Al-Bahr Al-Muhit — النحل 16:76 – النحل 16:107
المحتويات
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:78
- النحل 16:79
- النحل 16:80
- النحل 16:81
- النحل 16:82
- النحل 16:83
- النحل 16:84
- النحل 16:85
- النحل 16:86
- النحل 16:87
- النحل 16:88
- النحل 16:89
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:93
- النحل 16:94
- النحل 16:95
- النحل 16:96
- النحل 16:97
- النحل 16:98
- النحل 16:99
- النحل 16:100
- النحل 16:101
- النحل 16:102
- النحل 16:103
- النحل 16:104
- النحل 16:105
- النحل 16:106
- النحل 16:107
النحل 16:76
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] (p-٥١٨)الكَلُّ: الثَّقِيلُ، وقَدْ يُسَمّى اليَتِيمُ كَلًّا لِثِقَلِهِ عَلى مَن يَكْفُلُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎أكُولٌ لِمالِ الكَلِّ قَبْلَ شَبابِهِ إذا كانَ عَظْمُ الكَلِّ غَيْرَ شَدِيدِ
والكَلُّ أيْضًا الَّذِي لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، والكَلُّ: العِيالُ، والجَمْعُ: كُلُولٌ. اللَّمْحُ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ، لَمَحَهُ لَمْحًا ولَمَحانًا. الجَوُّ: مَسافَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هو ما يَلِي الأرْضَ في سَمْتِ العُلُوِّ، واللَّوْحُ والسُّكاكُ أبْعَدُ مِنهُ. الظَّعْنُ: سَيْرُ البادِيَةِ في الِانْتِجاعِ والتَّحَوُّلُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، والظَّعْنُ: الهَوْدَجُ أيْضًا. الصُّوفُ لِلضَّأْنِ، والوَبَرُ لِلْإبِلِ، والشَّعْرُ لِلْمَعَزِ، قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أصْوافِها﴾ [النحل: ٨٠] الآيَةَ. الأثاثُ: قالَ المُفَضَّلُ: مَتاعُ البَيْتِ كالفُرُشِ والأكْسِيَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، كَما أنَّ المَتاعَ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ولَوْ جَمَعْتَ لَقُلْتَ: أأْثِثَةٌ في القَلِيلِ، وأُثُثٌ في الكَثِيرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُهُ أُثاثةٌ، وقالَ الخَلِيلُ: أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ أثَثَ النَّباتُ والشَّعْرُ، فَهو أثِيثٌ إذا كَثُرَ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎وفَرْعٌ يُزَيِّنُ المَتْنَ أسْوَدُ فاحِمُ ∗∗∗ أثِيثٌ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
الكِنُّ ما حَفَظَ، ومَنَعَ مِنَ الرِّيحِ والمَطَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِنَ الجِبالِ: الغارُ. اسْتَعْتَبْتُ الرَّجُلَ بِمَعْنى أعْتَبْتُهُ، أيْ: أزَلْتُ عَنْهُ ما يُعْتَبُ عَلَيْهِ ويُلامُ، والِاسْمُ العُتْبى، وجاءَتِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ نَحْوَ اسْتَدْيَنْتُهُ وأدْيَنْتُهُ.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: مُناسَبَةُ ضَرْبِ هَذا المَثَلِ: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ تَعالى ضَلالَهم في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ غَيْرَهُ وهو لا يَجْلِبُ نَفْعًا ولا ضَرًّا لِنَفْسِهِ ولا لِعابِدِهِ، ضَرَبَ لَهم مَثَلًا قِصَّةَ عَبْدٍ في مِلْكِ غَيْرِهِ، عاجِزٍ عَنِ (p-٥١٩)التَّصَرُّفِ، وحُرٍّ غَنِيٍّ مُتَصَرِّفٍ فِيما آتاهُ اللَّهُ. فَإذا كانَ هَذانِ لا يَسْتَوِيانِ عِنْدَكم مَعَ كَوْنِهِما مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ومُشْتَرِكَيْنِ في الإنْسانِيَّةِ، فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وتُسَوُّونَ بِهِ مَن هو مَخْلُوقٌ لَهُ مَقْهُورٌ بِقُدْرَتِهِ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ، مَعَ تَبايُنِ الأوْصافِ. وأنَّ مُوجِدَ الوُجُودِ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ مِن خَلْقِهِ، ولا يُمْكِنَ لِعاقِلٍ أنْ يُشَبِّهَ بِهِ غَيْرَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا مَثَلٌ لِلَّهِ ولِلْأصْنامِ. وقالَ قَتادَةُ: لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ: العَبْدُ المَمْلُوكُ لا يَنْتَفِعُ بِعِبادَتِهِ في الآخِرَةِ، ومَن رَزَقْناهُ: المُؤْمِنُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَثَلٌ لِلْبَخِيلِ والسَّخِيِّ؛ انْتَهى.
ولَمّا كانَ لَفْظُ عَبْدٍ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الحُرِّ، خُصِّصَ بِمَمْلُوكٍ. ولَمّا كانَ المَمْلُوكُ قَدْ يَكُونُ لَهُ تَصَرُّفٌ وقُدْرَةٌ كالمَأْذُونِ لَهُ والمُكاتَبِ، خُصِّصَ بِقَوْلِهِ: لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، والمَعْنى: عَلى شَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّفِ في المالِ، لِأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى أشْياءَ مِن حَرَكاتِهِ: كالقِيامِ، والقُعُودِ، والأكْلِ، والشُّرْبِ، والنَّوْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. والظّاهِرُ كَوْنُ (ومَن) مَوْصُولَةً، أيْ: والَّذِي رَزَقْناهُ، ودَلَّتِ الصِّلَةُ، وما عُطِفَ عَلى أنَّهُ يُرادُ بِهِ الحُرُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: مَوْصُوفَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّاهِرُ أنَّها مَوْصُوفَةٌ كَأنَّهُ قالَ: وحُرًّا رَزَقْناهُ لِيُطابِقَ عَبْدًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) بِمَعْنى الَّذِي، ولا يَقْتَضِي ضَرْبَ المَثَلِ لِشَخْصَيْنِ مَوْصُوفَيْنِ بِأوْصافٍ مُتَبايِنَةٍ تَعْيِينُهُما، بَلْ ما رُوِيَ في تَعْيِينِهِما مِن أنَّهُما: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وعَبْدٌ لَهُ أوْ أنَّهُما أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأبُو جَهْلٍ، لا يَصِحُّ إسْنادُهُ. وجَمَعَ الضَّمِيرِ في (يَسْتَوُونَ) ولَمْ يُثَنِّ لِسَبْقِ اثْنَيْنِ، لِأنَّ (مَن) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الجَمْعُ فَيَصِيرُ إذْ ذاكَ جَمْعُ الضَّمِيرِ لِانْتِظامِ العَبْدِ المَمْلُوكِ والأغْنِياءِ في الجَمْعِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: عَبْدًا مَمْلُوكًا. والمُلّاكُ: المُرْزُوقُونَ المُنْفِقُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ ”﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾“: الجِنْسُ، فَيَصْلُحُ عَوْدُ الضَّمِيرِ جَمْعًا عَلَيْهِ، وعَلى جِنْسِ الأغْنِياءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَبِيدِ والأحْرارِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلْجَمْعَيْنِ ذِكْرٌ، لِدَلالَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ ومَن رَزَقْناهُ عَلَيْهِما.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت: ٦٣]: الظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن رَزَقَهُ اللَّهُ، أمَرَهُ أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ مَيَّزَهُ بِهَذِهِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ الضَّعِيفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ: شُكْرٌ عَلى بَيانِ الأمْرِ بِهَذا المَثَلِ، وعَلى إذْعانِ الخَصْمِ لَهُ، كَما تَقُولُ لِمَن أذْعَنَ لَكَ في حُجَّةٍ وسَلَّمَ تَبْنِي أنْتَ عَلَيْهِ قَوْلَكَ: اللَّهُ أكْبَرُ عَلى هَذا يَكُونُ كَذا وكَذا، فَلَمّا قالَ هُنا: هَلْ يَسْتَوُونَ، فَكَأنَّ الخَصْمَ قالَ لَهُ: لا، فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ظَهَرَتِ الحُجَّةُ؛ انْتَهى. وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ دُونَ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، إذْ لا نِعْمَةَ لِلْأصْنامِ عَلَيْهِمْ فَتُحْمَدُ عَلَيْها، إنَّما الحَمْدُ الكامِلُ لِلَّهِ لِأنَّهُ المُنْعِمُ الخالِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما فَعَلَ بِأوْلِيائِهِ وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ. والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ، لِأنَّ مِنهم مَن بانَ لَهُ الحَقُّ ورَجَعَ إلَيْهِ، أوْ أكْثَرُ الخَلْقِ لِأنَّ الأكْثَرَ هُمُ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُمُومُ، أيْ: بَلْ هم لا يَعْلَمُونَ. ومُتَعَلِّقُ (يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ، إمّا لِأنَّ المَعْنى نَفْيُ العِلْمِ عَنِ الأكْثَرِ ولَمْ يُلْحَظْ مُتَعَلِّقُهُ، وإمّا لِأنَّهُ مَحْذُوفٌ يَتَرَتَّبُ عَلى الأقْوالِ الَّتِي سَبَبُها قَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ.
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾، أيْ: قِصَّةَ رَجُلَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مَثَلٌ ثانٍ ضَرَبَهُ لِنَفْسِهِ ولِما يُفِيضُ عَلى عِبادِهِ ويَشْمَلُهم مِن آثارِ رَحْمَتِهِ وألْطافِهِ ونِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، والأصْنامِ الَّتِي هي أمْواتٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. والأبْكَمُ: الَّذِي وُلِدَ أخْرَسًا فَلا يُفْهِمُ ولا يَفْهَمُ.
﴿وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾، أيْ: ثَقِيلٌ، وعِيالٌ عَلى مَن يَلِي أمْرَهُ ويَعُولُهُ. أيْنَما يُوَجِّهْهُ: حَيْثُما يُرْسِلْهُ ويَصْرِفْهُ في مَطْلَبِ - حاجَةٍ أوْ كِفايَةٍ - مُهِمٍّ لَمْ يَنْفَعْ ولَمْ يَأْتِ بِنُجْحٍ. هَلْ يَسْتَوِي هو، ومَن هو سَلِيمُ الحَواسِّ نَفّاعٌ ذُو كِفاياتٍ مَعَ رُشْدٍ ودِيانَةٍ، فَهو يَأْمُرُ النّاسَ بِالعَدْلِ، وهو في نَفْسِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عَلى سِيرَةٍ صالِحَةٍ، ودِينٍ قَوِيمٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَدُهُما أبْكَمُ: مَثَلٌ لِلْكافِرِ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: المُؤْمِنُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا مَثَلُ اللَّهِ تَعالى، والأصْنامِ فَهي كالأبْكَمِ الَّذِي لا نُطْقَ لَهُ ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو عِيالٌ عَلى مَن والاهُ مِن قَرِيبٍ أوْ صَدِيقٍ، كَما الأصْنامُ (p-٥٢٠)تَحْتاجُ أنْ تُنْقَلَ وتُخْدَمَ ويُتَعَذَّبَ بِها، ثُمَّ لا يَأْتِي مِن جِهَتِها خَيْرٌ ألْبَتَّةَ. وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا وغَيْرِهِ: هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ ولِلْوَثَنِ، فالأبْكَمُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ: هو الوَثَنُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: مَثَلًا رَجُلَيْنِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ عَدِيلَ الأبْكَمِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومُقابِلُهُ رَجُلٌ مَوْصُوفٌ بِما يُقابِلُ تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ النُّطْقِ والقُدْرَةِ والكِفايَةِ، ولَكِنَّهُ حَذَفَ المُقابِلَ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قِيلَ: هَلْ يَسْتَوِي ذَلِكَ الأبْكَمُ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهَذا النّاطِقُ: فَفي ذِكْرِ اسْتِوائِهِما أيْضًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ المُقابِلِ. ولَمّا كانَ البُكْمُ هو المُبْدَأُ بِهِ مِنَ الأوْصافِ، وعَنْهُ تَكُونُ الأوْصافُ الَّتِي بَعْدَهُ قابِلَةً في الِاسْتِواءِ بِالنُّطْقِ، وثَمَرَتُهُ مِنَ الأمْرِ بِالعَدْلِ غَيْرُهُ وهو في نَفْسِهِ عَلى طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، فَحَيْثُما تَوَجَّهَ: صَدَرَ مِنهُ الخَيْرُ ونَفَعَ، ولَيْسَ بِكالٍّ عَلى أحَدٍ. وقَدْ تَقَرَّرُ في بِدايَةِ العُقُولِ أنَّ الأبْكَمَ: العاجِزَ؛ لا يَكُونُ مُساوِيًا في العَقْلِ والشَّرَفِ لِلنّاطِقِ القادِرِ الكامِلِ مَعَ اسْتِوائِهِما في البَشَرِيَّةِ، فَلِأنْ يُحْكَمَ بِأنَّ الجَمادَ لا يَكُونُ مُساوِيًا لِرَبِّ العالَمِينَ في المَعْبُودِيَّةِ أحْرى وأوْلى. وكَما قُلْنا في المَثَلِ السّابِقِ: لا يَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ المَضْرُوبِ بِهِما المَثَلُ، فَكَذَلِكَ هُنا، فَتَعْيِينُ الأبْكَمِ بِأبِي جَهْلٍ، والآمِرُ بِالعَدْلِ: بِعَمّارٍ، أوْ بِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، أوْ بِهاشِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ كانَ يُعادِي الرَّسُولَ ﷺ لا يَصِحُّ إسْنادُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، وابْنُ وثّابٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ يُوَجِّهُ بِهاءٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ مَبْنِيًّا، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَوْلاهُ، وضَمِيرُ المَفْعُولِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى الأبْكَمِ، ويَكُونُ الفِعْلُ لازِمًا وجَّهَ بِمَعْنى تَوَجَّهَ، كانَ المَعْنى: أيْنَما يَتَوَجَّهْ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أيْضًا: تُوَجِّهْهُ بِهاءَيْنِ، بِتاءِ الخِطابِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ والهاءَيْنِ. وعَنْ عَلْقَمَةَ وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، يُوَجَّهْ بَهاءٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وعَنْ عَلْقَمَةَ، وطَلْحَةَ: يُوَجِّهُ، بِكَسْرِ الجِيمِ وهاءٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإنَّ الهاءَ - الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ - مَحْذُوفَةٌ فِرارًا مِنَ التَّضْعِيفِ، ولِأنَّ اللَّفْظَ بِهِ صَعْبٌ مَعَ التَّضْعِيفِ، أوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ الشَّرْطُ، بَلْ أمَرَ هو بِتَقْدِيرِ أيْنَما هو يُوَجِّهُ، وقَدْ حُذِفَ مِنهُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ بِهِ، فَيَكُونُ حَذْفُ الياءِ مِن ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ عَلى التَّخْفِيفِ نَحْوَ: يَوْمَ يَأْتِ. و”إذا يَسْرِ“؛ انْتَهى. ولا يَخْرُجُ أيْنَ عَنِ الشَّرْطِ أوْ الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هَذِهِ القِراءَةُ ضَعِيفَةٌ، لِأنَّ الجَزْمَ لازِمٌ؛ انْتَهى. والَّذِي تُوَجَّهُ عَلَيْهِ هَذِهِ القِراءَةُ - إنْ صَحَّتْ - أنَّ (أيْنَما) شَرْطٌ حُمِلَتْ عَلى إذا لِجامِعٍ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ مِن ﴿لا يَأْتِ﴾ تَخْفِيفًا، أوْ جَزْمُهُ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ نُطِقَ بِأيْنَما المُهْمَلَةِ مُعْمِلَةً لِقِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ويَكُونُ مَعْنى (يُوَجَّهْ): يَتَوَجَّهْ، فَهو فِعْلٌ لازِمٌ لا مُتَعَدٍّ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو ما غابَ عَنِ العِبادِ وخَفِيَ فِيهِما عَنْهم عِلْمُهُ. والظّاهِرُ اتِّصالُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] أخْبَرَ بِاسْتِئْثارِهِ بِعِلْمِ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ، بِكَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى الإتْيانِ بِالسّاعَةِ الَّتِي تُنْكِرُونَها في لَمْحَةِ البَصَرِ أوْ أقْرَبَ، والمَعْنى بِهَذا الإخْبارِ: أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها مُنْتَفٍ عَنْها هَذانِ الوَصْفانِ اللَّذانِ لِلْإلَهِ وهُما: العِلْمُ المُحِيطُ بِالمُغَيَّباتِ، والقُدْرَةُ البالِغَةُ التّامَّةُ. ومَن ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ هو اللَّهُ تَعالى، ذَكَرَ ارْتِباطَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها بِأنَّ مَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ - وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ - هو الكامِلُ في العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ. قِيلَ: والغَيْبُ هُنا ما لا يُدْرَكُ بِالحِسِّ، ولا يُفْهَمُ بِالعَقْلِ. وقالَ المُفَضَّلُ: ما غابَ عَنِ الخَلْقِ هو في قَبْضَتِهِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ. وقِيلَ: هو ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ بِغَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ: يَوْمَ القِيامَةِ، عَلى أنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنْ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهم. قِيلَ: لَمّا كانَتِ السّاعَةُ آتِيَةً ولا بُدَّ، جُعِلَتْ مِنَ القُرْبِ كَلَمْحِ البَصَرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَمْ (p-٥٢١)يُرِدْ أنَّ السّاعَةَ تَأْتِي في لَمْحِ البَصَرِ، وإنَّما وصَفَ سُرْعَةَ القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِها، أيْ: يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ. وقِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ كَما تَقُولُ: ما السَّنَةُ إلّا لَحْظَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عِنْدَ اللَّهِ وإنْ تَراخى، كَما يَقُولُونَ: أنْتُمْ في الشَّيْءِ الَّذِي تَسْتَقْرِبُونَهُ: ﴿كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ إذا بالَغْتُمْ في اسْتِقْرابِهِ ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧] ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، أيْ: هو عِنْدَهُ دانٍ، وهو عِنْدُكم بَعِيدٌ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ إقامَةَ السّاعَةِ وإماتَةَ الأحْياءِ، وإحْياءَ الأمْواتِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، يَكُونُ في أقْرَبِ وقْتٍ أوْحاهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، فَهو يَقْدِرُ عَلى أنْ يُقِيمَ السّاعَةَ، ويَبْعَثَ الخَلْقَ، لِأنَّهُ بَعْضُ المَقْدُوراتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى عَلى ما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وما تَكُونُ السّاعَةُ وإقامَتُها في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنْ يَقُولَ لَها: كُنْ فَلَوِ اتَّفَقَ أنْ يَقِفَ عَلى ذَلِكَ شَخْصٌ مِنَ البَشَرِ لَكانَتْ مِنَ السُّرْعَةِ بِحَيْثُ يَشُكُّ هَلْ هي كَلَمْحِ البَصَرِ ؟ أوْ هي أقْرَبُ مِن ذَلِكَ ؟ فَأوْ - عَلى هَذا - عَلى بابِها في الشَّكِّ. وقِيلَ: هي لِلتَّخْيِيرِ؛ انْتَهى. والشَّكُّ والتَّخْيِيرُ بَعِيدانِ، لِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أمْرِ السّاعَةِ، فالشَّكُّ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ. ولِأنَّ التَّخْيِيرَ إنَّما يَكُونُ في المَحْظُوراتِ كَقَوْلِهِمْ: خُذْ مِن مالِي دِينارًا أوْ دِرْهَمًا، أوْ في التَّكْلِيفاتِ كَآيَةِ الكَفّاراتِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ [المجادلة: ٣] وأوْ: هُنا لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤] وهو تَعالى قَدْ عَلِمَ عَدَدَهم، ومَتى يَأْتِيها أمْرُهُ، كَما عَلِمَ أمْرَ السّاعَةِ، لَكِنَّهُ أُبْهِمَ عَلى المُخاطَبِ. وكَوْنُ (أوْ) هُنا لِلْإبْهامِ؛ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ هُنا. وقالَ القاضِي: هَذا لا يَصِحُّ، لِأنَّ إقامَةَ السّاعَةِ لَيْسَتْ حالَ تَكْلِيفٍ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِها في زَمانٍ يَعْنِي القاضِيَ فَيَكُونُ الإبْهامُ عَلى المُخاطَبِ في ذَلِكَ الزَّمانِ، ولَيْسَ زَمانَ تَكْلِيفٍ. والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ الإبْهامَ وقَعَ وقْتَ الخِطابِ المُتَقَدِّمِ عَلى أمْرِ السّاعَةِ، لا وقْتَ الإتْيانِ بِها. ولَيْسَ مِن شَرْطِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ في الإخْبارِ عَنْ شَيْءٍ اتِّحادُ زَمانِ الإخْبارِ وزَمانِ وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ألا تَرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] كَيْفَ تَأخَّرَ زَمانُ الإخْبارِ عَنْ زَمانِ وُقُوعِ ذَلِكَ الإرْسالِ، ووُجُودِهِمْ مِائَةَ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: (لَمْحُ البَصَرِ) انْتِقالُ الجِسْمِ بِالطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ، وهي مُؤَلَّفَةٌ مِن أجْزاءٍ وتِلْكَ الأجْزاءُ كَثِيرَةٌ، والزَّمانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ اللَّمْحُ مُرَكَّبٌ مِن آناءٍ مُتَعاقِبَةٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ القِيامَةِ في آنٍ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآناءِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ ولَمّا كانَ أسْرَعُ الأحْوالِ والحَوادِثِ في عُقُولِنا هو لَمْحُ البَصَرِ ذَكَرَهُ، ثُمَّ قالَ: أوْ هو أقْرَبُ، تَنْبِيهًا عَلى ما ذَكَرْناهُ، ولَيْسَ المُرادُ طَرِيقَةَ الشَّكِّ، والمُرادُ: بَلْ هو أقْرَبُ؛ انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ (أوْ) بِمَعْنى بَلْ، هو قَوْلُ الفَرّاءِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ الإضْرابَ عَلى قِسْمَيْنِ كِلاهُما لا يَصِحُّ هُنا. أمّا أحَدُهُما: فَأنْ يَكُونَ إبْطالًا لِلْإسْنادِ السّابِقِ، وأنَّهُ لَيْسَ هو المُرادَ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ هُنا، لِأنَّهُ يَئُولُ إلى إسْنادٍ غَيْرِ مُطابِقٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ انْتِقالًا مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ السّابِقِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ هُنا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإخْبارِ بِكَوْنِهِ مِثْلَ لَمْحِ البَصَرِ في السُّرْعَةِ، والإخْبارِ بِالأقْرَبِيَّةِ، فَلا يُمْكِنُ صِدْقُهُما مَعًا. وقالَ صاحِبُ الغَنِيّانِ: وهَذا وإنْ كانَ يَعْسُرُ إدْراكُهُ حَقِيقَةً، إلّا أنَّ المَقْصُودَ: المُبالَغَةُ، عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ وأرْبابِ النَّظْمِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الأبْلَهِ الشّاعِرِ في المَعْنى:
؎قالَ لَهُ البَرْقُ وقالَتْ لَهُ الرِّيحُ ∗∗∗ جَمِيعًا وهُما ما هُما
؎أأنْتَ تَجْرِي مَعَنا قالَ إنْ ∗∗∗ نَشِطْتُ أضْحَكْتُكُما مِنكُما
؎أنا ارْتِدادُ الطَّرْفِ قَدْ فُتُّهُ ∗∗∗ إلى المَدى سَبْقًا فَمَن أنْتُما
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ السّاعَةِ وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، فَكانَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى النَّشْأةِ الآخِرَةِ. وتَقَدَّمَ (p-٥٢٢)وصْفُهم بِانْتِفاءِ العِلْمِ، ذَكَرَ تَعالى النَّشْأةَ الأُولى وهي إخْراجُهم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ غَيْرَ عالِمِينَ شَيْئًا، تَنْبِيهًا عَلى وُقُوعِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِجَعْلِ الحَواسِّ الَّتِي هي سَبَبٌ لِإدْراكِ الأشْياءِ والعِلْمِ، ولَمّا كانَتِ النَّشْأةُ الأُولى، وجَعَلَ ما يَعْلَمُونَ بِهِ لَهم مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ؛ قالَ: لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أُمَّهاتِ) في النِّساءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والمِيمِ هُنا - وفي النُّورِ، والزُّمَرِ، والنَّجْمِ، والكِسائِيُّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِنَّ، والأعْمَشُ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المِيمِ، وابْنُ أبِي لَيْلى بِحَذْفِها وفَتْحِ المِيمِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: حَذْفُ الهَمْزَةِ رَدِئٌ، ولَكِنَّ قِراءَةَ ابْنِ أُبَيٍّ أصْوَبُ؛ انْتَهى. وإنَّما كانَتْ أصْوَبَ لِأنَّ كَسْرَ المِيمِ إنَّما هو لِإتْباعِها حَرَكَةَ الهَمْزَةِ، فَإذا كانَتِ الهَمْزَةُ مَحْذُوفَةً زالَ الإتْباعُ، بِخِلافِ قِراءَةِ ابْنِ أبِي لَيْلى فَإنَّهُ أقَرَّ المِيمَ عَلى حَرَكَتِها. ولا تَعْلَمُونَ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: غَيْرُ عالِمِينَ. وقالُوا: لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ شَيْئًا مِمّا قَضى عَلَيْكم مِنَ السَّعادَةِ أوِ الشَّقاوَةِ، أوْ شَيْئًا مِن مَنافِعِكم. والأوْلى عُمُومُ لَفْظِ شَيْءٍ، ولا سِيَّما في سِياقِ النَّفْيِ. وقالَ وهْبٌ: يُولَدُ المَوْلُودُ حَذِرًا إلى سَبْعَةِ أيّامٍ لا يُدْرِكُ راحَةً ولا ألَمًا. ويَحْتَمِلُ وجَعَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿أخْرَجَكُمْ﴾، فَيَكُونُ واحِدًا في حَيِّزِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ كاسْتِئْنافِها.
والمُرادُ بِالسَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ: إحْساسُها وإدْراكُها، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالآيَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّما جَمَعَ الفُؤادَ جَمْعَ قِلَّةٍ، لِأنَّهُ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ اليَقِينِيَّةِ، وأكْثَرُ الخَلْقِ مَشْغُولُونَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ، فَكانَ فُؤادُهم لَيْسَ بِفُؤادٍ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ في جَمْعِهِ جَمْعَ القِلَّةِ؛ انْتَهى، مُلَخَّصًا. وهو قَوْلٌ هَذَيانِيٌّ، ولَوْلا جَلالَةُ قائِلِهِ وتَسْطِيرُهُ في الكُتُبِ ما ذَكَرْتُهُ، وإنَّما يُقالُ في هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّهُ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الَّتِي جَرَتْ مَجْرى جُمُوعِ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ، إذا لَمْ يَرِدْ في السَّماعِ غَيْرُها كَما جاءَ: شُسُوعٌ في جَمْعِ شِسْعٍ لا غَيْرُ، فَجَرى ذَلِكَ المَجْرى؛ انْتَهى. إلّا أنَّ دَعْوى الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في جَمْعِ شِسْعٍ إلّا شُسُوعٌ لا غَيْرُ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ جاءَ فِيهِ جَمْعُ القِلَّةِ؛ قالُوا: أشْساعٌ، فَكانَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقُولَ: غُلِّبَ شُسُوعٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ هُرْمُزَ: (ألَمْ تَرَوْا) بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ، وعِيسى الثَّقَفِيِّ، وعاصِمٍ، وأبِي عَمْرٍو. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَدارِكَ العِلْمِ الثَّلاثَةَ: السَّمْعَ، والنَّظَرَ، والعَقْلَ، والأوَّلانِ مَدْرِكُ المَحْسُوسِ، والثّالِثُ مَدْرِكُ المَعْقُولِ، اكْتَفى مِن ذِكْرِ مُدْرِكِ المَحْسُوسِ بِذِكْرِ النَّظَرِ، فَإنَّهُ أغْرَبُ لِما يُشاهَدُ بِهِ مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ عَلى بُعْدِها المُتَفاوِتِ، كَمُشاهَدَتِهِ النَّيِّراتِ الَّتِي في الأفْلاكِ. وجَعَلَ هُنا مَوْضِعَ الِاعْتِبارِ والتَّعَجُّبِ الحَيَوانَ الطّائِرَ، فَإنَّ طَيَرانَهُ في الهَواءِ مَعَ ثِقَلِ جِسْمِهِ مِمّا يُعْجَبُ مِنهُ ويُعْتَبَرُ بِهِ. وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ أيْضًا ذِكْرَ مُدْرِكِ العَقْلِ في كَوْنِهِ لا يَسْقُطُ، إذْ لَيْسَ تَحْتَهُ ما يُدَعِّمُهُ، ولا فَوْقَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيُعْلَمُ بِالعَقْلِ أنَّهُ لَهُ مُمْسِكَ قادِرٌ عَلى إمْساكِهِ وهو اللَّهُ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوْلَمَ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] فانْتَظَمَ في الآيَةِ ذِكْرُ مُدْرِكِ الحِسِّ ومَدْرَكِ العَقْلِ. ومَعْنى مُسَخَّراتٍ: مُذَلَّلاتٌ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى أنَّ لَهُ مُسَخِّرًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَ الطّائِرَ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُهُ الطَّيَرانُ، أعْطاهُ جَناحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً، ويُكِنُّهُ أُخْرى مِثْلَ ما يَعْمَلُ السّابِحُ في الماءِ، وخَلَقَ الجَوَّ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُ الطَّيَرانُ، خَلَقَهُ خِلْقَةً لَطِيفَةً، يَسْهُلُ بِسَبَبِها خَرْقُهُ والنَّفاذُ فِيهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الطَّيَرانُ مُمْكِنًا؛ انْتَهى. وكَلامُهُ مُنْتَزَعٌ مِن كَلامِ القاضِي؛ قالَ: إنَّما أضافَ الإمْساكَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى الآلاتِ لِأجْلِها تَمَكَّنَ الطّائِرُ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَمّا كانَ هو المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ؛ انْتَهى. والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَطِيرَ ولَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ جَناحٌ، وأنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ خَرْقُ الشَّيْءِ الكَثِيفِ وذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، (p-٥٢٣)وأنَّ المُمْسِكَ لَهُ في جَوِّ السَّماءِ هو اللَّهُ تَعالى. وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأفْعالِ كُلِّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، وقامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الفاعِلُ المُخْتارُ، فَلا نَقُولُ: إنَّهُ لَوْلا الجَناحُ ولُطْفُ الجَوِّ ما أمْكَنَ الطَّيَرانُ، ولا لَوْلا الآلاتُ ما أمْكَنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يُوافِقُ كَلامَهُما قالَ: مُسَخَّراتٌ، مُذَلَّلاتٌ لِلطَّيَرانِ بِما خَلَقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ، والأسْبابِ المُواتِيَةِ لِذَلِكَ. ثُمَّ أحْسَنَ أخِيرًا في قَوْلِهِ: ما يُمْسِكُهُنَّ في قَبْضِهِنَّ وبَسْطِهِنَّ ووُقُوفِهِنَّ إلّا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ؛ انْتَهى. لَآياتٍ: جَمَعَ ولَمْ يُفْرِدْ، لِما في ذَلِكَ مِنَ الآياتِ خِفَّةُ الطّائِرِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ فِيهِ لِأنْ يَرْتَفِعَ بِها، وثِقْلُهُ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ لِأنْ يَنْزِلَ، والفَضاءُ الَّذِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والإمْساكُ الَّذِي لِلَّهِ تَعالى، أوْ جَمْعٌ بِاعْتِبارِ ما في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها وقالَ: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالِاعْتِبارِ، ولِتَضَمُّنِ الآيَةِ أنَّ المُسَخِّرَ والمُمْسِكَ لَها هو اللَّهُ، فَهو إخْبارٌ مِنهُ تَعالى ما يُصَدِّقُ بِهِ إلّا المُؤْمِنُ.
النحل 16:77
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] (p-٥١٨)الكَلُّ: الثَّقِيلُ، وقَدْ يُسَمّى اليَتِيمُ كَلًّا لِثِقَلِهِ عَلى مَن يَكْفُلُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎أكُولٌ لِمالِ الكَلِّ قَبْلَ شَبابِهِ إذا كانَ عَظْمُ الكَلِّ غَيْرَ شَدِيدِ
والكَلُّ أيْضًا الَّذِي لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، والكَلُّ: العِيالُ، والجَمْعُ: كُلُولٌ. اللَّمْحُ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ، لَمَحَهُ لَمْحًا ولَمَحانًا. الجَوُّ: مَسافَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هو ما يَلِي الأرْضَ في سَمْتِ العُلُوِّ، واللَّوْحُ والسُّكاكُ أبْعَدُ مِنهُ. الظَّعْنُ: سَيْرُ البادِيَةِ في الِانْتِجاعِ والتَّحَوُّلُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، والظَّعْنُ: الهَوْدَجُ أيْضًا. الصُّوفُ لِلضَّأْنِ، والوَبَرُ لِلْإبِلِ، والشَّعْرُ لِلْمَعَزِ، قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أصْوافِها﴾ [النحل: ٨٠] الآيَةَ. الأثاثُ: قالَ المُفَضَّلُ: مَتاعُ البَيْتِ كالفُرُشِ والأكْسِيَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، كَما أنَّ المَتاعَ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ولَوْ جَمَعْتَ لَقُلْتَ: أأْثِثَةٌ في القَلِيلِ، وأُثُثٌ في الكَثِيرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُهُ أُثاثةٌ، وقالَ الخَلِيلُ: أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ أثَثَ النَّباتُ والشَّعْرُ، فَهو أثِيثٌ إذا كَثُرَ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎وفَرْعٌ يُزَيِّنُ المَتْنَ أسْوَدُ فاحِمُ ∗∗∗ أثِيثٌ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
الكِنُّ ما حَفَظَ، ومَنَعَ مِنَ الرِّيحِ والمَطَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِنَ الجِبالِ: الغارُ. اسْتَعْتَبْتُ الرَّجُلَ بِمَعْنى أعْتَبْتُهُ، أيْ: أزَلْتُ عَنْهُ ما يُعْتَبُ عَلَيْهِ ويُلامُ، والِاسْمُ العُتْبى، وجاءَتِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ نَحْوَ اسْتَدْيَنْتُهُ وأدْيَنْتُهُ.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: مُناسَبَةُ ضَرْبِ هَذا المَثَلِ: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ تَعالى ضَلالَهم في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ غَيْرَهُ وهو لا يَجْلِبُ نَفْعًا ولا ضَرًّا لِنَفْسِهِ ولا لِعابِدِهِ، ضَرَبَ لَهم مَثَلًا قِصَّةَ عَبْدٍ في مِلْكِ غَيْرِهِ، عاجِزٍ عَنِ (p-٥١٩)التَّصَرُّفِ، وحُرٍّ غَنِيٍّ مُتَصَرِّفٍ فِيما آتاهُ اللَّهُ. فَإذا كانَ هَذانِ لا يَسْتَوِيانِ عِنْدَكم مَعَ كَوْنِهِما مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ومُشْتَرِكَيْنِ في الإنْسانِيَّةِ، فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وتُسَوُّونَ بِهِ مَن هو مَخْلُوقٌ لَهُ مَقْهُورٌ بِقُدْرَتِهِ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ، مَعَ تَبايُنِ الأوْصافِ. وأنَّ مُوجِدَ الوُجُودِ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ مِن خَلْقِهِ، ولا يُمْكِنَ لِعاقِلٍ أنْ يُشَبِّهَ بِهِ غَيْرَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا مَثَلٌ لِلَّهِ ولِلْأصْنامِ. وقالَ قَتادَةُ: لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ: العَبْدُ المَمْلُوكُ لا يَنْتَفِعُ بِعِبادَتِهِ في الآخِرَةِ، ومَن رَزَقْناهُ: المُؤْمِنُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَثَلٌ لِلْبَخِيلِ والسَّخِيِّ؛ انْتَهى.
ولَمّا كانَ لَفْظُ عَبْدٍ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الحُرِّ، خُصِّصَ بِمَمْلُوكٍ. ولَمّا كانَ المَمْلُوكُ قَدْ يَكُونُ لَهُ تَصَرُّفٌ وقُدْرَةٌ كالمَأْذُونِ لَهُ والمُكاتَبِ، خُصِّصَ بِقَوْلِهِ: لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، والمَعْنى: عَلى شَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّفِ في المالِ، لِأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى أشْياءَ مِن حَرَكاتِهِ: كالقِيامِ، والقُعُودِ، والأكْلِ، والشُّرْبِ، والنَّوْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. والظّاهِرُ كَوْنُ (ومَن) مَوْصُولَةً، أيْ: والَّذِي رَزَقْناهُ، ودَلَّتِ الصِّلَةُ، وما عُطِفَ عَلى أنَّهُ يُرادُ بِهِ الحُرُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: مَوْصُوفَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّاهِرُ أنَّها مَوْصُوفَةٌ كَأنَّهُ قالَ: وحُرًّا رَزَقْناهُ لِيُطابِقَ عَبْدًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) بِمَعْنى الَّذِي، ولا يَقْتَضِي ضَرْبَ المَثَلِ لِشَخْصَيْنِ مَوْصُوفَيْنِ بِأوْصافٍ مُتَبايِنَةٍ تَعْيِينُهُما، بَلْ ما رُوِيَ في تَعْيِينِهِما مِن أنَّهُما: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وعَبْدٌ لَهُ أوْ أنَّهُما أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأبُو جَهْلٍ، لا يَصِحُّ إسْنادُهُ. وجَمَعَ الضَّمِيرِ في (يَسْتَوُونَ) ولَمْ يُثَنِّ لِسَبْقِ اثْنَيْنِ، لِأنَّ (مَن) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الجَمْعُ فَيَصِيرُ إذْ ذاكَ جَمْعُ الضَّمِيرِ لِانْتِظامِ العَبْدِ المَمْلُوكِ والأغْنِياءِ في الجَمْعِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: عَبْدًا مَمْلُوكًا. والمُلّاكُ: المُرْزُوقُونَ المُنْفِقُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ ”﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾“: الجِنْسُ، فَيَصْلُحُ عَوْدُ الضَّمِيرِ جَمْعًا عَلَيْهِ، وعَلى جِنْسِ الأغْنِياءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَبِيدِ والأحْرارِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلْجَمْعَيْنِ ذِكْرٌ، لِدَلالَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ ومَن رَزَقْناهُ عَلَيْهِما.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت: ٦٣]: الظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن رَزَقَهُ اللَّهُ، أمَرَهُ أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ مَيَّزَهُ بِهَذِهِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ الضَّعِيفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ: شُكْرٌ عَلى بَيانِ الأمْرِ بِهَذا المَثَلِ، وعَلى إذْعانِ الخَصْمِ لَهُ، كَما تَقُولُ لِمَن أذْعَنَ لَكَ في حُجَّةٍ وسَلَّمَ تَبْنِي أنْتَ عَلَيْهِ قَوْلَكَ: اللَّهُ أكْبَرُ عَلى هَذا يَكُونُ كَذا وكَذا، فَلَمّا قالَ هُنا: هَلْ يَسْتَوُونَ، فَكَأنَّ الخَصْمَ قالَ لَهُ: لا، فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ظَهَرَتِ الحُجَّةُ؛ انْتَهى. وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ دُونَ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، إذْ لا نِعْمَةَ لِلْأصْنامِ عَلَيْهِمْ فَتُحْمَدُ عَلَيْها، إنَّما الحَمْدُ الكامِلُ لِلَّهِ لِأنَّهُ المُنْعِمُ الخالِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما فَعَلَ بِأوْلِيائِهِ وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ. والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ، لِأنَّ مِنهم مَن بانَ لَهُ الحَقُّ ورَجَعَ إلَيْهِ، أوْ أكْثَرُ الخَلْقِ لِأنَّ الأكْثَرَ هُمُ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُمُومُ، أيْ: بَلْ هم لا يَعْلَمُونَ. ومُتَعَلِّقُ (يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ، إمّا لِأنَّ المَعْنى نَفْيُ العِلْمِ عَنِ الأكْثَرِ ولَمْ يُلْحَظْ مُتَعَلِّقُهُ، وإمّا لِأنَّهُ مَحْذُوفٌ يَتَرَتَّبُ عَلى الأقْوالِ الَّتِي سَبَبُها قَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ.
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾، أيْ: قِصَّةَ رَجُلَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مَثَلٌ ثانٍ ضَرَبَهُ لِنَفْسِهِ ولِما يُفِيضُ عَلى عِبادِهِ ويَشْمَلُهم مِن آثارِ رَحْمَتِهِ وألْطافِهِ ونِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، والأصْنامِ الَّتِي هي أمْواتٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. والأبْكَمُ: الَّذِي وُلِدَ أخْرَسًا فَلا يُفْهِمُ ولا يَفْهَمُ.
﴿وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾، أيْ: ثَقِيلٌ، وعِيالٌ عَلى مَن يَلِي أمْرَهُ ويَعُولُهُ. أيْنَما يُوَجِّهْهُ: حَيْثُما يُرْسِلْهُ ويَصْرِفْهُ في مَطْلَبِ - حاجَةٍ أوْ كِفايَةٍ - مُهِمٍّ لَمْ يَنْفَعْ ولَمْ يَأْتِ بِنُجْحٍ. هَلْ يَسْتَوِي هو، ومَن هو سَلِيمُ الحَواسِّ نَفّاعٌ ذُو كِفاياتٍ مَعَ رُشْدٍ ودِيانَةٍ، فَهو يَأْمُرُ النّاسَ بِالعَدْلِ، وهو في نَفْسِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عَلى سِيرَةٍ صالِحَةٍ، ودِينٍ قَوِيمٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَدُهُما أبْكَمُ: مَثَلٌ لِلْكافِرِ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: المُؤْمِنُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا مَثَلُ اللَّهِ تَعالى، والأصْنامِ فَهي كالأبْكَمِ الَّذِي لا نُطْقَ لَهُ ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو عِيالٌ عَلى مَن والاهُ مِن قَرِيبٍ أوْ صَدِيقٍ، كَما الأصْنامُ (p-٥٢٠)تَحْتاجُ أنْ تُنْقَلَ وتُخْدَمَ ويُتَعَذَّبَ بِها، ثُمَّ لا يَأْتِي مِن جِهَتِها خَيْرٌ ألْبَتَّةَ. وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا وغَيْرِهِ: هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ ولِلْوَثَنِ، فالأبْكَمُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ: هو الوَثَنُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: مَثَلًا رَجُلَيْنِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ عَدِيلَ الأبْكَمِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومُقابِلُهُ رَجُلٌ مَوْصُوفٌ بِما يُقابِلُ تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ النُّطْقِ والقُدْرَةِ والكِفايَةِ، ولَكِنَّهُ حَذَفَ المُقابِلَ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قِيلَ: هَلْ يَسْتَوِي ذَلِكَ الأبْكَمُ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهَذا النّاطِقُ: فَفي ذِكْرِ اسْتِوائِهِما أيْضًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ المُقابِلِ. ولَمّا كانَ البُكْمُ هو المُبْدَأُ بِهِ مِنَ الأوْصافِ، وعَنْهُ تَكُونُ الأوْصافُ الَّتِي بَعْدَهُ قابِلَةً في الِاسْتِواءِ بِالنُّطْقِ، وثَمَرَتُهُ مِنَ الأمْرِ بِالعَدْلِ غَيْرُهُ وهو في نَفْسِهِ عَلى طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، فَحَيْثُما تَوَجَّهَ: صَدَرَ مِنهُ الخَيْرُ ونَفَعَ، ولَيْسَ بِكالٍّ عَلى أحَدٍ. وقَدْ تَقَرَّرُ في بِدايَةِ العُقُولِ أنَّ الأبْكَمَ: العاجِزَ؛ لا يَكُونُ مُساوِيًا في العَقْلِ والشَّرَفِ لِلنّاطِقِ القادِرِ الكامِلِ مَعَ اسْتِوائِهِما في البَشَرِيَّةِ، فَلِأنْ يُحْكَمَ بِأنَّ الجَمادَ لا يَكُونُ مُساوِيًا لِرَبِّ العالَمِينَ في المَعْبُودِيَّةِ أحْرى وأوْلى. وكَما قُلْنا في المَثَلِ السّابِقِ: لا يَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ المَضْرُوبِ بِهِما المَثَلُ، فَكَذَلِكَ هُنا، فَتَعْيِينُ الأبْكَمِ بِأبِي جَهْلٍ، والآمِرُ بِالعَدْلِ: بِعَمّارٍ، أوْ بِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، أوْ بِهاشِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ كانَ يُعادِي الرَّسُولَ ﷺ لا يَصِحُّ إسْنادُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، وابْنُ وثّابٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ يُوَجِّهُ بِهاءٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ مَبْنِيًّا، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَوْلاهُ، وضَمِيرُ المَفْعُولِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى الأبْكَمِ، ويَكُونُ الفِعْلُ لازِمًا وجَّهَ بِمَعْنى تَوَجَّهَ، كانَ المَعْنى: أيْنَما يَتَوَجَّهْ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أيْضًا: تُوَجِّهْهُ بِهاءَيْنِ، بِتاءِ الخِطابِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ والهاءَيْنِ. وعَنْ عَلْقَمَةَ وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، يُوَجَّهْ بَهاءٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وعَنْ عَلْقَمَةَ، وطَلْحَةَ: يُوَجِّهُ، بِكَسْرِ الجِيمِ وهاءٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإنَّ الهاءَ - الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ - مَحْذُوفَةٌ فِرارًا مِنَ التَّضْعِيفِ، ولِأنَّ اللَّفْظَ بِهِ صَعْبٌ مَعَ التَّضْعِيفِ، أوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ الشَّرْطُ، بَلْ أمَرَ هو بِتَقْدِيرِ أيْنَما هو يُوَجِّهُ، وقَدْ حُذِفَ مِنهُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ بِهِ، فَيَكُونُ حَذْفُ الياءِ مِن ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ عَلى التَّخْفِيفِ نَحْوَ: يَوْمَ يَأْتِ. و”إذا يَسْرِ“؛ انْتَهى. ولا يَخْرُجُ أيْنَ عَنِ الشَّرْطِ أوْ الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هَذِهِ القِراءَةُ ضَعِيفَةٌ، لِأنَّ الجَزْمَ لازِمٌ؛ انْتَهى. والَّذِي تُوَجَّهُ عَلَيْهِ هَذِهِ القِراءَةُ - إنْ صَحَّتْ - أنَّ (أيْنَما) شَرْطٌ حُمِلَتْ عَلى إذا لِجامِعٍ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ مِن ﴿لا يَأْتِ﴾ تَخْفِيفًا، أوْ جَزْمُهُ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ نُطِقَ بِأيْنَما المُهْمَلَةِ مُعْمِلَةً لِقِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ويَكُونُ مَعْنى (يُوَجَّهْ): يَتَوَجَّهْ، فَهو فِعْلٌ لازِمٌ لا مُتَعَدٍّ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو ما غابَ عَنِ العِبادِ وخَفِيَ فِيهِما عَنْهم عِلْمُهُ. والظّاهِرُ اتِّصالُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] أخْبَرَ بِاسْتِئْثارِهِ بِعِلْمِ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ، بِكَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى الإتْيانِ بِالسّاعَةِ الَّتِي تُنْكِرُونَها في لَمْحَةِ البَصَرِ أوْ أقْرَبَ، والمَعْنى بِهَذا الإخْبارِ: أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها مُنْتَفٍ عَنْها هَذانِ الوَصْفانِ اللَّذانِ لِلْإلَهِ وهُما: العِلْمُ المُحِيطُ بِالمُغَيَّباتِ، والقُدْرَةُ البالِغَةُ التّامَّةُ. ومَن ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ هو اللَّهُ تَعالى، ذَكَرَ ارْتِباطَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها بِأنَّ مَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ - وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ - هو الكامِلُ في العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ. قِيلَ: والغَيْبُ هُنا ما لا يُدْرَكُ بِالحِسِّ، ولا يُفْهَمُ بِالعَقْلِ. وقالَ المُفَضَّلُ: ما غابَ عَنِ الخَلْقِ هو في قَبْضَتِهِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ. وقِيلَ: هو ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ بِغَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ: يَوْمَ القِيامَةِ، عَلى أنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنْ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهم. قِيلَ: لَمّا كانَتِ السّاعَةُ آتِيَةً ولا بُدَّ، جُعِلَتْ مِنَ القُرْبِ كَلَمْحِ البَصَرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَمْ (p-٥٢١)يُرِدْ أنَّ السّاعَةَ تَأْتِي في لَمْحِ البَصَرِ، وإنَّما وصَفَ سُرْعَةَ القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِها، أيْ: يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ. وقِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ كَما تَقُولُ: ما السَّنَةُ إلّا لَحْظَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عِنْدَ اللَّهِ وإنْ تَراخى، كَما يَقُولُونَ: أنْتُمْ في الشَّيْءِ الَّذِي تَسْتَقْرِبُونَهُ: ﴿كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ إذا بالَغْتُمْ في اسْتِقْرابِهِ ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧] ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، أيْ: هو عِنْدَهُ دانٍ، وهو عِنْدُكم بَعِيدٌ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ إقامَةَ السّاعَةِ وإماتَةَ الأحْياءِ، وإحْياءَ الأمْواتِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، يَكُونُ في أقْرَبِ وقْتٍ أوْحاهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، فَهو يَقْدِرُ عَلى أنْ يُقِيمَ السّاعَةَ، ويَبْعَثَ الخَلْقَ، لِأنَّهُ بَعْضُ المَقْدُوراتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى عَلى ما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وما تَكُونُ السّاعَةُ وإقامَتُها في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنْ يَقُولَ لَها: كُنْ فَلَوِ اتَّفَقَ أنْ يَقِفَ عَلى ذَلِكَ شَخْصٌ مِنَ البَشَرِ لَكانَتْ مِنَ السُّرْعَةِ بِحَيْثُ يَشُكُّ هَلْ هي كَلَمْحِ البَصَرِ ؟ أوْ هي أقْرَبُ مِن ذَلِكَ ؟ فَأوْ - عَلى هَذا - عَلى بابِها في الشَّكِّ. وقِيلَ: هي لِلتَّخْيِيرِ؛ انْتَهى. والشَّكُّ والتَّخْيِيرُ بَعِيدانِ، لِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أمْرِ السّاعَةِ، فالشَّكُّ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ. ولِأنَّ التَّخْيِيرَ إنَّما يَكُونُ في المَحْظُوراتِ كَقَوْلِهِمْ: خُذْ مِن مالِي دِينارًا أوْ دِرْهَمًا، أوْ في التَّكْلِيفاتِ كَآيَةِ الكَفّاراتِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ [المجادلة: ٣] وأوْ: هُنا لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤] وهو تَعالى قَدْ عَلِمَ عَدَدَهم، ومَتى يَأْتِيها أمْرُهُ، كَما عَلِمَ أمْرَ السّاعَةِ، لَكِنَّهُ أُبْهِمَ عَلى المُخاطَبِ. وكَوْنُ (أوْ) هُنا لِلْإبْهامِ؛ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ هُنا. وقالَ القاضِي: هَذا لا يَصِحُّ، لِأنَّ إقامَةَ السّاعَةِ لَيْسَتْ حالَ تَكْلِيفٍ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِها في زَمانٍ يَعْنِي القاضِيَ فَيَكُونُ الإبْهامُ عَلى المُخاطَبِ في ذَلِكَ الزَّمانِ، ولَيْسَ زَمانَ تَكْلِيفٍ. والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ الإبْهامَ وقَعَ وقْتَ الخِطابِ المُتَقَدِّمِ عَلى أمْرِ السّاعَةِ، لا وقْتَ الإتْيانِ بِها. ولَيْسَ مِن شَرْطِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ في الإخْبارِ عَنْ شَيْءٍ اتِّحادُ زَمانِ الإخْبارِ وزَمانِ وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ألا تَرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] كَيْفَ تَأخَّرَ زَمانُ الإخْبارِ عَنْ زَمانِ وُقُوعِ ذَلِكَ الإرْسالِ، ووُجُودِهِمْ مِائَةَ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: (لَمْحُ البَصَرِ) انْتِقالُ الجِسْمِ بِالطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ، وهي مُؤَلَّفَةٌ مِن أجْزاءٍ وتِلْكَ الأجْزاءُ كَثِيرَةٌ، والزَّمانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ اللَّمْحُ مُرَكَّبٌ مِن آناءٍ مُتَعاقِبَةٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ القِيامَةِ في آنٍ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآناءِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ ولَمّا كانَ أسْرَعُ الأحْوالِ والحَوادِثِ في عُقُولِنا هو لَمْحُ البَصَرِ ذَكَرَهُ، ثُمَّ قالَ: أوْ هو أقْرَبُ، تَنْبِيهًا عَلى ما ذَكَرْناهُ، ولَيْسَ المُرادُ طَرِيقَةَ الشَّكِّ، والمُرادُ: بَلْ هو أقْرَبُ؛ انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ (أوْ) بِمَعْنى بَلْ، هو قَوْلُ الفَرّاءِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ الإضْرابَ عَلى قِسْمَيْنِ كِلاهُما لا يَصِحُّ هُنا. أمّا أحَدُهُما: فَأنْ يَكُونَ إبْطالًا لِلْإسْنادِ السّابِقِ، وأنَّهُ لَيْسَ هو المُرادَ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ هُنا، لِأنَّهُ يَئُولُ إلى إسْنادٍ غَيْرِ مُطابِقٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ انْتِقالًا مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ السّابِقِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ هُنا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإخْبارِ بِكَوْنِهِ مِثْلَ لَمْحِ البَصَرِ في السُّرْعَةِ، والإخْبارِ بِالأقْرَبِيَّةِ، فَلا يُمْكِنُ صِدْقُهُما مَعًا. وقالَ صاحِبُ الغَنِيّانِ: وهَذا وإنْ كانَ يَعْسُرُ إدْراكُهُ حَقِيقَةً، إلّا أنَّ المَقْصُودَ: المُبالَغَةُ، عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ وأرْبابِ النَّظْمِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الأبْلَهِ الشّاعِرِ في المَعْنى:
؎قالَ لَهُ البَرْقُ وقالَتْ لَهُ الرِّيحُ ∗∗∗ جَمِيعًا وهُما ما هُما
؎أأنْتَ تَجْرِي مَعَنا قالَ إنْ ∗∗∗ نَشِطْتُ أضْحَكْتُكُما مِنكُما
؎أنا ارْتِدادُ الطَّرْفِ قَدْ فُتُّهُ ∗∗∗ إلى المَدى سَبْقًا فَمَن أنْتُما
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ السّاعَةِ وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، فَكانَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى النَّشْأةِ الآخِرَةِ. وتَقَدَّمَ (p-٥٢٢)وصْفُهم بِانْتِفاءِ العِلْمِ، ذَكَرَ تَعالى النَّشْأةَ الأُولى وهي إخْراجُهم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ غَيْرَ عالِمِينَ شَيْئًا، تَنْبِيهًا عَلى وُقُوعِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِجَعْلِ الحَواسِّ الَّتِي هي سَبَبٌ لِإدْراكِ الأشْياءِ والعِلْمِ، ولَمّا كانَتِ النَّشْأةُ الأُولى، وجَعَلَ ما يَعْلَمُونَ بِهِ لَهم مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ؛ قالَ: لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أُمَّهاتِ) في النِّساءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والمِيمِ هُنا - وفي النُّورِ، والزُّمَرِ، والنَّجْمِ، والكِسائِيُّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِنَّ، والأعْمَشُ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المِيمِ، وابْنُ أبِي لَيْلى بِحَذْفِها وفَتْحِ المِيمِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: حَذْفُ الهَمْزَةِ رَدِئٌ، ولَكِنَّ قِراءَةَ ابْنِ أُبَيٍّ أصْوَبُ؛ انْتَهى. وإنَّما كانَتْ أصْوَبَ لِأنَّ كَسْرَ المِيمِ إنَّما هو لِإتْباعِها حَرَكَةَ الهَمْزَةِ، فَإذا كانَتِ الهَمْزَةُ مَحْذُوفَةً زالَ الإتْباعُ، بِخِلافِ قِراءَةِ ابْنِ أبِي لَيْلى فَإنَّهُ أقَرَّ المِيمَ عَلى حَرَكَتِها. ولا تَعْلَمُونَ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: غَيْرُ عالِمِينَ. وقالُوا: لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ شَيْئًا مِمّا قَضى عَلَيْكم مِنَ السَّعادَةِ أوِ الشَّقاوَةِ، أوْ شَيْئًا مِن مَنافِعِكم. والأوْلى عُمُومُ لَفْظِ شَيْءٍ، ولا سِيَّما في سِياقِ النَّفْيِ. وقالَ وهْبٌ: يُولَدُ المَوْلُودُ حَذِرًا إلى سَبْعَةِ أيّامٍ لا يُدْرِكُ راحَةً ولا ألَمًا. ويَحْتَمِلُ وجَعَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿أخْرَجَكُمْ﴾، فَيَكُونُ واحِدًا في حَيِّزِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ كاسْتِئْنافِها.
والمُرادُ بِالسَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ: إحْساسُها وإدْراكُها، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالآيَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّما جَمَعَ الفُؤادَ جَمْعَ قِلَّةٍ، لِأنَّهُ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ اليَقِينِيَّةِ، وأكْثَرُ الخَلْقِ مَشْغُولُونَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ، فَكانَ فُؤادُهم لَيْسَ بِفُؤادٍ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ في جَمْعِهِ جَمْعَ القِلَّةِ؛ انْتَهى، مُلَخَّصًا. وهو قَوْلٌ هَذَيانِيٌّ، ولَوْلا جَلالَةُ قائِلِهِ وتَسْطِيرُهُ في الكُتُبِ ما ذَكَرْتُهُ، وإنَّما يُقالُ في هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّهُ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الَّتِي جَرَتْ مَجْرى جُمُوعِ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ، إذا لَمْ يَرِدْ في السَّماعِ غَيْرُها كَما جاءَ: شُسُوعٌ في جَمْعِ شِسْعٍ لا غَيْرُ، فَجَرى ذَلِكَ المَجْرى؛ انْتَهى. إلّا أنَّ دَعْوى الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في جَمْعِ شِسْعٍ إلّا شُسُوعٌ لا غَيْرُ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ جاءَ فِيهِ جَمْعُ القِلَّةِ؛ قالُوا: أشْساعٌ، فَكانَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقُولَ: غُلِّبَ شُسُوعٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ هُرْمُزَ: (ألَمْ تَرَوْا) بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ، وعِيسى الثَّقَفِيِّ، وعاصِمٍ، وأبِي عَمْرٍو. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَدارِكَ العِلْمِ الثَّلاثَةَ: السَّمْعَ، والنَّظَرَ، والعَقْلَ، والأوَّلانِ مَدْرِكُ المَحْسُوسِ، والثّالِثُ مَدْرِكُ المَعْقُولِ، اكْتَفى مِن ذِكْرِ مُدْرِكِ المَحْسُوسِ بِذِكْرِ النَّظَرِ، فَإنَّهُ أغْرَبُ لِما يُشاهَدُ بِهِ مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ عَلى بُعْدِها المُتَفاوِتِ، كَمُشاهَدَتِهِ النَّيِّراتِ الَّتِي في الأفْلاكِ. وجَعَلَ هُنا مَوْضِعَ الِاعْتِبارِ والتَّعَجُّبِ الحَيَوانَ الطّائِرَ، فَإنَّ طَيَرانَهُ في الهَواءِ مَعَ ثِقَلِ جِسْمِهِ مِمّا يُعْجَبُ مِنهُ ويُعْتَبَرُ بِهِ. وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ أيْضًا ذِكْرَ مُدْرِكِ العَقْلِ في كَوْنِهِ لا يَسْقُطُ، إذْ لَيْسَ تَحْتَهُ ما يُدَعِّمُهُ، ولا فَوْقَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيُعْلَمُ بِالعَقْلِ أنَّهُ لَهُ مُمْسِكَ قادِرٌ عَلى إمْساكِهِ وهو اللَّهُ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوْلَمَ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] فانْتَظَمَ في الآيَةِ ذِكْرُ مُدْرِكِ الحِسِّ ومَدْرَكِ العَقْلِ. ومَعْنى مُسَخَّراتٍ: مُذَلَّلاتٌ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى أنَّ لَهُ مُسَخِّرًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَ الطّائِرَ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُهُ الطَّيَرانُ، أعْطاهُ جَناحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً، ويُكِنُّهُ أُخْرى مِثْلَ ما يَعْمَلُ السّابِحُ في الماءِ، وخَلَقَ الجَوَّ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُ الطَّيَرانُ، خَلَقَهُ خِلْقَةً لَطِيفَةً، يَسْهُلُ بِسَبَبِها خَرْقُهُ والنَّفاذُ فِيهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الطَّيَرانُ مُمْكِنًا؛ انْتَهى. وكَلامُهُ مُنْتَزَعٌ مِن كَلامِ القاضِي؛ قالَ: إنَّما أضافَ الإمْساكَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى الآلاتِ لِأجْلِها تَمَكَّنَ الطّائِرُ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَمّا كانَ هو المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ؛ انْتَهى. والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَطِيرَ ولَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ جَناحٌ، وأنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ خَرْقُ الشَّيْءِ الكَثِيفِ وذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، (p-٥٢٣)وأنَّ المُمْسِكَ لَهُ في جَوِّ السَّماءِ هو اللَّهُ تَعالى. وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأفْعالِ كُلِّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، وقامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الفاعِلُ المُخْتارُ، فَلا نَقُولُ: إنَّهُ لَوْلا الجَناحُ ولُطْفُ الجَوِّ ما أمْكَنَ الطَّيَرانُ، ولا لَوْلا الآلاتُ ما أمْكَنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يُوافِقُ كَلامَهُما قالَ: مُسَخَّراتٌ، مُذَلَّلاتٌ لِلطَّيَرانِ بِما خَلَقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ، والأسْبابِ المُواتِيَةِ لِذَلِكَ. ثُمَّ أحْسَنَ أخِيرًا في قَوْلِهِ: ما يُمْسِكُهُنَّ في قَبْضِهِنَّ وبَسْطِهِنَّ ووُقُوفِهِنَّ إلّا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ؛ انْتَهى. لَآياتٍ: جَمَعَ ولَمْ يُفْرِدْ، لِما في ذَلِكَ مِنَ الآياتِ خِفَّةُ الطّائِرِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ فِيهِ لِأنْ يَرْتَفِعَ بِها، وثِقْلُهُ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ لِأنْ يَنْزِلَ، والفَضاءُ الَّذِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والإمْساكُ الَّذِي لِلَّهِ تَعالى، أوْ جَمْعٌ بِاعْتِبارِ ما في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها وقالَ: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالِاعْتِبارِ، ولِتَضَمُّنِ الآيَةِ أنَّ المُسَخِّرَ والمُمْسِكَ لَها هو اللَّهُ، فَهو إخْبارٌ مِنهُ تَعالى ما يُصَدِّقُ بِهِ إلّا المُؤْمِنُ.
النحل 16:78
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] (p-٥١٨)الكَلُّ: الثَّقِيلُ، وقَدْ يُسَمّى اليَتِيمُ كَلًّا لِثِقَلِهِ عَلى مَن يَكْفُلُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎أكُولٌ لِمالِ الكَلِّ قَبْلَ شَبابِهِ إذا كانَ عَظْمُ الكَلِّ غَيْرَ شَدِيدِ
والكَلُّ أيْضًا الَّذِي لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، والكَلُّ: العِيالُ، والجَمْعُ: كُلُولٌ. اللَّمْحُ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ، لَمَحَهُ لَمْحًا ولَمَحانًا. الجَوُّ: مَسافَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هو ما يَلِي الأرْضَ في سَمْتِ العُلُوِّ، واللَّوْحُ والسُّكاكُ أبْعَدُ مِنهُ. الظَّعْنُ: سَيْرُ البادِيَةِ في الِانْتِجاعِ والتَّحَوُّلُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، والظَّعْنُ: الهَوْدَجُ أيْضًا. الصُّوفُ لِلضَّأْنِ، والوَبَرُ لِلْإبِلِ، والشَّعْرُ لِلْمَعَزِ، قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أصْوافِها﴾ [النحل: ٨٠] الآيَةَ. الأثاثُ: قالَ المُفَضَّلُ: مَتاعُ البَيْتِ كالفُرُشِ والأكْسِيَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، كَما أنَّ المَتاعَ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ولَوْ جَمَعْتَ لَقُلْتَ: أأْثِثَةٌ في القَلِيلِ، وأُثُثٌ في الكَثِيرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُهُ أُثاثةٌ، وقالَ الخَلِيلُ: أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ أثَثَ النَّباتُ والشَّعْرُ، فَهو أثِيثٌ إذا كَثُرَ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎وفَرْعٌ يُزَيِّنُ المَتْنَ أسْوَدُ فاحِمُ ∗∗∗ أثِيثٌ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
الكِنُّ ما حَفَظَ، ومَنَعَ مِنَ الرِّيحِ والمَطَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِنَ الجِبالِ: الغارُ. اسْتَعْتَبْتُ الرَّجُلَ بِمَعْنى أعْتَبْتُهُ، أيْ: أزَلْتُ عَنْهُ ما يُعْتَبُ عَلَيْهِ ويُلامُ، والِاسْمُ العُتْبى، وجاءَتِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ نَحْوَ اسْتَدْيَنْتُهُ وأدْيَنْتُهُ.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: مُناسَبَةُ ضَرْبِ هَذا المَثَلِ: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ تَعالى ضَلالَهم في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ غَيْرَهُ وهو لا يَجْلِبُ نَفْعًا ولا ضَرًّا لِنَفْسِهِ ولا لِعابِدِهِ، ضَرَبَ لَهم مَثَلًا قِصَّةَ عَبْدٍ في مِلْكِ غَيْرِهِ، عاجِزٍ عَنِ (p-٥١٩)التَّصَرُّفِ، وحُرٍّ غَنِيٍّ مُتَصَرِّفٍ فِيما آتاهُ اللَّهُ. فَإذا كانَ هَذانِ لا يَسْتَوِيانِ عِنْدَكم مَعَ كَوْنِهِما مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ومُشْتَرِكَيْنِ في الإنْسانِيَّةِ، فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وتُسَوُّونَ بِهِ مَن هو مَخْلُوقٌ لَهُ مَقْهُورٌ بِقُدْرَتِهِ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ، مَعَ تَبايُنِ الأوْصافِ. وأنَّ مُوجِدَ الوُجُودِ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ مِن خَلْقِهِ، ولا يُمْكِنَ لِعاقِلٍ أنْ يُشَبِّهَ بِهِ غَيْرَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا مَثَلٌ لِلَّهِ ولِلْأصْنامِ. وقالَ قَتادَةُ: لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ: العَبْدُ المَمْلُوكُ لا يَنْتَفِعُ بِعِبادَتِهِ في الآخِرَةِ، ومَن رَزَقْناهُ: المُؤْمِنُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَثَلٌ لِلْبَخِيلِ والسَّخِيِّ؛ انْتَهى.
ولَمّا كانَ لَفْظُ عَبْدٍ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الحُرِّ، خُصِّصَ بِمَمْلُوكٍ. ولَمّا كانَ المَمْلُوكُ قَدْ يَكُونُ لَهُ تَصَرُّفٌ وقُدْرَةٌ كالمَأْذُونِ لَهُ والمُكاتَبِ، خُصِّصَ بِقَوْلِهِ: لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، والمَعْنى: عَلى شَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّفِ في المالِ، لِأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى أشْياءَ مِن حَرَكاتِهِ: كالقِيامِ، والقُعُودِ، والأكْلِ، والشُّرْبِ، والنَّوْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. والظّاهِرُ كَوْنُ (ومَن) مَوْصُولَةً، أيْ: والَّذِي رَزَقْناهُ، ودَلَّتِ الصِّلَةُ، وما عُطِفَ عَلى أنَّهُ يُرادُ بِهِ الحُرُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: مَوْصُوفَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّاهِرُ أنَّها مَوْصُوفَةٌ كَأنَّهُ قالَ: وحُرًّا رَزَقْناهُ لِيُطابِقَ عَبْدًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) بِمَعْنى الَّذِي، ولا يَقْتَضِي ضَرْبَ المَثَلِ لِشَخْصَيْنِ مَوْصُوفَيْنِ بِأوْصافٍ مُتَبايِنَةٍ تَعْيِينُهُما، بَلْ ما رُوِيَ في تَعْيِينِهِما مِن أنَّهُما: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وعَبْدٌ لَهُ أوْ أنَّهُما أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأبُو جَهْلٍ، لا يَصِحُّ إسْنادُهُ. وجَمَعَ الضَّمِيرِ في (يَسْتَوُونَ) ولَمْ يُثَنِّ لِسَبْقِ اثْنَيْنِ، لِأنَّ (مَن) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الجَمْعُ فَيَصِيرُ إذْ ذاكَ جَمْعُ الضَّمِيرِ لِانْتِظامِ العَبْدِ المَمْلُوكِ والأغْنِياءِ في الجَمْعِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: عَبْدًا مَمْلُوكًا. والمُلّاكُ: المُرْزُوقُونَ المُنْفِقُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ ”﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾“: الجِنْسُ، فَيَصْلُحُ عَوْدُ الضَّمِيرِ جَمْعًا عَلَيْهِ، وعَلى جِنْسِ الأغْنِياءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَبِيدِ والأحْرارِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلْجَمْعَيْنِ ذِكْرٌ، لِدَلالَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ ومَن رَزَقْناهُ عَلَيْهِما.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت: ٦٣]: الظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن رَزَقَهُ اللَّهُ، أمَرَهُ أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ مَيَّزَهُ بِهَذِهِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ الضَّعِيفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ: شُكْرٌ عَلى بَيانِ الأمْرِ بِهَذا المَثَلِ، وعَلى إذْعانِ الخَصْمِ لَهُ، كَما تَقُولُ لِمَن أذْعَنَ لَكَ في حُجَّةٍ وسَلَّمَ تَبْنِي أنْتَ عَلَيْهِ قَوْلَكَ: اللَّهُ أكْبَرُ عَلى هَذا يَكُونُ كَذا وكَذا، فَلَمّا قالَ هُنا: هَلْ يَسْتَوُونَ، فَكَأنَّ الخَصْمَ قالَ لَهُ: لا، فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ظَهَرَتِ الحُجَّةُ؛ انْتَهى. وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ دُونَ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، إذْ لا نِعْمَةَ لِلْأصْنامِ عَلَيْهِمْ فَتُحْمَدُ عَلَيْها، إنَّما الحَمْدُ الكامِلُ لِلَّهِ لِأنَّهُ المُنْعِمُ الخالِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما فَعَلَ بِأوْلِيائِهِ وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ. والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ، لِأنَّ مِنهم مَن بانَ لَهُ الحَقُّ ورَجَعَ إلَيْهِ، أوْ أكْثَرُ الخَلْقِ لِأنَّ الأكْثَرَ هُمُ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُمُومُ، أيْ: بَلْ هم لا يَعْلَمُونَ. ومُتَعَلِّقُ (يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ، إمّا لِأنَّ المَعْنى نَفْيُ العِلْمِ عَنِ الأكْثَرِ ولَمْ يُلْحَظْ مُتَعَلِّقُهُ، وإمّا لِأنَّهُ مَحْذُوفٌ يَتَرَتَّبُ عَلى الأقْوالِ الَّتِي سَبَبُها قَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ.
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾، أيْ: قِصَّةَ رَجُلَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مَثَلٌ ثانٍ ضَرَبَهُ لِنَفْسِهِ ولِما يُفِيضُ عَلى عِبادِهِ ويَشْمَلُهم مِن آثارِ رَحْمَتِهِ وألْطافِهِ ونِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، والأصْنامِ الَّتِي هي أمْواتٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. والأبْكَمُ: الَّذِي وُلِدَ أخْرَسًا فَلا يُفْهِمُ ولا يَفْهَمُ.
﴿وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾، أيْ: ثَقِيلٌ، وعِيالٌ عَلى مَن يَلِي أمْرَهُ ويَعُولُهُ. أيْنَما يُوَجِّهْهُ: حَيْثُما يُرْسِلْهُ ويَصْرِفْهُ في مَطْلَبِ - حاجَةٍ أوْ كِفايَةٍ - مُهِمٍّ لَمْ يَنْفَعْ ولَمْ يَأْتِ بِنُجْحٍ. هَلْ يَسْتَوِي هو، ومَن هو سَلِيمُ الحَواسِّ نَفّاعٌ ذُو كِفاياتٍ مَعَ رُشْدٍ ودِيانَةٍ، فَهو يَأْمُرُ النّاسَ بِالعَدْلِ، وهو في نَفْسِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عَلى سِيرَةٍ صالِحَةٍ، ودِينٍ قَوِيمٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَدُهُما أبْكَمُ: مَثَلٌ لِلْكافِرِ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: المُؤْمِنُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا مَثَلُ اللَّهِ تَعالى، والأصْنامِ فَهي كالأبْكَمِ الَّذِي لا نُطْقَ لَهُ ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو عِيالٌ عَلى مَن والاهُ مِن قَرِيبٍ أوْ صَدِيقٍ، كَما الأصْنامُ (p-٥٢٠)تَحْتاجُ أنْ تُنْقَلَ وتُخْدَمَ ويُتَعَذَّبَ بِها، ثُمَّ لا يَأْتِي مِن جِهَتِها خَيْرٌ ألْبَتَّةَ. وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا وغَيْرِهِ: هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ ولِلْوَثَنِ، فالأبْكَمُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ: هو الوَثَنُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: مَثَلًا رَجُلَيْنِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ عَدِيلَ الأبْكَمِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومُقابِلُهُ رَجُلٌ مَوْصُوفٌ بِما يُقابِلُ تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ النُّطْقِ والقُدْرَةِ والكِفايَةِ، ولَكِنَّهُ حَذَفَ المُقابِلَ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قِيلَ: هَلْ يَسْتَوِي ذَلِكَ الأبْكَمُ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهَذا النّاطِقُ: فَفي ذِكْرِ اسْتِوائِهِما أيْضًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ المُقابِلِ. ولَمّا كانَ البُكْمُ هو المُبْدَأُ بِهِ مِنَ الأوْصافِ، وعَنْهُ تَكُونُ الأوْصافُ الَّتِي بَعْدَهُ قابِلَةً في الِاسْتِواءِ بِالنُّطْقِ، وثَمَرَتُهُ مِنَ الأمْرِ بِالعَدْلِ غَيْرُهُ وهو في نَفْسِهِ عَلى طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، فَحَيْثُما تَوَجَّهَ: صَدَرَ مِنهُ الخَيْرُ ونَفَعَ، ولَيْسَ بِكالٍّ عَلى أحَدٍ. وقَدْ تَقَرَّرُ في بِدايَةِ العُقُولِ أنَّ الأبْكَمَ: العاجِزَ؛ لا يَكُونُ مُساوِيًا في العَقْلِ والشَّرَفِ لِلنّاطِقِ القادِرِ الكامِلِ مَعَ اسْتِوائِهِما في البَشَرِيَّةِ، فَلِأنْ يُحْكَمَ بِأنَّ الجَمادَ لا يَكُونُ مُساوِيًا لِرَبِّ العالَمِينَ في المَعْبُودِيَّةِ أحْرى وأوْلى. وكَما قُلْنا في المَثَلِ السّابِقِ: لا يَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ المَضْرُوبِ بِهِما المَثَلُ، فَكَذَلِكَ هُنا، فَتَعْيِينُ الأبْكَمِ بِأبِي جَهْلٍ، والآمِرُ بِالعَدْلِ: بِعَمّارٍ، أوْ بِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، أوْ بِهاشِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ كانَ يُعادِي الرَّسُولَ ﷺ لا يَصِحُّ إسْنادُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، وابْنُ وثّابٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ يُوَجِّهُ بِهاءٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ مَبْنِيًّا، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَوْلاهُ، وضَمِيرُ المَفْعُولِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى الأبْكَمِ، ويَكُونُ الفِعْلُ لازِمًا وجَّهَ بِمَعْنى تَوَجَّهَ، كانَ المَعْنى: أيْنَما يَتَوَجَّهْ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أيْضًا: تُوَجِّهْهُ بِهاءَيْنِ، بِتاءِ الخِطابِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ والهاءَيْنِ. وعَنْ عَلْقَمَةَ وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، يُوَجَّهْ بَهاءٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وعَنْ عَلْقَمَةَ، وطَلْحَةَ: يُوَجِّهُ، بِكَسْرِ الجِيمِ وهاءٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإنَّ الهاءَ - الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ - مَحْذُوفَةٌ فِرارًا مِنَ التَّضْعِيفِ، ولِأنَّ اللَّفْظَ بِهِ صَعْبٌ مَعَ التَّضْعِيفِ، أوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ الشَّرْطُ، بَلْ أمَرَ هو بِتَقْدِيرِ أيْنَما هو يُوَجِّهُ، وقَدْ حُذِفَ مِنهُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ بِهِ، فَيَكُونُ حَذْفُ الياءِ مِن ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ عَلى التَّخْفِيفِ نَحْوَ: يَوْمَ يَأْتِ. و”إذا يَسْرِ“؛ انْتَهى. ولا يَخْرُجُ أيْنَ عَنِ الشَّرْطِ أوْ الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هَذِهِ القِراءَةُ ضَعِيفَةٌ، لِأنَّ الجَزْمَ لازِمٌ؛ انْتَهى. والَّذِي تُوَجَّهُ عَلَيْهِ هَذِهِ القِراءَةُ - إنْ صَحَّتْ - أنَّ (أيْنَما) شَرْطٌ حُمِلَتْ عَلى إذا لِجامِعٍ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ مِن ﴿لا يَأْتِ﴾ تَخْفِيفًا، أوْ جَزْمُهُ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ نُطِقَ بِأيْنَما المُهْمَلَةِ مُعْمِلَةً لِقِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ويَكُونُ مَعْنى (يُوَجَّهْ): يَتَوَجَّهْ، فَهو فِعْلٌ لازِمٌ لا مُتَعَدٍّ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو ما غابَ عَنِ العِبادِ وخَفِيَ فِيهِما عَنْهم عِلْمُهُ. والظّاهِرُ اتِّصالُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] أخْبَرَ بِاسْتِئْثارِهِ بِعِلْمِ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ، بِكَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى الإتْيانِ بِالسّاعَةِ الَّتِي تُنْكِرُونَها في لَمْحَةِ البَصَرِ أوْ أقْرَبَ، والمَعْنى بِهَذا الإخْبارِ: أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها مُنْتَفٍ عَنْها هَذانِ الوَصْفانِ اللَّذانِ لِلْإلَهِ وهُما: العِلْمُ المُحِيطُ بِالمُغَيَّباتِ، والقُدْرَةُ البالِغَةُ التّامَّةُ. ومَن ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ هو اللَّهُ تَعالى، ذَكَرَ ارْتِباطَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها بِأنَّ مَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ - وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ - هو الكامِلُ في العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ. قِيلَ: والغَيْبُ هُنا ما لا يُدْرَكُ بِالحِسِّ، ولا يُفْهَمُ بِالعَقْلِ. وقالَ المُفَضَّلُ: ما غابَ عَنِ الخَلْقِ هو في قَبْضَتِهِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ. وقِيلَ: هو ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ بِغَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ: يَوْمَ القِيامَةِ، عَلى أنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنْ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهم. قِيلَ: لَمّا كانَتِ السّاعَةُ آتِيَةً ولا بُدَّ، جُعِلَتْ مِنَ القُرْبِ كَلَمْحِ البَصَرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَمْ (p-٥٢١)يُرِدْ أنَّ السّاعَةَ تَأْتِي في لَمْحِ البَصَرِ، وإنَّما وصَفَ سُرْعَةَ القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِها، أيْ: يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ. وقِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ كَما تَقُولُ: ما السَّنَةُ إلّا لَحْظَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عِنْدَ اللَّهِ وإنْ تَراخى، كَما يَقُولُونَ: أنْتُمْ في الشَّيْءِ الَّذِي تَسْتَقْرِبُونَهُ: ﴿كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ إذا بالَغْتُمْ في اسْتِقْرابِهِ ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧] ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، أيْ: هو عِنْدَهُ دانٍ، وهو عِنْدُكم بَعِيدٌ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ إقامَةَ السّاعَةِ وإماتَةَ الأحْياءِ، وإحْياءَ الأمْواتِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، يَكُونُ في أقْرَبِ وقْتٍ أوْحاهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، فَهو يَقْدِرُ عَلى أنْ يُقِيمَ السّاعَةَ، ويَبْعَثَ الخَلْقَ، لِأنَّهُ بَعْضُ المَقْدُوراتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى عَلى ما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وما تَكُونُ السّاعَةُ وإقامَتُها في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنْ يَقُولَ لَها: كُنْ فَلَوِ اتَّفَقَ أنْ يَقِفَ عَلى ذَلِكَ شَخْصٌ مِنَ البَشَرِ لَكانَتْ مِنَ السُّرْعَةِ بِحَيْثُ يَشُكُّ هَلْ هي كَلَمْحِ البَصَرِ ؟ أوْ هي أقْرَبُ مِن ذَلِكَ ؟ فَأوْ - عَلى هَذا - عَلى بابِها في الشَّكِّ. وقِيلَ: هي لِلتَّخْيِيرِ؛ انْتَهى. والشَّكُّ والتَّخْيِيرُ بَعِيدانِ، لِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أمْرِ السّاعَةِ، فالشَّكُّ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ. ولِأنَّ التَّخْيِيرَ إنَّما يَكُونُ في المَحْظُوراتِ كَقَوْلِهِمْ: خُذْ مِن مالِي دِينارًا أوْ دِرْهَمًا، أوْ في التَّكْلِيفاتِ كَآيَةِ الكَفّاراتِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ [المجادلة: ٣] وأوْ: هُنا لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤] وهو تَعالى قَدْ عَلِمَ عَدَدَهم، ومَتى يَأْتِيها أمْرُهُ، كَما عَلِمَ أمْرَ السّاعَةِ، لَكِنَّهُ أُبْهِمَ عَلى المُخاطَبِ. وكَوْنُ (أوْ) هُنا لِلْإبْهامِ؛ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ هُنا. وقالَ القاضِي: هَذا لا يَصِحُّ، لِأنَّ إقامَةَ السّاعَةِ لَيْسَتْ حالَ تَكْلِيفٍ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِها في زَمانٍ يَعْنِي القاضِيَ فَيَكُونُ الإبْهامُ عَلى المُخاطَبِ في ذَلِكَ الزَّمانِ، ولَيْسَ زَمانَ تَكْلِيفٍ. والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ الإبْهامَ وقَعَ وقْتَ الخِطابِ المُتَقَدِّمِ عَلى أمْرِ السّاعَةِ، لا وقْتَ الإتْيانِ بِها. ولَيْسَ مِن شَرْطِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ في الإخْبارِ عَنْ شَيْءٍ اتِّحادُ زَمانِ الإخْبارِ وزَمانِ وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ألا تَرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] كَيْفَ تَأخَّرَ زَمانُ الإخْبارِ عَنْ زَمانِ وُقُوعِ ذَلِكَ الإرْسالِ، ووُجُودِهِمْ مِائَةَ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: (لَمْحُ البَصَرِ) انْتِقالُ الجِسْمِ بِالطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ، وهي مُؤَلَّفَةٌ مِن أجْزاءٍ وتِلْكَ الأجْزاءُ كَثِيرَةٌ، والزَّمانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ اللَّمْحُ مُرَكَّبٌ مِن آناءٍ مُتَعاقِبَةٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ القِيامَةِ في آنٍ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآناءِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ ولَمّا كانَ أسْرَعُ الأحْوالِ والحَوادِثِ في عُقُولِنا هو لَمْحُ البَصَرِ ذَكَرَهُ، ثُمَّ قالَ: أوْ هو أقْرَبُ، تَنْبِيهًا عَلى ما ذَكَرْناهُ، ولَيْسَ المُرادُ طَرِيقَةَ الشَّكِّ، والمُرادُ: بَلْ هو أقْرَبُ؛ انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ (أوْ) بِمَعْنى بَلْ، هو قَوْلُ الفَرّاءِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ الإضْرابَ عَلى قِسْمَيْنِ كِلاهُما لا يَصِحُّ هُنا. أمّا أحَدُهُما: فَأنْ يَكُونَ إبْطالًا لِلْإسْنادِ السّابِقِ، وأنَّهُ لَيْسَ هو المُرادَ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ هُنا، لِأنَّهُ يَئُولُ إلى إسْنادٍ غَيْرِ مُطابِقٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ انْتِقالًا مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ السّابِقِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ هُنا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإخْبارِ بِكَوْنِهِ مِثْلَ لَمْحِ البَصَرِ في السُّرْعَةِ، والإخْبارِ بِالأقْرَبِيَّةِ، فَلا يُمْكِنُ صِدْقُهُما مَعًا. وقالَ صاحِبُ الغَنِيّانِ: وهَذا وإنْ كانَ يَعْسُرُ إدْراكُهُ حَقِيقَةً، إلّا أنَّ المَقْصُودَ: المُبالَغَةُ، عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ وأرْبابِ النَّظْمِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الأبْلَهِ الشّاعِرِ في المَعْنى:
؎قالَ لَهُ البَرْقُ وقالَتْ لَهُ الرِّيحُ ∗∗∗ جَمِيعًا وهُما ما هُما
؎أأنْتَ تَجْرِي مَعَنا قالَ إنْ ∗∗∗ نَشِطْتُ أضْحَكْتُكُما مِنكُما
؎أنا ارْتِدادُ الطَّرْفِ قَدْ فُتُّهُ ∗∗∗ إلى المَدى سَبْقًا فَمَن أنْتُما
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ السّاعَةِ وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، فَكانَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى النَّشْأةِ الآخِرَةِ. وتَقَدَّمَ (p-٥٢٢)وصْفُهم بِانْتِفاءِ العِلْمِ، ذَكَرَ تَعالى النَّشْأةَ الأُولى وهي إخْراجُهم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ غَيْرَ عالِمِينَ شَيْئًا، تَنْبِيهًا عَلى وُقُوعِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِجَعْلِ الحَواسِّ الَّتِي هي سَبَبٌ لِإدْراكِ الأشْياءِ والعِلْمِ، ولَمّا كانَتِ النَّشْأةُ الأُولى، وجَعَلَ ما يَعْلَمُونَ بِهِ لَهم مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ؛ قالَ: لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أُمَّهاتِ) في النِّساءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والمِيمِ هُنا - وفي النُّورِ، والزُّمَرِ، والنَّجْمِ، والكِسائِيُّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِنَّ، والأعْمَشُ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المِيمِ، وابْنُ أبِي لَيْلى بِحَذْفِها وفَتْحِ المِيمِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: حَذْفُ الهَمْزَةِ رَدِئٌ، ولَكِنَّ قِراءَةَ ابْنِ أُبَيٍّ أصْوَبُ؛ انْتَهى. وإنَّما كانَتْ أصْوَبَ لِأنَّ كَسْرَ المِيمِ إنَّما هو لِإتْباعِها حَرَكَةَ الهَمْزَةِ، فَإذا كانَتِ الهَمْزَةُ مَحْذُوفَةً زالَ الإتْباعُ، بِخِلافِ قِراءَةِ ابْنِ أبِي لَيْلى فَإنَّهُ أقَرَّ المِيمَ عَلى حَرَكَتِها. ولا تَعْلَمُونَ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: غَيْرُ عالِمِينَ. وقالُوا: لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ شَيْئًا مِمّا قَضى عَلَيْكم مِنَ السَّعادَةِ أوِ الشَّقاوَةِ، أوْ شَيْئًا مِن مَنافِعِكم. والأوْلى عُمُومُ لَفْظِ شَيْءٍ، ولا سِيَّما في سِياقِ النَّفْيِ. وقالَ وهْبٌ: يُولَدُ المَوْلُودُ حَذِرًا إلى سَبْعَةِ أيّامٍ لا يُدْرِكُ راحَةً ولا ألَمًا. ويَحْتَمِلُ وجَعَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿أخْرَجَكُمْ﴾، فَيَكُونُ واحِدًا في حَيِّزِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ كاسْتِئْنافِها.
والمُرادُ بِالسَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ: إحْساسُها وإدْراكُها، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالآيَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّما جَمَعَ الفُؤادَ جَمْعَ قِلَّةٍ، لِأنَّهُ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ اليَقِينِيَّةِ، وأكْثَرُ الخَلْقِ مَشْغُولُونَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ، فَكانَ فُؤادُهم لَيْسَ بِفُؤادٍ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ في جَمْعِهِ جَمْعَ القِلَّةِ؛ انْتَهى، مُلَخَّصًا. وهو قَوْلٌ هَذَيانِيٌّ، ولَوْلا جَلالَةُ قائِلِهِ وتَسْطِيرُهُ في الكُتُبِ ما ذَكَرْتُهُ، وإنَّما يُقالُ في هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّهُ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الَّتِي جَرَتْ مَجْرى جُمُوعِ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ، إذا لَمْ يَرِدْ في السَّماعِ غَيْرُها كَما جاءَ: شُسُوعٌ في جَمْعِ شِسْعٍ لا غَيْرُ، فَجَرى ذَلِكَ المَجْرى؛ انْتَهى. إلّا أنَّ دَعْوى الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في جَمْعِ شِسْعٍ إلّا شُسُوعٌ لا غَيْرُ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ جاءَ فِيهِ جَمْعُ القِلَّةِ؛ قالُوا: أشْساعٌ، فَكانَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقُولَ: غُلِّبَ شُسُوعٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ هُرْمُزَ: (ألَمْ تَرَوْا) بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ، وعِيسى الثَّقَفِيِّ، وعاصِمٍ، وأبِي عَمْرٍو. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَدارِكَ العِلْمِ الثَّلاثَةَ: السَّمْعَ، والنَّظَرَ، والعَقْلَ، والأوَّلانِ مَدْرِكُ المَحْسُوسِ، والثّالِثُ مَدْرِكُ المَعْقُولِ، اكْتَفى مِن ذِكْرِ مُدْرِكِ المَحْسُوسِ بِذِكْرِ النَّظَرِ، فَإنَّهُ أغْرَبُ لِما يُشاهَدُ بِهِ مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ عَلى بُعْدِها المُتَفاوِتِ، كَمُشاهَدَتِهِ النَّيِّراتِ الَّتِي في الأفْلاكِ. وجَعَلَ هُنا مَوْضِعَ الِاعْتِبارِ والتَّعَجُّبِ الحَيَوانَ الطّائِرَ، فَإنَّ طَيَرانَهُ في الهَواءِ مَعَ ثِقَلِ جِسْمِهِ مِمّا يُعْجَبُ مِنهُ ويُعْتَبَرُ بِهِ. وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ أيْضًا ذِكْرَ مُدْرِكِ العَقْلِ في كَوْنِهِ لا يَسْقُطُ، إذْ لَيْسَ تَحْتَهُ ما يُدَعِّمُهُ، ولا فَوْقَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيُعْلَمُ بِالعَقْلِ أنَّهُ لَهُ مُمْسِكَ قادِرٌ عَلى إمْساكِهِ وهو اللَّهُ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوْلَمَ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] فانْتَظَمَ في الآيَةِ ذِكْرُ مُدْرِكِ الحِسِّ ومَدْرَكِ العَقْلِ. ومَعْنى مُسَخَّراتٍ: مُذَلَّلاتٌ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى أنَّ لَهُ مُسَخِّرًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَ الطّائِرَ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُهُ الطَّيَرانُ، أعْطاهُ جَناحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً، ويُكِنُّهُ أُخْرى مِثْلَ ما يَعْمَلُ السّابِحُ في الماءِ، وخَلَقَ الجَوَّ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُ الطَّيَرانُ، خَلَقَهُ خِلْقَةً لَطِيفَةً، يَسْهُلُ بِسَبَبِها خَرْقُهُ والنَّفاذُ فِيهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الطَّيَرانُ مُمْكِنًا؛ انْتَهى. وكَلامُهُ مُنْتَزَعٌ مِن كَلامِ القاضِي؛ قالَ: إنَّما أضافَ الإمْساكَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى الآلاتِ لِأجْلِها تَمَكَّنَ الطّائِرُ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَمّا كانَ هو المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ؛ انْتَهى. والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَطِيرَ ولَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ جَناحٌ، وأنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ خَرْقُ الشَّيْءِ الكَثِيفِ وذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، (p-٥٢٣)وأنَّ المُمْسِكَ لَهُ في جَوِّ السَّماءِ هو اللَّهُ تَعالى. وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأفْعالِ كُلِّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، وقامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الفاعِلُ المُخْتارُ، فَلا نَقُولُ: إنَّهُ لَوْلا الجَناحُ ولُطْفُ الجَوِّ ما أمْكَنَ الطَّيَرانُ، ولا لَوْلا الآلاتُ ما أمْكَنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يُوافِقُ كَلامَهُما قالَ: مُسَخَّراتٌ، مُذَلَّلاتٌ لِلطَّيَرانِ بِما خَلَقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ، والأسْبابِ المُواتِيَةِ لِذَلِكَ. ثُمَّ أحْسَنَ أخِيرًا في قَوْلِهِ: ما يُمْسِكُهُنَّ في قَبْضِهِنَّ وبَسْطِهِنَّ ووُقُوفِهِنَّ إلّا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ؛ انْتَهى. لَآياتٍ: جَمَعَ ولَمْ يُفْرِدْ، لِما في ذَلِكَ مِنَ الآياتِ خِفَّةُ الطّائِرِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ فِيهِ لِأنْ يَرْتَفِعَ بِها، وثِقْلُهُ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ لِأنْ يَنْزِلَ، والفَضاءُ الَّذِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والإمْساكُ الَّذِي لِلَّهِ تَعالى، أوْ جَمْعٌ بِاعْتِبارِ ما في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها وقالَ: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالِاعْتِبارِ، ولِتَضَمُّنِ الآيَةِ أنَّ المُسَخِّرَ والمُمْسِكَ لَها هو اللَّهُ، فَهو إخْبارٌ مِنهُ تَعالى ما يُصَدِّقُ بِهِ إلّا المُؤْمِنُ.
النحل 16:79
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] (p-٥١٨)الكَلُّ: الثَّقِيلُ، وقَدْ يُسَمّى اليَتِيمُ كَلًّا لِثِقَلِهِ عَلى مَن يَكْفُلُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎أكُولٌ لِمالِ الكَلِّ قَبْلَ شَبابِهِ إذا كانَ عَظْمُ الكَلِّ غَيْرَ شَدِيدِ
والكَلُّ أيْضًا الَّذِي لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ، والكَلُّ: العِيالُ، والجَمْعُ: كُلُولٌ. اللَّمْحُ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ، لَمَحَهُ لَمْحًا ولَمَحانًا. الجَوُّ: مَسافَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هو ما يَلِي الأرْضَ في سَمْتِ العُلُوِّ، واللَّوْحُ والسُّكاكُ أبْعَدُ مِنهُ. الظَّعْنُ: سَيْرُ البادِيَةِ في الِانْتِجاعِ والتَّحَوُّلُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، والظَّعْنُ: الهَوْدَجُ أيْضًا. الصُّوفُ لِلضَّأْنِ، والوَبَرُ لِلْإبِلِ، والشَّعْرُ لِلْمَعَزِ، قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أصْوافِها﴾ [النحل: ٨٠] الآيَةَ. الأثاثُ: قالَ المُفَضَّلُ: مَتاعُ البَيْتِ كالفُرُشِ والأكْسِيَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، كَما أنَّ المَتاعَ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ولَوْ جَمَعْتَ لَقُلْتَ: أأْثِثَةٌ في القَلِيلِ، وأُثُثٌ في الكَثِيرِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُهُ أُثاثةٌ، وقالَ الخَلِيلُ: أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ أثَثَ النَّباتُ والشَّعْرُ، فَهو أثِيثٌ إذا كَثُرَ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎وفَرْعٌ يُزَيِّنُ المَتْنَ أسْوَدُ فاحِمُ ∗∗∗ أثِيثٌ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
الكِنُّ ما حَفَظَ، ومَنَعَ مِنَ الرِّيحِ والمَطَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِنَ الجِبالِ: الغارُ. اسْتَعْتَبْتُ الرَّجُلَ بِمَعْنى أعْتَبْتُهُ، أيْ: أزَلْتُ عَنْهُ ما يُعْتَبُ عَلَيْهِ ويُلامُ، والِاسْمُ العُتْبى، وجاءَتِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ نَحْوَ اسْتَدْيَنْتُهُ وأدْيَنْتُهُ.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: مُناسَبَةُ ضَرْبِ هَذا المَثَلِ: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ تَعالى ضَلالَهم في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ غَيْرَهُ وهو لا يَجْلِبُ نَفْعًا ولا ضَرًّا لِنَفْسِهِ ولا لِعابِدِهِ، ضَرَبَ لَهم مَثَلًا قِصَّةَ عَبْدٍ في مِلْكِ غَيْرِهِ، عاجِزٍ عَنِ (p-٥١٩)التَّصَرُّفِ، وحُرٍّ غَنِيٍّ مُتَصَرِّفٍ فِيما آتاهُ اللَّهُ. فَإذا كانَ هَذانِ لا يَسْتَوِيانِ عِنْدَكم مَعَ كَوْنِهِما مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ومُشْتَرِكَيْنِ في الإنْسانِيَّةِ، فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وتُسَوُّونَ بِهِ مَن هو مَخْلُوقٌ لَهُ مَقْهُورٌ بِقُدْرَتِهِ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ، مَعَ تَبايُنِ الأوْصافِ. وأنَّ مُوجِدَ الوُجُودِ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ مِن خَلْقِهِ، ولا يُمْكِنَ لِعاقِلٍ أنْ يُشَبِّهَ بِهِ غَيْرَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: هَذا مَثَلٌ لِلَّهِ ولِلْأصْنامِ. وقالَ قَتادَةُ: لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ: العَبْدُ المَمْلُوكُ لا يَنْتَفِعُ بِعِبادَتِهِ في الآخِرَةِ، ومَن رَزَقْناهُ: المُؤْمِنُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَثَلٌ لِلْبَخِيلِ والسَّخِيِّ؛ انْتَهى.
ولَمّا كانَ لَفْظُ عَبْدٍ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الحُرِّ، خُصِّصَ بِمَمْلُوكٍ. ولَمّا كانَ المَمْلُوكُ قَدْ يَكُونُ لَهُ تَصَرُّفٌ وقُدْرَةٌ كالمَأْذُونِ لَهُ والمُكاتَبِ، خُصِّصَ بِقَوْلِهِ: لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، والمَعْنى: عَلى شَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّفِ في المالِ، لِأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى أشْياءَ مِن حَرَكاتِهِ: كالقِيامِ، والقُعُودِ، والأكْلِ، والشُّرْبِ، والنَّوْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. والظّاهِرُ كَوْنُ (ومَن) مَوْصُولَةً، أيْ: والَّذِي رَزَقْناهُ، ودَلَّتِ الصِّلَةُ، وما عُطِفَ عَلى أنَّهُ يُرادُ بِهِ الحُرُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: مَوْصُوفَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّاهِرُ أنَّها مَوْصُوفَةٌ كَأنَّهُ قالَ: وحُرًّا رَزَقْناهُ لِيُطابِقَ عَبْدًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مَن) بِمَعْنى الَّذِي، ولا يَقْتَضِي ضَرْبَ المَثَلِ لِشَخْصَيْنِ مَوْصُوفَيْنِ بِأوْصافٍ مُتَبايِنَةٍ تَعْيِينُهُما، بَلْ ما رُوِيَ في تَعْيِينِهِما مِن أنَّهُما: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وعَبْدٌ لَهُ أوْ أنَّهُما أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأبُو جَهْلٍ، لا يَصِحُّ إسْنادُهُ. وجَمَعَ الضَّمِيرِ في (يَسْتَوُونَ) ولَمْ يُثَنِّ لِسَبْقِ اثْنَيْنِ، لِأنَّ (مَن) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الجَمْعُ فَيَصِيرُ إذْ ذاكَ جَمْعُ الضَّمِيرِ لِانْتِظامِ العَبْدِ المَمْلُوكِ والأغْنِياءِ في الجَمْعِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: عَبْدًا مَمْلُوكًا. والمُلّاكُ: المُرْزُوقُونَ المُنْفِقُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ ”﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾“: الجِنْسُ، فَيَصْلُحُ عَوْدُ الضَّمِيرِ جَمْعًا عَلَيْهِ، وعَلى جِنْسِ الأغْنِياءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَبِيدِ والأحْرارِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لِلْجَمْعَيْنِ ذِكْرٌ، لِدَلالَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ ومَن رَزَقْناهُ عَلَيْهِما.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت: ٦٣]: الظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن رَزَقَهُ اللَّهُ، أمَرَهُ أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ مَيَّزَهُ بِهَذِهِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ الضَّعِيفِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ: شُكْرٌ عَلى بَيانِ الأمْرِ بِهَذا المَثَلِ، وعَلى إذْعانِ الخَصْمِ لَهُ، كَما تَقُولُ لِمَن أذْعَنَ لَكَ في حُجَّةٍ وسَلَّمَ تَبْنِي أنْتَ عَلَيْهِ قَوْلَكَ: اللَّهُ أكْبَرُ عَلى هَذا يَكُونُ كَذا وكَذا، فَلَمّا قالَ هُنا: هَلْ يَسْتَوُونَ، فَكَأنَّ الخَصْمَ قالَ لَهُ: لا، فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ظَهَرَتِ الحُجَّةُ؛ انْتَهى. وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ دُونَ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، إذْ لا نِعْمَةَ لِلْأصْنامِ عَلَيْهِمْ فَتُحْمَدُ عَلَيْها، إنَّما الحَمْدُ الكامِلُ لِلَّهِ لِأنَّهُ المُنْعِمُ الخالِقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما فَعَلَ بِأوْلِيائِهِ وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ. والظّاهِرُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ، لِأنَّ مِنهم مَن بانَ لَهُ الحَقُّ ورَجَعَ إلَيْهِ، أوْ أكْثَرُ الخَلْقِ لِأنَّ الأكْثَرَ هُمُ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُمُومُ، أيْ: بَلْ هم لا يَعْلَمُونَ. ومُتَعَلِّقُ (يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ، إمّا لِأنَّ المَعْنى نَفْيُ العِلْمِ عَنِ الأكْثَرِ ولَمْ يُلْحَظْ مُتَعَلِّقُهُ، وإمّا لِأنَّهُ مَحْذُوفٌ يَتَرَتَّبُ عَلى الأقْوالِ الَّتِي سَبَبُها قَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ.
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾، أيْ: قِصَّةَ رَجُلَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مَثَلٌ ثانٍ ضَرَبَهُ لِنَفْسِهِ ولِما يُفِيضُ عَلى عِبادِهِ ويَشْمَلُهم مِن آثارِ رَحْمَتِهِ وألْطافِهِ ونِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، والأصْنامِ الَّتِي هي أمْواتٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. والأبْكَمُ: الَّذِي وُلِدَ أخْرَسًا فَلا يُفْهِمُ ولا يَفْهَمُ.
﴿وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾، أيْ: ثَقِيلٌ، وعِيالٌ عَلى مَن يَلِي أمْرَهُ ويَعُولُهُ. أيْنَما يُوَجِّهْهُ: حَيْثُما يُرْسِلْهُ ويَصْرِفْهُ في مَطْلَبِ - حاجَةٍ أوْ كِفايَةٍ - مُهِمٍّ لَمْ يَنْفَعْ ولَمْ يَأْتِ بِنُجْحٍ. هَلْ يَسْتَوِي هو، ومَن هو سَلِيمُ الحَواسِّ نَفّاعٌ ذُو كِفاياتٍ مَعَ رُشْدٍ ودِيانَةٍ، فَهو يَأْمُرُ النّاسَ بِالعَدْلِ، وهو في نَفْسِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عَلى سِيرَةٍ صالِحَةٍ، ودِينٍ قَوِيمٍ؛ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَدُهُما أبْكَمُ: مَثَلٌ لِلْكافِرِ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: المُؤْمِنُ. وقالَ قَتادَةُ: هَذا مَثَلُ اللَّهِ تَعالى، والأصْنامِ فَهي كالأبْكَمِ الَّذِي لا نُطْقَ لَهُ ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو عِيالٌ عَلى مَن والاهُ مِن قَرِيبٍ أوْ صَدِيقٍ، كَما الأصْنامُ (p-٥٢٠)تَحْتاجُ أنْ تُنْقَلَ وتُخْدَمَ ويُتَعَذَّبَ بِها، ثُمَّ لا يَأْتِي مِن جِهَتِها خَيْرٌ ألْبَتَّةَ. وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا وغَيْرِهِ: هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ ولِلْوَثَنِ، فالأبْكَمُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ: هو الوَثَنُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: مَثَلًا رَجُلَيْنِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ عَدِيلَ الأبْكَمِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومُقابِلُهُ رَجُلٌ مَوْصُوفٌ بِما يُقابِلُ تِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ النُّطْقِ والقُدْرَةِ والكِفايَةِ، ولَكِنَّهُ حَذَفَ المُقابِلَ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قِيلَ: هَلْ يَسْتَوِي ذَلِكَ الأبْكَمُ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهَذا النّاطِقُ: فَفي ذِكْرِ اسْتِوائِهِما أيْضًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ المُقابِلِ. ولَمّا كانَ البُكْمُ هو المُبْدَأُ بِهِ مِنَ الأوْصافِ، وعَنْهُ تَكُونُ الأوْصافُ الَّتِي بَعْدَهُ قابِلَةً في الِاسْتِواءِ بِالنُّطْقِ، وثَمَرَتُهُ مِنَ الأمْرِ بِالعَدْلِ غَيْرُهُ وهو في نَفْسِهِ عَلى طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، فَحَيْثُما تَوَجَّهَ: صَدَرَ مِنهُ الخَيْرُ ونَفَعَ، ولَيْسَ بِكالٍّ عَلى أحَدٍ. وقَدْ تَقَرَّرُ في بِدايَةِ العُقُولِ أنَّ الأبْكَمَ: العاجِزَ؛ لا يَكُونُ مُساوِيًا في العَقْلِ والشَّرَفِ لِلنّاطِقِ القادِرِ الكامِلِ مَعَ اسْتِوائِهِما في البَشَرِيَّةِ، فَلِأنْ يُحْكَمَ بِأنَّ الجَمادَ لا يَكُونُ مُساوِيًا لِرَبِّ العالَمِينَ في المَعْبُودِيَّةِ أحْرى وأوْلى. وكَما قُلْنا في المَثَلِ السّابِقِ: لا يَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ المَضْرُوبِ بِهِما المَثَلُ، فَكَذَلِكَ هُنا، فَتَعْيِينُ الأبْكَمِ بِأبِي جَهْلٍ، والآمِرُ بِالعَدْلِ: بِعَمّارٍ، أوْ بِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، أوْ بِهاشِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ كانَ يُعادِي الرَّسُولَ ﷺ لا يَصِحُّ إسْنادُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، وابْنُ وثّابٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ يُوَجِّهُ بِهاءٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ مَبْنِيًّا، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَوْلاهُ، وضَمِيرُ المَفْعُولِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى الأبْكَمِ، ويَكُونُ الفِعْلُ لازِمًا وجَّهَ بِمَعْنى تَوَجَّهَ، كانَ المَعْنى: أيْنَما يَتَوَجَّهْ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أيْضًا: تُوَجِّهْهُ بِهاءَيْنِ، بِتاءِ الخِطابِ، والجُمْهُورُ بِالياءِ والهاءَيْنِ. وعَنْ عَلْقَمَةَ وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، يُوَجَّهْ بَهاءٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ، والفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. وعَنْ عَلْقَمَةَ، وطَلْحَةَ: يُوَجِّهُ، بِكَسْرِ الجِيمِ وهاءٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإنَّ الهاءَ - الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ - مَحْذُوفَةٌ فِرارًا مِنَ التَّضْعِيفِ، ولِأنَّ اللَّفْظَ بِهِ صَعْبٌ مَعَ التَّضْعِيفِ، أوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ الشَّرْطُ، بَلْ أمَرَ هو بِتَقْدِيرِ أيْنَما هو يُوَجِّهُ، وقَدْ حُذِفَ مِنهُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ بِهِ، فَيَكُونُ حَذْفُ الياءِ مِن ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ عَلى التَّخْفِيفِ نَحْوَ: يَوْمَ يَأْتِ. و”إذا يَسْرِ“؛ انْتَهى. ولا يَخْرُجُ أيْنَ عَنِ الشَّرْطِ أوْ الِاسْتِفْهامِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هَذِهِ القِراءَةُ ضَعِيفَةٌ، لِأنَّ الجَزْمَ لازِمٌ؛ انْتَهى. والَّذِي تُوَجَّهُ عَلَيْهِ هَذِهِ القِراءَةُ - إنْ صَحَّتْ - أنَّ (أيْنَما) شَرْطٌ حُمِلَتْ عَلى إذا لِجامِعٍ ما اشْتَرَكا فِيهِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ مِن ﴿لا يَأْتِ﴾ تَخْفِيفًا، أوْ جَزْمُهُ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ نُطِقَ بِأيْنَما المُهْمَلَةِ مُعْمِلَةً لِقِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ويَكُونُ مَعْنى (يُوَجَّهْ): يَتَوَجَّهْ، فَهو فِعْلٌ لازِمٌ لا مُتَعَدٍّ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو ما غابَ عَنِ العِبادِ وخَفِيَ فِيهِما عَنْهم عِلْمُهُ. والظّاهِرُ اتِّصالُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] أخْبَرَ بِاسْتِئْثارِهِ بِعِلْمِ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ، بِكَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى الإتْيانِ بِالسّاعَةِ الَّتِي تُنْكِرُونَها في لَمْحَةِ البَصَرِ أوْ أقْرَبَ، والمَعْنى بِهَذا الإخْبارِ: أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها مُنْتَفٍ عَنْها هَذانِ الوَصْفانِ اللَّذانِ لِلْإلَهِ وهُما: العِلْمُ المُحِيطُ بِالمُغَيَّباتِ، والقُدْرَةُ البالِغَةُ التّامَّةُ. ومَن ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ هو اللَّهُ تَعالى، ذَكَرَ ارْتِباطَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها بِأنَّ مَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ - وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ - هو الكامِلُ في العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ. قِيلَ: والغَيْبُ هُنا ما لا يُدْرَكُ بِالحِسِّ، ولا يُفْهَمُ بِالعَقْلِ. وقالَ المُفَضَّلُ: ما غابَ عَنِ الخَلْقِ هو في قَبْضَتِهِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ. وقِيلَ: هو ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ بِغَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ: يَوْمَ القِيامَةِ، عَلى أنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنْ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهم. قِيلَ: لَمّا كانَتِ السّاعَةُ آتِيَةً ولا بُدَّ، جُعِلَتْ مِنَ القُرْبِ كَلَمْحِ البَصَرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَمْ (p-٥٢١)يُرِدْ أنَّ السّاعَةَ تَأْتِي في لَمْحِ البَصَرِ، وإنَّما وصَفَ سُرْعَةَ القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِها، أيْ: يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ. وقِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ لِلْقُرْبِ كَما تَقُولُ: ما السَّنَةُ إلّا لَحْظَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عِنْدَ اللَّهِ وإنْ تَراخى، كَما يَقُولُونَ: أنْتُمْ في الشَّيْءِ الَّذِي تَسْتَقْرِبُونَهُ: ﴿كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ إذا بالَغْتُمْ في اسْتِقْرابِهِ ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧] ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، أيْ: هو عِنْدَهُ دانٍ، وهو عِنْدُكم بَعِيدٌ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ إقامَةَ السّاعَةِ وإماتَةَ الأحْياءِ، وإحْياءَ الأمْواتِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، يَكُونُ في أقْرَبِ وقْتٍ أوْحاهُ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، فَهو يَقْدِرُ عَلى أنْ يُقِيمَ السّاعَةَ، ويَبْعَثَ الخَلْقَ، لِأنَّهُ بَعْضُ المَقْدُوراتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى عَلى ما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وما تَكُونُ السّاعَةُ وإقامَتُها في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنْ يَقُولَ لَها: كُنْ فَلَوِ اتَّفَقَ أنْ يَقِفَ عَلى ذَلِكَ شَخْصٌ مِنَ البَشَرِ لَكانَتْ مِنَ السُّرْعَةِ بِحَيْثُ يَشُكُّ هَلْ هي كَلَمْحِ البَصَرِ ؟ أوْ هي أقْرَبُ مِن ذَلِكَ ؟ فَأوْ - عَلى هَذا - عَلى بابِها في الشَّكِّ. وقِيلَ: هي لِلتَّخْيِيرِ؛ انْتَهى. والشَّكُّ والتَّخْيِيرُ بَعِيدانِ، لِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أمْرِ السّاعَةِ، فالشَّكُّ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ. ولِأنَّ التَّخْيِيرَ إنَّما يَكُونُ في المَحْظُوراتِ كَقَوْلِهِمْ: خُذْ مِن مالِي دِينارًا أوْ دِرْهَمًا، أوْ في التَّكْلِيفاتِ كَآيَةِ الكَفّاراتِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ [المجادلة: ٣] وأوْ: هُنا لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤] وهو تَعالى قَدْ عَلِمَ عَدَدَهم، ومَتى يَأْتِيها أمْرُهُ، كَما عَلِمَ أمْرَ السّاعَةِ، لَكِنَّهُ أُبْهِمَ عَلى المُخاطَبِ. وكَوْنُ (أوْ) هُنا لِلْإبْهامِ؛ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ هُنا. وقالَ القاضِي: هَذا لا يَصِحُّ، لِأنَّ إقامَةَ السّاعَةِ لَيْسَتْ حالَ تَكْلِيفٍ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِها في زَمانٍ يَعْنِي القاضِيَ فَيَكُونُ الإبْهامُ عَلى المُخاطَبِ في ذَلِكَ الزَّمانِ، ولَيْسَ زَمانَ تَكْلِيفٍ. والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ الإبْهامَ وقَعَ وقْتَ الخِطابِ المُتَقَدِّمِ عَلى أمْرِ السّاعَةِ، لا وقْتَ الإتْيانِ بِها. ولَيْسَ مِن شَرْطِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ في الإخْبارِ عَنْ شَيْءٍ اتِّحادُ زَمانِ الإخْبارِ وزَمانِ وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ألا تَرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] كَيْفَ تَأخَّرَ زَمانُ الإخْبارِ عَنْ زَمانِ وُقُوعِ ذَلِكَ الإرْسالِ، ووُجُودِهِمْ مِائَةَ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: (لَمْحُ البَصَرِ) انْتِقالُ الجِسْمِ بِالطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ، وهي مُؤَلَّفَةٌ مِن أجْزاءٍ وتِلْكَ الأجْزاءُ كَثِيرَةٌ، والزَّمانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ اللَّمْحُ مُرَكَّبٌ مِن آناءٍ مُتَعاقِبَةٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ القِيامَةِ في آنٍ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآناءِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ ولَمّا كانَ أسْرَعُ الأحْوالِ والحَوادِثِ في عُقُولِنا هو لَمْحُ البَصَرِ ذَكَرَهُ، ثُمَّ قالَ: أوْ هو أقْرَبُ، تَنْبِيهًا عَلى ما ذَكَرْناهُ، ولَيْسَ المُرادُ طَرِيقَةَ الشَّكِّ، والمُرادُ: بَلْ هو أقْرَبُ؛ انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ (أوْ) بِمَعْنى بَلْ، هو قَوْلُ الفَرّاءِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ الإضْرابَ عَلى قِسْمَيْنِ كِلاهُما لا يَصِحُّ هُنا. أمّا أحَدُهُما: فَأنْ يَكُونَ إبْطالًا لِلْإسْنادِ السّابِقِ، وأنَّهُ لَيْسَ هو المُرادَ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ هُنا، لِأنَّهُ يَئُولُ إلى إسْنادٍ غَيْرِ مُطابِقٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ انْتِقالًا مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ السّابِقِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ هُنا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإخْبارِ بِكَوْنِهِ مِثْلَ لَمْحِ البَصَرِ في السُّرْعَةِ، والإخْبارِ بِالأقْرَبِيَّةِ، فَلا يُمْكِنُ صِدْقُهُما مَعًا. وقالَ صاحِبُ الغَنِيّانِ: وهَذا وإنْ كانَ يَعْسُرُ إدْراكُهُ حَقِيقَةً، إلّا أنَّ المَقْصُودَ: المُبالَغَةُ، عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ وأرْبابِ النَّظْمِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الأبْلَهِ الشّاعِرِ في المَعْنى:
؎قالَ لَهُ البَرْقُ وقالَتْ لَهُ الرِّيحُ ∗∗∗ جَمِيعًا وهُما ما هُما
؎أأنْتَ تَجْرِي مَعَنا قالَ إنْ ∗∗∗ نَشِطْتُ أضْحَكْتُكُما مِنكُما
؎أنا ارْتِدادُ الطَّرْفِ قَدْ فُتُّهُ ∗∗∗ إلى المَدى سَبْقًا فَمَن أنْتُما
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ السّاعَةِ وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، فَكانَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى النَّشْأةِ الآخِرَةِ. وتَقَدَّمَ (p-٥٢٢)وصْفُهم بِانْتِفاءِ العِلْمِ، ذَكَرَ تَعالى النَّشْأةَ الأُولى وهي إخْراجُهم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ غَيْرَ عالِمِينَ شَيْئًا، تَنْبِيهًا عَلى وُقُوعِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِجَعْلِ الحَواسِّ الَّتِي هي سَبَبٌ لِإدْراكِ الأشْياءِ والعِلْمِ، ولَمّا كانَتِ النَّشْأةُ الأُولى، وجَعَلَ ما يَعْلَمُونَ بِهِ لَهم مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ؛ قالَ: لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (أُمَّهاتِ) في النِّساءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والمِيمِ هُنا - وفي النُّورِ، والزُّمَرِ، والنَّجْمِ، والكِسائِيُّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِنَّ، والأعْمَشُ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المِيمِ، وابْنُ أبِي لَيْلى بِحَذْفِها وفَتْحِ المِيمِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: حَذْفُ الهَمْزَةِ رَدِئٌ، ولَكِنَّ قِراءَةَ ابْنِ أُبَيٍّ أصْوَبُ؛ انْتَهى. وإنَّما كانَتْ أصْوَبَ لِأنَّ كَسْرَ المِيمِ إنَّما هو لِإتْباعِها حَرَكَةَ الهَمْزَةِ، فَإذا كانَتِ الهَمْزَةُ مَحْذُوفَةً زالَ الإتْباعُ، بِخِلافِ قِراءَةِ ابْنِ أبِي لَيْلى فَإنَّهُ أقَرَّ المِيمَ عَلى حَرَكَتِها. ولا تَعْلَمُونَ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: غَيْرُ عالِمِينَ. وقالُوا: لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ في أصْلابِ آبائِكم، أوْ شَيْئًا مِمّا قَضى عَلَيْكم مِنَ السَّعادَةِ أوِ الشَّقاوَةِ، أوْ شَيْئًا مِن مَنافِعِكم. والأوْلى عُمُومُ لَفْظِ شَيْءٍ، ولا سِيَّما في سِياقِ النَّفْيِ. وقالَ وهْبٌ: يُولَدُ المَوْلُودُ حَذِرًا إلى سَبْعَةِ أيّامٍ لا يُدْرِكُ راحَةً ولا ألَمًا. ويَحْتَمِلُ وجَعَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿أخْرَجَكُمْ﴾، فَيَكُونُ واحِدًا في حَيِّزِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ كاسْتِئْنافِها.
والمُرادُ بِالسَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ: إحْساسُها وإدْراكُها، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالآيَةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّما جَمَعَ الفُؤادَ جَمْعَ قِلَّةٍ، لِأنَّهُ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ اليَقِينِيَّةِ، وأكْثَرُ الخَلْقِ مَشْغُولُونَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ، فَكانَ فُؤادُهم لَيْسَ بِفُؤادٍ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ في جَمْعِهِ جَمْعَ القِلَّةِ؛ انْتَهى، مُلَخَّصًا. وهو قَوْلٌ هَذَيانِيٌّ، ولَوْلا جَلالَةُ قائِلِهِ وتَسْطِيرُهُ في الكُتُبِ ما ذَكَرْتُهُ، وإنَّما يُقالُ في هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّهُ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الَّتِي جَرَتْ مَجْرى جُمُوعِ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ، إذا لَمْ يَرِدْ في السَّماعِ غَيْرُها كَما جاءَ: شُسُوعٌ في جَمْعِ شِسْعٍ لا غَيْرُ، فَجَرى ذَلِكَ المَجْرى؛ انْتَهى. إلّا أنَّ دَعْوى الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في جَمْعِ شِسْعٍ إلّا شُسُوعٌ لا غَيْرُ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ جاءَ فِيهِ جَمْعُ القِلَّةِ؛ قالُوا: أشْساعٌ، فَكانَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقُولَ: غُلِّبَ شُسُوعٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ هُرْمُزَ: (ألَمْ تَرَوْا) بِتاءِ الخِطابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ، وعِيسى الثَّقَفِيِّ، وعاصِمٍ، وأبِي عَمْرٍو. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَدارِكَ العِلْمِ الثَّلاثَةَ: السَّمْعَ، والنَّظَرَ، والعَقْلَ، والأوَّلانِ مَدْرِكُ المَحْسُوسِ، والثّالِثُ مَدْرِكُ المَعْقُولِ، اكْتَفى مِن ذِكْرِ مُدْرِكِ المَحْسُوسِ بِذِكْرِ النَّظَرِ، فَإنَّهُ أغْرَبُ لِما يُشاهَدُ بِهِ مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ عَلى بُعْدِها المُتَفاوِتِ، كَمُشاهَدَتِهِ النَّيِّراتِ الَّتِي في الأفْلاكِ. وجَعَلَ هُنا مَوْضِعَ الِاعْتِبارِ والتَّعَجُّبِ الحَيَوانَ الطّائِرَ، فَإنَّ طَيَرانَهُ في الهَواءِ مَعَ ثِقَلِ جِسْمِهِ مِمّا يُعْجَبُ مِنهُ ويُعْتَبَرُ بِهِ. وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ أيْضًا ذِكْرَ مُدْرِكِ العَقْلِ في كَوْنِهِ لا يَسْقُطُ، إذْ لَيْسَ تَحْتَهُ ما يُدَعِّمُهُ، ولا فَوْقَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيُعْلَمُ بِالعَقْلِ أنَّهُ لَهُ مُمْسِكَ قادِرٌ عَلى إمْساكِهِ وهو اللَّهُ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوْلَمَ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] فانْتَظَمَ في الآيَةِ ذِكْرُ مُدْرِكِ الحِسِّ ومَدْرَكِ العَقْلِ. ومَعْنى مُسَخَّراتٍ: مُذَلَّلاتٌ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى أنَّ لَهُ مُسَخِّرًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَ الطّائِرَ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُهُ الطَّيَرانُ، أعْطاهُ جَناحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً، ويُكِنُّهُ أُخْرى مِثْلَ ما يَعْمَلُ السّابِحُ في الماءِ، وخَلَقَ الجَوَّ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُ الطَّيَرانُ، خَلَقَهُ خِلْقَةً لَطِيفَةً، يَسْهُلُ بِسَبَبِها خَرْقُهُ والنَّفاذُ فِيهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الطَّيَرانُ مُمْكِنًا؛ انْتَهى. وكَلامُهُ مُنْتَزَعٌ مِن كَلامِ القاضِي؛ قالَ: إنَّما أضافَ الإمْساكَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى الآلاتِ لِأجْلِها تَمَكَّنَ الطّائِرُ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَمّا كانَ هو المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ؛ انْتَهى. والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَطِيرَ ولَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ جَناحٌ، وأنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ خَرْقُ الشَّيْءِ الكَثِيفِ وذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، (p-٥٢٣)وأنَّ المُمْسِكَ لَهُ في جَوِّ السَّماءِ هو اللَّهُ تَعالى. وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأفْعالِ كُلِّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، وقامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الفاعِلُ المُخْتارُ، فَلا نَقُولُ: إنَّهُ لَوْلا الجَناحُ ولُطْفُ الجَوِّ ما أمْكَنَ الطَّيَرانُ، ولا لَوْلا الآلاتُ ما أمْكَنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما يُوافِقُ كَلامَهُما قالَ: مُسَخَّراتٌ، مُذَلَّلاتٌ لِلطَّيَرانِ بِما خَلَقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ، والأسْبابِ المُواتِيَةِ لِذَلِكَ. ثُمَّ أحْسَنَ أخِيرًا في قَوْلِهِ: ما يُمْسِكُهُنَّ في قَبْضِهِنَّ وبَسْطِهِنَّ ووُقُوفِهِنَّ إلّا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ؛ انْتَهى. لَآياتٍ: جَمَعَ ولَمْ يُفْرِدْ، لِما في ذَلِكَ مِنَ الآياتِ خِفَّةُ الطّائِرِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ فِيهِ لِأنْ يَرْتَفِعَ بِها، وثِقْلُهُ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ لِأنْ يَنْزِلَ، والفَضاءُ الَّذِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والإمْساكُ الَّذِي لِلَّهِ تَعالى، أوْ جَمْعٌ بِاعْتِبارِ ما في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها وقالَ: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالِاعْتِبارِ، ولِتَضَمُّنِ الآيَةِ أنَّ المُسَخِّرَ والمُمْسِكَ لَها هو اللَّهُ، فَهو إخْبارٌ مِنهُ تَعالى ما يُصَدِّقُ بِهِ إلّا المُؤْمِنُ.
النحل 16:80
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن خَلْقِهِمْ، وما خَلَقَ لَهم مِن مَدارِكِ العِلْمِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في حَياتِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الخارِجِيَّةِ عَنْ دَوابِّهِمْ مِنَ البُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَها، مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ والأخْشابِ وغَيْرِها. والسَّكَنُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَنْصِ، والنَّقْصِ. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎جاءَ الشِّتاءُ ولَمّا أتَّخِذْ سَكَنًا يا ويْحَ نَفْسِيَ مِن حَفْرِ القَرامِيصِ
ولَيْسَ السَّكَنُ بِمَصْدَرٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا ما غالَبَ البُيُوتِ عَلَيْهِ مِن كَوْنِها لا تَنْتَقِلُ، بَلْ يَنْتَقِلُ النّاسُ إلَيْها. ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا ما مَنَّ بِهِ عَلَيْنا مِنَ المُتَّخَذِ مِن جُلُودِ الأنْعامِ، وهو ما يَنْتَقِلُ مِنَ القِبابِ والخِيامِ والفَساطِيطِ الَّتِي مِنَ الأدَمِ، أوْ ذَكَرَ أوَّلًا البُيُوتَ عَلى طَرِيقِ العُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ بُيُوتَ الجُلُودِ خُصُوصًا تَنْبِيهًا عَلى حالِ أكْثَرِ العَرَبِ، فَإنَّهم لِانْتِجاعِهِمْ إنَّما بُيُوتُهم مِنَ الجُلُودِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في البُيُوتِ الَّتِي مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتُ الشَّعَرِ، وبُيُوتُ الصُّوفِ والوَبَرِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: تَنْدَرِجُ لِأنَّها ثابِتَةٌ فِيها، فَهي مِنها. ومَعْنى ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾: تَجِدُونَها خَفِيفَةَ المَحْمَلِ في الضَّرْبِ والنَّقْضِ والنَّقْلِ.
﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾: يَوْمَ تَرْحَلُونَ خَفَّ عَلَيْكم حَمْلُها ونَقْلُها، ويَوْمَ تَنْزِلُونَ وتُقِيمُونَ في مَكانٍ لَمْ يَثْقُلْ عَلَيْكم ضَرْبُها. وقَدْ يُرادُ بِالِاسْتِخْفافِ في وقْتَيِ السَّفَرِ والحَضَرِ، أيْ: مُدَّةَ النُّجْعَةِ والإقامَةِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: ظَعَنِكِمْ، بِفَتْحِ العَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِسُكُونِها، وهُما لُغَتانِ. ولَيْسَ السُّكُونُ بِتَخْفِيفٍ كَما جاءَ في نَحْوِ: الشَّعَرُ والشَّعْرُ لِمَكانِ حَرْفِ الحَلْقِ، والظّاهِرُ أنَّ أثاثًا مَفْعُولٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَ مِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا. وقِيلَ: أثاثًا، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى أنَّ المَعْنى: جَعَلَ مِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها بُيُوتًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾، كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ مِنَ الماءِ شَرابًا ومِنَ اللَّبَنِ، وفي التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ قَدْ عَطَفَ مَجْرُورًا عَلى مَجْرُورٍ، ومَنصُوبًا عَلى مَنصُوبٍ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ في الدّارِ زَيْدًا وفي القَصْرِ عَمْرًا، ولَمّا لَمْ تَكُنْ بِلادُهم بِلادَ قُطْنٍ وكَتّانٍ وحَرِيرٍ اقْتُصِرَ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ هُنا، وانْدَرَجَتْ في قَوْلِهِ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ . والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ، أيْ: يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الزِّينَةُ. وقالَ المُفَضَّلُ: المَتْجَرُ والمَعاشُ. وقالَ الخَلِيلُ: الأثاثُ والمَتاعُ: واحِدٌ وجَمَعَ (p-٥٢٤)بَيْنَهُما لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ؛ كَقَوْلِهِ: وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا. وغَيّا تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إلى حِينٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى المَوْتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إلى بِلى ذَلِكَ الشَّيْءِ. وقِيلَ: إلى انْقِضاءِ حاجَتِكم مِنهُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، وكانَتْ بِلادُهم غالِبًا عَلَيْها الحَرُّ، ذَكَرَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِما يَقِيهِمُ الحَرَّ مِن خَلْقِ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلٌّ كالشَّجَرِ وغَيْرِهِ مِمّا يَمْنَعُ مِن أذى الشَّمْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ظِلالُ الغَمامِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ظِلالُ البُيُوتِ. وقالَ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ: ظِلالُ الشَّجَرِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ظِلالُ الشَّجَرِ والجِبالِ؛ والأكْنانُ مِنَ الجِبالِ هي الغِيرانُ، والكُهُوفُ، والبُيُوتُ المَنحُوتَةُ مِنها. والسِّرْبالُ: ما لُبِسَ عَلى البَدَنِ مِن: قَمِيصٍ، وقَرْقَلٍ، ومِجْوَلٍ، ودِرْعٍ، وجَوْشَنٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن صُوفٍ وكَتّانٍ وقُطْنِ وغَيْرِها. واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ الحَرِّ إمّا لِأنَّ ما يَقِي الحَرَّ يَقِي البَرْدَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ حَذَفَ البَرْدَ لِدَلالَةِ ضِدِّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، أوْ لِأنَّهُ أمَسُّ في تِلْكَ البِلادِ والبَرَدُ فِيها مَعْدُومٌ في الأكْثَرِ. وإذا جاءَ تَوَقّى بِالأثاثِ فَيَخْلُصُ السِّرْبالُ لِتَوَقِّي الحَرِّ فَقَطْ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ. وهَذا في بِلادِ الحِجازِ، وأمّا غَيْرُها مِن بِلادِ العَرَبِ فَيُوجَدُ فِيها البَرْدُ الشَّدِيدُ كَما قالَ مُتَمِّمٌ:
؎إذا القَشْعُ مِن بَرْدِ الشِّتاءِ تَقَعْقَعا
وقالَ آخَرُ:
؎فِي ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أنْدِيَةِ ∗∗∗ والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي النّاسَ هي الدُّرُوعُ
قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎شُمُّ العِرانَيْنِ أبْطالٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ
والسِّرْبالُ عامٌّ، يَقَعُ عَلى ما كانَ مِن حَدِيدٍ وغَيْرِهِ. والبَأْسُ في أصْلِ اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ، وهُنا الحَرْبُ. وفي الحَدِيثِ: «كُنّا إذا اشْتَدَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللَّهِ» ﷺ والمَعْنى: تَقِيكم أذى الحَرْبِ، وهو ما يَعْرِضُ فِيها مِنَ الجِراحِ النّاشِئَةِ مِن ضَرْبِ السَّيْفِ، والدَّبُّوسِ، والرُّمْحِ، والسَّهْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُعَدُّ لِلْحَدِيثِ. كَذَلِكَ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإتْمامِ لِلنِّعْمَةِ فِيما سَبَقَ، يُتِمُّ نِعْمَتَهُ في المُسْتَقْبَلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَتِمُّ، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، نِعْمَتُهُ، بِالرَّفْعِ، أسْنَدَ التَّمامَ إلَيْها اتِّساعًا، وعَنْهُ نِعَمُهُ جَمْعًا. وقَرَأ: لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ: بِفَتْحِ التّاءِ، واللّامِ مِنَ السَّلامَةِ والخَلاصِ، فَكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِوِقايَةِ السَّرابِيلِ مِن أذى الحَرْبِ، أوْ تُسْلِمُونَ مِنَ الشِّرْكِ. وأمّا تُسْلِمُونَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالمَعْنى: تُؤْمِنُونَ، أوْ تَنْقادُونَ إلى النَّظَرِ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى مُفْضٍ إلى الإيمانِ والِانْقِيادِ. رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، فَقالَ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَلَمّا سَمِعَ: ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾، قالَ: اللَّهُمَّ هَذا فَلا فَنَزَلَتْ فَإنْ تَوَلَّوْا، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا، أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا، وحُذِفَتِ التّاءُ، ويَكُونُ جارِيًا عَلى الخِطابِ السّابِقِ والماضِي عَلى الِالتِفاتِ، والفاءُ وما بَعْدَها جَوابُ الشَّرْطِ صُورَةً، والجَوابُ حَقِيقَةً مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأنْتَ مَعْذُورٌ إذْ أدَّيْتَ ما وجَبَ عَلَيْكَ، فَأُقِيمَ سَبَبُ العُذْرِ وهو البَلاغُ مَقامَ المُسَبَّبِ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى حَقِّ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، فَإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبَيِّنَ وتُبَلِّغَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ؛ انْتَهى. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بِأنَّهم ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾، وعِرْفانُهم لِلنِّعَمِ الَّتِي عُدَّتْ عَلَيْهِمْ حَيْثُ يَعْتَرِفُونَ بِها، وأنَّها مِنهُ تَعالى، وإنْكارُهم لَها حَيْثُ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ إنْكارًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذْ لَمْ يُرَتِّبُوا عَلى مَعْرِفَةِ نِعَمِهِ تَعالى مُقْتَضاها مِن عِبادَتِهِ، وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ دُونَ ما نُسِبُوا إلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ، قالَ قَرِيبًا مِن هَذا المَعْنى مُجاهِدٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: النِّعْمَةُ هَنا مُحَمَّدٌ ﷺ والمَعْنى: يَعْرِفُونَ بِمُعْجِزاتِهِ وآياتِ نُبُوَّتِهِ، ويُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِالتَّكْذِيبِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: إنْكارُهم قَوْلَهم ورِثْناها مِن آبائِنا. وعَنِ ابْنِ عَوْنٍ: إضافَتُها إلى الأسْبابِ لا إلى مُسَبِّبِها، وحَكى صاحِبُ الغَنِيّان: يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ. وقِيلَ: إنْكارُهم هي بِشَفاعَةِ آلِهَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ. وقِيلَ: (p-٥٢٥)يَعْرِفُونَها بِقُلُوبِهِمْ ثُمَّ يُنْكِرُونَها بِألْسِنَتِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن (وأكْثَرُهم) مَوْضُوعُهُ الأصْلِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وكُلُّهم: ما مِن أحَدٍ يَقُومُ بِواجِبِ حَقِّ الشُّكْرِ، فَجَعَلَهُ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكُفْرَ هُنا هو مُقابِلُ الإيمانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ أهْلِ مَكَّةَ، لِأنَّ مِنهم مَن أبى. وقِيلَ: مَعْنى الكافِرُونَ: الجاحِدُونَ المُعانِدُونَ، لِأنَّ فِيهِمْ مَن كانَ جاهِلًا لَمْ يَعْرِفْ فَيُعانِدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى ثُمَّ ؟ (قُلْتُ): الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إنْكارَهم مُسْتَبْعَدٌ بَعْدَ حُصُولِ المَعْرِفَةِ، لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ أنْ يَعْتَرِفَ لا أنْ يُنْكِرَ.
النحل 16:81
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن خَلْقِهِمْ، وما خَلَقَ لَهم مِن مَدارِكِ العِلْمِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في حَياتِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الخارِجِيَّةِ عَنْ دَوابِّهِمْ مِنَ البُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَها، مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ والأخْشابِ وغَيْرِها. والسَّكَنُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَنْصِ، والنَّقْصِ. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎جاءَ الشِّتاءُ ولَمّا أتَّخِذْ سَكَنًا يا ويْحَ نَفْسِيَ مِن حَفْرِ القَرامِيصِ
ولَيْسَ السَّكَنُ بِمَصْدَرٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا ما غالَبَ البُيُوتِ عَلَيْهِ مِن كَوْنِها لا تَنْتَقِلُ، بَلْ يَنْتَقِلُ النّاسُ إلَيْها. ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا ما مَنَّ بِهِ عَلَيْنا مِنَ المُتَّخَذِ مِن جُلُودِ الأنْعامِ، وهو ما يَنْتَقِلُ مِنَ القِبابِ والخِيامِ والفَساطِيطِ الَّتِي مِنَ الأدَمِ، أوْ ذَكَرَ أوَّلًا البُيُوتَ عَلى طَرِيقِ العُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ بُيُوتَ الجُلُودِ خُصُوصًا تَنْبِيهًا عَلى حالِ أكْثَرِ العَرَبِ، فَإنَّهم لِانْتِجاعِهِمْ إنَّما بُيُوتُهم مِنَ الجُلُودِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في البُيُوتِ الَّتِي مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتُ الشَّعَرِ، وبُيُوتُ الصُّوفِ والوَبَرِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: تَنْدَرِجُ لِأنَّها ثابِتَةٌ فِيها، فَهي مِنها. ومَعْنى ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾: تَجِدُونَها خَفِيفَةَ المَحْمَلِ في الضَّرْبِ والنَّقْضِ والنَّقْلِ.
﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾: يَوْمَ تَرْحَلُونَ خَفَّ عَلَيْكم حَمْلُها ونَقْلُها، ويَوْمَ تَنْزِلُونَ وتُقِيمُونَ في مَكانٍ لَمْ يَثْقُلْ عَلَيْكم ضَرْبُها. وقَدْ يُرادُ بِالِاسْتِخْفافِ في وقْتَيِ السَّفَرِ والحَضَرِ، أيْ: مُدَّةَ النُّجْعَةِ والإقامَةِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: ظَعَنِكِمْ، بِفَتْحِ العَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِسُكُونِها، وهُما لُغَتانِ. ولَيْسَ السُّكُونُ بِتَخْفِيفٍ كَما جاءَ في نَحْوِ: الشَّعَرُ والشَّعْرُ لِمَكانِ حَرْفِ الحَلْقِ، والظّاهِرُ أنَّ أثاثًا مَفْعُولٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَ مِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا. وقِيلَ: أثاثًا، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى أنَّ المَعْنى: جَعَلَ مِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها بُيُوتًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾، كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ مِنَ الماءِ شَرابًا ومِنَ اللَّبَنِ، وفي التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ قَدْ عَطَفَ مَجْرُورًا عَلى مَجْرُورٍ، ومَنصُوبًا عَلى مَنصُوبٍ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ في الدّارِ زَيْدًا وفي القَصْرِ عَمْرًا، ولَمّا لَمْ تَكُنْ بِلادُهم بِلادَ قُطْنٍ وكَتّانٍ وحَرِيرٍ اقْتُصِرَ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ هُنا، وانْدَرَجَتْ في قَوْلِهِ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ . والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ، أيْ: يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الزِّينَةُ. وقالَ المُفَضَّلُ: المَتْجَرُ والمَعاشُ. وقالَ الخَلِيلُ: الأثاثُ والمَتاعُ: واحِدٌ وجَمَعَ (p-٥٢٤)بَيْنَهُما لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ؛ كَقَوْلِهِ: وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا. وغَيّا تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إلى حِينٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى المَوْتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إلى بِلى ذَلِكَ الشَّيْءِ. وقِيلَ: إلى انْقِضاءِ حاجَتِكم مِنهُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، وكانَتْ بِلادُهم غالِبًا عَلَيْها الحَرُّ، ذَكَرَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِما يَقِيهِمُ الحَرَّ مِن خَلْقِ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلٌّ كالشَّجَرِ وغَيْرِهِ مِمّا يَمْنَعُ مِن أذى الشَّمْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ظِلالُ الغَمامِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ظِلالُ البُيُوتِ. وقالَ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ: ظِلالُ الشَّجَرِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ظِلالُ الشَّجَرِ والجِبالِ؛ والأكْنانُ مِنَ الجِبالِ هي الغِيرانُ، والكُهُوفُ، والبُيُوتُ المَنحُوتَةُ مِنها. والسِّرْبالُ: ما لُبِسَ عَلى البَدَنِ مِن: قَمِيصٍ، وقَرْقَلٍ، ومِجْوَلٍ، ودِرْعٍ، وجَوْشَنٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن صُوفٍ وكَتّانٍ وقُطْنِ وغَيْرِها. واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ الحَرِّ إمّا لِأنَّ ما يَقِي الحَرَّ يَقِي البَرْدَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ حَذَفَ البَرْدَ لِدَلالَةِ ضِدِّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، أوْ لِأنَّهُ أمَسُّ في تِلْكَ البِلادِ والبَرَدُ فِيها مَعْدُومٌ في الأكْثَرِ. وإذا جاءَ تَوَقّى بِالأثاثِ فَيَخْلُصُ السِّرْبالُ لِتَوَقِّي الحَرِّ فَقَطْ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ. وهَذا في بِلادِ الحِجازِ، وأمّا غَيْرُها مِن بِلادِ العَرَبِ فَيُوجَدُ فِيها البَرْدُ الشَّدِيدُ كَما قالَ مُتَمِّمٌ:
؎إذا القَشْعُ مِن بَرْدِ الشِّتاءِ تَقَعْقَعا
وقالَ آخَرُ:
؎فِي ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أنْدِيَةِ ∗∗∗ والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي النّاسَ هي الدُّرُوعُ
قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎شُمُّ العِرانَيْنِ أبْطالٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ
والسِّرْبالُ عامٌّ، يَقَعُ عَلى ما كانَ مِن حَدِيدٍ وغَيْرِهِ. والبَأْسُ في أصْلِ اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ، وهُنا الحَرْبُ. وفي الحَدِيثِ: «كُنّا إذا اشْتَدَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللَّهِ» ﷺ والمَعْنى: تَقِيكم أذى الحَرْبِ، وهو ما يَعْرِضُ فِيها مِنَ الجِراحِ النّاشِئَةِ مِن ضَرْبِ السَّيْفِ، والدَّبُّوسِ، والرُّمْحِ، والسَّهْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُعَدُّ لِلْحَدِيثِ. كَذَلِكَ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإتْمامِ لِلنِّعْمَةِ فِيما سَبَقَ، يُتِمُّ نِعْمَتَهُ في المُسْتَقْبَلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَتِمُّ، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، نِعْمَتُهُ، بِالرَّفْعِ، أسْنَدَ التَّمامَ إلَيْها اتِّساعًا، وعَنْهُ نِعَمُهُ جَمْعًا. وقَرَأ: لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ: بِفَتْحِ التّاءِ، واللّامِ مِنَ السَّلامَةِ والخَلاصِ، فَكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِوِقايَةِ السَّرابِيلِ مِن أذى الحَرْبِ، أوْ تُسْلِمُونَ مِنَ الشِّرْكِ. وأمّا تُسْلِمُونَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالمَعْنى: تُؤْمِنُونَ، أوْ تَنْقادُونَ إلى النَّظَرِ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى مُفْضٍ إلى الإيمانِ والِانْقِيادِ. رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، فَقالَ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَلَمّا سَمِعَ: ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾، قالَ: اللَّهُمَّ هَذا فَلا فَنَزَلَتْ فَإنْ تَوَلَّوْا، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا، أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا، وحُذِفَتِ التّاءُ، ويَكُونُ جارِيًا عَلى الخِطابِ السّابِقِ والماضِي عَلى الِالتِفاتِ، والفاءُ وما بَعْدَها جَوابُ الشَّرْطِ صُورَةً، والجَوابُ حَقِيقَةً مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأنْتَ مَعْذُورٌ إذْ أدَّيْتَ ما وجَبَ عَلَيْكَ، فَأُقِيمَ سَبَبُ العُذْرِ وهو البَلاغُ مَقامَ المُسَبَّبِ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى حَقِّ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، فَإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبَيِّنَ وتُبَلِّغَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ؛ انْتَهى. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بِأنَّهم ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾، وعِرْفانُهم لِلنِّعَمِ الَّتِي عُدَّتْ عَلَيْهِمْ حَيْثُ يَعْتَرِفُونَ بِها، وأنَّها مِنهُ تَعالى، وإنْكارُهم لَها حَيْثُ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ إنْكارًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذْ لَمْ يُرَتِّبُوا عَلى مَعْرِفَةِ نِعَمِهِ تَعالى مُقْتَضاها مِن عِبادَتِهِ، وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ دُونَ ما نُسِبُوا إلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ، قالَ قَرِيبًا مِن هَذا المَعْنى مُجاهِدٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: النِّعْمَةُ هَنا مُحَمَّدٌ ﷺ والمَعْنى: يَعْرِفُونَ بِمُعْجِزاتِهِ وآياتِ نُبُوَّتِهِ، ويُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِالتَّكْذِيبِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: إنْكارُهم قَوْلَهم ورِثْناها مِن آبائِنا. وعَنِ ابْنِ عَوْنٍ: إضافَتُها إلى الأسْبابِ لا إلى مُسَبِّبِها، وحَكى صاحِبُ الغَنِيّان: يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ. وقِيلَ: إنْكارُهم هي بِشَفاعَةِ آلِهَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ. وقِيلَ: (p-٥٢٥)يَعْرِفُونَها بِقُلُوبِهِمْ ثُمَّ يُنْكِرُونَها بِألْسِنَتِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن (وأكْثَرُهم) مَوْضُوعُهُ الأصْلِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وكُلُّهم: ما مِن أحَدٍ يَقُومُ بِواجِبِ حَقِّ الشُّكْرِ، فَجَعَلَهُ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكُفْرَ هُنا هو مُقابِلُ الإيمانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ أهْلِ مَكَّةَ، لِأنَّ مِنهم مَن أبى. وقِيلَ: مَعْنى الكافِرُونَ: الجاحِدُونَ المُعانِدُونَ، لِأنَّ فِيهِمْ مَن كانَ جاهِلًا لَمْ يَعْرِفْ فَيُعانِدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى ثُمَّ ؟ (قُلْتُ): الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إنْكارَهم مُسْتَبْعَدٌ بَعْدَ حُصُولِ المَعْرِفَةِ، لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ أنْ يَعْتَرِفَ لا أنْ يُنْكِرَ.
النحل 16:82
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن خَلْقِهِمْ، وما خَلَقَ لَهم مِن مَدارِكِ العِلْمِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في حَياتِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الخارِجِيَّةِ عَنْ دَوابِّهِمْ مِنَ البُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَها، مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ والأخْشابِ وغَيْرِها. والسَّكَنُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَنْصِ، والنَّقْصِ. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎جاءَ الشِّتاءُ ولَمّا أتَّخِذْ سَكَنًا يا ويْحَ نَفْسِيَ مِن حَفْرِ القَرامِيصِ
ولَيْسَ السَّكَنُ بِمَصْدَرٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا ما غالَبَ البُيُوتِ عَلَيْهِ مِن كَوْنِها لا تَنْتَقِلُ، بَلْ يَنْتَقِلُ النّاسُ إلَيْها. ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا ما مَنَّ بِهِ عَلَيْنا مِنَ المُتَّخَذِ مِن جُلُودِ الأنْعامِ، وهو ما يَنْتَقِلُ مِنَ القِبابِ والخِيامِ والفَساطِيطِ الَّتِي مِنَ الأدَمِ، أوْ ذَكَرَ أوَّلًا البُيُوتَ عَلى طَرِيقِ العُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ بُيُوتَ الجُلُودِ خُصُوصًا تَنْبِيهًا عَلى حالِ أكْثَرِ العَرَبِ، فَإنَّهم لِانْتِجاعِهِمْ إنَّما بُيُوتُهم مِنَ الجُلُودِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في البُيُوتِ الَّتِي مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتُ الشَّعَرِ، وبُيُوتُ الصُّوفِ والوَبَرِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: تَنْدَرِجُ لِأنَّها ثابِتَةٌ فِيها، فَهي مِنها. ومَعْنى ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾: تَجِدُونَها خَفِيفَةَ المَحْمَلِ في الضَّرْبِ والنَّقْضِ والنَّقْلِ.
﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾: يَوْمَ تَرْحَلُونَ خَفَّ عَلَيْكم حَمْلُها ونَقْلُها، ويَوْمَ تَنْزِلُونَ وتُقِيمُونَ في مَكانٍ لَمْ يَثْقُلْ عَلَيْكم ضَرْبُها. وقَدْ يُرادُ بِالِاسْتِخْفافِ في وقْتَيِ السَّفَرِ والحَضَرِ، أيْ: مُدَّةَ النُّجْعَةِ والإقامَةِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: ظَعَنِكِمْ، بِفَتْحِ العَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِسُكُونِها، وهُما لُغَتانِ. ولَيْسَ السُّكُونُ بِتَخْفِيفٍ كَما جاءَ في نَحْوِ: الشَّعَرُ والشَّعْرُ لِمَكانِ حَرْفِ الحَلْقِ، والظّاهِرُ أنَّ أثاثًا مَفْعُولٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَ مِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا. وقِيلَ: أثاثًا، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى أنَّ المَعْنى: جَعَلَ مِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها بُيُوتًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾، كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ مِنَ الماءِ شَرابًا ومِنَ اللَّبَنِ، وفي التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ قَدْ عَطَفَ مَجْرُورًا عَلى مَجْرُورٍ، ومَنصُوبًا عَلى مَنصُوبٍ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ في الدّارِ زَيْدًا وفي القَصْرِ عَمْرًا، ولَمّا لَمْ تَكُنْ بِلادُهم بِلادَ قُطْنٍ وكَتّانٍ وحَرِيرٍ اقْتُصِرَ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ هُنا، وانْدَرَجَتْ في قَوْلِهِ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ . والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ، أيْ: يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الزِّينَةُ. وقالَ المُفَضَّلُ: المَتْجَرُ والمَعاشُ. وقالَ الخَلِيلُ: الأثاثُ والمَتاعُ: واحِدٌ وجَمَعَ (p-٥٢٤)بَيْنَهُما لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ؛ كَقَوْلِهِ: وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا. وغَيّا تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إلى حِينٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى المَوْتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إلى بِلى ذَلِكَ الشَّيْءِ. وقِيلَ: إلى انْقِضاءِ حاجَتِكم مِنهُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، وكانَتْ بِلادُهم غالِبًا عَلَيْها الحَرُّ، ذَكَرَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِما يَقِيهِمُ الحَرَّ مِن خَلْقِ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلٌّ كالشَّجَرِ وغَيْرِهِ مِمّا يَمْنَعُ مِن أذى الشَّمْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ظِلالُ الغَمامِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ظِلالُ البُيُوتِ. وقالَ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ: ظِلالُ الشَّجَرِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ظِلالُ الشَّجَرِ والجِبالِ؛ والأكْنانُ مِنَ الجِبالِ هي الغِيرانُ، والكُهُوفُ، والبُيُوتُ المَنحُوتَةُ مِنها. والسِّرْبالُ: ما لُبِسَ عَلى البَدَنِ مِن: قَمِيصٍ، وقَرْقَلٍ، ومِجْوَلٍ، ودِرْعٍ، وجَوْشَنٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن صُوفٍ وكَتّانٍ وقُطْنِ وغَيْرِها. واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ الحَرِّ إمّا لِأنَّ ما يَقِي الحَرَّ يَقِي البَرْدَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ حَذَفَ البَرْدَ لِدَلالَةِ ضِدِّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، أوْ لِأنَّهُ أمَسُّ في تِلْكَ البِلادِ والبَرَدُ فِيها مَعْدُومٌ في الأكْثَرِ. وإذا جاءَ تَوَقّى بِالأثاثِ فَيَخْلُصُ السِّرْبالُ لِتَوَقِّي الحَرِّ فَقَطْ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ. وهَذا في بِلادِ الحِجازِ، وأمّا غَيْرُها مِن بِلادِ العَرَبِ فَيُوجَدُ فِيها البَرْدُ الشَّدِيدُ كَما قالَ مُتَمِّمٌ:
؎إذا القَشْعُ مِن بَرْدِ الشِّتاءِ تَقَعْقَعا
وقالَ آخَرُ:
؎فِي ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أنْدِيَةِ ∗∗∗ والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي النّاسَ هي الدُّرُوعُ
قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎شُمُّ العِرانَيْنِ أبْطالٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ
والسِّرْبالُ عامٌّ، يَقَعُ عَلى ما كانَ مِن حَدِيدٍ وغَيْرِهِ. والبَأْسُ في أصْلِ اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ، وهُنا الحَرْبُ. وفي الحَدِيثِ: «كُنّا إذا اشْتَدَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللَّهِ» ﷺ والمَعْنى: تَقِيكم أذى الحَرْبِ، وهو ما يَعْرِضُ فِيها مِنَ الجِراحِ النّاشِئَةِ مِن ضَرْبِ السَّيْفِ، والدَّبُّوسِ، والرُّمْحِ، والسَّهْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُعَدُّ لِلْحَدِيثِ. كَذَلِكَ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإتْمامِ لِلنِّعْمَةِ فِيما سَبَقَ، يُتِمُّ نِعْمَتَهُ في المُسْتَقْبَلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَتِمُّ، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، نِعْمَتُهُ، بِالرَّفْعِ، أسْنَدَ التَّمامَ إلَيْها اتِّساعًا، وعَنْهُ نِعَمُهُ جَمْعًا. وقَرَأ: لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ: بِفَتْحِ التّاءِ، واللّامِ مِنَ السَّلامَةِ والخَلاصِ، فَكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِوِقايَةِ السَّرابِيلِ مِن أذى الحَرْبِ، أوْ تُسْلِمُونَ مِنَ الشِّرْكِ. وأمّا تُسْلِمُونَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالمَعْنى: تُؤْمِنُونَ، أوْ تَنْقادُونَ إلى النَّظَرِ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى مُفْضٍ إلى الإيمانِ والِانْقِيادِ. رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، فَقالَ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَلَمّا سَمِعَ: ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾، قالَ: اللَّهُمَّ هَذا فَلا فَنَزَلَتْ فَإنْ تَوَلَّوْا، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا، أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا، وحُذِفَتِ التّاءُ، ويَكُونُ جارِيًا عَلى الخِطابِ السّابِقِ والماضِي عَلى الِالتِفاتِ، والفاءُ وما بَعْدَها جَوابُ الشَّرْطِ صُورَةً، والجَوابُ حَقِيقَةً مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأنْتَ مَعْذُورٌ إذْ أدَّيْتَ ما وجَبَ عَلَيْكَ، فَأُقِيمَ سَبَبُ العُذْرِ وهو البَلاغُ مَقامَ المُسَبَّبِ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى حَقِّ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، فَإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبَيِّنَ وتُبَلِّغَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ؛ انْتَهى. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بِأنَّهم ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾، وعِرْفانُهم لِلنِّعَمِ الَّتِي عُدَّتْ عَلَيْهِمْ حَيْثُ يَعْتَرِفُونَ بِها، وأنَّها مِنهُ تَعالى، وإنْكارُهم لَها حَيْثُ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ إنْكارًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذْ لَمْ يُرَتِّبُوا عَلى مَعْرِفَةِ نِعَمِهِ تَعالى مُقْتَضاها مِن عِبادَتِهِ، وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ دُونَ ما نُسِبُوا إلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ، قالَ قَرِيبًا مِن هَذا المَعْنى مُجاهِدٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: النِّعْمَةُ هَنا مُحَمَّدٌ ﷺ والمَعْنى: يَعْرِفُونَ بِمُعْجِزاتِهِ وآياتِ نُبُوَّتِهِ، ويُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِالتَّكْذِيبِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: إنْكارُهم قَوْلَهم ورِثْناها مِن آبائِنا. وعَنِ ابْنِ عَوْنٍ: إضافَتُها إلى الأسْبابِ لا إلى مُسَبِّبِها، وحَكى صاحِبُ الغَنِيّان: يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ. وقِيلَ: إنْكارُهم هي بِشَفاعَةِ آلِهَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ. وقِيلَ: (p-٥٢٥)يَعْرِفُونَها بِقُلُوبِهِمْ ثُمَّ يُنْكِرُونَها بِألْسِنَتِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن (وأكْثَرُهم) مَوْضُوعُهُ الأصْلِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وكُلُّهم: ما مِن أحَدٍ يَقُومُ بِواجِبِ حَقِّ الشُّكْرِ، فَجَعَلَهُ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكُفْرَ هُنا هو مُقابِلُ الإيمانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ أهْلِ مَكَّةَ، لِأنَّ مِنهم مَن أبى. وقِيلَ: مَعْنى الكافِرُونَ: الجاحِدُونَ المُعانِدُونَ، لِأنَّ فِيهِمْ مَن كانَ جاهِلًا لَمْ يَعْرِفْ فَيُعانِدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى ثُمَّ ؟ (قُلْتُ): الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إنْكارَهم مُسْتَبْعَدٌ بَعْدَ حُصُولِ المَعْرِفَةِ، لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ أنْ يَعْتَرِفَ لا أنْ يُنْكِرَ.
النحل 16:83
﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن خَلْقِهِمْ، وما خَلَقَ لَهم مِن مَدارِكِ العِلْمِ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في حَياتِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الخارِجِيَّةِ عَنْ دَوابِّهِمْ مِنَ البُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَها، مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ والأخْشابِ وغَيْرِها. والسَّكَنُ: فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَنْصِ، والنَّقْصِ. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎جاءَ الشِّتاءُ ولَمّا أتَّخِذْ سَكَنًا يا ويْحَ نَفْسِيَ مِن حَفْرِ القَرامِيصِ
ولَيْسَ السَّكَنُ بِمَصْدَرٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا ما غالَبَ البُيُوتِ عَلَيْهِ مِن كَوْنِها لا تَنْتَقِلُ، بَلْ يَنْتَقِلُ النّاسُ إلَيْها. ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا ما مَنَّ بِهِ عَلَيْنا مِنَ المُتَّخَذِ مِن جُلُودِ الأنْعامِ، وهو ما يَنْتَقِلُ مِنَ القِبابِ والخِيامِ والفَساطِيطِ الَّتِي مِنَ الأدَمِ، أوْ ذَكَرَ أوَّلًا البُيُوتَ عَلى طَرِيقِ العُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ بُيُوتَ الجُلُودِ خُصُوصًا تَنْبِيهًا عَلى حالِ أكْثَرِ العَرَبِ، فَإنَّهم لِانْتِجاعِهِمْ إنَّما بُيُوتُهم مِنَ الجُلُودِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في البُيُوتِ الَّتِي مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتُ الشَّعَرِ، وبُيُوتُ الصُّوفِ والوَبَرِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: تَنْدَرِجُ لِأنَّها ثابِتَةٌ فِيها، فَهي مِنها. ومَعْنى ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾: تَجِدُونَها خَفِيفَةَ المَحْمَلِ في الضَّرْبِ والنَّقْضِ والنَّقْلِ.
﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾: يَوْمَ تَرْحَلُونَ خَفَّ عَلَيْكم حَمْلُها ونَقْلُها، ويَوْمَ تَنْزِلُونَ وتُقِيمُونَ في مَكانٍ لَمْ يَثْقُلْ عَلَيْكم ضَرْبُها. وقَدْ يُرادُ بِالِاسْتِخْفافِ في وقْتَيِ السَّفَرِ والحَضَرِ، أيْ: مُدَّةَ النُّجْعَةِ والإقامَةِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: ظَعَنِكِمْ، بِفَتْحِ العَيْنِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِسُكُونِها، وهُما لُغَتانِ. ولَيْسَ السُّكُونُ بِتَخْفِيفٍ كَما جاءَ في نَحْوِ: الشَّعَرُ والشَّعْرُ لِمَكانِ حَرْفِ الحَلْقِ، والظّاهِرُ أنَّ أثاثًا مَفْعُولٌ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَ مِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا. وقِيلَ: أثاثًا، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ عَلى أنَّ المَعْنى: جَعَلَ مِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها بُيُوتًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾، كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ مِنَ الماءِ شَرابًا ومِنَ اللَّبَنِ، وفي التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ قَدْ عَطَفَ مَجْرُورًا عَلى مَجْرُورٍ، ومَنصُوبًا عَلى مَنصُوبٍ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ في الدّارِ زَيْدًا وفي القَصْرِ عَمْرًا، ولَمّا لَمْ تَكُنْ بِلادُهم بِلادَ قُطْنٍ وكَتّانٍ وحَرِيرٍ اقْتُصِرَ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ هُنا، وانْدَرَجَتْ في قَوْلِهِ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ . والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ، أيْ: يُنْتَفَعُ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الزِّينَةُ. وقالَ المُفَضَّلُ: المَتْجَرُ والمَعاشُ. وقالَ الخَلِيلُ: الأثاثُ والمَتاعُ: واحِدٌ وجَمَعَ (p-٥٢٤)بَيْنَهُما لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ؛ كَقَوْلِهِ: وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا. وغَيّا تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إلى حِينٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى المَوْتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: إلى بِلى ذَلِكَ الشَّيْءِ. وقِيلَ: إلى انْقِضاءِ حاجَتِكم مِنهُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، وكانَتْ بِلادُهم غالِبًا عَلَيْها الحَرُّ، ذَكَرَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِما يَقِيهِمُ الحَرَّ مِن خَلْقِ الأجْرامِ الَّتِي لَها ظِلٌّ كالشَّجَرِ وغَيْرِهِ مِمّا يَمْنَعُ مِن أذى الشَّمْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ظِلالُ الغَمامِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: ظِلالُ البُيُوتِ. وقالَ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ: ظِلالُ الشَّجَرِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ظِلالُ الشَّجَرِ والجِبالِ؛ والأكْنانُ مِنَ الجِبالِ هي الغِيرانُ، والكُهُوفُ، والبُيُوتُ المَنحُوتَةُ مِنها. والسِّرْبالُ: ما لُبِسَ عَلى البَدَنِ مِن: قَمِيصٍ، وقَرْقَلٍ، ومِجْوَلٍ، ودِرْعٍ، وجَوْشَنٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن صُوفٍ وكَتّانٍ وقُطْنِ وغَيْرِها. واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ الحَرِّ إمّا لِأنَّ ما يَقِي الحَرَّ يَقِي البَرْدَ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ حَذَفَ البَرْدَ لِدَلالَةِ ضِدِّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، أوْ لِأنَّهُ أمَسُّ في تِلْكَ البِلادِ والبَرَدُ فِيها مَعْدُومٌ في الأكْثَرِ. وإذا جاءَ تَوَقّى بِالأثاثِ فَيَخْلُصُ السِّرْبالُ لِتَوَقِّي الحَرِّ فَقَطْ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ. وهَذا في بِلادِ الحِجازِ، وأمّا غَيْرُها مِن بِلادِ العَرَبِ فَيُوجَدُ فِيها البَرْدُ الشَّدِيدُ كَما قالَ مُتَمِّمٌ:
؎إذا القَشْعُ مِن بَرْدِ الشِّتاءِ تَقَعْقَعا
وقالَ آخَرُ:
؎فِي ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أنْدِيَةِ ∗∗∗ والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي النّاسَ هي الدُّرُوعُ
قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎شُمُّ العِرانَيْنِ أبْطالٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ
والسِّرْبالُ عامٌّ، يَقَعُ عَلى ما كانَ مِن حَدِيدٍ وغَيْرِهِ. والبَأْسُ في أصْلِ اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ، وهُنا الحَرْبُ. وفي الحَدِيثِ: «كُنّا إذا اشْتَدَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللَّهِ» ﷺ والمَعْنى: تَقِيكم أذى الحَرْبِ، وهو ما يَعْرِضُ فِيها مِنَ الجِراحِ النّاشِئَةِ مِن ضَرْبِ السَّيْفِ، والدَّبُّوسِ، والرُّمْحِ، والسَّهْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُعَدُّ لِلْحَدِيثِ. كَذَلِكَ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإتْمامِ لِلنِّعْمَةِ فِيما سَبَقَ، يُتِمُّ نِعْمَتَهُ في المُسْتَقْبَلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَتِمُّ، بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، نِعْمَتُهُ، بِالرَّفْعِ، أسْنَدَ التَّمامَ إلَيْها اتِّساعًا، وعَنْهُ نِعَمُهُ جَمْعًا. وقَرَأ: لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ: بِفَتْحِ التّاءِ، واللّامِ مِنَ السَّلامَةِ والخَلاصِ، فَكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِوِقايَةِ السَّرابِيلِ مِن أذى الحَرْبِ، أوْ تُسْلِمُونَ مِنَ الشِّرْكِ. وأمّا تُسْلِمُونَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالمَعْنى: تُؤْمِنُونَ، أوْ تَنْقادُونَ إلى النَّظَرِ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى مُفْضٍ إلى الإيمانِ والِانْقِيادِ. رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، فَقالَ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَلَمّا سَمِعَ: ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾، قالَ: اللَّهُمَّ هَذا فَلا فَنَزَلَتْ فَإنْ تَوَلَّوْا، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا، أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا، وحُذِفَتِ التّاءُ، ويَكُونُ جارِيًا عَلى الخِطابِ السّابِقِ والماضِي عَلى الِالتِفاتِ، والفاءُ وما بَعْدَها جَوابُ الشَّرْطِ صُورَةً، والجَوابُ حَقِيقَةً مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأنْتَ مَعْذُورٌ إذْ أدَّيْتَ ما وجَبَ عَلَيْكَ، فَأُقِيمَ سَبَبُ العُذْرِ وهو البَلاغُ مَقامَ المُسَبَّبِ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى حَقِّ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، فَإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبَيِّنَ وتُبَلِّغَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ؛ انْتَهى. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بِأنَّهم ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾، وعِرْفانُهم لِلنِّعَمِ الَّتِي عُدَّتْ عَلَيْهِمْ حَيْثُ يَعْتَرِفُونَ بِها، وأنَّها مِنهُ تَعالى، وإنْكارُهم لَها حَيْثُ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ إنْكارًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذْ لَمْ يُرَتِّبُوا عَلى مَعْرِفَةِ نِعَمِهِ تَعالى مُقْتَضاها مِن عِبادَتِهِ، وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ دُونَ ما نُسِبُوا إلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ، قالَ قَرِيبًا مِن هَذا المَعْنى مُجاهِدٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: النِّعْمَةُ هَنا مُحَمَّدٌ ﷺ والمَعْنى: يَعْرِفُونَ بِمُعْجِزاتِهِ وآياتِ نُبُوَّتِهِ، ويُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِالتَّكْذِيبِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: إنْكارُهم قَوْلَهم ورِثْناها مِن آبائِنا. وعَنِ ابْنِ عَوْنٍ: إضافَتُها إلى الأسْبابِ لا إلى مُسَبِّبِها، وحَكى صاحِبُ الغَنِيّان: يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ. وقِيلَ: إنْكارُهم هي بِشَفاعَةِ آلِهَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ. وقِيلَ: (p-٥٢٥)يَعْرِفُونَها بِقُلُوبِهِمْ ثُمَّ يُنْكِرُونَها بِألْسِنَتِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن (وأكْثَرُهم) مَوْضُوعُهُ الأصْلِيُّ. وقالَ الحَسَنُ: وكُلُّهم: ما مِن أحَدٍ يَقُومُ بِواجِبِ حَقِّ الشُّكْرِ، فَجَعَلَهُ مِن كُفْرانِ النِّعْمَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الكُفْرَ هُنا هو مُقابِلُ الإيمانِ. وقِيلَ: أكْثَرُ أهْلِ مَكَّةَ، لِأنَّ مِنهم مَن أبى. وقِيلَ: مَعْنى الكافِرُونَ: الجاحِدُونَ المُعانِدُونَ، لِأنَّ فِيهِمْ مَن كانَ جاهِلًا لَمْ يَعْرِفْ فَيُعانِدُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى ثُمَّ ؟ (قُلْتُ): الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إنْكارَهم مُسْتَبْعَدٌ بَعْدَ حُصُولِ المَعْرِفَةِ، لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ أنْ يَعْتَرِفَ لا أنْ يُنْكِرَ.
النحل 16:84
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْكارَهم لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ فِيهِ الإنْكارُ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ لَهم بِذَلِكَ اليَوْمِ. وانْتَصَبَ (يَوْمَ) بِإضْمارِ (اذْكُرْ) قالَهُ: الحَوْفِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ العامِلُ فِيهِ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣]، أيْ: يُنْكِرُونَها اليَوْمَ. ويَوْمَ نَبْعَثُ، أيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهم، فَيُكَذِّبُهُمُ الشَّهِيدُ، والشَّهِيدُ: نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِإيمانِهِمْ وبِكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: في الرُّجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا. وقِيلَ: في الكَلامِ والِاعْتِذارِ، كَما قالَ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، أيْ: بَعْدَ شَهادَةِ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإلّا فَقَبْلَ ذَلِكَ تُجادِلُ كُلُّ أُمَّةٍ عَنْ نَفْسِهِ. وجاءَ كَلامُهم في ذَلِكَ، ولَكِنَّها مَواطِنُ يَتَكَلَّمُونَ في بَعْضِها ولا يَنْطِقُونَ في بَعْضِها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، أيْ: مُزالٌ عَنْهُمُ العَتَبُ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ لا يَسْألُونَ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهَذا اسْتِعْتابٌ مَعْناهُ طَلَبُ عُتْباهم، ونَحْوُهُ قَوْلُ مَن قالَ: ولا هم يُسْتَرْضَوْنَ، أيْ: لا يُقالُ لَهُمُ ارْضُوا رَبَّكم، لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ يُعْطَوْنَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا فَيَقَعُ مِنهم تَوْبَةٌ وعَمَلٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى (ثُمَّ) هَذِهِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناها أنَّهم يُمْنَوْنَ بَعْدَ شَهادَةِ الأنْبِياءِ بِما هو أطَمُّ مِنهُ، وأنَّهم يُمْنَعُونَ الكَلامَ فَلا (p-٥٢٦)يُؤْذَنُ لَهم في إلْقاءِ مَعْذِرَةٍ، ولا إدْلاءٍ بِحُجَّةٍ؛ انْتَهى. ولَمّا كانَتْ حالَةُ العَذابِ في الدُّنْيا مُخالِفَةً لِحالِ الآخِرَةِ، إذْ مَن رَأى العَذابَ في الدُّنْيا رَجا أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ، وإنْ وقْعَ فِيهِ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ لا يَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ ولا نَظِرَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ (إذا) قَوْلُهُ فَلا يُخَفَّفُ، وهو عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو لا يُخَفَّفُ، لِأنَّهُ لَوْلا تَقْدِيرُ الإضْمارِ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ، لِأنَّ جَوابَ (إذا) إذا كانَ مُضارِعًا لا يَحْتاجُ إلى دُخُولِ الفاءِ، سَواءٌ كانَ مُوجَبًا أمْ مَنفِيًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ [الحج: ٧٢] وتَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ لا يَجِيءُ عَمْرٌو. قالَ الحَوْفِيُّ: فَلا يُخَفَّفُ، جَوابُ (إذا)، وهو العامِلُ في (إذا)، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ ما تَقَدَّمَ فاءَ الجَوابِ في غَيْرِ (أمّا) لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وبَيَّنا أنَّ العامِلَ في إذا الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ، وإنْ كانَ لَيْسَ قَوْلَ الجُمْهُورِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَوابَ إذا مَحْذُوفًا؛ فَقالَ: وقَدْ قُدِّرَ العامِلُ في يَوْمَ نَبْعَثُ مَجْزُومًا، قالَ: ويَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ، وكَذَلِكَ، وإذا رَأوُا العَذابَ بَغَتَهم وثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَلا يُخَفَّفُ ولا هم يُنْظَرُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٠] الآيَةَ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: شُرَكاءَهم، عامٌّ في كُلِّ مَنِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ وآدَمِيٍّ وشَيْطانٍ ومَلَكٍ، فَيُكَذِّبُهم مَن لَهُ مِنهم عَقْلٌ، فَيَكُونُ: فَألْقَوْا عائِدًا عَلى مَن لَهُ الكَلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا يُنْطِقُ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ الأوْثانَ والأصْنامَ. وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلَيْهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: شُرَكاؤُهم: الشَّياطِينُ، شَرَكُوهم في الأمْوالِ والأوْلادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقِيلَ: شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ (شُرَكاؤُهم) في (أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوهم)، أوْ (شُرَكاؤُهم) في أنْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ وأنْعامِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ حَقِيقَةً. وقِيلَ: مَنسُوبٌ إلى جَوارِحِهِمْ، لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا الإشْراكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أصْمَتَ اللَّهُ ألْسِنَتَهم وأنْطَقَ جَوارِحَهم. ومَعْنى نَدْعُو: نَعْبُدُ، قالُوا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُشْرَكُوا مَعَهم في العَذابِ، إذْ يَحْصُلُ التَّأسِّي، أوِ اعْتِذارًا عَنْ كُفْرِهِمْ إذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ، إنْ كانَ الشُّرَكاءُ هُمُ الشَّياطِينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ. قالُوا: ذَلِكَ إحالَةُ هَذا الذَّنْبِ عَلى تِلْكَ الأصْنامِ، وظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الله أوْ مِن عَذابِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُكَذِّبُهم تِلْكَ الأصْنامَ. وقالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ، ولا نُصْرَةَ، ولا فِدْيَةَ، ولا شَفاعَةَ. وتَقَدَّمُ الإخْبارُ بِأنَّهم شُرَكاءُ، والإخْبارُ أنَّهم كانُوا يَدْعُونَهم: أيْ يَعْبُدُونَهم، فاحْتَمَلَ التَّكْذِيبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، أيْ: لَسْنا شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ، ولا آلِهَةً نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى عَنْ أنْ يَكُونُوا شُرَكاءَ لَهُ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الإخْبارِ الثّانِي وهو العِبادَةُ، لَمّا لَمْ يَكُونُوا راضِينَ بِالعِبادَةِ جَعَلُوا عِبادَتَهم كَلا عِبادَةٍ، أوْ لَمّا لَمْ يَدْعُوهم إلى العِبادَةِ. ألا تَرى أنَّ الأصْنامَ والأوْثانَ لا شُعُورَ لَها بِالعِبادَةِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْعُوَ، وإنَّ مَن عُبِدَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ، لَمْ يَدْعُ إلى عِبادَتِهِ. وإنْ كانَ الشُّرَكاءُ الشَّياطِينَ جازَ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ في إخْبارِهِمْ بِكَذِبِ مَن عَبَدَهم، كَما كَذَبَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] والضَّمِيرُ في (فَألْقَوْا إلى اللَّهِ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والسَّلَمُ: الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ لِحُكْمِ اللَّهِ بَعْدَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَكُنْ لَهم إذْ ذاكَ حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ. ورَوى يَعْقُوبُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: السَّلْمَ بِإسْكانِ (p-٥٢٧)اللّامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، وشُرَكائِهِمْ كُلِّهِمْ. قالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَسْلَمُوا مُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ، والضَّمِيرُ في (وضَلُّوا) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا خاصَّةً، أيْ: وبَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ وأنَّهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ كَذَّبُوهم وتَبَرَّأُوا مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ): مُبْتَدَأٌ، و(زِدْناهم): الخَبَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ، بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَفْتَرُونَ) . وزِدْناهم: فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ إخْبارُهُ.
﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: غَيْرَهم زِدْناهم عَذابًا بِسَبَبِ الصَّدِّ فَوْقَ العَذابِ، أيِ: الَّذِي تَرَتَّبَ لَهم عَلى الكُفْرِ ضاعَفُوا كُفْرَهم، فَضاعَفَ اللَّهُ عِقابَهم. وهَذا المَزِيدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَقارِبُ كَأمْثالِ النَّخْلِ الطِّوالِ، وعَنْهُ: حَيّاتٌ كَأمْثالِ الفِيَلَةِ، وعَقارِبُ كَأمْثالِ البِغالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مِن صُفْرٍ مُذابٍ تَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها، وعَنِ الزَّجّاجِ: يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ بَرْدِهِ إلى النّارِ، وعَلَّلَ تِلْكَ الزِّيادَةَ بِكَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ غَيْرَهم، وحامِلِينَ عَلى الكُفْرِ. وفي كُلِّ أُمَّةٍ فِيها مِنها حَذْفٌ في السّابِقِ مِن أنْفُسِهِمْ وأثْبَتَهُ هُنا وحَذَفَ هُناكَ في وأثْبَتَهُ هُنا، والمَعْنى في كِلَيْهِما: أنَّهُ يَبْعَثُ اللَّهُ أنْبِياءَ الأُمَمِ فِيهِمْ مِنهم، والخِطابُ في ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أُمَّتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ شُهَداءَ مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ الرُّسُلِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ، فَإنْ أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيامَةِ؛ انْتَهى. وكانَ الشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ حِينَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِن أنْفُسِهِمْ. وقالَ الأصَمُّ أبُو بَكْرٍ المُرادُ: الشَّهِيدُ هو أنَّهُ تَعالى يُنْطِقُ عَشَرَةً مِن أجْزاءِ الإنْسانِ حَتّى تَشْهَدَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ مِن أنْفُسِهِمْ، وهَذا بَعِيدٌ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ، فَيَقْتَضِي المُقابَلَةَ أنَّ الشُّهَداءَ عَلى الأُمَمِ أنْبِياؤُهم كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَزَّلَنا: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، ولَيْسَ داخِلًا مَعَ ما قَبْلَهُ لِاخْتِلافِ الزَّمانَيْنِ. لَمّا ذَكَرَ ما شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أُمَّتِهِ، ذَكَرَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِمّا فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، لِيُزِيحَ بِذَلِكَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا، فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ. والظّاهِرُ أنَّ تِبْيانًا مَصْدَرٌ جاءَ عَلى ”تِفْعالٍ“، وإنْ كانَ بابُ المَصادِرِ أنْ يَجِيءَ عَلى تَفْعالٍ بِالفَتْحِ، كالتَّرْدادِ والتَّطْوافِ، ونَظِيرُ تِبْيانٍ في كَسْرِ تائِهِ تِلْقاءَ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ فَتْحَهُ في غَيْرِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تِبْيانًا اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُّحاةِ. ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ: أنَّهُ مَصْدَرٌ ولِمَ يَجِئْ عَلى تِفْعالٍ مِنَ المَصادِرِ إلّا ضَرْبانِ: تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كانَ القُرْآنُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ؟ (قُلْتُ): المَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ حَيْثُ كانَ نَصًّا عَلى بَعْضِها وإحالَةً عَلى السُّنَّةِ، حَيْثُ أُمِرَ فِيهِ بِاتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وطاعَتِهِ. وقِيلَ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣]، وحَثًّا عَلى الإجْماعِ في قَوْلِهِ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] (p-٥٢٨)وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ اتِّباعَ أصْحابِهِ، والِاقْتِداءَ بِآثارِهِمْ في قَوْلِهِ: (أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ) وقَدِ اجْتَهَدُوا، وقاسَوْا، ووَطَّئُوا طُرُقَ القِياسِ والِاجْتِهادِ، فَكانَتِ السُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ والِاجْتِهادُ مُسْتَنِدَةً إلى تَبْيِينِ الكِتابِ، فَمِن ثَمَّ كانَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ: وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ: اهْتَدَيْتُمْ، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لا يَصِحُّ بِوَجْهٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ في رِسالَتِهِ في إبْطالِ الرَّأْيِ، والقِياسِ، والِاسْتِحْسانِ، والتَّعْلِيلِ، والتَّقْلِيدِ ما نَصُّهُ: وهَذا خَبَرٌ مَكْذُوبٌ مَوْضُوعٌ باطِلٌ لَمْ يَصْلُحْ قَطُّ، وذَكَرَ إسْنادَهُ إلى البَزّازِ صاحِبِ المُسْنَدِ قالَ: سَألْتُمْ عَمّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمّا في أيْدِي العامَّةِ تَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّما مَثَلُ أصْحابِي كَمَثَلِ النُّجُومِ أوْ كالنُّجُومِ، بِأيِّها اقْتَدَوُا اهْتَدَوْا» . وهَذا كَلامٌ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَواهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ العَمِّيُّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما أتى ضَعْفُ هَذا الحَدِيثِ مِن قِبَلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، لِأنَّ أهْلَ العِلْمِ سَكَتُوا عَنِ الرِّوايَةِ لِحَدِيثِهِ. والكَلامُ أيْضًا مُنْكَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَثْبُتْ، والنَّبِيُّ ﷺ لا يُبِيحُ الِاخْتِلافَ بَعْدَهُ مِن أصْحابِهِ، هَذا نَصُّ كَلامِ البَزّارِ. قالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ كَذّابٌ خَبِيثٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ البُخارِيُّ: هو مَتْرُوكٌ، رَواهُ أيْضًا حَمْزَةُ الجَزَرِيُّ، وحَمْزَةُ هَذا ساقِطٌ مَتْرُوكٌ. ونَصَبُوا ﴿تِبْيانًا﴾ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ. و(لِلْمُسْلِمِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (وبُشْرى) ومِن حَيْثُ المَعْنى هو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”وهُدًى ورَحْمَةً“ .
النحل 16:85
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْكارَهم لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ فِيهِ الإنْكارُ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ لَهم بِذَلِكَ اليَوْمِ. وانْتَصَبَ (يَوْمَ) بِإضْمارِ (اذْكُرْ) قالَهُ: الحَوْفِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ العامِلُ فِيهِ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣]، أيْ: يُنْكِرُونَها اليَوْمَ. ويَوْمَ نَبْعَثُ، أيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهم، فَيُكَذِّبُهُمُ الشَّهِيدُ، والشَّهِيدُ: نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِإيمانِهِمْ وبِكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: في الرُّجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا. وقِيلَ: في الكَلامِ والِاعْتِذارِ، كَما قالَ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، أيْ: بَعْدَ شَهادَةِ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإلّا فَقَبْلَ ذَلِكَ تُجادِلُ كُلُّ أُمَّةٍ عَنْ نَفْسِهِ. وجاءَ كَلامُهم في ذَلِكَ، ولَكِنَّها مَواطِنُ يَتَكَلَّمُونَ في بَعْضِها ولا يَنْطِقُونَ في بَعْضِها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، أيْ: مُزالٌ عَنْهُمُ العَتَبُ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ لا يَسْألُونَ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهَذا اسْتِعْتابٌ مَعْناهُ طَلَبُ عُتْباهم، ونَحْوُهُ قَوْلُ مَن قالَ: ولا هم يُسْتَرْضَوْنَ، أيْ: لا يُقالُ لَهُمُ ارْضُوا رَبَّكم، لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ يُعْطَوْنَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا فَيَقَعُ مِنهم تَوْبَةٌ وعَمَلٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى (ثُمَّ) هَذِهِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناها أنَّهم يُمْنَوْنَ بَعْدَ شَهادَةِ الأنْبِياءِ بِما هو أطَمُّ مِنهُ، وأنَّهم يُمْنَعُونَ الكَلامَ فَلا (p-٥٢٦)يُؤْذَنُ لَهم في إلْقاءِ مَعْذِرَةٍ، ولا إدْلاءٍ بِحُجَّةٍ؛ انْتَهى. ولَمّا كانَتْ حالَةُ العَذابِ في الدُّنْيا مُخالِفَةً لِحالِ الآخِرَةِ، إذْ مَن رَأى العَذابَ في الدُّنْيا رَجا أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ، وإنْ وقْعَ فِيهِ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ لا يَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ ولا نَظِرَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ (إذا) قَوْلُهُ فَلا يُخَفَّفُ، وهو عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو لا يُخَفَّفُ، لِأنَّهُ لَوْلا تَقْدِيرُ الإضْمارِ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ، لِأنَّ جَوابَ (إذا) إذا كانَ مُضارِعًا لا يَحْتاجُ إلى دُخُولِ الفاءِ، سَواءٌ كانَ مُوجَبًا أمْ مَنفِيًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ [الحج: ٧٢] وتَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ لا يَجِيءُ عَمْرٌو. قالَ الحَوْفِيُّ: فَلا يُخَفَّفُ، جَوابُ (إذا)، وهو العامِلُ في (إذا)، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ ما تَقَدَّمَ فاءَ الجَوابِ في غَيْرِ (أمّا) لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وبَيَّنا أنَّ العامِلَ في إذا الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ، وإنْ كانَ لَيْسَ قَوْلَ الجُمْهُورِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَوابَ إذا مَحْذُوفًا؛ فَقالَ: وقَدْ قُدِّرَ العامِلُ في يَوْمَ نَبْعَثُ مَجْزُومًا، قالَ: ويَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ، وكَذَلِكَ، وإذا رَأوُا العَذابَ بَغَتَهم وثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَلا يُخَفَّفُ ولا هم يُنْظَرُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٠] الآيَةَ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: شُرَكاءَهم، عامٌّ في كُلِّ مَنِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ وآدَمِيٍّ وشَيْطانٍ ومَلَكٍ، فَيُكَذِّبُهم مَن لَهُ مِنهم عَقْلٌ، فَيَكُونُ: فَألْقَوْا عائِدًا عَلى مَن لَهُ الكَلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا يُنْطِقُ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ الأوْثانَ والأصْنامَ. وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلَيْهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: شُرَكاؤُهم: الشَّياطِينُ، شَرَكُوهم في الأمْوالِ والأوْلادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقِيلَ: شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ (شُرَكاؤُهم) في (أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوهم)، أوْ (شُرَكاؤُهم) في أنْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ وأنْعامِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ حَقِيقَةً. وقِيلَ: مَنسُوبٌ إلى جَوارِحِهِمْ، لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا الإشْراكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أصْمَتَ اللَّهُ ألْسِنَتَهم وأنْطَقَ جَوارِحَهم. ومَعْنى نَدْعُو: نَعْبُدُ، قالُوا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُشْرَكُوا مَعَهم في العَذابِ، إذْ يَحْصُلُ التَّأسِّي، أوِ اعْتِذارًا عَنْ كُفْرِهِمْ إذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ، إنْ كانَ الشُّرَكاءُ هُمُ الشَّياطِينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ. قالُوا: ذَلِكَ إحالَةُ هَذا الذَّنْبِ عَلى تِلْكَ الأصْنامِ، وظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الله أوْ مِن عَذابِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُكَذِّبُهم تِلْكَ الأصْنامَ. وقالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ، ولا نُصْرَةَ، ولا فِدْيَةَ، ولا شَفاعَةَ. وتَقَدَّمُ الإخْبارُ بِأنَّهم شُرَكاءُ، والإخْبارُ أنَّهم كانُوا يَدْعُونَهم: أيْ يَعْبُدُونَهم، فاحْتَمَلَ التَّكْذِيبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، أيْ: لَسْنا شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ، ولا آلِهَةً نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى عَنْ أنْ يَكُونُوا شُرَكاءَ لَهُ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الإخْبارِ الثّانِي وهو العِبادَةُ، لَمّا لَمْ يَكُونُوا راضِينَ بِالعِبادَةِ جَعَلُوا عِبادَتَهم كَلا عِبادَةٍ، أوْ لَمّا لَمْ يَدْعُوهم إلى العِبادَةِ. ألا تَرى أنَّ الأصْنامَ والأوْثانَ لا شُعُورَ لَها بِالعِبادَةِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْعُوَ، وإنَّ مَن عُبِدَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ، لَمْ يَدْعُ إلى عِبادَتِهِ. وإنْ كانَ الشُّرَكاءُ الشَّياطِينَ جازَ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ في إخْبارِهِمْ بِكَذِبِ مَن عَبَدَهم، كَما كَذَبَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] والضَّمِيرُ في (فَألْقَوْا إلى اللَّهِ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والسَّلَمُ: الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ لِحُكْمِ اللَّهِ بَعْدَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَكُنْ لَهم إذْ ذاكَ حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ. ورَوى يَعْقُوبُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: السَّلْمَ بِإسْكانِ (p-٥٢٧)اللّامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، وشُرَكائِهِمْ كُلِّهِمْ. قالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَسْلَمُوا مُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ، والضَّمِيرُ في (وضَلُّوا) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا خاصَّةً، أيْ: وبَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ وأنَّهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ كَذَّبُوهم وتَبَرَّأُوا مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ): مُبْتَدَأٌ، و(زِدْناهم): الخَبَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ، بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَفْتَرُونَ) . وزِدْناهم: فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ إخْبارُهُ.
﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: غَيْرَهم زِدْناهم عَذابًا بِسَبَبِ الصَّدِّ فَوْقَ العَذابِ، أيِ: الَّذِي تَرَتَّبَ لَهم عَلى الكُفْرِ ضاعَفُوا كُفْرَهم، فَضاعَفَ اللَّهُ عِقابَهم. وهَذا المَزِيدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَقارِبُ كَأمْثالِ النَّخْلِ الطِّوالِ، وعَنْهُ: حَيّاتٌ كَأمْثالِ الفِيَلَةِ، وعَقارِبُ كَأمْثالِ البِغالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مِن صُفْرٍ مُذابٍ تَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها، وعَنِ الزَّجّاجِ: يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ بَرْدِهِ إلى النّارِ، وعَلَّلَ تِلْكَ الزِّيادَةَ بِكَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ غَيْرَهم، وحامِلِينَ عَلى الكُفْرِ. وفي كُلِّ أُمَّةٍ فِيها مِنها حَذْفٌ في السّابِقِ مِن أنْفُسِهِمْ وأثْبَتَهُ هُنا وحَذَفَ هُناكَ في وأثْبَتَهُ هُنا، والمَعْنى في كِلَيْهِما: أنَّهُ يَبْعَثُ اللَّهُ أنْبِياءَ الأُمَمِ فِيهِمْ مِنهم، والخِطابُ في ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أُمَّتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ شُهَداءَ مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ الرُّسُلِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ، فَإنْ أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيامَةِ؛ انْتَهى. وكانَ الشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ حِينَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِن أنْفُسِهِمْ. وقالَ الأصَمُّ أبُو بَكْرٍ المُرادُ: الشَّهِيدُ هو أنَّهُ تَعالى يُنْطِقُ عَشَرَةً مِن أجْزاءِ الإنْسانِ حَتّى تَشْهَدَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ مِن أنْفُسِهِمْ، وهَذا بَعِيدٌ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ، فَيَقْتَضِي المُقابَلَةَ أنَّ الشُّهَداءَ عَلى الأُمَمِ أنْبِياؤُهم كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَزَّلَنا: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، ولَيْسَ داخِلًا مَعَ ما قَبْلَهُ لِاخْتِلافِ الزَّمانَيْنِ. لَمّا ذَكَرَ ما شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أُمَّتِهِ، ذَكَرَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِمّا فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، لِيُزِيحَ بِذَلِكَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا، فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ. والظّاهِرُ أنَّ تِبْيانًا مَصْدَرٌ جاءَ عَلى ”تِفْعالٍ“، وإنْ كانَ بابُ المَصادِرِ أنْ يَجِيءَ عَلى تَفْعالٍ بِالفَتْحِ، كالتَّرْدادِ والتَّطْوافِ، ونَظِيرُ تِبْيانٍ في كَسْرِ تائِهِ تِلْقاءَ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ فَتْحَهُ في غَيْرِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تِبْيانًا اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُّحاةِ. ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ: أنَّهُ مَصْدَرٌ ولِمَ يَجِئْ عَلى تِفْعالٍ مِنَ المَصادِرِ إلّا ضَرْبانِ: تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كانَ القُرْآنُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ؟ (قُلْتُ): المَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ حَيْثُ كانَ نَصًّا عَلى بَعْضِها وإحالَةً عَلى السُّنَّةِ، حَيْثُ أُمِرَ فِيهِ بِاتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وطاعَتِهِ. وقِيلَ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣]، وحَثًّا عَلى الإجْماعِ في قَوْلِهِ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] (p-٥٢٨)وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ اتِّباعَ أصْحابِهِ، والِاقْتِداءَ بِآثارِهِمْ في قَوْلِهِ: (أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ) وقَدِ اجْتَهَدُوا، وقاسَوْا، ووَطَّئُوا طُرُقَ القِياسِ والِاجْتِهادِ، فَكانَتِ السُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ والِاجْتِهادُ مُسْتَنِدَةً إلى تَبْيِينِ الكِتابِ، فَمِن ثَمَّ كانَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ: وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ: اهْتَدَيْتُمْ، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لا يَصِحُّ بِوَجْهٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ في رِسالَتِهِ في إبْطالِ الرَّأْيِ، والقِياسِ، والِاسْتِحْسانِ، والتَّعْلِيلِ، والتَّقْلِيدِ ما نَصُّهُ: وهَذا خَبَرٌ مَكْذُوبٌ مَوْضُوعٌ باطِلٌ لَمْ يَصْلُحْ قَطُّ، وذَكَرَ إسْنادَهُ إلى البَزّازِ صاحِبِ المُسْنَدِ قالَ: سَألْتُمْ عَمّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمّا في أيْدِي العامَّةِ تَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّما مَثَلُ أصْحابِي كَمَثَلِ النُّجُومِ أوْ كالنُّجُومِ، بِأيِّها اقْتَدَوُا اهْتَدَوْا» . وهَذا كَلامٌ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَواهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ العَمِّيُّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما أتى ضَعْفُ هَذا الحَدِيثِ مِن قِبَلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، لِأنَّ أهْلَ العِلْمِ سَكَتُوا عَنِ الرِّوايَةِ لِحَدِيثِهِ. والكَلامُ أيْضًا مُنْكَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَثْبُتْ، والنَّبِيُّ ﷺ لا يُبِيحُ الِاخْتِلافَ بَعْدَهُ مِن أصْحابِهِ، هَذا نَصُّ كَلامِ البَزّارِ. قالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ كَذّابٌ خَبِيثٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ البُخارِيُّ: هو مَتْرُوكٌ، رَواهُ أيْضًا حَمْزَةُ الجَزَرِيُّ، وحَمْزَةُ هَذا ساقِطٌ مَتْرُوكٌ. ونَصَبُوا ﴿تِبْيانًا﴾ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ. و(لِلْمُسْلِمِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (وبُشْرى) ومِن حَيْثُ المَعْنى هو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”وهُدًى ورَحْمَةً“ .
النحل 16:86
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْكارَهم لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ فِيهِ الإنْكارُ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ لَهم بِذَلِكَ اليَوْمِ. وانْتَصَبَ (يَوْمَ) بِإضْمارِ (اذْكُرْ) قالَهُ: الحَوْفِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ العامِلُ فِيهِ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣]، أيْ: يُنْكِرُونَها اليَوْمَ. ويَوْمَ نَبْعَثُ، أيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهم، فَيُكَذِّبُهُمُ الشَّهِيدُ، والشَّهِيدُ: نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِإيمانِهِمْ وبِكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: في الرُّجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا. وقِيلَ: في الكَلامِ والِاعْتِذارِ، كَما قالَ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، أيْ: بَعْدَ شَهادَةِ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإلّا فَقَبْلَ ذَلِكَ تُجادِلُ كُلُّ أُمَّةٍ عَنْ نَفْسِهِ. وجاءَ كَلامُهم في ذَلِكَ، ولَكِنَّها مَواطِنُ يَتَكَلَّمُونَ في بَعْضِها ولا يَنْطِقُونَ في بَعْضِها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، أيْ: مُزالٌ عَنْهُمُ العَتَبُ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ لا يَسْألُونَ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهَذا اسْتِعْتابٌ مَعْناهُ طَلَبُ عُتْباهم، ونَحْوُهُ قَوْلُ مَن قالَ: ولا هم يُسْتَرْضَوْنَ، أيْ: لا يُقالُ لَهُمُ ارْضُوا رَبَّكم، لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ يُعْطَوْنَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا فَيَقَعُ مِنهم تَوْبَةٌ وعَمَلٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى (ثُمَّ) هَذِهِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناها أنَّهم يُمْنَوْنَ بَعْدَ شَهادَةِ الأنْبِياءِ بِما هو أطَمُّ مِنهُ، وأنَّهم يُمْنَعُونَ الكَلامَ فَلا (p-٥٢٦)يُؤْذَنُ لَهم في إلْقاءِ مَعْذِرَةٍ، ولا إدْلاءٍ بِحُجَّةٍ؛ انْتَهى. ولَمّا كانَتْ حالَةُ العَذابِ في الدُّنْيا مُخالِفَةً لِحالِ الآخِرَةِ، إذْ مَن رَأى العَذابَ في الدُّنْيا رَجا أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ، وإنْ وقْعَ فِيهِ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ لا يَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ ولا نَظِرَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ (إذا) قَوْلُهُ فَلا يُخَفَّفُ، وهو عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو لا يُخَفَّفُ، لِأنَّهُ لَوْلا تَقْدِيرُ الإضْمارِ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ، لِأنَّ جَوابَ (إذا) إذا كانَ مُضارِعًا لا يَحْتاجُ إلى دُخُولِ الفاءِ، سَواءٌ كانَ مُوجَبًا أمْ مَنفِيًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ [الحج: ٧٢] وتَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ لا يَجِيءُ عَمْرٌو. قالَ الحَوْفِيُّ: فَلا يُخَفَّفُ، جَوابُ (إذا)، وهو العامِلُ في (إذا)، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ ما تَقَدَّمَ فاءَ الجَوابِ في غَيْرِ (أمّا) لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وبَيَّنا أنَّ العامِلَ في إذا الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ، وإنْ كانَ لَيْسَ قَوْلَ الجُمْهُورِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَوابَ إذا مَحْذُوفًا؛ فَقالَ: وقَدْ قُدِّرَ العامِلُ في يَوْمَ نَبْعَثُ مَجْزُومًا، قالَ: ويَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ، وكَذَلِكَ، وإذا رَأوُا العَذابَ بَغَتَهم وثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَلا يُخَفَّفُ ولا هم يُنْظَرُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٠] الآيَةَ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: شُرَكاءَهم، عامٌّ في كُلِّ مَنِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ وآدَمِيٍّ وشَيْطانٍ ومَلَكٍ، فَيُكَذِّبُهم مَن لَهُ مِنهم عَقْلٌ، فَيَكُونُ: فَألْقَوْا عائِدًا عَلى مَن لَهُ الكَلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا يُنْطِقُ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ الأوْثانَ والأصْنامَ. وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلَيْهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: شُرَكاؤُهم: الشَّياطِينُ، شَرَكُوهم في الأمْوالِ والأوْلادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقِيلَ: شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ (شُرَكاؤُهم) في (أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوهم)، أوْ (شُرَكاؤُهم) في أنْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ وأنْعامِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ حَقِيقَةً. وقِيلَ: مَنسُوبٌ إلى جَوارِحِهِمْ، لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا الإشْراكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أصْمَتَ اللَّهُ ألْسِنَتَهم وأنْطَقَ جَوارِحَهم. ومَعْنى نَدْعُو: نَعْبُدُ، قالُوا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُشْرَكُوا مَعَهم في العَذابِ، إذْ يَحْصُلُ التَّأسِّي، أوِ اعْتِذارًا عَنْ كُفْرِهِمْ إذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ، إنْ كانَ الشُّرَكاءُ هُمُ الشَّياطِينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ. قالُوا: ذَلِكَ إحالَةُ هَذا الذَّنْبِ عَلى تِلْكَ الأصْنامِ، وظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الله أوْ مِن عَذابِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُكَذِّبُهم تِلْكَ الأصْنامَ. وقالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ، ولا نُصْرَةَ، ولا فِدْيَةَ، ولا شَفاعَةَ. وتَقَدَّمُ الإخْبارُ بِأنَّهم شُرَكاءُ، والإخْبارُ أنَّهم كانُوا يَدْعُونَهم: أيْ يَعْبُدُونَهم، فاحْتَمَلَ التَّكْذِيبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، أيْ: لَسْنا شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ، ولا آلِهَةً نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى عَنْ أنْ يَكُونُوا شُرَكاءَ لَهُ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الإخْبارِ الثّانِي وهو العِبادَةُ، لَمّا لَمْ يَكُونُوا راضِينَ بِالعِبادَةِ جَعَلُوا عِبادَتَهم كَلا عِبادَةٍ، أوْ لَمّا لَمْ يَدْعُوهم إلى العِبادَةِ. ألا تَرى أنَّ الأصْنامَ والأوْثانَ لا شُعُورَ لَها بِالعِبادَةِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْعُوَ، وإنَّ مَن عُبِدَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ، لَمْ يَدْعُ إلى عِبادَتِهِ. وإنْ كانَ الشُّرَكاءُ الشَّياطِينَ جازَ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ في إخْبارِهِمْ بِكَذِبِ مَن عَبَدَهم، كَما كَذَبَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] والضَّمِيرُ في (فَألْقَوْا إلى اللَّهِ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والسَّلَمُ: الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ لِحُكْمِ اللَّهِ بَعْدَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَكُنْ لَهم إذْ ذاكَ حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ. ورَوى يَعْقُوبُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: السَّلْمَ بِإسْكانِ (p-٥٢٧)اللّامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، وشُرَكائِهِمْ كُلِّهِمْ. قالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَسْلَمُوا مُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ، والضَّمِيرُ في (وضَلُّوا) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا خاصَّةً، أيْ: وبَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ وأنَّهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ كَذَّبُوهم وتَبَرَّأُوا مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ): مُبْتَدَأٌ، و(زِدْناهم): الخَبَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ، بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَفْتَرُونَ) . وزِدْناهم: فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ إخْبارُهُ.
﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: غَيْرَهم زِدْناهم عَذابًا بِسَبَبِ الصَّدِّ فَوْقَ العَذابِ، أيِ: الَّذِي تَرَتَّبَ لَهم عَلى الكُفْرِ ضاعَفُوا كُفْرَهم، فَضاعَفَ اللَّهُ عِقابَهم. وهَذا المَزِيدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَقارِبُ كَأمْثالِ النَّخْلِ الطِّوالِ، وعَنْهُ: حَيّاتٌ كَأمْثالِ الفِيَلَةِ، وعَقارِبُ كَأمْثالِ البِغالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مِن صُفْرٍ مُذابٍ تَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها، وعَنِ الزَّجّاجِ: يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ بَرْدِهِ إلى النّارِ، وعَلَّلَ تِلْكَ الزِّيادَةَ بِكَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ غَيْرَهم، وحامِلِينَ عَلى الكُفْرِ. وفي كُلِّ أُمَّةٍ فِيها مِنها حَذْفٌ في السّابِقِ مِن أنْفُسِهِمْ وأثْبَتَهُ هُنا وحَذَفَ هُناكَ في وأثْبَتَهُ هُنا، والمَعْنى في كِلَيْهِما: أنَّهُ يَبْعَثُ اللَّهُ أنْبِياءَ الأُمَمِ فِيهِمْ مِنهم، والخِطابُ في ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أُمَّتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ شُهَداءَ مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ الرُّسُلِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ، فَإنْ أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيامَةِ؛ انْتَهى. وكانَ الشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ حِينَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِن أنْفُسِهِمْ. وقالَ الأصَمُّ أبُو بَكْرٍ المُرادُ: الشَّهِيدُ هو أنَّهُ تَعالى يُنْطِقُ عَشَرَةً مِن أجْزاءِ الإنْسانِ حَتّى تَشْهَدَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ مِن أنْفُسِهِمْ، وهَذا بَعِيدٌ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ، فَيَقْتَضِي المُقابَلَةَ أنَّ الشُّهَداءَ عَلى الأُمَمِ أنْبِياؤُهم كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَزَّلَنا: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، ولَيْسَ داخِلًا مَعَ ما قَبْلَهُ لِاخْتِلافِ الزَّمانَيْنِ. لَمّا ذَكَرَ ما شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أُمَّتِهِ، ذَكَرَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِمّا فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، لِيُزِيحَ بِذَلِكَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا، فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ. والظّاهِرُ أنَّ تِبْيانًا مَصْدَرٌ جاءَ عَلى ”تِفْعالٍ“، وإنْ كانَ بابُ المَصادِرِ أنْ يَجِيءَ عَلى تَفْعالٍ بِالفَتْحِ، كالتَّرْدادِ والتَّطْوافِ، ونَظِيرُ تِبْيانٍ في كَسْرِ تائِهِ تِلْقاءَ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ فَتْحَهُ في غَيْرِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تِبْيانًا اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُّحاةِ. ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ: أنَّهُ مَصْدَرٌ ولِمَ يَجِئْ عَلى تِفْعالٍ مِنَ المَصادِرِ إلّا ضَرْبانِ: تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كانَ القُرْآنُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ؟ (قُلْتُ): المَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ حَيْثُ كانَ نَصًّا عَلى بَعْضِها وإحالَةً عَلى السُّنَّةِ، حَيْثُ أُمِرَ فِيهِ بِاتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وطاعَتِهِ. وقِيلَ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣]، وحَثًّا عَلى الإجْماعِ في قَوْلِهِ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] (p-٥٢٨)وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ اتِّباعَ أصْحابِهِ، والِاقْتِداءَ بِآثارِهِمْ في قَوْلِهِ: (أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ) وقَدِ اجْتَهَدُوا، وقاسَوْا، ووَطَّئُوا طُرُقَ القِياسِ والِاجْتِهادِ، فَكانَتِ السُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ والِاجْتِهادُ مُسْتَنِدَةً إلى تَبْيِينِ الكِتابِ، فَمِن ثَمَّ كانَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ: وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ: اهْتَدَيْتُمْ، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لا يَصِحُّ بِوَجْهٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ في رِسالَتِهِ في إبْطالِ الرَّأْيِ، والقِياسِ، والِاسْتِحْسانِ، والتَّعْلِيلِ، والتَّقْلِيدِ ما نَصُّهُ: وهَذا خَبَرٌ مَكْذُوبٌ مَوْضُوعٌ باطِلٌ لَمْ يَصْلُحْ قَطُّ، وذَكَرَ إسْنادَهُ إلى البَزّازِ صاحِبِ المُسْنَدِ قالَ: سَألْتُمْ عَمّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمّا في أيْدِي العامَّةِ تَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّما مَثَلُ أصْحابِي كَمَثَلِ النُّجُومِ أوْ كالنُّجُومِ، بِأيِّها اقْتَدَوُا اهْتَدَوْا» . وهَذا كَلامٌ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَواهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ العَمِّيُّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما أتى ضَعْفُ هَذا الحَدِيثِ مِن قِبَلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، لِأنَّ أهْلَ العِلْمِ سَكَتُوا عَنِ الرِّوايَةِ لِحَدِيثِهِ. والكَلامُ أيْضًا مُنْكَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَثْبُتْ، والنَّبِيُّ ﷺ لا يُبِيحُ الِاخْتِلافَ بَعْدَهُ مِن أصْحابِهِ، هَذا نَصُّ كَلامِ البَزّارِ. قالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ كَذّابٌ خَبِيثٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ البُخارِيُّ: هو مَتْرُوكٌ، رَواهُ أيْضًا حَمْزَةُ الجَزَرِيُّ، وحَمْزَةُ هَذا ساقِطٌ مَتْرُوكٌ. ونَصَبُوا ﴿تِبْيانًا﴾ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ. و(لِلْمُسْلِمِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (وبُشْرى) ومِن حَيْثُ المَعْنى هو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”وهُدًى ورَحْمَةً“ .
النحل 16:87
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْكارَهم لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ فِيهِ الإنْكارُ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ لَهم بِذَلِكَ اليَوْمِ. وانْتَصَبَ (يَوْمَ) بِإضْمارِ (اذْكُرْ) قالَهُ: الحَوْفِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ العامِلُ فِيهِ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣]، أيْ: يُنْكِرُونَها اليَوْمَ. ويَوْمَ نَبْعَثُ، أيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهم، فَيُكَذِّبُهُمُ الشَّهِيدُ، والشَّهِيدُ: نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِإيمانِهِمْ وبِكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: في الرُّجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا. وقِيلَ: في الكَلامِ والِاعْتِذارِ، كَما قالَ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، أيْ: بَعْدَ شَهادَةِ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإلّا فَقَبْلَ ذَلِكَ تُجادِلُ كُلُّ أُمَّةٍ عَنْ نَفْسِهِ. وجاءَ كَلامُهم في ذَلِكَ، ولَكِنَّها مَواطِنُ يَتَكَلَّمُونَ في بَعْضِها ولا يَنْطِقُونَ في بَعْضِها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، أيْ: مُزالٌ عَنْهُمُ العَتَبُ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ لا يَسْألُونَ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهَذا اسْتِعْتابٌ مَعْناهُ طَلَبُ عُتْباهم، ونَحْوُهُ قَوْلُ مَن قالَ: ولا هم يُسْتَرْضَوْنَ، أيْ: لا يُقالُ لَهُمُ ارْضُوا رَبَّكم، لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ يُعْطَوْنَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا فَيَقَعُ مِنهم تَوْبَةٌ وعَمَلٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى (ثُمَّ) هَذِهِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناها أنَّهم يُمْنَوْنَ بَعْدَ شَهادَةِ الأنْبِياءِ بِما هو أطَمُّ مِنهُ، وأنَّهم يُمْنَعُونَ الكَلامَ فَلا (p-٥٢٦)يُؤْذَنُ لَهم في إلْقاءِ مَعْذِرَةٍ، ولا إدْلاءٍ بِحُجَّةٍ؛ انْتَهى. ولَمّا كانَتْ حالَةُ العَذابِ في الدُّنْيا مُخالِفَةً لِحالِ الآخِرَةِ، إذْ مَن رَأى العَذابَ في الدُّنْيا رَجا أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ، وإنْ وقْعَ فِيهِ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ لا يَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ ولا نَظِرَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ (إذا) قَوْلُهُ فَلا يُخَفَّفُ، وهو عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو لا يُخَفَّفُ، لِأنَّهُ لَوْلا تَقْدِيرُ الإضْمارِ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ، لِأنَّ جَوابَ (إذا) إذا كانَ مُضارِعًا لا يَحْتاجُ إلى دُخُولِ الفاءِ، سَواءٌ كانَ مُوجَبًا أمْ مَنفِيًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ [الحج: ٧٢] وتَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ لا يَجِيءُ عَمْرٌو. قالَ الحَوْفِيُّ: فَلا يُخَفَّفُ، جَوابُ (إذا)، وهو العامِلُ في (إذا)، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ ما تَقَدَّمَ فاءَ الجَوابِ في غَيْرِ (أمّا) لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وبَيَّنا أنَّ العامِلَ في إذا الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ، وإنْ كانَ لَيْسَ قَوْلَ الجُمْهُورِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَوابَ إذا مَحْذُوفًا؛ فَقالَ: وقَدْ قُدِّرَ العامِلُ في يَوْمَ نَبْعَثُ مَجْزُومًا، قالَ: ويَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ، وكَذَلِكَ، وإذا رَأوُا العَذابَ بَغَتَهم وثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَلا يُخَفَّفُ ولا هم يُنْظَرُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٠] الآيَةَ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: شُرَكاءَهم، عامٌّ في كُلِّ مَنِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ وآدَمِيٍّ وشَيْطانٍ ومَلَكٍ، فَيُكَذِّبُهم مَن لَهُ مِنهم عَقْلٌ، فَيَكُونُ: فَألْقَوْا عائِدًا عَلى مَن لَهُ الكَلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا يُنْطِقُ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ الأوْثانَ والأصْنامَ. وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلَيْهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: شُرَكاؤُهم: الشَّياطِينُ، شَرَكُوهم في الأمْوالِ والأوْلادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقِيلَ: شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ (شُرَكاؤُهم) في (أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوهم)، أوْ (شُرَكاؤُهم) في أنْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ وأنْعامِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ حَقِيقَةً. وقِيلَ: مَنسُوبٌ إلى جَوارِحِهِمْ، لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا الإشْراكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أصْمَتَ اللَّهُ ألْسِنَتَهم وأنْطَقَ جَوارِحَهم. ومَعْنى نَدْعُو: نَعْبُدُ، قالُوا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُشْرَكُوا مَعَهم في العَذابِ، إذْ يَحْصُلُ التَّأسِّي، أوِ اعْتِذارًا عَنْ كُفْرِهِمْ إذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ، إنْ كانَ الشُّرَكاءُ هُمُ الشَّياطِينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ. قالُوا: ذَلِكَ إحالَةُ هَذا الذَّنْبِ عَلى تِلْكَ الأصْنامِ، وظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الله أوْ مِن عَذابِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُكَذِّبُهم تِلْكَ الأصْنامَ. وقالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ، ولا نُصْرَةَ، ولا فِدْيَةَ، ولا شَفاعَةَ. وتَقَدَّمُ الإخْبارُ بِأنَّهم شُرَكاءُ، والإخْبارُ أنَّهم كانُوا يَدْعُونَهم: أيْ يَعْبُدُونَهم، فاحْتَمَلَ التَّكْذِيبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، أيْ: لَسْنا شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ، ولا آلِهَةً نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى عَنْ أنْ يَكُونُوا شُرَكاءَ لَهُ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الإخْبارِ الثّانِي وهو العِبادَةُ، لَمّا لَمْ يَكُونُوا راضِينَ بِالعِبادَةِ جَعَلُوا عِبادَتَهم كَلا عِبادَةٍ، أوْ لَمّا لَمْ يَدْعُوهم إلى العِبادَةِ. ألا تَرى أنَّ الأصْنامَ والأوْثانَ لا شُعُورَ لَها بِالعِبادَةِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْعُوَ، وإنَّ مَن عُبِدَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ، لَمْ يَدْعُ إلى عِبادَتِهِ. وإنْ كانَ الشُّرَكاءُ الشَّياطِينَ جازَ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ في إخْبارِهِمْ بِكَذِبِ مَن عَبَدَهم، كَما كَذَبَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] والضَّمِيرُ في (فَألْقَوْا إلى اللَّهِ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والسَّلَمُ: الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ لِحُكْمِ اللَّهِ بَعْدَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَكُنْ لَهم إذْ ذاكَ حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ. ورَوى يَعْقُوبُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: السَّلْمَ بِإسْكانِ (p-٥٢٧)اللّامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، وشُرَكائِهِمْ كُلِّهِمْ. قالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَسْلَمُوا مُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ، والضَّمِيرُ في (وضَلُّوا) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا خاصَّةً، أيْ: وبَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ وأنَّهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ كَذَّبُوهم وتَبَرَّأُوا مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ): مُبْتَدَأٌ، و(زِدْناهم): الخَبَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ، بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَفْتَرُونَ) . وزِدْناهم: فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ إخْبارُهُ.
﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: غَيْرَهم زِدْناهم عَذابًا بِسَبَبِ الصَّدِّ فَوْقَ العَذابِ، أيِ: الَّذِي تَرَتَّبَ لَهم عَلى الكُفْرِ ضاعَفُوا كُفْرَهم، فَضاعَفَ اللَّهُ عِقابَهم. وهَذا المَزِيدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَقارِبُ كَأمْثالِ النَّخْلِ الطِّوالِ، وعَنْهُ: حَيّاتٌ كَأمْثالِ الفِيَلَةِ، وعَقارِبُ كَأمْثالِ البِغالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مِن صُفْرٍ مُذابٍ تَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها، وعَنِ الزَّجّاجِ: يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ بَرْدِهِ إلى النّارِ، وعَلَّلَ تِلْكَ الزِّيادَةَ بِكَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ غَيْرَهم، وحامِلِينَ عَلى الكُفْرِ. وفي كُلِّ أُمَّةٍ فِيها مِنها حَذْفٌ في السّابِقِ مِن أنْفُسِهِمْ وأثْبَتَهُ هُنا وحَذَفَ هُناكَ في وأثْبَتَهُ هُنا، والمَعْنى في كِلَيْهِما: أنَّهُ يَبْعَثُ اللَّهُ أنْبِياءَ الأُمَمِ فِيهِمْ مِنهم، والخِطابُ في ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أُمَّتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ شُهَداءَ مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ الرُّسُلِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ، فَإنْ أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيامَةِ؛ انْتَهى. وكانَ الشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ حِينَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِن أنْفُسِهِمْ. وقالَ الأصَمُّ أبُو بَكْرٍ المُرادُ: الشَّهِيدُ هو أنَّهُ تَعالى يُنْطِقُ عَشَرَةً مِن أجْزاءِ الإنْسانِ حَتّى تَشْهَدَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ مِن أنْفُسِهِمْ، وهَذا بَعِيدٌ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ، فَيَقْتَضِي المُقابَلَةَ أنَّ الشُّهَداءَ عَلى الأُمَمِ أنْبِياؤُهم كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَزَّلَنا: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، ولَيْسَ داخِلًا مَعَ ما قَبْلَهُ لِاخْتِلافِ الزَّمانَيْنِ. لَمّا ذَكَرَ ما شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أُمَّتِهِ، ذَكَرَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِمّا فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، لِيُزِيحَ بِذَلِكَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا، فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ. والظّاهِرُ أنَّ تِبْيانًا مَصْدَرٌ جاءَ عَلى ”تِفْعالٍ“، وإنْ كانَ بابُ المَصادِرِ أنْ يَجِيءَ عَلى تَفْعالٍ بِالفَتْحِ، كالتَّرْدادِ والتَّطْوافِ، ونَظِيرُ تِبْيانٍ في كَسْرِ تائِهِ تِلْقاءَ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ فَتْحَهُ في غَيْرِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تِبْيانًا اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُّحاةِ. ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ: أنَّهُ مَصْدَرٌ ولِمَ يَجِئْ عَلى تِفْعالٍ مِنَ المَصادِرِ إلّا ضَرْبانِ: تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كانَ القُرْآنُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ؟ (قُلْتُ): المَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ حَيْثُ كانَ نَصًّا عَلى بَعْضِها وإحالَةً عَلى السُّنَّةِ، حَيْثُ أُمِرَ فِيهِ بِاتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وطاعَتِهِ. وقِيلَ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣]، وحَثًّا عَلى الإجْماعِ في قَوْلِهِ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] (p-٥٢٨)وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ اتِّباعَ أصْحابِهِ، والِاقْتِداءَ بِآثارِهِمْ في قَوْلِهِ: (أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ) وقَدِ اجْتَهَدُوا، وقاسَوْا، ووَطَّئُوا طُرُقَ القِياسِ والِاجْتِهادِ، فَكانَتِ السُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ والِاجْتِهادُ مُسْتَنِدَةً إلى تَبْيِينِ الكِتابِ، فَمِن ثَمَّ كانَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ: وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ: اهْتَدَيْتُمْ، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لا يَصِحُّ بِوَجْهٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ في رِسالَتِهِ في إبْطالِ الرَّأْيِ، والقِياسِ، والِاسْتِحْسانِ، والتَّعْلِيلِ، والتَّقْلِيدِ ما نَصُّهُ: وهَذا خَبَرٌ مَكْذُوبٌ مَوْضُوعٌ باطِلٌ لَمْ يَصْلُحْ قَطُّ، وذَكَرَ إسْنادَهُ إلى البَزّازِ صاحِبِ المُسْنَدِ قالَ: سَألْتُمْ عَمّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمّا في أيْدِي العامَّةِ تَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّما مَثَلُ أصْحابِي كَمَثَلِ النُّجُومِ أوْ كالنُّجُومِ، بِأيِّها اقْتَدَوُا اهْتَدَوْا» . وهَذا كَلامٌ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَواهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ العَمِّيُّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما أتى ضَعْفُ هَذا الحَدِيثِ مِن قِبَلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، لِأنَّ أهْلَ العِلْمِ سَكَتُوا عَنِ الرِّوايَةِ لِحَدِيثِهِ. والكَلامُ أيْضًا مُنْكَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَثْبُتْ، والنَّبِيُّ ﷺ لا يُبِيحُ الِاخْتِلافَ بَعْدَهُ مِن أصْحابِهِ، هَذا نَصُّ كَلامِ البَزّارِ. قالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ كَذّابٌ خَبِيثٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ البُخارِيُّ: هو مَتْرُوكٌ، رَواهُ أيْضًا حَمْزَةُ الجَزَرِيُّ، وحَمْزَةُ هَذا ساقِطٌ مَتْرُوكٌ. ونَصَبُوا ﴿تِبْيانًا﴾ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ. و(لِلْمُسْلِمِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (وبُشْرى) ومِن حَيْثُ المَعْنى هو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”وهُدًى ورَحْمَةً“ .
النحل 16:88
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْكارَهم لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ فِيهِ الإنْكارُ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ لَهم بِذَلِكَ اليَوْمِ. وانْتَصَبَ (يَوْمَ) بِإضْمارِ (اذْكُرْ) قالَهُ: الحَوْفِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ العامِلُ فِيهِ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣]، أيْ: يُنْكِرُونَها اليَوْمَ. ويَوْمَ نَبْعَثُ، أيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهم، فَيُكَذِّبُهُمُ الشَّهِيدُ، والشَّهِيدُ: نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِإيمانِهِمْ وبِكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: في الرُّجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا. وقِيلَ: في الكَلامِ والِاعْتِذارِ، كَما قالَ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، أيْ: بَعْدَ شَهادَةِ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإلّا فَقَبْلَ ذَلِكَ تُجادِلُ كُلُّ أُمَّةٍ عَنْ نَفْسِهِ. وجاءَ كَلامُهم في ذَلِكَ، ولَكِنَّها مَواطِنُ يَتَكَلَّمُونَ في بَعْضِها ولا يَنْطِقُونَ في بَعْضِها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، أيْ: مُزالٌ عَنْهُمُ العَتَبُ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ لا يَسْألُونَ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهَذا اسْتِعْتابٌ مَعْناهُ طَلَبُ عُتْباهم، ونَحْوُهُ قَوْلُ مَن قالَ: ولا هم يُسْتَرْضَوْنَ، أيْ: لا يُقالُ لَهُمُ ارْضُوا رَبَّكم، لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ يُعْطَوْنَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا فَيَقَعُ مِنهم تَوْبَةٌ وعَمَلٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى (ثُمَّ) هَذِهِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناها أنَّهم يُمْنَوْنَ بَعْدَ شَهادَةِ الأنْبِياءِ بِما هو أطَمُّ مِنهُ، وأنَّهم يُمْنَعُونَ الكَلامَ فَلا (p-٥٢٦)يُؤْذَنُ لَهم في إلْقاءِ مَعْذِرَةٍ، ولا إدْلاءٍ بِحُجَّةٍ؛ انْتَهى. ولَمّا كانَتْ حالَةُ العَذابِ في الدُّنْيا مُخالِفَةً لِحالِ الآخِرَةِ، إذْ مَن رَأى العَذابَ في الدُّنْيا رَجا أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ، وإنْ وقْعَ فِيهِ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ لا يَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ ولا نَظِرَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ (إذا) قَوْلُهُ فَلا يُخَفَّفُ، وهو عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو لا يُخَفَّفُ، لِأنَّهُ لَوْلا تَقْدِيرُ الإضْمارِ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ، لِأنَّ جَوابَ (إذا) إذا كانَ مُضارِعًا لا يَحْتاجُ إلى دُخُولِ الفاءِ، سَواءٌ كانَ مُوجَبًا أمْ مَنفِيًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ [الحج: ٧٢] وتَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ لا يَجِيءُ عَمْرٌو. قالَ الحَوْفِيُّ: فَلا يُخَفَّفُ، جَوابُ (إذا)، وهو العامِلُ في (إذا)، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ ما تَقَدَّمَ فاءَ الجَوابِ في غَيْرِ (أمّا) لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وبَيَّنا أنَّ العامِلَ في إذا الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ، وإنْ كانَ لَيْسَ قَوْلَ الجُمْهُورِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَوابَ إذا مَحْذُوفًا؛ فَقالَ: وقَدْ قُدِّرَ العامِلُ في يَوْمَ نَبْعَثُ مَجْزُومًا، قالَ: ويَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ، وكَذَلِكَ، وإذا رَأوُا العَذابَ بَغَتَهم وثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَلا يُخَفَّفُ ولا هم يُنْظَرُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٠] الآيَةَ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: شُرَكاءَهم، عامٌّ في كُلِّ مَنِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ وآدَمِيٍّ وشَيْطانٍ ومَلَكٍ، فَيُكَذِّبُهم مَن لَهُ مِنهم عَقْلٌ، فَيَكُونُ: فَألْقَوْا عائِدًا عَلى مَن لَهُ الكَلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا يُنْطِقُ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ الأوْثانَ والأصْنامَ. وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلَيْهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: شُرَكاؤُهم: الشَّياطِينُ، شَرَكُوهم في الأمْوالِ والأوْلادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقِيلَ: شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ (شُرَكاؤُهم) في (أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوهم)، أوْ (شُرَكاؤُهم) في أنْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ وأنْعامِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ حَقِيقَةً. وقِيلَ: مَنسُوبٌ إلى جَوارِحِهِمْ، لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا الإشْراكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أصْمَتَ اللَّهُ ألْسِنَتَهم وأنْطَقَ جَوارِحَهم. ومَعْنى نَدْعُو: نَعْبُدُ، قالُوا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُشْرَكُوا مَعَهم في العَذابِ، إذْ يَحْصُلُ التَّأسِّي، أوِ اعْتِذارًا عَنْ كُفْرِهِمْ إذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ، إنْ كانَ الشُّرَكاءُ هُمُ الشَّياطِينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ. قالُوا: ذَلِكَ إحالَةُ هَذا الذَّنْبِ عَلى تِلْكَ الأصْنامِ، وظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الله أوْ مِن عَذابِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُكَذِّبُهم تِلْكَ الأصْنامَ. وقالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ، ولا نُصْرَةَ، ولا فِدْيَةَ، ولا شَفاعَةَ. وتَقَدَّمُ الإخْبارُ بِأنَّهم شُرَكاءُ، والإخْبارُ أنَّهم كانُوا يَدْعُونَهم: أيْ يَعْبُدُونَهم، فاحْتَمَلَ التَّكْذِيبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، أيْ: لَسْنا شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ، ولا آلِهَةً نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى عَنْ أنْ يَكُونُوا شُرَكاءَ لَهُ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الإخْبارِ الثّانِي وهو العِبادَةُ، لَمّا لَمْ يَكُونُوا راضِينَ بِالعِبادَةِ جَعَلُوا عِبادَتَهم كَلا عِبادَةٍ، أوْ لَمّا لَمْ يَدْعُوهم إلى العِبادَةِ. ألا تَرى أنَّ الأصْنامَ والأوْثانَ لا شُعُورَ لَها بِالعِبادَةِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْعُوَ، وإنَّ مَن عُبِدَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ، لَمْ يَدْعُ إلى عِبادَتِهِ. وإنْ كانَ الشُّرَكاءُ الشَّياطِينَ جازَ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ في إخْبارِهِمْ بِكَذِبِ مَن عَبَدَهم، كَما كَذَبَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] والضَّمِيرُ في (فَألْقَوْا إلى اللَّهِ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والسَّلَمُ: الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ لِحُكْمِ اللَّهِ بَعْدَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَكُنْ لَهم إذْ ذاكَ حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ. ورَوى يَعْقُوبُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: السَّلْمَ بِإسْكانِ (p-٥٢٧)اللّامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، وشُرَكائِهِمْ كُلِّهِمْ. قالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَسْلَمُوا مُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ، والضَّمِيرُ في (وضَلُّوا) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا خاصَّةً، أيْ: وبَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ وأنَّهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ كَذَّبُوهم وتَبَرَّأُوا مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ): مُبْتَدَأٌ، و(زِدْناهم): الخَبَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ، بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَفْتَرُونَ) . وزِدْناهم: فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ إخْبارُهُ.
﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: غَيْرَهم زِدْناهم عَذابًا بِسَبَبِ الصَّدِّ فَوْقَ العَذابِ، أيِ: الَّذِي تَرَتَّبَ لَهم عَلى الكُفْرِ ضاعَفُوا كُفْرَهم، فَضاعَفَ اللَّهُ عِقابَهم. وهَذا المَزِيدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَقارِبُ كَأمْثالِ النَّخْلِ الطِّوالِ، وعَنْهُ: حَيّاتٌ كَأمْثالِ الفِيَلَةِ، وعَقارِبُ كَأمْثالِ البِغالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مِن صُفْرٍ مُذابٍ تَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها، وعَنِ الزَّجّاجِ: يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ بَرْدِهِ إلى النّارِ، وعَلَّلَ تِلْكَ الزِّيادَةَ بِكَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ غَيْرَهم، وحامِلِينَ عَلى الكُفْرِ. وفي كُلِّ أُمَّةٍ فِيها مِنها حَذْفٌ في السّابِقِ مِن أنْفُسِهِمْ وأثْبَتَهُ هُنا وحَذَفَ هُناكَ في وأثْبَتَهُ هُنا، والمَعْنى في كِلَيْهِما: أنَّهُ يَبْعَثُ اللَّهُ أنْبِياءَ الأُمَمِ فِيهِمْ مِنهم، والخِطابُ في ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أُمَّتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ شُهَداءَ مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ الرُّسُلِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ، فَإنْ أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيامَةِ؛ انْتَهى. وكانَ الشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ حِينَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِن أنْفُسِهِمْ. وقالَ الأصَمُّ أبُو بَكْرٍ المُرادُ: الشَّهِيدُ هو أنَّهُ تَعالى يُنْطِقُ عَشَرَةً مِن أجْزاءِ الإنْسانِ حَتّى تَشْهَدَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ مِن أنْفُسِهِمْ، وهَذا بَعِيدٌ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ، فَيَقْتَضِي المُقابَلَةَ أنَّ الشُّهَداءَ عَلى الأُمَمِ أنْبِياؤُهم كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَزَّلَنا: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، ولَيْسَ داخِلًا مَعَ ما قَبْلَهُ لِاخْتِلافِ الزَّمانَيْنِ. لَمّا ذَكَرَ ما شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أُمَّتِهِ، ذَكَرَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِمّا فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، لِيُزِيحَ بِذَلِكَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا، فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ. والظّاهِرُ أنَّ تِبْيانًا مَصْدَرٌ جاءَ عَلى ”تِفْعالٍ“، وإنْ كانَ بابُ المَصادِرِ أنْ يَجِيءَ عَلى تَفْعالٍ بِالفَتْحِ، كالتَّرْدادِ والتَّطْوافِ، ونَظِيرُ تِبْيانٍ في كَسْرِ تائِهِ تِلْقاءَ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ فَتْحَهُ في غَيْرِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تِبْيانًا اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُّحاةِ. ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ: أنَّهُ مَصْدَرٌ ولِمَ يَجِئْ عَلى تِفْعالٍ مِنَ المَصادِرِ إلّا ضَرْبانِ: تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كانَ القُرْآنُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ؟ (قُلْتُ): المَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ حَيْثُ كانَ نَصًّا عَلى بَعْضِها وإحالَةً عَلى السُّنَّةِ، حَيْثُ أُمِرَ فِيهِ بِاتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وطاعَتِهِ. وقِيلَ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣]، وحَثًّا عَلى الإجْماعِ في قَوْلِهِ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] (p-٥٢٨)وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ اتِّباعَ أصْحابِهِ، والِاقْتِداءَ بِآثارِهِمْ في قَوْلِهِ: (أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ) وقَدِ اجْتَهَدُوا، وقاسَوْا، ووَطَّئُوا طُرُقَ القِياسِ والِاجْتِهادِ، فَكانَتِ السُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ والِاجْتِهادُ مُسْتَنِدَةً إلى تَبْيِينِ الكِتابِ، فَمِن ثَمَّ كانَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ: وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ: اهْتَدَيْتُمْ، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لا يَصِحُّ بِوَجْهٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ في رِسالَتِهِ في إبْطالِ الرَّأْيِ، والقِياسِ، والِاسْتِحْسانِ، والتَّعْلِيلِ، والتَّقْلِيدِ ما نَصُّهُ: وهَذا خَبَرٌ مَكْذُوبٌ مَوْضُوعٌ باطِلٌ لَمْ يَصْلُحْ قَطُّ، وذَكَرَ إسْنادَهُ إلى البَزّازِ صاحِبِ المُسْنَدِ قالَ: سَألْتُمْ عَمّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمّا في أيْدِي العامَّةِ تَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّما مَثَلُ أصْحابِي كَمَثَلِ النُّجُومِ أوْ كالنُّجُومِ، بِأيِّها اقْتَدَوُا اهْتَدَوْا» . وهَذا كَلامٌ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَواهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ العَمِّيُّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما أتى ضَعْفُ هَذا الحَدِيثِ مِن قِبَلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، لِأنَّ أهْلَ العِلْمِ سَكَتُوا عَنِ الرِّوايَةِ لِحَدِيثِهِ. والكَلامُ أيْضًا مُنْكَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَثْبُتْ، والنَّبِيُّ ﷺ لا يُبِيحُ الِاخْتِلافَ بَعْدَهُ مِن أصْحابِهِ، هَذا نَصُّ كَلامِ البَزّارِ. قالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ كَذّابٌ خَبِيثٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ البُخارِيُّ: هو مَتْرُوكٌ، رَواهُ أيْضًا حَمْزَةُ الجَزَرِيُّ، وحَمْزَةُ هَذا ساقِطٌ مَتْرُوكٌ. ونَصَبُوا ﴿تِبْيانًا﴾ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ. و(لِلْمُسْلِمِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (وبُشْرى) ومِن حَيْثُ المَعْنى هو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”وهُدًى ورَحْمَةً“ .
النحل 16:89
﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ إنْكارَهم لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ فِيهِ الإنْكارُ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ لَهم بِذَلِكَ اليَوْمِ. وانْتَصَبَ (يَوْمَ) بِإضْمارِ (اذْكُرْ) قالَهُ: الحَوْفِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وأبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ العامِلُ فِيهِ: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣]، أيْ: يُنْكِرُونَها اليَوْمَ. ويَوْمَ نَبْعَثُ، أيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهم، فَيُكَذِّبُهُمُ الشَّهِيدُ، والشَّهِيدُ: نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِإيمانِهِمْ وبِكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الإذْنِ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: في الرُّجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا. وقِيلَ: في الكَلامِ والِاعْتِذارِ، كَما قالَ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، أيْ: بَعْدَ شَهادَةِ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإلّا فَقَبْلَ ذَلِكَ تُجادِلُ كُلُّ أُمَّةٍ عَنْ نَفْسِهِ. وجاءَ كَلامُهم في ذَلِكَ، ولَكِنَّها مَواطِنُ يَتَكَلَّمُونَ في بَعْضِها ولا يَنْطِقُونَ في بَعْضِها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، أيْ: مُزالٌ عَنْهُمُ العَتَبُ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ لا يَسْألُونَ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَهَذا اسْتِعْتابٌ مَعْناهُ طَلَبُ عُتْباهم، ونَحْوُهُ قَوْلُ مَن قالَ: ولا هم يُسْتَرْضَوْنَ، أيْ: لا يُقالُ لَهُمُ ارْضُوا رَبَّكم، لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ يُعْطَوْنَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا فَيَقَعُ مِنهم تَوْبَةٌ وعَمَلٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى (ثُمَّ) هَذِهِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناها أنَّهم يُمْنَوْنَ بَعْدَ شَهادَةِ الأنْبِياءِ بِما هو أطَمُّ مِنهُ، وأنَّهم يُمْنَعُونَ الكَلامَ فَلا (p-٥٢٦)يُؤْذَنُ لَهم في إلْقاءِ مَعْذِرَةٍ، ولا إدْلاءٍ بِحُجَّةٍ؛ انْتَهى. ولَمّا كانَتْ حالَةُ العَذابِ في الدُّنْيا مُخالِفَةً لِحالِ الآخِرَةِ، إذْ مَن رَأى العَذابَ في الدُّنْيا رَجا أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ، وإنْ وقْعَ فِيهِ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ لا يَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ ولا نَظِرَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ (إذا) قَوْلُهُ فَلا يُخَفَّفُ، وهو عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو لا يُخَفَّفُ، لِأنَّهُ لَوْلا تَقْدِيرُ الإضْمارِ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ، لِأنَّ جَوابَ (إذا) إذا كانَ مُضارِعًا لا يَحْتاجُ إلى دُخُولِ الفاءِ، سَواءٌ كانَ مُوجَبًا أمْ مَنفِيًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ [الحج: ٧٢] وتَقُولُ: إذا جاءَ زَيْدٌ لا يَجِيءُ عَمْرٌو. قالَ الحَوْفِيُّ: فَلا يُخَفَّفُ، جَوابُ (إذا)، وهو العامِلُ في (إذا)، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ ما تَقَدَّمَ فاءَ الجَوابِ في غَيْرِ (أمّا) لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وبَيَّنا أنَّ العامِلَ في إذا الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ، وإنْ كانَ لَيْسَ قَوْلَ الجُمْهُورِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَوابَ إذا مَحْذُوفًا؛ فَقالَ: وقَدْ قُدِّرَ العامِلُ في يَوْمَ نَبْعَثُ مَجْزُومًا، قالَ: ويَوْمَ نَبْعَثُ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ، وكَذَلِكَ، وإذا رَأوُا العَذابَ بَغَتَهم وثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَلا يُخَفَّفُ ولا هم يُنْظَرُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٠] الآيَةَ؛ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: شُرَكاءَهم، عامٌّ في كُلِّ مَنِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ وآدَمِيٍّ وشَيْطانٍ ومَلَكٍ، فَيُكَذِّبُهم مَن لَهُ مِنهم عَقْلٌ، فَيَكُونُ: فَألْقَوْا عائِدًا عَلى مَن لَهُ الكَلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا يُنْطِقُ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ الأوْثانَ والأصْنامَ. وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلَيْهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: شُرَكاؤُهم: الشَّياطِينُ، شَرَكُوهم في الأمْوالِ والأوْلادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقِيلَ: شُرَكاؤُهم في الكُفْرِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ (شُرَكاؤُهم) في (أنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوهم)، أوْ (شُرَكاؤُهم) في أنْ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ وأنْعامِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ حَقِيقَةً. وقِيلَ: مَنسُوبٌ إلى جَوارِحِهِمْ، لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا الإشْراكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أصْمَتَ اللَّهُ ألْسِنَتَهم وأنْطَقَ جَوارِحَهم. ومَعْنى نَدْعُو: نَعْبُدُ، قالُوا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُشْرَكُوا مَعَهم في العَذابِ، إذْ يَحْصُلُ التَّأسِّي، أوِ اعْتِذارًا عَنْ كُفْرِهِمْ إذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ، إنْ كانَ الشُّرَكاءُ هُمُ الشَّياطِينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ. قالُوا: ذَلِكَ إحالَةُ هَذا الذَّنْبِ عَلى تِلْكَ الأصْنامِ، وظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الله أوْ مِن عَذابِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُكَذِّبُهم تِلْكَ الأصْنامَ. وقالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ، ولا نُصْرَةَ، ولا فِدْيَةَ، ولا شَفاعَةَ. وتَقَدَّمُ الإخْبارُ بِأنَّهم شُرَكاءُ، والإخْبارُ أنَّهم كانُوا يَدْعُونَهم: أيْ يَعْبُدُونَهم، فاحْتَمَلَ التَّكْذِيبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، أيْ: لَسْنا شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ، ولا آلِهَةً نَزَّهُوا اللَّهَ تَعالى عَنْ أنْ يَكُونُوا شُرَكاءَ لَهُ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الإخْبارِ الثّانِي وهو العِبادَةُ، لَمّا لَمْ يَكُونُوا راضِينَ بِالعِبادَةِ جَعَلُوا عِبادَتَهم كَلا عِبادَةٍ، أوْ لَمّا لَمْ يَدْعُوهم إلى العِبادَةِ. ألا تَرى أنَّ الأصْنامَ والأوْثانَ لا شُعُورَ لَها بِالعِبادَةِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدْعُوَ، وإنَّ مَن عُبِدَ مِن صالِحِي المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ، لَمْ يَدْعُ إلى عِبادَتِهِ. وإنْ كانَ الشُّرَكاءُ الشَّياطِينَ جازَ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ في إخْبارِهِمْ بِكَذِبِ مَن عَبَدَهم، كَما كَذَبَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] والضَّمِيرُ في (فَألْقَوْا إلى اللَّهِ) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والسَّلَمُ: الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ لِحُكْمِ اللَّهِ بَعْدَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَكُنْ لَهم إذْ ذاكَ حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ. ورَوى يَعْقُوبُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: السَّلْمَ بِإسْكانِ (p-٥٢٧)اللّامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، وشُرَكائِهِمْ كُلِّهِمْ. قالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَسْلَمُوا مُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ، والضَّمِيرُ في (وضَلُّوا) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا خاصَّةً، أيْ: وبَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِن أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ وأنَّهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ كَذَّبُوهم وتَبَرَّأُوا مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ (الَّذِينَ): مُبْتَدَأٌ، و(زِدْناهم): الخَبَرُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ، بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَفْتَرُونَ) . وزِدْناهم: فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ إخْبارُهُ.
﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: غَيْرَهم زِدْناهم عَذابًا بِسَبَبِ الصَّدِّ فَوْقَ العَذابِ، أيِ: الَّذِي تَرَتَّبَ لَهم عَلى الكُفْرِ ضاعَفُوا كُفْرَهم، فَضاعَفَ اللَّهُ عِقابَهم. وهَذا المَزِيدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَقارِبُ كَأمْثالِ النَّخْلِ الطِّوالِ، وعَنْهُ: حَيّاتٌ كَأمْثالِ الفِيَلَةِ، وعَقارِبُ كَأمْثالِ البِغالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مِن صُفْرٍ مُذابٍ تَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها، وعَنِ الزَّجّاجِ: يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ بَرْدِهِ إلى النّارِ، وعَلَّلَ تِلْكَ الزِّيادَةَ بِكَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ غَيْرَهم، وحامِلِينَ عَلى الكُفْرِ. وفي كُلِّ أُمَّةٍ فِيها مِنها حَذْفٌ في السّابِقِ مِن أنْفُسِهِمْ وأثْبَتَهُ هُنا وحَذَفَ هُناكَ في وأثْبَتَهُ هُنا، والمَعْنى في كِلَيْهِما: أنَّهُ يَبْعَثُ اللَّهُ أنْبِياءَ الأُمَمِ فِيهِمْ مِنهم، والخِطابُ في ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أُمَّتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ شُهَداءَ مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ الرُّسُلِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ، فَإنْ أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيامَةِ؛ انْتَهى. وكانَ الشَّهِيدُ مِن أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ حِينَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِن أنْفُسِهِمْ. وقالَ الأصَمُّ أبُو بَكْرٍ المُرادُ: الشَّهِيدُ هو أنَّهُ تَعالى يُنْطِقُ عَشَرَةً مِن أجْزاءِ الإنْسانِ حَتّى تَشْهَدَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ مِن أنْفُسِهِمْ، وهَذا بَعِيدٌ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ، فَيَقْتَضِي المُقابَلَةَ أنَّ الشُّهَداءَ عَلى الأُمَمِ أنْبِياؤُهم كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَزَّلَنا: اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، ولَيْسَ داخِلًا مَعَ ما قَبْلَهُ لِاخْتِلافِ الزَّمانَيْنِ. لَمّا ذَكَرَ ما شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أُمَّتِهِ، ذَكَرَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِمّا فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، لِيُزِيحَ بِذَلِكَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا، فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ. والظّاهِرُ أنَّ تِبْيانًا مَصْدَرٌ جاءَ عَلى ”تِفْعالٍ“، وإنْ كانَ بابُ المَصادِرِ أنْ يَجِيءَ عَلى تَفْعالٍ بِالفَتْحِ، كالتَّرْدادِ والتَّطْوافِ، ونَظِيرُ تِبْيانٍ في كَسْرِ تائِهِ تِلْقاءَ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ فَتْحَهُ في غَيْرِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تِبْيانًا اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُّحاةِ. ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ: أنَّهُ مَصْدَرٌ ولِمَ يَجِئْ عَلى تِفْعالٍ مِنَ المَصادِرِ إلّا ضَرْبانِ: تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كانَ القُرْآنُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ؟ (قُلْتُ): المَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ حَيْثُ كانَ نَصًّا عَلى بَعْضِها وإحالَةً عَلى السُّنَّةِ، حَيْثُ أُمِرَ فِيهِ بِاتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وطاعَتِهِ. وقِيلَ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣]، وحَثًّا عَلى الإجْماعِ في قَوْلِهِ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] (p-٥٢٨)وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ اتِّباعَ أصْحابِهِ، والِاقْتِداءَ بِآثارِهِمْ في قَوْلِهِ: (أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ) وقَدِ اجْتَهَدُوا، وقاسَوْا، ووَطَّئُوا طُرُقَ القِياسِ والِاجْتِهادِ، فَكانَتِ السُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ والِاجْتِهادُ مُسْتَنِدَةً إلى تَبْيِينِ الكِتابِ، فَمِن ثَمَّ كانَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ. وقَوْلُهُ: وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِهِ: اهْتَدَيْتُمْ، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لا يَصِحُّ بِوَجْهٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ في رِسالَتِهِ في إبْطالِ الرَّأْيِ، والقِياسِ، والِاسْتِحْسانِ، والتَّعْلِيلِ، والتَّقْلِيدِ ما نَصُّهُ: وهَذا خَبَرٌ مَكْذُوبٌ مَوْضُوعٌ باطِلٌ لَمْ يَصْلُحْ قَطُّ، وذَكَرَ إسْنادَهُ إلى البَزّازِ صاحِبِ المُسْنَدِ قالَ: سَألْتُمْ عَمّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمّا في أيْدِي العامَّةِ تَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّما مَثَلُ أصْحابِي كَمَثَلِ النُّجُومِ أوْ كالنُّجُومِ، بِأيِّها اقْتَدَوُا اهْتَدَوْا» . وهَذا كَلامٌ لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَواهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ العَمِّيُّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما أتى ضَعْفُ هَذا الحَدِيثِ مِن قِبَلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، لِأنَّ أهْلَ العِلْمِ سَكَتُوا عَنِ الرِّوايَةِ لِحَدِيثِهِ. والكَلامُ أيْضًا مُنْكَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَثْبُتْ، والنَّبِيُّ ﷺ لا يُبِيحُ الِاخْتِلافَ بَعْدَهُ مِن أصْحابِهِ، هَذا نَصُّ كَلامِ البَزّارِ. قالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ كَذّابٌ خَبِيثٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ البُخارِيُّ: هو مَتْرُوكٌ، رَواهُ أيْضًا حَمْزَةُ الجَزَرِيُّ، وحَمْزَةُ هَذا ساقِطٌ مَتْرُوكٌ. ونَصَبُوا ﴿تِبْيانًا﴾ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ. و(لِلْمُسْلِمِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (وبُشْرى) ومِن حَيْثُ المَعْنى هو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”وهُدًى ورَحْمَةً“ .
النحل 16:90
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣] ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤] ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٩٥] ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦] ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]: النَّقْضُ ضِدُّ الإبْرامِ، وفي الجِرْمِ فَكُّ أجْزائِهِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ. التَّوْكِيدُ: التَّثْبِيتُ، ويُقالُ: تَوْكِيدٌ، وتَأْكِيدٌ، وهُما لُغَتانِ. وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّصْرِيفَ جاءَ في التَّرْكِيبَيْنِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُما أصْلانِ. الغَزْلُ: مَعْرُوفٌ، وفِعْلُهُ غَزَلَ يَغْزِلُ، بِكَسْرِ الزّايِ، غَزْلًا، وأُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَغْزُولِ. نَفِدَ الشَّيْءُ يَنْفَدُ فَنِيَ. الأعْجَمِيُّ: الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ (p-٥٢٩)﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ): عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ مِنهُ: «إنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ كانَ جَلِيسَ النَّبِيِّ ﷺ وقْتًا فَقالَ لَهُ: عُثْمانُ ما رَأيْتُكَ تَفْعَلُ فِعْلَتَكَ الغَداةَ ؟ قالَ: ”وما رَأيْتَنِي فَعَلْتُ ؟“ قالَ: شَخَصَ بَصَرُكَ إلى السَّماءِ ثُمَّ وضَعْتَهُ عَلى يَمِينِك فَتَحَرَّفْتَ عَنِّي إلَيْهِ وتَرَكْتَنِي، فَأخَذْتَ تَنْغُضُ رَأْسَكَ كَأنَّكَ تَسْتَفِقْهُ شَيْئًا يُقالُ لَكَ، قالَ: ”أوَفَطِنْتَ لِذَلِكَ ؟ أتانِي رَسُولُ اللَّهِ آنِفًا وأنْتَ جالِسٌ“ قالَ: فَماذا قالَ لَكَ ؟ قالَ لِي: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ الآيَةَ. قالَ عُثْمانُ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الإيمانُ في قَلْبِي، فَأحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ﷺ» - لَمّا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وصَلَ بِهِ ما يَقْتَضِي التَّكالِيفَ فَرْضًا ونَفْلًا وأخْلاقًا وآدابًا. والعَدْلُ: فِعْلُ كُلِّ مَفْرُوضٍ مِن عَقائِدَ، وشَرائِعَ، وسَيْرٍ مَعَ النّاسِ في أداءِ الأماناتِ، وتَرْكِ الظُّلْمِ والإنْصافُ، وإعْطاءُ الحَقِّ؛ والإحْسانُ: فِعْلُ كُلِّ مَندُوبٍ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العَدْلُ هو الواجِبُ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - عَدَلَ فِيهِ عَلى عِبادِهِ، فَجَعَلَ ما فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ واقِعًا تَحْتَ طاقَتِهِمْ. والإحْسانُ النَّدْبُ، وإنَّما عُلِّقَ أمْرُهُ بِهِمْ جَمِيعًا، لِأنَّ الفَرْضَ لا بُدَّ أنْ يَقَعَ فِيهِ تَفْرِيطٌ فَيَجْبُرُهُ النَّدْبُ؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: تَحْتَ طاقَتِهِمْ، نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإحْسانُ: أداءُ الفَرائِضِ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ العَدْلَ هو الحَقُّ. وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: أنَّهُ اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّهُ القَضاءُ بِالحَقِّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: العَدْلُ في لِسانِ العَرَبِ: الإنْصافُ. وقِيلَ: خَلْعُ الأنْدادِ. وقِيلَ: العَدْلُ في الأفْعالِ والإحْسانُ في الأقْوالِ. وإيتاءُ ذِي القُرْبى: هو صِلَةُ الرَّحِمِ، وهو مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الإحْسانِ، لَكِنَّهُ نُبِّهَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ وحَضًّا عَلى الإحْسانِ إلَيْهِ. والفَحْشاءُ: الزِّنا، أوْ ما شُنْعَتُهُ ظاهِرَةٌ مِنَ المَعاصِي. وفاعِلُها أبَدًا مُسْتَتِرٌ (p-٥٣٠)بِها، أوِ القَبِيحُ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، أوِ البُخْلُ، أوْ مُوجَبُ الحَدِّ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، أوْ مُجاوَزَةُ حُدُودِ اللَّهِ، أقْوالٌ، أوَّلُها لِابْنِ عَبّاسٍ. والمُنْكَرُ: الشِّرْكُ عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ ما وُعِدَ عَلَيْهِ بِالنّارِ عَنِ ابْنِ السّائِبِ، أوْ مُخالَفَةُ السَّرِيرَةِ لِلْعَلانِيَةِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، أوْ ما لا يُوجِبُ الحَدَّ في الدُّنْيا لَكِنَّ العَذابَ في الآخِرَةِ. أوْ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ أقْوالٌ، ويَظْهَرُ أنَّهُ أعَمُّ مِنَ الفَحْشاءِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المَعاصِي والرَّذائِل والبَغْيِ: التَّطاوُلُ بِالظُّلْمِ والسِّعايَةِ فِيهِ، وهو داخِلٌ في المُنْكَرِ، ونَبَّهَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِاجْتِنابِهِ. وجَمَعَ في المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عَنْهُ بَيْنَ ما يَجِبُ ويُنْدَبُ، وما يَحْرُمُ ويُكْرَهُ، لِاشْتِراكِ ذَلِكَ في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ وهو الطَّلَبُ في الأمْرِ، والتَّرْكُ في النَّهْيِ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أمَرَ بِثَلاثَةٍ، ونَهى عَنْ ثَلاثَةٍ. فالعَدْلُ: التَّوَسُّطُ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ في العَقائِدِ وأعْمالِ الرُّعاةِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو إثْباتُ الإلَهِ الواحِدِ، فَلَيْسَ تَعْطِيلًا مَحْضًا ولا إثْباتَ أكْثَرَ مِن إلَهٍ. وإثْباتُ كَوْنِهِ عالِمًا قادِرًا واجِبَ الصِّفاتِ فَلَيْسَ نَفْيًا لِلصِّفاتِ، ولا إثْباتَ صِفَةٍ حادِثَةٍ مُتَغَيِّرَةٍ. وكَوْنُ فِعْلِ العَبْدِ بِواسِطَةِ قُدْرَتِهِ تَعالى، والدّاعِيَةُ الَّتِي جَعَلَها فِيهِ فَلَيْسَ جَبْرًا مَحْضًا، ولا اسْتِقْلالًا بِالفِعْلِ. وكَوْنُهُ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ النّارِ مَن دَخَلَها مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَلَيْسَ إرْجاءً ولا تَخْلِيدًا بِالمَعْصِيَةِ. وأمّا أعْمالُ الرُّعاةِ: فالتَّكالِيفُ اللّازِمَةُ لَهم، فَلَيْسَ قَوْلًا بِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ، ولا قَوْلًا بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ واجْتِنابِ ما يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهِ مِن: أكْلِ الطَّيِّبِ، والتَّزَوُّجِ، ورَمْيِ نَفْسِهِ مِن شاهِقٍ، والقِصاصِ، أوِ الدِّيَةِ، أوِ العَفْوِ، فَلَيْسَ تَشْدِيدًا في تَعْيِينِ القِصاصِ كَشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا عَفْوًا حَتْمًا كَشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَجَنُّبِ الحائِضِ في اجْتِنابِ وطْئِها فَقَطْ فَلَيْسَ اجْتِنابًا مُطْلَقًا كَشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا حَلَّ وطْئِها حالَةَ الحَيْضِ كَشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاخْتِتانِ، فَلَيْسَ إبْقاءً لِلْقُلْفَةِ ولا قَطْعًا لِلْآلَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المانَوِيَّةُ. وقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ولا تَجْعَلِ الآيَتَيْنِ. ومِنَ المَشْهُورِ قَوْلُهم بِالعَدْلِ: قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ومَعْناهُ: إنَّ مَقادِيرَ العَناصِرِ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَعادِلَةً، وكانَ بَعْضُها أزْيَدَ، لَغَلَبَ الِازْدِيادُ وانْقَلَبَتِ الطَّبائِعُ. فالشَّمْسُ لَوْ قَرُبَتْ مِنَ العالَمِ لَعَظُمَتِ السُّخُونَةُ واحْتَرَقَ ما فِيهِ، ولَوْ زادَ بَعْدَها لاسْتَوى الحَرُّ والبَرْدُ. وكَذا مَقادِيرُ حَرَكاتِ الكَواكِبِ، ومَراتِبُ سُرْعَتِها، وبُطْئِها. والإحْسانُ: الزِّيادَةُ عَلى الواجِبِ مِنَ الطّاعاتِ بِحَسْبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، والدَّواعِي، والصَّوارِفِ، والِاسْتِغْراقِ في شُهُودِ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ. ومِنَ الإحْسانِ الشَّفَقَةُ عَلى الخَلْقِ، وأصْلُها صِلَةُ الرَّحِمِ، والمَنهِيُّ عَنْهُ ثَلاثَةٌ. وذَلِكَ أنَّهُ أوْدَعَ في النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ قُوًى أرْبَعَةً: الشَّهْوانِيَّةَ: وهي تَحْصِيلُ اللَّذّاتِ، والغَضَبِيَّةَ: وهي: إيصالُ الشَّرِّ، ووَهْمِيَّةً: وهي شَيْطانِيَّةٌ تَسْعى في التَّرَفُّعِ والتَّراوُسِ عَلى النّاسِ. فالفَحْشاءُ ما نَشَأ عَنِ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ الخارِجَةِ عَنْ أدَبِ الشَّرِيعَةِ، والمُنْكَرُ ما نَشَأ عَنِ الغَضَبِيَّةِ، والبَغْيُ ما نَشَأ عَنِ الوَهْمِيَّةِ؛ انْتَهى. ما تَخَلَّصَ مِن كَلامِهِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِتِلْكَ الثَّلاثِ، ونَهى عَنْ تِلْكَ الثَّلاثِ قالَ: يَعِظُكم بِهِ، أيْ: بِما ذَكَرَ تَعالى مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، والمَعْنى: يُنَبِّهُكم أحْسَنَ تَنْبِيهٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ، أيْ: تَتَنَبَّهُونَ لِما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، وعَقْدُ اللَّهِ عِلْمٌ لِما عَقَدَهُ الإنْسانُ والتَزَمَهُ مِمّا يُوافِقُ الشَّرِيعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي البَيْعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] . وكَأنَّهُ لَحَظَ ما قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ بايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ عَلى الإسْلامِ، رَواهُ عَنْ بُرَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: فِيما كانَ مِن تَحالُفِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: الوَفاءُ لِمَن عاهَدْتَهُ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، فَإنَّما العَهْدُ لِلَّهِ. وقالَ الأصَمُّ: الجِهادُ وما فُرِضَ في الأمْوالِ مِن حَقٍّ. وقِيلَ: اليَمِينُ بِاللَّهِ، ولا تَنْقُضُوا العُهُودَ المُوَثَّقَةَ بِالأيْمانِ، نَهى عَنْ نَقْضِها تَهَمُّمًا بِها بَعْدَ تَوْكِيدِها، أيْ: (p-٥٣١)تَوْثِيقِها بِاسْمِ اللَّهِ وكَفالَةِ اللَّهِ وشَهادَتِهِ، ومُراقَبَتِهِ، لِأنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُول بِهِ. ولا تَكُونُوا، أيْ: في نَقْضِ العَهْدِ بَعْدَ تَوْكِيدِهِ بِاللَّهِ كالمَرْأةِ الوَرْهاءِ تُبْرِمُ فَتْلَ غَزْلِها ثُمَّ تَنْقُضُهُ نَكْثًا، وهو ما يُحَلُّ فَتْلُهُ. والتَّشْبِيهُ لا يَقْتَضِي تَعْيِينَ المُشَبَّهِ بِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: هي امْرَأةٌ حَمْقاءُ كانَتْ بِمَكَّةَ. وعَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: هي مِن قُرَيْشٍ خَرْقاءُ اسْمُها رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، تُلَقَّبُ بِجَفْراءَ، اتَّخَذَتْ مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ، وصِنّارَةً مِثْلَ أُصْبُعٍ، وفَلْكَةً عَظِيمَةً عَلى قَدْرِها، فَكانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها مِنَ الغَداةِ إلى الظُّهْرِ، ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَيَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ. وعَنْ مُجاهِدٍ: هَذا فِعْلُ نِساءِ أهْلِ نَجْدٍ، تَنْقُضُ إحْداهُنَّ غَزْلَها ثُمَّ تَنْفُشُهُ، وتَخْلِطُهُ بِالصُّوفِ فَتَغْزِلُهُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: رَيْطَةُ بِنْتُ عَمْرٍو المُرِّيَّةُ، ولَقَبُها الجَفْراءُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وكانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ المُخاطَبِينَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: مِن بَعْدِ قُوَّةٍ، أيْ: شِدَّةٍ حَدَثَتْ مِن تَرْكِيبِ قُوى الغَزْلِ. ولَوْ قَدَّرْناها واحِدَةَ القُوى لَمْ تَكُنْ تَنْتَقِضُ أنْكاثًا. والنِّكْثُ في اللُّغَةِ الحَبْلُ إذا انْتَقَضَتْ قُواهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى مِن بَعْدِ إمْرارِ قُوَّةً. والدَّخَلُ: الفَسادُ والدَّغَلُ، جَعَلُوا الإيمانَ ذَرِيعَةً إلى الخِدَعِ والغَدْرِ، وذَلِكَ أنَّ المَحْلُوفَ لَهُ مُطَمْئِنٌّ، فَيُمْكِنُ الحالِفَ ضَرُّهُ بِما يُرِيدُهُ. قالُوا: نَزَلَتْ في العَرَبِ كانُوا إذا حالَفُوا قَبِيلَةً فَجاءَ أكْثَرُ مِنها عَدَدًا حالَفُوهُ وغَدَرُوا بِالَّتِي كانَتْ أقَلَّ. وقِيلَ: أنْ تَكُونُوا أنْتُمْ أزْيَدَ خَبَرًا، فَأُسْنِدَ إلى أُمَّةٍ، والمُرادُ المُخاطَبُونَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الدَّخَلُ والدّاخِلُ في الشَّيْءِ لَمْ تَكُنْ مِنهُ، ودَخَلًا مَفْعُولٌ ثانٍ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وأنْ تَكُونَ، أيْ: بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ، وهي أرْبى مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وأجازَ الكُوفِيُّونَ أنْ تَكُونَ هي عِمادًا، يَعْنُونَ فَضْلًا، فَيَكُونُ ﴿أرْبى﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِتَنْكِيرِ أُمَّةٍ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ تَكُونَ، أيْ: بِسَبَبِ كَوْنِ أُمَّةٍ أرْبى مِن أُمَّةٍ يَخْتَبِرُكم بِذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبْلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وما عَقَّدْتُمْ عَلى أنْفُسِكم ووَكَّدْتُمْ مِن أيْمانِ البَيْعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ وثَرْوَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ وفَقْرِهِمْ وضَعْفِهِمْ؛ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم: إنْذارٌ وتَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ مِلَّةِ الإسْلامِ؛ انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ: يَعُودُ عَلى الكَثْرَةِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرَ حَقِيقِيٍّ حُمِلَ عَلى مَعْنى التَّذْكِيرِ، كَما حُمِلَتِ الصَّيْحَةُ عَلى الصِّياحِ.
النحل 16:91
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣] ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤] ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٩٥] ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦] ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]: النَّقْضُ ضِدُّ الإبْرامِ، وفي الجِرْمِ فَكُّ أجْزائِهِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ. التَّوْكِيدُ: التَّثْبِيتُ، ويُقالُ: تَوْكِيدٌ، وتَأْكِيدٌ، وهُما لُغَتانِ. وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّصْرِيفَ جاءَ في التَّرْكِيبَيْنِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُما أصْلانِ. الغَزْلُ: مَعْرُوفٌ، وفِعْلُهُ غَزَلَ يَغْزِلُ، بِكَسْرِ الزّايِ، غَزْلًا، وأُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَغْزُولِ. نَفِدَ الشَّيْءُ يَنْفَدُ فَنِيَ. الأعْجَمِيُّ: الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ (p-٥٢٩)﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ): عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ مِنهُ: «إنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ كانَ جَلِيسَ النَّبِيِّ ﷺ وقْتًا فَقالَ لَهُ: عُثْمانُ ما رَأيْتُكَ تَفْعَلُ فِعْلَتَكَ الغَداةَ ؟ قالَ: ”وما رَأيْتَنِي فَعَلْتُ ؟“ قالَ: شَخَصَ بَصَرُكَ إلى السَّماءِ ثُمَّ وضَعْتَهُ عَلى يَمِينِك فَتَحَرَّفْتَ عَنِّي إلَيْهِ وتَرَكْتَنِي، فَأخَذْتَ تَنْغُضُ رَأْسَكَ كَأنَّكَ تَسْتَفِقْهُ شَيْئًا يُقالُ لَكَ، قالَ: ”أوَفَطِنْتَ لِذَلِكَ ؟ أتانِي رَسُولُ اللَّهِ آنِفًا وأنْتَ جالِسٌ“ قالَ: فَماذا قالَ لَكَ ؟ قالَ لِي: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ الآيَةَ. قالَ عُثْمانُ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الإيمانُ في قَلْبِي، فَأحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ﷺ» - لَمّا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وصَلَ بِهِ ما يَقْتَضِي التَّكالِيفَ فَرْضًا ونَفْلًا وأخْلاقًا وآدابًا. والعَدْلُ: فِعْلُ كُلِّ مَفْرُوضٍ مِن عَقائِدَ، وشَرائِعَ، وسَيْرٍ مَعَ النّاسِ في أداءِ الأماناتِ، وتَرْكِ الظُّلْمِ والإنْصافُ، وإعْطاءُ الحَقِّ؛ والإحْسانُ: فِعْلُ كُلِّ مَندُوبٍ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العَدْلُ هو الواجِبُ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - عَدَلَ فِيهِ عَلى عِبادِهِ، فَجَعَلَ ما فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ واقِعًا تَحْتَ طاقَتِهِمْ. والإحْسانُ النَّدْبُ، وإنَّما عُلِّقَ أمْرُهُ بِهِمْ جَمِيعًا، لِأنَّ الفَرْضَ لا بُدَّ أنْ يَقَعَ فِيهِ تَفْرِيطٌ فَيَجْبُرُهُ النَّدْبُ؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: تَحْتَ طاقَتِهِمْ، نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإحْسانُ: أداءُ الفَرائِضِ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ العَدْلَ هو الحَقُّ. وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: أنَّهُ اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّهُ القَضاءُ بِالحَقِّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: العَدْلُ في لِسانِ العَرَبِ: الإنْصافُ. وقِيلَ: خَلْعُ الأنْدادِ. وقِيلَ: العَدْلُ في الأفْعالِ والإحْسانُ في الأقْوالِ. وإيتاءُ ذِي القُرْبى: هو صِلَةُ الرَّحِمِ، وهو مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الإحْسانِ، لَكِنَّهُ نُبِّهَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ وحَضًّا عَلى الإحْسانِ إلَيْهِ. والفَحْشاءُ: الزِّنا، أوْ ما شُنْعَتُهُ ظاهِرَةٌ مِنَ المَعاصِي. وفاعِلُها أبَدًا مُسْتَتِرٌ (p-٥٣٠)بِها، أوِ القَبِيحُ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، أوِ البُخْلُ، أوْ مُوجَبُ الحَدِّ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، أوْ مُجاوَزَةُ حُدُودِ اللَّهِ، أقْوالٌ، أوَّلُها لِابْنِ عَبّاسٍ. والمُنْكَرُ: الشِّرْكُ عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ ما وُعِدَ عَلَيْهِ بِالنّارِ عَنِ ابْنِ السّائِبِ، أوْ مُخالَفَةُ السَّرِيرَةِ لِلْعَلانِيَةِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، أوْ ما لا يُوجِبُ الحَدَّ في الدُّنْيا لَكِنَّ العَذابَ في الآخِرَةِ. أوْ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ أقْوالٌ، ويَظْهَرُ أنَّهُ أعَمُّ مِنَ الفَحْشاءِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المَعاصِي والرَّذائِل والبَغْيِ: التَّطاوُلُ بِالظُّلْمِ والسِّعايَةِ فِيهِ، وهو داخِلٌ في المُنْكَرِ، ونَبَّهَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِاجْتِنابِهِ. وجَمَعَ في المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عَنْهُ بَيْنَ ما يَجِبُ ويُنْدَبُ، وما يَحْرُمُ ويُكْرَهُ، لِاشْتِراكِ ذَلِكَ في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ وهو الطَّلَبُ في الأمْرِ، والتَّرْكُ في النَّهْيِ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أمَرَ بِثَلاثَةٍ، ونَهى عَنْ ثَلاثَةٍ. فالعَدْلُ: التَّوَسُّطُ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ في العَقائِدِ وأعْمالِ الرُّعاةِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو إثْباتُ الإلَهِ الواحِدِ، فَلَيْسَ تَعْطِيلًا مَحْضًا ولا إثْباتَ أكْثَرَ مِن إلَهٍ. وإثْباتُ كَوْنِهِ عالِمًا قادِرًا واجِبَ الصِّفاتِ فَلَيْسَ نَفْيًا لِلصِّفاتِ، ولا إثْباتَ صِفَةٍ حادِثَةٍ مُتَغَيِّرَةٍ. وكَوْنُ فِعْلِ العَبْدِ بِواسِطَةِ قُدْرَتِهِ تَعالى، والدّاعِيَةُ الَّتِي جَعَلَها فِيهِ فَلَيْسَ جَبْرًا مَحْضًا، ولا اسْتِقْلالًا بِالفِعْلِ. وكَوْنُهُ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ النّارِ مَن دَخَلَها مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَلَيْسَ إرْجاءً ولا تَخْلِيدًا بِالمَعْصِيَةِ. وأمّا أعْمالُ الرُّعاةِ: فالتَّكالِيفُ اللّازِمَةُ لَهم، فَلَيْسَ قَوْلًا بِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ، ولا قَوْلًا بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ واجْتِنابِ ما يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهِ مِن: أكْلِ الطَّيِّبِ، والتَّزَوُّجِ، ورَمْيِ نَفْسِهِ مِن شاهِقٍ، والقِصاصِ، أوِ الدِّيَةِ، أوِ العَفْوِ، فَلَيْسَ تَشْدِيدًا في تَعْيِينِ القِصاصِ كَشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا عَفْوًا حَتْمًا كَشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَجَنُّبِ الحائِضِ في اجْتِنابِ وطْئِها فَقَطْ فَلَيْسَ اجْتِنابًا مُطْلَقًا كَشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا حَلَّ وطْئِها حالَةَ الحَيْضِ كَشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاخْتِتانِ، فَلَيْسَ إبْقاءً لِلْقُلْفَةِ ولا قَطْعًا لِلْآلَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المانَوِيَّةُ. وقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ولا تَجْعَلِ الآيَتَيْنِ. ومِنَ المَشْهُورِ قَوْلُهم بِالعَدْلِ: قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ومَعْناهُ: إنَّ مَقادِيرَ العَناصِرِ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَعادِلَةً، وكانَ بَعْضُها أزْيَدَ، لَغَلَبَ الِازْدِيادُ وانْقَلَبَتِ الطَّبائِعُ. فالشَّمْسُ لَوْ قَرُبَتْ مِنَ العالَمِ لَعَظُمَتِ السُّخُونَةُ واحْتَرَقَ ما فِيهِ، ولَوْ زادَ بَعْدَها لاسْتَوى الحَرُّ والبَرْدُ. وكَذا مَقادِيرُ حَرَكاتِ الكَواكِبِ، ومَراتِبُ سُرْعَتِها، وبُطْئِها. والإحْسانُ: الزِّيادَةُ عَلى الواجِبِ مِنَ الطّاعاتِ بِحَسْبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، والدَّواعِي، والصَّوارِفِ، والِاسْتِغْراقِ في شُهُودِ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ. ومِنَ الإحْسانِ الشَّفَقَةُ عَلى الخَلْقِ، وأصْلُها صِلَةُ الرَّحِمِ، والمَنهِيُّ عَنْهُ ثَلاثَةٌ. وذَلِكَ أنَّهُ أوْدَعَ في النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ قُوًى أرْبَعَةً: الشَّهْوانِيَّةَ: وهي تَحْصِيلُ اللَّذّاتِ، والغَضَبِيَّةَ: وهي: إيصالُ الشَّرِّ، ووَهْمِيَّةً: وهي شَيْطانِيَّةٌ تَسْعى في التَّرَفُّعِ والتَّراوُسِ عَلى النّاسِ. فالفَحْشاءُ ما نَشَأ عَنِ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ الخارِجَةِ عَنْ أدَبِ الشَّرِيعَةِ، والمُنْكَرُ ما نَشَأ عَنِ الغَضَبِيَّةِ، والبَغْيُ ما نَشَأ عَنِ الوَهْمِيَّةِ؛ انْتَهى. ما تَخَلَّصَ مِن كَلامِهِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِتِلْكَ الثَّلاثِ، ونَهى عَنْ تِلْكَ الثَّلاثِ قالَ: يَعِظُكم بِهِ، أيْ: بِما ذَكَرَ تَعالى مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، والمَعْنى: يُنَبِّهُكم أحْسَنَ تَنْبِيهٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ، أيْ: تَتَنَبَّهُونَ لِما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، وعَقْدُ اللَّهِ عِلْمٌ لِما عَقَدَهُ الإنْسانُ والتَزَمَهُ مِمّا يُوافِقُ الشَّرِيعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي البَيْعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] . وكَأنَّهُ لَحَظَ ما قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ بايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ عَلى الإسْلامِ، رَواهُ عَنْ بُرَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: فِيما كانَ مِن تَحالُفِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: الوَفاءُ لِمَن عاهَدْتَهُ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، فَإنَّما العَهْدُ لِلَّهِ. وقالَ الأصَمُّ: الجِهادُ وما فُرِضَ في الأمْوالِ مِن حَقٍّ. وقِيلَ: اليَمِينُ بِاللَّهِ، ولا تَنْقُضُوا العُهُودَ المُوَثَّقَةَ بِالأيْمانِ، نَهى عَنْ نَقْضِها تَهَمُّمًا بِها بَعْدَ تَوْكِيدِها، أيْ: (p-٥٣١)تَوْثِيقِها بِاسْمِ اللَّهِ وكَفالَةِ اللَّهِ وشَهادَتِهِ، ومُراقَبَتِهِ، لِأنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُول بِهِ. ولا تَكُونُوا، أيْ: في نَقْضِ العَهْدِ بَعْدَ تَوْكِيدِهِ بِاللَّهِ كالمَرْأةِ الوَرْهاءِ تُبْرِمُ فَتْلَ غَزْلِها ثُمَّ تَنْقُضُهُ نَكْثًا، وهو ما يُحَلُّ فَتْلُهُ. والتَّشْبِيهُ لا يَقْتَضِي تَعْيِينَ المُشَبَّهِ بِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: هي امْرَأةٌ حَمْقاءُ كانَتْ بِمَكَّةَ. وعَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: هي مِن قُرَيْشٍ خَرْقاءُ اسْمُها رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، تُلَقَّبُ بِجَفْراءَ، اتَّخَذَتْ مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ، وصِنّارَةً مِثْلَ أُصْبُعٍ، وفَلْكَةً عَظِيمَةً عَلى قَدْرِها، فَكانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها مِنَ الغَداةِ إلى الظُّهْرِ، ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَيَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ. وعَنْ مُجاهِدٍ: هَذا فِعْلُ نِساءِ أهْلِ نَجْدٍ، تَنْقُضُ إحْداهُنَّ غَزْلَها ثُمَّ تَنْفُشُهُ، وتَخْلِطُهُ بِالصُّوفِ فَتَغْزِلُهُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: رَيْطَةُ بِنْتُ عَمْرٍو المُرِّيَّةُ، ولَقَبُها الجَفْراءُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وكانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ المُخاطَبِينَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: مِن بَعْدِ قُوَّةٍ، أيْ: شِدَّةٍ حَدَثَتْ مِن تَرْكِيبِ قُوى الغَزْلِ. ولَوْ قَدَّرْناها واحِدَةَ القُوى لَمْ تَكُنْ تَنْتَقِضُ أنْكاثًا. والنِّكْثُ في اللُّغَةِ الحَبْلُ إذا انْتَقَضَتْ قُواهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى مِن بَعْدِ إمْرارِ قُوَّةً. والدَّخَلُ: الفَسادُ والدَّغَلُ، جَعَلُوا الإيمانَ ذَرِيعَةً إلى الخِدَعِ والغَدْرِ، وذَلِكَ أنَّ المَحْلُوفَ لَهُ مُطَمْئِنٌّ، فَيُمْكِنُ الحالِفَ ضَرُّهُ بِما يُرِيدُهُ. قالُوا: نَزَلَتْ في العَرَبِ كانُوا إذا حالَفُوا قَبِيلَةً فَجاءَ أكْثَرُ مِنها عَدَدًا حالَفُوهُ وغَدَرُوا بِالَّتِي كانَتْ أقَلَّ. وقِيلَ: أنْ تَكُونُوا أنْتُمْ أزْيَدَ خَبَرًا، فَأُسْنِدَ إلى أُمَّةٍ، والمُرادُ المُخاطَبُونَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الدَّخَلُ والدّاخِلُ في الشَّيْءِ لَمْ تَكُنْ مِنهُ، ودَخَلًا مَفْعُولٌ ثانٍ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وأنْ تَكُونَ، أيْ: بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ، وهي أرْبى مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وأجازَ الكُوفِيُّونَ أنْ تَكُونَ هي عِمادًا، يَعْنُونَ فَضْلًا، فَيَكُونُ ﴿أرْبى﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِتَنْكِيرِ أُمَّةٍ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ تَكُونَ، أيْ: بِسَبَبِ كَوْنِ أُمَّةٍ أرْبى مِن أُمَّةٍ يَخْتَبِرُكم بِذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبْلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وما عَقَّدْتُمْ عَلى أنْفُسِكم ووَكَّدْتُمْ مِن أيْمانِ البَيْعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ وثَرْوَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ وفَقْرِهِمْ وضَعْفِهِمْ؛ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم: إنْذارٌ وتَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ مِلَّةِ الإسْلامِ؛ انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ: يَعُودُ عَلى الكَثْرَةِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرَ حَقِيقِيٍّ حُمِلَ عَلى مَعْنى التَّذْكِيرِ، كَما حُمِلَتِ الصَّيْحَةُ عَلى الصِّياحِ.
النحل 16:92
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣] ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤] ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٩٥] ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦] ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]: النَّقْضُ ضِدُّ الإبْرامِ، وفي الجِرْمِ فَكُّ أجْزائِهِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ. التَّوْكِيدُ: التَّثْبِيتُ، ويُقالُ: تَوْكِيدٌ، وتَأْكِيدٌ، وهُما لُغَتانِ. وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّصْرِيفَ جاءَ في التَّرْكِيبَيْنِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُما أصْلانِ. الغَزْلُ: مَعْرُوفٌ، وفِعْلُهُ غَزَلَ يَغْزِلُ، بِكَسْرِ الزّايِ، غَزْلًا، وأُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَغْزُولِ. نَفِدَ الشَّيْءُ يَنْفَدُ فَنِيَ. الأعْجَمِيُّ: الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ (p-٥٢٩)﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ): عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ مِنهُ: «إنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ كانَ جَلِيسَ النَّبِيِّ ﷺ وقْتًا فَقالَ لَهُ: عُثْمانُ ما رَأيْتُكَ تَفْعَلُ فِعْلَتَكَ الغَداةَ ؟ قالَ: ”وما رَأيْتَنِي فَعَلْتُ ؟“ قالَ: شَخَصَ بَصَرُكَ إلى السَّماءِ ثُمَّ وضَعْتَهُ عَلى يَمِينِك فَتَحَرَّفْتَ عَنِّي إلَيْهِ وتَرَكْتَنِي، فَأخَذْتَ تَنْغُضُ رَأْسَكَ كَأنَّكَ تَسْتَفِقْهُ شَيْئًا يُقالُ لَكَ، قالَ: ”أوَفَطِنْتَ لِذَلِكَ ؟ أتانِي رَسُولُ اللَّهِ آنِفًا وأنْتَ جالِسٌ“ قالَ: فَماذا قالَ لَكَ ؟ قالَ لِي: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ الآيَةَ. قالَ عُثْمانُ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الإيمانُ في قَلْبِي، فَأحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ﷺ» - لَمّا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وصَلَ بِهِ ما يَقْتَضِي التَّكالِيفَ فَرْضًا ونَفْلًا وأخْلاقًا وآدابًا. والعَدْلُ: فِعْلُ كُلِّ مَفْرُوضٍ مِن عَقائِدَ، وشَرائِعَ، وسَيْرٍ مَعَ النّاسِ في أداءِ الأماناتِ، وتَرْكِ الظُّلْمِ والإنْصافُ، وإعْطاءُ الحَقِّ؛ والإحْسانُ: فِعْلُ كُلِّ مَندُوبٍ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العَدْلُ هو الواجِبُ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - عَدَلَ فِيهِ عَلى عِبادِهِ، فَجَعَلَ ما فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ واقِعًا تَحْتَ طاقَتِهِمْ. والإحْسانُ النَّدْبُ، وإنَّما عُلِّقَ أمْرُهُ بِهِمْ جَمِيعًا، لِأنَّ الفَرْضَ لا بُدَّ أنْ يَقَعَ فِيهِ تَفْرِيطٌ فَيَجْبُرُهُ النَّدْبُ؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: تَحْتَ طاقَتِهِمْ، نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإحْسانُ: أداءُ الفَرائِضِ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ العَدْلَ هو الحَقُّ. وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: أنَّهُ اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّهُ القَضاءُ بِالحَقِّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: العَدْلُ في لِسانِ العَرَبِ: الإنْصافُ. وقِيلَ: خَلْعُ الأنْدادِ. وقِيلَ: العَدْلُ في الأفْعالِ والإحْسانُ في الأقْوالِ. وإيتاءُ ذِي القُرْبى: هو صِلَةُ الرَّحِمِ، وهو مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الإحْسانِ، لَكِنَّهُ نُبِّهَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ وحَضًّا عَلى الإحْسانِ إلَيْهِ. والفَحْشاءُ: الزِّنا، أوْ ما شُنْعَتُهُ ظاهِرَةٌ مِنَ المَعاصِي. وفاعِلُها أبَدًا مُسْتَتِرٌ (p-٥٣٠)بِها، أوِ القَبِيحُ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، أوِ البُخْلُ، أوْ مُوجَبُ الحَدِّ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، أوْ مُجاوَزَةُ حُدُودِ اللَّهِ، أقْوالٌ، أوَّلُها لِابْنِ عَبّاسٍ. والمُنْكَرُ: الشِّرْكُ عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ ما وُعِدَ عَلَيْهِ بِالنّارِ عَنِ ابْنِ السّائِبِ، أوْ مُخالَفَةُ السَّرِيرَةِ لِلْعَلانِيَةِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، أوْ ما لا يُوجِبُ الحَدَّ في الدُّنْيا لَكِنَّ العَذابَ في الآخِرَةِ. أوْ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ أقْوالٌ، ويَظْهَرُ أنَّهُ أعَمُّ مِنَ الفَحْشاءِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المَعاصِي والرَّذائِل والبَغْيِ: التَّطاوُلُ بِالظُّلْمِ والسِّعايَةِ فِيهِ، وهو داخِلٌ في المُنْكَرِ، ونَبَّهَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِاجْتِنابِهِ. وجَمَعَ في المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عَنْهُ بَيْنَ ما يَجِبُ ويُنْدَبُ، وما يَحْرُمُ ويُكْرَهُ، لِاشْتِراكِ ذَلِكَ في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ وهو الطَّلَبُ في الأمْرِ، والتَّرْكُ في النَّهْيِ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أمَرَ بِثَلاثَةٍ، ونَهى عَنْ ثَلاثَةٍ. فالعَدْلُ: التَّوَسُّطُ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ في العَقائِدِ وأعْمالِ الرُّعاةِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو إثْباتُ الإلَهِ الواحِدِ، فَلَيْسَ تَعْطِيلًا مَحْضًا ولا إثْباتَ أكْثَرَ مِن إلَهٍ. وإثْباتُ كَوْنِهِ عالِمًا قادِرًا واجِبَ الصِّفاتِ فَلَيْسَ نَفْيًا لِلصِّفاتِ، ولا إثْباتَ صِفَةٍ حادِثَةٍ مُتَغَيِّرَةٍ. وكَوْنُ فِعْلِ العَبْدِ بِواسِطَةِ قُدْرَتِهِ تَعالى، والدّاعِيَةُ الَّتِي جَعَلَها فِيهِ فَلَيْسَ جَبْرًا مَحْضًا، ولا اسْتِقْلالًا بِالفِعْلِ. وكَوْنُهُ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ النّارِ مَن دَخَلَها مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَلَيْسَ إرْجاءً ولا تَخْلِيدًا بِالمَعْصِيَةِ. وأمّا أعْمالُ الرُّعاةِ: فالتَّكالِيفُ اللّازِمَةُ لَهم، فَلَيْسَ قَوْلًا بِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ، ولا قَوْلًا بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ واجْتِنابِ ما يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهِ مِن: أكْلِ الطَّيِّبِ، والتَّزَوُّجِ، ورَمْيِ نَفْسِهِ مِن شاهِقٍ، والقِصاصِ، أوِ الدِّيَةِ، أوِ العَفْوِ، فَلَيْسَ تَشْدِيدًا في تَعْيِينِ القِصاصِ كَشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا عَفْوًا حَتْمًا كَشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَجَنُّبِ الحائِضِ في اجْتِنابِ وطْئِها فَقَطْ فَلَيْسَ اجْتِنابًا مُطْلَقًا كَشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا حَلَّ وطْئِها حالَةَ الحَيْضِ كَشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاخْتِتانِ، فَلَيْسَ إبْقاءً لِلْقُلْفَةِ ولا قَطْعًا لِلْآلَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المانَوِيَّةُ. وقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ولا تَجْعَلِ الآيَتَيْنِ. ومِنَ المَشْهُورِ قَوْلُهم بِالعَدْلِ: قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ومَعْناهُ: إنَّ مَقادِيرَ العَناصِرِ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَعادِلَةً، وكانَ بَعْضُها أزْيَدَ، لَغَلَبَ الِازْدِيادُ وانْقَلَبَتِ الطَّبائِعُ. فالشَّمْسُ لَوْ قَرُبَتْ مِنَ العالَمِ لَعَظُمَتِ السُّخُونَةُ واحْتَرَقَ ما فِيهِ، ولَوْ زادَ بَعْدَها لاسْتَوى الحَرُّ والبَرْدُ. وكَذا مَقادِيرُ حَرَكاتِ الكَواكِبِ، ومَراتِبُ سُرْعَتِها، وبُطْئِها. والإحْسانُ: الزِّيادَةُ عَلى الواجِبِ مِنَ الطّاعاتِ بِحَسْبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، والدَّواعِي، والصَّوارِفِ، والِاسْتِغْراقِ في شُهُودِ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ. ومِنَ الإحْسانِ الشَّفَقَةُ عَلى الخَلْقِ، وأصْلُها صِلَةُ الرَّحِمِ، والمَنهِيُّ عَنْهُ ثَلاثَةٌ. وذَلِكَ أنَّهُ أوْدَعَ في النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ قُوًى أرْبَعَةً: الشَّهْوانِيَّةَ: وهي تَحْصِيلُ اللَّذّاتِ، والغَضَبِيَّةَ: وهي: إيصالُ الشَّرِّ، ووَهْمِيَّةً: وهي شَيْطانِيَّةٌ تَسْعى في التَّرَفُّعِ والتَّراوُسِ عَلى النّاسِ. فالفَحْشاءُ ما نَشَأ عَنِ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ الخارِجَةِ عَنْ أدَبِ الشَّرِيعَةِ، والمُنْكَرُ ما نَشَأ عَنِ الغَضَبِيَّةِ، والبَغْيُ ما نَشَأ عَنِ الوَهْمِيَّةِ؛ انْتَهى. ما تَخَلَّصَ مِن كَلامِهِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِتِلْكَ الثَّلاثِ، ونَهى عَنْ تِلْكَ الثَّلاثِ قالَ: يَعِظُكم بِهِ، أيْ: بِما ذَكَرَ تَعالى مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، والمَعْنى: يُنَبِّهُكم أحْسَنَ تَنْبِيهٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ، أيْ: تَتَنَبَّهُونَ لِما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، وعَقْدُ اللَّهِ عِلْمٌ لِما عَقَدَهُ الإنْسانُ والتَزَمَهُ مِمّا يُوافِقُ الشَّرِيعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي البَيْعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] . وكَأنَّهُ لَحَظَ ما قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ بايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ عَلى الإسْلامِ، رَواهُ عَنْ بُرَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: فِيما كانَ مِن تَحالُفِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: الوَفاءُ لِمَن عاهَدْتَهُ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، فَإنَّما العَهْدُ لِلَّهِ. وقالَ الأصَمُّ: الجِهادُ وما فُرِضَ في الأمْوالِ مِن حَقٍّ. وقِيلَ: اليَمِينُ بِاللَّهِ، ولا تَنْقُضُوا العُهُودَ المُوَثَّقَةَ بِالأيْمانِ، نَهى عَنْ نَقْضِها تَهَمُّمًا بِها بَعْدَ تَوْكِيدِها، أيْ: (p-٥٣١)تَوْثِيقِها بِاسْمِ اللَّهِ وكَفالَةِ اللَّهِ وشَهادَتِهِ، ومُراقَبَتِهِ، لِأنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُول بِهِ. ولا تَكُونُوا، أيْ: في نَقْضِ العَهْدِ بَعْدَ تَوْكِيدِهِ بِاللَّهِ كالمَرْأةِ الوَرْهاءِ تُبْرِمُ فَتْلَ غَزْلِها ثُمَّ تَنْقُضُهُ نَكْثًا، وهو ما يُحَلُّ فَتْلُهُ. والتَّشْبِيهُ لا يَقْتَضِي تَعْيِينَ المُشَبَّهِ بِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: هي امْرَأةٌ حَمْقاءُ كانَتْ بِمَكَّةَ. وعَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: هي مِن قُرَيْشٍ خَرْقاءُ اسْمُها رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، تُلَقَّبُ بِجَفْراءَ، اتَّخَذَتْ مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ، وصِنّارَةً مِثْلَ أُصْبُعٍ، وفَلْكَةً عَظِيمَةً عَلى قَدْرِها، فَكانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها مِنَ الغَداةِ إلى الظُّهْرِ، ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَيَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ. وعَنْ مُجاهِدٍ: هَذا فِعْلُ نِساءِ أهْلِ نَجْدٍ، تَنْقُضُ إحْداهُنَّ غَزْلَها ثُمَّ تَنْفُشُهُ، وتَخْلِطُهُ بِالصُّوفِ فَتَغْزِلُهُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: رَيْطَةُ بِنْتُ عَمْرٍو المُرِّيَّةُ، ولَقَبُها الجَفْراءُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وكانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ المُخاطَبِينَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: مِن بَعْدِ قُوَّةٍ، أيْ: شِدَّةٍ حَدَثَتْ مِن تَرْكِيبِ قُوى الغَزْلِ. ولَوْ قَدَّرْناها واحِدَةَ القُوى لَمْ تَكُنْ تَنْتَقِضُ أنْكاثًا. والنِّكْثُ في اللُّغَةِ الحَبْلُ إذا انْتَقَضَتْ قُواهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى مِن بَعْدِ إمْرارِ قُوَّةً. والدَّخَلُ: الفَسادُ والدَّغَلُ، جَعَلُوا الإيمانَ ذَرِيعَةً إلى الخِدَعِ والغَدْرِ، وذَلِكَ أنَّ المَحْلُوفَ لَهُ مُطَمْئِنٌّ، فَيُمْكِنُ الحالِفَ ضَرُّهُ بِما يُرِيدُهُ. قالُوا: نَزَلَتْ في العَرَبِ كانُوا إذا حالَفُوا قَبِيلَةً فَجاءَ أكْثَرُ مِنها عَدَدًا حالَفُوهُ وغَدَرُوا بِالَّتِي كانَتْ أقَلَّ. وقِيلَ: أنْ تَكُونُوا أنْتُمْ أزْيَدَ خَبَرًا، فَأُسْنِدَ إلى أُمَّةٍ، والمُرادُ المُخاطَبُونَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الدَّخَلُ والدّاخِلُ في الشَّيْءِ لَمْ تَكُنْ مِنهُ، ودَخَلًا مَفْعُولٌ ثانٍ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وأنْ تَكُونَ، أيْ: بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ، وهي أرْبى مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وأجازَ الكُوفِيُّونَ أنْ تَكُونَ هي عِمادًا، يَعْنُونَ فَضْلًا، فَيَكُونُ ﴿أرْبى﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِتَنْكِيرِ أُمَّةٍ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ تَكُونَ، أيْ: بِسَبَبِ كَوْنِ أُمَّةٍ أرْبى مِن أُمَّةٍ يَخْتَبِرُكم بِذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبْلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وما عَقَّدْتُمْ عَلى أنْفُسِكم ووَكَّدْتُمْ مِن أيْمانِ البَيْعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ وثَرْوَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ وفَقْرِهِمْ وضَعْفِهِمْ؛ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم: إنْذارٌ وتَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ مِلَّةِ الإسْلامِ؛ انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ: يَعُودُ عَلى الكَثْرَةِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرَ حَقِيقِيٍّ حُمِلَ عَلى مَعْنى التَّذْكِيرِ، كَما حُمِلَتِ الصَّيْحَةُ عَلى الصِّياحِ.
النحل 16:93
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: هَذِهِ المَشِيئَةُ مَشِيئَةُ اخْتِيارٍ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، ابْتَلى النّاسَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ لِيَذْهَبَ كُلٌّ (p-٥٣٢)إلى ما يُسِّرَ لَهُ، وذَلِكَ لِحَقِّ المَلِكِ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. ولَوْ شاءَ لَكانُوا كُلُّهم عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ، إمّا هُدًى، وإمّا ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهُ فَرَّقَ، فَناسٌ لِلسَّعادَةِ، وناسٌ لِلشَّقاوَةِ. فَخَلَقَ الهُدى والضَّلالَ، وتَوَعَّدَ بِالسُّؤالِ عَنِ العَمَلِ، وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ لا سُؤالُ تَفَهُّمٍ، وسُؤالُ التَّفَهُّمِ هو المَنفِيُّ في آياتٍ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ مَشِيئَةُ قَهْرٍ. قالَ العَسْكَرِيُّ: المُرادُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْمَعَكم عَلى الإسْلامِ قَهْرًا، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وخَلَقَكم لِيُعَذِّبَ مَن يَشاءُ عَلى مَعْصِيَتِهِ، ويُثِيبَ مَن يَشاءُ عَلى طاعَتِهِ، ولا يَشاءُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا أنْ يَسْتَحِقَّهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ لَوْ شاءَ خَلَقَكم في الجَنَّةِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِيُثِيبَ المُطِيعِينَ مِنكم، ويُعَذِّبَ العُصاةَ.
ثُمَّ قالَ: ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ يَعْنِي: سُؤالَ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإضْلالَ في الآيَةِ: العِقابُ، ولَوْ كانَ الإضْلالُ عَنِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِسُؤالِهِ إيّاهم مَعْنًى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمَّةٌ واحِدَةٌ حَنِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ عَلى طَرِيقِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ، وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ أنْ يُضِلَّ مَن يَشاءُ، وهو أنْ يَخْذُلَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ ويُصَمِّمَ عَلَيْهِ، ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أنْ يَلْطُفَ بِمَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَخْتارُ الإيمانَ، يَعْنِي: أنَّهُ بَنى الأمْرَ عَلى الِاخْتِيارِ، وعَلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ اللُّطْفَ والخِذْلانَ والثَّوابَ والعِقابَ، ولَمْ يُنَبَّهْ عَلى الإجْبارِ الَّذِي لا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وحَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ولَوْ كانَ هَذا المُضْطَرَّ إلى الضَّلالِ والِاهْتِداءِ، لَما أثْبَتَ لَهم عَمَلًا يُسْألُونَ عَنْهُ؛ انْتَهى. قالُوا: كَرَّرَ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا تَهَمُّمًا بِذَلِكَ، ومُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْهُ لِعِظَمِ مَوْقِعِهِ في الدِّينِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَرَدُّدِهِ في مُعامَلاتِ النّاسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ، وإظْهارًا لْعِظَمِ ما يَرْتَكِبُ مِنهُ؛ انْتَهى. وقِيلَ: إنَّما كَرَّرَ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ: لِأنَّ الأوَّلَ: نَهى فِيهِ عَنِ الدُّخُولِ في الحَلِفِ ونَقْضِ العَهْدِ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ، وهُنا نُهِيَ عَنِ الدَّخَلِ في الأيْمانِ الَّتِي يُرادُ بِها اقْتِطاعُ حُقُوقٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: دَخَلًا بَيْنَكم لِتَتَوَصَّلُوا بِها إلى قَطْعِ أمْوالِ المُسْلِمِينَ، وأقُولُ: لَمْ يَتَكَرَّرِ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا، وإنَّما سَبَقَ إخْبارٌ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أيْمانَهم دَخَلًا مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ خاصٍّ، وهو: أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ. وجاءَ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ: ولا تَتَّخِذُوا، اسْتِئْنافُ إنْشاءٍ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا عَلى العُمُومِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ مِنَ الحِلْفِ في المُبايَعَةِ، وقَطْعِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وانْتَصَبَ ﴿فَتَزِلَّ﴾ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وهو اسْتِعارَةٌ لِمَن كانَ مُسْتَقِيمًا ووَقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ وسَقَطَ، لِأنَّ القَدَمَ إذا زَلَّتْ تَقَلَّبَ الإنْسانُ مِن حالِ خَيْرٍ إلى حالِ شَرٍّ. وقالَ كُثَيِّرٌ: فَلَمّا تَوافَيْنا ثَبَتُّ وزَلَّتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَزِلَّ أقْدامُكم عَنْ مَحَجَّةِ الإسْلامِ بَعْدَ ثُبُوتِها عَلَيْها (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ وحَّدْتَ القَدَمَ ونَكَّرْتَ ؟ (قُلْتُ): لِاسْتِعْظامِ أنْ تَزِلَّ قَدَمٌ واحِدَةٌ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ ؟ انْتَهى. ونَقُولُ: الجَمْعُ تارَةً يُلْحَظُ فِيهِ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، وتارَةً يُلْحَظُ فِيهِ اعْتِبارُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَإذا لُوحِظَ فِيهِ المَجْمُوعُ كانَ الإسْنادُ مُعْتَبَرًا (p-٥٣٣)فِيهِ الجَمْعِيَّةُ، وإذا لُوحِظَ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ كانَ الإسْنادُ مُطابِقًا لِلَفْظِ الجَمْعِ كَثِيرًا، فَيَجْمَعُ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، ومُطابِقًا لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَيُفْرَدُ كَقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] أفْرَدَ مُتَّكَئًا لِما كانَ لُوحِظَ في قَوْلِهِ (لَهُنَّ) مَعْنًى لِكُلِّ واحِدَةٍ، ولَوْ جاءَ مُرادًا بِهِ الجَمْعِيَّةُ أوْ عَلى الكَثِيرِ في الوَجْهِ الثّانِي لِجَمْعِ المُتَّكَأِ، وعَلى هَذا المَعْنى يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنِّي وجَدْتُ الضّامِرَيْنِ مَتاعُهم يَمُوتُ ويَفْنى فارْضَخِي مِن وعائِيا
أيْ: رَأيْتُ كُلَّ ضامِرٍ. ولِذَلِكَ أفْرَدَ الضَّمِيرَ في يَمُوتُ ويَفْنى. ولَمّا كانَ المَعْنى هُنا: لا يَتَّخِذُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم، جاءَ ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ مُراعاةً لِهَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَذُوقُوا﴾، مُراعاةً لِلْمَجْمُوعِ، أوْ لِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى الوَجْهِ الكَثِيرِ. إذا قُلْنا: إنَّ الإسْنادَ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ وبِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإفْرادِ قَدَمٍ وبِجَمْعِ الضَّمِيرِ في: ﴿وتَذُوقُوا﴾ . و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ في ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾، أيْ: بِصُدُودِكم أوْ بِصَدِّكم غَيْرَكم، لِأنَّهم لَوْ نَقَضُوا الأيْمانَ وارْتَدُّوا لاتُّخِذَ نَقْضُها سُنَّةً لِغَيْرِهِمْ فَيُسَبُّونَ بِها، وذَوْقُ السُّوءِ في الدُّنْيا.
﴿ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، أيْ: في الآخِرَةِ. والسُّوءُ: ما يَسُوءُهم مِن قَتْلٍ، ونَهْبٍ، وأسْرٍ، وجَلاءٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَسُوءُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعَلى هَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ قالَ: لِأنَّهم قَدْ نَقَضُوا أيْمانَ البَيْعَةِ. ولا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِخُصُوصِهِ، بَلْ نَقْضُ الأيْمانِ في البَيْعَةِ مُنْدَرِجٌ في العُمُومِ.
﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: هَذا نَهْيٌ عَنْ نَقْضِ ما بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والعَبْدِ لِأخْذِ حُطامٍ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ قَوْمٌ مِمَّنْ أسْلَمَ بِمَكَّةَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ لِجَزَعِهِمْ مِمّا رَأوْا مِن غَلَبَةِ قُرَيْشٍ واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ وإيذائِهِمْ لَهم، ولَمّا كانُوا يَعِدُونَهم إنْ رَجَعُوا مِنَ المَواعِيدِ أنْ يَنْقُضُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَثَبَّتَهُمُ اللَّهُ. ولا تَشْتَرُوا: ولا تَسْتَبْدِلُوا بِعَهْدِ اللَّهِ وبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا يَسِيرًا، وهو ما كانَتْ قُرَيْشُ يَعِدُونَهم ويُمَنُّونَهم إنْ رَجَعُوا أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ مِن إظْهارِكم وتَغْنِيمِكم ومِن ثَوابِ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ آيَةُ نَهْيٍ عَنِ الرِّشا وأخْذِ الأمْوالِ عَلى تَرْكِ ما يَجِبُ عَلى الآخِذِ فِعْلُهُ، أوْ فِعْلُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ، فَإنَّ هَذِهِ هي الَّتِي عَهِدَ اللَّهُ إلى عِبادِهِ فِيها، وبَيَّنَ تَعالى الفَرْقَ بَيْنَ حالِ الدُّنْيا وحالِ الآخِرَةِ، بِأنَّ هَذِهِ تَنْفَدُ وتَنْقَضِي عَنِ الإنْسانِ، ويَنْقَضِي عَنْها، والَّتِي في الآخِرَةِ باقِيَةٌ دائِمَةٌ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾، عَلى أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ، وفي ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ إذْ زَعَمَ أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ مُنْقَطِعٌ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: ولَنَجْزِيَّنَ، بِالنُّونِ، وباقِي السَّبْعَةِ، بِالياءِ. وصَبَرُوا: أيْ: جاهَدُوا أنْفُسَهم عَلى مِيثاقِ الإسْلامِ وأذى الكُفّارِ، وتَرْكِ المَعاصِي، وكَسْبِ المالِ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يَحِلُّ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. قِيلَ: مِنَ التَّنَفُّلِ بِالطّاعاتِ، وكانَتْ أحْسَنَ لِأنَّها لَمْ يُحَتَّمْ فِعْلُها، فَكانَ الإنْسانُ يَأْتِي بِالتَّنَفُّلاتِ مُخْتارًا غَيْرَ مَلْزُومٍ بِها. وقِيلَ: ذَكَرَ الأحْسَنَ تَرْغِيبًا في عَمَلِهِ، وإنْ كانَتِ المُجازاةُ عَلى الحَسَنِ والأحْسَنِ. وقِيلَ: الأحْسَنُ هُنا بِمَعْنى الحَسَنِ، فَلَيْسَ أفْعَلُ الَّتِي لِلتَّفْضِيلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالأحْسَنِ هُنا الصَّبْرُ، أيْ: ولَيَجْزِيَّنَ الَّذِينَ صَبَرُوا بِصَبْرِهِمْ، أيْ: بِجَزاءِ صَبْرِهِمْ، وجَعَلَ الصَّبْرَ أحْسَنَ الأعْمالِ لِاحْتِياجِ جَمِيعِ التَّكالِيفِ إلَيْهِ، فالصَّبْرُ هو رَأْسُها، فَكانَ الأحْسَنُ لِذَلِكَ. و(مَن) صالِحَةٌ لِلْمُفْرَدِ والمُذَكَّرِ وفُرُوعِهِما. لَكِنْ يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ، فَبَيَّنَ بِالنَّوْعَيْنِ لِيَعُمَّ الوَعْدُ كِلَيْهِما. وهو مُؤْمِنٌ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والإيمانُ شَرْطٌ في العَمَلِ الصّالِحِ مُخَصَّصٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أوْ يُرادُ بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ، كَما جاءَ في مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ (p-٥٣٤)أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾: يَعْنِي في الآخِرَةِ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقالَ شَرِيكٌ: في القَبْرِ. وقالَ عَلِيٌّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ عَنْهُما هي: القَناعَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ: الرِّزْقُ الحَلالُ، وعَنْهُ أيْضًا: السَّعادَةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الطّاعَةُ. وقالَ قَتادَةُ: الرِّزْقُ في يَوْمٍ بِيَوْمٍ، وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: الرِّزْقُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: حَلاوَةُ الطّاعَةِ، وقِيلَ: العافِيَةُ والكِفايَةُ، وقِيلَ: الرِّضا بِالقَضاءِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُؤْمِنُ مَعَ العَمَلِ الصّالِحِ إنْ كانَ مُوسِرًا فَلا مَقالَ فِيهِ، وإنْ كانَ مُعْسِرًا فَمَعَهُ ما يَطِيبُ عَيْشُهُ، وهو القَناعَةُ والرِّضا بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعالى. والفاجِرُ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَلا إشْكالَ في أمْرِهِ، وإنْ كانَ مُوسِرًا فالحِرْصُ لا يَدَعُهُ أنْ يَتَهَنَّأ بِعَيْشِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَيَّبَ الحَياةَ لِلصّالِحِينَ بِانْبِساطِ نُفُوسِهِمْ ونَيْلِها وقُوَّةِ رَجائِهِمْ، والرَّجاءُ لِلنَّفْسِ أمْرٌ مُلِذٌّ، وبِأنَّهُمُ احْتَقَرُوا الدُّنْيا فَزالَتْ هُمُومُها عَنْهم، فَإنِ انْضافَ إلى هَذا مالٌ حَلالٌ وصِحَّةٌ وقَناعَةٌ فَذاكَ كَمالٌ، وإلّا فالطَّيِّبُ فِيما ذَكَرْنا راتِبٌ. وعادَ الضَّمِيرُ في ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) مْفُرَدًا، وفي (ولَنَجْزِيَنَّهم) عَلى مَعْناها مِنَ الجَمْعِ، فَجَمَعَ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ: ولَيَجْزِينَّهم؛ بِالياءِ بَدَلَ النُّونِ، التَفَتَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ قَسَمٍ ثانٍ لا مَعْطُوفًا عَلى ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ، وكِلْتاهُما مَحْذُوفَتانِ. ولا يَكُونُ مِن عَطْفِ جَوابٍ عَلى جَوابٍ، لِتَغايُرِ الإسْنادِ، وإفْضاءِ الثّانِي إلى إخْبارِ المُتَكَلِّمِ عَنْ نَفْسِهِ بِإخْبارِ الغائِبِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ: زَيْدٌ قُلْتُ واللَّهِ لَأضْرِبَنَّ هِنْدًا ولِيَنْفِيَنَّها، يُرِيدُ ولَيَنْفِيها زَيْدٌ. فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى إضْمارِ قَسَمٍ ثانٍ جازَ، أيْ: وقالَ زَيْدٌ لَيَنْفِيَنَّها، لِأنَّ لَكَ في هَذا التَّرْكِيبِ أنْ تَحْكِيَ لَفْظَهُ، وأنْ تَحْكِيَ عَلى المَعْنى. فَمِنَ الأوَّلِ: (ولَيَحْلِفُنَّ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى) ومِنَ الثّانِي: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] ولَوْ جاءَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ ما قُلْنا.
النحل 16:94
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: هَذِهِ المَشِيئَةُ مَشِيئَةُ اخْتِيارٍ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، ابْتَلى النّاسَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ لِيَذْهَبَ كُلٌّ (p-٥٣٢)إلى ما يُسِّرَ لَهُ، وذَلِكَ لِحَقِّ المَلِكِ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. ولَوْ شاءَ لَكانُوا كُلُّهم عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ، إمّا هُدًى، وإمّا ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهُ فَرَّقَ، فَناسٌ لِلسَّعادَةِ، وناسٌ لِلشَّقاوَةِ. فَخَلَقَ الهُدى والضَّلالَ، وتَوَعَّدَ بِالسُّؤالِ عَنِ العَمَلِ، وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ لا سُؤالُ تَفَهُّمٍ، وسُؤالُ التَّفَهُّمِ هو المَنفِيُّ في آياتٍ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ مَشِيئَةُ قَهْرٍ. قالَ العَسْكَرِيُّ: المُرادُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْمَعَكم عَلى الإسْلامِ قَهْرًا، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وخَلَقَكم لِيُعَذِّبَ مَن يَشاءُ عَلى مَعْصِيَتِهِ، ويُثِيبَ مَن يَشاءُ عَلى طاعَتِهِ، ولا يَشاءُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا أنْ يَسْتَحِقَّهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ لَوْ شاءَ خَلَقَكم في الجَنَّةِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِيُثِيبَ المُطِيعِينَ مِنكم، ويُعَذِّبَ العُصاةَ.
ثُمَّ قالَ: ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ يَعْنِي: سُؤالَ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإضْلالَ في الآيَةِ: العِقابُ، ولَوْ كانَ الإضْلالُ عَنِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِسُؤالِهِ إيّاهم مَعْنًى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمَّةٌ واحِدَةٌ حَنِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ عَلى طَرِيقِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ، وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ أنْ يُضِلَّ مَن يَشاءُ، وهو أنْ يَخْذُلَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ ويُصَمِّمَ عَلَيْهِ، ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أنْ يَلْطُفَ بِمَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَخْتارُ الإيمانَ، يَعْنِي: أنَّهُ بَنى الأمْرَ عَلى الِاخْتِيارِ، وعَلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ اللُّطْفَ والخِذْلانَ والثَّوابَ والعِقابَ، ولَمْ يُنَبَّهْ عَلى الإجْبارِ الَّذِي لا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وحَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ولَوْ كانَ هَذا المُضْطَرَّ إلى الضَّلالِ والِاهْتِداءِ، لَما أثْبَتَ لَهم عَمَلًا يُسْألُونَ عَنْهُ؛ انْتَهى. قالُوا: كَرَّرَ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا تَهَمُّمًا بِذَلِكَ، ومُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْهُ لِعِظَمِ مَوْقِعِهِ في الدِّينِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَرَدُّدِهِ في مُعامَلاتِ النّاسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ، وإظْهارًا لْعِظَمِ ما يَرْتَكِبُ مِنهُ؛ انْتَهى. وقِيلَ: إنَّما كَرَّرَ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ: لِأنَّ الأوَّلَ: نَهى فِيهِ عَنِ الدُّخُولِ في الحَلِفِ ونَقْضِ العَهْدِ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ، وهُنا نُهِيَ عَنِ الدَّخَلِ في الأيْمانِ الَّتِي يُرادُ بِها اقْتِطاعُ حُقُوقٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: دَخَلًا بَيْنَكم لِتَتَوَصَّلُوا بِها إلى قَطْعِ أمْوالِ المُسْلِمِينَ، وأقُولُ: لَمْ يَتَكَرَّرِ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا، وإنَّما سَبَقَ إخْبارٌ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أيْمانَهم دَخَلًا مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ خاصٍّ، وهو: أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ. وجاءَ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ: ولا تَتَّخِذُوا، اسْتِئْنافُ إنْشاءٍ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا عَلى العُمُومِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ مِنَ الحِلْفِ في المُبايَعَةِ، وقَطْعِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وانْتَصَبَ ﴿فَتَزِلَّ﴾ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وهو اسْتِعارَةٌ لِمَن كانَ مُسْتَقِيمًا ووَقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ وسَقَطَ، لِأنَّ القَدَمَ إذا زَلَّتْ تَقَلَّبَ الإنْسانُ مِن حالِ خَيْرٍ إلى حالِ شَرٍّ. وقالَ كُثَيِّرٌ: فَلَمّا تَوافَيْنا ثَبَتُّ وزَلَّتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَزِلَّ أقْدامُكم عَنْ مَحَجَّةِ الإسْلامِ بَعْدَ ثُبُوتِها عَلَيْها (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ وحَّدْتَ القَدَمَ ونَكَّرْتَ ؟ (قُلْتُ): لِاسْتِعْظامِ أنْ تَزِلَّ قَدَمٌ واحِدَةٌ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ ؟ انْتَهى. ونَقُولُ: الجَمْعُ تارَةً يُلْحَظُ فِيهِ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، وتارَةً يُلْحَظُ فِيهِ اعْتِبارُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَإذا لُوحِظَ فِيهِ المَجْمُوعُ كانَ الإسْنادُ مُعْتَبَرًا (p-٥٣٣)فِيهِ الجَمْعِيَّةُ، وإذا لُوحِظَ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ كانَ الإسْنادُ مُطابِقًا لِلَفْظِ الجَمْعِ كَثِيرًا، فَيَجْمَعُ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، ومُطابِقًا لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَيُفْرَدُ كَقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] أفْرَدَ مُتَّكَئًا لِما كانَ لُوحِظَ في قَوْلِهِ (لَهُنَّ) مَعْنًى لِكُلِّ واحِدَةٍ، ولَوْ جاءَ مُرادًا بِهِ الجَمْعِيَّةُ أوْ عَلى الكَثِيرِ في الوَجْهِ الثّانِي لِجَمْعِ المُتَّكَأِ، وعَلى هَذا المَعْنى يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنِّي وجَدْتُ الضّامِرَيْنِ مَتاعُهم يَمُوتُ ويَفْنى فارْضَخِي مِن وعائِيا
أيْ: رَأيْتُ كُلَّ ضامِرٍ. ولِذَلِكَ أفْرَدَ الضَّمِيرَ في يَمُوتُ ويَفْنى. ولَمّا كانَ المَعْنى هُنا: لا يَتَّخِذُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم، جاءَ ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ مُراعاةً لِهَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَذُوقُوا﴾، مُراعاةً لِلْمَجْمُوعِ، أوْ لِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى الوَجْهِ الكَثِيرِ. إذا قُلْنا: إنَّ الإسْنادَ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ وبِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإفْرادِ قَدَمٍ وبِجَمْعِ الضَّمِيرِ في: ﴿وتَذُوقُوا﴾ . و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ في ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾، أيْ: بِصُدُودِكم أوْ بِصَدِّكم غَيْرَكم، لِأنَّهم لَوْ نَقَضُوا الأيْمانَ وارْتَدُّوا لاتُّخِذَ نَقْضُها سُنَّةً لِغَيْرِهِمْ فَيُسَبُّونَ بِها، وذَوْقُ السُّوءِ في الدُّنْيا.
﴿ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، أيْ: في الآخِرَةِ. والسُّوءُ: ما يَسُوءُهم مِن قَتْلٍ، ونَهْبٍ، وأسْرٍ، وجَلاءٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَسُوءُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعَلى هَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ قالَ: لِأنَّهم قَدْ نَقَضُوا أيْمانَ البَيْعَةِ. ولا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِخُصُوصِهِ، بَلْ نَقْضُ الأيْمانِ في البَيْعَةِ مُنْدَرِجٌ في العُمُومِ.
﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: هَذا نَهْيٌ عَنْ نَقْضِ ما بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والعَبْدِ لِأخْذِ حُطامٍ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ قَوْمٌ مِمَّنْ أسْلَمَ بِمَكَّةَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ لِجَزَعِهِمْ مِمّا رَأوْا مِن غَلَبَةِ قُرَيْشٍ واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ وإيذائِهِمْ لَهم، ولَمّا كانُوا يَعِدُونَهم إنْ رَجَعُوا مِنَ المَواعِيدِ أنْ يَنْقُضُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَثَبَّتَهُمُ اللَّهُ. ولا تَشْتَرُوا: ولا تَسْتَبْدِلُوا بِعَهْدِ اللَّهِ وبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا يَسِيرًا، وهو ما كانَتْ قُرَيْشُ يَعِدُونَهم ويُمَنُّونَهم إنْ رَجَعُوا أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ مِن إظْهارِكم وتَغْنِيمِكم ومِن ثَوابِ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ آيَةُ نَهْيٍ عَنِ الرِّشا وأخْذِ الأمْوالِ عَلى تَرْكِ ما يَجِبُ عَلى الآخِذِ فِعْلُهُ، أوْ فِعْلُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ، فَإنَّ هَذِهِ هي الَّتِي عَهِدَ اللَّهُ إلى عِبادِهِ فِيها، وبَيَّنَ تَعالى الفَرْقَ بَيْنَ حالِ الدُّنْيا وحالِ الآخِرَةِ، بِأنَّ هَذِهِ تَنْفَدُ وتَنْقَضِي عَنِ الإنْسانِ، ويَنْقَضِي عَنْها، والَّتِي في الآخِرَةِ باقِيَةٌ دائِمَةٌ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾، عَلى أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ، وفي ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ إذْ زَعَمَ أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ مُنْقَطِعٌ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: ولَنَجْزِيَّنَ، بِالنُّونِ، وباقِي السَّبْعَةِ، بِالياءِ. وصَبَرُوا: أيْ: جاهَدُوا أنْفُسَهم عَلى مِيثاقِ الإسْلامِ وأذى الكُفّارِ، وتَرْكِ المَعاصِي، وكَسْبِ المالِ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يَحِلُّ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. قِيلَ: مِنَ التَّنَفُّلِ بِالطّاعاتِ، وكانَتْ أحْسَنَ لِأنَّها لَمْ يُحَتَّمْ فِعْلُها، فَكانَ الإنْسانُ يَأْتِي بِالتَّنَفُّلاتِ مُخْتارًا غَيْرَ مَلْزُومٍ بِها. وقِيلَ: ذَكَرَ الأحْسَنَ تَرْغِيبًا في عَمَلِهِ، وإنْ كانَتِ المُجازاةُ عَلى الحَسَنِ والأحْسَنِ. وقِيلَ: الأحْسَنُ هُنا بِمَعْنى الحَسَنِ، فَلَيْسَ أفْعَلُ الَّتِي لِلتَّفْضِيلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالأحْسَنِ هُنا الصَّبْرُ، أيْ: ولَيَجْزِيَّنَ الَّذِينَ صَبَرُوا بِصَبْرِهِمْ، أيْ: بِجَزاءِ صَبْرِهِمْ، وجَعَلَ الصَّبْرَ أحْسَنَ الأعْمالِ لِاحْتِياجِ جَمِيعِ التَّكالِيفِ إلَيْهِ، فالصَّبْرُ هو رَأْسُها، فَكانَ الأحْسَنُ لِذَلِكَ. و(مَن) صالِحَةٌ لِلْمُفْرَدِ والمُذَكَّرِ وفُرُوعِهِما. لَكِنْ يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ، فَبَيَّنَ بِالنَّوْعَيْنِ لِيَعُمَّ الوَعْدُ كِلَيْهِما. وهو مُؤْمِنٌ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والإيمانُ شَرْطٌ في العَمَلِ الصّالِحِ مُخَصَّصٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أوْ يُرادُ بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ، كَما جاءَ في مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ (p-٥٣٤)أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾: يَعْنِي في الآخِرَةِ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقالَ شَرِيكٌ: في القَبْرِ. وقالَ عَلِيٌّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ عَنْهُما هي: القَناعَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ: الرِّزْقُ الحَلالُ، وعَنْهُ أيْضًا: السَّعادَةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الطّاعَةُ. وقالَ قَتادَةُ: الرِّزْقُ في يَوْمٍ بِيَوْمٍ، وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: الرِّزْقُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: حَلاوَةُ الطّاعَةِ، وقِيلَ: العافِيَةُ والكِفايَةُ، وقِيلَ: الرِّضا بِالقَضاءِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُؤْمِنُ مَعَ العَمَلِ الصّالِحِ إنْ كانَ مُوسِرًا فَلا مَقالَ فِيهِ، وإنْ كانَ مُعْسِرًا فَمَعَهُ ما يَطِيبُ عَيْشُهُ، وهو القَناعَةُ والرِّضا بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعالى. والفاجِرُ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَلا إشْكالَ في أمْرِهِ، وإنْ كانَ مُوسِرًا فالحِرْصُ لا يَدَعُهُ أنْ يَتَهَنَّأ بِعَيْشِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَيَّبَ الحَياةَ لِلصّالِحِينَ بِانْبِساطِ نُفُوسِهِمْ ونَيْلِها وقُوَّةِ رَجائِهِمْ، والرَّجاءُ لِلنَّفْسِ أمْرٌ مُلِذٌّ، وبِأنَّهُمُ احْتَقَرُوا الدُّنْيا فَزالَتْ هُمُومُها عَنْهم، فَإنِ انْضافَ إلى هَذا مالٌ حَلالٌ وصِحَّةٌ وقَناعَةٌ فَذاكَ كَمالٌ، وإلّا فالطَّيِّبُ فِيما ذَكَرْنا راتِبٌ. وعادَ الضَّمِيرُ في ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) مْفُرَدًا، وفي (ولَنَجْزِيَنَّهم) عَلى مَعْناها مِنَ الجَمْعِ، فَجَمَعَ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ: ولَيَجْزِينَّهم؛ بِالياءِ بَدَلَ النُّونِ، التَفَتَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ قَسَمٍ ثانٍ لا مَعْطُوفًا عَلى ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ، وكِلْتاهُما مَحْذُوفَتانِ. ولا يَكُونُ مِن عَطْفِ جَوابٍ عَلى جَوابٍ، لِتَغايُرِ الإسْنادِ، وإفْضاءِ الثّانِي إلى إخْبارِ المُتَكَلِّمِ عَنْ نَفْسِهِ بِإخْبارِ الغائِبِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ: زَيْدٌ قُلْتُ واللَّهِ لَأضْرِبَنَّ هِنْدًا ولِيَنْفِيَنَّها، يُرِيدُ ولَيَنْفِيها زَيْدٌ. فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى إضْمارِ قَسَمٍ ثانٍ جازَ، أيْ: وقالَ زَيْدٌ لَيَنْفِيَنَّها، لِأنَّ لَكَ في هَذا التَّرْكِيبِ أنْ تَحْكِيَ لَفْظَهُ، وأنْ تَحْكِيَ عَلى المَعْنى. فَمِنَ الأوَّلِ: (ولَيَحْلِفُنَّ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى) ومِنَ الثّانِي: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] ولَوْ جاءَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ ما قُلْنا.
النحل 16:95
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: هَذِهِ المَشِيئَةُ مَشِيئَةُ اخْتِيارٍ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، ابْتَلى النّاسَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ لِيَذْهَبَ كُلٌّ (p-٥٣٢)إلى ما يُسِّرَ لَهُ، وذَلِكَ لِحَقِّ المَلِكِ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. ولَوْ شاءَ لَكانُوا كُلُّهم عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ، إمّا هُدًى، وإمّا ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهُ فَرَّقَ، فَناسٌ لِلسَّعادَةِ، وناسٌ لِلشَّقاوَةِ. فَخَلَقَ الهُدى والضَّلالَ، وتَوَعَّدَ بِالسُّؤالِ عَنِ العَمَلِ، وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ لا سُؤالُ تَفَهُّمٍ، وسُؤالُ التَّفَهُّمِ هو المَنفِيُّ في آياتٍ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ مَشِيئَةُ قَهْرٍ. قالَ العَسْكَرِيُّ: المُرادُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْمَعَكم عَلى الإسْلامِ قَهْرًا، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وخَلَقَكم لِيُعَذِّبَ مَن يَشاءُ عَلى مَعْصِيَتِهِ، ويُثِيبَ مَن يَشاءُ عَلى طاعَتِهِ، ولا يَشاءُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا أنْ يَسْتَحِقَّهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ لَوْ شاءَ خَلَقَكم في الجَنَّةِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِيُثِيبَ المُطِيعِينَ مِنكم، ويُعَذِّبَ العُصاةَ.
ثُمَّ قالَ: ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ يَعْنِي: سُؤالَ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإضْلالَ في الآيَةِ: العِقابُ، ولَوْ كانَ الإضْلالُ عَنِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِسُؤالِهِ إيّاهم مَعْنًى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمَّةٌ واحِدَةٌ حَنِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ عَلى طَرِيقِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ، وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ أنْ يُضِلَّ مَن يَشاءُ، وهو أنْ يَخْذُلَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ ويُصَمِّمَ عَلَيْهِ، ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أنْ يَلْطُفَ بِمَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَخْتارُ الإيمانَ، يَعْنِي: أنَّهُ بَنى الأمْرَ عَلى الِاخْتِيارِ، وعَلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ اللُّطْفَ والخِذْلانَ والثَّوابَ والعِقابَ، ولَمْ يُنَبَّهْ عَلى الإجْبارِ الَّذِي لا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وحَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ولَوْ كانَ هَذا المُضْطَرَّ إلى الضَّلالِ والِاهْتِداءِ، لَما أثْبَتَ لَهم عَمَلًا يُسْألُونَ عَنْهُ؛ انْتَهى. قالُوا: كَرَّرَ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا تَهَمُّمًا بِذَلِكَ، ومُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْهُ لِعِظَمِ مَوْقِعِهِ في الدِّينِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَرَدُّدِهِ في مُعامَلاتِ النّاسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ، وإظْهارًا لْعِظَمِ ما يَرْتَكِبُ مِنهُ؛ انْتَهى. وقِيلَ: إنَّما كَرَّرَ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ: لِأنَّ الأوَّلَ: نَهى فِيهِ عَنِ الدُّخُولِ في الحَلِفِ ونَقْضِ العَهْدِ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ، وهُنا نُهِيَ عَنِ الدَّخَلِ في الأيْمانِ الَّتِي يُرادُ بِها اقْتِطاعُ حُقُوقٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: دَخَلًا بَيْنَكم لِتَتَوَصَّلُوا بِها إلى قَطْعِ أمْوالِ المُسْلِمِينَ، وأقُولُ: لَمْ يَتَكَرَّرِ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا، وإنَّما سَبَقَ إخْبارٌ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أيْمانَهم دَخَلًا مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ خاصٍّ، وهو: أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ. وجاءَ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ: ولا تَتَّخِذُوا، اسْتِئْنافُ إنْشاءٍ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا عَلى العُمُومِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ مِنَ الحِلْفِ في المُبايَعَةِ، وقَطْعِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وانْتَصَبَ ﴿فَتَزِلَّ﴾ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وهو اسْتِعارَةٌ لِمَن كانَ مُسْتَقِيمًا ووَقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ وسَقَطَ، لِأنَّ القَدَمَ إذا زَلَّتْ تَقَلَّبَ الإنْسانُ مِن حالِ خَيْرٍ إلى حالِ شَرٍّ. وقالَ كُثَيِّرٌ: فَلَمّا تَوافَيْنا ثَبَتُّ وزَلَّتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَزِلَّ أقْدامُكم عَنْ مَحَجَّةِ الإسْلامِ بَعْدَ ثُبُوتِها عَلَيْها (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ وحَّدْتَ القَدَمَ ونَكَّرْتَ ؟ (قُلْتُ): لِاسْتِعْظامِ أنْ تَزِلَّ قَدَمٌ واحِدَةٌ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ ؟ انْتَهى. ونَقُولُ: الجَمْعُ تارَةً يُلْحَظُ فِيهِ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، وتارَةً يُلْحَظُ فِيهِ اعْتِبارُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَإذا لُوحِظَ فِيهِ المَجْمُوعُ كانَ الإسْنادُ مُعْتَبَرًا (p-٥٣٣)فِيهِ الجَمْعِيَّةُ، وإذا لُوحِظَ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ كانَ الإسْنادُ مُطابِقًا لِلَفْظِ الجَمْعِ كَثِيرًا، فَيَجْمَعُ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، ومُطابِقًا لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَيُفْرَدُ كَقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] أفْرَدَ مُتَّكَئًا لِما كانَ لُوحِظَ في قَوْلِهِ (لَهُنَّ) مَعْنًى لِكُلِّ واحِدَةٍ، ولَوْ جاءَ مُرادًا بِهِ الجَمْعِيَّةُ أوْ عَلى الكَثِيرِ في الوَجْهِ الثّانِي لِجَمْعِ المُتَّكَأِ، وعَلى هَذا المَعْنى يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنِّي وجَدْتُ الضّامِرَيْنِ مَتاعُهم يَمُوتُ ويَفْنى فارْضَخِي مِن وعائِيا
أيْ: رَأيْتُ كُلَّ ضامِرٍ. ولِذَلِكَ أفْرَدَ الضَّمِيرَ في يَمُوتُ ويَفْنى. ولَمّا كانَ المَعْنى هُنا: لا يَتَّخِذُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم، جاءَ ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ مُراعاةً لِهَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَذُوقُوا﴾، مُراعاةً لِلْمَجْمُوعِ، أوْ لِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى الوَجْهِ الكَثِيرِ. إذا قُلْنا: إنَّ الإسْنادَ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ وبِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإفْرادِ قَدَمٍ وبِجَمْعِ الضَّمِيرِ في: ﴿وتَذُوقُوا﴾ . و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ في ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾، أيْ: بِصُدُودِكم أوْ بِصَدِّكم غَيْرَكم، لِأنَّهم لَوْ نَقَضُوا الأيْمانَ وارْتَدُّوا لاتُّخِذَ نَقْضُها سُنَّةً لِغَيْرِهِمْ فَيُسَبُّونَ بِها، وذَوْقُ السُّوءِ في الدُّنْيا.
﴿ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، أيْ: في الآخِرَةِ. والسُّوءُ: ما يَسُوءُهم مِن قَتْلٍ، ونَهْبٍ، وأسْرٍ، وجَلاءٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَسُوءُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعَلى هَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ قالَ: لِأنَّهم قَدْ نَقَضُوا أيْمانَ البَيْعَةِ. ولا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِخُصُوصِهِ، بَلْ نَقْضُ الأيْمانِ في البَيْعَةِ مُنْدَرِجٌ في العُمُومِ.
﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: هَذا نَهْيٌ عَنْ نَقْضِ ما بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والعَبْدِ لِأخْذِ حُطامٍ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ قَوْمٌ مِمَّنْ أسْلَمَ بِمَكَّةَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ لِجَزَعِهِمْ مِمّا رَأوْا مِن غَلَبَةِ قُرَيْشٍ واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ وإيذائِهِمْ لَهم، ولَمّا كانُوا يَعِدُونَهم إنْ رَجَعُوا مِنَ المَواعِيدِ أنْ يَنْقُضُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَثَبَّتَهُمُ اللَّهُ. ولا تَشْتَرُوا: ولا تَسْتَبْدِلُوا بِعَهْدِ اللَّهِ وبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا يَسِيرًا، وهو ما كانَتْ قُرَيْشُ يَعِدُونَهم ويُمَنُّونَهم إنْ رَجَعُوا أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ مِن إظْهارِكم وتَغْنِيمِكم ومِن ثَوابِ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ آيَةُ نَهْيٍ عَنِ الرِّشا وأخْذِ الأمْوالِ عَلى تَرْكِ ما يَجِبُ عَلى الآخِذِ فِعْلُهُ، أوْ فِعْلُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ، فَإنَّ هَذِهِ هي الَّتِي عَهِدَ اللَّهُ إلى عِبادِهِ فِيها، وبَيَّنَ تَعالى الفَرْقَ بَيْنَ حالِ الدُّنْيا وحالِ الآخِرَةِ، بِأنَّ هَذِهِ تَنْفَدُ وتَنْقَضِي عَنِ الإنْسانِ، ويَنْقَضِي عَنْها، والَّتِي في الآخِرَةِ باقِيَةٌ دائِمَةٌ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾، عَلى أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ، وفي ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ إذْ زَعَمَ أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ مُنْقَطِعٌ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: ولَنَجْزِيَّنَ، بِالنُّونِ، وباقِي السَّبْعَةِ، بِالياءِ. وصَبَرُوا: أيْ: جاهَدُوا أنْفُسَهم عَلى مِيثاقِ الإسْلامِ وأذى الكُفّارِ، وتَرْكِ المَعاصِي، وكَسْبِ المالِ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يَحِلُّ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. قِيلَ: مِنَ التَّنَفُّلِ بِالطّاعاتِ، وكانَتْ أحْسَنَ لِأنَّها لَمْ يُحَتَّمْ فِعْلُها، فَكانَ الإنْسانُ يَأْتِي بِالتَّنَفُّلاتِ مُخْتارًا غَيْرَ مَلْزُومٍ بِها. وقِيلَ: ذَكَرَ الأحْسَنَ تَرْغِيبًا في عَمَلِهِ، وإنْ كانَتِ المُجازاةُ عَلى الحَسَنِ والأحْسَنِ. وقِيلَ: الأحْسَنُ هُنا بِمَعْنى الحَسَنِ، فَلَيْسَ أفْعَلُ الَّتِي لِلتَّفْضِيلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالأحْسَنِ هُنا الصَّبْرُ، أيْ: ولَيَجْزِيَّنَ الَّذِينَ صَبَرُوا بِصَبْرِهِمْ، أيْ: بِجَزاءِ صَبْرِهِمْ، وجَعَلَ الصَّبْرَ أحْسَنَ الأعْمالِ لِاحْتِياجِ جَمِيعِ التَّكالِيفِ إلَيْهِ، فالصَّبْرُ هو رَأْسُها، فَكانَ الأحْسَنُ لِذَلِكَ. و(مَن) صالِحَةٌ لِلْمُفْرَدِ والمُذَكَّرِ وفُرُوعِهِما. لَكِنْ يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ، فَبَيَّنَ بِالنَّوْعَيْنِ لِيَعُمَّ الوَعْدُ كِلَيْهِما. وهو مُؤْمِنٌ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والإيمانُ شَرْطٌ في العَمَلِ الصّالِحِ مُخَصَّصٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أوْ يُرادُ بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ، كَما جاءَ في مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ (p-٥٣٤)أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾: يَعْنِي في الآخِرَةِ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقالَ شَرِيكٌ: في القَبْرِ. وقالَ عَلِيٌّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ عَنْهُما هي: القَناعَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ: الرِّزْقُ الحَلالُ، وعَنْهُ أيْضًا: السَّعادَةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الطّاعَةُ. وقالَ قَتادَةُ: الرِّزْقُ في يَوْمٍ بِيَوْمٍ، وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: الرِّزْقُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: حَلاوَةُ الطّاعَةِ، وقِيلَ: العافِيَةُ والكِفايَةُ، وقِيلَ: الرِّضا بِالقَضاءِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُؤْمِنُ مَعَ العَمَلِ الصّالِحِ إنْ كانَ مُوسِرًا فَلا مَقالَ فِيهِ، وإنْ كانَ مُعْسِرًا فَمَعَهُ ما يَطِيبُ عَيْشُهُ، وهو القَناعَةُ والرِّضا بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعالى. والفاجِرُ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَلا إشْكالَ في أمْرِهِ، وإنْ كانَ مُوسِرًا فالحِرْصُ لا يَدَعُهُ أنْ يَتَهَنَّأ بِعَيْشِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَيَّبَ الحَياةَ لِلصّالِحِينَ بِانْبِساطِ نُفُوسِهِمْ ونَيْلِها وقُوَّةِ رَجائِهِمْ، والرَّجاءُ لِلنَّفْسِ أمْرٌ مُلِذٌّ، وبِأنَّهُمُ احْتَقَرُوا الدُّنْيا فَزالَتْ هُمُومُها عَنْهم، فَإنِ انْضافَ إلى هَذا مالٌ حَلالٌ وصِحَّةٌ وقَناعَةٌ فَذاكَ كَمالٌ، وإلّا فالطَّيِّبُ فِيما ذَكَرْنا راتِبٌ. وعادَ الضَّمِيرُ في ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) مْفُرَدًا، وفي (ولَنَجْزِيَنَّهم) عَلى مَعْناها مِنَ الجَمْعِ، فَجَمَعَ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ: ولَيَجْزِينَّهم؛ بِالياءِ بَدَلَ النُّونِ، التَفَتَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ قَسَمٍ ثانٍ لا مَعْطُوفًا عَلى ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ، وكِلْتاهُما مَحْذُوفَتانِ. ولا يَكُونُ مِن عَطْفِ جَوابٍ عَلى جَوابٍ، لِتَغايُرِ الإسْنادِ، وإفْضاءِ الثّانِي إلى إخْبارِ المُتَكَلِّمِ عَنْ نَفْسِهِ بِإخْبارِ الغائِبِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ: زَيْدٌ قُلْتُ واللَّهِ لَأضْرِبَنَّ هِنْدًا ولِيَنْفِيَنَّها، يُرِيدُ ولَيَنْفِيها زَيْدٌ. فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى إضْمارِ قَسَمٍ ثانٍ جازَ، أيْ: وقالَ زَيْدٌ لَيَنْفِيَنَّها، لِأنَّ لَكَ في هَذا التَّرْكِيبِ أنْ تَحْكِيَ لَفْظَهُ، وأنْ تَحْكِيَ عَلى المَعْنى. فَمِنَ الأوَّلِ: (ولَيَحْلِفُنَّ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى) ومِنَ الثّانِي: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] ولَوْ جاءَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ ما قُلْنا.
النحل 16:96
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: هَذِهِ المَشِيئَةُ مَشِيئَةُ اخْتِيارٍ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، ابْتَلى النّاسَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ لِيَذْهَبَ كُلٌّ (p-٥٣٢)إلى ما يُسِّرَ لَهُ، وذَلِكَ لِحَقِّ المَلِكِ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. ولَوْ شاءَ لَكانُوا كُلُّهم عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ، إمّا هُدًى، وإمّا ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهُ فَرَّقَ، فَناسٌ لِلسَّعادَةِ، وناسٌ لِلشَّقاوَةِ. فَخَلَقَ الهُدى والضَّلالَ، وتَوَعَّدَ بِالسُّؤالِ عَنِ العَمَلِ، وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ لا سُؤالُ تَفَهُّمٍ، وسُؤالُ التَّفَهُّمِ هو المَنفِيُّ في آياتٍ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ مَشِيئَةُ قَهْرٍ. قالَ العَسْكَرِيُّ: المُرادُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْمَعَكم عَلى الإسْلامِ قَهْرًا، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وخَلَقَكم لِيُعَذِّبَ مَن يَشاءُ عَلى مَعْصِيَتِهِ، ويُثِيبَ مَن يَشاءُ عَلى طاعَتِهِ، ولا يَشاءُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا أنْ يَسْتَحِقَّهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ لَوْ شاءَ خَلَقَكم في الجَنَّةِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِيُثِيبَ المُطِيعِينَ مِنكم، ويُعَذِّبَ العُصاةَ.
ثُمَّ قالَ: ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ يَعْنِي: سُؤالَ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإضْلالَ في الآيَةِ: العِقابُ، ولَوْ كانَ الإضْلالُ عَنِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِسُؤالِهِ إيّاهم مَعْنًى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمَّةٌ واحِدَةٌ حَنِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ عَلى طَرِيقِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ، وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ أنْ يُضِلَّ مَن يَشاءُ، وهو أنْ يَخْذُلَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ ويُصَمِّمَ عَلَيْهِ، ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أنْ يَلْطُفَ بِمَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَخْتارُ الإيمانَ، يَعْنِي: أنَّهُ بَنى الأمْرَ عَلى الِاخْتِيارِ، وعَلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ اللُّطْفَ والخِذْلانَ والثَّوابَ والعِقابَ، ولَمْ يُنَبَّهْ عَلى الإجْبارِ الَّذِي لا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وحَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ولَوْ كانَ هَذا المُضْطَرَّ إلى الضَّلالِ والِاهْتِداءِ، لَما أثْبَتَ لَهم عَمَلًا يُسْألُونَ عَنْهُ؛ انْتَهى. قالُوا: كَرَّرَ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا تَهَمُّمًا بِذَلِكَ، ومُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْهُ لِعِظَمِ مَوْقِعِهِ في الدِّينِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَرَدُّدِهِ في مُعامَلاتِ النّاسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ، وإظْهارًا لْعِظَمِ ما يَرْتَكِبُ مِنهُ؛ انْتَهى. وقِيلَ: إنَّما كَرَّرَ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ: لِأنَّ الأوَّلَ: نَهى فِيهِ عَنِ الدُّخُولِ في الحَلِفِ ونَقْضِ العَهْدِ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ، وهُنا نُهِيَ عَنِ الدَّخَلِ في الأيْمانِ الَّتِي يُرادُ بِها اقْتِطاعُ حُقُوقٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: دَخَلًا بَيْنَكم لِتَتَوَصَّلُوا بِها إلى قَطْعِ أمْوالِ المُسْلِمِينَ، وأقُولُ: لَمْ يَتَكَرَّرِ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا، وإنَّما سَبَقَ إخْبارٌ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أيْمانَهم دَخَلًا مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ خاصٍّ، وهو: أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ. وجاءَ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ: ولا تَتَّخِذُوا، اسْتِئْنافُ إنْشاءٍ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا عَلى العُمُومِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ مِنَ الحِلْفِ في المُبايَعَةِ، وقَطْعِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وانْتَصَبَ ﴿فَتَزِلَّ﴾ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وهو اسْتِعارَةٌ لِمَن كانَ مُسْتَقِيمًا ووَقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ وسَقَطَ، لِأنَّ القَدَمَ إذا زَلَّتْ تَقَلَّبَ الإنْسانُ مِن حالِ خَيْرٍ إلى حالِ شَرٍّ. وقالَ كُثَيِّرٌ: فَلَمّا تَوافَيْنا ثَبَتُّ وزَلَّتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَزِلَّ أقْدامُكم عَنْ مَحَجَّةِ الإسْلامِ بَعْدَ ثُبُوتِها عَلَيْها (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ وحَّدْتَ القَدَمَ ونَكَّرْتَ ؟ (قُلْتُ): لِاسْتِعْظامِ أنْ تَزِلَّ قَدَمٌ واحِدَةٌ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ ؟ انْتَهى. ونَقُولُ: الجَمْعُ تارَةً يُلْحَظُ فِيهِ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، وتارَةً يُلْحَظُ فِيهِ اعْتِبارُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَإذا لُوحِظَ فِيهِ المَجْمُوعُ كانَ الإسْنادُ مُعْتَبَرًا (p-٥٣٣)فِيهِ الجَمْعِيَّةُ، وإذا لُوحِظَ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ كانَ الإسْنادُ مُطابِقًا لِلَفْظِ الجَمْعِ كَثِيرًا، فَيَجْمَعُ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، ومُطابِقًا لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَيُفْرَدُ كَقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] أفْرَدَ مُتَّكَئًا لِما كانَ لُوحِظَ في قَوْلِهِ (لَهُنَّ) مَعْنًى لِكُلِّ واحِدَةٍ، ولَوْ جاءَ مُرادًا بِهِ الجَمْعِيَّةُ أوْ عَلى الكَثِيرِ في الوَجْهِ الثّانِي لِجَمْعِ المُتَّكَأِ، وعَلى هَذا المَعْنى يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنِّي وجَدْتُ الضّامِرَيْنِ مَتاعُهم يَمُوتُ ويَفْنى فارْضَخِي مِن وعائِيا
أيْ: رَأيْتُ كُلَّ ضامِرٍ. ولِذَلِكَ أفْرَدَ الضَّمِيرَ في يَمُوتُ ويَفْنى. ولَمّا كانَ المَعْنى هُنا: لا يَتَّخِذُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم، جاءَ ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ مُراعاةً لِهَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَذُوقُوا﴾، مُراعاةً لِلْمَجْمُوعِ، أوْ لِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى الوَجْهِ الكَثِيرِ. إذا قُلْنا: إنَّ الإسْنادَ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ وبِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإفْرادِ قَدَمٍ وبِجَمْعِ الضَّمِيرِ في: ﴿وتَذُوقُوا﴾ . و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ في ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾، أيْ: بِصُدُودِكم أوْ بِصَدِّكم غَيْرَكم، لِأنَّهم لَوْ نَقَضُوا الأيْمانَ وارْتَدُّوا لاتُّخِذَ نَقْضُها سُنَّةً لِغَيْرِهِمْ فَيُسَبُّونَ بِها، وذَوْقُ السُّوءِ في الدُّنْيا.
﴿ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، أيْ: في الآخِرَةِ. والسُّوءُ: ما يَسُوءُهم مِن قَتْلٍ، ونَهْبٍ، وأسْرٍ، وجَلاءٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَسُوءُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعَلى هَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ قالَ: لِأنَّهم قَدْ نَقَضُوا أيْمانَ البَيْعَةِ. ولا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِخُصُوصِهِ، بَلْ نَقْضُ الأيْمانِ في البَيْعَةِ مُنْدَرِجٌ في العُمُومِ.
﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: هَذا نَهْيٌ عَنْ نَقْضِ ما بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والعَبْدِ لِأخْذِ حُطامٍ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ قَوْمٌ مِمَّنْ أسْلَمَ بِمَكَّةَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ لِجَزَعِهِمْ مِمّا رَأوْا مِن غَلَبَةِ قُرَيْشٍ واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ وإيذائِهِمْ لَهم، ولَمّا كانُوا يَعِدُونَهم إنْ رَجَعُوا مِنَ المَواعِيدِ أنْ يَنْقُضُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَثَبَّتَهُمُ اللَّهُ. ولا تَشْتَرُوا: ولا تَسْتَبْدِلُوا بِعَهْدِ اللَّهِ وبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا يَسِيرًا، وهو ما كانَتْ قُرَيْشُ يَعِدُونَهم ويُمَنُّونَهم إنْ رَجَعُوا أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ مِن إظْهارِكم وتَغْنِيمِكم ومِن ثَوابِ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ آيَةُ نَهْيٍ عَنِ الرِّشا وأخْذِ الأمْوالِ عَلى تَرْكِ ما يَجِبُ عَلى الآخِذِ فِعْلُهُ، أوْ فِعْلُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ، فَإنَّ هَذِهِ هي الَّتِي عَهِدَ اللَّهُ إلى عِبادِهِ فِيها، وبَيَّنَ تَعالى الفَرْقَ بَيْنَ حالِ الدُّنْيا وحالِ الآخِرَةِ، بِأنَّ هَذِهِ تَنْفَدُ وتَنْقَضِي عَنِ الإنْسانِ، ويَنْقَضِي عَنْها، والَّتِي في الآخِرَةِ باقِيَةٌ دائِمَةٌ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾، عَلى أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ، وفي ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ إذْ زَعَمَ أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ مُنْقَطِعٌ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: ولَنَجْزِيَّنَ، بِالنُّونِ، وباقِي السَّبْعَةِ، بِالياءِ. وصَبَرُوا: أيْ: جاهَدُوا أنْفُسَهم عَلى مِيثاقِ الإسْلامِ وأذى الكُفّارِ، وتَرْكِ المَعاصِي، وكَسْبِ المالِ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يَحِلُّ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. قِيلَ: مِنَ التَّنَفُّلِ بِالطّاعاتِ، وكانَتْ أحْسَنَ لِأنَّها لَمْ يُحَتَّمْ فِعْلُها، فَكانَ الإنْسانُ يَأْتِي بِالتَّنَفُّلاتِ مُخْتارًا غَيْرَ مَلْزُومٍ بِها. وقِيلَ: ذَكَرَ الأحْسَنَ تَرْغِيبًا في عَمَلِهِ، وإنْ كانَتِ المُجازاةُ عَلى الحَسَنِ والأحْسَنِ. وقِيلَ: الأحْسَنُ هُنا بِمَعْنى الحَسَنِ، فَلَيْسَ أفْعَلُ الَّتِي لِلتَّفْضِيلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالأحْسَنِ هُنا الصَّبْرُ، أيْ: ولَيَجْزِيَّنَ الَّذِينَ صَبَرُوا بِصَبْرِهِمْ، أيْ: بِجَزاءِ صَبْرِهِمْ، وجَعَلَ الصَّبْرَ أحْسَنَ الأعْمالِ لِاحْتِياجِ جَمِيعِ التَّكالِيفِ إلَيْهِ، فالصَّبْرُ هو رَأْسُها، فَكانَ الأحْسَنُ لِذَلِكَ. و(مَن) صالِحَةٌ لِلْمُفْرَدِ والمُذَكَّرِ وفُرُوعِهِما. لَكِنْ يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ، فَبَيَّنَ بِالنَّوْعَيْنِ لِيَعُمَّ الوَعْدُ كِلَيْهِما. وهو مُؤْمِنٌ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والإيمانُ شَرْطٌ في العَمَلِ الصّالِحِ مُخَصَّصٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أوْ يُرادُ بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ، كَما جاءَ في مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ (p-٥٣٤)أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾: يَعْنِي في الآخِرَةِ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقالَ شَرِيكٌ: في القَبْرِ. وقالَ عَلِيٌّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ عَنْهُما هي: القَناعَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ: الرِّزْقُ الحَلالُ، وعَنْهُ أيْضًا: السَّعادَةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الطّاعَةُ. وقالَ قَتادَةُ: الرِّزْقُ في يَوْمٍ بِيَوْمٍ، وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: الرِّزْقُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: حَلاوَةُ الطّاعَةِ، وقِيلَ: العافِيَةُ والكِفايَةُ، وقِيلَ: الرِّضا بِالقَضاءِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُؤْمِنُ مَعَ العَمَلِ الصّالِحِ إنْ كانَ مُوسِرًا فَلا مَقالَ فِيهِ، وإنْ كانَ مُعْسِرًا فَمَعَهُ ما يَطِيبُ عَيْشُهُ، وهو القَناعَةُ والرِّضا بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعالى. والفاجِرُ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَلا إشْكالَ في أمْرِهِ، وإنْ كانَ مُوسِرًا فالحِرْصُ لا يَدَعُهُ أنْ يَتَهَنَّأ بِعَيْشِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَيَّبَ الحَياةَ لِلصّالِحِينَ بِانْبِساطِ نُفُوسِهِمْ ونَيْلِها وقُوَّةِ رَجائِهِمْ، والرَّجاءُ لِلنَّفْسِ أمْرٌ مُلِذٌّ، وبِأنَّهُمُ احْتَقَرُوا الدُّنْيا فَزالَتْ هُمُومُها عَنْهم، فَإنِ انْضافَ إلى هَذا مالٌ حَلالٌ وصِحَّةٌ وقَناعَةٌ فَذاكَ كَمالٌ، وإلّا فالطَّيِّبُ فِيما ذَكَرْنا راتِبٌ. وعادَ الضَّمِيرُ في ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) مْفُرَدًا، وفي (ولَنَجْزِيَنَّهم) عَلى مَعْناها مِنَ الجَمْعِ، فَجَمَعَ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ: ولَيَجْزِينَّهم؛ بِالياءِ بَدَلَ النُّونِ، التَفَتَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ قَسَمٍ ثانٍ لا مَعْطُوفًا عَلى ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ، وكِلْتاهُما مَحْذُوفَتانِ. ولا يَكُونُ مِن عَطْفِ جَوابٍ عَلى جَوابٍ، لِتَغايُرِ الإسْنادِ، وإفْضاءِ الثّانِي إلى إخْبارِ المُتَكَلِّمِ عَنْ نَفْسِهِ بِإخْبارِ الغائِبِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ: زَيْدٌ قُلْتُ واللَّهِ لَأضْرِبَنَّ هِنْدًا ولِيَنْفِيَنَّها، يُرِيدُ ولَيَنْفِيها زَيْدٌ. فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى إضْمارِ قَسَمٍ ثانٍ جازَ، أيْ: وقالَ زَيْدٌ لَيَنْفِيَنَّها، لِأنَّ لَكَ في هَذا التَّرْكِيبِ أنْ تَحْكِيَ لَفْظَهُ، وأنْ تَحْكِيَ عَلى المَعْنى. فَمِنَ الأوَّلِ: (ولَيَحْلِفُنَّ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى) ومِنَ الثّانِي: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] ولَوْ جاءَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ ما قُلْنا.
النحل 16:97
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: هَذِهِ المَشِيئَةُ مَشِيئَةُ اخْتِيارٍ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، ابْتَلى النّاسَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ لِيَذْهَبَ كُلٌّ (p-٥٣٢)إلى ما يُسِّرَ لَهُ، وذَلِكَ لِحَقِّ المَلِكِ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. ولَوْ شاءَ لَكانُوا كُلُّهم عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ، إمّا هُدًى، وإمّا ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهُ فَرَّقَ، فَناسٌ لِلسَّعادَةِ، وناسٌ لِلشَّقاوَةِ. فَخَلَقَ الهُدى والضَّلالَ، وتَوَعَّدَ بِالسُّؤالِ عَنِ العَمَلِ، وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ لا سُؤالُ تَفَهُّمٍ، وسُؤالُ التَّفَهُّمِ هو المَنفِيُّ في آياتٍ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ مَشِيئَةُ قَهْرٍ. قالَ العَسْكَرِيُّ: المُرادُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْمَعَكم عَلى الإسْلامِ قَهْرًا، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وخَلَقَكم لِيُعَذِّبَ مَن يَشاءُ عَلى مَعْصِيَتِهِ، ويُثِيبَ مَن يَشاءُ عَلى طاعَتِهِ، ولا يَشاءُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا أنْ يَسْتَحِقَّهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ لَوْ شاءَ خَلَقَكم في الجَنَّةِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِيُثِيبَ المُطِيعِينَ مِنكم، ويُعَذِّبَ العُصاةَ.
ثُمَّ قالَ: ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ يَعْنِي: سُؤالَ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإضْلالَ في الآيَةِ: العِقابُ، ولَوْ كانَ الإضْلالُ عَنِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِسُؤالِهِ إيّاهم مَعْنًى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمَّةٌ واحِدَةٌ حَنِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ عَلى طَرِيقِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ، وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ أنْ يُضِلَّ مَن يَشاءُ، وهو أنْ يَخْذُلَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ ويُصَمِّمَ عَلَيْهِ، ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أنْ يَلْطُفَ بِمَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَخْتارُ الإيمانَ، يَعْنِي: أنَّهُ بَنى الأمْرَ عَلى الِاخْتِيارِ، وعَلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ اللُّطْفَ والخِذْلانَ والثَّوابَ والعِقابَ، ولَمْ يُنَبَّهْ عَلى الإجْبارِ الَّذِي لا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وحَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ولَوْ كانَ هَذا المُضْطَرَّ إلى الضَّلالِ والِاهْتِداءِ، لَما أثْبَتَ لَهم عَمَلًا يُسْألُونَ عَنْهُ؛ انْتَهى. قالُوا: كَرَّرَ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا تَهَمُّمًا بِذَلِكَ، ومُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْهُ لِعِظَمِ مَوْقِعِهِ في الدِّينِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَرَدُّدِهِ في مُعامَلاتِ النّاسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ، وإظْهارًا لْعِظَمِ ما يَرْتَكِبُ مِنهُ؛ انْتَهى. وقِيلَ: إنَّما كَرَّرَ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ: لِأنَّ الأوَّلَ: نَهى فِيهِ عَنِ الدُّخُولِ في الحَلِفِ ونَقْضِ العَهْدِ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ، وهُنا نُهِيَ عَنِ الدَّخَلِ في الأيْمانِ الَّتِي يُرادُ بِها اقْتِطاعُ حُقُوقٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: دَخَلًا بَيْنَكم لِتَتَوَصَّلُوا بِها إلى قَطْعِ أمْوالِ المُسْلِمِينَ، وأقُولُ: لَمْ يَتَكَرَّرِ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا، وإنَّما سَبَقَ إخْبارٌ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أيْمانَهم دَخَلًا مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ خاصٍّ، وهو: أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ. وجاءَ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ: ولا تَتَّخِذُوا، اسْتِئْنافُ إنْشاءٍ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا عَلى العُمُومِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ مِنَ الحِلْفِ في المُبايَعَةِ، وقَطْعِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وانْتَصَبَ ﴿فَتَزِلَّ﴾ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وهو اسْتِعارَةٌ لِمَن كانَ مُسْتَقِيمًا ووَقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ وسَقَطَ، لِأنَّ القَدَمَ إذا زَلَّتْ تَقَلَّبَ الإنْسانُ مِن حالِ خَيْرٍ إلى حالِ شَرٍّ. وقالَ كُثَيِّرٌ: فَلَمّا تَوافَيْنا ثَبَتُّ وزَلَّتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَزِلَّ أقْدامُكم عَنْ مَحَجَّةِ الإسْلامِ بَعْدَ ثُبُوتِها عَلَيْها (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ وحَّدْتَ القَدَمَ ونَكَّرْتَ ؟ (قُلْتُ): لِاسْتِعْظامِ أنْ تَزِلَّ قَدَمٌ واحِدَةٌ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ ؟ انْتَهى. ونَقُولُ: الجَمْعُ تارَةً يُلْحَظُ فِيهِ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، وتارَةً يُلْحَظُ فِيهِ اعْتِبارُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَإذا لُوحِظَ فِيهِ المَجْمُوعُ كانَ الإسْنادُ مُعْتَبَرًا (p-٥٣٣)فِيهِ الجَمْعِيَّةُ، وإذا لُوحِظَ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ كانَ الإسْنادُ مُطابِقًا لِلَفْظِ الجَمْعِ كَثِيرًا، فَيَجْمَعُ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، ومُطابِقًا لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَيُفْرَدُ كَقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] أفْرَدَ مُتَّكَئًا لِما كانَ لُوحِظَ في قَوْلِهِ (لَهُنَّ) مَعْنًى لِكُلِّ واحِدَةٍ، ولَوْ جاءَ مُرادًا بِهِ الجَمْعِيَّةُ أوْ عَلى الكَثِيرِ في الوَجْهِ الثّانِي لِجَمْعِ المُتَّكَأِ، وعَلى هَذا المَعْنى يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنِّي وجَدْتُ الضّامِرَيْنِ مَتاعُهم يَمُوتُ ويَفْنى فارْضَخِي مِن وعائِيا
أيْ: رَأيْتُ كُلَّ ضامِرٍ. ولِذَلِكَ أفْرَدَ الضَّمِيرَ في يَمُوتُ ويَفْنى. ولَمّا كانَ المَعْنى هُنا: لا يَتَّخِذُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم، جاءَ ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ مُراعاةً لِهَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَذُوقُوا﴾، مُراعاةً لِلْمَجْمُوعِ، أوْ لِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى الوَجْهِ الكَثِيرِ. إذا قُلْنا: إنَّ الإسْنادَ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ وبِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإفْرادِ قَدَمٍ وبِجَمْعِ الضَّمِيرِ في: ﴿وتَذُوقُوا﴾ . و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ في ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾، أيْ: بِصُدُودِكم أوْ بِصَدِّكم غَيْرَكم، لِأنَّهم لَوْ نَقَضُوا الأيْمانَ وارْتَدُّوا لاتُّخِذَ نَقْضُها سُنَّةً لِغَيْرِهِمْ فَيُسَبُّونَ بِها، وذَوْقُ السُّوءِ في الدُّنْيا.
﴿ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، أيْ: في الآخِرَةِ. والسُّوءُ: ما يَسُوءُهم مِن قَتْلٍ، ونَهْبٍ، وأسْرٍ، وجَلاءٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَسُوءُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعَلى هَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ قالَ: لِأنَّهم قَدْ نَقَضُوا أيْمانَ البَيْعَةِ. ولا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِخُصُوصِهِ، بَلْ نَقْضُ الأيْمانِ في البَيْعَةِ مُنْدَرِجٌ في العُمُومِ.
﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: هَذا نَهْيٌ عَنْ نَقْضِ ما بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والعَبْدِ لِأخْذِ حُطامٍ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ قَوْمٌ مِمَّنْ أسْلَمَ بِمَكَّةَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ لِجَزَعِهِمْ مِمّا رَأوْا مِن غَلَبَةِ قُرَيْشٍ واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ وإيذائِهِمْ لَهم، ولَمّا كانُوا يَعِدُونَهم إنْ رَجَعُوا مِنَ المَواعِيدِ أنْ يَنْقُضُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَثَبَّتَهُمُ اللَّهُ. ولا تَشْتَرُوا: ولا تَسْتَبْدِلُوا بِعَهْدِ اللَّهِ وبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا يَسِيرًا، وهو ما كانَتْ قُرَيْشُ يَعِدُونَهم ويُمَنُّونَهم إنْ رَجَعُوا أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ مِن إظْهارِكم وتَغْنِيمِكم ومِن ثَوابِ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ آيَةُ نَهْيٍ عَنِ الرِّشا وأخْذِ الأمْوالِ عَلى تَرْكِ ما يَجِبُ عَلى الآخِذِ فِعْلُهُ، أوْ فِعْلُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ، فَإنَّ هَذِهِ هي الَّتِي عَهِدَ اللَّهُ إلى عِبادِهِ فِيها، وبَيَّنَ تَعالى الفَرْقَ بَيْنَ حالِ الدُّنْيا وحالِ الآخِرَةِ، بِأنَّ هَذِهِ تَنْفَدُ وتَنْقَضِي عَنِ الإنْسانِ، ويَنْقَضِي عَنْها، والَّتِي في الآخِرَةِ باقِيَةٌ دائِمَةٌ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾، عَلى أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ، وفي ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ إذْ زَعَمَ أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ مُنْقَطِعٌ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: ولَنَجْزِيَّنَ، بِالنُّونِ، وباقِي السَّبْعَةِ، بِالياءِ. وصَبَرُوا: أيْ: جاهَدُوا أنْفُسَهم عَلى مِيثاقِ الإسْلامِ وأذى الكُفّارِ، وتَرْكِ المَعاصِي، وكَسْبِ المالِ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يَحِلُّ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. قِيلَ: مِنَ التَّنَفُّلِ بِالطّاعاتِ، وكانَتْ أحْسَنَ لِأنَّها لَمْ يُحَتَّمْ فِعْلُها، فَكانَ الإنْسانُ يَأْتِي بِالتَّنَفُّلاتِ مُخْتارًا غَيْرَ مَلْزُومٍ بِها. وقِيلَ: ذَكَرَ الأحْسَنَ تَرْغِيبًا في عَمَلِهِ، وإنْ كانَتِ المُجازاةُ عَلى الحَسَنِ والأحْسَنِ. وقِيلَ: الأحْسَنُ هُنا بِمَعْنى الحَسَنِ، فَلَيْسَ أفْعَلُ الَّتِي لِلتَّفْضِيلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالأحْسَنِ هُنا الصَّبْرُ، أيْ: ولَيَجْزِيَّنَ الَّذِينَ صَبَرُوا بِصَبْرِهِمْ، أيْ: بِجَزاءِ صَبْرِهِمْ، وجَعَلَ الصَّبْرَ أحْسَنَ الأعْمالِ لِاحْتِياجِ جَمِيعِ التَّكالِيفِ إلَيْهِ، فالصَّبْرُ هو رَأْسُها، فَكانَ الأحْسَنُ لِذَلِكَ. و(مَن) صالِحَةٌ لِلْمُفْرَدِ والمُذَكَّرِ وفُرُوعِهِما. لَكِنْ يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ، فَبَيَّنَ بِالنَّوْعَيْنِ لِيَعُمَّ الوَعْدُ كِلَيْهِما. وهو مُؤْمِنٌ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والإيمانُ شَرْطٌ في العَمَلِ الصّالِحِ مُخَصَّصٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أوْ يُرادُ بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ، كَما جاءَ في مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ (p-٥٣٤)أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾: يَعْنِي في الآخِرَةِ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقالَ شَرِيكٌ: في القَبْرِ. وقالَ عَلِيٌّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ عَنْهُما هي: القَناعَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ: الرِّزْقُ الحَلالُ، وعَنْهُ أيْضًا: السَّعادَةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الطّاعَةُ. وقالَ قَتادَةُ: الرِّزْقُ في يَوْمٍ بِيَوْمٍ، وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: الرِّزْقُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: حَلاوَةُ الطّاعَةِ، وقِيلَ: العافِيَةُ والكِفايَةُ، وقِيلَ: الرِّضا بِالقَضاءِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُؤْمِنُ مَعَ العَمَلِ الصّالِحِ إنْ كانَ مُوسِرًا فَلا مَقالَ فِيهِ، وإنْ كانَ مُعْسِرًا فَمَعَهُ ما يَطِيبُ عَيْشُهُ، وهو القَناعَةُ والرِّضا بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعالى. والفاجِرُ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَلا إشْكالَ في أمْرِهِ، وإنْ كانَ مُوسِرًا فالحِرْصُ لا يَدَعُهُ أنْ يَتَهَنَّأ بِعَيْشِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَيَّبَ الحَياةَ لِلصّالِحِينَ بِانْبِساطِ نُفُوسِهِمْ ونَيْلِها وقُوَّةِ رَجائِهِمْ، والرَّجاءُ لِلنَّفْسِ أمْرٌ مُلِذٌّ، وبِأنَّهُمُ احْتَقَرُوا الدُّنْيا فَزالَتْ هُمُومُها عَنْهم، فَإنِ انْضافَ إلى هَذا مالٌ حَلالٌ وصِحَّةٌ وقَناعَةٌ فَذاكَ كَمالٌ، وإلّا فالطَّيِّبُ فِيما ذَكَرْنا راتِبٌ. وعادَ الضَّمِيرُ في ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) مْفُرَدًا، وفي (ولَنَجْزِيَنَّهم) عَلى مَعْناها مِنَ الجَمْعِ، فَجَمَعَ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ: ولَيَجْزِينَّهم؛ بِالياءِ بَدَلَ النُّونِ، التَفَتَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ قَسَمٍ ثانٍ لا مَعْطُوفًا عَلى ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ، وكِلْتاهُما مَحْذُوفَتانِ. ولا يَكُونُ مِن عَطْفِ جَوابٍ عَلى جَوابٍ، لِتَغايُرِ الإسْنادِ، وإفْضاءِ الثّانِي إلى إخْبارِ المُتَكَلِّمِ عَنْ نَفْسِهِ بِإخْبارِ الغائِبِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ: زَيْدٌ قُلْتُ واللَّهِ لَأضْرِبَنَّ هِنْدًا ولِيَنْفِيَنَّها، يُرِيدُ ولَيَنْفِيها زَيْدٌ. فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى إضْمارِ قَسَمٍ ثانٍ جازَ، أيْ: وقالَ زَيْدٌ لَيَنْفِيَنَّها، لِأنَّ لَكَ في هَذا التَّرْكِيبِ أنْ تَحْكِيَ لَفْظَهُ، وأنْ تَحْكِيَ عَلى المَعْنى. فَمِنَ الأوَّلِ: (ولَيَحْلِفُنَّ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى) ومِنَ الثّانِي: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] ولَوْ جاءَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ ما قُلْنا.
النحل 16:98
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] (p-٥٣٥)وذَكَرَ أشْياءَ مِمّا بَيَّنَ في الكِتابِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ [النحل: ٩٧] ذَكَرَ ما يَصُونُ بِهِ القارِئُ قِراءَتَهُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ ونَزْغِهِ، فَخاطَبَ السّامِعَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ إذا أخَذَ في القِراءَةِ. فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ لَفْظًا فالمُرادُ أُمَّتُهُ، إذْ كانَتْ قِراءَةُ القُرْآنِ مِن أجَلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «إنَّ ثَوابَ قِراءَةِ كُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ» والظّاهِرُ بِعَقِبِ الِاسْتِعاذَةِ. وقَدْ رَوى ذَلِكَ بَعْضُ الرُّواةِ عَنْ حَمْزَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ قالَ: كُلَّما قَرَأْتَ الفاتِحَةَ - حِينَ تَقُولُ: آمِينَ - فاسْتَعِذْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وداوُدَ. تَعْقُبُها القِراءَةُ كَما رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ والجُمْهُورِ: عَلى تَرْكِ هَذا الظّاهِرِ وتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى: فَإذا أرَدْتَ القِراءَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الفِعْلَ يُوجَدُ عِنْدَ القَصْدِ والإرادَةِ بِغَيْرِ فاصِلٍ وعَلى حَسْبِهِ، فَكانَ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ ومُلابَسَةٍ ظاهِرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكَقَوْلِهِ: «إذا أكَلْتَ فَسَمِّ اللَّهَ» وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا: وصْلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا أخَذْتَ في قِراءَةِ القُرْآنِ فاسْتَعِذْ، أمْرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ. فالجُمْهُورُ عَلى النَّدْبِ، وعَنْ عَطاءٍ الوُجُوبُ. والظّاهِرُ: طَلَبُ الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ مُطْلَقًا، والظّاهِرُ: أنَّ الشَّيْطانَ المُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وأعْوانُهُ. وقِيلَ: عامٌّ في كُلِّ مُتَمَرِّدٍ عاتٍ مِن جِنٍّ وإنْسٍ، كَما قالَ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ. واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِعاذَةِ، والَّذِي صارَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ وغَيْرِهِمْ واخْتارُوهُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، لِما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”أنَّهُ اسْتَعاذَ عِنْدَ القِراءَةِ بِهَذا اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ“ ونَفى تَعالى سُلْطانَ الشَّيْطانِ عَنِ المُؤْمِنِينَ. والسُّلْطانُ هُنا: التَّسْلِيطُ والوِلايَةُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْبَلُونَ مِنهُ ولا يُطِيعُونَهُ فِيما يُرِيدُ مِنهم مِنِ اتِّباعِ خُطُواتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وكَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهُ فَقالَ في قِصَّةِ أوْلِيائِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّلْطانِ: الحُجَّةُ، وظاهِرُ الإخْبارِ انْتِفاءُ سَلْطَنَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ لِاسْتِعاذَتِهِمْ مِنهُ. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ أنْ يَحْمِلَهم عَلى ذَنْبٍ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (بِهِمْ)، وقِيلَ: عَلى الشَّيْطانِ، وهو الظّاهِرُ لِاتِّفاقِ الضَّمائِرِ والمَعْنى: والَّذِينَ هم بِإشْراكِهِمْ إبْلِيسَ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ يَقْتَضِي أنَّها تَصْرِفُ كَيْدَ الشَّيْطانِ، كَأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ والِانْقِطاعَ إلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْزالَ الكِتابِ تَبْيِينًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وأمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ قِراءَتِهِ، ذَكَرَ تَعالى نَتِيجَةَ وِلايَةِ الشَّيْطانِ لِأوْلِيائِهِ المُشْرِكِينَ، وما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الأباطِيلِ، فَألْقى إلَيْهِمْ إنْكارَ النَّسْخِ لَمّا رَأوْا تَبْدِيلَ آيَةٍ مَكانَ آيَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في النَّسْخِ في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّبْدِيلَ رَفَعَ آيَةً لَفْظًا ومَعْنًى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّبْدِيلُ لِحُكْمِ المَعْنى وإبْقاءِ اللَّفْظِ. ووَجَدَ الكُفّارُ بِذَلِكَ طَعْنًا في الدِّينِ، وما عَلِمُوا أنَّ المَصالِحَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ والأشْخاصِ، وكَما وقَعَ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ يَقَعُ في شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ العالِمُ بِما يُنَزِّلُ لا أنْتُمْ، وما يُنَزِّلُ مِمّا يُقِرُّهُ وما يَرْفَعُهُ، فَمَرْجِعُ عِلْمِ ذَلِكَ إلَيْهِ، وهو عَلى حَسْبِ الحَوادِثِ والمَصالِحِ، وهَذِهِ حِكْمَةُ إنْزالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا. وبالَغُوا في نِسْبَةِ الِافْتِراءِ لِلرَّسُولِ بِلَفْظِ إنَّما، وبِمُواجِهَةِ الخِطابِ، وباسِمِ الفاعِلِ الدّالِّ عَلى الثُّبُوتِ، وقالَ: بَلْ أكْثَرُهم، لِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُ ويَكْفُرُ عِنادًا. ومَفْعُولُ (لا يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الشَّرائِعَ حِكَمٌ ومَصالِحُ. هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وُقُوعِ نَسْخِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ. ورُوحُ القُدُسِ: هُنا هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا خِلافٍ، وتَقَدَّمَ لِمَ سُمِّيَ رُوحَ القُدُسِ. وأضافَ الرَّبَّ إلى كافِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِاخْتِصاصِ الإضافَةِ، وإعْراضًا (p-٥٣٦)عَنْهم، إذْ لَمْ يُضِفْ إلَيْهِمْ. وبِالحَقِّ حالٌ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ سَواءٌ كانَ ناسِخًا أوْ مَنسُوخًا، فَكُلُّهُ مَصْحُوبٌ بِالحَقِّ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِنَ الباطِلِ. ولِيُثْبِتَ مَعْناهُ أنَّهم لا يَضْطَرِبُونَ في شَيْءٍ مِنهُ لِكَوْنِهِ نُسِخَ، بَلِ النَّسْخُ مُثَبِّتٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ جَمِيعُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِصِحَّةِ إيمانِهِمْ واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَكِيمٌ، وأنَّ أفْعالَهُ كُلَّها صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ، فَهي صَوابُ كُلُّها. ودَلَّ اخْتِصاصُ التَّعْلِيلِ بِالمُسْلِمِينَ عَلى اتِّصافِ الكُفّارِ بِضِدِّهِ مِن لَحاقِ الِاضْطِرابِ لَهم وتَزَلْزُلِ عَقائِدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وقُرِئَ: لِيُثْبِتَ، مُخَفَّفًا مِن أثْبَتَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهُدًى وبُشْرى، مَفْعُولٌ لَهُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلٍّ لِيُثْبِتَ؛ انْتَهى. وتَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ في نَحْوِ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] وهُدًى ورَحْمَةً في هَذِهِ السُّورَةِ. ولا يَمْتَنِعُ عَطْفُهُ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ والفِعْلِ، لِأنَّهُ مَجْرُورٌ، فَيَكُونُ (وهُدًى وبُشْرى) مَجْرُورَيْنِ كَما تَقُولُ: جِئْتُ لِأُحْسِنَ إلى زَيْدٍ وإكْرامٍ لِخالِدٍ، إذِ التَّقْدِيرُ: لِإحْسانٍ إلى زَيْدٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وهو هُدًى وبُشْرى. ولَمّا نَسَبُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلِافْتِراءِ وهو الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الِافْتِراءَ الَّذِي نَسَبُوهُ هو مِن تَعْلِيمِ بَشَرٍ إيّاهُ، فَلَيْسَ هو المُخْتَلِقُ بَلِ المُخْتَلِقُ غَيْرُهُ، وهو ناقِلٌ عَنْهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِمْ: إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ. إنَّ مَعْناهُ: مُخْتَلِقُ الكَذِبِ، وهو يُنافِي التَّعَلُّمَ مِنَ البَشَرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مُفْتَرٍ﴾، في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا فِيهِ طائِفَتَيْنِ: طائِفَةً ذَهَبَتْ إلى أنَّهُ هو المُفْتَرِي، وطائِفَةً أنَّهُ يَتَعَلَّمُ مِنَ البَشَرِ. ويُعَلِّمُ مُضارِعُ اللَّفْظِ ومَعْناهُ: المُضِيُّ، أيْ: ولَقَدْ عَلِمْنا، وجاءَ إسْنادُ التَّعْلِيمِ إلى مُبْهَمٍ لَمْ يُعَيَّنْ. فَقِيلَ: هو حَبْرٌ غُلامٌ رُومِيٌّ كانَ لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وقِيلَ: عائِشٌ أوْ يَعِيشُ، وكانَ صاحِبَ كُتُبِ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى وكانَ قَدْ أسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ قالَهُ: الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. وقِيلَ: أبُو فَكِيهَةَ أعْجَمِيٌّ: مَوْلى لِامْرَأةٍ بِمَكَّةَ. قِيلَ: واسْمُهُ يَسارٌ وكانَ يَهُودِيًّا؛ قالَهُ: مُقاتِلٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ كانَ يَهُودِيًّا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ رَجُلًا حَدّادًا نَصْرانِيًّا اسْمُهُ عَنَسٌ. وقالَ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ: كانَ لَنا غُلامانِ نَصْرانِيّانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، يَسارٌ وحَبْرٌ، كانا يَقْرَآنِ كُتُبًا لَهُما بِلِسانِهِمْ، وكانَ ﷺ يَمُرُّ بِهِما فَيَسْمَعُ قِراءَتَهُما. قِيلَ: وكانا حَدّادَيْنِ يَصْنَعانِ السُّيُوفَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: يَتَعَلَّمُ مِنهُما، فَقِيلَ لِأحَدِهِما ذَلِكَ فَقالَ: بَلْ هو يُعَلِّمُنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: بَلْعامُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُ الإسْلامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا مِن جِهَةِ الأعاجِمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الإشارَةُ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وضُعِّفَ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ سَلْمانَ إنَّما أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ما نُبِّهَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَدَنِيٌّ. واللِّسانُ: هُنا: اللُّغَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ: اللِّسانُ الَّذِي بِتَعْرِيفِ اللِّسانِ بِالـ، والَّذِي صِفَتُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَلْحَدُونَ مَن لَحَدَ ثُلاثِيًّا، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ، والسُّلَمِيِّ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، وابْنُ القَعْقاعِ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مَن ألْحَدَ رُباعِيًّا وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ ألْحَدَ القَبْرَ ولَحَدَهُ، فَهو مُلْحِدٌ ومَلْحُودٌ إذا أمالَ حَفْرَهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شِقٍّ مِنهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إمالَةٍ عَنِ اسْتِقامَةٍ فَقالُوا: ألْحَدَ فُلانٌ في قَوْلِهِ: وألْحَدَ في دِينِهِ لِأنَّهُ أمالَ دِينَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، لَمْ يُمِلْهُ مِن دِينٍ إلى دِينٍ. والمَعْنى: لِسانُ الرَّجُلِ الَّذِي يُمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ لِسانٌ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ بَيِّنٍ، وهَذا القُرْآنُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ، رَدًّا لِقَوْلِهِمْ وإبْطالًا لِطَعْنِهِمْ؛ انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ اللِّسانَ في المَوْضِعَيْنِ: اللُّغَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: وهَذا سَرْدُ لِسانٍ أوْ نُطْقُ لِسانٍ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهَذا عَلى أنْ يُجْعَلَ اللِّسانُ هُنا الجارِحَةَ. واللِّسانُ في كَلامِ العَرَبِ: اللُّغَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: (p-٥٣٧)المَعْنى: أنْتُمْ أفْصَحُ وأبْلَغُهم وأقْدَرُهم عَلى الكَلامِ نَظْمًا ونَثْرًا، وقَدْ عَجَزْتُمْ وعَجَزَ جَمِيعُ العَرَبِ، فَكَيْفَ تَنْسُبُونَهُ إلى أعْجَمِيٍّ ألْكَنَ ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الجُمْلَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾، ما مَحَلُّها ؟ (قُلْتُ): لا مَحَلَّ لَها، لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةُ جَوابٌ (لِقَوْلِهِمْ)، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]؛ انْتَهى. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً فَمَوْضِعُها نَصْبٌ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ، أيْ: عِلْمُهم بِأعْجَمِيَّةِ هَذا البَشَرِ وإبانَةِ عَرَبِيَّةِ هَذا القُرْآنَ كانَ يَمْنَعُهم مِن تِلْكَ المَقالَةِ، كَما تَقُولُ: تَشْتُمُ فُلانًا وهو قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ، أيْ: عِلْمُكَ بِإحْسانِهِ لَكَ كانَ يَقْتَضِي مَنعَكَ مِن شَتْمِهِ. وإنَّما ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى الِاسْتِئْنافِ ولَمْ يَذْهَبْ إلى الحالِ، لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ مَجِيءَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الِاسْمِيَّةِ بِغَيْرِ واوٍ شاذٌّ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ جِدًّا، ومَجِيءُ ذَلِكَ بِغَيْرِ واوٍ لا يَكادُ يَنْحَصِرُ كَثْرَةً في كَلامِ العَرَبِ، وهو مَذْهَبٌ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ، وأمّا (واللَّهُ أعْلَمُ) فَظاهِرُ قَوْلِهِ فِيها، لِأنَّها جُمْلَةٌ خالِيَةٌ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى ذِي الحالِ، لِأنَّ ذا الحالِ هو ضَمِيرُ قالُوا، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذُو الحالِ ضَمِيرُ (يَقُولُونَ)، والضَّمِيرُ الَّذِي في جُمْلَةِ الحالِ هو ضَمِيرُ الفاعِلِ في (يُلْحِدُونَ)، فالجُمْلَةُ وإنْ عُرِّيَتْ عَنِ الواوِ فَفِيها ضَمِيرُ ذِي الحالِ.
النحل 16:99
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] (p-٥٣٥)وذَكَرَ أشْياءَ مِمّا بَيَّنَ في الكِتابِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ [النحل: ٩٧] ذَكَرَ ما يَصُونُ بِهِ القارِئُ قِراءَتَهُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ ونَزْغِهِ، فَخاطَبَ السّامِعَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ إذا أخَذَ في القِراءَةِ. فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ لَفْظًا فالمُرادُ أُمَّتُهُ، إذْ كانَتْ قِراءَةُ القُرْآنِ مِن أجَلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «إنَّ ثَوابَ قِراءَةِ كُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ» والظّاهِرُ بِعَقِبِ الِاسْتِعاذَةِ. وقَدْ رَوى ذَلِكَ بَعْضُ الرُّواةِ عَنْ حَمْزَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ قالَ: كُلَّما قَرَأْتَ الفاتِحَةَ - حِينَ تَقُولُ: آمِينَ - فاسْتَعِذْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وداوُدَ. تَعْقُبُها القِراءَةُ كَما رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ والجُمْهُورِ: عَلى تَرْكِ هَذا الظّاهِرِ وتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى: فَإذا أرَدْتَ القِراءَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الفِعْلَ يُوجَدُ عِنْدَ القَصْدِ والإرادَةِ بِغَيْرِ فاصِلٍ وعَلى حَسْبِهِ، فَكانَ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ ومُلابَسَةٍ ظاهِرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكَقَوْلِهِ: «إذا أكَلْتَ فَسَمِّ اللَّهَ» وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا: وصْلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا أخَذْتَ في قِراءَةِ القُرْآنِ فاسْتَعِذْ، أمْرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ. فالجُمْهُورُ عَلى النَّدْبِ، وعَنْ عَطاءٍ الوُجُوبُ. والظّاهِرُ: طَلَبُ الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ مُطْلَقًا، والظّاهِرُ: أنَّ الشَّيْطانَ المُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وأعْوانُهُ. وقِيلَ: عامٌّ في كُلِّ مُتَمَرِّدٍ عاتٍ مِن جِنٍّ وإنْسٍ، كَما قالَ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ. واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِعاذَةِ، والَّذِي صارَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ وغَيْرِهِمْ واخْتارُوهُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، لِما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”أنَّهُ اسْتَعاذَ عِنْدَ القِراءَةِ بِهَذا اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ“ ونَفى تَعالى سُلْطانَ الشَّيْطانِ عَنِ المُؤْمِنِينَ. والسُّلْطانُ هُنا: التَّسْلِيطُ والوِلايَةُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْبَلُونَ مِنهُ ولا يُطِيعُونَهُ فِيما يُرِيدُ مِنهم مِنِ اتِّباعِ خُطُواتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وكَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهُ فَقالَ في قِصَّةِ أوْلِيائِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّلْطانِ: الحُجَّةُ، وظاهِرُ الإخْبارِ انْتِفاءُ سَلْطَنَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ لِاسْتِعاذَتِهِمْ مِنهُ. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ أنْ يَحْمِلَهم عَلى ذَنْبٍ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (بِهِمْ)، وقِيلَ: عَلى الشَّيْطانِ، وهو الظّاهِرُ لِاتِّفاقِ الضَّمائِرِ والمَعْنى: والَّذِينَ هم بِإشْراكِهِمْ إبْلِيسَ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ يَقْتَضِي أنَّها تَصْرِفُ كَيْدَ الشَّيْطانِ، كَأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ والِانْقِطاعَ إلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْزالَ الكِتابِ تَبْيِينًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وأمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ قِراءَتِهِ، ذَكَرَ تَعالى نَتِيجَةَ وِلايَةِ الشَّيْطانِ لِأوْلِيائِهِ المُشْرِكِينَ، وما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الأباطِيلِ، فَألْقى إلَيْهِمْ إنْكارَ النَّسْخِ لَمّا رَأوْا تَبْدِيلَ آيَةٍ مَكانَ آيَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في النَّسْخِ في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّبْدِيلَ رَفَعَ آيَةً لَفْظًا ومَعْنًى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّبْدِيلُ لِحُكْمِ المَعْنى وإبْقاءِ اللَّفْظِ. ووَجَدَ الكُفّارُ بِذَلِكَ طَعْنًا في الدِّينِ، وما عَلِمُوا أنَّ المَصالِحَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ والأشْخاصِ، وكَما وقَعَ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ يَقَعُ في شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ العالِمُ بِما يُنَزِّلُ لا أنْتُمْ، وما يُنَزِّلُ مِمّا يُقِرُّهُ وما يَرْفَعُهُ، فَمَرْجِعُ عِلْمِ ذَلِكَ إلَيْهِ، وهو عَلى حَسْبِ الحَوادِثِ والمَصالِحِ، وهَذِهِ حِكْمَةُ إنْزالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا. وبالَغُوا في نِسْبَةِ الِافْتِراءِ لِلرَّسُولِ بِلَفْظِ إنَّما، وبِمُواجِهَةِ الخِطابِ، وباسِمِ الفاعِلِ الدّالِّ عَلى الثُّبُوتِ، وقالَ: بَلْ أكْثَرُهم، لِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُ ويَكْفُرُ عِنادًا. ومَفْعُولُ (لا يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الشَّرائِعَ حِكَمٌ ومَصالِحُ. هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وُقُوعِ نَسْخِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ. ورُوحُ القُدُسِ: هُنا هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا خِلافٍ، وتَقَدَّمَ لِمَ سُمِّيَ رُوحَ القُدُسِ. وأضافَ الرَّبَّ إلى كافِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِاخْتِصاصِ الإضافَةِ، وإعْراضًا (p-٥٣٦)عَنْهم، إذْ لَمْ يُضِفْ إلَيْهِمْ. وبِالحَقِّ حالٌ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ سَواءٌ كانَ ناسِخًا أوْ مَنسُوخًا، فَكُلُّهُ مَصْحُوبٌ بِالحَقِّ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِنَ الباطِلِ. ولِيُثْبِتَ مَعْناهُ أنَّهم لا يَضْطَرِبُونَ في شَيْءٍ مِنهُ لِكَوْنِهِ نُسِخَ، بَلِ النَّسْخُ مُثَبِّتٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ جَمِيعُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِصِحَّةِ إيمانِهِمْ واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَكِيمٌ، وأنَّ أفْعالَهُ كُلَّها صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ، فَهي صَوابُ كُلُّها. ودَلَّ اخْتِصاصُ التَّعْلِيلِ بِالمُسْلِمِينَ عَلى اتِّصافِ الكُفّارِ بِضِدِّهِ مِن لَحاقِ الِاضْطِرابِ لَهم وتَزَلْزُلِ عَقائِدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وقُرِئَ: لِيُثْبِتَ، مُخَفَّفًا مِن أثْبَتَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهُدًى وبُشْرى، مَفْعُولٌ لَهُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلٍّ لِيُثْبِتَ؛ انْتَهى. وتَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ في نَحْوِ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] وهُدًى ورَحْمَةً في هَذِهِ السُّورَةِ. ولا يَمْتَنِعُ عَطْفُهُ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ والفِعْلِ، لِأنَّهُ مَجْرُورٌ، فَيَكُونُ (وهُدًى وبُشْرى) مَجْرُورَيْنِ كَما تَقُولُ: جِئْتُ لِأُحْسِنَ إلى زَيْدٍ وإكْرامٍ لِخالِدٍ، إذِ التَّقْدِيرُ: لِإحْسانٍ إلى زَيْدٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وهو هُدًى وبُشْرى. ولَمّا نَسَبُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلِافْتِراءِ وهو الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الِافْتِراءَ الَّذِي نَسَبُوهُ هو مِن تَعْلِيمِ بَشَرٍ إيّاهُ، فَلَيْسَ هو المُخْتَلِقُ بَلِ المُخْتَلِقُ غَيْرُهُ، وهو ناقِلٌ عَنْهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِمْ: إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ. إنَّ مَعْناهُ: مُخْتَلِقُ الكَذِبِ، وهو يُنافِي التَّعَلُّمَ مِنَ البَشَرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مُفْتَرٍ﴾، في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا فِيهِ طائِفَتَيْنِ: طائِفَةً ذَهَبَتْ إلى أنَّهُ هو المُفْتَرِي، وطائِفَةً أنَّهُ يَتَعَلَّمُ مِنَ البَشَرِ. ويُعَلِّمُ مُضارِعُ اللَّفْظِ ومَعْناهُ: المُضِيُّ، أيْ: ولَقَدْ عَلِمْنا، وجاءَ إسْنادُ التَّعْلِيمِ إلى مُبْهَمٍ لَمْ يُعَيَّنْ. فَقِيلَ: هو حَبْرٌ غُلامٌ رُومِيٌّ كانَ لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وقِيلَ: عائِشٌ أوْ يَعِيشُ، وكانَ صاحِبَ كُتُبِ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى وكانَ قَدْ أسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ قالَهُ: الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. وقِيلَ: أبُو فَكِيهَةَ أعْجَمِيٌّ: مَوْلى لِامْرَأةٍ بِمَكَّةَ. قِيلَ: واسْمُهُ يَسارٌ وكانَ يَهُودِيًّا؛ قالَهُ: مُقاتِلٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ كانَ يَهُودِيًّا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ رَجُلًا حَدّادًا نَصْرانِيًّا اسْمُهُ عَنَسٌ. وقالَ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ: كانَ لَنا غُلامانِ نَصْرانِيّانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، يَسارٌ وحَبْرٌ، كانا يَقْرَآنِ كُتُبًا لَهُما بِلِسانِهِمْ، وكانَ ﷺ يَمُرُّ بِهِما فَيَسْمَعُ قِراءَتَهُما. قِيلَ: وكانا حَدّادَيْنِ يَصْنَعانِ السُّيُوفَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: يَتَعَلَّمُ مِنهُما، فَقِيلَ لِأحَدِهِما ذَلِكَ فَقالَ: بَلْ هو يُعَلِّمُنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: بَلْعامُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُ الإسْلامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا مِن جِهَةِ الأعاجِمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الإشارَةُ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وضُعِّفَ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ سَلْمانَ إنَّما أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ما نُبِّهَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَدَنِيٌّ. واللِّسانُ: هُنا: اللُّغَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ: اللِّسانُ الَّذِي بِتَعْرِيفِ اللِّسانِ بِالـ، والَّذِي صِفَتُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَلْحَدُونَ مَن لَحَدَ ثُلاثِيًّا، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ، والسُّلَمِيِّ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، وابْنُ القَعْقاعِ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مَن ألْحَدَ رُباعِيًّا وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ ألْحَدَ القَبْرَ ولَحَدَهُ، فَهو مُلْحِدٌ ومَلْحُودٌ إذا أمالَ حَفْرَهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شِقٍّ مِنهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إمالَةٍ عَنِ اسْتِقامَةٍ فَقالُوا: ألْحَدَ فُلانٌ في قَوْلِهِ: وألْحَدَ في دِينِهِ لِأنَّهُ أمالَ دِينَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، لَمْ يُمِلْهُ مِن دِينٍ إلى دِينٍ. والمَعْنى: لِسانُ الرَّجُلِ الَّذِي يُمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ لِسانٌ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ بَيِّنٍ، وهَذا القُرْآنُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ، رَدًّا لِقَوْلِهِمْ وإبْطالًا لِطَعْنِهِمْ؛ انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ اللِّسانَ في المَوْضِعَيْنِ: اللُّغَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: وهَذا سَرْدُ لِسانٍ أوْ نُطْقُ لِسانٍ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهَذا عَلى أنْ يُجْعَلَ اللِّسانُ هُنا الجارِحَةَ. واللِّسانُ في كَلامِ العَرَبِ: اللُّغَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: (p-٥٣٧)المَعْنى: أنْتُمْ أفْصَحُ وأبْلَغُهم وأقْدَرُهم عَلى الكَلامِ نَظْمًا ونَثْرًا، وقَدْ عَجَزْتُمْ وعَجَزَ جَمِيعُ العَرَبِ، فَكَيْفَ تَنْسُبُونَهُ إلى أعْجَمِيٍّ ألْكَنَ ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الجُمْلَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾، ما مَحَلُّها ؟ (قُلْتُ): لا مَحَلَّ لَها، لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةُ جَوابٌ (لِقَوْلِهِمْ)، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]؛ انْتَهى. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً فَمَوْضِعُها نَصْبٌ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ، أيْ: عِلْمُهم بِأعْجَمِيَّةِ هَذا البَشَرِ وإبانَةِ عَرَبِيَّةِ هَذا القُرْآنَ كانَ يَمْنَعُهم مِن تِلْكَ المَقالَةِ، كَما تَقُولُ: تَشْتُمُ فُلانًا وهو قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ، أيْ: عِلْمُكَ بِإحْسانِهِ لَكَ كانَ يَقْتَضِي مَنعَكَ مِن شَتْمِهِ. وإنَّما ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى الِاسْتِئْنافِ ولَمْ يَذْهَبْ إلى الحالِ، لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ مَجِيءَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الِاسْمِيَّةِ بِغَيْرِ واوٍ شاذٌّ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ جِدًّا، ومَجِيءُ ذَلِكَ بِغَيْرِ واوٍ لا يَكادُ يَنْحَصِرُ كَثْرَةً في كَلامِ العَرَبِ، وهو مَذْهَبٌ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ، وأمّا (واللَّهُ أعْلَمُ) فَظاهِرُ قَوْلِهِ فِيها، لِأنَّها جُمْلَةٌ خالِيَةٌ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى ذِي الحالِ، لِأنَّ ذا الحالِ هو ضَمِيرُ قالُوا، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذُو الحالِ ضَمِيرُ (يَقُولُونَ)، والضَّمِيرُ الَّذِي في جُمْلَةِ الحالِ هو ضَمِيرُ الفاعِلِ في (يُلْحِدُونَ)، فالجُمْلَةُ وإنْ عُرِّيَتْ عَنِ الواوِ فَفِيها ضَمِيرُ ذِي الحالِ.
النحل 16:100
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] (p-٥٣٥)وذَكَرَ أشْياءَ مِمّا بَيَّنَ في الكِتابِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ [النحل: ٩٧] ذَكَرَ ما يَصُونُ بِهِ القارِئُ قِراءَتَهُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ ونَزْغِهِ، فَخاطَبَ السّامِعَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ إذا أخَذَ في القِراءَةِ. فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ لَفْظًا فالمُرادُ أُمَّتُهُ، إذْ كانَتْ قِراءَةُ القُرْآنِ مِن أجَلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «إنَّ ثَوابَ قِراءَةِ كُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ» والظّاهِرُ بِعَقِبِ الِاسْتِعاذَةِ. وقَدْ رَوى ذَلِكَ بَعْضُ الرُّواةِ عَنْ حَمْزَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ قالَ: كُلَّما قَرَأْتَ الفاتِحَةَ - حِينَ تَقُولُ: آمِينَ - فاسْتَعِذْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وداوُدَ. تَعْقُبُها القِراءَةُ كَما رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ والجُمْهُورِ: عَلى تَرْكِ هَذا الظّاهِرِ وتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى: فَإذا أرَدْتَ القِراءَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الفِعْلَ يُوجَدُ عِنْدَ القَصْدِ والإرادَةِ بِغَيْرِ فاصِلٍ وعَلى حَسْبِهِ، فَكانَ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ ومُلابَسَةٍ ظاهِرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكَقَوْلِهِ: «إذا أكَلْتَ فَسَمِّ اللَّهَ» وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا: وصْلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا أخَذْتَ في قِراءَةِ القُرْآنِ فاسْتَعِذْ، أمْرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ. فالجُمْهُورُ عَلى النَّدْبِ، وعَنْ عَطاءٍ الوُجُوبُ. والظّاهِرُ: طَلَبُ الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ مُطْلَقًا، والظّاهِرُ: أنَّ الشَّيْطانَ المُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وأعْوانُهُ. وقِيلَ: عامٌّ في كُلِّ مُتَمَرِّدٍ عاتٍ مِن جِنٍّ وإنْسٍ، كَما قالَ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ. واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِعاذَةِ، والَّذِي صارَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ وغَيْرِهِمْ واخْتارُوهُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، لِما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”أنَّهُ اسْتَعاذَ عِنْدَ القِراءَةِ بِهَذا اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ“ ونَفى تَعالى سُلْطانَ الشَّيْطانِ عَنِ المُؤْمِنِينَ. والسُّلْطانُ هُنا: التَّسْلِيطُ والوِلايَةُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْبَلُونَ مِنهُ ولا يُطِيعُونَهُ فِيما يُرِيدُ مِنهم مِنِ اتِّباعِ خُطُواتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وكَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهُ فَقالَ في قِصَّةِ أوْلِيائِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّلْطانِ: الحُجَّةُ، وظاهِرُ الإخْبارِ انْتِفاءُ سَلْطَنَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ لِاسْتِعاذَتِهِمْ مِنهُ. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ أنْ يَحْمِلَهم عَلى ذَنْبٍ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (بِهِمْ)، وقِيلَ: عَلى الشَّيْطانِ، وهو الظّاهِرُ لِاتِّفاقِ الضَّمائِرِ والمَعْنى: والَّذِينَ هم بِإشْراكِهِمْ إبْلِيسَ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ يَقْتَضِي أنَّها تَصْرِفُ كَيْدَ الشَّيْطانِ، كَأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ والِانْقِطاعَ إلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْزالَ الكِتابِ تَبْيِينًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وأمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ قِراءَتِهِ، ذَكَرَ تَعالى نَتِيجَةَ وِلايَةِ الشَّيْطانِ لِأوْلِيائِهِ المُشْرِكِينَ، وما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الأباطِيلِ، فَألْقى إلَيْهِمْ إنْكارَ النَّسْخِ لَمّا رَأوْا تَبْدِيلَ آيَةٍ مَكانَ آيَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في النَّسْخِ في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّبْدِيلَ رَفَعَ آيَةً لَفْظًا ومَعْنًى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّبْدِيلُ لِحُكْمِ المَعْنى وإبْقاءِ اللَّفْظِ. ووَجَدَ الكُفّارُ بِذَلِكَ طَعْنًا في الدِّينِ، وما عَلِمُوا أنَّ المَصالِحَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ والأشْخاصِ، وكَما وقَعَ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ يَقَعُ في شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ العالِمُ بِما يُنَزِّلُ لا أنْتُمْ، وما يُنَزِّلُ مِمّا يُقِرُّهُ وما يَرْفَعُهُ، فَمَرْجِعُ عِلْمِ ذَلِكَ إلَيْهِ، وهو عَلى حَسْبِ الحَوادِثِ والمَصالِحِ، وهَذِهِ حِكْمَةُ إنْزالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا. وبالَغُوا في نِسْبَةِ الِافْتِراءِ لِلرَّسُولِ بِلَفْظِ إنَّما، وبِمُواجِهَةِ الخِطابِ، وباسِمِ الفاعِلِ الدّالِّ عَلى الثُّبُوتِ، وقالَ: بَلْ أكْثَرُهم، لِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُ ويَكْفُرُ عِنادًا. ومَفْعُولُ (لا يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الشَّرائِعَ حِكَمٌ ومَصالِحُ. هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وُقُوعِ نَسْخِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ. ورُوحُ القُدُسِ: هُنا هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا خِلافٍ، وتَقَدَّمَ لِمَ سُمِّيَ رُوحَ القُدُسِ. وأضافَ الرَّبَّ إلى كافِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِاخْتِصاصِ الإضافَةِ، وإعْراضًا (p-٥٣٦)عَنْهم، إذْ لَمْ يُضِفْ إلَيْهِمْ. وبِالحَقِّ حالٌ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ سَواءٌ كانَ ناسِخًا أوْ مَنسُوخًا، فَكُلُّهُ مَصْحُوبٌ بِالحَقِّ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِنَ الباطِلِ. ولِيُثْبِتَ مَعْناهُ أنَّهم لا يَضْطَرِبُونَ في شَيْءٍ مِنهُ لِكَوْنِهِ نُسِخَ، بَلِ النَّسْخُ مُثَبِّتٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ جَمِيعُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِصِحَّةِ إيمانِهِمْ واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَكِيمٌ، وأنَّ أفْعالَهُ كُلَّها صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ، فَهي صَوابُ كُلُّها. ودَلَّ اخْتِصاصُ التَّعْلِيلِ بِالمُسْلِمِينَ عَلى اتِّصافِ الكُفّارِ بِضِدِّهِ مِن لَحاقِ الِاضْطِرابِ لَهم وتَزَلْزُلِ عَقائِدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وقُرِئَ: لِيُثْبِتَ، مُخَفَّفًا مِن أثْبَتَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهُدًى وبُشْرى، مَفْعُولٌ لَهُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلٍّ لِيُثْبِتَ؛ انْتَهى. وتَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ في نَحْوِ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] وهُدًى ورَحْمَةً في هَذِهِ السُّورَةِ. ولا يَمْتَنِعُ عَطْفُهُ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ والفِعْلِ، لِأنَّهُ مَجْرُورٌ، فَيَكُونُ (وهُدًى وبُشْرى) مَجْرُورَيْنِ كَما تَقُولُ: جِئْتُ لِأُحْسِنَ إلى زَيْدٍ وإكْرامٍ لِخالِدٍ، إذِ التَّقْدِيرُ: لِإحْسانٍ إلى زَيْدٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وهو هُدًى وبُشْرى. ولَمّا نَسَبُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلِافْتِراءِ وهو الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الِافْتِراءَ الَّذِي نَسَبُوهُ هو مِن تَعْلِيمِ بَشَرٍ إيّاهُ، فَلَيْسَ هو المُخْتَلِقُ بَلِ المُخْتَلِقُ غَيْرُهُ، وهو ناقِلٌ عَنْهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِمْ: إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ. إنَّ مَعْناهُ: مُخْتَلِقُ الكَذِبِ، وهو يُنافِي التَّعَلُّمَ مِنَ البَشَرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مُفْتَرٍ﴾، في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا فِيهِ طائِفَتَيْنِ: طائِفَةً ذَهَبَتْ إلى أنَّهُ هو المُفْتَرِي، وطائِفَةً أنَّهُ يَتَعَلَّمُ مِنَ البَشَرِ. ويُعَلِّمُ مُضارِعُ اللَّفْظِ ومَعْناهُ: المُضِيُّ، أيْ: ولَقَدْ عَلِمْنا، وجاءَ إسْنادُ التَّعْلِيمِ إلى مُبْهَمٍ لَمْ يُعَيَّنْ. فَقِيلَ: هو حَبْرٌ غُلامٌ رُومِيٌّ كانَ لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وقِيلَ: عائِشٌ أوْ يَعِيشُ، وكانَ صاحِبَ كُتُبِ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى وكانَ قَدْ أسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ قالَهُ: الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. وقِيلَ: أبُو فَكِيهَةَ أعْجَمِيٌّ: مَوْلى لِامْرَأةٍ بِمَكَّةَ. قِيلَ: واسْمُهُ يَسارٌ وكانَ يَهُودِيًّا؛ قالَهُ: مُقاتِلٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ كانَ يَهُودِيًّا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ رَجُلًا حَدّادًا نَصْرانِيًّا اسْمُهُ عَنَسٌ. وقالَ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ: كانَ لَنا غُلامانِ نَصْرانِيّانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، يَسارٌ وحَبْرٌ، كانا يَقْرَآنِ كُتُبًا لَهُما بِلِسانِهِمْ، وكانَ ﷺ يَمُرُّ بِهِما فَيَسْمَعُ قِراءَتَهُما. قِيلَ: وكانا حَدّادَيْنِ يَصْنَعانِ السُّيُوفَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: يَتَعَلَّمُ مِنهُما، فَقِيلَ لِأحَدِهِما ذَلِكَ فَقالَ: بَلْ هو يُعَلِّمُنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: بَلْعامُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُ الإسْلامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا مِن جِهَةِ الأعاجِمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الإشارَةُ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وضُعِّفَ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ سَلْمانَ إنَّما أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ما نُبِّهَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَدَنِيٌّ. واللِّسانُ: هُنا: اللُّغَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ: اللِّسانُ الَّذِي بِتَعْرِيفِ اللِّسانِ بِالـ، والَّذِي صِفَتُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَلْحَدُونَ مَن لَحَدَ ثُلاثِيًّا، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ، والسُّلَمِيِّ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، وابْنُ القَعْقاعِ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مَن ألْحَدَ رُباعِيًّا وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ ألْحَدَ القَبْرَ ولَحَدَهُ، فَهو مُلْحِدٌ ومَلْحُودٌ إذا أمالَ حَفْرَهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شِقٍّ مِنهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إمالَةٍ عَنِ اسْتِقامَةٍ فَقالُوا: ألْحَدَ فُلانٌ في قَوْلِهِ: وألْحَدَ في دِينِهِ لِأنَّهُ أمالَ دِينَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، لَمْ يُمِلْهُ مِن دِينٍ إلى دِينٍ. والمَعْنى: لِسانُ الرَّجُلِ الَّذِي يُمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ لِسانٌ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ بَيِّنٍ، وهَذا القُرْآنُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ، رَدًّا لِقَوْلِهِمْ وإبْطالًا لِطَعْنِهِمْ؛ انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ اللِّسانَ في المَوْضِعَيْنِ: اللُّغَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: وهَذا سَرْدُ لِسانٍ أوْ نُطْقُ لِسانٍ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهَذا عَلى أنْ يُجْعَلَ اللِّسانُ هُنا الجارِحَةَ. واللِّسانُ في كَلامِ العَرَبِ: اللُّغَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: (p-٥٣٧)المَعْنى: أنْتُمْ أفْصَحُ وأبْلَغُهم وأقْدَرُهم عَلى الكَلامِ نَظْمًا ونَثْرًا، وقَدْ عَجَزْتُمْ وعَجَزَ جَمِيعُ العَرَبِ، فَكَيْفَ تَنْسُبُونَهُ إلى أعْجَمِيٍّ ألْكَنَ ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الجُمْلَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾، ما مَحَلُّها ؟ (قُلْتُ): لا مَحَلَّ لَها، لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةُ جَوابٌ (لِقَوْلِهِمْ)، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]؛ انْتَهى. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً فَمَوْضِعُها نَصْبٌ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ، أيْ: عِلْمُهم بِأعْجَمِيَّةِ هَذا البَشَرِ وإبانَةِ عَرَبِيَّةِ هَذا القُرْآنَ كانَ يَمْنَعُهم مِن تِلْكَ المَقالَةِ، كَما تَقُولُ: تَشْتُمُ فُلانًا وهو قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ، أيْ: عِلْمُكَ بِإحْسانِهِ لَكَ كانَ يَقْتَضِي مَنعَكَ مِن شَتْمِهِ. وإنَّما ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى الِاسْتِئْنافِ ولَمْ يَذْهَبْ إلى الحالِ، لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ مَجِيءَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الِاسْمِيَّةِ بِغَيْرِ واوٍ شاذٌّ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ جِدًّا، ومَجِيءُ ذَلِكَ بِغَيْرِ واوٍ لا يَكادُ يَنْحَصِرُ كَثْرَةً في كَلامِ العَرَبِ، وهو مَذْهَبٌ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ، وأمّا (واللَّهُ أعْلَمُ) فَظاهِرُ قَوْلِهِ فِيها، لِأنَّها جُمْلَةٌ خالِيَةٌ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى ذِي الحالِ، لِأنَّ ذا الحالِ هو ضَمِيرُ قالُوا، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذُو الحالِ ضَمِيرُ (يَقُولُونَ)، والضَّمِيرُ الَّذِي في جُمْلَةِ الحالِ هو ضَمِيرُ الفاعِلِ في (يُلْحِدُونَ)، فالجُمْلَةُ وإنْ عُرِّيَتْ عَنِ الواوِ فَفِيها ضَمِيرُ ذِي الحالِ.
النحل 16:101
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] (p-٥٣٥)وذَكَرَ أشْياءَ مِمّا بَيَّنَ في الكِتابِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ [النحل: ٩٧] ذَكَرَ ما يَصُونُ بِهِ القارِئُ قِراءَتَهُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ ونَزْغِهِ، فَخاطَبَ السّامِعَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ إذا أخَذَ في القِراءَةِ. فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ لَفْظًا فالمُرادُ أُمَّتُهُ، إذْ كانَتْ قِراءَةُ القُرْآنِ مِن أجَلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «إنَّ ثَوابَ قِراءَةِ كُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ» والظّاهِرُ بِعَقِبِ الِاسْتِعاذَةِ. وقَدْ رَوى ذَلِكَ بَعْضُ الرُّواةِ عَنْ حَمْزَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ قالَ: كُلَّما قَرَأْتَ الفاتِحَةَ - حِينَ تَقُولُ: آمِينَ - فاسْتَعِذْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وداوُدَ. تَعْقُبُها القِراءَةُ كَما رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ والجُمْهُورِ: عَلى تَرْكِ هَذا الظّاهِرِ وتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى: فَإذا أرَدْتَ القِراءَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الفِعْلَ يُوجَدُ عِنْدَ القَصْدِ والإرادَةِ بِغَيْرِ فاصِلٍ وعَلى حَسْبِهِ، فَكانَ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ ومُلابَسَةٍ ظاهِرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكَقَوْلِهِ: «إذا أكَلْتَ فَسَمِّ اللَّهَ» وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا: وصْلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا أخَذْتَ في قِراءَةِ القُرْآنِ فاسْتَعِذْ، أمْرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ. فالجُمْهُورُ عَلى النَّدْبِ، وعَنْ عَطاءٍ الوُجُوبُ. والظّاهِرُ: طَلَبُ الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ مُطْلَقًا، والظّاهِرُ: أنَّ الشَّيْطانَ المُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وأعْوانُهُ. وقِيلَ: عامٌّ في كُلِّ مُتَمَرِّدٍ عاتٍ مِن جِنٍّ وإنْسٍ، كَما قالَ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ. واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِعاذَةِ، والَّذِي صارَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ وغَيْرِهِمْ واخْتارُوهُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، لِما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”أنَّهُ اسْتَعاذَ عِنْدَ القِراءَةِ بِهَذا اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ“ ونَفى تَعالى سُلْطانَ الشَّيْطانِ عَنِ المُؤْمِنِينَ. والسُّلْطانُ هُنا: التَّسْلِيطُ والوِلايَةُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْبَلُونَ مِنهُ ولا يُطِيعُونَهُ فِيما يُرِيدُ مِنهم مِنِ اتِّباعِ خُطُواتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وكَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهُ فَقالَ في قِصَّةِ أوْلِيائِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّلْطانِ: الحُجَّةُ، وظاهِرُ الإخْبارِ انْتِفاءُ سَلْطَنَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ لِاسْتِعاذَتِهِمْ مِنهُ. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ أنْ يَحْمِلَهم عَلى ذَنْبٍ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (بِهِمْ)، وقِيلَ: عَلى الشَّيْطانِ، وهو الظّاهِرُ لِاتِّفاقِ الضَّمائِرِ والمَعْنى: والَّذِينَ هم بِإشْراكِهِمْ إبْلِيسَ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ يَقْتَضِي أنَّها تَصْرِفُ كَيْدَ الشَّيْطانِ، كَأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ والِانْقِطاعَ إلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْزالَ الكِتابِ تَبْيِينًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وأمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ قِراءَتِهِ، ذَكَرَ تَعالى نَتِيجَةَ وِلايَةِ الشَّيْطانِ لِأوْلِيائِهِ المُشْرِكِينَ، وما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الأباطِيلِ، فَألْقى إلَيْهِمْ إنْكارَ النَّسْخِ لَمّا رَأوْا تَبْدِيلَ آيَةٍ مَكانَ آيَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في النَّسْخِ في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّبْدِيلَ رَفَعَ آيَةً لَفْظًا ومَعْنًى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّبْدِيلُ لِحُكْمِ المَعْنى وإبْقاءِ اللَّفْظِ. ووَجَدَ الكُفّارُ بِذَلِكَ طَعْنًا في الدِّينِ، وما عَلِمُوا أنَّ المَصالِحَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ والأشْخاصِ، وكَما وقَعَ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ يَقَعُ في شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ العالِمُ بِما يُنَزِّلُ لا أنْتُمْ، وما يُنَزِّلُ مِمّا يُقِرُّهُ وما يَرْفَعُهُ، فَمَرْجِعُ عِلْمِ ذَلِكَ إلَيْهِ، وهو عَلى حَسْبِ الحَوادِثِ والمَصالِحِ، وهَذِهِ حِكْمَةُ إنْزالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا. وبالَغُوا في نِسْبَةِ الِافْتِراءِ لِلرَّسُولِ بِلَفْظِ إنَّما، وبِمُواجِهَةِ الخِطابِ، وباسِمِ الفاعِلِ الدّالِّ عَلى الثُّبُوتِ، وقالَ: بَلْ أكْثَرُهم، لِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُ ويَكْفُرُ عِنادًا. ومَفْعُولُ (لا يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الشَّرائِعَ حِكَمٌ ومَصالِحُ. هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وُقُوعِ نَسْخِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ. ورُوحُ القُدُسِ: هُنا هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا خِلافٍ، وتَقَدَّمَ لِمَ سُمِّيَ رُوحَ القُدُسِ. وأضافَ الرَّبَّ إلى كافِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِاخْتِصاصِ الإضافَةِ، وإعْراضًا (p-٥٣٦)عَنْهم، إذْ لَمْ يُضِفْ إلَيْهِمْ. وبِالحَقِّ حالٌ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ سَواءٌ كانَ ناسِخًا أوْ مَنسُوخًا، فَكُلُّهُ مَصْحُوبٌ بِالحَقِّ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِنَ الباطِلِ. ولِيُثْبِتَ مَعْناهُ أنَّهم لا يَضْطَرِبُونَ في شَيْءٍ مِنهُ لِكَوْنِهِ نُسِخَ، بَلِ النَّسْخُ مُثَبِّتٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ جَمِيعُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِصِحَّةِ إيمانِهِمْ واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَكِيمٌ، وأنَّ أفْعالَهُ كُلَّها صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ، فَهي صَوابُ كُلُّها. ودَلَّ اخْتِصاصُ التَّعْلِيلِ بِالمُسْلِمِينَ عَلى اتِّصافِ الكُفّارِ بِضِدِّهِ مِن لَحاقِ الِاضْطِرابِ لَهم وتَزَلْزُلِ عَقائِدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وقُرِئَ: لِيُثْبِتَ، مُخَفَّفًا مِن أثْبَتَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهُدًى وبُشْرى، مَفْعُولٌ لَهُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلٍّ لِيُثْبِتَ؛ انْتَهى. وتَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ في نَحْوِ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] وهُدًى ورَحْمَةً في هَذِهِ السُّورَةِ. ولا يَمْتَنِعُ عَطْفُهُ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ والفِعْلِ، لِأنَّهُ مَجْرُورٌ، فَيَكُونُ (وهُدًى وبُشْرى) مَجْرُورَيْنِ كَما تَقُولُ: جِئْتُ لِأُحْسِنَ إلى زَيْدٍ وإكْرامٍ لِخالِدٍ، إذِ التَّقْدِيرُ: لِإحْسانٍ إلى زَيْدٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وهو هُدًى وبُشْرى. ولَمّا نَسَبُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلِافْتِراءِ وهو الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الِافْتِراءَ الَّذِي نَسَبُوهُ هو مِن تَعْلِيمِ بَشَرٍ إيّاهُ، فَلَيْسَ هو المُخْتَلِقُ بَلِ المُخْتَلِقُ غَيْرُهُ، وهو ناقِلٌ عَنْهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِمْ: إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ. إنَّ مَعْناهُ: مُخْتَلِقُ الكَذِبِ، وهو يُنافِي التَّعَلُّمَ مِنَ البَشَرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مُفْتَرٍ﴾، في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا فِيهِ طائِفَتَيْنِ: طائِفَةً ذَهَبَتْ إلى أنَّهُ هو المُفْتَرِي، وطائِفَةً أنَّهُ يَتَعَلَّمُ مِنَ البَشَرِ. ويُعَلِّمُ مُضارِعُ اللَّفْظِ ومَعْناهُ: المُضِيُّ، أيْ: ولَقَدْ عَلِمْنا، وجاءَ إسْنادُ التَّعْلِيمِ إلى مُبْهَمٍ لَمْ يُعَيَّنْ. فَقِيلَ: هو حَبْرٌ غُلامٌ رُومِيٌّ كانَ لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وقِيلَ: عائِشٌ أوْ يَعِيشُ، وكانَ صاحِبَ كُتُبِ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى وكانَ قَدْ أسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ قالَهُ: الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. وقِيلَ: أبُو فَكِيهَةَ أعْجَمِيٌّ: مَوْلى لِامْرَأةٍ بِمَكَّةَ. قِيلَ: واسْمُهُ يَسارٌ وكانَ يَهُودِيًّا؛ قالَهُ: مُقاتِلٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ كانَ يَهُودِيًّا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ رَجُلًا حَدّادًا نَصْرانِيًّا اسْمُهُ عَنَسٌ. وقالَ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ: كانَ لَنا غُلامانِ نَصْرانِيّانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، يَسارٌ وحَبْرٌ، كانا يَقْرَآنِ كُتُبًا لَهُما بِلِسانِهِمْ، وكانَ ﷺ يَمُرُّ بِهِما فَيَسْمَعُ قِراءَتَهُما. قِيلَ: وكانا حَدّادَيْنِ يَصْنَعانِ السُّيُوفَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: يَتَعَلَّمُ مِنهُما، فَقِيلَ لِأحَدِهِما ذَلِكَ فَقالَ: بَلْ هو يُعَلِّمُنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: بَلْعامُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُ الإسْلامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا مِن جِهَةِ الأعاجِمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الإشارَةُ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وضُعِّفَ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ سَلْمانَ إنَّما أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ما نُبِّهَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَدَنِيٌّ. واللِّسانُ: هُنا: اللُّغَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ: اللِّسانُ الَّذِي بِتَعْرِيفِ اللِّسانِ بِالـ، والَّذِي صِفَتُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَلْحَدُونَ مَن لَحَدَ ثُلاثِيًّا، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ، والسُّلَمِيِّ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، وابْنُ القَعْقاعِ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مَن ألْحَدَ رُباعِيًّا وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ ألْحَدَ القَبْرَ ولَحَدَهُ، فَهو مُلْحِدٌ ومَلْحُودٌ إذا أمالَ حَفْرَهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شِقٍّ مِنهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إمالَةٍ عَنِ اسْتِقامَةٍ فَقالُوا: ألْحَدَ فُلانٌ في قَوْلِهِ: وألْحَدَ في دِينِهِ لِأنَّهُ أمالَ دِينَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، لَمْ يُمِلْهُ مِن دِينٍ إلى دِينٍ. والمَعْنى: لِسانُ الرَّجُلِ الَّذِي يُمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ لِسانٌ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ بَيِّنٍ، وهَذا القُرْآنُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ، رَدًّا لِقَوْلِهِمْ وإبْطالًا لِطَعْنِهِمْ؛ انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ اللِّسانَ في المَوْضِعَيْنِ: اللُّغَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: وهَذا سَرْدُ لِسانٍ أوْ نُطْقُ لِسانٍ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهَذا عَلى أنْ يُجْعَلَ اللِّسانُ هُنا الجارِحَةَ. واللِّسانُ في كَلامِ العَرَبِ: اللُّغَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: (p-٥٣٧)المَعْنى: أنْتُمْ أفْصَحُ وأبْلَغُهم وأقْدَرُهم عَلى الكَلامِ نَظْمًا ونَثْرًا، وقَدْ عَجَزْتُمْ وعَجَزَ جَمِيعُ العَرَبِ، فَكَيْفَ تَنْسُبُونَهُ إلى أعْجَمِيٍّ ألْكَنَ ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الجُمْلَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾، ما مَحَلُّها ؟ (قُلْتُ): لا مَحَلَّ لَها، لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةُ جَوابٌ (لِقَوْلِهِمْ)، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]؛ انْتَهى. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً فَمَوْضِعُها نَصْبٌ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ، أيْ: عِلْمُهم بِأعْجَمِيَّةِ هَذا البَشَرِ وإبانَةِ عَرَبِيَّةِ هَذا القُرْآنَ كانَ يَمْنَعُهم مِن تِلْكَ المَقالَةِ، كَما تَقُولُ: تَشْتُمُ فُلانًا وهو قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ، أيْ: عِلْمُكَ بِإحْسانِهِ لَكَ كانَ يَقْتَضِي مَنعَكَ مِن شَتْمِهِ. وإنَّما ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى الِاسْتِئْنافِ ولَمْ يَذْهَبْ إلى الحالِ، لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ مَجِيءَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الِاسْمِيَّةِ بِغَيْرِ واوٍ شاذٌّ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ جِدًّا، ومَجِيءُ ذَلِكَ بِغَيْرِ واوٍ لا يَكادُ يَنْحَصِرُ كَثْرَةً في كَلامِ العَرَبِ، وهو مَذْهَبٌ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ، وأمّا (واللَّهُ أعْلَمُ) فَظاهِرُ قَوْلِهِ فِيها، لِأنَّها جُمْلَةٌ خالِيَةٌ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى ذِي الحالِ، لِأنَّ ذا الحالِ هو ضَمِيرُ قالُوا، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذُو الحالِ ضَمِيرُ (يَقُولُونَ)، والضَّمِيرُ الَّذِي في جُمْلَةِ الحالِ هو ضَمِيرُ الفاعِلِ في (يُلْحِدُونَ)، فالجُمْلَةُ وإنْ عُرِّيَتْ عَنِ الواوِ فَفِيها ضَمِيرُ ذِي الحالِ.
النحل 16:102
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] (p-٥٣٥)وذَكَرَ أشْياءَ مِمّا بَيَّنَ في الكِتابِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ [النحل: ٩٧] ذَكَرَ ما يَصُونُ بِهِ القارِئُ قِراءَتَهُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ ونَزْغِهِ، فَخاطَبَ السّامِعَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ إذا أخَذَ في القِراءَةِ. فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ لَفْظًا فالمُرادُ أُمَّتُهُ، إذْ كانَتْ قِراءَةُ القُرْآنِ مِن أجَلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «إنَّ ثَوابَ قِراءَةِ كُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ» والظّاهِرُ بِعَقِبِ الِاسْتِعاذَةِ. وقَدْ رَوى ذَلِكَ بَعْضُ الرُّواةِ عَنْ حَمْزَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ قالَ: كُلَّما قَرَأْتَ الفاتِحَةَ - حِينَ تَقُولُ: آمِينَ - فاسْتَعِذْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وداوُدَ. تَعْقُبُها القِراءَةُ كَما رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ والجُمْهُورِ: عَلى تَرْكِ هَذا الظّاهِرِ وتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى: فَإذا أرَدْتَ القِراءَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الفِعْلَ يُوجَدُ عِنْدَ القَصْدِ والإرادَةِ بِغَيْرِ فاصِلٍ وعَلى حَسْبِهِ، فَكانَ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ ومُلابَسَةٍ ظاهِرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكَقَوْلِهِ: «إذا أكَلْتَ فَسَمِّ اللَّهَ» وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا: وصْلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا أخَذْتَ في قِراءَةِ القُرْآنِ فاسْتَعِذْ، أمْرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ. فالجُمْهُورُ عَلى النَّدْبِ، وعَنْ عَطاءٍ الوُجُوبُ. والظّاهِرُ: طَلَبُ الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ مُطْلَقًا، والظّاهِرُ: أنَّ الشَّيْطانَ المُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وأعْوانُهُ. وقِيلَ: عامٌّ في كُلِّ مُتَمَرِّدٍ عاتٍ مِن جِنٍّ وإنْسٍ، كَما قالَ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ. واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِعاذَةِ، والَّذِي صارَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ وغَيْرِهِمْ واخْتارُوهُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، لِما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”أنَّهُ اسْتَعاذَ عِنْدَ القِراءَةِ بِهَذا اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ“ ونَفى تَعالى سُلْطانَ الشَّيْطانِ عَنِ المُؤْمِنِينَ. والسُّلْطانُ هُنا: التَّسْلِيطُ والوِلايَةُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْبَلُونَ مِنهُ ولا يُطِيعُونَهُ فِيما يُرِيدُ مِنهم مِنِ اتِّباعِ خُطُواتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وكَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهُ فَقالَ في قِصَّةِ أوْلِيائِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّلْطانِ: الحُجَّةُ، وظاهِرُ الإخْبارِ انْتِفاءُ سَلْطَنَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ لِاسْتِعاذَتِهِمْ مِنهُ. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ أنْ يَحْمِلَهم عَلى ذَنْبٍ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (بِهِمْ)، وقِيلَ: عَلى الشَّيْطانِ، وهو الظّاهِرُ لِاتِّفاقِ الضَّمائِرِ والمَعْنى: والَّذِينَ هم بِإشْراكِهِمْ إبْلِيسَ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ يَقْتَضِي أنَّها تَصْرِفُ كَيْدَ الشَّيْطانِ، كَأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ والِانْقِطاعَ إلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْزالَ الكِتابِ تَبْيِينًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وأمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ قِراءَتِهِ، ذَكَرَ تَعالى نَتِيجَةَ وِلايَةِ الشَّيْطانِ لِأوْلِيائِهِ المُشْرِكِينَ، وما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الأباطِيلِ، فَألْقى إلَيْهِمْ إنْكارَ النَّسْخِ لَمّا رَأوْا تَبْدِيلَ آيَةٍ مَكانَ آيَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في النَّسْخِ في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّبْدِيلَ رَفَعَ آيَةً لَفْظًا ومَعْنًى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّبْدِيلُ لِحُكْمِ المَعْنى وإبْقاءِ اللَّفْظِ. ووَجَدَ الكُفّارُ بِذَلِكَ طَعْنًا في الدِّينِ، وما عَلِمُوا أنَّ المَصالِحَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ والأشْخاصِ، وكَما وقَعَ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ يَقَعُ في شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ العالِمُ بِما يُنَزِّلُ لا أنْتُمْ، وما يُنَزِّلُ مِمّا يُقِرُّهُ وما يَرْفَعُهُ، فَمَرْجِعُ عِلْمِ ذَلِكَ إلَيْهِ، وهو عَلى حَسْبِ الحَوادِثِ والمَصالِحِ، وهَذِهِ حِكْمَةُ إنْزالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا. وبالَغُوا في نِسْبَةِ الِافْتِراءِ لِلرَّسُولِ بِلَفْظِ إنَّما، وبِمُواجِهَةِ الخِطابِ، وباسِمِ الفاعِلِ الدّالِّ عَلى الثُّبُوتِ، وقالَ: بَلْ أكْثَرُهم، لِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُ ويَكْفُرُ عِنادًا. ومَفْعُولُ (لا يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الشَّرائِعَ حِكَمٌ ومَصالِحُ. هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وُقُوعِ نَسْخِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ. ورُوحُ القُدُسِ: هُنا هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا خِلافٍ، وتَقَدَّمَ لِمَ سُمِّيَ رُوحَ القُدُسِ. وأضافَ الرَّبَّ إلى كافِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِاخْتِصاصِ الإضافَةِ، وإعْراضًا (p-٥٣٦)عَنْهم، إذْ لَمْ يُضِفْ إلَيْهِمْ. وبِالحَقِّ حالٌ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ سَواءٌ كانَ ناسِخًا أوْ مَنسُوخًا، فَكُلُّهُ مَصْحُوبٌ بِالحَقِّ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِنَ الباطِلِ. ولِيُثْبِتَ مَعْناهُ أنَّهم لا يَضْطَرِبُونَ في شَيْءٍ مِنهُ لِكَوْنِهِ نُسِخَ، بَلِ النَّسْخُ مُثَبِّتٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ جَمِيعُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِصِحَّةِ إيمانِهِمْ واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَكِيمٌ، وأنَّ أفْعالَهُ كُلَّها صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ، فَهي صَوابُ كُلُّها. ودَلَّ اخْتِصاصُ التَّعْلِيلِ بِالمُسْلِمِينَ عَلى اتِّصافِ الكُفّارِ بِضِدِّهِ مِن لَحاقِ الِاضْطِرابِ لَهم وتَزَلْزُلِ عَقائِدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وقُرِئَ: لِيُثْبِتَ، مُخَفَّفًا مِن أثْبَتَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهُدًى وبُشْرى، مَفْعُولٌ لَهُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلٍّ لِيُثْبِتَ؛ انْتَهى. وتَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ في نَحْوِ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] وهُدًى ورَحْمَةً في هَذِهِ السُّورَةِ. ولا يَمْتَنِعُ عَطْفُهُ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ والفِعْلِ، لِأنَّهُ مَجْرُورٌ، فَيَكُونُ (وهُدًى وبُشْرى) مَجْرُورَيْنِ كَما تَقُولُ: جِئْتُ لِأُحْسِنَ إلى زَيْدٍ وإكْرامٍ لِخالِدٍ، إذِ التَّقْدِيرُ: لِإحْسانٍ إلى زَيْدٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وهو هُدًى وبُشْرى. ولَمّا نَسَبُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلِافْتِراءِ وهو الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الِافْتِراءَ الَّذِي نَسَبُوهُ هو مِن تَعْلِيمِ بَشَرٍ إيّاهُ، فَلَيْسَ هو المُخْتَلِقُ بَلِ المُخْتَلِقُ غَيْرُهُ، وهو ناقِلٌ عَنْهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِمْ: إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ. إنَّ مَعْناهُ: مُخْتَلِقُ الكَذِبِ، وهو يُنافِي التَّعَلُّمَ مِنَ البَشَرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مُفْتَرٍ﴾، في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا فِيهِ طائِفَتَيْنِ: طائِفَةً ذَهَبَتْ إلى أنَّهُ هو المُفْتَرِي، وطائِفَةً أنَّهُ يَتَعَلَّمُ مِنَ البَشَرِ. ويُعَلِّمُ مُضارِعُ اللَّفْظِ ومَعْناهُ: المُضِيُّ، أيْ: ولَقَدْ عَلِمْنا، وجاءَ إسْنادُ التَّعْلِيمِ إلى مُبْهَمٍ لَمْ يُعَيَّنْ. فَقِيلَ: هو حَبْرٌ غُلامٌ رُومِيٌّ كانَ لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وقِيلَ: عائِشٌ أوْ يَعِيشُ، وكانَ صاحِبَ كُتُبِ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى وكانَ قَدْ أسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ قالَهُ: الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. وقِيلَ: أبُو فَكِيهَةَ أعْجَمِيٌّ: مَوْلى لِامْرَأةٍ بِمَكَّةَ. قِيلَ: واسْمُهُ يَسارٌ وكانَ يَهُودِيًّا؛ قالَهُ: مُقاتِلٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ كانَ يَهُودِيًّا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ رَجُلًا حَدّادًا نَصْرانِيًّا اسْمُهُ عَنَسٌ. وقالَ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ: كانَ لَنا غُلامانِ نَصْرانِيّانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، يَسارٌ وحَبْرٌ، كانا يَقْرَآنِ كُتُبًا لَهُما بِلِسانِهِمْ، وكانَ ﷺ يَمُرُّ بِهِما فَيَسْمَعُ قِراءَتَهُما. قِيلَ: وكانا حَدّادَيْنِ يَصْنَعانِ السُّيُوفَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: يَتَعَلَّمُ مِنهُما، فَقِيلَ لِأحَدِهِما ذَلِكَ فَقالَ: بَلْ هو يُعَلِّمُنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: بَلْعامُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُ الإسْلامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا مِن جِهَةِ الأعاجِمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الإشارَةُ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وضُعِّفَ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ سَلْمانَ إنَّما أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ما نُبِّهَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَدَنِيٌّ. واللِّسانُ: هُنا: اللُّغَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ: اللِّسانُ الَّذِي بِتَعْرِيفِ اللِّسانِ بِالـ، والَّذِي صِفَتُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَلْحَدُونَ مَن لَحَدَ ثُلاثِيًّا، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ، والسُّلَمِيِّ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، وابْنُ القَعْقاعِ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مَن ألْحَدَ رُباعِيًّا وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ ألْحَدَ القَبْرَ ولَحَدَهُ، فَهو مُلْحِدٌ ومَلْحُودٌ إذا أمالَ حَفْرَهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شِقٍّ مِنهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إمالَةٍ عَنِ اسْتِقامَةٍ فَقالُوا: ألْحَدَ فُلانٌ في قَوْلِهِ: وألْحَدَ في دِينِهِ لِأنَّهُ أمالَ دِينَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، لَمْ يُمِلْهُ مِن دِينٍ إلى دِينٍ. والمَعْنى: لِسانُ الرَّجُلِ الَّذِي يُمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ لِسانٌ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ بَيِّنٍ، وهَذا القُرْآنُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ، رَدًّا لِقَوْلِهِمْ وإبْطالًا لِطَعْنِهِمْ؛ انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ اللِّسانَ في المَوْضِعَيْنِ: اللُّغَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: وهَذا سَرْدُ لِسانٍ أوْ نُطْقُ لِسانٍ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهَذا عَلى أنْ يُجْعَلَ اللِّسانُ هُنا الجارِحَةَ. واللِّسانُ في كَلامِ العَرَبِ: اللُّغَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: (p-٥٣٧)المَعْنى: أنْتُمْ أفْصَحُ وأبْلَغُهم وأقْدَرُهم عَلى الكَلامِ نَظْمًا ونَثْرًا، وقَدْ عَجَزْتُمْ وعَجَزَ جَمِيعُ العَرَبِ، فَكَيْفَ تَنْسُبُونَهُ إلى أعْجَمِيٍّ ألْكَنَ ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الجُمْلَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾، ما مَحَلُّها ؟ (قُلْتُ): لا مَحَلَّ لَها، لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةُ جَوابٌ (لِقَوْلِهِمْ)، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]؛ انْتَهى. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً فَمَوْضِعُها نَصْبٌ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ، أيْ: عِلْمُهم بِأعْجَمِيَّةِ هَذا البَشَرِ وإبانَةِ عَرَبِيَّةِ هَذا القُرْآنَ كانَ يَمْنَعُهم مِن تِلْكَ المَقالَةِ، كَما تَقُولُ: تَشْتُمُ فُلانًا وهو قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ، أيْ: عِلْمُكَ بِإحْسانِهِ لَكَ كانَ يَقْتَضِي مَنعَكَ مِن شَتْمِهِ. وإنَّما ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى الِاسْتِئْنافِ ولَمْ يَذْهَبْ إلى الحالِ، لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ مَجِيءَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الِاسْمِيَّةِ بِغَيْرِ واوٍ شاذٌّ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ جِدًّا، ومَجِيءُ ذَلِكَ بِغَيْرِ واوٍ لا يَكادُ يَنْحَصِرُ كَثْرَةً في كَلامِ العَرَبِ، وهو مَذْهَبٌ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ، وأمّا (واللَّهُ أعْلَمُ) فَظاهِرُ قَوْلِهِ فِيها، لِأنَّها جُمْلَةٌ خالِيَةٌ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى ذِي الحالِ، لِأنَّ ذا الحالِ هو ضَمِيرُ قالُوا، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذُو الحالِ ضَمِيرُ (يَقُولُونَ)، والضَّمِيرُ الَّذِي في جُمْلَةِ الحالِ هو ضَمِيرُ الفاعِلِ في (يُلْحِدُونَ)، فالجُمْلَةُ وإنْ عُرِّيَتْ عَنِ الواوِ فَفِيها ضَمِيرُ ذِي الحالِ.
النحل 16:103
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] (p-٥٣٥)وذَكَرَ أشْياءَ مِمّا بَيَّنَ في الكِتابِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ [النحل: ٩٧] ذَكَرَ ما يَصُونُ بِهِ القارِئُ قِراءَتَهُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ ونَزْغِهِ، فَخاطَبَ السّامِعَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ إذا أخَذَ في القِراءَةِ. فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ لَفْظًا فالمُرادُ أُمَّتُهُ، إذْ كانَتْ قِراءَةُ القُرْآنِ مِن أجَلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «إنَّ ثَوابَ قِراءَةِ كُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ» والظّاهِرُ بِعَقِبِ الِاسْتِعاذَةِ. وقَدْ رَوى ذَلِكَ بَعْضُ الرُّواةِ عَنْ حَمْزَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ قالَ: كُلَّما قَرَأْتَ الفاتِحَةَ - حِينَ تَقُولُ: آمِينَ - فاسْتَعِذْ. ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وداوُدَ. تَعْقُبُها القِراءَةُ كَما رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ والجُمْهُورِ: عَلى تَرْكِ هَذا الظّاهِرِ وتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى: فَإذا أرَدْتَ القِراءَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الفِعْلَ يُوجَدُ عِنْدَ القَصْدِ والإرادَةِ بِغَيْرِ فاصِلٍ وعَلى حَسْبِهِ، فَكانَ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ ومُلابَسَةٍ ظاهِرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكَقَوْلِهِ: «إذا أكَلْتَ فَسَمِّ اللَّهَ» وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإذا: وصْلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا أخَذْتَ في قِراءَةِ القُرْآنِ فاسْتَعِذْ، أمْرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ. فالجُمْهُورُ عَلى النَّدْبِ، وعَنْ عَطاءٍ الوُجُوبُ. والظّاهِرُ: طَلَبُ الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ مُطْلَقًا، والظّاهِرُ: أنَّ الشَّيْطانَ المُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وأعْوانُهُ. وقِيلَ: عامٌّ في كُلِّ مُتَمَرِّدٍ عاتٍ مِن جِنٍّ وإنْسٍ، كَما قالَ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ. واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِعاذَةِ، والَّذِي صارَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ وغَيْرِهِمْ واخْتارُوهُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، لِما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”أنَّهُ اسْتَعاذَ عِنْدَ القِراءَةِ بِهَذا اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ“ ونَفى تَعالى سُلْطانَ الشَّيْطانِ عَنِ المُؤْمِنِينَ. والسُّلْطانُ هُنا: التَّسْلِيطُ والوِلايَةُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْبَلُونَ مِنهُ ولا يُطِيعُونَهُ فِيما يُرِيدُ مِنهم مِنِ اتِّباعِ خُطُواتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وكَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهُ فَقالَ في قِصَّةِ أوْلِيائِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّلْطانِ: الحُجَّةُ، وظاهِرُ الإخْبارِ انْتِفاءُ سَلْطَنَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ لِاسْتِعاذَتِهِمْ مِنهُ. وقِيلَ: لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ أنْ يَحْمِلَهم عَلى ذَنْبٍ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (بِهِمْ)، وقِيلَ: عَلى الشَّيْطانِ، وهو الظّاهِرُ لِاتِّفاقِ الضَّمائِرِ والمَعْنى: والَّذِينَ هم بِإشْراكِهِمْ إبْلِيسَ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ يَقْتَضِي أنَّها تَصْرِفُ كَيْدَ الشَّيْطانِ، كَأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ والِانْقِطاعَ إلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْزالَ الكِتابِ تَبْيِينًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وأمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ قِراءَتِهِ، ذَكَرَ تَعالى نَتِيجَةَ وِلايَةِ الشَّيْطانِ لِأوْلِيائِهِ المُشْرِكِينَ، وما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الأباطِيلِ، فَألْقى إلَيْهِمْ إنْكارَ النَّسْخِ لَمّا رَأوْا تَبْدِيلَ آيَةٍ مَكانَ آيَةٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في النَّسْخِ في البَقَرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّبْدِيلَ رَفَعَ آيَةً لَفْظًا ومَعْنًى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّبْدِيلُ لِحُكْمِ المَعْنى وإبْقاءِ اللَّفْظِ. ووَجَدَ الكُفّارُ بِذَلِكَ طَعْنًا في الدِّينِ، وما عَلِمُوا أنَّ المَصالِحَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ والأشْخاصِ، وكَما وقَعَ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ يَقَعُ في شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ العالِمُ بِما يُنَزِّلُ لا أنْتُمْ، وما يُنَزِّلُ مِمّا يُقِرُّهُ وما يَرْفَعُهُ، فَمَرْجِعُ عِلْمِ ذَلِكَ إلَيْهِ، وهو عَلى حَسْبِ الحَوادِثِ والمَصالِحِ، وهَذِهِ حِكْمَةُ إنْزالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا. وبالَغُوا في نِسْبَةِ الِافْتِراءِ لِلرَّسُولِ بِلَفْظِ إنَّما، وبِمُواجِهَةِ الخِطابِ، وباسِمِ الفاعِلِ الدّالِّ عَلى الثُّبُوتِ، وقالَ: بَلْ أكْثَرُهم، لِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُ ويَكْفُرُ عِنادًا. ومَفْعُولُ (لا يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الشَّرائِعَ حِكَمٌ ومَصالِحُ. هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وُقُوعِ نَسْخِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ. ورُوحُ القُدُسِ: هُنا هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا خِلافٍ، وتَقَدَّمَ لِمَ سُمِّيَ رُوحَ القُدُسِ. وأضافَ الرَّبَّ إلى كافِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِاخْتِصاصِ الإضافَةِ، وإعْراضًا (p-٥٣٦)عَنْهم، إذْ لَمْ يُضِفْ إلَيْهِمْ. وبِالحَقِّ حالٌ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ سَواءٌ كانَ ناسِخًا أوْ مَنسُوخًا، فَكُلُّهُ مَصْحُوبٌ بِالحَقِّ لا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِنَ الباطِلِ. ولِيُثْبِتَ مَعْناهُ أنَّهم لا يَضْطَرِبُونَ في شَيْءٍ مِنهُ لِكَوْنِهِ نُسِخَ، بَلِ النَّسْخُ مُثَبِّتٌ لَهم عَلى إيمانِهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ جَمِيعُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِصِحَّةِ إيمانِهِمْ واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَكِيمٌ، وأنَّ أفْعالَهُ كُلَّها صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ، فَهي صَوابُ كُلُّها. ودَلَّ اخْتِصاصُ التَّعْلِيلِ بِالمُسْلِمِينَ عَلى اتِّصافِ الكُفّارِ بِضِدِّهِ مِن لَحاقِ الِاضْطِرابِ لَهم وتَزَلْزُلِ عَقائِدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وقُرِئَ: لِيُثْبِتَ، مُخَفَّفًا مِن أثْبَتَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهُدًى وبُشْرى، مَفْعُولٌ لَهُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلٍّ لِيُثْبِتَ؛ انْتَهى. وتَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ في نَحْوِ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] وهُدًى ورَحْمَةً في هَذِهِ السُّورَةِ. ولا يَمْتَنِعُ عَطْفُهُ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ والفِعْلِ، لِأنَّهُ مَجْرُورٌ، فَيَكُونُ (وهُدًى وبُشْرى) مَجْرُورَيْنِ كَما تَقُولُ: جِئْتُ لِأُحْسِنَ إلى زَيْدٍ وإكْرامٍ لِخالِدٍ، إذِ التَّقْدِيرُ: لِإحْسانٍ إلى زَيْدٍ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وهو هُدًى وبُشْرى. ولَمّا نَسَبُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلِافْتِراءِ وهو الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ الِافْتِراءَ الَّذِي نَسَبُوهُ هو مِن تَعْلِيمِ بَشَرٍ إيّاهُ، فَلَيْسَ هو المُخْتَلِقُ بَلِ المُخْتَلِقُ غَيْرُهُ، وهو ناقِلٌ عَنْهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِمْ: إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ. إنَّ مَعْناهُ: مُخْتَلِقُ الكَذِبِ، وهو يُنافِي التَّعَلُّمَ مِنَ البَشَرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مُفْتَرٍ﴾، في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا فِيهِ طائِفَتَيْنِ: طائِفَةً ذَهَبَتْ إلى أنَّهُ هو المُفْتَرِي، وطائِفَةً أنَّهُ يَتَعَلَّمُ مِنَ البَشَرِ. ويُعَلِّمُ مُضارِعُ اللَّفْظِ ومَعْناهُ: المُضِيُّ، أيْ: ولَقَدْ عَلِمْنا، وجاءَ إسْنادُ التَّعْلِيمِ إلى مُبْهَمٍ لَمْ يُعَيَّنْ. فَقِيلَ: هو حَبْرٌ غُلامٌ رُومِيٌّ كانَ لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وقِيلَ: عائِشٌ أوْ يَعِيشُ، وكانَ صاحِبَ كُتُبِ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى وكانَ قَدْ أسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ قالَهُ: الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ. وقِيلَ: أبُو فَكِيهَةَ أعْجَمِيٌّ: مَوْلى لِامْرَأةٍ بِمَكَّةَ. قِيلَ: واسْمُهُ يَسارٌ وكانَ يَهُودِيًّا؛ قالَهُ: مُقاتِلٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ كانَ يَهُودِيًّا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ رَجُلًا حَدّادًا نَصْرانِيًّا اسْمُهُ عَنَسٌ. وقالَ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ: كانَ لَنا غُلامانِ نَصْرانِيّانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، يَسارٌ وحَبْرٌ، كانا يَقْرَآنِ كُتُبًا لَهُما بِلِسانِهِمْ، وكانَ ﷺ يَمُرُّ بِهِما فَيَسْمَعُ قِراءَتَهُما. قِيلَ: وكانا حَدّادَيْنِ يَصْنَعانِ السُّيُوفَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: يَتَعَلَّمُ مِنهُما، فَقِيلَ لِأحَدِهِما ذَلِكَ فَقالَ: بَلْ هو يُعَلِّمُنِي، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: بَلْعامُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُ الإسْلامَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا مِن جِهَةِ الأعاجِمِ. وقالَ الضَّحّاكُ: الإشارَةُ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وضُعِّفَ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ سَلْمانَ إنَّما أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ما نُبِّهَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَدَنِيٌّ. واللِّسانُ: هُنا: اللُّغَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ: اللِّسانُ الَّذِي بِتَعْرِيفِ اللِّسانِ بِالـ، والَّذِي صِفَتُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَلْحَدُونَ مَن لَحَدَ ثُلاثِيًّا، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ، والسُّلَمِيِّ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، وابْنُ القَعْقاعِ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مَن ألْحَدَ رُباعِيًّا وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ ألْحَدَ القَبْرَ ولَحَدَهُ، فَهو مُلْحِدٌ ومَلْحُودٌ إذا أمالَ حَفْرَهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شِقٍّ مِنهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إمالَةٍ عَنِ اسْتِقامَةٍ فَقالُوا: ألْحَدَ فُلانٌ في قَوْلِهِ: وألْحَدَ في دِينِهِ لِأنَّهُ أمالَ دِينَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، لَمْ يُمِلْهُ مِن دِينٍ إلى دِينٍ. والمَعْنى: لِسانُ الرَّجُلِ الَّذِي يُمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ لِسانٌ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ بَيِّنٍ، وهَذا القُرْآنُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ، رَدًّا لِقَوْلِهِمْ وإبْطالًا لِطَعْنِهِمْ؛ انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ اللِّسانَ في المَوْضِعَيْنِ: اللُّغَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: وهَذا سَرْدُ لِسانٍ أوْ نُطْقُ لِسانٍ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وهَذا عَلى أنْ يُجْعَلَ اللِّسانُ هُنا الجارِحَةَ. واللِّسانُ في كَلامِ العَرَبِ: اللُّغَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: (p-٥٣٧)المَعْنى: أنْتُمْ أفْصَحُ وأبْلَغُهم وأقْدَرُهم عَلى الكَلامِ نَظْمًا ونَثْرًا، وقَدْ عَجَزْتُمْ وعَجَزَ جَمِيعُ العَرَبِ، فَكَيْفَ تَنْسُبُونَهُ إلى أعْجَمِيٍّ ألْكَنَ ؟
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الجُمْلَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾، ما مَحَلُّها ؟ (قُلْتُ): لا مَحَلَّ لَها، لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةُ جَوابٌ (لِقَوْلِهِمْ)، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]؛ انْتَهى. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً فَمَوْضِعُها نَصْبٌ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ، أيْ: عِلْمُهم بِأعْجَمِيَّةِ هَذا البَشَرِ وإبانَةِ عَرَبِيَّةِ هَذا القُرْآنَ كانَ يَمْنَعُهم مِن تِلْكَ المَقالَةِ، كَما تَقُولُ: تَشْتُمُ فُلانًا وهو قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ، أيْ: عِلْمُكَ بِإحْسانِهِ لَكَ كانَ يَقْتَضِي مَنعَكَ مِن شَتْمِهِ. وإنَّما ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى الِاسْتِئْنافِ ولَمْ يَذْهَبْ إلى الحالِ، لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ مَجِيءَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الِاسْمِيَّةِ بِغَيْرِ واوٍ شاذٌّ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ جِدًّا، ومَجِيءُ ذَلِكَ بِغَيْرِ واوٍ لا يَكادُ يَنْحَصِرُ كَثْرَةً في كَلامِ العَرَبِ، وهو مَذْهَبٌ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ، وأمّا (واللَّهُ أعْلَمُ) فَظاهِرُ قَوْلِهِ فِيها، لِأنَّها جُمْلَةٌ خالِيَةٌ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى ذِي الحالِ، لِأنَّ ذا الحالِ هو ضَمِيرُ قالُوا، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذُو الحالِ ضَمِيرُ (يَقُولُونَ)، والضَّمِيرُ الَّذِي في جُمْلَةِ الحالِ هو ضَمِيرُ الفاعِلِ في (يُلْحِدُونَ)، فالجُمْلَةُ وإنْ عُرِّيَتْ عَنِ الواوِ فَفِيها ضَمِيرُ ذِي الحالِ.
النحل 16:104
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى نِسْبَتَهم إلى (p-٥٣٨)الِافْتِراءِ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ ما أتى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّما يُعَلِّمُهُ إيّاهُ بَشَرٌ، كانَ ذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ الإيمانِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أبَدًا إذْ كانُوا جاحِدِينَ آياتِ اللَّهِ، وهو ما أتى بِهِ الرَّسُولُ مِنَ المُعْجِزاتِ وخُصُوصًا القُرْآنُ، فَمَن بالَغَ في جَحْدِ آياتِ اللَّهِ سَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بابَ الهِدايَةِ. وذَكَرَ تَعالى وعِيدَهُ بِالعَذابِ الألِيمِ لَهم، ومَعْنى لا يَهْدِيهِمْ: لا يَخْلُقُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ. وهَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ، فَقَدِ اهْتَدى قَوْمٌ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يَلْطُفُ بِهِمْ، لِأنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلان في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، لا مِن أهْلِ اللُّطْفِ والثَّوابِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ في هَذا التَّرْتِيبِ وأخْبَرَهُما بِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ والتَّشْنِيعِ بِخَطَئِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ؛ انْتَهى. وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في ذَلِكَ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ، والمُرادُ أنَّهم لَمّا تَرَكُوا الإيمانَ بِاللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآياتِ لَمْ يَهْتَدُوا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾، أيْ: لا يَهْتَدُونَ، وإنَّما يُقالُ: هَدى اللَّهُ فُلانًا عَلى الإطْلاقِ إذا اهْتَدى هو، وأمّا مَن لَمْ يَقْبَلِ الهُدى فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ هَداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، كَما قالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] ثُمَّ رَدَّ تَعالى قَوْلَهم: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ﴾، أيْ: إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ يَتَرَقَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ في كَلامِهِمْ إنَّما وهو يَقْتَضِي الحَصْرَ عند بَعْضِهِمْ، جاءَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِإنَّما أيْضًا، وجاءَ بِلَفْظِ ﴿يَفْتَرِي﴾ الَّذِي يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، ثُمَّ عَلَّقَ الحُكْمَ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلِافْتِراءِ وهو: انْتِفاءُ الإيمانِ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ. فاقْتَضى التَّوْكِيدَ البالِغَ والحَصْرَ بِلَفْظِ الإشارَةِ، والتَّأْكِيدَ بِلَفْظِ (هُمُ)، وإدْخالِ (الـ) عَلى (الكاذِبُونَ)، وبِكَوْنِهِ اسْمَ فاعِلٍ يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ، فَجاءَ ﴿يَفْتَرِي﴾ يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، وجاءَ (الكاذِبُونَ) يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ هُمُ الكاذِبُونَ، هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فَهُمُ الكاذِبُونَ. أوْ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، أيْ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ عَلى الحَقِيقَةِ، الكامِلُونَ في الكَذِبِ، لِأنَّ تَكْذِيبَ آياتِ اللَّهِ أعْظَمُ الكَذِبِ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ: عادَتْهُمُ الكَذِبُ لا يُبالُونَ بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، لا يَحْجُبُهم عَنْهُ مُرُوءَةٌ ولا دِينٌ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]؛ انْتَهى. والوَجْهُ الَّذِي بَدَأ بِهِ بَعِيدٌ، وهو: أنَّ (وأُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ الإعْرابِ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ يَكُونُ بِاللَّفْظِ وبِالِاعْتِقادِ، اسْتَثْنى مِنَ الكافِرِينَ مَن كَفَرَ بِاللَّفْظِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ورَخَّصَ لَهُ في النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذْ كانَ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا، وذَلِكَ مَعَ الإكْراهِ. والمَعْنى: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ، تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُونَ بَعْدَ الإيمانِ غَيْرُ المُكْرَهِينَ، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن ما تَضَمَّنَهُ جَوابُ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ، أيْ: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، إلّا مَن أُكْرِهَ فَلا غَضَبَ عَلَيْهِ ولا عَذابَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ وكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أعْنِي الجَوابَ (p-٥٣٩)قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ مَن جَعَلَ (مَن) شَرْطًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ (مَن) في قَوْلِهِ (مَن كَفَرَ) ابْتِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن شَرَحَ﴾، تَخْصِيصٌ مِنهُ، ودَخَلَ الِاسْتِثْناءُ لِإخْراجِ عَمّارٍ وشَبَهِهِ. ودَنا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ الِاسْتِدْراكُ بَلَكِنْ وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾، خَبَرٌ عَنْ مَنِ الأوْلى والثّانِيَةِ، إذْ هو واحِدٌ بِالمَعْنى لِأنَّ الإخْبارَ في قَوْلِهِ: مَن كَفَرَ، إنَّما قُصِدَ بِهِ الصِّنْفُ الشّارِحُ بِالكُفْرِ؛ انْتَهى. وهَذا وإنْ كانَ كَما ذَكَرَ فَهاتانِ جُمْلَتانِ شَرْطِيَّتانِ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِأداةِ الِاسْتِدْراكِ، فَلا بُدَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن جَوابٍ عَلى انْفِرادِهِ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ، فَتَقْدِيرُ الحَذْفِ أحْرى عَلى صِناعَةِ الإعْرابِ. وقَدْ ضَعَّفُوا مَذْهَبَ أبِي الحَسَنِ في ادِّعائِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وقَوْلَهُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] جَوابٌ لِأمّا، ولِأنَّ هَذا وهُما أداتا شَرْطٍ، إحْداهُما تَلِي الأُخْرى، وعَلى كَوْنِ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وما بَعْدَها صِلَتُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَما ذَكَرْنا في حَذْفِ جَوابِ الشَّرْطِ. إلّا أنَّ (مَنِ) الثّانِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطًا حَتّى يُقَدَّرَ قَبْلَها مُبْتَدَأٌ، لِأنَّ (مَن) ولِيَتْ (لَكِنْ) فَيَتَعَيَّنُ إذْ ذاكَ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، فَإنْ قُدِّرَ مُبْتَدَأٌ بَعْد (لَكِنْ) جازَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ خَبَرِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ كَقَوْلِهِ:
؎ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدِ
أيْ: ولَكِنْ أنا مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدُ. وكَذَلِكَ تُقَدَّرُ هُنا، ولَكِنْ هم مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: مِنهم. وأجازَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، ومِنَ الكاذِبُونَ. ولَمْ يُجِزِ الزَّجّاجُ إلّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ)، لِأنَّهُ رَأى الكَلامَ إلى آخِرِ الِاسْتِثْناءِ غَيْرَ تامٍّ، فَعَلَّقَهُ بِما قَبْلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ)، فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. وإذا (p-٥٤٠)كانَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ) فالتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وإذا كانَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ) فالتَّقْدِيرُ: ومَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ هُمُ الكاذِبُونَ.
وهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ عِنْدِي ضَعِيفَةٌ. لِأنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَفْتَرِي الكَذِبَ إلّا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والوُجُودُ يَقْتَضِي أنَّ مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ، وسَواءٌ كانَ مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ أنَّهُ كانَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن قَطُّ، بَلْ مَن لَمْ يُؤْمِن قَطُّ هُمُ الأكْثَرُونَ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ. وأمّا الثّانِي فَيَئُولُ المَعْنى إلى ذَلِكَ، إذِ التَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ، أيِ: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هُمُ المُفْتَرُونَ. وأمّا الثّالِثُ فَكَذَلِكَ. إذِ التَّقْدِيرُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، مُخْبِرٌ عَنْهم بِأنَّهُمُ الكاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ؛ انْتَهى. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ فَصاحَةُ الكَلامِ جَعْلُ الجُمَلِ كُلِّها مُسْتَقِلَّةً لا تَرْتَبِطُ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ، بَلْ مِن حَيْثُ المَعْنى والمُناسَبَةُ؛ وفي قَوْلِهِ: إلّا مَن أُكْرِهَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ المُكْرَهَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإذا كانَ قَدْ سُومِحَ لِكَلِمَةِ الكُفْرِ أوْ فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، فالمُسامَحَةُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي أوْلى. وقَدْ تَكَلَّمُوا في كَيْفِيَّةِ الإكْراهِ المُبِيحِ لِذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ الأشْياءِ الَّتِي يَقَعُ الإكْراهُ فِيها، وذَلِكَ كُلُّهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. والمُكْرَهُونَ عَلى الكُفْرِ المُعَذَّبُونَ عَلى الإسْلامِ: خَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وسالِمٌ، وحَبْرٌ، عُذِّبُوا فَأجابَهم عَمّارٌ وحَبْرٌ بِاللَّفْظِ فَخُلِّيَ سَبِيلُهُما، وتَمادى الباقُونَ عَلى الإسْلامِ فَقُتِلَ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وهُما أوَّلُ قَتِيلٍ في الإسْلامِ، وعُذِّبَ بِلالٌ وهو يَقُولُ: (أحَدٌ أحَدٌ) وعُذِّبَ خَبّابٌ بِالنّارِ فَما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِهِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ في ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَعْنى مَن، وأفْرَدَ في شَرْحٍ عَلى لَفْظِها. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، أيْ: كائِنٌ لَهم بِسَبَبِ اسْتِحْبابِهِمُ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واسْتِحْقاقُهم خِذْلانَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ؛ انْتَهى. وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. والضَّمِيرُ في (بِأنَّهم) عائِدٌ عَلى (مَن) في مَن شَرَحَ: ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ، أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِآخِرِهِ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ: اسْتَحَبُّوا، هو تَكَسُّبٌ مِنهم عُلِّقَ بِهِ العِقابُ، وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي: إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللَّهِ الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكَسْبِ والِاخْتِراعِ، وهَذا عَقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الِارْتِدادِ والإقْدامِ عَلى الكُفْرِ، لِأجْلِ أنَّهم رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، ولِأنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الطَّبْعِ عَلى القُلُوبِ والسَّمْعِ والأبْصارِ والخَتْمِ عَلَيْها.
﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنْ ما يُرادُ مِنهم في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ الَّذِينَ لا أحَدَ أغْفَلُ مِنهم، لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ هي غايَةُ الغَفْلَةِ ومُنْتَهاها. ولَمّا كانَ الإسْنادُ لِيَكْتَسِبَ بِالطّاعاتِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، فَعَمِلَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ عَظُمَ خُسْرانُهُ فَقِيلَ فِيهِمْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم. ومَن أخْسَرُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَيْنُونَةِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والعَذابِ الألِيمِ، واسْتِحْبابِ الدُّنْيا، وانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ، والإخْبارِ بِالطَّبْعِ وبِغَفْلَتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وحالَ مَن أُكْرِهَ، ذَكَرَ حالَ مَن هاجَرَ بَعْدَما فُتِنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ فَكَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ إلى مَن كانَ أسْلَمَ بِمَكَّةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ، فَعَلى هَذا السَّبَبِ يَكُونُ جِهادُهم مَعَ الرَّسُولِ عَلى الإسْلامِ. ورُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتْ حِينَئِذٍ، فَعَنى بِالجِهادِ جِهادَهم لِمُتَّبِعِيهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ، وعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٥٤١)وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مِن بابِ: مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا أفَتَحَ اللَّهُ لَهم بابَ التَّوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ ؟ وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ: نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ دَلالَةٌ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ مِن حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ. و(لِلَّذِينَ) عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ قالَ: ومَعْنى إنَّ رَبَّكَ لَهم: أنَّهُ لَهم لا عَلَيْهِمْ، بِمَعْنى أنَّهُ ولِيُّهم وناصِرُهم، لا عَدُوُّهم وخاذِلُهم كَما يَكُونُ المَلِكُ لِلرَّجُلِ: لا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحْمِيًّا مَنفُوعًا غَيْرَ مَضْرُورٍ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: مَنفُوعًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن نَفَعَ، وهو قِياسُهُ لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ ثُلاثِيٌّ. وزَعَمَ الأهْوازِيُّ النَّحْوِيُّ أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ مِن نَفَعَ اسْمُ مَفْعُولٍ، فَلا يُقالُ مَنفُوعٌ؛ وقَفْتُ لَهُ عَلَيْهِ في شَرْحِهِ مُوجَزِ الرُّمّانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ إنَّ الأُولى قَوْلُهُ: إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ، وإنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ؛ انْتَهى. وإذا كانَتْ إنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرًا لِلتَّوْكِيدِ كَما ذُكِرَ، فالَّذِي يَقْتَضِيهِ صِناعَةُ العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ الأوْلى هو قَوْلَهُ: لَغَفُورٌ، ويَكُونُ (لِلَّذِينَ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: لَغَفُورٌ، أوْ بِرَحِيمٍ، عَلى الإعْمالِ، لِأنَّ (إنَّ رَبَّكَ) الثّانِيَةَ لا يَكُونُ لَها طَلَبٌ لِما بَعْدَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ. كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ قامَ زَيْدٌ، فَزَيْدٌ إنَّما هو مَرْفُوعٌ بِقامَ الأُولى، لِأنَّ الثّانِيَةَ ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلْأُولى. وقِيلَ: لا خَبَرَ لِأنَّ الأُولى في اللَّفْظِ، لِأنَّ خَبَرَ الثّانِيَةِ أغْنى عَنْهُ؛ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهُ ألْغى حُكْمَ الأُولى وجَعَلَ الحُكْمَ لِلثّانِيَةِ، وهو عَكْسُ ما تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: لِلَّذِينَ، مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي لِلَّذِينِ، أيِ: الغُفْرانَ لِلَّذِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُتِنُوا، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: بِالعَذابِ والإكْراهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: فَتَنُوا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ هاجَرُوا، فالمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوُا المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ كَما فَعَلَ عَمّارٌ. أوْ لَمّا كانُوا صابِرِينَ عَلى الإسْلامِ وعُذِّبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم هُمُ المُعَذِّبُونَ أنْفُسَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى المُشْرِكِينَ، أيْ: مِن بَعْدِ ما عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ، كالحَضْرَمِيِّ وأشْباهِهِ. والضَّمِيرُ في (مِن) بَعْدَها عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ الفِتْنَةِ والهِجْرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بَعْدِها) عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَّوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ.
النحل 16:105
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى نِسْبَتَهم إلى (p-٥٣٨)الِافْتِراءِ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ ما أتى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّما يُعَلِّمُهُ إيّاهُ بَشَرٌ، كانَ ذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ الإيمانِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أبَدًا إذْ كانُوا جاحِدِينَ آياتِ اللَّهِ، وهو ما أتى بِهِ الرَّسُولُ مِنَ المُعْجِزاتِ وخُصُوصًا القُرْآنُ، فَمَن بالَغَ في جَحْدِ آياتِ اللَّهِ سَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بابَ الهِدايَةِ. وذَكَرَ تَعالى وعِيدَهُ بِالعَذابِ الألِيمِ لَهم، ومَعْنى لا يَهْدِيهِمْ: لا يَخْلُقُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ. وهَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ، فَقَدِ اهْتَدى قَوْمٌ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يَلْطُفُ بِهِمْ، لِأنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلان في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، لا مِن أهْلِ اللُّطْفِ والثَّوابِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ في هَذا التَّرْتِيبِ وأخْبَرَهُما بِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ والتَّشْنِيعِ بِخَطَئِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ؛ انْتَهى. وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في ذَلِكَ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ، والمُرادُ أنَّهم لَمّا تَرَكُوا الإيمانَ بِاللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآياتِ لَمْ يَهْتَدُوا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾، أيْ: لا يَهْتَدُونَ، وإنَّما يُقالُ: هَدى اللَّهُ فُلانًا عَلى الإطْلاقِ إذا اهْتَدى هو، وأمّا مَن لَمْ يَقْبَلِ الهُدى فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ هَداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، كَما قالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] ثُمَّ رَدَّ تَعالى قَوْلَهم: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ﴾، أيْ: إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ يَتَرَقَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ في كَلامِهِمْ إنَّما وهو يَقْتَضِي الحَصْرَ عند بَعْضِهِمْ، جاءَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِإنَّما أيْضًا، وجاءَ بِلَفْظِ ﴿يَفْتَرِي﴾ الَّذِي يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، ثُمَّ عَلَّقَ الحُكْمَ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلِافْتِراءِ وهو: انْتِفاءُ الإيمانِ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ. فاقْتَضى التَّوْكِيدَ البالِغَ والحَصْرَ بِلَفْظِ الإشارَةِ، والتَّأْكِيدَ بِلَفْظِ (هُمُ)، وإدْخالِ (الـ) عَلى (الكاذِبُونَ)، وبِكَوْنِهِ اسْمَ فاعِلٍ يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ، فَجاءَ ﴿يَفْتَرِي﴾ يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، وجاءَ (الكاذِبُونَ) يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ هُمُ الكاذِبُونَ، هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فَهُمُ الكاذِبُونَ. أوْ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، أيْ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ عَلى الحَقِيقَةِ، الكامِلُونَ في الكَذِبِ، لِأنَّ تَكْذِيبَ آياتِ اللَّهِ أعْظَمُ الكَذِبِ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ: عادَتْهُمُ الكَذِبُ لا يُبالُونَ بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، لا يَحْجُبُهم عَنْهُ مُرُوءَةٌ ولا دِينٌ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]؛ انْتَهى. والوَجْهُ الَّذِي بَدَأ بِهِ بَعِيدٌ، وهو: أنَّ (وأُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ الإعْرابِ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ يَكُونُ بِاللَّفْظِ وبِالِاعْتِقادِ، اسْتَثْنى مِنَ الكافِرِينَ مَن كَفَرَ بِاللَّفْظِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ورَخَّصَ لَهُ في النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذْ كانَ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا، وذَلِكَ مَعَ الإكْراهِ. والمَعْنى: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ، تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُونَ بَعْدَ الإيمانِ غَيْرُ المُكْرَهِينَ، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن ما تَضَمَّنَهُ جَوابُ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ، أيْ: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، إلّا مَن أُكْرِهَ فَلا غَضَبَ عَلَيْهِ ولا عَذابَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ وكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أعْنِي الجَوابَ (p-٥٣٩)قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ مَن جَعَلَ (مَن) شَرْطًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ (مَن) في قَوْلِهِ (مَن كَفَرَ) ابْتِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن شَرَحَ﴾، تَخْصِيصٌ مِنهُ، ودَخَلَ الِاسْتِثْناءُ لِإخْراجِ عَمّارٍ وشَبَهِهِ. ودَنا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ الِاسْتِدْراكُ بَلَكِنْ وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾، خَبَرٌ عَنْ مَنِ الأوْلى والثّانِيَةِ، إذْ هو واحِدٌ بِالمَعْنى لِأنَّ الإخْبارَ في قَوْلِهِ: مَن كَفَرَ، إنَّما قُصِدَ بِهِ الصِّنْفُ الشّارِحُ بِالكُفْرِ؛ انْتَهى. وهَذا وإنْ كانَ كَما ذَكَرَ فَهاتانِ جُمْلَتانِ شَرْطِيَّتانِ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِأداةِ الِاسْتِدْراكِ، فَلا بُدَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن جَوابٍ عَلى انْفِرادِهِ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ، فَتَقْدِيرُ الحَذْفِ أحْرى عَلى صِناعَةِ الإعْرابِ. وقَدْ ضَعَّفُوا مَذْهَبَ أبِي الحَسَنِ في ادِّعائِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وقَوْلَهُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] جَوابٌ لِأمّا، ولِأنَّ هَذا وهُما أداتا شَرْطٍ، إحْداهُما تَلِي الأُخْرى، وعَلى كَوْنِ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وما بَعْدَها صِلَتُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَما ذَكَرْنا في حَذْفِ جَوابِ الشَّرْطِ. إلّا أنَّ (مَنِ) الثّانِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطًا حَتّى يُقَدَّرَ قَبْلَها مُبْتَدَأٌ، لِأنَّ (مَن) ولِيَتْ (لَكِنْ) فَيَتَعَيَّنُ إذْ ذاكَ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، فَإنْ قُدِّرَ مُبْتَدَأٌ بَعْد (لَكِنْ) جازَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ خَبَرِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ كَقَوْلِهِ:
؎ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدِ
أيْ: ولَكِنْ أنا مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدُ. وكَذَلِكَ تُقَدَّرُ هُنا، ولَكِنْ هم مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: مِنهم. وأجازَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، ومِنَ الكاذِبُونَ. ولَمْ يُجِزِ الزَّجّاجُ إلّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ)، لِأنَّهُ رَأى الكَلامَ إلى آخِرِ الِاسْتِثْناءِ غَيْرَ تامٍّ، فَعَلَّقَهُ بِما قَبْلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ)، فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. وإذا (p-٥٤٠)كانَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ) فالتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وإذا كانَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ) فالتَّقْدِيرُ: ومَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ هُمُ الكاذِبُونَ.
وهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ عِنْدِي ضَعِيفَةٌ. لِأنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَفْتَرِي الكَذِبَ إلّا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والوُجُودُ يَقْتَضِي أنَّ مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ، وسَواءٌ كانَ مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ أنَّهُ كانَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن قَطُّ، بَلْ مَن لَمْ يُؤْمِن قَطُّ هُمُ الأكْثَرُونَ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ. وأمّا الثّانِي فَيَئُولُ المَعْنى إلى ذَلِكَ، إذِ التَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ، أيِ: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هُمُ المُفْتَرُونَ. وأمّا الثّالِثُ فَكَذَلِكَ. إذِ التَّقْدِيرُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، مُخْبِرٌ عَنْهم بِأنَّهُمُ الكاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ؛ انْتَهى. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ فَصاحَةُ الكَلامِ جَعْلُ الجُمَلِ كُلِّها مُسْتَقِلَّةً لا تَرْتَبِطُ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ، بَلْ مِن حَيْثُ المَعْنى والمُناسَبَةُ؛ وفي قَوْلِهِ: إلّا مَن أُكْرِهَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ المُكْرَهَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإذا كانَ قَدْ سُومِحَ لِكَلِمَةِ الكُفْرِ أوْ فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، فالمُسامَحَةُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي أوْلى. وقَدْ تَكَلَّمُوا في كَيْفِيَّةِ الإكْراهِ المُبِيحِ لِذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ الأشْياءِ الَّتِي يَقَعُ الإكْراهُ فِيها، وذَلِكَ كُلُّهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. والمُكْرَهُونَ عَلى الكُفْرِ المُعَذَّبُونَ عَلى الإسْلامِ: خَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وسالِمٌ، وحَبْرٌ، عُذِّبُوا فَأجابَهم عَمّارٌ وحَبْرٌ بِاللَّفْظِ فَخُلِّيَ سَبِيلُهُما، وتَمادى الباقُونَ عَلى الإسْلامِ فَقُتِلَ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وهُما أوَّلُ قَتِيلٍ في الإسْلامِ، وعُذِّبَ بِلالٌ وهو يَقُولُ: (أحَدٌ أحَدٌ) وعُذِّبَ خَبّابٌ بِالنّارِ فَما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِهِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ في ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَعْنى مَن، وأفْرَدَ في شَرْحٍ عَلى لَفْظِها. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، أيْ: كائِنٌ لَهم بِسَبَبِ اسْتِحْبابِهِمُ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واسْتِحْقاقُهم خِذْلانَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ؛ انْتَهى. وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. والضَّمِيرُ في (بِأنَّهم) عائِدٌ عَلى (مَن) في مَن شَرَحَ: ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ، أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِآخِرِهِ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ: اسْتَحَبُّوا، هو تَكَسُّبٌ مِنهم عُلِّقَ بِهِ العِقابُ، وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي: إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللَّهِ الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكَسْبِ والِاخْتِراعِ، وهَذا عَقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الِارْتِدادِ والإقْدامِ عَلى الكُفْرِ، لِأجْلِ أنَّهم رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، ولِأنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الطَّبْعِ عَلى القُلُوبِ والسَّمْعِ والأبْصارِ والخَتْمِ عَلَيْها.
﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنْ ما يُرادُ مِنهم في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ الَّذِينَ لا أحَدَ أغْفَلُ مِنهم، لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ هي غايَةُ الغَفْلَةِ ومُنْتَهاها. ولَمّا كانَ الإسْنادُ لِيَكْتَسِبَ بِالطّاعاتِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، فَعَمِلَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ عَظُمَ خُسْرانُهُ فَقِيلَ فِيهِمْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم. ومَن أخْسَرُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَيْنُونَةِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والعَذابِ الألِيمِ، واسْتِحْبابِ الدُّنْيا، وانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ، والإخْبارِ بِالطَّبْعِ وبِغَفْلَتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وحالَ مَن أُكْرِهَ، ذَكَرَ حالَ مَن هاجَرَ بَعْدَما فُتِنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ فَكَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ إلى مَن كانَ أسْلَمَ بِمَكَّةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ، فَعَلى هَذا السَّبَبِ يَكُونُ جِهادُهم مَعَ الرَّسُولِ عَلى الإسْلامِ. ورُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتْ حِينَئِذٍ، فَعَنى بِالجِهادِ جِهادَهم لِمُتَّبِعِيهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ، وعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٥٤١)وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مِن بابِ: مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا أفَتَحَ اللَّهُ لَهم بابَ التَّوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ ؟ وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ: نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ دَلالَةٌ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ مِن حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ. و(لِلَّذِينَ) عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ قالَ: ومَعْنى إنَّ رَبَّكَ لَهم: أنَّهُ لَهم لا عَلَيْهِمْ، بِمَعْنى أنَّهُ ولِيُّهم وناصِرُهم، لا عَدُوُّهم وخاذِلُهم كَما يَكُونُ المَلِكُ لِلرَّجُلِ: لا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحْمِيًّا مَنفُوعًا غَيْرَ مَضْرُورٍ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: مَنفُوعًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن نَفَعَ، وهو قِياسُهُ لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ ثُلاثِيٌّ. وزَعَمَ الأهْوازِيُّ النَّحْوِيُّ أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ مِن نَفَعَ اسْمُ مَفْعُولٍ، فَلا يُقالُ مَنفُوعٌ؛ وقَفْتُ لَهُ عَلَيْهِ في شَرْحِهِ مُوجَزِ الرُّمّانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ إنَّ الأُولى قَوْلُهُ: إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ، وإنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ؛ انْتَهى. وإذا كانَتْ إنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرًا لِلتَّوْكِيدِ كَما ذُكِرَ، فالَّذِي يَقْتَضِيهِ صِناعَةُ العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ الأوْلى هو قَوْلَهُ: لَغَفُورٌ، ويَكُونُ (لِلَّذِينَ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: لَغَفُورٌ، أوْ بِرَحِيمٍ، عَلى الإعْمالِ، لِأنَّ (إنَّ رَبَّكَ) الثّانِيَةَ لا يَكُونُ لَها طَلَبٌ لِما بَعْدَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ. كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ قامَ زَيْدٌ، فَزَيْدٌ إنَّما هو مَرْفُوعٌ بِقامَ الأُولى، لِأنَّ الثّانِيَةَ ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلْأُولى. وقِيلَ: لا خَبَرَ لِأنَّ الأُولى في اللَّفْظِ، لِأنَّ خَبَرَ الثّانِيَةِ أغْنى عَنْهُ؛ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهُ ألْغى حُكْمَ الأُولى وجَعَلَ الحُكْمَ لِلثّانِيَةِ، وهو عَكْسُ ما تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: لِلَّذِينَ، مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي لِلَّذِينِ، أيِ: الغُفْرانَ لِلَّذِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُتِنُوا، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: بِالعَذابِ والإكْراهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: فَتَنُوا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ هاجَرُوا، فالمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوُا المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ كَما فَعَلَ عَمّارٌ. أوْ لَمّا كانُوا صابِرِينَ عَلى الإسْلامِ وعُذِّبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم هُمُ المُعَذِّبُونَ أنْفُسَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى المُشْرِكِينَ، أيْ: مِن بَعْدِ ما عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ، كالحَضْرَمِيِّ وأشْباهِهِ. والضَّمِيرُ في (مِن) بَعْدَها عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ الفِتْنَةِ والهِجْرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بَعْدِها) عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَّوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ.
النحل 16:106
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى نِسْبَتَهم إلى (p-٥٣٨)الِافْتِراءِ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ ما أتى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّما يُعَلِّمُهُ إيّاهُ بَشَرٌ، كانَ ذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ الإيمانِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أبَدًا إذْ كانُوا جاحِدِينَ آياتِ اللَّهِ، وهو ما أتى بِهِ الرَّسُولُ مِنَ المُعْجِزاتِ وخُصُوصًا القُرْآنُ، فَمَن بالَغَ في جَحْدِ آياتِ اللَّهِ سَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بابَ الهِدايَةِ. وذَكَرَ تَعالى وعِيدَهُ بِالعَذابِ الألِيمِ لَهم، ومَعْنى لا يَهْدِيهِمْ: لا يَخْلُقُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ. وهَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ، فَقَدِ اهْتَدى قَوْمٌ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يَلْطُفُ بِهِمْ، لِأنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلان في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، لا مِن أهْلِ اللُّطْفِ والثَّوابِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ في هَذا التَّرْتِيبِ وأخْبَرَهُما بِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ والتَّشْنِيعِ بِخَطَئِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ؛ انْتَهى. وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في ذَلِكَ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ، والمُرادُ أنَّهم لَمّا تَرَكُوا الإيمانَ بِاللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآياتِ لَمْ يَهْتَدُوا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾، أيْ: لا يَهْتَدُونَ، وإنَّما يُقالُ: هَدى اللَّهُ فُلانًا عَلى الإطْلاقِ إذا اهْتَدى هو، وأمّا مَن لَمْ يَقْبَلِ الهُدى فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ هَداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، كَما قالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] ثُمَّ رَدَّ تَعالى قَوْلَهم: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ﴾، أيْ: إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ يَتَرَقَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ في كَلامِهِمْ إنَّما وهو يَقْتَضِي الحَصْرَ عند بَعْضِهِمْ، جاءَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِإنَّما أيْضًا، وجاءَ بِلَفْظِ ﴿يَفْتَرِي﴾ الَّذِي يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، ثُمَّ عَلَّقَ الحُكْمَ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلِافْتِراءِ وهو: انْتِفاءُ الإيمانِ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ. فاقْتَضى التَّوْكِيدَ البالِغَ والحَصْرَ بِلَفْظِ الإشارَةِ، والتَّأْكِيدَ بِلَفْظِ (هُمُ)، وإدْخالِ (الـ) عَلى (الكاذِبُونَ)، وبِكَوْنِهِ اسْمَ فاعِلٍ يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ، فَجاءَ ﴿يَفْتَرِي﴾ يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، وجاءَ (الكاذِبُونَ) يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ هُمُ الكاذِبُونَ، هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فَهُمُ الكاذِبُونَ. أوْ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، أيْ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ عَلى الحَقِيقَةِ، الكامِلُونَ في الكَذِبِ، لِأنَّ تَكْذِيبَ آياتِ اللَّهِ أعْظَمُ الكَذِبِ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ: عادَتْهُمُ الكَذِبُ لا يُبالُونَ بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، لا يَحْجُبُهم عَنْهُ مُرُوءَةٌ ولا دِينٌ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]؛ انْتَهى. والوَجْهُ الَّذِي بَدَأ بِهِ بَعِيدٌ، وهو: أنَّ (وأُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ الإعْرابِ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ يَكُونُ بِاللَّفْظِ وبِالِاعْتِقادِ، اسْتَثْنى مِنَ الكافِرِينَ مَن كَفَرَ بِاللَّفْظِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ورَخَّصَ لَهُ في النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذْ كانَ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا، وذَلِكَ مَعَ الإكْراهِ. والمَعْنى: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ، تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُونَ بَعْدَ الإيمانِ غَيْرُ المُكْرَهِينَ، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن ما تَضَمَّنَهُ جَوابُ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ، أيْ: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، إلّا مَن أُكْرِهَ فَلا غَضَبَ عَلَيْهِ ولا عَذابَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ وكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أعْنِي الجَوابَ (p-٥٣٩)قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ مَن جَعَلَ (مَن) شَرْطًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ (مَن) في قَوْلِهِ (مَن كَفَرَ) ابْتِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن شَرَحَ﴾، تَخْصِيصٌ مِنهُ، ودَخَلَ الِاسْتِثْناءُ لِإخْراجِ عَمّارٍ وشَبَهِهِ. ودَنا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ الِاسْتِدْراكُ بَلَكِنْ وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾، خَبَرٌ عَنْ مَنِ الأوْلى والثّانِيَةِ، إذْ هو واحِدٌ بِالمَعْنى لِأنَّ الإخْبارَ في قَوْلِهِ: مَن كَفَرَ، إنَّما قُصِدَ بِهِ الصِّنْفُ الشّارِحُ بِالكُفْرِ؛ انْتَهى. وهَذا وإنْ كانَ كَما ذَكَرَ فَهاتانِ جُمْلَتانِ شَرْطِيَّتانِ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِأداةِ الِاسْتِدْراكِ، فَلا بُدَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن جَوابٍ عَلى انْفِرادِهِ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ، فَتَقْدِيرُ الحَذْفِ أحْرى عَلى صِناعَةِ الإعْرابِ. وقَدْ ضَعَّفُوا مَذْهَبَ أبِي الحَسَنِ في ادِّعائِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وقَوْلَهُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] جَوابٌ لِأمّا، ولِأنَّ هَذا وهُما أداتا شَرْطٍ، إحْداهُما تَلِي الأُخْرى، وعَلى كَوْنِ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وما بَعْدَها صِلَتُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَما ذَكَرْنا في حَذْفِ جَوابِ الشَّرْطِ. إلّا أنَّ (مَنِ) الثّانِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطًا حَتّى يُقَدَّرَ قَبْلَها مُبْتَدَأٌ، لِأنَّ (مَن) ولِيَتْ (لَكِنْ) فَيَتَعَيَّنُ إذْ ذاكَ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، فَإنْ قُدِّرَ مُبْتَدَأٌ بَعْد (لَكِنْ) جازَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ خَبَرِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ كَقَوْلِهِ:
؎ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدِ
أيْ: ولَكِنْ أنا مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدُ. وكَذَلِكَ تُقَدَّرُ هُنا، ولَكِنْ هم مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: مِنهم. وأجازَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، ومِنَ الكاذِبُونَ. ولَمْ يُجِزِ الزَّجّاجُ إلّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ)، لِأنَّهُ رَأى الكَلامَ إلى آخِرِ الِاسْتِثْناءِ غَيْرَ تامٍّ، فَعَلَّقَهُ بِما قَبْلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ)، فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. وإذا (p-٥٤٠)كانَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ) فالتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وإذا كانَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ) فالتَّقْدِيرُ: ومَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ هُمُ الكاذِبُونَ.
وهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ عِنْدِي ضَعِيفَةٌ. لِأنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَفْتَرِي الكَذِبَ إلّا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والوُجُودُ يَقْتَضِي أنَّ مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ، وسَواءٌ كانَ مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ أنَّهُ كانَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن قَطُّ، بَلْ مَن لَمْ يُؤْمِن قَطُّ هُمُ الأكْثَرُونَ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ. وأمّا الثّانِي فَيَئُولُ المَعْنى إلى ذَلِكَ، إذِ التَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ، أيِ: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هُمُ المُفْتَرُونَ. وأمّا الثّالِثُ فَكَذَلِكَ. إذِ التَّقْدِيرُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، مُخْبِرٌ عَنْهم بِأنَّهُمُ الكاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ؛ انْتَهى. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ فَصاحَةُ الكَلامِ جَعْلُ الجُمَلِ كُلِّها مُسْتَقِلَّةً لا تَرْتَبِطُ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ، بَلْ مِن حَيْثُ المَعْنى والمُناسَبَةُ؛ وفي قَوْلِهِ: إلّا مَن أُكْرِهَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ المُكْرَهَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإذا كانَ قَدْ سُومِحَ لِكَلِمَةِ الكُفْرِ أوْ فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، فالمُسامَحَةُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي أوْلى. وقَدْ تَكَلَّمُوا في كَيْفِيَّةِ الإكْراهِ المُبِيحِ لِذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ الأشْياءِ الَّتِي يَقَعُ الإكْراهُ فِيها، وذَلِكَ كُلُّهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. والمُكْرَهُونَ عَلى الكُفْرِ المُعَذَّبُونَ عَلى الإسْلامِ: خَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وسالِمٌ، وحَبْرٌ، عُذِّبُوا فَأجابَهم عَمّارٌ وحَبْرٌ بِاللَّفْظِ فَخُلِّيَ سَبِيلُهُما، وتَمادى الباقُونَ عَلى الإسْلامِ فَقُتِلَ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وهُما أوَّلُ قَتِيلٍ في الإسْلامِ، وعُذِّبَ بِلالٌ وهو يَقُولُ: (أحَدٌ أحَدٌ) وعُذِّبَ خَبّابٌ بِالنّارِ فَما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِهِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ في ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَعْنى مَن، وأفْرَدَ في شَرْحٍ عَلى لَفْظِها. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، أيْ: كائِنٌ لَهم بِسَبَبِ اسْتِحْبابِهِمُ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واسْتِحْقاقُهم خِذْلانَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ؛ انْتَهى. وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. والضَّمِيرُ في (بِأنَّهم) عائِدٌ عَلى (مَن) في مَن شَرَحَ: ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ، أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِآخِرِهِ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ: اسْتَحَبُّوا، هو تَكَسُّبٌ مِنهم عُلِّقَ بِهِ العِقابُ، وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي: إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللَّهِ الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكَسْبِ والِاخْتِراعِ، وهَذا عَقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الِارْتِدادِ والإقْدامِ عَلى الكُفْرِ، لِأجْلِ أنَّهم رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، ولِأنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الطَّبْعِ عَلى القُلُوبِ والسَّمْعِ والأبْصارِ والخَتْمِ عَلَيْها.
﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنْ ما يُرادُ مِنهم في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ الَّذِينَ لا أحَدَ أغْفَلُ مِنهم، لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ هي غايَةُ الغَفْلَةِ ومُنْتَهاها. ولَمّا كانَ الإسْنادُ لِيَكْتَسِبَ بِالطّاعاتِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، فَعَمِلَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ عَظُمَ خُسْرانُهُ فَقِيلَ فِيهِمْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم. ومَن أخْسَرُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَيْنُونَةِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والعَذابِ الألِيمِ، واسْتِحْبابِ الدُّنْيا، وانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ، والإخْبارِ بِالطَّبْعِ وبِغَفْلَتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وحالَ مَن أُكْرِهَ، ذَكَرَ حالَ مَن هاجَرَ بَعْدَما فُتِنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ فَكَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ إلى مَن كانَ أسْلَمَ بِمَكَّةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ، فَعَلى هَذا السَّبَبِ يَكُونُ جِهادُهم مَعَ الرَّسُولِ عَلى الإسْلامِ. ورُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتْ حِينَئِذٍ، فَعَنى بِالجِهادِ جِهادَهم لِمُتَّبِعِيهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ، وعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٥٤١)وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مِن بابِ: مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا أفَتَحَ اللَّهُ لَهم بابَ التَّوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ ؟ وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ: نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ دَلالَةٌ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ مِن حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ. و(لِلَّذِينَ) عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ قالَ: ومَعْنى إنَّ رَبَّكَ لَهم: أنَّهُ لَهم لا عَلَيْهِمْ، بِمَعْنى أنَّهُ ولِيُّهم وناصِرُهم، لا عَدُوُّهم وخاذِلُهم كَما يَكُونُ المَلِكُ لِلرَّجُلِ: لا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحْمِيًّا مَنفُوعًا غَيْرَ مَضْرُورٍ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: مَنفُوعًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن نَفَعَ، وهو قِياسُهُ لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ ثُلاثِيٌّ. وزَعَمَ الأهْوازِيُّ النَّحْوِيُّ أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ مِن نَفَعَ اسْمُ مَفْعُولٍ، فَلا يُقالُ مَنفُوعٌ؛ وقَفْتُ لَهُ عَلَيْهِ في شَرْحِهِ مُوجَزِ الرُّمّانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ إنَّ الأُولى قَوْلُهُ: إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ، وإنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ؛ انْتَهى. وإذا كانَتْ إنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرًا لِلتَّوْكِيدِ كَما ذُكِرَ، فالَّذِي يَقْتَضِيهِ صِناعَةُ العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ الأوْلى هو قَوْلَهُ: لَغَفُورٌ، ويَكُونُ (لِلَّذِينَ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: لَغَفُورٌ، أوْ بِرَحِيمٍ، عَلى الإعْمالِ، لِأنَّ (إنَّ رَبَّكَ) الثّانِيَةَ لا يَكُونُ لَها طَلَبٌ لِما بَعْدَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ. كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ قامَ زَيْدٌ، فَزَيْدٌ إنَّما هو مَرْفُوعٌ بِقامَ الأُولى، لِأنَّ الثّانِيَةَ ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلْأُولى. وقِيلَ: لا خَبَرَ لِأنَّ الأُولى في اللَّفْظِ، لِأنَّ خَبَرَ الثّانِيَةِ أغْنى عَنْهُ؛ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهُ ألْغى حُكْمَ الأُولى وجَعَلَ الحُكْمَ لِلثّانِيَةِ، وهو عَكْسُ ما تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: لِلَّذِينَ، مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي لِلَّذِينِ، أيِ: الغُفْرانَ لِلَّذِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُتِنُوا، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: بِالعَذابِ والإكْراهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: فَتَنُوا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ هاجَرُوا، فالمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوُا المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ كَما فَعَلَ عَمّارٌ. أوْ لَمّا كانُوا صابِرِينَ عَلى الإسْلامِ وعُذِّبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم هُمُ المُعَذِّبُونَ أنْفُسَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى المُشْرِكِينَ، أيْ: مِن بَعْدِ ما عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ، كالحَضْرَمِيِّ وأشْباهِهِ. والضَّمِيرُ في (مِن) بَعْدَها عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ الفِتْنَةِ والهِجْرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بَعْدِها) عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَّوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ.
النحل 16:107
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى نِسْبَتَهم إلى (p-٥٣٨)الِافْتِراءِ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ ما أتى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّما يُعَلِّمُهُ إيّاهُ بَشَرٌ، كانَ ذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ الإيمانِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أبَدًا إذْ كانُوا جاحِدِينَ آياتِ اللَّهِ، وهو ما أتى بِهِ الرَّسُولُ مِنَ المُعْجِزاتِ وخُصُوصًا القُرْآنُ، فَمَن بالَغَ في جَحْدِ آياتِ اللَّهِ سَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بابَ الهِدايَةِ. وذَكَرَ تَعالى وعِيدَهُ بِالعَذابِ الألِيمِ لَهم، ومَعْنى لا يَهْدِيهِمْ: لا يَخْلُقُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ. وهَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ، فَقَدِ اهْتَدى قَوْمٌ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يَلْطُفُ بِهِمْ، لِأنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلان في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، لا مِن أهْلِ اللُّطْفِ والثَّوابِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ في هَذا التَّرْتِيبِ وأخْبَرَهُما بِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ والتَّشْنِيعِ بِخَطَئِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ؛ انْتَهى. وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في ذَلِكَ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ، والمُرادُ أنَّهم لَمّا تَرَكُوا الإيمانَ بِاللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآياتِ لَمْ يَهْتَدُوا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾، أيْ: لا يَهْتَدُونَ، وإنَّما يُقالُ: هَدى اللَّهُ فُلانًا عَلى الإطْلاقِ إذا اهْتَدى هو، وأمّا مَن لَمْ يَقْبَلِ الهُدى فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ هَداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، كَما قالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] ثُمَّ رَدَّ تَعالى قَوْلَهم: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ﴾، أيْ: إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ يَتَرَقَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ في كَلامِهِمْ إنَّما وهو يَقْتَضِي الحَصْرَ عند بَعْضِهِمْ، جاءَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِإنَّما أيْضًا، وجاءَ بِلَفْظِ ﴿يَفْتَرِي﴾ الَّذِي يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، ثُمَّ عَلَّقَ الحُكْمَ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلِافْتِراءِ وهو: انْتِفاءُ الإيمانِ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ. فاقْتَضى التَّوْكِيدَ البالِغَ والحَصْرَ بِلَفْظِ الإشارَةِ، والتَّأْكِيدَ بِلَفْظِ (هُمُ)، وإدْخالِ (الـ) عَلى (الكاذِبُونَ)، وبِكَوْنِهِ اسْمَ فاعِلٍ يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ، فَجاءَ ﴿يَفْتَرِي﴾ يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، وجاءَ (الكاذِبُونَ) يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ هُمُ الكاذِبُونَ، هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فَهُمُ الكاذِبُونَ. أوْ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، أيْ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ عَلى الحَقِيقَةِ، الكامِلُونَ في الكَذِبِ، لِأنَّ تَكْذِيبَ آياتِ اللَّهِ أعْظَمُ الكَذِبِ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ: عادَتْهُمُ الكَذِبُ لا يُبالُونَ بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، لا يَحْجُبُهم عَنْهُ مُرُوءَةٌ ولا دِينٌ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]؛ انْتَهى. والوَجْهُ الَّذِي بَدَأ بِهِ بَعِيدٌ، وهو: أنَّ (وأُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ الإعْرابِ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ يَكُونُ بِاللَّفْظِ وبِالِاعْتِقادِ، اسْتَثْنى مِنَ الكافِرِينَ مَن كَفَرَ بِاللَّفْظِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ورَخَّصَ لَهُ في النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذْ كانَ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا، وذَلِكَ مَعَ الإكْراهِ. والمَعْنى: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ، تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُونَ بَعْدَ الإيمانِ غَيْرُ المُكْرَهِينَ، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن ما تَضَمَّنَهُ جَوابُ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ، أيْ: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، إلّا مَن أُكْرِهَ فَلا غَضَبَ عَلَيْهِ ولا عَذابَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ وكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أعْنِي الجَوابَ (p-٥٣٩)قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ مَن جَعَلَ (مَن) شَرْطًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ (مَن) في قَوْلِهِ (مَن كَفَرَ) ابْتِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن شَرَحَ﴾، تَخْصِيصٌ مِنهُ، ودَخَلَ الِاسْتِثْناءُ لِإخْراجِ عَمّارٍ وشَبَهِهِ. ودَنا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ الِاسْتِدْراكُ بَلَكِنْ وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾، خَبَرٌ عَنْ مَنِ الأوْلى والثّانِيَةِ، إذْ هو واحِدٌ بِالمَعْنى لِأنَّ الإخْبارَ في قَوْلِهِ: مَن كَفَرَ، إنَّما قُصِدَ بِهِ الصِّنْفُ الشّارِحُ بِالكُفْرِ؛ انْتَهى. وهَذا وإنْ كانَ كَما ذَكَرَ فَهاتانِ جُمْلَتانِ شَرْطِيَّتانِ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِأداةِ الِاسْتِدْراكِ، فَلا بُدَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن جَوابٍ عَلى انْفِرادِهِ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ، فَتَقْدِيرُ الحَذْفِ أحْرى عَلى صِناعَةِ الإعْرابِ. وقَدْ ضَعَّفُوا مَذْهَبَ أبِي الحَسَنِ في ادِّعائِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وقَوْلَهُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] جَوابٌ لِأمّا، ولِأنَّ هَذا وهُما أداتا شَرْطٍ، إحْداهُما تَلِي الأُخْرى، وعَلى كَوْنِ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وما بَعْدَها صِلَتُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَما ذَكَرْنا في حَذْفِ جَوابِ الشَّرْطِ. إلّا أنَّ (مَنِ) الثّانِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطًا حَتّى يُقَدَّرَ قَبْلَها مُبْتَدَأٌ، لِأنَّ (مَن) ولِيَتْ (لَكِنْ) فَيَتَعَيَّنُ إذْ ذاكَ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، فَإنْ قُدِّرَ مُبْتَدَأٌ بَعْد (لَكِنْ) جازَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ خَبَرِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ كَقَوْلِهِ:
؎ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدِ
أيْ: ولَكِنْ أنا مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدُ. وكَذَلِكَ تُقَدَّرُ هُنا، ولَكِنْ هم مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: مِنهم. وأجازَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، ومِنَ الكاذِبُونَ. ولَمْ يُجِزِ الزَّجّاجُ إلّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ)، لِأنَّهُ رَأى الكَلامَ إلى آخِرِ الِاسْتِثْناءِ غَيْرَ تامٍّ، فَعَلَّقَهُ بِما قَبْلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ)، فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. وإذا (p-٥٤٠)كانَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ) فالتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وإذا كانَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ) فالتَّقْدِيرُ: ومَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ هُمُ الكاذِبُونَ.
وهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ عِنْدِي ضَعِيفَةٌ. لِأنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَفْتَرِي الكَذِبَ إلّا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والوُجُودُ يَقْتَضِي أنَّ مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ، وسَواءٌ كانَ مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ أنَّهُ كانَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن قَطُّ، بَلْ مَن لَمْ يُؤْمِن قَطُّ هُمُ الأكْثَرُونَ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ. وأمّا الثّانِي فَيَئُولُ المَعْنى إلى ذَلِكَ، إذِ التَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ، أيِ: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هُمُ المُفْتَرُونَ. وأمّا الثّالِثُ فَكَذَلِكَ. إذِ التَّقْدِيرُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، مُخْبِرٌ عَنْهم بِأنَّهُمُ الكاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ؛ انْتَهى. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ فَصاحَةُ الكَلامِ جَعْلُ الجُمَلِ كُلِّها مُسْتَقِلَّةً لا تَرْتَبِطُ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ، بَلْ مِن حَيْثُ المَعْنى والمُناسَبَةُ؛ وفي قَوْلِهِ: إلّا مَن أُكْرِهَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ المُكْرَهَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإذا كانَ قَدْ سُومِحَ لِكَلِمَةِ الكُفْرِ أوْ فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، فالمُسامَحَةُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي أوْلى. وقَدْ تَكَلَّمُوا في كَيْفِيَّةِ الإكْراهِ المُبِيحِ لِذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ الأشْياءِ الَّتِي يَقَعُ الإكْراهُ فِيها، وذَلِكَ كُلُّهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. والمُكْرَهُونَ عَلى الكُفْرِ المُعَذَّبُونَ عَلى الإسْلامِ: خَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وسالِمٌ، وحَبْرٌ، عُذِّبُوا فَأجابَهم عَمّارٌ وحَبْرٌ بِاللَّفْظِ فَخُلِّيَ سَبِيلُهُما، وتَمادى الباقُونَ عَلى الإسْلامِ فَقُتِلَ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وهُما أوَّلُ قَتِيلٍ في الإسْلامِ، وعُذِّبَ بِلالٌ وهو يَقُولُ: (أحَدٌ أحَدٌ) وعُذِّبَ خَبّابٌ بِالنّارِ فَما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِهِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ في ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَعْنى مَن، وأفْرَدَ في شَرْحٍ عَلى لَفْظِها. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، أيْ: كائِنٌ لَهم بِسَبَبِ اسْتِحْبابِهِمُ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واسْتِحْقاقُهم خِذْلانَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ؛ انْتَهى. وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. والضَّمِيرُ في (بِأنَّهم) عائِدٌ عَلى (مَن) في مَن شَرَحَ: ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ، أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِآخِرِهِ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ: اسْتَحَبُّوا، هو تَكَسُّبٌ مِنهم عُلِّقَ بِهِ العِقابُ، وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي: إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللَّهِ الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكَسْبِ والِاخْتِراعِ، وهَذا عَقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الِارْتِدادِ والإقْدامِ عَلى الكُفْرِ، لِأجْلِ أنَّهم رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، ولِأنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الطَّبْعِ عَلى القُلُوبِ والسَّمْعِ والأبْصارِ والخَتْمِ عَلَيْها.
﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنْ ما يُرادُ مِنهم في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ الَّذِينَ لا أحَدَ أغْفَلُ مِنهم، لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ هي غايَةُ الغَفْلَةِ ومُنْتَهاها. ولَمّا كانَ الإسْنادُ لِيَكْتَسِبَ بِالطّاعاتِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، فَعَمِلَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ عَظُمَ خُسْرانُهُ فَقِيلَ فِيهِمْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم. ومَن أخْسَرُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَيْنُونَةِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والعَذابِ الألِيمِ، واسْتِحْبابِ الدُّنْيا، وانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ، والإخْبارِ بِالطَّبْعِ وبِغَفْلَتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وحالَ مَن أُكْرِهَ، ذَكَرَ حالَ مَن هاجَرَ بَعْدَما فُتِنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ فَكَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ إلى مَن كانَ أسْلَمَ بِمَكَّةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ، فَعَلى هَذا السَّبَبِ يَكُونُ جِهادُهم مَعَ الرَّسُولِ عَلى الإسْلامِ. ورُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتْ حِينَئِذٍ، فَعَنى بِالجِهادِ جِهادَهم لِمُتَّبِعِيهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ، وعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٥٤١)وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مِن بابِ: مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا أفَتَحَ اللَّهُ لَهم بابَ التَّوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ ؟ وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ: نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ دَلالَةٌ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ مِن حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ. و(لِلَّذِينَ) عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ قالَ: ومَعْنى إنَّ رَبَّكَ لَهم: أنَّهُ لَهم لا عَلَيْهِمْ، بِمَعْنى أنَّهُ ولِيُّهم وناصِرُهم، لا عَدُوُّهم وخاذِلُهم كَما يَكُونُ المَلِكُ لِلرَّجُلِ: لا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحْمِيًّا مَنفُوعًا غَيْرَ مَضْرُورٍ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: مَنفُوعًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن نَفَعَ، وهو قِياسُهُ لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ ثُلاثِيٌّ. وزَعَمَ الأهْوازِيُّ النَّحْوِيُّ أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ مِن نَفَعَ اسْمُ مَفْعُولٍ، فَلا يُقالُ مَنفُوعٌ؛ وقَفْتُ لَهُ عَلَيْهِ في شَرْحِهِ مُوجَزِ الرُّمّانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ إنَّ الأُولى قَوْلُهُ: إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ، وإنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ؛ انْتَهى. وإذا كانَتْ إنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرًا لِلتَّوْكِيدِ كَما ذُكِرَ، فالَّذِي يَقْتَضِيهِ صِناعَةُ العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ الأوْلى هو قَوْلَهُ: لَغَفُورٌ، ويَكُونُ (لِلَّذِينَ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: لَغَفُورٌ، أوْ بِرَحِيمٍ، عَلى الإعْمالِ، لِأنَّ (إنَّ رَبَّكَ) الثّانِيَةَ لا يَكُونُ لَها طَلَبٌ لِما بَعْدَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ. كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ قامَ زَيْدٌ، فَزَيْدٌ إنَّما هو مَرْفُوعٌ بِقامَ الأُولى، لِأنَّ الثّانِيَةَ ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلْأُولى. وقِيلَ: لا خَبَرَ لِأنَّ الأُولى في اللَّفْظِ، لِأنَّ خَبَرَ الثّانِيَةِ أغْنى عَنْهُ؛ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهُ ألْغى حُكْمَ الأُولى وجَعَلَ الحُكْمَ لِلثّانِيَةِ، وهو عَكْسُ ما تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: لِلَّذِينَ، مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي لِلَّذِينِ، أيِ: الغُفْرانَ لِلَّذِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُتِنُوا، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: بِالعَذابِ والإكْراهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: فَتَنُوا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ هاجَرُوا، فالمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوُا المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ كَما فَعَلَ عَمّارٌ. أوْ لَمّا كانُوا صابِرِينَ عَلى الإسْلامِ وعُذِّبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم هُمُ المُعَذِّبُونَ أنْفُسَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى المُشْرِكِينَ، أيْ: مِن بَعْدِ ما عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ، كالحَضْرَمِيِّ وأشْباهِهِ. والضَّمِيرُ في (مِن) بَعْدَها عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ الفِتْنَةِ والهِجْرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بَعْدِها) عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَّوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ.