Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — النحل 16:108 – الإسراء 17:12

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. النحل 16:108
  2. النحل 16:109
  3. النحل 16:110
  4. النحل 16:111
  5. النحل 16:112
  6. النحل 16:113
  7. النحل 16:114
  8. النحل 16:115
  9. النحل 16:116
  10. النحل 16:117
  11. النحل 16:118
  12. النحل 16:119
  13. النحل 16:120
  14. النحل 16:121
  15. النحل 16:122
  16. النحل 16:123
  17. النحل 16:124
  18. النحل 16:125
  19. النحل 16:126
  20. النحل 16:127
  21. النحل 16:128
  22. الإسراء 17:1
  23. الإسراء 17:2
  24. الإسراء 17:3
  25. الإسراء 17:4
  26. الإسراء 17:5
  27. الإسراء 17:6
  28. الإسراء 17:7
  29. الإسراء 17:8
  30. الإسراء 17:9
  31. الإسراء 17:10
  32. الإسراء 17:11
  33. الإسراء 17:12

النحل 16:108

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى نِسْبَتَهم إلى (p-٥٣٨)الِافْتِراءِ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ ما أتى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّما يُعَلِّمُهُ إيّاهُ بَشَرٌ، كانَ ذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ الإيمانِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أبَدًا إذْ كانُوا جاحِدِينَ آياتِ اللَّهِ، وهو ما أتى بِهِ الرَّسُولُ مِنَ المُعْجِزاتِ وخُصُوصًا القُرْآنُ، فَمَن بالَغَ في جَحْدِ آياتِ اللَّهِ سَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بابَ الهِدايَةِ. وذَكَرَ تَعالى وعِيدَهُ بِالعَذابِ الألِيمِ لَهم، ومَعْنى لا يَهْدِيهِمْ: لا يَخْلُقُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ. وهَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ، فَقَدِ اهْتَدى قَوْمٌ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يَلْطُفُ بِهِمْ، لِأنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلان في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، لا مِن أهْلِ اللُّطْفِ والثَّوابِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ في هَذا التَّرْتِيبِ وأخْبَرَهُما بِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ والتَّشْنِيعِ بِخَطَئِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ؛ انْتَهى. وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في ذَلِكَ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ، والمُرادُ أنَّهم لَمّا تَرَكُوا الإيمانَ بِاللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآياتِ لَمْ يَهْتَدُوا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾، أيْ: لا يَهْتَدُونَ، وإنَّما يُقالُ: هَدى اللَّهُ فُلانًا عَلى الإطْلاقِ إذا اهْتَدى هو، وأمّا مَن لَمْ يَقْبَلِ الهُدى فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ هَداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، كَما قالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] ثُمَّ رَدَّ تَعالى قَوْلَهم: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ﴾، أيْ: إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ يَتَرَقَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ في كَلامِهِمْ إنَّما وهو يَقْتَضِي الحَصْرَ عند بَعْضِهِمْ، جاءَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِإنَّما أيْضًا، وجاءَ بِلَفْظِ ﴿يَفْتَرِي﴾ الَّذِي يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، ثُمَّ عَلَّقَ الحُكْمَ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلِافْتِراءِ وهو: انْتِفاءُ الإيمانِ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ. فاقْتَضى التَّوْكِيدَ البالِغَ والحَصْرَ بِلَفْظِ الإشارَةِ، والتَّأْكِيدَ بِلَفْظِ (هُمُ)، وإدْخالِ (الـ) عَلى (الكاذِبُونَ)، وبِكَوْنِهِ اسْمَ فاعِلٍ يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ، فَجاءَ ﴿يَفْتَرِي﴾ يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، وجاءَ (الكاذِبُونَ) يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ هُمُ الكاذِبُونَ، هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فَهُمُ الكاذِبُونَ. أوْ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، أيْ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ عَلى الحَقِيقَةِ، الكامِلُونَ في الكَذِبِ، لِأنَّ تَكْذِيبَ آياتِ اللَّهِ أعْظَمُ الكَذِبِ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ: عادَتْهُمُ الكَذِبُ لا يُبالُونَ بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، لا يَحْجُبُهم عَنْهُ مُرُوءَةٌ ولا دِينٌ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]؛ انْتَهى. والوَجْهُ الَّذِي بَدَأ بِهِ بَعِيدٌ، وهو: أنَّ (وأُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ الإعْرابِ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ يَكُونُ بِاللَّفْظِ وبِالِاعْتِقادِ، اسْتَثْنى مِنَ الكافِرِينَ مَن كَفَرَ بِاللَّفْظِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ورَخَّصَ لَهُ في النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذْ كانَ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا، وذَلِكَ مَعَ الإكْراهِ. والمَعْنى: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ، تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُونَ بَعْدَ الإيمانِ غَيْرُ المُكْرَهِينَ، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن ما تَضَمَّنَهُ جَوابُ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ، أيْ: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، إلّا مَن أُكْرِهَ فَلا غَضَبَ عَلَيْهِ ولا عَذابَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ وكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أعْنِي الجَوابَ (p-٥٣٩)قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ مَن جَعَلَ (مَن) شَرْطًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ (مَن) في قَوْلِهِ (مَن كَفَرَ) ابْتِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن شَرَحَ﴾، تَخْصِيصٌ مِنهُ، ودَخَلَ الِاسْتِثْناءُ لِإخْراجِ عَمّارٍ وشَبَهِهِ. ودَنا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ الِاسْتِدْراكُ بَلَكِنْ وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾، خَبَرٌ عَنْ مَنِ الأوْلى والثّانِيَةِ، إذْ هو واحِدٌ بِالمَعْنى لِأنَّ الإخْبارَ في قَوْلِهِ: مَن كَفَرَ، إنَّما قُصِدَ بِهِ الصِّنْفُ الشّارِحُ بِالكُفْرِ؛ انْتَهى. وهَذا وإنْ كانَ كَما ذَكَرَ فَهاتانِ جُمْلَتانِ شَرْطِيَّتانِ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِأداةِ الِاسْتِدْراكِ، فَلا بُدَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن جَوابٍ عَلى انْفِرادِهِ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ، فَتَقْدِيرُ الحَذْفِ أحْرى عَلى صِناعَةِ الإعْرابِ. وقَدْ ضَعَّفُوا مَذْهَبَ أبِي الحَسَنِ في ادِّعائِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وقَوْلَهُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] جَوابٌ لِأمّا، ولِأنَّ هَذا وهُما أداتا شَرْطٍ، إحْداهُما تَلِي الأُخْرى، وعَلى كَوْنِ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وما بَعْدَها صِلَتُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَما ذَكَرْنا في حَذْفِ جَوابِ الشَّرْطِ. إلّا أنَّ (مَنِ) الثّانِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطًا حَتّى يُقَدَّرَ قَبْلَها مُبْتَدَأٌ، لِأنَّ (مَن) ولِيَتْ (لَكِنْ) فَيَتَعَيَّنُ إذْ ذاكَ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، فَإنْ قُدِّرَ مُبْتَدَأٌ بَعْد (لَكِنْ) جازَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ خَبَرِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ كَقَوْلِهِ: ؎ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدِ أيْ: ولَكِنْ أنا مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدُ. وكَذَلِكَ تُقَدَّرُ هُنا، ولَكِنْ هم مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: مِنهم. وأجازَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، ومِنَ الكاذِبُونَ. ولَمْ يُجِزِ الزَّجّاجُ إلّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ)، لِأنَّهُ رَأى الكَلامَ إلى آخِرِ الِاسْتِثْناءِ غَيْرَ تامٍّ، فَعَلَّقَهُ بِما قَبْلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ)، فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. وإذا (p-٥٤٠)كانَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ) فالتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وإذا كانَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ) فالتَّقْدِيرُ: ومَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ هُمُ الكاذِبُونَ. وهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ عِنْدِي ضَعِيفَةٌ. لِأنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَفْتَرِي الكَذِبَ إلّا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والوُجُودُ يَقْتَضِي أنَّ مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ، وسَواءٌ كانَ مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ أنَّهُ كانَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن قَطُّ، بَلْ مَن لَمْ يُؤْمِن قَطُّ هُمُ الأكْثَرُونَ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ. وأمّا الثّانِي فَيَئُولُ المَعْنى إلى ذَلِكَ، إذِ التَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ، أيِ: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هُمُ المُفْتَرُونَ. وأمّا الثّالِثُ فَكَذَلِكَ. إذِ التَّقْدِيرُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، مُخْبِرٌ عَنْهم بِأنَّهُمُ الكاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ؛ انْتَهى. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ فَصاحَةُ الكَلامِ جَعْلُ الجُمَلِ كُلِّها مُسْتَقِلَّةً لا تَرْتَبِطُ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ، بَلْ مِن حَيْثُ المَعْنى والمُناسَبَةُ؛ وفي قَوْلِهِ: إلّا مَن أُكْرِهَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ المُكْرَهَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإذا كانَ قَدْ سُومِحَ لِكَلِمَةِ الكُفْرِ أوْ فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، فالمُسامَحَةُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي أوْلى. وقَدْ تَكَلَّمُوا في كَيْفِيَّةِ الإكْراهِ المُبِيحِ لِذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ الأشْياءِ الَّتِي يَقَعُ الإكْراهُ فِيها، وذَلِكَ كُلُّهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. والمُكْرَهُونَ عَلى الكُفْرِ المُعَذَّبُونَ عَلى الإسْلامِ: خَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وسالِمٌ، وحَبْرٌ، عُذِّبُوا فَأجابَهم عَمّارٌ وحَبْرٌ بِاللَّفْظِ فَخُلِّيَ سَبِيلُهُما، وتَمادى الباقُونَ عَلى الإسْلامِ فَقُتِلَ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وهُما أوَّلُ قَتِيلٍ في الإسْلامِ، وعُذِّبَ بِلالٌ وهو يَقُولُ: (أحَدٌ أحَدٌ) وعُذِّبَ خَبّابٌ بِالنّارِ فَما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِهِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ في ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَعْنى مَن، وأفْرَدَ في شَرْحٍ عَلى لَفْظِها. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، أيْ: كائِنٌ لَهم بِسَبَبِ اسْتِحْبابِهِمُ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واسْتِحْقاقُهم خِذْلانَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ؛ انْتَهى. وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. والضَّمِيرُ في (بِأنَّهم) عائِدٌ عَلى (مَن) في مَن شَرَحَ: ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ، أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِآخِرِهِ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ: اسْتَحَبُّوا، هو تَكَسُّبٌ مِنهم عُلِّقَ بِهِ العِقابُ، وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي: إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللَّهِ الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكَسْبِ والِاخْتِراعِ، وهَذا عَقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الِارْتِدادِ والإقْدامِ عَلى الكُفْرِ، لِأجْلِ أنَّهم رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، ولِأنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الطَّبْعِ عَلى القُلُوبِ والسَّمْعِ والأبْصارِ والخَتْمِ عَلَيْها. ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنْ ما يُرادُ مِنهم في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ الَّذِينَ لا أحَدَ أغْفَلُ مِنهم، لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ هي غايَةُ الغَفْلَةِ ومُنْتَهاها. ولَمّا كانَ الإسْنادُ لِيَكْتَسِبَ بِالطّاعاتِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، فَعَمِلَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ عَظُمَ خُسْرانُهُ فَقِيلَ فِيهِمْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم. ومَن أخْسَرُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَيْنُونَةِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والعَذابِ الألِيمِ، واسْتِحْبابِ الدُّنْيا، وانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ، والإخْبارِ بِالطَّبْعِ وبِغَفْلَتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وحالَ مَن أُكْرِهَ، ذَكَرَ حالَ مَن هاجَرَ بَعْدَما فُتِنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ فَكَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ إلى مَن كانَ أسْلَمَ بِمَكَّةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ، فَعَلى هَذا السَّبَبِ يَكُونُ جِهادُهم مَعَ الرَّسُولِ عَلى الإسْلامِ. ورُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتْ حِينَئِذٍ، فَعَنى بِالجِهادِ جِهادَهم لِمُتَّبِعِيهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ، وعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٥٤١)وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مِن بابِ: مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا أفَتَحَ اللَّهُ لَهم بابَ التَّوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ ؟ وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ: نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ دَلالَةٌ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ مِن حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ. و(لِلَّذِينَ) عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ قالَ: ومَعْنى إنَّ رَبَّكَ لَهم: أنَّهُ لَهم لا عَلَيْهِمْ، بِمَعْنى أنَّهُ ولِيُّهم وناصِرُهم، لا عَدُوُّهم وخاذِلُهم كَما يَكُونُ المَلِكُ لِلرَّجُلِ: لا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحْمِيًّا مَنفُوعًا غَيْرَ مَضْرُورٍ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: مَنفُوعًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن نَفَعَ، وهو قِياسُهُ لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ ثُلاثِيٌّ. وزَعَمَ الأهْوازِيُّ النَّحْوِيُّ أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ مِن نَفَعَ اسْمُ مَفْعُولٍ، فَلا يُقالُ مَنفُوعٌ؛ وقَفْتُ لَهُ عَلَيْهِ في شَرْحِهِ مُوجَزِ الرُّمّانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ إنَّ الأُولى قَوْلُهُ: إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ، وإنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ؛ انْتَهى. وإذا كانَتْ إنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرًا لِلتَّوْكِيدِ كَما ذُكِرَ، فالَّذِي يَقْتَضِيهِ صِناعَةُ العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ الأوْلى هو قَوْلَهُ: لَغَفُورٌ، ويَكُونُ (لِلَّذِينَ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: لَغَفُورٌ، أوْ بِرَحِيمٍ، عَلى الإعْمالِ، لِأنَّ (إنَّ رَبَّكَ) الثّانِيَةَ لا يَكُونُ لَها طَلَبٌ لِما بَعْدَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ. كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ قامَ زَيْدٌ، فَزَيْدٌ إنَّما هو مَرْفُوعٌ بِقامَ الأُولى، لِأنَّ الثّانِيَةَ ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلْأُولى. وقِيلَ: لا خَبَرَ لِأنَّ الأُولى في اللَّفْظِ، لِأنَّ خَبَرَ الثّانِيَةِ أغْنى عَنْهُ؛ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهُ ألْغى حُكْمَ الأُولى وجَعَلَ الحُكْمَ لِلثّانِيَةِ، وهو عَكْسُ ما تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: لِلَّذِينَ، مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي لِلَّذِينِ، أيِ: الغُفْرانَ لِلَّذِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُتِنُوا، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: بِالعَذابِ والإكْراهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: فَتَنُوا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ هاجَرُوا، فالمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوُا المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ كَما فَعَلَ عَمّارٌ. أوْ لَمّا كانُوا صابِرِينَ عَلى الإسْلامِ وعُذِّبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم هُمُ المُعَذِّبُونَ أنْفُسَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى المُشْرِكِينَ، أيْ: مِن بَعْدِ ما عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ، كالحَضْرَمِيِّ وأشْباهِهِ. والضَّمِيرُ في (مِن) بَعْدَها عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ الفِتْنَةِ والهِجْرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بَعْدِها) عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَّوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ.

النحل 16:109

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى نِسْبَتَهم إلى (p-٥٣٨)الِافْتِراءِ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ ما أتى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّما يُعَلِّمُهُ إيّاهُ بَشَرٌ، كانَ ذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ الإيمانِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أبَدًا إذْ كانُوا جاحِدِينَ آياتِ اللَّهِ، وهو ما أتى بِهِ الرَّسُولُ مِنَ المُعْجِزاتِ وخُصُوصًا القُرْآنُ، فَمَن بالَغَ في جَحْدِ آياتِ اللَّهِ سَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بابَ الهِدايَةِ. وذَكَرَ تَعالى وعِيدَهُ بِالعَذابِ الألِيمِ لَهم، ومَعْنى لا يَهْدِيهِمْ: لا يَخْلُقُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ. وهَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ، فَقَدِ اهْتَدى قَوْمٌ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يَلْطُفُ بِهِمْ، لِأنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلان في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، لا مِن أهْلِ اللُّطْفِ والثَّوابِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ في هَذا التَّرْتِيبِ وأخْبَرَهُما بِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ والتَّشْنِيعِ بِخَطَئِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ؛ انْتَهى. وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في ذَلِكَ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ، والمُرادُ أنَّهم لَمّا تَرَكُوا الإيمانَ بِاللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآياتِ لَمْ يَهْتَدُوا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾، أيْ: لا يَهْتَدُونَ، وإنَّما يُقالُ: هَدى اللَّهُ فُلانًا عَلى الإطْلاقِ إذا اهْتَدى هو، وأمّا مَن لَمْ يَقْبَلِ الهُدى فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ هَداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، كَما قالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] ثُمَّ رَدَّ تَعالى قَوْلَهم: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ﴾، أيْ: إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ يَتَرَقَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ في كَلامِهِمْ إنَّما وهو يَقْتَضِي الحَصْرَ عند بَعْضِهِمْ، جاءَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِإنَّما أيْضًا، وجاءَ بِلَفْظِ ﴿يَفْتَرِي﴾ الَّذِي يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، ثُمَّ عَلَّقَ الحُكْمَ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلِافْتِراءِ وهو: انْتِفاءُ الإيمانِ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ. فاقْتَضى التَّوْكِيدَ البالِغَ والحَصْرَ بِلَفْظِ الإشارَةِ، والتَّأْكِيدَ بِلَفْظِ (هُمُ)، وإدْخالِ (الـ) عَلى (الكاذِبُونَ)، وبِكَوْنِهِ اسْمَ فاعِلٍ يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ، فَجاءَ ﴿يَفْتَرِي﴾ يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، وجاءَ (الكاذِبُونَ) يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ هُمُ الكاذِبُونَ، هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فَهُمُ الكاذِبُونَ. أوْ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، أيْ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ عَلى الحَقِيقَةِ، الكامِلُونَ في الكَذِبِ، لِأنَّ تَكْذِيبَ آياتِ اللَّهِ أعْظَمُ الكَذِبِ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ: عادَتْهُمُ الكَذِبُ لا يُبالُونَ بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، لا يَحْجُبُهم عَنْهُ مُرُوءَةٌ ولا دِينٌ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]؛ انْتَهى. والوَجْهُ الَّذِي بَدَأ بِهِ بَعِيدٌ، وهو: أنَّ (وأُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ الإعْرابِ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ يَكُونُ بِاللَّفْظِ وبِالِاعْتِقادِ، اسْتَثْنى مِنَ الكافِرِينَ مَن كَفَرَ بِاللَّفْظِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ورَخَّصَ لَهُ في النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذْ كانَ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا، وذَلِكَ مَعَ الإكْراهِ. والمَعْنى: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ، تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُونَ بَعْدَ الإيمانِ غَيْرُ المُكْرَهِينَ، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن ما تَضَمَّنَهُ جَوابُ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ، أيْ: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، إلّا مَن أُكْرِهَ فَلا غَضَبَ عَلَيْهِ ولا عَذابَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ وكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أعْنِي الجَوابَ (p-٥٣٩)قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ مَن جَعَلَ (مَن) شَرْطًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ (مَن) في قَوْلِهِ (مَن كَفَرَ) ابْتِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن شَرَحَ﴾، تَخْصِيصٌ مِنهُ، ودَخَلَ الِاسْتِثْناءُ لِإخْراجِ عَمّارٍ وشَبَهِهِ. ودَنا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ الِاسْتِدْراكُ بَلَكِنْ وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾، خَبَرٌ عَنْ مَنِ الأوْلى والثّانِيَةِ، إذْ هو واحِدٌ بِالمَعْنى لِأنَّ الإخْبارَ في قَوْلِهِ: مَن كَفَرَ، إنَّما قُصِدَ بِهِ الصِّنْفُ الشّارِحُ بِالكُفْرِ؛ انْتَهى. وهَذا وإنْ كانَ كَما ذَكَرَ فَهاتانِ جُمْلَتانِ شَرْطِيَّتانِ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِأداةِ الِاسْتِدْراكِ، فَلا بُدَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن جَوابٍ عَلى انْفِرادِهِ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ، فَتَقْدِيرُ الحَذْفِ أحْرى عَلى صِناعَةِ الإعْرابِ. وقَدْ ضَعَّفُوا مَذْهَبَ أبِي الحَسَنِ في ادِّعائِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وقَوْلَهُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] جَوابٌ لِأمّا، ولِأنَّ هَذا وهُما أداتا شَرْطٍ، إحْداهُما تَلِي الأُخْرى، وعَلى كَوْنِ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وما بَعْدَها صِلَتُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَما ذَكَرْنا في حَذْفِ جَوابِ الشَّرْطِ. إلّا أنَّ (مَنِ) الثّانِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطًا حَتّى يُقَدَّرَ قَبْلَها مُبْتَدَأٌ، لِأنَّ (مَن) ولِيَتْ (لَكِنْ) فَيَتَعَيَّنُ إذْ ذاكَ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، فَإنْ قُدِّرَ مُبْتَدَأٌ بَعْد (لَكِنْ) جازَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ خَبَرِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ كَقَوْلِهِ: ؎ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدِ أيْ: ولَكِنْ أنا مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدُ. وكَذَلِكَ تُقَدَّرُ هُنا، ولَكِنْ هم مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: مِنهم. وأجازَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، ومِنَ الكاذِبُونَ. ولَمْ يُجِزِ الزَّجّاجُ إلّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ)، لِأنَّهُ رَأى الكَلامَ إلى آخِرِ الِاسْتِثْناءِ غَيْرَ تامٍّ، فَعَلَّقَهُ بِما قَبْلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ)، فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. وإذا (p-٥٤٠)كانَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ) فالتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وإذا كانَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ) فالتَّقْدِيرُ: ومَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ هُمُ الكاذِبُونَ. وهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ عِنْدِي ضَعِيفَةٌ. لِأنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَفْتَرِي الكَذِبَ إلّا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والوُجُودُ يَقْتَضِي أنَّ مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ، وسَواءٌ كانَ مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ أنَّهُ كانَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن قَطُّ، بَلْ مَن لَمْ يُؤْمِن قَطُّ هُمُ الأكْثَرُونَ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ. وأمّا الثّانِي فَيَئُولُ المَعْنى إلى ذَلِكَ، إذِ التَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ، أيِ: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هُمُ المُفْتَرُونَ. وأمّا الثّالِثُ فَكَذَلِكَ. إذِ التَّقْدِيرُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، مُخْبِرٌ عَنْهم بِأنَّهُمُ الكاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ؛ انْتَهى. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ فَصاحَةُ الكَلامِ جَعْلُ الجُمَلِ كُلِّها مُسْتَقِلَّةً لا تَرْتَبِطُ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ، بَلْ مِن حَيْثُ المَعْنى والمُناسَبَةُ؛ وفي قَوْلِهِ: إلّا مَن أُكْرِهَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ المُكْرَهَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإذا كانَ قَدْ سُومِحَ لِكَلِمَةِ الكُفْرِ أوْ فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، فالمُسامَحَةُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي أوْلى. وقَدْ تَكَلَّمُوا في كَيْفِيَّةِ الإكْراهِ المُبِيحِ لِذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ الأشْياءِ الَّتِي يَقَعُ الإكْراهُ فِيها، وذَلِكَ كُلُّهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. والمُكْرَهُونَ عَلى الكُفْرِ المُعَذَّبُونَ عَلى الإسْلامِ: خَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وسالِمٌ، وحَبْرٌ، عُذِّبُوا فَأجابَهم عَمّارٌ وحَبْرٌ بِاللَّفْظِ فَخُلِّيَ سَبِيلُهُما، وتَمادى الباقُونَ عَلى الإسْلامِ فَقُتِلَ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وهُما أوَّلُ قَتِيلٍ في الإسْلامِ، وعُذِّبَ بِلالٌ وهو يَقُولُ: (أحَدٌ أحَدٌ) وعُذِّبَ خَبّابٌ بِالنّارِ فَما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِهِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ في ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَعْنى مَن، وأفْرَدَ في شَرْحٍ عَلى لَفْظِها. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، أيْ: كائِنٌ لَهم بِسَبَبِ اسْتِحْبابِهِمُ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واسْتِحْقاقُهم خِذْلانَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ؛ انْتَهى. وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. والضَّمِيرُ في (بِأنَّهم) عائِدٌ عَلى (مَن) في مَن شَرَحَ: ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ، أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِآخِرِهِ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ: اسْتَحَبُّوا، هو تَكَسُّبٌ مِنهم عُلِّقَ بِهِ العِقابُ، وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي: إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللَّهِ الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكَسْبِ والِاخْتِراعِ، وهَذا عَقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الِارْتِدادِ والإقْدامِ عَلى الكُفْرِ، لِأجْلِ أنَّهم رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، ولِأنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الطَّبْعِ عَلى القُلُوبِ والسَّمْعِ والأبْصارِ والخَتْمِ عَلَيْها. ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنْ ما يُرادُ مِنهم في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ الَّذِينَ لا أحَدَ أغْفَلُ مِنهم، لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ هي غايَةُ الغَفْلَةِ ومُنْتَهاها. ولَمّا كانَ الإسْنادُ لِيَكْتَسِبَ بِالطّاعاتِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، فَعَمِلَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ عَظُمَ خُسْرانُهُ فَقِيلَ فِيهِمْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم. ومَن أخْسَرُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَيْنُونَةِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والعَذابِ الألِيمِ، واسْتِحْبابِ الدُّنْيا، وانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ، والإخْبارِ بِالطَّبْعِ وبِغَفْلَتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وحالَ مَن أُكْرِهَ، ذَكَرَ حالَ مَن هاجَرَ بَعْدَما فُتِنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ فَكَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ إلى مَن كانَ أسْلَمَ بِمَكَّةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ، فَعَلى هَذا السَّبَبِ يَكُونُ جِهادُهم مَعَ الرَّسُولِ عَلى الإسْلامِ. ورُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتْ حِينَئِذٍ، فَعَنى بِالجِهادِ جِهادَهم لِمُتَّبِعِيهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ، وعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٥٤١)وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مِن بابِ: مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا أفَتَحَ اللَّهُ لَهم بابَ التَّوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ ؟ وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ: نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ دَلالَةٌ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ مِن حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ. و(لِلَّذِينَ) عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ قالَ: ومَعْنى إنَّ رَبَّكَ لَهم: أنَّهُ لَهم لا عَلَيْهِمْ، بِمَعْنى أنَّهُ ولِيُّهم وناصِرُهم، لا عَدُوُّهم وخاذِلُهم كَما يَكُونُ المَلِكُ لِلرَّجُلِ: لا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحْمِيًّا مَنفُوعًا غَيْرَ مَضْرُورٍ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: مَنفُوعًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن نَفَعَ، وهو قِياسُهُ لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ ثُلاثِيٌّ. وزَعَمَ الأهْوازِيُّ النَّحْوِيُّ أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ مِن نَفَعَ اسْمُ مَفْعُولٍ، فَلا يُقالُ مَنفُوعٌ؛ وقَفْتُ لَهُ عَلَيْهِ في شَرْحِهِ مُوجَزِ الرُّمّانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ إنَّ الأُولى قَوْلُهُ: إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ، وإنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ؛ انْتَهى. وإذا كانَتْ إنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرًا لِلتَّوْكِيدِ كَما ذُكِرَ، فالَّذِي يَقْتَضِيهِ صِناعَةُ العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ الأوْلى هو قَوْلَهُ: لَغَفُورٌ، ويَكُونُ (لِلَّذِينَ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: لَغَفُورٌ، أوْ بِرَحِيمٍ، عَلى الإعْمالِ، لِأنَّ (إنَّ رَبَّكَ) الثّانِيَةَ لا يَكُونُ لَها طَلَبٌ لِما بَعْدَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ. كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ قامَ زَيْدٌ، فَزَيْدٌ إنَّما هو مَرْفُوعٌ بِقامَ الأُولى، لِأنَّ الثّانِيَةَ ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلْأُولى. وقِيلَ: لا خَبَرَ لِأنَّ الأُولى في اللَّفْظِ، لِأنَّ خَبَرَ الثّانِيَةِ أغْنى عَنْهُ؛ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهُ ألْغى حُكْمَ الأُولى وجَعَلَ الحُكْمَ لِلثّانِيَةِ، وهو عَكْسُ ما تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: لِلَّذِينَ، مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي لِلَّذِينِ، أيِ: الغُفْرانَ لِلَّذِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُتِنُوا، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: بِالعَذابِ والإكْراهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: فَتَنُوا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ هاجَرُوا، فالمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوُا المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ كَما فَعَلَ عَمّارٌ. أوْ لَمّا كانُوا صابِرِينَ عَلى الإسْلامِ وعُذِّبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم هُمُ المُعَذِّبُونَ أنْفُسَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى المُشْرِكِينَ، أيْ: مِن بَعْدِ ما عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ، كالحَضْرَمِيِّ وأشْباهِهِ. والضَّمِيرُ في (مِن) بَعْدَها عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ الفِتْنَةِ والهِجْرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بَعْدِها) عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَّوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ.

النحل 16:110

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى نِسْبَتَهم إلى (p-٥٣٨)الِافْتِراءِ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ ما أتى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّما يُعَلِّمُهُ إيّاهُ بَشَرٌ، كانَ ذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ الإيمانِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أبَدًا إذْ كانُوا جاحِدِينَ آياتِ اللَّهِ، وهو ما أتى بِهِ الرَّسُولُ مِنَ المُعْجِزاتِ وخُصُوصًا القُرْآنُ، فَمَن بالَغَ في جَحْدِ آياتِ اللَّهِ سَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بابَ الهِدايَةِ. وذَكَرَ تَعالى وعِيدَهُ بِالعَذابِ الألِيمِ لَهم، ومَعْنى لا يَهْدِيهِمْ: لا يَخْلُقُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ. وهَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ، فَقَدِ اهْتَدى قَوْمٌ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يَلْطُفُ بِهِمْ، لِأنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلان في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، لا مِن أهْلِ اللُّطْفِ والثَّوابِ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ في هَذا التَّرْتِيبِ وأخْبَرَهُما بِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ والتَّشْنِيعِ بِخَطَئِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ؛ انْتَهى. وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في ذَلِكَ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ، والمُرادُ أنَّهم لَمّا تَرَكُوا الإيمانَ بِاللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الآياتِ لَمْ يَهْتَدُوا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾، أيْ: لا يَهْتَدُونَ، وإنَّما يُقالُ: هَدى اللَّهُ فُلانًا عَلى الإطْلاقِ إذا اهْتَدى هو، وأمّا مَن لَمْ يَقْبَلِ الهُدى فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ هَداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، كَما قالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] ثُمَّ رَدَّ تَعالى قَوْلَهم: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ﴾، أيْ: إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمِنُ، لِأنَّهُ يَتَرَقَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ في كَلامِهِمْ إنَّما وهو يَقْتَضِي الحَصْرَ عند بَعْضِهِمْ، جاءَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِإنَّما أيْضًا، وجاءَ بِلَفْظِ ﴿يَفْتَرِي﴾ الَّذِي يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، ثُمَّ عَلَّقَ الحُكْمَ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلِافْتِراءِ وهو: انْتِفاءُ الإيمانِ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ. فاقْتَضى التَّوْكِيدَ البالِغَ والحَصْرَ بِلَفْظِ الإشارَةِ، والتَّأْكِيدَ بِلَفْظِ (هُمُ)، وإدْخالِ (الـ) عَلى (الكاذِبُونَ)، وبِكَوْنِهِ اسْمَ فاعِلٍ يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ، فَجاءَ ﴿يَفْتَرِي﴾ يَقْتَضِي التَّجَدُّدَ، وجاءَ (الكاذِبُونَ) يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ هُمُ الكاذِبُونَ، هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فَهُمُ الكاذِبُونَ. أوْ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، أيْ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ عَلى الحَقِيقَةِ، الكامِلُونَ في الكَذِبِ، لِأنَّ تَكْذِيبَ آياتِ اللَّهِ أعْظَمُ الكَذِبِ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ: عادَتْهُمُ الكَذِبُ لا يُبالُونَ بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، لا يَحْجُبُهم عَنْهُ مُرُوءَةٌ ولا دِينٌ. أوْ أُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]؛ انْتَهى. والوَجْهُ الَّذِي بَدَأ بِهِ بَعِيدٌ، وهو: أنَّ (وأُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ الإعْرابِ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ يَكُونُ بِاللَّفْظِ وبِالِاعْتِقادِ، اسْتَثْنى مِنَ الكافِرِينَ مَن كَفَرَ بِاللَّفْظِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ورَخَّصَ لَهُ في النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ إذْ كانَ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا، وذَلِكَ مَعَ الإكْراهِ. والمَعْنى: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ، تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ: الكافِرُونَ بَعْدَ الإيمانِ غَيْرُ المُكْرَهِينَ، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن ما تَضَمَّنَهُ جَوابُ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ، أيْ: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، إلّا مَن أُكْرِهَ فَلا غَضَبَ عَلَيْهِ ولا عَذابَ، ولَكِنْ مَن شَرَحَ وكَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أعْنِي الجَوابَ (p-٥٣٩)قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ مَن جَعَلَ (مَن) شَرْطًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ (مَن) في قَوْلِهِ (مَن كَفَرَ) ابْتِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن شَرَحَ﴾، تَخْصِيصٌ مِنهُ، ودَخَلَ الِاسْتِثْناءُ لِإخْراجِ عَمّارٍ وشَبَهِهِ. ودَنا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ الِاسْتِدْراكُ بَلَكِنْ وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾، خَبَرٌ عَنْ مَنِ الأوْلى والثّانِيَةِ، إذْ هو واحِدٌ بِالمَعْنى لِأنَّ الإخْبارَ في قَوْلِهِ: مَن كَفَرَ، إنَّما قُصِدَ بِهِ الصِّنْفُ الشّارِحُ بِالكُفْرِ؛ انْتَهى. وهَذا وإنْ كانَ كَما ذَكَرَ فَهاتانِ جُمْلَتانِ شَرْطِيَّتانِ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِأداةِ الِاسْتِدْراكِ، فَلا بُدَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن جَوابٍ عَلى انْفِرادِهِ لا يَشْتَرِكانِ فِيهِ، فَتَقْدِيرُ الحَذْفِ أحْرى عَلى صِناعَةِ الإعْرابِ. وقَدْ ضَعَّفُوا مَذْهَبَ أبِي الحَسَنِ في ادِّعائِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وقَوْلَهُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] جَوابٌ لِأمّا، ولِأنَّ هَذا وهُما أداتا شَرْطٍ، إحْداهُما تَلِي الأُخْرى، وعَلى كَوْنِ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً كَما ذَكَرْنا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وما بَعْدَها صِلَتُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَما ذَكَرْنا في حَذْفِ جَوابِ الشَّرْطِ. إلّا أنَّ (مَنِ) الثّانِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطًا حَتّى يُقَدَّرَ قَبْلَها مُبْتَدَأٌ، لِأنَّ (مَن) ولِيَتْ (لَكِنْ) فَيَتَعَيَّنُ إذْ ذاكَ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، فَإنْ قُدِّرَ مُبْتَدَأٌ بَعْد (لَكِنْ) جازَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ خَبَرِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ كَقَوْلِهِ: ؎ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدِ أيْ: ولَكِنْ أنا مَتى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدُ. وكَذَلِكَ تُقَدَّرُ هُنا، ولَكِنْ هم مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: مِنهم. وأجازَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، ومِنَ الكاذِبُونَ. ولَمْ يُجِزِ الزَّجّاجُ إلّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ)، لِأنَّهُ رَأى الكَلامَ إلى آخِرِ الِاسْتِثْناءِ غَيْرَ تامٍّ، فَعَلَّقَهُ بِما قَبْلَهُ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ)، فَإذا كانَ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ. وإذا (p-٥٤٠)كانَ بَدَلًا مِنَ (الكاذِبُونَ) فالتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وإذا كانَ بَدَلًا مِن (أُولَئِكَ) فالتَّقْدِيرُ: ومَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ هُمُ الكاذِبُونَ. وهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ عِنْدِي ضَعِيفَةٌ. لِأنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَفْتَرِي الكَذِبَ إلّا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والوُجُودُ يَقْتَضِي أنَّ مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ، وسَواءٌ كانَ مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ أنَّهُ كانَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن قَطُّ، بَلْ مَن لَمْ يُؤْمِن قَطُّ هُمُ الأكْثَرُونَ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ. وأمّا الثّانِي فَيَئُولُ المَعْنى إلى ذَلِكَ، إذِ التَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ، أيِ: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هُمُ المُفْتَرُونَ. وأمّا الثّالِثُ فَكَذَلِكَ. إذِ التَّقْدِيرُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، مُخْبِرٌ عَنْهم بِأنَّهُمُ الكاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ؛ انْتَهى. وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ فَصاحَةُ الكَلامِ جَعْلُ الجُمَلِ كُلِّها مُسْتَقِلَّةً لا تَرْتَبِطُ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ، بَلْ مِن حَيْثُ المَعْنى والمُناسَبَةُ؛ وفي قَوْلِهِ: إلّا مَن أُكْرِهَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ المُكْرَهَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإذا كانَ قَدْ سُومِحَ لِكَلِمَةِ الكُفْرِ أوْ فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، فالمُسامَحَةُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي أوْلى. وقَدْ تَكَلَّمُوا في كَيْفِيَّةِ الإكْراهِ المُبِيحِ لِذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ الأشْياءِ الَّتِي يَقَعُ الإكْراهُ فِيها، وذَلِكَ كُلُّهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. والمُكْرَهُونَ عَلى الكُفْرِ المُعَذَّبُونَ عَلى الإسْلامِ: خَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وسالِمٌ، وحَبْرٌ، عُذِّبُوا فَأجابَهم عَمّارٌ وحَبْرٌ بِاللَّفْظِ فَخُلِّيَ سَبِيلُهُما، وتَمادى الباقُونَ عَلى الإسْلامِ فَقُتِلَ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وهُما أوَّلُ قَتِيلٍ في الإسْلامِ، وعُذِّبَ بِلالٌ وهو يَقُولُ: (أحَدٌ أحَدٌ) وعُذِّبَ خَبّابٌ بِالنّارِ فَما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِهِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ في ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَعْنى مَن، وأفْرَدَ في شَرْحٍ عَلى لَفْظِها. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، أيْ: كائِنٌ لَهم بِسَبَبِ اسْتِحْبابِهِمُ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واسْتِحْقاقُهم خِذْلانَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ؛ انْتَهى. وهي نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. والضَّمِيرُ في (بِأنَّهم) عائِدٌ عَلى (مَن) في مَن شَرَحَ: ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ، أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِآخِرِهِ، لَكِنَّ مِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ: اسْتَحَبُّوا، هو تَكَسُّبٌ مِنهم عُلِّقَ بِهِ العِقابُ، وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي: إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللَّهِ الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكَسْبِ والِاخْتِراعِ، وهَذا عَقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الِارْتِدادِ والإقْدامِ عَلى الكُفْرِ، لِأجْلِ أنَّهم رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، ولِأنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الطَّبْعِ عَلى القُلُوبِ والسَّمْعِ والأبْصارِ والخَتْمِ عَلَيْها. ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنْ ما يُرادُ مِنهم في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ الَّذِينَ لا أحَدَ أغْفَلُ مِنهم، لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ هي غايَةُ الغَفْلَةِ ومُنْتَهاها. ولَمّا كانَ الإسْنادُ لِيَكْتَسِبَ بِالطّاعاتِ سَعادَةَ الآخِرَةِ، فَعَمِلَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ عَظُمَ خُسْرانُهُ فَقِيلَ فِيهِمْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم. ومَن أخْسَرُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَيْنُونَةِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والعَذابِ الألِيمِ، واسْتِحْبابِ الدُّنْيا، وانْتِفاءِ هِدايَتِهِمْ، والإخْبارِ بِالطَّبْعِ وبِغَفْلَتِهِمْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، وحالَ مَن أُكْرِهَ، ذَكَرَ حالَ مَن هاجَرَ بَعْدَما فُتِنَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ فَكَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ إلى مَن كانَ أسْلَمَ بِمَكَّةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ، فَعَلى هَذا السَّبَبِ يَكُونُ جِهادُهم مَعَ الرَّسُولِ عَلى الإسْلامِ. ورُوِيَ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتْ حِينَئِذٍ، فَعَنى بِالجِهادِ جِهادَهم لِمُتَّبِعِيهِمْ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ، وعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٥٤١)وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مِن بابِ: مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا أفَتَحَ اللَّهُ لَهم بابَ التَّوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ ؟ وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ: نَزَلَتْ في شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَّيْطانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ دَلالَةٌ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ مِن حالِ أُولَئِكَ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ. و(لِلَّذِينَ) عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ قالَ: ومَعْنى إنَّ رَبَّكَ لَهم: أنَّهُ لَهم لا عَلَيْهِمْ، بِمَعْنى أنَّهُ ولِيُّهم وناصِرُهم، لا عَدُوُّهم وخاذِلُهم كَما يَكُونُ المَلِكُ لِلرَّجُلِ: لا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحْمِيًّا مَنفُوعًا غَيْرَ مَضْرُورٍ؛ انْتَهى. وقَوْلُهُ: مَنفُوعًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن نَفَعَ، وهو قِياسُهُ لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ ثُلاثِيٌّ. وزَعَمَ الأهْوازِيُّ النَّحْوِيُّ أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ مِن نَفَعَ اسْمُ مَفْعُولٍ، فَلا يُقالُ مَنفُوعٌ؛ وقَفْتُ لَهُ عَلَيْهِ في شَرْحِهِ مُوجَزِ الرُّمّانِيِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: خَبَرُ إنَّ الأُولى قَوْلُهُ: إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ، وإنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ؛ انْتَهى. وإذا كانَتْ إنَّ الثّانِيَةُ واسْمُها تَكْرِيرًا لِلتَّوْكِيدِ كَما ذُكِرَ، فالَّذِي يَقْتَضِيهِ صِناعَةُ العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ الأوْلى هو قَوْلَهُ: لَغَفُورٌ، ويَكُونُ (لِلَّذِينَ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: لَغَفُورٌ، أوْ بِرَحِيمٍ، عَلى الإعْمالِ، لِأنَّ (إنَّ رَبَّكَ) الثّانِيَةَ لا يَكُونُ لَها طَلَبٌ لِما بَعْدَها مِن حَيْثُ الإعْرابِ. كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ قامَ زَيْدٌ، فَزَيْدٌ إنَّما هو مَرْفُوعٌ بِقامَ الأُولى، لِأنَّ الثّانِيَةَ ذُكِرَتْ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلْأُولى. وقِيلَ: لا خَبَرَ لِأنَّ الأُولى في اللَّفْظِ، لِأنَّ خَبَرَ الثّانِيَةِ أغْنى عَنْهُ؛ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهُ ألْغى حُكْمَ الأُولى وجَعَلَ الحُكْمَ لِلثّانِيَةِ، وهو عَكْسُ ما تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ. وقِيلَ: لِلَّذِينَ، مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي لِلَّذِينِ، أيِ: الغُفْرانَ لِلَّذِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فُتِنُوا، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: بِالعَذابِ والإكْراهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: فَتَنُوا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ هاجَرُوا، فالمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوُا المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ كَما فَعَلَ عَمّارٌ. أوْ لَمّا كانُوا صابِرِينَ عَلى الإسْلامِ وعُذِّبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم هُمُ المُعَذِّبُونَ أنْفُسَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى المُشْرِكِينَ، أيْ: مِن بَعْدِ ما عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ، كالحَضْرَمِيِّ وأشْباهِهِ. والضَّمِيرُ في (مِن) بَعْدَها عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ الفِتْنَةِ والهِجْرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بَعْدِها) عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَّوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ.

النحل 16:111

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٤٢)يَوْمَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وناصِبُهُ رَحِيمٌ، أوْ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وناصِبُهُ: اذْكُرْ. والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ نَفْسٍ، فَيُجادِلُ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وجِدالُهُ بِالكَذِبِ والجَحَدِ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ والجَوارِحُ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجِدالُ: قَوْلُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ: نَفْسِي نَفْسِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لَيْسَ بِجِدالٍ ولا احْتِجاجٍ، إنَّما هو مُجَرَّدُ رَغْبَةٍ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ، ورَكَّبَ مَعَهُ ما قَبْلَهُ فَقالَ: كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ شَأْنُ غَيْرِهِ، كُلٌّ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي. ومَعْنى المُجادَلَةِ: الِاعْتِذارُ عَنْها كَقَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ: يُقالُ لَعِينِ الشَّيْءِ وذاتِهِ: نَفْسُهُ، وفي نَقِيضِهِ: غَيْرُهُ، والنَّفْسُ: الجُمْلَةُ كَما هي، فالنَّفْسُ الأُولى هي الجُمْلَةُ، والثّانِيَةُ عَيْنُها وذاتُها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: كُلُّ ذِي نَفْسٍ، ثُمَّ أُجْرِيَ الفِعْلُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَذْكُورِ، فَأثْبَتَ العَلامَةَ. ونَفْسٌ الأُولى هي: النَّفْسُ المَعْرُوفَةُ، والثّانِيَةُ هي: بِمَعْنى البَدَنِ كَما تَقُولُ: نَفْسُ الشَّيْءِ وعَيْنُهُ، أيْ: ذاتُهُ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: الإنْسانُ يُسَمّى نَفْسًا، تَقُولُ العَرَبُ: ما جاءَنِي إلّا نَفْسٌ واحِدَةٌ، أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ. والنَّفْسُ في الحَقِيقَةِ لا تَأْتِي، لِأنَّها هي الشَّيْءُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ؛ انْتَهى. (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ لَمْ يَتَعَدَّ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، لا إلى لَفْظِ النَّفْسِ ؟ (قُلْتُ): مَنَعَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ إذا لَمْ يَكُنْ مِن بابِ ظَنَّ، وفَقَدَ لا يَتَعَدّى فِعْلُ ظاهِرِ فاعِلِهِ، ولا مُضْمَرِهِ إلى مُضْمَرِهِ المُتَّصِلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُجادِلُ عَنْها، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: ضَرَبَتْها هِنْدٌ ولا هِنْدٌ ضَرَبَتْها، وإنَّما تَقُولُ: ضَرَبَتْ نَفْسَها هِنْدٌ، وضَرَبَتْ هِنْدٌ نَفْسَها، ما عَمِلَتْ، أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ، وأنَّثَ الفِعْلَ في تَأْتِي، والضَّمِيرَ في تُجادِلُ، وفي عَنْ نَفْسِهِ، وفي تُوُفّى، وفي عَمِلَتْ، حَمْلًا عَلى مَعْنى ”كُلُّ“، ولَوْ رُوعِيَ اللَّفْظُ لَذُكِّرَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎جادَتْ عَلَيْها كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ فَأنَّثَ عَلى المَعْنى. وما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الجِدالَ هُنا هو جِدالُ الجَسَدِ لِلرُّوحِ، والرُّوحِ لِلْجَسَدِ لا يَظْهَرُ قالَ: يَقُولُ الجَسَدُ: رَبِّ جاءَ الرُّوحُ بِأمْرِكَ بِهِ نَطَقَ لِسانِي وأبْصَرَتْ عَيْنِي ومَشَتْ رِجْلِي، فَتَقُولُ الرُّوحُ: أنْتَ كَسَبْتَ وعَصَيْتَ لا أنا، وأنْتَ كُنْتَ الحامِلَ وأنا المَحْمُولُ، فَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أضْرِبُ لَكُما مَثَلَ أعْمى حَمَلَ مُقْعَدًا إلى بُسْتانٍ فَأصابا مِن ثِمارِهِ، فالعَذابُ عَلَيْكُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ: أنَّ القَرْيَةَ المَضْرُوبَ بِها المَثَلُ مَكَّةُ، كانَتْ لا تُغْزى ولا يُغارُ عَلَيْها، والأرْزاقُ تُجْلَبُ إلَيْها، وأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْها بِالرَّسُولِ ﷺ فَكَفَرَتْ، فَأصابَها السُّنُونَ والخَوْفُ. وسَرايا الرَّسُولِ وغَزَواتُهُ ضُرِبَتْ مَثَلًا لِغَيْرِها مِمّا يَأْتِي بَعْدَها. وهَذا إنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً: فَجُوعُ السِّنِينَ وخَوْفُ العَذابِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَها مَكِّيَّةً قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَرْيَةً) مِن قُرى الأوَّلِينَ. وعَنْ حَفْصَةَ: أنَّها المَدِينَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أنَّها قُصِدَ بِها قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، جُعِلَتْ مَثَلًا لِمَكَّةَ عَلى مَعْنى التَّحْذِيرِ لِأهْلِها ولِغَيْرِها مِنَ القُرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةً مُقَدَّرَةً عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنْ يَكُونَ في قُرى الأوَّلِينَ قَرْيَةٌ كانَتْ هَذِهِ حالَها، فَضَرَبَها اللَّهُ مَثَلًا لِمَكَّةَ إنْذارًا مِن مِثْلِ عاقِبَتِها؛ انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ لا بُدَّ مِن وُجُودِها لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ . كانَتْ آمِنَةً: ابْتَدَأ بِصِفَةِ الأمْنِ، لِأنَّهُ لا يُقِيمُ لِخائِفٍ. والِاطْمِئْنانُ زِيادَةٌ في الأمْنِ، فَلا يُزْعِجُها خَوْفٌ. يَأْتِيها رِزْقُها: أقْواتُها واسِعَةٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِها، لا يَتَعَذَّرُ مِنها جِهَةٌ. وأنْعُمٌ: جَمْعُ نَعْمَةٍ، كَشَدَّةٍ وأشُدٍّ. وقالَ قُطْرُبٌ: جَمْعُ نِعَمٍ بِمَعْنى النَّعِيمِ، يُقالُ: هَذِهِ أيّامُ طُعْمٍ ونَعْمٍ؛ انْتَهى. فَيَكُونُ كَبُؤْسٍ (p-٥٤٣)وأبْؤُسٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعَ نِعْمَةً عَلى تَرْكِ التّاءِ، والِاعْتِدادِ بِالتّاءِ، كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ. وقالَ العُقَلاءُ: ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ، والصِّحَّةُ، والكِفايَةُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: آمِنَةً: إشارَةٌ إلى الأمْنِ، مُطَمْئِنَّةً: إشارَةٌ إلى الصِّحَّةِ، لِأنَّ هَواءَ ذَلِكَ لَمّا كانَ مُلازِمًا لِأمْزِجَتِهِمُ اطْمَأنُّوا إلَيْها واسْتَقَرُّوا، يَأْتِيها رِزْقُها: السَّبَبُ في ذَلِكَ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقالَ: الأنْعُمُ: جَمْعُ نِعْمَةٍ وجَمْعُ قِلَّةٍ، ولَمْ يَأْتِ بِنِعَمِ اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيهَ بِالأدْنى عَلى الأعْلى بِمَعْنى أنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ القَلِيلَةِ أوْجَبَ العَذابَ، فَكُفْرانُ الكَثِيرَةِ أوْلى بِإيجابِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا باشَرَهم ذَلِكَ صارَ كاللِّباسِ، وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى: ؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسًا ونَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقَدْ لَبِسَتْ بَعْدَ الزُّبَيْرِ مُجاشِعُ ∗∗∗ ثِيابَ الَّتِي حاضَتْ ولَمْ تَغْسِلِ الدَّما كَأنَّ العارَ لَمّا باشَرَهم ولَصِقَ بِهِمْ جَعَلَهم لَبِسُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾، نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ونَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاحْسُ وذُقْ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإذاقَةُ واللِّباسُ اسْتِعارَتانِ، فَما وجْهُ صِحَّتِهِما ؟ والإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ مُوقَعَةٌ عَلى اللِّباسِ؛ فَما وجْهُ صِحَّةِ إيقاعِها ؟ (قُلْتُ): أمّا الإذاقَةُ فَقَدْ جَرَتْ عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ لِشُيُوعِها في البَلايا والشَّدائِدِ وما يَمَسُّ النّاسَ مِنها فَيَقُولُونَ: ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ، وإذاقَةُ العَذابِ: شَبَّهَ ما يُدْرَكُ مِن أثَرِ الضَّرَرِ والألَمِ بِما يُدْرَكُ مِن طَعْمِ المُرِّ والبَشِعِ. وأمّا اللِّباسُ فَقَدْ شُبِّهَ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى اللّابِسِ ما غَشِيَ الإنْسانَ والتَبَسَ بِهِ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ. وأمّا إيقاعُ الإذاقَةِ عَلى لِباسِ الجُوعِ والخَوْفِ فَلِأنَّهُ لَمّا وقَعَ عِبارَةُ: عَمّا يُغْشى مِنهُما ويُلابَسُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأذاقَهم ما غَشِيَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَهم في نَحْوِ هَذا طَرِيقانِ: أحَدُهُما: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ لَهُ، كَما نُظِرَ إلَيْهِ هَهُنا، ونَحْوُهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غُلِقَتْ لِضُحْكَتِهِ رِقابُ المالِ اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ، لِأنَّهُ يَصُونُ عِرْضَ صاحِبِهِ، صَوْنَ الرِّداءِ لِما يُلْقى عَلَيْهِ. ووَصَفَهُ بِالغَمْرِ الَّذِي هو وصْفُ المَعْرُوفِ والنَّوالِ، لا صِفَةُ الرِّداءِ، نَظَرًا إلى المُسْتَعارِ لَهُ. والثّانِي: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ كَقَوْلِهِ: ؎يُنازِعُنِي رِدائِي عَبْدُ عَمْرٍو ∗∗∗ رُوَيْدَكَ يا أخا عَمْرِو بْنِ بَكْرِ ؎لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي ∗∗∗ ودُونَكَ فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرِ أرادَ بِرِدائِهِ سَيْفَهُ، ثُمَّ قالَ: فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرٍ، فَنُظِرَ إلى المُسْتَعارِ في لَفْظِ: الِاعْتِجارِ، ولَوْ نُظِرَ إلَيْهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ لَقِيلَ: فَكَساهم لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَقالَ كُثَيِّرٌ: ضافِي الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا؛ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْنِ وإتْيانِ الرِّزْقِ، قابَلَهُما بِالجُوعِ النّاشِئِ عَنِ انْقِطاعِ الرِّزْقِ وبِالخَوْفِ. وقَدَّمَ الجُوعَ لَيَلِيَ المُتَأخِّرَ وهو إتْيانُ الرِّزْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ فَقَدَّمَ ما بُدِئَ بِهِ وهُما طَرِيقانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَوْفِ، بِالجَرِّ، عَطْفًا عَلى الجُوعِ. ورَوى العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والخَوْفَ، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى لِباسٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أصْلُهُ: ولِباسَ الخَوْفِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَأذاقَها اللَّهُ الخَوْفَ والجُوعَ، ولا يُذْكَرُ ”لِباسَ“ . والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ هَذا تَفْسِيرُ المَعْنى لا قِراءَةٌ، لِأنَّ المَنقُولَ عَنْهُ مُسْتَفِيضًا مِثْلُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ. وفي مُصْحَفِ (p-٥٤٤)أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ، بَدَأ بِمُقابِلِ ما بَدَأ بِهِ في قَوْلِهِ: كانَتْ آمِنَةً، وهَذا عِنْدِي إنَّما كانَ في مُصْحَفِهِ قَبْلَ أنْ يَجْمَعُوا ما في سَوادِ المُصْحَفِ المَوْجُودِ الآنَ شَرْقًا وغَرْبًا، ولِذَلِكَ المُسْتَفِيضِ عَنْ أُبَيٍّ في القِراءَةِ إنَّما هو كَقِراءَةِ الجَماعَةِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ مِن كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ، ومِنها تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي جاءَهم. والضَّمِيرُ في (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) عائِدٌ عَلى المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾، أيْ: قِصَّةَ أهْلِ قَرْيَةٍ، أعادَ الضَّمِيرَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ قَرْيَةٍ، ثُمَّ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (ولَقَدْ جاءَهم)، عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (جاءَهم) لِأهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ، يَكُونُ هَذا بِما جَرى فِيها كَمَدِينَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأهْلِ مَكَّةَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ المَثَلَ قالَ: ولَقَدْ جاءَهم - يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ - رَسُولٌ مِنهم - يَعْنِي مِن أنْفُسِهِمْ - يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، ولَمّا وعَظَ تَعالى بِضَرْبِ ذَلِكَ المَثَلِ وصَلَ هَذا الأمْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالفاءِ، فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما رَزَقَهم وشُكْرِ نِعْمَتِهِ لِيُبايِنُوا تِلْكَ القَرْيَةَ الَّتِي كَفَرَتْ بِنِعَمِ اللَّهِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ جاءَ هُنا: ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ . وفي البَقَرَةِ جاءَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] لَمْ يَذْكُرْ مَن كَفَرَ نِعْمَتَهُ فَقالَ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] ولَمّا أمَرَهم بِالأكْلِ مِمّا رَزَقَهم، عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّماتِهِ تَعالى ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِهِمْ وتَحْلِيلِهِمْ بِأهْوائِهِمْ دُونَ اتِّباعِ ما شَرَعَ اللَّهُ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ. وكَذا جاءَ في البَقَرَةِ ذِكْرُ ما حَرَّمَ إثْرَ قَوْلِهِ: كُلُوا مِمّا رَزَقْناكم. وقَوْلِهِ: (إنَّما حَرَّمَ) الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في البَقَرَةِ.

النحل 16:112

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٤٢)يَوْمَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وناصِبُهُ رَحِيمٌ، أوْ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وناصِبُهُ: اذْكُرْ. والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ نَفْسٍ، فَيُجادِلُ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وجِدالُهُ بِالكَذِبِ والجَحَدِ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ والجَوارِحُ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجِدالُ: قَوْلُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ: نَفْسِي نَفْسِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لَيْسَ بِجِدالٍ ولا احْتِجاجٍ، إنَّما هو مُجَرَّدُ رَغْبَةٍ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ، ورَكَّبَ مَعَهُ ما قَبْلَهُ فَقالَ: كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ شَأْنُ غَيْرِهِ، كُلٌّ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي. ومَعْنى المُجادَلَةِ: الِاعْتِذارُ عَنْها كَقَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ: يُقالُ لَعِينِ الشَّيْءِ وذاتِهِ: نَفْسُهُ، وفي نَقِيضِهِ: غَيْرُهُ، والنَّفْسُ: الجُمْلَةُ كَما هي، فالنَّفْسُ الأُولى هي الجُمْلَةُ، والثّانِيَةُ عَيْنُها وذاتُها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: كُلُّ ذِي نَفْسٍ، ثُمَّ أُجْرِيَ الفِعْلُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَذْكُورِ، فَأثْبَتَ العَلامَةَ. ونَفْسٌ الأُولى هي: النَّفْسُ المَعْرُوفَةُ، والثّانِيَةُ هي: بِمَعْنى البَدَنِ كَما تَقُولُ: نَفْسُ الشَّيْءِ وعَيْنُهُ، أيْ: ذاتُهُ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: الإنْسانُ يُسَمّى نَفْسًا، تَقُولُ العَرَبُ: ما جاءَنِي إلّا نَفْسٌ واحِدَةٌ، أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ. والنَّفْسُ في الحَقِيقَةِ لا تَأْتِي، لِأنَّها هي الشَّيْءُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ؛ انْتَهى. (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ لَمْ يَتَعَدَّ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، لا إلى لَفْظِ النَّفْسِ ؟ (قُلْتُ): مَنَعَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ إذا لَمْ يَكُنْ مِن بابِ ظَنَّ، وفَقَدَ لا يَتَعَدّى فِعْلُ ظاهِرِ فاعِلِهِ، ولا مُضْمَرِهِ إلى مُضْمَرِهِ المُتَّصِلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُجادِلُ عَنْها، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: ضَرَبَتْها هِنْدٌ ولا هِنْدٌ ضَرَبَتْها، وإنَّما تَقُولُ: ضَرَبَتْ نَفْسَها هِنْدٌ، وضَرَبَتْ هِنْدٌ نَفْسَها، ما عَمِلَتْ، أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ، وأنَّثَ الفِعْلَ في تَأْتِي، والضَّمِيرَ في تُجادِلُ، وفي عَنْ نَفْسِهِ، وفي تُوُفّى، وفي عَمِلَتْ، حَمْلًا عَلى مَعْنى ”كُلُّ“، ولَوْ رُوعِيَ اللَّفْظُ لَذُكِّرَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎جادَتْ عَلَيْها كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ فَأنَّثَ عَلى المَعْنى. وما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الجِدالَ هُنا هو جِدالُ الجَسَدِ لِلرُّوحِ، والرُّوحِ لِلْجَسَدِ لا يَظْهَرُ قالَ: يَقُولُ الجَسَدُ: رَبِّ جاءَ الرُّوحُ بِأمْرِكَ بِهِ نَطَقَ لِسانِي وأبْصَرَتْ عَيْنِي ومَشَتْ رِجْلِي، فَتَقُولُ الرُّوحُ: أنْتَ كَسَبْتَ وعَصَيْتَ لا أنا، وأنْتَ كُنْتَ الحامِلَ وأنا المَحْمُولُ، فَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أضْرِبُ لَكُما مَثَلَ أعْمى حَمَلَ مُقْعَدًا إلى بُسْتانٍ فَأصابا مِن ثِمارِهِ، فالعَذابُ عَلَيْكُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ: أنَّ القَرْيَةَ المَضْرُوبَ بِها المَثَلُ مَكَّةُ، كانَتْ لا تُغْزى ولا يُغارُ عَلَيْها، والأرْزاقُ تُجْلَبُ إلَيْها، وأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْها بِالرَّسُولِ ﷺ فَكَفَرَتْ، فَأصابَها السُّنُونَ والخَوْفُ. وسَرايا الرَّسُولِ وغَزَواتُهُ ضُرِبَتْ مَثَلًا لِغَيْرِها مِمّا يَأْتِي بَعْدَها. وهَذا إنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً: فَجُوعُ السِّنِينَ وخَوْفُ العَذابِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَها مَكِّيَّةً قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَرْيَةً) مِن قُرى الأوَّلِينَ. وعَنْ حَفْصَةَ: أنَّها المَدِينَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أنَّها قُصِدَ بِها قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، جُعِلَتْ مَثَلًا لِمَكَّةَ عَلى مَعْنى التَّحْذِيرِ لِأهْلِها ولِغَيْرِها مِنَ القُرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةً مُقَدَّرَةً عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنْ يَكُونَ في قُرى الأوَّلِينَ قَرْيَةٌ كانَتْ هَذِهِ حالَها، فَضَرَبَها اللَّهُ مَثَلًا لِمَكَّةَ إنْذارًا مِن مِثْلِ عاقِبَتِها؛ انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ لا بُدَّ مِن وُجُودِها لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ . كانَتْ آمِنَةً: ابْتَدَأ بِصِفَةِ الأمْنِ، لِأنَّهُ لا يُقِيمُ لِخائِفٍ. والِاطْمِئْنانُ زِيادَةٌ في الأمْنِ، فَلا يُزْعِجُها خَوْفٌ. يَأْتِيها رِزْقُها: أقْواتُها واسِعَةٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِها، لا يَتَعَذَّرُ مِنها جِهَةٌ. وأنْعُمٌ: جَمْعُ نَعْمَةٍ، كَشَدَّةٍ وأشُدٍّ. وقالَ قُطْرُبٌ: جَمْعُ نِعَمٍ بِمَعْنى النَّعِيمِ، يُقالُ: هَذِهِ أيّامُ طُعْمٍ ونَعْمٍ؛ انْتَهى. فَيَكُونُ كَبُؤْسٍ (p-٥٤٣)وأبْؤُسٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعَ نِعْمَةً عَلى تَرْكِ التّاءِ، والِاعْتِدادِ بِالتّاءِ، كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ. وقالَ العُقَلاءُ: ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ، والصِّحَّةُ، والكِفايَةُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: آمِنَةً: إشارَةٌ إلى الأمْنِ، مُطَمْئِنَّةً: إشارَةٌ إلى الصِّحَّةِ، لِأنَّ هَواءَ ذَلِكَ لَمّا كانَ مُلازِمًا لِأمْزِجَتِهِمُ اطْمَأنُّوا إلَيْها واسْتَقَرُّوا، يَأْتِيها رِزْقُها: السَّبَبُ في ذَلِكَ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقالَ: الأنْعُمُ: جَمْعُ نِعْمَةٍ وجَمْعُ قِلَّةٍ، ولَمْ يَأْتِ بِنِعَمِ اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيهَ بِالأدْنى عَلى الأعْلى بِمَعْنى أنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ القَلِيلَةِ أوْجَبَ العَذابَ، فَكُفْرانُ الكَثِيرَةِ أوْلى بِإيجابِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا باشَرَهم ذَلِكَ صارَ كاللِّباسِ، وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى: ؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسًا ونَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقَدْ لَبِسَتْ بَعْدَ الزُّبَيْرِ مُجاشِعُ ∗∗∗ ثِيابَ الَّتِي حاضَتْ ولَمْ تَغْسِلِ الدَّما كَأنَّ العارَ لَمّا باشَرَهم ولَصِقَ بِهِمْ جَعَلَهم لَبِسُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾، نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ونَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاحْسُ وذُقْ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإذاقَةُ واللِّباسُ اسْتِعارَتانِ، فَما وجْهُ صِحَّتِهِما ؟ والإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ مُوقَعَةٌ عَلى اللِّباسِ؛ فَما وجْهُ صِحَّةِ إيقاعِها ؟ (قُلْتُ): أمّا الإذاقَةُ فَقَدْ جَرَتْ عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ لِشُيُوعِها في البَلايا والشَّدائِدِ وما يَمَسُّ النّاسَ مِنها فَيَقُولُونَ: ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ، وإذاقَةُ العَذابِ: شَبَّهَ ما يُدْرَكُ مِن أثَرِ الضَّرَرِ والألَمِ بِما يُدْرَكُ مِن طَعْمِ المُرِّ والبَشِعِ. وأمّا اللِّباسُ فَقَدْ شُبِّهَ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى اللّابِسِ ما غَشِيَ الإنْسانَ والتَبَسَ بِهِ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ. وأمّا إيقاعُ الإذاقَةِ عَلى لِباسِ الجُوعِ والخَوْفِ فَلِأنَّهُ لَمّا وقَعَ عِبارَةُ: عَمّا يُغْشى مِنهُما ويُلابَسُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأذاقَهم ما غَشِيَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَهم في نَحْوِ هَذا طَرِيقانِ: أحَدُهُما: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ لَهُ، كَما نُظِرَ إلَيْهِ هَهُنا، ونَحْوُهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غُلِقَتْ لِضُحْكَتِهِ رِقابُ المالِ اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ، لِأنَّهُ يَصُونُ عِرْضَ صاحِبِهِ، صَوْنَ الرِّداءِ لِما يُلْقى عَلَيْهِ. ووَصَفَهُ بِالغَمْرِ الَّذِي هو وصْفُ المَعْرُوفِ والنَّوالِ، لا صِفَةُ الرِّداءِ، نَظَرًا إلى المُسْتَعارِ لَهُ. والثّانِي: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ كَقَوْلِهِ: ؎يُنازِعُنِي رِدائِي عَبْدُ عَمْرٍو ∗∗∗ رُوَيْدَكَ يا أخا عَمْرِو بْنِ بَكْرِ ؎لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي ∗∗∗ ودُونَكَ فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرِ أرادَ بِرِدائِهِ سَيْفَهُ، ثُمَّ قالَ: فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرٍ، فَنُظِرَ إلى المُسْتَعارِ في لَفْظِ: الِاعْتِجارِ، ولَوْ نُظِرَ إلَيْهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ لَقِيلَ: فَكَساهم لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَقالَ كُثَيِّرٌ: ضافِي الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا؛ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْنِ وإتْيانِ الرِّزْقِ، قابَلَهُما بِالجُوعِ النّاشِئِ عَنِ انْقِطاعِ الرِّزْقِ وبِالخَوْفِ. وقَدَّمَ الجُوعَ لَيَلِيَ المُتَأخِّرَ وهو إتْيانُ الرِّزْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ فَقَدَّمَ ما بُدِئَ بِهِ وهُما طَرِيقانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَوْفِ، بِالجَرِّ، عَطْفًا عَلى الجُوعِ. ورَوى العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والخَوْفَ، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى لِباسٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أصْلُهُ: ولِباسَ الخَوْفِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَأذاقَها اللَّهُ الخَوْفَ والجُوعَ، ولا يُذْكَرُ ”لِباسَ“ . والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ هَذا تَفْسِيرُ المَعْنى لا قِراءَةٌ، لِأنَّ المَنقُولَ عَنْهُ مُسْتَفِيضًا مِثْلُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ. وفي مُصْحَفِ (p-٥٤٤)أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ، بَدَأ بِمُقابِلِ ما بَدَأ بِهِ في قَوْلِهِ: كانَتْ آمِنَةً، وهَذا عِنْدِي إنَّما كانَ في مُصْحَفِهِ قَبْلَ أنْ يَجْمَعُوا ما في سَوادِ المُصْحَفِ المَوْجُودِ الآنَ شَرْقًا وغَرْبًا، ولِذَلِكَ المُسْتَفِيضِ عَنْ أُبَيٍّ في القِراءَةِ إنَّما هو كَقِراءَةِ الجَماعَةِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ مِن كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ، ومِنها تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي جاءَهم. والضَّمِيرُ في (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) عائِدٌ عَلى المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾، أيْ: قِصَّةَ أهْلِ قَرْيَةٍ، أعادَ الضَّمِيرَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ قَرْيَةٍ، ثُمَّ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (ولَقَدْ جاءَهم)، عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (جاءَهم) لِأهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ، يَكُونُ هَذا بِما جَرى فِيها كَمَدِينَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأهْلِ مَكَّةَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ المَثَلَ قالَ: ولَقَدْ جاءَهم - يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ - رَسُولٌ مِنهم - يَعْنِي مِن أنْفُسِهِمْ - يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، ولَمّا وعَظَ تَعالى بِضَرْبِ ذَلِكَ المَثَلِ وصَلَ هَذا الأمْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالفاءِ، فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما رَزَقَهم وشُكْرِ نِعْمَتِهِ لِيُبايِنُوا تِلْكَ القَرْيَةَ الَّتِي كَفَرَتْ بِنِعَمِ اللَّهِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ جاءَ هُنا: ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ . وفي البَقَرَةِ جاءَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] لَمْ يَذْكُرْ مَن كَفَرَ نِعْمَتَهُ فَقالَ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] ولَمّا أمَرَهم بِالأكْلِ مِمّا رَزَقَهم، عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّماتِهِ تَعالى ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِهِمْ وتَحْلِيلِهِمْ بِأهْوائِهِمْ دُونَ اتِّباعِ ما شَرَعَ اللَّهُ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ. وكَذا جاءَ في البَقَرَةِ ذِكْرُ ما حَرَّمَ إثْرَ قَوْلِهِ: كُلُوا مِمّا رَزَقْناكم. وقَوْلِهِ: (إنَّما حَرَّمَ) الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في البَقَرَةِ.

النحل 16:113

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٤٢)يَوْمَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وناصِبُهُ رَحِيمٌ، أوْ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وناصِبُهُ: اذْكُرْ. والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ نَفْسٍ، فَيُجادِلُ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وجِدالُهُ بِالكَذِبِ والجَحَدِ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ والجَوارِحُ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجِدالُ: قَوْلُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ: نَفْسِي نَفْسِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لَيْسَ بِجِدالٍ ولا احْتِجاجٍ، إنَّما هو مُجَرَّدُ رَغْبَةٍ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ، ورَكَّبَ مَعَهُ ما قَبْلَهُ فَقالَ: كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ شَأْنُ غَيْرِهِ، كُلٌّ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي. ومَعْنى المُجادَلَةِ: الِاعْتِذارُ عَنْها كَقَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ: يُقالُ لَعِينِ الشَّيْءِ وذاتِهِ: نَفْسُهُ، وفي نَقِيضِهِ: غَيْرُهُ، والنَّفْسُ: الجُمْلَةُ كَما هي، فالنَّفْسُ الأُولى هي الجُمْلَةُ، والثّانِيَةُ عَيْنُها وذاتُها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: كُلُّ ذِي نَفْسٍ، ثُمَّ أُجْرِيَ الفِعْلُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَذْكُورِ، فَأثْبَتَ العَلامَةَ. ونَفْسٌ الأُولى هي: النَّفْسُ المَعْرُوفَةُ، والثّانِيَةُ هي: بِمَعْنى البَدَنِ كَما تَقُولُ: نَفْسُ الشَّيْءِ وعَيْنُهُ، أيْ: ذاتُهُ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: الإنْسانُ يُسَمّى نَفْسًا، تَقُولُ العَرَبُ: ما جاءَنِي إلّا نَفْسٌ واحِدَةٌ، أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ. والنَّفْسُ في الحَقِيقَةِ لا تَأْتِي، لِأنَّها هي الشَّيْءُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ؛ انْتَهى. (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ لَمْ يَتَعَدَّ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، لا إلى لَفْظِ النَّفْسِ ؟ (قُلْتُ): مَنَعَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ إذا لَمْ يَكُنْ مِن بابِ ظَنَّ، وفَقَدَ لا يَتَعَدّى فِعْلُ ظاهِرِ فاعِلِهِ، ولا مُضْمَرِهِ إلى مُضْمَرِهِ المُتَّصِلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُجادِلُ عَنْها، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: ضَرَبَتْها هِنْدٌ ولا هِنْدٌ ضَرَبَتْها، وإنَّما تَقُولُ: ضَرَبَتْ نَفْسَها هِنْدٌ، وضَرَبَتْ هِنْدٌ نَفْسَها، ما عَمِلَتْ، أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ، وأنَّثَ الفِعْلَ في تَأْتِي، والضَّمِيرَ في تُجادِلُ، وفي عَنْ نَفْسِهِ، وفي تُوُفّى، وفي عَمِلَتْ، حَمْلًا عَلى مَعْنى ”كُلُّ“، ولَوْ رُوعِيَ اللَّفْظُ لَذُكِّرَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎جادَتْ عَلَيْها كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ فَأنَّثَ عَلى المَعْنى. وما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الجِدالَ هُنا هو جِدالُ الجَسَدِ لِلرُّوحِ، والرُّوحِ لِلْجَسَدِ لا يَظْهَرُ قالَ: يَقُولُ الجَسَدُ: رَبِّ جاءَ الرُّوحُ بِأمْرِكَ بِهِ نَطَقَ لِسانِي وأبْصَرَتْ عَيْنِي ومَشَتْ رِجْلِي، فَتَقُولُ الرُّوحُ: أنْتَ كَسَبْتَ وعَصَيْتَ لا أنا، وأنْتَ كُنْتَ الحامِلَ وأنا المَحْمُولُ، فَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أضْرِبُ لَكُما مَثَلَ أعْمى حَمَلَ مُقْعَدًا إلى بُسْتانٍ فَأصابا مِن ثِمارِهِ، فالعَذابُ عَلَيْكُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ: أنَّ القَرْيَةَ المَضْرُوبَ بِها المَثَلُ مَكَّةُ، كانَتْ لا تُغْزى ولا يُغارُ عَلَيْها، والأرْزاقُ تُجْلَبُ إلَيْها، وأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْها بِالرَّسُولِ ﷺ فَكَفَرَتْ، فَأصابَها السُّنُونَ والخَوْفُ. وسَرايا الرَّسُولِ وغَزَواتُهُ ضُرِبَتْ مَثَلًا لِغَيْرِها مِمّا يَأْتِي بَعْدَها. وهَذا إنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً: فَجُوعُ السِّنِينَ وخَوْفُ العَذابِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَها مَكِّيَّةً قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَرْيَةً) مِن قُرى الأوَّلِينَ. وعَنْ حَفْصَةَ: أنَّها المَدِينَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أنَّها قُصِدَ بِها قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، جُعِلَتْ مَثَلًا لِمَكَّةَ عَلى مَعْنى التَّحْذِيرِ لِأهْلِها ولِغَيْرِها مِنَ القُرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةً مُقَدَّرَةً عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنْ يَكُونَ في قُرى الأوَّلِينَ قَرْيَةٌ كانَتْ هَذِهِ حالَها، فَضَرَبَها اللَّهُ مَثَلًا لِمَكَّةَ إنْذارًا مِن مِثْلِ عاقِبَتِها؛ انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ لا بُدَّ مِن وُجُودِها لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ . كانَتْ آمِنَةً: ابْتَدَأ بِصِفَةِ الأمْنِ، لِأنَّهُ لا يُقِيمُ لِخائِفٍ. والِاطْمِئْنانُ زِيادَةٌ في الأمْنِ، فَلا يُزْعِجُها خَوْفٌ. يَأْتِيها رِزْقُها: أقْواتُها واسِعَةٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِها، لا يَتَعَذَّرُ مِنها جِهَةٌ. وأنْعُمٌ: جَمْعُ نَعْمَةٍ، كَشَدَّةٍ وأشُدٍّ. وقالَ قُطْرُبٌ: جَمْعُ نِعَمٍ بِمَعْنى النَّعِيمِ، يُقالُ: هَذِهِ أيّامُ طُعْمٍ ونَعْمٍ؛ انْتَهى. فَيَكُونُ كَبُؤْسٍ (p-٥٤٣)وأبْؤُسٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعَ نِعْمَةً عَلى تَرْكِ التّاءِ، والِاعْتِدادِ بِالتّاءِ، كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ. وقالَ العُقَلاءُ: ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ، والصِّحَّةُ، والكِفايَةُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: آمِنَةً: إشارَةٌ إلى الأمْنِ، مُطَمْئِنَّةً: إشارَةٌ إلى الصِّحَّةِ، لِأنَّ هَواءَ ذَلِكَ لَمّا كانَ مُلازِمًا لِأمْزِجَتِهِمُ اطْمَأنُّوا إلَيْها واسْتَقَرُّوا، يَأْتِيها رِزْقُها: السَّبَبُ في ذَلِكَ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقالَ: الأنْعُمُ: جَمْعُ نِعْمَةٍ وجَمْعُ قِلَّةٍ، ولَمْ يَأْتِ بِنِعَمِ اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيهَ بِالأدْنى عَلى الأعْلى بِمَعْنى أنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ القَلِيلَةِ أوْجَبَ العَذابَ، فَكُفْرانُ الكَثِيرَةِ أوْلى بِإيجابِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا باشَرَهم ذَلِكَ صارَ كاللِّباسِ، وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى: ؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسًا ونَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقَدْ لَبِسَتْ بَعْدَ الزُّبَيْرِ مُجاشِعُ ∗∗∗ ثِيابَ الَّتِي حاضَتْ ولَمْ تَغْسِلِ الدَّما كَأنَّ العارَ لَمّا باشَرَهم ولَصِقَ بِهِمْ جَعَلَهم لَبِسُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾، نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ونَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاحْسُ وذُقْ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإذاقَةُ واللِّباسُ اسْتِعارَتانِ، فَما وجْهُ صِحَّتِهِما ؟ والإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ مُوقَعَةٌ عَلى اللِّباسِ؛ فَما وجْهُ صِحَّةِ إيقاعِها ؟ (قُلْتُ): أمّا الإذاقَةُ فَقَدْ جَرَتْ عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ لِشُيُوعِها في البَلايا والشَّدائِدِ وما يَمَسُّ النّاسَ مِنها فَيَقُولُونَ: ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ، وإذاقَةُ العَذابِ: شَبَّهَ ما يُدْرَكُ مِن أثَرِ الضَّرَرِ والألَمِ بِما يُدْرَكُ مِن طَعْمِ المُرِّ والبَشِعِ. وأمّا اللِّباسُ فَقَدْ شُبِّهَ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى اللّابِسِ ما غَشِيَ الإنْسانَ والتَبَسَ بِهِ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ. وأمّا إيقاعُ الإذاقَةِ عَلى لِباسِ الجُوعِ والخَوْفِ فَلِأنَّهُ لَمّا وقَعَ عِبارَةُ: عَمّا يُغْشى مِنهُما ويُلابَسُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأذاقَهم ما غَشِيَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَهم في نَحْوِ هَذا طَرِيقانِ: أحَدُهُما: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ لَهُ، كَما نُظِرَ إلَيْهِ هَهُنا، ونَحْوُهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غُلِقَتْ لِضُحْكَتِهِ رِقابُ المالِ اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ، لِأنَّهُ يَصُونُ عِرْضَ صاحِبِهِ، صَوْنَ الرِّداءِ لِما يُلْقى عَلَيْهِ. ووَصَفَهُ بِالغَمْرِ الَّذِي هو وصْفُ المَعْرُوفِ والنَّوالِ، لا صِفَةُ الرِّداءِ، نَظَرًا إلى المُسْتَعارِ لَهُ. والثّانِي: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ كَقَوْلِهِ: ؎يُنازِعُنِي رِدائِي عَبْدُ عَمْرٍو ∗∗∗ رُوَيْدَكَ يا أخا عَمْرِو بْنِ بَكْرِ ؎لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي ∗∗∗ ودُونَكَ فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرِ أرادَ بِرِدائِهِ سَيْفَهُ، ثُمَّ قالَ: فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرٍ، فَنُظِرَ إلى المُسْتَعارِ في لَفْظِ: الِاعْتِجارِ، ولَوْ نُظِرَ إلَيْهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ لَقِيلَ: فَكَساهم لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَقالَ كُثَيِّرٌ: ضافِي الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا؛ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْنِ وإتْيانِ الرِّزْقِ، قابَلَهُما بِالجُوعِ النّاشِئِ عَنِ انْقِطاعِ الرِّزْقِ وبِالخَوْفِ. وقَدَّمَ الجُوعَ لَيَلِيَ المُتَأخِّرَ وهو إتْيانُ الرِّزْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ فَقَدَّمَ ما بُدِئَ بِهِ وهُما طَرِيقانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَوْفِ، بِالجَرِّ، عَطْفًا عَلى الجُوعِ. ورَوى العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والخَوْفَ، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى لِباسٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أصْلُهُ: ولِباسَ الخَوْفِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَأذاقَها اللَّهُ الخَوْفَ والجُوعَ، ولا يُذْكَرُ ”لِباسَ“ . والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ هَذا تَفْسِيرُ المَعْنى لا قِراءَةٌ، لِأنَّ المَنقُولَ عَنْهُ مُسْتَفِيضًا مِثْلُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ. وفي مُصْحَفِ (p-٥٤٤)أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ، بَدَأ بِمُقابِلِ ما بَدَأ بِهِ في قَوْلِهِ: كانَتْ آمِنَةً، وهَذا عِنْدِي إنَّما كانَ في مُصْحَفِهِ قَبْلَ أنْ يَجْمَعُوا ما في سَوادِ المُصْحَفِ المَوْجُودِ الآنَ شَرْقًا وغَرْبًا، ولِذَلِكَ المُسْتَفِيضِ عَنْ أُبَيٍّ في القِراءَةِ إنَّما هو كَقِراءَةِ الجَماعَةِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ مِن كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ، ومِنها تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي جاءَهم. والضَّمِيرُ في (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) عائِدٌ عَلى المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾، أيْ: قِصَّةَ أهْلِ قَرْيَةٍ، أعادَ الضَّمِيرَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ قَرْيَةٍ، ثُمَّ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (ولَقَدْ جاءَهم)، عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (جاءَهم) لِأهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ، يَكُونُ هَذا بِما جَرى فِيها كَمَدِينَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأهْلِ مَكَّةَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ المَثَلَ قالَ: ولَقَدْ جاءَهم - يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ - رَسُولٌ مِنهم - يَعْنِي مِن أنْفُسِهِمْ - يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، ولَمّا وعَظَ تَعالى بِضَرْبِ ذَلِكَ المَثَلِ وصَلَ هَذا الأمْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالفاءِ، فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما رَزَقَهم وشُكْرِ نِعْمَتِهِ لِيُبايِنُوا تِلْكَ القَرْيَةَ الَّتِي كَفَرَتْ بِنِعَمِ اللَّهِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ جاءَ هُنا: ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ . وفي البَقَرَةِ جاءَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] لَمْ يَذْكُرْ مَن كَفَرَ نِعْمَتَهُ فَقالَ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] ولَمّا أمَرَهم بِالأكْلِ مِمّا رَزَقَهم، عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّماتِهِ تَعالى ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِهِمْ وتَحْلِيلِهِمْ بِأهْوائِهِمْ دُونَ اتِّباعِ ما شَرَعَ اللَّهُ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ. وكَذا جاءَ في البَقَرَةِ ذِكْرُ ما حَرَّمَ إثْرَ قَوْلِهِ: كُلُوا مِمّا رَزَقْناكم. وقَوْلِهِ: (إنَّما حَرَّمَ) الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في البَقَرَةِ.

النحل 16:114

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٤٢)يَوْمَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وناصِبُهُ رَحِيمٌ، أوْ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وناصِبُهُ: اذْكُرْ. والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ نَفْسٍ، فَيُجادِلُ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وجِدالُهُ بِالكَذِبِ والجَحَدِ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ والجَوارِحُ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجِدالُ: قَوْلُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ: نَفْسِي نَفْسِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لَيْسَ بِجِدالٍ ولا احْتِجاجٍ، إنَّما هو مُجَرَّدُ رَغْبَةٍ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ، ورَكَّبَ مَعَهُ ما قَبْلَهُ فَقالَ: كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ شَأْنُ غَيْرِهِ، كُلٌّ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي. ومَعْنى المُجادَلَةِ: الِاعْتِذارُ عَنْها كَقَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ: يُقالُ لَعِينِ الشَّيْءِ وذاتِهِ: نَفْسُهُ، وفي نَقِيضِهِ: غَيْرُهُ، والنَّفْسُ: الجُمْلَةُ كَما هي، فالنَّفْسُ الأُولى هي الجُمْلَةُ، والثّانِيَةُ عَيْنُها وذاتُها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: كُلُّ ذِي نَفْسٍ، ثُمَّ أُجْرِيَ الفِعْلُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَذْكُورِ، فَأثْبَتَ العَلامَةَ. ونَفْسٌ الأُولى هي: النَّفْسُ المَعْرُوفَةُ، والثّانِيَةُ هي: بِمَعْنى البَدَنِ كَما تَقُولُ: نَفْسُ الشَّيْءِ وعَيْنُهُ، أيْ: ذاتُهُ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: الإنْسانُ يُسَمّى نَفْسًا، تَقُولُ العَرَبُ: ما جاءَنِي إلّا نَفْسٌ واحِدَةٌ، أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ. والنَّفْسُ في الحَقِيقَةِ لا تَأْتِي، لِأنَّها هي الشَّيْءُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ؛ انْتَهى. (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ لَمْ يَتَعَدَّ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، لا إلى لَفْظِ النَّفْسِ ؟ (قُلْتُ): مَنَعَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ إذا لَمْ يَكُنْ مِن بابِ ظَنَّ، وفَقَدَ لا يَتَعَدّى فِعْلُ ظاهِرِ فاعِلِهِ، ولا مُضْمَرِهِ إلى مُضْمَرِهِ المُتَّصِلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُجادِلُ عَنْها، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: ضَرَبَتْها هِنْدٌ ولا هِنْدٌ ضَرَبَتْها، وإنَّما تَقُولُ: ضَرَبَتْ نَفْسَها هِنْدٌ، وضَرَبَتْ هِنْدٌ نَفْسَها، ما عَمِلَتْ، أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ، وأنَّثَ الفِعْلَ في تَأْتِي، والضَّمِيرَ في تُجادِلُ، وفي عَنْ نَفْسِهِ، وفي تُوُفّى، وفي عَمِلَتْ، حَمْلًا عَلى مَعْنى ”كُلُّ“، ولَوْ رُوعِيَ اللَّفْظُ لَذُكِّرَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎جادَتْ عَلَيْها كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ فَأنَّثَ عَلى المَعْنى. وما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الجِدالَ هُنا هو جِدالُ الجَسَدِ لِلرُّوحِ، والرُّوحِ لِلْجَسَدِ لا يَظْهَرُ قالَ: يَقُولُ الجَسَدُ: رَبِّ جاءَ الرُّوحُ بِأمْرِكَ بِهِ نَطَقَ لِسانِي وأبْصَرَتْ عَيْنِي ومَشَتْ رِجْلِي، فَتَقُولُ الرُّوحُ: أنْتَ كَسَبْتَ وعَصَيْتَ لا أنا، وأنْتَ كُنْتَ الحامِلَ وأنا المَحْمُولُ، فَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أضْرِبُ لَكُما مَثَلَ أعْمى حَمَلَ مُقْعَدًا إلى بُسْتانٍ فَأصابا مِن ثِمارِهِ، فالعَذابُ عَلَيْكُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ: أنَّ القَرْيَةَ المَضْرُوبَ بِها المَثَلُ مَكَّةُ، كانَتْ لا تُغْزى ولا يُغارُ عَلَيْها، والأرْزاقُ تُجْلَبُ إلَيْها، وأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْها بِالرَّسُولِ ﷺ فَكَفَرَتْ، فَأصابَها السُّنُونَ والخَوْفُ. وسَرايا الرَّسُولِ وغَزَواتُهُ ضُرِبَتْ مَثَلًا لِغَيْرِها مِمّا يَأْتِي بَعْدَها. وهَذا إنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً: فَجُوعُ السِّنِينَ وخَوْفُ العَذابِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَها مَكِّيَّةً قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَرْيَةً) مِن قُرى الأوَّلِينَ. وعَنْ حَفْصَةَ: أنَّها المَدِينَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أنَّها قُصِدَ بِها قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، جُعِلَتْ مَثَلًا لِمَكَّةَ عَلى مَعْنى التَّحْذِيرِ لِأهْلِها ولِغَيْرِها مِنَ القُرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةً مُقَدَّرَةً عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنْ يَكُونَ في قُرى الأوَّلِينَ قَرْيَةٌ كانَتْ هَذِهِ حالَها، فَضَرَبَها اللَّهُ مَثَلًا لِمَكَّةَ إنْذارًا مِن مِثْلِ عاقِبَتِها؛ انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ لا بُدَّ مِن وُجُودِها لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ . كانَتْ آمِنَةً: ابْتَدَأ بِصِفَةِ الأمْنِ، لِأنَّهُ لا يُقِيمُ لِخائِفٍ. والِاطْمِئْنانُ زِيادَةٌ في الأمْنِ، فَلا يُزْعِجُها خَوْفٌ. يَأْتِيها رِزْقُها: أقْواتُها واسِعَةٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِها، لا يَتَعَذَّرُ مِنها جِهَةٌ. وأنْعُمٌ: جَمْعُ نَعْمَةٍ، كَشَدَّةٍ وأشُدٍّ. وقالَ قُطْرُبٌ: جَمْعُ نِعَمٍ بِمَعْنى النَّعِيمِ، يُقالُ: هَذِهِ أيّامُ طُعْمٍ ونَعْمٍ؛ انْتَهى. فَيَكُونُ كَبُؤْسٍ (p-٥٤٣)وأبْؤُسٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعَ نِعْمَةً عَلى تَرْكِ التّاءِ، والِاعْتِدادِ بِالتّاءِ، كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ. وقالَ العُقَلاءُ: ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ، والصِّحَّةُ، والكِفايَةُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: آمِنَةً: إشارَةٌ إلى الأمْنِ، مُطَمْئِنَّةً: إشارَةٌ إلى الصِّحَّةِ، لِأنَّ هَواءَ ذَلِكَ لَمّا كانَ مُلازِمًا لِأمْزِجَتِهِمُ اطْمَأنُّوا إلَيْها واسْتَقَرُّوا، يَأْتِيها رِزْقُها: السَّبَبُ في ذَلِكَ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقالَ: الأنْعُمُ: جَمْعُ نِعْمَةٍ وجَمْعُ قِلَّةٍ، ولَمْ يَأْتِ بِنِعَمِ اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيهَ بِالأدْنى عَلى الأعْلى بِمَعْنى أنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ القَلِيلَةِ أوْجَبَ العَذابَ، فَكُفْرانُ الكَثِيرَةِ أوْلى بِإيجابِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا باشَرَهم ذَلِكَ صارَ كاللِّباسِ، وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى: ؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسًا ونَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقَدْ لَبِسَتْ بَعْدَ الزُّبَيْرِ مُجاشِعُ ∗∗∗ ثِيابَ الَّتِي حاضَتْ ولَمْ تَغْسِلِ الدَّما كَأنَّ العارَ لَمّا باشَرَهم ولَصِقَ بِهِمْ جَعَلَهم لَبِسُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾، نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ونَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاحْسُ وذُقْ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإذاقَةُ واللِّباسُ اسْتِعارَتانِ، فَما وجْهُ صِحَّتِهِما ؟ والإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ مُوقَعَةٌ عَلى اللِّباسِ؛ فَما وجْهُ صِحَّةِ إيقاعِها ؟ (قُلْتُ): أمّا الإذاقَةُ فَقَدْ جَرَتْ عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ لِشُيُوعِها في البَلايا والشَّدائِدِ وما يَمَسُّ النّاسَ مِنها فَيَقُولُونَ: ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ، وإذاقَةُ العَذابِ: شَبَّهَ ما يُدْرَكُ مِن أثَرِ الضَّرَرِ والألَمِ بِما يُدْرَكُ مِن طَعْمِ المُرِّ والبَشِعِ. وأمّا اللِّباسُ فَقَدْ شُبِّهَ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى اللّابِسِ ما غَشِيَ الإنْسانَ والتَبَسَ بِهِ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ. وأمّا إيقاعُ الإذاقَةِ عَلى لِباسِ الجُوعِ والخَوْفِ فَلِأنَّهُ لَمّا وقَعَ عِبارَةُ: عَمّا يُغْشى مِنهُما ويُلابَسُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأذاقَهم ما غَشِيَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَهم في نَحْوِ هَذا طَرِيقانِ: أحَدُهُما: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ لَهُ، كَما نُظِرَ إلَيْهِ هَهُنا، ونَحْوُهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غُلِقَتْ لِضُحْكَتِهِ رِقابُ المالِ اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ، لِأنَّهُ يَصُونُ عِرْضَ صاحِبِهِ، صَوْنَ الرِّداءِ لِما يُلْقى عَلَيْهِ. ووَصَفَهُ بِالغَمْرِ الَّذِي هو وصْفُ المَعْرُوفِ والنَّوالِ، لا صِفَةُ الرِّداءِ، نَظَرًا إلى المُسْتَعارِ لَهُ. والثّانِي: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ كَقَوْلِهِ: ؎يُنازِعُنِي رِدائِي عَبْدُ عَمْرٍو ∗∗∗ رُوَيْدَكَ يا أخا عَمْرِو بْنِ بَكْرِ ؎لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي ∗∗∗ ودُونَكَ فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرِ أرادَ بِرِدائِهِ سَيْفَهُ، ثُمَّ قالَ: فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرٍ، فَنُظِرَ إلى المُسْتَعارِ في لَفْظِ: الِاعْتِجارِ، ولَوْ نُظِرَ إلَيْهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ لَقِيلَ: فَكَساهم لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَقالَ كُثَيِّرٌ: ضافِي الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا؛ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْنِ وإتْيانِ الرِّزْقِ، قابَلَهُما بِالجُوعِ النّاشِئِ عَنِ انْقِطاعِ الرِّزْقِ وبِالخَوْفِ. وقَدَّمَ الجُوعَ لَيَلِيَ المُتَأخِّرَ وهو إتْيانُ الرِّزْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ فَقَدَّمَ ما بُدِئَ بِهِ وهُما طَرِيقانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَوْفِ، بِالجَرِّ، عَطْفًا عَلى الجُوعِ. ورَوى العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والخَوْفَ، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى لِباسٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أصْلُهُ: ولِباسَ الخَوْفِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَأذاقَها اللَّهُ الخَوْفَ والجُوعَ، ولا يُذْكَرُ ”لِباسَ“ . والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ هَذا تَفْسِيرُ المَعْنى لا قِراءَةٌ، لِأنَّ المَنقُولَ عَنْهُ مُسْتَفِيضًا مِثْلُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ. وفي مُصْحَفِ (p-٥٤٤)أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ، بَدَأ بِمُقابِلِ ما بَدَأ بِهِ في قَوْلِهِ: كانَتْ آمِنَةً، وهَذا عِنْدِي إنَّما كانَ في مُصْحَفِهِ قَبْلَ أنْ يَجْمَعُوا ما في سَوادِ المُصْحَفِ المَوْجُودِ الآنَ شَرْقًا وغَرْبًا، ولِذَلِكَ المُسْتَفِيضِ عَنْ أُبَيٍّ في القِراءَةِ إنَّما هو كَقِراءَةِ الجَماعَةِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ مِن كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ، ومِنها تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي جاءَهم. والضَّمِيرُ في (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) عائِدٌ عَلى المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾، أيْ: قِصَّةَ أهْلِ قَرْيَةٍ، أعادَ الضَّمِيرَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ قَرْيَةٍ، ثُمَّ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (ولَقَدْ جاءَهم)، عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (جاءَهم) لِأهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ، يَكُونُ هَذا بِما جَرى فِيها كَمَدِينَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأهْلِ مَكَّةَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ المَثَلَ قالَ: ولَقَدْ جاءَهم - يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ - رَسُولٌ مِنهم - يَعْنِي مِن أنْفُسِهِمْ - يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، ولَمّا وعَظَ تَعالى بِضَرْبِ ذَلِكَ المَثَلِ وصَلَ هَذا الأمْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالفاءِ، فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما رَزَقَهم وشُكْرِ نِعْمَتِهِ لِيُبايِنُوا تِلْكَ القَرْيَةَ الَّتِي كَفَرَتْ بِنِعَمِ اللَّهِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ جاءَ هُنا: ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ . وفي البَقَرَةِ جاءَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] لَمْ يَذْكُرْ مَن كَفَرَ نِعْمَتَهُ فَقالَ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] ولَمّا أمَرَهم بِالأكْلِ مِمّا رَزَقَهم، عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّماتِهِ تَعالى ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِهِمْ وتَحْلِيلِهِمْ بِأهْوائِهِمْ دُونَ اتِّباعِ ما شَرَعَ اللَّهُ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ. وكَذا جاءَ في البَقَرَةِ ذِكْرُ ما حَرَّمَ إثْرَ قَوْلِهِ: كُلُوا مِمّا رَزَقْناكم. وقَوْلِهِ: (إنَّما حَرَّمَ) الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في البَقَرَةِ.

النحل 16:115

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-٥٤٢)يَوْمَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وناصِبُهُ رَحِيمٌ، أوْ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وناصِبُهُ: اذْكُرْ. والظّاهِرُ عُمُومُ كُلِّ نَفْسٍ، فَيُجادِلُ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وجِدالُهُ بِالكَذِبِ والجَحَدِ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ والجَوارِحُ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجِدالُ: قَوْلُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ: نَفْسِي نَفْسِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لَيْسَ بِجِدالٍ ولا احْتِجاجٍ، إنَّما هو مُجَرَّدُ رَغْبَةٍ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ، ورَكَّبَ مَعَهُ ما قَبْلَهُ فَقالَ: كَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ شَأْنُ غَيْرِهِ، كُلٌّ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي. ومَعْنى المُجادَلَةِ: الِاعْتِذارُ عَنْها كَقَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ: يُقالُ لَعِينِ الشَّيْءِ وذاتِهِ: نَفْسُهُ، وفي نَقِيضِهِ: غَيْرُهُ، والنَّفْسُ: الجُمْلَةُ كَما هي، فالنَّفْسُ الأُولى هي الجُمْلَةُ، والثّانِيَةُ عَيْنُها وذاتُها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: كُلُّ ذِي نَفْسٍ، ثُمَّ أُجْرِيَ الفِعْلُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَذْكُورِ، فَأثْبَتَ العَلامَةَ. ونَفْسٌ الأُولى هي: النَّفْسُ المَعْرُوفَةُ، والثّانِيَةُ هي: بِمَعْنى البَدَنِ كَما تَقُولُ: نَفْسُ الشَّيْءِ وعَيْنُهُ، أيْ: ذاتُهُ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: الإنْسانُ يُسَمّى نَفْسًا، تَقُولُ العَرَبُ: ما جاءَنِي إلّا نَفْسٌ واحِدَةٌ، أيْ: إنْسانٌ واحِدٌ. والنَّفْسُ في الحَقِيقَةِ لا تَأْتِي، لِأنَّها هي الشَّيْءُ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ؛ انْتَهى. (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ لَمْ يَتَعَدَّ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، لا إلى لَفْظِ النَّفْسِ ؟ (قُلْتُ): مَنَعَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ إذا لَمْ يَكُنْ مِن بابِ ظَنَّ، وفَقَدَ لا يَتَعَدّى فِعْلُ ظاهِرِ فاعِلِهِ، ولا مُضْمَرِهِ إلى مُضْمَرِهِ المُتَّصِلِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُجادِلُ عَنْها، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ: ضَرَبَتْها هِنْدٌ ولا هِنْدٌ ضَرَبَتْها، وإنَّما تَقُولُ: ضَرَبَتْ نَفْسَها هِنْدٌ، وضَرَبَتْ هِنْدٌ نَفْسَها، ما عَمِلَتْ، أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ، وأنَّثَ الفِعْلَ في تَأْتِي، والضَّمِيرَ في تُجادِلُ، وفي عَنْ نَفْسِهِ، وفي تُوُفّى، وفي عَمِلَتْ، حَمْلًا عَلى مَعْنى ”كُلُّ“، ولَوْ رُوعِيَ اللَّفْظُ لَذُكِّرَ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎جادَتْ عَلَيْها كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ فَأنَّثَ عَلى المَعْنى. وما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الجِدالَ هُنا هو جِدالُ الجَسَدِ لِلرُّوحِ، والرُّوحِ لِلْجَسَدِ لا يَظْهَرُ قالَ: يَقُولُ الجَسَدُ: رَبِّ جاءَ الرُّوحُ بِأمْرِكَ بِهِ نَطَقَ لِسانِي وأبْصَرَتْ عَيْنِي ومَشَتْ رِجْلِي، فَتَقُولُ الرُّوحُ: أنْتَ كَسَبْتَ وعَصَيْتَ لا أنا، وأنْتَ كُنْتَ الحامِلَ وأنا المَحْمُولُ، فَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أضْرِبُ لَكُما مَثَلَ أعْمى حَمَلَ مُقْعَدًا إلى بُسْتانٍ فَأصابا مِن ثِمارِهِ، فالعَذابُ عَلَيْكُما. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ: أنَّ القَرْيَةَ المَضْرُوبَ بِها المَثَلُ مَكَّةُ، كانَتْ لا تُغْزى ولا يُغارُ عَلَيْها، والأرْزاقُ تُجْلَبُ إلَيْها، وأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْها بِالرَّسُولِ ﷺ فَكَفَرَتْ، فَأصابَها السُّنُونَ والخَوْفُ. وسَرايا الرَّسُولِ وغَزَواتُهُ ضُرِبَتْ مَثَلًا لِغَيْرِها مِمّا يَأْتِي بَعْدَها. وهَذا إنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً: فَجُوعُ السِّنِينَ وخَوْفُ العَذابِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ. ويُؤَيِّدُ كَوْنَها مَكِّيَّةً قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَرْيَةً) مِن قُرى الأوَّلِينَ. وعَنْ حَفْصَةَ: أنَّها المَدِينَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أنَّها قُصِدَ بِها قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، جُعِلَتْ مَثَلًا لِمَكَّةَ عَلى مَعْنى التَّحْذِيرِ لِأهْلِها ولِغَيْرِها مِنَ القُرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةً مُقَدَّرَةً عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنْ يَكُونَ في قُرى الأوَّلِينَ قَرْيَةٌ كانَتْ هَذِهِ حالَها، فَضَرَبَها اللَّهُ مَثَلًا لِمَكَّةَ إنْذارًا مِن مِثْلِ عاقِبَتِها؛ انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، بَلْ لا بُدَّ مِن وُجُودِها لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ . كانَتْ آمِنَةً: ابْتَدَأ بِصِفَةِ الأمْنِ، لِأنَّهُ لا يُقِيمُ لِخائِفٍ. والِاطْمِئْنانُ زِيادَةٌ في الأمْنِ، فَلا يُزْعِجُها خَوْفٌ. يَأْتِيها رِزْقُها: أقْواتُها واسِعَةٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِها، لا يَتَعَذَّرُ مِنها جِهَةٌ. وأنْعُمٌ: جَمْعُ نَعْمَةٍ، كَشَدَّةٍ وأشُدٍّ. وقالَ قُطْرُبٌ: جَمْعُ نِعَمٍ بِمَعْنى النَّعِيمِ، يُقالُ: هَذِهِ أيّامُ طُعْمٍ ونَعْمٍ؛ انْتَهى. فَيَكُونُ كَبُؤْسٍ (p-٥٤٣)وأبْؤُسٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعَ نِعْمَةً عَلى تَرْكِ التّاءِ، والِاعْتِدادِ بِالتّاءِ، كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ. وقالَ العُقَلاءُ: ثَلاثَةٌ لَيْسَ لَها نِهايَةٌ: الأمْنُ، والصِّحَّةُ، والكِفايَةُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: آمِنَةً: إشارَةٌ إلى الأمْنِ، مُطَمْئِنَّةً: إشارَةٌ إلى الصِّحَّةِ، لِأنَّ هَواءَ ذَلِكَ لَمّا كانَ مُلازِمًا لِأمْزِجَتِهِمُ اطْمَأنُّوا إلَيْها واسْتَقَرُّوا، يَأْتِيها رِزْقُها: السَّبَبُ في ذَلِكَ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقالَ: الأنْعُمُ: جَمْعُ نِعْمَةٍ وجَمْعُ قِلَّةٍ، ولَمْ يَأْتِ بِنِعَمِ اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ التَّنْبِيهَ بِالأدْنى عَلى الأعْلى بِمَعْنى أنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ القَلِيلَةِ أوْجَبَ العَذابَ، فَكُفْرانُ الكَثِيرَةِ أوْلى بِإيجابِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا باشَرَهم ذَلِكَ صارَ كاللِّباسِ، وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى: ؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسًا ونَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقَدْ لَبِسَتْ بَعْدَ الزُّبَيْرِ مُجاشِعُ ∗∗∗ ثِيابَ الَّتِي حاضَتْ ولَمْ تَغْسِلِ الدَّما كَأنَّ العارَ لَمّا باشَرَهم ولَصِقَ بِهِمْ جَعَلَهم لَبِسُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾، نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] ونَظِيرُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاحْسُ وذُقْ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإذاقَةُ واللِّباسُ اسْتِعارَتانِ، فَما وجْهُ صِحَّتِهِما ؟ والإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ مُوقَعَةٌ عَلى اللِّباسِ؛ فَما وجْهُ صِحَّةِ إيقاعِها ؟ (قُلْتُ): أمّا الإذاقَةُ فَقَدْ جَرَتْ عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ لِشُيُوعِها في البَلايا والشَّدائِدِ وما يَمَسُّ النّاسَ مِنها فَيَقُولُونَ: ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُّرَّ، وإذاقَةُ العَذابِ: شَبَّهَ ما يُدْرَكُ مِن أثَرِ الضَّرَرِ والألَمِ بِما يُدْرَكُ مِن طَعْمِ المُرِّ والبَشِعِ. وأمّا اللِّباسُ فَقَدْ شُبِّهَ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى اللّابِسِ ما غَشِيَ الإنْسانَ والتَبَسَ بِهِ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ. وأمّا إيقاعُ الإذاقَةِ عَلى لِباسِ الجُوعِ والخَوْفِ فَلِأنَّهُ لَمّا وقَعَ عِبارَةُ: عَمّا يُغْشى مِنهُما ويُلابَسُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأذاقَهم ما غَشِيَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَهم في نَحْوِ هَذا طَرِيقانِ: أحَدُهُما: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ لَهُ، كَما نُظِرَ إلَيْهِ هَهُنا، ونَحْوُهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: ؎غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غُلِقَتْ لِضُحْكَتِهِ رِقابُ المالِ اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ، لِأنَّهُ يَصُونُ عِرْضَ صاحِبِهِ، صَوْنَ الرِّداءِ لِما يُلْقى عَلَيْهِ. ووَصَفَهُ بِالغَمْرِ الَّذِي هو وصْفُ المَعْرُوفِ والنَّوالِ، لا صِفَةُ الرِّداءِ، نَظَرًا إلى المُسْتَعارِ لَهُ. والثّانِي: أنْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلى المُسْتَعارِ كَقَوْلِهِ: ؎يُنازِعُنِي رِدائِي عَبْدُ عَمْرٍو ∗∗∗ رُوَيْدَكَ يا أخا عَمْرِو بْنِ بَكْرِ ؎لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي ∗∗∗ ودُونَكَ فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرِ أرادَ بِرِدائِهِ سَيْفَهُ، ثُمَّ قالَ: فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرٍ، فَنُظِرَ إلى المُسْتَعارِ في لَفْظِ: الِاعْتِجارِ، ولَوْ نُظِرَ إلَيْهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ لَقِيلَ: فَكَساهم لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ، ولَقالَ كُثَيِّرٌ: ضافِي الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا؛ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْنِ وإتْيانِ الرِّزْقِ، قابَلَهُما بِالجُوعِ النّاشِئِ عَنِ انْقِطاعِ الرِّزْقِ وبِالخَوْفِ. وقَدَّمَ الجُوعَ لَيَلِيَ المُتَأخِّرَ وهو إتْيانُ الرِّزْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ فَقَدَّمَ ما بُدِئَ بِهِ وهُما طَرِيقانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: والخَوْفِ، بِالجَرِّ، عَطْفًا عَلى الجُوعِ. ورَوى العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: والخَوْفَ، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى لِباسٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أصْلُهُ: ولِباسَ الخَوْفِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: فَأذاقَها اللَّهُ الخَوْفَ والجُوعَ، ولا يُذْكَرُ ”لِباسَ“ . والَّذِي أقُولُهُ: إنَّ هَذا تَفْسِيرُ المَعْنى لا قِراءَةٌ، لِأنَّ المَنقُولَ عَنْهُ مُسْتَفِيضًا مِثْلُ ما في سَوادِ المُصْحَفِ. وفي مُصْحَفِ (p-٥٤٤)أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ، بَدَأ بِمُقابِلِ ما بَدَأ بِهِ في قَوْلِهِ: كانَتْ آمِنَةً، وهَذا عِنْدِي إنَّما كانَ في مُصْحَفِهِ قَبْلَ أنْ يَجْمَعُوا ما في سَوادِ المُصْحَفِ المَوْجُودِ الآنَ شَرْقًا وغَرْبًا، ولِذَلِكَ المُسْتَفِيضِ عَنْ أُبَيٍّ في القِراءَةِ إنَّما هو كَقِراءَةِ الجَماعَةِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ مِن كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ، ومِنها تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي جاءَهم. والضَّمِيرُ في (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) عائِدٌ عَلى المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾، أيْ: قِصَّةَ أهْلِ قَرْيَةٍ، أعادَ الضَّمِيرَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ قَرْيَةٍ، ثُمَّ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] . والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (ولَقَدْ جاءَهم)، عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (جاءَهم) لِأهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ، يَكُونُ هَذا بِما جَرى فِيها كَمَدِينَةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأهْلِ مَكَّةَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ المَثَلَ قالَ: ولَقَدْ جاءَهم - يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ - رَسُولٌ مِنهم - يَعْنِي مِن أنْفُسِهِمْ - يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، ولَمّا وعَظَ تَعالى بِضَرْبِ ذَلِكَ المَثَلِ وصَلَ هَذا الأمْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالفاءِ، فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما رَزَقَهم وشُكْرِ نِعْمَتِهِ لِيُبايِنُوا تِلْكَ القَرْيَةَ الَّتِي كَفَرَتْ بِنِعَمِ اللَّهِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ جاءَ هُنا: ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ . وفي البَقَرَةِ جاءَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] لَمْ يَذْكُرْ مَن كَفَرَ نِعْمَتَهُ فَقالَ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] ولَمّا أمَرَهم بِالأكْلِ مِمّا رَزَقَهم، عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّماتِهِ تَعالى ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِهِمْ وتَحْلِيلِهِمْ بِأهْوائِهِمْ دُونَ اتِّباعِ ما شَرَعَ اللَّهُ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ. وكَذا جاءَ في البَقَرَةِ ذِكْرُ ما حَرَّمَ إثْرَ قَوْلِهِ: كُلُوا مِمّا رَزَقْناكم. وقَوْلِهِ: (إنَّما حَرَّمَ) الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في البَقَرَةِ.

النحل 16:116

﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا بَيَّنَ تَعالى ما حَرَّمَ، بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ فِيما حَرَّمَ كالبَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، وفِيما أحَلَّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، وذَكَرَ تَعالى تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ الأرْبَعِ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذِهِ السُّورَةِ - وهُما مَكِّيَّتانِ - بِأداةِ الحَصْرِ، ثُمَّ كَذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١] الآيَةَ؛ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ: (مِمّا يُتْلى عَلَيْكم) هو قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكم) الآيَةَ؛ وهُما مَدَنِيَّتانِ، فَكانَ هَذا التَّحْرِيمُ لِهَذِهِ الأرْبَعِ مُشَرَّعًا ثانِيًا في أوَّلِ مَكَّةَ وآخِرِها، وأوَّلِ المَدِينَةِ وآخِرِها. فَنَهى تَعالى أنْ يُحَرِّمُوا ويُحِلُّوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَفْتَرُونَ بِذَلِكَ عَلى اللَّهِ حَيْثُ يَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (الكَذِبَ) بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذّالِ، وجَوَّزُوا في ما في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم. وانْتَصَبَ (الكَذِبَ) عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لِتَقُولُوا، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ لِلَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، مِن غَيْرِ اسْتِنادِ ذَلِكَ الوَصْفِ (p-٥٤٥)إلى الوَحْيِ. وهَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ بَدَلٌ مِنَ الكَذِبِ، أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: فَتَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ. وأجازالحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ الكَذِبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ما، كَما تَقُولُ: جاءَنِي الَّذِي ضَرَبْتَ أخاكَ، أي ضَرَبْتَهُ أخاكَ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي. وقالَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. ومَعْمُولُ: ولا تَقُولُوا الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، والمَعْنى: ولا تُحَلِّلُوا ولا تُحَرِّمُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم كَذِبًا، لا بِحُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ. وهَذا مَعْنًى بَدِيعٌ، جَعَلَ قَوْلَهم: كَأنَّهُ عَيْنُ الكَذِبِ ومَحْضُهُ، فَإذا نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَتُهم فَقَدْ حَلَّتِ الكَذِبَ بِحِلْيَتِهِ وصُورَتَهُ بِصُورَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: وجْهُهُ يَصِفُ الجَمالَ، وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ عُبَيْدٍ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: بِكَسْرِ الباءِ، وخُرِّجَ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما، والمَعْنى: الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ الكَذِبُ بِالجَرِّ صِفَةً لِـ (ما) المَصْدَرِيَّةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قِيلَ: لِوَصْفِها الكَذِبَ بِمَعْنى الكاذِبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] والمُرادُ بِالوَصْفِ: وصْفُها البَهائِمَ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ؛ انْتَهى. وهَذا عِنْدِي لا يَجُوزُ، وذَلِكَ أنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةِ لا يُنْعَتُ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها ومِنَ الفِعْلِ، ولا يُوجَدُ مِن كَلامِهِمْ: يُعْجِبُنِي أنْ قُمْتَ السَّرِيعَ، يُرِيدُ قِيامَكَ السَّرِيعَ، ولا عَجِبْتُ مِن أنْ تَخْرُجَ السَّرِيعَ، أيْ: مِن خُرُوجِكَ السَّرِيعِ. وحُكْمُ باقِي الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ حُكْمُ أنْ فَلا يُوجَدُ مِن كَلامِهِمْ وصْفُ المَصْدَرِ المُنْسَبِك مِن (أنْ) ولا مِن (ما) ولا مِن (كَيْ)، بِخِلافٍ صَرِيحِ المَصْدَرِ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُنْعَتَ، ولَيْسَ لِكُلِّ مُقَدَّرٍ حُكْمُ المَنطُوقِ بِهِ وإنَّما يُتَّبَعُ في ذَلِكَ ما تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ. وقَرَأ مُعاذٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وبَعْضُ أهْلِ الشّامِ: الكُذُبُ، بِضَمِّ الثَّلاثَةِ صِفَةً لِلْألْسِنَةِ، جَمْعُ كَذُوبٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: أوْ جَمْعُ كاذِبٍ أوْ كَذّابٍ؛ انْتَهى. فَيَكُونُ كَشارِفٍ وشُرُفٍ، أوْ مِثْلُ كِتابٍ وكُتُبٍ، ونَسَبَ هَذِهِ القِراءَةَ صاحِبُ اللَّوامِحِ لِمَسْلَمَةَ بْنِ مُحارِبٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ الكُذُبَ، بِفَتْحِ الباءِ؛ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كَذّابٍ، كَكُتُبٍ في جَمْعِ كِتابٍ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وجاءَ عَنْ يَعْقُوبَ (الكُذُبَ) بِضَمَّتَيْنِ والنَّصْبِ، فَأمّا الضَّمَّتانِ فَلِأنَّهُ جَمْعُ كَذّابٍ وهو مَصْدَرٌ، ومِثْلُهُ كِتابٌ وكُتُبٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ، أوْ بِمَعْنى الكَلِمِ الكَواذِبِ، أوْ هو جَمْعُ الكِذابِ مِن قَوْلِكَ: كَذَبَ كِذابًا ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي؛ انْتَهى. والخِطابُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُوا، لِلْكُفّارِ في شَأْنِ ما أحَلُّوا وما حَرَّمُوا مِن أُمُورِ الجاهِلِيَّةِ، وعَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُكَلَّفِينَ كُلِّهِمْ، أيْ: لا تُسَمُّوا ما لَمْ يَأْتِكم حَظْرُهُ ولا إباحَتُهُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ حَلالًا ولا حَرامًا، فَتَكُونُوا كاذِبِينَ عَلى اللَّهِ في إخْبارِكم بِأنَّهُ حَلَّلَهُ وحَرَّمَهُ؛ انْتَهى. وهَذا هو الظّاهِرُ، لِأنَّهُ خِطابٌ مَعْطُوفٌ عَلى خِطابٍ وهو: فَكُلُوا إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم، فَهو شامِلٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ. واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ لامُ التَّعْلِيلِ الَّذِي لا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الغَرَضِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهي الَّتِي تُسَمّى لامَ العاقِبَةِ ولامَ الصَّيْرُورَةِ. قِيلَ: ذَلِكَ الِافْتِراءُ ما كانَ غَرَضًا لَهم، والظّاهِرُ أنَّها لامُ التَّعْلِيلِ وأنَّهم قَصَدُوا الِافْتِراءَ كَما قالُوا: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ [الأعراف: ٢٨] واللَّهُ أمَرَنا بِها، ولا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ لِتَضَمُّنِهِ الكَذِبَ، لِأنَّ هَذا التَّعْلِيلَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى مَنِ افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ، وهو اللَّهُ تَعالى. وقالَ الواحِدِيُّ: لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ، لِأنَّ وصْفَهُمُ الكَذِبَ هو افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ، فَفَسَّرَ وصْفَهم بِالِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى تَقْدِيرِ ما مَصْدَرِيَّةً، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فاللّامُ في (لِما) لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ، فَيُبْدَلُ مِنها ما يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ، بَلِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (لا تَقُولُوا) عَلى حَدِّ تَعَلُّقِها في قَوْلِكَ: لا تَقُولُوا، لِما أحَلَّ اللَّهُ هَذا حَرامٌ، (p-٥٤٦)أيْ: لا تُسَمُّوا الحَلالَ حَرامًا، وكَما تَقُولُ لِزَيْدٍ عَمْرٌو، أيْ: لا تُطْلِقُ عَلى زَيْدٍ هَذا الِاسْمَ. والظّاهِرُ أنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ حَقِيقَةً، وهو ظاهِرُ الِافْتِراءِ الوارِدِ في آيِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِأتْباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللَّهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لِأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِتابِعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللَّهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِانْتِفاءِ الفَلاحِ. والفَلاحُ: الظَّفَرُ بِما يُؤَمَّلُ، فَتارَةً يَكُونُ في البَقاءِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎والمِسى والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهُ وتارَةً في نُجْحِ المَساعِي كَما قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ: ؎أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدَ يُبْ ∗∗∗ لَغُ بِالضَّعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وارْتِفاعُ مَتاعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَنفَعَتَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ مَنفَعَةً قَلِيلَةً وعِقابُها عَظِيمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَيْشُهم في الدُّنْيا. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَتاعُ هُنا ما حَلَّلُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو البَقاءِ: بَقاؤُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: مَتاعٌ قَلِيلٌ: ابْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ إلّا بِتَقْدِيرِ الإضافَةِ، أيْ: مَتاعُهم قَلِيلٌ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ لِأهْلِ الإسْلامِ أتْبَعَهُ بِما كانَ خَصَّ بِهِ اليَهُودَ مُحالًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، إذْ لا تَصِحُّ الحَوالَةُ إلّا بِذَلِكَ. ويَتَعَلَّقُ مِن قَبْلُ بِقَصَصْنا، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: بِحَرَمِنا، والمَحْذُوفُ الَّذِي في (مِن قَبْلُ) تَقْدِيرُهُ مِن قَبْلِ تَحْرِيمِنا عَلى أهْلِ مِلَّتِكَ. والسُّوءُ هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّرْكُ قَبْلَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ؛ انْتَهى. ما يَسُوءُ صاحِبَهُ مِن كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ غَيْرِهِ. والكَلامُ في ﴿لِلَّذِينَ عَمِلُوا﴾ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقالَ قَوْمٌ: بِجَهالَةٍ: تَعَمُّدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَيْسَتْ هُنا ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ تَعَدّى الطَّوْرَ ورُكُوبَ الرَّأْسِ، مِنهُ: أوْ أجْهَلَ أوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ. وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ، تَصْحَبُ هَذِهِ كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمِّدُ وهو الأكْثَرُ. وقَلَّ ما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِخَطَرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي يُواقِعُ؛ انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِجَهالَةٍ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: عَمِلُوا السُّوءَ جاهِلِينَ غَيْرَ عارِفِينَ بِاللَّهِ وبِعِقابِهِ، أوْ غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لِلْعاقِبَةِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ. وقالَ سُفْيانُ: جَهالَتُهُ: أنْ يَلْتَذَّ بِهَواهُ، ولا يُبالِيَ بِمَعْصِيَةِ مَوْلاهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِاغْتِرارِ الحالِ عَنِ المَآلِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَغْفِرُ لِمَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، ولا يَغْفِرُ لِمَن عَمِلَهُ بِغَيْرِ جَهالَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ جَمِيعَ مَن تابَ فَهَذا سَبِيلُهُ، وإنَّما خَصَّ مَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، لِأنَّ أكْثَرَ مَن يَأْتِي الذُّنُوبَ يَأْتِيها بِقِلَّةِ فِكْرٍ في عاقِبَةٍ، أوْ عِنْدَ غَلَبَةِ شَهْوَةٍ، أوْ في جَهالَةِ شَبابٍ، فَذَكَرَ الأثَرَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى عَمَلِ السُّوءِ، وأصْلَحُوا: اسْتَمَرُّوا عَلى الإقْلاعِ عَنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: أصْلَحُوا: آمَنُوا وأطاعُوا، والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِها) عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ عَمَلِ السُّوءِ والتَّوْبَةِ والإصْلاحِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَهالَةِ. وقِيلَ: عَلى السُّوءِ عَلى مَعْنى المَعْصِيَةِ.

النحل 16:117

﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا بَيَّنَ تَعالى ما حَرَّمَ، بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ فِيما حَرَّمَ كالبَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، وفِيما أحَلَّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، وذَكَرَ تَعالى تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ الأرْبَعِ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذِهِ السُّورَةِ - وهُما مَكِّيَّتانِ - بِأداةِ الحَصْرِ، ثُمَّ كَذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١] الآيَةَ؛ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ: (مِمّا يُتْلى عَلَيْكم) هو قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكم) الآيَةَ؛ وهُما مَدَنِيَّتانِ، فَكانَ هَذا التَّحْرِيمُ لِهَذِهِ الأرْبَعِ مُشَرَّعًا ثانِيًا في أوَّلِ مَكَّةَ وآخِرِها، وأوَّلِ المَدِينَةِ وآخِرِها. فَنَهى تَعالى أنْ يُحَرِّمُوا ويُحِلُّوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَفْتَرُونَ بِذَلِكَ عَلى اللَّهِ حَيْثُ يَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (الكَذِبَ) بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذّالِ، وجَوَّزُوا في ما في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم. وانْتَصَبَ (الكَذِبَ) عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لِتَقُولُوا، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ لِلَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، مِن غَيْرِ اسْتِنادِ ذَلِكَ الوَصْفِ (p-٥٤٥)إلى الوَحْيِ. وهَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ بَدَلٌ مِنَ الكَذِبِ، أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: فَتَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ. وأجازالحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ الكَذِبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ما، كَما تَقُولُ: جاءَنِي الَّذِي ضَرَبْتَ أخاكَ، أي ضَرَبْتَهُ أخاكَ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي. وقالَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. ومَعْمُولُ: ولا تَقُولُوا الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، والمَعْنى: ولا تُحَلِّلُوا ولا تُحَرِّمُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم كَذِبًا، لا بِحُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ. وهَذا مَعْنًى بَدِيعٌ، جَعَلَ قَوْلَهم: كَأنَّهُ عَيْنُ الكَذِبِ ومَحْضُهُ، فَإذا نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَتُهم فَقَدْ حَلَّتِ الكَذِبَ بِحِلْيَتِهِ وصُورَتَهُ بِصُورَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: وجْهُهُ يَصِفُ الجَمالَ، وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ عُبَيْدٍ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: بِكَسْرِ الباءِ، وخُرِّجَ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما، والمَعْنى: الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ الكَذِبُ بِالجَرِّ صِفَةً لِـ (ما) المَصْدَرِيَّةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قِيلَ: لِوَصْفِها الكَذِبَ بِمَعْنى الكاذِبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] والمُرادُ بِالوَصْفِ: وصْفُها البَهائِمَ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ؛ انْتَهى. وهَذا عِنْدِي لا يَجُوزُ، وذَلِكَ أنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةِ لا يُنْعَتُ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها ومِنَ الفِعْلِ، ولا يُوجَدُ مِن كَلامِهِمْ: يُعْجِبُنِي أنْ قُمْتَ السَّرِيعَ، يُرِيدُ قِيامَكَ السَّرِيعَ، ولا عَجِبْتُ مِن أنْ تَخْرُجَ السَّرِيعَ، أيْ: مِن خُرُوجِكَ السَّرِيعِ. وحُكْمُ باقِي الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ حُكْمُ أنْ فَلا يُوجَدُ مِن كَلامِهِمْ وصْفُ المَصْدَرِ المُنْسَبِك مِن (أنْ) ولا مِن (ما) ولا مِن (كَيْ)، بِخِلافٍ صَرِيحِ المَصْدَرِ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُنْعَتَ، ولَيْسَ لِكُلِّ مُقَدَّرٍ حُكْمُ المَنطُوقِ بِهِ وإنَّما يُتَّبَعُ في ذَلِكَ ما تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ. وقَرَأ مُعاذٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وبَعْضُ أهْلِ الشّامِ: الكُذُبُ، بِضَمِّ الثَّلاثَةِ صِفَةً لِلْألْسِنَةِ، جَمْعُ كَذُوبٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: أوْ جَمْعُ كاذِبٍ أوْ كَذّابٍ؛ انْتَهى. فَيَكُونُ كَشارِفٍ وشُرُفٍ، أوْ مِثْلُ كِتابٍ وكُتُبٍ، ونَسَبَ هَذِهِ القِراءَةَ صاحِبُ اللَّوامِحِ لِمَسْلَمَةَ بْنِ مُحارِبٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ الكُذُبَ، بِفَتْحِ الباءِ؛ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كَذّابٍ، كَكُتُبٍ في جَمْعِ كِتابٍ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وجاءَ عَنْ يَعْقُوبَ (الكُذُبَ) بِضَمَّتَيْنِ والنَّصْبِ، فَأمّا الضَّمَّتانِ فَلِأنَّهُ جَمْعُ كَذّابٍ وهو مَصْدَرٌ، ومِثْلُهُ كِتابٌ وكُتُبٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ، أوْ بِمَعْنى الكَلِمِ الكَواذِبِ، أوْ هو جَمْعُ الكِذابِ مِن قَوْلِكَ: كَذَبَ كِذابًا ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي؛ انْتَهى. والخِطابُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُوا، لِلْكُفّارِ في شَأْنِ ما أحَلُّوا وما حَرَّمُوا مِن أُمُورِ الجاهِلِيَّةِ، وعَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُكَلَّفِينَ كُلِّهِمْ، أيْ: لا تُسَمُّوا ما لَمْ يَأْتِكم حَظْرُهُ ولا إباحَتُهُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ حَلالًا ولا حَرامًا، فَتَكُونُوا كاذِبِينَ عَلى اللَّهِ في إخْبارِكم بِأنَّهُ حَلَّلَهُ وحَرَّمَهُ؛ انْتَهى. وهَذا هو الظّاهِرُ، لِأنَّهُ خِطابٌ مَعْطُوفٌ عَلى خِطابٍ وهو: فَكُلُوا إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم، فَهو شامِلٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ. واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ لامُ التَّعْلِيلِ الَّذِي لا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الغَرَضِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهي الَّتِي تُسَمّى لامَ العاقِبَةِ ولامَ الصَّيْرُورَةِ. قِيلَ: ذَلِكَ الِافْتِراءُ ما كانَ غَرَضًا لَهم، والظّاهِرُ أنَّها لامُ التَّعْلِيلِ وأنَّهم قَصَدُوا الِافْتِراءَ كَما قالُوا: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ [الأعراف: ٢٨] واللَّهُ أمَرَنا بِها، ولا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ لِتَضَمُّنِهِ الكَذِبَ، لِأنَّ هَذا التَّعْلِيلَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى مَنِ افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ، وهو اللَّهُ تَعالى. وقالَ الواحِدِيُّ: لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ، لِأنَّ وصْفَهُمُ الكَذِبَ هو افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ، فَفَسَّرَ وصْفَهم بِالِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى تَقْدِيرِ ما مَصْدَرِيَّةً، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فاللّامُ في (لِما) لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ، فَيُبْدَلُ مِنها ما يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ، بَلِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (لا تَقُولُوا) عَلى حَدِّ تَعَلُّقِها في قَوْلِكَ: لا تَقُولُوا، لِما أحَلَّ اللَّهُ هَذا حَرامٌ، (p-٥٤٦)أيْ: لا تُسَمُّوا الحَلالَ حَرامًا، وكَما تَقُولُ لِزَيْدٍ عَمْرٌو، أيْ: لا تُطْلِقُ عَلى زَيْدٍ هَذا الِاسْمَ. والظّاهِرُ أنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ حَقِيقَةً، وهو ظاهِرُ الِافْتِراءِ الوارِدِ في آيِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِأتْباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللَّهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لِأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِتابِعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللَّهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِانْتِفاءِ الفَلاحِ. والفَلاحُ: الظَّفَرُ بِما يُؤَمَّلُ، فَتارَةً يَكُونُ في البَقاءِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎والمِسى والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهُ وتارَةً في نُجْحِ المَساعِي كَما قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ: ؎أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدَ يُبْ ∗∗∗ لَغُ بِالضَّعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وارْتِفاعُ مَتاعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَنفَعَتَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ مَنفَعَةً قَلِيلَةً وعِقابُها عَظِيمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَيْشُهم في الدُّنْيا. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَتاعُ هُنا ما حَلَّلُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو البَقاءِ: بَقاؤُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: مَتاعٌ قَلِيلٌ: ابْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ إلّا بِتَقْدِيرِ الإضافَةِ، أيْ: مَتاعُهم قَلِيلٌ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ لِأهْلِ الإسْلامِ أتْبَعَهُ بِما كانَ خَصَّ بِهِ اليَهُودَ مُحالًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، إذْ لا تَصِحُّ الحَوالَةُ إلّا بِذَلِكَ. ويَتَعَلَّقُ مِن قَبْلُ بِقَصَصْنا، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: بِحَرَمِنا، والمَحْذُوفُ الَّذِي في (مِن قَبْلُ) تَقْدِيرُهُ مِن قَبْلِ تَحْرِيمِنا عَلى أهْلِ مِلَّتِكَ. والسُّوءُ هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّرْكُ قَبْلَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ؛ انْتَهى. ما يَسُوءُ صاحِبَهُ مِن كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ غَيْرِهِ. والكَلامُ في ﴿لِلَّذِينَ عَمِلُوا﴾ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقالَ قَوْمٌ: بِجَهالَةٍ: تَعَمُّدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَيْسَتْ هُنا ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ تَعَدّى الطَّوْرَ ورُكُوبَ الرَّأْسِ، مِنهُ: أوْ أجْهَلَ أوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ. وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ، تَصْحَبُ هَذِهِ كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمِّدُ وهو الأكْثَرُ. وقَلَّ ما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِخَطَرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي يُواقِعُ؛ انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِجَهالَةٍ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: عَمِلُوا السُّوءَ جاهِلِينَ غَيْرَ عارِفِينَ بِاللَّهِ وبِعِقابِهِ، أوْ غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لِلْعاقِبَةِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ. وقالَ سُفْيانُ: جَهالَتُهُ: أنْ يَلْتَذَّ بِهَواهُ، ولا يُبالِيَ بِمَعْصِيَةِ مَوْلاهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِاغْتِرارِ الحالِ عَنِ المَآلِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَغْفِرُ لِمَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، ولا يَغْفِرُ لِمَن عَمِلَهُ بِغَيْرِ جَهالَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ جَمِيعَ مَن تابَ فَهَذا سَبِيلُهُ، وإنَّما خَصَّ مَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، لِأنَّ أكْثَرَ مَن يَأْتِي الذُّنُوبَ يَأْتِيها بِقِلَّةِ فِكْرٍ في عاقِبَةٍ، أوْ عِنْدَ غَلَبَةِ شَهْوَةٍ، أوْ في جَهالَةِ شَبابٍ، فَذَكَرَ الأثَرَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى عَمَلِ السُّوءِ، وأصْلَحُوا: اسْتَمَرُّوا عَلى الإقْلاعِ عَنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: أصْلَحُوا: آمَنُوا وأطاعُوا، والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِها) عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ عَمَلِ السُّوءِ والتَّوْبَةِ والإصْلاحِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَهالَةِ. وقِيلَ: عَلى السُّوءِ عَلى مَعْنى المَعْصِيَةِ.

النحل 16:118

﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا بَيَّنَ تَعالى ما حَرَّمَ، بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ فِيما حَرَّمَ كالبَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، وفِيما أحَلَّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، وذَكَرَ تَعالى تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ الأرْبَعِ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذِهِ السُّورَةِ - وهُما مَكِّيَّتانِ - بِأداةِ الحَصْرِ، ثُمَّ كَذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١] الآيَةَ؛ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ: (مِمّا يُتْلى عَلَيْكم) هو قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكم) الآيَةَ؛ وهُما مَدَنِيَّتانِ، فَكانَ هَذا التَّحْرِيمُ لِهَذِهِ الأرْبَعِ مُشَرَّعًا ثانِيًا في أوَّلِ مَكَّةَ وآخِرِها، وأوَّلِ المَدِينَةِ وآخِرِها. فَنَهى تَعالى أنْ يُحَرِّمُوا ويُحِلُّوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَفْتَرُونَ بِذَلِكَ عَلى اللَّهِ حَيْثُ يَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (الكَذِبَ) بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذّالِ، وجَوَّزُوا في ما في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم. وانْتَصَبَ (الكَذِبَ) عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لِتَقُولُوا، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ لِلَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، مِن غَيْرِ اسْتِنادِ ذَلِكَ الوَصْفِ (p-٥٤٥)إلى الوَحْيِ. وهَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ بَدَلٌ مِنَ الكَذِبِ، أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: فَتَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ. وأجازالحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ الكَذِبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ما، كَما تَقُولُ: جاءَنِي الَّذِي ضَرَبْتَ أخاكَ، أي ضَرَبْتَهُ أخاكَ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي. وقالَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. ومَعْمُولُ: ولا تَقُولُوا الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، والمَعْنى: ولا تُحَلِّلُوا ولا تُحَرِّمُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم كَذِبًا، لا بِحُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ. وهَذا مَعْنًى بَدِيعٌ، جَعَلَ قَوْلَهم: كَأنَّهُ عَيْنُ الكَذِبِ ومَحْضُهُ، فَإذا نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَتُهم فَقَدْ حَلَّتِ الكَذِبَ بِحِلْيَتِهِ وصُورَتَهُ بِصُورَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: وجْهُهُ يَصِفُ الجَمالَ، وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ عُبَيْدٍ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: بِكَسْرِ الباءِ، وخُرِّجَ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما، والمَعْنى: الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ الكَذِبُ بِالجَرِّ صِفَةً لِـ (ما) المَصْدَرِيَّةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قِيلَ: لِوَصْفِها الكَذِبَ بِمَعْنى الكاذِبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] والمُرادُ بِالوَصْفِ: وصْفُها البَهائِمَ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ؛ انْتَهى. وهَذا عِنْدِي لا يَجُوزُ، وذَلِكَ أنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةِ لا يُنْعَتُ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها ومِنَ الفِعْلِ، ولا يُوجَدُ مِن كَلامِهِمْ: يُعْجِبُنِي أنْ قُمْتَ السَّرِيعَ، يُرِيدُ قِيامَكَ السَّرِيعَ، ولا عَجِبْتُ مِن أنْ تَخْرُجَ السَّرِيعَ، أيْ: مِن خُرُوجِكَ السَّرِيعِ. وحُكْمُ باقِي الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ حُكْمُ أنْ فَلا يُوجَدُ مِن كَلامِهِمْ وصْفُ المَصْدَرِ المُنْسَبِك مِن (أنْ) ولا مِن (ما) ولا مِن (كَيْ)، بِخِلافٍ صَرِيحِ المَصْدَرِ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُنْعَتَ، ولَيْسَ لِكُلِّ مُقَدَّرٍ حُكْمُ المَنطُوقِ بِهِ وإنَّما يُتَّبَعُ في ذَلِكَ ما تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ. وقَرَأ مُعاذٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وبَعْضُ أهْلِ الشّامِ: الكُذُبُ، بِضَمِّ الثَّلاثَةِ صِفَةً لِلْألْسِنَةِ، جَمْعُ كَذُوبٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: أوْ جَمْعُ كاذِبٍ أوْ كَذّابٍ؛ انْتَهى. فَيَكُونُ كَشارِفٍ وشُرُفٍ، أوْ مِثْلُ كِتابٍ وكُتُبٍ، ونَسَبَ هَذِهِ القِراءَةَ صاحِبُ اللَّوامِحِ لِمَسْلَمَةَ بْنِ مُحارِبٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ الكُذُبَ، بِفَتْحِ الباءِ؛ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كَذّابٍ، كَكُتُبٍ في جَمْعِ كِتابٍ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وجاءَ عَنْ يَعْقُوبَ (الكُذُبَ) بِضَمَّتَيْنِ والنَّصْبِ، فَأمّا الضَّمَّتانِ فَلِأنَّهُ جَمْعُ كَذّابٍ وهو مَصْدَرٌ، ومِثْلُهُ كِتابٌ وكُتُبٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ، أوْ بِمَعْنى الكَلِمِ الكَواذِبِ، أوْ هو جَمْعُ الكِذابِ مِن قَوْلِكَ: كَذَبَ كِذابًا ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي؛ انْتَهى. والخِطابُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُوا، لِلْكُفّارِ في شَأْنِ ما أحَلُّوا وما حَرَّمُوا مِن أُمُورِ الجاهِلِيَّةِ، وعَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُكَلَّفِينَ كُلِّهِمْ، أيْ: لا تُسَمُّوا ما لَمْ يَأْتِكم حَظْرُهُ ولا إباحَتُهُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ حَلالًا ولا حَرامًا، فَتَكُونُوا كاذِبِينَ عَلى اللَّهِ في إخْبارِكم بِأنَّهُ حَلَّلَهُ وحَرَّمَهُ؛ انْتَهى. وهَذا هو الظّاهِرُ، لِأنَّهُ خِطابٌ مَعْطُوفٌ عَلى خِطابٍ وهو: فَكُلُوا إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم، فَهو شامِلٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ. واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ لامُ التَّعْلِيلِ الَّذِي لا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الغَرَضِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهي الَّتِي تُسَمّى لامَ العاقِبَةِ ولامَ الصَّيْرُورَةِ. قِيلَ: ذَلِكَ الِافْتِراءُ ما كانَ غَرَضًا لَهم، والظّاهِرُ أنَّها لامُ التَّعْلِيلِ وأنَّهم قَصَدُوا الِافْتِراءَ كَما قالُوا: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ [الأعراف: ٢٨] واللَّهُ أمَرَنا بِها، ولا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ لِتَضَمُّنِهِ الكَذِبَ، لِأنَّ هَذا التَّعْلِيلَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى مَنِ افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ، وهو اللَّهُ تَعالى. وقالَ الواحِدِيُّ: لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ، لِأنَّ وصْفَهُمُ الكَذِبَ هو افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ، فَفَسَّرَ وصْفَهم بِالِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى تَقْدِيرِ ما مَصْدَرِيَّةً، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فاللّامُ في (لِما) لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ، فَيُبْدَلُ مِنها ما يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ، بَلِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (لا تَقُولُوا) عَلى حَدِّ تَعَلُّقِها في قَوْلِكَ: لا تَقُولُوا، لِما أحَلَّ اللَّهُ هَذا حَرامٌ، (p-٥٤٦)أيْ: لا تُسَمُّوا الحَلالَ حَرامًا، وكَما تَقُولُ لِزَيْدٍ عَمْرٌو، أيْ: لا تُطْلِقُ عَلى زَيْدٍ هَذا الِاسْمَ. والظّاهِرُ أنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ حَقِيقَةً، وهو ظاهِرُ الِافْتِراءِ الوارِدِ في آيِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِأتْباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللَّهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لِأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِتابِعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللَّهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِانْتِفاءِ الفَلاحِ. والفَلاحُ: الظَّفَرُ بِما يُؤَمَّلُ، فَتارَةً يَكُونُ في البَقاءِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎والمِسى والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهُ وتارَةً في نُجْحِ المَساعِي كَما قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ: ؎أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدَ يُبْ ∗∗∗ لَغُ بِالضَّعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وارْتِفاعُ مَتاعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَنفَعَتَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ مَنفَعَةً قَلِيلَةً وعِقابُها عَظِيمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَيْشُهم في الدُّنْيا. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَتاعُ هُنا ما حَلَّلُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو البَقاءِ: بَقاؤُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: مَتاعٌ قَلِيلٌ: ابْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ إلّا بِتَقْدِيرِ الإضافَةِ، أيْ: مَتاعُهم قَلِيلٌ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ لِأهْلِ الإسْلامِ أتْبَعَهُ بِما كانَ خَصَّ بِهِ اليَهُودَ مُحالًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، إذْ لا تَصِحُّ الحَوالَةُ إلّا بِذَلِكَ. ويَتَعَلَّقُ مِن قَبْلُ بِقَصَصْنا، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: بِحَرَمِنا، والمَحْذُوفُ الَّذِي في (مِن قَبْلُ) تَقْدِيرُهُ مِن قَبْلِ تَحْرِيمِنا عَلى أهْلِ مِلَّتِكَ. والسُّوءُ هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّرْكُ قَبْلَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ؛ انْتَهى. ما يَسُوءُ صاحِبَهُ مِن كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ غَيْرِهِ. والكَلامُ في ﴿لِلَّذِينَ عَمِلُوا﴾ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقالَ قَوْمٌ: بِجَهالَةٍ: تَعَمُّدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَيْسَتْ هُنا ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ تَعَدّى الطَّوْرَ ورُكُوبَ الرَّأْسِ، مِنهُ: أوْ أجْهَلَ أوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ. وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ، تَصْحَبُ هَذِهِ كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمِّدُ وهو الأكْثَرُ. وقَلَّ ما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِخَطَرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي يُواقِعُ؛ انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِجَهالَةٍ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: عَمِلُوا السُّوءَ جاهِلِينَ غَيْرَ عارِفِينَ بِاللَّهِ وبِعِقابِهِ، أوْ غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لِلْعاقِبَةِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ. وقالَ سُفْيانُ: جَهالَتُهُ: أنْ يَلْتَذَّ بِهَواهُ، ولا يُبالِيَ بِمَعْصِيَةِ مَوْلاهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِاغْتِرارِ الحالِ عَنِ المَآلِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَغْفِرُ لِمَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، ولا يَغْفِرُ لِمَن عَمِلَهُ بِغَيْرِ جَهالَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ جَمِيعَ مَن تابَ فَهَذا سَبِيلُهُ، وإنَّما خَصَّ مَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، لِأنَّ أكْثَرَ مَن يَأْتِي الذُّنُوبَ يَأْتِيها بِقِلَّةِ فِكْرٍ في عاقِبَةٍ، أوْ عِنْدَ غَلَبَةِ شَهْوَةٍ، أوْ في جَهالَةِ شَبابٍ، فَذَكَرَ الأثَرَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى عَمَلِ السُّوءِ، وأصْلَحُوا: اسْتَمَرُّوا عَلى الإقْلاعِ عَنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: أصْلَحُوا: آمَنُوا وأطاعُوا، والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِها) عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ عَمَلِ السُّوءِ والتَّوْبَةِ والإصْلاحِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَهالَةِ. وقِيلَ: عَلى السُّوءِ عَلى مَعْنى المَعْصِيَةِ.

النحل 16:119

﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لَمّا بَيَّنَ تَعالى ما حَرَّمَ، بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ فِيما حَرَّمَ كالبَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، وفِيما أحَلَّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، وذَكَرَ تَعالى تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ الأرْبَعِ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذِهِ السُّورَةِ - وهُما مَكِّيَّتانِ - بِأداةِ الحَصْرِ، ثُمَّ كَذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١] الآيَةَ؛ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ: (مِمّا يُتْلى عَلَيْكم) هو قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكم) الآيَةَ؛ وهُما مَدَنِيَّتانِ، فَكانَ هَذا التَّحْرِيمُ لِهَذِهِ الأرْبَعِ مُشَرَّعًا ثانِيًا في أوَّلِ مَكَّةَ وآخِرِها، وأوَّلِ المَدِينَةِ وآخِرِها. فَنَهى تَعالى أنْ يُحَرِّمُوا ويُحِلُّوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَفْتَرُونَ بِذَلِكَ عَلى اللَّهِ حَيْثُ يَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (الكَذِبَ) بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذّالِ، وجَوَّزُوا في ما في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم. وانْتَصَبَ (الكَذِبَ) عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لِتَقُولُوا، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ لِلَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، مِن غَيْرِ اسْتِنادِ ذَلِكَ الوَصْفِ (p-٥٤٥)إلى الوَحْيِ. وهَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ بَدَلٌ مِنَ الكَذِبِ، أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: فَتَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ. وأجازالحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ الكَذِبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ما، كَما تَقُولُ: جاءَنِي الَّذِي ضَرَبْتَ أخاكَ، أي ضَرَبْتَهُ أخاكَ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي. وقالَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. ومَعْمُولُ: ولا تَقُولُوا الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، والمَعْنى: ولا تُحَلِّلُوا ولا تُحَرِّمُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم كَذِبًا، لا بِحُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ. وهَذا مَعْنًى بَدِيعٌ، جَعَلَ قَوْلَهم: كَأنَّهُ عَيْنُ الكَذِبِ ومَحْضُهُ، فَإذا نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَتُهم فَقَدْ حَلَّتِ الكَذِبَ بِحِلْيَتِهِ وصُورَتَهُ بِصُورَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: وجْهُهُ يَصِفُ الجَمالَ، وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وطَلْحَةُ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ عُبَيْدٍ، ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: بِكَسْرِ الباءِ، وخُرِّجَ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما، والمَعْنى: الَّذِي تَصِفُهُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ الكَذِبُ بِالجَرِّ صِفَةً لِـ (ما) المَصْدَرِيَّةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قِيلَ: لِوَصْفِها الكَذِبَ بِمَعْنى الكاذِبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] والمُرادُ بِالوَصْفِ: وصْفُها البَهائِمَ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ؛ انْتَهى. وهَذا عِنْدِي لا يَجُوزُ، وذَلِكَ أنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةِ لا يُنْعَتُ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها ومِنَ الفِعْلِ، ولا يُوجَدُ مِن كَلامِهِمْ: يُعْجِبُنِي أنْ قُمْتَ السَّرِيعَ، يُرِيدُ قِيامَكَ السَّرِيعَ، ولا عَجِبْتُ مِن أنْ تَخْرُجَ السَّرِيعَ، أيْ: مِن خُرُوجِكَ السَّرِيعِ. وحُكْمُ باقِي الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ حُكْمُ أنْ فَلا يُوجَدُ مِن كَلامِهِمْ وصْفُ المَصْدَرِ المُنْسَبِك مِن (أنْ) ولا مِن (ما) ولا مِن (كَيْ)، بِخِلافٍ صَرِيحِ المَصْدَرِ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُنْعَتَ، ولَيْسَ لِكُلِّ مُقَدَّرٍ حُكْمُ المَنطُوقِ بِهِ وإنَّما يُتَّبَعُ في ذَلِكَ ما تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ. وقَرَأ مُعاذٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وبَعْضُ أهْلِ الشّامِ: الكُذُبُ، بِضَمِّ الثَّلاثَةِ صِفَةً لِلْألْسِنَةِ، جَمْعُ كَذُوبٍ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: أوْ جَمْعُ كاذِبٍ أوْ كَذّابٍ؛ انْتَهى. فَيَكُونُ كَشارِفٍ وشُرُفٍ، أوْ مِثْلُ كِتابٍ وكُتُبٍ، ونَسَبَ هَذِهِ القِراءَةَ صاحِبُ اللَّوامِحِ لِمَسْلَمَةَ بْنِ مُحارِبٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ الكُذُبَ، بِفَتْحِ الباءِ؛ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كَذّابٍ، كَكُتُبٍ في جَمْعِ كِتابٍ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وجاءَ عَنْ يَعْقُوبَ (الكُذُبَ) بِضَمَّتَيْنِ والنَّصْبِ، فَأمّا الضَّمَّتانِ فَلِأنَّهُ جَمْعُ كَذّابٍ وهو مَصْدَرٌ، ومِثْلُهُ كِتابٌ وكُتُبٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ، أوْ بِمَعْنى الكَلِمِ الكَواذِبِ، أوْ هو جَمْعُ الكِذابِ مِن قَوْلِكَ: كَذَبَ كِذابًا ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي؛ انْتَهى. والخِطابُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ: ولا تَقُولُوا، لِلْكُفّارِ في شَأْنِ ما أحَلُّوا وما حَرَّمُوا مِن أُمُورِ الجاهِلِيَّةِ، وعَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُكَلَّفِينَ كُلِّهِمْ، أيْ: لا تُسَمُّوا ما لَمْ يَأْتِكم حَظْرُهُ ولا إباحَتُهُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ حَلالًا ولا حَرامًا، فَتَكُونُوا كاذِبِينَ عَلى اللَّهِ في إخْبارِكم بِأنَّهُ حَلَّلَهُ وحَرَّمَهُ؛ انْتَهى. وهَذا هو الظّاهِرُ، لِأنَّهُ خِطابٌ مَعْطُوفٌ عَلى خِطابٍ وهو: فَكُلُوا إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم، فَهو شامِلٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ. واللّامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ لامُ التَّعْلِيلِ الَّذِي لا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الغَرَضِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهي الَّتِي تُسَمّى لامَ العاقِبَةِ ولامَ الصَّيْرُورَةِ. قِيلَ: ذَلِكَ الِافْتِراءُ ما كانَ غَرَضًا لَهم، والظّاهِرُ أنَّها لامُ التَّعْلِيلِ وأنَّهم قَصَدُوا الِافْتِراءَ كَما قالُوا: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ [الأعراف: ٢٨] واللَّهُ أمَرَنا بِها، ولا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ لِتَضَمُّنِهِ الكَذِبَ، لِأنَّ هَذا التَّعْلِيلَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى مَنِ افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ، وهو اللَّهُ تَعالى. وقالَ الواحِدِيُّ: لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ، لِأنَّ وصْفَهُمُ الكَذِبَ هو افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ، فَفَسَّرَ وصْفَهم بِالِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ؛ انْتَهى. وهو عَلى تَقْدِيرِ ما مَصْدَرِيَّةً، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فاللّامُ في (لِما) لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ، فَيُبْدَلُ مِنها ما يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ، بَلِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (لا تَقُولُوا) عَلى حَدِّ تَعَلُّقِها في قَوْلِكَ: لا تَقُولُوا، لِما أحَلَّ اللَّهُ هَذا حَرامٌ، (p-٥٤٦)أيْ: لا تُسَمُّوا الحَلالَ حَرامًا، وكَما تَقُولُ لِزَيْدٍ عَمْرٌو، أيْ: لا تُطْلِقُ عَلى زَيْدٍ هَذا الِاسْمَ. والظّاهِرُ أنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ حَقِيقَةً، وهو ظاهِرُ الِافْتِراءِ الوارِدِ في آيِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِأتْباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللَّهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لِأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِتابِعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللَّهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِانْتِفاءِ الفَلاحِ. والفَلاحُ: الظَّفَرُ بِما يُؤَمَّلُ، فَتارَةً يَكُونُ في البَقاءِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎والمِسى والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهُ وتارَةً في نُجْحِ المَساعِي كَما قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ: ؎أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدَ يُبْ ∗∗∗ لَغُ بِالضَّعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وارْتِفاعُ مَتاعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَنفَعَتَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ مَنفَعَةً قَلِيلَةً وعِقابُها عَظِيمٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَيْشُهم في الدُّنْيا. وقالَ العَسْكَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَتاعُ هُنا ما حَلَّلُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو البَقاءِ: بَقاؤُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: مَتاعٌ قَلِيلٌ: ابْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ انْتَهى. ولا يَصِحُّ إلّا بِتَقْدِيرِ الإضافَةِ، أيْ: مَتاعُهم قَلِيلٌ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ لِأهْلِ الإسْلامِ أتْبَعَهُ بِما كانَ خَصَّ بِهِ اليَهُودَ مُحالًا عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، إذْ لا تَصِحُّ الحَوالَةُ إلّا بِذَلِكَ. ويَتَعَلَّقُ مِن قَبْلُ بِقَصَصْنا، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: بِحَرَمِنا، والمَحْذُوفُ الَّذِي في (مِن قَبْلُ) تَقْدِيرُهُ مِن قَبْلِ تَحْرِيمِنا عَلى أهْلِ مِلَّتِكَ. والسُّوءُ هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّرْكُ قَبْلَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ؛ انْتَهى. ما يَسُوءُ صاحِبَهُ مِن كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ غَيْرِهِ. والكَلامُ في ﴿لِلَّذِينَ عَمِلُوا﴾ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقالَ قَوْمٌ: بِجَهالَةٍ: تَعَمُّدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَيْسَتْ هُنا ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ تَعَدّى الطَّوْرَ ورُكُوبَ الرَّأْسِ، مِنهُ: أوْ أجْهَلَ أوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ. وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ، تَصْحَبُ هَذِهِ كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمِّدُ وهو الأكْثَرُ. وقَلَّ ما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِخَطَرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي يُواقِعُ؛ انْتَهى مُلَخَّصًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِجَهالَةٍ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: عَمِلُوا السُّوءَ جاهِلِينَ غَيْرَ عارِفِينَ بِاللَّهِ وبِعِقابِهِ، أوْ غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لِلْعاقِبَةِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ. وقالَ سُفْيانُ: جَهالَتُهُ: أنْ يَلْتَذَّ بِهَواهُ، ولا يُبالِيَ بِمَعْصِيَةِ مَوْلاهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: بِاغْتِرارِ الحالِ عَنِ المَآلِ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَغْفِرُ لِمَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، ولا يَغْفِرُ لِمَن عَمِلَهُ بِغَيْرِ جَهالَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ جَمِيعَ مَن تابَ فَهَذا سَبِيلُهُ، وإنَّما خَصَّ مَن يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، لِأنَّ أكْثَرَ مَن يَأْتِي الذُّنُوبَ يَأْتِيها بِقِلَّةِ فِكْرٍ في عاقِبَةٍ، أوْ عِنْدَ غَلَبَةِ شَهْوَةٍ، أوْ في جَهالَةِ شَبابٍ، فَذَكَرَ الأثَرَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى عَمَلِ السُّوءِ، وأصْلَحُوا: اسْتَمَرُّوا عَلى الإقْلاعِ عَنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ. وقِيلَ: أصْلَحُوا: آمَنُوا وأطاعُوا، والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِها) عائِدٌ عَلى المَصادِرِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ، أيْ: مِن بَعْدِ عَمَلِ السُّوءِ والتَّوْبَةِ والإصْلاحِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَهالَةِ. وقِيلَ: عَلى السُّوءِ عَلى مَعْنى المَعْصِيَةِ.

النحل 16:120

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (p-٥٤٧)لَمّا أبْطَلَ تَعالى مَذاهِبَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن إثْباتِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، والطَّعْنِ في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ، وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ، وكانُوا مُفْتَخِرِينَ بِجَدِّهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُقِرِّينَ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ ووُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، ذَكَرَهُ في آخِرِ السُّورَةِ وأوْضَحَ مِنهاجَهُ، وما كانَ عَلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ورَفْضِ الأصْنامِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ حامِلًا لَهم عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وأيْضًا فَلَمّا جَرى ذِكْرُ اليَهُودِ بَيْنَ طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ حالِهِ وحالِهِمْ، وحالِ قُرَيْشٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: سُمِّيَ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً ما. وفي البُخارِيِّ «أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرُكِ» . والأُمَّةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْن مَعانٍ مِنها: الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الصّائِمُ، أوْ المَلِكُ، أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ عَنِ النّاسِ فَسُمِّيَ أُمَّةً، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ ما كانَ عِنْدَ أُمَّةٍ، ومِن هُنا أخَذَ الحَسَنُ بْنُ هانِئٍ قَوْلَهُ: ؎ولَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وأطْلَقَ هو وعُمَرُ ذَلِكَ عَلى مُعاذٍ فَقالَ: كانَ أُمَّةً قانِتًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ رُحَمَةٌ، وعَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، يَقْصِدُونَ بِالتَّأْنِيثِ التَّناهِيَ في المَعْنى المَوْصُوفِ بِهِ. وقِيلَ: الأُمَّةُ: الإمامُ الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، مِن أمَّ يَؤُمُّ، والمَفْعُولُ قَدْ يُبْنى لِلْكَثْرَةِ عَلى فُعَلَةٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القانِتِ، والحَنِيفِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾: رُوِيَ أنَّهُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ، فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداهُ، فَإذا هو بِفَوْجٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ، فَدَعاهم إلى الطَّعامِ، فَخُيِّلُوا أنَّ بِهِمْ جُذامًا فَقالَ: الآنَ وجَبَتْ مُؤاكَلَتُكم، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى أنَّهُ عافانِي وابْتَلاكم. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾، قالَ قَتادَةُ: حَبَّبَهُ اللَّهُ تَعالى إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَكُلُّ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَهُ اليَهُودُ والنَّصارى والمُسْلِمُونَ، وخُصُوصًا كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَإنَّ فَخْرَهم إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وقِيلَ: الحَسَنَةُ: قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الذِّكْرُ الحَسَنُ. وقالَ الحَسَنُ: النُّبُوَّةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِسانُ صِدْقٍ. وقالَ قَتادَةُ: القَبُولُ، وعَنْهُ تَنْوِيهُ اللَّهِ بِذِكْرِهِ. وقِيلَ: الأوْلادُ الأبْرارُ عَلى الكِبَرِ. وقِيلَ: المالُ يَصْرِفُهُ في الخَيْرِ والبِرِّ. (وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ، ولَمّا وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُ، وهَذا الأمْرُ مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللَّهُ إبْراهِيمَ في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: وأمَرَ الفاضِلَ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ، لَمّا كانَ سابِقًا إلى قَوْلِ الصَّوابِ والعَمَلِ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ أوْحَيْنا في (ثُمَّ) هَذِهِ ما فِيها مِن تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِ مَحَلِّهِ، والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ، مِن قَبْلِ أنَّها عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ النُّعُوتِ الَّتِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْها بِها؛ انْتَهى. وأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ. واتِّباعِ مِلَّتِهِ؛ قالَ قَتادَةُ: في الإسْلامِ، وعَنْهُ أيْضًا: جَمِيعَ مِلَّتِهِ إلّا ما أُمِرَ بِتَرْكِهِ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ: مَناسِكُ الحَجِّ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ عَقائِدُ الشَّرْعِ دُونَ الفُرُوعِ لِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وقِيلَ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ. وقالَ قَوْمٌ كانَ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ يَنْفَرِدُ بِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ مِن بَعْثَتِهِ إحْياءُ (p-٥٤٨)شَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ وصَفَ إبْراهِيمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا قالَ: اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، كانَ المُرادُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ بِناءً عَلى الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتابِعًا لَهُ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ قَوْلِهِ: أنِ اتَّبِعْ، عَلى هَذا المَعْنى، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها. (قُلْتُ): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُتابَعَتَهُ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ، وهي أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسُّهُولَةِ، وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْد أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ؛ انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا، لِأنَّ المُعْتَقَدَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ دَلائِلُ العُقُولِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُوحى لِتَظافُرِ المَعْقُولِ والمَنقُولِ عَلى اعْتِقادِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] فَلَيْسَ اعْتِقادَ الوَحْدانِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الوَحْيِ فَقَطْ، وإنَّما تَظافُرُ المَنقُولِ عَنِ اللَّهِ في ذَلِكَ مَعَ دَلِيلِ العَقْلِ. وكَذَلِكَ هُنا أخْبَرَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا، وأمَرَ الرَّسُولَ بِاتِّباعِهِ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ انْتِفاءُ الشِّرْكِ لَيْسَ مُسْتَنَدُهُ مُجَرَّدَ الوَحْيِ، بَلِ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ والدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ تَظافَرا عَلى ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ - يَعْنِي حَنِيفًا - حالًا مِنَ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ لِأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيها حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا؛ انْتَهى. أمّا ما حُكِيَ عَنْ مَكِّيٍّ وتَعْلِيلِهِ امْتِناعَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُضافًا إلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلى إطْلاقِ هَذا التَّعْلِيلِ لِأنَّهُ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ في مَحَلِّ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ، جازَتِ الحالُ مِنهُ نَحْوَ: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ مُسْرِعًا، وشُرْبُ السَّوِيقِ مَلْتُوتًا. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: ويَجُوزُ أيْضًا ذَلِكَ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾ [الحجر: ٤٧] أوْ كالجُزْءِ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] وقَدْ بَيَّنّا الصَّحِيحَ في ذَلِكَ فِيما كَتَبْناهُ عَلى التَّسْهِيلِ، وعَلى الألْفِيَّةِ لِابْنِ مالِكٍ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ في رَدِّهِ عَلى مَكِّيٍّ بِقَوْلِهِ: ولَيْسَ كَما قالَ، لِأنَّ الحالَ إلى آخِرِهِ، فَقَوْلٌ بَعِيدٌ عَنْ قَوْلِ أهْلِ الصَّنْعَةِ، لِأنَّ الباءَ في (بِزَيْدٍ) لَيْسَتْ هي العامِلَةَ في قائِمًا، وإنَّما العامِلُ في الحالِ مَرَرْتُ، والباءُ وإنْ عَمِلَتِ الجَرَّ في زَيْدٍ فَإنَّ زَيْدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَرَرْتُ، وكَذَلِكَ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ حَيْثُ يَجُوزُ حَذْفُهُ نَصَبَ الفِعْلُ ذَلِكَ الِاسْمَ الَّذِي كانَ مَجْرُورًا بِالحَرْفِ. ولَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولُهُ ﷺ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ الرَّسُولُ قَدِ اخْتارَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ في شَرْعِ إبْراهِيمَ، بَيَّنَ أنَّ يَوْمَ السَّبْتِ لَمْ يَكُنْ تَعْظِيمُهُ، واتِّخاذُهُ لِلْعِبادَةِ مِن شَرْعِ إبْراهِيمَ ولا دِينِهِ، والسَّبْتُ مَصْدَرٌ، وبِهِ سُمِّي اليَوْمُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا اللَّفْظِ في الأعْرافِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها، والمَعْنى: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، واخْتِلافُهم فِيهِ: أنَّهم أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ تارَةً، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا في تَحْرِيمِهِ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَما حَتَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبْرَ عَنِ الصَّيْدِ فِيهِ، والمَعْنى في ذِكْرِ ذَلِكَ نَحْوَ المَعْنى في: ضَرْبِ القَرْيَةِ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ مَثَلًا، وغَيْرِ ما ذُكِرَ وهو الإنْذارُ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَلى العُصاةِ والمُخالِفِينَ لِأوامِرِهِ والخالِعِينَ رِبْقَةَ طاعَتِهِ. (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى الحُكْمِ بَيْنَهم إذا كانُوا جَمِيعًا مُحِلِّينَ أوْ مُحَرِّمِينَ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ أنَّهُ يُجازِيهِمْ جَزاءَ اخْتِلافِ فِعْلِهِمْ في كَوْنِهِمْ مُحَلِّينَ تارَةً ومُحْرِمِينَ أُخْرى، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم أنْ يَجْعَلُوا في الأُسْبُوعِ يَوْمًا لِلْعِبادَةِ، وأنْ يَكُونَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ وقالُوا: نُرِيدُ اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو السَّبْتُ، إلّا شِرْذِمَةً مِنهم قَدْ رَضُوا بِالجُمُعَةِ، فَهَذا اخْتِلافُهم في السَّبْتِ، لِأنَّ بَعْضَهُمُ اخْتارَهُ، وبَعْضَهُمُ اخْتارَ عَلَيْهِ الجُمُعَةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم في السَّبْتِ، وابْتَلاهم بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ فِيهِ، فَأطاعَ أمْرَ اللَّهِ الرّاضُونَ بِالجُمُعَةِ فَكانُوا لا يَصِيدُونَ، وأعْقابُهم لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الصَّيْدِ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ دُونَ أُولَئِكَ. (p-٥٤٩)وهُوَ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُجازِي كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِما يَسْتَوْجِبُهُ. ومَعْنى جَعَلَ السَّبْتَ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمَهُ، وتَرْكَ الِاصْطِيادِ فِيهِ؛ انْتَهى. وهو كَلامٌ مُلَفَّقٌ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ قَبْلَهُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: عُدِّيَّ جَعَلَ بِعَلى، لِأنَّ اليَوْمَ صارَ عَلَيْهِمْ لا لَهم، لِارْتِكابِهِمُ المَعاصِيَ فِيهِ؛ انْتَهى. ولِهَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ. وقالَ الحَسَنُ: جُعِلَ السَّبْتُ لَعْنَةً عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ: ذَرُوا الأعْمالَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ وتَفَرَّغُوا فِيهِ لِعِبادَتِي، فَقالُوا: نُرِيدُ السَّبْتَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَغَ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو أوْلى بِالرّاحَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: جَعَلَ بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ: أنَّهُما قَرَءا إنَّما أنْزَلْنا السَّبْتَ، وهي تَفْسِيرُ مَعْنًى لا قِراءَةٍ، لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، ولِما اسْتَفاضَ عَنِ الأعْمَشِ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما قَرَءا كالجَماعَةِ.

النحل 16:121

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (p-٥٤٧)لَمّا أبْطَلَ تَعالى مَذاهِبَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن إثْباتِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، والطَّعْنِ في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ، وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ، وكانُوا مُفْتَخِرِينَ بِجَدِّهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُقِرِّينَ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ ووُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، ذَكَرَهُ في آخِرِ السُّورَةِ وأوْضَحَ مِنهاجَهُ، وما كانَ عَلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ورَفْضِ الأصْنامِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ حامِلًا لَهم عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وأيْضًا فَلَمّا جَرى ذِكْرُ اليَهُودِ بَيْنَ طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ حالِهِ وحالِهِمْ، وحالِ قُرَيْشٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: سُمِّيَ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً ما. وفي البُخارِيِّ «أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرُكِ» . والأُمَّةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْن مَعانٍ مِنها: الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الصّائِمُ، أوْ المَلِكُ، أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ عَنِ النّاسِ فَسُمِّيَ أُمَّةً، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ ما كانَ عِنْدَ أُمَّةٍ، ومِن هُنا أخَذَ الحَسَنُ بْنُ هانِئٍ قَوْلَهُ: ؎ولَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وأطْلَقَ هو وعُمَرُ ذَلِكَ عَلى مُعاذٍ فَقالَ: كانَ أُمَّةً قانِتًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ رُحَمَةٌ، وعَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، يَقْصِدُونَ بِالتَّأْنِيثِ التَّناهِيَ في المَعْنى المَوْصُوفِ بِهِ. وقِيلَ: الأُمَّةُ: الإمامُ الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، مِن أمَّ يَؤُمُّ، والمَفْعُولُ قَدْ يُبْنى لِلْكَثْرَةِ عَلى فُعَلَةٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القانِتِ، والحَنِيفِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾: رُوِيَ أنَّهُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ، فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداهُ، فَإذا هو بِفَوْجٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ، فَدَعاهم إلى الطَّعامِ، فَخُيِّلُوا أنَّ بِهِمْ جُذامًا فَقالَ: الآنَ وجَبَتْ مُؤاكَلَتُكم، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى أنَّهُ عافانِي وابْتَلاكم. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾، قالَ قَتادَةُ: حَبَّبَهُ اللَّهُ تَعالى إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَكُلُّ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَهُ اليَهُودُ والنَّصارى والمُسْلِمُونَ، وخُصُوصًا كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَإنَّ فَخْرَهم إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وقِيلَ: الحَسَنَةُ: قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الذِّكْرُ الحَسَنُ. وقالَ الحَسَنُ: النُّبُوَّةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِسانُ صِدْقٍ. وقالَ قَتادَةُ: القَبُولُ، وعَنْهُ تَنْوِيهُ اللَّهِ بِذِكْرِهِ. وقِيلَ: الأوْلادُ الأبْرارُ عَلى الكِبَرِ. وقِيلَ: المالُ يَصْرِفُهُ في الخَيْرِ والبِرِّ. (وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ، ولَمّا وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُ، وهَذا الأمْرُ مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللَّهُ إبْراهِيمَ في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: وأمَرَ الفاضِلَ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ، لَمّا كانَ سابِقًا إلى قَوْلِ الصَّوابِ والعَمَلِ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ أوْحَيْنا في (ثُمَّ) هَذِهِ ما فِيها مِن تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِ مَحَلِّهِ، والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ، مِن قَبْلِ أنَّها عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ النُّعُوتِ الَّتِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْها بِها؛ انْتَهى. وأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ. واتِّباعِ مِلَّتِهِ؛ قالَ قَتادَةُ: في الإسْلامِ، وعَنْهُ أيْضًا: جَمِيعَ مِلَّتِهِ إلّا ما أُمِرَ بِتَرْكِهِ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ: مَناسِكُ الحَجِّ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ عَقائِدُ الشَّرْعِ دُونَ الفُرُوعِ لِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وقِيلَ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ. وقالَ قَوْمٌ كانَ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ يَنْفَرِدُ بِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ مِن بَعْثَتِهِ إحْياءُ (p-٥٤٨)شَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ وصَفَ إبْراهِيمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا قالَ: اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، كانَ المُرادُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ بِناءً عَلى الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتابِعًا لَهُ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ قَوْلِهِ: أنِ اتَّبِعْ، عَلى هَذا المَعْنى، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها. (قُلْتُ): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُتابَعَتَهُ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ، وهي أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسُّهُولَةِ، وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْد أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ؛ انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا، لِأنَّ المُعْتَقَدَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ دَلائِلُ العُقُولِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُوحى لِتَظافُرِ المَعْقُولِ والمَنقُولِ عَلى اعْتِقادِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] فَلَيْسَ اعْتِقادَ الوَحْدانِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الوَحْيِ فَقَطْ، وإنَّما تَظافُرُ المَنقُولِ عَنِ اللَّهِ في ذَلِكَ مَعَ دَلِيلِ العَقْلِ. وكَذَلِكَ هُنا أخْبَرَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا، وأمَرَ الرَّسُولَ بِاتِّباعِهِ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ انْتِفاءُ الشِّرْكِ لَيْسَ مُسْتَنَدُهُ مُجَرَّدَ الوَحْيِ، بَلِ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ والدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ تَظافَرا عَلى ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ - يَعْنِي حَنِيفًا - حالًا مِنَ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ لِأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيها حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا؛ انْتَهى. أمّا ما حُكِيَ عَنْ مَكِّيٍّ وتَعْلِيلِهِ امْتِناعَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُضافًا إلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلى إطْلاقِ هَذا التَّعْلِيلِ لِأنَّهُ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ في مَحَلِّ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ، جازَتِ الحالُ مِنهُ نَحْوَ: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ مُسْرِعًا، وشُرْبُ السَّوِيقِ مَلْتُوتًا. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: ويَجُوزُ أيْضًا ذَلِكَ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾ [الحجر: ٤٧] أوْ كالجُزْءِ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] وقَدْ بَيَّنّا الصَّحِيحَ في ذَلِكَ فِيما كَتَبْناهُ عَلى التَّسْهِيلِ، وعَلى الألْفِيَّةِ لِابْنِ مالِكٍ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ في رَدِّهِ عَلى مَكِّيٍّ بِقَوْلِهِ: ولَيْسَ كَما قالَ، لِأنَّ الحالَ إلى آخِرِهِ، فَقَوْلٌ بَعِيدٌ عَنْ قَوْلِ أهْلِ الصَّنْعَةِ، لِأنَّ الباءَ في (بِزَيْدٍ) لَيْسَتْ هي العامِلَةَ في قائِمًا، وإنَّما العامِلُ في الحالِ مَرَرْتُ، والباءُ وإنْ عَمِلَتِ الجَرَّ في زَيْدٍ فَإنَّ زَيْدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَرَرْتُ، وكَذَلِكَ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ حَيْثُ يَجُوزُ حَذْفُهُ نَصَبَ الفِعْلُ ذَلِكَ الِاسْمَ الَّذِي كانَ مَجْرُورًا بِالحَرْفِ. ولَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولُهُ ﷺ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ الرَّسُولُ قَدِ اخْتارَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ في شَرْعِ إبْراهِيمَ، بَيَّنَ أنَّ يَوْمَ السَّبْتِ لَمْ يَكُنْ تَعْظِيمُهُ، واتِّخاذُهُ لِلْعِبادَةِ مِن شَرْعِ إبْراهِيمَ ولا دِينِهِ، والسَّبْتُ مَصْدَرٌ، وبِهِ سُمِّي اليَوْمُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا اللَّفْظِ في الأعْرافِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها، والمَعْنى: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، واخْتِلافُهم فِيهِ: أنَّهم أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ تارَةً، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا في تَحْرِيمِهِ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَما حَتَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبْرَ عَنِ الصَّيْدِ فِيهِ، والمَعْنى في ذِكْرِ ذَلِكَ نَحْوَ المَعْنى في: ضَرْبِ القَرْيَةِ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ مَثَلًا، وغَيْرِ ما ذُكِرَ وهو الإنْذارُ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَلى العُصاةِ والمُخالِفِينَ لِأوامِرِهِ والخالِعِينَ رِبْقَةَ طاعَتِهِ. (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى الحُكْمِ بَيْنَهم إذا كانُوا جَمِيعًا مُحِلِّينَ أوْ مُحَرِّمِينَ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ أنَّهُ يُجازِيهِمْ جَزاءَ اخْتِلافِ فِعْلِهِمْ في كَوْنِهِمْ مُحَلِّينَ تارَةً ومُحْرِمِينَ أُخْرى، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم أنْ يَجْعَلُوا في الأُسْبُوعِ يَوْمًا لِلْعِبادَةِ، وأنْ يَكُونَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ وقالُوا: نُرِيدُ اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو السَّبْتُ، إلّا شِرْذِمَةً مِنهم قَدْ رَضُوا بِالجُمُعَةِ، فَهَذا اخْتِلافُهم في السَّبْتِ، لِأنَّ بَعْضَهُمُ اخْتارَهُ، وبَعْضَهُمُ اخْتارَ عَلَيْهِ الجُمُعَةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم في السَّبْتِ، وابْتَلاهم بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ فِيهِ، فَأطاعَ أمْرَ اللَّهِ الرّاضُونَ بِالجُمُعَةِ فَكانُوا لا يَصِيدُونَ، وأعْقابُهم لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الصَّيْدِ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ دُونَ أُولَئِكَ. (p-٥٤٩)وهُوَ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُجازِي كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِما يَسْتَوْجِبُهُ. ومَعْنى جَعَلَ السَّبْتَ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمَهُ، وتَرْكَ الِاصْطِيادِ فِيهِ؛ انْتَهى. وهو كَلامٌ مُلَفَّقٌ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ قَبْلَهُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: عُدِّيَّ جَعَلَ بِعَلى، لِأنَّ اليَوْمَ صارَ عَلَيْهِمْ لا لَهم، لِارْتِكابِهِمُ المَعاصِيَ فِيهِ؛ انْتَهى. ولِهَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ. وقالَ الحَسَنُ: جُعِلَ السَّبْتُ لَعْنَةً عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ: ذَرُوا الأعْمالَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ وتَفَرَّغُوا فِيهِ لِعِبادَتِي، فَقالُوا: نُرِيدُ السَّبْتَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَغَ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو أوْلى بِالرّاحَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: جَعَلَ بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ: أنَّهُما قَرَءا إنَّما أنْزَلْنا السَّبْتَ، وهي تَفْسِيرُ مَعْنًى لا قِراءَةٍ، لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، ولِما اسْتَفاضَ عَنِ الأعْمَشِ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما قَرَءا كالجَماعَةِ.

النحل 16:122

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (p-٥٤٧)لَمّا أبْطَلَ تَعالى مَذاهِبَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن إثْباتِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، والطَّعْنِ في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ، وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ، وكانُوا مُفْتَخِرِينَ بِجَدِّهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُقِرِّينَ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ ووُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، ذَكَرَهُ في آخِرِ السُّورَةِ وأوْضَحَ مِنهاجَهُ، وما كانَ عَلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ورَفْضِ الأصْنامِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ حامِلًا لَهم عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وأيْضًا فَلَمّا جَرى ذِكْرُ اليَهُودِ بَيْنَ طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ حالِهِ وحالِهِمْ، وحالِ قُرَيْشٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: سُمِّيَ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً ما. وفي البُخارِيِّ «أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرُكِ» . والأُمَّةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْن مَعانٍ مِنها: الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الصّائِمُ، أوْ المَلِكُ، أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ عَنِ النّاسِ فَسُمِّيَ أُمَّةً، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ ما كانَ عِنْدَ أُمَّةٍ، ومِن هُنا أخَذَ الحَسَنُ بْنُ هانِئٍ قَوْلَهُ: ؎ولَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وأطْلَقَ هو وعُمَرُ ذَلِكَ عَلى مُعاذٍ فَقالَ: كانَ أُمَّةً قانِتًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ رُحَمَةٌ، وعَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، يَقْصِدُونَ بِالتَّأْنِيثِ التَّناهِيَ في المَعْنى المَوْصُوفِ بِهِ. وقِيلَ: الأُمَّةُ: الإمامُ الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، مِن أمَّ يَؤُمُّ، والمَفْعُولُ قَدْ يُبْنى لِلْكَثْرَةِ عَلى فُعَلَةٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القانِتِ، والحَنِيفِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾: رُوِيَ أنَّهُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ، فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداهُ، فَإذا هو بِفَوْجٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ، فَدَعاهم إلى الطَّعامِ، فَخُيِّلُوا أنَّ بِهِمْ جُذامًا فَقالَ: الآنَ وجَبَتْ مُؤاكَلَتُكم، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى أنَّهُ عافانِي وابْتَلاكم. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾، قالَ قَتادَةُ: حَبَّبَهُ اللَّهُ تَعالى إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَكُلُّ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَهُ اليَهُودُ والنَّصارى والمُسْلِمُونَ، وخُصُوصًا كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَإنَّ فَخْرَهم إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وقِيلَ: الحَسَنَةُ: قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الذِّكْرُ الحَسَنُ. وقالَ الحَسَنُ: النُّبُوَّةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِسانُ صِدْقٍ. وقالَ قَتادَةُ: القَبُولُ، وعَنْهُ تَنْوِيهُ اللَّهِ بِذِكْرِهِ. وقِيلَ: الأوْلادُ الأبْرارُ عَلى الكِبَرِ. وقِيلَ: المالُ يَصْرِفُهُ في الخَيْرِ والبِرِّ. (وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ، ولَمّا وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُ، وهَذا الأمْرُ مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللَّهُ إبْراهِيمَ في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: وأمَرَ الفاضِلَ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ، لَمّا كانَ سابِقًا إلى قَوْلِ الصَّوابِ والعَمَلِ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ أوْحَيْنا في (ثُمَّ) هَذِهِ ما فِيها مِن تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِ مَحَلِّهِ، والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ، مِن قَبْلِ أنَّها عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ النُّعُوتِ الَّتِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْها بِها؛ انْتَهى. وأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ. واتِّباعِ مِلَّتِهِ؛ قالَ قَتادَةُ: في الإسْلامِ، وعَنْهُ أيْضًا: جَمِيعَ مِلَّتِهِ إلّا ما أُمِرَ بِتَرْكِهِ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ: مَناسِكُ الحَجِّ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ عَقائِدُ الشَّرْعِ دُونَ الفُرُوعِ لِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وقِيلَ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ. وقالَ قَوْمٌ كانَ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ يَنْفَرِدُ بِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ مِن بَعْثَتِهِ إحْياءُ (p-٥٤٨)شَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ وصَفَ إبْراهِيمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا قالَ: اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، كانَ المُرادُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ بِناءً عَلى الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتابِعًا لَهُ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ قَوْلِهِ: أنِ اتَّبِعْ، عَلى هَذا المَعْنى، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها. (قُلْتُ): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُتابَعَتَهُ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ، وهي أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسُّهُولَةِ، وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْد أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ؛ انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا، لِأنَّ المُعْتَقَدَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ دَلائِلُ العُقُولِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُوحى لِتَظافُرِ المَعْقُولِ والمَنقُولِ عَلى اعْتِقادِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] فَلَيْسَ اعْتِقادَ الوَحْدانِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الوَحْيِ فَقَطْ، وإنَّما تَظافُرُ المَنقُولِ عَنِ اللَّهِ في ذَلِكَ مَعَ دَلِيلِ العَقْلِ. وكَذَلِكَ هُنا أخْبَرَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا، وأمَرَ الرَّسُولَ بِاتِّباعِهِ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ انْتِفاءُ الشِّرْكِ لَيْسَ مُسْتَنَدُهُ مُجَرَّدَ الوَحْيِ، بَلِ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ والدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ تَظافَرا عَلى ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ - يَعْنِي حَنِيفًا - حالًا مِنَ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ لِأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيها حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا؛ انْتَهى. أمّا ما حُكِيَ عَنْ مَكِّيٍّ وتَعْلِيلِهِ امْتِناعَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُضافًا إلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلى إطْلاقِ هَذا التَّعْلِيلِ لِأنَّهُ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ في مَحَلِّ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ، جازَتِ الحالُ مِنهُ نَحْوَ: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ مُسْرِعًا، وشُرْبُ السَّوِيقِ مَلْتُوتًا. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: ويَجُوزُ أيْضًا ذَلِكَ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾ [الحجر: ٤٧] أوْ كالجُزْءِ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] وقَدْ بَيَّنّا الصَّحِيحَ في ذَلِكَ فِيما كَتَبْناهُ عَلى التَّسْهِيلِ، وعَلى الألْفِيَّةِ لِابْنِ مالِكٍ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ في رَدِّهِ عَلى مَكِّيٍّ بِقَوْلِهِ: ولَيْسَ كَما قالَ، لِأنَّ الحالَ إلى آخِرِهِ، فَقَوْلٌ بَعِيدٌ عَنْ قَوْلِ أهْلِ الصَّنْعَةِ، لِأنَّ الباءَ في (بِزَيْدٍ) لَيْسَتْ هي العامِلَةَ في قائِمًا، وإنَّما العامِلُ في الحالِ مَرَرْتُ، والباءُ وإنْ عَمِلَتِ الجَرَّ في زَيْدٍ فَإنَّ زَيْدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَرَرْتُ، وكَذَلِكَ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ حَيْثُ يَجُوزُ حَذْفُهُ نَصَبَ الفِعْلُ ذَلِكَ الِاسْمَ الَّذِي كانَ مَجْرُورًا بِالحَرْفِ. ولَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولُهُ ﷺ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ الرَّسُولُ قَدِ اخْتارَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ في شَرْعِ إبْراهِيمَ، بَيَّنَ أنَّ يَوْمَ السَّبْتِ لَمْ يَكُنْ تَعْظِيمُهُ، واتِّخاذُهُ لِلْعِبادَةِ مِن شَرْعِ إبْراهِيمَ ولا دِينِهِ، والسَّبْتُ مَصْدَرٌ، وبِهِ سُمِّي اليَوْمُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا اللَّفْظِ في الأعْرافِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها، والمَعْنى: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، واخْتِلافُهم فِيهِ: أنَّهم أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ تارَةً، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا في تَحْرِيمِهِ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَما حَتَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبْرَ عَنِ الصَّيْدِ فِيهِ، والمَعْنى في ذِكْرِ ذَلِكَ نَحْوَ المَعْنى في: ضَرْبِ القَرْيَةِ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ مَثَلًا، وغَيْرِ ما ذُكِرَ وهو الإنْذارُ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَلى العُصاةِ والمُخالِفِينَ لِأوامِرِهِ والخالِعِينَ رِبْقَةَ طاعَتِهِ. (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى الحُكْمِ بَيْنَهم إذا كانُوا جَمِيعًا مُحِلِّينَ أوْ مُحَرِّمِينَ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ أنَّهُ يُجازِيهِمْ جَزاءَ اخْتِلافِ فِعْلِهِمْ في كَوْنِهِمْ مُحَلِّينَ تارَةً ومُحْرِمِينَ أُخْرى، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم أنْ يَجْعَلُوا في الأُسْبُوعِ يَوْمًا لِلْعِبادَةِ، وأنْ يَكُونَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ وقالُوا: نُرِيدُ اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو السَّبْتُ، إلّا شِرْذِمَةً مِنهم قَدْ رَضُوا بِالجُمُعَةِ، فَهَذا اخْتِلافُهم في السَّبْتِ، لِأنَّ بَعْضَهُمُ اخْتارَهُ، وبَعْضَهُمُ اخْتارَ عَلَيْهِ الجُمُعَةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم في السَّبْتِ، وابْتَلاهم بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ فِيهِ، فَأطاعَ أمْرَ اللَّهِ الرّاضُونَ بِالجُمُعَةِ فَكانُوا لا يَصِيدُونَ، وأعْقابُهم لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الصَّيْدِ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ دُونَ أُولَئِكَ. (p-٥٤٩)وهُوَ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُجازِي كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِما يَسْتَوْجِبُهُ. ومَعْنى جَعَلَ السَّبْتَ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمَهُ، وتَرْكَ الِاصْطِيادِ فِيهِ؛ انْتَهى. وهو كَلامٌ مُلَفَّقٌ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ قَبْلَهُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: عُدِّيَّ جَعَلَ بِعَلى، لِأنَّ اليَوْمَ صارَ عَلَيْهِمْ لا لَهم، لِارْتِكابِهِمُ المَعاصِيَ فِيهِ؛ انْتَهى. ولِهَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ. وقالَ الحَسَنُ: جُعِلَ السَّبْتُ لَعْنَةً عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ: ذَرُوا الأعْمالَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ وتَفَرَّغُوا فِيهِ لِعِبادَتِي، فَقالُوا: نُرِيدُ السَّبْتَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَغَ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو أوْلى بِالرّاحَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: جَعَلَ بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ: أنَّهُما قَرَءا إنَّما أنْزَلْنا السَّبْتَ، وهي تَفْسِيرُ مَعْنًى لا قِراءَةٍ، لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، ولِما اسْتَفاضَ عَنِ الأعْمَشِ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما قَرَءا كالجَماعَةِ.

النحل 16:123

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (p-٥٤٧)لَمّا أبْطَلَ تَعالى مَذاهِبَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن إثْباتِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، والطَّعْنِ في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ، وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ، وكانُوا مُفْتَخِرِينَ بِجَدِّهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُقِرِّينَ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ ووُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، ذَكَرَهُ في آخِرِ السُّورَةِ وأوْضَحَ مِنهاجَهُ، وما كانَ عَلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ورَفْضِ الأصْنامِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ حامِلًا لَهم عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وأيْضًا فَلَمّا جَرى ذِكْرُ اليَهُودِ بَيْنَ طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ حالِهِ وحالِهِمْ، وحالِ قُرَيْشٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: سُمِّيَ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً ما. وفي البُخارِيِّ «أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرُكِ» . والأُمَّةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْن مَعانٍ مِنها: الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الصّائِمُ، أوْ المَلِكُ، أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ عَنِ النّاسِ فَسُمِّيَ أُمَّةً، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ ما كانَ عِنْدَ أُمَّةٍ، ومِن هُنا أخَذَ الحَسَنُ بْنُ هانِئٍ قَوْلَهُ: ؎ولَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وأطْلَقَ هو وعُمَرُ ذَلِكَ عَلى مُعاذٍ فَقالَ: كانَ أُمَّةً قانِتًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ رُحَمَةٌ، وعَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، يَقْصِدُونَ بِالتَّأْنِيثِ التَّناهِيَ في المَعْنى المَوْصُوفِ بِهِ. وقِيلَ: الأُمَّةُ: الإمامُ الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، مِن أمَّ يَؤُمُّ، والمَفْعُولُ قَدْ يُبْنى لِلْكَثْرَةِ عَلى فُعَلَةٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القانِتِ، والحَنِيفِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾: رُوِيَ أنَّهُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ، فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداهُ، فَإذا هو بِفَوْجٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ، فَدَعاهم إلى الطَّعامِ، فَخُيِّلُوا أنَّ بِهِمْ جُذامًا فَقالَ: الآنَ وجَبَتْ مُؤاكَلَتُكم، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى أنَّهُ عافانِي وابْتَلاكم. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾، قالَ قَتادَةُ: حَبَّبَهُ اللَّهُ تَعالى إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَكُلُّ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَهُ اليَهُودُ والنَّصارى والمُسْلِمُونَ، وخُصُوصًا كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَإنَّ فَخْرَهم إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وقِيلَ: الحَسَنَةُ: قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الذِّكْرُ الحَسَنُ. وقالَ الحَسَنُ: النُّبُوَّةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِسانُ صِدْقٍ. وقالَ قَتادَةُ: القَبُولُ، وعَنْهُ تَنْوِيهُ اللَّهِ بِذِكْرِهِ. وقِيلَ: الأوْلادُ الأبْرارُ عَلى الكِبَرِ. وقِيلَ: المالُ يَصْرِفُهُ في الخَيْرِ والبِرِّ. (وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ، ولَمّا وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُ، وهَذا الأمْرُ مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللَّهُ إبْراهِيمَ في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: وأمَرَ الفاضِلَ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ، لَمّا كانَ سابِقًا إلى قَوْلِ الصَّوابِ والعَمَلِ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ أوْحَيْنا في (ثُمَّ) هَذِهِ ما فِيها مِن تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِ مَحَلِّهِ، والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ، مِن قَبْلِ أنَّها عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ النُّعُوتِ الَّتِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْها بِها؛ انْتَهى. وأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ. واتِّباعِ مِلَّتِهِ؛ قالَ قَتادَةُ: في الإسْلامِ، وعَنْهُ أيْضًا: جَمِيعَ مِلَّتِهِ إلّا ما أُمِرَ بِتَرْكِهِ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ: مَناسِكُ الحَجِّ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ عَقائِدُ الشَّرْعِ دُونَ الفُرُوعِ لِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وقِيلَ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ. وقالَ قَوْمٌ كانَ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ يَنْفَرِدُ بِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ مِن بَعْثَتِهِ إحْياءُ (p-٥٤٨)شَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ وصَفَ إبْراهِيمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا قالَ: اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، كانَ المُرادُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ بِناءً عَلى الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتابِعًا لَهُ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ قَوْلِهِ: أنِ اتَّبِعْ، عَلى هَذا المَعْنى، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها. (قُلْتُ): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُتابَعَتَهُ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ، وهي أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسُّهُولَةِ، وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْد أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ؛ انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا، لِأنَّ المُعْتَقَدَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ دَلائِلُ العُقُولِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُوحى لِتَظافُرِ المَعْقُولِ والمَنقُولِ عَلى اعْتِقادِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] فَلَيْسَ اعْتِقادَ الوَحْدانِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الوَحْيِ فَقَطْ، وإنَّما تَظافُرُ المَنقُولِ عَنِ اللَّهِ في ذَلِكَ مَعَ دَلِيلِ العَقْلِ. وكَذَلِكَ هُنا أخْبَرَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا، وأمَرَ الرَّسُولَ بِاتِّباعِهِ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ انْتِفاءُ الشِّرْكِ لَيْسَ مُسْتَنَدُهُ مُجَرَّدَ الوَحْيِ، بَلِ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ والدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ تَظافَرا عَلى ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ - يَعْنِي حَنِيفًا - حالًا مِنَ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ لِأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيها حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا؛ انْتَهى. أمّا ما حُكِيَ عَنْ مَكِّيٍّ وتَعْلِيلِهِ امْتِناعَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُضافًا إلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلى إطْلاقِ هَذا التَّعْلِيلِ لِأنَّهُ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ في مَحَلِّ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ، جازَتِ الحالُ مِنهُ نَحْوَ: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ مُسْرِعًا، وشُرْبُ السَّوِيقِ مَلْتُوتًا. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: ويَجُوزُ أيْضًا ذَلِكَ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾ [الحجر: ٤٧] أوْ كالجُزْءِ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] وقَدْ بَيَّنّا الصَّحِيحَ في ذَلِكَ فِيما كَتَبْناهُ عَلى التَّسْهِيلِ، وعَلى الألْفِيَّةِ لِابْنِ مالِكٍ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ في رَدِّهِ عَلى مَكِّيٍّ بِقَوْلِهِ: ولَيْسَ كَما قالَ، لِأنَّ الحالَ إلى آخِرِهِ، فَقَوْلٌ بَعِيدٌ عَنْ قَوْلِ أهْلِ الصَّنْعَةِ، لِأنَّ الباءَ في (بِزَيْدٍ) لَيْسَتْ هي العامِلَةَ في قائِمًا، وإنَّما العامِلُ في الحالِ مَرَرْتُ، والباءُ وإنْ عَمِلَتِ الجَرَّ في زَيْدٍ فَإنَّ زَيْدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَرَرْتُ، وكَذَلِكَ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ حَيْثُ يَجُوزُ حَذْفُهُ نَصَبَ الفِعْلُ ذَلِكَ الِاسْمَ الَّذِي كانَ مَجْرُورًا بِالحَرْفِ. ولَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولُهُ ﷺ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ الرَّسُولُ قَدِ اخْتارَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ في شَرْعِ إبْراهِيمَ، بَيَّنَ أنَّ يَوْمَ السَّبْتِ لَمْ يَكُنْ تَعْظِيمُهُ، واتِّخاذُهُ لِلْعِبادَةِ مِن شَرْعِ إبْراهِيمَ ولا دِينِهِ، والسَّبْتُ مَصْدَرٌ، وبِهِ سُمِّي اليَوْمُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا اللَّفْظِ في الأعْرافِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها، والمَعْنى: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، واخْتِلافُهم فِيهِ: أنَّهم أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ تارَةً، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا في تَحْرِيمِهِ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَما حَتَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبْرَ عَنِ الصَّيْدِ فِيهِ، والمَعْنى في ذِكْرِ ذَلِكَ نَحْوَ المَعْنى في: ضَرْبِ القَرْيَةِ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ مَثَلًا، وغَيْرِ ما ذُكِرَ وهو الإنْذارُ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَلى العُصاةِ والمُخالِفِينَ لِأوامِرِهِ والخالِعِينَ رِبْقَةَ طاعَتِهِ. (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى الحُكْمِ بَيْنَهم إذا كانُوا جَمِيعًا مُحِلِّينَ أوْ مُحَرِّمِينَ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ أنَّهُ يُجازِيهِمْ جَزاءَ اخْتِلافِ فِعْلِهِمْ في كَوْنِهِمْ مُحَلِّينَ تارَةً ومُحْرِمِينَ أُخْرى، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم أنْ يَجْعَلُوا في الأُسْبُوعِ يَوْمًا لِلْعِبادَةِ، وأنْ يَكُونَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ وقالُوا: نُرِيدُ اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو السَّبْتُ، إلّا شِرْذِمَةً مِنهم قَدْ رَضُوا بِالجُمُعَةِ، فَهَذا اخْتِلافُهم في السَّبْتِ، لِأنَّ بَعْضَهُمُ اخْتارَهُ، وبَعْضَهُمُ اخْتارَ عَلَيْهِ الجُمُعَةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم في السَّبْتِ، وابْتَلاهم بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ فِيهِ، فَأطاعَ أمْرَ اللَّهِ الرّاضُونَ بِالجُمُعَةِ فَكانُوا لا يَصِيدُونَ، وأعْقابُهم لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الصَّيْدِ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ دُونَ أُولَئِكَ. (p-٥٤٩)وهُوَ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُجازِي كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِما يَسْتَوْجِبُهُ. ومَعْنى جَعَلَ السَّبْتَ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمَهُ، وتَرْكَ الِاصْطِيادِ فِيهِ؛ انْتَهى. وهو كَلامٌ مُلَفَّقٌ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ قَبْلَهُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: عُدِّيَّ جَعَلَ بِعَلى، لِأنَّ اليَوْمَ صارَ عَلَيْهِمْ لا لَهم، لِارْتِكابِهِمُ المَعاصِيَ فِيهِ؛ انْتَهى. ولِهَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ. وقالَ الحَسَنُ: جُعِلَ السَّبْتُ لَعْنَةً عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ: ذَرُوا الأعْمالَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ وتَفَرَّغُوا فِيهِ لِعِبادَتِي، فَقالُوا: نُرِيدُ السَّبْتَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَغَ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو أوْلى بِالرّاحَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: جَعَلَ بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ: أنَّهُما قَرَءا إنَّما أنْزَلْنا السَّبْتَ، وهي تَفْسِيرُ مَعْنًى لا قِراءَةٍ، لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، ولِما اسْتَفاضَ عَنِ الأعْمَشِ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما قَرَءا كالجَماعَةِ.

النحل 16:124

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (p-٥٤٧)لَمّا أبْطَلَ تَعالى مَذاهِبَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن إثْباتِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، والطَّعْنِ في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ، وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ، وكانُوا مُفْتَخِرِينَ بِجَدِّهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُقِرِّينَ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ ووُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، ذَكَرَهُ في آخِرِ السُّورَةِ وأوْضَحَ مِنهاجَهُ، وما كانَ عَلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ورَفْضِ الأصْنامِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ حامِلًا لَهم عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وأيْضًا فَلَمّا جَرى ذِكْرُ اليَهُودِ بَيْنَ طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ حالِهِ وحالِهِمْ، وحالِ قُرَيْشٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: سُمِّيَ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً ما. وفي البُخارِيِّ «أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرُكِ» . والأُمَّةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْن مَعانٍ مِنها: الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الصّائِمُ، أوْ المَلِكُ، أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ عَنِ النّاسِ فَسُمِّيَ أُمَّةً، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ ما كانَ عِنْدَ أُمَّةٍ، ومِن هُنا أخَذَ الحَسَنُ بْنُ هانِئٍ قَوْلَهُ: ؎ولَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وأطْلَقَ هو وعُمَرُ ذَلِكَ عَلى مُعاذٍ فَقالَ: كانَ أُمَّةً قانِتًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ رُحَمَةٌ، وعَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، يَقْصِدُونَ بِالتَّأْنِيثِ التَّناهِيَ في المَعْنى المَوْصُوفِ بِهِ. وقِيلَ: الأُمَّةُ: الإمامُ الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، مِن أمَّ يَؤُمُّ، والمَفْعُولُ قَدْ يُبْنى لِلْكَثْرَةِ عَلى فُعَلَةٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القانِتِ، والحَنِيفِ. ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾: رُوِيَ أنَّهُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ، فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداهُ، فَإذا هو بِفَوْجٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ، فَدَعاهم إلى الطَّعامِ، فَخُيِّلُوا أنَّ بِهِمْ جُذامًا فَقالَ: الآنَ وجَبَتْ مُؤاكَلَتُكم، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى أنَّهُ عافانِي وابْتَلاكم. ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾، قالَ قَتادَةُ: حَبَّبَهُ اللَّهُ تَعالى إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَكُلُّ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَهُ اليَهُودُ والنَّصارى والمُسْلِمُونَ، وخُصُوصًا كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَإنَّ فَخْرَهم إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ. ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وقِيلَ: الحَسَنَةُ: قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الذِّكْرُ الحَسَنُ. وقالَ الحَسَنُ: النُّبُوَّةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِسانُ صِدْقٍ. وقالَ قَتادَةُ: القَبُولُ، وعَنْهُ تَنْوِيهُ اللَّهِ بِذِكْرِهِ. وقِيلَ: الأوْلادُ الأبْرارُ عَلى الكِبَرِ. وقِيلَ: المالُ يَصْرِفُهُ في الخَيْرِ والبِرِّ. (وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ، ولَمّا وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُ، وهَذا الأمْرُ مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللَّهُ إبْراهِيمَ في الدُّنْيا. قالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: وأمَرَ الفاضِلَ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ، لَمّا كانَ سابِقًا إلى قَوْلِ الصَّوابِ والعَمَلِ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ أوْحَيْنا في (ثُمَّ) هَذِهِ ما فِيها مِن تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِ مَحَلِّهِ، والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ، مِن قَبْلِ أنَّها عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ النُّعُوتِ الَّتِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْها بِها؛ انْتَهى. وأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ. واتِّباعِ مِلَّتِهِ؛ قالَ قَتادَةُ: في الإسْلامِ، وعَنْهُ أيْضًا: جَمِيعَ مِلَّتِهِ إلّا ما أُمِرَ بِتَرْكِهِ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ: مَناسِكُ الحَجِّ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ عَقائِدُ الشَّرْعِ دُونَ الفُرُوعِ لِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وقِيلَ: في التَّبَرِّي مِنَ الأوْثانِ. وقالَ قَوْمٌ كانَ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ يَنْفَرِدُ بِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ مِن بَعْثَتِهِ إحْياءُ (p-٥٤٨)شَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ وصَفَ إبْراهِيمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا قالَ: اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، كانَ المُرادُ ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ بِناءً عَلى الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتابِعًا لَهُ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ قَوْلِهِ: أنِ اتَّبِعْ، عَلى هَذا المَعْنى، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها. (قُلْتُ): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُتابَعَتَهُ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ، وهي أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسُّهُولَةِ، وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْد أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ؛ انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا، لِأنَّ المُعْتَقَدَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ دَلائِلُ العُقُولِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُوحى لِتَظافُرِ المَعْقُولِ والمَنقُولِ عَلى اعْتِقادِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] فَلَيْسَ اعْتِقادَ الوَحْدانِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الوَحْيِ فَقَطْ، وإنَّما تَظافُرُ المَنقُولِ عَنِ اللَّهِ في ذَلِكَ مَعَ دَلِيلِ العَقْلِ. وكَذَلِكَ هُنا أخْبَرَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا، وأمَرَ الرَّسُولَ بِاتِّباعِهِ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ انْتِفاءُ الشِّرْكِ لَيْسَ مُسْتَنَدُهُ مُجَرَّدَ الوَحْيِ، بَلِ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ والدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ تَظافَرا عَلى ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ - يَعْنِي حَنِيفًا - حالًا مِنَ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ لِأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيها حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا؛ انْتَهى. أمّا ما حُكِيَ عَنْ مَكِّيٍّ وتَعْلِيلِهِ امْتِناعَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُضافًا إلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلى إطْلاقِ هَذا التَّعْلِيلِ لِأنَّهُ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ في مَحَلِّ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ، جازَتِ الحالُ مِنهُ نَحْوَ: يُعْجِبُنِي قِيامُ زَيْدٍ مُسْرِعًا، وشُرْبُ السَّوِيقِ مَلْتُوتًا. وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: ويَجُوزُ أيْضًا ذَلِكَ إذا كانَ المُضافُ جُزْءًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾ [الحجر: ٤٧] أوْ كالجُزْءِ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] وقَدْ بَيَّنّا الصَّحِيحَ في ذَلِكَ فِيما كَتَبْناهُ عَلى التَّسْهِيلِ، وعَلى الألْفِيَّةِ لِابْنِ مالِكٍ. وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ في رَدِّهِ عَلى مَكِّيٍّ بِقَوْلِهِ: ولَيْسَ كَما قالَ، لِأنَّ الحالَ إلى آخِرِهِ، فَقَوْلٌ بَعِيدٌ عَنْ قَوْلِ أهْلِ الصَّنْعَةِ، لِأنَّ الباءَ في (بِزَيْدٍ) لَيْسَتْ هي العامِلَةَ في قائِمًا، وإنَّما العامِلُ في الحالِ مَرَرْتُ، والباءُ وإنْ عَمِلَتِ الجَرَّ في زَيْدٍ فَإنَّ زَيْدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمَرَرْتُ، وكَذَلِكَ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ حَيْثُ يَجُوزُ حَذْفُهُ نَصَبَ الفِعْلُ ذَلِكَ الِاسْمَ الَّذِي كانَ مَجْرُورًا بِالحَرْفِ. ولَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولُهُ ﷺ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ الرَّسُولُ قَدِ اخْتارَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ في شَرْعِ إبْراهِيمَ، بَيَّنَ أنَّ يَوْمَ السَّبْتِ لَمْ يَكُنْ تَعْظِيمُهُ، واتِّخاذُهُ لِلْعِبادَةِ مِن شَرْعِ إبْراهِيمَ ولا دِينِهِ، والسَّبْتُ مَصْدَرٌ، وبِهِ سُمِّي اليَوْمُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا اللَّفْظِ في الأعْرافِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها، والمَعْنى: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، واخْتِلافُهم فِيهِ: أنَّهم أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ تارَةً، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا في تَحْرِيمِهِ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَما حَتَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبْرَ عَنِ الصَّيْدِ فِيهِ، والمَعْنى في ذِكْرِ ذَلِكَ نَحْوَ المَعْنى في: ضَرْبِ القَرْيَةِ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ مَثَلًا، وغَيْرِ ما ذُكِرَ وهو الإنْذارُ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَلى العُصاةِ والمُخالِفِينَ لِأوامِرِهِ والخالِعِينَ رِبْقَةَ طاعَتِهِ. (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى الحُكْمِ بَيْنَهم إذا كانُوا جَمِيعًا مُحِلِّينَ أوْ مُحَرِّمِينَ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ أنَّهُ يُجازِيهِمْ جَزاءَ اخْتِلافِ فِعْلِهِمْ في كَوْنِهِمْ مُحَلِّينَ تارَةً ومُحْرِمِينَ أُخْرى، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم أنْ يَجْعَلُوا في الأُسْبُوعِ يَوْمًا لِلْعِبادَةِ، وأنْ يَكُونَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَأبَوْا عَلَيْهِ وقالُوا: نُرِيدُ اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو السَّبْتُ، إلّا شِرْذِمَةً مِنهم قَدْ رَضُوا بِالجُمُعَةِ، فَهَذا اخْتِلافُهم في السَّبْتِ، لِأنَّ بَعْضَهُمُ اخْتارَهُ، وبَعْضَهُمُ اخْتارَ عَلَيْهِ الجُمُعَةَ، فَأذِنَ اللَّهُ لَهم في السَّبْتِ، وابْتَلاهم بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ فِيهِ، فَأطاعَ أمْرَ اللَّهِ الرّاضُونَ بِالجُمُعَةِ فَكانُوا لا يَصِيدُونَ، وأعْقابُهم لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الصَّيْدِ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ دُونَ أُولَئِكَ. (p-٥٤٩)وهُوَ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُجازِي كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِما يَسْتَوْجِبُهُ. ومَعْنى جَعَلَ السَّبْتَ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمَهُ، وتَرْكَ الِاصْطِيادِ فِيهِ؛ انْتَهى. وهو كَلامٌ مُلَفَّقٌ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ قَبْلَهُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: عُدِّيَّ جَعَلَ بِعَلى، لِأنَّ اليَوْمَ صارَ عَلَيْهِمْ لا لَهم، لِارْتِكابِهِمُ المَعاصِيَ فِيهِ؛ انْتَهى. ولِهَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ. وقالَ الحَسَنُ: جُعِلَ السَّبْتُ لَعْنَةً عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ: ذَرُوا الأعْمالَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ وتَفَرَّغُوا فِيهِ لِعِبادَتِي، فَقالُوا: نُرِيدُ السَّبْتَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَغَ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو أوْلى بِالرّاحَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: جَعَلَ بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ: أنَّهُما قَرَءا إنَّما أنْزَلْنا السَّبْتَ، وهي تَفْسِيرُ مَعْنًى لا قِراءَةٍ، لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِسَوادِ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، ولِما اسْتَفاضَ عَنِ الأعْمَشِ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما قَرَءا كالجَماعَةِ.

النحل 16:125

﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾: أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَدْعُوَ إلى دِينِ اللَّهِ وشَرْعِهِ بِتَلَطُّفٍ، وهو أنْ يَسْمَعَ المَدْعُوُّ حُكْمَهُ، وهو الكَلامُ الصَّوابُ القَرِيبُ الواقِعُ مِنَ النَّفْسِ أجْمَلَ مَوْقِعٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الحِكْمَةَ: القُرْآنُ، وعَنْهُ: الفِقْهُ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: ما يَمْنَعُ مِنَ الفَسادِ مِن آياتِ رَبِّكَ المُرَغِّبَةِ والمُرَهِّبَةِ. والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: مَواعِظُ القُرْآنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: الأدَبُ الجَمِيلُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي العِبَرُ المَعْدُودَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الحِكْمَةُ المَعْرُوفَةُ بِمَراتِبِ الأفْعالِ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: أنْ تَخْتَلِطَ الرَّغْبَةُ بِالرَّهْبَةِ، والإنْذارُ بِالبِشارَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلى سَبِيلِ رَبِّكَ: الإسْلامِ، بِالحِكْمَةِ: بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، وهي الدَّلِيلُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ المُزِيلِ لِلشُّبْهَةِ، والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وهي الَّتِي لا تَخْفى عَلَيْهِمْ إنَّكَ تُناصِحُهم بِها وتَقْصِدُ ما يَنْفَعُهم فِيها، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ القُرْآنَ؛ أيِ: ادْعُهم بِالكِتابِ الَّذِي هو حِكْمَةٌ ومَوْعِظَةٌ حَسَنَةٌ، وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ مِن غَيْرِ فَظاظَةٍ ولا تَعْنِيفٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: التَّخْوِيفُ والتَّرْجِئَةُ والتَّلَطُّفُ بِالإنْسانِ بِأنْ تُجِلَّهُ وتُنَشِّطَهُ، وتَجْعَلَهُ بِصُورَةِ مَن يَقْبَلُ الفَضائِلَ ونَحْوَ هَذا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُحْكَمَةٌ. ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أطْبَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وغَيْرِهِ في يَوْمِ أُحُدٍ، ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وفي كِتابِ السِّيَرِ. وذَهَبَ النَّحّاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَها اتِّصالًا حَسَنًا، لِأنَّها تَتَدَرَّجُ الذَّنْبَ مِنَ الَّذِي يَدَّعِي، وتُوعَظُ إلى الَّذِي يُجادِلُ، إلى الَّذِي يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولَكِنْ ما رَوى الجُمْهُورُ أثْبَتُ؛ انْتَهى. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ ومُجاهِدٌ: إلى أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ الأمْثَلُ ظُلامَتَهُ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وسَمّى المُجازاةَ عَلى الذَّنْبِ مُعاقَبَةً لِأجْلِ المُقابَلَةِ، والمَعْنى: قابِلُوا مَن صَنَعَ بِكم صَنِيعَ سُوءٍ بِمِثْلِهِ، وهو عَكْسُ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] . المَجازُ في الثّانِي وفي: وإنْ عاقَبْتُمْ في الأوَّلِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: وإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا، بِتَشْدِيدِ القافَيْنِ؛ أيْ: وإنْ قَفَّيْتُمْ بِالِانْتِصارِ فَقَفُّوا بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مُبْتَدَأً بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ؛ أيْ: لِصَبْرِكم ولِلصّابِرِينَ؛ أيْ: لَكم أيُّها المُخاطَبُونَ، فَوَضَعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِصَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ، وبِصَبْرِهِمْ عَلى المُعاقَبَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ إلى جِنْسِ الصَّبْرِ، ويُرادُ بِالصّابِرِينَ جِنْسُهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والصَّبْرُ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ، فَيَنْدَرِجُ صَبْرُ المُخاطَبِينَ في الصَّبْرِ، ويَنْدَرِجُونَ هم في الصّابِرِينَ. ونَحْوُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] (p-٥٥٠)ولَمّا خُيِّرَ المُخاطَبُونَ في المُعاقَبَةِ والصَّبْرِ عَنْها عَزَمَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في الَّذِي هو خَيْرٌ وهو الصَّبْرُ، فَأُمِرَ هو وحْدَهُ بِالصَّبْرِ. ومَعْنى بِاللَّهِ: بِتَوْفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ وإرادَتِهِ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِمْ) يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، وكَذَلِكَ في يَمْكُرُونَ كَما قالَ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] وقِيلَ: يَعُودُ عَلى القَتْلى المُمَثَّلِ بِهِمْ؛ حَمْزَةَ، ومَن مُثِّلَ بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في ضَيْقٍ، بِفَتْحِ الضّادِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، ولا يَصِحُّ عَنْهُ، وهُما مَصْدَرانِ كالقِيلِ والقَوْلِ عِنْدَ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِفَتْحِ الضّادِ مُخَفَّفٌ مِن ضَيِّقٍ؛ أيْ: ولا تَكُ في أمْرٍ ضَيِّقٍ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الصَّوابُ أنْ يَكُونَ الضَّيْقُ لُغَةً في المَصْدَرِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ لَزِمَ أنْ تُقامَ الصِّفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذَلِكَ، والصِّفَةُ إنَّما تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ مِن نَفْسِ الصِّفَةِ كَما تَقُولُ: رَأيْتُ ضاحِكًا، فَإنَّما تُخَصِّصُ الإنْسانَ. ولَوْ قُلْتَ: رَأيْتُ بارِدًا لَمْ يَحْسُنْ، وبِبارِدٍ مِثْلَ سِيبَوَيْهِ وضَيِّقٌ لا يُخَصِّصُ المَوْصُوفَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ ما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ مَنسُوخٌ، ومَعْنى المَعِيَّةِ هُنا بِالنُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ والإعانَةِ.

النحل 16:126

﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾: أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَدْعُوَ إلى دِينِ اللَّهِ وشَرْعِهِ بِتَلَطُّفٍ، وهو أنْ يَسْمَعَ المَدْعُوُّ حُكْمَهُ، وهو الكَلامُ الصَّوابُ القَرِيبُ الواقِعُ مِنَ النَّفْسِ أجْمَلَ مَوْقِعٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الحِكْمَةَ: القُرْآنُ، وعَنْهُ: الفِقْهُ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: ما يَمْنَعُ مِنَ الفَسادِ مِن آياتِ رَبِّكَ المُرَغِّبَةِ والمُرَهِّبَةِ. والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: مَواعِظُ القُرْآنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: الأدَبُ الجَمِيلُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي العِبَرُ المَعْدُودَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الحِكْمَةُ المَعْرُوفَةُ بِمَراتِبِ الأفْعالِ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: أنْ تَخْتَلِطَ الرَّغْبَةُ بِالرَّهْبَةِ، والإنْذارُ بِالبِشارَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلى سَبِيلِ رَبِّكَ: الإسْلامِ، بِالحِكْمَةِ: بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، وهي الدَّلِيلُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ المُزِيلِ لِلشُّبْهَةِ، والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وهي الَّتِي لا تَخْفى عَلَيْهِمْ إنَّكَ تُناصِحُهم بِها وتَقْصِدُ ما يَنْفَعُهم فِيها، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ القُرْآنَ؛ أيِ: ادْعُهم بِالكِتابِ الَّذِي هو حِكْمَةٌ ومَوْعِظَةٌ حَسَنَةٌ، وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ مِن غَيْرِ فَظاظَةٍ ولا تَعْنِيفٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: التَّخْوِيفُ والتَّرْجِئَةُ والتَّلَطُّفُ بِالإنْسانِ بِأنْ تُجِلَّهُ وتُنَشِّطَهُ، وتَجْعَلَهُ بِصُورَةِ مَن يَقْبَلُ الفَضائِلَ ونَحْوَ هَذا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُحْكَمَةٌ. ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أطْبَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وغَيْرِهِ في يَوْمِ أُحُدٍ، ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وفي كِتابِ السِّيَرِ. وذَهَبَ النَّحّاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَها اتِّصالًا حَسَنًا، لِأنَّها تَتَدَرَّجُ الذَّنْبَ مِنَ الَّذِي يَدَّعِي، وتُوعَظُ إلى الَّذِي يُجادِلُ، إلى الَّذِي يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولَكِنْ ما رَوى الجُمْهُورُ أثْبَتُ؛ انْتَهى. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ ومُجاهِدٌ: إلى أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ الأمْثَلُ ظُلامَتَهُ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وسَمّى المُجازاةَ عَلى الذَّنْبِ مُعاقَبَةً لِأجْلِ المُقابَلَةِ، والمَعْنى: قابِلُوا مَن صَنَعَ بِكم صَنِيعَ سُوءٍ بِمِثْلِهِ، وهو عَكْسُ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] . المَجازُ في الثّانِي وفي: وإنْ عاقَبْتُمْ في الأوَّلِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: وإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا، بِتَشْدِيدِ القافَيْنِ؛ أيْ: وإنْ قَفَّيْتُمْ بِالِانْتِصارِ فَقَفُّوا بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مُبْتَدَأً بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ؛ أيْ: لِصَبْرِكم ولِلصّابِرِينَ؛ أيْ: لَكم أيُّها المُخاطَبُونَ، فَوَضَعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِصَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ، وبِصَبْرِهِمْ عَلى المُعاقَبَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ إلى جِنْسِ الصَّبْرِ، ويُرادُ بِالصّابِرِينَ جِنْسُهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والصَّبْرُ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ، فَيَنْدَرِجُ صَبْرُ المُخاطَبِينَ في الصَّبْرِ، ويَنْدَرِجُونَ هم في الصّابِرِينَ. ونَحْوُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] (p-٥٥٠)ولَمّا خُيِّرَ المُخاطَبُونَ في المُعاقَبَةِ والصَّبْرِ عَنْها عَزَمَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في الَّذِي هو خَيْرٌ وهو الصَّبْرُ، فَأُمِرَ هو وحْدَهُ بِالصَّبْرِ. ومَعْنى بِاللَّهِ: بِتَوْفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ وإرادَتِهِ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِمْ) يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، وكَذَلِكَ في يَمْكُرُونَ كَما قالَ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] وقِيلَ: يَعُودُ عَلى القَتْلى المُمَثَّلِ بِهِمْ؛ حَمْزَةَ، ومَن مُثِّلَ بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في ضَيْقٍ، بِفَتْحِ الضّادِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، ولا يَصِحُّ عَنْهُ، وهُما مَصْدَرانِ كالقِيلِ والقَوْلِ عِنْدَ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِفَتْحِ الضّادِ مُخَفَّفٌ مِن ضَيِّقٍ؛ أيْ: ولا تَكُ في أمْرٍ ضَيِّقٍ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الصَّوابُ أنْ يَكُونَ الضَّيْقُ لُغَةً في المَصْدَرِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ لَزِمَ أنْ تُقامَ الصِّفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذَلِكَ، والصِّفَةُ إنَّما تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ مِن نَفْسِ الصِّفَةِ كَما تَقُولُ: رَأيْتُ ضاحِكًا، فَإنَّما تُخَصِّصُ الإنْسانَ. ولَوْ قُلْتَ: رَأيْتُ بارِدًا لَمْ يَحْسُنْ، وبِبارِدٍ مِثْلَ سِيبَوَيْهِ وضَيِّقٌ لا يُخَصِّصُ المَوْصُوفَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ ما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ مَنسُوخٌ، ومَعْنى المَعِيَّةِ هُنا بِالنُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ والإعانَةِ.

النحل 16:127

﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾: أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَدْعُوَ إلى دِينِ اللَّهِ وشَرْعِهِ بِتَلَطُّفٍ، وهو أنْ يَسْمَعَ المَدْعُوُّ حُكْمَهُ، وهو الكَلامُ الصَّوابُ القَرِيبُ الواقِعُ مِنَ النَّفْسِ أجْمَلَ مَوْقِعٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الحِكْمَةَ: القُرْآنُ، وعَنْهُ: الفِقْهُ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: ما يَمْنَعُ مِنَ الفَسادِ مِن آياتِ رَبِّكَ المُرَغِّبَةِ والمُرَهِّبَةِ. والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: مَواعِظُ القُرْآنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: الأدَبُ الجَمِيلُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي العِبَرُ المَعْدُودَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الحِكْمَةُ المَعْرُوفَةُ بِمَراتِبِ الأفْعالِ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: أنْ تَخْتَلِطَ الرَّغْبَةُ بِالرَّهْبَةِ، والإنْذارُ بِالبِشارَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلى سَبِيلِ رَبِّكَ: الإسْلامِ، بِالحِكْمَةِ: بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، وهي الدَّلِيلُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ المُزِيلِ لِلشُّبْهَةِ، والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وهي الَّتِي لا تَخْفى عَلَيْهِمْ إنَّكَ تُناصِحُهم بِها وتَقْصِدُ ما يَنْفَعُهم فِيها، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ القُرْآنَ؛ أيِ: ادْعُهم بِالكِتابِ الَّذِي هو حِكْمَةٌ ومَوْعِظَةٌ حَسَنَةٌ، وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ مِن غَيْرِ فَظاظَةٍ ولا تَعْنِيفٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: التَّخْوِيفُ والتَّرْجِئَةُ والتَّلَطُّفُ بِالإنْسانِ بِأنْ تُجِلَّهُ وتُنَشِّطَهُ، وتَجْعَلَهُ بِصُورَةِ مَن يَقْبَلُ الفَضائِلَ ونَحْوَ هَذا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُحْكَمَةٌ. ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أطْبَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وغَيْرِهِ في يَوْمِ أُحُدٍ، ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وفي كِتابِ السِّيَرِ. وذَهَبَ النَّحّاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَها اتِّصالًا حَسَنًا، لِأنَّها تَتَدَرَّجُ الذَّنْبَ مِنَ الَّذِي يَدَّعِي، وتُوعَظُ إلى الَّذِي يُجادِلُ، إلى الَّذِي يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولَكِنْ ما رَوى الجُمْهُورُ أثْبَتُ؛ انْتَهى. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ ومُجاهِدٌ: إلى أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ الأمْثَلُ ظُلامَتَهُ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وسَمّى المُجازاةَ عَلى الذَّنْبِ مُعاقَبَةً لِأجْلِ المُقابَلَةِ، والمَعْنى: قابِلُوا مَن صَنَعَ بِكم صَنِيعَ سُوءٍ بِمِثْلِهِ، وهو عَكْسُ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] . المَجازُ في الثّانِي وفي: وإنْ عاقَبْتُمْ في الأوَّلِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: وإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا، بِتَشْدِيدِ القافَيْنِ؛ أيْ: وإنْ قَفَّيْتُمْ بِالِانْتِصارِ فَقَفُّوا بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مُبْتَدَأً بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ؛ أيْ: لِصَبْرِكم ولِلصّابِرِينَ؛ أيْ: لَكم أيُّها المُخاطَبُونَ، فَوَضَعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِصَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ، وبِصَبْرِهِمْ عَلى المُعاقَبَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ إلى جِنْسِ الصَّبْرِ، ويُرادُ بِالصّابِرِينَ جِنْسُهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والصَّبْرُ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ، فَيَنْدَرِجُ صَبْرُ المُخاطَبِينَ في الصَّبْرِ، ويَنْدَرِجُونَ هم في الصّابِرِينَ. ونَحْوُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] (p-٥٥٠)ولَمّا خُيِّرَ المُخاطَبُونَ في المُعاقَبَةِ والصَّبْرِ عَنْها عَزَمَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في الَّذِي هو خَيْرٌ وهو الصَّبْرُ، فَأُمِرَ هو وحْدَهُ بِالصَّبْرِ. ومَعْنى بِاللَّهِ: بِتَوْفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ وإرادَتِهِ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِمْ) يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، وكَذَلِكَ في يَمْكُرُونَ كَما قالَ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] وقِيلَ: يَعُودُ عَلى القَتْلى المُمَثَّلِ بِهِمْ؛ حَمْزَةَ، ومَن مُثِّلَ بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في ضَيْقٍ، بِفَتْحِ الضّادِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، ولا يَصِحُّ عَنْهُ، وهُما مَصْدَرانِ كالقِيلِ والقَوْلِ عِنْدَ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِفَتْحِ الضّادِ مُخَفَّفٌ مِن ضَيِّقٍ؛ أيْ: ولا تَكُ في أمْرٍ ضَيِّقٍ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الصَّوابُ أنْ يَكُونَ الضَّيْقُ لُغَةً في المَصْدَرِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ لَزِمَ أنْ تُقامَ الصِّفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذَلِكَ، والصِّفَةُ إنَّما تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ مِن نَفْسِ الصِّفَةِ كَما تَقُولُ: رَأيْتُ ضاحِكًا، فَإنَّما تُخَصِّصُ الإنْسانَ. ولَوْ قُلْتَ: رَأيْتُ بارِدًا لَمْ يَحْسُنْ، وبِبارِدٍ مِثْلَ سِيبَوَيْهِ وضَيِّقٌ لا يُخَصِّصُ المَوْصُوفَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ ما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ مَنسُوخٌ، ومَعْنى المَعِيَّةِ هُنا بِالنُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ والإعانَةِ.

النحل 16:128

﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾: أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَدْعُوَ إلى دِينِ اللَّهِ وشَرْعِهِ بِتَلَطُّفٍ، وهو أنْ يَسْمَعَ المَدْعُوُّ حُكْمَهُ، وهو الكَلامُ الصَّوابُ القَرِيبُ الواقِعُ مِنَ النَّفْسِ أجْمَلَ مَوْقِعٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الحِكْمَةَ: القُرْآنُ، وعَنْهُ: الفِقْهُ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: ما يَمْنَعُ مِنَ الفَسادِ مِن آياتِ رَبِّكَ المُرَغِّبَةِ والمُرَهِّبَةِ. والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: مَواعِظُ القُرْآنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْهُ أيْضًا: الأدَبُ الجَمِيلُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي العِبَرُ المَعْدُودَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: الحِكْمَةُ المَعْرُوفَةُ بِمَراتِبِ الأفْعالِ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: أنْ تَخْتَلِطَ الرَّغْبَةُ بِالرَّهْبَةِ، والإنْذارُ بِالبِشارَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلى سَبِيلِ رَبِّكَ: الإسْلامِ، بِالحِكْمَةِ: بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ، وهي الدَّلِيلُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ المُزِيلِ لِلشُّبْهَةِ، والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وهي الَّتِي لا تَخْفى عَلَيْهِمْ إنَّكَ تُناصِحُهم بِها وتَقْصِدُ ما يَنْفَعُهم فِيها، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ القُرْآنَ؛ أيِ: ادْعُهم بِالكِتابِ الَّذِي هو حِكْمَةٌ ومَوْعِظَةٌ حَسَنَةٌ، وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ مِن غَيْرِ فَظاظَةٍ ولا تَعْنِيفٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: التَّخْوِيفُ والتَّرْجِئَةُ والتَّلَطُّفُ بِالإنْسانِ بِأنْ تُجِلَّهُ وتُنَشِّطَهُ، وتَجْعَلَهُ بِصُورَةِ مَن يَقْبَلُ الفَضائِلَ ونَحْوَ هَذا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُحْكَمَةٌ. ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أطْبَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ وغَيْرِهِ في يَوْمِ أُحُدٍ، ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وفي كِتابِ السِّيَرِ. وذَهَبَ النَّحّاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، والمَعْنى مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَها اتِّصالًا حَسَنًا، لِأنَّها تَتَدَرَّجُ الذَّنْبَ مِنَ الَّذِي يَدَّعِي، وتُوعَظُ إلى الَّذِي يُجادِلُ، إلى الَّذِي يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولَكِنْ ما رَوى الجُمْهُورُ أثْبَتُ؛ انْتَهى. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ ومُجاهِدٌ: إلى أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ الأمْثَلُ ظُلامَتَهُ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وسَمّى المُجازاةَ عَلى الذَّنْبِ مُعاقَبَةً لِأجْلِ المُقابَلَةِ، والمَعْنى: قابِلُوا مَن صَنَعَ بِكم صَنِيعَ سُوءٍ بِمِثْلِهِ، وهو عَكْسُ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] . المَجازُ في الثّانِي وفي: وإنْ عاقَبْتُمْ في الأوَّلِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: وإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا، بِتَشْدِيدِ القافَيْنِ؛ أيْ: وإنْ قَفَّيْتُمْ بِالِانْتِصارِ فَقَفُّوا بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مُبْتَدَأً بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ؛ أيْ: لِصَبْرِكم ولِلصّابِرِينَ؛ أيْ: لَكم أيُّها المُخاطَبُونَ، فَوَضَعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِصَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ، وبِصَبْرِهِمْ عَلى المُعاقَبَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ إلى جِنْسِ الصَّبْرِ، ويُرادُ بِالصّابِرِينَ جِنْسُهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والصَّبْرُ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ، فَيَنْدَرِجُ صَبْرُ المُخاطَبِينَ في الصَّبْرِ، ويَنْدَرِجُونَ هم في الصّابِرِينَ. ونَحْوُهُ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] (p-٥٥٠)ولَمّا خُيِّرَ المُخاطَبُونَ في المُعاقَبَةِ والصَّبْرِ عَنْها عَزَمَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في الَّذِي هو خَيْرٌ وهو الصَّبْرُ، فَأُمِرَ هو وحْدَهُ بِالصَّبْرِ. ومَعْنى بِاللَّهِ: بِتَوْفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ وإرادَتِهِ. والضَّمِيرُ في (عَلَيْهِمْ) يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، وكَذَلِكَ في يَمْكُرُونَ كَما قالَ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] وقِيلَ: يَعُودُ عَلى القَتْلى المُمَثَّلِ بِهِمْ؛ حَمْزَةَ، ومَن مُثِّلَ بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: في ضَيْقٍ، بِفَتْحِ الضّادِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، ولا يَصِحُّ عَنْهُ، وهُما مَصْدَرانِ كالقِيلِ والقَوْلِ عِنْدَ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِفَتْحِ الضّادِ مُخَفَّفٌ مِن ضَيِّقٍ؛ أيْ: ولا تَكُ في أمْرٍ ضَيِّقٍ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الصَّوابُ أنْ يَكُونَ الضَّيْقُ لُغَةً في المَصْدَرِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ لَزِمَ أنْ تُقامَ الصِّفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذَلِكَ، والصِّفَةُ إنَّما تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ مِن نَفْسِ الصِّفَةِ كَما تَقُولُ: رَأيْتُ ضاحِكًا، فَإنَّما تُخَصِّصُ الإنْسانَ. ولَوْ قُلْتَ: رَأيْتُ بارِدًا لَمْ يَحْسُنْ، وبِبارِدٍ مِثْلَ سِيبَوَيْهِ وضَيِّقٌ لا يُخَصِّصُ المَوْصُوفَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ ما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ مَنسُوخٌ، ومَعْنى المَعِيَّةِ هُنا بِالنُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ والإعانَةِ.

الإسراء 17:1

(p-٢)سُورَةُ (الإسْراءِ) مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإسراء: ١٠] ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] . (p-٣)جاسَ يَجُوسُ جَوْسًا وجَوَسانًا تَرَدَّدَ في الغارَةِ قالَهُ اللَّيْثُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جاسُوا: فَتَّشُوا هَلْ بَقِيَ مِمَّنْ لَمْ يُقْتَلْ. وقالَ الفَرّاءُ: قَتَلُوا. قالَ حَسّانُ: ؎ومِنّا الَّذِي لاقى لِسَيْفِ مُحَمَّدٍ فَجاسَ بِهِ الأعْداءُ عَرْضَ العَساكِرِ وقالَ قُطْرُبٌ: نَزَلُوا. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَجُسْنا دِيارَهم عَنْوَةً ∗∗∗ وأبْناءُ ساداتِهِمْ مُوَثَّقِينا وقِيلَ: داسُوا، ومِنهُ: ؎إلَيْكَ جُسْنا اللَّيْلَ بِالمَطِيِّ وقالَ أبُو زَيْدٍ: الجَوْسُ والحَوْسُ والعَوْسُ والهَوْسُ الطَّوافُ بِاللَّيْلِ. فالجَوْسُ والحَوْسُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاسْتِقْصاءٍ. حَظَرْتُ الشَّيْءَ مَنَعْتُهُ. ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ‎وكِيلًا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبدًا شَكُورًا﴾ . سَبَبُ نُزُولِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقُرَيْشٍ الإسْراءَ بِهِ، وتَكْذِيبُهم لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ، وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. قالَ صاحِبُ الغُنْيانِ بِإجْماعٍ، وقِيلَ: إلّا آيَتَيْنِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦] وقِيلَ: إلّا أرْبَعَ، هاتانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقَوْلُهُ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] . (p-٤)وزادَ مُقاتِلٌ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] الآيَةَ. وقالَ قَتادَةُ إلّا ثَمانِيَ آياتٍ أُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخِرِهِنَّ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ، وأنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ مِن مَكْرِهِمْ، وكانَ مِن مَكْرِهِمْ نِسْبَتُهُ إلى الكَذِبِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رَمَوْهُ بِهِ، أعْقَبَ تَعالى ذَلِكَ بِذِكْرِ شَرَفِهِ وفَضْلِهِ واحْتِفائِهِ بِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى سُبْحانَ في البَقَرَةِ. وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ كَعُثْمانَ لِلرَّجُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ في آخِرِهِ زائِدَتَيْنِ وهو مَعْرِفَةٌ بِالعَلَمِيَّةِ، وإضافَتُهُ لا تَزِيدُهُ تَعْرِيفًا. انْتَهى. ويَعْنِيانِ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهُ إذا لَمْ يُضَفْ، كَقَوْلِهِ: ؎سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وأمّا إذا أُضِيفَ فَلَوْ فَرَضْنا أنَّهُ عَلَمٌ لَنُوِيَ تَنْكِيرُهُ ثُمَّ يُضافُ وصارَ إذْ ذاكَ تَعْرِيفُهُ بِالإضافَةِ لا بِالعَلَمِيَّةِ. وأسْرى بِمَعْنى سَرى، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، وعُدِّيَ بِالباءِ ولا يَلْزَمُ مِن تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ المُشارَكَةُ في الفِعْلِ، بَلِ المَعْنى: جَعَلَهُ يَسْرِي؛ لِأنَّ السُّرى يَدُلُّ عَلى الِانْتِقالِ، كَمَشى وجَرى وهو مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ: لَأذْهَبَ سَمْعَهم، فَأسْرى وسَرى عَلى هَذا كَسَقى وأسْقى إذْ كانا بِمَعْنًى واحِدٍ، ولِذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ سَرى بِعَبْدِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ (أسْرى) مُعَدّاةٌ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أسْرى المَلائِكَةَ بِعَبْدِهِ؛ لِأنَّهُ يُقْلِقُ أنْ يُسْنَدَ أسْرى وهو بِمَعْنى سَرى إلى اللَّهِ تَعالى، إذْ هو فِعْلٌ يُعْطِي النُّقْلَةَ كَمَشى وجَرى وأحْضَرَ وانْتَقَلَ، فَلا يَحْسُنُ إسْنادُ شَيْءٍ مِن هَذا ونَحْنُ نَجِدُ مَندُوحَةً، فَإذا صَرَّحَتِ الشَّرِيعَةُ بِشَيْءٍ مِن هَذا النَّحْوِ كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «أتَيْتُهُ سَعْيًا وأتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» حُمِلَ ذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ عَلى الوَجْهِ المُخَلِّصِ مِن نَفْيِ (p-٥)الحَوادِثِ، و(أسْرى) في هَذِهِ الآيَةِ تَخْرُجُ فَصِيحَةً كَما ذَكَرْنا، ولا يُحْتاجُ إلى تَجَوُّزِ قَلَقٍ في مِثْلِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَإنَّهُ ألْزَمُ لِلنُّقْلَةِ مِن أتَيْتُهُ وأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمُ. انْتَهى. وإنَّما احْتاجَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى هَذِهِ الدَّعْوى اعْتِقادَ أنَّهُ إذا كانَ أسْرى بِمَعْنى سَرى لَزِمَ مِن كَوْنِ الباءِ لِلتَّعْدِيَةِ مُشارَكَةُ الفاعِلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذا شَيْءٌ ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ، فَإذا قُلْتَ: قُمْتُ بِزَيْدٍ لَزِمَ مِنهُ قِيامُكَ وقِيامُ زِيدٍ عِنْدَهُ، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ، التَبَسَتْ عِنْدَهُ باءُ التَّعْدِيَةِ بِباءِ الحالِ، فَباءُ الحالِ يَلْزَمُ فِيهِ المُشارَكَةُ إذِ المَعْنى قُمْتُ مُلْتَبِسًا بِزَيْدٍ وباءُ التَّعْدِيَةِ مُرادِفَةٌ لِلْهَمْزَةِ، فَقُمْتُ بِزَيْدٍ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَقَوْلِكَ أقَمْتُ زَيْدًا ولا يَلْزَمُ مِن إقامَتِكَهُ أنْ تَقُومَ أنْتَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أسْرى بِمَعْنى سَرى عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] يَعْنِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أسْرَتْ مَلائِكَتُهُ بِعَبْدِهِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِ أنَّهُ يَلْزَمُ المُشارَكَةَ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وأيْضًا فَمَوارِدُ القُرْآنِ في فَأسْرِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها يَقْتَضِي أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ [هود: ٨١] و﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ [طه: ٧٧] قُرِئَ بِالقَطْعِ والوَصْلِ، ويَبْعُدُ مَعَ القَطْعِ تَقْدِيرُ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ إذْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ في مَوْضِعٍ، فَيُسْتَدَلُّ بِالمُصَرَّحِ عَلى المَحْذُوفِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الإسْراءَ كانَ بِشَخْصِهِ، ولِذَلِكَ كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ بِهِ وشَنَّعَتْ عَلَيْهِ، وحِينَ قَصَّ ذَلِكَ عَلى أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: لا تُحَدِّثِ النّاسَ بِها فَيُكَذِّبُوكَ ولَوْ كانَ مَنامًا اسْتُنْكِرَ ذَلِكَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ، وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ. وحَدِيثُ الإسْراءِ مَرْوِيٌّ في المَسانِيدِ عَنِ الصَّحابَةِ في كُلِّ أقْطارِ الإسْلامِ، وذُكِرَ أنَّهُ رَواهُ عِشْرُونَ مِنَ الصَّحابَةِ. قِيلَ: وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ ومُعاوِيَةَ أنَّهُ كانَ مَنامًا فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُما، ولَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ حُجَّةٌ لِأنَّهُما لَمْ يُشاهِدا ذَلِكَ لِصِغَرِ عائِشَةَ وكُفْرِ مُعاوِيَةَ إذْ ذاكَ؛ ولِأنَّهُما لَمْ يُسْنِدا ذَلِكَ إلى الرَّسُولِ ﷺ ولا حَدَّثا بِهِ عَنْهُ. وعَنِ الحَسَنِ كانَ في المَنامِ رُؤْيا رَآها وقَوْلُهُ: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ أبُو القاسِمِ سُلَيْمانُ الأنْصارِيُّ: لَمّا وصَلَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الرَّفِيعَةِ في المَعارِجِ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ أُشَرِّفُكَ ؟ قالَ: يا رَبِّ بِنِسْبَتِي إلَيْكَ بِالعُبُودِيَّةِ، فَأنْزَلَ فِيهِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ الآيَةَ. . انْتَهى. وعَنْهُ قالُوا: (عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ)، وعَنْهُ (إنَّما أنا عَبْدٌ) وهَذِهِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ واخْتِصاصٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎لا تَدْعُنِي إلّا بِيا عَبْدَها ∗∗∗ لِأنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي وقالَ العُلَماءُ: لَوْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْمٌ أشْرَفُ مِنهُ لَسَمّاهُ بِهِ في تِلْكَ الحالَةِ. وانْتَصَبَ (لَيْلًا) عَلى الظَّرْفِ، ومَعْلُومٌ أنَّ السُّرى لا يَكُونُ في اللُّغَةِ إلّا بِاللَّيْلِ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وقِيلَ: يَعْنِي في جَوْفِ اللَّيْلِ فَلَمْ يَكُنْ إدْلاجًا ولا ادِّلاجًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِقَوْلِهِ: (لَيْلًا) بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ تَقْلِيلَ مُدَّةِ الإسْراءِ، وأنَّهُ أسْرى بِهِ في بَعْضِ اللَّيْلِ مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وذَلِكَ أنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ قَدْ دَلَّ عَلى مَعْنى البَعْضِيَّةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وحُذَيْفَةَ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: بَعْضِ اللَّيْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] عَلى الأمْرِ بِالقِيامِ في بَعْضِ اللَّيْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ هو المَسْجِدُ المُحِيطُ بِالكَعْبَةِ بِعَيْنِهِ، وهو قَوْلُ أنَسٍ. وقِيلَ: مِنَ الحِجْرِ، وقِيلَ: مِن بَيْنِ زَمْزَمَ والمَقامِ، وقِيلَ: مِن شِعْبِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ: مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ، وقِيلَ: مِن سَقْفِ بَيْتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ أطْلَقَ المَسْجِدَ الحَرامَ عَلى مَكَّةَ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ. وقالَتْ عائِشَةُ: بِعامٍ ونِصْفٍ في رَجَبٍ. وقِيلَ: في سَبْعَ عَشْرَةَ مِن رَبِيعِ الأوَّلِ والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ إحْدى وخَمْسِينَ سَنَةً وتِسْعَةِ أشْهُرٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وعَنِ ابْنِ شِهابٍ بَعْدَ المَبْعَثِ بِسَبْعَةِ أعْوامٍ. وعَنِ الحَرْبِيِّ لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِن رَبِيعِ الآخَرِ قَبْلَ الهِجْرَةِ (p-٦)بِسَنَةٍ، والمُتَحَقِّقُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ شَقِّ الصَّحِيفَةِ وقَبْلَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ، ووَقَعَ لِشَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ في الصَّحِيحِ أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، ولا خِلافَ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ أنَّ ذَلِكَ وهْمٌ مِن شَرِيكٍ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أنَسٍ والحَسَنِ أنَّهُ كانَ قَبْلَ المَبْعَثِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ القاسِمِ الرُّعَيْنِيُّ في تارِيخِهِ: أُسْرِيَ بِهِ مِن مَكَّةَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وعُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ويُرْوى أنَّهُ كانَ نائِمًا في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ، فَأُسْرِيَ بِهِ ورَجَعَ مِن لَيْلَتِهِ وقَصَّ القِصَّةَ عَلى أُمِّ هانِئٍ وقالَ: ”مُثِّلَ لِيَ النَّبِيُّونَ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ“ . وقامَ لِيَخْرُجَ إلى المَسْجِدِ فَتَشَبَّثَتْ أُمُّ هانِئٍ بِثَوْبِهِ فَقالَ: ”ما لَكِ“ ؟ قالَتْ: أخْشى أنْ يُكَذِّبَكَ قَوْمُكَ إنْ أخْبَرْتَهم، قالَ: ”وإنْ كَذَّبُونِي“ فَخَرَجَ فَجَلَسَ إلَيْهِ أبُو جَهْلٍ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَدِيثِ الإسْراءِ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ هَلُمَّ، فَحَدَّثَهم، فَمِن بَيْنِ مُصَفِّقٍ وواضِعٍ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ تَعَجُّبًا وإنْكارًا، وارْتَدَّ ناسٌ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قالُوا: أتُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ: إنِّي لَأُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدَ مِن ذَلِكَ، فَسُمِّيَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ومِنهم مَن سافَرَ إلى المَسْجِدِ الأقْصى فاسْتَنْعَتُوهُ، فَجُلِّيَ لَهُ بَيْتُ المَقْدِسِ، فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْعَتُهُ لَهم، فَقالُوا: أمّا النَّعْتُ فَقَدْ أصابَ، فَقالُوا: أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا، فَأخْبَرَهم بِعَدَدِ جِمالِها وأحْوالِها، وقالَ: «تَقْدَمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ» فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ ذَلِكَ اليَوْمَ نَحْوَ الثَّنِيَّةِ. فَقالَ قائِلٌ مِنهم: واللَّهِ هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ شَرَقَتْ. وقالَ آخَرُ: وهَذِهِ واللَّهِ العِيرُ قَدْ أقْبَلَتْ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ كَما قالَ مُحَمَّدٌ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، وقالُوا: ما هَذا إلّا سِحْرٌ بَيِّنٌ، وقَدْ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وكانَ العُرُوجُ بِهِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وأخْبَرَ قُرَيْشًا أيْضًا بِما رَأى في السَّماءِ مِنَ العَجائِبِ، وأنَّهُ لَقِيَ الأنْبِياءَ، وبَلَغَ البَيْتَ المَعْمُورَ وسِدْرَةَ المُنْتَهى. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ هي لَيْلَةُ المِعْراجِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وجَماعَةٍ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ لَيْلَةَ المِعْراجِ هي غَيْرُ لَيْلَةِ الإسْراءِ. (والمَسْجِدُ الأقْصى) مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وسُمِّيَ الأقْصى؛ لِأنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أقْصى بُيُوتِ اللَّهِ الفاضِلَةِ مِنَ الكَعْبَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأقْصى البَعِيدَ دُونَ مُفاضَلَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِواهُ، ويَكُونَ المَقْصِدُ إظْهارَ العَجَبِ في الإسْراءِ إلى هَذا البُعْدِ في لَيْلَةٍ. انْتَهى. ولَفْظَةُ (إلى) تَقْتَضِي أنَّهُ انْتَهى الإسْراءُ بِهِ إلى حَدِّ ذَلِكَ المَسْجِدِ ولا يَدُلُّ مِن حَيْثُ الوَضْعُ عَلى دُخُولِهِ. (والَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) صِفَةُ مَدْحٍ لِإزالَةِ اشْتِراطٍ عارِضٍ، وبَرَكَتُهُ بِما خُصَّ بِهِ مِنَ الخَيْراتِ الدِّينِيَّةِ كالنُّبُوَّةِ والشَّرائِعِ والرُّسُلِ الَّذِينَ كانُوا في ذَلِكَ القُطْرِ ونَواحِيهِ ونَوادِيهِ، والدُّنْياوِيَّةِ مِن كَثْرَةِ الأشْجارِ والأنْهارِ، وطِيبِ الأرْضِ. وفي الحَدِيثِ ”أنَّهُ تَعالى بارَكَ فِيما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ، وخَصَّ فِلَسْطِينَ بِالتَّقْدِيسِ“ . « وقَرَأ الجُمْهُورُ (» ﴿لِنُرِيَهُ﴾) بِالنُّونِ، وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وقِراءَةُ الحَسَنِ ”لِيُرِيَهُ“ بِالياءِ فَيَكُونُ الِالتِفاتُ في آياتِنا، وهَذِهِ رُؤْيا عَيْنٍ، والآياتُ الَّتِي أُرِيَها هي العَجائِبُ الَّتِي أخْبَرَ بِها النّاسَ، وإسْراؤُهُ مِن مَكَّةَ وعُرُوجُهُ إلى السَّماءِ، ووَصْفُهُ الأنْبِياءَ واحِدًا واحِدًا حَسْبَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لِيُرِيَ مُحَمَّدًا لِلنّاسِ آيَةً، أيْ: يَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ آيَةً في أنْ يَصْنَعَ اللَّهُ بِبَشَرٍ هَذا الصُّنْعَ فَتَكُونُ الرُّؤْيَةُ عَلى هَذا رُؤْيَةَ القَلْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنَّه هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ مُحَمَّدٍ (البَصِيرُ) بِأفْعالِهِ، العالِمُ بِتَهْذِيبِها وخُلُوصِها فَيُكْرِمُهُ، ويُقَرِّبُهُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكُفّارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ في أمْرِ الإسْراءِ، فَهي إشارَةٌ لَطِيفَةٌ بَلِيغَةٌ إلى ذَلِكَ أيْ: هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُونَ، البَصِيرُ بِأفْعالِكُمُ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَشْرِيفَ الرَّسُولِ ﷺ بِالإسْراءِ وإراءَتَهُ الآياتِ، ذَكَرَ تَشْرِيفَ مُوسى بِإيتائِهِ التَّوْراةَ (وآتَيْنا) مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مِن (p-٧)تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وبَراءَتِهِ مِنَ السُّوءِ، ولا يَلْزَمُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ المُشارَكَةُ في الخَبَرِ أوْ غَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفُ قَوْلِهِ وآتَيْنا عَلى ما في قَوْلِهِ أسْرى بِعَبْدِهِ مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: أسْرَيْنا بِعَبْدِنا، وأرَيْناهُ آياتِنا وآتَيْنا. وقالَ العُكْبَرِيُّ: وآتَيْنا مَعْطُوفٌ عَلى أسْرى. انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ مِن وجَعَلْناهُ عَلى الكِتابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً ولا نَهْيَ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً تَعْلِيلًا أيْ: لِأنْ لا يَتَّخِذُوا ولا نَفْيَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ زائِدَةً، ويَكُونَ لا تَتَّخِذُوا مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ خِلافًا لِمُجَوِّزِ ذَلِكَ؛ إذْ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ أنْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعِيسى وأبُو رَجاءٍ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: (يَتَّخِذُوا) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ، والوَكِيلُ فَعِيلٌ مِنَ التَّوَكُّلِ أيْ: مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَفِيظًا لَكم سِوايَ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: قِيلَ لِلرَّبِّ: وكِيلٌ لِكِفايَتِهِ وقِيامِهِ بِشُئُونِ عِبادِهِ، لا عَلى مَعْنى ارْتِفاعِ مَنزِلَةِ المُوَكِّلِ وانْحِطاطِ أمْرِ الوَكِيلِ. انْتَهى. وانْتَصَبَ (ذُرِّيَّةَ) عَلى النِّداءِ أيْ: يا ذُرِّيَّةً أوْ عَلى البَدَلِ مِن وكِيلًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِيَتَّخِذُوا وكِيلًا، وفي مَعْنى الجَمْعِ أيْ: لا يَتَّخِذُوا وُكَلاءَ ذُرِّيَّةً، أوْ عَلى إضْمارِ أعْنِي. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ذُرِّيَّةُ بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتَّخِذُوا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ في القِراءَةِ بِالتّاءِ؛ لِأنَّكَ لا تُبْدِلُ مِن ضَمِيرِ مُخاطَبٍ لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُكَ زَيْدًا عَلى البَدَلِ لَمْ يَجُزِ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن إطْلاقِ أنَّكَ لا تُبْدِلُ مِن ضَمِيرِ مُخاطَبٍ يَحْتاجُ إلى تَفْصِيلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ إنْ كانَ في بَدَلِ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وبَدَلِ اشْتِمالٍ جازَ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ في بَدَلِ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ وإنْ كانَ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ جازَ بِلا خِلافٍ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم وإنْ لَمْ يُفِدِ التَّوْكِيدَ، فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ المَنعُ، ومَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ الجَوازُ وهو الصَّحِيحُ؛ لِوُجُودِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ في شَرْحِ كِتابِ التَّسْهِيلِ، وذَكَرَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ تَنْبِيهًا عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي نَجّاهم بِها مِنَ الغَرَقِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ بِكَسْرِ ذالِ ذِرِّيَّةَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا بِفَتْحِها. وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ ذَرِيَّةَ بِفَتْحِ الذّالِ، وتَخْفِيفِ الرّاءِ، وتَشْدِيدِ الياءِ عَلى وزْنِ فَعِلِيَّةٍ كَمَطِيَّةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى نُوحٍ. قالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: كانَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ إبْراهِيمُ: شُكْرُهُ إذا أكَلَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا فَرَغَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ إذا لَبِسَ ثَوْبًا قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وإذا نَزَعَهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ إلى مُوسى. انْتَهى. ونَبَّهَ عَلى الشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّوْحِيدَ؛ إذِ النِّعَمُ الَّتِي يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْها هي مِن عِنْدِهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُونُوا مُوَحِّدِينَ شاكِرِينَ لِنِعَمِ اللَّهِ مُقْتَدِينَ بِنُوحٍ الَّذِي أنْتُمْ ذُرِّيَّةُ مَن حُمِلَ مَعَهُ.

الإسراء 17:2

(p-٢)سُورَةُ (الإسْراءِ) مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإسراء: ١٠] ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] . (p-٣)جاسَ يَجُوسُ جَوْسًا وجَوَسانًا تَرَدَّدَ في الغارَةِ قالَهُ اللَّيْثُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جاسُوا: فَتَّشُوا هَلْ بَقِيَ مِمَّنْ لَمْ يُقْتَلْ. وقالَ الفَرّاءُ: قَتَلُوا. قالَ حَسّانُ: ؎ومِنّا الَّذِي لاقى لِسَيْفِ مُحَمَّدٍ فَجاسَ بِهِ الأعْداءُ عَرْضَ العَساكِرِ وقالَ قُطْرُبٌ: نَزَلُوا. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَجُسْنا دِيارَهم عَنْوَةً ∗∗∗ وأبْناءُ ساداتِهِمْ مُوَثَّقِينا وقِيلَ: داسُوا، ومِنهُ: ؎إلَيْكَ جُسْنا اللَّيْلَ بِالمَطِيِّ وقالَ أبُو زَيْدٍ: الجَوْسُ والحَوْسُ والعَوْسُ والهَوْسُ الطَّوافُ بِاللَّيْلِ. فالجَوْسُ والحَوْسُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاسْتِقْصاءٍ. حَظَرْتُ الشَّيْءَ مَنَعْتُهُ. ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ‎وكِيلًا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبدًا شَكُورًا﴾ . سَبَبُ نُزُولِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقُرَيْشٍ الإسْراءَ بِهِ، وتَكْذِيبُهم لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ، وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. قالَ صاحِبُ الغُنْيانِ بِإجْماعٍ، وقِيلَ: إلّا آيَتَيْنِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦] وقِيلَ: إلّا أرْبَعَ، هاتانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقَوْلُهُ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] . (p-٤)وزادَ مُقاتِلٌ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] الآيَةَ. وقالَ قَتادَةُ إلّا ثَمانِيَ آياتٍ أُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخِرِهِنَّ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ، وأنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ مِن مَكْرِهِمْ، وكانَ مِن مَكْرِهِمْ نِسْبَتُهُ إلى الكَذِبِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رَمَوْهُ بِهِ، أعْقَبَ تَعالى ذَلِكَ بِذِكْرِ شَرَفِهِ وفَضْلِهِ واحْتِفائِهِ بِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى سُبْحانَ في البَقَرَةِ. وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ كَعُثْمانَ لِلرَّجُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ في آخِرِهِ زائِدَتَيْنِ وهو مَعْرِفَةٌ بِالعَلَمِيَّةِ، وإضافَتُهُ لا تَزِيدُهُ تَعْرِيفًا. انْتَهى. ويَعْنِيانِ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهُ إذا لَمْ يُضَفْ، كَقَوْلِهِ: ؎سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وأمّا إذا أُضِيفَ فَلَوْ فَرَضْنا أنَّهُ عَلَمٌ لَنُوِيَ تَنْكِيرُهُ ثُمَّ يُضافُ وصارَ إذْ ذاكَ تَعْرِيفُهُ بِالإضافَةِ لا بِالعَلَمِيَّةِ. وأسْرى بِمَعْنى سَرى، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، وعُدِّيَ بِالباءِ ولا يَلْزَمُ مِن تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ المُشارَكَةُ في الفِعْلِ، بَلِ المَعْنى: جَعَلَهُ يَسْرِي؛ لِأنَّ السُّرى يَدُلُّ عَلى الِانْتِقالِ، كَمَشى وجَرى وهو مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ: لَأذْهَبَ سَمْعَهم، فَأسْرى وسَرى عَلى هَذا كَسَقى وأسْقى إذْ كانا بِمَعْنًى واحِدٍ، ولِذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ سَرى بِعَبْدِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ (أسْرى) مُعَدّاةٌ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أسْرى المَلائِكَةَ بِعَبْدِهِ؛ لِأنَّهُ يُقْلِقُ أنْ يُسْنَدَ أسْرى وهو بِمَعْنى سَرى إلى اللَّهِ تَعالى، إذْ هو فِعْلٌ يُعْطِي النُّقْلَةَ كَمَشى وجَرى وأحْضَرَ وانْتَقَلَ، فَلا يَحْسُنُ إسْنادُ شَيْءٍ مِن هَذا ونَحْنُ نَجِدُ مَندُوحَةً، فَإذا صَرَّحَتِ الشَّرِيعَةُ بِشَيْءٍ مِن هَذا النَّحْوِ كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «أتَيْتُهُ سَعْيًا وأتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» حُمِلَ ذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ عَلى الوَجْهِ المُخَلِّصِ مِن نَفْيِ (p-٥)الحَوادِثِ، و(أسْرى) في هَذِهِ الآيَةِ تَخْرُجُ فَصِيحَةً كَما ذَكَرْنا، ولا يُحْتاجُ إلى تَجَوُّزِ قَلَقٍ في مِثْلِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَإنَّهُ ألْزَمُ لِلنُّقْلَةِ مِن أتَيْتُهُ وأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمُ. انْتَهى. وإنَّما احْتاجَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى هَذِهِ الدَّعْوى اعْتِقادَ أنَّهُ إذا كانَ أسْرى بِمَعْنى سَرى لَزِمَ مِن كَوْنِ الباءِ لِلتَّعْدِيَةِ مُشارَكَةُ الفاعِلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذا شَيْءٌ ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ، فَإذا قُلْتَ: قُمْتُ بِزَيْدٍ لَزِمَ مِنهُ قِيامُكَ وقِيامُ زِيدٍ عِنْدَهُ، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ، التَبَسَتْ عِنْدَهُ باءُ التَّعْدِيَةِ بِباءِ الحالِ، فَباءُ الحالِ يَلْزَمُ فِيهِ المُشارَكَةُ إذِ المَعْنى قُمْتُ مُلْتَبِسًا بِزَيْدٍ وباءُ التَّعْدِيَةِ مُرادِفَةٌ لِلْهَمْزَةِ، فَقُمْتُ بِزَيْدٍ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَقَوْلِكَ أقَمْتُ زَيْدًا ولا يَلْزَمُ مِن إقامَتِكَهُ أنْ تَقُومَ أنْتَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أسْرى بِمَعْنى سَرى عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] يَعْنِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أسْرَتْ مَلائِكَتُهُ بِعَبْدِهِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِ أنَّهُ يَلْزَمُ المُشارَكَةَ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وأيْضًا فَمَوارِدُ القُرْآنِ في فَأسْرِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها يَقْتَضِي أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ [هود: ٨١] و﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ [طه: ٧٧] قُرِئَ بِالقَطْعِ والوَصْلِ، ويَبْعُدُ مَعَ القَطْعِ تَقْدِيرُ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ إذْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ في مَوْضِعٍ، فَيُسْتَدَلُّ بِالمُصَرَّحِ عَلى المَحْذُوفِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الإسْراءَ كانَ بِشَخْصِهِ، ولِذَلِكَ كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ بِهِ وشَنَّعَتْ عَلَيْهِ، وحِينَ قَصَّ ذَلِكَ عَلى أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: لا تُحَدِّثِ النّاسَ بِها فَيُكَذِّبُوكَ ولَوْ كانَ مَنامًا اسْتُنْكِرَ ذَلِكَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ، وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ. وحَدِيثُ الإسْراءِ مَرْوِيٌّ في المَسانِيدِ عَنِ الصَّحابَةِ في كُلِّ أقْطارِ الإسْلامِ، وذُكِرَ أنَّهُ رَواهُ عِشْرُونَ مِنَ الصَّحابَةِ. قِيلَ: وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ ومُعاوِيَةَ أنَّهُ كانَ مَنامًا فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُما، ولَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ حُجَّةٌ لِأنَّهُما لَمْ يُشاهِدا ذَلِكَ لِصِغَرِ عائِشَةَ وكُفْرِ مُعاوِيَةَ إذْ ذاكَ؛ ولِأنَّهُما لَمْ يُسْنِدا ذَلِكَ إلى الرَّسُولِ ﷺ ولا حَدَّثا بِهِ عَنْهُ. وعَنِ الحَسَنِ كانَ في المَنامِ رُؤْيا رَآها وقَوْلُهُ: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ أبُو القاسِمِ سُلَيْمانُ الأنْصارِيُّ: لَمّا وصَلَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الرَّفِيعَةِ في المَعارِجِ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ أُشَرِّفُكَ ؟ قالَ: يا رَبِّ بِنِسْبَتِي إلَيْكَ بِالعُبُودِيَّةِ، فَأنْزَلَ فِيهِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ الآيَةَ. . انْتَهى. وعَنْهُ قالُوا: (عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ)، وعَنْهُ (إنَّما أنا عَبْدٌ) وهَذِهِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ واخْتِصاصٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎لا تَدْعُنِي إلّا بِيا عَبْدَها ∗∗∗ لِأنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي وقالَ العُلَماءُ: لَوْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْمٌ أشْرَفُ مِنهُ لَسَمّاهُ بِهِ في تِلْكَ الحالَةِ. وانْتَصَبَ (لَيْلًا) عَلى الظَّرْفِ، ومَعْلُومٌ أنَّ السُّرى لا يَكُونُ في اللُّغَةِ إلّا بِاللَّيْلِ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وقِيلَ: يَعْنِي في جَوْفِ اللَّيْلِ فَلَمْ يَكُنْ إدْلاجًا ولا ادِّلاجًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِقَوْلِهِ: (لَيْلًا) بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ تَقْلِيلَ مُدَّةِ الإسْراءِ، وأنَّهُ أسْرى بِهِ في بَعْضِ اللَّيْلِ مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وذَلِكَ أنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ قَدْ دَلَّ عَلى مَعْنى البَعْضِيَّةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وحُذَيْفَةَ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: بَعْضِ اللَّيْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] عَلى الأمْرِ بِالقِيامِ في بَعْضِ اللَّيْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ هو المَسْجِدُ المُحِيطُ بِالكَعْبَةِ بِعَيْنِهِ، وهو قَوْلُ أنَسٍ. وقِيلَ: مِنَ الحِجْرِ، وقِيلَ: مِن بَيْنِ زَمْزَمَ والمَقامِ، وقِيلَ: مِن شِعْبِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ: مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ، وقِيلَ: مِن سَقْفِ بَيْتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ أطْلَقَ المَسْجِدَ الحَرامَ عَلى مَكَّةَ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ. وقالَتْ عائِشَةُ: بِعامٍ ونِصْفٍ في رَجَبٍ. وقِيلَ: في سَبْعَ عَشْرَةَ مِن رَبِيعِ الأوَّلِ والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ إحْدى وخَمْسِينَ سَنَةً وتِسْعَةِ أشْهُرٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وعَنِ ابْنِ شِهابٍ بَعْدَ المَبْعَثِ بِسَبْعَةِ أعْوامٍ. وعَنِ الحَرْبِيِّ لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِن رَبِيعِ الآخَرِ قَبْلَ الهِجْرَةِ (p-٦)بِسَنَةٍ، والمُتَحَقِّقُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ شَقِّ الصَّحِيفَةِ وقَبْلَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ، ووَقَعَ لِشَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ في الصَّحِيحِ أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، ولا خِلافَ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ أنَّ ذَلِكَ وهْمٌ مِن شَرِيكٍ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أنَسٍ والحَسَنِ أنَّهُ كانَ قَبْلَ المَبْعَثِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ القاسِمِ الرُّعَيْنِيُّ في تارِيخِهِ: أُسْرِيَ بِهِ مِن مَكَّةَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وعُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ويُرْوى أنَّهُ كانَ نائِمًا في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ، فَأُسْرِيَ بِهِ ورَجَعَ مِن لَيْلَتِهِ وقَصَّ القِصَّةَ عَلى أُمِّ هانِئٍ وقالَ: ”مُثِّلَ لِيَ النَّبِيُّونَ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ“ . وقامَ لِيَخْرُجَ إلى المَسْجِدِ فَتَشَبَّثَتْ أُمُّ هانِئٍ بِثَوْبِهِ فَقالَ: ”ما لَكِ“ ؟ قالَتْ: أخْشى أنْ يُكَذِّبَكَ قَوْمُكَ إنْ أخْبَرْتَهم، قالَ: ”وإنْ كَذَّبُونِي“ فَخَرَجَ فَجَلَسَ إلَيْهِ أبُو جَهْلٍ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَدِيثِ الإسْراءِ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ هَلُمَّ، فَحَدَّثَهم، فَمِن بَيْنِ مُصَفِّقٍ وواضِعٍ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ تَعَجُّبًا وإنْكارًا، وارْتَدَّ ناسٌ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قالُوا: أتُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ: إنِّي لَأُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدَ مِن ذَلِكَ، فَسُمِّيَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ومِنهم مَن سافَرَ إلى المَسْجِدِ الأقْصى فاسْتَنْعَتُوهُ، فَجُلِّيَ لَهُ بَيْتُ المَقْدِسِ، فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْعَتُهُ لَهم، فَقالُوا: أمّا النَّعْتُ فَقَدْ أصابَ، فَقالُوا: أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا، فَأخْبَرَهم بِعَدَدِ جِمالِها وأحْوالِها، وقالَ: «تَقْدَمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ» فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ ذَلِكَ اليَوْمَ نَحْوَ الثَّنِيَّةِ. فَقالَ قائِلٌ مِنهم: واللَّهِ هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ شَرَقَتْ. وقالَ آخَرُ: وهَذِهِ واللَّهِ العِيرُ قَدْ أقْبَلَتْ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ كَما قالَ مُحَمَّدٌ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، وقالُوا: ما هَذا إلّا سِحْرٌ بَيِّنٌ، وقَدْ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وكانَ العُرُوجُ بِهِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وأخْبَرَ قُرَيْشًا أيْضًا بِما رَأى في السَّماءِ مِنَ العَجائِبِ، وأنَّهُ لَقِيَ الأنْبِياءَ، وبَلَغَ البَيْتَ المَعْمُورَ وسِدْرَةَ المُنْتَهى. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ هي لَيْلَةُ المِعْراجِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وجَماعَةٍ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ لَيْلَةَ المِعْراجِ هي غَيْرُ لَيْلَةِ الإسْراءِ. (والمَسْجِدُ الأقْصى) مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وسُمِّيَ الأقْصى؛ لِأنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أقْصى بُيُوتِ اللَّهِ الفاضِلَةِ مِنَ الكَعْبَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأقْصى البَعِيدَ دُونَ مُفاضَلَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِواهُ، ويَكُونَ المَقْصِدُ إظْهارَ العَجَبِ في الإسْراءِ إلى هَذا البُعْدِ في لَيْلَةٍ. انْتَهى. ولَفْظَةُ (إلى) تَقْتَضِي أنَّهُ انْتَهى الإسْراءُ بِهِ إلى حَدِّ ذَلِكَ المَسْجِدِ ولا يَدُلُّ مِن حَيْثُ الوَضْعُ عَلى دُخُولِهِ. (والَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) صِفَةُ مَدْحٍ لِإزالَةِ اشْتِراطٍ عارِضٍ، وبَرَكَتُهُ بِما خُصَّ بِهِ مِنَ الخَيْراتِ الدِّينِيَّةِ كالنُّبُوَّةِ والشَّرائِعِ والرُّسُلِ الَّذِينَ كانُوا في ذَلِكَ القُطْرِ ونَواحِيهِ ونَوادِيهِ، والدُّنْياوِيَّةِ مِن كَثْرَةِ الأشْجارِ والأنْهارِ، وطِيبِ الأرْضِ. وفي الحَدِيثِ ”أنَّهُ تَعالى بارَكَ فِيما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ، وخَصَّ فِلَسْطِينَ بِالتَّقْدِيسِ“ . « وقَرَأ الجُمْهُورُ (» ﴿لِنُرِيَهُ﴾) بِالنُّونِ، وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وقِراءَةُ الحَسَنِ ”لِيُرِيَهُ“ بِالياءِ فَيَكُونُ الِالتِفاتُ في آياتِنا، وهَذِهِ رُؤْيا عَيْنٍ، والآياتُ الَّتِي أُرِيَها هي العَجائِبُ الَّتِي أخْبَرَ بِها النّاسَ، وإسْراؤُهُ مِن مَكَّةَ وعُرُوجُهُ إلى السَّماءِ، ووَصْفُهُ الأنْبِياءَ واحِدًا واحِدًا حَسْبَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لِيُرِيَ مُحَمَّدًا لِلنّاسِ آيَةً، أيْ: يَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ آيَةً في أنْ يَصْنَعَ اللَّهُ بِبَشَرٍ هَذا الصُّنْعَ فَتَكُونُ الرُّؤْيَةُ عَلى هَذا رُؤْيَةَ القَلْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنَّه هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ مُحَمَّدٍ (البَصِيرُ) بِأفْعالِهِ، العالِمُ بِتَهْذِيبِها وخُلُوصِها فَيُكْرِمُهُ، ويُقَرِّبُهُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكُفّارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ في أمْرِ الإسْراءِ، فَهي إشارَةٌ لَطِيفَةٌ بَلِيغَةٌ إلى ذَلِكَ أيْ: هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُونَ، البَصِيرُ بِأفْعالِكُمُ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَشْرِيفَ الرَّسُولِ ﷺ بِالإسْراءِ وإراءَتَهُ الآياتِ، ذَكَرَ تَشْرِيفَ مُوسى بِإيتائِهِ التَّوْراةَ (وآتَيْنا) مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مِن (p-٧)تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وبَراءَتِهِ مِنَ السُّوءِ، ولا يَلْزَمُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ المُشارَكَةُ في الخَبَرِ أوْ غَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفُ قَوْلِهِ وآتَيْنا عَلى ما في قَوْلِهِ أسْرى بِعَبْدِهِ مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: أسْرَيْنا بِعَبْدِنا، وأرَيْناهُ آياتِنا وآتَيْنا. وقالَ العُكْبَرِيُّ: وآتَيْنا مَعْطُوفٌ عَلى أسْرى. انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ مِن وجَعَلْناهُ عَلى الكِتابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً ولا نَهْيَ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً تَعْلِيلًا أيْ: لِأنْ لا يَتَّخِذُوا ولا نَفْيَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ زائِدَةً، ويَكُونَ لا تَتَّخِذُوا مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ خِلافًا لِمُجَوِّزِ ذَلِكَ؛ إذْ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ أنْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعِيسى وأبُو رَجاءٍ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: (يَتَّخِذُوا) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ، والوَكِيلُ فَعِيلٌ مِنَ التَّوَكُّلِ أيْ: مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَفِيظًا لَكم سِوايَ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: قِيلَ لِلرَّبِّ: وكِيلٌ لِكِفايَتِهِ وقِيامِهِ بِشُئُونِ عِبادِهِ، لا عَلى مَعْنى ارْتِفاعِ مَنزِلَةِ المُوَكِّلِ وانْحِطاطِ أمْرِ الوَكِيلِ. انْتَهى. وانْتَصَبَ (ذُرِّيَّةَ) عَلى النِّداءِ أيْ: يا ذُرِّيَّةً أوْ عَلى البَدَلِ مِن وكِيلًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِيَتَّخِذُوا وكِيلًا، وفي مَعْنى الجَمْعِ أيْ: لا يَتَّخِذُوا وُكَلاءَ ذُرِّيَّةً، أوْ عَلى إضْمارِ أعْنِي. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ذُرِّيَّةُ بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتَّخِذُوا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ في القِراءَةِ بِالتّاءِ؛ لِأنَّكَ لا تُبْدِلُ مِن ضَمِيرِ مُخاطَبٍ لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُكَ زَيْدًا عَلى البَدَلِ لَمْ يَجُزِ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن إطْلاقِ أنَّكَ لا تُبْدِلُ مِن ضَمِيرِ مُخاطَبٍ يَحْتاجُ إلى تَفْصِيلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ إنْ كانَ في بَدَلِ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وبَدَلِ اشْتِمالٍ جازَ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ في بَدَلِ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ وإنْ كانَ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ جازَ بِلا خِلافٍ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم وإنْ لَمْ يُفِدِ التَّوْكِيدَ، فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ المَنعُ، ومَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ الجَوازُ وهو الصَّحِيحُ؛ لِوُجُودِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ في شَرْحِ كِتابِ التَّسْهِيلِ، وذَكَرَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ تَنْبِيهًا عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي نَجّاهم بِها مِنَ الغَرَقِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ بِكَسْرِ ذالِ ذِرِّيَّةَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا بِفَتْحِها. وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ ذَرِيَّةَ بِفَتْحِ الذّالِ، وتَخْفِيفِ الرّاءِ، وتَشْدِيدِ الياءِ عَلى وزْنِ فَعِلِيَّةٍ كَمَطِيَّةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى نُوحٍ. قالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: كانَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ إبْراهِيمُ: شُكْرُهُ إذا أكَلَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا فَرَغَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ إذا لَبِسَ ثَوْبًا قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وإذا نَزَعَهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ إلى مُوسى. انْتَهى. ونَبَّهَ عَلى الشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّوْحِيدَ؛ إذِ النِّعَمُ الَّتِي يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْها هي مِن عِنْدِهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُونُوا مُوَحِّدِينَ شاكِرِينَ لِنِعَمِ اللَّهِ مُقْتَدِينَ بِنُوحٍ الَّذِي أنْتُمْ ذُرِّيَّةُ مَن حُمِلَ مَعَهُ.

الإسراء 17:3

(p-٢)سُورَةُ (الإسْراءِ) مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإسراء: ١٠] ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧] ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] . (p-٣)جاسَ يَجُوسُ جَوْسًا وجَوَسانًا تَرَدَّدَ في الغارَةِ قالَهُ اللَّيْثُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جاسُوا: فَتَّشُوا هَلْ بَقِيَ مِمَّنْ لَمْ يُقْتَلْ. وقالَ الفَرّاءُ: قَتَلُوا. قالَ حَسّانُ: ؎ومِنّا الَّذِي لاقى لِسَيْفِ مُحَمَّدٍ فَجاسَ بِهِ الأعْداءُ عَرْضَ العَساكِرِ وقالَ قُطْرُبٌ: نَزَلُوا. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَجُسْنا دِيارَهم عَنْوَةً ∗∗∗ وأبْناءُ ساداتِهِمْ مُوَثَّقِينا وقِيلَ: داسُوا، ومِنهُ: ؎إلَيْكَ جُسْنا اللَّيْلَ بِالمَطِيِّ وقالَ أبُو زَيْدٍ: الجَوْسُ والحَوْسُ والعَوْسُ والهَوْسُ الطَّوافُ بِاللَّيْلِ. فالجَوْسُ والحَوْسُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاسْتِقْصاءٍ. حَظَرْتُ الشَّيْءَ مَنَعْتُهُ. ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ‎وكِيلًا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبدًا شَكُورًا﴾ . سَبَبُ نُزُولِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقُرَيْشٍ الإسْراءَ بِهِ، وتَكْذِيبُهم لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ، وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. قالَ صاحِبُ الغُنْيانِ بِإجْماعٍ، وقِيلَ: إلّا آيَتَيْنِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦] وقِيلَ: إلّا أرْبَعَ، هاتانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقَوْلُهُ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] . (p-٤)وزادَ مُقاتِلٌ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] الآيَةَ. وقالَ قَتادَةُ إلّا ثَمانِيَ آياتٍ أُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخِرِهِنَّ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ، وأنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ مِن مَكْرِهِمْ، وكانَ مِن مَكْرِهِمْ نِسْبَتُهُ إلى الكَذِبِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رَمَوْهُ بِهِ، أعْقَبَ تَعالى ذَلِكَ بِذِكْرِ شَرَفِهِ وفَضْلِهِ واحْتِفائِهِ بِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى سُبْحانَ في البَقَرَةِ. وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ كَعُثْمانَ لِلرَّجُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ في آخِرِهِ زائِدَتَيْنِ وهو مَعْرِفَةٌ بِالعَلَمِيَّةِ، وإضافَتُهُ لا تَزِيدُهُ تَعْرِيفًا. انْتَهى. ويَعْنِيانِ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهُ إذا لَمْ يُضَفْ، كَقَوْلِهِ: ؎سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وأمّا إذا أُضِيفَ فَلَوْ فَرَضْنا أنَّهُ عَلَمٌ لَنُوِيَ تَنْكِيرُهُ ثُمَّ يُضافُ وصارَ إذْ ذاكَ تَعْرِيفُهُ بِالإضافَةِ لا بِالعَلَمِيَّةِ. وأسْرى بِمَعْنى سَرى، ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، وعُدِّيَ بِالباءِ ولا يَلْزَمُ مِن تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ المُشارَكَةُ في الفِعْلِ، بَلِ المَعْنى: جَعَلَهُ يَسْرِي؛ لِأنَّ السُّرى يَدُلُّ عَلى الِانْتِقالِ، كَمَشى وجَرى وهو مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ: لَأذْهَبَ سَمْعَهم، فَأسْرى وسَرى عَلى هَذا كَسَقى وأسْقى إذْ كانا بِمَعْنًى واحِدٍ، ولِذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ سَرى بِعَبْدِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ (أسْرى) مُعَدّاةٌ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أسْرى المَلائِكَةَ بِعَبْدِهِ؛ لِأنَّهُ يُقْلِقُ أنْ يُسْنَدَ أسْرى وهو بِمَعْنى سَرى إلى اللَّهِ تَعالى، إذْ هو فِعْلٌ يُعْطِي النُّقْلَةَ كَمَشى وجَرى وأحْضَرَ وانْتَقَلَ، فَلا يَحْسُنُ إسْنادُ شَيْءٍ مِن هَذا ونَحْنُ نَجِدُ مَندُوحَةً، فَإذا صَرَّحَتِ الشَّرِيعَةُ بِشَيْءٍ مِن هَذا النَّحْوِ كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «أتَيْتُهُ سَعْيًا وأتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» حُمِلَ ذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ عَلى الوَجْهِ المُخَلِّصِ مِن نَفْيِ (p-٥)الحَوادِثِ، و(أسْرى) في هَذِهِ الآيَةِ تَخْرُجُ فَصِيحَةً كَما ذَكَرْنا، ولا يُحْتاجُ إلى تَجَوُّزِ قَلَقٍ في مِثْلِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَإنَّهُ ألْزَمُ لِلنُّقْلَةِ مِن أتَيْتُهُ وأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمُ. انْتَهى. وإنَّما احْتاجَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى هَذِهِ الدَّعْوى اعْتِقادَ أنَّهُ إذا كانَ أسْرى بِمَعْنى سَرى لَزِمَ مِن كَوْنِ الباءِ لِلتَّعْدِيَةِ مُشارَكَةُ الفاعِلِ لِلْمَفْعُولِ، وهَذا شَيْءٌ ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ، فَإذا قُلْتَ: قُمْتُ بِزَيْدٍ لَزِمَ مِنهُ قِيامُكَ وقِيامُ زِيدٍ عِنْدَهُ، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ، التَبَسَتْ عِنْدَهُ باءُ التَّعْدِيَةِ بِباءِ الحالِ، فَباءُ الحالِ يَلْزَمُ فِيهِ المُشارَكَةُ إذِ المَعْنى قُمْتُ مُلْتَبِسًا بِزَيْدٍ وباءُ التَّعْدِيَةِ مُرادِفَةٌ لِلْهَمْزَةِ، فَقُمْتُ بِزَيْدٍ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَقَوْلِكَ أقَمْتُ زَيْدًا ولا يَلْزَمُ مِن إقامَتِكَهُ أنْ تَقُومَ أنْتَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أسْرى بِمَعْنى سَرى عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] يَعْنِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أسْرَتْ مَلائِكَتُهُ بِعَبْدِهِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِ أنَّهُ يَلْزَمُ المُشارَكَةَ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وأيْضًا فَمَوارِدُ القُرْآنِ في فَأسْرِ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ووَصْلِها يَقْتَضِي أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ [هود: ٨١] و﴿أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ [طه: ٧٧] قُرِئَ بِالقَطْعِ والوَصْلِ، ويَبْعُدُ مَعَ القَطْعِ تَقْدِيرُ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ إذْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ في مَوْضِعٍ، فَيُسْتَدَلُّ بِالمُصَرَّحِ عَلى المَحْذُوفِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الإسْراءَ كانَ بِشَخْصِهِ، ولِذَلِكَ كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ بِهِ وشَنَّعَتْ عَلَيْهِ، وحِينَ قَصَّ ذَلِكَ عَلى أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: لا تُحَدِّثِ النّاسَ بِها فَيُكَذِّبُوكَ ولَوْ كانَ مَنامًا اسْتُنْكِرَ ذَلِكَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ، وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ. وحَدِيثُ الإسْراءِ مَرْوِيٌّ في المَسانِيدِ عَنِ الصَّحابَةِ في كُلِّ أقْطارِ الإسْلامِ، وذُكِرَ أنَّهُ رَواهُ عِشْرُونَ مِنَ الصَّحابَةِ. قِيلَ: وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ ومُعاوِيَةَ أنَّهُ كانَ مَنامًا فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُما، ولَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ حُجَّةٌ لِأنَّهُما لَمْ يُشاهِدا ذَلِكَ لِصِغَرِ عائِشَةَ وكُفْرِ مُعاوِيَةَ إذْ ذاكَ؛ ولِأنَّهُما لَمْ يُسْنِدا ذَلِكَ إلى الرَّسُولِ ﷺ ولا حَدَّثا بِهِ عَنْهُ. وعَنِ الحَسَنِ كانَ في المَنامِ رُؤْيا رَآها وقَوْلُهُ: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ أبُو القاسِمِ سُلَيْمانُ الأنْصارِيُّ: لَمّا وصَلَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الرَّفِيعَةِ في المَعارِجِ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ أُشَرِّفُكَ ؟ قالَ: يا رَبِّ بِنِسْبَتِي إلَيْكَ بِالعُبُودِيَّةِ، فَأنْزَلَ فِيهِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ الآيَةَ. . انْتَهى. وعَنْهُ قالُوا: (عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ)، وعَنْهُ (إنَّما أنا عَبْدٌ) وهَذِهِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ واخْتِصاصٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎لا تَدْعُنِي إلّا بِيا عَبْدَها ∗∗∗ لِأنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي وقالَ العُلَماءُ: لَوْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْمٌ أشْرَفُ مِنهُ لَسَمّاهُ بِهِ في تِلْكَ الحالَةِ. وانْتَصَبَ (لَيْلًا) عَلى الظَّرْفِ، ومَعْلُومٌ أنَّ السُّرى لا يَكُونُ في اللُّغَةِ إلّا بِاللَّيْلِ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. وقِيلَ: يَعْنِي في جَوْفِ اللَّيْلِ فَلَمْ يَكُنْ إدْلاجًا ولا ادِّلاجًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِقَوْلِهِ: (لَيْلًا) بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ تَقْلِيلَ مُدَّةِ الإسْراءِ، وأنَّهُ أسْرى بِهِ في بَعْضِ اللَّيْلِ مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وذَلِكَ أنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ قَدْ دَلَّ عَلى مَعْنى البَعْضِيَّةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وحُذَيْفَةَ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: بَعْضِ اللَّيْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] عَلى الأمْرِ بِالقِيامِ في بَعْضِ اللَّيْلِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ هو المَسْجِدُ المُحِيطُ بِالكَعْبَةِ بِعَيْنِهِ، وهو قَوْلُ أنَسٍ. وقِيلَ: مِنَ الحِجْرِ، وقِيلَ: مِن بَيْنِ زَمْزَمَ والمَقامِ، وقِيلَ: مِن شِعْبِ أبِي طالِبٍ، وقِيلَ: مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ، وقِيلَ: مِن سَقْفِ بَيْتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ أطْلَقَ المَسْجِدَ الحَرامَ عَلى مَكَّةَ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ. وقالَتْ عائِشَةُ: بِعامٍ ونِصْفٍ في رَجَبٍ. وقِيلَ: في سَبْعَ عَشْرَةَ مِن رَبِيعِ الأوَّلِ والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ إحْدى وخَمْسِينَ سَنَةً وتِسْعَةِ أشْهُرٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا. وعَنِ ابْنِ شِهابٍ بَعْدَ المَبْعَثِ بِسَبْعَةِ أعْوامٍ. وعَنِ الحَرْبِيِّ لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِن رَبِيعِ الآخَرِ قَبْلَ الهِجْرَةِ (p-٦)بِسَنَةٍ، والمُتَحَقِّقُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ شَقِّ الصَّحِيفَةِ وقَبْلَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ، ووَقَعَ لِشَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ في الصَّحِيحِ أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، ولا خِلافَ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ أنَّ ذَلِكَ وهْمٌ مِن شَرِيكٍ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ أنَسٍ والحَسَنِ أنَّهُ كانَ قَبْلَ المَبْعَثِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ القاسِمِ الرُّعَيْنِيُّ في تارِيخِهِ: أُسْرِيَ بِهِ مِن مَكَّةَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وعُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ويُرْوى أنَّهُ كانَ نائِمًا في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ، فَأُسْرِيَ بِهِ ورَجَعَ مِن لَيْلَتِهِ وقَصَّ القِصَّةَ عَلى أُمِّ هانِئٍ وقالَ: ”مُثِّلَ لِيَ النَّبِيُّونَ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ“ . وقامَ لِيَخْرُجَ إلى المَسْجِدِ فَتَشَبَّثَتْ أُمُّ هانِئٍ بِثَوْبِهِ فَقالَ: ”ما لَكِ“ ؟ قالَتْ: أخْشى أنْ يُكَذِّبَكَ قَوْمُكَ إنْ أخْبَرْتَهم، قالَ: ”وإنْ كَذَّبُونِي“ فَخَرَجَ فَجَلَسَ إلَيْهِ أبُو جَهْلٍ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَدِيثِ الإسْراءِ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ هَلُمَّ، فَحَدَّثَهم، فَمِن بَيْنِ مُصَفِّقٍ وواضِعٍ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ تَعَجُّبًا وإنْكارًا، وارْتَدَّ ناسٌ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قالُوا: أتُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ: إنِّي لَأُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدَ مِن ذَلِكَ، فَسُمِّيَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ومِنهم مَن سافَرَ إلى المَسْجِدِ الأقْصى فاسْتَنْعَتُوهُ، فَجُلِّيَ لَهُ بَيْتُ المَقْدِسِ، فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْعَتُهُ لَهم، فَقالُوا: أمّا النَّعْتُ فَقَدْ أصابَ، فَقالُوا: أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا، فَأخْبَرَهم بِعَدَدِ جِمالِها وأحْوالِها، وقالَ: «تَقْدَمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ» فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ ذَلِكَ اليَوْمَ نَحْوَ الثَّنِيَّةِ. فَقالَ قائِلٌ مِنهم: واللَّهِ هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ شَرَقَتْ. وقالَ آخَرُ: وهَذِهِ واللَّهِ العِيرُ قَدْ أقْبَلَتْ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ كَما قالَ مُحَمَّدٌ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، وقالُوا: ما هَذا إلّا سِحْرٌ بَيِّنٌ، وقَدْ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وكانَ العُرُوجُ بِهِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وأخْبَرَ قُرَيْشًا أيْضًا بِما رَأى في السَّماءِ مِنَ العَجائِبِ، وأنَّهُ لَقِيَ الأنْبِياءَ، وبَلَغَ البَيْتَ المَعْمُورَ وسِدْرَةَ المُنْتَهى. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ هي لَيْلَةُ المِعْراجِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وجَماعَةٍ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ لَيْلَةَ المِعْراجِ هي غَيْرُ لَيْلَةِ الإسْراءِ. (والمَسْجِدُ الأقْصى) مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وسُمِّيَ الأقْصى؛ لِأنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أقْصى بُيُوتِ اللَّهِ الفاضِلَةِ مِنَ الكَعْبَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأقْصى البَعِيدَ دُونَ مُفاضَلَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِواهُ، ويَكُونَ المَقْصِدُ إظْهارَ العَجَبِ في الإسْراءِ إلى هَذا البُعْدِ في لَيْلَةٍ. انْتَهى. ولَفْظَةُ (إلى) تَقْتَضِي أنَّهُ انْتَهى الإسْراءُ بِهِ إلى حَدِّ ذَلِكَ المَسْجِدِ ولا يَدُلُّ مِن حَيْثُ الوَضْعُ عَلى دُخُولِهِ. (والَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) صِفَةُ مَدْحٍ لِإزالَةِ اشْتِراطٍ عارِضٍ، وبَرَكَتُهُ بِما خُصَّ بِهِ مِنَ الخَيْراتِ الدِّينِيَّةِ كالنُّبُوَّةِ والشَّرائِعِ والرُّسُلِ الَّذِينَ كانُوا في ذَلِكَ القُطْرِ ونَواحِيهِ ونَوادِيهِ، والدُّنْياوِيَّةِ مِن كَثْرَةِ الأشْجارِ والأنْهارِ، وطِيبِ الأرْضِ. وفي الحَدِيثِ ”أنَّهُ تَعالى بارَكَ فِيما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ، وخَصَّ فِلَسْطِينَ بِالتَّقْدِيسِ“ . « وقَرَأ الجُمْهُورُ (» ﴿لِنُرِيَهُ﴾) بِالنُّونِ، وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وقِراءَةُ الحَسَنِ ”لِيُرِيَهُ“ بِالياءِ فَيَكُونُ الِالتِفاتُ في آياتِنا، وهَذِهِ رُؤْيا عَيْنٍ، والآياتُ الَّتِي أُرِيَها هي العَجائِبُ الَّتِي أخْبَرَ بِها النّاسَ، وإسْراؤُهُ مِن مَكَّةَ وعُرُوجُهُ إلى السَّماءِ، ووَصْفُهُ الأنْبِياءَ واحِدًا واحِدًا حَسْبَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ لِيُرِيَ مُحَمَّدًا لِلنّاسِ آيَةً، أيْ: يَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ آيَةً في أنْ يَصْنَعَ اللَّهُ بِبَشَرٍ هَذا الصُّنْعَ فَتَكُونُ الرُّؤْيَةُ عَلى هَذا رُؤْيَةَ القَلْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنَّه هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ مُحَمَّدٍ (البَصِيرُ) بِأفْعالِهِ، العالِمُ بِتَهْذِيبِها وخُلُوصِها فَيُكْرِمُهُ، ويُقَرِّبُهُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكُفّارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ في أمْرِ الإسْراءِ، فَهي إشارَةٌ لَطِيفَةٌ بَلِيغَةٌ إلى ذَلِكَ أيْ: هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُونَ، البَصِيرُ بِأفْعالِكُمُ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَشْرِيفَ الرَّسُولِ ﷺ بِالإسْراءِ وإراءَتَهُ الآياتِ، ذَكَرَ تَشْرِيفَ مُوسى بِإيتائِهِ التَّوْراةَ (وآتَيْنا) مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مِن (p-٧)تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وبَراءَتِهِ مِنَ السُّوءِ، ولا يَلْزَمُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ المُشارَكَةُ في الخَبَرِ أوْ غَيْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفُ قَوْلِهِ وآتَيْنا عَلى ما في قَوْلِهِ أسْرى بِعَبْدِهِ مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: أسْرَيْنا بِعَبْدِنا، وأرَيْناهُ آياتِنا وآتَيْنا. وقالَ العُكْبَرِيُّ: وآتَيْنا مَعْطُوفٌ عَلى أسْرى. انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ مِن وجَعَلْناهُ عَلى الكِتابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً ولا نَهْيَ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً تَعْلِيلًا أيْ: لِأنْ لا يَتَّخِذُوا ولا نَفْيَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ زائِدَةً، ويَكُونَ لا تَتَّخِذُوا مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ خِلافًا لِمُجَوِّزِ ذَلِكَ؛ إذْ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ أنْ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعِيسى وأبُو رَجاءٍ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: (يَتَّخِذُوا) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ، والوَكِيلُ فَعِيلٌ مِنَ التَّوَكُّلِ أيْ: مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَفِيظًا لَكم سِوايَ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: قِيلَ لِلرَّبِّ: وكِيلٌ لِكِفايَتِهِ وقِيامِهِ بِشُئُونِ عِبادِهِ، لا عَلى مَعْنى ارْتِفاعِ مَنزِلَةِ المُوَكِّلِ وانْحِطاطِ أمْرِ الوَكِيلِ. انْتَهى. وانْتَصَبَ (ذُرِّيَّةَ) عَلى النِّداءِ أيْ: يا ذُرِّيَّةً أوْ عَلى البَدَلِ مِن وكِيلًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِيَتَّخِذُوا وكِيلًا، وفي مَعْنى الجَمْعِ أيْ: لا يَتَّخِذُوا وُكَلاءَ ذُرِّيَّةً، أوْ عَلى إضْمارِ أعْنِي. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ذُرِّيَّةُ بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتَّخِذُوا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ في القِراءَةِ بِالتّاءِ؛ لِأنَّكَ لا تُبْدِلُ مِن ضَمِيرِ مُخاطَبٍ لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُكَ زَيْدًا عَلى البَدَلِ لَمْ يَجُزِ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن إطْلاقِ أنَّكَ لا تُبْدِلُ مِن ضَمِيرِ مُخاطَبٍ يَحْتاجُ إلى تَفْصِيلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ إنْ كانَ في بَدَلِ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وبَدَلِ اشْتِمالٍ جازَ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ في بَدَلِ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ وإنْ كانَ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ جازَ بِلا خِلافٍ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم وإنْ لَمْ يُفِدِ التَّوْكِيدَ، فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ المَنعُ، ومَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ الجَوازُ وهو الصَّحِيحُ؛ لِوُجُودِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدِ اسْتَدْلَلْنا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ في شَرْحِ كِتابِ التَّسْهِيلِ، وذَكَرَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ تَنْبِيهًا عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي نَجّاهم بِها مِنَ الغَرَقِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ بِكَسْرِ ذالِ ذِرِّيَّةَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا بِفَتْحِها. وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ ذَرِيَّةَ بِفَتْحِ الذّالِ، وتَخْفِيفِ الرّاءِ، وتَشْدِيدِ الياءِ عَلى وزْنِ فَعِلِيَّةٍ كَمَطِيَّةٍ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى نُوحٍ. قالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: كانَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلى طَعامِهِ. وقالَ إبْراهِيمُ: شُكْرُهُ إذا أكَلَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا فَرَغَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ إذا لَبِسَ ثَوْبًا قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وإذا نَزَعَهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ إلى مُوسى. انْتَهى. ونَبَّهَ عَلى الشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّوْحِيدَ؛ إذِ النِّعَمُ الَّتِي يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْها هي مِن عِنْدِهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُونُوا مُوَحِّدِينَ شاكِرِينَ لِنِعَمِ اللَّهِ مُقْتَدِينَ بِنُوحٍ الَّذِي أنْتُمْ ذُرِّيَّةُ مَن حُمِلَ مَعَهُ.

الإسراء 17:4

﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . (p-٨)(قَضى) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] ولَمّا ضُمِّنَ هُنا مَعْنى الإيحاءِ أوِ الإنْفاذِ تَعَدّى بِإلى أيْ: وأوْحَيْنا أوْ أنْفَذْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في القَضاءِ المَحْتُومِ المَبْتُوتِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ أعْلَمْناهم، وعَنْهُ أيْضًا قَضَيْنا عَلَيْهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا كَتَبْنا. واللّامُ في ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ مُتَعَلَّقُ القَضاءِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِفَسادِهِمْ في الأرْضِ وعُلُوِّهِمْ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، فَحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (قَضَيْنا) وأُبْقِيَ مَنصُوبُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَضَيْنا) أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ، و﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُهُ، كَقَوْلِهِمْ قَضاءُ اللَّهِ لَأقُومَنَّ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ جُبَيْرٍ في الكُتُبِ عَلى الجَمْعِ، والجُمْهُورُ عَلى الإفْرادِ فاحْتُمِلَ أنْ يُرِيدَ بِهِ الجِنْسَ، والظّاهِرُ أنْ يُرادَ التَّوْراةُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ لَتُفْسَدُنَّ - بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ - مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: يُفْسِدُكم غَيْرُكم. فَقِيلَ: مِنَ الإضْلالِ، وقِيلَ: مِنَ الغَلَبَةِ. وقَرَأ عِيسى لَتَفْسُدُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ (p-٩)أيْ: فَسَدْتُمْ بِأنْفُسِكم بِارْتِكابِ المَعاصِي مَرَّتَيْنِ، أُولاهُما: قَتْلُ زَكَرِيّاءَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ماتَ صِدِّيقَةُ مَلِكُهم تَنافَسُوا عَلى المُلْكِ، وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَسْمَعُونَ مِن زَكَرِيّا. فَقالَ اللَّهُ لَهُ: قُمْ في قَوْمِكَ أُوحِ عَلى لِسانِكَ، فَلَمّا فَرَغَ مِمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَدَوْا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ، فانْفَلَقَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فَدَخَلَ فِيها، وأدْرَكَهُ الشَّيْطانُ فَأخَذَ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ فَأراهم إيّاها فَوَضَعُوا المِنشارَ في وسَطِها حَتّى قَطَعُوهُ في وسَطِها. وقِيلَ: سَبَبُ قَتْلِ زَكَرِيّا أنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ بِمَرْيَمَ، قِيلَ: قالُوا حِينَ حَمَلَتْ مَرْيَمُ: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَقَطَعُوهُ بِالمِنشارِ في الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: أشْعِياءُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنْ كانَ زَكَرِيّاءُ ماتَ مَوْتًا ولَمْ يُقْتَلْ، وإنَّ الَّذِي دَخَلَ الشَّجَرَةَ وقُطِعَ نِصْفَيْنِ بِالمِنشارِ في وسَطِها هو أشْعِياءُ، وكانَ قَبْلَ زَكَرِيّاءَ وحُبِسَ أرْمِياءُ حِينَ أنْذَرَهم سَخَطَ اللَّهِ والآخِرَةَ - قَبْلَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ - وقَصْدَ قَتْلِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أعْلَمَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهم عِصْيانٌ وكُفْرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى في الرُّسُلِ وفي الكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ سَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً تَغْلِبُهم وتَقْتُلُهم وتُذِلُّهم، ثُمَّ يَرْحَمُهم بَعْدَ ذَلِكَ، ويَجْعَلُ لَهُمُ الكَرَّةَ ويَرُدُّهم إلى حالِهِمُ الأُولى مِنَ الظُّهُورِ، فَتَقَعُ مِنهُمُ المَعاصِي وكُفْرُ النِّعَمِ والظُّلْمُ والقَتْلُ والكُفْرُ بِاللَّهِ مِن بَعْضِهِمْ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً أُخْرى تُخَرِّبُ دِيارَهم وتَقْتُلُهم وتُجْلِيهِمْ جَلاءً مُبَرِّحًا، ودَلَّ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى هَذا الأمْرِ كُلِّهِ، قِيلَ: وكانَ بَيْنَ آخِرِ الأُولى والثّانِيَةِ مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ مُلْكًا مُؤَيَّدًا ثابِتًا، وقِيلَ: سَبْعُونَ سَنَةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: لَتَعْصُنَّ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ ولَتَعْلُنَّ أيْ: تَطْغَوْنَ وتَعْظُمُونَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عُلِيًّا كَبِيرًا“ في المَوْضِعَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ والياءِ المُشَدَّدَةِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ (عُلُوًّا) والصَّحِيحُ في فُعُولٍ المَصْدَرُ أكْثَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] بِخِلافِ الجَمْعِ، فَإنَّ الإعْلالَ فِيهِ هو المَقِيسُ، وشَذَّ التَّصْحِيحُ نَحْوُ نَهُوَ ونُهُوٌّ، خِلافًا لِلفَرّاءِ إذْ جَعَلَ ذَلِكَ قِياسًا ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ أيْ: مَوْعِدُ أُولاهُما؛ لِأنَّ الوَعْدَ قَدْ سَبَقَ ذَلِكَ والمَوْعُودُ هو العِقابُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: وعْدُ عِقابِ أُولاهُما. وقِيلَ: الوَعْدُ بِمَعْنى الوَعِيدِ، وقِيلَ: بِمَعْنى المَوْعِدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الوَقْتُ، والضَّمِيرُ في أُولاهُما عائِدٌ عَلى المَرَّتَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عِبادًا) وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عَبِيدًا“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَزاهم، وقَتادَةُ: جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ: غَزاهم سَنْجارِيبُ وجُنُودُهُ مَلِكُ بابِلَ. وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرْ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفُرْسِ، وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ يَعْلَمْهُ الفُرْسُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُداخِلُهم، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ، وبَعَثَهُ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَهم وجَلّاهم، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعَهُ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقِيلَ: هُمُ العَمالِقَةُ وكانُوا كُفّارًا، وقِيلَ: كانَ المَبْعُوثُونَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ وأمَرَهم بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ، والبَعْثُ هُنا الإرْسالُ والتَّسْلِيطُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوهُ، ولَمْ نَمْنَعْهم عَلى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وعَلا - أسْنَدَ بَعْثَ الكَفَرَةِ إلى نَفْسِهِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] وكَقَوْلِ الدّاعِي: وخالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وأسْنَدَ الجَوْسَ، وهو التَّرَدُّدُ خِلالَ الدِّيارِ بِالفَسادِ إلَيْهِمْ، فَتَخْرِيبُ المَسْجِدِ وإحْراقُ التَّوْراةِ مِن جُمْلَةِ الجَوْسِ المُسْنَدِ إلَيْهِمُ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوا دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بَعَثْنا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْو بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البَعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا ألْقى في نَفْسِ المَلِكِ أيْ: غَزاهُمُ. انْتَهى. ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: قِتالٍ وحَرْبٍ شَدِيدٍ لِقُوَّتِهِمْ ونَجْدَتِهِمْ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٠)﴿فَجاسُوا﴾ بِالجِيمِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وطَلْحَةُ ”فَحاسُوا“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ. وقُرِئَ (فَتَجَوَّسُوا) عَلى وزْنِ تَكَسَّرُوا بِالجِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ واحِدًا، ويُجْمَعُ عَلى خَلَلٍ كَجَبَلٍ وجِبالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِلالَ مُفْرَدًا كالخَلَلِ وهو وسَطُ الدِّيارِ وما بَيْنَها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ في هَذِهِ البِعْثَةِ الأُولى خَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ووَقَعَ القَتْلُ فِيهِمْ والجَلاءُ والأسْرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّهُ حِينَ غُزُوا جاسَ الغازُونَ خِلالَ الدِّيارِ، ولَمْ يَكُنْ قَتْلٌ ولا قِتالٌ في بَنِي إسْرائِيلَ، وانْصَرَفَتْ عَنْهُمُ الجُيُوشُ. والضَّمِيرُ في (وكانَ) عائِدٌ عَلى وعْدِ أُولاهُما. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ وعْدُ العِقابِ وعْدًا لا بُدَّ أنْ يُفْعَلَ. انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجُيُوشِ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ، وجَعَلَ ﴿رَدَدْنا﴾ مَوْضِعَ نَرُدُّ، إذْ وقَتَ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللَّهِ في غايَةِ الثِّقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عَنْ مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، والكَرَّةُ: الدَّوْلَةُ والغَلَبَةُ عَلى الَّذِينَ بُعِثُوا عَلَيْهِمْ، حَتّى تابُوا ورَجَعُوا عَنِ الفَسادِ مَلَكُوا بَيْتَ المَقْدِسِ قَبْلَ الكَرَّةِ قَبْلَ بُخْتَنَصَّرْ، واسْتِبْقاءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْراهم وأمْوالَهم ورُجُوعِ المُلْكِ إلَيْهِمْ، وذُكِرَ في سَبَبِ ذَلِكَ أنَّ مَلِكًا غَزا أهْلَ بابِلَ، وكانَ بُخْتَنَصَّرْ قَدْ قَتَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ وأبْقى بَقِيَّتَهُ عِنْدَهم بِبابِلَ في الذُّلِّ، فَلَمّا غَزاهم ذَلِكَ المَلِكُ، وغَلَبَ عَلى بابِلَ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَطَلَبَتْ مِنهُ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ فَرَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا. وقِيلَ: الكَرَّةُ: تَقْوِيَةُ طالُوتَ حَتّى حارَبَ جالُوتَ، ونَصْرُ داوُدَ عَلى قَتْلِ جالُوتَ. وقالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ شَرًّا في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وانْتَصَبَ ﴿نَفِيرًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ. فَقِيلَ: النَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، وأصْلُهُ مِن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفْرٍ كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، وهُمُ المُجْتَمِعُونَ لِلْمَصِيرِ إلى الأعْداءِ. وقِيلَ: النَّفِيرُ مَصْدَرٌ أيْ: أكْثَرَ خُرُوجًا إلى الغَزْوِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ وحِمْيَرُ أكْرِمْ بِقَوْمٍ نَفِيرًا ويُرْوى بِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِمّا كُنْتُمْ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِنَ الأعْداءِ. ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ﴾ أيْ: أطَعْتُمُ اللَّهَ كانَ ثَوابُ الطّاعَةِ لِأنْفُسِكم ﴿وإنْ أسَأْتُمْ﴾ بِمَعْصِيَتِهِ كانَ عِقابُ الإساءَةِ لِأنْفُسِكم، لا يَتَعَدّى الإحْسانُ والإساءَةُ إلى غَيْرِكم، وجَوابُ وإنْ أسَأْتُمْ قَوْلُهُ: (فَلَها) عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ولَها خَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ فالإساءَةُ لَها. قالَ الكَرْمانِيُّ: جاءَ فَلَها بِاللّامِ ازْدِواجًا. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ قابَلَ قَوْلَهُ لِأنْفُسِكم بِقَوْلِهِ فَلَها. وقالَ الطَّبَرِيُّ: اللّامُ بِمَعْنى إلى أيْ: فَإلَيْها تَرْجِعُ الإساءَةُ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى أيْ: فَعَلَيْها كَما في قَوْلِهِ: ؎فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ أيِ: المَرَّةُ الآخِرَةِ في إفْسادِكم وعُلُوِّكم، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ إذا الأُولى، تَقْدِيرُهُ بَعَثْناهم عَلَيْكم، وإفْسادُهم في ذَلِكَ بِقَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِما السَّلامُ. وسَبَبُ قَتْلِهِ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: أنَّ مَلِكًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ مَن لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُها، فَنَهاهُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا، وكانَ لِتِلْكَ المَرْأةِ حاجَةٌ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ المَلِكِ تَقْضِيها، فَألْقَتْ أُمُّها إلَيْها أنْ تَسْألَهُ عَنْ ذَبْحِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا بِسَبَبِ ما كانَ مَنعُهُ مِن تَزَوُّجِ ابْنَتِها فَسَألَتْهُ ذَلِكَ، فَدافَعَها فَألَحَّتْ عَلَيْهِ فَدَعا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ فَنَدَرَتْ قَطْرَةٌ عَلى الأرْضِ، فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرْ وأُلْقِيَ في نَفْسِهِ أنْ يَقْتُلَ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ مِنهم حَتّى يَسْكُنَ، فَقَتَلَ عَلَيْهِ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرْ؛ لِأنَّ قَتْلَ يَحْيى بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، وبُخْتَنَصَّرْ كانَ قَبْلَ عِيسى بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: المَبْعُوثُ عَلَيْهِمُ الإسْكَنْدَرُ وبَيْنَ الإسْكَنْدَرِ وعِيسى نَحْوُ ثَلاثمِائَةِ سَنَةٍ، ولَكِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالمَرَّةِ الأُخْرى حِينَ قَتَلُوا أشْعِياءَ فَكانَ بُخْتَنَصَّرْ (p-١١)إذْ ذاكَ حَيًّا فَهو الَّذِي قَتَلَهم وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ واتَّبَعَهم إلى مِصْرَ، وأخْرَجَهم مِنها. ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خَرْدُوسُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ قائِدٌ لَهُ فَسَكَنَ الدَّمُ. وقِيلَ: قَتَلَهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ لاحِبُ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ يَحْيى قَدْ أُعْطِيَ حُسْنًا وجَمالًا فَراوَدَتْهُ امْرَأةُ المَلِكِ عَنْ نَفْسِهِ فَأبى، فَقالَتْ لِابْنَتِها: سَلِي أباكِ رَأْسَ يَحْيى فَأعْطاها ما سَألَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيَسُوءُوا) بِلامِ كَيْ وياءِ الغَيْبَةِ وضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ العائِدِ عَلى المَبْعُوثِينَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ”لِيَسُوءَ“ بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، والفاعِلُ المُضْمَرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى الوَعْدِ، أوْ عَلى البَعْثِ الدّالِّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الجَزاءِ المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والكِسائِيُّ ”لِنَسُوءَ“ بِالنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، وفِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ ”لِنَسُوءُنَّ“ بِلامِ الأمْرِ والنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ آخِرًا. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا ”لَنَسُوءُنَّ ولَيَسُوءُنَّ“ بِالنُّونِ والياءِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ، وهي لامُ القَسَمِ، ودَخَلَتْ لامُ الأمْرِ في قِراءَةِ أُبَيٍّ عَلى المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وجَوابُ إذا هو الجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ”لِيُسِيءَ“ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ. وفي مُصْحَفِ أنَسٍ ”لِيَسُوءَ“ وجْهَكم عَلى الإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالوُجُوهِ الحَقِيقَةُ؛ لِأنَّ آثارَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ في القَلْبِ تَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ، فَفي الفَرَحِ يَظْهَرُ الإسْفارُ والإشْراقُ، وفي الحُزْنِ يَظْهَرُ الكُلُوحُ والغَبَرَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ الجُمْلَةِ بِالوَجْهِ، فَإنَّهم ساءُوهم بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ، فَحَصَلَتِ الإساءَةُ لِلذَّواتِ كُلِّها أوْ عَنْ ساداتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ بِالوُجُوهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في الخِطابِ يا وجْهَ العَرَبِ. واللّامُ في ﴿ولِيَدْخُلُوا﴾ لامُ كَيْ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَها مِن لامَ كَيْ، ومَن قَرَأ بِلامِ الأمْرِ أوْ بِلامِ القَسَمِ جازَ أنْ يَكُونَ ولِيَدْخُلُوا وما بَعْدَها أمْرًا، وجازَ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ أيْ: وبَعَثْناهم لِيَدْخُلُوا. والمَسْجِدُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ومَعْنى كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: بِالسَّيْفِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ والإذْلالِ، وهَذا يُبْعِدُ قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ أُولى المَرَّتَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيها قَتْلٌ ولا قِتالٌ ولا نَهْبٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ مَرَّةٍ في سُورَةِ التَّوْبَةِ. ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ يُهْلِكُوا. وقالَ قُطْرُبٌ: يَهْدِمُوا. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ ∗∗∗ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَفْعُولَةٌ بِـ يُتَبِّرُوا أيْ: يُهْلِكُوا ما غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما ظَرْفِيَّةٌ أيْ: مُدَّةَ اسْتِيلائِهِمْ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم بَعْدَ المَرَّةِ الثّانِيَةِ إنْ تُبْتُمْ وانْزَجَرْتُمْ عَنِ المَعاصِي، وهَذِهِ التَّرْجِئَةُ لَيْسَتْ لِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي مِن بابِ تَرَحُّمِ المُطِيعِ مِنهم، وكانَ مِنَ الطّاعَةِ أنْ يَتَّبِعُوا عِيسى ومُحَمَّدًا - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَلَمْ يَفْعَلُوا. ﴿وإنْ عُدْتُمْ﴾ إلى المَعْصِيَةِ مَرَّةً ثالِثَةً عُدْنا إلى العُقُوبَةِ، وقَدْ عادُوا فَأعادَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النِّقْمَةَ بِتَسْلِيطِ الأكاسِرَةِ وضَرْبِ الإتاوَةِ عَلَيْهِمْ. وعَنِ الحَسَنِ عادُوا فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وعَنْ قَتادَةَ: ثُمَّ كانَ آخِرُ ذَلِكَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الحَيَّ مِنَ العَرَبِ فَهم مِنهُ في عَذابٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. انْتَهى. ومَعْنى (عُدْنا) أيْ: في الدُّنْيا إلى العُقُوبَةِ. وقالَ تَعالى: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ثُمَّ ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، وهو جَعْلُ جَهَنَّمَ لَهم (حَصِيرًا) والحَصِيرُ السِّجْنُ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ومَقامُهُ غَلَبَ الرِّجالَ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي فِراشًا، وعَنْهُ أيْضًا هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها حاصِرَةٌ لَهم مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، فَحَصِيرٌ مَعْناهُ ذاتُ حَصْرٍ إذْ لَوْ كانَ لِلْمُبالَغَةِ لَزِمَتْهُ التّاءُ لِجَرَيانِهِ عَلى مُؤَنَّثٍ، كَما تَقُولُ: رَحِيمَةٌ وعَلِيمَةٌ، ولَكِنَّهُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ كَقَوْلِهِ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أيْ: ذاتُ انْفِطارٍ.

الإسراء 17:5

﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . (p-٨)(قَضى) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] ولَمّا ضُمِّنَ هُنا مَعْنى الإيحاءِ أوِ الإنْفاذِ تَعَدّى بِإلى أيْ: وأوْحَيْنا أوْ أنْفَذْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في القَضاءِ المَحْتُومِ المَبْتُوتِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ أعْلَمْناهم، وعَنْهُ أيْضًا قَضَيْنا عَلَيْهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا كَتَبْنا. واللّامُ في ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ مُتَعَلَّقُ القَضاءِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِفَسادِهِمْ في الأرْضِ وعُلُوِّهِمْ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، فَحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (قَضَيْنا) وأُبْقِيَ مَنصُوبُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَضَيْنا) أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ، و﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُهُ، كَقَوْلِهِمْ قَضاءُ اللَّهِ لَأقُومَنَّ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ جُبَيْرٍ في الكُتُبِ عَلى الجَمْعِ، والجُمْهُورُ عَلى الإفْرادِ فاحْتُمِلَ أنْ يُرِيدَ بِهِ الجِنْسَ، والظّاهِرُ أنْ يُرادَ التَّوْراةُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ لَتُفْسَدُنَّ - بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ - مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: يُفْسِدُكم غَيْرُكم. فَقِيلَ: مِنَ الإضْلالِ، وقِيلَ: مِنَ الغَلَبَةِ. وقَرَأ عِيسى لَتَفْسُدُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ (p-٩)أيْ: فَسَدْتُمْ بِأنْفُسِكم بِارْتِكابِ المَعاصِي مَرَّتَيْنِ، أُولاهُما: قَتْلُ زَكَرِيّاءَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ماتَ صِدِّيقَةُ مَلِكُهم تَنافَسُوا عَلى المُلْكِ، وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَسْمَعُونَ مِن زَكَرِيّا. فَقالَ اللَّهُ لَهُ: قُمْ في قَوْمِكَ أُوحِ عَلى لِسانِكَ، فَلَمّا فَرَغَ مِمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَدَوْا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ، فانْفَلَقَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فَدَخَلَ فِيها، وأدْرَكَهُ الشَّيْطانُ فَأخَذَ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ فَأراهم إيّاها فَوَضَعُوا المِنشارَ في وسَطِها حَتّى قَطَعُوهُ في وسَطِها. وقِيلَ: سَبَبُ قَتْلِ زَكَرِيّا أنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ بِمَرْيَمَ، قِيلَ: قالُوا حِينَ حَمَلَتْ مَرْيَمُ: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَقَطَعُوهُ بِالمِنشارِ في الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: أشْعِياءُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنْ كانَ زَكَرِيّاءُ ماتَ مَوْتًا ولَمْ يُقْتَلْ، وإنَّ الَّذِي دَخَلَ الشَّجَرَةَ وقُطِعَ نِصْفَيْنِ بِالمِنشارِ في وسَطِها هو أشْعِياءُ، وكانَ قَبْلَ زَكَرِيّاءَ وحُبِسَ أرْمِياءُ حِينَ أنْذَرَهم سَخَطَ اللَّهِ والآخِرَةَ - قَبْلَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ - وقَصْدَ قَتْلِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أعْلَمَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهم عِصْيانٌ وكُفْرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى في الرُّسُلِ وفي الكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ سَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً تَغْلِبُهم وتَقْتُلُهم وتُذِلُّهم، ثُمَّ يَرْحَمُهم بَعْدَ ذَلِكَ، ويَجْعَلُ لَهُمُ الكَرَّةَ ويَرُدُّهم إلى حالِهِمُ الأُولى مِنَ الظُّهُورِ، فَتَقَعُ مِنهُمُ المَعاصِي وكُفْرُ النِّعَمِ والظُّلْمُ والقَتْلُ والكُفْرُ بِاللَّهِ مِن بَعْضِهِمْ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً أُخْرى تُخَرِّبُ دِيارَهم وتَقْتُلُهم وتُجْلِيهِمْ جَلاءً مُبَرِّحًا، ودَلَّ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى هَذا الأمْرِ كُلِّهِ، قِيلَ: وكانَ بَيْنَ آخِرِ الأُولى والثّانِيَةِ مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ مُلْكًا مُؤَيَّدًا ثابِتًا، وقِيلَ: سَبْعُونَ سَنَةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: لَتَعْصُنَّ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ ولَتَعْلُنَّ أيْ: تَطْغَوْنَ وتَعْظُمُونَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عُلِيًّا كَبِيرًا“ في المَوْضِعَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ والياءِ المُشَدَّدَةِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ (عُلُوًّا) والصَّحِيحُ في فُعُولٍ المَصْدَرُ أكْثَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] بِخِلافِ الجَمْعِ، فَإنَّ الإعْلالَ فِيهِ هو المَقِيسُ، وشَذَّ التَّصْحِيحُ نَحْوُ نَهُوَ ونُهُوٌّ، خِلافًا لِلفَرّاءِ إذْ جَعَلَ ذَلِكَ قِياسًا ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ أيْ: مَوْعِدُ أُولاهُما؛ لِأنَّ الوَعْدَ قَدْ سَبَقَ ذَلِكَ والمَوْعُودُ هو العِقابُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: وعْدُ عِقابِ أُولاهُما. وقِيلَ: الوَعْدُ بِمَعْنى الوَعِيدِ، وقِيلَ: بِمَعْنى المَوْعِدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الوَقْتُ، والضَّمِيرُ في أُولاهُما عائِدٌ عَلى المَرَّتَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عِبادًا) وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عَبِيدًا“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَزاهم، وقَتادَةُ: جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ: غَزاهم سَنْجارِيبُ وجُنُودُهُ مَلِكُ بابِلَ. وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرْ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفُرْسِ، وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ يَعْلَمْهُ الفُرْسُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُداخِلُهم، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ، وبَعَثَهُ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَهم وجَلّاهم، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعَهُ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقِيلَ: هُمُ العَمالِقَةُ وكانُوا كُفّارًا، وقِيلَ: كانَ المَبْعُوثُونَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ وأمَرَهم بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ، والبَعْثُ هُنا الإرْسالُ والتَّسْلِيطُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوهُ، ولَمْ نَمْنَعْهم عَلى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وعَلا - أسْنَدَ بَعْثَ الكَفَرَةِ إلى نَفْسِهِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] وكَقَوْلِ الدّاعِي: وخالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وأسْنَدَ الجَوْسَ، وهو التَّرَدُّدُ خِلالَ الدِّيارِ بِالفَسادِ إلَيْهِمْ، فَتَخْرِيبُ المَسْجِدِ وإحْراقُ التَّوْراةِ مِن جُمْلَةِ الجَوْسِ المُسْنَدِ إلَيْهِمُ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوا دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بَعَثْنا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْو بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البَعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا ألْقى في نَفْسِ المَلِكِ أيْ: غَزاهُمُ. انْتَهى. ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: قِتالٍ وحَرْبٍ شَدِيدٍ لِقُوَّتِهِمْ ونَجْدَتِهِمْ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٠)﴿فَجاسُوا﴾ بِالجِيمِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وطَلْحَةُ ”فَحاسُوا“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ. وقُرِئَ (فَتَجَوَّسُوا) عَلى وزْنِ تَكَسَّرُوا بِالجِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ واحِدًا، ويُجْمَعُ عَلى خَلَلٍ كَجَبَلٍ وجِبالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِلالَ مُفْرَدًا كالخَلَلِ وهو وسَطُ الدِّيارِ وما بَيْنَها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ في هَذِهِ البِعْثَةِ الأُولى خَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ووَقَعَ القَتْلُ فِيهِمْ والجَلاءُ والأسْرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّهُ حِينَ غُزُوا جاسَ الغازُونَ خِلالَ الدِّيارِ، ولَمْ يَكُنْ قَتْلٌ ولا قِتالٌ في بَنِي إسْرائِيلَ، وانْصَرَفَتْ عَنْهُمُ الجُيُوشُ. والضَّمِيرُ في (وكانَ) عائِدٌ عَلى وعْدِ أُولاهُما. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ وعْدُ العِقابِ وعْدًا لا بُدَّ أنْ يُفْعَلَ. انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجُيُوشِ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ، وجَعَلَ ﴿رَدَدْنا﴾ مَوْضِعَ نَرُدُّ، إذْ وقَتَ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللَّهِ في غايَةِ الثِّقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عَنْ مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، والكَرَّةُ: الدَّوْلَةُ والغَلَبَةُ عَلى الَّذِينَ بُعِثُوا عَلَيْهِمْ، حَتّى تابُوا ورَجَعُوا عَنِ الفَسادِ مَلَكُوا بَيْتَ المَقْدِسِ قَبْلَ الكَرَّةِ قَبْلَ بُخْتَنَصَّرْ، واسْتِبْقاءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْراهم وأمْوالَهم ورُجُوعِ المُلْكِ إلَيْهِمْ، وذُكِرَ في سَبَبِ ذَلِكَ أنَّ مَلِكًا غَزا أهْلَ بابِلَ، وكانَ بُخْتَنَصَّرْ قَدْ قَتَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ وأبْقى بَقِيَّتَهُ عِنْدَهم بِبابِلَ في الذُّلِّ، فَلَمّا غَزاهم ذَلِكَ المَلِكُ، وغَلَبَ عَلى بابِلَ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَطَلَبَتْ مِنهُ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ فَرَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا. وقِيلَ: الكَرَّةُ: تَقْوِيَةُ طالُوتَ حَتّى حارَبَ جالُوتَ، ونَصْرُ داوُدَ عَلى قَتْلِ جالُوتَ. وقالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ شَرًّا في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وانْتَصَبَ ﴿نَفِيرًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ. فَقِيلَ: النَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، وأصْلُهُ مِن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفْرٍ كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، وهُمُ المُجْتَمِعُونَ لِلْمَصِيرِ إلى الأعْداءِ. وقِيلَ: النَّفِيرُ مَصْدَرٌ أيْ: أكْثَرَ خُرُوجًا إلى الغَزْوِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ وحِمْيَرُ أكْرِمْ بِقَوْمٍ نَفِيرًا ويُرْوى بِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِمّا كُنْتُمْ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِنَ الأعْداءِ. ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ﴾ أيْ: أطَعْتُمُ اللَّهَ كانَ ثَوابُ الطّاعَةِ لِأنْفُسِكم ﴿وإنْ أسَأْتُمْ﴾ بِمَعْصِيَتِهِ كانَ عِقابُ الإساءَةِ لِأنْفُسِكم، لا يَتَعَدّى الإحْسانُ والإساءَةُ إلى غَيْرِكم، وجَوابُ وإنْ أسَأْتُمْ قَوْلُهُ: (فَلَها) عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ولَها خَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ فالإساءَةُ لَها. قالَ الكَرْمانِيُّ: جاءَ فَلَها بِاللّامِ ازْدِواجًا. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ قابَلَ قَوْلَهُ لِأنْفُسِكم بِقَوْلِهِ فَلَها. وقالَ الطَّبَرِيُّ: اللّامُ بِمَعْنى إلى أيْ: فَإلَيْها تَرْجِعُ الإساءَةُ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى أيْ: فَعَلَيْها كَما في قَوْلِهِ: ؎فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ أيِ: المَرَّةُ الآخِرَةِ في إفْسادِكم وعُلُوِّكم، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ إذا الأُولى، تَقْدِيرُهُ بَعَثْناهم عَلَيْكم، وإفْسادُهم في ذَلِكَ بِقَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِما السَّلامُ. وسَبَبُ قَتْلِهِ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: أنَّ مَلِكًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ مَن لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُها، فَنَهاهُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا، وكانَ لِتِلْكَ المَرْأةِ حاجَةٌ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ المَلِكِ تَقْضِيها، فَألْقَتْ أُمُّها إلَيْها أنْ تَسْألَهُ عَنْ ذَبْحِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا بِسَبَبِ ما كانَ مَنعُهُ مِن تَزَوُّجِ ابْنَتِها فَسَألَتْهُ ذَلِكَ، فَدافَعَها فَألَحَّتْ عَلَيْهِ فَدَعا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ فَنَدَرَتْ قَطْرَةٌ عَلى الأرْضِ، فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرْ وأُلْقِيَ في نَفْسِهِ أنْ يَقْتُلَ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ مِنهم حَتّى يَسْكُنَ، فَقَتَلَ عَلَيْهِ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرْ؛ لِأنَّ قَتْلَ يَحْيى بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، وبُخْتَنَصَّرْ كانَ قَبْلَ عِيسى بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: المَبْعُوثُ عَلَيْهِمُ الإسْكَنْدَرُ وبَيْنَ الإسْكَنْدَرِ وعِيسى نَحْوُ ثَلاثمِائَةِ سَنَةٍ، ولَكِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالمَرَّةِ الأُخْرى حِينَ قَتَلُوا أشْعِياءَ فَكانَ بُخْتَنَصَّرْ (p-١١)إذْ ذاكَ حَيًّا فَهو الَّذِي قَتَلَهم وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ واتَّبَعَهم إلى مِصْرَ، وأخْرَجَهم مِنها. ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خَرْدُوسُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ قائِدٌ لَهُ فَسَكَنَ الدَّمُ. وقِيلَ: قَتَلَهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ لاحِبُ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ يَحْيى قَدْ أُعْطِيَ حُسْنًا وجَمالًا فَراوَدَتْهُ امْرَأةُ المَلِكِ عَنْ نَفْسِهِ فَأبى، فَقالَتْ لِابْنَتِها: سَلِي أباكِ رَأْسَ يَحْيى فَأعْطاها ما سَألَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيَسُوءُوا) بِلامِ كَيْ وياءِ الغَيْبَةِ وضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ العائِدِ عَلى المَبْعُوثِينَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ”لِيَسُوءَ“ بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، والفاعِلُ المُضْمَرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى الوَعْدِ، أوْ عَلى البَعْثِ الدّالِّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الجَزاءِ المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والكِسائِيُّ ”لِنَسُوءَ“ بِالنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، وفِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ ”لِنَسُوءُنَّ“ بِلامِ الأمْرِ والنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ آخِرًا. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا ”لَنَسُوءُنَّ ولَيَسُوءُنَّ“ بِالنُّونِ والياءِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ، وهي لامُ القَسَمِ، ودَخَلَتْ لامُ الأمْرِ في قِراءَةِ أُبَيٍّ عَلى المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وجَوابُ إذا هو الجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ”لِيُسِيءَ“ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ. وفي مُصْحَفِ أنَسٍ ”لِيَسُوءَ“ وجْهَكم عَلى الإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالوُجُوهِ الحَقِيقَةُ؛ لِأنَّ آثارَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ في القَلْبِ تَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ، فَفي الفَرَحِ يَظْهَرُ الإسْفارُ والإشْراقُ، وفي الحُزْنِ يَظْهَرُ الكُلُوحُ والغَبَرَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ الجُمْلَةِ بِالوَجْهِ، فَإنَّهم ساءُوهم بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ، فَحَصَلَتِ الإساءَةُ لِلذَّواتِ كُلِّها أوْ عَنْ ساداتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ بِالوُجُوهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في الخِطابِ يا وجْهَ العَرَبِ. واللّامُ في ﴿ولِيَدْخُلُوا﴾ لامُ كَيْ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَها مِن لامَ كَيْ، ومَن قَرَأ بِلامِ الأمْرِ أوْ بِلامِ القَسَمِ جازَ أنْ يَكُونَ ولِيَدْخُلُوا وما بَعْدَها أمْرًا، وجازَ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ أيْ: وبَعَثْناهم لِيَدْخُلُوا. والمَسْجِدُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ومَعْنى كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: بِالسَّيْفِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ والإذْلالِ، وهَذا يُبْعِدُ قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ أُولى المَرَّتَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيها قَتْلٌ ولا قِتالٌ ولا نَهْبٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ مَرَّةٍ في سُورَةِ التَّوْبَةِ. ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ يُهْلِكُوا. وقالَ قُطْرُبٌ: يَهْدِمُوا. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ ∗∗∗ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَفْعُولَةٌ بِـ يُتَبِّرُوا أيْ: يُهْلِكُوا ما غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما ظَرْفِيَّةٌ أيْ: مُدَّةَ اسْتِيلائِهِمْ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم بَعْدَ المَرَّةِ الثّانِيَةِ إنْ تُبْتُمْ وانْزَجَرْتُمْ عَنِ المَعاصِي، وهَذِهِ التَّرْجِئَةُ لَيْسَتْ لِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي مِن بابِ تَرَحُّمِ المُطِيعِ مِنهم، وكانَ مِنَ الطّاعَةِ أنْ يَتَّبِعُوا عِيسى ومُحَمَّدًا - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَلَمْ يَفْعَلُوا. ﴿وإنْ عُدْتُمْ﴾ إلى المَعْصِيَةِ مَرَّةً ثالِثَةً عُدْنا إلى العُقُوبَةِ، وقَدْ عادُوا فَأعادَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النِّقْمَةَ بِتَسْلِيطِ الأكاسِرَةِ وضَرْبِ الإتاوَةِ عَلَيْهِمْ. وعَنِ الحَسَنِ عادُوا فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وعَنْ قَتادَةَ: ثُمَّ كانَ آخِرُ ذَلِكَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الحَيَّ مِنَ العَرَبِ فَهم مِنهُ في عَذابٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. انْتَهى. ومَعْنى (عُدْنا) أيْ: في الدُّنْيا إلى العُقُوبَةِ. وقالَ تَعالى: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ثُمَّ ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، وهو جَعْلُ جَهَنَّمَ لَهم (حَصِيرًا) والحَصِيرُ السِّجْنُ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ومَقامُهُ غَلَبَ الرِّجالَ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي فِراشًا، وعَنْهُ أيْضًا هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها حاصِرَةٌ لَهم مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، فَحَصِيرٌ مَعْناهُ ذاتُ حَصْرٍ إذْ لَوْ كانَ لِلْمُبالَغَةِ لَزِمَتْهُ التّاءُ لِجَرَيانِهِ عَلى مُؤَنَّثٍ، كَما تَقُولُ: رَحِيمَةٌ وعَلِيمَةٌ، ولَكِنَّهُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ كَقَوْلِهِ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أيْ: ذاتُ انْفِطارٍ.

الإسراء 17:6

﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . (p-٨)(قَضى) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] ولَمّا ضُمِّنَ هُنا مَعْنى الإيحاءِ أوِ الإنْفاذِ تَعَدّى بِإلى أيْ: وأوْحَيْنا أوْ أنْفَذْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في القَضاءِ المَحْتُومِ المَبْتُوتِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ أعْلَمْناهم، وعَنْهُ أيْضًا قَضَيْنا عَلَيْهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا كَتَبْنا. واللّامُ في ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ مُتَعَلَّقُ القَضاءِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِفَسادِهِمْ في الأرْضِ وعُلُوِّهِمْ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، فَحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (قَضَيْنا) وأُبْقِيَ مَنصُوبُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَضَيْنا) أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ، و﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُهُ، كَقَوْلِهِمْ قَضاءُ اللَّهِ لَأقُومَنَّ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ جُبَيْرٍ في الكُتُبِ عَلى الجَمْعِ، والجُمْهُورُ عَلى الإفْرادِ فاحْتُمِلَ أنْ يُرِيدَ بِهِ الجِنْسَ، والظّاهِرُ أنْ يُرادَ التَّوْراةُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ لَتُفْسَدُنَّ - بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ - مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: يُفْسِدُكم غَيْرُكم. فَقِيلَ: مِنَ الإضْلالِ، وقِيلَ: مِنَ الغَلَبَةِ. وقَرَأ عِيسى لَتَفْسُدُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ (p-٩)أيْ: فَسَدْتُمْ بِأنْفُسِكم بِارْتِكابِ المَعاصِي مَرَّتَيْنِ، أُولاهُما: قَتْلُ زَكَرِيّاءَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ماتَ صِدِّيقَةُ مَلِكُهم تَنافَسُوا عَلى المُلْكِ، وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَسْمَعُونَ مِن زَكَرِيّا. فَقالَ اللَّهُ لَهُ: قُمْ في قَوْمِكَ أُوحِ عَلى لِسانِكَ، فَلَمّا فَرَغَ مِمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَدَوْا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ، فانْفَلَقَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فَدَخَلَ فِيها، وأدْرَكَهُ الشَّيْطانُ فَأخَذَ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ فَأراهم إيّاها فَوَضَعُوا المِنشارَ في وسَطِها حَتّى قَطَعُوهُ في وسَطِها. وقِيلَ: سَبَبُ قَتْلِ زَكَرِيّا أنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ بِمَرْيَمَ، قِيلَ: قالُوا حِينَ حَمَلَتْ مَرْيَمُ: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَقَطَعُوهُ بِالمِنشارِ في الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: أشْعِياءُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنْ كانَ زَكَرِيّاءُ ماتَ مَوْتًا ولَمْ يُقْتَلْ، وإنَّ الَّذِي دَخَلَ الشَّجَرَةَ وقُطِعَ نِصْفَيْنِ بِالمِنشارِ في وسَطِها هو أشْعِياءُ، وكانَ قَبْلَ زَكَرِيّاءَ وحُبِسَ أرْمِياءُ حِينَ أنْذَرَهم سَخَطَ اللَّهِ والآخِرَةَ - قَبْلَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ - وقَصْدَ قَتْلِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أعْلَمَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهم عِصْيانٌ وكُفْرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى في الرُّسُلِ وفي الكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ سَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً تَغْلِبُهم وتَقْتُلُهم وتُذِلُّهم، ثُمَّ يَرْحَمُهم بَعْدَ ذَلِكَ، ويَجْعَلُ لَهُمُ الكَرَّةَ ويَرُدُّهم إلى حالِهِمُ الأُولى مِنَ الظُّهُورِ، فَتَقَعُ مِنهُمُ المَعاصِي وكُفْرُ النِّعَمِ والظُّلْمُ والقَتْلُ والكُفْرُ بِاللَّهِ مِن بَعْضِهِمْ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً أُخْرى تُخَرِّبُ دِيارَهم وتَقْتُلُهم وتُجْلِيهِمْ جَلاءً مُبَرِّحًا، ودَلَّ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى هَذا الأمْرِ كُلِّهِ، قِيلَ: وكانَ بَيْنَ آخِرِ الأُولى والثّانِيَةِ مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ مُلْكًا مُؤَيَّدًا ثابِتًا، وقِيلَ: سَبْعُونَ سَنَةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: لَتَعْصُنَّ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ ولَتَعْلُنَّ أيْ: تَطْغَوْنَ وتَعْظُمُونَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عُلِيًّا كَبِيرًا“ في المَوْضِعَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ والياءِ المُشَدَّدَةِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ (عُلُوًّا) والصَّحِيحُ في فُعُولٍ المَصْدَرُ أكْثَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] بِخِلافِ الجَمْعِ، فَإنَّ الإعْلالَ فِيهِ هو المَقِيسُ، وشَذَّ التَّصْحِيحُ نَحْوُ نَهُوَ ونُهُوٌّ، خِلافًا لِلفَرّاءِ إذْ جَعَلَ ذَلِكَ قِياسًا ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ أيْ: مَوْعِدُ أُولاهُما؛ لِأنَّ الوَعْدَ قَدْ سَبَقَ ذَلِكَ والمَوْعُودُ هو العِقابُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: وعْدُ عِقابِ أُولاهُما. وقِيلَ: الوَعْدُ بِمَعْنى الوَعِيدِ، وقِيلَ: بِمَعْنى المَوْعِدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الوَقْتُ، والضَّمِيرُ في أُولاهُما عائِدٌ عَلى المَرَّتَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عِبادًا) وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عَبِيدًا“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَزاهم، وقَتادَةُ: جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ: غَزاهم سَنْجارِيبُ وجُنُودُهُ مَلِكُ بابِلَ. وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرْ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفُرْسِ، وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ يَعْلَمْهُ الفُرْسُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُداخِلُهم، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ، وبَعَثَهُ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَهم وجَلّاهم، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعَهُ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقِيلَ: هُمُ العَمالِقَةُ وكانُوا كُفّارًا، وقِيلَ: كانَ المَبْعُوثُونَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ وأمَرَهم بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ، والبَعْثُ هُنا الإرْسالُ والتَّسْلِيطُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوهُ، ولَمْ نَمْنَعْهم عَلى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وعَلا - أسْنَدَ بَعْثَ الكَفَرَةِ إلى نَفْسِهِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] وكَقَوْلِ الدّاعِي: وخالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وأسْنَدَ الجَوْسَ، وهو التَّرَدُّدُ خِلالَ الدِّيارِ بِالفَسادِ إلَيْهِمْ، فَتَخْرِيبُ المَسْجِدِ وإحْراقُ التَّوْراةِ مِن جُمْلَةِ الجَوْسِ المُسْنَدِ إلَيْهِمُ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوا دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بَعَثْنا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْو بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البَعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا ألْقى في نَفْسِ المَلِكِ أيْ: غَزاهُمُ. انْتَهى. ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: قِتالٍ وحَرْبٍ شَدِيدٍ لِقُوَّتِهِمْ ونَجْدَتِهِمْ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٠)﴿فَجاسُوا﴾ بِالجِيمِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وطَلْحَةُ ”فَحاسُوا“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ. وقُرِئَ (فَتَجَوَّسُوا) عَلى وزْنِ تَكَسَّرُوا بِالجِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ واحِدًا، ويُجْمَعُ عَلى خَلَلٍ كَجَبَلٍ وجِبالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِلالَ مُفْرَدًا كالخَلَلِ وهو وسَطُ الدِّيارِ وما بَيْنَها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ في هَذِهِ البِعْثَةِ الأُولى خَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ووَقَعَ القَتْلُ فِيهِمْ والجَلاءُ والأسْرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّهُ حِينَ غُزُوا جاسَ الغازُونَ خِلالَ الدِّيارِ، ولَمْ يَكُنْ قَتْلٌ ولا قِتالٌ في بَنِي إسْرائِيلَ، وانْصَرَفَتْ عَنْهُمُ الجُيُوشُ. والضَّمِيرُ في (وكانَ) عائِدٌ عَلى وعْدِ أُولاهُما. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ وعْدُ العِقابِ وعْدًا لا بُدَّ أنْ يُفْعَلَ. انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجُيُوشِ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ، وجَعَلَ ﴿رَدَدْنا﴾ مَوْضِعَ نَرُدُّ، إذْ وقَتَ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللَّهِ في غايَةِ الثِّقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عَنْ مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، والكَرَّةُ: الدَّوْلَةُ والغَلَبَةُ عَلى الَّذِينَ بُعِثُوا عَلَيْهِمْ، حَتّى تابُوا ورَجَعُوا عَنِ الفَسادِ مَلَكُوا بَيْتَ المَقْدِسِ قَبْلَ الكَرَّةِ قَبْلَ بُخْتَنَصَّرْ، واسْتِبْقاءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْراهم وأمْوالَهم ورُجُوعِ المُلْكِ إلَيْهِمْ، وذُكِرَ في سَبَبِ ذَلِكَ أنَّ مَلِكًا غَزا أهْلَ بابِلَ، وكانَ بُخْتَنَصَّرْ قَدْ قَتَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ وأبْقى بَقِيَّتَهُ عِنْدَهم بِبابِلَ في الذُّلِّ، فَلَمّا غَزاهم ذَلِكَ المَلِكُ، وغَلَبَ عَلى بابِلَ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَطَلَبَتْ مِنهُ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ فَرَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا. وقِيلَ: الكَرَّةُ: تَقْوِيَةُ طالُوتَ حَتّى حارَبَ جالُوتَ، ونَصْرُ داوُدَ عَلى قَتْلِ جالُوتَ. وقالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ شَرًّا في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وانْتَصَبَ ﴿نَفِيرًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ. فَقِيلَ: النَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، وأصْلُهُ مِن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفْرٍ كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، وهُمُ المُجْتَمِعُونَ لِلْمَصِيرِ إلى الأعْداءِ. وقِيلَ: النَّفِيرُ مَصْدَرٌ أيْ: أكْثَرَ خُرُوجًا إلى الغَزْوِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ وحِمْيَرُ أكْرِمْ بِقَوْمٍ نَفِيرًا ويُرْوى بِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِمّا كُنْتُمْ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِنَ الأعْداءِ. ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ﴾ أيْ: أطَعْتُمُ اللَّهَ كانَ ثَوابُ الطّاعَةِ لِأنْفُسِكم ﴿وإنْ أسَأْتُمْ﴾ بِمَعْصِيَتِهِ كانَ عِقابُ الإساءَةِ لِأنْفُسِكم، لا يَتَعَدّى الإحْسانُ والإساءَةُ إلى غَيْرِكم، وجَوابُ وإنْ أسَأْتُمْ قَوْلُهُ: (فَلَها) عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ولَها خَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ فالإساءَةُ لَها. قالَ الكَرْمانِيُّ: جاءَ فَلَها بِاللّامِ ازْدِواجًا. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ قابَلَ قَوْلَهُ لِأنْفُسِكم بِقَوْلِهِ فَلَها. وقالَ الطَّبَرِيُّ: اللّامُ بِمَعْنى إلى أيْ: فَإلَيْها تَرْجِعُ الإساءَةُ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى أيْ: فَعَلَيْها كَما في قَوْلِهِ: ؎فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ أيِ: المَرَّةُ الآخِرَةِ في إفْسادِكم وعُلُوِّكم، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ إذا الأُولى، تَقْدِيرُهُ بَعَثْناهم عَلَيْكم، وإفْسادُهم في ذَلِكَ بِقَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِما السَّلامُ. وسَبَبُ قَتْلِهِ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: أنَّ مَلِكًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ مَن لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُها، فَنَهاهُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا، وكانَ لِتِلْكَ المَرْأةِ حاجَةٌ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ المَلِكِ تَقْضِيها، فَألْقَتْ أُمُّها إلَيْها أنْ تَسْألَهُ عَنْ ذَبْحِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا بِسَبَبِ ما كانَ مَنعُهُ مِن تَزَوُّجِ ابْنَتِها فَسَألَتْهُ ذَلِكَ، فَدافَعَها فَألَحَّتْ عَلَيْهِ فَدَعا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ فَنَدَرَتْ قَطْرَةٌ عَلى الأرْضِ، فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرْ وأُلْقِيَ في نَفْسِهِ أنْ يَقْتُلَ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ مِنهم حَتّى يَسْكُنَ، فَقَتَلَ عَلَيْهِ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرْ؛ لِأنَّ قَتْلَ يَحْيى بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، وبُخْتَنَصَّرْ كانَ قَبْلَ عِيسى بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: المَبْعُوثُ عَلَيْهِمُ الإسْكَنْدَرُ وبَيْنَ الإسْكَنْدَرِ وعِيسى نَحْوُ ثَلاثمِائَةِ سَنَةٍ، ولَكِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالمَرَّةِ الأُخْرى حِينَ قَتَلُوا أشْعِياءَ فَكانَ بُخْتَنَصَّرْ (p-١١)إذْ ذاكَ حَيًّا فَهو الَّذِي قَتَلَهم وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ واتَّبَعَهم إلى مِصْرَ، وأخْرَجَهم مِنها. ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خَرْدُوسُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ قائِدٌ لَهُ فَسَكَنَ الدَّمُ. وقِيلَ: قَتَلَهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ لاحِبُ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ يَحْيى قَدْ أُعْطِيَ حُسْنًا وجَمالًا فَراوَدَتْهُ امْرَأةُ المَلِكِ عَنْ نَفْسِهِ فَأبى، فَقالَتْ لِابْنَتِها: سَلِي أباكِ رَأْسَ يَحْيى فَأعْطاها ما سَألَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيَسُوءُوا) بِلامِ كَيْ وياءِ الغَيْبَةِ وضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ العائِدِ عَلى المَبْعُوثِينَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ”لِيَسُوءَ“ بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، والفاعِلُ المُضْمَرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى الوَعْدِ، أوْ عَلى البَعْثِ الدّالِّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الجَزاءِ المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والكِسائِيُّ ”لِنَسُوءَ“ بِالنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، وفِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ ”لِنَسُوءُنَّ“ بِلامِ الأمْرِ والنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ آخِرًا. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا ”لَنَسُوءُنَّ ولَيَسُوءُنَّ“ بِالنُّونِ والياءِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ، وهي لامُ القَسَمِ، ودَخَلَتْ لامُ الأمْرِ في قِراءَةِ أُبَيٍّ عَلى المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وجَوابُ إذا هو الجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ”لِيُسِيءَ“ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ. وفي مُصْحَفِ أنَسٍ ”لِيَسُوءَ“ وجْهَكم عَلى الإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالوُجُوهِ الحَقِيقَةُ؛ لِأنَّ آثارَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ في القَلْبِ تَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ، فَفي الفَرَحِ يَظْهَرُ الإسْفارُ والإشْراقُ، وفي الحُزْنِ يَظْهَرُ الكُلُوحُ والغَبَرَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ الجُمْلَةِ بِالوَجْهِ، فَإنَّهم ساءُوهم بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ، فَحَصَلَتِ الإساءَةُ لِلذَّواتِ كُلِّها أوْ عَنْ ساداتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ بِالوُجُوهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في الخِطابِ يا وجْهَ العَرَبِ. واللّامُ في ﴿ولِيَدْخُلُوا﴾ لامُ كَيْ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَها مِن لامَ كَيْ، ومَن قَرَأ بِلامِ الأمْرِ أوْ بِلامِ القَسَمِ جازَ أنْ يَكُونَ ولِيَدْخُلُوا وما بَعْدَها أمْرًا، وجازَ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ أيْ: وبَعَثْناهم لِيَدْخُلُوا. والمَسْجِدُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ومَعْنى كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: بِالسَّيْفِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ والإذْلالِ، وهَذا يُبْعِدُ قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ أُولى المَرَّتَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيها قَتْلٌ ولا قِتالٌ ولا نَهْبٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ مَرَّةٍ في سُورَةِ التَّوْبَةِ. ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ يُهْلِكُوا. وقالَ قُطْرُبٌ: يَهْدِمُوا. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ ∗∗∗ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَفْعُولَةٌ بِـ يُتَبِّرُوا أيْ: يُهْلِكُوا ما غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما ظَرْفِيَّةٌ أيْ: مُدَّةَ اسْتِيلائِهِمْ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم بَعْدَ المَرَّةِ الثّانِيَةِ إنْ تُبْتُمْ وانْزَجَرْتُمْ عَنِ المَعاصِي، وهَذِهِ التَّرْجِئَةُ لَيْسَتْ لِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي مِن بابِ تَرَحُّمِ المُطِيعِ مِنهم، وكانَ مِنَ الطّاعَةِ أنْ يَتَّبِعُوا عِيسى ومُحَمَّدًا - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَلَمْ يَفْعَلُوا. ﴿وإنْ عُدْتُمْ﴾ إلى المَعْصِيَةِ مَرَّةً ثالِثَةً عُدْنا إلى العُقُوبَةِ، وقَدْ عادُوا فَأعادَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النِّقْمَةَ بِتَسْلِيطِ الأكاسِرَةِ وضَرْبِ الإتاوَةِ عَلَيْهِمْ. وعَنِ الحَسَنِ عادُوا فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وعَنْ قَتادَةَ: ثُمَّ كانَ آخِرُ ذَلِكَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الحَيَّ مِنَ العَرَبِ فَهم مِنهُ في عَذابٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. انْتَهى. ومَعْنى (عُدْنا) أيْ: في الدُّنْيا إلى العُقُوبَةِ. وقالَ تَعالى: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ثُمَّ ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، وهو جَعْلُ جَهَنَّمَ لَهم (حَصِيرًا) والحَصِيرُ السِّجْنُ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ومَقامُهُ غَلَبَ الرِّجالَ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي فِراشًا، وعَنْهُ أيْضًا هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها حاصِرَةٌ لَهم مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، فَحَصِيرٌ مَعْناهُ ذاتُ حَصْرٍ إذْ لَوْ كانَ لِلْمُبالَغَةِ لَزِمَتْهُ التّاءُ لِجَرَيانِهِ عَلى مُؤَنَّثٍ، كَما تَقُولُ: رَحِيمَةٌ وعَلِيمَةٌ، ولَكِنَّهُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ كَقَوْلِهِ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أيْ: ذاتُ انْفِطارٍ.

الإسراء 17:7

﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . (p-٨)(قَضى) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] ولَمّا ضُمِّنَ هُنا مَعْنى الإيحاءِ أوِ الإنْفاذِ تَعَدّى بِإلى أيْ: وأوْحَيْنا أوْ أنْفَذْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في القَضاءِ المَحْتُومِ المَبْتُوتِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ أعْلَمْناهم، وعَنْهُ أيْضًا قَضَيْنا عَلَيْهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا كَتَبْنا. واللّامُ في ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ مُتَعَلَّقُ القَضاءِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِفَسادِهِمْ في الأرْضِ وعُلُوِّهِمْ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، فَحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (قَضَيْنا) وأُبْقِيَ مَنصُوبُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَضَيْنا) أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ، و﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُهُ، كَقَوْلِهِمْ قَضاءُ اللَّهِ لَأقُومَنَّ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ جُبَيْرٍ في الكُتُبِ عَلى الجَمْعِ، والجُمْهُورُ عَلى الإفْرادِ فاحْتُمِلَ أنْ يُرِيدَ بِهِ الجِنْسَ، والظّاهِرُ أنْ يُرادَ التَّوْراةُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ لَتُفْسَدُنَّ - بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ - مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: يُفْسِدُكم غَيْرُكم. فَقِيلَ: مِنَ الإضْلالِ، وقِيلَ: مِنَ الغَلَبَةِ. وقَرَأ عِيسى لَتَفْسُدُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ (p-٩)أيْ: فَسَدْتُمْ بِأنْفُسِكم بِارْتِكابِ المَعاصِي مَرَّتَيْنِ، أُولاهُما: قَتْلُ زَكَرِيّاءَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ماتَ صِدِّيقَةُ مَلِكُهم تَنافَسُوا عَلى المُلْكِ، وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَسْمَعُونَ مِن زَكَرِيّا. فَقالَ اللَّهُ لَهُ: قُمْ في قَوْمِكَ أُوحِ عَلى لِسانِكَ، فَلَمّا فَرَغَ مِمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَدَوْا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ، فانْفَلَقَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فَدَخَلَ فِيها، وأدْرَكَهُ الشَّيْطانُ فَأخَذَ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ فَأراهم إيّاها فَوَضَعُوا المِنشارَ في وسَطِها حَتّى قَطَعُوهُ في وسَطِها. وقِيلَ: سَبَبُ قَتْلِ زَكَرِيّا أنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ بِمَرْيَمَ، قِيلَ: قالُوا حِينَ حَمَلَتْ مَرْيَمُ: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَقَطَعُوهُ بِالمِنشارِ في الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: أشْعِياءُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنْ كانَ زَكَرِيّاءُ ماتَ مَوْتًا ولَمْ يُقْتَلْ، وإنَّ الَّذِي دَخَلَ الشَّجَرَةَ وقُطِعَ نِصْفَيْنِ بِالمِنشارِ في وسَطِها هو أشْعِياءُ، وكانَ قَبْلَ زَكَرِيّاءَ وحُبِسَ أرْمِياءُ حِينَ أنْذَرَهم سَخَطَ اللَّهِ والآخِرَةَ - قَبْلَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ - وقَصْدَ قَتْلِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أعْلَمَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهم عِصْيانٌ وكُفْرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى في الرُّسُلِ وفي الكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ سَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً تَغْلِبُهم وتَقْتُلُهم وتُذِلُّهم، ثُمَّ يَرْحَمُهم بَعْدَ ذَلِكَ، ويَجْعَلُ لَهُمُ الكَرَّةَ ويَرُدُّهم إلى حالِهِمُ الأُولى مِنَ الظُّهُورِ، فَتَقَعُ مِنهُمُ المَعاصِي وكُفْرُ النِّعَمِ والظُّلْمُ والقَتْلُ والكُفْرُ بِاللَّهِ مِن بَعْضِهِمْ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً أُخْرى تُخَرِّبُ دِيارَهم وتَقْتُلُهم وتُجْلِيهِمْ جَلاءً مُبَرِّحًا، ودَلَّ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى هَذا الأمْرِ كُلِّهِ، قِيلَ: وكانَ بَيْنَ آخِرِ الأُولى والثّانِيَةِ مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ مُلْكًا مُؤَيَّدًا ثابِتًا، وقِيلَ: سَبْعُونَ سَنَةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: لَتَعْصُنَّ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ ولَتَعْلُنَّ أيْ: تَطْغَوْنَ وتَعْظُمُونَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عُلِيًّا كَبِيرًا“ في المَوْضِعَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ والياءِ المُشَدَّدَةِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ (عُلُوًّا) والصَّحِيحُ في فُعُولٍ المَصْدَرُ أكْثَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] بِخِلافِ الجَمْعِ، فَإنَّ الإعْلالَ فِيهِ هو المَقِيسُ، وشَذَّ التَّصْحِيحُ نَحْوُ نَهُوَ ونُهُوٌّ، خِلافًا لِلفَرّاءِ إذْ جَعَلَ ذَلِكَ قِياسًا ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ أيْ: مَوْعِدُ أُولاهُما؛ لِأنَّ الوَعْدَ قَدْ سَبَقَ ذَلِكَ والمَوْعُودُ هو العِقابُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: وعْدُ عِقابِ أُولاهُما. وقِيلَ: الوَعْدُ بِمَعْنى الوَعِيدِ، وقِيلَ: بِمَعْنى المَوْعِدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الوَقْتُ، والضَّمِيرُ في أُولاهُما عائِدٌ عَلى المَرَّتَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عِبادًا) وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عَبِيدًا“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَزاهم، وقَتادَةُ: جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ: غَزاهم سَنْجارِيبُ وجُنُودُهُ مَلِكُ بابِلَ. وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرْ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفُرْسِ، وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ يَعْلَمْهُ الفُرْسُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُداخِلُهم، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ، وبَعَثَهُ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَهم وجَلّاهم، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعَهُ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقِيلَ: هُمُ العَمالِقَةُ وكانُوا كُفّارًا، وقِيلَ: كانَ المَبْعُوثُونَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ وأمَرَهم بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ، والبَعْثُ هُنا الإرْسالُ والتَّسْلِيطُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوهُ، ولَمْ نَمْنَعْهم عَلى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وعَلا - أسْنَدَ بَعْثَ الكَفَرَةِ إلى نَفْسِهِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] وكَقَوْلِ الدّاعِي: وخالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وأسْنَدَ الجَوْسَ، وهو التَّرَدُّدُ خِلالَ الدِّيارِ بِالفَسادِ إلَيْهِمْ، فَتَخْرِيبُ المَسْجِدِ وإحْراقُ التَّوْراةِ مِن جُمْلَةِ الجَوْسِ المُسْنَدِ إلَيْهِمُ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوا دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بَعَثْنا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْو بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البَعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا ألْقى في نَفْسِ المَلِكِ أيْ: غَزاهُمُ. انْتَهى. ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: قِتالٍ وحَرْبٍ شَدِيدٍ لِقُوَّتِهِمْ ونَجْدَتِهِمْ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٠)﴿فَجاسُوا﴾ بِالجِيمِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وطَلْحَةُ ”فَحاسُوا“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ. وقُرِئَ (فَتَجَوَّسُوا) عَلى وزْنِ تَكَسَّرُوا بِالجِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ واحِدًا، ويُجْمَعُ عَلى خَلَلٍ كَجَبَلٍ وجِبالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِلالَ مُفْرَدًا كالخَلَلِ وهو وسَطُ الدِّيارِ وما بَيْنَها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ في هَذِهِ البِعْثَةِ الأُولى خَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ووَقَعَ القَتْلُ فِيهِمْ والجَلاءُ والأسْرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّهُ حِينَ غُزُوا جاسَ الغازُونَ خِلالَ الدِّيارِ، ولَمْ يَكُنْ قَتْلٌ ولا قِتالٌ في بَنِي إسْرائِيلَ، وانْصَرَفَتْ عَنْهُمُ الجُيُوشُ. والضَّمِيرُ في (وكانَ) عائِدٌ عَلى وعْدِ أُولاهُما. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ وعْدُ العِقابِ وعْدًا لا بُدَّ أنْ يُفْعَلَ. انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجُيُوشِ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ، وجَعَلَ ﴿رَدَدْنا﴾ مَوْضِعَ نَرُدُّ، إذْ وقَتَ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللَّهِ في غايَةِ الثِّقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عَنْ مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، والكَرَّةُ: الدَّوْلَةُ والغَلَبَةُ عَلى الَّذِينَ بُعِثُوا عَلَيْهِمْ، حَتّى تابُوا ورَجَعُوا عَنِ الفَسادِ مَلَكُوا بَيْتَ المَقْدِسِ قَبْلَ الكَرَّةِ قَبْلَ بُخْتَنَصَّرْ، واسْتِبْقاءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْراهم وأمْوالَهم ورُجُوعِ المُلْكِ إلَيْهِمْ، وذُكِرَ في سَبَبِ ذَلِكَ أنَّ مَلِكًا غَزا أهْلَ بابِلَ، وكانَ بُخْتَنَصَّرْ قَدْ قَتَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ وأبْقى بَقِيَّتَهُ عِنْدَهم بِبابِلَ في الذُّلِّ، فَلَمّا غَزاهم ذَلِكَ المَلِكُ، وغَلَبَ عَلى بابِلَ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَطَلَبَتْ مِنهُ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ فَرَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا. وقِيلَ: الكَرَّةُ: تَقْوِيَةُ طالُوتَ حَتّى حارَبَ جالُوتَ، ونَصْرُ داوُدَ عَلى قَتْلِ جالُوتَ. وقالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ شَرًّا في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وانْتَصَبَ ﴿نَفِيرًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ. فَقِيلَ: النَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، وأصْلُهُ مِن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفْرٍ كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، وهُمُ المُجْتَمِعُونَ لِلْمَصِيرِ إلى الأعْداءِ. وقِيلَ: النَّفِيرُ مَصْدَرٌ أيْ: أكْثَرَ خُرُوجًا إلى الغَزْوِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ وحِمْيَرُ أكْرِمْ بِقَوْمٍ نَفِيرًا ويُرْوى بِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِمّا كُنْتُمْ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِنَ الأعْداءِ. ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ﴾ أيْ: أطَعْتُمُ اللَّهَ كانَ ثَوابُ الطّاعَةِ لِأنْفُسِكم ﴿وإنْ أسَأْتُمْ﴾ بِمَعْصِيَتِهِ كانَ عِقابُ الإساءَةِ لِأنْفُسِكم، لا يَتَعَدّى الإحْسانُ والإساءَةُ إلى غَيْرِكم، وجَوابُ وإنْ أسَأْتُمْ قَوْلُهُ: (فَلَها) عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ولَها خَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ فالإساءَةُ لَها. قالَ الكَرْمانِيُّ: جاءَ فَلَها بِاللّامِ ازْدِواجًا. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ قابَلَ قَوْلَهُ لِأنْفُسِكم بِقَوْلِهِ فَلَها. وقالَ الطَّبَرِيُّ: اللّامُ بِمَعْنى إلى أيْ: فَإلَيْها تَرْجِعُ الإساءَةُ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى أيْ: فَعَلَيْها كَما في قَوْلِهِ: ؎فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ أيِ: المَرَّةُ الآخِرَةِ في إفْسادِكم وعُلُوِّكم، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ إذا الأُولى، تَقْدِيرُهُ بَعَثْناهم عَلَيْكم، وإفْسادُهم في ذَلِكَ بِقَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِما السَّلامُ. وسَبَبُ قَتْلِهِ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: أنَّ مَلِكًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ مَن لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُها، فَنَهاهُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا، وكانَ لِتِلْكَ المَرْأةِ حاجَةٌ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ المَلِكِ تَقْضِيها، فَألْقَتْ أُمُّها إلَيْها أنْ تَسْألَهُ عَنْ ذَبْحِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا بِسَبَبِ ما كانَ مَنعُهُ مِن تَزَوُّجِ ابْنَتِها فَسَألَتْهُ ذَلِكَ، فَدافَعَها فَألَحَّتْ عَلَيْهِ فَدَعا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ فَنَدَرَتْ قَطْرَةٌ عَلى الأرْضِ، فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرْ وأُلْقِيَ في نَفْسِهِ أنْ يَقْتُلَ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ مِنهم حَتّى يَسْكُنَ، فَقَتَلَ عَلَيْهِ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرْ؛ لِأنَّ قَتْلَ يَحْيى بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، وبُخْتَنَصَّرْ كانَ قَبْلَ عِيسى بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: المَبْعُوثُ عَلَيْهِمُ الإسْكَنْدَرُ وبَيْنَ الإسْكَنْدَرِ وعِيسى نَحْوُ ثَلاثمِائَةِ سَنَةٍ، ولَكِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالمَرَّةِ الأُخْرى حِينَ قَتَلُوا أشْعِياءَ فَكانَ بُخْتَنَصَّرْ (p-١١)إذْ ذاكَ حَيًّا فَهو الَّذِي قَتَلَهم وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ واتَّبَعَهم إلى مِصْرَ، وأخْرَجَهم مِنها. ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خَرْدُوسُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ قائِدٌ لَهُ فَسَكَنَ الدَّمُ. وقِيلَ: قَتَلَهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ لاحِبُ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ يَحْيى قَدْ أُعْطِيَ حُسْنًا وجَمالًا فَراوَدَتْهُ امْرَأةُ المَلِكِ عَنْ نَفْسِهِ فَأبى، فَقالَتْ لِابْنَتِها: سَلِي أباكِ رَأْسَ يَحْيى فَأعْطاها ما سَألَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيَسُوءُوا) بِلامِ كَيْ وياءِ الغَيْبَةِ وضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ العائِدِ عَلى المَبْعُوثِينَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ”لِيَسُوءَ“ بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، والفاعِلُ المُضْمَرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى الوَعْدِ، أوْ عَلى البَعْثِ الدّالِّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الجَزاءِ المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والكِسائِيُّ ”لِنَسُوءَ“ بِالنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، وفِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ ”لِنَسُوءُنَّ“ بِلامِ الأمْرِ والنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ آخِرًا. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا ”لَنَسُوءُنَّ ولَيَسُوءُنَّ“ بِالنُّونِ والياءِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ، وهي لامُ القَسَمِ، ودَخَلَتْ لامُ الأمْرِ في قِراءَةِ أُبَيٍّ عَلى المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وجَوابُ إذا هو الجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ”لِيُسِيءَ“ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ. وفي مُصْحَفِ أنَسٍ ”لِيَسُوءَ“ وجْهَكم عَلى الإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالوُجُوهِ الحَقِيقَةُ؛ لِأنَّ آثارَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ في القَلْبِ تَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ، فَفي الفَرَحِ يَظْهَرُ الإسْفارُ والإشْراقُ، وفي الحُزْنِ يَظْهَرُ الكُلُوحُ والغَبَرَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ الجُمْلَةِ بِالوَجْهِ، فَإنَّهم ساءُوهم بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ، فَحَصَلَتِ الإساءَةُ لِلذَّواتِ كُلِّها أوْ عَنْ ساداتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ بِالوُجُوهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في الخِطابِ يا وجْهَ العَرَبِ. واللّامُ في ﴿ولِيَدْخُلُوا﴾ لامُ كَيْ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَها مِن لامَ كَيْ، ومَن قَرَأ بِلامِ الأمْرِ أوْ بِلامِ القَسَمِ جازَ أنْ يَكُونَ ولِيَدْخُلُوا وما بَعْدَها أمْرًا، وجازَ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ أيْ: وبَعَثْناهم لِيَدْخُلُوا. والمَسْجِدُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ومَعْنى كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: بِالسَّيْفِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ والإذْلالِ، وهَذا يُبْعِدُ قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ أُولى المَرَّتَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيها قَتْلٌ ولا قِتالٌ ولا نَهْبٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ مَرَّةٍ في سُورَةِ التَّوْبَةِ. ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ يُهْلِكُوا. وقالَ قُطْرُبٌ: يَهْدِمُوا. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ ∗∗∗ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَفْعُولَةٌ بِـ يُتَبِّرُوا أيْ: يُهْلِكُوا ما غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما ظَرْفِيَّةٌ أيْ: مُدَّةَ اسْتِيلائِهِمْ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم بَعْدَ المَرَّةِ الثّانِيَةِ إنْ تُبْتُمْ وانْزَجَرْتُمْ عَنِ المَعاصِي، وهَذِهِ التَّرْجِئَةُ لَيْسَتْ لِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي مِن بابِ تَرَحُّمِ المُطِيعِ مِنهم، وكانَ مِنَ الطّاعَةِ أنْ يَتَّبِعُوا عِيسى ومُحَمَّدًا - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَلَمْ يَفْعَلُوا. ﴿وإنْ عُدْتُمْ﴾ إلى المَعْصِيَةِ مَرَّةً ثالِثَةً عُدْنا إلى العُقُوبَةِ، وقَدْ عادُوا فَأعادَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النِّقْمَةَ بِتَسْلِيطِ الأكاسِرَةِ وضَرْبِ الإتاوَةِ عَلَيْهِمْ. وعَنِ الحَسَنِ عادُوا فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وعَنْ قَتادَةَ: ثُمَّ كانَ آخِرُ ذَلِكَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الحَيَّ مِنَ العَرَبِ فَهم مِنهُ في عَذابٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. انْتَهى. ومَعْنى (عُدْنا) أيْ: في الدُّنْيا إلى العُقُوبَةِ. وقالَ تَعالى: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ثُمَّ ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، وهو جَعْلُ جَهَنَّمَ لَهم (حَصِيرًا) والحَصِيرُ السِّجْنُ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ومَقامُهُ غَلَبَ الرِّجالَ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي فِراشًا، وعَنْهُ أيْضًا هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها حاصِرَةٌ لَهم مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، فَحَصِيرٌ مَعْناهُ ذاتُ حَصْرٍ إذْ لَوْ كانَ لِلْمُبالَغَةِ لَزِمَتْهُ التّاءُ لِجَرَيانِهِ عَلى مُؤَنَّثٍ، كَما تَقُولُ: رَحِيمَةٌ وعَلِيمَةٌ، ولَكِنَّهُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ كَقَوْلِهِ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أيْ: ذاتُ انْفِطارٍ.

الإسراء 17:8

﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . (p-٨)(قَضى) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] ولَمّا ضُمِّنَ هُنا مَعْنى الإيحاءِ أوِ الإنْفاذِ تَعَدّى بِإلى أيْ: وأوْحَيْنا أوْ أنْفَذْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في القَضاءِ المَحْتُومِ المَبْتُوتِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ أعْلَمْناهم، وعَنْهُ أيْضًا قَضَيْنا عَلَيْهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا كَتَبْنا. واللّامُ في ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ مُتَعَلَّقُ القَضاءِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِفَسادِهِمْ في الأرْضِ وعُلُوِّهِمْ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، فَحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (قَضَيْنا) وأُبْقِيَ مَنصُوبُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَضَيْنا) أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ، و﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُهُ، كَقَوْلِهِمْ قَضاءُ اللَّهِ لَأقُومَنَّ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ جُبَيْرٍ في الكُتُبِ عَلى الجَمْعِ، والجُمْهُورُ عَلى الإفْرادِ فاحْتُمِلَ أنْ يُرِيدَ بِهِ الجِنْسَ، والظّاهِرُ أنْ يُرادَ التَّوْراةُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ لَتُفْسَدُنَّ - بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ - مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: يُفْسِدُكم غَيْرُكم. فَقِيلَ: مِنَ الإضْلالِ، وقِيلَ: مِنَ الغَلَبَةِ. وقَرَأ عِيسى لَتَفْسُدُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ (p-٩)أيْ: فَسَدْتُمْ بِأنْفُسِكم بِارْتِكابِ المَعاصِي مَرَّتَيْنِ، أُولاهُما: قَتْلُ زَكَرِيّاءَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ماتَ صِدِّيقَةُ مَلِكُهم تَنافَسُوا عَلى المُلْكِ، وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَسْمَعُونَ مِن زَكَرِيّا. فَقالَ اللَّهُ لَهُ: قُمْ في قَوْمِكَ أُوحِ عَلى لِسانِكَ، فَلَمّا فَرَغَ مِمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَدَوْا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ، فانْفَلَقَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فَدَخَلَ فِيها، وأدْرَكَهُ الشَّيْطانُ فَأخَذَ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ فَأراهم إيّاها فَوَضَعُوا المِنشارَ في وسَطِها حَتّى قَطَعُوهُ في وسَطِها. وقِيلَ: سَبَبُ قَتْلِ زَكَرِيّا أنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ بِمَرْيَمَ، قِيلَ: قالُوا حِينَ حَمَلَتْ مَرْيَمُ: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَقَطَعُوهُ بِالمِنشارِ في الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: أشْعِياءُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنْ كانَ زَكَرِيّاءُ ماتَ مَوْتًا ولَمْ يُقْتَلْ، وإنَّ الَّذِي دَخَلَ الشَّجَرَةَ وقُطِعَ نِصْفَيْنِ بِالمِنشارِ في وسَطِها هو أشْعِياءُ، وكانَ قَبْلَ زَكَرِيّاءَ وحُبِسَ أرْمِياءُ حِينَ أنْذَرَهم سَخَطَ اللَّهِ والآخِرَةَ - قَبْلَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ - وقَصْدَ قَتْلِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أعْلَمَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهم عِصْيانٌ وكُفْرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى في الرُّسُلِ وفي الكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ سَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً تَغْلِبُهم وتَقْتُلُهم وتُذِلُّهم، ثُمَّ يَرْحَمُهم بَعْدَ ذَلِكَ، ويَجْعَلُ لَهُمُ الكَرَّةَ ويَرُدُّهم إلى حالِهِمُ الأُولى مِنَ الظُّهُورِ، فَتَقَعُ مِنهُمُ المَعاصِي وكُفْرُ النِّعَمِ والظُّلْمُ والقَتْلُ والكُفْرُ بِاللَّهِ مِن بَعْضِهِمْ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً أُخْرى تُخَرِّبُ دِيارَهم وتَقْتُلُهم وتُجْلِيهِمْ جَلاءً مُبَرِّحًا، ودَلَّ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى هَذا الأمْرِ كُلِّهِ، قِيلَ: وكانَ بَيْنَ آخِرِ الأُولى والثّانِيَةِ مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ مُلْكًا مُؤَيَّدًا ثابِتًا، وقِيلَ: سَبْعُونَ سَنَةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: لَتَعْصُنَّ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ ولَتَعْلُنَّ أيْ: تَطْغَوْنَ وتَعْظُمُونَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عُلِيًّا كَبِيرًا“ في المَوْضِعَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ والياءِ المُشَدَّدَةِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ (عُلُوًّا) والصَّحِيحُ في فُعُولٍ المَصْدَرُ أكْثَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] بِخِلافِ الجَمْعِ، فَإنَّ الإعْلالَ فِيهِ هو المَقِيسُ، وشَذَّ التَّصْحِيحُ نَحْوُ نَهُوَ ونُهُوٌّ، خِلافًا لِلفَرّاءِ إذْ جَعَلَ ذَلِكَ قِياسًا ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ أيْ: مَوْعِدُ أُولاهُما؛ لِأنَّ الوَعْدَ قَدْ سَبَقَ ذَلِكَ والمَوْعُودُ هو العِقابُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: وعْدُ عِقابِ أُولاهُما. وقِيلَ: الوَعْدُ بِمَعْنى الوَعِيدِ، وقِيلَ: بِمَعْنى المَوْعِدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الوَقْتُ، والضَّمِيرُ في أُولاهُما عائِدٌ عَلى المَرَّتَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عِبادًا) وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عَبِيدًا“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَزاهم، وقَتادَةُ: جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ: غَزاهم سَنْجارِيبُ وجُنُودُهُ مَلِكُ بابِلَ. وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرْ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفُرْسِ، وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ يَعْلَمْهُ الفُرْسُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُداخِلُهم، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ، وبَعَثَهُ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَهم وجَلّاهم، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعَهُ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقِيلَ: هُمُ العَمالِقَةُ وكانُوا كُفّارًا، وقِيلَ: كانَ المَبْعُوثُونَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ وأمَرَهم بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ، والبَعْثُ هُنا الإرْسالُ والتَّسْلِيطُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوهُ، ولَمْ نَمْنَعْهم عَلى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وعَلا - أسْنَدَ بَعْثَ الكَفَرَةِ إلى نَفْسِهِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] وكَقَوْلِ الدّاعِي: وخالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وأسْنَدَ الجَوْسَ، وهو التَّرَدُّدُ خِلالَ الدِّيارِ بِالفَسادِ إلَيْهِمْ، فَتَخْرِيبُ المَسْجِدِ وإحْراقُ التَّوْراةِ مِن جُمْلَةِ الجَوْسِ المُسْنَدِ إلَيْهِمُ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوا دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بَعَثْنا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْو بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البَعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا ألْقى في نَفْسِ المَلِكِ أيْ: غَزاهُمُ. انْتَهى. ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: قِتالٍ وحَرْبٍ شَدِيدٍ لِقُوَّتِهِمْ ونَجْدَتِهِمْ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٠)﴿فَجاسُوا﴾ بِالجِيمِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وطَلْحَةُ ”فَحاسُوا“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ. وقُرِئَ (فَتَجَوَّسُوا) عَلى وزْنِ تَكَسَّرُوا بِالجِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ واحِدًا، ويُجْمَعُ عَلى خَلَلٍ كَجَبَلٍ وجِبالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِلالَ مُفْرَدًا كالخَلَلِ وهو وسَطُ الدِّيارِ وما بَيْنَها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ في هَذِهِ البِعْثَةِ الأُولى خَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ووَقَعَ القَتْلُ فِيهِمْ والجَلاءُ والأسْرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّهُ حِينَ غُزُوا جاسَ الغازُونَ خِلالَ الدِّيارِ، ولَمْ يَكُنْ قَتْلٌ ولا قِتالٌ في بَنِي إسْرائِيلَ، وانْصَرَفَتْ عَنْهُمُ الجُيُوشُ. والضَّمِيرُ في (وكانَ) عائِدٌ عَلى وعْدِ أُولاهُما. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ وعْدُ العِقابِ وعْدًا لا بُدَّ أنْ يُفْعَلَ. انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجُيُوشِ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ، وجَعَلَ ﴿رَدَدْنا﴾ مَوْضِعَ نَرُدُّ، إذْ وقَتَ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللَّهِ في غايَةِ الثِّقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عَنْ مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، والكَرَّةُ: الدَّوْلَةُ والغَلَبَةُ عَلى الَّذِينَ بُعِثُوا عَلَيْهِمْ، حَتّى تابُوا ورَجَعُوا عَنِ الفَسادِ مَلَكُوا بَيْتَ المَقْدِسِ قَبْلَ الكَرَّةِ قَبْلَ بُخْتَنَصَّرْ، واسْتِبْقاءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْراهم وأمْوالَهم ورُجُوعِ المُلْكِ إلَيْهِمْ، وذُكِرَ في سَبَبِ ذَلِكَ أنَّ مَلِكًا غَزا أهْلَ بابِلَ، وكانَ بُخْتَنَصَّرْ قَدْ قَتَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ وأبْقى بَقِيَّتَهُ عِنْدَهم بِبابِلَ في الذُّلِّ، فَلَمّا غَزاهم ذَلِكَ المَلِكُ، وغَلَبَ عَلى بابِلَ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَطَلَبَتْ مِنهُ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ فَرَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا. وقِيلَ: الكَرَّةُ: تَقْوِيَةُ طالُوتَ حَتّى حارَبَ جالُوتَ، ونَصْرُ داوُدَ عَلى قَتْلِ جالُوتَ. وقالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ شَرًّا في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وانْتَصَبَ ﴿نَفِيرًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ. فَقِيلَ: النَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، وأصْلُهُ مِن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفْرٍ كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، وهُمُ المُجْتَمِعُونَ لِلْمَصِيرِ إلى الأعْداءِ. وقِيلَ: النَّفِيرُ مَصْدَرٌ أيْ: أكْثَرَ خُرُوجًا إلى الغَزْوِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ وحِمْيَرُ أكْرِمْ بِقَوْمٍ نَفِيرًا ويُرْوى بِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِمّا كُنْتُمْ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِنَ الأعْداءِ. ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ﴾ أيْ: أطَعْتُمُ اللَّهَ كانَ ثَوابُ الطّاعَةِ لِأنْفُسِكم ﴿وإنْ أسَأْتُمْ﴾ بِمَعْصِيَتِهِ كانَ عِقابُ الإساءَةِ لِأنْفُسِكم، لا يَتَعَدّى الإحْسانُ والإساءَةُ إلى غَيْرِكم، وجَوابُ وإنْ أسَأْتُمْ قَوْلُهُ: (فَلَها) عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ولَها خَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ فالإساءَةُ لَها. قالَ الكَرْمانِيُّ: جاءَ فَلَها بِاللّامِ ازْدِواجًا. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ قابَلَ قَوْلَهُ لِأنْفُسِكم بِقَوْلِهِ فَلَها. وقالَ الطَّبَرِيُّ: اللّامُ بِمَعْنى إلى أيْ: فَإلَيْها تَرْجِعُ الإساءَةُ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى أيْ: فَعَلَيْها كَما في قَوْلِهِ: ؎فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ أيِ: المَرَّةُ الآخِرَةِ في إفْسادِكم وعُلُوِّكم، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ إذا الأُولى، تَقْدِيرُهُ بَعَثْناهم عَلَيْكم، وإفْسادُهم في ذَلِكَ بِقَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِما السَّلامُ. وسَبَبُ قَتْلِهِ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: أنَّ مَلِكًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ مَن لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُها، فَنَهاهُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا، وكانَ لِتِلْكَ المَرْأةِ حاجَةٌ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ المَلِكِ تَقْضِيها، فَألْقَتْ أُمُّها إلَيْها أنْ تَسْألَهُ عَنْ ذَبْحِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا بِسَبَبِ ما كانَ مَنعُهُ مِن تَزَوُّجِ ابْنَتِها فَسَألَتْهُ ذَلِكَ، فَدافَعَها فَألَحَّتْ عَلَيْهِ فَدَعا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ فَنَدَرَتْ قَطْرَةٌ عَلى الأرْضِ، فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرْ وأُلْقِيَ في نَفْسِهِ أنْ يَقْتُلَ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ مِنهم حَتّى يَسْكُنَ، فَقَتَلَ عَلَيْهِ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرْ؛ لِأنَّ قَتْلَ يَحْيى بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، وبُخْتَنَصَّرْ كانَ قَبْلَ عِيسى بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: المَبْعُوثُ عَلَيْهِمُ الإسْكَنْدَرُ وبَيْنَ الإسْكَنْدَرِ وعِيسى نَحْوُ ثَلاثمِائَةِ سَنَةٍ، ولَكِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالمَرَّةِ الأُخْرى حِينَ قَتَلُوا أشْعِياءَ فَكانَ بُخْتَنَصَّرْ (p-١١)إذْ ذاكَ حَيًّا فَهو الَّذِي قَتَلَهم وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ واتَّبَعَهم إلى مِصْرَ، وأخْرَجَهم مِنها. ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خَرْدُوسُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ قائِدٌ لَهُ فَسَكَنَ الدَّمُ. وقِيلَ: قَتَلَهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ لاحِبُ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ يَحْيى قَدْ أُعْطِيَ حُسْنًا وجَمالًا فَراوَدَتْهُ امْرَأةُ المَلِكِ عَنْ نَفْسِهِ فَأبى، فَقالَتْ لِابْنَتِها: سَلِي أباكِ رَأْسَ يَحْيى فَأعْطاها ما سَألَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيَسُوءُوا) بِلامِ كَيْ وياءِ الغَيْبَةِ وضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ العائِدِ عَلى المَبْعُوثِينَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ”لِيَسُوءَ“ بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، والفاعِلُ المُضْمَرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى الوَعْدِ، أوْ عَلى البَعْثِ الدّالِّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الجَزاءِ المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والكِسائِيُّ ”لِنَسُوءَ“ بِالنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، وفِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ ”لِنَسُوءُنَّ“ بِلامِ الأمْرِ والنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ آخِرًا. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا ”لَنَسُوءُنَّ ولَيَسُوءُنَّ“ بِالنُّونِ والياءِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ، وهي لامُ القَسَمِ، ودَخَلَتْ لامُ الأمْرِ في قِراءَةِ أُبَيٍّ عَلى المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وجَوابُ إذا هو الجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ”لِيُسِيءَ“ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ. وفي مُصْحَفِ أنَسٍ ”لِيَسُوءَ“ وجْهَكم عَلى الإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالوُجُوهِ الحَقِيقَةُ؛ لِأنَّ آثارَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ في القَلْبِ تَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ، فَفي الفَرَحِ يَظْهَرُ الإسْفارُ والإشْراقُ، وفي الحُزْنِ يَظْهَرُ الكُلُوحُ والغَبَرَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ الجُمْلَةِ بِالوَجْهِ، فَإنَّهم ساءُوهم بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ، فَحَصَلَتِ الإساءَةُ لِلذَّواتِ كُلِّها أوْ عَنْ ساداتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ بِالوُجُوهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في الخِطابِ يا وجْهَ العَرَبِ. واللّامُ في ﴿ولِيَدْخُلُوا﴾ لامُ كَيْ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَها مِن لامَ كَيْ، ومَن قَرَأ بِلامِ الأمْرِ أوْ بِلامِ القَسَمِ جازَ أنْ يَكُونَ ولِيَدْخُلُوا وما بَعْدَها أمْرًا، وجازَ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ أيْ: وبَعَثْناهم لِيَدْخُلُوا. والمَسْجِدُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ومَعْنى كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: بِالسَّيْفِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ والإذْلالِ، وهَذا يُبْعِدُ قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ أُولى المَرَّتَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيها قَتْلٌ ولا قِتالٌ ولا نَهْبٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ مَرَّةٍ في سُورَةِ التَّوْبَةِ. ﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ يُهْلِكُوا. وقالَ قُطْرُبٌ: يَهْدِمُوا. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ ∗∗∗ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَفْعُولَةٌ بِـ يُتَبِّرُوا أيْ: يُهْلِكُوا ما غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما ظَرْفِيَّةٌ أيْ: مُدَّةَ اسْتِيلائِهِمْ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم بَعْدَ المَرَّةِ الثّانِيَةِ إنْ تُبْتُمْ وانْزَجَرْتُمْ عَنِ المَعاصِي، وهَذِهِ التَّرْجِئَةُ لَيْسَتْ لِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي مِن بابِ تَرَحُّمِ المُطِيعِ مِنهم، وكانَ مِنَ الطّاعَةِ أنْ يَتَّبِعُوا عِيسى ومُحَمَّدًا - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَلَمْ يَفْعَلُوا. ﴿وإنْ عُدْتُمْ﴾ إلى المَعْصِيَةِ مَرَّةً ثالِثَةً عُدْنا إلى العُقُوبَةِ، وقَدْ عادُوا فَأعادَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النِّقْمَةَ بِتَسْلِيطِ الأكاسِرَةِ وضَرْبِ الإتاوَةِ عَلَيْهِمْ. وعَنِ الحَسَنِ عادُوا فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وعَنْ قَتادَةَ: ثُمَّ كانَ آخِرُ ذَلِكَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الحَيَّ مِنَ العَرَبِ فَهم مِنهُ في عَذابٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. انْتَهى. ومَعْنى (عُدْنا) أيْ: في الدُّنْيا إلى العُقُوبَةِ. وقالَ تَعالى: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ثُمَّ ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، وهو جَعْلُ جَهَنَّمَ لَهم (حَصِيرًا) والحَصِيرُ السِّجْنُ. قالَ لَبِيدٌ: ؎ومَقامُهُ غَلَبَ الرِّجالَ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي فِراشًا، وعَنْهُ أيْضًا هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها حاصِرَةٌ لَهم مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، فَحَصِيرٌ مَعْناهُ ذاتُ حَصْرٍ إذْ لَوْ كانَ لِلْمُبالَغَةِ لَزِمَتْهُ التّاءُ لِجَرَيانِهِ عَلى مُؤَنَّثٍ، كَما تَقُولُ: رَحِيمَةٌ وعَلِيمَةٌ، ولَكِنَّهُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ كَقَوْلِهِ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أيْ: ذاتُ انْفِطارٍ.

الإسراء 17:9

(p-١٢)﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . (p-١٣)لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَنِ اخْتَصَّهُ بِالإسْراءِ وهو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَن آتاهُ التَّوْراةَ وهو مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّها هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَ ما قَضى عَلَيْهِمْ فِيها مِنَ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، كانَ ذَلِكَ رادِعًا مَن عَقَلَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ فَذَكَرَ ما شَرَّفَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ القُرْآنِ النّاسِخِ لِحُكْمِ التَّوْراةِ، وكُلِّ كِتابٍ إلَهِيٍّ، وأنَّهُ يَهْدِي لِلطَّرِيقَةِ أوِ الحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ. وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ والفَرّاءُ (الَّتِي هي أقْوَمُ) هي شَهادَةُ التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِلْأوامِرِ والنَّواهِي و(أقْوَمُ) هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ إذْ قُدِّرَ أقْوَمُ الحالاتِ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ أقْوَمُ مِمّا عَداها أوْ مِن كُلِّ حالٍ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ ﴿أقْوَمُ﴾ هُنا لا يُرادُ بِها التَّفْضِيلُ؛ إذْ لا مُشارَكَةَ بَيْنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُرْشِدُ إلَيْها القُرْآنُ وطَرِيقَةٍ غَيْرِها، وفُضِّلَتْ هَذِهِ عَلَيْها، وإنَّما المَعْنى: الَّتِي هي قَيِّمَةٌ أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ كَما قالَ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] و﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] أيْ: مُسْتَقِيمَةُ الطَّرِيقَةِ، قائِمَةٌ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الَّتِي هي أقْوَمُ) لِلْحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ وأشَدُّها أوْ لِلْمِلَّةِ أوْ لِلطَّرِيقَةِ، وأيْنَما قَدَّرْتَ لَمْ تَجِدْ مَعَ الإثْباتِ ذَوْقَ البَلاغَةِ الَّذِي تَجِدُهُ مَعَ الحَذْفِ لِما في إبْهامِ المَوْصُوفِ لِحَذْفِهِ مِن فَخامَةٍ تُفْقَدُ مَعَ إيضاحِهِ. انْتَهى. ﴿ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ قَيْدٌ في الإيمانِ الكامِلِ إذِ العَمَلُ هو كَمالُ الإيمانِ، نَبَّهَ عَلى الحالَةِ الكامِلَةِ؛ لِيَتَحَلّى بِها المُؤْمِنُ، والمُؤْمِنُ المُفَرِّطُ في عَمَلِهِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصّالِحاتِ، والأجْرُ الكَبِيرُ الجَنَّةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ الأبْرارَ والكُفّارَ ولَمْ يَذْكُرِ الفَسَقَةَ ؟ قُلْتُ: كانَ النّاسُ حِينَئِذٍ إمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وإمّا مُشْرِكٌ، وإنَّما حَدَثَ أصْحابُ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهى. وهَذا مُكابَرَةٌ بَلْ وقَعَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ مِن بَعْضِ المُؤْمِنِينَ هَناتٌ وسَقَطاتٌ، بَعْضُها مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، وبَعْضُها مَذْكُورٌ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الثّابِتِ. ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ بُشِّرُوا بِفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ، وبِكَيْنُونَةِ العَذابِ الألِيمِ لِأعْدائِهِمُ الكُفّارِ، إذْ في عِلْمِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وتَبْشِيرِهِمْ بِهِ مَسَرَّةٌ لَهم، فَهُما بِشارَتانِ، وفِيهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ويُخْبَرَ بِأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. انْتَهى. فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ داخِلًا تَحْتَ البِشارَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن آمَنَ بِالآخِرَةِ لا يُعَدُّ لَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، وأنَّهُ لَيْسَ عَمَلُ الصّالِحاتِ شَرْطًا في نَجاتِهِ مِنَ العَذابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويُبَشِّرُ) مُشَدَّدًا مُضارِعُ بَشَّرَ المُشَدَّدِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ (ويَبْشُرُ) مُضارِعُ بَشَرَ المُخَفَّفِ ومَعْنى (أعْتَدْنا) أعْدَدْنا وهَيَّأْنا، وهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ عَقِبَ ذِكْرِ أحْوالِ اليَهُودِ، وانْدَرَجُوا فِيمَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَهم لا يَقُولُ بِالثَّوابِ والعِقابِ الجُسْمانِيِّ، وبَعْضُهم قالَ: (لَنْ ﴿تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]) فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ حَقِيقَةَ الإيمانِ بِها. ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ النّاسُ مِنَ الدُّعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ في أوْقاتِ الغَضَبِ والضَّجَرِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّ بَعْضَ مَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ كانَ يَدْعُو عَلى نَفْسِهِ بِتَعْجِيلِ ما وُعِدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ في الآخِرَةِ، كَقَوْلِ النَّضْرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكُتِبَ ﴿ويَدْعُ﴾ بِغَيْرِ واوٍ عَلى حَسَبِ السَّمْعِ، والإنْسانُ هُنا لَيْسَ واحِدًا مُعَيَّنًا، والمَعْنى: أنَّ في طِباعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا ضَجِرَ وغَضِبَ دَعا عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِالشَّرِّ أنْ يُصِيبَهُ، كَما يَدْعُو بِالخَيْرِ أنْ يُصِيبَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِن عَدَمِ تَثَبُّتِهِ وقِلَّةِ صَبْرِهِ. وعَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: أشارَ بِهِ إلى آدَمَ لَمّا نُفِخَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُّوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقِهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا فَلَمْ يَقْدِرْ، أوِ المَعْنى ذُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمُ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ تَنْبُو عَنْهُ ألْفاظُ (p-١٤)الآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ذَمٌّ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكانَ الأوْلى أنْ يَقُولُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُعاتَبَةٌ لِلنّاسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوْا وألَحُّوا في الدُّعاءِ واسْتَعْجَلُوا الفَرَجَ، مِثْلَ الدُّعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوهُ في حالَةِ الخَيْرِ. انْتَهى. والباءُ في (بِالشَّرِّ) و(بِالخَيْرِ) عَلى هَذا بِمَعْنى في، والمَدْعُوُّ بِهِ لَيْسَ الشَّرَّ ولا الخَيْرَ، ويُرادُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ حالَتاهُ في الشَّرِّ والخَيْرِ مُتَساوِيَتَيْنِ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لِلَّهِ والرَّغْبَةِ والذِّكْرِ، ويَنْبُوا عَنْ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿دُعاءَهُ﴾ إذْ هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ يَقْتَضِي وُجُودَهُ، وفي هَذا القَوْلِ شَبَّهَ ﴿دُعاءَهُ﴾ في حالَةِ الشَّرِّ بِدُعاءٍ مَقْصُودٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُوجَدَ في حالَةِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ في طَلَبِ المُحَرَّمِ، كَما يَدْعُو في طَلَبِ المُباحِ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى القُرْآنَ وأنَّهُ هادٍ إلى الطَّرِيقَةِ المُسْتَقِيمَةِ، ذَكَرَ ما أنْعَمَ بِهِ مِمّا لَمْ يَكْمُلِ الِانْتِفاعُ إلّا بِهِ، وما دَلَّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن عَجائِبِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ عَجَلَةَ الإنْسانِ وانْتِقالَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ ذَكَرَ أنَّ كُلَّ هَذا العالَمِ كَذَلِكَ في الِانْتِقالِ لا يَثْبُتُ عَلى حالٍ، فَنُورٌ عَقِبَ ظُلْمَةٍ وبِالعَكْسِ، وازْدِيادُ نُورٍ وانْتِقاضٌ. والظّاهِرُ أنَّ (اللَّيْلَ والنَّهارَ) مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِجَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، و﴿آيَتَيْنِ﴾ ثانِي المَفْعُولَيْنِ، ويَكُونانِ في أنْفُسِهِما آيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُما عَلامَتانِ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ، وتَكُونُ الإضافَةُ في آيَةِ اللَّيْلِ وآيَةِ النَّهارِ لِلتَّبْيِينِ كَإضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ، أيْ فَمَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ، وجَعَلْنا الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ مُبْصِرَةً. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ فَقَدَّرَهُ بَعْضُهم، وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم وجَعَلْنا ذَوَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ أيْ: صاحِبَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يُرادُ بِهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ، ويَظْهَرُ أنَّ ﴿آيَتَيْنِ﴾ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، و(اللَّيْلَ والنَّهارَ) ظَرْفانِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: وجَعَلْنا في اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: لَيْسَ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حالَةً تَقَدَّمَتْ نُقِلَ الشَّيْءُ عَنْها إلى حالَةٍ أُخْرى، ولا بِمَعْنى سَمّى وحَكَمَ، والآيَةُ فِيها إقْبالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وإدْبارُهُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، ونُقْصانُ أحَدِهِما بِزِيادَةِ الآخَرِ، وضَوْءُ النَّهارِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ إذا قُلْنا أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ هُما المَجْعُولانِ آيَتَيْنِ فَمَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ عِبارَةٌ عَنِ السَّوادِ الَّذِي فِيهِ، بَلْ خُلِقَ أسْوَدَ أوَّلَ حالِهِ، ولا تَقْتَضِي الفاءُ تَعْقِيبًا، وهَذا كَما يَقُولُ: بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأْتُ بِالأُسِّ. وإذا قُلْنا: إنَّ الآيَتَيْنِ هُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَقِيلَ: مَحْوُ القَمَرِ كَوْنُهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ نُورًا. وقِيلَ: مَحْوُهُ طُلُوعُهُ صَغِيرًا ثُمَّ يَنْمُو ثُمَّ يَنْقُصُ حَتّى يُسْتَرَ. وقِيلَ: مَحْوُهُ نَقْصُهُ عَمّا كانَ خُلِقَ عَلَيْهِ مِنَ الإضاءَةِ، وأنَّهُ جَعَلَ نُورَ الشَّمْسِ سَبْعِينَ جُزْءًا ونُورَ القَمَرِ كَذَلِكَ، فَمَحا مِن نُورِ القَمَرِ حَتّى صارَ عَلى جُزْءٍ واحِدٍ، وجَعَلَ ما مُحِيَ مِنهُ زائِدًا في نُورِ الشَّمْسِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عِيسى: جَعَلْناها لا تُبْصَرُ المَرْئِيّاتُ فِيها كَما لا يُبْصَرُ ما مُحِيَ مِنَ الكِتابِ. قالَ: وهَذا مِنَ البَلاغَةِ الحَسَنَةِ جِدًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مَمْحُوَّ الضَّوْءِ مَطْمُوسَهُ، مُظْلِمًا لا يُسْتَبانُ مِنهُ شَيْءٌ كَما لا يُسْتَبانُ ما في اللَّوْحِ المَمْحُوِّ، وجَعَلْنا النَّهارَ مُبْصِرًا أيْ: يُبْصَرُ فِيهِ الأشْياءُ وتُسْتَبانُ، أوْ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ الَّتِي هي القَمَرُ حَيْثُ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ فَتُرى بِهِ الأشْياءُ رُؤْيَةً بَيِّنَةً، وجَعَلْنا الشَّمْسَ ذاتَ شُعاعٍ يُبْصَرُ في ضَوْئِها كُلُّ شَيْءٍ. انْتَهى. ونُسِبَ الإبْصارُ إلى ﴿آيَةَ النَّهارِ﴾ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما تَقُولُ: لَيْلٌ قائِمٌ ونائِمٌ، أيْ: يُقامُ فِيهِ ويُنامُ فِيهِ. فالمَعْنى: يُبْصَرُ فِيها. وقِيلَ: مَعْنى (مُبْصِرَةً) مُضِيئَةٌ. وقِيلَ: هو مِن بابِ أفْعَلَ، والمُرادُ بِهِ غَيْرُ مَن أُسْنِدَ أفْعَلُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: أجْبَنَ الرَّجُلُ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ، وأضْعَفَ إذا كانَ دَوابُّهُ ضِعافًا فَأبْصَرَتِ الآيَةُ إذا كانَ أصْحابُها بُصَراءَ. وقَرَأ قَتادَةُ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (مَبْصَرَةً) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وكَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ في صِفاتِ الأمْكِنَةِ (p-١٥)كَقَوْلِهِمْ: أرْضٌ مَسْبَعَةٌ ومَكانٌ مَضَبَّةٌ، وعَلَّلَ المَحْوَ والإبْصارَ بِابْتِغاءِ الفَضْلِ وعِلْمِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، ووَلِيَ التَّعْلِيلَ بِالِابْتِغاءِ ما ولِيَهُ مِن آيَةِ النَّهارِ، وتَأخَّرَ التَّعْلِيلُ بِالعِلْمِ عَنْ آيَةِ اللَّيْلِ. وجاءَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] البُداءَةُ بِتَعْلِيلِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ تَعْلِيلِ المُتَأخِّرِ بِالعِلَّةِ المُتَأخِّرَةِ، وهُما طَرِيقانِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ومَعْنى (لِتَبْتَغُوا) لِتَتَوَصَّلُوا إلى اسْتِبانَةِ أعْمالِكم وتَصَرُّفِكم في مَعايِشِكم (والحِسابَ) لِلشُّهُورِ والأيّامِ والسّاعاتِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَّرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ آيَةِ اللَّيْلِ لا مِن جِهَةِ آيَةِ النَّهارِ (وكُلَّ شَيْءٍ) مِمّا تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في دِينِكم ودُنْياكم (فَصَّلْناهُ) بَيَّنّاهُ تَبْيِينًا غَيْرَ مُلْتَبِسٍ، والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (وكُلَّ شَيْءٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ ذَلِكَ أرْجَحَ مِنَ الرَّفْعِ لِسَبْقِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ (وكُلَّ شَيْءٍ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (والحِسابَ) والطّائِرَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما قُدِّرَ لَهُ وعَلَيْهِ، وخاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ إذْ كانَ مِن عادَتِها التَّيَمُّنُ والتَّشاؤُمُ بِالطَّيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِّباءِ وحَيَوانِ الفَلاةِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ كُلُّهُ تَطَيُّرًا. وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِّيَرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في أوْجَزِ لَفْظٍ، وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَقَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ ومَكْسَبُهُ في عُنُقِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ إذْ هُما مُتَلازِمانِ بِالطّائِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَّطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في الأُمُورِ عَلى الطّائِرِ المَيْمُونِ وبِأسْعَدِ طائِرٍ، ومِنهُ ما طارَ في المُحاصَّةِ والسَّهْمِ، ومِنهُ فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (طائِرَهُ) عَمَلَهُ، وعَنِ السُّدِّيِّ: كِتابَهُ الَّذِي يَطِيرُ إلَيْهِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الطّائِرُ عِنْدَ العَرَبِ الحَظُّ، وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ البَخْتَ. وعَنِ الحَسَنِ: يا ابْنَ آدَمَ بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ إذا بُعِثْتَ قُلِّدْتَها في عُنُقِكَ، وخُصَّ العُنُقُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الزِّينَةِ والشَّيْنِ، فَإنْ كانَ خَيْرًا زانَهُ كَما يُزَيِّنُ الطَّوْقُ والحُلِيُّ، وإنْ كانَ شَرًّا شانَهُ كالغُلِّ في الرَّقَبَةِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ”طَيْرَهُ“ . وقُرِئَ: ﴿فِي عُنْقِهِ﴾ بِسُكُونِ النُّونِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهُمُ ابْنُ جَعْفَرٍ: ﴿ونُخْرِجُ﴾ بِنُونٍ، مُضارِعُ أخْرَجَ. (كِتابًا) بِالنَّصْبِ. وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا ويُخْرَجُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (كِتابًا) أيْ: ويُخْرَجُ الطّائِرُ كِتابًا. وعَنْهُ أيْضًا ”كِتابٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ: ”ويَخْرُجُ“ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ أيْ: طائِرُهُ كِتابًا إلّا الحَسَنَ فَقَرَأ: ”كِتابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَخْرُجُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ويُخْرِجُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ أيْ: ويُخْرِجُ اللَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلْقاهُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ﴿يُلَقّاهُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ. ﴿مَنشُورًا﴾ غَيْرَ مَطْوِيٍّ لِيُمْكِنَهُ قِراءَتَهُ، و(يَلْقاهُ) و﴿مَنشُورًا﴾ صِفَتانِ لِكِتابٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مَنشُورًا﴾ حالًا مِن مَفْعُولِ يَلْقاهُ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يُقالُ لَهُ: (اقْرَأْ كِتابَكَ) . وقالَ قَتادَةُ: يَقْرَأُ ذَلِكَ اليَوْمَ مَن لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا قارِئًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: و(بِنَفْسِكَ) فاعِلُ (كَفى) . انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. والباءُ زائِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الجَوازِ لا اللُّزُومِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا حُذِفَتِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِكَفى. قالَ الشّاعِرُ. ؎كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا وقالَ الآخَرُ: ؎ويُخْبِرُنِي عَنْ غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا وقِيلَ: فاعِلُ (كَفى) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الِاكْتِفاءِ، أيْ: كَفى هو أيِ: الِاكْتِفاءُ بِنَفْسِكَ. وقِيلَ: (كَفى) اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْتَفِ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى المُخاطَبِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً. وإذا فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ (بِنَفْسِكَ) هو فاعِلُ (كَفى) فَكانَ القِياسُ أنْ تَدْخُلَ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَأْنِيثِ الفاعِلِ، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ كَفَتْ بِنَفْسِكَ كَما تُلْحَقُ مَعَ زِيادَةِ مِن في الفاعِلِ إذا كانَ مُؤَنَّثًا، كَقَوْلِهِ (p-١٦)تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦] وقَوْلِهِ: (وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ) ولا نَحْفَظُهُ، جاءَ التَّأْنِيثُ في كَفى إذا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا مَجْرُورًا بِالباءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ (بِنَفْسِكَ) ذاتُكَ أيْ كَفى بِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِنَفْسِهِ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ إذا أنْكَرَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْ: ما أشَدَّ كِفايَةَ ما عَلِمْتَ بِما عَمِلْتَ. و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِكَفى و(عَلَيْكَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ حَسِيبًا. ومَعْنى (حَسِيبًا) حاكِمًا عَلَيْكَ بِعَمَلِكَ. قالَهُ الحَسَنُ. قالَ: يا ابْنَ آدَمَ لَقَدْ أنْصَفَكَ اللَّهُ وجَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُحاسِبًا يَعْنِي فَعِيلًا بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسٍ وخَلِيطٍ. وقِيلَ: حاسِبًا كَضَرِيبِ القِداحِ أيْ: ضارِبِها، وصَرِيمٍ بِمَعْنى صارِمٍ يَعْنِي: أنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ كَرَحِيمٍ وحَفِيظٍ، وذَكَرَ (حَسِيبًا) لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الشَّهِيدِ والقاضِي والأمِيرِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ يَتَوَلّاها الرَّجُلُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِنَفْسِكَ رَجُلًا حَسِيبًا. وقالَ الأنْبارِيُّ: وإنَّما قالَ (حَسِيبًا) والنَّفْسُ مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأنَّهُ يَعْنِي بِالنَّفْسِ الشَّخْصَ، أوْ لِأنَّهُ لا عَلامَةَ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِ النَّفْسِ، فَشُبِّهَتْ بِالسَّماءِ والأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ﴿مَنِ اهْتَدى﴾ الآيَةَ. قالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، وفي الضَّلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ هَذا، قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وإثْمُكم عَلَيَّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] في آخِرِ الأنْعامِ ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ غَيّا انْتِفاءَ التَّعْذِيبِ بِبِعْثَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا فَيُكَذَّبُ ولا يُؤْمَنُ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وانْتِفاءُ التَّعْذِيبِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا بِالهَلاكِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ أوْ في الآخِرَةِ بِالنّارِ فَهو يَشْمَلُهُما، ويَدُلُّ عَلى الشُّمُولِ قَوْلُهُ في الهَلاكِ في الدُّنْيا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذا أرَدْنا﴾ [الإسراء: ١٦] وفي الآخِرَةِ ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] وآيٌ كَثِيرَةٌ نُصَّ فِيها عَلى الهَلاكِ في الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبَتِ الرُّسُلَ. وقَوْلُهُ في عَذابِ الآخِرَةِ ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٩] وكُلَّما تَدُلُّ عَلى عُمُومِ أزْمانِ الإلْقاءِ فَتَعُمُّ المُلْقَيْنَ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا في حُكْمِ الدُّنْيا، أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الحُجَّةُ لازِمَةٌ لَهم قَبْلَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّ مَعَهم أدِلَّةَ العَقْلِ الَّتِي بِها يُعْرَفُ اللَّهُ، وقَدْ أغْفَلُوا النَّظَرَ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ، واسْتِيجابُهُمُ العَذابَ لِإغْفالِهِمُ النَّظَرَ فِيما مَعَهم، رُكُونُهم لِذَلِكَ الإغْفالِ الشَّرائِعَ الَّتِي لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالتَّوْقِيفِ، والعَمَلُ بِها لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ الإيمانِ. قُلْتُ: بَعْثَةُ الرَّسُولِ ﷺ مِن جُمْلَةِ التَّنْبِيهِ عَلى النَّظَرِ والإيقاظِ مِن رَقْدَةِ الغَفْلَةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا كُنّا غافِلِينَ، فَلَوْلا بَعَثْتَ إلَيْنا رَسُولًا يُنَبِّهُنا عَلى النَّظَرِ في أدِلَّةِ العَقْلِ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: وما كُنّا مُسْتَأْصِلِينَ في الدُّنْيا لِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ، حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا؛ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وقَطْعًا لِلْعُذْرِ عَنْهم، كَما فَعَلْنا بِعادٍ وثَمُودَ والمُؤْتَفِكاتِ وغَيْرِها.

الإسراء 17:10

(p-١٢)﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . (p-١٣)لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَنِ اخْتَصَّهُ بِالإسْراءِ وهو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَن آتاهُ التَّوْراةَ وهو مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّها هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَ ما قَضى عَلَيْهِمْ فِيها مِنَ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، كانَ ذَلِكَ رادِعًا مَن عَقَلَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ فَذَكَرَ ما شَرَّفَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ القُرْآنِ النّاسِخِ لِحُكْمِ التَّوْراةِ، وكُلِّ كِتابٍ إلَهِيٍّ، وأنَّهُ يَهْدِي لِلطَّرِيقَةِ أوِ الحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ. وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ والفَرّاءُ (الَّتِي هي أقْوَمُ) هي شَهادَةُ التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِلْأوامِرِ والنَّواهِي و(أقْوَمُ) هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ إذْ قُدِّرَ أقْوَمُ الحالاتِ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ أقْوَمُ مِمّا عَداها أوْ مِن كُلِّ حالٍ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ ﴿أقْوَمُ﴾ هُنا لا يُرادُ بِها التَّفْضِيلُ؛ إذْ لا مُشارَكَةَ بَيْنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُرْشِدُ إلَيْها القُرْآنُ وطَرِيقَةٍ غَيْرِها، وفُضِّلَتْ هَذِهِ عَلَيْها، وإنَّما المَعْنى: الَّتِي هي قَيِّمَةٌ أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ كَما قالَ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] و﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] أيْ: مُسْتَقِيمَةُ الطَّرِيقَةِ، قائِمَةٌ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الَّتِي هي أقْوَمُ) لِلْحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ وأشَدُّها أوْ لِلْمِلَّةِ أوْ لِلطَّرِيقَةِ، وأيْنَما قَدَّرْتَ لَمْ تَجِدْ مَعَ الإثْباتِ ذَوْقَ البَلاغَةِ الَّذِي تَجِدُهُ مَعَ الحَذْفِ لِما في إبْهامِ المَوْصُوفِ لِحَذْفِهِ مِن فَخامَةٍ تُفْقَدُ مَعَ إيضاحِهِ. انْتَهى. ﴿ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ قَيْدٌ في الإيمانِ الكامِلِ إذِ العَمَلُ هو كَمالُ الإيمانِ، نَبَّهَ عَلى الحالَةِ الكامِلَةِ؛ لِيَتَحَلّى بِها المُؤْمِنُ، والمُؤْمِنُ المُفَرِّطُ في عَمَلِهِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصّالِحاتِ، والأجْرُ الكَبِيرُ الجَنَّةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ الأبْرارَ والكُفّارَ ولَمْ يَذْكُرِ الفَسَقَةَ ؟ قُلْتُ: كانَ النّاسُ حِينَئِذٍ إمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وإمّا مُشْرِكٌ، وإنَّما حَدَثَ أصْحابُ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهى. وهَذا مُكابَرَةٌ بَلْ وقَعَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ مِن بَعْضِ المُؤْمِنِينَ هَناتٌ وسَقَطاتٌ، بَعْضُها مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، وبَعْضُها مَذْكُورٌ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الثّابِتِ. ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ بُشِّرُوا بِفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ، وبِكَيْنُونَةِ العَذابِ الألِيمِ لِأعْدائِهِمُ الكُفّارِ، إذْ في عِلْمِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وتَبْشِيرِهِمْ بِهِ مَسَرَّةٌ لَهم، فَهُما بِشارَتانِ، وفِيهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ويُخْبَرَ بِأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. انْتَهى. فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ داخِلًا تَحْتَ البِشارَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن آمَنَ بِالآخِرَةِ لا يُعَدُّ لَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، وأنَّهُ لَيْسَ عَمَلُ الصّالِحاتِ شَرْطًا في نَجاتِهِ مِنَ العَذابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويُبَشِّرُ) مُشَدَّدًا مُضارِعُ بَشَّرَ المُشَدَّدِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ (ويَبْشُرُ) مُضارِعُ بَشَرَ المُخَفَّفِ ومَعْنى (أعْتَدْنا) أعْدَدْنا وهَيَّأْنا، وهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ عَقِبَ ذِكْرِ أحْوالِ اليَهُودِ، وانْدَرَجُوا فِيمَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَهم لا يَقُولُ بِالثَّوابِ والعِقابِ الجُسْمانِيِّ، وبَعْضُهم قالَ: (لَنْ ﴿تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]) فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ حَقِيقَةَ الإيمانِ بِها. ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ النّاسُ مِنَ الدُّعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ في أوْقاتِ الغَضَبِ والضَّجَرِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّ بَعْضَ مَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ كانَ يَدْعُو عَلى نَفْسِهِ بِتَعْجِيلِ ما وُعِدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ في الآخِرَةِ، كَقَوْلِ النَّضْرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكُتِبَ ﴿ويَدْعُ﴾ بِغَيْرِ واوٍ عَلى حَسَبِ السَّمْعِ، والإنْسانُ هُنا لَيْسَ واحِدًا مُعَيَّنًا، والمَعْنى: أنَّ في طِباعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا ضَجِرَ وغَضِبَ دَعا عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِالشَّرِّ أنْ يُصِيبَهُ، كَما يَدْعُو بِالخَيْرِ أنْ يُصِيبَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِن عَدَمِ تَثَبُّتِهِ وقِلَّةِ صَبْرِهِ. وعَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: أشارَ بِهِ إلى آدَمَ لَمّا نُفِخَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُّوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقِهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا فَلَمْ يَقْدِرْ، أوِ المَعْنى ذُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمُ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ تَنْبُو عَنْهُ ألْفاظُ (p-١٤)الآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ذَمٌّ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكانَ الأوْلى أنْ يَقُولُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُعاتَبَةٌ لِلنّاسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوْا وألَحُّوا في الدُّعاءِ واسْتَعْجَلُوا الفَرَجَ، مِثْلَ الدُّعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوهُ في حالَةِ الخَيْرِ. انْتَهى. والباءُ في (بِالشَّرِّ) و(بِالخَيْرِ) عَلى هَذا بِمَعْنى في، والمَدْعُوُّ بِهِ لَيْسَ الشَّرَّ ولا الخَيْرَ، ويُرادُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ حالَتاهُ في الشَّرِّ والخَيْرِ مُتَساوِيَتَيْنِ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لِلَّهِ والرَّغْبَةِ والذِّكْرِ، ويَنْبُوا عَنْ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿دُعاءَهُ﴾ إذْ هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ يَقْتَضِي وُجُودَهُ، وفي هَذا القَوْلِ شَبَّهَ ﴿دُعاءَهُ﴾ في حالَةِ الشَّرِّ بِدُعاءٍ مَقْصُودٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُوجَدَ في حالَةِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ في طَلَبِ المُحَرَّمِ، كَما يَدْعُو في طَلَبِ المُباحِ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى القُرْآنَ وأنَّهُ هادٍ إلى الطَّرِيقَةِ المُسْتَقِيمَةِ، ذَكَرَ ما أنْعَمَ بِهِ مِمّا لَمْ يَكْمُلِ الِانْتِفاعُ إلّا بِهِ، وما دَلَّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن عَجائِبِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ عَجَلَةَ الإنْسانِ وانْتِقالَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ ذَكَرَ أنَّ كُلَّ هَذا العالَمِ كَذَلِكَ في الِانْتِقالِ لا يَثْبُتُ عَلى حالٍ، فَنُورٌ عَقِبَ ظُلْمَةٍ وبِالعَكْسِ، وازْدِيادُ نُورٍ وانْتِقاضٌ. والظّاهِرُ أنَّ (اللَّيْلَ والنَّهارَ) مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِجَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، و﴿آيَتَيْنِ﴾ ثانِي المَفْعُولَيْنِ، ويَكُونانِ في أنْفُسِهِما آيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُما عَلامَتانِ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ، وتَكُونُ الإضافَةُ في آيَةِ اللَّيْلِ وآيَةِ النَّهارِ لِلتَّبْيِينِ كَإضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ، أيْ فَمَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ، وجَعَلْنا الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ مُبْصِرَةً. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ فَقَدَّرَهُ بَعْضُهم، وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم وجَعَلْنا ذَوَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ أيْ: صاحِبَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يُرادُ بِهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ، ويَظْهَرُ أنَّ ﴿آيَتَيْنِ﴾ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، و(اللَّيْلَ والنَّهارَ) ظَرْفانِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: وجَعَلْنا في اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: لَيْسَ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حالَةً تَقَدَّمَتْ نُقِلَ الشَّيْءُ عَنْها إلى حالَةٍ أُخْرى، ولا بِمَعْنى سَمّى وحَكَمَ، والآيَةُ فِيها إقْبالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وإدْبارُهُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، ونُقْصانُ أحَدِهِما بِزِيادَةِ الآخَرِ، وضَوْءُ النَّهارِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ إذا قُلْنا أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ هُما المَجْعُولانِ آيَتَيْنِ فَمَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ عِبارَةٌ عَنِ السَّوادِ الَّذِي فِيهِ، بَلْ خُلِقَ أسْوَدَ أوَّلَ حالِهِ، ولا تَقْتَضِي الفاءُ تَعْقِيبًا، وهَذا كَما يَقُولُ: بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأْتُ بِالأُسِّ. وإذا قُلْنا: إنَّ الآيَتَيْنِ هُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَقِيلَ: مَحْوُ القَمَرِ كَوْنُهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ نُورًا. وقِيلَ: مَحْوُهُ طُلُوعُهُ صَغِيرًا ثُمَّ يَنْمُو ثُمَّ يَنْقُصُ حَتّى يُسْتَرَ. وقِيلَ: مَحْوُهُ نَقْصُهُ عَمّا كانَ خُلِقَ عَلَيْهِ مِنَ الإضاءَةِ، وأنَّهُ جَعَلَ نُورَ الشَّمْسِ سَبْعِينَ جُزْءًا ونُورَ القَمَرِ كَذَلِكَ، فَمَحا مِن نُورِ القَمَرِ حَتّى صارَ عَلى جُزْءٍ واحِدٍ، وجَعَلَ ما مُحِيَ مِنهُ زائِدًا في نُورِ الشَّمْسِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عِيسى: جَعَلْناها لا تُبْصَرُ المَرْئِيّاتُ فِيها كَما لا يُبْصَرُ ما مُحِيَ مِنَ الكِتابِ. قالَ: وهَذا مِنَ البَلاغَةِ الحَسَنَةِ جِدًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مَمْحُوَّ الضَّوْءِ مَطْمُوسَهُ، مُظْلِمًا لا يُسْتَبانُ مِنهُ شَيْءٌ كَما لا يُسْتَبانُ ما في اللَّوْحِ المَمْحُوِّ، وجَعَلْنا النَّهارَ مُبْصِرًا أيْ: يُبْصَرُ فِيهِ الأشْياءُ وتُسْتَبانُ، أوْ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ الَّتِي هي القَمَرُ حَيْثُ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ فَتُرى بِهِ الأشْياءُ رُؤْيَةً بَيِّنَةً، وجَعَلْنا الشَّمْسَ ذاتَ شُعاعٍ يُبْصَرُ في ضَوْئِها كُلُّ شَيْءٍ. انْتَهى. ونُسِبَ الإبْصارُ إلى ﴿آيَةَ النَّهارِ﴾ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما تَقُولُ: لَيْلٌ قائِمٌ ونائِمٌ، أيْ: يُقامُ فِيهِ ويُنامُ فِيهِ. فالمَعْنى: يُبْصَرُ فِيها. وقِيلَ: مَعْنى (مُبْصِرَةً) مُضِيئَةٌ. وقِيلَ: هو مِن بابِ أفْعَلَ، والمُرادُ بِهِ غَيْرُ مَن أُسْنِدَ أفْعَلُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: أجْبَنَ الرَّجُلُ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ، وأضْعَفَ إذا كانَ دَوابُّهُ ضِعافًا فَأبْصَرَتِ الآيَةُ إذا كانَ أصْحابُها بُصَراءَ. وقَرَأ قَتادَةُ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (مَبْصَرَةً) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وكَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ في صِفاتِ الأمْكِنَةِ (p-١٥)كَقَوْلِهِمْ: أرْضٌ مَسْبَعَةٌ ومَكانٌ مَضَبَّةٌ، وعَلَّلَ المَحْوَ والإبْصارَ بِابْتِغاءِ الفَضْلِ وعِلْمِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، ووَلِيَ التَّعْلِيلَ بِالِابْتِغاءِ ما ولِيَهُ مِن آيَةِ النَّهارِ، وتَأخَّرَ التَّعْلِيلُ بِالعِلْمِ عَنْ آيَةِ اللَّيْلِ. وجاءَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] البُداءَةُ بِتَعْلِيلِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ تَعْلِيلِ المُتَأخِّرِ بِالعِلَّةِ المُتَأخِّرَةِ، وهُما طَرِيقانِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ومَعْنى (لِتَبْتَغُوا) لِتَتَوَصَّلُوا إلى اسْتِبانَةِ أعْمالِكم وتَصَرُّفِكم في مَعايِشِكم (والحِسابَ) لِلشُّهُورِ والأيّامِ والسّاعاتِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَّرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ آيَةِ اللَّيْلِ لا مِن جِهَةِ آيَةِ النَّهارِ (وكُلَّ شَيْءٍ) مِمّا تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في دِينِكم ودُنْياكم (فَصَّلْناهُ) بَيَّنّاهُ تَبْيِينًا غَيْرَ مُلْتَبِسٍ، والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (وكُلَّ شَيْءٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ ذَلِكَ أرْجَحَ مِنَ الرَّفْعِ لِسَبْقِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ (وكُلَّ شَيْءٍ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (والحِسابَ) والطّائِرَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما قُدِّرَ لَهُ وعَلَيْهِ، وخاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ إذْ كانَ مِن عادَتِها التَّيَمُّنُ والتَّشاؤُمُ بِالطَّيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِّباءِ وحَيَوانِ الفَلاةِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ كُلُّهُ تَطَيُّرًا. وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِّيَرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في أوْجَزِ لَفْظٍ، وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَقَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ ومَكْسَبُهُ في عُنُقِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ إذْ هُما مُتَلازِمانِ بِالطّائِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَّطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في الأُمُورِ عَلى الطّائِرِ المَيْمُونِ وبِأسْعَدِ طائِرٍ، ومِنهُ ما طارَ في المُحاصَّةِ والسَّهْمِ، ومِنهُ فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (طائِرَهُ) عَمَلَهُ، وعَنِ السُّدِّيِّ: كِتابَهُ الَّذِي يَطِيرُ إلَيْهِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الطّائِرُ عِنْدَ العَرَبِ الحَظُّ، وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ البَخْتَ. وعَنِ الحَسَنِ: يا ابْنَ آدَمَ بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ إذا بُعِثْتَ قُلِّدْتَها في عُنُقِكَ، وخُصَّ العُنُقُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الزِّينَةِ والشَّيْنِ، فَإنْ كانَ خَيْرًا زانَهُ كَما يُزَيِّنُ الطَّوْقُ والحُلِيُّ، وإنْ كانَ شَرًّا شانَهُ كالغُلِّ في الرَّقَبَةِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ”طَيْرَهُ“ . وقُرِئَ: ﴿فِي عُنْقِهِ﴾ بِسُكُونِ النُّونِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهُمُ ابْنُ جَعْفَرٍ: ﴿ونُخْرِجُ﴾ بِنُونٍ، مُضارِعُ أخْرَجَ. (كِتابًا) بِالنَّصْبِ. وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا ويُخْرَجُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (كِتابًا) أيْ: ويُخْرَجُ الطّائِرُ كِتابًا. وعَنْهُ أيْضًا ”كِتابٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ: ”ويَخْرُجُ“ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ أيْ: طائِرُهُ كِتابًا إلّا الحَسَنَ فَقَرَأ: ”كِتابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَخْرُجُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ويُخْرِجُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ أيْ: ويُخْرِجُ اللَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلْقاهُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ﴿يُلَقّاهُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ. ﴿مَنشُورًا﴾ غَيْرَ مَطْوِيٍّ لِيُمْكِنَهُ قِراءَتَهُ، و(يَلْقاهُ) و﴿مَنشُورًا﴾ صِفَتانِ لِكِتابٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مَنشُورًا﴾ حالًا مِن مَفْعُولِ يَلْقاهُ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يُقالُ لَهُ: (اقْرَأْ كِتابَكَ) . وقالَ قَتادَةُ: يَقْرَأُ ذَلِكَ اليَوْمَ مَن لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا قارِئًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: و(بِنَفْسِكَ) فاعِلُ (كَفى) . انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. والباءُ زائِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الجَوازِ لا اللُّزُومِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا حُذِفَتِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِكَفى. قالَ الشّاعِرُ. ؎كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا وقالَ الآخَرُ: ؎ويُخْبِرُنِي عَنْ غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا وقِيلَ: فاعِلُ (كَفى) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الِاكْتِفاءِ، أيْ: كَفى هو أيِ: الِاكْتِفاءُ بِنَفْسِكَ. وقِيلَ: (كَفى) اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْتَفِ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى المُخاطَبِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً. وإذا فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ (بِنَفْسِكَ) هو فاعِلُ (كَفى) فَكانَ القِياسُ أنْ تَدْخُلَ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَأْنِيثِ الفاعِلِ، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ كَفَتْ بِنَفْسِكَ كَما تُلْحَقُ مَعَ زِيادَةِ مِن في الفاعِلِ إذا كانَ مُؤَنَّثًا، كَقَوْلِهِ (p-١٦)تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦] وقَوْلِهِ: (وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ) ولا نَحْفَظُهُ، جاءَ التَّأْنِيثُ في كَفى إذا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا مَجْرُورًا بِالباءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ (بِنَفْسِكَ) ذاتُكَ أيْ كَفى بِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِنَفْسِهِ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ إذا أنْكَرَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْ: ما أشَدَّ كِفايَةَ ما عَلِمْتَ بِما عَمِلْتَ. و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِكَفى و(عَلَيْكَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ حَسِيبًا. ومَعْنى (حَسِيبًا) حاكِمًا عَلَيْكَ بِعَمَلِكَ. قالَهُ الحَسَنُ. قالَ: يا ابْنَ آدَمَ لَقَدْ أنْصَفَكَ اللَّهُ وجَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُحاسِبًا يَعْنِي فَعِيلًا بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسٍ وخَلِيطٍ. وقِيلَ: حاسِبًا كَضَرِيبِ القِداحِ أيْ: ضارِبِها، وصَرِيمٍ بِمَعْنى صارِمٍ يَعْنِي: أنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ كَرَحِيمٍ وحَفِيظٍ، وذَكَرَ (حَسِيبًا) لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الشَّهِيدِ والقاضِي والأمِيرِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ يَتَوَلّاها الرَّجُلُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِنَفْسِكَ رَجُلًا حَسِيبًا. وقالَ الأنْبارِيُّ: وإنَّما قالَ (حَسِيبًا) والنَّفْسُ مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأنَّهُ يَعْنِي بِالنَّفْسِ الشَّخْصَ، أوْ لِأنَّهُ لا عَلامَةَ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِ النَّفْسِ، فَشُبِّهَتْ بِالسَّماءِ والأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ﴿مَنِ اهْتَدى﴾ الآيَةَ. قالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، وفي الضَّلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ هَذا، قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وإثْمُكم عَلَيَّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] في آخِرِ الأنْعامِ ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ غَيّا انْتِفاءَ التَّعْذِيبِ بِبِعْثَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا فَيُكَذَّبُ ولا يُؤْمَنُ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وانْتِفاءُ التَّعْذِيبِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا بِالهَلاكِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ أوْ في الآخِرَةِ بِالنّارِ فَهو يَشْمَلُهُما، ويَدُلُّ عَلى الشُّمُولِ قَوْلُهُ في الهَلاكِ في الدُّنْيا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذا أرَدْنا﴾ [الإسراء: ١٦] وفي الآخِرَةِ ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] وآيٌ كَثِيرَةٌ نُصَّ فِيها عَلى الهَلاكِ في الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبَتِ الرُّسُلَ. وقَوْلُهُ في عَذابِ الآخِرَةِ ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٩] وكُلَّما تَدُلُّ عَلى عُمُومِ أزْمانِ الإلْقاءِ فَتَعُمُّ المُلْقَيْنَ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا في حُكْمِ الدُّنْيا، أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الحُجَّةُ لازِمَةٌ لَهم قَبْلَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّ مَعَهم أدِلَّةَ العَقْلِ الَّتِي بِها يُعْرَفُ اللَّهُ، وقَدْ أغْفَلُوا النَّظَرَ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ، واسْتِيجابُهُمُ العَذابَ لِإغْفالِهِمُ النَّظَرَ فِيما مَعَهم، رُكُونُهم لِذَلِكَ الإغْفالِ الشَّرائِعَ الَّتِي لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالتَّوْقِيفِ، والعَمَلُ بِها لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ الإيمانِ. قُلْتُ: بَعْثَةُ الرَّسُولِ ﷺ مِن جُمْلَةِ التَّنْبِيهِ عَلى النَّظَرِ والإيقاظِ مِن رَقْدَةِ الغَفْلَةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا كُنّا غافِلِينَ، فَلَوْلا بَعَثْتَ إلَيْنا رَسُولًا يُنَبِّهُنا عَلى النَّظَرِ في أدِلَّةِ العَقْلِ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: وما كُنّا مُسْتَأْصِلِينَ في الدُّنْيا لِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ، حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا؛ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وقَطْعًا لِلْعُذْرِ عَنْهم، كَما فَعَلْنا بِعادٍ وثَمُودَ والمُؤْتَفِكاتِ وغَيْرِها.

الإسراء 17:11

(p-١٢)﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . (p-١٣)لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَنِ اخْتَصَّهُ بِالإسْراءِ وهو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَن آتاهُ التَّوْراةَ وهو مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّها هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَ ما قَضى عَلَيْهِمْ فِيها مِنَ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، كانَ ذَلِكَ رادِعًا مَن عَقَلَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ فَذَكَرَ ما شَرَّفَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ القُرْآنِ النّاسِخِ لِحُكْمِ التَّوْراةِ، وكُلِّ كِتابٍ إلَهِيٍّ، وأنَّهُ يَهْدِي لِلطَّرِيقَةِ أوِ الحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ. وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ والفَرّاءُ (الَّتِي هي أقْوَمُ) هي شَهادَةُ التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِلْأوامِرِ والنَّواهِي و(أقْوَمُ) هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ إذْ قُدِّرَ أقْوَمُ الحالاتِ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ أقْوَمُ مِمّا عَداها أوْ مِن كُلِّ حالٍ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ ﴿أقْوَمُ﴾ هُنا لا يُرادُ بِها التَّفْضِيلُ؛ إذْ لا مُشارَكَةَ بَيْنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُرْشِدُ إلَيْها القُرْآنُ وطَرِيقَةٍ غَيْرِها، وفُضِّلَتْ هَذِهِ عَلَيْها، وإنَّما المَعْنى: الَّتِي هي قَيِّمَةٌ أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ كَما قالَ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] و﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] أيْ: مُسْتَقِيمَةُ الطَّرِيقَةِ، قائِمَةٌ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الَّتِي هي أقْوَمُ) لِلْحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ وأشَدُّها أوْ لِلْمِلَّةِ أوْ لِلطَّرِيقَةِ، وأيْنَما قَدَّرْتَ لَمْ تَجِدْ مَعَ الإثْباتِ ذَوْقَ البَلاغَةِ الَّذِي تَجِدُهُ مَعَ الحَذْفِ لِما في إبْهامِ المَوْصُوفِ لِحَذْفِهِ مِن فَخامَةٍ تُفْقَدُ مَعَ إيضاحِهِ. انْتَهى. ﴿ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ قَيْدٌ في الإيمانِ الكامِلِ إذِ العَمَلُ هو كَمالُ الإيمانِ، نَبَّهَ عَلى الحالَةِ الكامِلَةِ؛ لِيَتَحَلّى بِها المُؤْمِنُ، والمُؤْمِنُ المُفَرِّطُ في عَمَلِهِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصّالِحاتِ، والأجْرُ الكَبِيرُ الجَنَّةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ الأبْرارَ والكُفّارَ ولَمْ يَذْكُرِ الفَسَقَةَ ؟ قُلْتُ: كانَ النّاسُ حِينَئِذٍ إمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وإمّا مُشْرِكٌ، وإنَّما حَدَثَ أصْحابُ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهى. وهَذا مُكابَرَةٌ بَلْ وقَعَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ مِن بَعْضِ المُؤْمِنِينَ هَناتٌ وسَقَطاتٌ، بَعْضُها مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، وبَعْضُها مَذْكُورٌ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الثّابِتِ. ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ بُشِّرُوا بِفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ، وبِكَيْنُونَةِ العَذابِ الألِيمِ لِأعْدائِهِمُ الكُفّارِ، إذْ في عِلْمِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وتَبْشِيرِهِمْ بِهِ مَسَرَّةٌ لَهم، فَهُما بِشارَتانِ، وفِيهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ويُخْبَرَ بِأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. انْتَهى. فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ داخِلًا تَحْتَ البِشارَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن آمَنَ بِالآخِرَةِ لا يُعَدُّ لَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، وأنَّهُ لَيْسَ عَمَلُ الصّالِحاتِ شَرْطًا في نَجاتِهِ مِنَ العَذابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويُبَشِّرُ) مُشَدَّدًا مُضارِعُ بَشَّرَ المُشَدَّدِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ (ويَبْشُرُ) مُضارِعُ بَشَرَ المُخَفَّفِ ومَعْنى (أعْتَدْنا) أعْدَدْنا وهَيَّأْنا، وهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ عَقِبَ ذِكْرِ أحْوالِ اليَهُودِ، وانْدَرَجُوا فِيمَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَهم لا يَقُولُ بِالثَّوابِ والعِقابِ الجُسْمانِيِّ، وبَعْضُهم قالَ: (لَنْ ﴿تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]) فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ حَقِيقَةَ الإيمانِ بِها. ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ النّاسُ مِنَ الدُّعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ في أوْقاتِ الغَضَبِ والضَّجَرِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّ بَعْضَ مَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ كانَ يَدْعُو عَلى نَفْسِهِ بِتَعْجِيلِ ما وُعِدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ في الآخِرَةِ، كَقَوْلِ النَّضْرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكُتِبَ ﴿ويَدْعُ﴾ بِغَيْرِ واوٍ عَلى حَسَبِ السَّمْعِ، والإنْسانُ هُنا لَيْسَ واحِدًا مُعَيَّنًا، والمَعْنى: أنَّ في طِباعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا ضَجِرَ وغَضِبَ دَعا عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِالشَّرِّ أنْ يُصِيبَهُ، كَما يَدْعُو بِالخَيْرِ أنْ يُصِيبَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِن عَدَمِ تَثَبُّتِهِ وقِلَّةِ صَبْرِهِ. وعَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: أشارَ بِهِ إلى آدَمَ لَمّا نُفِخَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُّوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقِهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا فَلَمْ يَقْدِرْ، أوِ المَعْنى ذُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمُ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ تَنْبُو عَنْهُ ألْفاظُ (p-١٤)الآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ذَمٌّ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكانَ الأوْلى أنْ يَقُولُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُعاتَبَةٌ لِلنّاسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوْا وألَحُّوا في الدُّعاءِ واسْتَعْجَلُوا الفَرَجَ، مِثْلَ الدُّعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوهُ في حالَةِ الخَيْرِ. انْتَهى. والباءُ في (بِالشَّرِّ) و(بِالخَيْرِ) عَلى هَذا بِمَعْنى في، والمَدْعُوُّ بِهِ لَيْسَ الشَّرَّ ولا الخَيْرَ، ويُرادُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ حالَتاهُ في الشَّرِّ والخَيْرِ مُتَساوِيَتَيْنِ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لِلَّهِ والرَّغْبَةِ والذِّكْرِ، ويَنْبُوا عَنْ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿دُعاءَهُ﴾ إذْ هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ يَقْتَضِي وُجُودَهُ، وفي هَذا القَوْلِ شَبَّهَ ﴿دُعاءَهُ﴾ في حالَةِ الشَّرِّ بِدُعاءٍ مَقْصُودٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُوجَدَ في حالَةِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ في طَلَبِ المُحَرَّمِ، كَما يَدْعُو في طَلَبِ المُباحِ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى القُرْآنَ وأنَّهُ هادٍ إلى الطَّرِيقَةِ المُسْتَقِيمَةِ، ذَكَرَ ما أنْعَمَ بِهِ مِمّا لَمْ يَكْمُلِ الِانْتِفاعُ إلّا بِهِ، وما دَلَّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن عَجائِبِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ عَجَلَةَ الإنْسانِ وانْتِقالَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ ذَكَرَ أنَّ كُلَّ هَذا العالَمِ كَذَلِكَ في الِانْتِقالِ لا يَثْبُتُ عَلى حالٍ، فَنُورٌ عَقِبَ ظُلْمَةٍ وبِالعَكْسِ، وازْدِيادُ نُورٍ وانْتِقاضٌ. والظّاهِرُ أنَّ (اللَّيْلَ والنَّهارَ) مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِجَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، و﴿آيَتَيْنِ﴾ ثانِي المَفْعُولَيْنِ، ويَكُونانِ في أنْفُسِهِما آيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُما عَلامَتانِ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ، وتَكُونُ الإضافَةُ في آيَةِ اللَّيْلِ وآيَةِ النَّهارِ لِلتَّبْيِينِ كَإضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ، أيْ فَمَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ، وجَعَلْنا الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ مُبْصِرَةً. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ فَقَدَّرَهُ بَعْضُهم، وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم وجَعَلْنا ذَوَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ أيْ: صاحِبَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يُرادُ بِهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ، ويَظْهَرُ أنَّ ﴿آيَتَيْنِ﴾ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، و(اللَّيْلَ والنَّهارَ) ظَرْفانِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: وجَعَلْنا في اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: لَيْسَ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حالَةً تَقَدَّمَتْ نُقِلَ الشَّيْءُ عَنْها إلى حالَةٍ أُخْرى، ولا بِمَعْنى سَمّى وحَكَمَ، والآيَةُ فِيها إقْبالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وإدْبارُهُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، ونُقْصانُ أحَدِهِما بِزِيادَةِ الآخَرِ، وضَوْءُ النَّهارِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ إذا قُلْنا أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ هُما المَجْعُولانِ آيَتَيْنِ فَمَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ عِبارَةٌ عَنِ السَّوادِ الَّذِي فِيهِ، بَلْ خُلِقَ أسْوَدَ أوَّلَ حالِهِ، ولا تَقْتَضِي الفاءُ تَعْقِيبًا، وهَذا كَما يَقُولُ: بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأْتُ بِالأُسِّ. وإذا قُلْنا: إنَّ الآيَتَيْنِ هُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَقِيلَ: مَحْوُ القَمَرِ كَوْنُهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ نُورًا. وقِيلَ: مَحْوُهُ طُلُوعُهُ صَغِيرًا ثُمَّ يَنْمُو ثُمَّ يَنْقُصُ حَتّى يُسْتَرَ. وقِيلَ: مَحْوُهُ نَقْصُهُ عَمّا كانَ خُلِقَ عَلَيْهِ مِنَ الإضاءَةِ، وأنَّهُ جَعَلَ نُورَ الشَّمْسِ سَبْعِينَ جُزْءًا ونُورَ القَمَرِ كَذَلِكَ، فَمَحا مِن نُورِ القَمَرِ حَتّى صارَ عَلى جُزْءٍ واحِدٍ، وجَعَلَ ما مُحِيَ مِنهُ زائِدًا في نُورِ الشَّمْسِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عِيسى: جَعَلْناها لا تُبْصَرُ المَرْئِيّاتُ فِيها كَما لا يُبْصَرُ ما مُحِيَ مِنَ الكِتابِ. قالَ: وهَذا مِنَ البَلاغَةِ الحَسَنَةِ جِدًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مَمْحُوَّ الضَّوْءِ مَطْمُوسَهُ، مُظْلِمًا لا يُسْتَبانُ مِنهُ شَيْءٌ كَما لا يُسْتَبانُ ما في اللَّوْحِ المَمْحُوِّ، وجَعَلْنا النَّهارَ مُبْصِرًا أيْ: يُبْصَرُ فِيهِ الأشْياءُ وتُسْتَبانُ، أوْ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ الَّتِي هي القَمَرُ حَيْثُ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ فَتُرى بِهِ الأشْياءُ رُؤْيَةً بَيِّنَةً، وجَعَلْنا الشَّمْسَ ذاتَ شُعاعٍ يُبْصَرُ في ضَوْئِها كُلُّ شَيْءٍ. انْتَهى. ونُسِبَ الإبْصارُ إلى ﴿آيَةَ النَّهارِ﴾ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما تَقُولُ: لَيْلٌ قائِمٌ ونائِمٌ، أيْ: يُقامُ فِيهِ ويُنامُ فِيهِ. فالمَعْنى: يُبْصَرُ فِيها. وقِيلَ: مَعْنى (مُبْصِرَةً) مُضِيئَةٌ. وقِيلَ: هو مِن بابِ أفْعَلَ، والمُرادُ بِهِ غَيْرُ مَن أُسْنِدَ أفْعَلُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: أجْبَنَ الرَّجُلُ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ، وأضْعَفَ إذا كانَ دَوابُّهُ ضِعافًا فَأبْصَرَتِ الآيَةُ إذا كانَ أصْحابُها بُصَراءَ. وقَرَأ قَتادَةُ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (مَبْصَرَةً) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وكَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ في صِفاتِ الأمْكِنَةِ (p-١٥)كَقَوْلِهِمْ: أرْضٌ مَسْبَعَةٌ ومَكانٌ مَضَبَّةٌ، وعَلَّلَ المَحْوَ والإبْصارَ بِابْتِغاءِ الفَضْلِ وعِلْمِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، ووَلِيَ التَّعْلِيلَ بِالِابْتِغاءِ ما ولِيَهُ مِن آيَةِ النَّهارِ، وتَأخَّرَ التَّعْلِيلُ بِالعِلْمِ عَنْ آيَةِ اللَّيْلِ. وجاءَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] البُداءَةُ بِتَعْلِيلِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ تَعْلِيلِ المُتَأخِّرِ بِالعِلَّةِ المُتَأخِّرَةِ، وهُما طَرِيقانِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ومَعْنى (لِتَبْتَغُوا) لِتَتَوَصَّلُوا إلى اسْتِبانَةِ أعْمالِكم وتَصَرُّفِكم في مَعايِشِكم (والحِسابَ) لِلشُّهُورِ والأيّامِ والسّاعاتِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَّرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ آيَةِ اللَّيْلِ لا مِن جِهَةِ آيَةِ النَّهارِ (وكُلَّ شَيْءٍ) مِمّا تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في دِينِكم ودُنْياكم (فَصَّلْناهُ) بَيَّنّاهُ تَبْيِينًا غَيْرَ مُلْتَبِسٍ، والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (وكُلَّ شَيْءٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ ذَلِكَ أرْجَحَ مِنَ الرَّفْعِ لِسَبْقِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ (وكُلَّ شَيْءٍ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (والحِسابَ) والطّائِرَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما قُدِّرَ لَهُ وعَلَيْهِ، وخاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ إذْ كانَ مِن عادَتِها التَّيَمُّنُ والتَّشاؤُمُ بِالطَّيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِّباءِ وحَيَوانِ الفَلاةِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ كُلُّهُ تَطَيُّرًا. وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِّيَرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في أوْجَزِ لَفْظٍ، وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَقَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ ومَكْسَبُهُ في عُنُقِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ إذْ هُما مُتَلازِمانِ بِالطّائِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَّطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في الأُمُورِ عَلى الطّائِرِ المَيْمُونِ وبِأسْعَدِ طائِرٍ، ومِنهُ ما طارَ في المُحاصَّةِ والسَّهْمِ، ومِنهُ فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (طائِرَهُ) عَمَلَهُ، وعَنِ السُّدِّيِّ: كِتابَهُ الَّذِي يَطِيرُ إلَيْهِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الطّائِرُ عِنْدَ العَرَبِ الحَظُّ، وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ البَخْتَ. وعَنِ الحَسَنِ: يا ابْنَ آدَمَ بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ إذا بُعِثْتَ قُلِّدْتَها في عُنُقِكَ، وخُصَّ العُنُقُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الزِّينَةِ والشَّيْنِ، فَإنْ كانَ خَيْرًا زانَهُ كَما يُزَيِّنُ الطَّوْقُ والحُلِيُّ، وإنْ كانَ شَرًّا شانَهُ كالغُلِّ في الرَّقَبَةِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ”طَيْرَهُ“ . وقُرِئَ: ﴿فِي عُنْقِهِ﴾ بِسُكُونِ النُّونِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهُمُ ابْنُ جَعْفَرٍ: ﴿ونُخْرِجُ﴾ بِنُونٍ، مُضارِعُ أخْرَجَ. (كِتابًا) بِالنَّصْبِ. وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا ويُخْرَجُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (كِتابًا) أيْ: ويُخْرَجُ الطّائِرُ كِتابًا. وعَنْهُ أيْضًا ”كِتابٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ: ”ويَخْرُجُ“ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ أيْ: طائِرُهُ كِتابًا إلّا الحَسَنَ فَقَرَأ: ”كِتابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَخْرُجُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ويُخْرِجُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ أيْ: ويُخْرِجُ اللَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلْقاهُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ﴿يُلَقّاهُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ. ﴿مَنشُورًا﴾ غَيْرَ مَطْوِيٍّ لِيُمْكِنَهُ قِراءَتَهُ، و(يَلْقاهُ) و﴿مَنشُورًا﴾ صِفَتانِ لِكِتابٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مَنشُورًا﴾ حالًا مِن مَفْعُولِ يَلْقاهُ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يُقالُ لَهُ: (اقْرَأْ كِتابَكَ) . وقالَ قَتادَةُ: يَقْرَأُ ذَلِكَ اليَوْمَ مَن لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا قارِئًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: و(بِنَفْسِكَ) فاعِلُ (كَفى) . انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. والباءُ زائِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الجَوازِ لا اللُّزُومِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا حُذِفَتِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِكَفى. قالَ الشّاعِرُ. ؎كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا وقالَ الآخَرُ: ؎ويُخْبِرُنِي عَنْ غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا وقِيلَ: فاعِلُ (كَفى) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الِاكْتِفاءِ، أيْ: كَفى هو أيِ: الِاكْتِفاءُ بِنَفْسِكَ. وقِيلَ: (كَفى) اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْتَفِ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى المُخاطَبِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً. وإذا فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ (بِنَفْسِكَ) هو فاعِلُ (كَفى) فَكانَ القِياسُ أنْ تَدْخُلَ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَأْنِيثِ الفاعِلِ، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ كَفَتْ بِنَفْسِكَ كَما تُلْحَقُ مَعَ زِيادَةِ مِن في الفاعِلِ إذا كانَ مُؤَنَّثًا، كَقَوْلِهِ (p-١٦)تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦] وقَوْلِهِ: (وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ) ولا نَحْفَظُهُ، جاءَ التَّأْنِيثُ في كَفى إذا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا مَجْرُورًا بِالباءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ (بِنَفْسِكَ) ذاتُكَ أيْ كَفى بِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِنَفْسِهِ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ إذا أنْكَرَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْ: ما أشَدَّ كِفايَةَ ما عَلِمْتَ بِما عَمِلْتَ. و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِكَفى و(عَلَيْكَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ حَسِيبًا. ومَعْنى (حَسِيبًا) حاكِمًا عَلَيْكَ بِعَمَلِكَ. قالَهُ الحَسَنُ. قالَ: يا ابْنَ آدَمَ لَقَدْ أنْصَفَكَ اللَّهُ وجَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُحاسِبًا يَعْنِي فَعِيلًا بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسٍ وخَلِيطٍ. وقِيلَ: حاسِبًا كَضَرِيبِ القِداحِ أيْ: ضارِبِها، وصَرِيمٍ بِمَعْنى صارِمٍ يَعْنِي: أنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ كَرَحِيمٍ وحَفِيظٍ، وذَكَرَ (حَسِيبًا) لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الشَّهِيدِ والقاضِي والأمِيرِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ يَتَوَلّاها الرَّجُلُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِنَفْسِكَ رَجُلًا حَسِيبًا. وقالَ الأنْبارِيُّ: وإنَّما قالَ (حَسِيبًا) والنَّفْسُ مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأنَّهُ يَعْنِي بِالنَّفْسِ الشَّخْصَ، أوْ لِأنَّهُ لا عَلامَةَ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِ النَّفْسِ، فَشُبِّهَتْ بِالسَّماءِ والأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ﴿مَنِ اهْتَدى﴾ الآيَةَ. قالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، وفي الضَّلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ هَذا، قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وإثْمُكم عَلَيَّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] في آخِرِ الأنْعامِ ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ غَيّا انْتِفاءَ التَّعْذِيبِ بِبِعْثَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا فَيُكَذَّبُ ولا يُؤْمَنُ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وانْتِفاءُ التَّعْذِيبِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا بِالهَلاكِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ أوْ في الآخِرَةِ بِالنّارِ فَهو يَشْمَلُهُما، ويَدُلُّ عَلى الشُّمُولِ قَوْلُهُ في الهَلاكِ في الدُّنْيا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذا أرَدْنا﴾ [الإسراء: ١٦] وفي الآخِرَةِ ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] وآيٌ كَثِيرَةٌ نُصَّ فِيها عَلى الهَلاكِ في الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبَتِ الرُّسُلَ. وقَوْلُهُ في عَذابِ الآخِرَةِ ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٩] وكُلَّما تَدُلُّ عَلى عُمُومِ أزْمانِ الإلْقاءِ فَتَعُمُّ المُلْقَيْنَ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا في حُكْمِ الدُّنْيا، أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الحُجَّةُ لازِمَةٌ لَهم قَبْلَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّ مَعَهم أدِلَّةَ العَقْلِ الَّتِي بِها يُعْرَفُ اللَّهُ، وقَدْ أغْفَلُوا النَّظَرَ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ، واسْتِيجابُهُمُ العَذابَ لِإغْفالِهِمُ النَّظَرَ فِيما مَعَهم، رُكُونُهم لِذَلِكَ الإغْفالِ الشَّرائِعَ الَّتِي لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالتَّوْقِيفِ، والعَمَلُ بِها لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ الإيمانِ. قُلْتُ: بَعْثَةُ الرَّسُولِ ﷺ مِن جُمْلَةِ التَّنْبِيهِ عَلى النَّظَرِ والإيقاظِ مِن رَقْدَةِ الغَفْلَةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا كُنّا غافِلِينَ، فَلَوْلا بَعَثْتَ إلَيْنا رَسُولًا يُنَبِّهُنا عَلى النَّظَرِ في أدِلَّةِ العَقْلِ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: وما كُنّا مُسْتَأْصِلِينَ في الدُّنْيا لِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ، حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا؛ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وقَطْعًا لِلْعُذْرِ عَنْهم، كَما فَعَلْنا بِعادٍ وثَمُودَ والمُؤْتَفِكاتِ وغَيْرِها.

الإسراء 17:12

(p-١٢)﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . (p-١٣)لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَنِ اخْتَصَّهُ بِالإسْراءِ وهو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَن آتاهُ التَّوْراةَ وهو مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّها هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَ ما قَضى عَلَيْهِمْ فِيها مِنَ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، كانَ ذَلِكَ رادِعًا مَن عَقَلَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ فَذَكَرَ ما شَرَّفَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ القُرْآنِ النّاسِخِ لِحُكْمِ التَّوْراةِ، وكُلِّ كِتابٍ إلَهِيٍّ، وأنَّهُ يَهْدِي لِلطَّرِيقَةِ أوِ الحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ. وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ والفَرّاءُ (الَّتِي هي أقْوَمُ) هي شَهادَةُ التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِلْأوامِرِ والنَّواهِي و(أقْوَمُ) هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ إذْ قُدِّرَ أقْوَمُ الحالاتِ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ أقْوَمُ مِمّا عَداها أوْ مِن كُلِّ حالٍ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ ﴿أقْوَمُ﴾ هُنا لا يُرادُ بِها التَّفْضِيلُ؛ إذْ لا مُشارَكَةَ بَيْنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُرْشِدُ إلَيْها القُرْآنُ وطَرِيقَةٍ غَيْرِها، وفُضِّلَتْ هَذِهِ عَلَيْها، وإنَّما المَعْنى: الَّتِي هي قَيِّمَةٌ أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ كَما قالَ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] و﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] أيْ: مُسْتَقِيمَةُ الطَّرِيقَةِ، قائِمَةٌ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الَّتِي هي أقْوَمُ) لِلْحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ وأشَدُّها أوْ لِلْمِلَّةِ أوْ لِلطَّرِيقَةِ، وأيْنَما قَدَّرْتَ لَمْ تَجِدْ مَعَ الإثْباتِ ذَوْقَ البَلاغَةِ الَّذِي تَجِدُهُ مَعَ الحَذْفِ لِما في إبْهامِ المَوْصُوفِ لِحَذْفِهِ مِن فَخامَةٍ تُفْقَدُ مَعَ إيضاحِهِ. انْتَهى. ﴿ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ قَيْدٌ في الإيمانِ الكامِلِ إذِ العَمَلُ هو كَمالُ الإيمانِ، نَبَّهَ عَلى الحالَةِ الكامِلَةِ؛ لِيَتَحَلّى بِها المُؤْمِنُ، والمُؤْمِنُ المُفَرِّطُ في عَمَلِهِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصّالِحاتِ، والأجْرُ الكَبِيرُ الجَنَّةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ الأبْرارَ والكُفّارَ ولَمْ يَذْكُرِ الفَسَقَةَ ؟ قُلْتُ: كانَ النّاسُ حِينَئِذٍ إمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وإمّا مُشْرِكٌ، وإنَّما حَدَثَ أصْحابُ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهى. وهَذا مُكابَرَةٌ بَلْ وقَعَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ مِن بَعْضِ المُؤْمِنِينَ هَناتٌ وسَقَطاتٌ، بَعْضُها مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، وبَعْضُها مَذْكُورٌ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الثّابِتِ. ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ بُشِّرُوا بِفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ، وبِكَيْنُونَةِ العَذابِ الألِيمِ لِأعْدائِهِمُ الكُفّارِ، إذْ في عِلْمِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وتَبْشِيرِهِمْ بِهِ مَسَرَّةٌ لَهم، فَهُما بِشارَتانِ، وفِيهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ويُخْبَرَ بِأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. انْتَهى. فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ داخِلًا تَحْتَ البِشارَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن آمَنَ بِالآخِرَةِ لا يُعَدُّ لَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، وأنَّهُ لَيْسَ عَمَلُ الصّالِحاتِ شَرْطًا في نَجاتِهِ مِنَ العَذابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويُبَشِّرُ) مُشَدَّدًا مُضارِعُ بَشَّرَ المُشَدَّدِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ (ويَبْشُرُ) مُضارِعُ بَشَرَ المُخَفَّفِ ومَعْنى (أعْتَدْنا) أعْدَدْنا وهَيَّأْنا، وهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ عَقِبَ ذِكْرِ أحْوالِ اليَهُودِ، وانْدَرَجُوا فِيمَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَهم لا يَقُولُ بِالثَّوابِ والعِقابِ الجُسْمانِيِّ، وبَعْضُهم قالَ: (لَنْ ﴿تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]) فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ حَقِيقَةَ الإيمانِ بِها. ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ النّاسُ مِنَ الدُّعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ في أوْقاتِ الغَضَبِ والضَّجَرِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّ بَعْضَ مَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ كانَ يَدْعُو عَلى نَفْسِهِ بِتَعْجِيلِ ما وُعِدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ في الآخِرَةِ، كَقَوْلِ النَّضْرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكُتِبَ ﴿ويَدْعُ﴾ بِغَيْرِ واوٍ عَلى حَسَبِ السَّمْعِ، والإنْسانُ هُنا لَيْسَ واحِدًا مُعَيَّنًا، والمَعْنى: أنَّ في طِباعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا ضَجِرَ وغَضِبَ دَعا عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِالشَّرِّ أنْ يُصِيبَهُ، كَما يَدْعُو بِالخَيْرِ أنْ يُصِيبَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِن عَدَمِ تَثَبُّتِهِ وقِلَّةِ صَبْرِهِ. وعَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: أشارَ بِهِ إلى آدَمَ لَمّا نُفِخَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُّوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقِهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا فَلَمْ يَقْدِرْ، أوِ المَعْنى ذُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمُ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ تَنْبُو عَنْهُ ألْفاظُ (p-١٤)الآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ذَمٌّ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكانَ الأوْلى أنْ يَقُولُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُعاتَبَةٌ لِلنّاسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوْا وألَحُّوا في الدُّعاءِ واسْتَعْجَلُوا الفَرَجَ، مِثْلَ الدُّعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوهُ في حالَةِ الخَيْرِ. انْتَهى. والباءُ في (بِالشَّرِّ) و(بِالخَيْرِ) عَلى هَذا بِمَعْنى في، والمَدْعُوُّ بِهِ لَيْسَ الشَّرَّ ولا الخَيْرَ، ويُرادُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ حالَتاهُ في الشَّرِّ والخَيْرِ مُتَساوِيَتَيْنِ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لِلَّهِ والرَّغْبَةِ والذِّكْرِ، ويَنْبُوا عَنْ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿دُعاءَهُ﴾ إذْ هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ يَقْتَضِي وُجُودَهُ، وفي هَذا القَوْلِ شَبَّهَ ﴿دُعاءَهُ﴾ في حالَةِ الشَّرِّ بِدُعاءٍ مَقْصُودٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُوجَدَ في حالَةِ الخَيْرِ. وقِيلَ: المَعْنى ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ﴾ في طَلَبِ المُحَرَّمِ، كَما يَدْعُو في طَلَبِ المُباحِ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى القُرْآنَ وأنَّهُ هادٍ إلى الطَّرِيقَةِ المُسْتَقِيمَةِ، ذَكَرَ ما أنْعَمَ بِهِ مِمّا لَمْ يَكْمُلِ الِانْتِفاعُ إلّا بِهِ، وما دَلَّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن عَجائِبِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ عَجَلَةَ الإنْسانِ وانْتِقالَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ ذَكَرَ أنَّ كُلَّ هَذا العالَمِ كَذَلِكَ في الِانْتِقالِ لا يَثْبُتُ عَلى حالٍ، فَنُورٌ عَقِبَ ظُلْمَةٍ وبِالعَكْسِ، وازْدِيادُ نُورٍ وانْتِقاضٌ. والظّاهِرُ أنَّ (اللَّيْلَ والنَّهارَ) مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِجَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، و﴿آيَتَيْنِ﴾ ثانِي المَفْعُولَيْنِ، ويَكُونانِ في أنْفُسِهِما آيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُما عَلامَتانِ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ، وتَكُونُ الإضافَةُ في آيَةِ اللَّيْلِ وآيَةِ النَّهارِ لِلتَّبْيِينِ كَإضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ، أيْ فَمَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ، وجَعَلْنا الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ مُبْصِرَةً. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ فَقَدَّرَهُ بَعْضُهم، وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم وجَعَلْنا ذَوَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ أيْ: صاحِبَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يُرادُ بِهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ، ويَظْهَرُ أنَّ ﴿آيَتَيْنِ﴾ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، و(اللَّيْلَ والنَّهارَ) ظَرْفانِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: وجَعَلْنا في اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: لَيْسَ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حالَةً تَقَدَّمَتْ نُقِلَ الشَّيْءُ عَنْها إلى حالَةٍ أُخْرى، ولا بِمَعْنى سَمّى وحَكَمَ، والآيَةُ فِيها إقْبالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وإدْبارُهُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، ونُقْصانُ أحَدِهِما بِزِيادَةِ الآخَرِ، وضَوْءُ النَّهارِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ إذا قُلْنا أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ هُما المَجْعُولانِ آيَتَيْنِ فَمَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ عِبارَةٌ عَنِ السَّوادِ الَّذِي فِيهِ، بَلْ خُلِقَ أسْوَدَ أوَّلَ حالِهِ، ولا تَقْتَضِي الفاءُ تَعْقِيبًا، وهَذا كَما يَقُولُ: بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأْتُ بِالأُسِّ. وإذا قُلْنا: إنَّ الآيَتَيْنِ هُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَقِيلَ: مَحْوُ القَمَرِ كَوْنُهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ نُورًا. وقِيلَ: مَحْوُهُ طُلُوعُهُ صَغِيرًا ثُمَّ يَنْمُو ثُمَّ يَنْقُصُ حَتّى يُسْتَرَ. وقِيلَ: مَحْوُهُ نَقْصُهُ عَمّا كانَ خُلِقَ عَلَيْهِ مِنَ الإضاءَةِ، وأنَّهُ جَعَلَ نُورَ الشَّمْسِ سَبْعِينَ جُزْءًا ونُورَ القَمَرِ كَذَلِكَ، فَمَحا مِن نُورِ القَمَرِ حَتّى صارَ عَلى جُزْءٍ واحِدٍ، وجَعَلَ ما مُحِيَ مِنهُ زائِدًا في نُورِ الشَّمْسِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عِيسى: جَعَلْناها لا تُبْصَرُ المَرْئِيّاتُ فِيها كَما لا يُبْصَرُ ما مُحِيَ مِنَ الكِتابِ. قالَ: وهَذا مِنَ البَلاغَةِ الحَسَنَةِ جِدًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مَمْحُوَّ الضَّوْءِ مَطْمُوسَهُ، مُظْلِمًا لا يُسْتَبانُ مِنهُ شَيْءٌ كَما لا يُسْتَبانُ ما في اللَّوْحِ المَمْحُوِّ، وجَعَلْنا النَّهارَ مُبْصِرًا أيْ: يُبْصَرُ فِيهِ الأشْياءُ وتُسْتَبانُ، أوْ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ الَّتِي هي القَمَرُ حَيْثُ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ فَتُرى بِهِ الأشْياءُ رُؤْيَةً بَيِّنَةً، وجَعَلْنا الشَّمْسَ ذاتَ شُعاعٍ يُبْصَرُ في ضَوْئِها كُلُّ شَيْءٍ. انْتَهى. ونُسِبَ الإبْصارُ إلى ﴿آيَةَ النَّهارِ﴾ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما تَقُولُ: لَيْلٌ قائِمٌ ونائِمٌ، أيْ: يُقامُ فِيهِ ويُنامُ فِيهِ. فالمَعْنى: يُبْصَرُ فِيها. وقِيلَ: مَعْنى (مُبْصِرَةً) مُضِيئَةٌ. وقِيلَ: هو مِن بابِ أفْعَلَ، والمُرادُ بِهِ غَيْرُ مَن أُسْنِدَ أفْعَلُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: أجْبَنَ الرَّجُلُ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ، وأضْعَفَ إذا كانَ دَوابُّهُ ضِعافًا فَأبْصَرَتِ الآيَةُ إذا كانَ أصْحابُها بُصَراءَ. وقَرَأ قَتادَةُ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (مَبْصَرَةً) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وكَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ في صِفاتِ الأمْكِنَةِ (p-١٥)كَقَوْلِهِمْ: أرْضٌ مَسْبَعَةٌ ومَكانٌ مَضَبَّةٌ، وعَلَّلَ المَحْوَ والإبْصارَ بِابْتِغاءِ الفَضْلِ وعِلْمِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، ووَلِيَ التَّعْلِيلَ بِالِابْتِغاءِ ما ولِيَهُ مِن آيَةِ النَّهارِ، وتَأخَّرَ التَّعْلِيلُ بِالعِلْمِ عَنْ آيَةِ اللَّيْلِ. وجاءَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] البُداءَةُ بِتَعْلِيلِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ تَعْلِيلِ المُتَأخِّرِ بِالعِلَّةِ المُتَأخِّرَةِ، وهُما طَرِيقانِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ومَعْنى (لِتَبْتَغُوا) لِتَتَوَصَّلُوا إلى اسْتِبانَةِ أعْمالِكم وتَصَرُّفِكم في مَعايِشِكم (والحِسابَ) لِلشُّهُورِ والأيّامِ والسّاعاتِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَّرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ آيَةِ اللَّيْلِ لا مِن جِهَةِ آيَةِ النَّهارِ (وكُلَّ شَيْءٍ) مِمّا تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في دِينِكم ودُنْياكم (فَصَّلْناهُ) بَيَّنّاهُ تَبْيِينًا غَيْرَ مُلْتَبِسٍ، والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (وكُلَّ شَيْءٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ ذَلِكَ أرْجَحَ مِنَ الرَّفْعِ لِسَبْقِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ (وكُلَّ شَيْءٍ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (والحِسابَ) والطّائِرَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما قُدِّرَ لَهُ وعَلَيْهِ، وخاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ إذْ كانَ مِن عادَتِها التَّيَمُّنُ والتَّشاؤُمُ بِالطَّيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِّباءِ وحَيَوانِ الفَلاةِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ كُلُّهُ تَطَيُّرًا. وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِّيَرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في أوْجَزِ لَفْظٍ، وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَقَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ ومَكْسَبُهُ في عُنُقِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ إذْ هُما مُتَلازِمانِ بِالطّائِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَّطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في الأُمُورِ عَلى الطّائِرِ المَيْمُونِ وبِأسْعَدِ طائِرٍ، ومِنهُ ما طارَ في المُحاصَّةِ والسَّهْمِ، ومِنهُ فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (طائِرَهُ) عَمَلَهُ، وعَنِ السُّدِّيِّ: كِتابَهُ الَّذِي يَطِيرُ إلَيْهِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الطّائِرُ عِنْدَ العَرَبِ الحَظُّ، وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ البَخْتَ. وعَنِ الحَسَنِ: يا ابْنَ آدَمَ بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ إذا بُعِثْتَ قُلِّدْتَها في عُنُقِكَ، وخُصَّ العُنُقُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الزِّينَةِ والشَّيْنِ، فَإنْ كانَ خَيْرًا زانَهُ كَما يُزَيِّنُ الطَّوْقُ والحُلِيُّ، وإنْ كانَ شَرًّا شانَهُ كالغُلِّ في الرَّقَبَةِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ”طَيْرَهُ“ . وقُرِئَ: ﴿فِي عُنْقِهِ﴾ بِسُكُونِ النُّونِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهُمُ ابْنُ جَعْفَرٍ: ﴿ونُخْرِجُ﴾ بِنُونٍ، مُضارِعُ أخْرَجَ. (كِتابًا) بِالنَّصْبِ. وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا ويُخْرَجُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (كِتابًا) أيْ: ويُخْرَجُ الطّائِرُ كِتابًا. وعَنْهُ أيْضًا ”كِتابٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ: ”ويَخْرُجُ“ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ أيْ: طائِرُهُ كِتابًا إلّا الحَسَنَ فَقَرَأ: ”كِتابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَخْرُجُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ويُخْرِجُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ أيْ: ويُخْرِجُ اللَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلْقاهُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ﴿يُلَقّاهُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ. ﴿مَنشُورًا﴾ غَيْرَ مَطْوِيٍّ لِيُمْكِنَهُ قِراءَتَهُ، و(يَلْقاهُ) و﴿مَنشُورًا﴾ صِفَتانِ لِكِتابٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مَنشُورًا﴾ حالًا مِن مَفْعُولِ يَلْقاهُ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يُقالُ لَهُ: (اقْرَأْ كِتابَكَ) . وقالَ قَتادَةُ: يَقْرَأُ ذَلِكَ اليَوْمَ مَن لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا قارِئًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: و(بِنَفْسِكَ) فاعِلُ (كَفى) . انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. والباءُ زائِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الجَوازِ لا اللُّزُومِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا حُذِفَتِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِكَفى. قالَ الشّاعِرُ. ؎كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا وقالَ الآخَرُ: ؎ويُخْبِرُنِي عَنْ غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا وقِيلَ: فاعِلُ (كَفى) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الِاكْتِفاءِ، أيْ: كَفى هو أيِ: الِاكْتِفاءُ بِنَفْسِكَ. وقِيلَ: (كَفى) اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْتَفِ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى المُخاطَبِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً. وإذا فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ (بِنَفْسِكَ) هو فاعِلُ (كَفى) فَكانَ القِياسُ أنْ تَدْخُلَ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَأْنِيثِ الفاعِلِ، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ كَفَتْ بِنَفْسِكَ كَما تُلْحَقُ مَعَ زِيادَةِ مِن في الفاعِلِ إذا كانَ مُؤَنَّثًا، كَقَوْلِهِ (p-١٦)تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦] وقَوْلِهِ: (وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ) ولا نَحْفَظُهُ، جاءَ التَّأْنِيثُ في كَفى إذا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا مَجْرُورًا بِالباءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ (بِنَفْسِكَ) ذاتُكَ أيْ كَفى بِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِنَفْسِهِ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ إذا أنْكَرَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْ: ما أشَدَّ كِفايَةَ ما عَلِمْتَ بِما عَمِلْتَ. و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِكَفى و(عَلَيْكَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ حَسِيبًا. ومَعْنى (حَسِيبًا) حاكِمًا عَلَيْكَ بِعَمَلِكَ. قالَهُ الحَسَنُ. قالَ: يا ابْنَ آدَمَ لَقَدْ أنْصَفَكَ اللَّهُ وجَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُحاسِبًا يَعْنِي فَعِيلًا بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسٍ وخَلِيطٍ. وقِيلَ: حاسِبًا كَضَرِيبِ القِداحِ أيْ: ضارِبِها، وصَرِيمٍ بِمَعْنى صارِمٍ يَعْنِي: أنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ كَرَحِيمٍ وحَفِيظٍ، وذَكَرَ (حَسِيبًا) لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الشَّهِيدِ والقاضِي والأمِيرِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ يَتَوَلّاها الرَّجُلُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِنَفْسِكَ رَجُلًا حَسِيبًا. وقالَ الأنْبارِيُّ: وإنَّما قالَ (حَسِيبًا) والنَّفْسُ مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأنَّهُ يَعْنِي بِالنَّفْسِ الشَّخْصَ، أوْ لِأنَّهُ لا عَلامَةَ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِ النَّفْسِ، فَشُبِّهَتْ بِالسَّماءِ والأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقالَ الشّاعِرُ: ؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها ﴿مَنِ اهْتَدى﴾ الآيَةَ. قالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، وفي الضَّلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ هَذا، قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وإثْمُكم عَلَيَّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] في آخِرِ الأنْعامِ ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ غَيّا انْتِفاءَ التَّعْذِيبِ بِبِعْثَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا فَيُكَذَّبُ ولا يُؤْمَنُ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وانْتِفاءُ التَّعْذِيبِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا بِالهَلاكِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ أوْ في الآخِرَةِ بِالنّارِ فَهو يَشْمَلُهُما، ويَدُلُّ عَلى الشُّمُولِ قَوْلُهُ في الهَلاكِ في الدُّنْيا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإذا أرَدْنا﴾ [الإسراء: ١٦] وفي الآخِرَةِ ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] وآيٌ كَثِيرَةٌ نُصَّ فِيها عَلى الهَلاكِ في الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبَتِ الرُّسُلَ. وقَوْلُهُ في عَذابِ الآخِرَةِ ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٩] وكُلَّما تَدُلُّ عَلى عُمُومِ أزْمانِ الإلْقاءِ فَتَعُمُّ المُلْقَيْنَ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا في حُكْمِ الدُّنْيا، أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الحُجَّةُ لازِمَةٌ لَهم قَبْلَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّ مَعَهم أدِلَّةَ العَقْلِ الَّتِي بِها يُعْرَفُ اللَّهُ، وقَدْ أغْفَلُوا النَّظَرَ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ، واسْتِيجابُهُمُ العَذابَ لِإغْفالِهِمُ النَّظَرَ فِيما مَعَهم، رُكُونُهم لِذَلِكَ الإغْفالِ الشَّرائِعَ الَّتِي لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالتَّوْقِيفِ، والعَمَلُ بِها لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ الإيمانِ. قُلْتُ: بَعْثَةُ الرَّسُولِ ﷺ مِن جُمْلَةِ التَّنْبِيهِ عَلى النَّظَرِ والإيقاظِ مِن رَقْدَةِ الغَفْلَةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا كُنّا غافِلِينَ، فَلَوْلا بَعَثْتَ إلَيْنا رَسُولًا يُنَبِّهُنا عَلى النَّظَرِ في أدِلَّةِ العَقْلِ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: وما كُنّا مُسْتَأْصِلِينَ في الدُّنْيا لِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ، حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا؛ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وقَطْعًا لِلْعُذْرِ عَنْهم، كَما فَعَلْنا بِعادٍ وثَمُودَ والمُؤْتَفِكاتِ وغَيْرِها.