ القَواعِدِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: أتاهم أمْرُ اللَّهِ مِن جِهَةِ القَواعِدِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَّماءِ الَّتِي هي فَوْقَهم، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَعْنى: أحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن سَقَطَ بُنْيانُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا يَنْجَرُّ إلى اللُّغْزِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: مِن فَوْقِهِمْ، رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾، فَإنَّكَ تَقُولُ: انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ ولَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: انْفَسَدَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: مِن فَوْقِهِ، ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ؛ قالَ: يُعْلِمُكَ أنَّهم كانُوا جالِسِينَ تَحْتَهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا سَقْفٌ، ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ إذا كانَ يَمْلِكُهُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ وقَعَ عَلَيْهِ فَجاءَ بِقَوْلِهِ مِن فَوْقِهِمْ لِيَخْرُجَ هَذا الَّذِي في كَلامِ العَرَبِ فَقالَ: مِن فَوْقِهِمْ، أيْ: عَلَيْهِمْ وقَعَ، وكانُوا تَحْتَهُ فَهَلَكُوا، فَأتاهُمُ العَذابُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: البَعُوضَةَ الَّتِي أُهْلِكَ بِها نُمْرُوذٌ، وقِيلَ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، مِن حَيْثُ ظَنُّوا أنَّهم في أمانٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بُنْيانَهم، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بُنْيَتَهم. وقَرَأ جَعْفَرٌ: بَيْتَهم، والضَّحّاكُ: بُيُوتَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: السَّقْفُ مُفْرَدًا، والأعْرَجُ: السُّقُفُ، بِضَمَّتَيْنِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ومُجاهِدٌ، بِضَمِّ السِّينِ فَقَطْ. وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ مِثْلِ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ في (وبِالنَّجْمِ) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: السَّقُفُ، بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّ القافِ، وهي لُغَةٌ في السَّقْفِ، ولَعَلَّ السَّقْفَ مُخَفَّفٌ مِنهُ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ كَما قالُوا في رَجُلٍ رَجْلٍ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، ذَكَرَ ما يَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ. ويُخْزِيهِمْ: يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَحُلُّ بِهِمْ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ إدْخالَهُمُ النّارَ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]؛ أيْ: أهَنْتَهُ كُلَّ الإهانَةِ. وجَمَعَ بَيْنَ الإهانَةِ بِالفِعْلِ، والإهانَةِ بِالقَوْلِ بِالتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ: يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِي، أضافَ تَعالى الشُّرَكاءَ إلَيْهِ، والإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، والمَعْنى: شُرَكائِي في زَعْمِكم، إذْ أضافَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: شُرَكائِيَ، مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مَفْتُوحَ الياءِ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ: تُسَكِّنُها، فَسَقَطَ في الدَّرَجِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ: مَقْصُورًا وفَتَحَ الياءَ هُنا خاصَّةً. ورُوِيَ عَنْهُ: تَرْكُ الهَمْزِ في القَصَصِ والعَمَلُ (p-٤٨٦)عَلى الهَمْزِ فِيهِ وقَصْرُ المَمْدُودِ، وذَكَرُوا أنَّهُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِثُبُوتِهِ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَيَجُوزُ قَلِيلًا في الكَلامِ. والمُشاقَّةُ: المُفاداةُ والمُخاصَمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُشاقُّونَ)، بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأ نافِعٌ، بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى تَضْعِيفِ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِتَشْدِيدِها، أُدْغِمَ نُونُ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، عامٌّ فِيمَن أُوتِيَ العِلْمَ مِنَ الأنْبِياءِ، وعُلَماءِ أُمَمِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ ويَعِظُونَهم، فَلا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِمْ، ويُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مِن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ انْتَهى. ويَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: شَماتَةً بِالكُفّارِ وتَسْمِيعًا لَهم، وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لِلْعِلْمِ، إذْ لا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا أهْلُهُ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ النِّساءِ. والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلْكافِرِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في القَوْلِ. فَإنْ كانَ القَوْلُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنْ كانَ القَوْلُ في الدُّنْيا لَما أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ويَقُولُ لَهم ما يَقُولُ قالَ أهْلُ العِلْمِ: إذا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ أنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُخْزِيهِمْ فِيهِ، فَيَكُونُ تَتَوَفّاهم عَلى بابِها. ويَشْمَلُ مِن حَيْثُ المَعْنى مَن تَوَفَّتْهُ، ومَن تَتَوَفّاهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَقُولًا لِأهْلِ العِلْمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقُولٍ، بَلْ مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾، فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا؛ انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، فَإنَّهُ يُجِيزُ: زَيْدٌ فَقامَ، أيْ: قامَ. ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ الفاءَ هي الدّاخِلَةُ في خَبَرِ المُبْتَدَإ إذا كانَ مَوْصُولًا، وضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُها في مِثْلِ هَذا الفِعْلِ مَعَ صَرِيحِ الشَّرْطِ، فَلا يَجُوزُ فِيما ضُمِّنَ مَعْناهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ: يَتَوَفّاهم، بِالياءِ مِن أسْفَلُ في المَوْضِعَيْنِ. وقُرِئَ: بِإدْغامِ تاءِ المُضارَعَةِ في التّاءِ بَعْدَها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، بِتاءٍ واحِدَةٍ في المَوْضِعَيْنِ. والسَّلْمُ هُنا: الِاسْتِسْلامُ. قالَهُ الأخْفَشُ، أوِ الخُضُوعُ؛ قالَهُ مُقاتِلٌ. أيِ: انْقادُوا حِينَ عايَنُوا المَوْتَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ. وقِيلَ: في القِيامَةِ انْقادُوا وأجابُوا بِما كانُوا عَلى خِلافِهِ في الدُّنْيا مِنَ الشِّقاقِ والكِبْرِ. والظّاهِرُ عَطْفُ (فَألْقَوْا) عَلى (تَتَوَفّاهم)، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: الَّذِينَ، وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾، ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ كَلامِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ (فَألْقَوْا)، جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ الإخْبارِ بِأحْوالِ الكُفّارِ، ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ هو عَلى إضْمار القَوْلِ؛ أيْ: ونَعْتُهم بِحَمْلِ السُّوءِ، إمّا أنْ يَكُونَ صَرِيحَ كَذِبٍ كَما قالُوا: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فَقالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] . وإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: عِنْدَ أنْفُسِنا؛ أيْ: لَوْ كانَ الكُفْرُ عِنْدَ أنْفُسِنا سَواءً ما عَلِمْناهُ. ويُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى حَسْبِ اعْتِقادِهِمْ لَما كانَ الجَوابُ: بَلى، عَلى أنَّهُ يَصِحُّ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِبَلى، والمَعْنى: أنَّكم كَذَبْتُمْ في اعْتِقادِكم أنَّهُ لَيْسَ بِسُوءٍ، بَلْ كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ أنَّهُ سُوءٌ لِأنَّكم تَبَيَّنْتُمُ الحَقَّ وعَرَفْتُمُوهُ وكَفَرْتُمْ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] والظّاهِرُ أنَّ هَذا السِّياقَ كُلَّهُ هو مَعَ أهْلِ العِلْمِ والكُفّارِ، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ هُمُ الَّذِينَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ إخْبارَهم بِنَفْيِ عَمَلِ السُّوءِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّدُّ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الآمِرُوهم بِالدُّخُولِ في النّارِ، يَسُوقُونَهم إلَيْها. وقِيلَ: الخَزَنَةُ، والظّاهِرُ: الأبْوابُ حَقِيقَةً. وقِيلَ: المُرادُ الدَّرَكاتُ. وقِيلَ: الأصْنافُ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَنْظُرُ في بابٍ مِنَ العِلْمِ؛ أيْ: صِنْفٍ. وأبْعَدَ مَن قالَ: المُرادُ بِذَلِكَ: عَذابُ القَبْرِ، مُسْتَدِلًّا بِما جاءَ «القَبْرُ رَوْضَةٌ (p-٤٨٧)مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» ولَمّا أكْذَبُوهم مِن دَعْواهم أُخْبِرُوا أنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِهِمْ، فَهو المُجازِي عَلَيْها، ثُمَّ أمَرُوهم بِالدُّخُولِ، واللّامُ في (فَلَبِئْسَ) لامُ تَأْكِيدٍ، ولا تَدْخُلَ عَلى الماضِي المُنْصَرِفِ، ودَخَلَتْ عَلى الجامِدِ لِبُعْدِهِ عَنِ الأفْعالِ وقُرْبِهِ مِنَ الأسْماءِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ هي؛ أيْ: جَهَنَّمُ. ووَصْفُ التَّكَبُّرِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْقاقِ صاحِبِهِ النّارَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ.
﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] .
النحل 16:30
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:31
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:32
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:33
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:34
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:35
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.