Al-Bahr Al-Muhit — النحل 16:36 – النحل 16:51
المحتويات
النحل 16:36
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:37
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:38
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:39
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:40
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:41
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:42
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] خَسَفَ المَكانُ يَخْسِفُ خُسُوفًا: ذَهَبَ، وخَسَفَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ أذْهَبَهُ في الأرْضِ بِهِ. دَخَرَ دُخُورًا: تَصاغَرَ، وفَعَلَ ما يُؤْمَرُ شاءَ أوْ أبى. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَواضَعَ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مَجْلِسٍ ومُنْجَحِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تَقَدَّمَ إعْرابُ: ماذا، إلّا أنَّهُ إذا كانَتْ (ذا) مَوْصُولَةً لَمْ يَكُنِ الجَوابُ عَلى وفْقِ السُّؤالِ، لِكَوْنِ (ماذا) مُبْتَدَأً وخَبَرًا، أوِ الجَوابُ نَصْبٌ، وهو جائِزٌ، ولَكِنَّ المُطابَقَةَ في الإعْرابِ أحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَيْرًا، بِالنَّصْبِ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ نَصَبَ هَذا، ورَفَعَ الأوَّلَ ؟ (قُلْتُ): فَصْلًا بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ؛ فَقالُوا: خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ؛ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: خَيْرٌ، بِالرَّفْعِ، أيِ: المُنَزَّلُ (p-٤٨٨)فَتُطابِقُ هَذِهِ القِراءَةُ تَأْوِيلَ مَن جَعَلَ (إذا) مَوْصُولَةً، ولا تُطابِقُ مَن جَعَلَ (ماذا) مَنصُوبَةً، لِاخْتِلافِهِما في الإعْرابِ، وإنْ كانَ الِاخْتِلافُ جائِزًا كَما ذَكَرْنا. ورُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَواسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَ الوَفْدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ وأمَرَهُ بِالِانْصِرافِ، وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: لِلَّذِينَ، مُنْدَرِجٌ تَحْتَ القَوْلِ، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ في الوَحْيِ: أنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُّنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن خَيْرٍ، حِكايَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَسْمِيَتَهُ خَيْرًا ثُمَّ حَكاهُ؛ انْتَهى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ. ومَعْنى حَسَنَةٍ مُكافَأةٌ في الدُّنْيا بِإحْسانِهِمْ، ولَهم في الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ مِنها. ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ هو جَنّاتُ عَدْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحَذَفَ المُخَصَّصَ بِالمَدْحِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ انْتَهى. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَبْلَهُما الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ (يَدْخُلُونَها) . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (جَنّاتِ عَدْنٍ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، أيْ: يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي إعْرابَ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بِالرَّفْعِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و(يَدْخُلُونَها) الخَبَرُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ولَنِعْمَتُ دارِ، بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ، ودارٍ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، فَيَكُونُ (نِعْمَتْ) مُبْتَدَأً و(جَنّاتٌ) الخَبَرَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: تَدْخُلُونَها، بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: يَدْخُلُونَها، بِياءٍ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: تَجْرِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِجَنّاتٌ؛ انْتَهى. فَكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَحَظَ كَوْنَ جَنّاتُ عَدْنٍ مَعْرِفَةً، والحَوْفِيُّ لَحَظَ كَوْنَها نَكِرَةً، وذَلِكَ عَلى الخِلافِ في عَدْنٍ هَلْ هي عَلَمٌ ؟ أوْ نَكِرَةٌ بِمَعْنى إقامَةٍ ؟ والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَزاءٌ مِثْلُ جَزاءِ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ يَجْزِي وطَيِّبِينَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ تَتَوَفّاهم، والمَعْنى: أنَّهم صالِحُو الأحْوالِ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ والطِّيبِ الَّذِي لا خَبَثَ فِيهِ، ومِنهُ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
وقالَ أبُو مُعاذٍ: طَيِّبِينَ: طاهِرِينَ مِنَ الشُّكْرِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ. وقِيلَ: طَيِّبِينَ سَهْلَةٌ وفاتُهم لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ، بِخِلافِ ما يَقْبِضُ رُوحَ الكافِرِ والمُخْلِطِ. وقِيلَ: طَيِّبَةٌ نُفُوسُهم بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وأقْوالُهم، وقِيلَ: صالِحِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، وتَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ. وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، هو وقْتُ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ. والأكْثَرُونَ جَعَلُوا التَّبْشِيرَ بِالجَنَّةِ دُخُولًا مَجازًا. وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وهو قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] . فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ولا يَكُونُ القَوْلُ وقْتَ التَّوَفِّي. وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ يَقُولُونَ، والمَعْنى: يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم. ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ووَقْتَ المَوْتِ لا يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فالتَّوَفِّي هُنا تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم وقْتَ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ (p-٤٨٩)بِالعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طَعْنَ الكُفّارِ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَ مَن وصَفَ القُرْآنُ بِالخَيْرِيَّةِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْ حالِهِمْ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، أوْ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَأْتِيهِمْ، بِالياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ، وإتْيانِ المَلائِكَةِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وهم ظالِمُو أنْفُسِهِمْ، وأمْرُ رَبِّكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ أوِ القِيامَةُ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في انْتِظارِ المَلائِكَةِ أوامِرَ اللَّهِ فِعْلُ الكُفّارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَهم. وقِيلَ: مِثْلُ فِعْلِهِمْ في الكُفْرِ والدَّيْمُومَةِ عَلَيْهِ فَعَلَ مُتَقَدِّمُوهم مِنَ الكُفّارِ. وقِيلَ: فَعَلَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ اغْتِرارِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِثْلُ اغْتِرارِهِمْ بِاسْتِبْطاءِ العَذابِ اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ عَلَيْهِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ العَذْابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: فَأصابَهم: مَعْطُوفٌ عَلى فَعَلَ، وما ظَلَمَهُمُ اعْتِراضٌ. وسَيِّئاتُ: عُقُوباتُ كُفْرِهِمْ. وحاقَ بِهِمْ أحاطَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ. وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ الأنْعامِ، فَأغْنى عَنِ الكَلامِ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا يَعْنِي أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وحَرَّمُوا ما أحَلَّ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ نَسَبُوا فِعْلَهم إلى اللَّهِ، وقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمْ نَفْعَلْ، وهَذا مَذْهَبُ المُجَبِّرَةِ بِعَيْنِهِ. كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: أشْرَكُوا وحَرَّمُوا حَلالَ اللَّهِ، فَلَمّا نُبِّهُوا عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ وأشْرَكُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا أنْ يُبَلِّغُوا الحَقَّ، وأنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ بِالبَيانِ والبُرْهانِ، ويَطَّلِعُوا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وقُبْحِهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ مِن أفْعالِ العِبادِ، وأنَّهم فاعِلُوها بِقَصْدِهِمْ وإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، واللَّهُ تَعالى باعِثُهم عَلى جَمِيلِها، ومُوَفِّقُهم لَهُ وزاجِرُهم عَنْ قَبِيحِها ومُوعِدُهم عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذا القَوْلُ صادِرٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِوُجُودِ البارِي تَعالى وهُمُ الأكْثَرُونَ، أوْ مِمَّنْ لا يَقُولُ بِوُجُودِهِ. فَعَلى تَقْدِيرٍ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَصِفُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَعْلَمُ حالَنا، وهَذا جِدالٌ مِن أيِّ الصِّنْفَيْنِ كانَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ومِنَ المُطابَقَةِ الَّتِي أنْكَرَتْ مُطابَقَةَ الأدِلَّةِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها مُسْتَهْزِئَةً في ذَلِكَ.
(p-٤٩٠)﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ أمَدَّ إبْطالَ قَدْرِ السُّوءِ ومِشْيَةِ الشَّرِّ بِأنَّهُ ما مِن أُمَّةٍ إلّا وقَدْ بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهم بِالخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ وعِبادَةُ اللَّهِ واجْتِنابِ الشَّرِّ الَّذِي هو الطّاغُوتُ ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ لَطَفَ بِهِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مِن أهْلِ اللُّطْفِ، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الخِذْلانُ والشِّرْكُ مِنَ اللُّطْفِ، لِأنَّهُ عَرَفَهُ مُصَمَّمًا عَلى الكُفْرِ لا يَأْتِي مِنهُ خَيْرٌ.
﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ ما فَعَلْتُ بِالمُكَذِّبِينَ حَتّى لا تَبْقى لَكم شُبْهَةٌ وإنِّي لا أُقَدِّرُ الشَّرَّ ولا أشاؤُهُ، حَيْثُ أفْعَلُ ما أفْعَلُ بِالأشْرارِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، بَيَّنَ ذَلِكَ هُنا بِأنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ، فَمِنهم مَنِ اعْتَبَرَ فَهَداهُ اللَّهُ، ومِنهم مَن أعْرَضَ وكَفَرَ، ثُمَّ أحالَهم في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَذابِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ، ثُمَّ خاطَبَ نَبِيَّهُ وأعْلَمَهُ أنَّ مَن حَتَّمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالَةِ لا يُجْدِي فِيهِ الحِرْصُ عَلى هِدايَتِهِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وإنْ، بِزِيادَة واوٍ وهو والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: تَحْرَصْ، بِفَتْحِ الرّاءِ مُضارِعُ، حَرِصَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، بِالكَسْرِ مُضارِعُ حَرَصَ، بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وشِبْلٌ، ومُزاحِمٌ الخُراسانِيُّ، والعُطارِدِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: لا يُهْدى، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَن مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. والفاعِلُ في (يُضِلُّ) ضَمِيرُ اللَّهِ والعائِدُ عَلى (مَن) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُسَيَّبَ، وجَماعَةٌ: يَهْدِي، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والظّاهِرُ أنَّ في يَهْدِي ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اللَّهِ، ومَن: مَفْعُولٌ، وعَلى ما حَكى الفَرّاءُ أنَّ (هَدى) يَأْتِي بِمَعْنى اهْتَدى يَكُونُ لازِمًا، والفاعِلُ (مَن)، أيْ لا يَهْتَدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ: لا يَهِدِي، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدّالِ. كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَعْنِي: وتَشْدِيدُ الدّالِ وأصْلُهُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَ، كَقَوْلِكَ في: يَخْتَصِمُ يَخْصِمُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: يَهْدِي، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي ضَعِيفَةٌ؛ انْتَهى. وإذا ثَبَتَ أنَّ (هَدى) لازِمٌ بِمَعْنى اهْتَدى لَمْ تَكُنْ ضَعِيفَةً، لِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى اللّازِمِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ، فالمَعْنى: لا يَجْعَلُ مُهْتَدِيًّا مَن أضَلَّهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي قِراءَةِ أُبِيٍّ: فَإنَّ اللَّهَ لا هادِيَ لِمَن يُضِلُّ ولِمَن أضَلَّ. وقُرِئَ: يَضِلُّ، بِفَتْحِ الياءِ، وقالَ أيْضًا: حَرِصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إيمانِ قُرَيْشٍ، وعَرَّفَهُ أنَّهم مَن قِسْمِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: لا يَلْطُفُ بِمَن يَخْذُلُ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ القَبائِحِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلَيْهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. والضَّمِيرُ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن)، والضَّمِيرُ في وأقْسَمُوا عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَقاضى دَيْنًا عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ المُسْلِمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَقالَ المُشْرِكُ، وأنْكَرَ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ، وأقْسَمُ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، بَلى رَدَّ عَلَيْهِ ما نَفاهُ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: بَلى يَبْعَثُهُ. وانْتَصَبَ وعْدًا وحَقًّا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (بَلى) مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو يَبْعَثُهُ. وقالَ الحَوْفِيُّ: حَقًّا: نَعْتٌ لِـ (وعْدًا) . وقَرَأ الضَّحّاكُ: بَلى وعْدٌ حَقٌّ، والتَّقْدِيرُ: بَعْثُهم وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَقٌّ، صِفَةٌ لِوَعْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، إيذانًا بِأنَّهُما كُفْرَتانِ عَظِيمَتانِ مَوْصُوفَتانِ حَقِيقَتانِ بِأنْ تُحْكَيا وتُدَوَّنا، تُورِيكَ ذُنُوبَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وإنْكارَهُمُ البَعْثَ مُقْسِمِينَ عَلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّ الوَفاءَ بِهَذا المَوْعِدِ حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ، أوْ أنَّهُ وعْدٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم (p-٤٩١)يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، لا ثَوابُ عامِلٍ ولا غَيْرُهُ مِن مَواجِبِ الحِكْمَةِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ. وأمّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُّنْيا، فَسَخافَةٌ مِنَ القَوْلِ. والقَوْلُ بِالرَّجْعَةِ باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ عَلى عادَتِهِمْ، رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. واللّامُ في (لِيُبَيِّنَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (بَلى)، أيْ: نَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: ما ضَرَبْتَ أحَدًا فَيَقُولُ: بَلى زَيْدًا، أيْ: ضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَعُودُ الضَّمِيرُ في (يَبْعَثُهم) المُقَدَّرُ، وفي (لَهم) عَلى مَعْنى (مَن) في قَوْلِهِ: مَن يَمُوتُ، وهو شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو الحَقُّ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اعْتَقَدُوا مِن جَعْلِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ، وإنْكارِ النُّبُوّاتِ، وإنْكارِ البَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ. وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ دِينُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِهِ وكَذَبُوا في نِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِمْ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ لِيُبَيِّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُمُ اخْتِلافَهم، وأنَّ الكُفّارَ كانُوا عَلى ضَلالَةٍ مِن قَبْلِ بَعْثِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، كاذِبُونَ في رَدِّ ما يَجِيءُ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ الَّذِي أوَجَدَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ: (بَلى) وذَكَرَ حَقِّيَّةَ وعْدِهِ بِذَلِكَ، أوْضَحَ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ. وقَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ تَعالى خالِقُ هَذا العالَمِ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وأنَّ إيجادَهُ ذَلِكَ لَمْ يُوقَفْ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا آلَةٍ، فَكَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في (لِشَيْءٍ) وفي (لَهُ) لِلتَّبْلِيغِ، كَقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وكَذَلِكَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ، لا إلى الإرادَةِ. وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةِ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذَيْنَكَ قَدِيمانِ. فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا، ونَقُولُ: وأمّا قَوْلُهُ (لِشَيْءٍ) فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالَةِ عَدَمٍ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها، وأنَّ ما كانَ (p-٤٩٢)مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا، وقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكانَ، فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا؛ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وقالَ: إذا أرَدْناهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنَفَةِ بِحَسْبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا ظَهَرَ المُرادُ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] وقَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم) ونَحْوُ هَذا مَعْناهُ يَقَعُ مِنكم ما أرادَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ وعَلِمَهُ، وقَوْلُهُ: أنْ نَقُولَ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ قَوْلُنا، ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَّمَنُ كَهَذِهِ الآيَةِ. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: ولَكِنَّ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ يَعْنِي المُضارِعَ، وقَوْلُهُ: في أغْلَبِ أمْرِها لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ في جَمِيعِ أُمُورِها. وأمّا قَوْلُهُ: وقَدْ تَجِيءُ إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِن دَلالَةِ ”أنْ“، وإنَّما ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ بِالمُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي في حَقِّهِ تَعالى. ونَظِيرُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [النساء: ٣٣] فَكانَ: تَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، وهو تَعالى مُتَّصِفٌ بِهَذا الوَصْفِ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، وتَقْيِيدُ الفِعْلِ بِالزَّمَنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. والَّذِينَ هاجَرُوا، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في صُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وأضْرابِهِمْ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ المَدِينَةَ. وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ يَتَنَزَّلُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ، ورَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ في سَبَبِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ ما كانَتْ إلّا بَعْدَ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ انْتَهى.
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾، عُمُومٌ في المُهاجِرِينَ كائِنًا ما كانُوا، فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَنُبَوِّئِنَّهم، والظّاهِرُ انْتِصابُ حَسَنَةٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أيْ: تَبْوِئَةً حَسَنَةً. وقِيلَ: انْتِصابُ (حَسَنَةٍ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى لَنُبَوِّئِنَّهم في الدُّنْيا: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ، فَحَسَنَةٌ في مَعْنى إحْسانًا. وقالَ أبُو البَقاءِ: حَسَنَةً: مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُبَوِّئِنَّهم، لِأنَّ مَعْناهُ لَنُعْطِيَنَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ: دارًا حَسَنَةً؛ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: دارًا حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّزْقُ الحَسَنُ. وقالَ الضَّحّاكُ: النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقِيلَ: ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ. وقِيلَ: ما بَقِيَ لَهم فِيها مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٌ نالَهُ المُهاجِرُونَ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: لَنُثْوِيَنَّهم، بِالثّاء المُثَلَّثَةِ، مُضارِعُ أثْوى، المَنقُولُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مَن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، وانْتَصَبَ ”حَسَنَةً“ عَلى تَقْدِيرِ إثْواةً حَسَنَةً، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في ”حَسَنَةً“، أيْ: دارًا حَسَنَةً، أوْ مَنزِلَةً حَسَنَةً. ودَلَّ هَذا الإخْبارُ بِالمُؤَكَّدِ بِالقَسَمِ عَلى عَظِيمِ مَحَلِّ الهِجْرَةِ، لِأنَّهُ بِسَبَبِها ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ. وفي اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ، ومَن هاجَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ هِجْرَتُهُ لِما هاجَرَ إلَيْهِ. وفي الإخْبارِ عَنْ (الَّذِينَ) بِجُمْلَةِ القَسَمِ المَحْذُوفَةِ الدّالِّ عَلَيْها الجُمْلَةُ المُقْسَمُ (p-٤٩٣)عَلَيْها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، خِلافًا لِثَعْلَبٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَنُبَوِّئِنَّهم)، وهو لا يَجُوزُ لِأنَّهُ لا يُفَسِّرُ إلّا ما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْمَلَ. ولا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَلا يَجُوزُ: زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرَ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ، أيْ: ولَأجْرُ الدّارِ الآخِرَةِ أكْبَرُ،، أيْ: أكْبَرُ أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . والضَّمِيرُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ، والَّذِينَ صَبَرُوا، عَلى تَقْدِيرِهِمُ: الَّذِينَ، أوْ أعْنِي الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى العَذابِ، وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ، لا سِيَّما حَرَمُ اللَّهِ المَحْبُوبَ لِكُلِّ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ، فَكَيْفَ لِمَن كانَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ؟ وعَلى بَذْلِ الرُّوحِ في ذاتِ اللَّهِ، واحْتِمالِ الغُرْبَةِ في دارٍ لَمْ يَنْشَأْ بِها، وناسٍ لَمْ يَأْلَفْهم أجانِبَ حَتّى في النَّسَبِ.
النحل 16:43
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، أنْكَرُوا نُبُوَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، فَهَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا ؟ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ يُوسُفَ، والمَعْنى: نُوحِي إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُوحى، بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِالياءِ وكَسْرِها؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَفْصٌ: بِالنُّونِ وكَسْرِها. وأهْلُ الذِّكْرِ: اليَهُودُ، والنَّصارى، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: اليَهُودُ. والذِّكْرُ: التَّوْراةُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلْمانَ. وقالَ الأعْمَشُ، وابْنُ عُيَيْنَةَ: مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقالَ الزَّجّاجُ: عامٌّ فِيمَن يُعْزى إلَيْهِ عِلْمٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرْآنِ. ويُضَعَّفُ هَذا القَوْلُ وقَوْلُ مَن قالَ: مَن أسْلَمَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ لَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى الَّذِينَ لَمْ (p-٤٩٤)يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ الآيَةِ النّازِلَةِ، إنَّما يُخْبِرُونَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ البَشَرِ، وإخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهم، ولا يُتَّهَمُونَ بِشَهادَةٍ لَهم لَنا، لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، لِأنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ. وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم ويُسْدُونَ إلَيْهِمْ؛ انْتَهى. والأجْوَدُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: بِالبَيِّناتِ، بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أُرْسِلُوا ؟ قالَ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ، فَيَكُونُ عَلى كَلامَيْنِ، وقالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما. وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وما أرْسَلْنا، وهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النِّيَّةَ فِيهِ التَّقْدِيمُ قَبْلَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا حَتّى لا يَكُونَ ما بَعْدَ (إلّا) مَعْمُولَيْنِ مُتَأخِّرِينَ لَفْظًا ورُتْبَةً، داخِلَيْنَ تَحْتَ الحَصْرِ لِما قَبْلَها، وهَذا حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يُنْوى بِهِ التَّقْدِيمُ، بَلْ وقَعا بَعْدَ (إلّا) في نِيَّةِ الحَصْرِ، وهَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ قالَ: تَتَعَلَّقُ بِما أرْسَلْنا، داخِلًا تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا، أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، لِأنَّ أصْلَهُ ضَرَبْتُ زَيْدًا بِالسَّوْطِ؛ انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا تَمَّ الكَلامُ عَلى (إلّا) وما يَلِيها، إلّا أنَّهُ قَدْ جاءَ في الشِّعْرِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيْتَهم عَذَّبُوا بِالنّارِ جارَهم ولا يُعَذِّبُ إلّا اللَّهُ بِالنّارِ
؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهم لا يُجِيزُونَ أنْ يَقَعَ بَعْدَ (إلّا)، إلّا مُسْتَثْنًى، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، أوْ تابِعًا، وما ظَنَّ مِن غَيْرِ الثَّلاثَةِ مَعْمُولًا لِما قَبْلَ (إلّا) قُدِّرَ لَهُ عامِلٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ تَقَعَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها مَنصُوبٌ، نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا، ومَخْفُوضٌ نَحْوَ: ما مَرَّ إلّا زَيْدٌ بِعَمْرٍو، ومَرْفُوعٌ نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدًا عَمْرٌو. ووافَقَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَرْفُوعِ، والأخْفَشُ في الظَّرْفِ والجارِّ والحالِ. فالقَوْلُ الَّذِي قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، ودَلائِلُ هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرِجالٍ، أيْ: رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ، لِأنَّهُ في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِما بَعْدَ (إلّا)، فَوُصِفَ رِجالًا بِيُوحى إلَيْهِمْ، وبِذَلِكَ العامِلِ في بِالبَيِّناتِ كَما تَقُولُ: ما أكْرَمْتُ إلّا رَجُلًا مُسْلِمًا مُلْتَبِسًا بِالخَيْرِ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَتَعَلَّقَ بِيُوحى إلَيْهِمْ، وأنْ يَتَعَلَّقَ بِلا يَعْلَمُونَ. قالَ: عَلى أنَّ الشَّرْطَ في مَعْنى التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَقَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتَ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي حَقِّي، وقَوْلُهُ: فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، اعْتِراضٌ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي: مِنَ الَّتِي ذَكَرَ، غَيْرَ الوَجْهِ الأخِيرِ. وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ. وقِيلَ: الذِّكْرُ: العِلْمُ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ مِنَ المُشْكِلِ والمُتَشابِهِ، لِأنَّ النَّصَّ والظّاهِرَ لا يَحْتاجانِ إلى بَيانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، ووُعِدُوا وأُوعِدُوا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِتُبَيِّنَ - بِسَرْدِكَ - بِنَصِّ القُرْآنِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لِتُبَيِّنَ - بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلِ وشَرْحِكَ - ما أُشْكِلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِن أمْرِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ انْتَهى.
﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، أيْ: وإرادَةُ أنْ يُصْغُوا إلى تَنْبِيهاتِهِ فَيَتَنَبَّهُوا ويَتَأمَّلُوا، والسَّيِّئاتُ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: المَكْراتِ السَّيِّئاتِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ مَفْعُولٌ بِمَكَرُوا عَلى تَضْمِينِ مَكَرُوا مَعْنى فَعَلُوا وعَمِلُوا، والسَّيِّئاتُ عَلى هَذا مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ؛ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، ويَعْنِي بِهِ العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُهم ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى هَذا الأخِيرِ يَكُونُ أنْ يَخْسِفَ بَدَلًا مِنَ السَّيِّئاتِ. وعَلى القَوْلَيْنِ، قَبْلَهُ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، والَّذِينَ مَكَرُوا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ هم أهْلُ مَكَّةَ مَكَرُوا بِالرَّسُولِ ﷺ وقالَ مُجاهِدٌ: هو نُمْرُودٌ، والخَسْفُ: بَلْعُ الأرْضِ المَخْسُوفِ بِهِ وقُعُودُها بِهِ إلى أسْفَلَ. وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ وقَعَ الخَسْفُ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِهِمُ الأرْضَ (p-٤٩٥)كَما فُعِلَ بِقارُونَ، وذَكَرَ لَنا أنَّ أخْلاطًا مِن بِلادِ الرُّومِ خُسِفَ بِها، وحِينَ أحَسَّ أهْلُها بِذَلِكَ فَرَّ أكْثَرُهم، وأنَّ بَعْضَ التُّجّارِ مِمَّنْ كانَ يَرِدُ إلَيْها رَأى ذَلِكَ مِن بَعِيدٍ فَرَجَعَ بِتِجارَتِهِ.
﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا شُعُورَ لَهم بِمَجِيءِ العَذابِ مِنها، كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ في تَقَلُّبِهِمْ في أسْفارِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ في مَنامِهِمْ، رُوِيَ هَذا وما قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ: في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، أيْ: حالَةَ ذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ فِيهِما. وقِيلَ: في تَقَلُّبِهِمْ في مَكْرِهِمْ وحِيَلِهِمْ، فَيَأْخُذُهم قَبْلَ تَمامِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ ما يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ، فَما هم بِسابِقِينَ اللَّهَ ولا فائِتِيهِ. والأخْذُ هُنا: الإهْلاكُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] و﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾: عَلى تَنَقُّصٍ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَوَّفْتُهُ وتَخَوَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتُهُ وأخَذْتُ مِن مالِهِ وجِسْمِهِ. وقالَ الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: هو النَّقْصُ، بِلُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ. وفي حَدِيثٍ لِعُمَرَ أنَّهُ سَألَ عَنِ التَّخَوُّفِ، فَأجابَهُ شَيْخٌ: بِأنَّهُ التَّنَقُّصُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَهُ قَوْلَ أبِي كَثِيرٍ الهُذَلِيِّ:
؎تَخَوَّفَ الرَّحْلَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
وهَذا التَّخَوُّفُ بِمَعْنى: التَّنَقُّصِ، قِيلَ: مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: يَأْخُذُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ورُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُنْقِصُ ثِمارَهم وأمْوالَهم حَتّى يُهْلِكَهم. وقِيلَ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾، عَلى خَوْفِ أنْ يُعاقِبَهم أوْ يَتَجاوَزَ، عَنْهم قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَخَوُّفٍ: مُتَخَوِّفِينَ، وهو أنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهم فَيَتَخَوَّفُوا، فَيَأْخُذَهم بِالعَذابِ، وهم مُتَخَوِّفُونَ مُتَوَقِّعُونَ، وهو خِلافُ قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ انْتَهى. وقالَهُ الضَّحّاكُ، يَأْخُذُ قَرْيَةً فَتَخافُ القَرْيَةُ الأُخْرى. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عَلى تَخَوُّفٍ ضِدُّ البَغْتَةِ، أيْ: عَلى حُدُوثِ حالاتٍ يُخافُ مِنها كالرِّياحِ والزَّلازِل والصَّواعِقِ، ولِهَذا خَتَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، لِأنَّ في ذَلِكَ مُهْلَةً وامْتِدادَ وقْتٍ، فَيُمْكِنُ فِيهِ التَّلافِي. وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾ عَلى عَجَلٍ. وقِيلَ: عَلى تَقْرِيعٍ بِما قَدَّمُوهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَمّا كانَ تَعالى قادِرًا عَلى هَذِهِ الأُمُورِ ولَمْ يُعاجِلْهم بِها ناسَبَ وصْفَهُ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُدْرَتَهُ عَلى تَعْذِيبِ الماكِرِينَ وإهْلاكِهِمْ بِأنْواعٍ مِنَ الأخْذِ، ذَكَرَ تَعالى طَواعِيَةَ ما خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ وخُضُوعَهُ ضِدَّ حالِ الماكِرِينَ، لِيُنَبِّهَهم عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا طائِعِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، (p-٤٩٦)والأخَوانِ: (أوَلَمْ تَرَوْا)، بِتاءِ الخِطابِ إمّا عَلى العُمُومِ لِلْخَلْقِ اسْتُؤْنِفَ بِهِ الإخْبارُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم، إذا كانَ خِطابًا خاصًّا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. واحْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ مَكَرُوا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ المُكَلَّفِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: تَتَفَيَّئُوا، بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ظِلالُهُ: جَمْعُ ظِلٍّ. وقَرَأ عِيسى: ظُلَلُهُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ، كَحُلَّةٍ وحُلَلٍ. والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ الَّتِي يَقَعُ بِها الِاعْتِبارُ، ولَكِنَّها بِواسِطَةِ رُؤْيَةِ العَيْنِ. قِيلَ: والِاسْتِفْهامُ هُنا مَعْناهُ التَّوْبِيخُ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ التَّعَجُّبَ والتَّقْدِيرُ: تَعَجَّبُوا مِنِ اتِّخاذِهِمْ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا، وقَدْ رَأوْا هَذِهِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي أظْهَرَتْ عَجائِبَ قُدْرَتِهِ وغَرائِبَ صُنْعِهِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها شُرَكاءُ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: تَتَفَيَّئُوا، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن شَيْءٍ، لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِّفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها ظِلٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما مَوْصُولَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ وهو مُبْهَمٌ بَيانُهُ مِن شَيْءٍ تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ، وقالَ غَيْرُ هَؤُلاءِ: المَعْنى: مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن جَبَلٍ وشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائِمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، إخْبارٌ عَنْ قَوْلِهِ مِن شَيْءٍ وصْفٌ لَهُ، وهَذا الإخْبار يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو لَهُ ظِلٌّ. وتَتَفَيَّئُوا: تَتَفَعَّلُوا مِنَ الفَيْءِ، وهو الرُّجُوعُ؛ يُقالُ: فاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فَيَرْجِعُ، وعادَ بَعْدَما نَسَخَهُ ضِياءُ الشَّمْسِ. وفاءَ إذا عُدِّيَ، فَبِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أوْ بِالتَّضْعِيفِ نَحْوَ: فَيَّأ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأ، وتَفَيَّأ مِن بابِ المُطاوَعَةِ، وهو لازِمٌ وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أبُو تَمّامٍ مُتَعَدِّيًا قالَ:
؎طَلَبْتُ رَبِيعَ رَبِيعَةَ المُمْهى لَها ∗∗∗ وتَفَيَّأْتُ ظِلًّا لَها مَمْدُودًا
ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ مُتَعَدِّيًا. قالَ الأزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ: رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَّفَيُّؤُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَشِيِّ وما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ.
وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلا الظِّلَّ مِن بَرْدَ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ولا الفَيْءَ مَن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎تَيَمَّمَتِ العَيْنُ الَّتِي عند ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي
وعَنْ رُؤْبَةَ: ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ، وظِلٌّ ما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَهو ظِلٌّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ مِن طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَّوالِ تَنْسَخُ الظِّلَّ، فَإذا زالَتْ رَجَعَ، ولا يَزالُ يَنْمُو إلى أنْ تَغِيبَ. والمَشْهُورُ أنَّ الفَيْءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الزَّوالِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِهِ. فَمَعْنى تَتَفَيَّؤُ: تَتَنَقَّلُ وتَمِيلُ، وأضافَ الظِّلالَ - وهي جَمْعٌ - إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأنَّهُ ضَمِيرُ ما، وهو جَمْعٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: في قِراءَةِ عِيسى ظُلَلُهُ، وظِلُّهُ: الغَيْمُ، وهو جِسْمٌ، وبِالكَسْرِ: الفَيْءُ، وهو عَرَضٌ في العامَّةِ: فَرَأى عِيسى أنَّ التَّفَيُّؤَ الَّذِي هو الرُّجُوعُ بِالأجْسامِ أوْلى، (p-٤٩٧)وأمّا في العامَّةِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ؛ انْتَهى.
قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾، بَحْثانِ؛ أحَدُهُما: ما المُرادُ بِذَلِكَ. والثّانِي: ما الحِكْمَةُ في إفْرادِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ ؟ أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: يَمِينُ الفَلَكِ وهو المَشْرِقُ، وشِمالُهُ هو المَغْرِبُ. وخَصَّ هَذانِ الِاسْمانِ بِهَذَيْنِ الجانِبَيْنِ لِأنَّ أقْوى جانِبَيِ الإنْسانِ يَمِينُهُ، ومِنهُ تَظْهَرُ الحَرَكَةُ الفَلَكِيَّةُ اليَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَشْرِقُ يَمِينَ الفَلَكِ والمَغْرِبُ شِمالَهُ، فَعَلى هَذا تَقُولُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها إلى وقْتِ انْتِهائِها إلى وسَطِ الفَلَكِ يَقَعُ الظِّلالُ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ، فَإنِ انْحَدَرَتْ مِن وسَطِ الفَلَكِ عَنِ الجانِبِ الغَرْبِيِّ وقَعَتِ الظِّلالُ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذا المُرادُ مِن تَفَيُّؤِ الظِّلالِ مِنَ اليَمِينِ إلى الشَّمالِ. وقِيلَ: البَلْدَةُ الَّتِي عَرْضُها أقَلُّ مِن مِقْدارِ المِيلِ تَكُونُ الشَّمْسُ في الصَّيْفِ عَنْ يَمِينِ البَلْدَةِ فَتَقَعُ الظِّلالُ عَلى يَمِينِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ عَنْ أيْمانِها وشَمائِلِها عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ وشِقَّيْهِ: اسْتِعارَةٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ بِجانِبَيِ الشَّيْءِ، أيْ: تَرْجِعُ الظِّلالُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ: العِبْرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، هو كُلُّ جِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَّجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، لَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَّمائِلِ هُنا عَلى حَسْبِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ اللَّبْسِ تُقَدِّرُهُ: ذا يَمِينِ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ: بِمُسْتَقْبِلِ أيِّ جِهَةٍ شِئْتَ، ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشِّمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُّنْيا، فَهَذا يَعُمُّ ألْفاظَ الآيَةِ. وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينَ مِن غُدْوَةِ الزَّوالِ، ويَكُونُ مِنَ الزَّوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِّمالِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلَ الجَنُوبِ؛ انْتَهى. وأمّا الثّانِي فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واليَمِينُ بِمَعْنى الأيْمانِ، فَجَعَلَهُ - وهو مُفْرَدٌ - بِمَعْنى الجَمْعِ، فَطابَقَ الشَّمائِلَ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما قالَ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] يُرِيدُ الإدْبارَ. وقالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ إذا وحَّدَ ذَهَبَ إلى واحِدٍ مِن ذَواتِ الظِّلالِ، وإذا جَمَعَ ذَهَبَ إلى كُلِّها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما خَلَقَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾، لَفْظٌ واحِدٌ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَعَبَّرَ عَنْ أحَدِهِما بِلَفْظِ الواحِدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ، كانَتِ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها، فَكانَتِ اليَمِينُ واحِدَةً. وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الظِّلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ، وهي كَثِيرَةٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشَّمائِلِ الشِّمالُ والقُدّامُ والخَلْفُ، لِأنَّ الظِّلَّ يَفِيءُ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها فَبُدِئَ بِاليَمِينِ لِأنَّ ابْتِداءَ التَّفَيُّؤِ مِنها، أوْ تَيَمُّنًا بِذِكْرِها، ثُمَّ جَمَعَ الباقِيَ عَلى لَفْظِ الشِّمالِ لِما بَيْنَ اليَمِينِ والشِّمالِ مِنَ التَّضادِّ، وتَنَزُّلُ القُدّامُ والخَلْفُ مَنزِلَةَ الشِّمالِ لِما بَيْنَهُما وبَيْنَ اليَمِينِ مِنَ الخِلافِ. وقِيلَ: وحَّدَ اليَمِينَ وجَمَعَ الشَّمائِلَ، لِأنَّ الِابْتِداءَ عَنِ اليَمِينِ، ثُمَّ يَنْقَبِضُ شَيْئًا فَشَيْئًا حالًا بَعْدَ حالٍ، فَهو بِمَعْنى الجَمْعِ، فَصَدَقَ عَلى كُلِّ حالٍ لَفْظَةُ الشِّمالِ، فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الحالاتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ وقْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ، ثُمَّ الآخِرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَّمائِلِ، وأفْرَدَ اليَمِينَ فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ ومُبْطَلٌ مِن جِهاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِّلَّ، فَعَلى هَذا تَأوَّلَ دَوْرَةَ الشَّمْسِ بِالظِّلِّ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبَلِ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو مِنَ الشَّمائِلِ، لِأنَّهُ حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ؛ وظِلالٌ مُنْقَطِعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، فَكانَ الظِّلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقالَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الكُتامِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ الصّائِغِ: أفْرَدَ وجَمَعَ بِالنَّظَرِ إلى الغايَتَيْنِ، لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهو بِالعَشِيِّ عَلى العَكْسِ (p-٤٩٨)لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ، فَلُحِظَتِ الغايَتانِ في الآيَةِ: هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وفِيهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ المُطابَقَةُ، لِأنَّ سُجَّدًا جَمْعٌ فَطابَقَهُ جَمْعُ الشَّمائِلِ لِاتِّصالِهِ بِهِ، فَحَصَلَ في الآيَةِ مُطابَقَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى، ولَحْظُهُما مَعًا وتِلْكَ الغايَةُ في الإعْجازِ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ حَمْلُ الظِّلالِ عَلى حَقِيقَتِها، وعَلى ذَلِكَ وقَعَ كَلامُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ وقالُوا: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلى القِبْلَةِ كانَ الظِّلُّ قُدّامَكَ، فَإذا ارْتَفَعَتْ كانَ عَلى يَمِينِكَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ خَلْفَكَ، فَإذا أرَدْتَ الغُرُوبَ كانَ عَلى يَسارِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الظِّلالُ هُنا الأشْخاصُ وهي المُرادَةُ نَفْسُها، والعَرَبُ تُخْبِرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِّلالِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:
؎إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَّحْمِ المَراجِيلُ
وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَتْبَعُ أفْياءَ الظِّلالِ عَشِيَّةً
أيْ: أفْياءَ الأشْخاصِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَرَّرَهُ؛ انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ السُّجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ، وجَرَيانِها عَلى ما أرادَ اللَّهُ مِن مَيَلانِ تِلْكَ الظِّلالِ، ودَوَرانِها كَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ إلى الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُجَّدًا: حالٌ مِنَ الظِّلالِ، ﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (ظِلالُهُ)، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهو ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ. وجُمِعَ بِالواوِ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ، أوْ لِأنَّ في جُمْلَةِ ذَلِكَ مَن يَعْقِلُ فَغُلِّبَ، والمَعْنى: أنَّ الظِّلالَ مُنْقادَةٌ لِلَّهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ مِنَ التَّفَيُّؤِ والإجْرامِ في أنْفُسِها. داخِرَةٌ أيْضًا: صاغِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِأفْعالِ اللَّهِ فِيها لا تَمْتَنِعُ؛ انْتَهى. فَغايَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الحالَيْنِ، جَعَلَ سُجَّدًا حالًا مِنَ الظِّلالِ، و﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في سُجَّدًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِنَ الظِّلالِ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، وهو ضاحِكٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وهو ضاحِكٌ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في راكِبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن زَيْدٍ، وهَذا الثّانِي عِنْدِي أظْهَرُ، والعامِلُ في الحالَيْنِ هو تَتَفَيَّؤُ، و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقِيلَ: عَنِ اسْمِ؛ أيْ: جانِبِ اليَمِينِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ. وأمّا ما أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لا يَجُوزُ، وهي مَسْألَةُ: جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ ضاحِكَةً، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا أوْ كالجُزْءِ جازَ، وقَدْ يُخْبِرُ هُنا ويَقُولُ: الظِّلالُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنَ الأجْرامِ فَهي كالجُزْءِ، لِأنَّ وُجُودَها ناشِئٌ عَنْ وُجُودِها. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ السُّجُودَ هُنا حَقِيقَةٌ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ وشَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصّالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِّلالُ دُونَ الأشْخاصِ، وعَنْهُ أيْضًا إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ. وقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ. وقِيلَ: لَمّا كانَتِ الظِّلالُ مُلْصَقَةً بِالأرْضِ واقِعَةً عَلَيْها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ وُصِفَتْ بِالسُّجُودِ، وكَوْنُ السُّجُودِ يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ وهو الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ العِبادَةِ وقَصْدِها يَبْعُدُ، إذْ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ الحَياةَ والعِلْمَ والقَصْدَ بِالعِبادَةِ. وخَصَّ الظِّلَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَرِيعُ التَّغَيُّرِ، والتَّغَيُّرُ يَقْتَضِي مُغَيِّرًا غَيْرَهُ ومُدَبِّرًا لَهُ، ولَمّا كانَ سُجُودُ الظِّلالِ في غايَةِ الظُّهُورِ بُدِئَ بِهِ، ثُمَّ انْتُقِلَ إلى سُجُودِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ. و﴿مِن دابَّةٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الظَّرْفَيْنِ، ويَكُونُ مَن في السَّماواتِ خَلْقٌ يَدِبُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الأرْضِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. وعَطَفَ (والمَلائِكَةُ) عَلى ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وهم مُنْدَرِجُونَ في عُمُومِ (ما) تَشْرِيفًا لَهم وتَكْرِيمًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الحَفَظَةُ الَّتِي في الأرْضِ، وبِما في السَّماواتِ مَلائِكَتُهُنَّ، فَلَمْ يَدْخُلُوا في العُمُومِ. وقِيلَ: بَيَّنَ تَعالى في آيَةِ الظِّلالِ أنَّ الجَماداتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ - وهُمُ المَلائِكَةُ - وأخَسَّها - وهي (p-٤٩٩)الدَّوابُّ - مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجَمِيعَ مُنْقادٌ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الدّابَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ جُسْمانِيٍّ يَتَحَرَّكُ ويَدِبُّ، فَلَمّا مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ الدّابَّةِ، عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَدِبُّ، بَلْ هي أرْواحٌ مُخْتَصَّةٌ بِحَرَكَةٍ؛ انْتَهى. وهو قَوْلٌ فَلْسَفِيٌّ. ولَمّا كانَ بَيْنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ في السُّجُودِ وهو الِانْقِيادُ لِإرادَةِ اللَّهِ، جَمَعَ بَيْنَهُما فِيهِ وإنِ اخْتَلَفا في كَيْفِيَّةِ السُّجُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا جِيءَ بِـ (مَن) دُونَ (ما) تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ مِنَ الدَّوابِّ عَلى غَيْرِهِمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِمَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى التَّغْلِيبِ، فَكانَ مُتَناوِلًا لِلْعُقَلاءِ خاصَّةً، فَجِيءَ بِما هو صالِحٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ إرادَةَ العُمُومِ؛ انْتَهى. وظاهِرُ السُّؤالِ تَسْلِيمُ أنَّ (مَن) قَدْ تَشْمَلُ العُقَلاءَ وغَيْرَهم عَلى جِهَةِ التَّغْلِيبِ، وظاهِرُ الجَوابِ تَخْصِيصُ (مَن) بِالعُقَلاءِ، وأنَّ الصّالِحَ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ ما دُونَ (مَن)، وهَذا لَيْسَ بِجَوابٍ، لِأنَّهُ أوْرَدَ السُّؤالَ عَلى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الجَوابَ عَلى غَيْرِ التَّسْلِيمِ فَصارَ المَعْنى: أنَّ مَن يُغَلَّبُ بِها، والجَوابُ لا يُغَلَّبُ بِها، وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ﴾، عائِدٌ عَلى المَنسُوبِ إلَيْهِمُ السُّجُودُ. في ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾، وقالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: يَخافُونَ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ خاصَّةً، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: والمَلائِكَةُ مَوْصُوفُونَ بِالخَوْفِ، لِأنَّهم قادِرُونَ عَلى العِصْيانِ وإنْ كانُوا لا يَعْصُونَ. والفَوْقِيَّةُ المَكانِيَّةُ مُسْتَحِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ عَلَّقْتَهُ بِـ (يَخافُونَ) كانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: يَخافُونَ عَذابَهُ كائِنًا مِن فَوْقِهِمْ، لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، وإنْ عَلَّقْتَهُ بِرَبِّهِمْ كانَ حالًا مِنهُ؛ أيْ: يَخافُونَ رَبَّهم عالِيًا لَهم قاهِرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وفي نِسْبَةِ الخَوْفِ لِمَن نُسِبَ إلَيْهِ السُّجُودُ أوِ المَلائِكَةُ خاصَّةً دَلِيلٌ عَلى تَكْلِيفِ المَلائِكَةِ كَسائِرِ المُكَلَّفِينَ، وأنَّهم بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ مُدارُونَ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ومَن يَقُلْ مِنهم: إنَّهُ إلَهٌ مِن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: الخَوْفُ: خَوْفُ جَلالٍ ومَهابَةٍ. والجُمْلَةُ مِن (يَخافُونَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِنَفْيِ الِاسْتِكْبارِ وتَأْكِيدًا لَهُ، لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ. وقَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسْبِ الشَّرْعِ والطّاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَّسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما نَفَذَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
النحل 16:44
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، أنْكَرُوا نُبُوَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، فَهَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا ؟ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ يُوسُفَ، والمَعْنى: نُوحِي إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُوحى، بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِالياءِ وكَسْرِها؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَفْصٌ: بِالنُّونِ وكَسْرِها. وأهْلُ الذِّكْرِ: اليَهُودُ، والنَّصارى، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: اليَهُودُ. والذِّكْرُ: التَّوْراةُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلْمانَ. وقالَ الأعْمَشُ، وابْنُ عُيَيْنَةَ: مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقالَ الزَّجّاجُ: عامٌّ فِيمَن يُعْزى إلَيْهِ عِلْمٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرْآنِ. ويُضَعَّفُ هَذا القَوْلُ وقَوْلُ مَن قالَ: مَن أسْلَمَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ لَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى الَّذِينَ لَمْ (p-٤٩٤)يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ الآيَةِ النّازِلَةِ، إنَّما يُخْبِرُونَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ البَشَرِ، وإخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهم، ولا يُتَّهَمُونَ بِشَهادَةٍ لَهم لَنا، لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، لِأنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ. وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم ويُسْدُونَ إلَيْهِمْ؛ انْتَهى. والأجْوَدُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: بِالبَيِّناتِ، بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أُرْسِلُوا ؟ قالَ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ، فَيَكُونُ عَلى كَلامَيْنِ، وقالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما. وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وما أرْسَلْنا، وهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النِّيَّةَ فِيهِ التَّقْدِيمُ قَبْلَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا حَتّى لا يَكُونَ ما بَعْدَ (إلّا) مَعْمُولَيْنِ مُتَأخِّرِينَ لَفْظًا ورُتْبَةً، داخِلَيْنَ تَحْتَ الحَصْرِ لِما قَبْلَها، وهَذا حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يُنْوى بِهِ التَّقْدِيمُ، بَلْ وقَعا بَعْدَ (إلّا) في نِيَّةِ الحَصْرِ، وهَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ قالَ: تَتَعَلَّقُ بِما أرْسَلْنا، داخِلًا تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا، أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، لِأنَّ أصْلَهُ ضَرَبْتُ زَيْدًا بِالسَّوْطِ؛ انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا تَمَّ الكَلامُ عَلى (إلّا) وما يَلِيها، إلّا أنَّهُ قَدْ جاءَ في الشِّعْرِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيْتَهم عَذَّبُوا بِالنّارِ جارَهم ولا يُعَذِّبُ إلّا اللَّهُ بِالنّارِ
؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهم لا يُجِيزُونَ أنْ يَقَعَ بَعْدَ (إلّا)، إلّا مُسْتَثْنًى، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، أوْ تابِعًا، وما ظَنَّ مِن غَيْرِ الثَّلاثَةِ مَعْمُولًا لِما قَبْلَ (إلّا) قُدِّرَ لَهُ عامِلٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ تَقَعَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها مَنصُوبٌ، نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا، ومَخْفُوضٌ نَحْوَ: ما مَرَّ إلّا زَيْدٌ بِعَمْرٍو، ومَرْفُوعٌ نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدًا عَمْرٌو. ووافَقَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَرْفُوعِ، والأخْفَشُ في الظَّرْفِ والجارِّ والحالِ. فالقَوْلُ الَّذِي قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، ودَلائِلُ هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرِجالٍ، أيْ: رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ، لِأنَّهُ في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِما بَعْدَ (إلّا)، فَوُصِفَ رِجالًا بِيُوحى إلَيْهِمْ، وبِذَلِكَ العامِلِ في بِالبَيِّناتِ كَما تَقُولُ: ما أكْرَمْتُ إلّا رَجُلًا مُسْلِمًا مُلْتَبِسًا بِالخَيْرِ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَتَعَلَّقَ بِيُوحى إلَيْهِمْ، وأنْ يَتَعَلَّقَ بِلا يَعْلَمُونَ. قالَ: عَلى أنَّ الشَّرْطَ في مَعْنى التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَقَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتَ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي حَقِّي، وقَوْلُهُ: فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، اعْتِراضٌ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي: مِنَ الَّتِي ذَكَرَ، غَيْرَ الوَجْهِ الأخِيرِ. وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ. وقِيلَ: الذِّكْرُ: العِلْمُ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ مِنَ المُشْكِلِ والمُتَشابِهِ، لِأنَّ النَّصَّ والظّاهِرَ لا يَحْتاجانِ إلى بَيانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، ووُعِدُوا وأُوعِدُوا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِتُبَيِّنَ - بِسَرْدِكَ - بِنَصِّ القُرْآنِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لِتُبَيِّنَ - بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلِ وشَرْحِكَ - ما أُشْكِلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِن أمْرِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ انْتَهى.
﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، أيْ: وإرادَةُ أنْ يُصْغُوا إلى تَنْبِيهاتِهِ فَيَتَنَبَّهُوا ويَتَأمَّلُوا، والسَّيِّئاتُ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: المَكْراتِ السَّيِّئاتِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ مَفْعُولٌ بِمَكَرُوا عَلى تَضْمِينِ مَكَرُوا مَعْنى فَعَلُوا وعَمِلُوا، والسَّيِّئاتُ عَلى هَذا مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ؛ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، ويَعْنِي بِهِ العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُهم ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى هَذا الأخِيرِ يَكُونُ أنْ يَخْسِفَ بَدَلًا مِنَ السَّيِّئاتِ. وعَلى القَوْلَيْنِ، قَبْلَهُ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، والَّذِينَ مَكَرُوا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ هم أهْلُ مَكَّةَ مَكَرُوا بِالرَّسُولِ ﷺ وقالَ مُجاهِدٌ: هو نُمْرُودٌ، والخَسْفُ: بَلْعُ الأرْضِ المَخْسُوفِ بِهِ وقُعُودُها بِهِ إلى أسْفَلَ. وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ وقَعَ الخَسْفُ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِهِمُ الأرْضَ (p-٤٩٥)كَما فُعِلَ بِقارُونَ، وذَكَرَ لَنا أنَّ أخْلاطًا مِن بِلادِ الرُّومِ خُسِفَ بِها، وحِينَ أحَسَّ أهْلُها بِذَلِكَ فَرَّ أكْثَرُهم، وأنَّ بَعْضَ التُّجّارِ مِمَّنْ كانَ يَرِدُ إلَيْها رَأى ذَلِكَ مِن بَعِيدٍ فَرَجَعَ بِتِجارَتِهِ.
﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا شُعُورَ لَهم بِمَجِيءِ العَذابِ مِنها، كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ في تَقَلُّبِهِمْ في أسْفارِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ في مَنامِهِمْ، رُوِيَ هَذا وما قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ: في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، أيْ: حالَةَ ذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ فِيهِما. وقِيلَ: في تَقَلُّبِهِمْ في مَكْرِهِمْ وحِيَلِهِمْ، فَيَأْخُذُهم قَبْلَ تَمامِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ ما يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ، فَما هم بِسابِقِينَ اللَّهَ ولا فائِتِيهِ. والأخْذُ هُنا: الإهْلاكُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] و﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾: عَلى تَنَقُّصٍ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَوَّفْتُهُ وتَخَوَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتُهُ وأخَذْتُ مِن مالِهِ وجِسْمِهِ. وقالَ الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: هو النَّقْصُ، بِلُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ. وفي حَدِيثٍ لِعُمَرَ أنَّهُ سَألَ عَنِ التَّخَوُّفِ، فَأجابَهُ شَيْخٌ: بِأنَّهُ التَّنَقُّصُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَهُ قَوْلَ أبِي كَثِيرٍ الهُذَلِيِّ:
؎تَخَوَّفَ الرَّحْلَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
وهَذا التَّخَوُّفُ بِمَعْنى: التَّنَقُّصِ، قِيلَ: مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: يَأْخُذُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ورُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُنْقِصُ ثِمارَهم وأمْوالَهم حَتّى يُهْلِكَهم. وقِيلَ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾، عَلى خَوْفِ أنْ يُعاقِبَهم أوْ يَتَجاوَزَ، عَنْهم قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَخَوُّفٍ: مُتَخَوِّفِينَ، وهو أنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهم فَيَتَخَوَّفُوا، فَيَأْخُذَهم بِالعَذابِ، وهم مُتَخَوِّفُونَ مُتَوَقِّعُونَ، وهو خِلافُ قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ انْتَهى. وقالَهُ الضَّحّاكُ، يَأْخُذُ قَرْيَةً فَتَخافُ القَرْيَةُ الأُخْرى. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عَلى تَخَوُّفٍ ضِدُّ البَغْتَةِ، أيْ: عَلى حُدُوثِ حالاتٍ يُخافُ مِنها كالرِّياحِ والزَّلازِل والصَّواعِقِ، ولِهَذا خَتَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، لِأنَّ في ذَلِكَ مُهْلَةً وامْتِدادَ وقْتٍ، فَيُمْكِنُ فِيهِ التَّلافِي. وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾ عَلى عَجَلٍ. وقِيلَ: عَلى تَقْرِيعٍ بِما قَدَّمُوهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَمّا كانَ تَعالى قادِرًا عَلى هَذِهِ الأُمُورِ ولَمْ يُعاجِلْهم بِها ناسَبَ وصْفَهُ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُدْرَتَهُ عَلى تَعْذِيبِ الماكِرِينَ وإهْلاكِهِمْ بِأنْواعٍ مِنَ الأخْذِ، ذَكَرَ تَعالى طَواعِيَةَ ما خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ وخُضُوعَهُ ضِدَّ حالِ الماكِرِينَ، لِيُنَبِّهَهم عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا طائِعِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، (p-٤٩٦)والأخَوانِ: (أوَلَمْ تَرَوْا)، بِتاءِ الخِطابِ إمّا عَلى العُمُومِ لِلْخَلْقِ اسْتُؤْنِفَ بِهِ الإخْبارُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم، إذا كانَ خِطابًا خاصًّا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. واحْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ مَكَرُوا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ المُكَلَّفِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: تَتَفَيَّئُوا، بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ظِلالُهُ: جَمْعُ ظِلٍّ. وقَرَأ عِيسى: ظُلَلُهُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ، كَحُلَّةٍ وحُلَلٍ. والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ الَّتِي يَقَعُ بِها الِاعْتِبارُ، ولَكِنَّها بِواسِطَةِ رُؤْيَةِ العَيْنِ. قِيلَ: والِاسْتِفْهامُ هُنا مَعْناهُ التَّوْبِيخُ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ التَّعَجُّبَ والتَّقْدِيرُ: تَعَجَّبُوا مِنِ اتِّخاذِهِمْ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا، وقَدْ رَأوْا هَذِهِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي أظْهَرَتْ عَجائِبَ قُدْرَتِهِ وغَرائِبَ صُنْعِهِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها شُرَكاءُ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: تَتَفَيَّئُوا، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن شَيْءٍ، لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِّفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها ظِلٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما مَوْصُولَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ وهو مُبْهَمٌ بَيانُهُ مِن شَيْءٍ تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ، وقالَ غَيْرُ هَؤُلاءِ: المَعْنى: مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن جَبَلٍ وشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائِمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، إخْبارٌ عَنْ قَوْلِهِ مِن شَيْءٍ وصْفٌ لَهُ، وهَذا الإخْبار يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو لَهُ ظِلٌّ. وتَتَفَيَّئُوا: تَتَفَعَّلُوا مِنَ الفَيْءِ، وهو الرُّجُوعُ؛ يُقالُ: فاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فَيَرْجِعُ، وعادَ بَعْدَما نَسَخَهُ ضِياءُ الشَّمْسِ. وفاءَ إذا عُدِّيَ، فَبِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أوْ بِالتَّضْعِيفِ نَحْوَ: فَيَّأ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأ، وتَفَيَّأ مِن بابِ المُطاوَعَةِ، وهو لازِمٌ وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أبُو تَمّامٍ مُتَعَدِّيًا قالَ:
؎طَلَبْتُ رَبِيعَ رَبِيعَةَ المُمْهى لَها ∗∗∗ وتَفَيَّأْتُ ظِلًّا لَها مَمْدُودًا
ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ مُتَعَدِّيًا. قالَ الأزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ: رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَّفَيُّؤُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَشِيِّ وما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ.
وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلا الظِّلَّ مِن بَرْدَ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ولا الفَيْءَ مَن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎تَيَمَّمَتِ العَيْنُ الَّتِي عند ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي
وعَنْ رُؤْبَةَ: ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ، وظِلٌّ ما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَهو ظِلٌّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ مِن طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَّوالِ تَنْسَخُ الظِّلَّ، فَإذا زالَتْ رَجَعَ، ولا يَزالُ يَنْمُو إلى أنْ تَغِيبَ. والمَشْهُورُ أنَّ الفَيْءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الزَّوالِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِهِ. فَمَعْنى تَتَفَيَّؤُ: تَتَنَقَّلُ وتَمِيلُ، وأضافَ الظِّلالَ - وهي جَمْعٌ - إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأنَّهُ ضَمِيرُ ما، وهو جَمْعٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: في قِراءَةِ عِيسى ظُلَلُهُ، وظِلُّهُ: الغَيْمُ، وهو جِسْمٌ، وبِالكَسْرِ: الفَيْءُ، وهو عَرَضٌ في العامَّةِ: فَرَأى عِيسى أنَّ التَّفَيُّؤَ الَّذِي هو الرُّجُوعُ بِالأجْسامِ أوْلى، (p-٤٩٧)وأمّا في العامَّةِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ؛ انْتَهى.
قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾، بَحْثانِ؛ أحَدُهُما: ما المُرادُ بِذَلِكَ. والثّانِي: ما الحِكْمَةُ في إفْرادِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ ؟ أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: يَمِينُ الفَلَكِ وهو المَشْرِقُ، وشِمالُهُ هو المَغْرِبُ. وخَصَّ هَذانِ الِاسْمانِ بِهَذَيْنِ الجانِبَيْنِ لِأنَّ أقْوى جانِبَيِ الإنْسانِ يَمِينُهُ، ومِنهُ تَظْهَرُ الحَرَكَةُ الفَلَكِيَّةُ اليَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَشْرِقُ يَمِينَ الفَلَكِ والمَغْرِبُ شِمالَهُ، فَعَلى هَذا تَقُولُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها إلى وقْتِ انْتِهائِها إلى وسَطِ الفَلَكِ يَقَعُ الظِّلالُ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ، فَإنِ انْحَدَرَتْ مِن وسَطِ الفَلَكِ عَنِ الجانِبِ الغَرْبِيِّ وقَعَتِ الظِّلالُ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذا المُرادُ مِن تَفَيُّؤِ الظِّلالِ مِنَ اليَمِينِ إلى الشَّمالِ. وقِيلَ: البَلْدَةُ الَّتِي عَرْضُها أقَلُّ مِن مِقْدارِ المِيلِ تَكُونُ الشَّمْسُ في الصَّيْفِ عَنْ يَمِينِ البَلْدَةِ فَتَقَعُ الظِّلالُ عَلى يَمِينِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ عَنْ أيْمانِها وشَمائِلِها عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ وشِقَّيْهِ: اسْتِعارَةٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ بِجانِبَيِ الشَّيْءِ، أيْ: تَرْجِعُ الظِّلالُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ: العِبْرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، هو كُلُّ جِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَّجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، لَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَّمائِلِ هُنا عَلى حَسْبِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ اللَّبْسِ تُقَدِّرُهُ: ذا يَمِينِ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ: بِمُسْتَقْبِلِ أيِّ جِهَةٍ شِئْتَ، ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشِّمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُّنْيا، فَهَذا يَعُمُّ ألْفاظَ الآيَةِ. وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينَ مِن غُدْوَةِ الزَّوالِ، ويَكُونُ مِنَ الزَّوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِّمالِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلَ الجَنُوبِ؛ انْتَهى. وأمّا الثّانِي فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واليَمِينُ بِمَعْنى الأيْمانِ، فَجَعَلَهُ - وهو مُفْرَدٌ - بِمَعْنى الجَمْعِ، فَطابَقَ الشَّمائِلَ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما قالَ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] يُرِيدُ الإدْبارَ. وقالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ إذا وحَّدَ ذَهَبَ إلى واحِدٍ مِن ذَواتِ الظِّلالِ، وإذا جَمَعَ ذَهَبَ إلى كُلِّها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما خَلَقَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾، لَفْظٌ واحِدٌ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَعَبَّرَ عَنْ أحَدِهِما بِلَفْظِ الواحِدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ، كانَتِ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها، فَكانَتِ اليَمِينُ واحِدَةً. وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الظِّلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ، وهي كَثِيرَةٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشَّمائِلِ الشِّمالُ والقُدّامُ والخَلْفُ، لِأنَّ الظِّلَّ يَفِيءُ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها فَبُدِئَ بِاليَمِينِ لِأنَّ ابْتِداءَ التَّفَيُّؤِ مِنها، أوْ تَيَمُّنًا بِذِكْرِها، ثُمَّ جَمَعَ الباقِيَ عَلى لَفْظِ الشِّمالِ لِما بَيْنَ اليَمِينِ والشِّمالِ مِنَ التَّضادِّ، وتَنَزُّلُ القُدّامُ والخَلْفُ مَنزِلَةَ الشِّمالِ لِما بَيْنَهُما وبَيْنَ اليَمِينِ مِنَ الخِلافِ. وقِيلَ: وحَّدَ اليَمِينَ وجَمَعَ الشَّمائِلَ، لِأنَّ الِابْتِداءَ عَنِ اليَمِينِ، ثُمَّ يَنْقَبِضُ شَيْئًا فَشَيْئًا حالًا بَعْدَ حالٍ، فَهو بِمَعْنى الجَمْعِ، فَصَدَقَ عَلى كُلِّ حالٍ لَفْظَةُ الشِّمالِ، فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الحالاتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ وقْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ، ثُمَّ الآخِرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَّمائِلِ، وأفْرَدَ اليَمِينَ فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ ومُبْطَلٌ مِن جِهاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِّلَّ، فَعَلى هَذا تَأوَّلَ دَوْرَةَ الشَّمْسِ بِالظِّلِّ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبَلِ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو مِنَ الشَّمائِلِ، لِأنَّهُ حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ؛ وظِلالٌ مُنْقَطِعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، فَكانَ الظِّلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقالَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الكُتامِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ الصّائِغِ: أفْرَدَ وجَمَعَ بِالنَّظَرِ إلى الغايَتَيْنِ، لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهو بِالعَشِيِّ عَلى العَكْسِ (p-٤٩٨)لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ، فَلُحِظَتِ الغايَتانِ في الآيَةِ: هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وفِيهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ المُطابَقَةُ، لِأنَّ سُجَّدًا جَمْعٌ فَطابَقَهُ جَمْعُ الشَّمائِلِ لِاتِّصالِهِ بِهِ، فَحَصَلَ في الآيَةِ مُطابَقَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى، ولَحْظُهُما مَعًا وتِلْكَ الغايَةُ في الإعْجازِ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ حَمْلُ الظِّلالِ عَلى حَقِيقَتِها، وعَلى ذَلِكَ وقَعَ كَلامُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ وقالُوا: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلى القِبْلَةِ كانَ الظِّلُّ قُدّامَكَ، فَإذا ارْتَفَعَتْ كانَ عَلى يَمِينِكَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ خَلْفَكَ، فَإذا أرَدْتَ الغُرُوبَ كانَ عَلى يَسارِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الظِّلالُ هُنا الأشْخاصُ وهي المُرادَةُ نَفْسُها، والعَرَبُ تُخْبِرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِّلالِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:
؎إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَّحْمِ المَراجِيلُ
وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَتْبَعُ أفْياءَ الظِّلالِ عَشِيَّةً
أيْ: أفْياءَ الأشْخاصِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَرَّرَهُ؛ انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ السُّجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ، وجَرَيانِها عَلى ما أرادَ اللَّهُ مِن مَيَلانِ تِلْكَ الظِّلالِ، ودَوَرانِها كَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ إلى الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُجَّدًا: حالٌ مِنَ الظِّلالِ، ﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (ظِلالُهُ)، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهو ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ. وجُمِعَ بِالواوِ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ، أوْ لِأنَّ في جُمْلَةِ ذَلِكَ مَن يَعْقِلُ فَغُلِّبَ، والمَعْنى: أنَّ الظِّلالَ مُنْقادَةٌ لِلَّهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ مِنَ التَّفَيُّؤِ والإجْرامِ في أنْفُسِها. داخِرَةٌ أيْضًا: صاغِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِأفْعالِ اللَّهِ فِيها لا تَمْتَنِعُ؛ انْتَهى. فَغايَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الحالَيْنِ، جَعَلَ سُجَّدًا حالًا مِنَ الظِّلالِ، و﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في سُجَّدًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِنَ الظِّلالِ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، وهو ضاحِكٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وهو ضاحِكٌ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في راكِبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن زَيْدٍ، وهَذا الثّانِي عِنْدِي أظْهَرُ، والعامِلُ في الحالَيْنِ هو تَتَفَيَّؤُ، و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقِيلَ: عَنِ اسْمِ؛ أيْ: جانِبِ اليَمِينِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ. وأمّا ما أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لا يَجُوزُ، وهي مَسْألَةُ: جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ ضاحِكَةً، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا أوْ كالجُزْءِ جازَ، وقَدْ يُخْبِرُ هُنا ويَقُولُ: الظِّلالُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنَ الأجْرامِ فَهي كالجُزْءِ، لِأنَّ وُجُودَها ناشِئٌ عَنْ وُجُودِها. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ السُّجُودَ هُنا حَقِيقَةٌ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ وشَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصّالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِّلالُ دُونَ الأشْخاصِ، وعَنْهُ أيْضًا إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ. وقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ. وقِيلَ: لَمّا كانَتِ الظِّلالُ مُلْصَقَةً بِالأرْضِ واقِعَةً عَلَيْها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ وُصِفَتْ بِالسُّجُودِ، وكَوْنُ السُّجُودِ يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ وهو الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ العِبادَةِ وقَصْدِها يَبْعُدُ، إذْ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ الحَياةَ والعِلْمَ والقَصْدَ بِالعِبادَةِ. وخَصَّ الظِّلَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَرِيعُ التَّغَيُّرِ، والتَّغَيُّرُ يَقْتَضِي مُغَيِّرًا غَيْرَهُ ومُدَبِّرًا لَهُ، ولَمّا كانَ سُجُودُ الظِّلالِ في غايَةِ الظُّهُورِ بُدِئَ بِهِ، ثُمَّ انْتُقِلَ إلى سُجُودِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ. و﴿مِن دابَّةٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الظَّرْفَيْنِ، ويَكُونُ مَن في السَّماواتِ خَلْقٌ يَدِبُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الأرْضِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. وعَطَفَ (والمَلائِكَةُ) عَلى ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وهم مُنْدَرِجُونَ في عُمُومِ (ما) تَشْرِيفًا لَهم وتَكْرِيمًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الحَفَظَةُ الَّتِي في الأرْضِ، وبِما في السَّماواتِ مَلائِكَتُهُنَّ، فَلَمْ يَدْخُلُوا في العُمُومِ. وقِيلَ: بَيَّنَ تَعالى في آيَةِ الظِّلالِ أنَّ الجَماداتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ - وهُمُ المَلائِكَةُ - وأخَسَّها - وهي (p-٤٩٩)الدَّوابُّ - مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجَمِيعَ مُنْقادٌ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الدّابَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ جُسْمانِيٍّ يَتَحَرَّكُ ويَدِبُّ، فَلَمّا مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ الدّابَّةِ، عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَدِبُّ، بَلْ هي أرْواحٌ مُخْتَصَّةٌ بِحَرَكَةٍ؛ انْتَهى. وهو قَوْلٌ فَلْسَفِيٌّ. ولَمّا كانَ بَيْنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ في السُّجُودِ وهو الِانْقِيادُ لِإرادَةِ اللَّهِ، جَمَعَ بَيْنَهُما فِيهِ وإنِ اخْتَلَفا في كَيْفِيَّةِ السُّجُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا جِيءَ بِـ (مَن) دُونَ (ما) تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ مِنَ الدَّوابِّ عَلى غَيْرِهِمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِمَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى التَّغْلِيبِ، فَكانَ مُتَناوِلًا لِلْعُقَلاءِ خاصَّةً، فَجِيءَ بِما هو صالِحٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ إرادَةَ العُمُومِ؛ انْتَهى. وظاهِرُ السُّؤالِ تَسْلِيمُ أنَّ (مَن) قَدْ تَشْمَلُ العُقَلاءَ وغَيْرَهم عَلى جِهَةِ التَّغْلِيبِ، وظاهِرُ الجَوابِ تَخْصِيصُ (مَن) بِالعُقَلاءِ، وأنَّ الصّالِحَ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ ما دُونَ (مَن)، وهَذا لَيْسَ بِجَوابٍ، لِأنَّهُ أوْرَدَ السُّؤالَ عَلى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الجَوابَ عَلى غَيْرِ التَّسْلِيمِ فَصارَ المَعْنى: أنَّ مَن يُغَلَّبُ بِها، والجَوابُ لا يُغَلَّبُ بِها، وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ﴾، عائِدٌ عَلى المَنسُوبِ إلَيْهِمُ السُّجُودُ. في ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾، وقالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: يَخافُونَ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ خاصَّةً، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: والمَلائِكَةُ مَوْصُوفُونَ بِالخَوْفِ، لِأنَّهم قادِرُونَ عَلى العِصْيانِ وإنْ كانُوا لا يَعْصُونَ. والفَوْقِيَّةُ المَكانِيَّةُ مُسْتَحِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ عَلَّقْتَهُ بِـ (يَخافُونَ) كانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: يَخافُونَ عَذابَهُ كائِنًا مِن فَوْقِهِمْ، لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، وإنْ عَلَّقْتَهُ بِرَبِّهِمْ كانَ حالًا مِنهُ؛ أيْ: يَخافُونَ رَبَّهم عالِيًا لَهم قاهِرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وفي نِسْبَةِ الخَوْفِ لِمَن نُسِبَ إلَيْهِ السُّجُودُ أوِ المَلائِكَةُ خاصَّةً دَلِيلٌ عَلى تَكْلِيفِ المَلائِكَةِ كَسائِرِ المُكَلَّفِينَ، وأنَّهم بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ مُدارُونَ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ومَن يَقُلْ مِنهم: إنَّهُ إلَهٌ مِن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: الخَوْفُ: خَوْفُ جَلالٍ ومَهابَةٍ. والجُمْلَةُ مِن (يَخافُونَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِنَفْيِ الِاسْتِكْبارِ وتَأْكِيدًا لَهُ، لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ. وقَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسْبِ الشَّرْعِ والطّاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَّسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما نَفَذَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
النحل 16:45
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، أنْكَرُوا نُبُوَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، فَهَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا ؟ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ يُوسُفَ، والمَعْنى: نُوحِي إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُوحى، بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِالياءِ وكَسْرِها؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَفْصٌ: بِالنُّونِ وكَسْرِها. وأهْلُ الذِّكْرِ: اليَهُودُ، والنَّصارى، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: اليَهُودُ. والذِّكْرُ: التَّوْراةُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلْمانَ. وقالَ الأعْمَشُ، وابْنُ عُيَيْنَةَ: مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقالَ الزَّجّاجُ: عامٌّ فِيمَن يُعْزى إلَيْهِ عِلْمٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرْآنِ. ويُضَعَّفُ هَذا القَوْلُ وقَوْلُ مَن قالَ: مَن أسْلَمَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ لَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى الَّذِينَ لَمْ (p-٤٩٤)يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ الآيَةِ النّازِلَةِ، إنَّما يُخْبِرُونَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ البَشَرِ، وإخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهم، ولا يُتَّهَمُونَ بِشَهادَةٍ لَهم لَنا، لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، لِأنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ. وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم ويُسْدُونَ إلَيْهِمْ؛ انْتَهى. والأجْوَدُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: بِالبَيِّناتِ، بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أُرْسِلُوا ؟ قالَ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ، فَيَكُونُ عَلى كَلامَيْنِ، وقالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما. وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وما أرْسَلْنا، وهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النِّيَّةَ فِيهِ التَّقْدِيمُ قَبْلَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا حَتّى لا يَكُونَ ما بَعْدَ (إلّا) مَعْمُولَيْنِ مُتَأخِّرِينَ لَفْظًا ورُتْبَةً، داخِلَيْنَ تَحْتَ الحَصْرِ لِما قَبْلَها، وهَذا حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يُنْوى بِهِ التَّقْدِيمُ، بَلْ وقَعا بَعْدَ (إلّا) في نِيَّةِ الحَصْرِ، وهَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ قالَ: تَتَعَلَّقُ بِما أرْسَلْنا، داخِلًا تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا، أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، لِأنَّ أصْلَهُ ضَرَبْتُ زَيْدًا بِالسَّوْطِ؛ انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا تَمَّ الكَلامُ عَلى (إلّا) وما يَلِيها، إلّا أنَّهُ قَدْ جاءَ في الشِّعْرِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيْتَهم عَذَّبُوا بِالنّارِ جارَهم ولا يُعَذِّبُ إلّا اللَّهُ بِالنّارِ
؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهم لا يُجِيزُونَ أنْ يَقَعَ بَعْدَ (إلّا)، إلّا مُسْتَثْنًى، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، أوْ تابِعًا، وما ظَنَّ مِن غَيْرِ الثَّلاثَةِ مَعْمُولًا لِما قَبْلَ (إلّا) قُدِّرَ لَهُ عامِلٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ تَقَعَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها مَنصُوبٌ، نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا، ومَخْفُوضٌ نَحْوَ: ما مَرَّ إلّا زَيْدٌ بِعَمْرٍو، ومَرْفُوعٌ نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدًا عَمْرٌو. ووافَقَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَرْفُوعِ، والأخْفَشُ في الظَّرْفِ والجارِّ والحالِ. فالقَوْلُ الَّذِي قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، ودَلائِلُ هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرِجالٍ، أيْ: رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ، لِأنَّهُ في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِما بَعْدَ (إلّا)، فَوُصِفَ رِجالًا بِيُوحى إلَيْهِمْ، وبِذَلِكَ العامِلِ في بِالبَيِّناتِ كَما تَقُولُ: ما أكْرَمْتُ إلّا رَجُلًا مُسْلِمًا مُلْتَبِسًا بِالخَيْرِ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَتَعَلَّقَ بِيُوحى إلَيْهِمْ، وأنْ يَتَعَلَّقَ بِلا يَعْلَمُونَ. قالَ: عَلى أنَّ الشَّرْطَ في مَعْنى التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَقَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتَ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي حَقِّي، وقَوْلُهُ: فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، اعْتِراضٌ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي: مِنَ الَّتِي ذَكَرَ، غَيْرَ الوَجْهِ الأخِيرِ. وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ. وقِيلَ: الذِّكْرُ: العِلْمُ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ مِنَ المُشْكِلِ والمُتَشابِهِ، لِأنَّ النَّصَّ والظّاهِرَ لا يَحْتاجانِ إلى بَيانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، ووُعِدُوا وأُوعِدُوا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِتُبَيِّنَ - بِسَرْدِكَ - بِنَصِّ القُرْآنِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لِتُبَيِّنَ - بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلِ وشَرْحِكَ - ما أُشْكِلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِن أمْرِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ انْتَهى.
﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، أيْ: وإرادَةُ أنْ يُصْغُوا إلى تَنْبِيهاتِهِ فَيَتَنَبَّهُوا ويَتَأمَّلُوا، والسَّيِّئاتُ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: المَكْراتِ السَّيِّئاتِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ مَفْعُولٌ بِمَكَرُوا عَلى تَضْمِينِ مَكَرُوا مَعْنى فَعَلُوا وعَمِلُوا، والسَّيِّئاتُ عَلى هَذا مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ؛ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، ويَعْنِي بِهِ العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُهم ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى هَذا الأخِيرِ يَكُونُ أنْ يَخْسِفَ بَدَلًا مِنَ السَّيِّئاتِ. وعَلى القَوْلَيْنِ، قَبْلَهُ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، والَّذِينَ مَكَرُوا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ هم أهْلُ مَكَّةَ مَكَرُوا بِالرَّسُولِ ﷺ وقالَ مُجاهِدٌ: هو نُمْرُودٌ، والخَسْفُ: بَلْعُ الأرْضِ المَخْسُوفِ بِهِ وقُعُودُها بِهِ إلى أسْفَلَ. وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ وقَعَ الخَسْفُ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِهِمُ الأرْضَ (p-٤٩٥)كَما فُعِلَ بِقارُونَ، وذَكَرَ لَنا أنَّ أخْلاطًا مِن بِلادِ الرُّومِ خُسِفَ بِها، وحِينَ أحَسَّ أهْلُها بِذَلِكَ فَرَّ أكْثَرُهم، وأنَّ بَعْضَ التُّجّارِ مِمَّنْ كانَ يَرِدُ إلَيْها رَأى ذَلِكَ مِن بَعِيدٍ فَرَجَعَ بِتِجارَتِهِ.
﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا شُعُورَ لَهم بِمَجِيءِ العَذابِ مِنها، كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ في تَقَلُّبِهِمْ في أسْفارِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ في مَنامِهِمْ، رُوِيَ هَذا وما قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ: في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، أيْ: حالَةَ ذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ فِيهِما. وقِيلَ: في تَقَلُّبِهِمْ في مَكْرِهِمْ وحِيَلِهِمْ، فَيَأْخُذُهم قَبْلَ تَمامِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ ما يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ، فَما هم بِسابِقِينَ اللَّهَ ولا فائِتِيهِ. والأخْذُ هُنا: الإهْلاكُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] و﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾: عَلى تَنَقُّصٍ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَوَّفْتُهُ وتَخَوَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتُهُ وأخَذْتُ مِن مالِهِ وجِسْمِهِ. وقالَ الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: هو النَّقْصُ، بِلُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ. وفي حَدِيثٍ لِعُمَرَ أنَّهُ سَألَ عَنِ التَّخَوُّفِ، فَأجابَهُ شَيْخٌ: بِأنَّهُ التَّنَقُّصُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَهُ قَوْلَ أبِي كَثِيرٍ الهُذَلِيِّ:
؎تَخَوَّفَ الرَّحْلَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
وهَذا التَّخَوُّفُ بِمَعْنى: التَّنَقُّصِ، قِيلَ: مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: يَأْخُذُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ورُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُنْقِصُ ثِمارَهم وأمْوالَهم حَتّى يُهْلِكَهم. وقِيلَ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾، عَلى خَوْفِ أنْ يُعاقِبَهم أوْ يَتَجاوَزَ، عَنْهم قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَخَوُّفٍ: مُتَخَوِّفِينَ، وهو أنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهم فَيَتَخَوَّفُوا، فَيَأْخُذَهم بِالعَذابِ، وهم مُتَخَوِّفُونَ مُتَوَقِّعُونَ، وهو خِلافُ قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ انْتَهى. وقالَهُ الضَّحّاكُ، يَأْخُذُ قَرْيَةً فَتَخافُ القَرْيَةُ الأُخْرى. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عَلى تَخَوُّفٍ ضِدُّ البَغْتَةِ، أيْ: عَلى حُدُوثِ حالاتٍ يُخافُ مِنها كالرِّياحِ والزَّلازِل والصَّواعِقِ، ولِهَذا خَتَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، لِأنَّ في ذَلِكَ مُهْلَةً وامْتِدادَ وقْتٍ، فَيُمْكِنُ فِيهِ التَّلافِي. وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾ عَلى عَجَلٍ. وقِيلَ: عَلى تَقْرِيعٍ بِما قَدَّمُوهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَمّا كانَ تَعالى قادِرًا عَلى هَذِهِ الأُمُورِ ولَمْ يُعاجِلْهم بِها ناسَبَ وصْفَهُ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُدْرَتَهُ عَلى تَعْذِيبِ الماكِرِينَ وإهْلاكِهِمْ بِأنْواعٍ مِنَ الأخْذِ، ذَكَرَ تَعالى طَواعِيَةَ ما خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ وخُضُوعَهُ ضِدَّ حالِ الماكِرِينَ، لِيُنَبِّهَهم عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا طائِعِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، (p-٤٩٦)والأخَوانِ: (أوَلَمْ تَرَوْا)، بِتاءِ الخِطابِ إمّا عَلى العُمُومِ لِلْخَلْقِ اسْتُؤْنِفَ بِهِ الإخْبارُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم، إذا كانَ خِطابًا خاصًّا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. واحْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ مَكَرُوا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ المُكَلَّفِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: تَتَفَيَّئُوا، بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ظِلالُهُ: جَمْعُ ظِلٍّ. وقَرَأ عِيسى: ظُلَلُهُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ، كَحُلَّةٍ وحُلَلٍ. والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ الَّتِي يَقَعُ بِها الِاعْتِبارُ، ولَكِنَّها بِواسِطَةِ رُؤْيَةِ العَيْنِ. قِيلَ: والِاسْتِفْهامُ هُنا مَعْناهُ التَّوْبِيخُ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ التَّعَجُّبَ والتَّقْدِيرُ: تَعَجَّبُوا مِنِ اتِّخاذِهِمْ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا، وقَدْ رَأوْا هَذِهِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي أظْهَرَتْ عَجائِبَ قُدْرَتِهِ وغَرائِبَ صُنْعِهِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها شُرَكاءُ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: تَتَفَيَّئُوا، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن شَيْءٍ، لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِّفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها ظِلٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما مَوْصُولَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ وهو مُبْهَمٌ بَيانُهُ مِن شَيْءٍ تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ، وقالَ غَيْرُ هَؤُلاءِ: المَعْنى: مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن جَبَلٍ وشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائِمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، إخْبارٌ عَنْ قَوْلِهِ مِن شَيْءٍ وصْفٌ لَهُ، وهَذا الإخْبار يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو لَهُ ظِلٌّ. وتَتَفَيَّئُوا: تَتَفَعَّلُوا مِنَ الفَيْءِ، وهو الرُّجُوعُ؛ يُقالُ: فاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فَيَرْجِعُ، وعادَ بَعْدَما نَسَخَهُ ضِياءُ الشَّمْسِ. وفاءَ إذا عُدِّيَ، فَبِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أوْ بِالتَّضْعِيفِ نَحْوَ: فَيَّأ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأ، وتَفَيَّأ مِن بابِ المُطاوَعَةِ، وهو لازِمٌ وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أبُو تَمّامٍ مُتَعَدِّيًا قالَ:
؎طَلَبْتُ رَبِيعَ رَبِيعَةَ المُمْهى لَها ∗∗∗ وتَفَيَّأْتُ ظِلًّا لَها مَمْدُودًا
ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ مُتَعَدِّيًا. قالَ الأزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ: رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَّفَيُّؤُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَشِيِّ وما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ.
وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلا الظِّلَّ مِن بَرْدَ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ولا الفَيْءَ مَن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎تَيَمَّمَتِ العَيْنُ الَّتِي عند ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي
وعَنْ رُؤْبَةَ: ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ، وظِلٌّ ما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَهو ظِلٌّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ مِن طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَّوالِ تَنْسَخُ الظِّلَّ، فَإذا زالَتْ رَجَعَ، ولا يَزالُ يَنْمُو إلى أنْ تَغِيبَ. والمَشْهُورُ أنَّ الفَيْءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الزَّوالِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِهِ. فَمَعْنى تَتَفَيَّؤُ: تَتَنَقَّلُ وتَمِيلُ، وأضافَ الظِّلالَ - وهي جَمْعٌ - إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأنَّهُ ضَمِيرُ ما، وهو جَمْعٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: في قِراءَةِ عِيسى ظُلَلُهُ، وظِلُّهُ: الغَيْمُ، وهو جِسْمٌ، وبِالكَسْرِ: الفَيْءُ، وهو عَرَضٌ في العامَّةِ: فَرَأى عِيسى أنَّ التَّفَيُّؤَ الَّذِي هو الرُّجُوعُ بِالأجْسامِ أوْلى، (p-٤٩٧)وأمّا في العامَّةِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ؛ انْتَهى.
قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾، بَحْثانِ؛ أحَدُهُما: ما المُرادُ بِذَلِكَ. والثّانِي: ما الحِكْمَةُ في إفْرادِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ ؟ أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: يَمِينُ الفَلَكِ وهو المَشْرِقُ، وشِمالُهُ هو المَغْرِبُ. وخَصَّ هَذانِ الِاسْمانِ بِهَذَيْنِ الجانِبَيْنِ لِأنَّ أقْوى جانِبَيِ الإنْسانِ يَمِينُهُ، ومِنهُ تَظْهَرُ الحَرَكَةُ الفَلَكِيَّةُ اليَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَشْرِقُ يَمِينَ الفَلَكِ والمَغْرِبُ شِمالَهُ، فَعَلى هَذا تَقُولُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها إلى وقْتِ انْتِهائِها إلى وسَطِ الفَلَكِ يَقَعُ الظِّلالُ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ، فَإنِ انْحَدَرَتْ مِن وسَطِ الفَلَكِ عَنِ الجانِبِ الغَرْبِيِّ وقَعَتِ الظِّلالُ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذا المُرادُ مِن تَفَيُّؤِ الظِّلالِ مِنَ اليَمِينِ إلى الشَّمالِ. وقِيلَ: البَلْدَةُ الَّتِي عَرْضُها أقَلُّ مِن مِقْدارِ المِيلِ تَكُونُ الشَّمْسُ في الصَّيْفِ عَنْ يَمِينِ البَلْدَةِ فَتَقَعُ الظِّلالُ عَلى يَمِينِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ عَنْ أيْمانِها وشَمائِلِها عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ وشِقَّيْهِ: اسْتِعارَةٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ بِجانِبَيِ الشَّيْءِ، أيْ: تَرْجِعُ الظِّلالُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ: العِبْرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، هو كُلُّ جِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَّجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، لَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَّمائِلِ هُنا عَلى حَسْبِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ اللَّبْسِ تُقَدِّرُهُ: ذا يَمِينِ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ: بِمُسْتَقْبِلِ أيِّ جِهَةٍ شِئْتَ، ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشِّمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُّنْيا، فَهَذا يَعُمُّ ألْفاظَ الآيَةِ. وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينَ مِن غُدْوَةِ الزَّوالِ، ويَكُونُ مِنَ الزَّوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِّمالِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلَ الجَنُوبِ؛ انْتَهى. وأمّا الثّانِي فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واليَمِينُ بِمَعْنى الأيْمانِ، فَجَعَلَهُ - وهو مُفْرَدٌ - بِمَعْنى الجَمْعِ، فَطابَقَ الشَّمائِلَ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما قالَ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] يُرِيدُ الإدْبارَ. وقالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ إذا وحَّدَ ذَهَبَ إلى واحِدٍ مِن ذَواتِ الظِّلالِ، وإذا جَمَعَ ذَهَبَ إلى كُلِّها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما خَلَقَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾، لَفْظٌ واحِدٌ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَعَبَّرَ عَنْ أحَدِهِما بِلَفْظِ الواحِدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ، كانَتِ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها، فَكانَتِ اليَمِينُ واحِدَةً. وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الظِّلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ، وهي كَثِيرَةٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشَّمائِلِ الشِّمالُ والقُدّامُ والخَلْفُ، لِأنَّ الظِّلَّ يَفِيءُ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها فَبُدِئَ بِاليَمِينِ لِأنَّ ابْتِداءَ التَّفَيُّؤِ مِنها، أوْ تَيَمُّنًا بِذِكْرِها، ثُمَّ جَمَعَ الباقِيَ عَلى لَفْظِ الشِّمالِ لِما بَيْنَ اليَمِينِ والشِّمالِ مِنَ التَّضادِّ، وتَنَزُّلُ القُدّامُ والخَلْفُ مَنزِلَةَ الشِّمالِ لِما بَيْنَهُما وبَيْنَ اليَمِينِ مِنَ الخِلافِ. وقِيلَ: وحَّدَ اليَمِينَ وجَمَعَ الشَّمائِلَ، لِأنَّ الِابْتِداءَ عَنِ اليَمِينِ، ثُمَّ يَنْقَبِضُ شَيْئًا فَشَيْئًا حالًا بَعْدَ حالٍ، فَهو بِمَعْنى الجَمْعِ، فَصَدَقَ عَلى كُلِّ حالٍ لَفْظَةُ الشِّمالِ، فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الحالاتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ وقْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ، ثُمَّ الآخِرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَّمائِلِ، وأفْرَدَ اليَمِينَ فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ ومُبْطَلٌ مِن جِهاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِّلَّ، فَعَلى هَذا تَأوَّلَ دَوْرَةَ الشَّمْسِ بِالظِّلِّ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبَلِ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو مِنَ الشَّمائِلِ، لِأنَّهُ حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ؛ وظِلالٌ مُنْقَطِعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، فَكانَ الظِّلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقالَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الكُتامِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ الصّائِغِ: أفْرَدَ وجَمَعَ بِالنَّظَرِ إلى الغايَتَيْنِ، لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهو بِالعَشِيِّ عَلى العَكْسِ (p-٤٩٨)لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ، فَلُحِظَتِ الغايَتانِ في الآيَةِ: هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وفِيهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ المُطابَقَةُ، لِأنَّ سُجَّدًا جَمْعٌ فَطابَقَهُ جَمْعُ الشَّمائِلِ لِاتِّصالِهِ بِهِ، فَحَصَلَ في الآيَةِ مُطابَقَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى، ولَحْظُهُما مَعًا وتِلْكَ الغايَةُ في الإعْجازِ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ حَمْلُ الظِّلالِ عَلى حَقِيقَتِها، وعَلى ذَلِكَ وقَعَ كَلامُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ وقالُوا: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلى القِبْلَةِ كانَ الظِّلُّ قُدّامَكَ، فَإذا ارْتَفَعَتْ كانَ عَلى يَمِينِكَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ خَلْفَكَ، فَإذا أرَدْتَ الغُرُوبَ كانَ عَلى يَسارِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الظِّلالُ هُنا الأشْخاصُ وهي المُرادَةُ نَفْسُها، والعَرَبُ تُخْبِرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِّلالِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:
؎إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَّحْمِ المَراجِيلُ
وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَتْبَعُ أفْياءَ الظِّلالِ عَشِيَّةً
أيْ: أفْياءَ الأشْخاصِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَرَّرَهُ؛ انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ السُّجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ، وجَرَيانِها عَلى ما أرادَ اللَّهُ مِن مَيَلانِ تِلْكَ الظِّلالِ، ودَوَرانِها كَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ إلى الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُجَّدًا: حالٌ مِنَ الظِّلالِ، ﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (ظِلالُهُ)، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهو ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ. وجُمِعَ بِالواوِ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ، أوْ لِأنَّ في جُمْلَةِ ذَلِكَ مَن يَعْقِلُ فَغُلِّبَ، والمَعْنى: أنَّ الظِّلالَ مُنْقادَةٌ لِلَّهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ مِنَ التَّفَيُّؤِ والإجْرامِ في أنْفُسِها. داخِرَةٌ أيْضًا: صاغِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِأفْعالِ اللَّهِ فِيها لا تَمْتَنِعُ؛ انْتَهى. فَغايَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الحالَيْنِ، جَعَلَ سُجَّدًا حالًا مِنَ الظِّلالِ، و﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في سُجَّدًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِنَ الظِّلالِ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، وهو ضاحِكٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وهو ضاحِكٌ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في راكِبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن زَيْدٍ، وهَذا الثّانِي عِنْدِي أظْهَرُ، والعامِلُ في الحالَيْنِ هو تَتَفَيَّؤُ، و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقِيلَ: عَنِ اسْمِ؛ أيْ: جانِبِ اليَمِينِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ. وأمّا ما أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لا يَجُوزُ، وهي مَسْألَةُ: جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ ضاحِكَةً، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا أوْ كالجُزْءِ جازَ، وقَدْ يُخْبِرُ هُنا ويَقُولُ: الظِّلالُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنَ الأجْرامِ فَهي كالجُزْءِ، لِأنَّ وُجُودَها ناشِئٌ عَنْ وُجُودِها. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ السُّجُودَ هُنا حَقِيقَةٌ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ وشَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصّالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِّلالُ دُونَ الأشْخاصِ، وعَنْهُ أيْضًا إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ. وقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ. وقِيلَ: لَمّا كانَتِ الظِّلالُ مُلْصَقَةً بِالأرْضِ واقِعَةً عَلَيْها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ وُصِفَتْ بِالسُّجُودِ، وكَوْنُ السُّجُودِ يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ وهو الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ العِبادَةِ وقَصْدِها يَبْعُدُ، إذْ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ الحَياةَ والعِلْمَ والقَصْدَ بِالعِبادَةِ. وخَصَّ الظِّلَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَرِيعُ التَّغَيُّرِ، والتَّغَيُّرُ يَقْتَضِي مُغَيِّرًا غَيْرَهُ ومُدَبِّرًا لَهُ، ولَمّا كانَ سُجُودُ الظِّلالِ في غايَةِ الظُّهُورِ بُدِئَ بِهِ، ثُمَّ انْتُقِلَ إلى سُجُودِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ. و﴿مِن دابَّةٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الظَّرْفَيْنِ، ويَكُونُ مَن في السَّماواتِ خَلْقٌ يَدِبُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الأرْضِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. وعَطَفَ (والمَلائِكَةُ) عَلى ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وهم مُنْدَرِجُونَ في عُمُومِ (ما) تَشْرِيفًا لَهم وتَكْرِيمًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الحَفَظَةُ الَّتِي في الأرْضِ، وبِما في السَّماواتِ مَلائِكَتُهُنَّ، فَلَمْ يَدْخُلُوا في العُمُومِ. وقِيلَ: بَيَّنَ تَعالى في آيَةِ الظِّلالِ أنَّ الجَماداتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ - وهُمُ المَلائِكَةُ - وأخَسَّها - وهي (p-٤٩٩)الدَّوابُّ - مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجَمِيعَ مُنْقادٌ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الدّابَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ جُسْمانِيٍّ يَتَحَرَّكُ ويَدِبُّ، فَلَمّا مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ الدّابَّةِ، عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَدِبُّ، بَلْ هي أرْواحٌ مُخْتَصَّةٌ بِحَرَكَةٍ؛ انْتَهى. وهو قَوْلٌ فَلْسَفِيٌّ. ولَمّا كانَ بَيْنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ في السُّجُودِ وهو الِانْقِيادُ لِإرادَةِ اللَّهِ، جَمَعَ بَيْنَهُما فِيهِ وإنِ اخْتَلَفا في كَيْفِيَّةِ السُّجُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا جِيءَ بِـ (مَن) دُونَ (ما) تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ مِنَ الدَّوابِّ عَلى غَيْرِهِمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِمَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى التَّغْلِيبِ، فَكانَ مُتَناوِلًا لِلْعُقَلاءِ خاصَّةً، فَجِيءَ بِما هو صالِحٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ إرادَةَ العُمُومِ؛ انْتَهى. وظاهِرُ السُّؤالِ تَسْلِيمُ أنَّ (مَن) قَدْ تَشْمَلُ العُقَلاءَ وغَيْرَهم عَلى جِهَةِ التَّغْلِيبِ، وظاهِرُ الجَوابِ تَخْصِيصُ (مَن) بِالعُقَلاءِ، وأنَّ الصّالِحَ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ ما دُونَ (مَن)، وهَذا لَيْسَ بِجَوابٍ، لِأنَّهُ أوْرَدَ السُّؤالَ عَلى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الجَوابَ عَلى غَيْرِ التَّسْلِيمِ فَصارَ المَعْنى: أنَّ مَن يُغَلَّبُ بِها، والجَوابُ لا يُغَلَّبُ بِها، وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ﴾، عائِدٌ عَلى المَنسُوبِ إلَيْهِمُ السُّجُودُ. في ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾، وقالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: يَخافُونَ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ خاصَّةً، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: والمَلائِكَةُ مَوْصُوفُونَ بِالخَوْفِ، لِأنَّهم قادِرُونَ عَلى العِصْيانِ وإنْ كانُوا لا يَعْصُونَ. والفَوْقِيَّةُ المَكانِيَّةُ مُسْتَحِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ عَلَّقْتَهُ بِـ (يَخافُونَ) كانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: يَخافُونَ عَذابَهُ كائِنًا مِن فَوْقِهِمْ، لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، وإنْ عَلَّقْتَهُ بِرَبِّهِمْ كانَ حالًا مِنهُ؛ أيْ: يَخافُونَ رَبَّهم عالِيًا لَهم قاهِرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وفي نِسْبَةِ الخَوْفِ لِمَن نُسِبَ إلَيْهِ السُّجُودُ أوِ المَلائِكَةُ خاصَّةً دَلِيلٌ عَلى تَكْلِيفِ المَلائِكَةِ كَسائِرِ المُكَلَّفِينَ، وأنَّهم بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ مُدارُونَ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ومَن يَقُلْ مِنهم: إنَّهُ إلَهٌ مِن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: الخَوْفُ: خَوْفُ جَلالٍ ومَهابَةٍ. والجُمْلَةُ مِن (يَخافُونَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِنَفْيِ الِاسْتِكْبارِ وتَأْكِيدًا لَهُ، لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ. وقَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسْبِ الشَّرْعِ والطّاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَّسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما نَفَذَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
النحل 16:46
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، أنْكَرُوا نُبُوَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، فَهَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا ؟ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ يُوسُفَ، والمَعْنى: نُوحِي إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُوحى، بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِالياءِ وكَسْرِها؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَفْصٌ: بِالنُّونِ وكَسْرِها. وأهْلُ الذِّكْرِ: اليَهُودُ، والنَّصارى، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: اليَهُودُ. والذِّكْرُ: التَّوْراةُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلْمانَ. وقالَ الأعْمَشُ، وابْنُ عُيَيْنَةَ: مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقالَ الزَّجّاجُ: عامٌّ فِيمَن يُعْزى إلَيْهِ عِلْمٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرْآنِ. ويُضَعَّفُ هَذا القَوْلُ وقَوْلُ مَن قالَ: مَن أسْلَمَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ لَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى الَّذِينَ لَمْ (p-٤٩٤)يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ الآيَةِ النّازِلَةِ، إنَّما يُخْبِرُونَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ البَشَرِ، وإخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهم، ولا يُتَّهَمُونَ بِشَهادَةٍ لَهم لَنا، لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، لِأنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ. وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم ويُسْدُونَ إلَيْهِمْ؛ انْتَهى. والأجْوَدُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: بِالبَيِّناتِ، بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أُرْسِلُوا ؟ قالَ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ، فَيَكُونُ عَلى كَلامَيْنِ، وقالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما. وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وما أرْسَلْنا، وهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النِّيَّةَ فِيهِ التَّقْدِيمُ قَبْلَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا حَتّى لا يَكُونَ ما بَعْدَ (إلّا) مَعْمُولَيْنِ مُتَأخِّرِينَ لَفْظًا ورُتْبَةً، داخِلَيْنَ تَحْتَ الحَصْرِ لِما قَبْلَها، وهَذا حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يُنْوى بِهِ التَّقْدِيمُ، بَلْ وقَعا بَعْدَ (إلّا) في نِيَّةِ الحَصْرِ، وهَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ قالَ: تَتَعَلَّقُ بِما أرْسَلْنا، داخِلًا تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا، أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، لِأنَّ أصْلَهُ ضَرَبْتُ زَيْدًا بِالسَّوْطِ؛ انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا تَمَّ الكَلامُ عَلى (إلّا) وما يَلِيها، إلّا أنَّهُ قَدْ جاءَ في الشِّعْرِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيْتَهم عَذَّبُوا بِالنّارِ جارَهم ولا يُعَذِّبُ إلّا اللَّهُ بِالنّارِ
؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهم لا يُجِيزُونَ أنْ يَقَعَ بَعْدَ (إلّا)، إلّا مُسْتَثْنًى، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، أوْ تابِعًا، وما ظَنَّ مِن غَيْرِ الثَّلاثَةِ مَعْمُولًا لِما قَبْلَ (إلّا) قُدِّرَ لَهُ عامِلٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ تَقَعَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها مَنصُوبٌ، نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا، ومَخْفُوضٌ نَحْوَ: ما مَرَّ إلّا زَيْدٌ بِعَمْرٍو، ومَرْفُوعٌ نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدًا عَمْرٌو. ووافَقَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَرْفُوعِ، والأخْفَشُ في الظَّرْفِ والجارِّ والحالِ. فالقَوْلُ الَّذِي قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، ودَلائِلُ هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرِجالٍ، أيْ: رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ، لِأنَّهُ في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِما بَعْدَ (إلّا)، فَوُصِفَ رِجالًا بِيُوحى إلَيْهِمْ، وبِذَلِكَ العامِلِ في بِالبَيِّناتِ كَما تَقُولُ: ما أكْرَمْتُ إلّا رَجُلًا مُسْلِمًا مُلْتَبِسًا بِالخَيْرِ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَتَعَلَّقَ بِيُوحى إلَيْهِمْ، وأنْ يَتَعَلَّقَ بِلا يَعْلَمُونَ. قالَ: عَلى أنَّ الشَّرْطَ في مَعْنى التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَقَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتَ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي حَقِّي، وقَوْلُهُ: فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، اعْتِراضٌ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي: مِنَ الَّتِي ذَكَرَ، غَيْرَ الوَجْهِ الأخِيرِ. وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ. وقِيلَ: الذِّكْرُ: العِلْمُ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ مِنَ المُشْكِلِ والمُتَشابِهِ، لِأنَّ النَّصَّ والظّاهِرَ لا يَحْتاجانِ إلى بَيانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، ووُعِدُوا وأُوعِدُوا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِتُبَيِّنَ - بِسَرْدِكَ - بِنَصِّ القُرْآنِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لِتُبَيِّنَ - بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلِ وشَرْحِكَ - ما أُشْكِلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِن أمْرِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ انْتَهى.
﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، أيْ: وإرادَةُ أنْ يُصْغُوا إلى تَنْبِيهاتِهِ فَيَتَنَبَّهُوا ويَتَأمَّلُوا، والسَّيِّئاتُ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: المَكْراتِ السَّيِّئاتِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ مَفْعُولٌ بِمَكَرُوا عَلى تَضْمِينِ مَكَرُوا مَعْنى فَعَلُوا وعَمِلُوا، والسَّيِّئاتُ عَلى هَذا مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ؛ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، ويَعْنِي بِهِ العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُهم ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى هَذا الأخِيرِ يَكُونُ أنْ يَخْسِفَ بَدَلًا مِنَ السَّيِّئاتِ. وعَلى القَوْلَيْنِ، قَبْلَهُ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، والَّذِينَ مَكَرُوا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ هم أهْلُ مَكَّةَ مَكَرُوا بِالرَّسُولِ ﷺ وقالَ مُجاهِدٌ: هو نُمْرُودٌ، والخَسْفُ: بَلْعُ الأرْضِ المَخْسُوفِ بِهِ وقُعُودُها بِهِ إلى أسْفَلَ. وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ وقَعَ الخَسْفُ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِهِمُ الأرْضَ (p-٤٩٥)كَما فُعِلَ بِقارُونَ، وذَكَرَ لَنا أنَّ أخْلاطًا مِن بِلادِ الرُّومِ خُسِفَ بِها، وحِينَ أحَسَّ أهْلُها بِذَلِكَ فَرَّ أكْثَرُهم، وأنَّ بَعْضَ التُّجّارِ مِمَّنْ كانَ يَرِدُ إلَيْها رَأى ذَلِكَ مِن بَعِيدٍ فَرَجَعَ بِتِجارَتِهِ.
﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا شُعُورَ لَهم بِمَجِيءِ العَذابِ مِنها، كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ في تَقَلُّبِهِمْ في أسْفارِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ في مَنامِهِمْ، رُوِيَ هَذا وما قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ: في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، أيْ: حالَةَ ذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ فِيهِما. وقِيلَ: في تَقَلُّبِهِمْ في مَكْرِهِمْ وحِيَلِهِمْ، فَيَأْخُذُهم قَبْلَ تَمامِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ ما يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ، فَما هم بِسابِقِينَ اللَّهَ ولا فائِتِيهِ. والأخْذُ هُنا: الإهْلاكُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] و﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾: عَلى تَنَقُّصٍ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَوَّفْتُهُ وتَخَوَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتُهُ وأخَذْتُ مِن مالِهِ وجِسْمِهِ. وقالَ الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: هو النَّقْصُ، بِلُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ. وفي حَدِيثٍ لِعُمَرَ أنَّهُ سَألَ عَنِ التَّخَوُّفِ، فَأجابَهُ شَيْخٌ: بِأنَّهُ التَّنَقُّصُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَهُ قَوْلَ أبِي كَثِيرٍ الهُذَلِيِّ:
؎تَخَوَّفَ الرَّحْلَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
وهَذا التَّخَوُّفُ بِمَعْنى: التَّنَقُّصِ، قِيلَ: مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: يَأْخُذُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ورُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُنْقِصُ ثِمارَهم وأمْوالَهم حَتّى يُهْلِكَهم. وقِيلَ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾، عَلى خَوْفِ أنْ يُعاقِبَهم أوْ يَتَجاوَزَ، عَنْهم قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَخَوُّفٍ: مُتَخَوِّفِينَ، وهو أنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهم فَيَتَخَوَّفُوا، فَيَأْخُذَهم بِالعَذابِ، وهم مُتَخَوِّفُونَ مُتَوَقِّعُونَ، وهو خِلافُ قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ انْتَهى. وقالَهُ الضَّحّاكُ، يَأْخُذُ قَرْيَةً فَتَخافُ القَرْيَةُ الأُخْرى. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عَلى تَخَوُّفٍ ضِدُّ البَغْتَةِ، أيْ: عَلى حُدُوثِ حالاتٍ يُخافُ مِنها كالرِّياحِ والزَّلازِل والصَّواعِقِ، ولِهَذا خَتَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، لِأنَّ في ذَلِكَ مُهْلَةً وامْتِدادَ وقْتٍ، فَيُمْكِنُ فِيهِ التَّلافِي. وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾ عَلى عَجَلٍ. وقِيلَ: عَلى تَقْرِيعٍ بِما قَدَّمُوهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَمّا كانَ تَعالى قادِرًا عَلى هَذِهِ الأُمُورِ ولَمْ يُعاجِلْهم بِها ناسَبَ وصْفَهُ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُدْرَتَهُ عَلى تَعْذِيبِ الماكِرِينَ وإهْلاكِهِمْ بِأنْواعٍ مِنَ الأخْذِ، ذَكَرَ تَعالى طَواعِيَةَ ما خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ وخُضُوعَهُ ضِدَّ حالِ الماكِرِينَ، لِيُنَبِّهَهم عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا طائِعِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، (p-٤٩٦)والأخَوانِ: (أوَلَمْ تَرَوْا)، بِتاءِ الخِطابِ إمّا عَلى العُمُومِ لِلْخَلْقِ اسْتُؤْنِفَ بِهِ الإخْبارُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم، إذا كانَ خِطابًا خاصًّا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. واحْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ مَكَرُوا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ المُكَلَّفِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: تَتَفَيَّئُوا، بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ظِلالُهُ: جَمْعُ ظِلٍّ. وقَرَأ عِيسى: ظُلَلُهُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ، كَحُلَّةٍ وحُلَلٍ. والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ الَّتِي يَقَعُ بِها الِاعْتِبارُ، ولَكِنَّها بِواسِطَةِ رُؤْيَةِ العَيْنِ. قِيلَ: والِاسْتِفْهامُ هُنا مَعْناهُ التَّوْبِيخُ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ التَّعَجُّبَ والتَّقْدِيرُ: تَعَجَّبُوا مِنِ اتِّخاذِهِمْ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا، وقَدْ رَأوْا هَذِهِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي أظْهَرَتْ عَجائِبَ قُدْرَتِهِ وغَرائِبَ صُنْعِهِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها شُرَكاءُ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: تَتَفَيَّئُوا، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن شَيْءٍ، لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِّفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها ظِلٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما مَوْصُولَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ وهو مُبْهَمٌ بَيانُهُ مِن شَيْءٍ تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ، وقالَ غَيْرُ هَؤُلاءِ: المَعْنى: مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن جَبَلٍ وشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائِمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، إخْبارٌ عَنْ قَوْلِهِ مِن شَيْءٍ وصْفٌ لَهُ، وهَذا الإخْبار يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو لَهُ ظِلٌّ. وتَتَفَيَّئُوا: تَتَفَعَّلُوا مِنَ الفَيْءِ، وهو الرُّجُوعُ؛ يُقالُ: فاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فَيَرْجِعُ، وعادَ بَعْدَما نَسَخَهُ ضِياءُ الشَّمْسِ. وفاءَ إذا عُدِّيَ، فَبِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أوْ بِالتَّضْعِيفِ نَحْوَ: فَيَّأ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأ، وتَفَيَّأ مِن بابِ المُطاوَعَةِ، وهو لازِمٌ وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أبُو تَمّامٍ مُتَعَدِّيًا قالَ:
؎طَلَبْتُ رَبِيعَ رَبِيعَةَ المُمْهى لَها ∗∗∗ وتَفَيَّأْتُ ظِلًّا لَها مَمْدُودًا
ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ مُتَعَدِّيًا. قالَ الأزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ: رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَّفَيُّؤُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَشِيِّ وما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ.
وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلا الظِّلَّ مِن بَرْدَ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ولا الفَيْءَ مَن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎تَيَمَّمَتِ العَيْنُ الَّتِي عند ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي
وعَنْ رُؤْبَةَ: ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ، وظِلٌّ ما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَهو ظِلٌّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ مِن طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَّوالِ تَنْسَخُ الظِّلَّ، فَإذا زالَتْ رَجَعَ، ولا يَزالُ يَنْمُو إلى أنْ تَغِيبَ. والمَشْهُورُ أنَّ الفَيْءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الزَّوالِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِهِ. فَمَعْنى تَتَفَيَّؤُ: تَتَنَقَّلُ وتَمِيلُ، وأضافَ الظِّلالَ - وهي جَمْعٌ - إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأنَّهُ ضَمِيرُ ما، وهو جَمْعٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: في قِراءَةِ عِيسى ظُلَلُهُ، وظِلُّهُ: الغَيْمُ، وهو جِسْمٌ، وبِالكَسْرِ: الفَيْءُ، وهو عَرَضٌ في العامَّةِ: فَرَأى عِيسى أنَّ التَّفَيُّؤَ الَّذِي هو الرُّجُوعُ بِالأجْسامِ أوْلى، (p-٤٩٧)وأمّا في العامَّةِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ؛ انْتَهى.
قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾، بَحْثانِ؛ أحَدُهُما: ما المُرادُ بِذَلِكَ. والثّانِي: ما الحِكْمَةُ في إفْرادِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ ؟ أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: يَمِينُ الفَلَكِ وهو المَشْرِقُ، وشِمالُهُ هو المَغْرِبُ. وخَصَّ هَذانِ الِاسْمانِ بِهَذَيْنِ الجانِبَيْنِ لِأنَّ أقْوى جانِبَيِ الإنْسانِ يَمِينُهُ، ومِنهُ تَظْهَرُ الحَرَكَةُ الفَلَكِيَّةُ اليَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَشْرِقُ يَمِينَ الفَلَكِ والمَغْرِبُ شِمالَهُ، فَعَلى هَذا تَقُولُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها إلى وقْتِ انْتِهائِها إلى وسَطِ الفَلَكِ يَقَعُ الظِّلالُ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ، فَإنِ انْحَدَرَتْ مِن وسَطِ الفَلَكِ عَنِ الجانِبِ الغَرْبِيِّ وقَعَتِ الظِّلالُ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذا المُرادُ مِن تَفَيُّؤِ الظِّلالِ مِنَ اليَمِينِ إلى الشَّمالِ. وقِيلَ: البَلْدَةُ الَّتِي عَرْضُها أقَلُّ مِن مِقْدارِ المِيلِ تَكُونُ الشَّمْسُ في الصَّيْفِ عَنْ يَمِينِ البَلْدَةِ فَتَقَعُ الظِّلالُ عَلى يَمِينِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ عَنْ أيْمانِها وشَمائِلِها عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ وشِقَّيْهِ: اسْتِعارَةٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ بِجانِبَيِ الشَّيْءِ، أيْ: تَرْجِعُ الظِّلالُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ: العِبْرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، هو كُلُّ جِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَّجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، لَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَّمائِلِ هُنا عَلى حَسْبِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ اللَّبْسِ تُقَدِّرُهُ: ذا يَمِينِ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ: بِمُسْتَقْبِلِ أيِّ جِهَةٍ شِئْتَ، ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشِّمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُّنْيا، فَهَذا يَعُمُّ ألْفاظَ الآيَةِ. وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينَ مِن غُدْوَةِ الزَّوالِ، ويَكُونُ مِنَ الزَّوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِّمالِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلَ الجَنُوبِ؛ انْتَهى. وأمّا الثّانِي فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واليَمِينُ بِمَعْنى الأيْمانِ، فَجَعَلَهُ - وهو مُفْرَدٌ - بِمَعْنى الجَمْعِ، فَطابَقَ الشَّمائِلَ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما قالَ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] يُرِيدُ الإدْبارَ. وقالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ إذا وحَّدَ ذَهَبَ إلى واحِدٍ مِن ذَواتِ الظِّلالِ، وإذا جَمَعَ ذَهَبَ إلى كُلِّها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما خَلَقَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾، لَفْظٌ واحِدٌ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَعَبَّرَ عَنْ أحَدِهِما بِلَفْظِ الواحِدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ، كانَتِ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها، فَكانَتِ اليَمِينُ واحِدَةً. وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الظِّلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ، وهي كَثِيرَةٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشَّمائِلِ الشِّمالُ والقُدّامُ والخَلْفُ، لِأنَّ الظِّلَّ يَفِيءُ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها فَبُدِئَ بِاليَمِينِ لِأنَّ ابْتِداءَ التَّفَيُّؤِ مِنها، أوْ تَيَمُّنًا بِذِكْرِها، ثُمَّ جَمَعَ الباقِيَ عَلى لَفْظِ الشِّمالِ لِما بَيْنَ اليَمِينِ والشِّمالِ مِنَ التَّضادِّ، وتَنَزُّلُ القُدّامُ والخَلْفُ مَنزِلَةَ الشِّمالِ لِما بَيْنَهُما وبَيْنَ اليَمِينِ مِنَ الخِلافِ. وقِيلَ: وحَّدَ اليَمِينَ وجَمَعَ الشَّمائِلَ، لِأنَّ الِابْتِداءَ عَنِ اليَمِينِ، ثُمَّ يَنْقَبِضُ شَيْئًا فَشَيْئًا حالًا بَعْدَ حالٍ، فَهو بِمَعْنى الجَمْعِ، فَصَدَقَ عَلى كُلِّ حالٍ لَفْظَةُ الشِّمالِ، فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الحالاتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ وقْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ، ثُمَّ الآخِرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَّمائِلِ، وأفْرَدَ اليَمِينَ فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ ومُبْطَلٌ مِن جِهاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِّلَّ، فَعَلى هَذا تَأوَّلَ دَوْرَةَ الشَّمْسِ بِالظِّلِّ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبَلِ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو مِنَ الشَّمائِلِ، لِأنَّهُ حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ؛ وظِلالٌ مُنْقَطِعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، فَكانَ الظِّلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقالَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الكُتامِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ الصّائِغِ: أفْرَدَ وجَمَعَ بِالنَّظَرِ إلى الغايَتَيْنِ، لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهو بِالعَشِيِّ عَلى العَكْسِ (p-٤٩٨)لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ، فَلُحِظَتِ الغايَتانِ في الآيَةِ: هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وفِيهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ المُطابَقَةُ، لِأنَّ سُجَّدًا جَمْعٌ فَطابَقَهُ جَمْعُ الشَّمائِلِ لِاتِّصالِهِ بِهِ، فَحَصَلَ في الآيَةِ مُطابَقَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى، ولَحْظُهُما مَعًا وتِلْكَ الغايَةُ في الإعْجازِ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ حَمْلُ الظِّلالِ عَلى حَقِيقَتِها، وعَلى ذَلِكَ وقَعَ كَلامُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ وقالُوا: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلى القِبْلَةِ كانَ الظِّلُّ قُدّامَكَ، فَإذا ارْتَفَعَتْ كانَ عَلى يَمِينِكَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ خَلْفَكَ، فَإذا أرَدْتَ الغُرُوبَ كانَ عَلى يَسارِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الظِّلالُ هُنا الأشْخاصُ وهي المُرادَةُ نَفْسُها، والعَرَبُ تُخْبِرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِّلالِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:
؎إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَّحْمِ المَراجِيلُ
وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَتْبَعُ أفْياءَ الظِّلالِ عَشِيَّةً
أيْ: أفْياءَ الأشْخاصِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَرَّرَهُ؛ انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ السُّجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ، وجَرَيانِها عَلى ما أرادَ اللَّهُ مِن مَيَلانِ تِلْكَ الظِّلالِ، ودَوَرانِها كَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ إلى الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُجَّدًا: حالٌ مِنَ الظِّلالِ، ﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (ظِلالُهُ)، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهو ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ. وجُمِعَ بِالواوِ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ، أوْ لِأنَّ في جُمْلَةِ ذَلِكَ مَن يَعْقِلُ فَغُلِّبَ، والمَعْنى: أنَّ الظِّلالَ مُنْقادَةٌ لِلَّهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ مِنَ التَّفَيُّؤِ والإجْرامِ في أنْفُسِها. داخِرَةٌ أيْضًا: صاغِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِأفْعالِ اللَّهِ فِيها لا تَمْتَنِعُ؛ انْتَهى. فَغايَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الحالَيْنِ، جَعَلَ سُجَّدًا حالًا مِنَ الظِّلالِ، و﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في سُجَّدًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِنَ الظِّلالِ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، وهو ضاحِكٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وهو ضاحِكٌ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في راكِبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن زَيْدٍ، وهَذا الثّانِي عِنْدِي أظْهَرُ، والعامِلُ في الحالَيْنِ هو تَتَفَيَّؤُ، و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقِيلَ: عَنِ اسْمِ؛ أيْ: جانِبِ اليَمِينِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ. وأمّا ما أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لا يَجُوزُ، وهي مَسْألَةُ: جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ ضاحِكَةً، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا أوْ كالجُزْءِ جازَ، وقَدْ يُخْبِرُ هُنا ويَقُولُ: الظِّلالُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنَ الأجْرامِ فَهي كالجُزْءِ، لِأنَّ وُجُودَها ناشِئٌ عَنْ وُجُودِها. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ السُّجُودَ هُنا حَقِيقَةٌ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ وشَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصّالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِّلالُ دُونَ الأشْخاصِ، وعَنْهُ أيْضًا إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ. وقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ. وقِيلَ: لَمّا كانَتِ الظِّلالُ مُلْصَقَةً بِالأرْضِ واقِعَةً عَلَيْها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ وُصِفَتْ بِالسُّجُودِ، وكَوْنُ السُّجُودِ يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ وهو الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ العِبادَةِ وقَصْدِها يَبْعُدُ، إذْ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ الحَياةَ والعِلْمَ والقَصْدَ بِالعِبادَةِ. وخَصَّ الظِّلَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَرِيعُ التَّغَيُّرِ، والتَّغَيُّرُ يَقْتَضِي مُغَيِّرًا غَيْرَهُ ومُدَبِّرًا لَهُ، ولَمّا كانَ سُجُودُ الظِّلالِ في غايَةِ الظُّهُورِ بُدِئَ بِهِ، ثُمَّ انْتُقِلَ إلى سُجُودِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ. و﴿مِن دابَّةٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الظَّرْفَيْنِ، ويَكُونُ مَن في السَّماواتِ خَلْقٌ يَدِبُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الأرْضِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. وعَطَفَ (والمَلائِكَةُ) عَلى ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وهم مُنْدَرِجُونَ في عُمُومِ (ما) تَشْرِيفًا لَهم وتَكْرِيمًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الحَفَظَةُ الَّتِي في الأرْضِ، وبِما في السَّماواتِ مَلائِكَتُهُنَّ، فَلَمْ يَدْخُلُوا في العُمُومِ. وقِيلَ: بَيَّنَ تَعالى في آيَةِ الظِّلالِ أنَّ الجَماداتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ - وهُمُ المَلائِكَةُ - وأخَسَّها - وهي (p-٤٩٩)الدَّوابُّ - مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجَمِيعَ مُنْقادٌ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الدّابَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ جُسْمانِيٍّ يَتَحَرَّكُ ويَدِبُّ، فَلَمّا مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ الدّابَّةِ، عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَدِبُّ، بَلْ هي أرْواحٌ مُخْتَصَّةٌ بِحَرَكَةٍ؛ انْتَهى. وهو قَوْلٌ فَلْسَفِيٌّ. ولَمّا كانَ بَيْنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ في السُّجُودِ وهو الِانْقِيادُ لِإرادَةِ اللَّهِ، جَمَعَ بَيْنَهُما فِيهِ وإنِ اخْتَلَفا في كَيْفِيَّةِ السُّجُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا جِيءَ بِـ (مَن) دُونَ (ما) تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ مِنَ الدَّوابِّ عَلى غَيْرِهِمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِمَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى التَّغْلِيبِ، فَكانَ مُتَناوِلًا لِلْعُقَلاءِ خاصَّةً، فَجِيءَ بِما هو صالِحٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ إرادَةَ العُمُومِ؛ انْتَهى. وظاهِرُ السُّؤالِ تَسْلِيمُ أنَّ (مَن) قَدْ تَشْمَلُ العُقَلاءَ وغَيْرَهم عَلى جِهَةِ التَّغْلِيبِ، وظاهِرُ الجَوابِ تَخْصِيصُ (مَن) بِالعُقَلاءِ، وأنَّ الصّالِحَ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ ما دُونَ (مَن)، وهَذا لَيْسَ بِجَوابٍ، لِأنَّهُ أوْرَدَ السُّؤالَ عَلى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الجَوابَ عَلى غَيْرِ التَّسْلِيمِ فَصارَ المَعْنى: أنَّ مَن يُغَلَّبُ بِها، والجَوابُ لا يُغَلَّبُ بِها، وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ﴾، عائِدٌ عَلى المَنسُوبِ إلَيْهِمُ السُّجُودُ. في ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾، وقالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: يَخافُونَ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ خاصَّةً، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: والمَلائِكَةُ مَوْصُوفُونَ بِالخَوْفِ، لِأنَّهم قادِرُونَ عَلى العِصْيانِ وإنْ كانُوا لا يَعْصُونَ. والفَوْقِيَّةُ المَكانِيَّةُ مُسْتَحِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ عَلَّقْتَهُ بِـ (يَخافُونَ) كانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: يَخافُونَ عَذابَهُ كائِنًا مِن فَوْقِهِمْ، لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، وإنْ عَلَّقْتَهُ بِرَبِّهِمْ كانَ حالًا مِنهُ؛ أيْ: يَخافُونَ رَبَّهم عالِيًا لَهم قاهِرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وفي نِسْبَةِ الخَوْفِ لِمَن نُسِبَ إلَيْهِ السُّجُودُ أوِ المَلائِكَةُ خاصَّةً دَلِيلٌ عَلى تَكْلِيفِ المَلائِكَةِ كَسائِرِ المُكَلَّفِينَ، وأنَّهم بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ مُدارُونَ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ومَن يَقُلْ مِنهم: إنَّهُ إلَهٌ مِن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: الخَوْفُ: خَوْفُ جَلالٍ ومَهابَةٍ. والجُمْلَةُ مِن (يَخافُونَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِنَفْيِ الِاسْتِكْبارِ وتَأْكِيدًا لَهُ، لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ. وقَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسْبِ الشَّرْعِ والطّاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَّسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما نَفَذَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
النحل 16:47
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، أنْكَرُوا نُبُوَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، فَهَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا ؟ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ يُوسُفَ، والمَعْنى: نُوحِي إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُوحى، بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِالياءِ وكَسْرِها؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَفْصٌ: بِالنُّونِ وكَسْرِها. وأهْلُ الذِّكْرِ: اليَهُودُ، والنَّصارى، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: اليَهُودُ. والذِّكْرُ: التَّوْراةُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلْمانَ. وقالَ الأعْمَشُ، وابْنُ عُيَيْنَةَ: مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقالَ الزَّجّاجُ: عامٌّ فِيمَن يُعْزى إلَيْهِ عِلْمٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرْآنِ. ويُضَعَّفُ هَذا القَوْلُ وقَوْلُ مَن قالَ: مَن أسْلَمَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ لَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى الَّذِينَ لَمْ (p-٤٩٤)يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ الآيَةِ النّازِلَةِ، إنَّما يُخْبِرُونَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ البَشَرِ، وإخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهم، ولا يُتَّهَمُونَ بِشَهادَةٍ لَهم لَنا، لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، لِأنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ. وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم ويُسْدُونَ إلَيْهِمْ؛ انْتَهى. والأجْوَدُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: بِالبَيِّناتِ، بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أُرْسِلُوا ؟ قالَ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ، فَيَكُونُ عَلى كَلامَيْنِ، وقالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما. وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وما أرْسَلْنا، وهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النِّيَّةَ فِيهِ التَّقْدِيمُ قَبْلَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا حَتّى لا يَكُونَ ما بَعْدَ (إلّا) مَعْمُولَيْنِ مُتَأخِّرِينَ لَفْظًا ورُتْبَةً، داخِلَيْنَ تَحْتَ الحَصْرِ لِما قَبْلَها، وهَذا حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يُنْوى بِهِ التَّقْدِيمُ، بَلْ وقَعا بَعْدَ (إلّا) في نِيَّةِ الحَصْرِ، وهَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ قالَ: تَتَعَلَّقُ بِما أرْسَلْنا، داخِلًا تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا، أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، لِأنَّ أصْلَهُ ضَرَبْتُ زَيْدًا بِالسَّوْطِ؛ انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا تَمَّ الكَلامُ عَلى (إلّا) وما يَلِيها، إلّا أنَّهُ قَدْ جاءَ في الشِّعْرِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيْتَهم عَذَّبُوا بِالنّارِ جارَهم ولا يُعَذِّبُ إلّا اللَّهُ بِالنّارِ
؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهم لا يُجِيزُونَ أنْ يَقَعَ بَعْدَ (إلّا)، إلّا مُسْتَثْنًى، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، أوْ تابِعًا، وما ظَنَّ مِن غَيْرِ الثَّلاثَةِ مَعْمُولًا لِما قَبْلَ (إلّا) قُدِّرَ لَهُ عامِلٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ تَقَعَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها مَنصُوبٌ، نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا، ومَخْفُوضٌ نَحْوَ: ما مَرَّ إلّا زَيْدٌ بِعَمْرٍو، ومَرْفُوعٌ نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدًا عَمْرٌو. ووافَقَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَرْفُوعِ، والأخْفَشُ في الظَّرْفِ والجارِّ والحالِ. فالقَوْلُ الَّذِي قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، ودَلائِلُ هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرِجالٍ، أيْ: رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ، لِأنَّهُ في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِما بَعْدَ (إلّا)، فَوُصِفَ رِجالًا بِيُوحى إلَيْهِمْ، وبِذَلِكَ العامِلِ في بِالبَيِّناتِ كَما تَقُولُ: ما أكْرَمْتُ إلّا رَجُلًا مُسْلِمًا مُلْتَبِسًا بِالخَيْرِ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَتَعَلَّقَ بِيُوحى إلَيْهِمْ، وأنْ يَتَعَلَّقَ بِلا يَعْلَمُونَ. قالَ: عَلى أنَّ الشَّرْطَ في مَعْنى التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَقَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتَ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي حَقِّي، وقَوْلُهُ: فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، اعْتِراضٌ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي: مِنَ الَّتِي ذَكَرَ، غَيْرَ الوَجْهِ الأخِيرِ. وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ. وقِيلَ: الذِّكْرُ: العِلْمُ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ مِنَ المُشْكِلِ والمُتَشابِهِ، لِأنَّ النَّصَّ والظّاهِرَ لا يَحْتاجانِ إلى بَيانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، ووُعِدُوا وأُوعِدُوا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِتُبَيِّنَ - بِسَرْدِكَ - بِنَصِّ القُرْآنِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لِتُبَيِّنَ - بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلِ وشَرْحِكَ - ما أُشْكِلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِن أمْرِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ انْتَهى.
﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، أيْ: وإرادَةُ أنْ يُصْغُوا إلى تَنْبِيهاتِهِ فَيَتَنَبَّهُوا ويَتَأمَّلُوا، والسَّيِّئاتُ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: المَكْراتِ السَّيِّئاتِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ مَفْعُولٌ بِمَكَرُوا عَلى تَضْمِينِ مَكَرُوا مَعْنى فَعَلُوا وعَمِلُوا، والسَّيِّئاتُ عَلى هَذا مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ؛ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، ويَعْنِي بِهِ العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُهم ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى هَذا الأخِيرِ يَكُونُ أنْ يَخْسِفَ بَدَلًا مِنَ السَّيِّئاتِ. وعَلى القَوْلَيْنِ، قَبْلَهُ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، والَّذِينَ مَكَرُوا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ هم أهْلُ مَكَّةَ مَكَرُوا بِالرَّسُولِ ﷺ وقالَ مُجاهِدٌ: هو نُمْرُودٌ، والخَسْفُ: بَلْعُ الأرْضِ المَخْسُوفِ بِهِ وقُعُودُها بِهِ إلى أسْفَلَ. وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ وقَعَ الخَسْفُ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِهِمُ الأرْضَ (p-٤٩٥)كَما فُعِلَ بِقارُونَ، وذَكَرَ لَنا أنَّ أخْلاطًا مِن بِلادِ الرُّومِ خُسِفَ بِها، وحِينَ أحَسَّ أهْلُها بِذَلِكَ فَرَّ أكْثَرُهم، وأنَّ بَعْضَ التُّجّارِ مِمَّنْ كانَ يَرِدُ إلَيْها رَأى ذَلِكَ مِن بَعِيدٍ فَرَجَعَ بِتِجارَتِهِ.
﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا شُعُورَ لَهم بِمَجِيءِ العَذابِ مِنها، كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ في تَقَلُّبِهِمْ في أسْفارِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ في مَنامِهِمْ، رُوِيَ هَذا وما قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ: في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، أيْ: حالَةَ ذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ فِيهِما. وقِيلَ: في تَقَلُّبِهِمْ في مَكْرِهِمْ وحِيَلِهِمْ، فَيَأْخُذُهم قَبْلَ تَمامِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ ما يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ، فَما هم بِسابِقِينَ اللَّهَ ولا فائِتِيهِ. والأخْذُ هُنا: الإهْلاكُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] و﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾: عَلى تَنَقُّصٍ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَوَّفْتُهُ وتَخَوَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتُهُ وأخَذْتُ مِن مالِهِ وجِسْمِهِ. وقالَ الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: هو النَّقْصُ، بِلُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ. وفي حَدِيثٍ لِعُمَرَ أنَّهُ سَألَ عَنِ التَّخَوُّفِ، فَأجابَهُ شَيْخٌ: بِأنَّهُ التَّنَقُّصُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَهُ قَوْلَ أبِي كَثِيرٍ الهُذَلِيِّ:
؎تَخَوَّفَ الرَّحْلَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
وهَذا التَّخَوُّفُ بِمَعْنى: التَّنَقُّصِ، قِيلَ: مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: يَأْخُذُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ورُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُنْقِصُ ثِمارَهم وأمْوالَهم حَتّى يُهْلِكَهم. وقِيلَ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾، عَلى خَوْفِ أنْ يُعاقِبَهم أوْ يَتَجاوَزَ، عَنْهم قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَخَوُّفٍ: مُتَخَوِّفِينَ، وهو أنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهم فَيَتَخَوَّفُوا، فَيَأْخُذَهم بِالعَذابِ، وهم مُتَخَوِّفُونَ مُتَوَقِّعُونَ، وهو خِلافُ قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ انْتَهى. وقالَهُ الضَّحّاكُ، يَأْخُذُ قَرْيَةً فَتَخافُ القَرْيَةُ الأُخْرى. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عَلى تَخَوُّفٍ ضِدُّ البَغْتَةِ، أيْ: عَلى حُدُوثِ حالاتٍ يُخافُ مِنها كالرِّياحِ والزَّلازِل والصَّواعِقِ، ولِهَذا خَتَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، لِأنَّ في ذَلِكَ مُهْلَةً وامْتِدادَ وقْتٍ، فَيُمْكِنُ فِيهِ التَّلافِي. وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾ عَلى عَجَلٍ. وقِيلَ: عَلى تَقْرِيعٍ بِما قَدَّمُوهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَمّا كانَ تَعالى قادِرًا عَلى هَذِهِ الأُمُورِ ولَمْ يُعاجِلْهم بِها ناسَبَ وصْفَهُ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُدْرَتَهُ عَلى تَعْذِيبِ الماكِرِينَ وإهْلاكِهِمْ بِأنْواعٍ مِنَ الأخْذِ، ذَكَرَ تَعالى طَواعِيَةَ ما خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ وخُضُوعَهُ ضِدَّ حالِ الماكِرِينَ، لِيُنَبِّهَهم عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا طائِعِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، (p-٤٩٦)والأخَوانِ: (أوَلَمْ تَرَوْا)، بِتاءِ الخِطابِ إمّا عَلى العُمُومِ لِلْخَلْقِ اسْتُؤْنِفَ بِهِ الإخْبارُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم، إذا كانَ خِطابًا خاصًّا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. واحْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ مَكَرُوا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ المُكَلَّفِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: تَتَفَيَّئُوا، بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ظِلالُهُ: جَمْعُ ظِلٍّ. وقَرَأ عِيسى: ظُلَلُهُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ، كَحُلَّةٍ وحُلَلٍ. والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ الَّتِي يَقَعُ بِها الِاعْتِبارُ، ولَكِنَّها بِواسِطَةِ رُؤْيَةِ العَيْنِ. قِيلَ: والِاسْتِفْهامُ هُنا مَعْناهُ التَّوْبِيخُ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ التَّعَجُّبَ والتَّقْدِيرُ: تَعَجَّبُوا مِنِ اتِّخاذِهِمْ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا، وقَدْ رَأوْا هَذِهِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي أظْهَرَتْ عَجائِبَ قُدْرَتِهِ وغَرائِبَ صُنْعِهِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها شُرَكاءُ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: تَتَفَيَّئُوا، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن شَيْءٍ، لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِّفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها ظِلٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما مَوْصُولَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ وهو مُبْهَمٌ بَيانُهُ مِن شَيْءٍ تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ، وقالَ غَيْرُ هَؤُلاءِ: المَعْنى: مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن جَبَلٍ وشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائِمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، إخْبارٌ عَنْ قَوْلِهِ مِن شَيْءٍ وصْفٌ لَهُ، وهَذا الإخْبار يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو لَهُ ظِلٌّ. وتَتَفَيَّئُوا: تَتَفَعَّلُوا مِنَ الفَيْءِ، وهو الرُّجُوعُ؛ يُقالُ: فاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فَيَرْجِعُ، وعادَ بَعْدَما نَسَخَهُ ضِياءُ الشَّمْسِ. وفاءَ إذا عُدِّيَ، فَبِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أوْ بِالتَّضْعِيفِ نَحْوَ: فَيَّأ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأ، وتَفَيَّأ مِن بابِ المُطاوَعَةِ، وهو لازِمٌ وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أبُو تَمّامٍ مُتَعَدِّيًا قالَ:
؎طَلَبْتُ رَبِيعَ رَبِيعَةَ المُمْهى لَها ∗∗∗ وتَفَيَّأْتُ ظِلًّا لَها مَمْدُودًا
ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ مُتَعَدِّيًا. قالَ الأزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ: رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَّفَيُّؤُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَشِيِّ وما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ.
وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلا الظِّلَّ مِن بَرْدَ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ولا الفَيْءَ مَن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎تَيَمَّمَتِ العَيْنُ الَّتِي عند ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي
وعَنْ رُؤْبَةَ: ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ، وظِلٌّ ما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَهو ظِلٌّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ مِن طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَّوالِ تَنْسَخُ الظِّلَّ، فَإذا زالَتْ رَجَعَ، ولا يَزالُ يَنْمُو إلى أنْ تَغِيبَ. والمَشْهُورُ أنَّ الفَيْءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الزَّوالِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِهِ. فَمَعْنى تَتَفَيَّؤُ: تَتَنَقَّلُ وتَمِيلُ، وأضافَ الظِّلالَ - وهي جَمْعٌ - إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأنَّهُ ضَمِيرُ ما، وهو جَمْعٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: في قِراءَةِ عِيسى ظُلَلُهُ، وظِلُّهُ: الغَيْمُ، وهو جِسْمٌ، وبِالكَسْرِ: الفَيْءُ، وهو عَرَضٌ في العامَّةِ: فَرَأى عِيسى أنَّ التَّفَيُّؤَ الَّذِي هو الرُّجُوعُ بِالأجْسامِ أوْلى، (p-٤٩٧)وأمّا في العامَّةِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ؛ انْتَهى.
قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾، بَحْثانِ؛ أحَدُهُما: ما المُرادُ بِذَلِكَ. والثّانِي: ما الحِكْمَةُ في إفْرادِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ ؟ أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: يَمِينُ الفَلَكِ وهو المَشْرِقُ، وشِمالُهُ هو المَغْرِبُ. وخَصَّ هَذانِ الِاسْمانِ بِهَذَيْنِ الجانِبَيْنِ لِأنَّ أقْوى جانِبَيِ الإنْسانِ يَمِينُهُ، ومِنهُ تَظْهَرُ الحَرَكَةُ الفَلَكِيَّةُ اليَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَشْرِقُ يَمِينَ الفَلَكِ والمَغْرِبُ شِمالَهُ، فَعَلى هَذا تَقُولُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها إلى وقْتِ انْتِهائِها إلى وسَطِ الفَلَكِ يَقَعُ الظِّلالُ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ، فَإنِ انْحَدَرَتْ مِن وسَطِ الفَلَكِ عَنِ الجانِبِ الغَرْبِيِّ وقَعَتِ الظِّلالُ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذا المُرادُ مِن تَفَيُّؤِ الظِّلالِ مِنَ اليَمِينِ إلى الشَّمالِ. وقِيلَ: البَلْدَةُ الَّتِي عَرْضُها أقَلُّ مِن مِقْدارِ المِيلِ تَكُونُ الشَّمْسُ في الصَّيْفِ عَنْ يَمِينِ البَلْدَةِ فَتَقَعُ الظِّلالُ عَلى يَمِينِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ عَنْ أيْمانِها وشَمائِلِها عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ وشِقَّيْهِ: اسْتِعارَةٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ بِجانِبَيِ الشَّيْءِ، أيْ: تَرْجِعُ الظِّلالُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ: العِبْرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، هو كُلُّ جِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَّجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، لَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَّمائِلِ هُنا عَلى حَسْبِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ اللَّبْسِ تُقَدِّرُهُ: ذا يَمِينِ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ: بِمُسْتَقْبِلِ أيِّ جِهَةٍ شِئْتَ، ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشِّمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُّنْيا، فَهَذا يَعُمُّ ألْفاظَ الآيَةِ. وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينَ مِن غُدْوَةِ الزَّوالِ، ويَكُونُ مِنَ الزَّوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِّمالِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلَ الجَنُوبِ؛ انْتَهى. وأمّا الثّانِي فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واليَمِينُ بِمَعْنى الأيْمانِ، فَجَعَلَهُ - وهو مُفْرَدٌ - بِمَعْنى الجَمْعِ، فَطابَقَ الشَّمائِلَ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما قالَ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] يُرِيدُ الإدْبارَ. وقالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ إذا وحَّدَ ذَهَبَ إلى واحِدٍ مِن ذَواتِ الظِّلالِ، وإذا جَمَعَ ذَهَبَ إلى كُلِّها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما خَلَقَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾، لَفْظٌ واحِدٌ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَعَبَّرَ عَنْ أحَدِهِما بِلَفْظِ الواحِدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ، كانَتِ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها، فَكانَتِ اليَمِينُ واحِدَةً. وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الظِّلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ، وهي كَثِيرَةٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشَّمائِلِ الشِّمالُ والقُدّامُ والخَلْفُ، لِأنَّ الظِّلَّ يَفِيءُ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها فَبُدِئَ بِاليَمِينِ لِأنَّ ابْتِداءَ التَّفَيُّؤِ مِنها، أوْ تَيَمُّنًا بِذِكْرِها، ثُمَّ جَمَعَ الباقِيَ عَلى لَفْظِ الشِّمالِ لِما بَيْنَ اليَمِينِ والشِّمالِ مِنَ التَّضادِّ، وتَنَزُّلُ القُدّامُ والخَلْفُ مَنزِلَةَ الشِّمالِ لِما بَيْنَهُما وبَيْنَ اليَمِينِ مِنَ الخِلافِ. وقِيلَ: وحَّدَ اليَمِينَ وجَمَعَ الشَّمائِلَ، لِأنَّ الِابْتِداءَ عَنِ اليَمِينِ، ثُمَّ يَنْقَبِضُ شَيْئًا فَشَيْئًا حالًا بَعْدَ حالٍ، فَهو بِمَعْنى الجَمْعِ، فَصَدَقَ عَلى كُلِّ حالٍ لَفْظَةُ الشِّمالِ، فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الحالاتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ وقْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ، ثُمَّ الآخِرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَّمائِلِ، وأفْرَدَ اليَمِينَ فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ ومُبْطَلٌ مِن جِهاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِّلَّ، فَعَلى هَذا تَأوَّلَ دَوْرَةَ الشَّمْسِ بِالظِّلِّ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبَلِ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو مِنَ الشَّمائِلِ، لِأنَّهُ حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ؛ وظِلالٌ مُنْقَطِعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، فَكانَ الظِّلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقالَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الكُتامِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ الصّائِغِ: أفْرَدَ وجَمَعَ بِالنَّظَرِ إلى الغايَتَيْنِ، لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهو بِالعَشِيِّ عَلى العَكْسِ (p-٤٩٨)لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ، فَلُحِظَتِ الغايَتانِ في الآيَةِ: هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وفِيهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ المُطابَقَةُ، لِأنَّ سُجَّدًا جَمْعٌ فَطابَقَهُ جَمْعُ الشَّمائِلِ لِاتِّصالِهِ بِهِ، فَحَصَلَ في الآيَةِ مُطابَقَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى، ولَحْظُهُما مَعًا وتِلْكَ الغايَةُ في الإعْجازِ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ حَمْلُ الظِّلالِ عَلى حَقِيقَتِها، وعَلى ذَلِكَ وقَعَ كَلامُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ وقالُوا: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلى القِبْلَةِ كانَ الظِّلُّ قُدّامَكَ، فَإذا ارْتَفَعَتْ كانَ عَلى يَمِينِكَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ خَلْفَكَ، فَإذا أرَدْتَ الغُرُوبَ كانَ عَلى يَسارِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الظِّلالُ هُنا الأشْخاصُ وهي المُرادَةُ نَفْسُها، والعَرَبُ تُخْبِرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِّلالِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:
؎إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَّحْمِ المَراجِيلُ
وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَتْبَعُ أفْياءَ الظِّلالِ عَشِيَّةً
أيْ: أفْياءَ الأشْخاصِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَرَّرَهُ؛ انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ السُّجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ، وجَرَيانِها عَلى ما أرادَ اللَّهُ مِن مَيَلانِ تِلْكَ الظِّلالِ، ودَوَرانِها كَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ إلى الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُجَّدًا: حالٌ مِنَ الظِّلالِ، ﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (ظِلالُهُ)، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهو ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ. وجُمِعَ بِالواوِ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ، أوْ لِأنَّ في جُمْلَةِ ذَلِكَ مَن يَعْقِلُ فَغُلِّبَ، والمَعْنى: أنَّ الظِّلالَ مُنْقادَةٌ لِلَّهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ مِنَ التَّفَيُّؤِ والإجْرامِ في أنْفُسِها. داخِرَةٌ أيْضًا: صاغِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِأفْعالِ اللَّهِ فِيها لا تَمْتَنِعُ؛ انْتَهى. فَغايَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الحالَيْنِ، جَعَلَ سُجَّدًا حالًا مِنَ الظِّلالِ، و﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في سُجَّدًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِنَ الظِّلالِ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، وهو ضاحِكٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وهو ضاحِكٌ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في راكِبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن زَيْدٍ، وهَذا الثّانِي عِنْدِي أظْهَرُ، والعامِلُ في الحالَيْنِ هو تَتَفَيَّؤُ، و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقِيلَ: عَنِ اسْمِ؛ أيْ: جانِبِ اليَمِينِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ. وأمّا ما أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لا يَجُوزُ، وهي مَسْألَةُ: جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ ضاحِكَةً، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا أوْ كالجُزْءِ جازَ، وقَدْ يُخْبِرُ هُنا ويَقُولُ: الظِّلالُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنَ الأجْرامِ فَهي كالجُزْءِ، لِأنَّ وُجُودَها ناشِئٌ عَنْ وُجُودِها. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ السُّجُودَ هُنا حَقِيقَةٌ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ وشَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصّالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِّلالُ دُونَ الأشْخاصِ، وعَنْهُ أيْضًا إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ. وقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ. وقِيلَ: لَمّا كانَتِ الظِّلالُ مُلْصَقَةً بِالأرْضِ واقِعَةً عَلَيْها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ وُصِفَتْ بِالسُّجُودِ، وكَوْنُ السُّجُودِ يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ وهو الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ العِبادَةِ وقَصْدِها يَبْعُدُ، إذْ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ الحَياةَ والعِلْمَ والقَصْدَ بِالعِبادَةِ. وخَصَّ الظِّلَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَرِيعُ التَّغَيُّرِ، والتَّغَيُّرُ يَقْتَضِي مُغَيِّرًا غَيْرَهُ ومُدَبِّرًا لَهُ، ولَمّا كانَ سُجُودُ الظِّلالِ في غايَةِ الظُّهُورِ بُدِئَ بِهِ، ثُمَّ انْتُقِلَ إلى سُجُودِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ. و﴿مِن دابَّةٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الظَّرْفَيْنِ، ويَكُونُ مَن في السَّماواتِ خَلْقٌ يَدِبُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الأرْضِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. وعَطَفَ (والمَلائِكَةُ) عَلى ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وهم مُنْدَرِجُونَ في عُمُومِ (ما) تَشْرِيفًا لَهم وتَكْرِيمًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الحَفَظَةُ الَّتِي في الأرْضِ، وبِما في السَّماواتِ مَلائِكَتُهُنَّ، فَلَمْ يَدْخُلُوا في العُمُومِ. وقِيلَ: بَيَّنَ تَعالى في آيَةِ الظِّلالِ أنَّ الجَماداتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ - وهُمُ المَلائِكَةُ - وأخَسَّها - وهي (p-٤٩٩)الدَّوابُّ - مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجَمِيعَ مُنْقادٌ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الدّابَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ جُسْمانِيٍّ يَتَحَرَّكُ ويَدِبُّ، فَلَمّا مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ الدّابَّةِ، عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَدِبُّ، بَلْ هي أرْواحٌ مُخْتَصَّةٌ بِحَرَكَةٍ؛ انْتَهى. وهو قَوْلٌ فَلْسَفِيٌّ. ولَمّا كانَ بَيْنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ في السُّجُودِ وهو الِانْقِيادُ لِإرادَةِ اللَّهِ، جَمَعَ بَيْنَهُما فِيهِ وإنِ اخْتَلَفا في كَيْفِيَّةِ السُّجُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا جِيءَ بِـ (مَن) دُونَ (ما) تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ مِنَ الدَّوابِّ عَلى غَيْرِهِمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِمَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى التَّغْلِيبِ، فَكانَ مُتَناوِلًا لِلْعُقَلاءِ خاصَّةً، فَجِيءَ بِما هو صالِحٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ إرادَةَ العُمُومِ؛ انْتَهى. وظاهِرُ السُّؤالِ تَسْلِيمُ أنَّ (مَن) قَدْ تَشْمَلُ العُقَلاءَ وغَيْرَهم عَلى جِهَةِ التَّغْلِيبِ، وظاهِرُ الجَوابِ تَخْصِيصُ (مَن) بِالعُقَلاءِ، وأنَّ الصّالِحَ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ ما دُونَ (مَن)، وهَذا لَيْسَ بِجَوابٍ، لِأنَّهُ أوْرَدَ السُّؤالَ عَلى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الجَوابَ عَلى غَيْرِ التَّسْلِيمِ فَصارَ المَعْنى: أنَّ مَن يُغَلَّبُ بِها، والجَوابُ لا يُغَلَّبُ بِها، وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ﴾، عائِدٌ عَلى المَنسُوبِ إلَيْهِمُ السُّجُودُ. في ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾، وقالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: يَخافُونَ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ خاصَّةً، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: والمَلائِكَةُ مَوْصُوفُونَ بِالخَوْفِ، لِأنَّهم قادِرُونَ عَلى العِصْيانِ وإنْ كانُوا لا يَعْصُونَ. والفَوْقِيَّةُ المَكانِيَّةُ مُسْتَحِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ عَلَّقْتَهُ بِـ (يَخافُونَ) كانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: يَخافُونَ عَذابَهُ كائِنًا مِن فَوْقِهِمْ، لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، وإنْ عَلَّقْتَهُ بِرَبِّهِمْ كانَ حالًا مِنهُ؛ أيْ: يَخافُونَ رَبَّهم عالِيًا لَهم قاهِرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وفي نِسْبَةِ الخَوْفِ لِمَن نُسِبَ إلَيْهِ السُّجُودُ أوِ المَلائِكَةُ خاصَّةً دَلِيلٌ عَلى تَكْلِيفِ المَلائِكَةِ كَسائِرِ المُكَلَّفِينَ، وأنَّهم بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ مُدارُونَ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ومَن يَقُلْ مِنهم: إنَّهُ إلَهٌ مِن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: الخَوْفُ: خَوْفُ جَلالٍ ومَهابَةٍ. والجُمْلَةُ مِن (يَخافُونَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِنَفْيِ الِاسْتِكْبارِ وتَأْكِيدًا لَهُ، لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ. وقَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسْبِ الشَّرْعِ والطّاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَّسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما نَفَذَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
النحل 16:48
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، أنْكَرُوا نُبُوَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، فَهَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا ؟ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ يُوسُفَ، والمَعْنى: نُوحِي إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُوحى، بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِالياءِ وكَسْرِها؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَفْصٌ: بِالنُّونِ وكَسْرِها. وأهْلُ الذِّكْرِ: اليَهُودُ، والنَّصارى، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: اليَهُودُ. والذِّكْرُ: التَّوْراةُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلْمانَ. وقالَ الأعْمَشُ، وابْنُ عُيَيْنَةَ: مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقالَ الزَّجّاجُ: عامٌّ فِيمَن يُعْزى إلَيْهِ عِلْمٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرْآنِ. ويُضَعَّفُ هَذا القَوْلُ وقَوْلُ مَن قالَ: مَن أسْلَمَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ لَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى الَّذِينَ لَمْ (p-٤٩٤)يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ الآيَةِ النّازِلَةِ، إنَّما يُخْبِرُونَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ البَشَرِ، وإخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهم، ولا يُتَّهَمُونَ بِشَهادَةٍ لَهم لَنا، لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، لِأنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ. وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم ويُسْدُونَ إلَيْهِمْ؛ انْتَهى. والأجْوَدُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: بِالبَيِّناتِ، بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أُرْسِلُوا ؟ قالَ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ، فَيَكُونُ عَلى كَلامَيْنِ، وقالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما. وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وما أرْسَلْنا، وهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النِّيَّةَ فِيهِ التَّقْدِيمُ قَبْلَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا حَتّى لا يَكُونَ ما بَعْدَ (إلّا) مَعْمُولَيْنِ مُتَأخِّرِينَ لَفْظًا ورُتْبَةً، داخِلَيْنَ تَحْتَ الحَصْرِ لِما قَبْلَها، وهَذا حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يُنْوى بِهِ التَّقْدِيمُ، بَلْ وقَعا بَعْدَ (إلّا) في نِيَّةِ الحَصْرِ، وهَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ قالَ: تَتَعَلَّقُ بِما أرْسَلْنا، داخِلًا تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا، أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، لِأنَّ أصْلَهُ ضَرَبْتُ زَيْدًا بِالسَّوْطِ؛ انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا تَمَّ الكَلامُ عَلى (إلّا) وما يَلِيها، إلّا أنَّهُ قَدْ جاءَ في الشِّعْرِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيْتَهم عَذَّبُوا بِالنّارِ جارَهم ولا يُعَذِّبُ إلّا اللَّهُ بِالنّارِ
؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهم لا يُجِيزُونَ أنْ يَقَعَ بَعْدَ (إلّا)، إلّا مُسْتَثْنًى، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، أوْ تابِعًا، وما ظَنَّ مِن غَيْرِ الثَّلاثَةِ مَعْمُولًا لِما قَبْلَ (إلّا) قُدِّرَ لَهُ عامِلٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ تَقَعَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها مَنصُوبٌ، نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا، ومَخْفُوضٌ نَحْوَ: ما مَرَّ إلّا زَيْدٌ بِعَمْرٍو، ومَرْفُوعٌ نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدًا عَمْرٌو. ووافَقَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَرْفُوعِ، والأخْفَشُ في الظَّرْفِ والجارِّ والحالِ. فالقَوْلُ الَّذِي قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، ودَلائِلُ هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرِجالٍ، أيْ: رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ، لِأنَّهُ في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِما بَعْدَ (إلّا)، فَوُصِفَ رِجالًا بِيُوحى إلَيْهِمْ، وبِذَلِكَ العامِلِ في بِالبَيِّناتِ كَما تَقُولُ: ما أكْرَمْتُ إلّا رَجُلًا مُسْلِمًا مُلْتَبِسًا بِالخَيْرِ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَتَعَلَّقَ بِيُوحى إلَيْهِمْ، وأنْ يَتَعَلَّقَ بِلا يَعْلَمُونَ. قالَ: عَلى أنَّ الشَّرْطَ في مَعْنى التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَقَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتَ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي حَقِّي، وقَوْلُهُ: فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، اعْتِراضٌ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي: مِنَ الَّتِي ذَكَرَ، غَيْرَ الوَجْهِ الأخِيرِ. وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ. وقِيلَ: الذِّكْرُ: العِلْمُ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ مِنَ المُشْكِلِ والمُتَشابِهِ، لِأنَّ النَّصَّ والظّاهِرَ لا يَحْتاجانِ إلى بَيانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، ووُعِدُوا وأُوعِدُوا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِتُبَيِّنَ - بِسَرْدِكَ - بِنَصِّ القُرْآنِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لِتُبَيِّنَ - بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلِ وشَرْحِكَ - ما أُشْكِلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِن أمْرِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ انْتَهى.
﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، أيْ: وإرادَةُ أنْ يُصْغُوا إلى تَنْبِيهاتِهِ فَيَتَنَبَّهُوا ويَتَأمَّلُوا، والسَّيِّئاتُ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: المَكْراتِ السَّيِّئاتِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ مَفْعُولٌ بِمَكَرُوا عَلى تَضْمِينِ مَكَرُوا مَعْنى فَعَلُوا وعَمِلُوا، والسَّيِّئاتُ عَلى هَذا مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ؛ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، ويَعْنِي بِهِ العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُهم ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى هَذا الأخِيرِ يَكُونُ أنْ يَخْسِفَ بَدَلًا مِنَ السَّيِّئاتِ. وعَلى القَوْلَيْنِ، قَبْلَهُ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، والَّذِينَ مَكَرُوا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ هم أهْلُ مَكَّةَ مَكَرُوا بِالرَّسُولِ ﷺ وقالَ مُجاهِدٌ: هو نُمْرُودٌ، والخَسْفُ: بَلْعُ الأرْضِ المَخْسُوفِ بِهِ وقُعُودُها بِهِ إلى أسْفَلَ. وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ وقَعَ الخَسْفُ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِهِمُ الأرْضَ (p-٤٩٥)كَما فُعِلَ بِقارُونَ، وذَكَرَ لَنا أنَّ أخْلاطًا مِن بِلادِ الرُّومِ خُسِفَ بِها، وحِينَ أحَسَّ أهْلُها بِذَلِكَ فَرَّ أكْثَرُهم، وأنَّ بَعْضَ التُّجّارِ مِمَّنْ كانَ يَرِدُ إلَيْها رَأى ذَلِكَ مِن بَعِيدٍ فَرَجَعَ بِتِجارَتِهِ.
﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا شُعُورَ لَهم بِمَجِيءِ العَذابِ مِنها، كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ في تَقَلُّبِهِمْ في أسْفارِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ في مَنامِهِمْ، رُوِيَ هَذا وما قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ: في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، أيْ: حالَةَ ذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ فِيهِما. وقِيلَ: في تَقَلُّبِهِمْ في مَكْرِهِمْ وحِيَلِهِمْ، فَيَأْخُذُهم قَبْلَ تَمامِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ ما يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ، فَما هم بِسابِقِينَ اللَّهَ ولا فائِتِيهِ. والأخْذُ هُنا: الإهْلاكُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] و﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾: عَلى تَنَقُّصٍ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَوَّفْتُهُ وتَخَوَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتُهُ وأخَذْتُ مِن مالِهِ وجِسْمِهِ. وقالَ الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: هو النَّقْصُ، بِلُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ. وفي حَدِيثٍ لِعُمَرَ أنَّهُ سَألَ عَنِ التَّخَوُّفِ، فَأجابَهُ شَيْخٌ: بِأنَّهُ التَّنَقُّصُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَهُ قَوْلَ أبِي كَثِيرٍ الهُذَلِيِّ:
؎تَخَوَّفَ الرَّحْلَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
وهَذا التَّخَوُّفُ بِمَعْنى: التَّنَقُّصِ، قِيلَ: مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: يَأْخُذُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ورُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُنْقِصُ ثِمارَهم وأمْوالَهم حَتّى يُهْلِكَهم. وقِيلَ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾، عَلى خَوْفِ أنْ يُعاقِبَهم أوْ يَتَجاوَزَ، عَنْهم قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَخَوُّفٍ: مُتَخَوِّفِينَ، وهو أنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهم فَيَتَخَوَّفُوا، فَيَأْخُذَهم بِالعَذابِ، وهم مُتَخَوِّفُونَ مُتَوَقِّعُونَ، وهو خِلافُ قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ انْتَهى. وقالَهُ الضَّحّاكُ، يَأْخُذُ قَرْيَةً فَتَخافُ القَرْيَةُ الأُخْرى. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عَلى تَخَوُّفٍ ضِدُّ البَغْتَةِ، أيْ: عَلى حُدُوثِ حالاتٍ يُخافُ مِنها كالرِّياحِ والزَّلازِل والصَّواعِقِ، ولِهَذا خَتَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، لِأنَّ في ذَلِكَ مُهْلَةً وامْتِدادَ وقْتٍ، فَيُمْكِنُ فِيهِ التَّلافِي. وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾ عَلى عَجَلٍ. وقِيلَ: عَلى تَقْرِيعٍ بِما قَدَّمُوهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَمّا كانَ تَعالى قادِرًا عَلى هَذِهِ الأُمُورِ ولَمْ يُعاجِلْهم بِها ناسَبَ وصْفَهُ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُدْرَتَهُ عَلى تَعْذِيبِ الماكِرِينَ وإهْلاكِهِمْ بِأنْواعٍ مِنَ الأخْذِ، ذَكَرَ تَعالى طَواعِيَةَ ما خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ وخُضُوعَهُ ضِدَّ حالِ الماكِرِينَ، لِيُنَبِّهَهم عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا طائِعِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، (p-٤٩٦)والأخَوانِ: (أوَلَمْ تَرَوْا)، بِتاءِ الخِطابِ إمّا عَلى العُمُومِ لِلْخَلْقِ اسْتُؤْنِفَ بِهِ الإخْبارُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم، إذا كانَ خِطابًا خاصًّا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. واحْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ مَكَرُوا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ المُكَلَّفِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: تَتَفَيَّئُوا، بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ظِلالُهُ: جَمْعُ ظِلٍّ. وقَرَأ عِيسى: ظُلَلُهُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ، كَحُلَّةٍ وحُلَلٍ. والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ الَّتِي يَقَعُ بِها الِاعْتِبارُ، ولَكِنَّها بِواسِطَةِ رُؤْيَةِ العَيْنِ. قِيلَ: والِاسْتِفْهامُ هُنا مَعْناهُ التَّوْبِيخُ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ التَّعَجُّبَ والتَّقْدِيرُ: تَعَجَّبُوا مِنِ اتِّخاذِهِمْ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا، وقَدْ رَأوْا هَذِهِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي أظْهَرَتْ عَجائِبَ قُدْرَتِهِ وغَرائِبَ صُنْعِهِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها شُرَكاءُ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: تَتَفَيَّئُوا، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن شَيْءٍ، لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِّفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها ظِلٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما مَوْصُولَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ وهو مُبْهَمٌ بَيانُهُ مِن شَيْءٍ تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ، وقالَ غَيْرُ هَؤُلاءِ: المَعْنى: مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن جَبَلٍ وشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائِمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، إخْبارٌ عَنْ قَوْلِهِ مِن شَيْءٍ وصْفٌ لَهُ، وهَذا الإخْبار يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو لَهُ ظِلٌّ. وتَتَفَيَّئُوا: تَتَفَعَّلُوا مِنَ الفَيْءِ، وهو الرُّجُوعُ؛ يُقالُ: فاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فَيَرْجِعُ، وعادَ بَعْدَما نَسَخَهُ ضِياءُ الشَّمْسِ. وفاءَ إذا عُدِّيَ، فَبِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أوْ بِالتَّضْعِيفِ نَحْوَ: فَيَّأ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأ، وتَفَيَّأ مِن بابِ المُطاوَعَةِ، وهو لازِمٌ وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أبُو تَمّامٍ مُتَعَدِّيًا قالَ:
؎طَلَبْتُ رَبِيعَ رَبِيعَةَ المُمْهى لَها ∗∗∗ وتَفَيَّأْتُ ظِلًّا لَها مَمْدُودًا
ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ مُتَعَدِّيًا. قالَ الأزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ: رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَّفَيُّؤُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَشِيِّ وما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ.
وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلا الظِّلَّ مِن بَرْدَ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ولا الفَيْءَ مَن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎تَيَمَّمَتِ العَيْنُ الَّتِي عند ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي
وعَنْ رُؤْبَةَ: ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ، وظِلٌّ ما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَهو ظِلٌّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ مِن طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَّوالِ تَنْسَخُ الظِّلَّ، فَإذا زالَتْ رَجَعَ، ولا يَزالُ يَنْمُو إلى أنْ تَغِيبَ. والمَشْهُورُ أنَّ الفَيْءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الزَّوالِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِهِ. فَمَعْنى تَتَفَيَّؤُ: تَتَنَقَّلُ وتَمِيلُ، وأضافَ الظِّلالَ - وهي جَمْعٌ - إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأنَّهُ ضَمِيرُ ما، وهو جَمْعٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: في قِراءَةِ عِيسى ظُلَلُهُ، وظِلُّهُ: الغَيْمُ، وهو جِسْمٌ، وبِالكَسْرِ: الفَيْءُ، وهو عَرَضٌ في العامَّةِ: فَرَأى عِيسى أنَّ التَّفَيُّؤَ الَّذِي هو الرُّجُوعُ بِالأجْسامِ أوْلى، (p-٤٩٧)وأمّا في العامَّةِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ؛ انْتَهى.
قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾، بَحْثانِ؛ أحَدُهُما: ما المُرادُ بِذَلِكَ. والثّانِي: ما الحِكْمَةُ في إفْرادِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ ؟ أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: يَمِينُ الفَلَكِ وهو المَشْرِقُ، وشِمالُهُ هو المَغْرِبُ. وخَصَّ هَذانِ الِاسْمانِ بِهَذَيْنِ الجانِبَيْنِ لِأنَّ أقْوى جانِبَيِ الإنْسانِ يَمِينُهُ، ومِنهُ تَظْهَرُ الحَرَكَةُ الفَلَكِيَّةُ اليَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَشْرِقُ يَمِينَ الفَلَكِ والمَغْرِبُ شِمالَهُ، فَعَلى هَذا تَقُولُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها إلى وقْتِ انْتِهائِها إلى وسَطِ الفَلَكِ يَقَعُ الظِّلالُ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ، فَإنِ انْحَدَرَتْ مِن وسَطِ الفَلَكِ عَنِ الجانِبِ الغَرْبِيِّ وقَعَتِ الظِّلالُ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذا المُرادُ مِن تَفَيُّؤِ الظِّلالِ مِنَ اليَمِينِ إلى الشَّمالِ. وقِيلَ: البَلْدَةُ الَّتِي عَرْضُها أقَلُّ مِن مِقْدارِ المِيلِ تَكُونُ الشَّمْسُ في الصَّيْفِ عَنْ يَمِينِ البَلْدَةِ فَتَقَعُ الظِّلالُ عَلى يَمِينِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ عَنْ أيْمانِها وشَمائِلِها عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ وشِقَّيْهِ: اسْتِعارَةٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ بِجانِبَيِ الشَّيْءِ، أيْ: تَرْجِعُ الظِّلالُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ: العِبْرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، هو كُلُّ جِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَّجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، لَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَّمائِلِ هُنا عَلى حَسْبِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ اللَّبْسِ تُقَدِّرُهُ: ذا يَمِينِ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ: بِمُسْتَقْبِلِ أيِّ جِهَةٍ شِئْتَ، ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشِّمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُّنْيا، فَهَذا يَعُمُّ ألْفاظَ الآيَةِ. وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينَ مِن غُدْوَةِ الزَّوالِ، ويَكُونُ مِنَ الزَّوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِّمالِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلَ الجَنُوبِ؛ انْتَهى. وأمّا الثّانِي فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واليَمِينُ بِمَعْنى الأيْمانِ، فَجَعَلَهُ - وهو مُفْرَدٌ - بِمَعْنى الجَمْعِ، فَطابَقَ الشَّمائِلَ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما قالَ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] يُرِيدُ الإدْبارَ. وقالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ إذا وحَّدَ ذَهَبَ إلى واحِدٍ مِن ذَواتِ الظِّلالِ، وإذا جَمَعَ ذَهَبَ إلى كُلِّها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما خَلَقَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾، لَفْظٌ واحِدٌ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَعَبَّرَ عَنْ أحَدِهِما بِلَفْظِ الواحِدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ، كانَتِ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها، فَكانَتِ اليَمِينُ واحِدَةً. وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الظِّلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ، وهي كَثِيرَةٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشَّمائِلِ الشِّمالُ والقُدّامُ والخَلْفُ، لِأنَّ الظِّلَّ يَفِيءُ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها فَبُدِئَ بِاليَمِينِ لِأنَّ ابْتِداءَ التَّفَيُّؤِ مِنها، أوْ تَيَمُّنًا بِذِكْرِها، ثُمَّ جَمَعَ الباقِيَ عَلى لَفْظِ الشِّمالِ لِما بَيْنَ اليَمِينِ والشِّمالِ مِنَ التَّضادِّ، وتَنَزُّلُ القُدّامُ والخَلْفُ مَنزِلَةَ الشِّمالِ لِما بَيْنَهُما وبَيْنَ اليَمِينِ مِنَ الخِلافِ. وقِيلَ: وحَّدَ اليَمِينَ وجَمَعَ الشَّمائِلَ، لِأنَّ الِابْتِداءَ عَنِ اليَمِينِ، ثُمَّ يَنْقَبِضُ شَيْئًا فَشَيْئًا حالًا بَعْدَ حالٍ، فَهو بِمَعْنى الجَمْعِ، فَصَدَقَ عَلى كُلِّ حالٍ لَفْظَةُ الشِّمالِ، فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الحالاتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ وقْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ، ثُمَّ الآخِرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَّمائِلِ، وأفْرَدَ اليَمِينَ فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ ومُبْطَلٌ مِن جِهاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِّلَّ، فَعَلى هَذا تَأوَّلَ دَوْرَةَ الشَّمْسِ بِالظِّلِّ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبَلِ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو مِنَ الشَّمائِلِ، لِأنَّهُ حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ؛ وظِلالٌ مُنْقَطِعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، فَكانَ الظِّلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقالَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الكُتامِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ الصّائِغِ: أفْرَدَ وجَمَعَ بِالنَّظَرِ إلى الغايَتَيْنِ، لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهو بِالعَشِيِّ عَلى العَكْسِ (p-٤٩٨)لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ، فَلُحِظَتِ الغايَتانِ في الآيَةِ: هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وفِيهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ المُطابَقَةُ، لِأنَّ سُجَّدًا جَمْعٌ فَطابَقَهُ جَمْعُ الشَّمائِلِ لِاتِّصالِهِ بِهِ، فَحَصَلَ في الآيَةِ مُطابَقَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى، ولَحْظُهُما مَعًا وتِلْكَ الغايَةُ في الإعْجازِ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ حَمْلُ الظِّلالِ عَلى حَقِيقَتِها، وعَلى ذَلِكَ وقَعَ كَلامُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ وقالُوا: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلى القِبْلَةِ كانَ الظِّلُّ قُدّامَكَ، فَإذا ارْتَفَعَتْ كانَ عَلى يَمِينِكَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ خَلْفَكَ، فَإذا أرَدْتَ الغُرُوبَ كانَ عَلى يَسارِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الظِّلالُ هُنا الأشْخاصُ وهي المُرادَةُ نَفْسُها، والعَرَبُ تُخْبِرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِّلالِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:
؎إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَّحْمِ المَراجِيلُ
وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَتْبَعُ أفْياءَ الظِّلالِ عَشِيَّةً
أيْ: أفْياءَ الأشْخاصِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَرَّرَهُ؛ انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ السُّجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ، وجَرَيانِها عَلى ما أرادَ اللَّهُ مِن مَيَلانِ تِلْكَ الظِّلالِ، ودَوَرانِها كَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ إلى الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُجَّدًا: حالٌ مِنَ الظِّلالِ، ﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (ظِلالُهُ)، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهو ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ. وجُمِعَ بِالواوِ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ، أوْ لِأنَّ في جُمْلَةِ ذَلِكَ مَن يَعْقِلُ فَغُلِّبَ، والمَعْنى: أنَّ الظِّلالَ مُنْقادَةٌ لِلَّهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ مِنَ التَّفَيُّؤِ والإجْرامِ في أنْفُسِها. داخِرَةٌ أيْضًا: صاغِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِأفْعالِ اللَّهِ فِيها لا تَمْتَنِعُ؛ انْتَهى. فَغايَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الحالَيْنِ، جَعَلَ سُجَّدًا حالًا مِنَ الظِّلالِ، و﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في سُجَّدًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِنَ الظِّلالِ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، وهو ضاحِكٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وهو ضاحِكٌ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في راكِبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن زَيْدٍ، وهَذا الثّانِي عِنْدِي أظْهَرُ، والعامِلُ في الحالَيْنِ هو تَتَفَيَّؤُ، و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقِيلَ: عَنِ اسْمِ؛ أيْ: جانِبِ اليَمِينِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ. وأمّا ما أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لا يَجُوزُ، وهي مَسْألَةُ: جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ ضاحِكَةً، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا أوْ كالجُزْءِ جازَ، وقَدْ يُخْبِرُ هُنا ويَقُولُ: الظِّلالُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنَ الأجْرامِ فَهي كالجُزْءِ، لِأنَّ وُجُودَها ناشِئٌ عَنْ وُجُودِها. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ السُّجُودَ هُنا حَقِيقَةٌ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ وشَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصّالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِّلالُ دُونَ الأشْخاصِ، وعَنْهُ أيْضًا إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ. وقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ. وقِيلَ: لَمّا كانَتِ الظِّلالُ مُلْصَقَةً بِالأرْضِ واقِعَةً عَلَيْها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ وُصِفَتْ بِالسُّجُودِ، وكَوْنُ السُّجُودِ يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ وهو الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ العِبادَةِ وقَصْدِها يَبْعُدُ، إذْ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ الحَياةَ والعِلْمَ والقَصْدَ بِالعِبادَةِ. وخَصَّ الظِّلَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَرِيعُ التَّغَيُّرِ، والتَّغَيُّرُ يَقْتَضِي مُغَيِّرًا غَيْرَهُ ومُدَبِّرًا لَهُ، ولَمّا كانَ سُجُودُ الظِّلالِ في غايَةِ الظُّهُورِ بُدِئَ بِهِ، ثُمَّ انْتُقِلَ إلى سُجُودِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ. و﴿مِن دابَّةٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الظَّرْفَيْنِ، ويَكُونُ مَن في السَّماواتِ خَلْقٌ يَدِبُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الأرْضِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. وعَطَفَ (والمَلائِكَةُ) عَلى ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وهم مُنْدَرِجُونَ في عُمُومِ (ما) تَشْرِيفًا لَهم وتَكْرِيمًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الحَفَظَةُ الَّتِي في الأرْضِ، وبِما في السَّماواتِ مَلائِكَتُهُنَّ، فَلَمْ يَدْخُلُوا في العُمُومِ. وقِيلَ: بَيَّنَ تَعالى في آيَةِ الظِّلالِ أنَّ الجَماداتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ - وهُمُ المَلائِكَةُ - وأخَسَّها - وهي (p-٤٩٩)الدَّوابُّ - مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجَمِيعَ مُنْقادٌ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الدّابَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ جُسْمانِيٍّ يَتَحَرَّكُ ويَدِبُّ، فَلَمّا مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ الدّابَّةِ، عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَدِبُّ، بَلْ هي أرْواحٌ مُخْتَصَّةٌ بِحَرَكَةٍ؛ انْتَهى. وهو قَوْلٌ فَلْسَفِيٌّ. ولَمّا كانَ بَيْنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ في السُّجُودِ وهو الِانْقِيادُ لِإرادَةِ اللَّهِ، جَمَعَ بَيْنَهُما فِيهِ وإنِ اخْتَلَفا في كَيْفِيَّةِ السُّجُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا جِيءَ بِـ (مَن) دُونَ (ما) تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ مِنَ الدَّوابِّ عَلى غَيْرِهِمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِمَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى التَّغْلِيبِ، فَكانَ مُتَناوِلًا لِلْعُقَلاءِ خاصَّةً، فَجِيءَ بِما هو صالِحٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ إرادَةَ العُمُومِ؛ انْتَهى. وظاهِرُ السُّؤالِ تَسْلِيمُ أنَّ (مَن) قَدْ تَشْمَلُ العُقَلاءَ وغَيْرَهم عَلى جِهَةِ التَّغْلِيبِ، وظاهِرُ الجَوابِ تَخْصِيصُ (مَن) بِالعُقَلاءِ، وأنَّ الصّالِحَ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ ما دُونَ (مَن)، وهَذا لَيْسَ بِجَوابٍ، لِأنَّهُ أوْرَدَ السُّؤالَ عَلى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الجَوابَ عَلى غَيْرِ التَّسْلِيمِ فَصارَ المَعْنى: أنَّ مَن يُغَلَّبُ بِها، والجَوابُ لا يُغَلَّبُ بِها، وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ﴾، عائِدٌ عَلى المَنسُوبِ إلَيْهِمُ السُّجُودُ. في ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾، وقالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: يَخافُونَ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ خاصَّةً، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: والمَلائِكَةُ مَوْصُوفُونَ بِالخَوْفِ، لِأنَّهم قادِرُونَ عَلى العِصْيانِ وإنْ كانُوا لا يَعْصُونَ. والفَوْقِيَّةُ المَكانِيَّةُ مُسْتَحِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ عَلَّقْتَهُ بِـ (يَخافُونَ) كانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: يَخافُونَ عَذابَهُ كائِنًا مِن فَوْقِهِمْ، لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، وإنْ عَلَّقْتَهُ بِرَبِّهِمْ كانَ حالًا مِنهُ؛ أيْ: يَخافُونَ رَبَّهم عالِيًا لَهم قاهِرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وفي نِسْبَةِ الخَوْفِ لِمَن نُسِبَ إلَيْهِ السُّجُودُ أوِ المَلائِكَةُ خاصَّةً دَلِيلٌ عَلى تَكْلِيفِ المَلائِكَةِ كَسائِرِ المُكَلَّفِينَ، وأنَّهم بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ مُدارُونَ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ومَن يَقُلْ مِنهم: إنَّهُ إلَهٌ مِن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: الخَوْفُ: خَوْفُ جَلالٍ ومَهابَةٍ. والجُمْلَةُ مِن (يَخافُونَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِنَفْيِ الِاسْتِكْبارِ وتَأْكِيدًا لَهُ، لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ. وقَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسْبِ الشَّرْعِ والطّاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَّسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما نَفَذَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
النحل 16:49
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، أنْكَرُوا نُبُوَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، فَهَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا ؟ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ يُوسُفَ، والمَعْنى: نُوحِي إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُوحى، بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِالياءِ وكَسْرِها؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَفْصٌ: بِالنُّونِ وكَسْرِها. وأهْلُ الذِّكْرِ: اليَهُودُ، والنَّصارى، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: اليَهُودُ. والذِّكْرُ: التَّوْراةُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلْمانَ. وقالَ الأعْمَشُ، وابْنُ عُيَيْنَةَ: مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقالَ الزَّجّاجُ: عامٌّ فِيمَن يُعْزى إلَيْهِ عِلْمٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرْآنِ. ويُضَعَّفُ هَذا القَوْلُ وقَوْلُ مَن قالَ: مَن أسْلَمَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ لَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى الَّذِينَ لَمْ (p-٤٩٤)يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ الآيَةِ النّازِلَةِ، إنَّما يُخْبِرُونَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ البَشَرِ، وإخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهم، ولا يُتَّهَمُونَ بِشَهادَةٍ لَهم لَنا، لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، لِأنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ. وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم ويُسْدُونَ إلَيْهِمْ؛ انْتَهى. والأجْوَدُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: بِالبَيِّناتِ، بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أُرْسِلُوا ؟ قالَ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ، فَيَكُونُ عَلى كَلامَيْنِ، وقالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما. وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وما أرْسَلْنا، وهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النِّيَّةَ فِيهِ التَّقْدِيمُ قَبْلَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا حَتّى لا يَكُونَ ما بَعْدَ (إلّا) مَعْمُولَيْنِ مُتَأخِّرِينَ لَفْظًا ورُتْبَةً، داخِلَيْنَ تَحْتَ الحَصْرِ لِما قَبْلَها، وهَذا حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يُنْوى بِهِ التَّقْدِيمُ، بَلْ وقَعا بَعْدَ (إلّا) في نِيَّةِ الحَصْرِ، وهَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ قالَ: تَتَعَلَّقُ بِما أرْسَلْنا، داخِلًا تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا، أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، لِأنَّ أصْلَهُ ضَرَبْتُ زَيْدًا بِالسَّوْطِ؛ انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا تَمَّ الكَلامُ عَلى (إلّا) وما يَلِيها، إلّا أنَّهُ قَدْ جاءَ في الشِّعْرِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيْتَهم عَذَّبُوا بِالنّارِ جارَهم ولا يُعَذِّبُ إلّا اللَّهُ بِالنّارِ
؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهم لا يُجِيزُونَ أنْ يَقَعَ بَعْدَ (إلّا)، إلّا مُسْتَثْنًى، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، أوْ تابِعًا، وما ظَنَّ مِن غَيْرِ الثَّلاثَةِ مَعْمُولًا لِما قَبْلَ (إلّا) قُدِّرَ لَهُ عامِلٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ تَقَعَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها مَنصُوبٌ، نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا، ومَخْفُوضٌ نَحْوَ: ما مَرَّ إلّا زَيْدٌ بِعَمْرٍو، ومَرْفُوعٌ نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدًا عَمْرٌو. ووافَقَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَرْفُوعِ، والأخْفَشُ في الظَّرْفِ والجارِّ والحالِ. فالقَوْلُ الَّذِي قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، ودَلائِلُ هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرِجالٍ، أيْ: رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ، لِأنَّهُ في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِما بَعْدَ (إلّا)، فَوُصِفَ رِجالًا بِيُوحى إلَيْهِمْ، وبِذَلِكَ العامِلِ في بِالبَيِّناتِ كَما تَقُولُ: ما أكْرَمْتُ إلّا رَجُلًا مُسْلِمًا مُلْتَبِسًا بِالخَيْرِ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَتَعَلَّقَ بِيُوحى إلَيْهِمْ، وأنْ يَتَعَلَّقَ بِلا يَعْلَمُونَ. قالَ: عَلى أنَّ الشَّرْطَ في مَعْنى التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَقَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتَ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي حَقِّي، وقَوْلُهُ: فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، اعْتِراضٌ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي: مِنَ الَّتِي ذَكَرَ، غَيْرَ الوَجْهِ الأخِيرِ. وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ. وقِيلَ: الذِّكْرُ: العِلْمُ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ مِنَ المُشْكِلِ والمُتَشابِهِ، لِأنَّ النَّصَّ والظّاهِرَ لا يَحْتاجانِ إلى بَيانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، ووُعِدُوا وأُوعِدُوا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِتُبَيِّنَ - بِسَرْدِكَ - بِنَصِّ القُرْآنِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لِتُبَيِّنَ - بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلِ وشَرْحِكَ - ما أُشْكِلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِن أمْرِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ انْتَهى.
﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، أيْ: وإرادَةُ أنْ يُصْغُوا إلى تَنْبِيهاتِهِ فَيَتَنَبَّهُوا ويَتَأمَّلُوا، والسَّيِّئاتُ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: المَكْراتِ السَّيِّئاتِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ مَفْعُولٌ بِمَكَرُوا عَلى تَضْمِينِ مَكَرُوا مَعْنى فَعَلُوا وعَمِلُوا، والسَّيِّئاتُ عَلى هَذا مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ؛ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، ويَعْنِي بِهِ العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُهم ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى هَذا الأخِيرِ يَكُونُ أنْ يَخْسِفَ بَدَلًا مِنَ السَّيِّئاتِ. وعَلى القَوْلَيْنِ، قَبْلَهُ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، والَّذِينَ مَكَرُوا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ هم أهْلُ مَكَّةَ مَكَرُوا بِالرَّسُولِ ﷺ وقالَ مُجاهِدٌ: هو نُمْرُودٌ، والخَسْفُ: بَلْعُ الأرْضِ المَخْسُوفِ بِهِ وقُعُودُها بِهِ إلى أسْفَلَ. وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ وقَعَ الخَسْفُ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِهِمُ الأرْضَ (p-٤٩٥)كَما فُعِلَ بِقارُونَ، وذَكَرَ لَنا أنَّ أخْلاطًا مِن بِلادِ الرُّومِ خُسِفَ بِها، وحِينَ أحَسَّ أهْلُها بِذَلِكَ فَرَّ أكْثَرُهم، وأنَّ بَعْضَ التُّجّارِ مِمَّنْ كانَ يَرِدُ إلَيْها رَأى ذَلِكَ مِن بَعِيدٍ فَرَجَعَ بِتِجارَتِهِ.
﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا شُعُورَ لَهم بِمَجِيءِ العَذابِ مِنها، كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ في تَقَلُّبِهِمْ في أسْفارِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ في مَنامِهِمْ، رُوِيَ هَذا وما قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ: في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، أيْ: حالَةَ ذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ فِيهِما. وقِيلَ: في تَقَلُّبِهِمْ في مَكْرِهِمْ وحِيَلِهِمْ، فَيَأْخُذُهم قَبْلَ تَمامِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ ما يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ، فَما هم بِسابِقِينَ اللَّهَ ولا فائِتِيهِ. والأخْذُ هُنا: الإهْلاكُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] و﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾: عَلى تَنَقُّصٍ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَوَّفْتُهُ وتَخَوَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتُهُ وأخَذْتُ مِن مالِهِ وجِسْمِهِ. وقالَ الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: هو النَّقْصُ، بِلُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ. وفي حَدِيثٍ لِعُمَرَ أنَّهُ سَألَ عَنِ التَّخَوُّفِ، فَأجابَهُ شَيْخٌ: بِأنَّهُ التَّنَقُّصُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَهُ قَوْلَ أبِي كَثِيرٍ الهُذَلِيِّ:
؎تَخَوَّفَ الرَّحْلَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
وهَذا التَّخَوُّفُ بِمَعْنى: التَّنَقُّصِ، قِيلَ: مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: يَأْخُذُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ورُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُنْقِصُ ثِمارَهم وأمْوالَهم حَتّى يُهْلِكَهم. وقِيلَ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾، عَلى خَوْفِ أنْ يُعاقِبَهم أوْ يَتَجاوَزَ، عَنْهم قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَخَوُّفٍ: مُتَخَوِّفِينَ، وهو أنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهم فَيَتَخَوَّفُوا، فَيَأْخُذَهم بِالعَذابِ، وهم مُتَخَوِّفُونَ مُتَوَقِّعُونَ، وهو خِلافُ قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ انْتَهى. وقالَهُ الضَّحّاكُ، يَأْخُذُ قَرْيَةً فَتَخافُ القَرْيَةُ الأُخْرى. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عَلى تَخَوُّفٍ ضِدُّ البَغْتَةِ، أيْ: عَلى حُدُوثِ حالاتٍ يُخافُ مِنها كالرِّياحِ والزَّلازِل والصَّواعِقِ، ولِهَذا خَتَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، لِأنَّ في ذَلِكَ مُهْلَةً وامْتِدادَ وقْتٍ، فَيُمْكِنُ فِيهِ التَّلافِي. وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾ عَلى عَجَلٍ. وقِيلَ: عَلى تَقْرِيعٍ بِما قَدَّمُوهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَمّا كانَ تَعالى قادِرًا عَلى هَذِهِ الأُمُورِ ولَمْ يُعاجِلْهم بِها ناسَبَ وصْفَهُ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُدْرَتَهُ عَلى تَعْذِيبِ الماكِرِينَ وإهْلاكِهِمْ بِأنْواعٍ مِنَ الأخْذِ، ذَكَرَ تَعالى طَواعِيَةَ ما خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ وخُضُوعَهُ ضِدَّ حالِ الماكِرِينَ، لِيُنَبِّهَهم عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا طائِعِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، (p-٤٩٦)والأخَوانِ: (أوَلَمْ تَرَوْا)، بِتاءِ الخِطابِ إمّا عَلى العُمُومِ لِلْخَلْقِ اسْتُؤْنِفَ بِهِ الإخْبارُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم، إذا كانَ خِطابًا خاصًّا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. واحْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ مَكَرُوا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ المُكَلَّفِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: تَتَفَيَّئُوا، بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ظِلالُهُ: جَمْعُ ظِلٍّ. وقَرَأ عِيسى: ظُلَلُهُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ، كَحُلَّةٍ وحُلَلٍ. والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ الَّتِي يَقَعُ بِها الِاعْتِبارُ، ولَكِنَّها بِواسِطَةِ رُؤْيَةِ العَيْنِ. قِيلَ: والِاسْتِفْهامُ هُنا مَعْناهُ التَّوْبِيخُ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ التَّعَجُّبَ والتَّقْدِيرُ: تَعَجَّبُوا مِنِ اتِّخاذِهِمْ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا، وقَدْ رَأوْا هَذِهِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي أظْهَرَتْ عَجائِبَ قُدْرَتِهِ وغَرائِبَ صُنْعِهِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها شُرَكاءُ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: تَتَفَيَّئُوا، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن شَيْءٍ، لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِّفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها ظِلٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما مَوْصُولَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ وهو مُبْهَمٌ بَيانُهُ مِن شَيْءٍ تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ، وقالَ غَيْرُ هَؤُلاءِ: المَعْنى: مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن جَبَلٍ وشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائِمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، إخْبارٌ عَنْ قَوْلِهِ مِن شَيْءٍ وصْفٌ لَهُ، وهَذا الإخْبار يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو لَهُ ظِلٌّ. وتَتَفَيَّئُوا: تَتَفَعَّلُوا مِنَ الفَيْءِ، وهو الرُّجُوعُ؛ يُقالُ: فاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فَيَرْجِعُ، وعادَ بَعْدَما نَسَخَهُ ضِياءُ الشَّمْسِ. وفاءَ إذا عُدِّيَ، فَبِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أوْ بِالتَّضْعِيفِ نَحْوَ: فَيَّأ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأ، وتَفَيَّأ مِن بابِ المُطاوَعَةِ، وهو لازِمٌ وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أبُو تَمّامٍ مُتَعَدِّيًا قالَ:
؎طَلَبْتُ رَبِيعَ رَبِيعَةَ المُمْهى لَها ∗∗∗ وتَفَيَّأْتُ ظِلًّا لَها مَمْدُودًا
ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ مُتَعَدِّيًا. قالَ الأزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ: رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَّفَيُّؤُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَشِيِّ وما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ.
وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلا الظِّلَّ مِن بَرْدَ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ولا الفَيْءَ مَن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎تَيَمَّمَتِ العَيْنُ الَّتِي عند ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي
وعَنْ رُؤْبَةَ: ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ، وظِلٌّ ما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَهو ظِلٌّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ مِن طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَّوالِ تَنْسَخُ الظِّلَّ، فَإذا زالَتْ رَجَعَ، ولا يَزالُ يَنْمُو إلى أنْ تَغِيبَ. والمَشْهُورُ أنَّ الفَيْءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الزَّوالِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِهِ. فَمَعْنى تَتَفَيَّؤُ: تَتَنَقَّلُ وتَمِيلُ، وأضافَ الظِّلالَ - وهي جَمْعٌ - إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأنَّهُ ضَمِيرُ ما، وهو جَمْعٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: في قِراءَةِ عِيسى ظُلَلُهُ، وظِلُّهُ: الغَيْمُ، وهو جِسْمٌ، وبِالكَسْرِ: الفَيْءُ، وهو عَرَضٌ في العامَّةِ: فَرَأى عِيسى أنَّ التَّفَيُّؤَ الَّذِي هو الرُّجُوعُ بِالأجْسامِ أوْلى، (p-٤٩٧)وأمّا في العامَّةِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ؛ انْتَهى.
قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾، بَحْثانِ؛ أحَدُهُما: ما المُرادُ بِذَلِكَ. والثّانِي: ما الحِكْمَةُ في إفْرادِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ ؟ أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: يَمِينُ الفَلَكِ وهو المَشْرِقُ، وشِمالُهُ هو المَغْرِبُ. وخَصَّ هَذانِ الِاسْمانِ بِهَذَيْنِ الجانِبَيْنِ لِأنَّ أقْوى جانِبَيِ الإنْسانِ يَمِينُهُ، ومِنهُ تَظْهَرُ الحَرَكَةُ الفَلَكِيَّةُ اليَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَشْرِقُ يَمِينَ الفَلَكِ والمَغْرِبُ شِمالَهُ، فَعَلى هَذا تَقُولُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها إلى وقْتِ انْتِهائِها إلى وسَطِ الفَلَكِ يَقَعُ الظِّلالُ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ، فَإنِ انْحَدَرَتْ مِن وسَطِ الفَلَكِ عَنِ الجانِبِ الغَرْبِيِّ وقَعَتِ الظِّلالُ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذا المُرادُ مِن تَفَيُّؤِ الظِّلالِ مِنَ اليَمِينِ إلى الشَّمالِ. وقِيلَ: البَلْدَةُ الَّتِي عَرْضُها أقَلُّ مِن مِقْدارِ المِيلِ تَكُونُ الشَّمْسُ في الصَّيْفِ عَنْ يَمِينِ البَلْدَةِ فَتَقَعُ الظِّلالُ عَلى يَمِينِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ عَنْ أيْمانِها وشَمائِلِها عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ وشِقَّيْهِ: اسْتِعارَةٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ بِجانِبَيِ الشَّيْءِ، أيْ: تَرْجِعُ الظِّلالُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ: العِبْرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، هو كُلُّ جِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَّجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، لَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَّمائِلِ هُنا عَلى حَسْبِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ اللَّبْسِ تُقَدِّرُهُ: ذا يَمِينِ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ: بِمُسْتَقْبِلِ أيِّ جِهَةٍ شِئْتَ، ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشِّمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُّنْيا، فَهَذا يَعُمُّ ألْفاظَ الآيَةِ. وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينَ مِن غُدْوَةِ الزَّوالِ، ويَكُونُ مِنَ الزَّوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِّمالِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلَ الجَنُوبِ؛ انْتَهى. وأمّا الثّانِي فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واليَمِينُ بِمَعْنى الأيْمانِ، فَجَعَلَهُ - وهو مُفْرَدٌ - بِمَعْنى الجَمْعِ، فَطابَقَ الشَّمائِلَ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما قالَ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] يُرِيدُ الإدْبارَ. وقالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ إذا وحَّدَ ذَهَبَ إلى واحِدٍ مِن ذَواتِ الظِّلالِ، وإذا جَمَعَ ذَهَبَ إلى كُلِّها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما خَلَقَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾، لَفْظٌ واحِدٌ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَعَبَّرَ عَنْ أحَدِهِما بِلَفْظِ الواحِدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ، كانَتِ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها، فَكانَتِ اليَمِينُ واحِدَةً. وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الظِّلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ، وهي كَثِيرَةٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشَّمائِلِ الشِّمالُ والقُدّامُ والخَلْفُ، لِأنَّ الظِّلَّ يَفِيءُ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها فَبُدِئَ بِاليَمِينِ لِأنَّ ابْتِداءَ التَّفَيُّؤِ مِنها، أوْ تَيَمُّنًا بِذِكْرِها، ثُمَّ جَمَعَ الباقِيَ عَلى لَفْظِ الشِّمالِ لِما بَيْنَ اليَمِينِ والشِّمالِ مِنَ التَّضادِّ، وتَنَزُّلُ القُدّامُ والخَلْفُ مَنزِلَةَ الشِّمالِ لِما بَيْنَهُما وبَيْنَ اليَمِينِ مِنَ الخِلافِ. وقِيلَ: وحَّدَ اليَمِينَ وجَمَعَ الشَّمائِلَ، لِأنَّ الِابْتِداءَ عَنِ اليَمِينِ، ثُمَّ يَنْقَبِضُ شَيْئًا فَشَيْئًا حالًا بَعْدَ حالٍ، فَهو بِمَعْنى الجَمْعِ، فَصَدَقَ عَلى كُلِّ حالٍ لَفْظَةُ الشِّمالِ، فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الحالاتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ وقْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ، ثُمَّ الآخِرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَّمائِلِ، وأفْرَدَ اليَمِينَ فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ ومُبْطَلٌ مِن جِهاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِّلَّ، فَعَلى هَذا تَأوَّلَ دَوْرَةَ الشَّمْسِ بِالظِّلِّ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبَلِ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو مِنَ الشَّمائِلِ، لِأنَّهُ حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ؛ وظِلالٌ مُنْقَطِعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، فَكانَ الظِّلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقالَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الكُتامِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ الصّائِغِ: أفْرَدَ وجَمَعَ بِالنَّظَرِ إلى الغايَتَيْنِ، لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهو بِالعَشِيِّ عَلى العَكْسِ (p-٤٩٨)لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ، فَلُحِظَتِ الغايَتانِ في الآيَةِ: هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وفِيهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ المُطابَقَةُ، لِأنَّ سُجَّدًا جَمْعٌ فَطابَقَهُ جَمْعُ الشَّمائِلِ لِاتِّصالِهِ بِهِ، فَحَصَلَ في الآيَةِ مُطابَقَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى، ولَحْظُهُما مَعًا وتِلْكَ الغايَةُ في الإعْجازِ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ حَمْلُ الظِّلالِ عَلى حَقِيقَتِها، وعَلى ذَلِكَ وقَعَ كَلامُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ وقالُوا: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلى القِبْلَةِ كانَ الظِّلُّ قُدّامَكَ، فَإذا ارْتَفَعَتْ كانَ عَلى يَمِينِكَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ خَلْفَكَ، فَإذا أرَدْتَ الغُرُوبَ كانَ عَلى يَسارِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الظِّلالُ هُنا الأشْخاصُ وهي المُرادَةُ نَفْسُها، والعَرَبُ تُخْبِرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِّلالِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:
؎إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَّحْمِ المَراجِيلُ
وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَتْبَعُ أفْياءَ الظِّلالِ عَشِيَّةً
أيْ: أفْياءَ الأشْخاصِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَرَّرَهُ؛ انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ السُّجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ، وجَرَيانِها عَلى ما أرادَ اللَّهُ مِن مَيَلانِ تِلْكَ الظِّلالِ، ودَوَرانِها كَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ إلى الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُجَّدًا: حالٌ مِنَ الظِّلالِ، ﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (ظِلالُهُ)، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهو ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ. وجُمِعَ بِالواوِ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ، أوْ لِأنَّ في جُمْلَةِ ذَلِكَ مَن يَعْقِلُ فَغُلِّبَ، والمَعْنى: أنَّ الظِّلالَ مُنْقادَةٌ لِلَّهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ مِنَ التَّفَيُّؤِ والإجْرامِ في أنْفُسِها. داخِرَةٌ أيْضًا: صاغِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِأفْعالِ اللَّهِ فِيها لا تَمْتَنِعُ؛ انْتَهى. فَغايَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الحالَيْنِ، جَعَلَ سُجَّدًا حالًا مِنَ الظِّلالِ، و﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في سُجَّدًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِنَ الظِّلالِ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، وهو ضاحِكٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وهو ضاحِكٌ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في راكِبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن زَيْدٍ، وهَذا الثّانِي عِنْدِي أظْهَرُ، والعامِلُ في الحالَيْنِ هو تَتَفَيَّؤُ، و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقِيلَ: عَنِ اسْمِ؛ أيْ: جانِبِ اليَمِينِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ. وأمّا ما أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لا يَجُوزُ، وهي مَسْألَةُ: جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ ضاحِكَةً، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا أوْ كالجُزْءِ جازَ، وقَدْ يُخْبِرُ هُنا ويَقُولُ: الظِّلالُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنَ الأجْرامِ فَهي كالجُزْءِ، لِأنَّ وُجُودَها ناشِئٌ عَنْ وُجُودِها. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ السُّجُودَ هُنا حَقِيقَةٌ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ وشَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصّالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِّلالُ دُونَ الأشْخاصِ، وعَنْهُ أيْضًا إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ. وقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ. وقِيلَ: لَمّا كانَتِ الظِّلالُ مُلْصَقَةً بِالأرْضِ واقِعَةً عَلَيْها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ وُصِفَتْ بِالسُّجُودِ، وكَوْنُ السُّجُودِ يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ وهو الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ العِبادَةِ وقَصْدِها يَبْعُدُ، إذْ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ الحَياةَ والعِلْمَ والقَصْدَ بِالعِبادَةِ. وخَصَّ الظِّلَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَرِيعُ التَّغَيُّرِ، والتَّغَيُّرُ يَقْتَضِي مُغَيِّرًا غَيْرَهُ ومُدَبِّرًا لَهُ، ولَمّا كانَ سُجُودُ الظِّلالِ في غايَةِ الظُّهُورِ بُدِئَ بِهِ، ثُمَّ انْتُقِلَ إلى سُجُودِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ. و﴿مِن دابَّةٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الظَّرْفَيْنِ، ويَكُونُ مَن في السَّماواتِ خَلْقٌ يَدِبُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الأرْضِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. وعَطَفَ (والمَلائِكَةُ) عَلى ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وهم مُنْدَرِجُونَ في عُمُومِ (ما) تَشْرِيفًا لَهم وتَكْرِيمًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الحَفَظَةُ الَّتِي في الأرْضِ، وبِما في السَّماواتِ مَلائِكَتُهُنَّ، فَلَمْ يَدْخُلُوا في العُمُومِ. وقِيلَ: بَيَّنَ تَعالى في آيَةِ الظِّلالِ أنَّ الجَماداتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ - وهُمُ المَلائِكَةُ - وأخَسَّها - وهي (p-٤٩٩)الدَّوابُّ - مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجَمِيعَ مُنْقادٌ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الدّابَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ جُسْمانِيٍّ يَتَحَرَّكُ ويَدِبُّ، فَلَمّا مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ الدّابَّةِ، عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَدِبُّ، بَلْ هي أرْواحٌ مُخْتَصَّةٌ بِحَرَكَةٍ؛ انْتَهى. وهو قَوْلٌ فَلْسَفِيٌّ. ولَمّا كانَ بَيْنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ في السُّجُودِ وهو الِانْقِيادُ لِإرادَةِ اللَّهِ، جَمَعَ بَيْنَهُما فِيهِ وإنِ اخْتَلَفا في كَيْفِيَّةِ السُّجُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا جِيءَ بِـ (مَن) دُونَ (ما) تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ مِنَ الدَّوابِّ عَلى غَيْرِهِمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِمَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى التَّغْلِيبِ، فَكانَ مُتَناوِلًا لِلْعُقَلاءِ خاصَّةً، فَجِيءَ بِما هو صالِحٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ إرادَةَ العُمُومِ؛ انْتَهى. وظاهِرُ السُّؤالِ تَسْلِيمُ أنَّ (مَن) قَدْ تَشْمَلُ العُقَلاءَ وغَيْرَهم عَلى جِهَةِ التَّغْلِيبِ، وظاهِرُ الجَوابِ تَخْصِيصُ (مَن) بِالعُقَلاءِ، وأنَّ الصّالِحَ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ ما دُونَ (مَن)، وهَذا لَيْسَ بِجَوابٍ، لِأنَّهُ أوْرَدَ السُّؤالَ عَلى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الجَوابَ عَلى غَيْرِ التَّسْلِيمِ فَصارَ المَعْنى: أنَّ مَن يُغَلَّبُ بِها، والجَوابُ لا يُغَلَّبُ بِها، وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ﴾، عائِدٌ عَلى المَنسُوبِ إلَيْهِمُ السُّجُودُ. في ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾، وقالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: يَخافُونَ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ خاصَّةً، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: والمَلائِكَةُ مَوْصُوفُونَ بِالخَوْفِ، لِأنَّهم قادِرُونَ عَلى العِصْيانِ وإنْ كانُوا لا يَعْصُونَ. والفَوْقِيَّةُ المَكانِيَّةُ مُسْتَحِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ عَلَّقْتَهُ بِـ (يَخافُونَ) كانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: يَخافُونَ عَذابَهُ كائِنًا مِن فَوْقِهِمْ، لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، وإنْ عَلَّقْتَهُ بِرَبِّهِمْ كانَ حالًا مِنهُ؛ أيْ: يَخافُونَ رَبَّهم عالِيًا لَهم قاهِرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وفي نِسْبَةِ الخَوْفِ لِمَن نُسِبَ إلَيْهِ السُّجُودُ أوِ المَلائِكَةُ خاصَّةً دَلِيلٌ عَلى تَكْلِيفِ المَلائِكَةِ كَسائِرِ المُكَلَّفِينَ، وأنَّهم بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ مُدارُونَ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ومَن يَقُلْ مِنهم: إنَّهُ إلَهٌ مِن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: الخَوْفُ: خَوْفُ جَلالٍ ومَهابَةٍ. والجُمْلَةُ مِن (يَخافُونَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِنَفْيِ الِاسْتِكْبارِ وتَأْكِيدًا لَهُ، لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ. وقَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسْبِ الشَّرْعِ والطّاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَّسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما نَفَذَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
النحل 16:50
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، أنْكَرُوا نُبُوَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، فَهَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا ؟ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ يُوسُفَ، والمَعْنى: نُوحِي إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُوحى، بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِالياءِ وكَسْرِها؛ وعَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَفْصٌ: بِالنُّونِ وكَسْرِها. وأهْلُ الذِّكْرِ: اليَهُودُ، والنَّصارى، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: اليَهُودُ. والذِّكْرُ: التَّوْراةُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلْمانَ. وقالَ الأعْمَشُ، وابْنُ عُيَيْنَةَ: مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقالَ الزَّجّاجُ: عامٌّ فِيمَن يُعْزى إلَيْهِ عِلْمٌ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ القُرْآنِ. ويُضَعَّفُ هَذا القَوْلُ وقَوْلُ مَن قالَ: مَن أسْلَمَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ لَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى الَّذِينَ لَمْ (p-٤٩٤)يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ الآيَةِ النّازِلَةِ، إنَّما يُخْبِرُونَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ البَشَرِ، وإخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهم، ولا يُتَّهَمُونَ بِشَهادَةٍ لَهم لَنا، لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، لِأنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ. وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم ويُسْدُونَ إلَيْهِمْ؛ انْتَهى. والأجْوَدُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: بِالبَيِّناتِ، بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أُرْسِلُوا ؟ قالَ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ، فَيَكُونُ عَلى كَلامَيْنِ، وقالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما. وقَدْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وما أرْسَلْنا، وهَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النِّيَّةَ فِيهِ التَّقْدِيمُ قَبْلَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا حَتّى لا يَكُونَ ما بَعْدَ (إلّا) مَعْمُولَيْنِ مُتَأخِّرِينَ لَفْظًا ورُتْبَةً، داخِلَيْنَ تَحْتَ الحَصْرِ لِما قَبْلَها، وهَذا حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يُنْوى بِهِ التَّقْدِيمُ، بَلْ وقَعا بَعْدَ (إلّا) في نِيَّةِ الحَصْرِ، وهَذا قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ قالَ: تَتَعَلَّقُ بِما أرْسَلْنا، داخِلًا تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا، أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، لِأنَّ أصْلَهُ ضَرَبْتُ زَيْدًا بِالسَّوْطِ؛ انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا تَمَّ الكَلامُ عَلى (إلّا) وما يَلِيها، إلّا أنَّهُ قَدْ جاءَ في الشِّعْرِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎لَيْتَهم عَذَّبُوا بِالنّارِ جارَهم ولا يُعَذِّبُ إلّا اللَّهُ بِالنّارِ
؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهم لا يُجِيزُونَ أنْ يَقَعَ بَعْدَ (إلّا)، إلّا مُسْتَثْنًى، أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ، أوْ تابِعًا، وما ظَنَّ مِن غَيْرِ الثَّلاثَةِ مَعْمُولًا لِما قَبْلَ (إلّا) قُدِّرَ لَهُ عامِلٌ. وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ تَقَعَ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها مَنصُوبٌ، نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا، ومَخْفُوضٌ نَحْوَ: ما مَرَّ إلّا زَيْدٌ بِعَمْرٍو، ومَرْفُوعٌ نَحْوَ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدًا عَمْرٌو. ووافَقَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَرْفُوعِ، والأخْفَشُ في الظَّرْفِ والجارِّ والحالِ. فالقَوْلُ الَّذِي قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، ودَلائِلُ هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِرِجالٍ، أيْ: رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ، لِأنَّهُ في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِما بَعْدَ (إلّا)، فَوُصِفَ رِجالًا بِيُوحى إلَيْهِمْ، وبِذَلِكَ العامِلِ في بِالبَيِّناتِ كَما تَقُولُ: ما أكْرَمْتُ إلّا رَجُلًا مُسْلِمًا مُلْتَبِسًا بِالخَيْرِ. وأجازَ أيْضًا أنْ يَتَعَلَّقَ بِيُوحى إلَيْهِمْ، وأنْ يَتَعَلَّقَ بِلا يَعْلَمُونَ. قالَ: عَلى أنَّ الشَّرْطَ في مَعْنى التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَقَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتَ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي حَقِّي، وقَوْلُهُ: فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، اعْتِراضٌ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي: مِنَ الَّتِي ذَكَرَ، غَيْرَ الوَجْهِ الأخِيرِ. وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ لَهُ ذِكْرٌ لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ. وقِيلَ: الذِّكْرُ: العِلْمُ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ مِنَ المُشْكِلِ والمُتَشابِهِ، لِأنَّ النَّصَّ والظّاهِرَ لا يَحْتاجانِ إلى بَيانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، ووُعِدُوا وأُوعِدُوا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِتُبَيِّنَ - بِسَرْدِكَ - بِنَصِّ القُرْآنِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لِتُبَيِّنَ - بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلِ وشَرْحِكَ - ما أُشْكِلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ مِن أمْرِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ انْتَهى.
﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، أيْ: وإرادَةُ أنْ يُصْغُوا إلى تَنْبِيهاتِهِ فَيَتَنَبَّهُوا ويَتَأمَّلُوا، والسَّيِّئاتُ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: المَكْراتِ السَّيِّئاتِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ مَفْعُولٌ بِمَكَرُوا عَلى تَضْمِينِ مَكَرُوا مَعْنى فَعَلُوا وعَمِلُوا، والسَّيِّئاتُ عَلى هَذا مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ؛ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، ويَعْنِي بِهِ العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُهم ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى هَذا الأخِيرِ يَكُونُ أنْ يَخْسِفَ بَدَلًا مِنَ السَّيِّئاتِ. وعَلى القَوْلَيْنِ، قَبْلَهُ مَفْعُولٌ بِأمِنَ، والَّذِينَ مَكَرُوا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ هم أهْلُ مَكَّةَ مَكَرُوا بِالرَّسُولِ ﷺ وقالَ مُجاهِدٌ: هو نُمْرُودٌ، والخَسْفُ: بَلْعُ الأرْضِ المَخْسُوفِ بِهِ وقُعُودُها بِهِ إلى أسْفَلَ. وذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهُ وقَعَ الخَسْفُ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِهِمُ الأرْضَ (p-٤٩٥)كَما فُعِلَ بِقارُونَ، وذَكَرَ لَنا أنَّ أخْلاطًا مِن بِلادِ الرُّومِ خُسِفَ بِها، وحِينَ أحَسَّ أهْلُها بِذَلِكَ فَرَّ أكْثَرُهم، وأنَّ بَعْضَ التُّجّارِ مِمَّنْ كانَ يَرِدُ إلَيْها رَأى ذَلِكَ مِن بَعِيدٍ فَرَجَعَ بِتِجارَتِهِ.
﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا شُعُورَ لَهم بِمَجِيءِ العَذابِ مِنها، كَما فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ في تَقَلُّبِهِمْ في أسْفارِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ في مَنامِهِمْ، رُوِيَ هَذا وما قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ: في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، أيْ: حالَةَ ذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ فِيهِما. وقِيلَ: في تَقَلُّبِهِمْ في مَكْرِهِمْ وحِيَلِهِمْ، فَيَأْخُذُهم قَبْلَ تَمامِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ ما يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ، فَما هم بِسابِقِينَ اللَّهَ ولا فائِتِيهِ. والأخْذُ هُنا: الإهْلاكُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] و﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾: عَلى تَنَقُّصٍ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَوَّفْتُهُ وتَخَوَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتُهُ وأخَذْتُ مِن مالِهِ وجِسْمِهِ. وقالَ الهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: هو النَّقْصُ، بِلُغَةِ أزْدِشَنُوءَةَ. وفي حَدِيثٍ لِعُمَرَ أنَّهُ سَألَ عَنِ التَّخَوُّفِ، فَأجابَهُ شَيْخٌ: بِأنَّهُ التَّنَقُّصُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَهُ قَوْلَ أبِي كَثِيرٍ الهُذَلِيِّ:
؎تَخَوَّفَ الرَّحْلَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
وهَذا التَّخَوُّفُ بِمَعْنى: التَّنَقُّصِ، قِيلَ: مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: يَأْخُذُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ورُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُنْقِصُ ثِمارَهم وأمْوالَهم حَتّى يُهْلِكَهم. وقِيلَ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾، عَلى خَوْفِ أنْ يُعاقِبَهم أوْ يَتَجاوَزَ، عَنْهم قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى تَخَوُّفٍ: مُتَخَوِّفِينَ، وهو أنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهم فَيَتَخَوَّفُوا، فَيَأْخُذَهم بِالعَذابِ، وهم مُتَخَوِّفُونَ مُتَوَقِّعُونَ، وهو خِلافُ قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ انْتَهى. وقالَهُ الضَّحّاكُ، يَأْخُذُ قَرْيَةً فَتَخافُ القَرْيَةُ الأُخْرى. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: عَلى تَخَوُّفٍ ضِدُّ البَغْتَةِ، أيْ: عَلى حُدُوثِ حالاتٍ يُخافُ مِنها كالرِّياحِ والزَّلازِل والصَّواعِقِ، ولِهَذا خَتَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، لِأنَّ في ذَلِكَ مُهْلَةً وامْتِدادَ وقْتٍ، فَيُمْكِنُ فِيهِ التَّلافِي. وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾ عَلى عَجَلٍ. وقِيلَ: عَلى تَقْرِيعٍ بِما قَدَّمُوهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَمّا كانَ تَعالى قادِرًا عَلى هَذِهِ الأُمُورِ ولَمْ يُعاجِلْهم بِها ناسَبَ وصْفَهُ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُدْرَتَهُ عَلى تَعْذِيبِ الماكِرِينَ وإهْلاكِهِمْ بِأنْواعٍ مِنَ الأخْذِ، ذَكَرَ تَعالى طَواعِيَةَ ما خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ وخُضُوعَهُ ضِدَّ حالِ الماكِرِينَ، لِيُنَبِّهَهم عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا طائِعِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، (p-٤٩٦)والأخَوانِ: (أوَلَمْ تَرَوْا)، بِتاءِ الخِطابِ إمّا عَلى العُمُومِ لِلْخَلْقِ اسْتُؤْنِفَ بِهِ الإخْبارُ، وإمّا عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم، إذا كانَ خِطابًا خاصًّا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. واحْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ مَكَرُوا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ المُكَلَّفِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: تَتَفَيَّئُوا، بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ظِلالُهُ: جَمْعُ ظِلٍّ. وقَرَأ عِيسى: ظُلَلُهُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ، كَحُلَّةٍ وحُلَلٍ. والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ الَّتِي يَقَعُ بِها الِاعْتِبارُ، ولَكِنَّها بِواسِطَةِ رُؤْيَةِ العَيْنِ. قِيلَ: والِاسْتِفْهامُ هُنا مَعْناهُ التَّوْبِيخُ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ التَّعَجُّبَ والتَّقْدِيرُ: تَعَجَّبُوا مِنِ اتِّخاذِهِمْ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا، وقَدْ رَأوْا هَذِهِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي أظْهَرَتْ عَجائِبَ قُدْرَتِهِ وغَرائِبَ صُنْعِهِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوها شُرَكاءُ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ البَتَّةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: تَتَفَيَّئُوا، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن شَيْءٍ، لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِّفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها ظِلٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما مَوْصُولَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ وهو مُبْهَمٌ بَيانُهُ مِن شَيْءٍ تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ، وقالَ غَيْرُ هَؤُلاءِ: المَعْنى: مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن جَبَلٍ وشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائِمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿تَتَفَيَّئُوا ظِلالُهُ﴾، إخْبارٌ عَنْ قَوْلِهِ مِن شَيْءٍ وصْفٌ لَهُ، وهَذا الإخْبار يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو لَهُ ظِلٌّ. وتَتَفَيَّئُوا: تَتَفَعَّلُوا مِنَ الفَيْءِ، وهو الرُّجُوعُ؛ يُقالُ: فاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فَيَرْجِعُ، وعادَ بَعْدَما نَسَخَهُ ضِياءُ الشَّمْسِ. وفاءَ إذا عُدِّيَ، فَبِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أوْ بِالتَّضْعِيفِ نَحْوَ: فَيَّأ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأ، وتَفَيَّأ مِن بابِ المُطاوَعَةِ، وهو لازِمٌ وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أبُو تَمّامٍ مُتَعَدِّيًا قالَ:
؎طَلَبْتُ رَبِيعَ رَبِيعَةَ المُمْهى لَها ∗∗∗ وتَفَيَّأْتُ ظِلًّا لَها مَمْدُودًا
ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ مُتَعَدِّيًا. قالَ الأزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ: رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَّفَيُّؤُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَشِيِّ وما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ.
وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلا الظِّلَّ مِن بَرْدَ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ولا الفَيْءَ مَن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎تَيَمَّمَتِ العَيْنُ الَّتِي عند ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي
وعَنْ رُؤْبَةَ: ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ، وظِلٌّ ما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَهو ظِلٌّ، وذَلِكَ أنَّ الشَّمْسَ مِن طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَّوالِ تَنْسَخُ الظِّلَّ، فَإذا زالَتْ رَجَعَ، ولا يَزالُ يَنْمُو إلى أنْ تَغِيبَ. والمَشْهُورُ أنَّ الفَيْءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الزَّوالِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِهِ. فَمَعْنى تَتَفَيَّؤُ: تَتَنَقَّلُ وتَمِيلُ، وأضافَ الظِّلالَ - وهي جَمْعٌ - إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأنَّهُ ضَمِيرُ ما، وهو جَمْعٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: في قِراءَةِ عِيسى ظُلَلُهُ، وظِلُّهُ: الغَيْمُ، وهو جِسْمٌ، وبِالكَسْرِ: الفَيْءُ، وهو عَرَضٌ في العامَّةِ: فَرَأى عِيسى أنَّ التَّفَيُّؤَ الَّذِي هو الرُّجُوعُ بِالأجْسامِ أوْلى، (p-٤٩٧)وأمّا في العامَّةِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ؛ انْتَهى.
قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾، بَحْثانِ؛ أحَدُهُما: ما المُرادُ بِذَلِكَ. والثّانِي: ما الحِكْمَةُ في إفْرادِ اليَمِينِ وجَمْعِ الشَّمائِلِ ؟ أمّا الأوَّلُ فَقالُوا: يَمِينُ الفَلَكِ وهو المَشْرِقُ، وشِمالُهُ هو المَغْرِبُ. وخَصَّ هَذانِ الِاسْمانِ بِهَذَيْنِ الجانِبَيْنِ لِأنَّ أقْوى جانِبَيِ الإنْسانِ يَمِينُهُ، ومِنهُ تَظْهَرُ الحَرَكَةُ الفَلَكِيَّةُ اليَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَشْرِقُ يَمِينَ الفَلَكِ والمَغْرِبُ شِمالَهُ، فَعَلى هَذا تَقُولُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها إلى وقْتِ انْتِهائِها إلى وسَطِ الفَلَكِ يَقَعُ الظِّلالُ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ، فَإنِ انْحَدَرَتْ مِن وسَطِ الفَلَكِ عَنِ الجانِبِ الغَرْبِيِّ وقَعَتِ الظِّلالُ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذا المُرادُ مِن تَفَيُّؤِ الظِّلالِ مِنَ اليَمِينِ إلى الشَّمالِ. وقِيلَ: البَلْدَةُ الَّتِي عَرْضُها أقَلُّ مِن مِقْدارِ المِيلِ تَكُونُ الشَّمْسُ في الصَّيْفِ عَنْ يَمِينِ البَلْدَةِ فَتَقَعُ الظِّلالُ عَلى يَمِينِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى: أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ عَنْ أيْمانِها وشَمائِلِها عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ وشِقَّيْهِ: اسْتِعارَةٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ بِجانِبَيِ الشَّيْءِ، أيْ: تَرْجِعُ الظِّلالُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ: العِبْرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، هو كُلُّ جِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَّجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، لَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَّمائِلِ هُنا عَلى حَسْبِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ اللَّبْسِ تُقَدِّرُهُ: ذا يَمِينِ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ: بِمُسْتَقْبِلِ أيِّ جِهَةٍ شِئْتَ، ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشِّمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُّنْيا، فَهَذا يَعُمُّ ألْفاظَ الآيَةِ. وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينَ مِن غُدْوَةِ الزَّوالِ، ويَكُونُ مِنَ الزَّوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِّمالِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلَ الجَنُوبِ؛ انْتَهى. وأمّا الثّانِي فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واليَمِينُ بِمَعْنى الأيْمانِ، فَجَعَلَهُ - وهو مُفْرَدٌ - بِمَعْنى الجَمْعِ، فَطابَقَ الشَّمائِلَ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما قالَ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] يُرِيدُ الإدْبارَ. وقالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ إذا وحَّدَ ذَهَبَ إلى واحِدٍ مِن ذَواتِ الظِّلالِ، وإذا جَمَعَ ذَهَبَ إلى كُلِّها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما خَلَقَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾، لَفْظٌ واحِدٌ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَعَبَّرَ عَنْ أحَدِهِما بِلَفْظِ الواحِدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ، كانَتِ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها، فَكانَتِ اليَمِينُ واحِدَةً. وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الظِّلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ، وهي كَثِيرَةٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشَّمائِلِ الشِّمالُ والقُدّامُ والخَلْفُ، لِأنَّ الظِّلَّ يَفِيءُ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها فَبُدِئَ بِاليَمِينِ لِأنَّ ابْتِداءَ التَّفَيُّؤِ مِنها، أوْ تَيَمُّنًا بِذِكْرِها، ثُمَّ جَمَعَ الباقِيَ عَلى لَفْظِ الشِّمالِ لِما بَيْنَ اليَمِينِ والشِّمالِ مِنَ التَّضادِّ، وتَنَزُّلُ القُدّامُ والخَلْفُ مَنزِلَةَ الشِّمالِ لِما بَيْنَهُما وبَيْنَ اليَمِينِ مِنَ الخِلافِ. وقِيلَ: وحَّدَ اليَمِينَ وجَمَعَ الشَّمائِلَ، لِأنَّ الِابْتِداءَ عَنِ اليَمِينِ، ثُمَّ يَنْقَبِضُ شَيْئًا فَشَيْئًا حالًا بَعْدَ حالٍ، فَهو بِمَعْنى الجَمْعِ، فَصَدَقَ عَلى كُلِّ حالٍ لَفْظَةُ الشِّمالِ، فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الحالاتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ وقْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ، ثُمَّ الآخِرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَّمائِلِ، وأفْرَدَ اليَمِينَ فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ ومُبْطَلٌ مِن جِهاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِّلَّ، فَعَلى هَذا تَأوَّلَ دَوْرَةَ الشَّمْسِ بِالظِّلِّ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبَلِ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو مِنَ الشَّمائِلِ، لِأنَّهُ حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ؛ وظِلالٌ مُنْقَطِعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، فَكانَ الظِّلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ انْتَهى. وقالَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الكُتامِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ الصّائِغِ: أفْرَدَ وجَمَعَ بِالنَّظَرِ إلى الغايَتَيْنِ، لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهو بِالعَشِيِّ عَلى العَكْسِ (p-٤٩٨)لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ، فَلُحِظَتِ الغايَتانِ في الآيَةِ: هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، وفِيهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ المُطابَقَةُ، لِأنَّ سُجَّدًا جَمْعٌ فَطابَقَهُ جَمْعُ الشَّمائِلِ لِاتِّصالِهِ بِهِ، فَحَصَلَ في الآيَةِ مُطابَقَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى، ولَحْظُهُما مَعًا وتِلْكَ الغايَةُ في الإعْجازِ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ حَمْلُ الظِّلالِ عَلى حَقِيقَتِها، وعَلى ذَلِكَ وقَعَ كَلامُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ وقالُوا: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلى القِبْلَةِ كانَ الظِّلُّ قُدّامَكَ، فَإذا ارْتَفَعَتْ كانَ عَلى يَمِينِكَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ خَلْفَكَ، فَإذا أرَدْتَ الغُرُوبَ كانَ عَلى يَسارِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الظِّلالُ هُنا الأشْخاصُ وهي المُرادَةُ نَفْسُها، والعَرَبُ تُخْبِرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِّلالِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:
؎إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَّحْمِ المَراجِيلُ
وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَتْبَعُ أفْياءَ الظِّلالِ عَشِيَّةً
أيْ: أفْياءَ الأشْخاصِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَرَّرَهُ؛ انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ السُّجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ، وجَرَيانِها عَلى ما أرادَ اللَّهُ مِن مَيَلانِ تِلْكَ الظِّلالِ، ودَوَرانِها كَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ إلى الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُجَّدًا: حالٌ مِنَ الظِّلالِ، ﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (ظِلالُهُ)، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهو ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ. وجُمِعَ بِالواوِ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ، أوْ لِأنَّ في جُمْلَةِ ذَلِكَ مَن يَعْقِلُ فَغُلِّبَ، والمَعْنى: أنَّ الظِّلالَ مُنْقادَةٌ لِلَّهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيما سَخَّرَها لَهُ مِنَ التَّفَيُّؤِ والإجْرامِ في أنْفُسِها. داخِرَةٌ أيْضًا: صاغِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِأفْعالِ اللَّهِ فِيها لا تَمْتَنِعُ؛ انْتَهى. فَغايَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الحالَيْنِ، جَعَلَ سُجَّدًا حالًا مِنَ الظِّلالِ، و﴿وهم داخِرُونَ﴾: حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في سُجَّدًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِنَ الظِّلالِ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، وهو ضاحِكٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وهو ضاحِكٌ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في راكِبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن زَيْدٍ، وهَذا الثّانِي عِنْدِي أظْهَرُ، والعامِلُ في الحالَيْنِ هو تَتَفَيَّؤُ، و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقِيلَ: عَنِ اسْمِ؛ أيْ: جانِبِ اليَمِينِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ. وأمّا ما أجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ، فَعَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لا يَجُوزُ، وهي مَسْألَةُ: جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ ضاحِكَةً، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا أوْ كالجُزْءِ جازَ، وقَدْ يُخْبِرُ هُنا ويَقُولُ: الظِّلالُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنَ الأجْرامِ فَهي كالجُزْءِ، لِأنَّ وُجُودَها ناشِئٌ عَنْ وُجُودِها. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ السُّجُودَ هُنا حَقِيقَةٌ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ وشَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصّالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِّلالُ دُونَ الأشْخاصِ، وعَنْهُ أيْضًا إذا زالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ. وقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ. وقِيلَ: لَمّا كانَتِ الظِّلالُ مُلْصَقَةً بِالأرْضِ واقِعَةً عَلَيْها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ وُصِفَتْ بِالسُّجُودِ، وكَوْنُ السُّجُودِ يُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ وهو الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ العِبادَةِ وقَصْدِها يَبْعُدُ، إذْ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ الحَياةَ والعِلْمَ والقَصْدَ بِالعِبادَةِ. وخَصَّ الظِّلَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَرِيعُ التَّغَيُّرِ، والتَّغَيُّرُ يَقْتَضِي مُغَيِّرًا غَيْرَهُ ومُدَبِّرًا لَهُ، ولَمّا كانَ سُجُودُ الظِّلالِ في غايَةِ الظُّهُورِ بُدِئَ بِهِ، ثُمَّ انْتُقِلَ إلى سُجُودِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ. و﴿مِن دابَّةٍ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الظَّرْفَيْنِ، ويَكُونُ مَن في السَّماواتِ خَلْقٌ يَدِبُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِما في الأرْضِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. وعَطَفَ (والمَلائِكَةُ) عَلى ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وهم مُنْدَرِجُونَ في عُمُومِ (ما) تَشْرِيفًا لَهم وتَكْرِيمًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الحَفَظَةُ الَّتِي في الأرْضِ، وبِما في السَّماواتِ مَلائِكَتُهُنَّ، فَلَمْ يَدْخُلُوا في العُمُومِ. وقِيلَ: بَيَّنَ تَعالى في آيَةِ الظِّلالِ أنَّ الجَماداتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ، بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ - وهُمُ المَلائِكَةُ - وأخَسَّها - وهي (p-٤٩٩)الدَّوابُّ - مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجَمِيعَ مُنْقادٌ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الدّابَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ جُسْمانِيٍّ يَتَحَرَّكُ ويَدِبُّ، فَلَمّا مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ الدّابَّةِ، عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَدِبُّ، بَلْ هي أرْواحٌ مُخْتَصَّةٌ بِحَرَكَةٍ؛ انْتَهى. وهو قَوْلٌ فَلْسَفِيٌّ. ولَمّا كانَ بَيْنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ في السُّجُودِ وهو الِانْقِيادُ لِإرادَةِ اللَّهِ، جَمَعَ بَيْنَهُما فِيهِ وإنِ اخْتَلَفا في كَيْفِيَّةِ السُّجُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا جِيءَ بِـ (مَن) دُونَ (ما) تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ مِنَ الدَّوابِّ عَلى غَيْرِهِمْ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِمَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى التَّغْلِيبِ، فَكانَ مُتَناوِلًا لِلْعُقَلاءِ خاصَّةً، فَجِيءَ بِما هو صالِحٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ إرادَةَ العُمُومِ؛ انْتَهى. وظاهِرُ السُّؤالِ تَسْلِيمُ أنَّ (مَن) قَدْ تَشْمَلُ العُقَلاءَ وغَيْرَهم عَلى جِهَةِ التَّغْلِيبِ، وظاهِرُ الجَوابِ تَخْصِيصُ (مَن) بِالعُقَلاءِ، وأنَّ الصّالِحَ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ ما دُونَ (مَن)، وهَذا لَيْسَ بِجَوابٍ، لِأنَّهُ أوْرَدَ السُّؤالَ عَلى التَّسْلِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الجَوابَ عَلى غَيْرِ التَّسْلِيمِ فَصارَ المَعْنى: أنَّ مَن يُغَلَّبُ بِها، والجَوابُ لا يُغَلَّبُ بِها، وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ﴾، عائِدٌ عَلى المَنسُوبِ إلَيْهِمُ السُّجُودُ. في ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ﴾، وقالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: يَخافُونَ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ خاصَّةً، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: والمَلائِكَةُ مَوْصُوفُونَ بِالخَوْفِ، لِأنَّهم قادِرُونَ عَلى العِصْيانِ وإنْ كانُوا لا يَعْصُونَ. والفَوْقِيَّةُ المَكانِيَّةُ مُسْتَحِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، فَإنْ عَلَّقْتَهُ بِـ (يَخافُونَ) كانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: يَخافُونَ عَذابَهُ كائِنًا مِن فَوْقِهِمْ، لِأنَّ العَذابَ إنَّما يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، وإنْ عَلَّقْتَهُ بِرَبِّهِمْ كانَ حالًا مِنهُ؛ أيْ: يَخافُونَ رَبَّهم عالِيًا لَهم قاهِرًا لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وفي نِسْبَةِ الخَوْفِ لِمَن نُسِبَ إلَيْهِ السُّجُودُ أوِ المَلائِكَةُ خاصَّةً دَلِيلٌ عَلى تَكْلِيفِ المَلائِكَةِ كَسائِرِ المُكَلَّفِينَ، وأنَّهم بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ مُدارُونَ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ومَن يَقُلْ مِنهم: إنَّهُ إلَهٌ مِن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: الخَوْفُ: خَوْفُ جَلالٍ ومَهابَةٍ. والجُمْلَةُ مِن (يَخافُونَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِنَفْيِ الِاسْتِكْبارِ وتَأْكِيدًا لَهُ، لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ. وقَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسْبِ الشَّرْعِ والطّاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَّسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما نَفَذَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
النحل 16:51
﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧] ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠] ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢] ) (p-٥٠٠)وصَبَ الشَّيْءُ دامَ، قالَ أبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ:
؎لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْرِ أجْمَعَ واصِبًا
وقالَ حَسّانُ:
؎غَيَّرَتْهُ الرِّيحُ يُسْفى بِهِ ∗∗∗ وهَزِيمُ رَعْدِهِ واصِبُ
والعَلِيلُ: وصِيبٌ، لَكِنَّ المَرَضَ لازِمٌ لَهُ. وقِيلَ: الوَصَبُ: التَّعَبُ، وصَبَ الشَّيْءُ: شُقَّ، ومَفازَةٌ واصِبَةٌ: بَعِيدَةٌ لا غايَةَ لَها. والجَوازُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ، وقالَ الأعْشى يَصِفُ راهِبًا:
؎يُداوِمُ مِن صَلَواتِ المَلِي ∗∗∗ كِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا
ويُرْوى: يُراوِحُ. دَسَّ الشَّيْءَ في الشَّيْءِ أخْفاهُ فِيهِ. الفَرْثُ: كَثِيفٌ ما يَبْقى مِنَ المَأْكُولِ في الكَرِشِ أوِ المِعى. النَّحْلُ: حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ. الحَفَدَةُ: الأعْوانُ والخَدَمُ، ومَن يُسارِعُ في الطّاعَةِ؛ حَفَدَ يَحْفِدُ حَفْدًا وحُفُودًا وحَفَدانًا، ومِنهُ: وإلَيْك نَسْعى ونَحْفِدُ، أيْ: نُسْرِعُ في الطّاعَةِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎حَفَدَ الوَلائِدُ حَوَّلَهُنَّ وأسْلَمَتْ ∗∗∗ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمالِ
وقالَ الأعْشى:
؎كَلَّفَتْ مَجْهُودَها نُوقًا يَمانِيَةً ∗∗∗ إذا الحُداةُ عَلى أكْسائِها حَفَدُوا
وتَتَعَدّى فَيُقالُ: حَفَدَنِي فَهو حافِدِي. قالَ الشّاعِرُ:
؎يَحْفِدُونَ الضَّيْفَ في أبْياتِهِمْ ∗∗∗ كَرَمًا ذَلِكَ مِنهم غَيْرَ ذُلِّ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى، أحْفَدَ إحْفادًا، وقالَ: الحَفَدُ العَمَلُ والخِدْمَةُ. وقالَ الخَلِيلُ: الحَفَدَةُ عِنْدَ العَرَبِ: الخَدَمُ. وقالالأزْهَرِيُّ: الحَفَدَةُ: أوْلادُ الأوْلادِ، وقِيلَ: الأخْتانُ. وأنْشَدَ:
؎فَلَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ ∗∗∗ لَها حَفَدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ
؎ولَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عَيُوفٌ لِأصْحابِ اللِّئامِ قَذُورُ
﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿ولَهُ ما في السَّماوات والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ اللَّهِ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ (p-٥٠١)﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ انْقِيادَ ما في السَّماوات وما في الأرْضِ لِما يُرِيدُهُ تَعالى مِنها، فَكانَ هو المُتَفَرِّدَ بِذَلِكَ. نَهى أنْ يُشْرَكَ بِهِ، ودَلَّ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ إلَهَيْنِ: عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ آلِهَةٍ. ولَمّا كانَ الِاسْمُ المَوْضُوعُ لِلْإفْرادِ والتَّثْنِيَةِ قَدْ يُتَجَوَّزُ فِيهِ فَيُرادُ بِهِ الجِنْسُ نَحْوَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، ونِعْمَ الرَّجُلانِ الزَّيْدانِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّ النّارَ بِالعُودَيْنِ تُذْكى ∗∗∗ وإنَّ الحَرْبَ أوَّلُها الكَلامُ
أكَّدَ المَوْضُوعَ لَهُما بِالوَصْفِ، فَقِيلَ: إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، وقِيلَ: إلَهٌ واحِدٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاسْمُ الحامِلُ لِمَعْنى الإفْرادِ أوِ التَّثْنِيَة دالٌّ عَلى شَيْئَيْنِ: عَلى الجِنْسِيَّةِ، والعَدَدِ المَخْصُوصِ. فَإذا أرَدْتَ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ المَعْنى بِهِ مُبْهَمٌ. والَّذِي يُساقُ بِهِ الحَدِيثُ هو العَدَدُ، شَفَعَ بِما يُؤَكِّدُهُ، فَدَلَّ بِهِ عَلى القَصْدِ إلَيْهِ والعِنايَةِ بِهِ. ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنَّما هو إلَهٌ، ولَمْ تُؤَكِّدْهُ بِواحِدٍ، لَمْ يَحْسُنْ، وخُيِّلَ: أنَّك تُثْبِتُ الإلَهِيَّةَ لا الوَحْدانِيَّةَ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ أنْ لا تَتَّخِذُوا، تُعَدّى إلى واحِدٍ واثْنَيْنِ كَما تَقَدَّمَ تَأْكِيدٌ. وقِيلَ: هو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، فَقِيلَ: تَقَدَّمَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ وذَلِكَ جائِزٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ. وقِيلَ: حَذَفَ الثّانِيَ لِلدَّلالَةِ تَقْدِيرُهُ: مَعْبُودًا، واثْنَيْنِ عَلى هَذا القَوْلِ تَأْكِيدٌ، وتَقْرِيرُ مُنافاةِ الاثْنَيْنِيَّةِ لِلْإلَهِيَّةِ مِن وُجُوهٍ ذُكِرَتْ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ. ولَمّا نَهى عَنِ اتِّخاذِ الإلَهَيْنِ، واسْتَلْزَمَ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ آلِهَةٍ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ كَما قالَ: ﴿وإلَهكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] بِأداةِ الحَصْرِ، وبِالتَّأْكِيدِ بِالوَحْدَةِ. ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَرْهَبُوهُ، والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الرَّهْبَةِ، وانْتَصَبَ (وإيّايَ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرِ التَّأْخِيرِ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ (فارْهَبُونِ)، وتَقْدِيرُهُ: وإيّايَ ارْهَبُوا. وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: فَإيّايَ، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فارْهَبُوا إيّايَ فارْهَبُونِ، ذُهُولٌ عَنِ القاعِدَةِ في النَّحْوِ، أنَّهُ إذا كانَ المَفْعُولُ ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا والفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ هو الضَّمِيرُ، وجَبَ تَأْخِيرُ الفِعْلِ كَقَوْلِكَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولا يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ إلّا في ضَرُورَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎إلَيْكَ حِينَ بَلَغْتَ إيّاكا
ثُمَّ التَفَتَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ فَأخْبَرَ تَعالى: أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّهُ لَمّا كانَ هو الإلَهَ الواحِدَ الواجِبَ لِذاتِهِ كانَ ما سِواهُ مَوْجُودًا بِإيجادِهِ وخَلْقِهِ، وأخْبَرَ أنَّ لَهُ الدِّينَ واصِبًا.
قالَ مُجاهِدٌ: الدِّينُ: الإخْلاصُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: العِبادَةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإقامَةُ الحُدُودِ والفَرائِضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: الطّاعَةُ، زادَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُلْكُ. وأنْشَدَ:
؎فِي دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ
أيْ: في طاعَتِهِ ومُلْكِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوَّلُهُ الحَدّادُ، أيْ: دائِمًا ثابِتًا سَرْمَدًا لا يَزُولُ، يَعْنِي: الثَّوابَ والعِقابَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والثَّوْرِيُّ: واصِبًا: دائِمًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواصِبُ: الواجِبُ الثّابِتُ، لِأنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنهُ بِالطّاعَةِ واجِبَةٌ لَهُ عَلى كُلِّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُ مِنَ الوَصَبِ وهو التَّعَبُ، وهو عَلى مَعْنى النَّسَبِ، أيْ: ذا وصَبٍ، كَما قالَ: أضْحى فُؤادِي بِهِ فاتِنًا،، أيْ: ذا فُتُونٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ولَهُ الدِّينُ ذا كُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ تَكْلِيفًا؛ انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَهُ الدِّينُ والطّاعَةُ رَضِيَ العَبْدُ بِما يُؤْمَرُ بِهِ وسَهُلَ عَلَيْهِ أمْ لا يَسْهُلُ فَلَهُ الدِّينُ، وإنْ كانَ فِيهِ الوَصَبُ. والوَصَبُ: شِدَّةُ التَّعَبِ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: واصِبًا: خالِصًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والواوُ في ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ؛ انْتَهى. ولا يُقالُ واوُ ابْتِداءٍ إلّا لِواوِ الحالِ، ولا يَظْهَرُ هُنا الحالُ، وإنَّما هي عاطِفَةٌ: فَإمّا عَلى الخَبَرِ، كَما ذَكَرَ أوْلا فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في (p-٥٠٢)تَقْدِيرِ المُفْرَدِ لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الخَبَرِ، وإمّا عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها الَّتِي هي: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ. وانْتَصَبَ (واصِبًا) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها هو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ.
﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾: اسْتِفْهامٌ تَضَمَّنَ التَّوْبِيخَ والتَّعَجُّبَ، أيْ: بَعْدَما عَرَفْتُمْ وحْدانِيَّتَهُ، وأنَّ ما سِواهُ لَهُ ومُحْتاجٌ إلَيْهِ، كَيْفَ تَتَّقُونَ وتَخافُونَ غَيْرَهُ ولا نَفْعَ ولا ضُرَّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ؟ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ المُكْتَسَبَةِ مِنّا إنَّما هي مِن إيجادِهِ واخْتِراعِهِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى وُجُوبِ الشُّكْرِ عَلى ما أسْدى مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. ونِعَمُهُ تَعالى لا تُحْصى كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] . و(ما) مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها بِكم، والعامِلُ فِعْلُ الِاسْتِقْرارِ، أيْ: وما اسْتَقَرَّ بِكم، و﴿مِن نِعْمَةٍ﴾، تَفْسِيرٌ لِما، والخَبَرُ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾، أيْ: فَهي مِن قِبَلِ اللَّهِ، وتَقْدِيرُ الفِعْلِ العامِلِ (بِكم) خاصًّا؛ كَحَلَّ أوْ نَزَلَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ. وأجازَ الفَرّاءُ والحَوْفِيُّ: أنْ تَكُونَ ما شَرْطِيَّةً، وحُذِفَ فِعْلُ الشَّرْطِ. قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ. وما يَكُنْ بِكم مِن نِعْمَةٍ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلّا بَعْدَ أنْ وحَّدَها في باب الِاشْتِغالِ، أوْ مَتْلُوَّةً بِما النّافِيَةِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِما قَبْلَهُ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎فَطَلِّقْها فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ ∗∗∗ وإلّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ
أيْ: وإلّا تُطَلِّقْها، حَذَفَ تُطَلِّقْها لِدَلالَةِ طَلِّقْها عَلَيْهِ، وحَذْفُهُ بَعْدَ أنْ مَتْلُوَّةً بِلا مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎قالَتْ بَناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ ∗∗∗ كانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا قالَتْ وإنْ
أيْ: وإنْ كانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا، وأمّا غَيْرُ (إنْ) مِن أدَواتِ الشَّرْطِ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلّا مَدْلُولًا عَلَيْهِ في بابِ الِاشْتِغالِ مَخْصُوصًا بِالضَّرُورَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: أيْنَما الرِّيحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ. التَّقْدِيرُ: أيْنَما تُمَيِّلْها الرِّيحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنهُ ذَكَرَ حالَةَ افْتِقارِ العَبْدِ إلَيْهِ وحْدَهُ، حَيْثُ لا يَدْعُو ولا يَتَضَرَّعُ لِسِواهُ، وهي حالَةُ الضُّرِّ، والضُّرُّ يَشْمَلُ كُلَّ ما يُتَضَرَّرُ بِهِ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ حَبْسٍ أوْ نَهْبِ مالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: تَجَرُونَ، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الجِيمِ. وقَرَأ قَتادَةُ: كاشَفَ، وفاعِلٌ هُنا بِمَعْنى فَعَلَ، وإذا الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إذا الشَّرْطِيَّةَ لَيْسَ العامِلُ فِيها الجَوابُ، لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ إذا الفُجائِيَّةِ فِيما قَبْلَها. ومِنكم: خِطابٌ لِلَّذِينِ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: وما بِكم مِن نِعْمَةٍ، إذْ بِكم خِطابٌ عامٌّ. والفَرِيقُ هُنا هُمُ المُشْرِكُونَ المُعْتَقِدُونَ حالَةَ الرَّجاءِ أنَّ آلِهَتَهم تَنْفَعُ وتَضُرُّ وتُشْقِي. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُنافِقُونَ. وعَنِ ابْنِ السّائِبِ: الكُفّارُ. و(مِنكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلْبَيانِ لا لِلتَّبْعِيضِ، قالَ: كَأنَّهُ قالَ: فَإذا فَرِيقٌ كافِرٌ وهم أنْتُمْ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِيهِمْ مَنِ اعْتَبَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢]؛ انْتَهى. واللّامُ في (لِيَكْفُرُوا)، إنْ كانَتْ لِلتَّعْلِيلِ كانَ المَعْنى: أنَّ إشْراكَهم بِاللَّهِ سَبَبُهُ كُفْرُهم بِهِ، أيْ: جُحُودُهم أوْ كُفْرانُ نِعْمَتِهِ، وبِما آتَيْناهم مِنَ النِّعَمِ، أوْ مِن كَشْفِ الضُّرِّ، أوْ مِنَ القُرْآنِ المُنَزَّلِ إلَيْهِمْ. وإنْ كانَتْ لِلصَّيْرُورَةِ فالمَعْنى: صارَ أمْرُهم لِيَكْفُرُوا وهم لَمْ يَقْصِدُوا بِأفْعالِهِمْ تِلْكَ أنْ يَكْفُرُوا، بَلْ آلَ أمْرُ ذَلِكِ الجُؤارِ والرَّغْبَةِ إلى الكُفْرِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، أوْ إلى الكُفْرِ الَّذِي هو جُحُودُهُ والشِّرْكُ بِهِ. وإنْ كانَتْ لِلْأمْرِ فَمَعْناهُ: التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَكْفُرُوا: فَتَمَتَّعُوا، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الأمْرِ الوارِدِ في مَعْنى الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، واللّامُ لامُ الأمْرِ؛ انْتَهى. ولَمْ يَخْلُ كَلامُهُ مِن ألْفاظِ المُعْتَزِلَةِ، وهي قَوْلُهُ: في مَعْنى الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: فَيُمَتَّعُوا، بِالياءِ، بِاثْنَتَيْنِ مِن تَحْتِها مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ساكِنَ المِيمِ وهو مُضارِعُ مَتَعَ مُخَفَّفًا، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (لِيَكْفُرُوا)، وحُذِفَتِ النُّونُ إمّا لِلنَّصْبِ عَطْفًا إنْ كانَ (يَكْفُرُوا) مَنصُوبًا، وإمّا لِلْجَزْمِ إنْ كانَ مَجْزُومًا إنْ كانَ عَطْفًا، وأنْ لِلنَّصْبِ إنْ كانَ جَوابَ الأمْرِ. وعَنْهُ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَدْ رَواهُما مَكْحُولٌ الشّامِيُّ عَنْ أبِي رافِعٍ مَوْلى النَّبِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والتَّمَتُّعُ هُنا هو بِالحَياةِ الدُّنْيا (p-٥٠٣)ومَآلُها إلى الزَّوالِ.
﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾: الضَّمِيرُ في: ويَجْعَلُونَ، عائِدٌ عَلى الكُفّارِ. والظّاهِرُ أنَّهُ في (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلَيْهِمْ. و(ما): هي الأصْنامُ، أيْ: لِلْأصْنامِ الَّتِي لا يَعْلَمُ الكُفّارُ أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، أوْ لا يَعْلَمُونَ في اتِّخاذِها آلِهَةً حُجَّةً ولا بُرْهانًا. وحَقِيقَتُها أنَّها جَمادٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ ولا تَشْفَعُ، فَهم جاهِلُونَ بِها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ لِلْأصْنامِ، أيْ: لِلْأصْنامِ الَّتِي لا تَعْلَمُ شَيْئًا ولا تَشْعُرُ بِهِ، إذْ هي جَمادٌ لَمْ يَقُمْ بِها عَلى البَتَّةِ. والنَّصِيبُ: هو ما جَعَلُوهُ لَها مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ، قَبَّحَ تَعالى فِعْلَهم ذَلِكَ، وهو أنْ يُفْرِدُوا نَصِيبًا مِمّا أنْعَمَ بِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِجَماداتٍ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَنْتَفِعُ هي بِجَعْلِ ذَلِكَ النَّصِيبِ لَها، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى عَلى أنَّهُ يَسْألُهم عَنِ افْتِرائِهِمْ واخْتِلاقِهِمْ في إشْراكِهِمْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً، وأنَّها أهْلٌ لِلتَّقَرُّبِ إلَيْها بِجَعْلِ النَّصِيبِ لَها، والسُّؤالِ في الآخِرَةِ، أوْ عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ، أوْ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ أقْوالًا. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَسْألُهم عَنِ افْتِرائِهِمْ، ذَكَرَ أنَّهم مَعَ اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً نَسَبُوا إلى اللَّهِ تَعالى التَّوالُدَ وهو مُسْتَحِيلٌ، ونَسَبُوا ذَلِكَ إلَيْهِ فِيما لَمْ يَرْتَضُوهُ، وتَرْبَدُّ وُجُوهُهم مِن نِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ ويَكْرَهُونَهُ أشَدَّ الكَراهَةِ. وكانَتْ خُزاعَةُ وكِنانَةُ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، تَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى عَنْ نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾: وهُمُ الذُّكُورُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فِيما يَشْتَهُونَ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والنَّصْبُ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى البَناتِ، أيْ: وجَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الذُّكُورِ؛ انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِنَ النَّصْبِ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ والحَوْفِيَّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: وقَدْ حَكاهُ، وفِيهِ نَظَرٌ. وذَهِلَ هَؤُلاءِ عَنْ قاعِدَةٍ في النَّحْوِ: وهو أنَّ الفِعْلَ الرّافِعَ لِضَمِيرِ الِاسْمِ المُتَّصِلِ لا يَتَعَدّى إلى ضَمِيرِهِ (p-٥٠٤)المُتَّصِلِ المَنصُوبِ، فَلا يَجُوزُ زَيْدٌ ضَرَبَهُ زَيْدٌ، تُرِيدُ ضَرْبَ نَفْسِهِ، إلّا في بابِ ظَنَّ وأخَواتِها مِنَ الأفْعالِ القَلْبِيَّةِ، أوْ فَقْدٍ، وعَدَمٍ، فَيَجُوزُ: زَيْدٌ ظَنَّهُ قائِمًا وزَيْدٌ فَقَدَهُ، وزَيْدٌ عَدِمَهُ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالحَرْفِ المَنصُوبِ المُتَّصِلِ، فَلا يَجُوزُ زَيْدٌ غَضِبَ عَلَيْهِ، تُرِيدُ غَضِبَ عَلى نَفْسِهِ، فَعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ لا يَجُوزُ النَّصْبُ إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَجْعَلُونَ لَهم ما يَشْتَهُونَ. قالُوا: وضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، ولَهم: مَجْرُورٌ بِاللّامِ، فَهو نَظِيرُ: زَيْدٌ غَضِبَ عَلَيْهِ.
﴿وإذا بُشِّرَ﴾، المَشْهُورُ أنَّ البِشارَةَ أوَّلُ خَبَرِ يَسُرُّ، وهُنا قَدْ يُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الإخْبارِ، أوْ تَغَيُّرُ البَشَرَةِ، وهو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الخَبَرِ السّارِّ أوِ المُخْبِرِينَ، وفي هَذا تَقْبِيحٌ لِنِسْبَتِهِمْ إلى اللَّهِ المُنَزَّهِ عَنِ الوَلَدِ، البَناتِ واحِدُهم أكْرَهُ النّاسِ فِيهِنَّ، وأنْفَرُهم طَبْعًا عَنْهُنَّ. وظَلَّ: تَكُونُ بِمَعْنى صارَ، وبِمَعْنى: أقامَ نَهارًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي تُسْنَدُ إلى اسْمِها تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى صارَ، لِأنَّ التَّبْشِيرَ قَدْ يَكُونُ في لَيْلٍ ونَهارٍ، وقَدْ تُلْحَظُ الحالَةُ الغالِبَةُ. وأنَّ أكْثَرَ الوِلاداتِ تَكُونُ بِاللَّيْلِ، وتَتَأخَّرُ أخْبارُ المَوْلُودِ لَهُ إلى النَّهارِ وخُصُوصًا بِالأُنْثى، فَيَكُونُ ظُلُولُهُ عَلى ذَلِكَ طُولَ النَّهارِ. واسْوِدادُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنِ العُبُوسِ والغَمِّ والتَّكَرُّهِ والنَّفْرَةِ الَّتِي لَحِقَتْهُ بِوِلادَةِ الأُنْثى. قِيلَ: إذا قَوِيَ الفَرَحُ انْبَسَطَ رَوْحُ القَلْبِ مِن داخِلِهِ ووَصَلَ إلى الأطْرافِ، ولا سِيَّما إلى الوَجْهِ لِما بَيْنَ القَلْبِ والدِّماغِ مِنَ التَّعَلُّقِ الشَّدِيدِ، فَتَرى الوَجْهَ مُشْرِقًا مُتَلَأْلِئًا. وإذا قَوِيَ الغَمُّ انْحَصَرَ الرُّوحُ إلى باطِنِ القَلْبِ ولَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ قَوِيٌّ في ظاهِرِ الوَجْهِ، فَيَرْبَدُّ الوَجْهُ ويَصْفَرُّ ويَسْوَدُّ، ويَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ الأرْضِيَّةِ، فَمِن لَوازِمِ الفَرَحِ اسْتِنارَةُ الوَجْهِ وإشْراقُهُ، ومِن لَوازِمَ الغَمِّ والحُزْنِ ارْبِدادُهُ واسْوِدادُهُ، فَلِذَلِكَ كَنّى عَنِ الفَرَحِ بِالِاسْتِنارَةِ، وعَنِ الغَمِّ بِالِاسْوِدادِ.
﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾، أيْ: مُمْتَلِئُ القَلْبِ حُزْنًا وغَمًّا. أخْبَرَ عَمّا يَظْهَرُ في وجْهِهِ وعَنْ ما يُجِنُّهُ في قَلْبِهِ. وكَظِيمٌ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] ويُقالُ: سِقاءٌ مَكْظُومٌ، أيْ مَمْلُوءٌ مَشْدُودُ الفَمِ. ورَوى الأصْمَعِيُّ أنَّ امْرَأةً ولَدَتْ بِنْتًا سَمَّتْها الذَّلْفاءَ، فَهَجَرَها زَوْجُها فَقالَتْ:
؎ما لِأبِي الذَّلْفاءِ لا يَأْتِينا ∗∗∗ يَظَلُّ في البَيْتُ الَّذِي يَلِينا
؎غَضْبانَ أنْ لا نَلِدَ البَنِينا ∗∗∗ وإنَّما نَأْخُذُ ما يُعْطِينا
يَتَوارى: يَخْتَفِي مِنَ النّاسِ، ومِن سُوءِ، لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: الحامِلُ لَهُ عَلى التَّوارِي هو سُوءُ ما أُخْبِرَ بِهِ، وقَدْ كانَ بَعْضُهم في الجاهِلِيَّةِ يَتَوارى حالَةَ الطَّلْقِ، فَإنْ أُخْبِرَ بِذَكَرٍ ابْتَهَجَ، أوْ أُنْثى حَزِنَ. وتَوارى أيّامًا يُدَبِّرُ فِيها ما يَصْنَعُ. أيُمْسِكُهُ: قَبْلَهُ حالٌ مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: مُفَكِّرًا أوْ مُدَبِّرًا أيُمْسِكُهُ ؟ وذَكَرَ الضَّمِيرُ مُلاحَظَةً لِلَّفْظِ ما في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ . وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: أيُمْسِكُها عَلى هَوانٍ، أمْ يَدُسُّها، بِالتَّأْنِيثِ عَوْدًا عَلى قَوْلِهِ: بِالأُنْثى، أوْ عَلى مَعْنى ما بُشِّرَ بِهِ، وافَقَهُ عِيسى عَلى قِراءَةِ هَوانٍ عَلى وزْنٍ فَعالٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: أيُمْسِكُهُ: بِضَمِيرِ التَّذْكِيرِ، أمْ يَدُسُّها: بِضَمِيرِ التَّأْنِيثِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: عَلى هَوْنٍ، بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: عَلى سُوءٍ، وهي عِنْدِي تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ، لِمُخالَفَتِها السَّوادَ المُجْمَعَ عَلَيْهِ. ومَعْنى الإمْساكِ حَبْسُهُ وتَرْبِيَتُهُ، والهُونُ: الهَوانُ كَما قالَ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] والهَوْنُ، بِالفَتْحِ: الرِّفْقُ واللِّينُ، ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وفي قَوْلِهِ: ﴿عَلى هُونٍ﴾، قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ صِفَةٌ لِلْأبِ، والمَعْنى: أيُمْسِكُها مَعَ رِضاهُ بِهَوانِ نَفْسِهِ، وعَلى رَغْمِ أنْفِهِ ؟ وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: أيُمْسِكُها مُهانَةً ذَلِيلَةً، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾، أنَّهُ يَئِدُها: وهو دَفْنُها حَيَّةً حَتّى تَمُوتَ. وقِيلَ: دَسُّها: إخْفاؤُها عَنِ النّاسِ حَتّى لا تُعْرَفَ كالمَدْسُوسِ في التُّرابِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾، رُجُوعُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ الآيَةَ، أيْ: ساءَ ما يَحْكُمُونَ في نِسْبَتِهِمْ إلى اللَّهِ ما هو مُسْتَكْرَهٌ عِنْدَهم، نافِرٌ عَنْهُنَّ طَبْعُهم، بِحَيْثُ لا يَحْتَمِلُونَ نِسْبَتَهُنَّ إلَيْهِنَّ، ويَئِدُونَهُنَّ اسْتِنْكافًا مِنهُنَّ، ويَنْسُبُونَ إلَيْهِمْ (p-٥٠٥)الذَّكَرَ كَما قالَ: ﴿ألْكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى الآيَةِ، يُدَبِّرُ: أيُمْسِكُ هَذِهِ الأُنْثى عَلى هَوانٍ يَتَجَلَّدُ لَهُ، أمْ يَئِدُها فَيَدْفِنُها حَيَّةً، فَهو الدَّسُّ في التُّرابِ ؟ ثُمَّ اسْتَقْبَحَ اللَّهُ سُوءَ فِعْلِهِمْ وحُكْمِهِمْ بِهَذا في بَناتِهِمْ ورِزْقُ الجَمِيعِ عَلى اللَّهِ؛ انْتَهى. فَعَلَّقَ ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ بِصُنْعِهِمْ في بَناتِهِمْ مَثَلَ السَّوْءِ. قِيلَ: مَثَلُ: بِمَعْنى صِفَةٍ، أيْ: صِفَةُ السُّوءِ، وهي الحاجَةُ إلى الأوْلادِ الذُّكُورِ وكَراهَةُ الإناثِ، ووَأْدُهُنَّ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وإقْرارُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالشُّحِّ البالِغِ.
﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾، أيْ: الصِّفَةُ العُلْيا، وهي الغِنى عَنِ العالَمِينَ، والنَّزاهَةُ عَنْ سِماتِ المُحْدَثِينَ. وقِيلَ: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: هو وصْفُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِأنَّ لَهُ البَناتِ، وسَمّاهُ مَثَلَ السَّوْءِ لِنِسْبَتِهِمُ الوَلَدَ إلى اللَّهِ، وخُصُوصًا عَلى طَرِيقِ الأُنُوثَةِ الَّتِي هم يَسْتَنْكِفُونَ مِنها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: النّارُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَتْ فِرْقَةٌ مَثَلُ: بِمَعْنى صِفَةٍ، أيْ: لِهَؤُلاءِ صِفَةُ السَّوْءِ، ولِلَّهِ الوَصْفُ الأعْلى، وهَذا لا نَضْطَرُّ إلَيْهِ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنِ اللَّفْظِ، بَلْ قَوْلُهُ: مَثَلُ، عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا قالُوا: إنَّ البَناتِ لِلَّهِ فَقَدْ جَعَلُوا لِلَّهِ مَثَلًا، فالبَناتُ مِنَ البَشَرِ، وكَثْرَةُ البَناتِ مَكْرُوهٌ عِنْدَهم ذَمِيمٌ فَهو المَثَلُ السُّوءُ. والَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَهم ولَيْسَ في البَناتِ فَقَطْ، بَلْ لَمّا جَعَلُوهُ هُمُ البَناتُ جَعَلَهُ هو لَهم عَلى الإطْلاقِ في كُلِّ سَوْءٍ، ولا غايَةَ أبْعَدُ مِن عَذابِ النّارِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾، عَلى الإطْلاقِ، أيِ: الكَمالُ المُسْتَغْنى. وقالَ قَتادَةُ: المَثَلُ الأعْلى: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ انْتَهى. وقَوْلُ قَتادَةَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ ما نَسَبُوا إلى اللَّهِ، وأتى ثانِيًا ما كانَ مَنسُوبًا لِأنْفُسِهِمْ، وبَدَأ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾، وأتى بَعْدَ ذَلِكَ بِما يُقابِلُ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى﴾ [النحل: ١] مِنَ التَّنْزِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾، وهو الوَصْفُ المُنَزَّهُ عَنْ سِماتِ الحُدُوثِ والتَّوالُدِ، وهو الوَصْفُ الأعْلى الَّذِي لَيْسَ يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وناسَبَ الخَتْمَ بِالعَزِيزِ، وهو الَّذِي لا يُوجَدُ نَظِيرُهُ، الحَكِيمُ: الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها.
﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: لَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّار عَظِيمَ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الكُفْرِ ونِسْبَةِ التَّوالُدِ لَهُ، بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُمْهِلُهم ولا يُعاجِلُهم (p-٥٠٦)بِالعُقُوبَةِ إظْهارًا لِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ. ويُؤاخِذُ: مُضارِعُ آخَذَ، والظّاهِرُ أنَّهُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ الَّذِي هو أخَذَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَأنَّ أحَدَ المُؤاخِذَيْنِ يَأْخُذُ مِنَ الآخَرِ، إمّا بِمَعْصِيَةٍ كَما هي في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِإذايَةٍ في جِهَةِ المَخْلُوقِينَ، فَيَأْخُذُ الآخَرُ مِنَ الأوَّلِ بِالمُعاقَبَةِ والجَزاءِ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ: عُمُومُ النّاسِ. وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ، والباءُ في (بِظُلْمِهِمْ) لِلسَّبَبِ. وظُلْمُهم: كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْها) عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ الأرْضُ قَوْلُهُ: مِن دابَّةٍ، لِأنَّ الدَّبِيبَ مِنَ النّاسِ لا يَكُونُ إلّا في الأرْضِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤]، أيْ بِالمَكانِ لِأنَّ ﴿والعادِياتِ﴾ [العاديات: ١] مَعْلُومٌ أنَّها لا تَعْدُو إلّا في مَكانٍ، وكَذَلِكَ الإثارَةُ والنَّقْعُ. والظّاهِرُ عُمُومُ ﴿مِن دابَّةٍ﴾ فَيُهْلِكُ الصّالِحَ بِالطّالِحِ، فَكانَ يُهْلِكُ جَمِيعَ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ حَتّى الجِعْلانُ في جُحْرِها؛ قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ. قالَ قَتادَةُ: وقَدْ فَعَلَ تَعالى في زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: إذا قَحِطَ المَطَرُ لَمْ تَبْقَ دابَّةٌ إلّا هَلَكَتْ. وسَمِعَ أبُو هُرَيْرَةَ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ الظّالِمَ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، فَقالَ: بَلى واللَّهِ حَتّى إنَّ الحَبارى لَتَمُوتَ في وكْرِها بِظُلْمِ الظّالِمِ. وهَذا نَظِيرُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ [الأنفال: ٢٥] الآيَةَ؛ والحَدِيثُ «أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ» وقالَ ابْنُ السّائِبِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾: مِنَ الإنْسِ والجِنِّ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مِنَ النّاسِ خاصَّةً. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن دابَّةٍ: مِن مُشْرِكٍ يَدِبُّ عَلَيْها، ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ما يُشْبِهُهُ في الأعْرافِ. وما في ﴿ما يَكْرَهُونَ﴾ لِمَن يَعْقِلُ، أُرِيدَ بِها النَّوْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] ومَعْنى: ويَجْعَلُونَ، يَصِفُونَهُ بِذَلِكَ ويَحْكُمُونَ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يَكْرَهُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ البَناتِ، ومِن شُرَكاءَ في رِئاسَتِهِمْ، ومِن الِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِمْ والتَّهاوُنِ بِرِسالاتِهِمْ، ويَجْعَلُونَ لَهُ أرْذَلَ أمْوالِهِمْ، ولِأصْنامِهِمْ أكْرَمَها، ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]؛ انْتَهى.
وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْنى قَوْلُ قُرَيْشٍ: لَنا البَنُونَ، يَعْنِي قالُوا: لِلَّهِ البَناتُ ولَنا البَنُونَ. وقِيلَ: الحُسْنى: الجَنَّةُ، ويُؤَيِّدُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾، والمَعْنى عَلى هَذا: يَجْعَلُونَ لِلَّهِ المَكْرُوهَ، ويَدَّعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ كَما تَقُولُ: أنْتَ تَعْصِي اللَّهَ وتَقُولُ مَعَ ذَلِكَ: أنَّكَ تَنْجُو، أيْ: هَذا بَعِيدٌ مَعَ هَذا. وهَذا القَوْلُ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ يَقُولُ بِالبَعْثِ، وكانَ فِيهِمْ مَن يَقُولُ بِهِ. أوْ عَلى تَقْدِيرِ إنْ كانَ ما يَقُولُ مِنَ البَعْثِ صَحِيحًا، وأنَّ لَهُمُ الحُسْنى: بَدَلٌ مِنَ الكَذِبِ، أوْ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، أيْ: بِأنَّ لَهم. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ بِاخْتِلافِ ألْسِنَتِهِمْ: بِإسْكانِ التّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، جَمْعُ لِسانٍ المُذَكَّرِ نَحْوَ: حِمارٍ وأحْمِرَةٍ، وفي التَّأْنِيثِ: ألْسُنٌ كَذِراعٍ وأذْرُعٍ. وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وبَعْضُ أهْلِ الشّامِ: الكُذُبُ، بِضَمِّ الكافِ والذّالِ؛ والباءِ صِفَةً لِلْألْسُنِ، جَمْعُ كَذُوبٍ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ، وهو مَقِيسٌ، أوْ جَمْعُ كاذِبٍ كَشارِفٍ وشُرُفٍ ولا يَنْقاسُ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ لَهم مَفْعُولُ تَصِفُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿لا جَرَمَ أنَّ﴾ .
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عِمْرانَ: لَهم؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، و”أنَّ“، جَوابُ قَسَمٍ أغْنَتْ عَنْهُ ﴿لا جَرَمَ﴾ . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، وأكْثَرُ أهْلِ المَدِينَةِ: مُفْرِطُونَ، بِكَسْرِ الرّاءِ مِن أفْرَطَ حَقِيقَةً، أيْ: مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في مَعاصِي اللَّهِ. وباقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأصْحابُ ابْنِ عَبّاسٍ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ، بِفَتْحِ الرّاءِ مِن أفْرَطْتُهُ إلى كَذا قَدَّمْتُهُ، مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن فَرَطَ إلى كَذا تَقَدَّمَ إلَيْهِ. قالَ القَطامِيُّ:
؎واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَعَجَّلَ فُرّاطٌ " لِوُرّادِ
ومِنهُ «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ»، أيْ: مُتَقَدِّمُكم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي هِنْدٍ: مُفْرَطُونَ: مُخَلَّفُونَ مَتْرُوكُونَ في النّارِ مِن أفْرَطْتُ فُلانًا خَلْفِي إذا خَلَّفْتُهُ ونَسِيتُهُ. قالَ أبُو البَقاءِ: تَقُولُ العَرَبُ أفْرَطْتُ مِنهم ناسًا، أيْ: خَلَّفْتُهم ونَسِيتُهم. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: مُفَرِّطُونَ مُشَدَّدًا مِن فَرَّطَ، أيْ: مُقَصِّرُونَ مُضَيِّعُونَ. وعَنْهُ أيْضًا: فَتْحُ الرّاءِ وشَدُّها، أيْ: مُقَدَّمُونَ مِن فَرَّطْتُهُ المُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ مِن فَرَّطَ بِمَعْنى: تَقَدَّمَ. ثُمَّ أخْبَرَ (p-٥٠٧)تَعالى بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِ أُمَمِكَ، مُقْسِمًا عَلى ذَلِكَ ومُؤَكِّدًا بِالقَسَمِ وبِقَدِ الَّتِي تَقْتَضِي تَحْقِيقَ الأمْرِ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ لِما كانَ يَنالُهُ بِسَبَبِ جَهالاتِ قَوْمِهِ ونِسْبَتِهِمْ إلى اللَّهِ ما لا يَجُوزُ، ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ مِن تَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ: حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٌ، أيْ: لا ناصِرَ لَهم في حَياتِهِمْ إلّا هو، أوْ عَبَّرَ بِاليَوْمِ عَنْ وقْتِ الإرْسالِ ومُحاوَرَةِ الرُّسُلِ لَهم، أوْ حِكايَةُ حالٍ آتِيَةٍ وهي يَوْمُ القِيامَةِ. والـ في اليَوْمِ لِلْعَهْدِ، وهو اليَوْمُ المَشْهُودُ، فَهو ولِيُّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، أيْ: قَرِينُهم وبِئْسَ القَرِينُ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (ولِيُّهم) إلى أُمَمٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وأنَّهُ زَيَّنَ لِلْكُفّارِ قَبْلَهم أعْمالَهم، فَهو ولِيُّ هَؤُلاءِ لِأنَّهم مِنهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: فَهو ولِيُّ أمْثالِهِمُ اليَوْمَ؛ انْتَهى. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، لِاخْتِلافِ الضَّمائِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا إلى حَذْفِ المُضافِ. واللّامُ في (لِتُبَيِّنَ) لامُ التَّعْلِيلِ، والكِتابُ: القُرْآنُ، والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والتَّوْحِيدِ والجَبْرِ والقَدَرِ وإثْباتِ المَعادِ ونَفْيِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْتَقِدُونَ مِنَ الأحْكامِ: كَتَحْرِيمِ البَحِيرَةِ، وتَحْلِيلِ المَيْتَةِ والدَّمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ.
﴿وهُدًى ورَحْمَةً﴾: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وانْتَصَبا لِاتِّحادِ الفاعِلِ في الفِعْلِ وفِيهِما، لِأنَّ المُنَزِّلَ هو اللَّهُ وهو الهادِي والرّاحِمُ. ودَخَلَتِ اللّامُ في (لِتُبَيِّنَ) لِاخْتِلافِ الفاعِلِ، لِأنَّ المُنَزِّلَ هو اللَّهُ، والتَّبْيِينُ مُسْنَدٌ لِلْمُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ ﷺ . وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: مَعْطُوفُ مَحَلِّ (لِتُبَيِّنَ) لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ مَحَلَّهُ لَيْسَ نَصْبًا فَيُعْطَفُ مَنصُوبٌ عَلَيْهِ. ألا تَرى أنَّهُ لَوْ نَصَبَهُ لَمْ يَجُزْ لِاخْتِلافِ الفاعِلِ ؟ .
﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾: قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المَقْصُودُ مِنَ القُرْآنِ أرْبَعَةٌ: الإلَهِيّاتُ، والنُّبُوّاتُ، والمَعادُ، والقَدْرُ الأعْظَمُ مِنها الإلَهِيّاتُ، فابْتَدَأ في ذِكْرِ دَلائِلِها بِالأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ، ثُمَّ بِالإنْسانِ ثُمَّ بِالحَيَوانِ، ثُمَّ بِالنَّباتِ ثُمَّ بِأحْوالِ البَحْرِ والأرْضِ، ثُمَّ عادَ إلى تَقْدِيرِ الإلَهِيّاتِ فَبَدَأ بِذِكْرِ الفَلَكِيّاتِ؛ انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا أمَرَهُ بِتَبْيِينِ ما اخْتُلِفَ فِيهِ قَصَّ العِبَرَ المُؤَدِّيَةَ إلى بَيانِ أمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَبَدَأ بِنِعْمَةِ المَطَرِ الَّتِي هي أبْيَنُ العِبَرِ، وهي مِلاكُ الحَياةِ، وهي في غايَةِ الظُّهُورِ، ولا يَخْتَلِفُ فِيها عاقِلٌ؛ انْتَهى. ونَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ لِلتَّبْيِينِ كانَ القُرْآنُ حَياةَ الأرْواحِ وشِفاءً لِما في الصُّدُورِ مِن عِلَلِ العَقائِدِ، ولِذَلِكَ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: يُصَدِّقُونَ. والتَّصْدِيقُ مَحَلُّهُ القَلْبُ، فَكَذا إنْزالُ المَطَرِ الَّذِي هو حَياةُ الأجْسامِ وسَبَبٌ لِبَقائِها. ثُمَّ أشارَ بِإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها إلى إحْياءِ القُلُوبِ بِالقُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] فَكَما تَصِيرُ الأرْضُ خَضِرَةً بِالنَّباتِ نَضِرَةً بَعْدَ هُمُودِها، كَذَلِكَ القَلْبُ يَحْيا بِالقُرْآنِ بَعْدَ أنْ كانَ مَيْتًا بِالجَهْلِ. وكَذَلِكَ (خَتَمَ) بِقَوْلِهِ: يَسْمَعُونَ، هَذا التَّشْبِيهَ المُشارَ إلَيْهِ، والمَعْنى: سَماعَ إنْصافٍ وتَدَبُّرٍ، ولِمُلاحَظَةِ هَذا المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - لَمْ يَخْتِمْ بِـ (لِقَوْمٍ يُبْصِرُونَ)، وإنْ كانَ إنْزالُ المَطَرِ مِمّا يُبْصَرُ ويُشاهَدُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ يَسْمَعُونَ، يَدُلُّ عَلى ظُهُورِ هَذا المُعْتَبَرِ فِيهِ وتِبْيانُهُ، لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وإنَّما يَحْتاجُ البَتَّةَ إلى أنْ يَسْمَعَ القَوْلَ فَقَطْ.