Al-Bahr Al-Muhit — الإسراء 17:41 – الإسراء 17:69
المحتويات
- الإسراء 17:41
- الإسراء 17:42
- الإسراء 17:43
- الإسراء 17:44
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:46
- الإسراء 17:47
- الإسراء 17:48
- الإسراء 17:49
- الإسراء 17:50
- الإسراء 17:51
- الإسراء 17:52
- الإسراء 17:53
- الإسراء 17:54
- الإسراء 17:55
- الإسراء 17:56
- الإسراء 17:57
- الإسراء 17:58
- الإسراء 17:59
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:61
- الإسراء 17:62
- الإسراء 17:63
- الإسراء 17:64
- الإسراء 17:65
- الإسراء 17:66
- الإسراء 17:67
- الإسراء 17:68
- الإسراء 17:69
الإسراء 17:41
﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
(p-٣٣)لَمّا نَهى تَعالى عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ نَهى عَنِ التَّسَبُّبِ في إيجادِهِ مِنَ الطَّرِيقِ غَيْرِ المَشْرُوعَةِ، فَنَهى عَنْ قُرْبانِ الزِّنا واسْتَلْزَمَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الزِّنا، والزِّنا الأكْثَرُ فِيهِ القَصْرُ ويُمَدُّ لُغَةً لا ضَرُورَةً، هَكَذا نَقَلَ اللُّغَوِيُّونَ. ومِنَ المَدِّ قَوْلُ الشّاعِرِ - وهو الفَرَزْدَقُ:
؎أبا حاضِرٍ مَن يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ومَن يَشْرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرا
ويُرْوى: أبا خالِدٍ. وقالَ آخَرُ:
؎كانَتْ فَرِيضَةَ ما تَقُولُ كَما ∗∗∗ كانَ الزِّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
وكانَ المَعْنى لَمْ يَزَلْ أيْ: لَمْ يَزَلْ فاحِشَةً أيْ: مَعْصِيَةً فاحِشَةً أيْ: قَبِيحَةً زائِدَةً في القُبْحِ ﴿وساءَ سَبِيلًا﴾ أيْ: وبِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ؛ لِأنَّها سَبِيلٌ تُؤَدِّي إلى النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(سَبِيلًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، التَّقْدِيرُ: وساءَ سَبِيلُهُ. انْتَهى. وإذا كانَ (سَبِيلًا) نَصْبًا عَلى التَّمْيِيزِ فَإنَّما هو تَمْيِيزٌ لِلْمُضْمَرِ المُسَّتكِنِّ في (ساءَ) وهو مِنَ المُضْمَرِ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَكُونُ تَقْدِيرُهُ: وساءَ سَبِيلُهُ سَبِيلًا؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ لا يَكُونُ فاعِلُهُ ضَمِيرًا يُرادُ بِهِ الجِنْسُ مُفَسَّرًا بِالتَّمْيِيزِ، ويَبْقى التَّقْدِيرُ أيْضًا عارِيًا عَنِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ في أواخِرِ الأنْعامِ. قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في شَأْنِ القَتْلِ. انْتَهى.
ولَمّا نَهى عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ وعَنْ إيجادِهِمْ مِنَ الطَّرِيقِ غَيْرِ المَشْرُوعَةِ نَهى عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ فانْتَقَلَ مِنَ الخاصِّ إلى العامِّ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مَنهِيّاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مُنْدَرِجَةً تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] كانْدِراجِ (أنْ لا تَعْبُدُوا) وانْتَصَبَ ﴿مَظْلُومًا﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (قُتِلَ) والمَعْنى: أنَّهُ قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ وهو الطّالِبُ بِدَمِهِ شَرْعًا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ انْدِراجُ مَن يَرِثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ في الوَلِيِّ عَلى قَدْرِ مَوارِيثِهِمْ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ عِنْدَهم هو الوارِثُ هُنا. وقالَ مالِكٌ: لَيْسَ لِلنِّساءِ شَيْءٌ مِنَ القِصاصِ، وإنَّما القِصاصُ لِلرِّجالِ. وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ وقَتادَةَ والحَكَمِ: لَيْسَ إلى النِّساءِ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ والدَّمِ، ولِلسُّلْطانِ التَّسَلُّطُ عَلى القاتِلِ في الِاقْتِصاصِ مِنهُ أوْ حُجَّةٌ يُثْبِتُ بِها عَلَيْهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والمَلِكُ الَّذِي جَعَلَ إلَيْهِ مِنَ التَّخْيِيرِ في قَبُولِ الدَّمِ أوِ العَفْوِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ، وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ: القَوَدُ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: السُّلْطانُ: القُوَّةُ والوِلايَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَيِّنَةُ في طَلَبِ القَوَدِ، وقالَ الحَسَنُ: القَوَدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحُجَّةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوالِي أيْ: والِيًا يُنْصِفُهُ في حَقِّهِ، والظّاهِرُ: عَوْدُ الضَّمِيرِ في (فَلا يُسْرِفْ) عَلى الوَلِيِّ، والإسْرافُ المَنهِيُّ عَنْهُ: أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ القاتِلِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، أوْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ بِواحِدٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوْ أشْرَفَ مِنَ الَّذِي قُتِلَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوْ يُمَثِّلَ، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ يَتَوَلّى القاتِلُ دُونَ السُّلْطانِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: السَّلْطَنَةُ مُجْمَلَةٌ يُفَسِّرُها ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآيَةَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القِصاصِ والدِّيَةِ، وقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ الفَتْحِ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَأهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ» . فَمَعْنى ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ لا يُقْدِمْ عَلى اسْتِيفاءِ القَتْلِ، ويَكْتَفِي بِأخْذِ الدِّيَةِ أوْ يَمِيلُ إلى العَفْوِ، ولَفْظَةُ في مَحْمُولَةٌ عَلى الباءِ، أيْ: فَلا يَصِيرُ مُسْرِفًا بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ، ويَكُونُ مَعْناهُ التَّرْغِيبَ في العَفْوِ كَما قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] . انْتَهى مُلَخَّصًا. ولَوْ سُلِّمَ أنَّ (في) بِمَعْنى الباءِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحَ المَعْنى؛ لِأنَّ مَن قَتَلَ بِحَقٍّ قاتِلَ مُوَلِّيهِ لا يَصِيرُ مُسْرِفًا بِقَتْلِهِ، وإنَّما الظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - النَّهْيُ عَمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مِن قَتْلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، وقَتْلِ غَيْرِ القاتِلِ والمُثْلَةِ ومُكافَأةِ الَّذِي يَقْتُلُ مَن قَتَلَهُ. وقالَ مُهَلْهَلٌ حِينَ قَتَلَ بُجَيْرَ بْنَ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ لَيْسَ عائِدًا عَلى (p-٣٤)الوَلِيِّ، وإنَّما يَعُودُ عَلى العامِلِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿ومَن قُتِلَ﴾ أيْ لا يُسْرِفْ في القَتْلِ تَعَدِّيًا وظُلْمًا فَيَقْتُلُ مَن لَيْسَ لَهُ قَتْلُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحُذَيْفَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ومُجاهِدٌ بِخِلافٍ وجَماعَةٍ، وفي نُسْخَةٍ مِن تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ وابْنِ عامِرٍ وهو وهْمٌ بِتاءِ الخِطابِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى خِطابِ الوَلِيِّ فالضَّمِيرُ لَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ والأئِمَّةِ مِن بَعْدِهِ أيْ: فَلا تَقْتُلُوا غَيْرَ القاتِلِ. انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ السَّرّاجُ صاحِبُ الدَّعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَرَأ أبُو مُسْلِمٍ صاحِبُ الدَّوْلَةِ. وقالَ صاحِبُ كِتابِ اللَّوامِحِ أوْ مُسْلِمٌ العِجْلِيُّ مَوْلى صاحِبِ الدَّوْلَةِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ بِضَمِّ الفاءِ عَلى الخَبَرِ، ومَعْناهُ النَّهْيُ، وقَدْ يَأْتِي الأمْرُ والنَّهْيُ بِلَفْظِ الخَبَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في الِاحْتِجاجِ بِأبِي مُسْلِمٍ: في القِراءَةِ نَظَرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ”فَلا تُسْرِفُوا في القَتْلِ“ إنَّ ولِيَّ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا. انْتَهى. رَدَّهُ عَلى ولا تَقْتُلُوا، والأوْلى حَمْلُ قَوْلِهِ إنَّ ولِيَّ المَقْتُولِ عَلى التَّفْسِيرِ لا عَلى القِراءَةِ لِمُخالَفَتِهِ السَّوادَ، ولِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنْهُ ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ، والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ لِتَناسُقِ الضَّمائِرِ، ونَصْرُهُ إيّاهُ بِأنْ أوْجَبَ لَهُ القِصاصَ، فَلا يُسْتَزادُ عَلى ذَلِكَ، أوْ نَصْرُهُ بِمَعُونَةِ السُّلْطانِ وبِإظْهارِ المُؤْمِنِينَ عَلى اسْتِيفاءِ الحَقِّ، وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى المَقْتُولِ نَصَرَهُ اللَّهُ حَيْثُ أوْجَبَ القِصاصَ بِقَتْلِهِ في الدُّنْيا، ونَصَرَهُ بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّهُ المَظْلُومُ، ولَفْظَةُ النَّصْرِ تُقارِنُ الظُّلْمَ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ: «ونَصْرِ المَظْلُومِ وإبْرارِ القَسَمِ» وكَقَوْلِهِ: «انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا» إلى كَثِيرٍ مِنَ الأمْثِلَةِ. وقِيلَ: عَلى القَتْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: عَلى القاتِلِ؛ لِأنَّهُ إذا قُتِلَ في الدُّنْيا وخَلَصَ بِذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَقَدْ نُصِرَ، وهَذا ضَعِيفٌ بَعِيدُ القَصْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما يَعْنِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُهُ الوَلِيِّ بِغَيْرِ حَقٍّ ويُسْرِفُ في قَتْلِهِ، فَإنَّهُ مَنصُورٌ بِإيجابِ القِصاصِ عَلى المُسْرِفِ. انْتَهى. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا.
﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ لَمّا نَهى عَنْ إتْلافِ النُّفُوسِ نَهى عَنْ أخْذِ الأمْوالِ، كَما قالَ: «فَإنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم حَرامٌ عَلَيْكم» . ولَمّا كانَ اليَتِيمُ ضَعِيفًا عَنْ أنْ يَدْفَعَ عَنْ مالِهِ لِصِغَرِهِ نَصَّ عَلى النَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ مالِهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ الأنْعامِ.
﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ عامٌّ فِيما عَقَدَهُ الإنْسانُ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمِيٍّ في طاعَةٍ ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ ظاهِرُهُ أنَّ العَهْدَ هو المَسْئُولُ مِنَ المُعاهِدِ أنْ يَفِيَ بِهِ ولا يَنْكُثَ ولا يُضَيِّعَهُ، أوْ يَكُونُ مِن بابِ التَّخْيِيلِ، كَأنَّهُ يُقالُ: لِلْعَهْدِ لِمَ نُكِثْتَ، فَمُثِّلَ كَأنَّهُ ذاتٌ مِنَ الذَّواتِ تُسْألُ لِمَ نُكِثَتْ دَلالَةً عَلى المُطاوَعَةِ بِنَكْثِهِ وإلْزامِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى نَكْثِهِ، كَما جاءَ ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] فِيمَن قَرَأ بِسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ التّاءِ الَّتِي لِلْخِطابِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: إنَّ ذا العَهْدِ كانَ مَسْئُولًا عَنْهُ إنْ لَمْ يَفِ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِإيفاءِ الكَيْلِ وبِالوَزْنِ المُسْتَقِيمِ، وذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى المُعامَلَةِ بِالأمْوالِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكَيْلَ هو عَلى البائِعِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي. وقالَ الحَسَنُ: (القِسْطاسُ) القَبّانُ وهو الفِلَسْطُونُ، ويُقالُ: القَرَسْطُونُ. وقالَ مُجاهِدٌ: (القِسْطاسُ) العَدْلُ لا أنَّهُ آلَةٌ. وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ بِكَسْرِ القافِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها وهُما لُغَتانِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإبْدالِ مِنَ السِّينِ الأُولى صادًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللَّفْظِيَّةُ لِلْمُبالَغَةِ مِنَ القِسْطِ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القِسْطِ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ؛ لِأنَّ القِسْطَ مادَّتُهُ (ق س ط)، وذَلِكَ مادَّتُهُ (ق س ط س) إلّا أنِ اعْتُقِدَ زِيادَةُ السِّينِ آخِرًا كَسِينِ قُدْمُوسَ وضُغْبُوسَ وعُرْفاسَ، فَيُمْكِنُ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ السِّينِ المَقِيسَةِ، والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا كِلْتُمْ﴾ أيْ: وقْتَ كَيْلِكم عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، وأنْ لا يَتَأخَّرَ الإيفاءُ بِأنْ (p-٣٥)يَكِيلَ بِهِ بِنُقْصانٍ ما ثُمَّ يُوَفِّيهِ بَعْدُ فَلا يَتَأخَّرُ الإيفاءُ عَنْ وقْتِ الكَيْلِ.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أيِ: الإيفاءُ والوَزْنُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَطْيِيبَ النُّفُوسِ بِالِاتِّسامِ بِالعَدْلِ والإيصالِ لِلْحَقِّ ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أيْ: عاقِبَةً، إذْ لا يَبْقى عَلى المُوفِي والوازِنِ تَبِعَةٌ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وهو مِنَ المَآلِ وهو المَرْجِعُ كَما قالَ: خَيْرٌ مَرَدًّا، خَيْرٌ عُقْبًا، خَيْرٌ أمَلًا وإنَّما كانَتْ عاقِبَتُهُ أحْسُنُ؛ لِأنَّهُ اشْتُهِرَ بِالِاحْتِرازِ عَنِ التَّطْفِيفِ، فَعُوِّلَ عَلَيْهِ في المُعامَلاتِ ومالَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ.
﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ .
(p-٣٦)لَمّا أمَرَ تَعالى بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الإيفاءِ بِالعَهْدِ، والإيفاءِ بِالكَيْلِ، والوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِثَلاثَةِ مَناهٍ: (ولا تَقْفُ) (ولا تَمْشِ) (ولا تَجْعَلْ) . ومَعْنى (ولا تَقْفُ) لا تَتَّبِعْ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، نَهى أنْ نَقُولَ ما لا نَعْلَمُ وأنْ نَعْمَلَ بِما لا نَعْلَمُ، ويَدْخُلُ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ اتِّباعٌ بِما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لا تَرْمِ أحَدًا بِما لا تَعْلَمُ. وقالَ قَتادَةُ: لا تَقُلْ: رَأيْتُ ولَمْ تَرَهْ، وسَمِعْتُ ولَمْ تَسْمَعْهُ، وعَلِمْتُ ولَمْ تَعْلَمْهُ. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا تَقُلْ: لَكِنَّها كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ في القَذْفِ والعَضْهِ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «مَن قَفا مُؤْمِنًا بِما لَيْسَ فِيهِ حَبَسَهُ اللَّهُ في رَدْغَةِ الخَبالِ حَتّى يَأْتِيَ بِالمَخْرَجِ» . وقالَ في الحَدِيثِ أيْضًا: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنُ كِنانَةَ لا تَقْفُو مِنّا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» . ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ:
؎ومِثْلُ الدُّمى شُمُّ العِرانِينَ ساكِنٌ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَيا لا يَتَّبِعْنَ التَّقافِيا
وقالَ الكُمَيْتُ:
؎فَلا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ∗∗∗ ولا أقْفُو الحَواضِنَ إنْ قُفِينا
وحاصِلُ هَذا أنَّهُ نَهى عَنِ اتِّباعِ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا، وهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ تَنْدَرِجُ تَحْتَها أنْواعٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مُبْطِلُ الِاجْتِهادِ ولَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ، وقَدْ أقامَ الشَّرْعُ غالِبَ الظَّنِّ مَقامَ العِلْمِ وأمَرَ بِالعَمَلِ بِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَقْفُ﴾ بِحَذْفِ الواوِ لِلْجَزْمِ مُضارِعُ قَفا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”ولا تَقْفُو“ بِإثْباتِ الواوِ. كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎هَجَوْتَ زَبّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ∗∗∗ مِن هَجْوِ زَبّانَ لَمْ تَهْجُو ولَمْ تَدَعِ
وإثْباتُ الواوِ والياءِ والألِفِ مَعَ الجازِمِ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ وضَرُورَةٌ لِغَيْرِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ: ﴿ولا تَقْفُ﴾ مِثْلَ تَقُلْ، مِن قافَ يَقُوفُ، تَقُولُ العَرَبُ: قُفْتُ أثَرَهُ وقَفَوْتُ أثَرَهُ، وهُما لُغَتانِ لِوُجُودِ التَّصارِيفِ فِيهِما كَجَبَذَ وجَذَبَ، وقاعَ الجَمَلُ النّاقَةَ وقَعاها إذا رَكِبَها، ولَيْسَ قافَ مَقْلُوبًا مِن قَفا كَما جَوَّزَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. وقَرَأ الجَرّاحُ العُقَيْلِيُّ: ﴿والفُؤادَ﴾ بِفَتْحِ الفاءِ والواوِ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ واوًا بَعْدَ الضَّمَّةِ في الفُؤادِ ثُمَّ اسْتُصْحِبَ القَلْبُ مَعَ الفَتْحِ وهي لُغَةٌ في ﴿الفُؤادُ﴾ [النجم: ١١] وأنْكَرَها أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ وبِهِ لا تَتَعَلَّقُ بِعَلَمٍ؛ لِأنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ. قالَ الحَوْفِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكَ) وهو الِاسْتِقْرارُ وهو لا يَظْهَرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العُلُومَ مُسْتَفادَةٌ مِنَ الحَواسِّ ومِنَ العُقُولِ، وجاءَ هَذا عَلى التَّرْتِيبِ القُرْآنِيِّ في البَداءَةِ بِالسَّمْعِ، ثُمَّ يَلِيهِ البَصَرُ، ثُمَّ يَلِيهِ الفُؤادُ. و(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ وهو اسْمُ إشارَةٍ لِلْجَمْعِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ العاقِلِ وغَيْرِهِ. وتَخَيَّلَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ يَخْتَصُّ بِالعاقِلِ، فَقالَ: وعَبَّرَ عَنِ ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ بِأُولَئِكَ؛ لِأنَّها حَواسٌّ لَها إدْراكٌ، وجَعَلَها في هَذِهِ الآيَةِ مَسْئُولَةً فَهي حالَةُ مَن يَعْقِلُ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِأُولَئِكَ. وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] إنَّما قالَ: رَأيْتُهم في نُجُومٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما وصَفَها بِالسُّجُودِ وهو مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ عَبَّرَ عَنْها بِكِنايَةِ مَن يَعْقِلُ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَمَّنْ يَعْقِلُ وعَمّا لا يَعْقِلُ بِأُولَئِكَ، وأنْشَدَ هو والطَّبَرِيُّ:
؎ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ
(p-٣٧)وأمّا حِكايَةُ أبِي إسْحاقَ عَنِ اللُّغَةِ فَأمْرٌ يُوقَفُ عِنْدَهُ، وأمّا البَيْتُ فالرِّوايَةُ فِيهِ: الأقْوامُ. انْتَهى. ولَيْسَ ما تَخَيَّلَهُ صَحِيحًا، والنُّحاةُ يُنْشِدُونَهُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ ولَمْ يَكُونُوا لِيُنْشِدُوا إلّا ما رُوِيَ، وإطْلاقُ أُولاءِ وأُولاكَ وأُولَئِكَ وأُولالِكَ عَلى ما لا يَعْقِلُ لا نَعْلَمُ خِلافًا فِيهِ، و(كُلُّ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، واسْمُ (كانَ) عائِدٌ عَلى (كُلُّ) وكَذا الضَّمِيرُ في ﴿مَسْئُولًا﴾ . والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى ما مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ يُسْألُ عَمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ أيْ: عَنِ انْتِفاءِ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وهَذا الظّاهِرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُسْتَشْهَدُ بِها كَما قالَ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] . وقالَ القُرْطُبِيُّ في أحْكامِهِ: يُسْألُ الفُؤادُ عَمّا اعْتَقَدَهُ، والسَّمْعُ عَمّا سَمِعَ، والبَصَرُ عَمّا رَأى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْألُ سَمْعَ الإنْسانِ وبَصَرَهُ وفُؤادَهُ عَمّا قالَ مِمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَقَعُ تَكْذِيبُهُ مِن جَوارِحِهِ وتِلْكَ غايَةُ الخِزْيِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (كانَ) و﴿مَسْئُولًا﴾ عائِدانِ عَلى القائِفِ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى (كُلُّ) فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ إذْ لَوْ كانَ عَلى الخِطابِ لَكانَ التَّرْكِيبُ كُلُّ أُولَئِكَ كُنْتَ عَنْهُ مَسْئُولًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(عَنْهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالفاعِلِيَّةِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنها كانَ مَسْئُولًا عَنْهُ، فَمَسْئُولٌ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كالمَغْضُوبِ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] يُقالُ لِلْإنْسانِ: لِمَ سَمِعْتَ ما لا يَحِلُّ لَكَ سَماعُهُ ؟ ولِمَ نَظَرْتَ ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ النَّظَرُ إلَيْهِ ؟ ولِمَ عَزَمْتَ عَلى ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ العَزْمُ عَلَيْهِ ؟ . انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ (عَنْهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالفاعِلِيَّةِ، ويَعْنِي بِهِ أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ وما يُقامُ مَقامَ الفاعِلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ ومَصْدَرٍ وظَرْفٍ بِشُرُوطِهِما جارٍ مَجْرى الفاعِلِ، فَكَما أنَّ الفاعِلَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، فَكَذَلِكَ ما جَرى مَجْراهُ وأُقِيمُ مَقامَهُ، فَإذا قُلْتَ: غَضِبَ عَلى زَيْدٍ، فَلا يَجُوزُ: عَلى زَيْدٍ غَضِبَ، بِخِلافِ: غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ، فَيَجُوزُ: عَلى زَيْدٍ غَضِبْتُ، وقَدْ حَكى الِاتِّفاقَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي يُقامُ مَقامَ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ ذَكَرَ ذَلِكَ في المُقْنِعِ مِن تَأْلِيفِهِ، فَلَيْسَ ﴿عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ كالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ لِتَقَدُّمِ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وتَأْخِيرِهِ في ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ولِمَ نَظَرْتَ ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ أسْقَطَ إلى، وهو لا يَجُوزُ إلّا إنْ جاءَ في ضَرُورَةِ شِعْرٍ؛ لِأنَّ نَظَرَ يَتَعَدّى بِإلى فَكانَ التَّرْكِيبُ، ولِمَ نَظَرْتَ إلى ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ كَما قالَ: النَّظَرُ إلَيْهِ فَعَدّاهُ بِإلى.
وانْتَصَبَ (مَرَحًا) عَلى الحالِ أيْ: مَرِحًا، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا أيْ: راكِضًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا مَرَحٍ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ ولا تَمْشِ في الأرْضِ لِلْمَرَحِ ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ أنَّ المَرَحَ هو السُّرُورُ والِاغْتِباطُ بِالرّاحَةِ والفَرَحِ وكَأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الِاخْتِيالِ؛ لِأنَّ غَلَبَةَ السُّرُورِ والفَرَحِ يَصْحَبُها التَّكَبُّرُ والِاخْتِيالُ، ولِذَلِكَ عُلِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ .
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ فِيما حَكى يَعْقُوبُ: ”مَرِحًا“ بِكَسْرِ الرّاءِ وهو حالٌ، أيْ: لا تَمْشِ مُتَكَبِّرًا مُخْتالًا. قالَ مُجاهِدٌ: لَنْ تَخْرِقَ بِمَشْيِكَ عَلى عَقِبَيْكَ كِبْرًا وتَنَعُّمًا ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ﴾ بِالمَشْيِ عَلى صُدُورِ قَدَمَيْكَ تَفاخُرًا، و(طُولًا) والتَّأْوِيلُ: أنَّ قُدْرَتَكَ لا تَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ فَيَكُونُ ذَلِكَ وصْلَةً إلى الِاخْتِيالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿لا تَمْشِ في الأرْضِ﴾ مُخْتالًا فَخُورًا، ونَظِيرُهُ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] و﴿اقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِدَوْسِكَ لَها وشِدَّةِ وطْئِكَ ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ بِتَطاوُلِكَ، وهو تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ. وقَرَأ الجَرّاحُ الأعْرابِيُّ: ”﴿لَنْ تَخْرِقَ﴾“ بِضَمِّ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْرَفُ هَذِهِ اللُّغَةُ. وقِيلَ: أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الإنْسانَ مَحْصُورٌ بَيْنَ جَمادَيْنِ، ضَعِيفٌ عَنِ التَّأْثِيرِ فِيهِما بِالخَرْقِ وبُلُوغِ الطُّولِ ومَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ لا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ. وقالَ الشّاعِرُ:(p-٣٨)
؎ولا تَمْشِ فَوْقَ الأرْضِ إلّا تَواضُعًا ∗∗∗ فَكَمْ تَحْتَها قَوْمٌ هم مِنكَ أرْفَعُ، والأجْوَدُ انْتِصابُ قَوْلِهِ: ﴿طُولًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: لَنْ يَبْلُغَ طُولُكَ الجِبالَ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿طُولًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ في الحالِ (تَبْلُغَ) ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ العامِلُ تَخْرِقَ، و﴿طُولًا﴾ بِمَعْنى مُتَطاوِلٍ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿طُولًا﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا ومَفْعُولًا لَهُ ومَصْدَرًا مِن مَعْنى تَبْلُغَ. انْتَهى. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ ”سَيِّئَةً“ بِالنَّصْبِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ ومَسْرُوقٌ ﴿سَيِّئُهُ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مُضافًا لِهاءِ المُذَكَّرِ الغائِبِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”سَيِّئاتُهُ“ بِالجَمْعِ مُضافًا لِلْهاءِ، وعَنْهُ أيْضًا ”سَيِّئاتٌ“ بِغَيْرِها، وعَنْهُ أيْضًا ”كانَ خَبِيثُهُ“ . فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرَيِ النَّهْيَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما: قَفْوُ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، والمَشْيُ في الأرْضِ مَرَحًا. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى جَمِيعِ المَناهِي المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ، وسَيِّئَةٌ خَبَرُ كانَ وأُنِّثَ، ثُمَّ قالَ: مَكْرُوهًا فَذُكِّرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّيِّئَةُ في حُكْمِ الأسْماءِ بِمَنزِلَةِ الذَّنْبِ، والِاسْمُ زالَ عَنْهُ حُكْمُ الصِّفاتِ فَلا اعْتِبارَ بِتَأْنِيثِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ مَن قَرَأ سَيِّئَةً ومَن قَرَأ سَيِّئًا، ألا تَراكَ تَقُولُ: الزِّنا سَيِّئَةٌ كَما تَقُولُ السَّرِقَةُ سَيِّئَةٌ، فَلا تُفَرِّقُ بَيْنَ إسْنادِها إلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ. انْتَهى. وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ.
وقِيلَ: ذَكَرَ ﴿مَكْرُوهًا﴾ عَلى لَفْظِ (كُلُّ) وجَوَّزُوا في (مَكْرُوهًا) أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِكانَ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ لِكانَ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن سَيِّئَةٍ والبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ ضَعِيفٌ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ قَبْلَهُ، والظَّرْفُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِسَيِّئَةٍ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها مَجازِيًّا جازَ أنْ تُوصَفَ بِمُذَكَّرٍ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ جَوازَ ذَلِكَ إنَّما هو في الإسْنادِ إلى المُؤَنَّثِ المَجازِيِّ إذا تَقَدَّمَ، أمّا إذا تَأخَّرَ وأُسْنِدَ إلى ضَمِيرِها فَهو قَبِيحٌ، تَقُولُ: أبْقَلَ الأرْضُ إبْقالَها فَصِيحًا، والأرْضُ أبْقَلَ قَبِيحٌ، وأمّا مَن قَرَأ (سَيِّئُهُ) بِالتَّذْكِيرِ والإضافَةِ فَسَيِّئُهُ اسْمُ (كانَ) و(مَكْرُوهًا) الخَبَرُ، ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ الخِصالِ ما هو سَيِّئٌ وما هو حَسَنٌ أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى المَجْمُوعِ، وأُفْرِدَ سَيِّئَةٌ وهو المَنهِيُّ عَنْهُ، فالحُكْمُ عَلَيْهِ بِالكَراهَةِ مِن قَوْلِهِ: لا تَجْعَلْ إلى آخِرِ المَنهِيّاتِ. وأمّا قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ فَتَتَخَرَّجُ عَلى أنْ يَكُونَ مِمّا أُخْبِرَ فِيهِ عَنِ الجَمْعِ إخْبارَ الواحِدِ المُذَكَّرِ وهو قَلِيلٌ نَحْوُ قَوْلِهِ:
؎فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها
لِصَلاحِيَةِ الحِدْثانِ مَكانَ الحَوادِثِ، وكَذَلِكَ هَذا أيْضًا كانَ ما يَسُوءُ مَكانَ سَيِّئاتِهِ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أنْواعِ التَّكالِيفِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ وهي أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ نَوْعًا مِنَ التَّكالِيفِ بَعْضُها أمْرٌ وبَعْضُها نَهْيٌ بَدَأها بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ﴾ [الإسراء: ٢٢] . واخْتَتَمَ الآياتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ﴾ وقالَ: مِمّا أوْحى؛ لِأنَّ ذَلِكَ بَعْضٌ مِمّا أوْحى إلَيْهِ إذْ أوْحى إلَيْهِ بِتَكالِيفَ أُخَرَ، و﴿مِمّا أوْحى﴾ خَبَرٌ عَنْ ذَلِكَ، و﴿مِنَ الحِكْمَةِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأوْحى، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ما وكانَتْ هَذِهِ التَّكالِيفُ حِكْمَةً؛ لِأنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، وأنْواعِ الطّاعاتِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، والعُقُولُ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها، وهي شَرائِعُ في جَمِيعِ الأدْيانِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، أوَّلُها ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] قالَ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وكَرَّرَ تَعالى النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ، فَفي النَّهْيِ الأوَّلِ.
﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] وفي الثّانِي ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ والفَرْقُ بَيْنَ مَذْمُومٍ ومَلُومٍ: أنَّ كَوْنَهُ مَذْمُومًا أنْ يَذْكُرَ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ قَبِيحٌ مُنْكَرٌ، وكَوْنَهُ مَلُومًا أنْ يُقالَ لَهُ بَعْدَ الفِعْلِ وذَمِّهِ: لِمَ فَعَلْتَ كَذا ؟ وما حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ وما اسْتَفَدْتَ مِنهُ إلّا إلْحاقَ الضَّرَرِ بِنَفْسِكَ، فَأوَّلُ الأمْرِ الذَّمُّ وآخِرُهُ اللَّوْمُ، والفَرْقُ بَيْنَ مَخْذُولٍ ومَدْحُورٍ: أنَّ المَخْذُولَ هو المَتْرُوكُ إعانَتُهُ ونَصْرُهُ والمُفَوَّضُ إلى (p-٣٩)نَفْسِهِ، والمَدْحُورُ المَطْرُودُ المُبْعَدُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ والِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَأوَّلُ الأمْرِ الخِذْلانُ وآخِرُهُ الطَّرْدُ مُهانًا. وكانَ وصْفُ الذَّمِّ والخِذْلانِ يَكُونُ في الدُّنْيا، ووَصْفُ اللَّوْمِ والدُّحُورِ يَكُونُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ﴾ والخِطابُ بِالنَّهْيِ في هَذِهِ الآياتِ لِلسّامِعِ غَيْرِ الرَّسُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وعَلا - فاتِحَتَها وخاتِمَتَها النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ هو رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومِلاكُها، ومَن عَدِمَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ حِكَمُهُ وعُلُومُهُ وإنْ بَذَّ فِيها الحُكَماءَ وحَكَّ بِيافُوخِهِ السَّماءَ، وما أغْنَتْ عَنِ الفَلاسِفَةِ أسْفارُ الحِكَمِ وهم عَنْ دِينِ اللَّهِ أضَلُّ مِنَ النَّعَمِ.
﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .
لَمّا نَبَّهَ تَعالى عَلى فَسادِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا ونَظِيرًا أتْبَعَهُ بِفَسادِ طَرِيقَةِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ ولَدًا، والِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ والخِطابُ لِمَنِ اعْتَقَدَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ ومَعْنى ﴿أفَأصْفاكُمْ﴾ آثَرَكم وخَصَّكم، وهَذا كَما قالَ: ﴿ألَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] وهَذا خِلافُ الحِكْمَةِ وما عَلَيْهِ مَعْقُولُكم وعادَتُكم، فَإنَّ العَبِيدَ لا يُؤْثَرُونَ بِأجْوَدِ الأشْياءِ وأصْفاها مِنَ الشَّوْبِ ويَكُونُ أرْدَؤُها وأدْوَنُها لِلسّاداتِ. ومَعْنى (عَظِيمًا) مُبالَغًا في المُنْكَرِ والقُبْحِ حَيْثُ أضَفْتُمْ إلَيْهِ الأوْلادَ، ثُمَّ حَيْثُ فَضَّلْتُمْ عَلَيْهِ تَعالى أنْفُسَكم فَجَعَلْتُمْ لَهُ ما تَكْرَهُونَ، ثُمَّ نِسْبَةُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم مِن شَرِيفِ ما خَلَقَ إلى الأُنُوثَةِ. ومَعْنى ﴿صَرَّفْنا﴾ نَوَّعْنا مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ ومِن مِثالٍ إلى مِثالٍ، والتَّصْرِيفُ لُغَةً: صَرْفُ الشَّيْءِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ ثُمَّ صارَ كِنايَةً عَنِ التَّبْيِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿صَرَّفْنا﴾ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ. فَقالَ: لَمْ نَجْعَلْهُ نَوْعًا واحِدًا بَلْ وعْدًا ووَعِيدًا، ومُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، وأمْرًا ونَهْيًا، وناسِخًا ومَنسُوخًا، وأخْبارًا وأمْثالًا مِثْلَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ مِن صَبًا ودَبُورٍ وجَنُوبٍ وشَمالٍ، ومَفْعُولُ ﴿صَرَّفْنا﴾ عَلى هَذا المَعْنى مَحْذُوفٌ، وهي هَذِهِ الأشْياءُ أيْ: صَرَّفْنا الأمْثالَ والعِبَرَ والحِكَمَ والأحْكامَ والأعْلامَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نُنْزِلْهُ مَرَّةً واحِدَةً بَلْ نُجُومًا، ومَعْناهُ: أكْثَرْنا صَرْفَ جِبْرِيلَ إلَيْكَ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ صَرَّفْنا جِبْرِيلَ.
وقِيلَ: (في) زائِدَةٌ، أيْ صَرَّفْنا هَذا القُرْآنَ كَما قالَ: ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ”في“ لا تُزادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهَذا القُرْآنِ إبْطالَ إضافَتِهِمْ إلى اللَّهِ البَناتِ؛ لِأنَّهُ مِمّا صَرَّفَهُ وكَرَّرَ ذِكْرَهُ، والمَعْنى: ولَقَدْ (p-٤٠)صَرَّفْنا القَوْلَ في هَذا المَعْنى، وأوْقَعْنا التَّصْرِيفَ فِيهِ وجَعَلْناهُ مَكانًا لِلتَّكْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يُشِيرَ بِهَذا (القُرْآنِ) إلى التَّنْزِيلِ، ويُرِيدُ ولَقَدْ صَرَّفْناهُ يَعْنِي هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، فَتَرَكَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ. انْتَهى. فَجَعَلَ التَّصْرِيفَ خاصًّا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَبْلَهُ وجَعَلَ مَفْعُولَ ﴿صَرَّفْنا﴾ إمّا القَوْلُ في هَذا المَعْنى أوِ المَعْنى وهو الضَّمِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ في صَرَّفْناهُ، وغَيْرُهُ جَعَلَ التَّصْرِيفَ عامًّا في أشْياءَ فَقَدَّرَ ما يَشْمَلُ ما سِيقَ لَهُ ما قَبْلَهُ وغَيْرَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ بِتَخْفِيفِ الرّاءِ. فَقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو بِمَعْنى العامَّةِ، يَعْنِي بِالعامَّةِ: قِراءَةَ الجُمْهُورِ، قالَ: لِأنَّ فَعَلَ وفَعَّلَ رُبَّما تَعاقَبا عَلى مَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى مَعْنى صَرَفْنا فِيهِ النّاسَ إلى الهُدى بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أيْ: لِيَتَذَكَّرُوا مِنَ التَّذْكِيرِ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، وقَرَأ الأخَوانِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ”لِيَذْكُرُوا“ بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ مِنَ الذِّكْرِ أوِ الذُّكْرِ، أيْ: لِيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا ويَنْظُرُوا فِيما يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ ويَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ ﴿وما يَزِيدُهُمْ﴾ أيِ: التَّصْرِيفُ ﴿إلّا نُفُورًا﴾ أيْ: بُعْدًا وفِرارًا عَنِ الحَقِّ كَما قالَ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقالَ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] والنُّفُورُ مِن أوْصافِ الدَّوابِّ الشَّدِيدَةِ الشِّماسِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِسْبَةَ الوَلَدِ إلَيْهِمْ ورَدَّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ ذَكَرَ قَوْلَهم أنَّهُ تَعالى مَعَهُ آلِهَةٌ ورَدَّ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ﴿كَما يَقُولُونَ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتَ، والجُمْهُورُ بِالتّاءِ. ومَعْنى ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ إلى مُغالَبَتِهِ وإفْسادِ مُلْكِهِ؛ لِأنَّهم شُرَكاؤُهُ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، وقالَ هَذا المَعْنى أوْ مِثْلَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والنَّقّاشُ والمُتَكَلِّمُونَ أبُو مَنصُورٍ وغَيْرُهُ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلتَّمانُعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ويَأْتِي تَفْسِيرُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وقالَ قَتادَةُ ما مَعْناهُ: لابْتَغَوْا إلى التَّقَرُّبِ إلى ذِي العَرْشِ والزُّلْفى لَدَيْهِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الأصْنامَ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، فَإذا عَلِمُوا أنَّها تَحْتاجُ إلى اللَّهِ فَقَدْ بَطَلَ كَوْنُها آلِهَةً، ويَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، والكافُ مِن (كَما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ (مَعَ) وهو الِاسْتِقْرارُ، و(مَعَهُ) خَبَرُ كانَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: كَوْنًا لِقَوْلِكم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(إذًا) دالَّةٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَها وهو (لابْتَغَوْا) جَوابٌ عَنْ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ وجَزاءٌ لِـ لَوْ. انْتَهى. وعُطِفَ (وتَعالى) عَلى قَوْلِهِ: (سُبْحانَهُ) لِأنَّهُ اسْمٌ قامَ مَقامَ المَصْدَرِ الَّذِي هو في مَعْنى الفِعْلِ، أيْ: بَراءَةُ اللَّهِ وقُدِّرَ تَنَزَّهَ، وتَعالى يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى سَبِيلِ الإعْمالِ إذْ يَصِحُّ لِسُبْحانَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ (عَنْ) كَما في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] والتَّعالِي في حَقِّهِ تَعالى هو بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ. وقَرَأ الأخَوانِ: ”عَمّا تَقُولُونَ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وانْتَصَبَ (عُلُوًّا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ أيْ: تَعالِيًا، ووُصِفَ تَكْبِيرًا مُبالَغَةً في مَعْنى البَراءَةِ والبُعْدِ عَمّا وصَفُوهُ بِهِ؛ لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الواجِبِ لِذاتِهِ والمُمْكِنِ لِذاتِهِ، وبَيْنَ القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وبَيْنَ الغَنِيِّ والمُحْتاجِ مُنافاةٌ لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ، ونِسْبَةُ التَّسْبِيحِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ مِن مَلَكٍ وإنْسٍ وجِنٍّ حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى النُّطْقِ بِالتَّسْبِيحِ حَقِيقَةً، وأنَّ ما لا حَياةَ فِيهِ ولا نُمُوَّ يُحْدِثُ اللَّهُ لَهُ نُطْقًا وهَذا هو ظاهِرُ اللَّفْظِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ . وقالَ بَعْضُهم: ما كانَ مِن نامٍ حَيَوانٍ وغَيْرِهِ يُسَبِّحُ حَقِيقَةً، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ قالَ: الشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنِ الخِوانِ: أيُسَبِّحُ ؟ فَقالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً يُشِيرُ إلى أنَّهُ حِينَ كانَ شَجَرَةً كانَ يُسَبِّحُ، وحِينَ صارَ خُوانًا مَدْهُونًا صارَ جَمادًا لا يُسَبِّحُ. وقِيلَ: التَّسْبِيحُ المَنسُوبُ لِما لا يَعْقِلُ مَجازٌ، ومَعْناهُ: أنَّها تُسَبِّحُ بِلِسانِ الحالِ حَيْثُ يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ وعَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِهِ، فَكَأنَّها تَنْطِقُ بِذَلِكَ وكَأنَّها تُنَزِّهُ اللَّهَ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ وغَيْرِها. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (p-٤١)خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ، وهم وإنْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالخالِقِ أنَّهُ اللَّهُ، لَكِنَّهم لَمّا جَعَلُوا مَعَهُ آلِهَةً لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُقِرُّوا؛ لِأنَّ نَتِيجَةَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ والإقْرارِ الثّابِتِ خِلافُ ما كانُوا عَلَيْهِ، فَإذا لَمْ يَفْقَهُوا التَّسْبِيحَ ولَمْ يَسْتَوْضِحُوا الدَّلالَةَ عَلى الخالِقِ فَيَكُونُ التَّسْبِيحُ المُسْنَدُ إلى السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ عَلى سَبِيلِ المَجازِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الجَمِيعِ، وإنْ كانَ يَصْدُرُ التَّسْبِيحُ حَقِيقَةً مِمَّنْ فِيهِنَّ مِن مَلَكٍ وإنْسٍ وجانٍّ، ولا يُحْمَلُ نِسْبَتُهُ إلى السَّماواتِ والأرْضِ عَلى المَجازِ، ونِسْبَتُهُ إلى المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِئَلّا يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ المَجازِ والحَقِيقَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ثُمَّ أعادَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لَمّا أسْنَدَ إلَيْها فِعْلَ العاقِلِ وهو التَّسْبِيحُ. انْتَهى. ويُعْنى بِالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ وكَأنَّهُ تُخُيِّلَ أنَّ (هُنَّ) لا يَكُونُ إلّا لِمَن يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ، ولَيْسَ كَما تُخُيِّلَ بَلْ (هُنَّ) يَكُونُ ضَمِيرَ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ مُطْلَقًا. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: تُسَبِّحُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”سَبَّحَتْ“ لَهُ السَّماواتُ بِلَفْظِ الماضِي وتاءِ التَّأْنِيثِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ.
﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾ حَيْثُ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى سُوءِ نَظَرِكم ﴿غَفُورًا﴾ إنْ رَجَعْتُمْ ووَحَّدْتُمُ اللَّهَ تَعالى.
الإسراء 17:42
﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
(p-٣٣)لَمّا نَهى تَعالى عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ نَهى عَنِ التَّسَبُّبِ في إيجادِهِ مِنَ الطَّرِيقِ غَيْرِ المَشْرُوعَةِ، فَنَهى عَنْ قُرْبانِ الزِّنا واسْتَلْزَمَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الزِّنا، والزِّنا الأكْثَرُ فِيهِ القَصْرُ ويُمَدُّ لُغَةً لا ضَرُورَةً، هَكَذا نَقَلَ اللُّغَوِيُّونَ. ومِنَ المَدِّ قَوْلُ الشّاعِرِ - وهو الفَرَزْدَقُ:
؎أبا حاضِرٍ مَن يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ومَن يَشْرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرا
ويُرْوى: أبا خالِدٍ. وقالَ آخَرُ:
؎كانَتْ فَرِيضَةَ ما تَقُولُ كَما ∗∗∗ كانَ الزِّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
وكانَ المَعْنى لَمْ يَزَلْ أيْ: لَمْ يَزَلْ فاحِشَةً أيْ: مَعْصِيَةً فاحِشَةً أيْ: قَبِيحَةً زائِدَةً في القُبْحِ ﴿وساءَ سَبِيلًا﴾ أيْ: وبِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ؛ لِأنَّها سَبِيلٌ تُؤَدِّي إلى النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(سَبِيلًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، التَّقْدِيرُ: وساءَ سَبِيلُهُ. انْتَهى. وإذا كانَ (سَبِيلًا) نَصْبًا عَلى التَّمْيِيزِ فَإنَّما هو تَمْيِيزٌ لِلْمُضْمَرِ المُسَّتكِنِّ في (ساءَ) وهو مِنَ المُضْمَرِ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَكُونُ تَقْدِيرُهُ: وساءَ سَبِيلُهُ سَبِيلًا؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ لا يَكُونُ فاعِلُهُ ضَمِيرًا يُرادُ بِهِ الجِنْسُ مُفَسَّرًا بِالتَّمْيِيزِ، ويَبْقى التَّقْدِيرُ أيْضًا عارِيًا عَنِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ في أواخِرِ الأنْعامِ. قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في شَأْنِ القَتْلِ. انْتَهى.
ولَمّا نَهى عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ وعَنْ إيجادِهِمْ مِنَ الطَّرِيقِ غَيْرِ المَشْرُوعَةِ نَهى عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ فانْتَقَلَ مِنَ الخاصِّ إلى العامِّ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مَنهِيّاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مُنْدَرِجَةً تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] كانْدِراجِ (أنْ لا تَعْبُدُوا) وانْتَصَبَ ﴿مَظْلُومًا﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (قُتِلَ) والمَعْنى: أنَّهُ قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ وهو الطّالِبُ بِدَمِهِ شَرْعًا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ انْدِراجُ مَن يَرِثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ في الوَلِيِّ عَلى قَدْرِ مَوارِيثِهِمْ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ عِنْدَهم هو الوارِثُ هُنا. وقالَ مالِكٌ: لَيْسَ لِلنِّساءِ شَيْءٌ مِنَ القِصاصِ، وإنَّما القِصاصُ لِلرِّجالِ. وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ وقَتادَةَ والحَكَمِ: لَيْسَ إلى النِّساءِ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ والدَّمِ، ولِلسُّلْطانِ التَّسَلُّطُ عَلى القاتِلِ في الِاقْتِصاصِ مِنهُ أوْ حُجَّةٌ يُثْبِتُ بِها عَلَيْهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والمَلِكُ الَّذِي جَعَلَ إلَيْهِ مِنَ التَّخْيِيرِ في قَبُولِ الدَّمِ أوِ العَفْوِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ، وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ: القَوَدُ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: السُّلْطانُ: القُوَّةُ والوِلايَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَيِّنَةُ في طَلَبِ القَوَدِ، وقالَ الحَسَنُ: القَوَدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحُجَّةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوالِي أيْ: والِيًا يُنْصِفُهُ في حَقِّهِ، والظّاهِرُ: عَوْدُ الضَّمِيرِ في (فَلا يُسْرِفْ) عَلى الوَلِيِّ، والإسْرافُ المَنهِيُّ عَنْهُ: أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ القاتِلِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، أوْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ بِواحِدٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوْ أشْرَفَ مِنَ الَّذِي قُتِلَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوْ يُمَثِّلَ، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ يَتَوَلّى القاتِلُ دُونَ السُّلْطانِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: السَّلْطَنَةُ مُجْمَلَةٌ يُفَسِّرُها ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآيَةَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القِصاصِ والدِّيَةِ، وقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ الفَتْحِ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَأهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ» . فَمَعْنى ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ لا يُقْدِمْ عَلى اسْتِيفاءِ القَتْلِ، ويَكْتَفِي بِأخْذِ الدِّيَةِ أوْ يَمِيلُ إلى العَفْوِ، ولَفْظَةُ في مَحْمُولَةٌ عَلى الباءِ، أيْ: فَلا يَصِيرُ مُسْرِفًا بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ، ويَكُونُ مَعْناهُ التَّرْغِيبَ في العَفْوِ كَما قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] . انْتَهى مُلَخَّصًا. ولَوْ سُلِّمَ أنَّ (في) بِمَعْنى الباءِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحَ المَعْنى؛ لِأنَّ مَن قَتَلَ بِحَقٍّ قاتِلَ مُوَلِّيهِ لا يَصِيرُ مُسْرِفًا بِقَتْلِهِ، وإنَّما الظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - النَّهْيُ عَمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مِن قَتْلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، وقَتْلِ غَيْرِ القاتِلِ والمُثْلَةِ ومُكافَأةِ الَّذِي يَقْتُلُ مَن قَتَلَهُ. وقالَ مُهَلْهَلٌ حِينَ قَتَلَ بُجَيْرَ بْنَ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ لَيْسَ عائِدًا عَلى (p-٣٤)الوَلِيِّ، وإنَّما يَعُودُ عَلى العامِلِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿ومَن قُتِلَ﴾ أيْ لا يُسْرِفْ في القَتْلِ تَعَدِّيًا وظُلْمًا فَيَقْتُلُ مَن لَيْسَ لَهُ قَتْلُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحُذَيْفَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ومُجاهِدٌ بِخِلافٍ وجَماعَةٍ، وفي نُسْخَةٍ مِن تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ وابْنِ عامِرٍ وهو وهْمٌ بِتاءِ الخِطابِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى خِطابِ الوَلِيِّ فالضَّمِيرُ لَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ والأئِمَّةِ مِن بَعْدِهِ أيْ: فَلا تَقْتُلُوا غَيْرَ القاتِلِ. انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ السَّرّاجُ صاحِبُ الدَّعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَرَأ أبُو مُسْلِمٍ صاحِبُ الدَّوْلَةِ. وقالَ صاحِبُ كِتابِ اللَّوامِحِ أوْ مُسْلِمٌ العِجْلِيُّ مَوْلى صاحِبِ الدَّوْلَةِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ بِضَمِّ الفاءِ عَلى الخَبَرِ، ومَعْناهُ النَّهْيُ، وقَدْ يَأْتِي الأمْرُ والنَّهْيُ بِلَفْظِ الخَبَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في الِاحْتِجاجِ بِأبِي مُسْلِمٍ: في القِراءَةِ نَظَرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ”فَلا تُسْرِفُوا في القَتْلِ“ إنَّ ولِيَّ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا. انْتَهى. رَدَّهُ عَلى ولا تَقْتُلُوا، والأوْلى حَمْلُ قَوْلِهِ إنَّ ولِيَّ المَقْتُولِ عَلى التَّفْسِيرِ لا عَلى القِراءَةِ لِمُخالَفَتِهِ السَّوادَ، ولِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنْهُ ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ، والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ لِتَناسُقِ الضَّمائِرِ، ونَصْرُهُ إيّاهُ بِأنْ أوْجَبَ لَهُ القِصاصَ، فَلا يُسْتَزادُ عَلى ذَلِكَ، أوْ نَصْرُهُ بِمَعُونَةِ السُّلْطانِ وبِإظْهارِ المُؤْمِنِينَ عَلى اسْتِيفاءِ الحَقِّ، وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى المَقْتُولِ نَصَرَهُ اللَّهُ حَيْثُ أوْجَبَ القِصاصَ بِقَتْلِهِ في الدُّنْيا، ونَصَرَهُ بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّهُ المَظْلُومُ، ولَفْظَةُ النَّصْرِ تُقارِنُ الظُّلْمَ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ: «ونَصْرِ المَظْلُومِ وإبْرارِ القَسَمِ» وكَقَوْلِهِ: «انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا» إلى كَثِيرٍ مِنَ الأمْثِلَةِ. وقِيلَ: عَلى القَتْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: عَلى القاتِلِ؛ لِأنَّهُ إذا قُتِلَ في الدُّنْيا وخَلَصَ بِذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَقَدْ نُصِرَ، وهَذا ضَعِيفٌ بَعِيدُ القَصْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما يَعْنِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُهُ الوَلِيِّ بِغَيْرِ حَقٍّ ويُسْرِفُ في قَتْلِهِ، فَإنَّهُ مَنصُورٌ بِإيجابِ القِصاصِ عَلى المُسْرِفِ. انْتَهى. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا.
﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ لَمّا نَهى عَنْ إتْلافِ النُّفُوسِ نَهى عَنْ أخْذِ الأمْوالِ، كَما قالَ: «فَإنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم حَرامٌ عَلَيْكم» . ولَمّا كانَ اليَتِيمُ ضَعِيفًا عَنْ أنْ يَدْفَعَ عَنْ مالِهِ لِصِغَرِهِ نَصَّ عَلى النَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ مالِهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ الأنْعامِ.
﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ عامٌّ فِيما عَقَدَهُ الإنْسانُ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمِيٍّ في طاعَةٍ ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ ظاهِرُهُ أنَّ العَهْدَ هو المَسْئُولُ مِنَ المُعاهِدِ أنْ يَفِيَ بِهِ ولا يَنْكُثَ ولا يُضَيِّعَهُ، أوْ يَكُونُ مِن بابِ التَّخْيِيلِ، كَأنَّهُ يُقالُ: لِلْعَهْدِ لِمَ نُكِثْتَ، فَمُثِّلَ كَأنَّهُ ذاتٌ مِنَ الذَّواتِ تُسْألُ لِمَ نُكِثَتْ دَلالَةً عَلى المُطاوَعَةِ بِنَكْثِهِ وإلْزامِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى نَكْثِهِ، كَما جاءَ ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] فِيمَن قَرَأ بِسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ التّاءِ الَّتِي لِلْخِطابِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: إنَّ ذا العَهْدِ كانَ مَسْئُولًا عَنْهُ إنْ لَمْ يَفِ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِإيفاءِ الكَيْلِ وبِالوَزْنِ المُسْتَقِيمِ، وذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى المُعامَلَةِ بِالأمْوالِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكَيْلَ هو عَلى البائِعِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي. وقالَ الحَسَنُ: (القِسْطاسُ) القَبّانُ وهو الفِلَسْطُونُ، ويُقالُ: القَرَسْطُونُ. وقالَ مُجاهِدٌ: (القِسْطاسُ) العَدْلُ لا أنَّهُ آلَةٌ. وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ بِكَسْرِ القافِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها وهُما لُغَتانِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإبْدالِ مِنَ السِّينِ الأُولى صادًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللَّفْظِيَّةُ لِلْمُبالَغَةِ مِنَ القِسْطِ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القِسْطِ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ؛ لِأنَّ القِسْطَ مادَّتُهُ (ق س ط)، وذَلِكَ مادَّتُهُ (ق س ط س) إلّا أنِ اعْتُقِدَ زِيادَةُ السِّينِ آخِرًا كَسِينِ قُدْمُوسَ وضُغْبُوسَ وعُرْفاسَ، فَيُمْكِنُ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ السِّينِ المَقِيسَةِ، والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا كِلْتُمْ﴾ أيْ: وقْتَ كَيْلِكم عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، وأنْ لا يَتَأخَّرَ الإيفاءُ بِأنْ (p-٣٥)يَكِيلَ بِهِ بِنُقْصانٍ ما ثُمَّ يُوَفِّيهِ بَعْدُ فَلا يَتَأخَّرُ الإيفاءُ عَنْ وقْتِ الكَيْلِ.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أيِ: الإيفاءُ والوَزْنُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَطْيِيبَ النُّفُوسِ بِالِاتِّسامِ بِالعَدْلِ والإيصالِ لِلْحَقِّ ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أيْ: عاقِبَةً، إذْ لا يَبْقى عَلى المُوفِي والوازِنِ تَبِعَةٌ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وهو مِنَ المَآلِ وهو المَرْجِعُ كَما قالَ: خَيْرٌ مَرَدًّا، خَيْرٌ عُقْبًا، خَيْرٌ أمَلًا وإنَّما كانَتْ عاقِبَتُهُ أحْسُنُ؛ لِأنَّهُ اشْتُهِرَ بِالِاحْتِرازِ عَنِ التَّطْفِيفِ، فَعُوِّلَ عَلَيْهِ في المُعامَلاتِ ومالَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ.
﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ .
(p-٣٦)لَمّا أمَرَ تَعالى بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الإيفاءِ بِالعَهْدِ، والإيفاءِ بِالكَيْلِ، والوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِثَلاثَةِ مَناهٍ: (ولا تَقْفُ) (ولا تَمْشِ) (ولا تَجْعَلْ) . ومَعْنى (ولا تَقْفُ) لا تَتَّبِعْ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، نَهى أنْ نَقُولَ ما لا نَعْلَمُ وأنْ نَعْمَلَ بِما لا نَعْلَمُ، ويَدْخُلُ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ اتِّباعٌ بِما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لا تَرْمِ أحَدًا بِما لا تَعْلَمُ. وقالَ قَتادَةُ: لا تَقُلْ: رَأيْتُ ولَمْ تَرَهْ، وسَمِعْتُ ولَمْ تَسْمَعْهُ، وعَلِمْتُ ولَمْ تَعْلَمْهُ. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا تَقُلْ: لَكِنَّها كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ في القَذْفِ والعَضْهِ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «مَن قَفا مُؤْمِنًا بِما لَيْسَ فِيهِ حَبَسَهُ اللَّهُ في رَدْغَةِ الخَبالِ حَتّى يَأْتِيَ بِالمَخْرَجِ» . وقالَ في الحَدِيثِ أيْضًا: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنُ كِنانَةَ لا تَقْفُو مِنّا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» . ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ:
؎ومِثْلُ الدُّمى شُمُّ العِرانِينَ ساكِنٌ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَيا لا يَتَّبِعْنَ التَّقافِيا
وقالَ الكُمَيْتُ:
؎فَلا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ∗∗∗ ولا أقْفُو الحَواضِنَ إنْ قُفِينا
وحاصِلُ هَذا أنَّهُ نَهى عَنِ اتِّباعِ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا، وهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ تَنْدَرِجُ تَحْتَها أنْواعٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مُبْطِلُ الِاجْتِهادِ ولَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ، وقَدْ أقامَ الشَّرْعُ غالِبَ الظَّنِّ مَقامَ العِلْمِ وأمَرَ بِالعَمَلِ بِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَقْفُ﴾ بِحَذْفِ الواوِ لِلْجَزْمِ مُضارِعُ قَفا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”ولا تَقْفُو“ بِإثْباتِ الواوِ. كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎هَجَوْتَ زَبّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ∗∗∗ مِن هَجْوِ زَبّانَ لَمْ تَهْجُو ولَمْ تَدَعِ
وإثْباتُ الواوِ والياءِ والألِفِ مَعَ الجازِمِ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ وضَرُورَةٌ لِغَيْرِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ: ﴿ولا تَقْفُ﴾ مِثْلَ تَقُلْ، مِن قافَ يَقُوفُ، تَقُولُ العَرَبُ: قُفْتُ أثَرَهُ وقَفَوْتُ أثَرَهُ، وهُما لُغَتانِ لِوُجُودِ التَّصارِيفِ فِيهِما كَجَبَذَ وجَذَبَ، وقاعَ الجَمَلُ النّاقَةَ وقَعاها إذا رَكِبَها، ولَيْسَ قافَ مَقْلُوبًا مِن قَفا كَما جَوَّزَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. وقَرَأ الجَرّاحُ العُقَيْلِيُّ: ﴿والفُؤادَ﴾ بِفَتْحِ الفاءِ والواوِ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ واوًا بَعْدَ الضَّمَّةِ في الفُؤادِ ثُمَّ اسْتُصْحِبَ القَلْبُ مَعَ الفَتْحِ وهي لُغَةٌ في ﴿الفُؤادُ﴾ [النجم: ١١] وأنْكَرَها أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ وبِهِ لا تَتَعَلَّقُ بِعَلَمٍ؛ لِأنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ. قالَ الحَوْفِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكَ) وهو الِاسْتِقْرارُ وهو لا يَظْهَرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العُلُومَ مُسْتَفادَةٌ مِنَ الحَواسِّ ومِنَ العُقُولِ، وجاءَ هَذا عَلى التَّرْتِيبِ القُرْآنِيِّ في البَداءَةِ بِالسَّمْعِ، ثُمَّ يَلِيهِ البَصَرُ، ثُمَّ يَلِيهِ الفُؤادُ. و(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ وهو اسْمُ إشارَةٍ لِلْجَمْعِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ العاقِلِ وغَيْرِهِ. وتَخَيَّلَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ يَخْتَصُّ بِالعاقِلِ، فَقالَ: وعَبَّرَ عَنِ ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ بِأُولَئِكَ؛ لِأنَّها حَواسٌّ لَها إدْراكٌ، وجَعَلَها في هَذِهِ الآيَةِ مَسْئُولَةً فَهي حالَةُ مَن يَعْقِلُ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِأُولَئِكَ. وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] إنَّما قالَ: رَأيْتُهم في نُجُومٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما وصَفَها بِالسُّجُودِ وهو مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ عَبَّرَ عَنْها بِكِنايَةِ مَن يَعْقِلُ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَمَّنْ يَعْقِلُ وعَمّا لا يَعْقِلُ بِأُولَئِكَ، وأنْشَدَ هو والطَّبَرِيُّ:
؎ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ
(p-٣٧)وأمّا حِكايَةُ أبِي إسْحاقَ عَنِ اللُّغَةِ فَأمْرٌ يُوقَفُ عِنْدَهُ، وأمّا البَيْتُ فالرِّوايَةُ فِيهِ: الأقْوامُ. انْتَهى. ولَيْسَ ما تَخَيَّلَهُ صَحِيحًا، والنُّحاةُ يُنْشِدُونَهُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ ولَمْ يَكُونُوا لِيُنْشِدُوا إلّا ما رُوِيَ، وإطْلاقُ أُولاءِ وأُولاكَ وأُولَئِكَ وأُولالِكَ عَلى ما لا يَعْقِلُ لا نَعْلَمُ خِلافًا فِيهِ، و(كُلُّ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، واسْمُ (كانَ) عائِدٌ عَلى (كُلُّ) وكَذا الضَّمِيرُ في ﴿مَسْئُولًا﴾ . والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى ما مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ يُسْألُ عَمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ أيْ: عَنِ انْتِفاءِ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وهَذا الظّاهِرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُسْتَشْهَدُ بِها كَما قالَ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] . وقالَ القُرْطُبِيُّ في أحْكامِهِ: يُسْألُ الفُؤادُ عَمّا اعْتَقَدَهُ، والسَّمْعُ عَمّا سَمِعَ، والبَصَرُ عَمّا رَأى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْألُ سَمْعَ الإنْسانِ وبَصَرَهُ وفُؤادَهُ عَمّا قالَ مِمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَقَعُ تَكْذِيبُهُ مِن جَوارِحِهِ وتِلْكَ غايَةُ الخِزْيِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (كانَ) و﴿مَسْئُولًا﴾ عائِدانِ عَلى القائِفِ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى (كُلُّ) فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ إذْ لَوْ كانَ عَلى الخِطابِ لَكانَ التَّرْكِيبُ كُلُّ أُولَئِكَ كُنْتَ عَنْهُ مَسْئُولًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(عَنْهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالفاعِلِيَّةِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنها كانَ مَسْئُولًا عَنْهُ، فَمَسْئُولٌ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كالمَغْضُوبِ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] يُقالُ لِلْإنْسانِ: لِمَ سَمِعْتَ ما لا يَحِلُّ لَكَ سَماعُهُ ؟ ولِمَ نَظَرْتَ ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ النَّظَرُ إلَيْهِ ؟ ولِمَ عَزَمْتَ عَلى ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ العَزْمُ عَلَيْهِ ؟ . انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ (عَنْهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالفاعِلِيَّةِ، ويَعْنِي بِهِ أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ وما يُقامُ مَقامَ الفاعِلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ ومَصْدَرٍ وظَرْفٍ بِشُرُوطِهِما جارٍ مَجْرى الفاعِلِ، فَكَما أنَّ الفاعِلَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، فَكَذَلِكَ ما جَرى مَجْراهُ وأُقِيمُ مَقامَهُ، فَإذا قُلْتَ: غَضِبَ عَلى زَيْدٍ، فَلا يَجُوزُ: عَلى زَيْدٍ غَضِبَ، بِخِلافِ: غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ، فَيَجُوزُ: عَلى زَيْدٍ غَضِبْتُ، وقَدْ حَكى الِاتِّفاقَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي يُقامُ مَقامَ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ ذَكَرَ ذَلِكَ في المُقْنِعِ مِن تَأْلِيفِهِ، فَلَيْسَ ﴿عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ كالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ لِتَقَدُّمِ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وتَأْخِيرِهِ في ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ولِمَ نَظَرْتَ ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ أسْقَطَ إلى، وهو لا يَجُوزُ إلّا إنْ جاءَ في ضَرُورَةِ شِعْرٍ؛ لِأنَّ نَظَرَ يَتَعَدّى بِإلى فَكانَ التَّرْكِيبُ، ولِمَ نَظَرْتَ إلى ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ كَما قالَ: النَّظَرُ إلَيْهِ فَعَدّاهُ بِإلى.
وانْتَصَبَ (مَرَحًا) عَلى الحالِ أيْ: مَرِحًا، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا أيْ: راكِضًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا مَرَحٍ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ ولا تَمْشِ في الأرْضِ لِلْمَرَحِ ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ أنَّ المَرَحَ هو السُّرُورُ والِاغْتِباطُ بِالرّاحَةِ والفَرَحِ وكَأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الِاخْتِيالِ؛ لِأنَّ غَلَبَةَ السُّرُورِ والفَرَحِ يَصْحَبُها التَّكَبُّرُ والِاخْتِيالُ، ولِذَلِكَ عُلِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ .
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ فِيما حَكى يَعْقُوبُ: ”مَرِحًا“ بِكَسْرِ الرّاءِ وهو حالٌ، أيْ: لا تَمْشِ مُتَكَبِّرًا مُخْتالًا. قالَ مُجاهِدٌ: لَنْ تَخْرِقَ بِمَشْيِكَ عَلى عَقِبَيْكَ كِبْرًا وتَنَعُّمًا ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ﴾ بِالمَشْيِ عَلى صُدُورِ قَدَمَيْكَ تَفاخُرًا، و(طُولًا) والتَّأْوِيلُ: أنَّ قُدْرَتَكَ لا تَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ فَيَكُونُ ذَلِكَ وصْلَةً إلى الِاخْتِيالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿لا تَمْشِ في الأرْضِ﴾ مُخْتالًا فَخُورًا، ونَظِيرُهُ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] و﴿اقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِدَوْسِكَ لَها وشِدَّةِ وطْئِكَ ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ بِتَطاوُلِكَ، وهو تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ. وقَرَأ الجَرّاحُ الأعْرابِيُّ: ”﴿لَنْ تَخْرِقَ﴾“ بِضَمِّ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْرَفُ هَذِهِ اللُّغَةُ. وقِيلَ: أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الإنْسانَ مَحْصُورٌ بَيْنَ جَمادَيْنِ، ضَعِيفٌ عَنِ التَّأْثِيرِ فِيهِما بِالخَرْقِ وبُلُوغِ الطُّولِ ومَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ لا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ. وقالَ الشّاعِرُ:(p-٣٨)
؎ولا تَمْشِ فَوْقَ الأرْضِ إلّا تَواضُعًا ∗∗∗ فَكَمْ تَحْتَها قَوْمٌ هم مِنكَ أرْفَعُ، والأجْوَدُ انْتِصابُ قَوْلِهِ: ﴿طُولًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: لَنْ يَبْلُغَ طُولُكَ الجِبالَ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿طُولًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ في الحالِ (تَبْلُغَ) ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ العامِلُ تَخْرِقَ، و﴿طُولًا﴾ بِمَعْنى مُتَطاوِلٍ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿طُولًا﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا ومَفْعُولًا لَهُ ومَصْدَرًا مِن مَعْنى تَبْلُغَ. انْتَهى. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ ”سَيِّئَةً“ بِالنَّصْبِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ ومَسْرُوقٌ ﴿سَيِّئُهُ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مُضافًا لِهاءِ المُذَكَّرِ الغائِبِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”سَيِّئاتُهُ“ بِالجَمْعِ مُضافًا لِلْهاءِ، وعَنْهُ أيْضًا ”سَيِّئاتٌ“ بِغَيْرِها، وعَنْهُ أيْضًا ”كانَ خَبِيثُهُ“ . فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرَيِ النَّهْيَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما: قَفْوُ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، والمَشْيُ في الأرْضِ مَرَحًا. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى جَمِيعِ المَناهِي المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ، وسَيِّئَةٌ خَبَرُ كانَ وأُنِّثَ، ثُمَّ قالَ: مَكْرُوهًا فَذُكِّرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّيِّئَةُ في حُكْمِ الأسْماءِ بِمَنزِلَةِ الذَّنْبِ، والِاسْمُ زالَ عَنْهُ حُكْمُ الصِّفاتِ فَلا اعْتِبارَ بِتَأْنِيثِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ مَن قَرَأ سَيِّئَةً ومَن قَرَأ سَيِّئًا، ألا تَراكَ تَقُولُ: الزِّنا سَيِّئَةٌ كَما تَقُولُ السَّرِقَةُ سَيِّئَةٌ، فَلا تُفَرِّقُ بَيْنَ إسْنادِها إلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ. انْتَهى. وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ.
وقِيلَ: ذَكَرَ ﴿مَكْرُوهًا﴾ عَلى لَفْظِ (كُلُّ) وجَوَّزُوا في (مَكْرُوهًا) أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِكانَ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ لِكانَ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن سَيِّئَةٍ والبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ ضَعِيفٌ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ قَبْلَهُ، والظَّرْفُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِسَيِّئَةٍ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها مَجازِيًّا جازَ أنْ تُوصَفَ بِمُذَكَّرٍ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ جَوازَ ذَلِكَ إنَّما هو في الإسْنادِ إلى المُؤَنَّثِ المَجازِيِّ إذا تَقَدَّمَ، أمّا إذا تَأخَّرَ وأُسْنِدَ إلى ضَمِيرِها فَهو قَبِيحٌ، تَقُولُ: أبْقَلَ الأرْضُ إبْقالَها فَصِيحًا، والأرْضُ أبْقَلَ قَبِيحٌ، وأمّا مَن قَرَأ (سَيِّئُهُ) بِالتَّذْكِيرِ والإضافَةِ فَسَيِّئُهُ اسْمُ (كانَ) و(مَكْرُوهًا) الخَبَرُ، ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ الخِصالِ ما هو سَيِّئٌ وما هو حَسَنٌ أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى المَجْمُوعِ، وأُفْرِدَ سَيِّئَةٌ وهو المَنهِيُّ عَنْهُ، فالحُكْمُ عَلَيْهِ بِالكَراهَةِ مِن قَوْلِهِ: لا تَجْعَلْ إلى آخِرِ المَنهِيّاتِ. وأمّا قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ فَتَتَخَرَّجُ عَلى أنْ يَكُونَ مِمّا أُخْبِرَ فِيهِ عَنِ الجَمْعِ إخْبارَ الواحِدِ المُذَكَّرِ وهو قَلِيلٌ نَحْوُ قَوْلِهِ:
؎فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها
لِصَلاحِيَةِ الحِدْثانِ مَكانَ الحَوادِثِ، وكَذَلِكَ هَذا أيْضًا كانَ ما يَسُوءُ مَكانَ سَيِّئاتِهِ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أنْواعِ التَّكالِيفِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ وهي أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ نَوْعًا مِنَ التَّكالِيفِ بَعْضُها أمْرٌ وبَعْضُها نَهْيٌ بَدَأها بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ﴾ [الإسراء: ٢٢] . واخْتَتَمَ الآياتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ﴾ وقالَ: مِمّا أوْحى؛ لِأنَّ ذَلِكَ بَعْضٌ مِمّا أوْحى إلَيْهِ إذْ أوْحى إلَيْهِ بِتَكالِيفَ أُخَرَ، و﴿مِمّا أوْحى﴾ خَبَرٌ عَنْ ذَلِكَ، و﴿مِنَ الحِكْمَةِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأوْحى، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ما وكانَتْ هَذِهِ التَّكالِيفُ حِكْمَةً؛ لِأنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، وأنْواعِ الطّاعاتِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، والعُقُولُ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها، وهي شَرائِعُ في جَمِيعِ الأدْيانِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، أوَّلُها ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] قالَ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وكَرَّرَ تَعالى النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ، فَفي النَّهْيِ الأوَّلِ.
﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] وفي الثّانِي ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ والفَرْقُ بَيْنَ مَذْمُومٍ ومَلُومٍ: أنَّ كَوْنَهُ مَذْمُومًا أنْ يَذْكُرَ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ قَبِيحٌ مُنْكَرٌ، وكَوْنَهُ مَلُومًا أنْ يُقالَ لَهُ بَعْدَ الفِعْلِ وذَمِّهِ: لِمَ فَعَلْتَ كَذا ؟ وما حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ وما اسْتَفَدْتَ مِنهُ إلّا إلْحاقَ الضَّرَرِ بِنَفْسِكَ، فَأوَّلُ الأمْرِ الذَّمُّ وآخِرُهُ اللَّوْمُ، والفَرْقُ بَيْنَ مَخْذُولٍ ومَدْحُورٍ: أنَّ المَخْذُولَ هو المَتْرُوكُ إعانَتُهُ ونَصْرُهُ والمُفَوَّضُ إلى (p-٣٩)نَفْسِهِ، والمَدْحُورُ المَطْرُودُ المُبْعَدُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ والِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَأوَّلُ الأمْرِ الخِذْلانُ وآخِرُهُ الطَّرْدُ مُهانًا. وكانَ وصْفُ الذَّمِّ والخِذْلانِ يَكُونُ في الدُّنْيا، ووَصْفُ اللَّوْمِ والدُّحُورِ يَكُونُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ﴾ والخِطابُ بِالنَّهْيِ في هَذِهِ الآياتِ لِلسّامِعِ غَيْرِ الرَّسُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وعَلا - فاتِحَتَها وخاتِمَتَها النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ هو رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومِلاكُها، ومَن عَدِمَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ حِكَمُهُ وعُلُومُهُ وإنْ بَذَّ فِيها الحُكَماءَ وحَكَّ بِيافُوخِهِ السَّماءَ، وما أغْنَتْ عَنِ الفَلاسِفَةِ أسْفارُ الحِكَمِ وهم عَنْ دِينِ اللَّهِ أضَلُّ مِنَ النَّعَمِ.
﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .
لَمّا نَبَّهَ تَعالى عَلى فَسادِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا ونَظِيرًا أتْبَعَهُ بِفَسادِ طَرِيقَةِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ ولَدًا، والِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ والخِطابُ لِمَنِ اعْتَقَدَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ ومَعْنى ﴿أفَأصْفاكُمْ﴾ آثَرَكم وخَصَّكم، وهَذا كَما قالَ: ﴿ألَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] وهَذا خِلافُ الحِكْمَةِ وما عَلَيْهِ مَعْقُولُكم وعادَتُكم، فَإنَّ العَبِيدَ لا يُؤْثَرُونَ بِأجْوَدِ الأشْياءِ وأصْفاها مِنَ الشَّوْبِ ويَكُونُ أرْدَؤُها وأدْوَنُها لِلسّاداتِ. ومَعْنى (عَظِيمًا) مُبالَغًا في المُنْكَرِ والقُبْحِ حَيْثُ أضَفْتُمْ إلَيْهِ الأوْلادَ، ثُمَّ حَيْثُ فَضَّلْتُمْ عَلَيْهِ تَعالى أنْفُسَكم فَجَعَلْتُمْ لَهُ ما تَكْرَهُونَ، ثُمَّ نِسْبَةُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم مِن شَرِيفِ ما خَلَقَ إلى الأُنُوثَةِ. ومَعْنى ﴿صَرَّفْنا﴾ نَوَّعْنا مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ ومِن مِثالٍ إلى مِثالٍ، والتَّصْرِيفُ لُغَةً: صَرْفُ الشَّيْءِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ ثُمَّ صارَ كِنايَةً عَنِ التَّبْيِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿صَرَّفْنا﴾ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ. فَقالَ: لَمْ نَجْعَلْهُ نَوْعًا واحِدًا بَلْ وعْدًا ووَعِيدًا، ومُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، وأمْرًا ونَهْيًا، وناسِخًا ومَنسُوخًا، وأخْبارًا وأمْثالًا مِثْلَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ مِن صَبًا ودَبُورٍ وجَنُوبٍ وشَمالٍ، ومَفْعُولُ ﴿صَرَّفْنا﴾ عَلى هَذا المَعْنى مَحْذُوفٌ، وهي هَذِهِ الأشْياءُ أيْ: صَرَّفْنا الأمْثالَ والعِبَرَ والحِكَمَ والأحْكامَ والأعْلامَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نُنْزِلْهُ مَرَّةً واحِدَةً بَلْ نُجُومًا، ومَعْناهُ: أكْثَرْنا صَرْفَ جِبْرِيلَ إلَيْكَ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ صَرَّفْنا جِبْرِيلَ.
وقِيلَ: (في) زائِدَةٌ، أيْ صَرَّفْنا هَذا القُرْآنَ كَما قالَ: ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ”في“ لا تُزادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهَذا القُرْآنِ إبْطالَ إضافَتِهِمْ إلى اللَّهِ البَناتِ؛ لِأنَّهُ مِمّا صَرَّفَهُ وكَرَّرَ ذِكْرَهُ، والمَعْنى: ولَقَدْ (p-٤٠)صَرَّفْنا القَوْلَ في هَذا المَعْنى، وأوْقَعْنا التَّصْرِيفَ فِيهِ وجَعَلْناهُ مَكانًا لِلتَّكْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يُشِيرَ بِهَذا (القُرْآنِ) إلى التَّنْزِيلِ، ويُرِيدُ ولَقَدْ صَرَّفْناهُ يَعْنِي هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، فَتَرَكَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ. انْتَهى. فَجَعَلَ التَّصْرِيفَ خاصًّا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَبْلَهُ وجَعَلَ مَفْعُولَ ﴿صَرَّفْنا﴾ إمّا القَوْلُ في هَذا المَعْنى أوِ المَعْنى وهو الضَّمِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ في صَرَّفْناهُ، وغَيْرُهُ جَعَلَ التَّصْرِيفَ عامًّا في أشْياءَ فَقَدَّرَ ما يَشْمَلُ ما سِيقَ لَهُ ما قَبْلَهُ وغَيْرَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ بِتَخْفِيفِ الرّاءِ. فَقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو بِمَعْنى العامَّةِ، يَعْنِي بِالعامَّةِ: قِراءَةَ الجُمْهُورِ، قالَ: لِأنَّ فَعَلَ وفَعَّلَ رُبَّما تَعاقَبا عَلى مَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى مَعْنى صَرَفْنا فِيهِ النّاسَ إلى الهُدى بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أيْ: لِيَتَذَكَّرُوا مِنَ التَّذْكِيرِ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، وقَرَأ الأخَوانِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ”لِيَذْكُرُوا“ بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ مِنَ الذِّكْرِ أوِ الذُّكْرِ، أيْ: لِيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا ويَنْظُرُوا فِيما يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ ويَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ ﴿وما يَزِيدُهُمْ﴾ أيِ: التَّصْرِيفُ ﴿إلّا نُفُورًا﴾ أيْ: بُعْدًا وفِرارًا عَنِ الحَقِّ كَما قالَ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقالَ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] والنُّفُورُ مِن أوْصافِ الدَّوابِّ الشَّدِيدَةِ الشِّماسِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِسْبَةَ الوَلَدِ إلَيْهِمْ ورَدَّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ ذَكَرَ قَوْلَهم أنَّهُ تَعالى مَعَهُ آلِهَةٌ ورَدَّ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ﴿كَما يَقُولُونَ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتَ، والجُمْهُورُ بِالتّاءِ. ومَعْنى ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ إلى مُغالَبَتِهِ وإفْسادِ مُلْكِهِ؛ لِأنَّهم شُرَكاؤُهُ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، وقالَ هَذا المَعْنى أوْ مِثْلَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والنَّقّاشُ والمُتَكَلِّمُونَ أبُو مَنصُورٍ وغَيْرُهُ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلتَّمانُعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ويَأْتِي تَفْسِيرُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وقالَ قَتادَةُ ما مَعْناهُ: لابْتَغَوْا إلى التَّقَرُّبِ إلى ذِي العَرْشِ والزُّلْفى لَدَيْهِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الأصْنامَ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، فَإذا عَلِمُوا أنَّها تَحْتاجُ إلى اللَّهِ فَقَدْ بَطَلَ كَوْنُها آلِهَةً، ويَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، والكافُ مِن (كَما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ (مَعَ) وهو الِاسْتِقْرارُ، و(مَعَهُ) خَبَرُ كانَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: كَوْنًا لِقَوْلِكم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(إذًا) دالَّةٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَها وهو (لابْتَغَوْا) جَوابٌ عَنْ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ وجَزاءٌ لِـ لَوْ. انْتَهى. وعُطِفَ (وتَعالى) عَلى قَوْلِهِ: (سُبْحانَهُ) لِأنَّهُ اسْمٌ قامَ مَقامَ المَصْدَرِ الَّذِي هو في مَعْنى الفِعْلِ، أيْ: بَراءَةُ اللَّهِ وقُدِّرَ تَنَزَّهَ، وتَعالى يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى سَبِيلِ الإعْمالِ إذْ يَصِحُّ لِسُبْحانَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ (عَنْ) كَما في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] والتَّعالِي في حَقِّهِ تَعالى هو بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ. وقَرَأ الأخَوانِ: ”عَمّا تَقُولُونَ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وانْتَصَبَ (عُلُوًّا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ أيْ: تَعالِيًا، ووُصِفَ تَكْبِيرًا مُبالَغَةً في مَعْنى البَراءَةِ والبُعْدِ عَمّا وصَفُوهُ بِهِ؛ لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الواجِبِ لِذاتِهِ والمُمْكِنِ لِذاتِهِ، وبَيْنَ القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وبَيْنَ الغَنِيِّ والمُحْتاجِ مُنافاةٌ لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ، ونِسْبَةُ التَّسْبِيحِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ مِن مَلَكٍ وإنْسٍ وجِنٍّ حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى النُّطْقِ بِالتَّسْبِيحِ حَقِيقَةً، وأنَّ ما لا حَياةَ فِيهِ ولا نُمُوَّ يُحْدِثُ اللَّهُ لَهُ نُطْقًا وهَذا هو ظاهِرُ اللَّفْظِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ . وقالَ بَعْضُهم: ما كانَ مِن نامٍ حَيَوانٍ وغَيْرِهِ يُسَبِّحُ حَقِيقَةً، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ قالَ: الشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنِ الخِوانِ: أيُسَبِّحُ ؟ فَقالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً يُشِيرُ إلى أنَّهُ حِينَ كانَ شَجَرَةً كانَ يُسَبِّحُ، وحِينَ صارَ خُوانًا مَدْهُونًا صارَ جَمادًا لا يُسَبِّحُ. وقِيلَ: التَّسْبِيحُ المَنسُوبُ لِما لا يَعْقِلُ مَجازٌ، ومَعْناهُ: أنَّها تُسَبِّحُ بِلِسانِ الحالِ حَيْثُ يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ وعَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِهِ، فَكَأنَّها تَنْطِقُ بِذَلِكَ وكَأنَّها تُنَزِّهُ اللَّهَ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ وغَيْرِها. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (p-٤١)خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ، وهم وإنْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالخالِقِ أنَّهُ اللَّهُ، لَكِنَّهم لَمّا جَعَلُوا مَعَهُ آلِهَةً لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُقِرُّوا؛ لِأنَّ نَتِيجَةَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ والإقْرارِ الثّابِتِ خِلافُ ما كانُوا عَلَيْهِ، فَإذا لَمْ يَفْقَهُوا التَّسْبِيحَ ولَمْ يَسْتَوْضِحُوا الدَّلالَةَ عَلى الخالِقِ فَيَكُونُ التَّسْبِيحُ المُسْنَدُ إلى السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ عَلى سَبِيلِ المَجازِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الجَمِيعِ، وإنْ كانَ يَصْدُرُ التَّسْبِيحُ حَقِيقَةً مِمَّنْ فِيهِنَّ مِن مَلَكٍ وإنْسٍ وجانٍّ، ولا يُحْمَلُ نِسْبَتُهُ إلى السَّماواتِ والأرْضِ عَلى المَجازِ، ونِسْبَتُهُ إلى المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِئَلّا يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ المَجازِ والحَقِيقَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ثُمَّ أعادَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لَمّا أسْنَدَ إلَيْها فِعْلَ العاقِلِ وهو التَّسْبِيحُ. انْتَهى. ويُعْنى بِالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ وكَأنَّهُ تُخُيِّلَ أنَّ (هُنَّ) لا يَكُونُ إلّا لِمَن يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ، ولَيْسَ كَما تُخُيِّلَ بَلْ (هُنَّ) يَكُونُ ضَمِيرَ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ مُطْلَقًا. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: تُسَبِّحُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”سَبَّحَتْ“ لَهُ السَّماواتُ بِلَفْظِ الماضِي وتاءِ التَّأْنِيثِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ.
﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾ حَيْثُ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى سُوءِ نَظَرِكم ﴿غَفُورًا﴾ إنْ رَجَعْتُمْ ووَحَّدْتُمُ اللَّهَ تَعالى.
الإسراء 17:43
﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
(p-٣٣)لَمّا نَهى تَعالى عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ نَهى عَنِ التَّسَبُّبِ في إيجادِهِ مِنَ الطَّرِيقِ غَيْرِ المَشْرُوعَةِ، فَنَهى عَنْ قُرْبانِ الزِّنا واسْتَلْزَمَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الزِّنا، والزِّنا الأكْثَرُ فِيهِ القَصْرُ ويُمَدُّ لُغَةً لا ضَرُورَةً، هَكَذا نَقَلَ اللُّغَوِيُّونَ. ومِنَ المَدِّ قَوْلُ الشّاعِرِ - وهو الفَرَزْدَقُ:
؎أبا حاضِرٍ مَن يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ومَن يَشْرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرا
ويُرْوى: أبا خالِدٍ. وقالَ آخَرُ:
؎كانَتْ فَرِيضَةَ ما تَقُولُ كَما ∗∗∗ كانَ الزِّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
وكانَ المَعْنى لَمْ يَزَلْ أيْ: لَمْ يَزَلْ فاحِشَةً أيْ: مَعْصِيَةً فاحِشَةً أيْ: قَبِيحَةً زائِدَةً في القُبْحِ ﴿وساءَ سَبِيلًا﴾ أيْ: وبِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ؛ لِأنَّها سَبِيلٌ تُؤَدِّي إلى النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(سَبِيلًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، التَّقْدِيرُ: وساءَ سَبِيلُهُ. انْتَهى. وإذا كانَ (سَبِيلًا) نَصْبًا عَلى التَّمْيِيزِ فَإنَّما هو تَمْيِيزٌ لِلْمُضْمَرِ المُسَّتكِنِّ في (ساءَ) وهو مِنَ المُضْمَرِ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَكُونُ تَقْدِيرُهُ: وساءَ سَبِيلُهُ سَبِيلًا؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ لا يَكُونُ فاعِلُهُ ضَمِيرًا يُرادُ بِهِ الجِنْسُ مُفَسَّرًا بِالتَّمْيِيزِ، ويَبْقى التَّقْدِيرُ أيْضًا عارِيًا عَنِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ في أواخِرِ الأنْعامِ. قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في شَأْنِ القَتْلِ. انْتَهى.
ولَمّا نَهى عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ وعَنْ إيجادِهِمْ مِنَ الطَّرِيقِ غَيْرِ المَشْرُوعَةِ نَهى عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ فانْتَقَلَ مِنَ الخاصِّ إلى العامِّ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مَنهِيّاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مُنْدَرِجَةً تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] كانْدِراجِ (أنْ لا تَعْبُدُوا) وانْتَصَبَ ﴿مَظْلُومًا﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (قُتِلَ) والمَعْنى: أنَّهُ قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ وهو الطّالِبُ بِدَمِهِ شَرْعًا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ انْدِراجُ مَن يَرِثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ في الوَلِيِّ عَلى قَدْرِ مَوارِيثِهِمْ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ عِنْدَهم هو الوارِثُ هُنا. وقالَ مالِكٌ: لَيْسَ لِلنِّساءِ شَيْءٌ مِنَ القِصاصِ، وإنَّما القِصاصُ لِلرِّجالِ. وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ وقَتادَةَ والحَكَمِ: لَيْسَ إلى النِّساءِ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ والدَّمِ، ولِلسُّلْطانِ التَّسَلُّطُ عَلى القاتِلِ في الِاقْتِصاصِ مِنهُ أوْ حُجَّةٌ يُثْبِتُ بِها عَلَيْهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والمَلِكُ الَّذِي جَعَلَ إلَيْهِ مِنَ التَّخْيِيرِ في قَبُولِ الدَّمِ أوِ العَفْوِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ، وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ: القَوَدُ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: السُّلْطانُ: القُوَّةُ والوِلايَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَيِّنَةُ في طَلَبِ القَوَدِ، وقالَ الحَسَنُ: القَوَدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحُجَّةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوالِي أيْ: والِيًا يُنْصِفُهُ في حَقِّهِ، والظّاهِرُ: عَوْدُ الضَّمِيرِ في (فَلا يُسْرِفْ) عَلى الوَلِيِّ، والإسْرافُ المَنهِيُّ عَنْهُ: أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ القاتِلِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، أوْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ بِواحِدٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوْ أشْرَفَ مِنَ الَّذِي قُتِلَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوْ يُمَثِّلَ، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ يَتَوَلّى القاتِلُ دُونَ السُّلْطانِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: السَّلْطَنَةُ مُجْمَلَةٌ يُفَسِّرُها ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآيَةَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القِصاصِ والدِّيَةِ، وقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ الفَتْحِ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَأهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ» . فَمَعْنى ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ لا يُقْدِمْ عَلى اسْتِيفاءِ القَتْلِ، ويَكْتَفِي بِأخْذِ الدِّيَةِ أوْ يَمِيلُ إلى العَفْوِ، ولَفْظَةُ في مَحْمُولَةٌ عَلى الباءِ، أيْ: فَلا يَصِيرُ مُسْرِفًا بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ، ويَكُونُ مَعْناهُ التَّرْغِيبَ في العَفْوِ كَما قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] . انْتَهى مُلَخَّصًا. ولَوْ سُلِّمَ أنَّ (في) بِمَعْنى الباءِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحَ المَعْنى؛ لِأنَّ مَن قَتَلَ بِحَقٍّ قاتِلَ مُوَلِّيهِ لا يَصِيرُ مُسْرِفًا بِقَتْلِهِ، وإنَّما الظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - النَّهْيُ عَمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مِن قَتْلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، وقَتْلِ غَيْرِ القاتِلِ والمُثْلَةِ ومُكافَأةِ الَّذِي يَقْتُلُ مَن قَتَلَهُ. وقالَ مُهَلْهَلٌ حِينَ قَتَلَ بُجَيْرَ بْنَ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ لَيْسَ عائِدًا عَلى (p-٣٤)الوَلِيِّ، وإنَّما يَعُودُ عَلى العامِلِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿ومَن قُتِلَ﴾ أيْ لا يُسْرِفْ في القَتْلِ تَعَدِّيًا وظُلْمًا فَيَقْتُلُ مَن لَيْسَ لَهُ قَتْلُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحُذَيْفَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ومُجاهِدٌ بِخِلافٍ وجَماعَةٍ، وفي نُسْخَةٍ مِن تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ وابْنِ عامِرٍ وهو وهْمٌ بِتاءِ الخِطابِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى خِطابِ الوَلِيِّ فالضَّمِيرُ لَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ والأئِمَّةِ مِن بَعْدِهِ أيْ: فَلا تَقْتُلُوا غَيْرَ القاتِلِ. انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ السَّرّاجُ صاحِبُ الدَّعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَرَأ أبُو مُسْلِمٍ صاحِبُ الدَّوْلَةِ. وقالَ صاحِبُ كِتابِ اللَّوامِحِ أوْ مُسْلِمٌ العِجْلِيُّ مَوْلى صاحِبِ الدَّوْلَةِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ بِضَمِّ الفاءِ عَلى الخَبَرِ، ومَعْناهُ النَّهْيُ، وقَدْ يَأْتِي الأمْرُ والنَّهْيُ بِلَفْظِ الخَبَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في الِاحْتِجاجِ بِأبِي مُسْلِمٍ: في القِراءَةِ نَظَرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ”فَلا تُسْرِفُوا في القَتْلِ“ إنَّ ولِيَّ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا. انْتَهى. رَدَّهُ عَلى ولا تَقْتُلُوا، والأوْلى حَمْلُ قَوْلِهِ إنَّ ولِيَّ المَقْتُولِ عَلى التَّفْسِيرِ لا عَلى القِراءَةِ لِمُخالَفَتِهِ السَّوادَ، ولِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنْهُ ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ، والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ لِتَناسُقِ الضَّمائِرِ، ونَصْرُهُ إيّاهُ بِأنْ أوْجَبَ لَهُ القِصاصَ، فَلا يُسْتَزادُ عَلى ذَلِكَ، أوْ نَصْرُهُ بِمَعُونَةِ السُّلْطانِ وبِإظْهارِ المُؤْمِنِينَ عَلى اسْتِيفاءِ الحَقِّ، وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى المَقْتُولِ نَصَرَهُ اللَّهُ حَيْثُ أوْجَبَ القِصاصَ بِقَتْلِهِ في الدُّنْيا، ونَصَرَهُ بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّهُ المَظْلُومُ، ولَفْظَةُ النَّصْرِ تُقارِنُ الظُّلْمَ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ: «ونَصْرِ المَظْلُومِ وإبْرارِ القَسَمِ» وكَقَوْلِهِ: «انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا» إلى كَثِيرٍ مِنَ الأمْثِلَةِ. وقِيلَ: عَلى القَتْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: عَلى القاتِلِ؛ لِأنَّهُ إذا قُتِلَ في الدُّنْيا وخَلَصَ بِذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَقَدْ نُصِرَ، وهَذا ضَعِيفٌ بَعِيدُ القَصْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما يَعْنِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُهُ الوَلِيِّ بِغَيْرِ حَقٍّ ويُسْرِفُ في قَتْلِهِ، فَإنَّهُ مَنصُورٌ بِإيجابِ القِصاصِ عَلى المُسْرِفِ. انْتَهى. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا.
﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ لَمّا نَهى عَنْ إتْلافِ النُّفُوسِ نَهى عَنْ أخْذِ الأمْوالِ، كَما قالَ: «فَإنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم حَرامٌ عَلَيْكم» . ولَمّا كانَ اليَتِيمُ ضَعِيفًا عَنْ أنْ يَدْفَعَ عَنْ مالِهِ لِصِغَرِهِ نَصَّ عَلى النَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ مالِهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ الأنْعامِ.
﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ عامٌّ فِيما عَقَدَهُ الإنْسانُ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمِيٍّ في طاعَةٍ ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ ظاهِرُهُ أنَّ العَهْدَ هو المَسْئُولُ مِنَ المُعاهِدِ أنْ يَفِيَ بِهِ ولا يَنْكُثَ ولا يُضَيِّعَهُ، أوْ يَكُونُ مِن بابِ التَّخْيِيلِ، كَأنَّهُ يُقالُ: لِلْعَهْدِ لِمَ نُكِثْتَ، فَمُثِّلَ كَأنَّهُ ذاتٌ مِنَ الذَّواتِ تُسْألُ لِمَ نُكِثَتْ دَلالَةً عَلى المُطاوَعَةِ بِنَكْثِهِ وإلْزامِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى نَكْثِهِ، كَما جاءَ ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] فِيمَن قَرَأ بِسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ التّاءِ الَّتِي لِلْخِطابِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: إنَّ ذا العَهْدِ كانَ مَسْئُولًا عَنْهُ إنْ لَمْ يَفِ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِإيفاءِ الكَيْلِ وبِالوَزْنِ المُسْتَقِيمِ، وذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى المُعامَلَةِ بِالأمْوالِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكَيْلَ هو عَلى البائِعِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي. وقالَ الحَسَنُ: (القِسْطاسُ) القَبّانُ وهو الفِلَسْطُونُ، ويُقالُ: القَرَسْطُونُ. وقالَ مُجاهِدٌ: (القِسْطاسُ) العَدْلُ لا أنَّهُ آلَةٌ. وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ بِكَسْرِ القافِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها وهُما لُغَتانِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإبْدالِ مِنَ السِّينِ الأُولى صادًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللَّفْظِيَّةُ لِلْمُبالَغَةِ مِنَ القِسْطِ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القِسْطِ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ؛ لِأنَّ القِسْطَ مادَّتُهُ (ق س ط)، وذَلِكَ مادَّتُهُ (ق س ط س) إلّا أنِ اعْتُقِدَ زِيادَةُ السِّينِ آخِرًا كَسِينِ قُدْمُوسَ وضُغْبُوسَ وعُرْفاسَ، فَيُمْكِنُ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ السِّينِ المَقِيسَةِ، والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا كِلْتُمْ﴾ أيْ: وقْتَ كَيْلِكم عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، وأنْ لا يَتَأخَّرَ الإيفاءُ بِأنْ (p-٣٥)يَكِيلَ بِهِ بِنُقْصانٍ ما ثُمَّ يُوَفِّيهِ بَعْدُ فَلا يَتَأخَّرُ الإيفاءُ عَنْ وقْتِ الكَيْلِ.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أيِ: الإيفاءُ والوَزْنُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَطْيِيبَ النُّفُوسِ بِالِاتِّسامِ بِالعَدْلِ والإيصالِ لِلْحَقِّ ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أيْ: عاقِبَةً، إذْ لا يَبْقى عَلى المُوفِي والوازِنِ تَبِعَةٌ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وهو مِنَ المَآلِ وهو المَرْجِعُ كَما قالَ: خَيْرٌ مَرَدًّا، خَيْرٌ عُقْبًا، خَيْرٌ أمَلًا وإنَّما كانَتْ عاقِبَتُهُ أحْسُنُ؛ لِأنَّهُ اشْتُهِرَ بِالِاحْتِرازِ عَنِ التَّطْفِيفِ، فَعُوِّلَ عَلَيْهِ في المُعامَلاتِ ومالَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ.
﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ .
(p-٣٦)لَمّا أمَرَ تَعالى بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الإيفاءِ بِالعَهْدِ، والإيفاءِ بِالكَيْلِ، والوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِثَلاثَةِ مَناهٍ: (ولا تَقْفُ) (ولا تَمْشِ) (ولا تَجْعَلْ) . ومَعْنى (ولا تَقْفُ) لا تَتَّبِعْ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، نَهى أنْ نَقُولَ ما لا نَعْلَمُ وأنْ نَعْمَلَ بِما لا نَعْلَمُ، ويَدْخُلُ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ اتِّباعٌ بِما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لا تَرْمِ أحَدًا بِما لا تَعْلَمُ. وقالَ قَتادَةُ: لا تَقُلْ: رَأيْتُ ولَمْ تَرَهْ، وسَمِعْتُ ولَمْ تَسْمَعْهُ، وعَلِمْتُ ولَمْ تَعْلَمْهُ. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا تَقُلْ: لَكِنَّها كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ في القَذْفِ والعَضْهِ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «مَن قَفا مُؤْمِنًا بِما لَيْسَ فِيهِ حَبَسَهُ اللَّهُ في رَدْغَةِ الخَبالِ حَتّى يَأْتِيَ بِالمَخْرَجِ» . وقالَ في الحَدِيثِ أيْضًا: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنُ كِنانَةَ لا تَقْفُو مِنّا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» . ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ:
؎ومِثْلُ الدُّمى شُمُّ العِرانِينَ ساكِنٌ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَيا لا يَتَّبِعْنَ التَّقافِيا
وقالَ الكُمَيْتُ:
؎فَلا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ∗∗∗ ولا أقْفُو الحَواضِنَ إنْ قُفِينا
وحاصِلُ هَذا أنَّهُ نَهى عَنِ اتِّباعِ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا، وهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ تَنْدَرِجُ تَحْتَها أنْواعٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مُبْطِلُ الِاجْتِهادِ ولَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ، وقَدْ أقامَ الشَّرْعُ غالِبَ الظَّنِّ مَقامَ العِلْمِ وأمَرَ بِالعَمَلِ بِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَقْفُ﴾ بِحَذْفِ الواوِ لِلْجَزْمِ مُضارِعُ قَفا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”ولا تَقْفُو“ بِإثْباتِ الواوِ. كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎هَجَوْتَ زَبّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ∗∗∗ مِن هَجْوِ زَبّانَ لَمْ تَهْجُو ولَمْ تَدَعِ
وإثْباتُ الواوِ والياءِ والألِفِ مَعَ الجازِمِ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ وضَرُورَةٌ لِغَيْرِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ: ﴿ولا تَقْفُ﴾ مِثْلَ تَقُلْ، مِن قافَ يَقُوفُ، تَقُولُ العَرَبُ: قُفْتُ أثَرَهُ وقَفَوْتُ أثَرَهُ، وهُما لُغَتانِ لِوُجُودِ التَّصارِيفِ فِيهِما كَجَبَذَ وجَذَبَ، وقاعَ الجَمَلُ النّاقَةَ وقَعاها إذا رَكِبَها، ولَيْسَ قافَ مَقْلُوبًا مِن قَفا كَما جَوَّزَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. وقَرَأ الجَرّاحُ العُقَيْلِيُّ: ﴿والفُؤادَ﴾ بِفَتْحِ الفاءِ والواوِ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ واوًا بَعْدَ الضَّمَّةِ في الفُؤادِ ثُمَّ اسْتُصْحِبَ القَلْبُ مَعَ الفَتْحِ وهي لُغَةٌ في ﴿الفُؤادُ﴾ [النجم: ١١] وأنْكَرَها أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ وبِهِ لا تَتَعَلَّقُ بِعَلَمٍ؛ لِأنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ. قالَ الحَوْفِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكَ) وهو الِاسْتِقْرارُ وهو لا يَظْهَرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العُلُومَ مُسْتَفادَةٌ مِنَ الحَواسِّ ومِنَ العُقُولِ، وجاءَ هَذا عَلى التَّرْتِيبِ القُرْآنِيِّ في البَداءَةِ بِالسَّمْعِ، ثُمَّ يَلِيهِ البَصَرُ، ثُمَّ يَلِيهِ الفُؤادُ. و(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ وهو اسْمُ إشارَةٍ لِلْجَمْعِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ العاقِلِ وغَيْرِهِ. وتَخَيَّلَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ يَخْتَصُّ بِالعاقِلِ، فَقالَ: وعَبَّرَ عَنِ ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ بِأُولَئِكَ؛ لِأنَّها حَواسٌّ لَها إدْراكٌ، وجَعَلَها في هَذِهِ الآيَةِ مَسْئُولَةً فَهي حالَةُ مَن يَعْقِلُ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِأُولَئِكَ. وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] إنَّما قالَ: رَأيْتُهم في نُجُومٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما وصَفَها بِالسُّجُودِ وهو مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ عَبَّرَ عَنْها بِكِنايَةِ مَن يَعْقِلُ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَمَّنْ يَعْقِلُ وعَمّا لا يَعْقِلُ بِأُولَئِكَ، وأنْشَدَ هو والطَّبَرِيُّ:
؎ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ
(p-٣٧)وأمّا حِكايَةُ أبِي إسْحاقَ عَنِ اللُّغَةِ فَأمْرٌ يُوقَفُ عِنْدَهُ، وأمّا البَيْتُ فالرِّوايَةُ فِيهِ: الأقْوامُ. انْتَهى. ولَيْسَ ما تَخَيَّلَهُ صَحِيحًا، والنُّحاةُ يُنْشِدُونَهُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ ولَمْ يَكُونُوا لِيُنْشِدُوا إلّا ما رُوِيَ، وإطْلاقُ أُولاءِ وأُولاكَ وأُولَئِكَ وأُولالِكَ عَلى ما لا يَعْقِلُ لا نَعْلَمُ خِلافًا فِيهِ، و(كُلُّ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، واسْمُ (كانَ) عائِدٌ عَلى (كُلُّ) وكَذا الضَّمِيرُ في ﴿مَسْئُولًا﴾ . والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى ما مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ يُسْألُ عَمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ أيْ: عَنِ انْتِفاءِ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وهَذا الظّاهِرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُسْتَشْهَدُ بِها كَما قالَ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] . وقالَ القُرْطُبِيُّ في أحْكامِهِ: يُسْألُ الفُؤادُ عَمّا اعْتَقَدَهُ، والسَّمْعُ عَمّا سَمِعَ، والبَصَرُ عَمّا رَأى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْألُ سَمْعَ الإنْسانِ وبَصَرَهُ وفُؤادَهُ عَمّا قالَ مِمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَقَعُ تَكْذِيبُهُ مِن جَوارِحِهِ وتِلْكَ غايَةُ الخِزْيِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (كانَ) و﴿مَسْئُولًا﴾ عائِدانِ عَلى القائِفِ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى (كُلُّ) فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ إذْ لَوْ كانَ عَلى الخِطابِ لَكانَ التَّرْكِيبُ كُلُّ أُولَئِكَ كُنْتَ عَنْهُ مَسْئُولًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(عَنْهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالفاعِلِيَّةِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنها كانَ مَسْئُولًا عَنْهُ، فَمَسْئُولٌ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كالمَغْضُوبِ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] يُقالُ لِلْإنْسانِ: لِمَ سَمِعْتَ ما لا يَحِلُّ لَكَ سَماعُهُ ؟ ولِمَ نَظَرْتَ ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ النَّظَرُ إلَيْهِ ؟ ولِمَ عَزَمْتَ عَلى ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ العَزْمُ عَلَيْهِ ؟ . انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ (عَنْهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالفاعِلِيَّةِ، ويَعْنِي بِهِ أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ وما يُقامُ مَقامَ الفاعِلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ ومَصْدَرٍ وظَرْفٍ بِشُرُوطِهِما جارٍ مَجْرى الفاعِلِ، فَكَما أنَّ الفاعِلَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، فَكَذَلِكَ ما جَرى مَجْراهُ وأُقِيمُ مَقامَهُ، فَإذا قُلْتَ: غَضِبَ عَلى زَيْدٍ، فَلا يَجُوزُ: عَلى زَيْدٍ غَضِبَ، بِخِلافِ: غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ، فَيَجُوزُ: عَلى زَيْدٍ غَضِبْتُ، وقَدْ حَكى الِاتِّفاقَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي يُقامُ مَقامَ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ ذَكَرَ ذَلِكَ في المُقْنِعِ مِن تَأْلِيفِهِ، فَلَيْسَ ﴿عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ كالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ لِتَقَدُّمِ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وتَأْخِيرِهِ في ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ولِمَ نَظَرْتَ ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ أسْقَطَ إلى، وهو لا يَجُوزُ إلّا إنْ جاءَ في ضَرُورَةِ شِعْرٍ؛ لِأنَّ نَظَرَ يَتَعَدّى بِإلى فَكانَ التَّرْكِيبُ، ولِمَ نَظَرْتَ إلى ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ كَما قالَ: النَّظَرُ إلَيْهِ فَعَدّاهُ بِإلى.
وانْتَصَبَ (مَرَحًا) عَلى الحالِ أيْ: مَرِحًا، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا أيْ: راكِضًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا مَرَحٍ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ ولا تَمْشِ في الأرْضِ لِلْمَرَحِ ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ أنَّ المَرَحَ هو السُّرُورُ والِاغْتِباطُ بِالرّاحَةِ والفَرَحِ وكَأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الِاخْتِيالِ؛ لِأنَّ غَلَبَةَ السُّرُورِ والفَرَحِ يَصْحَبُها التَّكَبُّرُ والِاخْتِيالُ، ولِذَلِكَ عُلِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ .
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ فِيما حَكى يَعْقُوبُ: ”مَرِحًا“ بِكَسْرِ الرّاءِ وهو حالٌ، أيْ: لا تَمْشِ مُتَكَبِّرًا مُخْتالًا. قالَ مُجاهِدٌ: لَنْ تَخْرِقَ بِمَشْيِكَ عَلى عَقِبَيْكَ كِبْرًا وتَنَعُّمًا ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ﴾ بِالمَشْيِ عَلى صُدُورِ قَدَمَيْكَ تَفاخُرًا، و(طُولًا) والتَّأْوِيلُ: أنَّ قُدْرَتَكَ لا تَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ فَيَكُونُ ذَلِكَ وصْلَةً إلى الِاخْتِيالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿لا تَمْشِ في الأرْضِ﴾ مُخْتالًا فَخُورًا، ونَظِيرُهُ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] و﴿اقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِدَوْسِكَ لَها وشِدَّةِ وطْئِكَ ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ بِتَطاوُلِكَ، وهو تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ. وقَرَأ الجَرّاحُ الأعْرابِيُّ: ”﴿لَنْ تَخْرِقَ﴾“ بِضَمِّ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْرَفُ هَذِهِ اللُّغَةُ. وقِيلَ: أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الإنْسانَ مَحْصُورٌ بَيْنَ جَمادَيْنِ، ضَعِيفٌ عَنِ التَّأْثِيرِ فِيهِما بِالخَرْقِ وبُلُوغِ الطُّولِ ومَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ لا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ. وقالَ الشّاعِرُ:(p-٣٨)
؎ولا تَمْشِ فَوْقَ الأرْضِ إلّا تَواضُعًا ∗∗∗ فَكَمْ تَحْتَها قَوْمٌ هم مِنكَ أرْفَعُ، والأجْوَدُ انْتِصابُ قَوْلِهِ: ﴿طُولًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: لَنْ يَبْلُغَ طُولُكَ الجِبالَ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿طُولًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ في الحالِ (تَبْلُغَ) ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ العامِلُ تَخْرِقَ، و﴿طُولًا﴾ بِمَعْنى مُتَطاوِلٍ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿طُولًا﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا ومَفْعُولًا لَهُ ومَصْدَرًا مِن مَعْنى تَبْلُغَ. انْتَهى. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ ”سَيِّئَةً“ بِالنَّصْبِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ ومَسْرُوقٌ ﴿سَيِّئُهُ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مُضافًا لِهاءِ المُذَكَّرِ الغائِبِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”سَيِّئاتُهُ“ بِالجَمْعِ مُضافًا لِلْهاءِ، وعَنْهُ أيْضًا ”سَيِّئاتٌ“ بِغَيْرِها، وعَنْهُ أيْضًا ”كانَ خَبِيثُهُ“ . فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرَيِ النَّهْيَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما: قَفْوُ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، والمَشْيُ في الأرْضِ مَرَحًا. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى جَمِيعِ المَناهِي المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ، وسَيِّئَةٌ خَبَرُ كانَ وأُنِّثَ، ثُمَّ قالَ: مَكْرُوهًا فَذُكِّرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّيِّئَةُ في حُكْمِ الأسْماءِ بِمَنزِلَةِ الذَّنْبِ، والِاسْمُ زالَ عَنْهُ حُكْمُ الصِّفاتِ فَلا اعْتِبارَ بِتَأْنِيثِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ مَن قَرَأ سَيِّئَةً ومَن قَرَأ سَيِّئًا، ألا تَراكَ تَقُولُ: الزِّنا سَيِّئَةٌ كَما تَقُولُ السَّرِقَةُ سَيِّئَةٌ، فَلا تُفَرِّقُ بَيْنَ إسْنادِها إلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ. انْتَهى. وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ.
وقِيلَ: ذَكَرَ ﴿مَكْرُوهًا﴾ عَلى لَفْظِ (كُلُّ) وجَوَّزُوا في (مَكْرُوهًا) أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِكانَ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ لِكانَ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن سَيِّئَةٍ والبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ ضَعِيفٌ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ قَبْلَهُ، والظَّرْفُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِسَيِّئَةٍ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها مَجازِيًّا جازَ أنْ تُوصَفَ بِمُذَكَّرٍ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ جَوازَ ذَلِكَ إنَّما هو في الإسْنادِ إلى المُؤَنَّثِ المَجازِيِّ إذا تَقَدَّمَ، أمّا إذا تَأخَّرَ وأُسْنِدَ إلى ضَمِيرِها فَهو قَبِيحٌ، تَقُولُ: أبْقَلَ الأرْضُ إبْقالَها فَصِيحًا، والأرْضُ أبْقَلَ قَبِيحٌ، وأمّا مَن قَرَأ (سَيِّئُهُ) بِالتَّذْكِيرِ والإضافَةِ فَسَيِّئُهُ اسْمُ (كانَ) و(مَكْرُوهًا) الخَبَرُ، ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ الخِصالِ ما هو سَيِّئٌ وما هو حَسَنٌ أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى المَجْمُوعِ، وأُفْرِدَ سَيِّئَةٌ وهو المَنهِيُّ عَنْهُ، فالحُكْمُ عَلَيْهِ بِالكَراهَةِ مِن قَوْلِهِ: لا تَجْعَلْ إلى آخِرِ المَنهِيّاتِ. وأمّا قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ فَتَتَخَرَّجُ عَلى أنْ يَكُونَ مِمّا أُخْبِرَ فِيهِ عَنِ الجَمْعِ إخْبارَ الواحِدِ المُذَكَّرِ وهو قَلِيلٌ نَحْوُ قَوْلِهِ:
؎فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها
لِصَلاحِيَةِ الحِدْثانِ مَكانَ الحَوادِثِ، وكَذَلِكَ هَذا أيْضًا كانَ ما يَسُوءُ مَكانَ سَيِّئاتِهِ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أنْواعِ التَّكالِيفِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ وهي أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ نَوْعًا مِنَ التَّكالِيفِ بَعْضُها أمْرٌ وبَعْضُها نَهْيٌ بَدَأها بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ﴾ [الإسراء: ٢٢] . واخْتَتَمَ الآياتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ﴾ وقالَ: مِمّا أوْحى؛ لِأنَّ ذَلِكَ بَعْضٌ مِمّا أوْحى إلَيْهِ إذْ أوْحى إلَيْهِ بِتَكالِيفَ أُخَرَ، و﴿مِمّا أوْحى﴾ خَبَرٌ عَنْ ذَلِكَ، و﴿مِنَ الحِكْمَةِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأوْحى، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ما وكانَتْ هَذِهِ التَّكالِيفُ حِكْمَةً؛ لِأنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، وأنْواعِ الطّاعاتِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، والعُقُولُ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها، وهي شَرائِعُ في جَمِيعِ الأدْيانِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، أوَّلُها ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] قالَ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وكَرَّرَ تَعالى النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ، فَفي النَّهْيِ الأوَّلِ.
﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] وفي الثّانِي ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ والفَرْقُ بَيْنَ مَذْمُومٍ ومَلُومٍ: أنَّ كَوْنَهُ مَذْمُومًا أنْ يَذْكُرَ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ قَبِيحٌ مُنْكَرٌ، وكَوْنَهُ مَلُومًا أنْ يُقالَ لَهُ بَعْدَ الفِعْلِ وذَمِّهِ: لِمَ فَعَلْتَ كَذا ؟ وما حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ وما اسْتَفَدْتَ مِنهُ إلّا إلْحاقَ الضَّرَرِ بِنَفْسِكَ، فَأوَّلُ الأمْرِ الذَّمُّ وآخِرُهُ اللَّوْمُ، والفَرْقُ بَيْنَ مَخْذُولٍ ومَدْحُورٍ: أنَّ المَخْذُولَ هو المَتْرُوكُ إعانَتُهُ ونَصْرُهُ والمُفَوَّضُ إلى (p-٣٩)نَفْسِهِ، والمَدْحُورُ المَطْرُودُ المُبْعَدُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ والِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَأوَّلُ الأمْرِ الخِذْلانُ وآخِرُهُ الطَّرْدُ مُهانًا. وكانَ وصْفُ الذَّمِّ والخِذْلانِ يَكُونُ في الدُّنْيا، ووَصْفُ اللَّوْمِ والدُّحُورِ يَكُونُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ﴾ والخِطابُ بِالنَّهْيِ في هَذِهِ الآياتِ لِلسّامِعِ غَيْرِ الرَّسُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وعَلا - فاتِحَتَها وخاتِمَتَها النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ هو رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومِلاكُها، ومَن عَدِمَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ حِكَمُهُ وعُلُومُهُ وإنْ بَذَّ فِيها الحُكَماءَ وحَكَّ بِيافُوخِهِ السَّماءَ، وما أغْنَتْ عَنِ الفَلاسِفَةِ أسْفارُ الحِكَمِ وهم عَنْ دِينِ اللَّهِ أضَلُّ مِنَ النَّعَمِ.
﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .
لَمّا نَبَّهَ تَعالى عَلى فَسادِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا ونَظِيرًا أتْبَعَهُ بِفَسادِ طَرِيقَةِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ ولَدًا، والِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ والخِطابُ لِمَنِ اعْتَقَدَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ ومَعْنى ﴿أفَأصْفاكُمْ﴾ آثَرَكم وخَصَّكم، وهَذا كَما قالَ: ﴿ألَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] وهَذا خِلافُ الحِكْمَةِ وما عَلَيْهِ مَعْقُولُكم وعادَتُكم، فَإنَّ العَبِيدَ لا يُؤْثَرُونَ بِأجْوَدِ الأشْياءِ وأصْفاها مِنَ الشَّوْبِ ويَكُونُ أرْدَؤُها وأدْوَنُها لِلسّاداتِ. ومَعْنى (عَظِيمًا) مُبالَغًا في المُنْكَرِ والقُبْحِ حَيْثُ أضَفْتُمْ إلَيْهِ الأوْلادَ، ثُمَّ حَيْثُ فَضَّلْتُمْ عَلَيْهِ تَعالى أنْفُسَكم فَجَعَلْتُمْ لَهُ ما تَكْرَهُونَ، ثُمَّ نِسْبَةُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم مِن شَرِيفِ ما خَلَقَ إلى الأُنُوثَةِ. ومَعْنى ﴿صَرَّفْنا﴾ نَوَّعْنا مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ ومِن مِثالٍ إلى مِثالٍ، والتَّصْرِيفُ لُغَةً: صَرْفُ الشَّيْءِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ ثُمَّ صارَ كِنايَةً عَنِ التَّبْيِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿صَرَّفْنا﴾ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ. فَقالَ: لَمْ نَجْعَلْهُ نَوْعًا واحِدًا بَلْ وعْدًا ووَعِيدًا، ومُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، وأمْرًا ونَهْيًا، وناسِخًا ومَنسُوخًا، وأخْبارًا وأمْثالًا مِثْلَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ مِن صَبًا ودَبُورٍ وجَنُوبٍ وشَمالٍ، ومَفْعُولُ ﴿صَرَّفْنا﴾ عَلى هَذا المَعْنى مَحْذُوفٌ، وهي هَذِهِ الأشْياءُ أيْ: صَرَّفْنا الأمْثالَ والعِبَرَ والحِكَمَ والأحْكامَ والأعْلامَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نُنْزِلْهُ مَرَّةً واحِدَةً بَلْ نُجُومًا، ومَعْناهُ: أكْثَرْنا صَرْفَ جِبْرِيلَ إلَيْكَ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ صَرَّفْنا جِبْرِيلَ.
وقِيلَ: (في) زائِدَةٌ، أيْ صَرَّفْنا هَذا القُرْآنَ كَما قالَ: ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ”في“ لا تُزادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهَذا القُرْآنِ إبْطالَ إضافَتِهِمْ إلى اللَّهِ البَناتِ؛ لِأنَّهُ مِمّا صَرَّفَهُ وكَرَّرَ ذِكْرَهُ، والمَعْنى: ولَقَدْ (p-٤٠)صَرَّفْنا القَوْلَ في هَذا المَعْنى، وأوْقَعْنا التَّصْرِيفَ فِيهِ وجَعَلْناهُ مَكانًا لِلتَّكْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يُشِيرَ بِهَذا (القُرْآنِ) إلى التَّنْزِيلِ، ويُرِيدُ ولَقَدْ صَرَّفْناهُ يَعْنِي هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، فَتَرَكَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ. انْتَهى. فَجَعَلَ التَّصْرِيفَ خاصًّا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَبْلَهُ وجَعَلَ مَفْعُولَ ﴿صَرَّفْنا﴾ إمّا القَوْلُ في هَذا المَعْنى أوِ المَعْنى وهو الضَّمِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ في صَرَّفْناهُ، وغَيْرُهُ جَعَلَ التَّصْرِيفَ عامًّا في أشْياءَ فَقَدَّرَ ما يَشْمَلُ ما سِيقَ لَهُ ما قَبْلَهُ وغَيْرَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ بِتَخْفِيفِ الرّاءِ. فَقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو بِمَعْنى العامَّةِ، يَعْنِي بِالعامَّةِ: قِراءَةَ الجُمْهُورِ، قالَ: لِأنَّ فَعَلَ وفَعَّلَ رُبَّما تَعاقَبا عَلى مَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى مَعْنى صَرَفْنا فِيهِ النّاسَ إلى الهُدى بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أيْ: لِيَتَذَكَّرُوا مِنَ التَّذْكِيرِ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، وقَرَأ الأخَوانِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ”لِيَذْكُرُوا“ بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ مِنَ الذِّكْرِ أوِ الذُّكْرِ، أيْ: لِيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا ويَنْظُرُوا فِيما يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ ويَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ ﴿وما يَزِيدُهُمْ﴾ أيِ: التَّصْرِيفُ ﴿إلّا نُفُورًا﴾ أيْ: بُعْدًا وفِرارًا عَنِ الحَقِّ كَما قالَ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقالَ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] والنُّفُورُ مِن أوْصافِ الدَّوابِّ الشَّدِيدَةِ الشِّماسِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِسْبَةَ الوَلَدِ إلَيْهِمْ ورَدَّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ ذَكَرَ قَوْلَهم أنَّهُ تَعالى مَعَهُ آلِهَةٌ ورَدَّ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ﴿كَما يَقُولُونَ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتَ، والجُمْهُورُ بِالتّاءِ. ومَعْنى ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ إلى مُغالَبَتِهِ وإفْسادِ مُلْكِهِ؛ لِأنَّهم شُرَكاؤُهُ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، وقالَ هَذا المَعْنى أوْ مِثْلَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والنَّقّاشُ والمُتَكَلِّمُونَ أبُو مَنصُورٍ وغَيْرُهُ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلتَّمانُعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ويَأْتِي تَفْسِيرُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وقالَ قَتادَةُ ما مَعْناهُ: لابْتَغَوْا إلى التَّقَرُّبِ إلى ذِي العَرْشِ والزُّلْفى لَدَيْهِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الأصْنامَ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، فَإذا عَلِمُوا أنَّها تَحْتاجُ إلى اللَّهِ فَقَدْ بَطَلَ كَوْنُها آلِهَةً، ويَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، والكافُ مِن (كَما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ (مَعَ) وهو الِاسْتِقْرارُ، و(مَعَهُ) خَبَرُ كانَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: كَوْنًا لِقَوْلِكم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(إذًا) دالَّةٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَها وهو (لابْتَغَوْا) جَوابٌ عَنْ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ وجَزاءٌ لِـ لَوْ. انْتَهى. وعُطِفَ (وتَعالى) عَلى قَوْلِهِ: (سُبْحانَهُ) لِأنَّهُ اسْمٌ قامَ مَقامَ المَصْدَرِ الَّذِي هو في مَعْنى الفِعْلِ، أيْ: بَراءَةُ اللَّهِ وقُدِّرَ تَنَزَّهَ، وتَعالى يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى سَبِيلِ الإعْمالِ إذْ يَصِحُّ لِسُبْحانَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ (عَنْ) كَما في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] والتَّعالِي في حَقِّهِ تَعالى هو بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ. وقَرَأ الأخَوانِ: ”عَمّا تَقُولُونَ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وانْتَصَبَ (عُلُوًّا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ أيْ: تَعالِيًا، ووُصِفَ تَكْبِيرًا مُبالَغَةً في مَعْنى البَراءَةِ والبُعْدِ عَمّا وصَفُوهُ بِهِ؛ لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الواجِبِ لِذاتِهِ والمُمْكِنِ لِذاتِهِ، وبَيْنَ القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وبَيْنَ الغَنِيِّ والمُحْتاجِ مُنافاةٌ لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ، ونِسْبَةُ التَّسْبِيحِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ مِن مَلَكٍ وإنْسٍ وجِنٍّ حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى النُّطْقِ بِالتَّسْبِيحِ حَقِيقَةً، وأنَّ ما لا حَياةَ فِيهِ ولا نُمُوَّ يُحْدِثُ اللَّهُ لَهُ نُطْقًا وهَذا هو ظاهِرُ اللَّفْظِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ . وقالَ بَعْضُهم: ما كانَ مِن نامٍ حَيَوانٍ وغَيْرِهِ يُسَبِّحُ حَقِيقَةً، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ قالَ: الشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنِ الخِوانِ: أيُسَبِّحُ ؟ فَقالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً يُشِيرُ إلى أنَّهُ حِينَ كانَ شَجَرَةً كانَ يُسَبِّحُ، وحِينَ صارَ خُوانًا مَدْهُونًا صارَ جَمادًا لا يُسَبِّحُ. وقِيلَ: التَّسْبِيحُ المَنسُوبُ لِما لا يَعْقِلُ مَجازٌ، ومَعْناهُ: أنَّها تُسَبِّحُ بِلِسانِ الحالِ حَيْثُ يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ وعَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِهِ، فَكَأنَّها تَنْطِقُ بِذَلِكَ وكَأنَّها تُنَزِّهُ اللَّهَ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ وغَيْرِها. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (p-٤١)خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ، وهم وإنْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالخالِقِ أنَّهُ اللَّهُ، لَكِنَّهم لَمّا جَعَلُوا مَعَهُ آلِهَةً لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُقِرُّوا؛ لِأنَّ نَتِيجَةَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ والإقْرارِ الثّابِتِ خِلافُ ما كانُوا عَلَيْهِ، فَإذا لَمْ يَفْقَهُوا التَّسْبِيحَ ولَمْ يَسْتَوْضِحُوا الدَّلالَةَ عَلى الخالِقِ فَيَكُونُ التَّسْبِيحُ المُسْنَدُ إلى السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ عَلى سَبِيلِ المَجازِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الجَمِيعِ، وإنْ كانَ يَصْدُرُ التَّسْبِيحُ حَقِيقَةً مِمَّنْ فِيهِنَّ مِن مَلَكٍ وإنْسٍ وجانٍّ، ولا يُحْمَلُ نِسْبَتُهُ إلى السَّماواتِ والأرْضِ عَلى المَجازِ، ونِسْبَتُهُ إلى المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِئَلّا يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ المَجازِ والحَقِيقَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ثُمَّ أعادَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لَمّا أسْنَدَ إلَيْها فِعْلَ العاقِلِ وهو التَّسْبِيحُ. انْتَهى. ويُعْنى بِالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ وكَأنَّهُ تُخُيِّلَ أنَّ (هُنَّ) لا يَكُونُ إلّا لِمَن يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ، ولَيْسَ كَما تُخُيِّلَ بَلْ (هُنَّ) يَكُونُ ضَمِيرَ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ مُطْلَقًا. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: تُسَبِّحُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”سَبَّحَتْ“ لَهُ السَّماواتُ بِلَفْظِ الماضِي وتاءِ التَّأْنِيثِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ.
﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾ حَيْثُ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى سُوءِ نَظَرِكم ﴿غَفُورًا﴾ إنْ رَجَعْتُمْ ووَحَّدْتُمُ اللَّهَ تَعالى.
الإسراء 17:44
﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
(p-٣٣)لَمّا نَهى تَعالى عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ نَهى عَنِ التَّسَبُّبِ في إيجادِهِ مِنَ الطَّرِيقِ غَيْرِ المَشْرُوعَةِ، فَنَهى عَنْ قُرْبانِ الزِّنا واسْتَلْزَمَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنِ الزِّنا، والزِّنا الأكْثَرُ فِيهِ القَصْرُ ويُمَدُّ لُغَةً لا ضَرُورَةً، هَكَذا نَقَلَ اللُّغَوِيُّونَ. ومِنَ المَدِّ قَوْلُ الشّاعِرِ - وهو الفَرَزْدَقُ:
؎أبا حاضِرٍ مَن يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ومَن يَشْرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرا
ويُرْوى: أبا خالِدٍ. وقالَ آخَرُ:
؎كانَتْ فَرِيضَةَ ما تَقُولُ كَما ∗∗∗ كانَ الزِّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
وكانَ المَعْنى لَمْ يَزَلْ أيْ: لَمْ يَزَلْ فاحِشَةً أيْ: مَعْصِيَةً فاحِشَةً أيْ: قَبِيحَةً زائِدَةً في القُبْحِ ﴿وساءَ سَبِيلًا﴾ أيْ: وبِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ؛ لِأنَّها سَبِيلٌ تُؤَدِّي إلى النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(سَبِيلًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، التَّقْدِيرُ: وساءَ سَبِيلُهُ. انْتَهى. وإذا كانَ (سَبِيلًا) نَصْبًا عَلى التَّمْيِيزِ فَإنَّما هو تَمْيِيزٌ لِلْمُضْمَرِ المُسَّتكِنِّ في (ساءَ) وهو مِنَ المُضْمَرِ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَكُونُ تَقْدِيرُهُ: وساءَ سَبِيلُهُ سَبِيلًا؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ لا يَكُونُ فاعِلُهُ ضَمِيرًا يُرادُ بِهِ الجِنْسُ مُفَسَّرًا بِالتَّمْيِيزِ، ويَبْقى التَّقْدِيرُ أيْضًا عارِيًا عَنِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ في أواخِرِ الأنْعامِ. قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في شَأْنِ القَتْلِ. انْتَهى.
ولَمّا نَهى عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ وعَنْ إيجادِهِمْ مِنَ الطَّرِيقِ غَيْرِ المَشْرُوعَةِ نَهى عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ فانْتَقَلَ مِنَ الخاصِّ إلى العامِّ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مَنهِيّاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مُنْدَرِجَةً تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] كانْدِراجِ (أنْ لا تَعْبُدُوا) وانْتَصَبَ ﴿مَظْلُومًا﴾ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (قُتِلَ) والمَعْنى: أنَّهُ قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾ وهو الطّالِبُ بِدَمِهِ شَرْعًا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ انْدِراجُ مَن يَرِثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ في الوَلِيِّ عَلى قَدْرِ مَوارِيثِهِمْ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ عِنْدَهم هو الوارِثُ هُنا. وقالَ مالِكٌ: لَيْسَ لِلنِّساءِ شَيْءٌ مِنَ القِصاصِ، وإنَّما القِصاصُ لِلرِّجالِ. وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ وقَتادَةَ والحَكَمِ: لَيْسَ إلى النِّساءِ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ والدَّمِ، ولِلسُّلْطانِ التَّسَلُّطُ عَلى القاتِلِ في الِاقْتِصاصِ مِنهُ أوْ حُجَّةٌ يُثْبِتُ بِها عَلَيْهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والمَلِكُ الَّذِي جَعَلَ إلَيْهِ مِنَ التَّخْيِيرِ في قَبُولِ الدَّمِ أوِ العَفْوِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ، وقالَ قَتادَةُ: السُّلْطانُ: القَوَدُ، وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ: السُّلْطانُ: القُوَّةُ والوِلايَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَيِّنَةُ في طَلَبِ القَوَدِ، وقالَ الحَسَنُ: القَوَدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحُجَّةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوالِي أيْ: والِيًا يُنْصِفُهُ في حَقِّهِ، والظّاهِرُ: عَوْدُ الضَّمِيرِ في (فَلا يُسْرِفْ) عَلى الوَلِيِّ، والإسْرافُ المَنهِيُّ عَنْهُ: أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ القاتِلِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، أوْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ بِواحِدٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوْ أشْرَفَ مِنَ الَّذِي قُتِلَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوْ يُمَثِّلَ، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ يَتَوَلّى القاتِلُ دُونَ السُّلْطانِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: السَّلْطَنَةُ مُجْمَلَةٌ يُفَسِّرُها ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] الآيَةَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القِصاصِ والدِّيَةِ، وقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ الفَتْحِ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَأهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ» . فَمَعْنى ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ لا يُقْدِمْ عَلى اسْتِيفاءِ القَتْلِ، ويَكْتَفِي بِأخْذِ الدِّيَةِ أوْ يَمِيلُ إلى العَفْوِ، ولَفْظَةُ في مَحْمُولَةٌ عَلى الباءِ، أيْ: فَلا يَصِيرُ مُسْرِفًا بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ، ويَكُونُ مَعْناهُ التَّرْغِيبَ في العَفْوِ كَما قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] . انْتَهى مُلَخَّصًا. ولَوْ سُلِّمَ أنَّ (في) بِمَعْنى الباءِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحَ المَعْنى؛ لِأنَّ مَن قَتَلَ بِحَقٍّ قاتِلَ مُوَلِّيهِ لا يَصِيرُ مُسْرِفًا بِقَتْلِهِ، وإنَّما الظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - النَّهْيُ عَمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مِن قَتْلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، وقَتْلِ غَيْرِ القاتِلِ والمُثْلَةِ ومُكافَأةِ الَّذِي يَقْتُلُ مَن قَتَلَهُ. وقالَ مُهَلْهَلٌ حِينَ قَتَلَ بُجَيْرَ بْنَ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ.
وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ لَيْسَ عائِدًا عَلى (p-٣٤)الوَلِيِّ، وإنَّما يَعُودُ عَلى العامِلِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿ومَن قُتِلَ﴾ أيْ لا يُسْرِفْ في القَتْلِ تَعَدِّيًا وظُلْمًا فَيَقْتُلُ مَن لَيْسَ لَهُ قَتْلُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ الأخَوانِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحُذَيْفَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ومُجاهِدٌ بِخِلافٍ وجَماعَةٍ، وفي نُسْخَةٍ مِن تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ وابْنِ عامِرٍ وهو وهْمٌ بِتاءِ الخِطابِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى خِطابِ الوَلِيِّ فالضَّمِيرُ لَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ والأئِمَّةِ مِن بَعْدِهِ أيْ: فَلا تَقْتُلُوا غَيْرَ القاتِلِ. انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ السَّرّاجُ صاحِبُ الدَّعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَرَأ أبُو مُسْلِمٍ صاحِبُ الدَّوْلَةِ. وقالَ صاحِبُ كِتابِ اللَّوامِحِ أوْ مُسْلِمٌ العِجْلِيُّ مَوْلى صاحِبِ الدَّوْلَةِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ بِضَمِّ الفاءِ عَلى الخَبَرِ، ومَعْناهُ النَّهْيُ، وقَدْ يَأْتِي الأمْرُ والنَّهْيُ بِلَفْظِ الخَبَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في الِاحْتِجاجِ بِأبِي مُسْلِمٍ: في القِراءَةِ نَظَرٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ”فَلا تُسْرِفُوا في القَتْلِ“ إنَّ ولِيَّ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا. انْتَهى. رَدَّهُ عَلى ولا تَقْتُلُوا، والأوْلى حَمْلُ قَوْلِهِ إنَّ ولِيَّ المَقْتُولِ عَلى التَّفْسِيرِ لا عَلى القِراءَةِ لِمُخالَفَتِهِ السَّوادَ، ولِأنَّ المُسْتَفِيضَ عَنْهُ ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ، والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ لِتَناسُقِ الضَّمائِرِ، ونَصْرُهُ إيّاهُ بِأنْ أوْجَبَ لَهُ القِصاصَ، فَلا يُسْتَزادُ عَلى ذَلِكَ، أوْ نَصْرُهُ بِمَعُونَةِ السُّلْطانِ وبِإظْهارِ المُؤْمِنِينَ عَلى اسْتِيفاءِ الحَقِّ، وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى المَقْتُولِ نَصَرَهُ اللَّهُ حَيْثُ أوْجَبَ القِصاصَ بِقَتْلِهِ في الدُّنْيا، ونَصَرَهُ بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو أرْجَحُ؛ لِأنَّهُ المَظْلُومُ، ولَفْظَةُ النَّصْرِ تُقارِنُ الظُّلْمَ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ: «ونَصْرِ المَظْلُومِ وإبْرارِ القَسَمِ» وكَقَوْلِهِ: «انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا» إلى كَثِيرٍ مِنَ الأمْثِلَةِ. وقِيلَ: عَلى القَتْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: عَلى القاتِلِ؛ لِأنَّهُ إذا قُتِلَ في الدُّنْيا وخَلَصَ بِذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَقَدْ نُصِرَ، وهَذا ضَعِيفٌ بَعِيدُ القَصْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما يَعْنِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُهُ الوَلِيِّ بِغَيْرِ حَقٍّ ويُسْرِفُ في قَتْلِهِ، فَإنَّهُ مَنصُورٌ بِإيجابِ القِصاصِ عَلى المُسْرِفِ. انْتَهى. وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا.
﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ لَمّا نَهى عَنْ إتْلافِ النُّفُوسِ نَهى عَنْ أخْذِ الأمْوالِ، كَما قالَ: «فَإنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم حَرامٌ عَلَيْكم» . ولَمّا كانَ اليَتِيمُ ضَعِيفًا عَنْ أنْ يَدْفَعَ عَنْ مالِهِ لِصِغَرِهِ نَصَّ عَلى النَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ مالِهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ الأنْعامِ.
﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ عامٌّ فِيما عَقَدَهُ الإنْسانُ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمِيٍّ في طاعَةٍ ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ ظاهِرُهُ أنَّ العَهْدَ هو المَسْئُولُ مِنَ المُعاهِدِ أنْ يَفِيَ بِهِ ولا يَنْكُثَ ولا يُضَيِّعَهُ، أوْ يَكُونُ مِن بابِ التَّخْيِيلِ، كَأنَّهُ يُقالُ: لِلْعَهْدِ لِمَ نُكِثْتَ، فَمُثِّلَ كَأنَّهُ ذاتٌ مِنَ الذَّواتِ تُسْألُ لِمَ نُكِثَتْ دَلالَةً عَلى المُطاوَعَةِ بِنَكْثِهِ وإلْزامِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى نَكْثِهِ، كَما جاءَ ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] فِيمَن قَرَأ بِسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ التّاءِ الَّتِي لِلْخِطابِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: إنَّ ذا العَهْدِ كانَ مَسْئُولًا عَنْهُ إنْ لَمْ يَفِ بِهِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِإيفاءِ الكَيْلِ وبِالوَزْنِ المُسْتَقِيمِ، وذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى المُعامَلَةِ بِالأمْوالِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكَيْلَ هو عَلى البائِعِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي. وقالَ الحَسَنُ: (القِسْطاسُ) القَبّانُ وهو الفِلَسْطُونُ، ويُقالُ: القَرَسْطُونُ. وقالَ مُجاهِدٌ: (القِسْطاسُ) العَدْلُ لا أنَّهُ آلَةٌ. وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ بِكَسْرِ القافِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها وهُما لُغَتانِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإبْدالِ مِنَ السِّينِ الأُولى صادًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللَّفْظِيَّةُ لِلْمُبالَغَةِ مِنَ القِسْطِ. انْتَهى. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القِسْطِ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ؛ لِأنَّ القِسْطَ مادَّتُهُ (ق س ط)، وذَلِكَ مادَّتُهُ (ق س ط س) إلّا أنِ اعْتُقِدَ زِيادَةُ السِّينِ آخِرًا كَسِينِ قُدْمُوسَ وضُغْبُوسَ وعُرْفاسَ، فَيُمْكِنُ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ السِّينِ المَقِيسَةِ، والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا كِلْتُمْ﴾ أيْ: وقْتَ كَيْلِكم عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، وأنْ لا يَتَأخَّرَ الإيفاءُ بِأنْ (p-٣٥)يَكِيلَ بِهِ بِنُقْصانٍ ما ثُمَّ يُوَفِّيهِ بَعْدُ فَلا يَتَأخَّرُ الإيفاءُ عَنْ وقْتِ الكَيْلِ.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أيِ: الإيفاءُ والوَزْنُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَطْيِيبَ النُّفُوسِ بِالِاتِّسامِ بِالعَدْلِ والإيصالِ لِلْحَقِّ ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أيْ: عاقِبَةً، إذْ لا يَبْقى عَلى المُوفِي والوازِنِ تَبِعَةٌ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وهو مِنَ المَآلِ وهو المَرْجِعُ كَما قالَ: خَيْرٌ مَرَدًّا، خَيْرٌ عُقْبًا، خَيْرٌ أمَلًا وإنَّما كانَتْ عاقِبَتُهُ أحْسُنُ؛ لِأنَّهُ اشْتُهِرَ بِالِاحْتِرازِ عَنِ التَّطْفِيفِ، فَعُوِّلَ عَلَيْهِ في المُعامَلاتِ ومالَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ.
﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ .
(p-٣٦)لَمّا أمَرَ تَعالى بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الإيفاءِ بِالعَهْدِ، والإيفاءِ بِالكَيْلِ، والوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِثَلاثَةِ مَناهٍ: (ولا تَقْفُ) (ولا تَمْشِ) (ولا تَجْعَلْ) . ومَعْنى (ولا تَقْفُ) لا تَتَّبِعْ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، نَهى أنْ نَقُولَ ما لا نَعْلَمُ وأنْ نَعْمَلَ بِما لا نَعْلَمُ، ويَدْخُلُ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ اتِّباعٌ بِما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لا تَرْمِ أحَدًا بِما لا تَعْلَمُ. وقالَ قَتادَةُ: لا تَقُلْ: رَأيْتُ ولَمْ تَرَهْ، وسَمِعْتُ ولَمْ تَسْمَعْهُ، وعَلِمْتُ ولَمْ تَعْلَمْهُ. وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا تَقُلْ: لَكِنَّها كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ في القَذْفِ والعَضْهِ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ: «مَن قَفا مُؤْمِنًا بِما لَيْسَ فِيهِ حَبَسَهُ اللَّهُ في رَدْغَةِ الخَبالِ حَتّى يَأْتِيَ بِالمَخْرَجِ» . وقالَ في الحَدِيثِ أيْضًا: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنُ كِنانَةَ لا تَقْفُو مِنّا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» . ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ:
؎ومِثْلُ الدُّمى شُمُّ العِرانِينَ ساكِنٌ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَيا لا يَتَّبِعْنَ التَّقافِيا
وقالَ الكُمَيْتُ:
؎فَلا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ∗∗∗ ولا أقْفُو الحَواضِنَ إنْ قُفِينا
وحاصِلُ هَذا أنَّهُ نَهى عَنِ اتِّباعِ ما لا يَكُونُ مَعْلُومًا، وهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ تَنْدَرِجُ تَحْتَها أنْواعٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مُبْطِلُ الِاجْتِهادِ ولَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ، وقَدْ أقامَ الشَّرْعُ غالِبَ الظَّنِّ مَقامَ العِلْمِ وأمَرَ بِالعَمَلِ بِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَقْفُ﴾ بِحَذْفِ الواوِ لِلْجَزْمِ مُضارِعُ قَفا. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”ولا تَقْفُو“ بِإثْباتِ الواوِ. كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎هَجَوْتَ زَبّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ∗∗∗ مِن هَجْوِ زَبّانَ لَمْ تَهْجُو ولَمْ تَدَعِ
وإثْباتُ الواوِ والياءِ والألِفِ مَعَ الجازِمِ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ وضَرُورَةٌ لِغَيْرِهِمْ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ: ﴿ولا تَقْفُ﴾ مِثْلَ تَقُلْ، مِن قافَ يَقُوفُ، تَقُولُ العَرَبُ: قُفْتُ أثَرَهُ وقَفَوْتُ أثَرَهُ، وهُما لُغَتانِ لِوُجُودِ التَّصارِيفِ فِيهِما كَجَبَذَ وجَذَبَ، وقاعَ الجَمَلُ النّاقَةَ وقَعاها إذا رَكِبَها، ولَيْسَ قافَ مَقْلُوبًا مِن قَفا كَما جَوَّزَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. وقَرَأ الجَرّاحُ العُقَيْلِيُّ: ﴿والفُؤادَ﴾ بِفَتْحِ الفاءِ والواوِ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ واوًا بَعْدَ الضَّمَّةِ في الفُؤادِ ثُمَّ اسْتُصْحِبَ القَلْبُ مَعَ الفَتْحِ وهي لُغَةٌ في ﴿الفُؤادُ﴾ [النجم: ١١] وأنْكَرَها أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ وبِهِ لا تَتَعَلَّقُ بِعَلَمٍ؛ لِأنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ. قالَ الحَوْفِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكَ) وهو الِاسْتِقْرارُ وهو لا يَظْهَرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العُلُومَ مُسْتَفادَةٌ مِنَ الحَواسِّ ومِنَ العُقُولِ، وجاءَ هَذا عَلى التَّرْتِيبِ القُرْآنِيِّ في البَداءَةِ بِالسَّمْعِ، ثُمَّ يَلِيهِ البَصَرُ، ثُمَّ يَلِيهِ الفُؤادُ. و(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ وهو اسْمُ إشارَةٍ لِلْجَمْعِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ العاقِلِ وغَيْرِهِ. وتَخَيَّلَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ يَخْتَصُّ بِالعاقِلِ، فَقالَ: وعَبَّرَ عَنِ ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ بِأُولَئِكَ؛ لِأنَّها حَواسٌّ لَها إدْراكٌ، وجَعَلَها في هَذِهِ الآيَةِ مَسْئُولَةً فَهي حالَةُ مَن يَعْقِلُ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِأُولَئِكَ. وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] إنَّما قالَ: رَأيْتُهم في نُجُومٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما وصَفَها بِالسُّجُودِ وهو مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ عَبَّرَ عَنْها بِكِنايَةِ مَن يَعْقِلُ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَمَّنْ يَعْقِلُ وعَمّا لا يَعْقِلُ بِأُولَئِكَ، وأنْشَدَ هو والطَّبَرِيُّ:
؎ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ
(p-٣٧)وأمّا حِكايَةُ أبِي إسْحاقَ عَنِ اللُّغَةِ فَأمْرٌ يُوقَفُ عِنْدَهُ، وأمّا البَيْتُ فالرِّوايَةُ فِيهِ: الأقْوامُ. انْتَهى. ولَيْسَ ما تَخَيَّلَهُ صَحِيحًا، والنُّحاةُ يُنْشِدُونَهُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ ولَمْ يَكُونُوا لِيُنْشِدُوا إلّا ما رُوِيَ، وإطْلاقُ أُولاءِ وأُولاكَ وأُولَئِكَ وأُولالِكَ عَلى ما لا يَعْقِلُ لا نَعْلَمُ خِلافًا فِيهِ، و(كُلُّ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، واسْمُ (كانَ) عائِدٌ عَلى (كُلُّ) وكَذا الضَّمِيرُ في ﴿مَسْئُولًا﴾ . والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى ما مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾ يُسْألُ عَمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ أيْ: عَنِ انْتِفاءِ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وهَذا الظّاهِرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُسْتَشْهَدُ بِها كَما قالَ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] . وقالَ القُرْطُبِيُّ في أحْكامِهِ: يُسْألُ الفُؤادُ عَمّا اعْتَقَدَهُ، والسَّمْعُ عَمّا سَمِعَ، والبَصَرُ عَمّا رَأى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْألُ سَمْعَ الإنْسانِ وبَصَرَهُ وفُؤادَهُ عَمّا قالَ مِمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَقَعُ تَكْذِيبُهُ مِن جَوارِحِهِ وتِلْكَ غايَةُ الخِزْيِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (كانَ) و﴿مَسْئُولًا﴾ عائِدانِ عَلى القائِفِ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، والضَّمِيرُ في (عَنْهُ) عائِدٌ عَلى (كُلُّ) فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ إذْ لَوْ كانَ عَلى الخِطابِ لَكانَ التَّرْكِيبُ كُلُّ أُولَئِكَ كُنْتَ عَنْهُ مَسْئُولًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(عَنْهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالفاعِلِيَّةِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنها كانَ مَسْئُولًا عَنْهُ، فَمَسْئُولٌ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كالمَغْضُوبِ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] يُقالُ لِلْإنْسانِ: لِمَ سَمِعْتَ ما لا يَحِلُّ لَكَ سَماعُهُ ؟ ولِمَ نَظَرْتَ ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ النَّظَرُ إلَيْهِ ؟ ولِمَ عَزَمْتَ عَلى ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ العَزْمُ عَلَيْهِ ؟ . انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ (عَنْهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالفاعِلِيَّةِ، ويَعْنِي بِهِ أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ وما يُقامُ مَقامَ الفاعِلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ ومَصْدَرٍ وظَرْفٍ بِشُرُوطِهِما جارٍ مَجْرى الفاعِلِ، فَكَما أنَّ الفاعِلَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، فَكَذَلِكَ ما جَرى مَجْراهُ وأُقِيمُ مَقامَهُ، فَإذا قُلْتَ: غَضِبَ عَلى زَيْدٍ، فَلا يَجُوزُ: عَلى زَيْدٍ غَضِبَ، بِخِلافِ: غَضِبْتُ عَلى زَيْدٍ، فَيَجُوزُ: عَلى زَيْدٍ غَضِبْتُ، وقَدْ حَكى الِاتِّفاقَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي يُقامُ مَقامَ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ ذَكَرَ ذَلِكَ في المُقْنِعِ مِن تَأْلِيفِهِ، فَلَيْسَ ﴿عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ كالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ لِتَقَدُّمِ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وتَأْخِيرِهِ في ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ولِمَ نَظَرْتَ ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ أسْقَطَ إلى، وهو لا يَجُوزُ إلّا إنْ جاءَ في ضَرُورَةِ شِعْرٍ؛ لِأنَّ نَظَرَ يَتَعَدّى بِإلى فَكانَ التَّرْكِيبُ، ولِمَ نَظَرْتَ إلى ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ كَما قالَ: النَّظَرُ إلَيْهِ فَعَدّاهُ بِإلى.
وانْتَصَبَ (مَرَحًا) عَلى الحالِ أيْ: مَرِحًا، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا أيْ: راكِضًا، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ذا مَرَحٍ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ ولا تَمْشِ في الأرْضِ لِلْمَرَحِ ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ أنَّ المَرَحَ هو السُّرُورُ والِاغْتِباطُ بِالرّاحَةِ والفَرَحِ وكَأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الِاخْتِيالِ؛ لِأنَّ غَلَبَةَ السُّرُورِ والفَرَحِ يَصْحَبُها التَّكَبُّرُ والِاخْتِيالُ، ولِذَلِكَ عُلِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ .
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ فِيما حَكى يَعْقُوبُ: ”مَرِحًا“ بِكَسْرِ الرّاءِ وهو حالٌ، أيْ: لا تَمْشِ مُتَكَبِّرًا مُخْتالًا. قالَ مُجاهِدٌ: لَنْ تَخْرِقَ بِمَشْيِكَ عَلى عَقِبَيْكَ كِبْرًا وتَنَعُّمًا ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ﴾ بِالمَشْيِ عَلى صُدُورِ قَدَمَيْكَ تَفاخُرًا، و(طُولًا) والتَّأْوِيلُ: أنَّ قُدْرَتَكَ لا تَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ فَيَكُونُ ذَلِكَ وصْلَةً إلى الِاخْتِيالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿لا تَمْشِ في الأرْضِ﴾ مُخْتالًا فَخُورًا، ونَظِيرُهُ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] و﴿اقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِدَوْسِكَ لَها وشِدَّةِ وطْئِكَ ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ بِتَطاوُلِكَ، وهو تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ. وقَرَأ الجَرّاحُ الأعْرابِيُّ: ”﴿لَنْ تَخْرِقَ﴾“ بِضَمِّ الرّاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْرَفُ هَذِهِ اللُّغَةُ. وقِيلَ: أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الإنْسانَ مَحْصُورٌ بَيْنَ جَمادَيْنِ، ضَعِيفٌ عَنِ التَّأْثِيرِ فِيهِما بِالخَرْقِ وبُلُوغِ الطُّولِ ومَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ لا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ. وقالَ الشّاعِرُ:(p-٣٨)
؎ولا تَمْشِ فَوْقَ الأرْضِ إلّا تَواضُعًا ∗∗∗ فَكَمْ تَحْتَها قَوْمٌ هم مِنكَ أرْفَعُ، والأجْوَدُ انْتِصابُ قَوْلِهِ: ﴿طُولًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: لَنْ يَبْلُغَ طُولُكَ الجِبالَ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿طُولًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ في الحالِ (تَبْلُغَ) ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ العامِلُ تَخْرِقَ، و﴿طُولًا﴾ بِمَعْنى مُتَطاوِلٍ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿طُولًا﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا ومَفْعُولًا لَهُ ومَصْدَرًا مِن مَعْنى تَبْلُغَ. انْتَهى. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ ”سَيِّئَةً“ بِالنَّصْبِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ ومَسْرُوقٌ ﴿سَيِّئُهُ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مُضافًا لِهاءِ المُذَكَّرِ الغائِبِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”سَيِّئاتُهُ“ بِالجَمْعِ مُضافًا لِلْهاءِ، وعَنْهُ أيْضًا ”سَيِّئاتٌ“ بِغَيْرِها، وعَنْهُ أيْضًا ”كانَ خَبِيثُهُ“ . فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرَيِ النَّهْيَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما: قَفْوُ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، والمَشْيُ في الأرْضِ مَرَحًا. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى جَمِيعِ المَناهِي المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ، وسَيِّئَةٌ خَبَرُ كانَ وأُنِّثَ، ثُمَّ قالَ: مَكْرُوهًا فَذُكِّرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّيِّئَةُ في حُكْمِ الأسْماءِ بِمَنزِلَةِ الذَّنْبِ، والِاسْمُ زالَ عَنْهُ حُكْمُ الصِّفاتِ فَلا اعْتِبارَ بِتَأْنِيثِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ مَن قَرَأ سَيِّئَةً ومَن قَرَأ سَيِّئًا، ألا تَراكَ تَقُولُ: الزِّنا سَيِّئَةٌ كَما تَقُولُ السَّرِقَةُ سَيِّئَةٌ، فَلا تُفَرِّقُ بَيْنَ إسْنادِها إلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ. انْتَهى. وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ.
وقِيلَ: ذَكَرَ ﴿مَكْرُوهًا﴾ عَلى لَفْظِ (كُلُّ) وجَوَّزُوا في (مَكْرُوهًا) أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِكانَ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ لِكانَ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن سَيِّئَةٍ والبَدَلُ بِالمُشْتَقِّ ضَعِيفٌ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ قَبْلَهُ، والظَّرْفُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِسَيِّئَةٍ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها مَجازِيًّا جازَ أنْ تُوصَفَ بِمُذَكَّرٍ، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّ جَوازَ ذَلِكَ إنَّما هو في الإسْنادِ إلى المُؤَنَّثِ المَجازِيِّ إذا تَقَدَّمَ، أمّا إذا تَأخَّرَ وأُسْنِدَ إلى ضَمِيرِها فَهو قَبِيحٌ، تَقُولُ: أبْقَلَ الأرْضُ إبْقالَها فَصِيحًا، والأرْضُ أبْقَلَ قَبِيحٌ، وأمّا مَن قَرَأ (سَيِّئُهُ) بِالتَّذْكِيرِ والإضافَةِ فَسَيِّئُهُ اسْمُ (كانَ) و(مَكْرُوهًا) الخَبَرُ، ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ الخِصالِ ما هو سَيِّئٌ وما هو حَسَنٌ أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى المَجْمُوعِ، وأُفْرِدَ سَيِّئَةٌ وهو المَنهِيُّ عَنْهُ، فالحُكْمُ عَلَيْهِ بِالكَراهَةِ مِن قَوْلِهِ: لا تَجْعَلْ إلى آخِرِ المَنهِيّاتِ. وأمّا قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ فَتَتَخَرَّجُ عَلى أنْ يَكُونَ مِمّا أُخْبِرَ فِيهِ عَنِ الجَمْعِ إخْبارَ الواحِدِ المُذَكَّرِ وهو قَلِيلٌ نَحْوُ قَوْلِهِ:
؎فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها
لِصَلاحِيَةِ الحِدْثانِ مَكانَ الحَوادِثِ، وكَذَلِكَ هَذا أيْضًا كانَ ما يَسُوءُ مَكانَ سَيِّئاتِهِ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أنْواعِ التَّكالِيفِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ وهي أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ نَوْعًا مِنَ التَّكالِيفِ بَعْضُها أمْرٌ وبَعْضُها نَهْيٌ بَدَأها بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ﴾ [الإسراء: ٢٢] . واخْتَتَمَ الآياتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ﴾ وقالَ: مِمّا أوْحى؛ لِأنَّ ذَلِكَ بَعْضٌ مِمّا أوْحى إلَيْهِ إذْ أوْحى إلَيْهِ بِتَكالِيفَ أُخَرَ، و﴿مِمّا أوْحى﴾ خَبَرٌ عَنْ ذَلِكَ، و﴿مِنَ الحِكْمَةِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأوْحى، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى ما وكانَتْ هَذِهِ التَّكالِيفُ حِكْمَةً؛ لِأنَّ حاصِلَها يَرْجِعُ إلى الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، وأنْواعِ الطّاعاتِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، والعُقُولُ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها، وهي شَرائِعُ في جَمِيعِ الأدْيانِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، أوَّلُها ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] قالَ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وكَرَّرَ تَعالى النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ، فَفي النَّهْيِ الأوَّلِ.
﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] وفي الثّانِي ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ والفَرْقُ بَيْنَ مَذْمُومٍ ومَلُومٍ: أنَّ كَوْنَهُ مَذْمُومًا أنْ يَذْكُرَ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ قَبِيحٌ مُنْكَرٌ، وكَوْنَهُ مَلُومًا أنْ يُقالَ لَهُ بَعْدَ الفِعْلِ وذَمِّهِ: لِمَ فَعَلْتَ كَذا ؟ وما حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ وما اسْتَفَدْتَ مِنهُ إلّا إلْحاقَ الضَّرَرِ بِنَفْسِكَ، فَأوَّلُ الأمْرِ الذَّمُّ وآخِرُهُ اللَّوْمُ، والفَرْقُ بَيْنَ مَخْذُولٍ ومَدْحُورٍ: أنَّ المَخْذُولَ هو المَتْرُوكُ إعانَتُهُ ونَصْرُهُ والمُفَوَّضُ إلى (p-٣٩)نَفْسِهِ، والمَدْحُورُ المَطْرُودُ المُبْعَدُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ والِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَأوَّلُ الأمْرِ الخِذْلانُ وآخِرُهُ الطَّرْدُ مُهانًا. وكانَ وصْفُ الذَّمِّ والخِذْلانِ يَكُونُ في الدُّنْيا، ووَصْفُ اللَّوْمِ والدُّحُورِ يَكُونُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ﴾ والخِطابُ بِالنَّهْيِ في هَذِهِ الآياتِ لِلسّامِعِ غَيْرِ الرَّسُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وعَلا - فاتِحَتَها وخاتِمَتَها النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ هو رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومِلاكُها، ومَن عَدِمَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ حِكَمُهُ وعُلُومُهُ وإنْ بَذَّ فِيها الحُكَماءَ وحَكَّ بِيافُوخِهِ السَّماءَ، وما أغْنَتْ عَنِ الفَلاسِفَةِ أسْفارُ الحِكَمِ وهم عَنْ دِينِ اللَّهِ أضَلُّ مِنَ النَّعَمِ.
﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .
لَمّا نَبَّهَ تَعالى عَلى فَسادِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا ونَظِيرًا أتْبَعَهُ بِفَسادِ طَرِيقَةِ مَن أثْبَتَ لِلَّهِ ولَدًا، والِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ والخِطابُ لِمَنِ اعْتَقَدَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ ومَعْنى ﴿أفَأصْفاكُمْ﴾ آثَرَكم وخَصَّكم، وهَذا كَما قالَ: ﴿ألَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] وهَذا خِلافُ الحِكْمَةِ وما عَلَيْهِ مَعْقُولُكم وعادَتُكم، فَإنَّ العَبِيدَ لا يُؤْثَرُونَ بِأجْوَدِ الأشْياءِ وأصْفاها مِنَ الشَّوْبِ ويَكُونُ أرْدَؤُها وأدْوَنُها لِلسّاداتِ. ومَعْنى (عَظِيمًا) مُبالَغًا في المُنْكَرِ والقُبْحِ حَيْثُ أضَفْتُمْ إلَيْهِ الأوْلادَ، ثُمَّ حَيْثُ فَضَّلْتُمْ عَلَيْهِ تَعالى أنْفُسَكم فَجَعَلْتُمْ لَهُ ما تَكْرَهُونَ، ثُمَّ نِسْبَةُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم مِن شَرِيفِ ما خَلَقَ إلى الأُنُوثَةِ. ومَعْنى ﴿صَرَّفْنا﴾ نَوَّعْنا مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ ومِن مِثالٍ إلى مِثالٍ، والتَّصْرِيفُ لُغَةً: صَرْفُ الشَّيْءِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ ثُمَّ صارَ كِنايَةً عَنِ التَّبْيِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿صَرَّفْنا﴾ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ. فَقالَ: لَمْ نَجْعَلْهُ نَوْعًا واحِدًا بَلْ وعْدًا ووَعِيدًا، ومُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، وأمْرًا ونَهْيًا، وناسِخًا ومَنسُوخًا، وأخْبارًا وأمْثالًا مِثْلَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ مِن صَبًا ودَبُورٍ وجَنُوبٍ وشَمالٍ، ومَفْعُولُ ﴿صَرَّفْنا﴾ عَلى هَذا المَعْنى مَحْذُوفٌ، وهي هَذِهِ الأشْياءُ أيْ: صَرَّفْنا الأمْثالَ والعِبَرَ والحِكَمَ والأحْكامَ والأعْلامَ، وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ نُنْزِلْهُ مَرَّةً واحِدَةً بَلْ نُجُومًا، ومَعْناهُ: أكْثَرْنا صَرْفَ جِبْرِيلَ إلَيْكَ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ صَرَّفْنا جِبْرِيلَ.
وقِيلَ: (في) زائِدَةٌ، أيْ صَرَّفْنا هَذا القُرْآنَ كَما قالَ: ﴿وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ”في“ لا تُزادُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهَذا القُرْآنِ إبْطالَ إضافَتِهِمْ إلى اللَّهِ البَناتِ؛ لِأنَّهُ مِمّا صَرَّفَهُ وكَرَّرَ ذِكْرَهُ، والمَعْنى: ولَقَدْ (p-٤٠)صَرَّفْنا القَوْلَ في هَذا المَعْنى، وأوْقَعْنا التَّصْرِيفَ فِيهِ وجَعَلْناهُ مَكانًا لِلتَّكْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يُشِيرَ بِهَذا (القُرْآنِ) إلى التَّنْزِيلِ، ويُرِيدُ ولَقَدْ صَرَّفْناهُ يَعْنِي هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، فَتَرَكَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ. انْتَهى. فَجَعَلَ التَّصْرِيفَ خاصًّا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ قَبْلَهُ وجَعَلَ مَفْعُولَ ﴿صَرَّفْنا﴾ إمّا القَوْلُ في هَذا المَعْنى أوِ المَعْنى وهو الضَّمِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ في صَرَّفْناهُ، وغَيْرُهُ جَعَلَ التَّصْرِيفَ عامًّا في أشْياءَ فَقَدَّرَ ما يَشْمَلُ ما سِيقَ لَهُ ما قَبْلَهُ وغَيْرَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ بِتَخْفِيفِ الرّاءِ. فَقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو بِمَعْنى العامَّةِ، يَعْنِي بِالعامَّةِ: قِراءَةَ الجُمْهُورِ، قالَ: لِأنَّ فَعَلَ وفَعَّلَ رُبَّما تَعاقَبا عَلى مَعْنًى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى مَعْنى صَرَفْنا فِيهِ النّاسَ إلى الهُدى بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أيْ: لِيَتَذَكَّرُوا مِنَ التَّذْكِيرِ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ، وقَرَأ الأخَوانِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ”لِيَذْكُرُوا“ بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ مِنَ الذِّكْرِ أوِ الذُّكْرِ، أيْ: لِيَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا ويَنْظُرُوا فِيما يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ ويَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ ﴿وما يَزِيدُهُمْ﴾ أيِ: التَّصْرِيفُ ﴿إلّا نُفُورًا﴾ أيْ: بُعْدًا وفِرارًا عَنِ الحَقِّ كَما قالَ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقالَ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] والنُّفُورُ مِن أوْصافِ الدَّوابِّ الشَّدِيدَةِ الشِّماسِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِسْبَةَ الوَلَدِ إلَيْهِمْ ورَدَّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ ذَكَرَ قَوْلَهم أنَّهُ تَعالى مَعَهُ آلِهَةٌ ورَدَّ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ﴿كَما يَقُولُونَ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتَ، والجُمْهُورُ بِالتّاءِ. ومَعْنى ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ إلى مُغالَبَتِهِ وإفْسادِ مُلْكِهِ؛ لِأنَّهم شُرَكاؤُهُ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، وقالَ هَذا المَعْنى أوْ مِثْلَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والنَّقّاشُ والمُتَكَلِّمُونَ أبُو مَنصُورٍ وغَيْرُهُ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلتَّمانُعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ويَأْتِي تَفْسِيرُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وقالَ قَتادَةُ ما مَعْناهُ: لابْتَغَوْا إلى التَّقَرُّبِ إلى ذِي العَرْشِ والزُّلْفى لَدَيْهِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الأصْنامَ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، فَإذا عَلِمُوا أنَّها تَحْتاجُ إلى اللَّهِ فَقَدْ بَطَلَ كَوْنُها آلِهَةً، ويَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، والكافُ مِن (كَما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ (مَعَ) وهو الِاسْتِقْرارُ، و(مَعَهُ) خَبَرُ كانَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: كَوْنًا لِقَوْلِكم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(إذًا) دالَّةٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَها وهو (لابْتَغَوْا) جَوابٌ عَنْ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ وجَزاءٌ لِـ لَوْ. انْتَهى. وعُطِفَ (وتَعالى) عَلى قَوْلِهِ: (سُبْحانَهُ) لِأنَّهُ اسْمٌ قامَ مَقامَ المَصْدَرِ الَّذِي هو في مَعْنى الفِعْلِ، أيْ: بَراءَةُ اللَّهِ وقُدِّرَ تَنَزَّهَ، وتَعالى يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى سَبِيلِ الإعْمالِ إذْ يَصِحُّ لِسُبْحانَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ (عَنْ) كَما في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] والتَّعالِي في حَقِّهِ تَعالى هو بِالمَكانَةِ لا بِالمَكانِ. وقَرَأ الأخَوانِ: ”عَمّا تَقُولُونَ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ. وانْتَصَبَ (عُلُوًّا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ أيْ: تَعالِيًا، ووُصِفَ تَكْبِيرًا مُبالَغَةً في مَعْنى البَراءَةِ والبُعْدِ عَمّا وصَفُوهُ بِهِ؛ لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الواجِبِ لِذاتِهِ والمُمْكِنِ لِذاتِهِ، وبَيْنَ القَدِيمِ والمُحْدَثِ، وبَيْنَ الغَنِيِّ والمُحْتاجِ مُنافاةٌ لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ، ونِسْبَةُ التَّسْبِيحِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ مِن مَلَكٍ وإنْسٍ وجِنٍّ حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى النُّطْقِ بِالتَّسْبِيحِ حَقِيقَةً، وأنَّ ما لا حَياةَ فِيهِ ولا نُمُوَّ يُحْدِثُ اللَّهُ لَهُ نُطْقًا وهَذا هو ظاهِرُ اللَّفْظِ، ولِذَلِكَ جاءَ ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ . وقالَ بَعْضُهم: ما كانَ مِن نامٍ حَيَوانٍ وغَيْرِهِ يُسَبِّحُ حَقِيقَةً، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ قالَ: الشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنِ الخِوانِ: أيُسَبِّحُ ؟ فَقالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً يُشِيرُ إلى أنَّهُ حِينَ كانَ شَجَرَةً كانَ يُسَبِّحُ، وحِينَ صارَ خُوانًا مَدْهُونًا صارَ جَمادًا لا يُسَبِّحُ. وقِيلَ: التَّسْبِيحُ المَنسُوبُ لِما لا يَعْقِلُ مَجازٌ، ومَعْناهُ: أنَّها تُسَبِّحُ بِلِسانِ الحالِ حَيْثُ يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ وعَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِهِ، فَكَأنَّها تَنْطِقُ بِذَلِكَ وكَأنَّها تُنَزِّهُ اللَّهَ عَمّا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ وغَيْرِها. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (p-٤١)خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ، وهم وإنْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالخالِقِ أنَّهُ اللَّهُ، لَكِنَّهم لَمّا جَعَلُوا مَعَهُ آلِهَةً لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يُقِرُّوا؛ لِأنَّ نَتِيجَةَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ والإقْرارِ الثّابِتِ خِلافُ ما كانُوا عَلَيْهِ، فَإذا لَمْ يَفْقَهُوا التَّسْبِيحَ ولَمْ يَسْتَوْضِحُوا الدَّلالَةَ عَلى الخالِقِ فَيَكُونُ التَّسْبِيحُ المُسْنَدُ إلى السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ عَلى سَبِيلِ المَجازِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الجَمِيعِ، وإنْ كانَ يَصْدُرُ التَّسْبِيحُ حَقِيقَةً مِمَّنْ فِيهِنَّ مِن مَلَكٍ وإنْسٍ وجانٍّ، ولا يُحْمَلُ نِسْبَتُهُ إلى السَّماواتِ والأرْضِ عَلى المَجازِ، ونِسْبَتُهُ إلى المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِئَلّا يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ المَجازِ والحَقِيقَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ثُمَّ أعادَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لَمّا أسْنَدَ إلَيْها فِعْلَ العاقِلِ وهو التَّسْبِيحُ. انْتَهى. ويُعْنى بِالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ وكَأنَّهُ تُخُيِّلَ أنَّ (هُنَّ) لا يَكُونُ إلّا لِمَن يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ، ولَيْسَ كَما تُخُيِّلَ بَلْ (هُنَّ) يَكُونُ ضَمِيرَ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ مُطْلَقًا. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ: تُسَبِّحُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ وباقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ”سَبَّحَتْ“ لَهُ السَّماواتُ بِلَفْظِ الماضِي وتاءِ التَّأْنِيثِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ.
﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾ حَيْثُ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى سُوءِ نَظَرِكم ﴿غَفُورًا﴾ إنْ رَجَعْتُمْ ووَحَّدْتُمُ اللَّهَ تَعالى.
الإسراء 17:45
﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ .
نَزَلَتْ ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ في أبِي سُفْيانَ والنَّضْرِ وأبِي جَهْلٍ وأُمِّ جَمِيلٍ امْرَأةِ أبِي (p-٤٢)لَهَبٍ، كانُوا يُؤْذُونَ الرَّسُولَ إذا قَرَأ القُرْآنَ، فَحَجَبَ اللَّهُ أبْصارَهم إذا قَرَأ فَكانُوا يَمُرُّونَ بِهِ ولا يَرَوْنَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «نَزَلَتْ في امْرَأةِ أبِي لَهَبٍ، دَخَلَتْ مَنزِلَ أبِي بَكْرٍ وبِيَدِها فِهْرٌ والرَّسُولُ ﷺ عِنْدَهُ، فَقالَتْ: هَجانِي صاحِبُكَ، قالَ: ما هو بِشاعِرٍ، قالَتْ: قالَ: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] وما يُدْرِيهِ ما في جِيدِي ؟ فَقالَ لِأبِي بَكْرٍ: ”سَلْها هَلْ تَرى غَيْرَكَ ؟ فَإنَّ مَلَكًا لَمْ يَزَلْ يَسْتُرُنِي عَنْها“ فَسَألَها، فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي ما أرى غَيْرَكَ، فانْصَرَفَتْ ولَمْ تَرَ الرَّسُولَ ﷺ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ كانُوا يُؤْذُونَهُ في اللَّيْلِ إذا صَلّى وجَهَرَ بِالقِراءَةِ، فَحالَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ أذاهُ.
ولَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ الإلَهِيَّةِ جاءَ بَعْدَهُ تَقْرِيرُ النُّبُوَّةِ وذِكْرُ شَيْءٍ مِن أحْوالِ الكَفَرَةِ في إنْكارِها وإنْكارِ المَعادِ، والمَعْنى: وإذا شَرَعْتَ في القِراءَةِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى الفَراغِ مِنَ القِراءَةِ بَلِ المَعْنى عَلى أنَّكَ إذا التَبَسْتَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ، ولا يُرادُ بِالقُرْآنِ جَمِيعُهُ بَلْ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَإنَّكَ تَقُولُ لِمَن يَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ: هَذا يَقْرَأُ القُرْآنَ، والظّاهِرُ أنَّ القُرْآنَ هُنا هو ما قُرِئَ مِنَ القُرْآنِ أيَّ شَيْءٍ كانَ مِنهُ، وقِيلَ: ثَلاثُ آياتٍ مِنهُ مُعَيَّنَةٌ، وهي في النَّحْلِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ﴾ [النحل: ١٠٨] - إلى - ﴿الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] وفي الكَهْفِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الكهف: ٥٧] - إلى - ﴿إذًا أبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] وفي الجاثِيَةِ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] - إلى - ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] وعَنْ كَعْبٍ أنَّ الرَّسُولَ كانَ يَسْتَتِرُ بِهَذِهِ الآياتِ، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أنَّهُ عَيَّنَها لَهُ هاتِفٌ مِن جانِبِ البَيْتِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: أنَّهُ أسَرَّ زَمانًا ثُمَّ اهْتَدى قِراءَتَها فَخَرَجَ لا يُبْصِرُهُ الكُفّارُ وهم يَتَطَلَّبُونَهُ تَمَسُّ ثِيابُهم ثِيابَهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ويُزادُ إلى هَذِهِ الآيِ أوَّلُ يس إلى ﴿فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] فَفي السِّيرَةِ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ حِينَ نامَ عَلى فِراشِهِ خَرَجَ يَنْثُرُ التُّرابَ عَلى رُءُوسِ الكُفّارِ فَلا يَرَوْنَهُ، وهو يَتْلُو هَذِهِ الآياتِ مِن يس، ولَمْ يُبْقِ أحَدًا مِنهم إلّا وضَعَ عَلى رَأْسِهِ تُرابًا»، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: جَعَلْنا بَيْنَ رُؤْيَتِكَ وبَيْنَ أبْصارِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ كَما ورَدَ في سَبَبِ النُّزُولِ.
وقالَ قَتادَةُ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ ما مَعْناهُ: جَعَلْنا بَيْنَ فَهْمِ ما تَقْرَأُ وبَيْنَهم ﴿حِجابًا﴾ فَلا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِكَ ولا بِالبَعْثِ، فالمَعْنى قَرِيبٌ مِنَ الآيَةِ بَعْدَها، والظّاهِرُ إقْرارُ ﴿مَسْتُورًا﴾ عَلى مَوْضُوعِهِ مِن كَوْنِهِ اسْمَ مَفْعُولٍ أيْ مَسْتُورًا عَنْ أعْيُنِ الكُفّارِ فَلا يَرَوْنَهُ، أوْ ﴿مَسْتُورًا﴾ بِهِ الرَّسُولُ عَنْ رُؤْيَتِهِمْ. ونُسِبَ السَّتْرُ إلَيْهِ لَمّا كانَ مَسْتُورًا بِهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، ويُؤَوَّلُ مَعْناهُ إلى أنَّهُ ذُو سَتْرٍ كَما جاءَ في صِيغَةِ لابِنٍ وتامِرٍ أيْ: ذُو لَبَنٍ، وذُو تَمْرٍ. وقالُوا: رَجُلٌ مَرْطُوبٌ أيْ: ذُو رَطْبَةٍ، ولا يُقالُ رَطَّبْتُهُ، ومَكانٌ مَهُولٌ أيْ: ذُو هَوْلٍ، وجارِيَةٌ مَغْنُوجَةٌ، ولا يُقالُ: هُلْتُ المَكانَ، ولا غَنِجَتِ الجارِيَةُ. وقالَ الأخْفَشُ وجَماعَةٌ: ﴿مَسْتُورًا﴾ ساتِرًا واسْمُ الفاعِلِ قَدْ يَجِيءُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ، كَما قالُوا: مَشْئُومٌ ومَيْمُونٌ يُرِيدُونَ شائِمٌ ويامِنٌ. وقِيلَ: مَسْتُورٌ: وصْفٌ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالُوا: شِعْرٌ شاعِرٌ، ورُدَّ بِأنَّ المُبالَغَةَ إنَّما تَكُونُ بِاسْمِ الفاعِلِ ومِن لَفْظِ الأوَّلِ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوائِلِ الأنْعامِ ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ . قِيلَ: «دَخَلَ مَلَأُ قُرَيْشٍ عَلى أبِي طالِبٍ يَزُورُونَهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ ومَرَّ بِالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: ”يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ“ فَوَلَّوْا ونَفَرُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في حالِ الفارِّينَ عِنْدَ وقْتِ قِراءَتِهِ ومُرُورِهِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، والمَعْنى: إذا جاءَتْ مَواضِعُ التَّوْحِيدِ فَرَّ الكُفّارُ إنْكارًا لَهُ واسْتِبْشاعًا لِرَفْضِ آلِهَتِهِمْ واطِّراحِها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَدَ يَحِدُ وحْدًا وحِدَةً نَحْوُ وعَدَ يَعِدُ (p-٤٣)وعْدًا وعِدَةً و(وحْدَهُ) مِن بابِ رَجَعَ عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ، وافْعَلْهُ جُهْدَكَ وطاقَتَكَ في أنَّهُ مَصْدَرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحالِ، أصْلُهُ يَحِدُ وحْدَهُ بِمَعْنى واحِدًا. انْتَهى. وما ذُهِبَ إلَيْهِ مِن أنَّ (وحْدَهُ) مَصْدَرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحالِ، خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، و(وحْدَهُ) عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ مَصْدَرًا بَلْ هو اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الحالِ، فَـ وحْدَهُ عِنْدَهُ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ إيحادٍ، وإيحادٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مُوَحِّدٍ. وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّ (وحْدَهُ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِأوْحَدَ عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِوَحْدٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحُجَجُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وإذا ذَكَرْتَ (وحْدَهُ) بَعْدَ فاعِلٍ ومَفْعُولٍ نَحْوُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُوَحِّدًا لَهُ بِالضَّرْبِ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ فَعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ﴾ مُوَحِّدًا لَهُ بِالذِّكْرِ، وعَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مُوَحِّدًا بِالذِّكْرِ.
و(نُفُورًا) حالٌ جَمْعُ نافِرٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ، أوْ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ولَّوْا﴾ نَفَرُوا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿ولَّوْا﴾ عَلى الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ الشَّياطِينِ؛ لِأنَّهم يَفِرُّونَ مِنَ القُرْآنِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ. وقالَ أبُو الحَوْراءِ أوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ شَيْءٌ أطْرَدَ لِلشَّيْطانِ مِنَ القَلْبِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وإذا ذَكَرْتَ﴾ الآيَةَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هو البَسْمَلَةُ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِالِاسْتِخْفافِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ والهُزْءِ بِكَ واللَّغْوِ، كانَ إذا قَرَأ ﷺ قامَ رَجُلانِ مِن بَنِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَمِينِهِ ورَجُلانِ مِنهم عَنْ يَسارِهِ، فَيُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويُخَلِّطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ. وبِما مُتَعَلِّقٌ بِأعْلَمَ، وما كانَ في مَعْنى العِلْمِ والجَهْلِ، وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا لِمَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ في بابِ أفْعَلَ في التَّعَجُّبِ، وفي أفْعَلِ التَّفْضِيلِ تَعَدّى بِالباءِ، تَقُولُ: ما أعْلَمَ زَيْدًا بِكَذا وما أجْهَلَهُ بِكَذا، وهو أعْلَمُ بِكَذا وأجْهَلُ بِكَذا بِخِلافِ سائِرِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ لِمَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ يَتَعَدّى في أفْعَلَ في التَّعَجُّبِ وأفْعَلَ التَّفْضِيلِ بِاللّامِ، تَقُولُ: ما أضْرَبَ زَيْدًا لِعَمْرٍو، وزَيْدٌ أضْرَبُ لِعَمْرٍو مِن بَكْرٍ، وبِهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: يَسْتَمِعُونَ بِالهُزْءِ أيْ: هازِئِينَ (وإذْ يَسْتَمِعُونَ) نُصِبَ بِأعْلَمَ أيْ: أعْلَمُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ بِما بِهِ يَسْتَمِعُونَ وبِما بِهِ يَتَناجَوْنَ، إذْ هم ذَوُو نَجْوى ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ هم) . انْتَهى.
وقالَ الحَوْفِيُّ: لَمْ يَقُلْ: يَسْتَمِعُونَهُ ولا يَسْتَمِعُونَكَ، لَمّا كانَ الغَرَضُ لَيْسَ الإخْبارَ عَنِ الِاسْتِماعِ فَقَطْ، وكانَ مُضَمَّنًا أنَّ الِاسْتِماعَ كانَ عَلى طَرِيقِ الهُزْءِ بِأنْ يَقُولُوا: مَجْنُونٌ أوْ مَسْحُورٌ، جاءَ الِاسْتِماعُ بِالباءِ وإلى؛ لِيُعْلَمَ أنَّ الِاسْتِماعَ لَيْسَ المُرادُ بِهِ تَفَهُّمَ المَسْمُوعِ دُونَ هَذا المَقْصِدِ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ فَإذِ الأُولى تَتَعَلَّقُ بِـ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ بِهِ وكَذا ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ لِأنَّ المَعْنى نَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ إلَيْكَ وإلى قِراءَتِكَ وكَلامِكَ، إنَّما يَسْتَمِعُونَ لِسَقَطِكَ وتَتَبُّعِ عَيْبِكَ والتِماسِ ما يَطْعَنُونَ بِهِ عَلَيْكَ، يَعْنِي في زَعْمِهِمْ، ولِهَذا ذُكِرَ تَعْدِيَتُهُ بِالباءِ وإلى. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ. قِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وإذْ ظَرْفٌ لِيَسْتَمِعُونَ الأُولى، والنَّجْوى مَصْدَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَجِيٍّ كَقَتِيلٍ وقَتْلى، وإذْ بَدَلٌ مِن (إذْ) الأُولى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ تَقُولُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما هو بِمَعْنى الَّذِي، والمُرادُ الِاسْتِخْفافُ والإعْراضُ، فَكَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالِاسْتِخْفافِ والِاسْتِهْزاءِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ، أيْ: هو مُلازِمُهم، فَفَضَحَ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ سِرَّهم، والعامِلُ في (إذْ) الأُولى، وفي المَعْطُوفِ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ الأُولى. انْتَهى. تَناجَوْا، فَقالَ النَّضْرُ: ما أفْهَمُ ما تَقُولُ، وقالَ أبُو سُفْيانَ: أرى بَعْضَهُ حَقًّا، وقالَ أبُو جَهْلٍ: مَجْنُونٌ، وقالَ أبُو لَهَبٍ: كاهِنٌ، وقالَ حُوَيْطِبٌ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم: إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، ورُوِيَ أنَّ تَناجِيَهم كانَ عِنْدَ عُتْبَةَ دَعا أشْرافَ قُرَيْشٍ إلى (p-٤٤)طَعامٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهم إلى اللَّهِ. فَتَناجَوْا، يَقُولُونَ: ساحِرٌ مَجْنُونٌ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿مَسْحُورًا﴾ مِنَ السِّحْرِ أيْ: خَبِلَ عَقْلَهُ السِّحْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَخْدُوعًا نَحْوُ ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أيْ: تُخْدَعُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿مَسْحُورًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ لَهُ سَحْرًا أيْ: رِئَةً فَهو لا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَهو مِثْلُكم ولَيْسَ بِمَلَكٍ، وتَقُولُ العَرَبُ لِلْجَبانِ: قَدِ انْتَفَخَ سَحْرُهُ، ولِكُلِّ مَن أكَلَ أوْ شَرِبَ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ مَسْحُورٌ. قالَ:
؎أرانا مُوضَعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
أيْ: نُغَذّى ونُعَلَّلُ ونُسْحَرُ. قالَ لَبِيدٌ:
؎فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا أدْرِي ما الَّذِي حَمَلَ أبا عُبَيْدَةَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المُسْتَكْرَهِ مَعَ أنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الآيَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تُقَوِّي أنَّ اللَّفْظَةَ مِنَ السِّحْرِ بِكَسْرِ السِّينِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِمْ ضَرْبَ مَثَلٍ، وأمّا عَلى أنَّها مِنَ السَّحْرِ الَّذِي هو الرِّئَةُ، ومِنَ التَّغَذِّي وأنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ بَشَرٌ فَلَمْ يُضْرَبْ لَهُ في ذَلِكَ مَثَلٌ بَلْ هي صِفَةٌ حَقِيقَةٌ لَهُ، و﴿الأمْثالَ﴾ تَقَدَّمَ ما قالُوهُ في تَناجِيهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ التَّسْلِيَةِ والتَّلْبِيسِ، ثُمَّ رَأى الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: أنَّ أقْرَبَها لِتَخْيِيلِ الطّارِئِينَ عَلَيْهِمْ هو أنَّهُ ساحِرٌ فَضَلُّوا في جَمِيعِ ذَلِكَ ضَلالَ مَن يَطْلُبُ فِيهِ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ، فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَهو مُتَحَيِّرٌ في أمْرِهِ عَلَيْهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والنَّظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، أوْ سَبِيلًا إلى إفْسادِ أمْرِكَ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ بِضَرْبِهِمُ الأمْثالَ، واتِّباعِهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ في جِهَتِكَ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأصْحابِهِ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ وإنْكارٍ واسْتِبْعادٍ، لَمّا ضَرَبُوا لَهُ الأمْثالَ، وقالُوا عَنْهُ: إنَّهُ مَسْحُورٌ، ذَكَرُوا ما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى زَعْمِهِمْ عَلى اتِّصافِهِ بِما نَسَبُوا إلَيْهِ، واسْتَبْعَدُوا أنَّهُ بَعْدَ ما يَصِيرُ الإنْسانُ رُفاتًا يُحْيِيهِ اللَّهُ ويُعِيدُهُ، وقَدْ رُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي فَطَرَهم بَعْدَ العَدَمِ الصِّرْفِ عَلى ما يَأْتِي شَرْحُهُ في الآيَةِ بَعْدَ هَذا، ومَن قَرَأ مِنَ القُرّاءِ إذا وإنّا مَعًا أوْ إحْداهُما عَلى صُورَةِ الخَبَرِ فَلا يُرِيدُ الخَبَرَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ يَكُونُ تَصْدِيقًا بِالبَعْثِ والنَّشْأةِ الآخِرَةِ، ولَكِنَّهُ حَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لِدَلالَةِ المَعْنى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إذا كُنّا تُرابًا وعِظامًا نُبْعَثُ أوْ نُعادُ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهَذا المَحْذُوفُ هو جَوابُ الشَّرْطِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الِاسْتِفْهامُ وانْصَبَّ عَلَيْهِ عِنْدَ يُونُسَ، و﴿خَلْقًا﴾ حالٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ أيْ: مَخْلُوقًا.
الإسراء 17:46
﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ .
نَزَلَتْ ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ في أبِي سُفْيانَ والنَّضْرِ وأبِي جَهْلٍ وأُمِّ جَمِيلٍ امْرَأةِ أبِي (p-٤٢)لَهَبٍ، كانُوا يُؤْذُونَ الرَّسُولَ إذا قَرَأ القُرْآنَ، فَحَجَبَ اللَّهُ أبْصارَهم إذا قَرَأ فَكانُوا يَمُرُّونَ بِهِ ولا يَرَوْنَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «نَزَلَتْ في امْرَأةِ أبِي لَهَبٍ، دَخَلَتْ مَنزِلَ أبِي بَكْرٍ وبِيَدِها فِهْرٌ والرَّسُولُ ﷺ عِنْدَهُ، فَقالَتْ: هَجانِي صاحِبُكَ، قالَ: ما هو بِشاعِرٍ، قالَتْ: قالَ: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] وما يُدْرِيهِ ما في جِيدِي ؟ فَقالَ لِأبِي بَكْرٍ: ”سَلْها هَلْ تَرى غَيْرَكَ ؟ فَإنَّ مَلَكًا لَمْ يَزَلْ يَسْتُرُنِي عَنْها“ فَسَألَها، فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي ما أرى غَيْرَكَ، فانْصَرَفَتْ ولَمْ تَرَ الرَّسُولَ ﷺ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ كانُوا يُؤْذُونَهُ في اللَّيْلِ إذا صَلّى وجَهَرَ بِالقِراءَةِ، فَحالَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ أذاهُ.
ولَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ الإلَهِيَّةِ جاءَ بَعْدَهُ تَقْرِيرُ النُّبُوَّةِ وذِكْرُ شَيْءٍ مِن أحْوالِ الكَفَرَةِ في إنْكارِها وإنْكارِ المَعادِ، والمَعْنى: وإذا شَرَعْتَ في القِراءَةِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى الفَراغِ مِنَ القِراءَةِ بَلِ المَعْنى عَلى أنَّكَ إذا التَبَسْتَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ، ولا يُرادُ بِالقُرْآنِ جَمِيعُهُ بَلْ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَإنَّكَ تَقُولُ لِمَن يَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ: هَذا يَقْرَأُ القُرْآنَ، والظّاهِرُ أنَّ القُرْآنَ هُنا هو ما قُرِئَ مِنَ القُرْآنِ أيَّ شَيْءٍ كانَ مِنهُ، وقِيلَ: ثَلاثُ آياتٍ مِنهُ مُعَيَّنَةٌ، وهي في النَّحْلِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ﴾ [النحل: ١٠٨] - إلى - ﴿الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] وفي الكَهْفِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الكهف: ٥٧] - إلى - ﴿إذًا أبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] وفي الجاثِيَةِ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] - إلى - ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] وعَنْ كَعْبٍ أنَّ الرَّسُولَ كانَ يَسْتَتِرُ بِهَذِهِ الآياتِ، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أنَّهُ عَيَّنَها لَهُ هاتِفٌ مِن جانِبِ البَيْتِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: أنَّهُ أسَرَّ زَمانًا ثُمَّ اهْتَدى قِراءَتَها فَخَرَجَ لا يُبْصِرُهُ الكُفّارُ وهم يَتَطَلَّبُونَهُ تَمَسُّ ثِيابُهم ثِيابَهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ويُزادُ إلى هَذِهِ الآيِ أوَّلُ يس إلى ﴿فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] فَفي السِّيرَةِ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ حِينَ نامَ عَلى فِراشِهِ خَرَجَ يَنْثُرُ التُّرابَ عَلى رُءُوسِ الكُفّارِ فَلا يَرَوْنَهُ، وهو يَتْلُو هَذِهِ الآياتِ مِن يس، ولَمْ يُبْقِ أحَدًا مِنهم إلّا وضَعَ عَلى رَأْسِهِ تُرابًا»، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: جَعَلْنا بَيْنَ رُؤْيَتِكَ وبَيْنَ أبْصارِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ كَما ورَدَ في سَبَبِ النُّزُولِ.
وقالَ قَتادَةُ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ ما مَعْناهُ: جَعَلْنا بَيْنَ فَهْمِ ما تَقْرَأُ وبَيْنَهم ﴿حِجابًا﴾ فَلا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِكَ ولا بِالبَعْثِ، فالمَعْنى قَرِيبٌ مِنَ الآيَةِ بَعْدَها، والظّاهِرُ إقْرارُ ﴿مَسْتُورًا﴾ عَلى مَوْضُوعِهِ مِن كَوْنِهِ اسْمَ مَفْعُولٍ أيْ مَسْتُورًا عَنْ أعْيُنِ الكُفّارِ فَلا يَرَوْنَهُ، أوْ ﴿مَسْتُورًا﴾ بِهِ الرَّسُولُ عَنْ رُؤْيَتِهِمْ. ونُسِبَ السَّتْرُ إلَيْهِ لَمّا كانَ مَسْتُورًا بِهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، ويُؤَوَّلُ مَعْناهُ إلى أنَّهُ ذُو سَتْرٍ كَما جاءَ في صِيغَةِ لابِنٍ وتامِرٍ أيْ: ذُو لَبَنٍ، وذُو تَمْرٍ. وقالُوا: رَجُلٌ مَرْطُوبٌ أيْ: ذُو رَطْبَةٍ، ولا يُقالُ رَطَّبْتُهُ، ومَكانٌ مَهُولٌ أيْ: ذُو هَوْلٍ، وجارِيَةٌ مَغْنُوجَةٌ، ولا يُقالُ: هُلْتُ المَكانَ، ولا غَنِجَتِ الجارِيَةُ. وقالَ الأخْفَشُ وجَماعَةٌ: ﴿مَسْتُورًا﴾ ساتِرًا واسْمُ الفاعِلِ قَدْ يَجِيءُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ، كَما قالُوا: مَشْئُومٌ ومَيْمُونٌ يُرِيدُونَ شائِمٌ ويامِنٌ. وقِيلَ: مَسْتُورٌ: وصْفٌ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالُوا: شِعْرٌ شاعِرٌ، ورُدَّ بِأنَّ المُبالَغَةَ إنَّما تَكُونُ بِاسْمِ الفاعِلِ ومِن لَفْظِ الأوَّلِ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوائِلِ الأنْعامِ ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ . قِيلَ: «دَخَلَ مَلَأُ قُرَيْشٍ عَلى أبِي طالِبٍ يَزُورُونَهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ ومَرَّ بِالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: ”يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ“ فَوَلَّوْا ونَفَرُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في حالِ الفارِّينَ عِنْدَ وقْتِ قِراءَتِهِ ومُرُورِهِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، والمَعْنى: إذا جاءَتْ مَواضِعُ التَّوْحِيدِ فَرَّ الكُفّارُ إنْكارًا لَهُ واسْتِبْشاعًا لِرَفْضِ آلِهَتِهِمْ واطِّراحِها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَدَ يَحِدُ وحْدًا وحِدَةً نَحْوُ وعَدَ يَعِدُ (p-٤٣)وعْدًا وعِدَةً و(وحْدَهُ) مِن بابِ رَجَعَ عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ، وافْعَلْهُ جُهْدَكَ وطاقَتَكَ في أنَّهُ مَصْدَرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحالِ، أصْلُهُ يَحِدُ وحْدَهُ بِمَعْنى واحِدًا. انْتَهى. وما ذُهِبَ إلَيْهِ مِن أنَّ (وحْدَهُ) مَصْدَرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحالِ، خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، و(وحْدَهُ) عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ مَصْدَرًا بَلْ هو اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الحالِ، فَـ وحْدَهُ عِنْدَهُ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ إيحادٍ، وإيحادٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مُوَحِّدٍ. وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّ (وحْدَهُ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِأوْحَدَ عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِوَحْدٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحُجَجُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وإذا ذَكَرْتَ (وحْدَهُ) بَعْدَ فاعِلٍ ومَفْعُولٍ نَحْوُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُوَحِّدًا لَهُ بِالضَّرْبِ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ فَعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ﴾ مُوَحِّدًا لَهُ بِالذِّكْرِ، وعَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مُوَحِّدًا بِالذِّكْرِ.
و(نُفُورًا) حالٌ جَمْعُ نافِرٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ، أوْ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ولَّوْا﴾ نَفَرُوا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿ولَّوْا﴾ عَلى الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ الشَّياطِينِ؛ لِأنَّهم يَفِرُّونَ مِنَ القُرْآنِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ. وقالَ أبُو الحَوْراءِ أوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ شَيْءٌ أطْرَدَ لِلشَّيْطانِ مِنَ القَلْبِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وإذا ذَكَرْتَ﴾ الآيَةَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هو البَسْمَلَةُ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِالِاسْتِخْفافِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ والهُزْءِ بِكَ واللَّغْوِ، كانَ إذا قَرَأ ﷺ قامَ رَجُلانِ مِن بَنِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَمِينِهِ ورَجُلانِ مِنهم عَنْ يَسارِهِ، فَيُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويُخَلِّطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ. وبِما مُتَعَلِّقٌ بِأعْلَمَ، وما كانَ في مَعْنى العِلْمِ والجَهْلِ، وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا لِمَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ في بابِ أفْعَلَ في التَّعَجُّبِ، وفي أفْعَلِ التَّفْضِيلِ تَعَدّى بِالباءِ، تَقُولُ: ما أعْلَمَ زَيْدًا بِكَذا وما أجْهَلَهُ بِكَذا، وهو أعْلَمُ بِكَذا وأجْهَلُ بِكَذا بِخِلافِ سائِرِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ لِمَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ يَتَعَدّى في أفْعَلَ في التَّعَجُّبِ وأفْعَلَ التَّفْضِيلِ بِاللّامِ، تَقُولُ: ما أضْرَبَ زَيْدًا لِعَمْرٍو، وزَيْدٌ أضْرَبُ لِعَمْرٍو مِن بَكْرٍ، وبِهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: يَسْتَمِعُونَ بِالهُزْءِ أيْ: هازِئِينَ (وإذْ يَسْتَمِعُونَ) نُصِبَ بِأعْلَمَ أيْ: أعْلَمُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ بِما بِهِ يَسْتَمِعُونَ وبِما بِهِ يَتَناجَوْنَ، إذْ هم ذَوُو نَجْوى ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ هم) . انْتَهى.
وقالَ الحَوْفِيُّ: لَمْ يَقُلْ: يَسْتَمِعُونَهُ ولا يَسْتَمِعُونَكَ، لَمّا كانَ الغَرَضُ لَيْسَ الإخْبارَ عَنِ الِاسْتِماعِ فَقَطْ، وكانَ مُضَمَّنًا أنَّ الِاسْتِماعَ كانَ عَلى طَرِيقِ الهُزْءِ بِأنْ يَقُولُوا: مَجْنُونٌ أوْ مَسْحُورٌ، جاءَ الِاسْتِماعُ بِالباءِ وإلى؛ لِيُعْلَمَ أنَّ الِاسْتِماعَ لَيْسَ المُرادُ بِهِ تَفَهُّمَ المَسْمُوعِ دُونَ هَذا المَقْصِدِ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ فَإذِ الأُولى تَتَعَلَّقُ بِـ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ بِهِ وكَذا ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ لِأنَّ المَعْنى نَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ إلَيْكَ وإلى قِراءَتِكَ وكَلامِكَ، إنَّما يَسْتَمِعُونَ لِسَقَطِكَ وتَتَبُّعِ عَيْبِكَ والتِماسِ ما يَطْعَنُونَ بِهِ عَلَيْكَ، يَعْنِي في زَعْمِهِمْ، ولِهَذا ذُكِرَ تَعْدِيَتُهُ بِالباءِ وإلى. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ. قِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وإذْ ظَرْفٌ لِيَسْتَمِعُونَ الأُولى، والنَّجْوى مَصْدَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَجِيٍّ كَقَتِيلٍ وقَتْلى، وإذْ بَدَلٌ مِن (إذْ) الأُولى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ تَقُولُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما هو بِمَعْنى الَّذِي، والمُرادُ الِاسْتِخْفافُ والإعْراضُ، فَكَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالِاسْتِخْفافِ والِاسْتِهْزاءِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ، أيْ: هو مُلازِمُهم، فَفَضَحَ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ سِرَّهم، والعامِلُ في (إذْ) الأُولى، وفي المَعْطُوفِ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ الأُولى. انْتَهى. تَناجَوْا، فَقالَ النَّضْرُ: ما أفْهَمُ ما تَقُولُ، وقالَ أبُو سُفْيانَ: أرى بَعْضَهُ حَقًّا، وقالَ أبُو جَهْلٍ: مَجْنُونٌ، وقالَ أبُو لَهَبٍ: كاهِنٌ، وقالَ حُوَيْطِبٌ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم: إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، ورُوِيَ أنَّ تَناجِيَهم كانَ عِنْدَ عُتْبَةَ دَعا أشْرافَ قُرَيْشٍ إلى (p-٤٤)طَعامٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهم إلى اللَّهِ. فَتَناجَوْا، يَقُولُونَ: ساحِرٌ مَجْنُونٌ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿مَسْحُورًا﴾ مِنَ السِّحْرِ أيْ: خَبِلَ عَقْلَهُ السِّحْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَخْدُوعًا نَحْوُ ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أيْ: تُخْدَعُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿مَسْحُورًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ لَهُ سَحْرًا أيْ: رِئَةً فَهو لا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَهو مِثْلُكم ولَيْسَ بِمَلَكٍ، وتَقُولُ العَرَبُ لِلْجَبانِ: قَدِ انْتَفَخَ سَحْرُهُ، ولِكُلِّ مَن أكَلَ أوْ شَرِبَ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ مَسْحُورٌ. قالَ:
؎أرانا مُوضَعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
أيْ: نُغَذّى ونُعَلَّلُ ونُسْحَرُ. قالَ لَبِيدٌ:
؎فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا أدْرِي ما الَّذِي حَمَلَ أبا عُبَيْدَةَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المُسْتَكْرَهِ مَعَ أنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الآيَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تُقَوِّي أنَّ اللَّفْظَةَ مِنَ السِّحْرِ بِكَسْرِ السِّينِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِمْ ضَرْبَ مَثَلٍ، وأمّا عَلى أنَّها مِنَ السَّحْرِ الَّذِي هو الرِّئَةُ، ومِنَ التَّغَذِّي وأنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ بَشَرٌ فَلَمْ يُضْرَبْ لَهُ في ذَلِكَ مَثَلٌ بَلْ هي صِفَةٌ حَقِيقَةٌ لَهُ، و﴿الأمْثالَ﴾ تَقَدَّمَ ما قالُوهُ في تَناجِيهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ التَّسْلِيَةِ والتَّلْبِيسِ، ثُمَّ رَأى الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: أنَّ أقْرَبَها لِتَخْيِيلِ الطّارِئِينَ عَلَيْهِمْ هو أنَّهُ ساحِرٌ فَضَلُّوا في جَمِيعِ ذَلِكَ ضَلالَ مَن يَطْلُبُ فِيهِ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ، فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَهو مُتَحَيِّرٌ في أمْرِهِ عَلَيْهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والنَّظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، أوْ سَبِيلًا إلى إفْسادِ أمْرِكَ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ بِضَرْبِهِمُ الأمْثالَ، واتِّباعِهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ في جِهَتِكَ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأصْحابِهِ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ وإنْكارٍ واسْتِبْعادٍ، لَمّا ضَرَبُوا لَهُ الأمْثالَ، وقالُوا عَنْهُ: إنَّهُ مَسْحُورٌ، ذَكَرُوا ما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى زَعْمِهِمْ عَلى اتِّصافِهِ بِما نَسَبُوا إلَيْهِ، واسْتَبْعَدُوا أنَّهُ بَعْدَ ما يَصِيرُ الإنْسانُ رُفاتًا يُحْيِيهِ اللَّهُ ويُعِيدُهُ، وقَدْ رُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي فَطَرَهم بَعْدَ العَدَمِ الصِّرْفِ عَلى ما يَأْتِي شَرْحُهُ في الآيَةِ بَعْدَ هَذا، ومَن قَرَأ مِنَ القُرّاءِ إذا وإنّا مَعًا أوْ إحْداهُما عَلى صُورَةِ الخَبَرِ فَلا يُرِيدُ الخَبَرَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ يَكُونُ تَصْدِيقًا بِالبَعْثِ والنَّشْأةِ الآخِرَةِ، ولَكِنَّهُ حَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لِدَلالَةِ المَعْنى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إذا كُنّا تُرابًا وعِظامًا نُبْعَثُ أوْ نُعادُ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهَذا المَحْذُوفُ هو جَوابُ الشَّرْطِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الِاسْتِفْهامُ وانْصَبَّ عَلَيْهِ عِنْدَ يُونُسَ، و﴿خَلْقًا﴾ حالٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ أيْ: مَخْلُوقًا.
الإسراء 17:47
﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ .
نَزَلَتْ ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ في أبِي سُفْيانَ والنَّضْرِ وأبِي جَهْلٍ وأُمِّ جَمِيلٍ امْرَأةِ أبِي (p-٤٢)لَهَبٍ، كانُوا يُؤْذُونَ الرَّسُولَ إذا قَرَأ القُرْآنَ، فَحَجَبَ اللَّهُ أبْصارَهم إذا قَرَأ فَكانُوا يَمُرُّونَ بِهِ ولا يَرَوْنَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «نَزَلَتْ في امْرَأةِ أبِي لَهَبٍ، دَخَلَتْ مَنزِلَ أبِي بَكْرٍ وبِيَدِها فِهْرٌ والرَّسُولُ ﷺ عِنْدَهُ، فَقالَتْ: هَجانِي صاحِبُكَ، قالَ: ما هو بِشاعِرٍ، قالَتْ: قالَ: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] وما يُدْرِيهِ ما في جِيدِي ؟ فَقالَ لِأبِي بَكْرٍ: ”سَلْها هَلْ تَرى غَيْرَكَ ؟ فَإنَّ مَلَكًا لَمْ يَزَلْ يَسْتُرُنِي عَنْها“ فَسَألَها، فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي ما أرى غَيْرَكَ، فانْصَرَفَتْ ولَمْ تَرَ الرَّسُولَ ﷺ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ كانُوا يُؤْذُونَهُ في اللَّيْلِ إذا صَلّى وجَهَرَ بِالقِراءَةِ، فَحالَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ أذاهُ.
ولَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ الإلَهِيَّةِ جاءَ بَعْدَهُ تَقْرِيرُ النُّبُوَّةِ وذِكْرُ شَيْءٍ مِن أحْوالِ الكَفَرَةِ في إنْكارِها وإنْكارِ المَعادِ، والمَعْنى: وإذا شَرَعْتَ في القِراءَةِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى الفَراغِ مِنَ القِراءَةِ بَلِ المَعْنى عَلى أنَّكَ إذا التَبَسْتَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ، ولا يُرادُ بِالقُرْآنِ جَمِيعُهُ بَلْ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَإنَّكَ تَقُولُ لِمَن يَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ: هَذا يَقْرَأُ القُرْآنَ، والظّاهِرُ أنَّ القُرْآنَ هُنا هو ما قُرِئَ مِنَ القُرْآنِ أيَّ شَيْءٍ كانَ مِنهُ، وقِيلَ: ثَلاثُ آياتٍ مِنهُ مُعَيَّنَةٌ، وهي في النَّحْلِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ﴾ [النحل: ١٠٨] - إلى - ﴿الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] وفي الكَهْفِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الكهف: ٥٧] - إلى - ﴿إذًا أبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] وفي الجاثِيَةِ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] - إلى - ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] وعَنْ كَعْبٍ أنَّ الرَّسُولَ كانَ يَسْتَتِرُ بِهَذِهِ الآياتِ، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أنَّهُ عَيَّنَها لَهُ هاتِفٌ مِن جانِبِ البَيْتِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: أنَّهُ أسَرَّ زَمانًا ثُمَّ اهْتَدى قِراءَتَها فَخَرَجَ لا يُبْصِرُهُ الكُفّارُ وهم يَتَطَلَّبُونَهُ تَمَسُّ ثِيابُهم ثِيابَهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ويُزادُ إلى هَذِهِ الآيِ أوَّلُ يس إلى ﴿فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] فَفي السِّيرَةِ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ حِينَ نامَ عَلى فِراشِهِ خَرَجَ يَنْثُرُ التُّرابَ عَلى رُءُوسِ الكُفّارِ فَلا يَرَوْنَهُ، وهو يَتْلُو هَذِهِ الآياتِ مِن يس، ولَمْ يُبْقِ أحَدًا مِنهم إلّا وضَعَ عَلى رَأْسِهِ تُرابًا»، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: جَعَلْنا بَيْنَ رُؤْيَتِكَ وبَيْنَ أبْصارِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ كَما ورَدَ في سَبَبِ النُّزُولِ.
وقالَ قَتادَةُ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ ما مَعْناهُ: جَعَلْنا بَيْنَ فَهْمِ ما تَقْرَأُ وبَيْنَهم ﴿حِجابًا﴾ فَلا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِكَ ولا بِالبَعْثِ، فالمَعْنى قَرِيبٌ مِنَ الآيَةِ بَعْدَها، والظّاهِرُ إقْرارُ ﴿مَسْتُورًا﴾ عَلى مَوْضُوعِهِ مِن كَوْنِهِ اسْمَ مَفْعُولٍ أيْ مَسْتُورًا عَنْ أعْيُنِ الكُفّارِ فَلا يَرَوْنَهُ، أوْ ﴿مَسْتُورًا﴾ بِهِ الرَّسُولُ عَنْ رُؤْيَتِهِمْ. ونُسِبَ السَّتْرُ إلَيْهِ لَمّا كانَ مَسْتُورًا بِهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، ويُؤَوَّلُ مَعْناهُ إلى أنَّهُ ذُو سَتْرٍ كَما جاءَ في صِيغَةِ لابِنٍ وتامِرٍ أيْ: ذُو لَبَنٍ، وذُو تَمْرٍ. وقالُوا: رَجُلٌ مَرْطُوبٌ أيْ: ذُو رَطْبَةٍ، ولا يُقالُ رَطَّبْتُهُ، ومَكانٌ مَهُولٌ أيْ: ذُو هَوْلٍ، وجارِيَةٌ مَغْنُوجَةٌ، ولا يُقالُ: هُلْتُ المَكانَ، ولا غَنِجَتِ الجارِيَةُ. وقالَ الأخْفَشُ وجَماعَةٌ: ﴿مَسْتُورًا﴾ ساتِرًا واسْمُ الفاعِلِ قَدْ يَجِيءُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ، كَما قالُوا: مَشْئُومٌ ومَيْمُونٌ يُرِيدُونَ شائِمٌ ويامِنٌ. وقِيلَ: مَسْتُورٌ: وصْفٌ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالُوا: شِعْرٌ شاعِرٌ، ورُدَّ بِأنَّ المُبالَغَةَ إنَّما تَكُونُ بِاسْمِ الفاعِلِ ومِن لَفْظِ الأوَّلِ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوائِلِ الأنْعامِ ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ . قِيلَ: «دَخَلَ مَلَأُ قُرَيْشٍ عَلى أبِي طالِبٍ يَزُورُونَهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ ومَرَّ بِالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: ”يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ“ فَوَلَّوْا ونَفَرُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في حالِ الفارِّينَ عِنْدَ وقْتِ قِراءَتِهِ ومُرُورِهِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، والمَعْنى: إذا جاءَتْ مَواضِعُ التَّوْحِيدِ فَرَّ الكُفّارُ إنْكارًا لَهُ واسْتِبْشاعًا لِرَفْضِ آلِهَتِهِمْ واطِّراحِها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَدَ يَحِدُ وحْدًا وحِدَةً نَحْوُ وعَدَ يَعِدُ (p-٤٣)وعْدًا وعِدَةً و(وحْدَهُ) مِن بابِ رَجَعَ عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ، وافْعَلْهُ جُهْدَكَ وطاقَتَكَ في أنَّهُ مَصْدَرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحالِ، أصْلُهُ يَحِدُ وحْدَهُ بِمَعْنى واحِدًا. انْتَهى. وما ذُهِبَ إلَيْهِ مِن أنَّ (وحْدَهُ) مَصْدَرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحالِ، خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، و(وحْدَهُ) عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ مَصْدَرًا بَلْ هو اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الحالِ، فَـ وحْدَهُ عِنْدَهُ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ إيحادٍ، وإيحادٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مُوَحِّدٍ. وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّ (وحْدَهُ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِأوْحَدَ عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِوَحْدٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحُجَجُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وإذا ذَكَرْتَ (وحْدَهُ) بَعْدَ فاعِلٍ ومَفْعُولٍ نَحْوُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُوَحِّدًا لَهُ بِالضَّرْبِ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ فَعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ﴾ مُوَحِّدًا لَهُ بِالذِّكْرِ، وعَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مُوَحِّدًا بِالذِّكْرِ.
و(نُفُورًا) حالٌ جَمْعُ نافِرٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ، أوْ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ولَّوْا﴾ نَفَرُوا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿ولَّوْا﴾ عَلى الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ الشَّياطِينِ؛ لِأنَّهم يَفِرُّونَ مِنَ القُرْآنِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ. وقالَ أبُو الحَوْراءِ أوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ شَيْءٌ أطْرَدَ لِلشَّيْطانِ مِنَ القَلْبِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وإذا ذَكَرْتَ﴾ الآيَةَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هو البَسْمَلَةُ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِالِاسْتِخْفافِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ والهُزْءِ بِكَ واللَّغْوِ، كانَ إذا قَرَأ ﷺ قامَ رَجُلانِ مِن بَنِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَمِينِهِ ورَجُلانِ مِنهم عَنْ يَسارِهِ، فَيُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويُخَلِّطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ. وبِما مُتَعَلِّقٌ بِأعْلَمَ، وما كانَ في مَعْنى العِلْمِ والجَهْلِ، وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا لِمَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ في بابِ أفْعَلَ في التَّعَجُّبِ، وفي أفْعَلِ التَّفْضِيلِ تَعَدّى بِالباءِ، تَقُولُ: ما أعْلَمَ زَيْدًا بِكَذا وما أجْهَلَهُ بِكَذا، وهو أعْلَمُ بِكَذا وأجْهَلُ بِكَذا بِخِلافِ سائِرِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ لِمَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ يَتَعَدّى في أفْعَلَ في التَّعَجُّبِ وأفْعَلَ التَّفْضِيلِ بِاللّامِ، تَقُولُ: ما أضْرَبَ زَيْدًا لِعَمْرٍو، وزَيْدٌ أضْرَبُ لِعَمْرٍو مِن بَكْرٍ، وبِهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: يَسْتَمِعُونَ بِالهُزْءِ أيْ: هازِئِينَ (وإذْ يَسْتَمِعُونَ) نُصِبَ بِأعْلَمَ أيْ: أعْلَمُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ بِما بِهِ يَسْتَمِعُونَ وبِما بِهِ يَتَناجَوْنَ، إذْ هم ذَوُو نَجْوى ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ هم) . انْتَهى.
وقالَ الحَوْفِيُّ: لَمْ يَقُلْ: يَسْتَمِعُونَهُ ولا يَسْتَمِعُونَكَ، لَمّا كانَ الغَرَضُ لَيْسَ الإخْبارَ عَنِ الِاسْتِماعِ فَقَطْ، وكانَ مُضَمَّنًا أنَّ الِاسْتِماعَ كانَ عَلى طَرِيقِ الهُزْءِ بِأنْ يَقُولُوا: مَجْنُونٌ أوْ مَسْحُورٌ، جاءَ الِاسْتِماعُ بِالباءِ وإلى؛ لِيُعْلَمَ أنَّ الِاسْتِماعَ لَيْسَ المُرادُ بِهِ تَفَهُّمَ المَسْمُوعِ دُونَ هَذا المَقْصِدِ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ فَإذِ الأُولى تَتَعَلَّقُ بِـ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ بِهِ وكَذا ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ لِأنَّ المَعْنى نَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ إلَيْكَ وإلى قِراءَتِكَ وكَلامِكَ، إنَّما يَسْتَمِعُونَ لِسَقَطِكَ وتَتَبُّعِ عَيْبِكَ والتِماسِ ما يَطْعَنُونَ بِهِ عَلَيْكَ، يَعْنِي في زَعْمِهِمْ، ولِهَذا ذُكِرَ تَعْدِيَتُهُ بِالباءِ وإلى. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ. قِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وإذْ ظَرْفٌ لِيَسْتَمِعُونَ الأُولى، والنَّجْوى مَصْدَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَجِيٍّ كَقَتِيلٍ وقَتْلى، وإذْ بَدَلٌ مِن (إذْ) الأُولى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ تَقُولُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما هو بِمَعْنى الَّذِي، والمُرادُ الِاسْتِخْفافُ والإعْراضُ، فَكَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالِاسْتِخْفافِ والِاسْتِهْزاءِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ، أيْ: هو مُلازِمُهم، فَفَضَحَ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ سِرَّهم، والعامِلُ في (إذْ) الأُولى، وفي المَعْطُوفِ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ الأُولى. انْتَهى. تَناجَوْا، فَقالَ النَّضْرُ: ما أفْهَمُ ما تَقُولُ، وقالَ أبُو سُفْيانَ: أرى بَعْضَهُ حَقًّا، وقالَ أبُو جَهْلٍ: مَجْنُونٌ، وقالَ أبُو لَهَبٍ: كاهِنٌ، وقالَ حُوَيْطِبٌ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم: إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، ورُوِيَ أنَّ تَناجِيَهم كانَ عِنْدَ عُتْبَةَ دَعا أشْرافَ قُرَيْشٍ إلى (p-٤٤)طَعامٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهم إلى اللَّهِ. فَتَناجَوْا، يَقُولُونَ: ساحِرٌ مَجْنُونٌ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿مَسْحُورًا﴾ مِنَ السِّحْرِ أيْ: خَبِلَ عَقْلَهُ السِّحْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَخْدُوعًا نَحْوُ ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أيْ: تُخْدَعُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿مَسْحُورًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ لَهُ سَحْرًا أيْ: رِئَةً فَهو لا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَهو مِثْلُكم ولَيْسَ بِمَلَكٍ، وتَقُولُ العَرَبُ لِلْجَبانِ: قَدِ انْتَفَخَ سَحْرُهُ، ولِكُلِّ مَن أكَلَ أوْ شَرِبَ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ مَسْحُورٌ. قالَ:
؎أرانا مُوضَعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
أيْ: نُغَذّى ونُعَلَّلُ ونُسْحَرُ. قالَ لَبِيدٌ:
؎فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا أدْرِي ما الَّذِي حَمَلَ أبا عُبَيْدَةَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المُسْتَكْرَهِ مَعَ أنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الآيَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تُقَوِّي أنَّ اللَّفْظَةَ مِنَ السِّحْرِ بِكَسْرِ السِّينِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِمْ ضَرْبَ مَثَلٍ، وأمّا عَلى أنَّها مِنَ السَّحْرِ الَّذِي هو الرِّئَةُ، ومِنَ التَّغَذِّي وأنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ بَشَرٌ فَلَمْ يُضْرَبْ لَهُ في ذَلِكَ مَثَلٌ بَلْ هي صِفَةٌ حَقِيقَةٌ لَهُ، و﴿الأمْثالَ﴾ تَقَدَّمَ ما قالُوهُ في تَناجِيهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ التَّسْلِيَةِ والتَّلْبِيسِ، ثُمَّ رَأى الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: أنَّ أقْرَبَها لِتَخْيِيلِ الطّارِئِينَ عَلَيْهِمْ هو أنَّهُ ساحِرٌ فَضَلُّوا في جَمِيعِ ذَلِكَ ضَلالَ مَن يَطْلُبُ فِيهِ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ، فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَهو مُتَحَيِّرٌ في أمْرِهِ عَلَيْهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والنَّظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، أوْ سَبِيلًا إلى إفْسادِ أمْرِكَ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ بِضَرْبِهِمُ الأمْثالَ، واتِّباعِهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ في جِهَتِكَ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأصْحابِهِ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ وإنْكارٍ واسْتِبْعادٍ، لَمّا ضَرَبُوا لَهُ الأمْثالَ، وقالُوا عَنْهُ: إنَّهُ مَسْحُورٌ، ذَكَرُوا ما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى زَعْمِهِمْ عَلى اتِّصافِهِ بِما نَسَبُوا إلَيْهِ، واسْتَبْعَدُوا أنَّهُ بَعْدَ ما يَصِيرُ الإنْسانُ رُفاتًا يُحْيِيهِ اللَّهُ ويُعِيدُهُ، وقَدْ رُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي فَطَرَهم بَعْدَ العَدَمِ الصِّرْفِ عَلى ما يَأْتِي شَرْحُهُ في الآيَةِ بَعْدَ هَذا، ومَن قَرَأ مِنَ القُرّاءِ إذا وإنّا مَعًا أوْ إحْداهُما عَلى صُورَةِ الخَبَرِ فَلا يُرِيدُ الخَبَرَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ يَكُونُ تَصْدِيقًا بِالبَعْثِ والنَّشْأةِ الآخِرَةِ، ولَكِنَّهُ حَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لِدَلالَةِ المَعْنى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إذا كُنّا تُرابًا وعِظامًا نُبْعَثُ أوْ نُعادُ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهَذا المَحْذُوفُ هو جَوابُ الشَّرْطِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الِاسْتِفْهامُ وانْصَبَّ عَلَيْهِ عِنْدَ يُونُسَ، و﴿خَلْقًا﴾ حالٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ أيْ: مَخْلُوقًا.
الإسراء 17:48
﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ .
نَزَلَتْ ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ في أبِي سُفْيانَ والنَّضْرِ وأبِي جَهْلٍ وأُمِّ جَمِيلٍ امْرَأةِ أبِي (p-٤٢)لَهَبٍ، كانُوا يُؤْذُونَ الرَّسُولَ إذا قَرَأ القُرْآنَ، فَحَجَبَ اللَّهُ أبْصارَهم إذا قَرَأ فَكانُوا يَمُرُّونَ بِهِ ولا يَرَوْنَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «نَزَلَتْ في امْرَأةِ أبِي لَهَبٍ، دَخَلَتْ مَنزِلَ أبِي بَكْرٍ وبِيَدِها فِهْرٌ والرَّسُولُ ﷺ عِنْدَهُ، فَقالَتْ: هَجانِي صاحِبُكَ، قالَ: ما هو بِشاعِرٍ، قالَتْ: قالَ: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] وما يُدْرِيهِ ما في جِيدِي ؟ فَقالَ لِأبِي بَكْرٍ: ”سَلْها هَلْ تَرى غَيْرَكَ ؟ فَإنَّ مَلَكًا لَمْ يَزَلْ يَسْتُرُنِي عَنْها“ فَسَألَها، فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي ما أرى غَيْرَكَ، فانْصَرَفَتْ ولَمْ تَرَ الرَّسُولَ ﷺ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ كانُوا يُؤْذُونَهُ في اللَّيْلِ إذا صَلّى وجَهَرَ بِالقِراءَةِ، فَحالَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ أذاهُ.
ولَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ الإلَهِيَّةِ جاءَ بَعْدَهُ تَقْرِيرُ النُّبُوَّةِ وذِكْرُ شَيْءٍ مِن أحْوالِ الكَفَرَةِ في إنْكارِها وإنْكارِ المَعادِ، والمَعْنى: وإذا شَرَعْتَ في القِراءَةِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى الفَراغِ مِنَ القِراءَةِ بَلِ المَعْنى عَلى أنَّكَ إذا التَبَسْتَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ، ولا يُرادُ بِالقُرْآنِ جَمِيعُهُ بَلْ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَإنَّكَ تَقُولُ لِمَن يَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ: هَذا يَقْرَأُ القُرْآنَ، والظّاهِرُ أنَّ القُرْآنَ هُنا هو ما قُرِئَ مِنَ القُرْآنِ أيَّ شَيْءٍ كانَ مِنهُ، وقِيلَ: ثَلاثُ آياتٍ مِنهُ مُعَيَّنَةٌ، وهي في النَّحْلِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ﴾ [النحل: ١٠٨] - إلى - ﴿الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] وفي الكَهْفِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الكهف: ٥٧] - إلى - ﴿إذًا أبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] وفي الجاثِيَةِ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] - إلى - ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] وعَنْ كَعْبٍ أنَّ الرَّسُولَ كانَ يَسْتَتِرُ بِهَذِهِ الآياتِ، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أنَّهُ عَيَّنَها لَهُ هاتِفٌ مِن جانِبِ البَيْتِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: أنَّهُ أسَرَّ زَمانًا ثُمَّ اهْتَدى قِراءَتَها فَخَرَجَ لا يُبْصِرُهُ الكُفّارُ وهم يَتَطَلَّبُونَهُ تَمَسُّ ثِيابُهم ثِيابَهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ويُزادُ إلى هَذِهِ الآيِ أوَّلُ يس إلى ﴿فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] فَفي السِّيرَةِ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ حِينَ نامَ عَلى فِراشِهِ خَرَجَ يَنْثُرُ التُّرابَ عَلى رُءُوسِ الكُفّارِ فَلا يَرَوْنَهُ، وهو يَتْلُو هَذِهِ الآياتِ مِن يس، ولَمْ يُبْقِ أحَدًا مِنهم إلّا وضَعَ عَلى رَأْسِهِ تُرابًا»، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: جَعَلْنا بَيْنَ رُؤْيَتِكَ وبَيْنَ أبْصارِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ كَما ورَدَ في سَبَبِ النُّزُولِ.
وقالَ قَتادَةُ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ ما مَعْناهُ: جَعَلْنا بَيْنَ فَهْمِ ما تَقْرَأُ وبَيْنَهم ﴿حِجابًا﴾ فَلا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِكَ ولا بِالبَعْثِ، فالمَعْنى قَرِيبٌ مِنَ الآيَةِ بَعْدَها، والظّاهِرُ إقْرارُ ﴿مَسْتُورًا﴾ عَلى مَوْضُوعِهِ مِن كَوْنِهِ اسْمَ مَفْعُولٍ أيْ مَسْتُورًا عَنْ أعْيُنِ الكُفّارِ فَلا يَرَوْنَهُ، أوْ ﴿مَسْتُورًا﴾ بِهِ الرَّسُولُ عَنْ رُؤْيَتِهِمْ. ونُسِبَ السَّتْرُ إلَيْهِ لَمّا كانَ مَسْتُورًا بِهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، ويُؤَوَّلُ مَعْناهُ إلى أنَّهُ ذُو سَتْرٍ كَما جاءَ في صِيغَةِ لابِنٍ وتامِرٍ أيْ: ذُو لَبَنٍ، وذُو تَمْرٍ. وقالُوا: رَجُلٌ مَرْطُوبٌ أيْ: ذُو رَطْبَةٍ، ولا يُقالُ رَطَّبْتُهُ، ومَكانٌ مَهُولٌ أيْ: ذُو هَوْلٍ، وجارِيَةٌ مَغْنُوجَةٌ، ولا يُقالُ: هُلْتُ المَكانَ، ولا غَنِجَتِ الجارِيَةُ. وقالَ الأخْفَشُ وجَماعَةٌ: ﴿مَسْتُورًا﴾ ساتِرًا واسْمُ الفاعِلِ قَدْ يَجِيءُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ، كَما قالُوا: مَشْئُومٌ ومَيْمُونٌ يُرِيدُونَ شائِمٌ ويامِنٌ. وقِيلَ: مَسْتُورٌ: وصْفٌ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالُوا: شِعْرٌ شاعِرٌ، ورُدَّ بِأنَّ المُبالَغَةَ إنَّما تَكُونُ بِاسْمِ الفاعِلِ ومِن لَفْظِ الأوَّلِ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوائِلِ الأنْعامِ ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ . قِيلَ: «دَخَلَ مَلَأُ قُرَيْشٍ عَلى أبِي طالِبٍ يَزُورُونَهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ ومَرَّ بِالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: ”يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ“ فَوَلَّوْا ونَفَرُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في حالِ الفارِّينَ عِنْدَ وقْتِ قِراءَتِهِ ومُرُورِهِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، والمَعْنى: إذا جاءَتْ مَواضِعُ التَّوْحِيدِ فَرَّ الكُفّارُ إنْكارًا لَهُ واسْتِبْشاعًا لِرَفْضِ آلِهَتِهِمْ واطِّراحِها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَدَ يَحِدُ وحْدًا وحِدَةً نَحْوُ وعَدَ يَعِدُ (p-٤٣)وعْدًا وعِدَةً و(وحْدَهُ) مِن بابِ رَجَعَ عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ، وافْعَلْهُ جُهْدَكَ وطاقَتَكَ في أنَّهُ مَصْدَرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحالِ، أصْلُهُ يَحِدُ وحْدَهُ بِمَعْنى واحِدًا. انْتَهى. وما ذُهِبَ إلَيْهِ مِن أنَّ (وحْدَهُ) مَصْدَرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحالِ، خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، و(وحْدَهُ) عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ مَصْدَرًا بَلْ هو اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الحالِ، فَـ وحْدَهُ عِنْدَهُ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ إيحادٍ، وإيحادٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مُوَحِّدٍ. وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّ (وحْدَهُ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِأوْحَدَ عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِوَحْدٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحُجَجُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وإذا ذَكَرْتَ (وحْدَهُ) بَعْدَ فاعِلٍ ومَفْعُولٍ نَحْوُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُوَحِّدًا لَهُ بِالضَّرْبِ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ فَعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ﴾ مُوَحِّدًا لَهُ بِالذِّكْرِ، وعَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مُوَحِّدًا بِالذِّكْرِ.
و(نُفُورًا) حالٌ جَمْعُ نافِرٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ، أوْ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ولَّوْا﴾ نَفَرُوا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿ولَّوْا﴾ عَلى الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ الشَّياطِينِ؛ لِأنَّهم يَفِرُّونَ مِنَ القُرْآنِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ. وقالَ أبُو الحَوْراءِ أوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ شَيْءٌ أطْرَدَ لِلشَّيْطانِ مِنَ القَلْبِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وإذا ذَكَرْتَ﴾ الآيَةَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هو البَسْمَلَةُ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِالِاسْتِخْفافِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ والهُزْءِ بِكَ واللَّغْوِ، كانَ إذا قَرَأ ﷺ قامَ رَجُلانِ مِن بَنِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَمِينِهِ ورَجُلانِ مِنهم عَنْ يَسارِهِ، فَيُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويُخَلِّطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ. وبِما مُتَعَلِّقٌ بِأعْلَمَ، وما كانَ في مَعْنى العِلْمِ والجَهْلِ، وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا لِمَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ في بابِ أفْعَلَ في التَّعَجُّبِ، وفي أفْعَلِ التَّفْضِيلِ تَعَدّى بِالباءِ، تَقُولُ: ما أعْلَمَ زَيْدًا بِكَذا وما أجْهَلَهُ بِكَذا، وهو أعْلَمُ بِكَذا وأجْهَلُ بِكَذا بِخِلافِ سائِرِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ لِمَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ يَتَعَدّى في أفْعَلَ في التَّعَجُّبِ وأفْعَلَ التَّفْضِيلِ بِاللّامِ، تَقُولُ: ما أضْرَبَ زَيْدًا لِعَمْرٍو، وزَيْدٌ أضْرَبُ لِعَمْرٍو مِن بَكْرٍ، وبِهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: يَسْتَمِعُونَ بِالهُزْءِ أيْ: هازِئِينَ (وإذْ يَسْتَمِعُونَ) نُصِبَ بِأعْلَمَ أيْ: أعْلَمُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ بِما بِهِ يَسْتَمِعُونَ وبِما بِهِ يَتَناجَوْنَ، إذْ هم ذَوُو نَجْوى ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ هم) . انْتَهى.
وقالَ الحَوْفِيُّ: لَمْ يَقُلْ: يَسْتَمِعُونَهُ ولا يَسْتَمِعُونَكَ، لَمّا كانَ الغَرَضُ لَيْسَ الإخْبارَ عَنِ الِاسْتِماعِ فَقَطْ، وكانَ مُضَمَّنًا أنَّ الِاسْتِماعَ كانَ عَلى طَرِيقِ الهُزْءِ بِأنْ يَقُولُوا: مَجْنُونٌ أوْ مَسْحُورٌ، جاءَ الِاسْتِماعُ بِالباءِ وإلى؛ لِيُعْلَمَ أنَّ الِاسْتِماعَ لَيْسَ المُرادُ بِهِ تَفَهُّمَ المَسْمُوعِ دُونَ هَذا المَقْصِدِ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ فَإذِ الأُولى تَتَعَلَّقُ بِـ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ بِهِ وكَذا ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ لِأنَّ المَعْنى نَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ إلَيْكَ وإلى قِراءَتِكَ وكَلامِكَ، إنَّما يَسْتَمِعُونَ لِسَقَطِكَ وتَتَبُّعِ عَيْبِكَ والتِماسِ ما يَطْعَنُونَ بِهِ عَلَيْكَ، يَعْنِي في زَعْمِهِمْ، ولِهَذا ذُكِرَ تَعْدِيَتُهُ بِالباءِ وإلى. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ. قِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وإذْ ظَرْفٌ لِيَسْتَمِعُونَ الأُولى، والنَّجْوى مَصْدَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَجِيٍّ كَقَتِيلٍ وقَتْلى، وإذْ بَدَلٌ مِن (إذْ) الأُولى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ تَقُولُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما هو بِمَعْنى الَّذِي، والمُرادُ الِاسْتِخْفافُ والإعْراضُ، فَكَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالِاسْتِخْفافِ والِاسْتِهْزاءِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ، أيْ: هو مُلازِمُهم، فَفَضَحَ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ سِرَّهم، والعامِلُ في (إذْ) الأُولى، وفي المَعْطُوفِ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ الأُولى. انْتَهى. تَناجَوْا، فَقالَ النَّضْرُ: ما أفْهَمُ ما تَقُولُ، وقالَ أبُو سُفْيانَ: أرى بَعْضَهُ حَقًّا، وقالَ أبُو جَهْلٍ: مَجْنُونٌ، وقالَ أبُو لَهَبٍ: كاهِنٌ، وقالَ حُوَيْطِبٌ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم: إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، ورُوِيَ أنَّ تَناجِيَهم كانَ عِنْدَ عُتْبَةَ دَعا أشْرافَ قُرَيْشٍ إلى (p-٤٤)طَعامٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهم إلى اللَّهِ. فَتَناجَوْا، يَقُولُونَ: ساحِرٌ مَجْنُونٌ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿مَسْحُورًا﴾ مِنَ السِّحْرِ أيْ: خَبِلَ عَقْلَهُ السِّحْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَخْدُوعًا نَحْوُ ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أيْ: تُخْدَعُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿مَسْحُورًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ لَهُ سَحْرًا أيْ: رِئَةً فَهو لا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَهو مِثْلُكم ولَيْسَ بِمَلَكٍ، وتَقُولُ العَرَبُ لِلْجَبانِ: قَدِ انْتَفَخَ سَحْرُهُ، ولِكُلِّ مَن أكَلَ أوْ شَرِبَ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ مَسْحُورٌ. قالَ:
؎أرانا مُوضَعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
أيْ: نُغَذّى ونُعَلَّلُ ونُسْحَرُ. قالَ لَبِيدٌ:
؎فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا أدْرِي ما الَّذِي حَمَلَ أبا عُبَيْدَةَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المُسْتَكْرَهِ مَعَ أنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الآيَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تُقَوِّي أنَّ اللَّفْظَةَ مِنَ السِّحْرِ بِكَسْرِ السِّينِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِمْ ضَرْبَ مَثَلٍ، وأمّا عَلى أنَّها مِنَ السَّحْرِ الَّذِي هو الرِّئَةُ، ومِنَ التَّغَذِّي وأنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ بَشَرٌ فَلَمْ يُضْرَبْ لَهُ في ذَلِكَ مَثَلٌ بَلْ هي صِفَةٌ حَقِيقَةٌ لَهُ، و﴿الأمْثالَ﴾ تَقَدَّمَ ما قالُوهُ في تَناجِيهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ التَّسْلِيَةِ والتَّلْبِيسِ، ثُمَّ رَأى الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: أنَّ أقْرَبَها لِتَخْيِيلِ الطّارِئِينَ عَلَيْهِمْ هو أنَّهُ ساحِرٌ فَضَلُّوا في جَمِيعِ ذَلِكَ ضَلالَ مَن يَطْلُبُ فِيهِ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ، فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَهو مُتَحَيِّرٌ في أمْرِهِ عَلَيْهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والنَّظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، أوْ سَبِيلًا إلى إفْسادِ أمْرِكَ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ بِضَرْبِهِمُ الأمْثالَ، واتِّباعِهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ في جِهَتِكَ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأصْحابِهِ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ وإنْكارٍ واسْتِبْعادٍ، لَمّا ضَرَبُوا لَهُ الأمْثالَ، وقالُوا عَنْهُ: إنَّهُ مَسْحُورٌ، ذَكَرُوا ما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى زَعْمِهِمْ عَلى اتِّصافِهِ بِما نَسَبُوا إلَيْهِ، واسْتَبْعَدُوا أنَّهُ بَعْدَ ما يَصِيرُ الإنْسانُ رُفاتًا يُحْيِيهِ اللَّهُ ويُعِيدُهُ، وقَدْ رُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي فَطَرَهم بَعْدَ العَدَمِ الصِّرْفِ عَلى ما يَأْتِي شَرْحُهُ في الآيَةِ بَعْدَ هَذا، ومَن قَرَأ مِنَ القُرّاءِ إذا وإنّا مَعًا أوْ إحْداهُما عَلى صُورَةِ الخَبَرِ فَلا يُرِيدُ الخَبَرَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ يَكُونُ تَصْدِيقًا بِالبَعْثِ والنَّشْأةِ الآخِرَةِ، ولَكِنَّهُ حَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لِدَلالَةِ المَعْنى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إذا كُنّا تُرابًا وعِظامًا نُبْعَثُ أوْ نُعادُ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهَذا المَحْذُوفُ هو جَوابُ الشَّرْطِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الِاسْتِفْهامُ وانْصَبَّ عَلَيْهِ عِنْدَ يُونُسَ، و﴿خَلْقًا﴾ حالٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ أيْ: مَخْلُوقًا.
الإسراء 17:49
﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ .
نَزَلَتْ ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ في أبِي سُفْيانَ والنَّضْرِ وأبِي جَهْلٍ وأُمِّ جَمِيلٍ امْرَأةِ أبِي (p-٤٢)لَهَبٍ، كانُوا يُؤْذُونَ الرَّسُولَ إذا قَرَأ القُرْآنَ، فَحَجَبَ اللَّهُ أبْصارَهم إذا قَرَأ فَكانُوا يَمُرُّونَ بِهِ ولا يَرَوْنَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «نَزَلَتْ في امْرَأةِ أبِي لَهَبٍ، دَخَلَتْ مَنزِلَ أبِي بَكْرٍ وبِيَدِها فِهْرٌ والرَّسُولُ ﷺ عِنْدَهُ، فَقالَتْ: هَجانِي صاحِبُكَ، قالَ: ما هو بِشاعِرٍ، قالَتْ: قالَ: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] وما يُدْرِيهِ ما في جِيدِي ؟ فَقالَ لِأبِي بَكْرٍ: ”سَلْها هَلْ تَرى غَيْرَكَ ؟ فَإنَّ مَلَكًا لَمْ يَزَلْ يَسْتُرُنِي عَنْها“ فَسَألَها، فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي ما أرى غَيْرَكَ، فانْصَرَفَتْ ولَمْ تَرَ الرَّسُولَ ﷺ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ كانُوا يُؤْذُونَهُ في اللَّيْلِ إذا صَلّى وجَهَرَ بِالقِراءَةِ، فَحالَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ أذاهُ.
ولَمّا تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ الإلَهِيَّةِ جاءَ بَعْدَهُ تَقْرِيرُ النُّبُوَّةِ وذِكْرُ شَيْءٍ مِن أحْوالِ الكَفَرَةِ في إنْكارِها وإنْكارِ المَعادِ، والمَعْنى: وإذا شَرَعْتَ في القِراءَةِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى الفَراغِ مِنَ القِراءَةِ بَلِ المَعْنى عَلى أنَّكَ إذا التَبَسْتَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ، ولا يُرادُ بِالقُرْآنِ جَمِيعُهُ بَلْ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَإنَّكَ تَقُولُ لِمَن يَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ: هَذا يَقْرَأُ القُرْآنَ، والظّاهِرُ أنَّ القُرْآنَ هُنا هو ما قُرِئَ مِنَ القُرْآنِ أيَّ شَيْءٍ كانَ مِنهُ، وقِيلَ: ثَلاثُ آياتٍ مِنهُ مُعَيَّنَةٌ، وهي في النَّحْلِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ﴾ [النحل: ١٠٨] - إلى - ﴿الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] وفي الكَهْفِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الكهف: ٥٧] - إلى - ﴿إذًا أبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] وفي الجاثِيَةِ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] - إلى - ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] وعَنْ كَعْبٍ أنَّ الرَّسُولَ كانَ يَسْتَتِرُ بِهَذِهِ الآياتِ، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أنَّهُ عَيَّنَها لَهُ هاتِفٌ مِن جانِبِ البَيْتِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: أنَّهُ أسَرَّ زَمانًا ثُمَّ اهْتَدى قِراءَتَها فَخَرَجَ لا يُبْصِرُهُ الكُفّارُ وهم يَتَطَلَّبُونَهُ تَمَسُّ ثِيابُهم ثِيابَهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ويُزادُ إلى هَذِهِ الآيِ أوَّلُ يس إلى ﴿فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] فَفي السِّيرَةِ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ حِينَ نامَ عَلى فِراشِهِ خَرَجَ يَنْثُرُ التُّرابَ عَلى رُءُوسِ الكُفّارِ فَلا يَرَوْنَهُ، وهو يَتْلُو هَذِهِ الآياتِ مِن يس، ولَمْ يُبْقِ أحَدًا مِنهم إلّا وضَعَ عَلى رَأْسِهِ تُرابًا»، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: جَعَلْنا بَيْنَ رُؤْيَتِكَ وبَيْنَ أبْصارِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ كَما ورَدَ في سَبَبِ النُّزُولِ.
وقالَ قَتادَةُ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ ما مَعْناهُ: جَعَلْنا بَيْنَ فَهْمِ ما تَقْرَأُ وبَيْنَهم ﴿حِجابًا﴾ فَلا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِكَ ولا بِالبَعْثِ، فالمَعْنى قَرِيبٌ مِنَ الآيَةِ بَعْدَها، والظّاهِرُ إقْرارُ ﴿مَسْتُورًا﴾ عَلى مَوْضُوعِهِ مِن كَوْنِهِ اسْمَ مَفْعُولٍ أيْ مَسْتُورًا عَنْ أعْيُنِ الكُفّارِ فَلا يَرَوْنَهُ، أوْ ﴿مَسْتُورًا﴾ بِهِ الرَّسُولُ عَنْ رُؤْيَتِهِمْ. ونُسِبَ السَّتْرُ إلَيْهِ لَمّا كانَ مَسْتُورًا بِهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، ويُؤَوَّلُ مَعْناهُ إلى أنَّهُ ذُو سَتْرٍ كَما جاءَ في صِيغَةِ لابِنٍ وتامِرٍ أيْ: ذُو لَبَنٍ، وذُو تَمْرٍ. وقالُوا: رَجُلٌ مَرْطُوبٌ أيْ: ذُو رَطْبَةٍ، ولا يُقالُ رَطَّبْتُهُ، ومَكانٌ مَهُولٌ أيْ: ذُو هَوْلٍ، وجارِيَةٌ مَغْنُوجَةٌ، ولا يُقالُ: هُلْتُ المَكانَ، ولا غَنِجَتِ الجارِيَةُ. وقالَ الأخْفَشُ وجَماعَةٌ: ﴿مَسْتُورًا﴾ ساتِرًا واسْمُ الفاعِلِ قَدْ يَجِيءُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ، كَما قالُوا: مَشْئُومٌ ومَيْمُونٌ يُرِيدُونَ شائِمٌ ويامِنٌ. وقِيلَ: مَسْتُورٌ: وصْفٌ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالُوا: شِعْرٌ شاعِرٌ، ورُدَّ بِأنَّ المُبالَغَةَ إنَّما تَكُونُ بِاسْمِ الفاعِلِ ومِن لَفْظِ الأوَّلِ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوائِلِ الأنْعامِ ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ . قِيلَ: «دَخَلَ مَلَأُ قُرَيْشٍ عَلى أبِي طالِبٍ يَزُورُونَهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ ومَرَّ بِالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: ”يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ“ فَوَلَّوْا ونَفَرُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ في حالِ الفارِّينَ عِنْدَ وقْتِ قِراءَتِهِ ومُرُورِهِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، والمَعْنى: إذا جاءَتْ مَواضِعُ التَّوْحِيدِ فَرَّ الكُفّارُ إنْكارًا لَهُ واسْتِبْشاعًا لِرَفْضِ آلِهَتِهِمْ واطِّراحِها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَدَ يَحِدُ وحْدًا وحِدَةً نَحْوُ وعَدَ يَعِدُ (p-٤٣)وعْدًا وعِدَةً و(وحْدَهُ) مِن بابِ رَجَعَ عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ، وافْعَلْهُ جُهْدَكَ وطاقَتَكَ في أنَّهُ مَصْدَرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحالِ، أصْلُهُ يَحِدُ وحْدَهُ بِمَعْنى واحِدًا. انْتَهى. وما ذُهِبَ إلَيْهِ مِن أنَّ (وحْدَهُ) مَصْدَرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحالِ، خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، و(وحْدَهُ) عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ مَصْدَرًا بَلْ هو اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الحالِ، فَـ وحْدَهُ عِنْدَهُ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ إيحادٍ، وإيحادٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مُوَحِّدٍ. وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّ (وحْدَهُ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِأوْحَدَ عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِوَحْدٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحُجَجُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وإذا ذَكَرْتَ (وحْدَهُ) بَعْدَ فاعِلٍ ومَفْعُولٍ نَحْوُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيْ: مُوَحِّدًا لَهُ بِالضَّرْبِ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ فَعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ﴾ مُوَحِّدًا لَهُ بِالذِّكْرِ، وعَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مُوَحِّدًا بِالذِّكْرِ.
و(نُفُورًا) حالٌ جَمْعُ نافِرٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ، أوْ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ولَّوْا﴾ نَفَرُوا، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في ﴿ولَّوْا﴾ عَلى الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ الشَّياطِينِ؛ لِأنَّهم يَفِرُّونَ مِنَ القُرْآنِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ. وقالَ أبُو الحَوْراءِ أوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ شَيْءٌ أطْرَدَ لِلشَّيْطانِ مِنَ القَلْبِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ تَلا ﴿وإذا ذَكَرْتَ﴾ الآيَةَ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هو البَسْمَلَةُ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِالِاسْتِخْفافِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ والهُزْءِ بِكَ واللَّغْوِ، كانَ إذا قَرَأ ﷺ قامَ رَجُلانِ مِن بَنِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَمِينِهِ ورَجُلانِ مِنهم عَنْ يَسارِهِ، فَيُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ ويُخَلِّطُونَ عَلَيْهِ بِالأشْعارِ. وبِما مُتَعَلِّقٌ بِأعْلَمَ، وما كانَ في مَعْنى العِلْمِ والجَهْلِ، وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا لِمَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ في بابِ أفْعَلَ في التَّعَجُّبِ، وفي أفْعَلِ التَّفْضِيلِ تَعَدّى بِالباءِ، تَقُولُ: ما أعْلَمَ زَيْدًا بِكَذا وما أجْهَلَهُ بِكَذا، وهو أعْلَمُ بِكَذا وأجْهَلُ بِكَذا بِخِلافِ سائِرِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ لِمَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ يَتَعَدّى في أفْعَلَ في التَّعَجُّبِ وأفْعَلَ التَّفْضِيلِ بِاللّامِ، تَقُولُ: ما أضْرَبَ زَيْدًا لِعَمْرٍو، وزَيْدٌ أضْرَبُ لِعَمْرٍو مِن بَكْرٍ، وبِهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقُولُ: يَسْتَمِعُونَ بِالهُزْءِ أيْ: هازِئِينَ (وإذْ يَسْتَمِعُونَ) نُصِبَ بِأعْلَمَ أيْ: أعْلَمُ وقْتَ اسْتِماعِهِمْ بِما بِهِ يَسْتَمِعُونَ وبِما بِهِ يَتَناجَوْنَ، إذْ هم ذَوُو نَجْوى ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ هم) . انْتَهى.
وقالَ الحَوْفِيُّ: لَمْ يَقُلْ: يَسْتَمِعُونَهُ ولا يَسْتَمِعُونَكَ، لَمّا كانَ الغَرَضُ لَيْسَ الإخْبارَ عَنِ الِاسْتِماعِ فَقَطْ، وكانَ مُضَمَّنًا أنَّ الِاسْتِماعَ كانَ عَلى طَرِيقِ الهُزْءِ بِأنْ يَقُولُوا: مَجْنُونٌ أوْ مَسْحُورٌ، جاءَ الِاسْتِماعُ بِالباءِ وإلى؛ لِيُعْلَمَ أنَّ الِاسْتِماعَ لَيْسَ المُرادُ بِهِ تَفَهُّمَ المَسْمُوعِ دُونَ هَذا المَقْصِدِ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ فَإذِ الأُولى تَتَعَلَّقُ بِـ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ بِهِ وكَذا ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ لِأنَّ المَعْنى نَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ إلَيْكَ وإلى قِراءَتِكَ وكَلامِكَ، إنَّما يَسْتَمِعُونَ لِسَقَطِكَ وتَتَبُّعِ عَيْبِكَ والتِماسِ ما يَطْعَنُونَ بِهِ عَلَيْكَ، يَعْنِي في زَعْمِهِمْ، ولِهَذا ذُكِرَ تَعْدِيَتُهُ بِالباءِ وإلى. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: يَسْتَمِعُونَ بِهِ. قِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وإذْ ظَرْفٌ لِيَسْتَمِعُونَ الأُولى، والنَّجْوى مَصْدَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَجِيٍّ كَقَتِيلٍ وقَتْلى، وإذْ بَدَلٌ مِن (إذْ) الأُولى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ تَقُولُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما هو بِمَعْنى الَّذِي، والمُرادُ الِاسْتِخْفافُ والإعْراضُ، فَكَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالِاسْتِخْفافِ والِاسْتِهْزاءِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ، أيْ: هو مُلازِمُهم، فَفَضَحَ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ سِرَّهم، والعامِلُ في (إذْ) الأُولى، وفي المَعْطُوفِ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ الأُولى. انْتَهى. تَناجَوْا، فَقالَ النَّضْرُ: ما أفْهَمُ ما تَقُولُ، وقالَ أبُو سُفْيانَ: أرى بَعْضَهُ حَقًّا، وقالَ أبُو جَهْلٍ: مَجْنُونٌ، وقالَ أبُو لَهَبٍ: كاهِنٌ، وقالَ حُوَيْطِبٌ: شاعِرٌ، وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم: إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، ورُوِيَ أنَّ تَناجِيَهم كانَ عِنْدَ عُتْبَةَ دَعا أشْرافَ قُرَيْشٍ إلى (p-٤٤)طَعامٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهم إلى اللَّهِ. فَتَناجَوْا، يَقُولُونَ: ساحِرٌ مَجْنُونٌ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿مَسْحُورًا﴾ مِنَ السِّحْرِ أيْ: خَبِلَ عَقْلَهُ السِّحْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَخْدُوعًا نَحْوُ ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أيْ: تُخْدَعُونَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿مَسْحُورًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ لَهُ سَحْرًا أيْ: رِئَةً فَهو لا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَهو مِثْلُكم ولَيْسَ بِمَلَكٍ، وتَقُولُ العَرَبُ لِلْجَبانِ: قَدِ انْتَفَخَ سَحْرُهُ، ولِكُلِّ مَن أكَلَ أوْ شَرِبَ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ مَسْحُورٌ. قالَ:
؎أرانا مُوضَعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
أيْ: نُغَذّى ونُعَلَّلُ ونُسْحَرُ. قالَ لَبِيدٌ:
؎فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا أدْرِي ما الَّذِي حَمَلَ أبا عُبَيْدَةَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المُسْتَكْرَهِ مَعَ أنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الآيَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تُقَوِّي أنَّ اللَّفْظَةَ مِنَ السِّحْرِ بِكَسْرِ السِّينِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِمْ ضَرْبَ مَثَلٍ، وأمّا عَلى أنَّها مِنَ السَّحْرِ الَّذِي هو الرِّئَةُ، ومِنَ التَّغَذِّي وأنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ بَشَرٌ فَلَمْ يُضْرَبْ لَهُ في ذَلِكَ مَثَلٌ بَلْ هي صِفَةٌ حَقِيقَةٌ لَهُ، و﴿الأمْثالَ﴾ تَقَدَّمَ ما قالُوهُ في تَناجِيهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ التَّسْلِيَةِ والتَّلْبِيسِ، ثُمَّ رَأى الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: أنَّ أقْرَبَها لِتَخْيِيلِ الطّارِئِينَ عَلَيْهِمْ هو أنَّهُ ساحِرٌ فَضَلُّوا في جَمِيعِ ذَلِكَ ضَلالَ مَن يَطْلُبُ فِيهِ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ، فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَهو مُتَحَيِّرٌ في أمْرِهِ عَلَيْهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والنَّظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، أوْ سَبِيلًا إلى إفْسادِ أمْرِكَ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ بِضَرْبِهِمُ الأمْثالَ، واتِّباعِهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ في جِهَتِكَ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأصْحابِهِ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ وإنْكارٍ واسْتِبْعادٍ، لَمّا ضَرَبُوا لَهُ الأمْثالَ، وقالُوا عَنْهُ: إنَّهُ مَسْحُورٌ، ذَكَرُوا ما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى زَعْمِهِمْ عَلى اتِّصافِهِ بِما نَسَبُوا إلَيْهِ، واسْتَبْعَدُوا أنَّهُ بَعْدَ ما يَصِيرُ الإنْسانُ رُفاتًا يُحْيِيهِ اللَّهُ ويُعِيدُهُ، وقَدْ رُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي فَطَرَهم بَعْدَ العَدَمِ الصِّرْفِ عَلى ما يَأْتِي شَرْحُهُ في الآيَةِ بَعْدَ هَذا، ومَن قَرَأ مِنَ القُرّاءِ إذا وإنّا مَعًا أوْ إحْداهُما عَلى صُورَةِ الخَبَرِ فَلا يُرِيدُ الخَبَرَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ يَكُونُ تَصْدِيقًا بِالبَعْثِ والنَّشْأةِ الآخِرَةِ، ولَكِنَّهُ حَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لِدَلالَةِ المَعْنى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إذا كُنّا تُرابًا وعِظامًا نُبْعَثُ أوْ نُعادُ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهَذا المَحْذُوفُ هو جَوابُ الشَّرْطِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الِاسْتِفْهامُ وانْصَبَّ عَلَيْهِ عِنْدَ يُونُسَ، و﴿خَلْقًا﴾ حالٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ أيْ: مَخْلُوقًا.
الإسراء 17:50
﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨] ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥] ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦] ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] (p-٤٥)
الحَدِيدُ مَعْرُوفٌ. نَغَضَتْ سِنُّهُ: تَحَرَّكَتْ قالَ. ونَغَضَتْ مِن هَرِمٍ أسْنانُها. تَنْغِضُ وتَنْغُضُ نَغْضًا ونُغُوضًا، وأنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ بِرَفْعٍ وخَفْضٍ. قالَ:
؎لَمّا رَأتْنِي أنْغَضَتْ لِيَ الرَّأْسا
وقالَ الآخَرُ:
؎أنْغَضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا أطْعَما
وقالَ الفَرّاءُ: أنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ إلى فَوْقَ وإلى أسْفَلَ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: إذا أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إنْكارًا لَهُ فَقَدْ أنْغَضَ رَأْسَهُ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎ظَعائِنُ لَمْ يَسْكُنَّ أكْنافَ قَرْيَةٍ ∗∗∗ بِسَيْفٍ ولَمْ يَنْغُضْ بِهِنَّ القَناطِرُ
حَنَّكَ الدّابَّةَ واحْتَنَكَها: جَعَلَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُها بِهِ، واحْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ أكَلَتْ نَباتَها. قالَ:
؎نَشْكُوا إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ ∗∗∗ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا فَأضْعَفَتْ
واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا وحَنَكْتَ، ومِنهُ ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: أحْنَكُ الشّاتَيْنِ أيْ: آكِلُهُما. اسْتَفَزَّ الرَّجُلَ: اسْتَخَفَّهُ، والفَزُّ: الخَفِيفُ، وأصْلُهُ القَطْعُ، ومِنهُ تَفَزَّزَ الثَّوْبُ: انْقَطَعَ، واسْتَفَزَّنِي فُلانٌ: خَدَعَنِي حَتّى وقَعْتُ في أمْرٍ أرادَهُ. وقِيلَ لِوَلَدِ البَقَرَةِ: فَزٌّ؛ لِخِفَّتِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَما اسْتَغاثَ بِسَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ ولَمْ يُنَظَرْ بِهِ الحَشَكُ
الجَلَبَةُ: الصِّياحُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَلَبَ وأجْلَبَ. وقالَ الزَّجّاجُ: أجْلَبَ عَلى العَدُوِّ، وجَمَعَ عَلَيْهِ الخَيْلَ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: جَلَبَ عَلَيْهِ: أعانَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أجْلَبَ عَلى الرَّجُلِ: إذا تَوَعَّدَهُ الشَّرَّ، وجَمَعَ عَلَيْهِ الجَمْعَ. الصَّوْتُ مَعْرُوفٌ. الحاصِبُ: الرِّيحُ تَرْمِي بِالحَصْباءِ، قالَهُ الفَرّاءُ، والحَصَبُ: الرَّمْيُ بِالحَصْباءِ، وهي الحِجارَةُ الصِّغارُ.
وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ نَضْرِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
والحاصِبُ: العارِضُ الرّامِي بِالبَرَدِ والحِجارَةِ. تارَةً مَرَّةً، وتُجْمَعُ عَلى تِيَرٍ وتاراتٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءَ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
القاصِفُ: الَّذِي يَكْسِرُ كُلَّ ما يَلْقى، ويُقالُ: قَصَفَ الشَّجَرَ يَقْصِفُهُ قَصْفًا كَسَرَهُ. وقالَ أبُو تَمّامٍ:
؎إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ ∗∗∗ عِيدانَ نَجْدٍ ولا يَعْبَأْنَ بِالرَّتَمِ، وقِيلَ: القاصِفُ: الرِّيحُ الَّتِي لَها قَصِيفٌ، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، كَأنَّها تَتَقَصَّفُ أيْ: تَتَكَسَّرُ.
(p-٤٦)﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا قالُوا ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا﴾ [الإسراء: ٤٩] قِيلَ: لَهم ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ فَرَدَّ قَوْلُهُ: ﴿كُونُوا﴾ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿كُنّا﴾ [الإسراء: ٤٩] كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ولا تَكُونُوا عِظامًا، فَإنَّهُ يَقْدِرُ عَلى إحْيائِكم، والمَعْنى: أنَّكم تَسْتَبْعِدُونَ أنْ يُجَدِّدَ اللَّهُ خَلْقَكم ويَرُدَّهُ إلى حالِ الحَياةِ، وإلى رُطُوبَةِ الحَيِّ وغَضاضَتِهِ بَعْدَما كُنْتُمْ عِظامًا يابِسَةً، مَعَ أنَّ العِظامَ بَعْضُ أجْزاءِ الحَيِّ، بَلْ هي عَمُودُ خَلْقِهِ الَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ سائِرُهُ، فَلَيْسَ بِبْدَعٍ أنْ يَرُدَّها اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ إلى حالَتِها الأُولى، ولَكِنْ لَوْ كُنْتُمْ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ ورُطُوبَةِ الحَيِّ ومِن جِنْسِ ما رُكِّبَ بِهِ البَشَرُ، وهو أنْ تَكُونُوا ﴿حِجارَةً﴾ يابِسَةً ﴿أوْ حَدِيدًا﴾ مَعَ أنَّ طِباعَها القَساوَةُ والصَّلابَةُ لَكانَ قادِرًا عَلى أنْ يَرُدَّكم إلى حالِ الحَياةِ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ﴾ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ، ويَعْظُمُ في زَعْمِكم عَلى الخالِقِ إحْياؤُهُ فَإنَّهُ يُحْيِيهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كُونُوا إنِ اسْتَطَعْتُمْ هَذِهِ الأشْياءَ الصَّعْبَةَ المُمْتَنِعَةَ التَّأتِّي، لا بُدَّ مِن بَعْثِكم. وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا﴾ هو الَّذِي يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ التَّعْجِيزَ مِن أنْواعِ أفْعَلَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ مَثَّلَ بَعْضُهم، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ، وإنَّما التَّعْجِيزُ حَيْثُ يَقْتَضِي بِالأمْرِ فِعْلَ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ونَحْوِهِ. وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَمَعْناها كُونُوا بِالتَّوَهُّمِ، والتَّقْدِيرِ كَذا وكَذا ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ كَذَلِكَ هو يُعِيدُكُمُ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى ﴿كُونُوا﴾ ما شِئْتُمْ فَسَتُعادُونَ. وقالَ النَّحّاسُ: هَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكُونُوا حِجارَةً، وإنَّما المَعْنى أنَّهم قَدْ أقَرُّوا بِخالِقِهِمْ وأنْكَرُوا البَعْثَ، فَقِيلَ لَهم: اسْتَشْعِرُوا أنْ تَكُونُوا ما شِئْتُمْ، فَلَوْ كُنْتُمْ ﴿حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ لَبُعِثْتُمْ كَما خُلِقْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. انْتَهى.
﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ صَلابَتُهُ وزِيادَتُهُ عَلى قُوَّةِ الحَدِيدِ وصَلابَتِهِ، ولَمْ يُعَيِّنْهُ، تَرَكَ ذَلِكَ إلى أفْكارِهِمْ وجَوَلانِها فِيما هو أصْلَبُ مِنَ الحَدِيدِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِالصُّلْبِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي الأصْلَبَ مِنهُ، ثُمَّ الأصْلَبَ مِنَ الحَدِيدِ، أيِ: افْرِضُوا ذَواتِكم شَيْئًا مِن هَذِهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لَكم مِنَ البَعْثِ عَلى أيِّ حالٍ كُنْتُمْ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: الَّذِي يَكْبُرُ: المَوْتُ، أيْ: لَوْ كُنْتُمُ المَوْتَ لَأماتَكم ثُمَّ أحْياكم. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يَتِمُّ إلّا إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ لا نَفْسُ الأمْرِ، لِأنَّ البَدَنَ جِسْمٌ والمَوْتَ عَرَضٌ، ولا يَنْقَلِبُ الجِسْمُ عَرَضًا، ولَوْ فُرِضَ انْقِلابُهُ عَرَضًا لَمْ يَكُنْ لِيَقْبَلَ الحَياةَ لِأجْلِ الضِّدِّيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَكْبُرُ: السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم لَوْ كانُوا أصْلَبَ شَيْءٍ وأبْعَدَهُ مِن حُلُولِ الحَياةِ بِهِ كانَ خَلْقُ الحَياةِ فِيهِ مُمْكِنًا، قالُوا: مَنِ الَّذِي هو قادِرٌ عَلى صَيْرُورَةِ الحَياةِ فِينا وإعادَتِنا، فَنَبَّهَهم عَلى ما يَقْتَضِي الإعادَةَ، وهو أنَّ الَّذِي أنْشَأكم واخْتَرَعَكم أوَّلَ مَرَّةٍ هو الَّذِي يُعِيدُكم، و(الَّذِي) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يُعِيدُكم فَيُطابِقُ الجَوابُ السُّؤالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا، أيْ: يُعِيدُكُمُ الَّذِي فَطَرَكم، ويَجُوزُ أنْ (p-٤٧)يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ، أيْ: مُعِيدُكُمُ الَّذِي فَطَرَكم، و﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ ﴿فَطَرَكُمْ﴾ قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ أيْ: يُحَرِّكُونَها عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِبْعادِ، ويَقُولُونَ: مَتى هو ؟ أيْ: مَتى العَوْدُ ؟ ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيمِ لِلْعَوْدِ ولَكِنْ حَيْدَةً وانْتِقالًا لِما لا يُسْألُ عَنْهُ؛ لِأنَّ ما يَثْبُتُ إمْكانُهُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لا يُسْألُ عَنْ تَعْيِينِ وُقُوعِهِ، ولَكِنْ أجابَهم عَنْ سُؤالِهِمْ بِقُرْبِ وُقُوعِهِ لا بِتَعْيِينِ زَمانِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في ﴿عَسى﴾ إضْمارٌ، أيْ عَسى هو، أيِ العَوْدُ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُها ﴿أنْ يَكُونَ﴾ فَتَكُونَ تامَّةً. و﴿قَرِيبًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ كانَ عَلى أنَّهُ يَكُونُ العَوْدُ مُتَّصِفًا بِالقُرْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، أيْ: زَمانًا قَرِيبًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَوْمَ نَدْعُوكم بَدَلًا مِن قَرِيبًا.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِيَكُونَ، ولا يَجُوزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِاسْمِ كانَ، وإنْ كانَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَعْمَلُ. انْتَهى. أمّا كَوْنُهُ ظَرْفًا لِيَكُونَ فَهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ عَمَلِ كانَ النّاقِصَةِ في الظَّرْفِ وفِيهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَعْمَلُ فَهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وأمّا الكُوفِيُّونَ فَيُجِيزُونَ أنْ يَعْمَلَ نَحْوُ: مُرُورِي بِزَيْدٍ حَسَنٌ، وهو بِعَمْرٍو قَبِيحٌ، يُعَلِّقُونَ بِعَمْرٍو بِلَفْظِ هو أيْ: ومُرُورِي بِعَمْرٍو قَبِيحٌ. والظّاهِرُ أنَّ الدُّعاءَ حَقِيقَةٌ أيْ يَدْعُوكم بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] الآيَةَ. ويُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي: أيَّتُها الأجْسامُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ قالَ ﷺ: «إنَّكم تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأسْمائِكم وأسْماءِ آبائِكم، فَأحْسِنُوا أسْماءَكم» . ومَعْنى ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ تُوافِقُونَ الدّاعِيَ فِيما دَعاكم إلَيْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الدُّعاءُ والِاسْتِجابَةُ كِلاهُما مَجازٌ، والمَعْنى: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ مُطاوِعِينَ مُنْقادِينَ لا تَمْتَنِعُونَ. انْتَهى. والظّاهِرُ: أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ إذِ الكَلامُ قَبْلَ ذَلِكَ مَعَهم فالضَّمِيرُ لَهم، و﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالٌ مِنهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي مُبالَغَةٌ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِرُكُوبِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَتَأبّى، ويَمْتَنِعُ: سَتَرْكَبُهُ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ، يَعْنِي: أنَّكَ تُحْمَلُ عَلَيْهِ وتُقْسَرُ قَسْرًا حَتّى أنَّكَ تَلِينُ لِينَ المُسامِحِ الرّاغِبِ فِيهِ الحامِدِ عَلَيْهِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. انْتَهى. وذَلِكَ لِما ظَهَرَ لَهم مِن قُدْرَتِهِ.
وقِيلَ: مَعْنى ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أنَّ الرَّسُولَ قائِلٌ ذَلِكَ، لا أنَّهم يَكُونُ (بِحَمْدِهِ) حالًا مِنهم، فَكَأنَّهُ قالَ: عَسى أنْ تَكُونَ السّاعَةُ قَرِيبَةً يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَقُومُونَ بِخِلافِ ما تَعْتَقِدُونَ الآنَ، وذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلى صِدْقِ خَبَرِي، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ خَصَمْتَهُ أوْ حاوَرْتَهُ في عِلْمٍ: قَدْ أخْطَأْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَبِحَمْدِ اللَّهِ لَيْسَ حالًا مِن فاعِلِ أخْطَأْتَ، بَلِ المَعْنى: أخْطَأْتَ والحَمْدُ لِلَّهِ. وهَذا مَعْنًى مُتَكَلَّفٌ نَحا إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ، وكانَ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ يَكُونُ اعْتِراضًا إذْ مَعْناهُ والحَمْدُ لِلَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
. أيْ: فَإنِّي والحَمْدُ لِلَّهِ، فَهَذا اعْتِراضٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها، كَما أنَّ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، ووَقَعَ في لَفْظِ ابْنِ عَطِيَّةَ حِينَ قَرَّرَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: عَسى أنَّ السّاعَةَ قَرِيبَةٌ وهو تَرْكِيبٌ لا يَجُوزُ، لا تَقُولُ: عَسى أنَّ زَيْدًا قائِمٌ، بِخِلافِ: عَسى أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، وعَلى أنْ يَكُونَ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمِدُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الحَمْدُ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا﴾ [يس: ٥٢] فَهَذا عائِدٌ إلى لُبْثِهِمْ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْرِيبُ وقْتِ البَعْثِ فَكَأنَّكَ بِالدُّنْيا ولَمْ تَكُنْ، وبِالآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ، فَهَذا يَرْجِعُ إلى اسْتِقْلالِ مُدَّةِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وتَظُنُّونَ﴾ وتَرَوْنَ الهَوْلَ فَعِنْدَهُ تَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في الدُّنْيا، وتَحْسَبُونَها (p-٤٨)يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وعَنْ قَتادَةَ: تَحاقَرَتِ الدُّنْيا في أنْفُسِهِمْ حِينَ عايَنُوا الآخِرَةَ. انْتَهى. وقِيلَ: اسْتَقَلُّوا لُبْثَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الدُّخُولَ إلى النّارِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في بَرْزَخِ القِيامَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ .
و﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ لا مَعَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ يَحْمَدُونَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، فَلا يَلِيقُ هَذا إلّا بِهِمْ. وقِيلَ: يَحْمَدُهُ المُؤْمِنُ اخْتِيارًا والكافِرُ اضْطِرارًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وإذا كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو الظّاهِرُ فَيُحْمَلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ، فَيَكُونُ لَمّا رَجَعُوا إلى حالَةِ الحَياةِ وقَعَ لَهُمُ الظَّنُّ أنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عَنِ الدُّنْيا إلّا في زَمَنٍ قَلِيلٍ إذْ كانُوا في ظَنِّهِمْ نائِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اليَقِينِ مِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مُنْقَضٍ مُتَصَرِّمٌ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿وتَظُنُّونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَسْتَجِيبُونَ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وأنْتُمْ (تَظُنُّونَ) والجُمْلَةُ حالٌ. انْتَهى. وإنْ هُنا نافِيَةٌ، ﴿وتَظُنُّونَ﴾ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ، فالجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَلَّما ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ في أدَواتِ التَّعْلِيقِ إنِ النّافِيَةَ، ويَظْهَرُ أنَّ انْتِصابَ ﴿قَلِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: لُبْثًا قَلِيلًا، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى مَصْدَرِهِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ.
الإسراء 17:51
﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨] ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥] ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦] ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] (p-٤٥)
الحَدِيدُ مَعْرُوفٌ. نَغَضَتْ سِنُّهُ: تَحَرَّكَتْ قالَ. ونَغَضَتْ مِن هَرِمٍ أسْنانُها. تَنْغِضُ وتَنْغُضُ نَغْضًا ونُغُوضًا، وأنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ بِرَفْعٍ وخَفْضٍ. قالَ:
؎لَمّا رَأتْنِي أنْغَضَتْ لِيَ الرَّأْسا
وقالَ الآخَرُ:
؎أنْغَضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا أطْعَما
وقالَ الفَرّاءُ: أنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ إلى فَوْقَ وإلى أسْفَلَ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: إذا أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إنْكارًا لَهُ فَقَدْ أنْغَضَ رَأْسَهُ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎ظَعائِنُ لَمْ يَسْكُنَّ أكْنافَ قَرْيَةٍ ∗∗∗ بِسَيْفٍ ولَمْ يَنْغُضْ بِهِنَّ القَناطِرُ
حَنَّكَ الدّابَّةَ واحْتَنَكَها: جَعَلَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُها بِهِ، واحْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ أكَلَتْ نَباتَها. قالَ:
؎نَشْكُوا إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ ∗∗∗ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا فَأضْعَفَتْ
واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا وحَنَكْتَ، ومِنهُ ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: أحْنَكُ الشّاتَيْنِ أيْ: آكِلُهُما. اسْتَفَزَّ الرَّجُلَ: اسْتَخَفَّهُ، والفَزُّ: الخَفِيفُ، وأصْلُهُ القَطْعُ، ومِنهُ تَفَزَّزَ الثَّوْبُ: انْقَطَعَ، واسْتَفَزَّنِي فُلانٌ: خَدَعَنِي حَتّى وقَعْتُ في أمْرٍ أرادَهُ. وقِيلَ لِوَلَدِ البَقَرَةِ: فَزٌّ؛ لِخِفَّتِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَما اسْتَغاثَ بِسَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ ولَمْ يُنَظَرْ بِهِ الحَشَكُ
الجَلَبَةُ: الصِّياحُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَلَبَ وأجْلَبَ. وقالَ الزَّجّاجُ: أجْلَبَ عَلى العَدُوِّ، وجَمَعَ عَلَيْهِ الخَيْلَ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: جَلَبَ عَلَيْهِ: أعانَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أجْلَبَ عَلى الرَّجُلِ: إذا تَوَعَّدَهُ الشَّرَّ، وجَمَعَ عَلَيْهِ الجَمْعَ. الصَّوْتُ مَعْرُوفٌ. الحاصِبُ: الرِّيحُ تَرْمِي بِالحَصْباءِ، قالَهُ الفَرّاءُ، والحَصَبُ: الرَّمْيُ بِالحَصْباءِ، وهي الحِجارَةُ الصِّغارُ.
وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ نَضْرِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
والحاصِبُ: العارِضُ الرّامِي بِالبَرَدِ والحِجارَةِ. تارَةً مَرَّةً، وتُجْمَعُ عَلى تِيَرٍ وتاراتٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءَ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
القاصِفُ: الَّذِي يَكْسِرُ كُلَّ ما يَلْقى، ويُقالُ: قَصَفَ الشَّجَرَ يَقْصِفُهُ قَصْفًا كَسَرَهُ. وقالَ أبُو تَمّامٍ:
؎إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ ∗∗∗ عِيدانَ نَجْدٍ ولا يَعْبَأْنَ بِالرَّتَمِ، وقِيلَ: القاصِفُ: الرِّيحُ الَّتِي لَها قَصِيفٌ، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، كَأنَّها تَتَقَصَّفُ أيْ: تَتَكَسَّرُ.
(p-٤٦)﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا قالُوا ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا﴾ [الإسراء: ٤٩] قِيلَ: لَهم ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ فَرَدَّ قَوْلُهُ: ﴿كُونُوا﴾ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿كُنّا﴾ [الإسراء: ٤٩] كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ولا تَكُونُوا عِظامًا، فَإنَّهُ يَقْدِرُ عَلى إحْيائِكم، والمَعْنى: أنَّكم تَسْتَبْعِدُونَ أنْ يُجَدِّدَ اللَّهُ خَلْقَكم ويَرُدَّهُ إلى حالِ الحَياةِ، وإلى رُطُوبَةِ الحَيِّ وغَضاضَتِهِ بَعْدَما كُنْتُمْ عِظامًا يابِسَةً، مَعَ أنَّ العِظامَ بَعْضُ أجْزاءِ الحَيِّ، بَلْ هي عَمُودُ خَلْقِهِ الَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ سائِرُهُ، فَلَيْسَ بِبْدَعٍ أنْ يَرُدَّها اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ إلى حالَتِها الأُولى، ولَكِنْ لَوْ كُنْتُمْ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ ورُطُوبَةِ الحَيِّ ومِن جِنْسِ ما رُكِّبَ بِهِ البَشَرُ، وهو أنْ تَكُونُوا ﴿حِجارَةً﴾ يابِسَةً ﴿أوْ حَدِيدًا﴾ مَعَ أنَّ طِباعَها القَساوَةُ والصَّلابَةُ لَكانَ قادِرًا عَلى أنْ يَرُدَّكم إلى حالِ الحَياةِ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ﴾ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ، ويَعْظُمُ في زَعْمِكم عَلى الخالِقِ إحْياؤُهُ فَإنَّهُ يُحْيِيهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كُونُوا إنِ اسْتَطَعْتُمْ هَذِهِ الأشْياءَ الصَّعْبَةَ المُمْتَنِعَةَ التَّأتِّي، لا بُدَّ مِن بَعْثِكم. وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا﴾ هو الَّذِي يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ التَّعْجِيزَ مِن أنْواعِ أفْعَلَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ مَثَّلَ بَعْضُهم، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ، وإنَّما التَّعْجِيزُ حَيْثُ يَقْتَضِي بِالأمْرِ فِعْلَ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ونَحْوِهِ. وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَمَعْناها كُونُوا بِالتَّوَهُّمِ، والتَّقْدِيرِ كَذا وكَذا ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ كَذَلِكَ هو يُعِيدُكُمُ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى ﴿كُونُوا﴾ ما شِئْتُمْ فَسَتُعادُونَ. وقالَ النَّحّاسُ: هَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكُونُوا حِجارَةً، وإنَّما المَعْنى أنَّهم قَدْ أقَرُّوا بِخالِقِهِمْ وأنْكَرُوا البَعْثَ، فَقِيلَ لَهم: اسْتَشْعِرُوا أنْ تَكُونُوا ما شِئْتُمْ، فَلَوْ كُنْتُمْ ﴿حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ لَبُعِثْتُمْ كَما خُلِقْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. انْتَهى.
﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ صَلابَتُهُ وزِيادَتُهُ عَلى قُوَّةِ الحَدِيدِ وصَلابَتِهِ، ولَمْ يُعَيِّنْهُ، تَرَكَ ذَلِكَ إلى أفْكارِهِمْ وجَوَلانِها فِيما هو أصْلَبُ مِنَ الحَدِيدِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِالصُّلْبِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي الأصْلَبَ مِنهُ، ثُمَّ الأصْلَبَ مِنَ الحَدِيدِ، أيِ: افْرِضُوا ذَواتِكم شَيْئًا مِن هَذِهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لَكم مِنَ البَعْثِ عَلى أيِّ حالٍ كُنْتُمْ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: الَّذِي يَكْبُرُ: المَوْتُ، أيْ: لَوْ كُنْتُمُ المَوْتَ لَأماتَكم ثُمَّ أحْياكم. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يَتِمُّ إلّا إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ لا نَفْسُ الأمْرِ، لِأنَّ البَدَنَ جِسْمٌ والمَوْتَ عَرَضٌ، ولا يَنْقَلِبُ الجِسْمُ عَرَضًا، ولَوْ فُرِضَ انْقِلابُهُ عَرَضًا لَمْ يَكُنْ لِيَقْبَلَ الحَياةَ لِأجْلِ الضِّدِّيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَكْبُرُ: السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم لَوْ كانُوا أصْلَبَ شَيْءٍ وأبْعَدَهُ مِن حُلُولِ الحَياةِ بِهِ كانَ خَلْقُ الحَياةِ فِيهِ مُمْكِنًا، قالُوا: مَنِ الَّذِي هو قادِرٌ عَلى صَيْرُورَةِ الحَياةِ فِينا وإعادَتِنا، فَنَبَّهَهم عَلى ما يَقْتَضِي الإعادَةَ، وهو أنَّ الَّذِي أنْشَأكم واخْتَرَعَكم أوَّلَ مَرَّةٍ هو الَّذِي يُعِيدُكم، و(الَّذِي) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يُعِيدُكم فَيُطابِقُ الجَوابُ السُّؤالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا، أيْ: يُعِيدُكُمُ الَّذِي فَطَرَكم، ويَجُوزُ أنْ (p-٤٧)يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ، أيْ: مُعِيدُكُمُ الَّذِي فَطَرَكم، و﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ ﴿فَطَرَكُمْ﴾ قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ أيْ: يُحَرِّكُونَها عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِبْعادِ، ويَقُولُونَ: مَتى هو ؟ أيْ: مَتى العَوْدُ ؟ ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيمِ لِلْعَوْدِ ولَكِنْ حَيْدَةً وانْتِقالًا لِما لا يُسْألُ عَنْهُ؛ لِأنَّ ما يَثْبُتُ إمْكانُهُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لا يُسْألُ عَنْ تَعْيِينِ وُقُوعِهِ، ولَكِنْ أجابَهم عَنْ سُؤالِهِمْ بِقُرْبِ وُقُوعِهِ لا بِتَعْيِينِ زَمانِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في ﴿عَسى﴾ إضْمارٌ، أيْ عَسى هو، أيِ العَوْدُ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُها ﴿أنْ يَكُونَ﴾ فَتَكُونَ تامَّةً. و﴿قَرِيبًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ كانَ عَلى أنَّهُ يَكُونُ العَوْدُ مُتَّصِفًا بِالقُرْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، أيْ: زَمانًا قَرِيبًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَوْمَ نَدْعُوكم بَدَلًا مِن قَرِيبًا.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِيَكُونَ، ولا يَجُوزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِاسْمِ كانَ، وإنْ كانَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَعْمَلُ. انْتَهى. أمّا كَوْنُهُ ظَرْفًا لِيَكُونَ فَهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ عَمَلِ كانَ النّاقِصَةِ في الظَّرْفِ وفِيهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَعْمَلُ فَهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وأمّا الكُوفِيُّونَ فَيُجِيزُونَ أنْ يَعْمَلَ نَحْوُ: مُرُورِي بِزَيْدٍ حَسَنٌ، وهو بِعَمْرٍو قَبِيحٌ، يُعَلِّقُونَ بِعَمْرٍو بِلَفْظِ هو أيْ: ومُرُورِي بِعَمْرٍو قَبِيحٌ. والظّاهِرُ أنَّ الدُّعاءَ حَقِيقَةٌ أيْ يَدْعُوكم بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] الآيَةَ. ويُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي: أيَّتُها الأجْسامُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ قالَ ﷺ: «إنَّكم تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأسْمائِكم وأسْماءِ آبائِكم، فَأحْسِنُوا أسْماءَكم» . ومَعْنى ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ تُوافِقُونَ الدّاعِيَ فِيما دَعاكم إلَيْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الدُّعاءُ والِاسْتِجابَةُ كِلاهُما مَجازٌ، والمَعْنى: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ مُطاوِعِينَ مُنْقادِينَ لا تَمْتَنِعُونَ. انْتَهى. والظّاهِرُ: أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ إذِ الكَلامُ قَبْلَ ذَلِكَ مَعَهم فالضَّمِيرُ لَهم، و﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالٌ مِنهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي مُبالَغَةٌ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِرُكُوبِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَتَأبّى، ويَمْتَنِعُ: سَتَرْكَبُهُ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ، يَعْنِي: أنَّكَ تُحْمَلُ عَلَيْهِ وتُقْسَرُ قَسْرًا حَتّى أنَّكَ تَلِينُ لِينَ المُسامِحِ الرّاغِبِ فِيهِ الحامِدِ عَلَيْهِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. انْتَهى. وذَلِكَ لِما ظَهَرَ لَهم مِن قُدْرَتِهِ.
وقِيلَ: مَعْنى ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أنَّ الرَّسُولَ قائِلٌ ذَلِكَ، لا أنَّهم يَكُونُ (بِحَمْدِهِ) حالًا مِنهم، فَكَأنَّهُ قالَ: عَسى أنْ تَكُونَ السّاعَةُ قَرِيبَةً يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَقُومُونَ بِخِلافِ ما تَعْتَقِدُونَ الآنَ، وذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلى صِدْقِ خَبَرِي، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ خَصَمْتَهُ أوْ حاوَرْتَهُ في عِلْمٍ: قَدْ أخْطَأْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَبِحَمْدِ اللَّهِ لَيْسَ حالًا مِن فاعِلِ أخْطَأْتَ، بَلِ المَعْنى: أخْطَأْتَ والحَمْدُ لِلَّهِ. وهَذا مَعْنًى مُتَكَلَّفٌ نَحا إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ، وكانَ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ يَكُونُ اعْتِراضًا إذْ مَعْناهُ والحَمْدُ لِلَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
. أيْ: فَإنِّي والحَمْدُ لِلَّهِ، فَهَذا اعْتِراضٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها، كَما أنَّ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، ووَقَعَ في لَفْظِ ابْنِ عَطِيَّةَ حِينَ قَرَّرَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: عَسى أنَّ السّاعَةَ قَرِيبَةٌ وهو تَرْكِيبٌ لا يَجُوزُ، لا تَقُولُ: عَسى أنَّ زَيْدًا قائِمٌ، بِخِلافِ: عَسى أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، وعَلى أنْ يَكُونَ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمِدُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الحَمْدُ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا﴾ [يس: ٥٢] فَهَذا عائِدٌ إلى لُبْثِهِمْ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْرِيبُ وقْتِ البَعْثِ فَكَأنَّكَ بِالدُّنْيا ولَمْ تَكُنْ، وبِالآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ، فَهَذا يَرْجِعُ إلى اسْتِقْلالِ مُدَّةِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وتَظُنُّونَ﴾ وتَرَوْنَ الهَوْلَ فَعِنْدَهُ تَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في الدُّنْيا، وتَحْسَبُونَها (p-٤٨)يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وعَنْ قَتادَةَ: تَحاقَرَتِ الدُّنْيا في أنْفُسِهِمْ حِينَ عايَنُوا الآخِرَةَ. انْتَهى. وقِيلَ: اسْتَقَلُّوا لُبْثَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الدُّخُولَ إلى النّارِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في بَرْزَخِ القِيامَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ .
و﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ لا مَعَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ يَحْمَدُونَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، فَلا يَلِيقُ هَذا إلّا بِهِمْ. وقِيلَ: يَحْمَدُهُ المُؤْمِنُ اخْتِيارًا والكافِرُ اضْطِرارًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وإذا كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو الظّاهِرُ فَيُحْمَلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ، فَيَكُونُ لَمّا رَجَعُوا إلى حالَةِ الحَياةِ وقَعَ لَهُمُ الظَّنُّ أنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عَنِ الدُّنْيا إلّا في زَمَنٍ قَلِيلٍ إذْ كانُوا في ظَنِّهِمْ نائِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اليَقِينِ مِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مُنْقَضٍ مُتَصَرِّمٌ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿وتَظُنُّونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَسْتَجِيبُونَ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وأنْتُمْ (تَظُنُّونَ) والجُمْلَةُ حالٌ. انْتَهى. وإنْ هُنا نافِيَةٌ، ﴿وتَظُنُّونَ﴾ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ، فالجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَلَّما ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ في أدَواتِ التَّعْلِيقِ إنِ النّافِيَةَ، ويَظْهَرُ أنَّ انْتِصابَ ﴿قَلِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: لُبْثًا قَلِيلًا، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى مَصْدَرِهِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ.
الإسراء 17:52
﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨] ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥] ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦] ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] (p-٤٥)
الحَدِيدُ مَعْرُوفٌ. نَغَضَتْ سِنُّهُ: تَحَرَّكَتْ قالَ. ونَغَضَتْ مِن هَرِمٍ أسْنانُها. تَنْغِضُ وتَنْغُضُ نَغْضًا ونُغُوضًا، وأنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ بِرَفْعٍ وخَفْضٍ. قالَ:
؎لَمّا رَأتْنِي أنْغَضَتْ لِيَ الرَّأْسا
وقالَ الآخَرُ:
؎أنْغَضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا أطْعَما
وقالَ الفَرّاءُ: أنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ إلى فَوْقَ وإلى أسْفَلَ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: إذا أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إنْكارًا لَهُ فَقَدْ أنْغَضَ رَأْسَهُ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎ظَعائِنُ لَمْ يَسْكُنَّ أكْنافَ قَرْيَةٍ ∗∗∗ بِسَيْفٍ ولَمْ يَنْغُضْ بِهِنَّ القَناطِرُ
حَنَّكَ الدّابَّةَ واحْتَنَكَها: جَعَلَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُها بِهِ، واحْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ أكَلَتْ نَباتَها. قالَ:
؎نَشْكُوا إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ ∗∗∗ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا فَأضْعَفَتْ
واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا وحَنَكْتَ، ومِنهُ ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: أحْنَكُ الشّاتَيْنِ أيْ: آكِلُهُما. اسْتَفَزَّ الرَّجُلَ: اسْتَخَفَّهُ، والفَزُّ: الخَفِيفُ، وأصْلُهُ القَطْعُ، ومِنهُ تَفَزَّزَ الثَّوْبُ: انْقَطَعَ، واسْتَفَزَّنِي فُلانٌ: خَدَعَنِي حَتّى وقَعْتُ في أمْرٍ أرادَهُ. وقِيلَ لِوَلَدِ البَقَرَةِ: فَزٌّ؛ لِخِفَّتِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَما اسْتَغاثَ بِسَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ ولَمْ يُنَظَرْ بِهِ الحَشَكُ
الجَلَبَةُ: الصِّياحُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَلَبَ وأجْلَبَ. وقالَ الزَّجّاجُ: أجْلَبَ عَلى العَدُوِّ، وجَمَعَ عَلَيْهِ الخَيْلَ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: جَلَبَ عَلَيْهِ: أعانَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أجْلَبَ عَلى الرَّجُلِ: إذا تَوَعَّدَهُ الشَّرَّ، وجَمَعَ عَلَيْهِ الجَمْعَ. الصَّوْتُ مَعْرُوفٌ. الحاصِبُ: الرِّيحُ تَرْمِي بِالحَصْباءِ، قالَهُ الفَرّاءُ، والحَصَبُ: الرَّمْيُ بِالحَصْباءِ، وهي الحِجارَةُ الصِّغارُ.
وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ نَضْرِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
والحاصِبُ: العارِضُ الرّامِي بِالبَرَدِ والحِجارَةِ. تارَةً مَرَّةً، وتُجْمَعُ عَلى تِيَرٍ وتاراتٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءَ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
القاصِفُ: الَّذِي يَكْسِرُ كُلَّ ما يَلْقى، ويُقالُ: قَصَفَ الشَّجَرَ يَقْصِفُهُ قَصْفًا كَسَرَهُ. وقالَ أبُو تَمّامٍ:
؎إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ ∗∗∗ عِيدانَ نَجْدٍ ولا يَعْبَأْنَ بِالرَّتَمِ، وقِيلَ: القاصِفُ: الرِّيحُ الَّتِي لَها قَصِيفٌ، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، كَأنَّها تَتَقَصَّفُ أيْ: تَتَكَسَّرُ.
(p-٤٦)﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا قالُوا ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا﴾ [الإسراء: ٤٩] قِيلَ: لَهم ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ فَرَدَّ قَوْلُهُ: ﴿كُونُوا﴾ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿كُنّا﴾ [الإسراء: ٤٩] كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ولا تَكُونُوا عِظامًا، فَإنَّهُ يَقْدِرُ عَلى إحْيائِكم، والمَعْنى: أنَّكم تَسْتَبْعِدُونَ أنْ يُجَدِّدَ اللَّهُ خَلْقَكم ويَرُدَّهُ إلى حالِ الحَياةِ، وإلى رُطُوبَةِ الحَيِّ وغَضاضَتِهِ بَعْدَما كُنْتُمْ عِظامًا يابِسَةً، مَعَ أنَّ العِظامَ بَعْضُ أجْزاءِ الحَيِّ، بَلْ هي عَمُودُ خَلْقِهِ الَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ سائِرُهُ، فَلَيْسَ بِبْدَعٍ أنْ يَرُدَّها اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ إلى حالَتِها الأُولى، ولَكِنْ لَوْ كُنْتُمْ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ ورُطُوبَةِ الحَيِّ ومِن جِنْسِ ما رُكِّبَ بِهِ البَشَرُ، وهو أنْ تَكُونُوا ﴿حِجارَةً﴾ يابِسَةً ﴿أوْ حَدِيدًا﴾ مَعَ أنَّ طِباعَها القَساوَةُ والصَّلابَةُ لَكانَ قادِرًا عَلى أنْ يَرُدَّكم إلى حالِ الحَياةِ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ﴾ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ، ويَعْظُمُ في زَعْمِكم عَلى الخالِقِ إحْياؤُهُ فَإنَّهُ يُحْيِيهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كُونُوا إنِ اسْتَطَعْتُمْ هَذِهِ الأشْياءَ الصَّعْبَةَ المُمْتَنِعَةَ التَّأتِّي، لا بُدَّ مِن بَعْثِكم. وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا﴾ هو الَّذِي يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ التَّعْجِيزَ مِن أنْواعِ أفْعَلَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ مَثَّلَ بَعْضُهم، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ، وإنَّما التَّعْجِيزُ حَيْثُ يَقْتَضِي بِالأمْرِ فِعْلَ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ونَحْوِهِ. وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَمَعْناها كُونُوا بِالتَّوَهُّمِ، والتَّقْدِيرِ كَذا وكَذا ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ كَذَلِكَ هو يُعِيدُكُمُ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى ﴿كُونُوا﴾ ما شِئْتُمْ فَسَتُعادُونَ. وقالَ النَّحّاسُ: هَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكُونُوا حِجارَةً، وإنَّما المَعْنى أنَّهم قَدْ أقَرُّوا بِخالِقِهِمْ وأنْكَرُوا البَعْثَ، فَقِيلَ لَهم: اسْتَشْعِرُوا أنْ تَكُونُوا ما شِئْتُمْ، فَلَوْ كُنْتُمْ ﴿حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ لَبُعِثْتُمْ كَما خُلِقْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. انْتَهى.
﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ صَلابَتُهُ وزِيادَتُهُ عَلى قُوَّةِ الحَدِيدِ وصَلابَتِهِ، ولَمْ يُعَيِّنْهُ، تَرَكَ ذَلِكَ إلى أفْكارِهِمْ وجَوَلانِها فِيما هو أصْلَبُ مِنَ الحَدِيدِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِالصُّلْبِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي الأصْلَبَ مِنهُ، ثُمَّ الأصْلَبَ مِنَ الحَدِيدِ، أيِ: افْرِضُوا ذَواتِكم شَيْئًا مِن هَذِهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لَكم مِنَ البَعْثِ عَلى أيِّ حالٍ كُنْتُمْ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: الَّذِي يَكْبُرُ: المَوْتُ، أيْ: لَوْ كُنْتُمُ المَوْتَ لَأماتَكم ثُمَّ أحْياكم. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يَتِمُّ إلّا إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ لا نَفْسُ الأمْرِ، لِأنَّ البَدَنَ جِسْمٌ والمَوْتَ عَرَضٌ، ولا يَنْقَلِبُ الجِسْمُ عَرَضًا، ولَوْ فُرِضَ انْقِلابُهُ عَرَضًا لَمْ يَكُنْ لِيَقْبَلَ الحَياةَ لِأجْلِ الضِّدِّيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَكْبُرُ: السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم لَوْ كانُوا أصْلَبَ شَيْءٍ وأبْعَدَهُ مِن حُلُولِ الحَياةِ بِهِ كانَ خَلْقُ الحَياةِ فِيهِ مُمْكِنًا، قالُوا: مَنِ الَّذِي هو قادِرٌ عَلى صَيْرُورَةِ الحَياةِ فِينا وإعادَتِنا، فَنَبَّهَهم عَلى ما يَقْتَضِي الإعادَةَ، وهو أنَّ الَّذِي أنْشَأكم واخْتَرَعَكم أوَّلَ مَرَّةٍ هو الَّذِي يُعِيدُكم، و(الَّذِي) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يُعِيدُكم فَيُطابِقُ الجَوابُ السُّؤالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا، أيْ: يُعِيدُكُمُ الَّذِي فَطَرَكم، ويَجُوزُ أنْ (p-٤٧)يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ، أيْ: مُعِيدُكُمُ الَّذِي فَطَرَكم، و﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ ﴿فَطَرَكُمْ﴾ قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ أيْ: يُحَرِّكُونَها عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِبْعادِ، ويَقُولُونَ: مَتى هو ؟ أيْ: مَتى العَوْدُ ؟ ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيمِ لِلْعَوْدِ ولَكِنْ حَيْدَةً وانْتِقالًا لِما لا يُسْألُ عَنْهُ؛ لِأنَّ ما يَثْبُتُ إمْكانُهُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لا يُسْألُ عَنْ تَعْيِينِ وُقُوعِهِ، ولَكِنْ أجابَهم عَنْ سُؤالِهِمْ بِقُرْبِ وُقُوعِهِ لا بِتَعْيِينِ زَمانِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في ﴿عَسى﴾ إضْمارٌ، أيْ عَسى هو، أيِ العَوْدُ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُها ﴿أنْ يَكُونَ﴾ فَتَكُونَ تامَّةً. و﴿قَرِيبًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ كانَ عَلى أنَّهُ يَكُونُ العَوْدُ مُتَّصِفًا بِالقُرْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، أيْ: زَمانًا قَرِيبًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَوْمَ نَدْعُوكم بَدَلًا مِن قَرِيبًا.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِيَكُونَ، ولا يَجُوزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِاسْمِ كانَ، وإنْ كانَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَعْمَلُ. انْتَهى. أمّا كَوْنُهُ ظَرْفًا لِيَكُونَ فَهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ عَمَلِ كانَ النّاقِصَةِ في الظَّرْفِ وفِيهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَعْمَلُ فَهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وأمّا الكُوفِيُّونَ فَيُجِيزُونَ أنْ يَعْمَلَ نَحْوُ: مُرُورِي بِزَيْدٍ حَسَنٌ، وهو بِعَمْرٍو قَبِيحٌ، يُعَلِّقُونَ بِعَمْرٍو بِلَفْظِ هو أيْ: ومُرُورِي بِعَمْرٍو قَبِيحٌ. والظّاهِرُ أنَّ الدُّعاءَ حَقِيقَةٌ أيْ يَدْعُوكم بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] الآيَةَ. ويُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي: أيَّتُها الأجْسامُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ قالَ ﷺ: «إنَّكم تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأسْمائِكم وأسْماءِ آبائِكم، فَأحْسِنُوا أسْماءَكم» . ومَعْنى ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ تُوافِقُونَ الدّاعِيَ فِيما دَعاكم إلَيْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الدُّعاءُ والِاسْتِجابَةُ كِلاهُما مَجازٌ، والمَعْنى: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ مُطاوِعِينَ مُنْقادِينَ لا تَمْتَنِعُونَ. انْتَهى. والظّاهِرُ: أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ إذِ الكَلامُ قَبْلَ ذَلِكَ مَعَهم فالضَّمِيرُ لَهم، و﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالٌ مِنهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي مُبالَغَةٌ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِرُكُوبِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَتَأبّى، ويَمْتَنِعُ: سَتَرْكَبُهُ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ، يَعْنِي: أنَّكَ تُحْمَلُ عَلَيْهِ وتُقْسَرُ قَسْرًا حَتّى أنَّكَ تَلِينُ لِينَ المُسامِحِ الرّاغِبِ فِيهِ الحامِدِ عَلَيْهِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. انْتَهى. وذَلِكَ لِما ظَهَرَ لَهم مِن قُدْرَتِهِ.
وقِيلَ: مَعْنى ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أنَّ الرَّسُولَ قائِلٌ ذَلِكَ، لا أنَّهم يَكُونُ (بِحَمْدِهِ) حالًا مِنهم، فَكَأنَّهُ قالَ: عَسى أنْ تَكُونَ السّاعَةُ قَرِيبَةً يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَقُومُونَ بِخِلافِ ما تَعْتَقِدُونَ الآنَ، وذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلى صِدْقِ خَبَرِي، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ خَصَمْتَهُ أوْ حاوَرْتَهُ في عِلْمٍ: قَدْ أخْطَأْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَبِحَمْدِ اللَّهِ لَيْسَ حالًا مِن فاعِلِ أخْطَأْتَ، بَلِ المَعْنى: أخْطَأْتَ والحَمْدُ لِلَّهِ. وهَذا مَعْنًى مُتَكَلَّفٌ نَحا إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ، وكانَ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ يَكُونُ اعْتِراضًا إذْ مَعْناهُ والحَمْدُ لِلَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
. أيْ: فَإنِّي والحَمْدُ لِلَّهِ، فَهَذا اعْتِراضٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها، كَما أنَّ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، ووَقَعَ في لَفْظِ ابْنِ عَطِيَّةَ حِينَ قَرَّرَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: عَسى أنَّ السّاعَةَ قَرِيبَةٌ وهو تَرْكِيبٌ لا يَجُوزُ، لا تَقُولُ: عَسى أنَّ زَيْدًا قائِمٌ، بِخِلافِ: عَسى أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، وعَلى أنْ يَكُونَ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمِدُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الحَمْدُ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا﴾ [يس: ٥٢] فَهَذا عائِدٌ إلى لُبْثِهِمْ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْرِيبُ وقْتِ البَعْثِ فَكَأنَّكَ بِالدُّنْيا ولَمْ تَكُنْ، وبِالآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ، فَهَذا يَرْجِعُ إلى اسْتِقْلالِ مُدَّةِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وتَظُنُّونَ﴾ وتَرَوْنَ الهَوْلَ فَعِنْدَهُ تَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في الدُّنْيا، وتَحْسَبُونَها (p-٤٨)يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وعَنْ قَتادَةَ: تَحاقَرَتِ الدُّنْيا في أنْفُسِهِمْ حِينَ عايَنُوا الآخِرَةَ. انْتَهى. وقِيلَ: اسْتَقَلُّوا لُبْثَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الدُّخُولَ إلى النّارِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في بَرْزَخِ القِيامَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ .
و﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ لا مَعَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ يَحْمَدُونَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، فَلا يَلِيقُ هَذا إلّا بِهِمْ. وقِيلَ: يَحْمَدُهُ المُؤْمِنُ اخْتِيارًا والكافِرُ اضْطِرارًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وإذا كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو الظّاهِرُ فَيُحْمَلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ، فَيَكُونُ لَمّا رَجَعُوا إلى حالَةِ الحَياةِ وقَعَ لَهُمُ الظَّنُّ أنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عَنِ الدُّنْيا إلّا في زَمَنٍ قَلِيلٍ إذْ كانُوا في ظَنِّهِمْ نائِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اليَقِينِ مِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مُنْقَضٍ مُتَصَرِّمٌ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿وتَظُنُّونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَسْتَجِيبُونَ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وأنْتُمْ (تَظُنُّونَ) والجُمْلَةُ حالٌ. انْتَهى. وإنْ هُنا نافِيَةٌ، ﴿وتَظُنُّونَ﴾ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ، فالجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَلَّما ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ في أدَواتِ التَّعْلِيقِ إنِ النّافِيَةَ، ويَظْهَرُ أنَّ انْتِصابَ ﴿قَلِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: لُبْثًا قَلِيلًا، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى مَصْدَرِهِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ.
الإسراء 17:53
﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨] ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥] ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦] ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] (p-٤٥)
الحَدِيدُ مَعْرُوفٌ. نَغَضَتْ سِنُّهُ: تَحَرَّكَتْ قالَ. ونَغَضَتْ مِن هَرِمٍ أسْنانُها. تَنْغِضُ وتَنْغُضُ نَغْضًا ونُغُوضًا، وأنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ بِرَفْعٍ وخَفْضٍ. قالَ:
؎لَمّا رَأتْنِي أنْغَضَتْ لِيَ الرَّأْسا
وقالَ الآخَرُ:
؎أنْغَضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا أطْعَما
وقالَ الفَرّاءُ: أنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ إلى فَوْقَ وإلى أسْفَلَ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: إذا أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إنْكارًا لَهُ فَقَدْ أنْغَضَ رَأْسَهُ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎ظَعائِنُ لَمْ يَسْكُنَّ أكْنافَ قَرْيَةٍ ∗∗∗ بِسَيْفٍ ولَمْ يَنْغُضْ بِهِنَّ القَناطِرُ
حَنَّكَ الدّابَّةَ واحْتَنَكَها: جَعَلَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُها بِهِ، واحْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ أكَلَتْ نَباتَها. قالَ:
؎نَشْكُوا إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ ∗∗∗ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا فَأضْعَفَتْ
واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا وحَنَكْتَ، ومِنهُ ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: أحْنَكُ الشّاتَيْنِ أيْ: آكِلُهُما. اسْتَفَزَّ الرَّجُلَ: اسْتَخَفَّهُ، والفَزُّ: الخَفِيفُ، وأصْلُهُ القَطْعُ، ومِنهُ تَفَزَّزَ الثَّوْبُ: انْقَطَعَ، واسْتَفَزَّنِي فُلانٌ: خَدَعَنِي حَتّى وقَعْتُ في أمْرٍ أرادَهُ. وقِيلَ لِوَلَدِ البَقَرَةِ: فَزٌّ؛ لِخِفَّتِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَما اسْتَغاثَ بِسَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ ولَمْ يُنَظَرْ بِهِ الحَشَكُ
الجَلَبَةُ: الصِّياحُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَلَبَ وأجْلَبَ. وقالَ الزَّجّاجُ: أجْلَبَ عَلى العَدُوِّ، وجَمَعَ عَلَيْهِ الخَيْلَ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: جَلَبَ عَلَيْهِ: أعانَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أجْلَبَ عَلى الرَّجُلِ: إذا تَوَعَّدَهُ الشَّرَّ، وجَمَعَ عَلَيْهِ الجَمْعَ. الصَّوْتُ مَعْرُوفٌ. الحاصِبُ: الرِّيحُ تَرْمِي بِالحَصْباءِ، قالَهُ الفَرّاءُ، والحَصَبُ: الرَّمْيُ بِالحَصْباءِ، وهي الحِجارَةُ الصِّغارُ.
وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ نَضْرِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
والحاصِبُ: العارِضُ الرّامِي بِالبَرَدِ والحِجارَةِ. تارَةً مَرَّةً، وتُجْمَعُ عَلى تِيَرٍ وتاراتٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءَ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
القاصِفُ: الَّذِي يَكْسِرُ كُلَّ ما يَلْقى، ويُقالُ: قَصَفَ الشَّجَرَ يَقْصِفُهُ قَصْفًا كَسَرَهُ. وقالَ أبُو تَمّامٍ:
؎إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ ∗∗∗ عِيدانَ نَجْدٍ ولا يَعْبَأْنَ بِالرَّتَمِ، وقِيلَ: القاصِفُ: الرِّيحُ الَّتِي لَها قَصِيفٌ، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، كَأنَّها تَتَقَصَّفُ أيْ: تَتَكَسَّرُ.
(p-٤٦)﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا قالُوا ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا﴾ [الإسراء: ٤٩] قِيلَ: لَهم ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ فَرَدَّ قَوْلُهُ: ﴿كُونُوا﴾ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿كُنّا﴾ [الإسراء: ٤٩] كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ولا تَكُونُوا عِظامًا، فَإنَّهُ يَقْدِرُ عَلى إحْيائِكم، والمَعْنى: أنَّكم تَسْتَبْعِدُونَ أنْ يُجَدِّدَ اللَّهُ خَلْقَكم ويَرُدَّهُ إلى حالِ الحَياةِ، وإلى رُطُوبَةِ الحَيِّ وغَضاضَتِهِ بَعْدَما كُنْتُمْ عِظامًا يابِسَةً، مَعَ أنَّ العِظامَ بَعْضُ أجْزاءِ الحَيِّ، بَلْ هي عَمُودُ خَلْقِهِ الَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ سائِرُهُ، فَلَيْسَ بِبْدَعٍ أنْ يَرُدَّها اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ إلى حالَتِها الأُولى، ولَكِنْ لَوْ كُنْتُمْ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ ورُطُوبَةِ الحَيِّ ومِن جِنْسِ ما رُكِّبَ بِهِ البَشَرُ، وهو أنْ تَكُونُوا ﴿حِجارَةً﴾ يابِسَةً ﴿أوْ حَدِيدًا﴾ مَعَ أنَّ طِباعَها القَساوَةُ والصَّلابَةُ لَكانَ قادِرًا عَلى أنْ يَرُدَّكم إلى حالِ الحَياةِ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ﴾ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ، ويَعْظُمُ في زَعْمِكم عَلى الخالِقِ إحْياؤُهُ فَإنَّهُ يُحْيِيهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كُونُوا إنِ اسْتَطَعْتُمْ هَذِهِ الأشْياءَ الصَّعْبَةَ المُمْتَنِعَةَ التَّأتِّي، لا بُدَّ مِن بَعْثِكم. وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا﴾ هو الَّذِي يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ التَّعْجِيزَ مِن أنْواعِ أفْعَلَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ مَثَّلَ بَعْضُهم، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ، وإنَّما التَّعْجِيزُ حَيْثُ يَقْتَضِي بِالأمْرِ فِعْلَ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ونَحْوِهِ. وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَمَعْناها كُونُوا بِالتَّوَهُّمِ، والتَّقْدِيرِ كَذا وكَذا ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ كَذَلِكَ هو يُعِيدُكُمُ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى ﴿كُونُوا﴾ ما شِئْتُمْ فَسَتُعادُونَ. وقالَ النَّحّاسُ: هَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكُونُوا حِجارَةً، وإنَّما المَعْنى أنَّهم قَدْ أقَرُّوا بِخالِقِهِمْ وأنْكَرُوا البَعْثَ، فَقِيلَ لَهم: اسْتَشْعِرُوا أنْ تَكُونُوا ما شِئْتُمْ، فَلَوْ كُنْتُمْ ﴿حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ لَبُعِثْتُمْ كَما خُلِقْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. انْتَهى.
﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ صَلابَتُهُ وزِيادَتُهُ عَلى قُوَّةِ الحَدِيدِ وصَلابَتِهِ، ولَمْ يُعَيِّنْهُ، تَرَكَ ذَلِكَ إلى أفْكارِهِمْ وجَوَلانِها فِيما هو أصْلَبُ مِنَ الحَدِيدِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِالصُّلْبِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي الأصْلَبَ مِنهُ، ثُمَّ الأصْلَبَ مِنَ الحَدِيدِ، أيِ: افْرِضُوا ذَواتِكم شَيْئًا مِن هَذِهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لَكم مِنَ البَعْثِ عَلى أيِّ حالٍ كُنْتُمْ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: الَّذِي يَكْبُرُ: المَوْتُ، أيْ: لَوْ كُنْتُمُ المَوْتَ لَأماتَكم ثُمَّ أحْياكم. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يَتِمُّ إلّا إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ لا نَفْسُ الأمْرِ، لِأنَّ البَدَنَ جِسْمٌ والمَوْتَ عَرَضٌ، ولا يَنْقَلِبُ الجِسْمُ عَرَضًا، ولَوْ فُرِضَ انْقِلابُهُ عَرَضًا لَمْ يَكُنْ لِيَقْبَلَ الحَياةَ لِأجْلِ الضِّدِّيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَكْبُرُ: السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم لَوْ كانُوا أصْلَبَ شَيْءٍ وأبْعَدَهُ مِن حُلُولِ الحَياةِ بِهِ كانَ خَلْقُ الحَياةِ فِيهِ مُمْكِنًا، قالُوا: مَنِ الَّذِي هو قادِرٌ عَلى صَيْرُورَةِ الحَياةِ فِينا وإعادَتِنا، فَنَبَّهَهم عَلى ما يَقْتَضِي الإعادَةَ، وهو أنَّ الَّذِي أنْشَأكم واخْتَرَعَكم أوَّلَ مَرَّةٍ هو الَّذِي يُعِيدُكم، و(الَّذِي) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يُعِيدُكم فَيُطابِقُ الجَوابُ السُّؤالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا، أيْ: يُعِيدُكُمُ الَّذِي فَطَرَكم، ويَجُوزُ أنْ (p-٤٧)يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ، أيْ: مُعِيدُكُمُ الَّذِي فَطَرَكم، و﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ ﴿فَطَرَكُمْ﴾ قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ أيْ: يُحَرِّكُونَها عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِبْعادِ، ويَقُولُونَ: مَتى هو ؟ أيْ: مَتى العَوْدُ ؟ ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيمِ لِلْعَوْدِ ولَكِنْ حَيْدَةً وانْتِقالًا لِما لا يُسْألُ عَنْهُ؛ لِأنَّ ما يَثْبُتُ إمْكانُهُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لا يُسْألُ عَنْ تَعْيِينِ وُقُوعِهِ، ولَكِنْ أجابَهم عَنْ سُؤالِهِمْ بِقُرْبِ وُقُوعِهِ لا بِتَعْيِينِ زَمانِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في ﴿عَسى﴾ إضْمارٌ، أيْ عَسى هو، أيِ العَوْدُ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُها ﴿أنْ يَكُونَ﴾ فَتَكُونَ تامَّةً. و﴿قَرِيبًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ كانَ عَلى أنَّهُ يَكُونُ العَوْدُ مُتَّصِفًا بِالقُرْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، أيْ: زَمانًا قَرِيبًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَوْمَ نَدْعُوكم بَدَلًا مِن قَرِيبًا.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِيَكُونَ، ولا يَجُوزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِاسْمِ كانَ، وإنْ كانَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَعْمَلُ. انْتَهى. أمّا كَوْنُهُ ظَرْفًا لِيَكُونَ فَهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ عَمَلِ كانَ النّاقِصَةِ في الظَّرْفِ وفِيهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَعْمَلُ فَهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وأمّا الكُوفِيُّونَ فَيُجِيزُونَ أنْ يَعْمَلَ نَحْوُ: مُرُورِي بِزَيْدٍ حَسَنٌ، وهو بِعَمْرٍو قَبِيحٌ، يُعَلِّقُونَ بِعَمْرٍو بِلَفْظِ هو أيْ: ومُرُورِي بِعَمْرٍو قَبِيحٌ. والظّاهِرُ أنَّ الدُّعاءَ حَقِيقَةٌ أيْ يَدْعُوكم بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] الآيَةَ. ويُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي: أيَّتُها الأجْسامُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ قالَ ﷺ: «إنَّكم تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأسْمائِكم وأسْماءِ آبائِكم، فَأحْسِنُوا أسْماءَكم» . ومَعْنى ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ تُوافِقُونَ الدّاعِيَ فِيما دَعاكم إلَيْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الدُّعاءُ والِاسْتِجابَةُ كِلاهُما مَجازٌ، والمَعْنى: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ مُطاوِعِينَ مُنْقادِينَ لا تَمْتَنِعُونَ. انْتَهى. والظّاهِرُ: أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ إذِ الكَلامُ قَبْلَ ذَلِكَ مَعَهم فالضَّمِيرُ لَهم، و﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالٌ مِنهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي مُبالَغَةٌ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِرُكُوبِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَتَأبّى، ويَمْتَنِعُ: سَتَرْكَبُهُ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ، يَعْنِي: أنَّكَ تُحْمَلُ عَلَيْهِ وتُقْسَرُ قَسْرًا حَتّى أنَّكَ تَلِينُ لِينَ المُسامِحِ الرّاغِبِ فِيهِ الحامِدِ عَلَيْهِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. انْتَهى. وذَلِكَ لِما ظَهَرَ لَهم مِن قُدْرَتِهِ.
وقِيلَ: مَعْنى ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أنَّ الرَّسُولَ قائِلٌ ذَلِكَ، لا أنَّهم يَكُونُ (بِحَمْدِهِ) حالًا مِنهم، فَكَأنَّهُ قالَ: عَسى أنْ تَكُونَ السّاعَةُ قَرِيبَةً يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَقُومُونَ بِخِلافِ ما تَعْتَقِدُونَ الآنَ، وذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلى صِدْقِ خَبَرِي، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ خَصَمْتَهُ أوْ حاوَرْتَهُ في عِلْمٍ: قَدْ أخْطَأْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَبِحَمْدِ اللَّهِ لَيْسَ حالًا مِن فاعِلِ أخْطَأْتَ، بَلِ المَعْنى: أخْطَأْتَ والحَمْدُ لِلَّهِ. وهَذا مَعْنًى مُتَكَلَّفٌ نَحا إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ، وكانَ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ يَكُونُ اعْتِراضًا إذْ مَعْناهُ والحَمْدُ لِلَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
. أيْ: فَإنِّي والحَمْدُ لِلَّهِ، فَهَذا اعْتِراضٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها، كَما أنَّ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، ووَقَعَ في لَفْظِ ابْنِ عَطِيَّةَ حِينَ قَرَّرَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: عَسى أنَّ السّاعَةَ قَرِيبَةٌ وهو تَرْكِيبٌ لا يَجُوزُ، لا تَقُولُ: عَسى أنَّ زَيْدًا قائِمٌ، بِخِلافِ: عَسى أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، وعَلى أنْ يَكُونَ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمِدُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الحَمْدُ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا﴾ [يس: ٥٢] فَهَذا عائِدٌ إلى لُبْثِهِمْ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْرِيبُ وقْتِ البَعْثِ فَكَأنَّكَ بِالدُّنْيا ولَمْ تَكُنْ، وبِالآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ، فَهَذا يَرْجِعُ إلى اسْتِقْلالِ مُدَّةِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وتَظُنُّونَ﴾ وتَرَوْنَ الهَوْلَ فَعِنْدَهُ تَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في الدُّنْيا، وتَحْسَبُونَها (p-٤٨)يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وعَنْ قَتادَةَ: تَحاقَرَتِ الدُّنْيا في أنْفُسِهِمْ حِينَ عايَنُوا الآخِرَةَ. انْتَهى. وقِيلَ: اسْتَقَلُّوا لُبْثَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الدُّخُولَ إلى النّارِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في بَرْزَخِ القِيامَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ .
و﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ لا مَعَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ يَحْمَدُونَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، فَلا يَلِيقُ هَذا إلّا بِهِمْ. وقِيلَ: يَحْمَدُهُ المُؤْمِنُ اخْتِيارًا والكافِرُ اضْطِرارًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وإذا كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو الظّاهِرُ فَيُحْمَلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ، فَيَكُونُ لَمّا رَجَعُوا إلى حالَةِ الحَياةِ وقَعَ لَهُمُ الظَّنُّ أنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عَنِ الدُّنْيا إلّا في زَمَنٍ قَلِيلٍ إذْ كانُوا في ظَنِّهِمْ نائِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اليَقِينِ مِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مُنْقَضٍ مُتَصَرِّمٌ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿وتَظُنُّونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَسْتَجِيبُونَ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وأنْتُمْ (تَظُنُّونَ) والجُمْلَةُ حالٌ. انْتَهى. وإنْ هُنا نافِيَةٌ، ﴿وتَظُنُّونَ﴾ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ، فالجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَلَّما ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ في أدَواتِ التَّعْلِيقِ إنِ النّافِيَةَ، ويَظْهَرُ أنَّ انْتِصابَ ﴿قَلِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: لُبْثًا قَلِيلًا، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى مَصْدَرِهِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ.
الإسراء 17:54
﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨] ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥] ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦] ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] (p-٤٥)
الحَدِيدُ مَعْرُوفٌ. نَغَضَتْ سِنُّهُ: تَحَرَّكَتْ قالَ. ونَغَضَتْ مِن هَرِمٍ أسْنانُها. تَنْغِضُ وتَنْغُضُ نَغْضًا ونُغُوضًا، وأنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ بِرَفْعٍ وخَفْضٍ. قالَ:
؎لَمّا رَأتْنِي أنْغَضَتْ لِيَ الرَّأْسا
وقالَ الآخَرُ:
؎أنْغَضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا أطْعَما
وقالَ الفَرّاءُ: أنْغَضَ رَأْسَهُ حَرَّكَهُ إلى فَوْقَ وإلى أسْفَلَ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: إذا أُخْبِرَ بِشَيْءٍ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ إنْكارًا لَهُ فَقَدْ أنْغَضَ رَأْسَهُ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎ظَعائِنُ لَمْ يَسْكُنَّ أكْنافَ قَرْيَةٍ ∗∗∗ بِسَيْفٍ ولَمْ يَنْغُضْ بِهِنَّ القَناطِرُ
حَنَّكَ الدّابَّةَ واحْتَنَكَها: جَعَلَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُها بِهِ، واحْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ أكَلَتْ نَباتَها. قالَ:
؎نَشْكُوا إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ ∗∗∗ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا فَأضْعَفَتْ
واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا وحَنَكْتَ، ومِنهُ ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: أحْنَكُ الشّاتَيْنِ أيْ: آكِلُهُما. اسْتَفَزَّ الرَّجُلَ: اسْتَخَفَّهُ، والفَزُّ: الخَفِيفُ، وأصْلُهُ القَطْعُ، ومِنهُ تَفَزَّزَ الثَّوْبُ: انْقَطَعَ، واسْتَفَزَّنِي فُلانٌ: خَدَعَنِي حَتّى وقَعْتُ في أمْرٍ أرادَهُ. وقِيلَ لِوَلَدِ البَقَرَةِ: فَزٌّ؛ لِخِفَّتِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎كَما اسْتَغاثَ بِسَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ ولَمْ يُنَظَرْ بِهِ الحَشَكُ
الجَلَبَةُ: الصِّياحُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَلَبَ وأجْلَبَ. وقالَ الزَّجّاجُ: أجْلَبَ عَلى العَدُوِّ، وجَمَعَ عَلَيْهِ الخَيْلَ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: جَلَبَ عَلَيْهِ: أعانَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أجْلَبَ عَلى الرَّجُلِ: إذا تَوَعَّدَهُ الشَّرَّ، وجَمَعَ عَلَيْهِ الجَمْعَ. الصَّوْتُ مَعْرُوفٌ. الحاصِبُ: الرِّيحُ تَرْمِي بِالحَصْباءِ، قالَهُ الفَرّاءُ، والحَصَبُ: الرَّمْيُ بِالحَصْباءِ، وهي الحِجارَةُ الصِّغارُ.
وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ نَضْرِبُهم ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
والحاصِبُ: العارِضُ الرّامِي بِالبَرَدِ والحِجارَةِ. تارَةً مَرَّةً، وتُجْمَعُ عَلى تِيَرٍ وتاراتٍ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءَ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
القاصِفُ: الَّذِي يَكْسِرُ كُلَّ ما يَلْقى، ويُقالُ: قَصَفَ الشَّجَرَ يَقْصِفُهُ قَصْفًا كَسَرَهُ. وقالَ أبُو تَمّامٍ:
؎إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ ∗∗∗ عِيدانَ نَجْدٍ ولا يَعْبَأْنَ بِالرَّتَمِ، وقِيلَ: القاصِفُ: الرِّيحُ الَّتِي لَها قَصِيفٌ، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، كَأنَّها تَتَقَصَّفُ أيْ: تَتَكَسَّرُ.
(p-٤٦)﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا قالُوا ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا﴾ [الإسراء: ٤٩] قِيلَ: لَهم ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ فَرَدَّ قَوْلُهُ: ﴿كُونُوا﴾ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿كُنّا﴾ [الإسراء: ٤٩] كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ولا تَكُونُوا عِظامًا، فَإنَّهُ يَقْدِرُ عَلى إحْيائِكم، والمَعْنى: أنَّكم تَسْتَبْعِدُونَ أنْ يُجَدِّدَ اللَّهُ خَلْقَكم ويَرُدَّهُ إلى حالِ الحَياةِ، وإلى رُطُوبَةِ الحَيِّ وغَضاضَتِهِ بَعْدَما كُنْتُمْ عِظامًا يابِسَةً، مَعَ أنَّ العِظامَ بَعْضُ أجْزاءِ الحَيِّ، بَلْ هي عَمُودُ خَلْقِهِ الَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ سائِرُهُ، فَلَيْسَ بِبْدَعٍ أنْ يَرُدَّها اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ إلى حالَتِها الأُولى، ولَكِنْ لَوْ كُنْتُمْ أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ ورُطُوبَةِ الحَيِّ ومِن جِنْسِ ما رُكِّبَ بِهِ البَشَرُ، وهو أنْ تَكُونُوا ﴿حِجارَةً﴾ يابِسَةً ﴿أوْ حَدِيدًا﴾ مَعَ أنَّ طِباعَها القَساوَةُ والصَّلابَةُ لَكانَ قادِرًا عَلى أنْ يَرُدَّكم إلى حالِ الحَياةِ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ﴾ عِنْدَكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ، ويَعْظُمُ في زَعْمِكم عَلى الخالِقِ إحْياؤُهُ فَإنَّهُ يُحْيِيهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كُونُوا إنِ اسْتَطَعْتُمْ هَذِهِ الأشْياءَ الصَّعْبَةَ المُمْتَنِعَةَ التَّأتِّي، لا بُدَّ مِن بَعْثِكم. وقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا﴾ هو الَّذِي يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ التَّعْجِيزَ مِن أنْواعِ أفْعَلَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ مَثَّلَ بَعْضُهم، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ، وإنَّما التَّعْجِيزُ حَيْثُ يَقْتَضِي بِالأمْرِ فِعْلَ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ونَحْوِهِ. وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَمَعْناها كُونُوا بِالتَّوَهُّمِ، والتَّقْدِيرِ كَذا وكَذا ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ كَذَلِكَ هو يُعِيدُكُمُ. انْتَهى. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى ﴿كُونُوا﴾ ما شِئْتُمْ فَسَتُعادُونَ. وقالَ النَّحّاسُ: هَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكُونُوا حِجارَةً، وإنَّما المَعْنى أنَّهم قَدْ أقَرُّوا بِخالِقِهِمْ وأنْكَرُوا البَعْثَ، فَقِيلَ لَهم: اسْتَشْعِرُوا أنْ تَكُونُوا ما شِئْتُمْ، فَلَوْ كُنْتُمْ ﴿حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ لَبُعِثْتُمْ كَما خُلِقْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. انْتَهى.
﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ صَلابَتُهُ وزِيادَتُهُ عَلى قُوَّةِ الحَدِيدِ وصَلابَتِهِ، ولَمْ يُعَيِّنْهُ، تَرَكَ ذَلِكَ إلى أفْكارِهِمْ وجَوَلانِها فِيما هو أصْلَبُ مِنَ الحَدِيدِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِالصُّلْبِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي الأصْلَبَ مِنهُ، ثُمَّ الأصْلَبَ مِنَ الحَدِيدِ، أيِ: افْرِضُوا ذَواتِكم شَيْئًا مِن هَذِهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ لَكم مِنَ البَعْثِ عَلى أيِّ حالٍ كُنْتُمْ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: الَّذِي يَكْبُرُ: المَوْتُ، أيْ: لَوْ كُنْتُمُ المَوْتَ لَأماتَكم ثُمَّ أحْياكم. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يَتِمُّ إلّا إذا أُرِيدَ المُبالَغَةُ لا نَفْسُ الأمْرِ، لِأنَّ البَدَنَ جِسْمٌ والمَوْتَ عَرَضٌ، ولا يَنْقَلِبُ الجِسْمُ عَرَضًا، ولَوْ فُرِضَ انْقِلابُهُ عَرَضًا لَمْ يَكُنْ لِيَقْبَلَ الحَياةَ لِأجْلِ الضِّدِّيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي يَكْبُرُ: السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم لَوْ كانُوا أصْلَبَ شَيْءٍ وأبْعَدَهُ مِن حُلُولِ الحَياةِ بِهِ كانَ خَلْقُ الحَياةِ فِيهِ مُمْكِنًا، قالُوا: مَنِ الَّذِي هو قادِرٌ عَلى صَيْرُورَةِ الحَياةِ فِينا وإعادَتِنا، فَنَبَّهَهم عَلى ما يَقْتَضِي الإعادَةَ، وهو أنَّ الَّذِي أنْشَأكم واخْتَرَعَكم أوَّلَ مَرَّةٍ هو الَّذِي يُعِيدُكم، و(الَّذِي) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يُعِيدُكم فَيُطابِقُ الجَوابُ السُّؤالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا، أيْ: يُعِيدُكُمُ الَّذِي فَطَرَكم، ويَجُوزُ أنْ (p-٤٧)يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ، أيْ: مُعِيدُكُمُ الَّذِي فَطَرَكم، و﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ ﴿فَطَرَكُمْ﴾ قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ أيْ: يُحَرِّكُونَها عَلى سَبِيلِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِبْعادِ، ويَقُولُونَ: مَتى هو ؟ أيْ: مَتى العَوْدُ ؟ ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيمِ لِلْعَوْدِ ولَكِنْ حَيْدَةً وانْتِقالًا لِما لا يُسْألُ عَنْهُ؛ لِأنَّ ما يَثْبُتُ إمْكانُهُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لا يُسْألُ عَنْ تَعْيِينِ وُقُوعِهِ، ولَكِنْ أجابَهم عَنْ سُؤالِهِمْ بِقُرْبِ وُقُوعِهِ لا بِتَعْيِينِ زَمانِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في ﴿عَسى﴾ إضْمارٌ، أيْ عَسى هو، أيِ العَوْدُ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُها ﴿أنْ يَكُونَ﴾ فَتَكُونَ تامَّةً. و﴿قَرِيبًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ كانَ عَلى أنَّهُ يَكُونُ العَوْدُ مُتَّصِفًا بِالقُرْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، أيْ: زَمانًا قَرِيبًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَوْمَ نَدْعُوكم بَدَلًا مِن قَرِيبًا.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِيَكُونَ، ولا يَجُوزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِاسْمِ كانَ، وإنْ كانَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَعْمَلُ. انْتَهى. أمّا كَوْنُهُ ظَرْفًا لِيَكُونَ فَهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ عَمَلِ كانَ النّاقِصَةِ في الظَّرْفِ وفِيهِ خِلافٌ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَعْمَلُ فَهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وأمّا الكُوفِيُّونَ فَيُجِيزُونَ أنْ يَعْمَلَ نَحْوُ: مُرُورِي بِزَيْدٍ حَسَنٌ، وهو بِعَمْرٍو قَبِيحٌ، يُعَلِّقُونَ بِعَمْرٍو بِلَفْظِ هو أيْ: ومُرُورِي بِعَمْرٍو قَبِيحٌ. والظّاهِرُ أنَّ الدُّعاءَ حَقِيقَةٌ أيْ يَدْعُوكم بِالنِّداءِ الَّذِي يُسْمِعُكم وهو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يُنادِي المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] الآيَةَ. ويُقالُ: إنَّ إسْرافِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنادِي: أيَّتُها الأجْسامُ البالِيَةُ والعِظامُ النَّخِرَةُ والأجْزاءُ المُتَفَرِّقَةُ عُودِي كَما كُنْتِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ قالَ ﷺ: «إنَّكم تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأسْمائِكم وأسْماءِ آبائِكم، فَأحْسِنُوا أسْماءَكم» . ومَعْنى ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ تُوافِقُونَ الدّاعِيَ فِيما دَعاكم إلَيْهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الدُّعاءُ والِاسْتِجابَةُ كِلاهُما مَجازٌ، والمَعْنى: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ مُطاوِعِينَ مُنْقادِينَ لا تَمْتَنِعُونَ. انْتَهى. والظّاهِرُ: أنَّ الخِطابَ لِلْكُفّارِ إذِ الكَلامُ قَبْلَ ذَلِكَ مَعَهم فالضَّمِيرُ لَهم، و﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالٌ مِنهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي مُبالَغَةٌ في انْقِيادِهِمْ لِلْبَعْثِ، كَقَوْلِكَ لِمَن تَأْمُرُهُ بِرُكُوبِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَتَأبّى، ويَمْتَنِعُ: سَتَرْكَبُهُ وأنْتَ حامِدٌ شاكِرٌ، يَعْنِي: أنَّكَ تُحْمَلُ عَلَيْهِ وتُقْسَرُ قَسْرًا حَتّى أنَّكَ تَلِينُ لِينَ المُسامِحِ الرّاغِبِ فِيهِ الحامِدِ عَلَيْهِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، ويَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. انْتَهى. وذَلِكَ لِما ظَهَرَ لَهم مِن قُدْرَتِهِ.
وقِيلَ: مَعْنى ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أنَّ الرَّسُولَ قائِلٌ ذَلِكَ، لا أنَّهم يَكُونُ (بِحَمْدِهِ) حالًا مِنهم، فَكَأنَّهُ قالَ: عَسى أنْ تَكُونَ السّاعَةُ قَرِيبَةً يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَقُومُونَ بِخِلافِ ما تَعْتَقِدُونَ الآنَ، وذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلى صِدْقِ خَبَرِي، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ خَصَمْتَهُ أوْ حاوَرْتَهُ في عِلْمٍ: قَدْ أخْطَأْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَبِحَمْدِ اللَّهِ لَيْسَ حالًا مِن فاعِلِ أخْطَأْتَ، بَلِ المَعْنى: أخْطَأْتَ والحَمْدُ لِلَّهِ. وهَذا مَعْنًى مُتَكَلَّفٌ نَحا إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ، وكانَ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ يَكُونُ اعْتِراضًا إذْ مَعْناهُ والحَمْدُ لِلَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
. أيْ: فَإنِّي والحَمْدُ لِلَّهِ، فَهَذا اعْتِراضٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها، كَما أنَّ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، ووَقَعَ في لَفْظِ ابْنِ عَطِيَّةَ حِينَ قَرَّرَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: عَسى أنَّ السّاعَةَ قَرِيبَةٌ وهو تَرْكِيبٌ لا يَجُوزُ، لا تَقُولُ: عَسى أنَّ زَيْدًا قائِمٌ، بِخِلافِ: عَسى أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، وعَلى أنْ يَكُونَ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ . قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمِدُوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الحَمْدُ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ فَإنَّهُ يُزالُ عَنْهُمُ العَذابُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا﴾ [يس: ٥٢] فَهَذا عائِدٌ إلى لُبْثِهِمْ فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وقالَ الحَسَنُ: تَقْرِيبُ وقْتِ البَعْثِ فَكَأنَّكَ بِالدُّنْيا ولَمْ تَكُنْ، وبِالآخِرَةِ لَمْ تَزَلْ، فَهَذا يَرْجِعُ إلى اسْتِقْلالِ مُدَّةِ اللُّبْثِ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وتَظُنُّونَ﴾ وتَرَوْنَ الهَوْلَ فَعِنْدَهُ تَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في الدُّنْيا، وتَحْسَبُونَها (p-٤٨)يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وعَنْ قَتادَةَ: تَحاقَرَتِ الدُّنْيا في أنْفُسِهِمْ حِينَ عايَنُوا الآخِرَةَ. انْتَهى. وقِيلَ: اسْتَقَلُّوا لُبْثَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الدُّخُولَ إلى النّارِ اسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في بَرْزَخِ القِيامَةِ. وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ .
و﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ لا مَعَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّهم يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ يَحْمَدُونَهُ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، فَلا يَلِيقُ هَذا إلّا بِهِمْ. وقِيلَ: يَحْمَدُهُ المُؤْمِنُ اخْتِيارًا والكافِرُ اضْطِرارًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وإذا كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وهو الظّاهِرُ فَيُحْمَلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ، فَيَكُونُ لَمّا رَجَعُوا إلى حالَةِ الحَياةِ وقَعَ لَهُمُ الظَّنُّ أنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عَنِ الدُّنْيا إلّا في زَمَنٍ قَلِيلٍ إذْ كانُوا في ظَنِّهِمْ نائِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اليَقِينِ مِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مُنْقَضٍ مُتَصَرِّمٌ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿وتَظُنُّونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَسْتَجِيبُونَ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: أيْ: وأنْتُمْ (تَظُنُّونَ) والجُمْلَةُ حالٌ. انْتَهى. وإنْ هُنا نافِيَةٌ، ﴿وتَظُنُّونَ﴾ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ، فالجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَلَّما ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ في أدَواتِ التَّعْلِيقِ إنِ النّافِيَةَ، ويَظْهَرُ أنَّ انْتِصابَ ﴿قَلِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إلّا زَمانًا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: لُبْثًا قَلِيلًا، ودَلالَةُ الفِعْلِ عَلى مَصْدَرِهِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ.
الإسراء 17:55
﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣] ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤] ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ .
قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَتَمَهُ بَعْضُ الكَفَرَةِ، فَسَبَّهُ عُمَرُ وهَمَّ بِقَتْلِهِ فَكادَ يُثِيرُ فِتْنَةً، فَنَزَلَتِ الآيَةُ وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وارْتِباطُها بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ما نَسَبَ الكُفّارُ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الوَلَدِ، ونُفُورُهم عَنْ كِتابِ اللَّهِ إذا سَمِعُوهُ، وإيذاءُ الرَّسُولِ ﷺ ونِسْبَتُهُ إلى أنَّهُ مَسْحُورٌ، وإنْكارُ البَعْثِ كانَ ذَلِكَ مَدْعاةً لِإيذاءِ المُؤْمِنِينَ، ومَجْلَبَةً لِبُغْضِ المُؤْمِنِينَ إيّاهم ومُعامَلَتِهِمْ بِما عامَلُوهم، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُوصِيَ المُؤْمِنِينَ بِالرِّفْقِ بِالكُفّارِ واللُّطْفِ بِهِمْ في القَوْلِ، وأنْ لا يُعامِلُوهم بِمِثْلِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى ﴿قُلْ لِعِبادِي﴾ [إبراهيم: ٣١] المُؤْمِنِينَ ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] لِلْمُشْرِكِينَ الكَلِمَ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] . وقِيلَ: المَعْنى ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] أيْ: يَقُولُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ الكَلِمَ الَّتِي هي أحْسَنُ، أيْ: يُجِلُّ بَعْضُهم بَعْضًا ويُعَظِّمُهُ، ولا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا الكَلامُ الطَّيِّبُ والقَوْلُ الجَمِيلُ، فَلا يَكُونُوا مِثْلَ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالتَّهاجِي والسِّبابِ والحُرُوبِ والنَّهْبِ لِلْأمْوالِ والسَّبْيِ لِلنِّساءِ والذَّرارِيِّ.
وقِيلَ: عِبادِي هُنا: المُشْرِكُونَ؛ إذِ المَقْصُودُ هُنا الدُّعاءُ إلى الإسْلامِ، فَخُوطِبُوا بِالخِطابِ (p-٤٩)الحَسَنِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا إلى قَبُولِ الدِّينِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لِلَّذِينَ أقَرُّوا أنَّهم عِبادٌ لِي يَقُولُوا ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعالى، وتَنْزِيهُهُ عَنِ الوَلَدِ واتِّخاذِ المَلائِكَةِ بَناتٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ وتَحْسِينِهِ. وقِيلَ: عِبادِي: شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ عَلى ما يَأْتِي تَفْسِيرُ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَةَ عِبادِي مُضافَةٌ إلَيْهِ تَعالى كَثُرَ اسْتِعْمالُها في المُؤْمِنِينَ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧] ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] .
و(قُلِ) خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو أمْرٌ، ومَعْمُولُ القَوْلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وانْجَزَمَ ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ الَّذِي هو قُلْ. قالَهُ الأخْفَشُ، وهو صَحِيحُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ عِبادِي يُرادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم لِمُسارَعَتِهِمْ لِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى بِنَفْسِ ما يَقُولُ لَهم ذَلِكَ قالُوا ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] . وعَنْ سِيبَوَيْهِ: أنَّهُ انْجَزَمَ عَلى جَوابٍ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أنْ يَقُلْ لَهم ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] فَيَكُونُ في قَوْلِهِ حَذْفُ مَعْمُولِ القَوْلِ، وحَذْفُ الشَّرْطِ الَّذِي ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] جَوابُهُ. وقالَ المُبَرِّدُ: انْجَزَمَ جَوابًا لِلْأمْرِ الَّذِي هو مَعْمُولُ (قُلْ) أيْ: قُولُوا ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] . وقِيلَ: مَعْمُولُ (قُلْ) مَذْكُورٌ لا مَحْذُوفٌ وهو ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] عَلى تَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ، وهو مَجْزُومٌ بِها قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: ﴿يَقُولُوا﴾ [الإسراء: ٥٣] مَبْنِيٌّ وهو مُضارِعٌ حَلَّ مَحَلَّ المَبْنِيِّ الَّذِي هو فِعْلُ الأمْرِ فَبُنِيَ، والمَعْنى ﴿قُلْ لِعِبادِي﴾ [إبراهيم: ٣١] قُولُوا. قالَهُ المازِنِيُّ، وهَذِهِ الأقْوالُ جَرَتْ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِعِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وتَرْجِيحُ ما يَنْبَغِي أنْ يُرَجَّحَ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
و﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] قالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ: هي قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِعِبادِي﴾ [الإسراء: ٥٣] يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ الخَلْقِ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم مَدْعُوٌّ إلى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ويَجِيءُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] غَيْرَ مُناسِبٍ لِلْمَعْنى إلّا عَلى تَكَبُّرِهِ بِأنْ يُجْعَلَ (بَيْنَهم) بِمَعْنى خِلالِهِمْ وأثْناءِهِمْ، ويُجْعَلَ (النَّزْغُ) بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ والإمْلالِ. وقالَ الحَسَنُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، وعَنْهُ أيْضًا: الأمْرُ بِامْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ المَناهِي. وقِيلَ: القَوْلُ لِلْمُؤْمِنِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ ولِلْكافِرِ هَداكَ اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وهي المُحاوَرَةُ الحُسْنى بِحَسَبِ مَعْنًى مَعْنًى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فُسِّرَ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] يَعْنِي: يَقُولُ لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ ونَحْوَها ولا تَقُولُوا لَهم: أنَّكم مِن أهْلِ النّارِ وأنَّكم مُعَذَّبُونَ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا يَغِيظُهم ويُهَيِّجُهم عَلى الشَّرِّ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] اعْتِراضٌ بِمَعْنى يُلْقِي بَيْنَهُمُ الفَسادَ، ويُغْرِي بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ؛ لِيَقَعَ بَيْنَهُمُ المُشارَّةُ والمُشاقَّةُ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: إذا أرَدْتُمُ الحُجَّةَ عَلى المُخالِفِ فاذْكُرُوها بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ، وهو أنْ لا يُخْلَطَ بِالسَّبِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وخَلْطُ الحُجَّةِ بِالسَّبِّ سَبَبٌ لِلْمُقابَلَةِ بِمِثْلِهِ، وتَنْفِيرٌ عَنْ حُصُولِ المَقْصُودِ مِن إظْهارِ الحُجَّةِ وتَأْثِيرِها، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى هَذا الطَّرِيقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] جامِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ: مَتى امْتَزَجَتِ الحُجَّةُ بِالإيذاءِ كانَتِ الفِتْنَةُ. انْتَهى. وقَرَأ طَلْحَةُ ”يَنْزِغُ“ بِكَسْرِ الزّايِ. قالَأبُو حاتِمٍ: لَعَلَّها لُغَةٌ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هي لُغَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُما لُغَتانِ نَحْوُ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ. انْتَهى. ولَوْ مَثَّلَ بِـ يَنْطَحُ ويَنْطِحُ كانَ أنْسَبَ، وبَيَّنَ تَعالى سَبَبَ النَّزْغِ، وهي العَداوَةُ القائِمَةُ لِأبِيهِمْ آدَمَ قَبْلَهم، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] الآيَةَ. وغَيْرُها مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى تَسَلُّطِهِ عَلى الإنْسانِ وابْتِغاءِ الغَوائِلِ المُهْلِكَةِ لَهُ. والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] إنْ كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ فالرَّحْمَةُ الإنْجاءُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ وأذاهم، والتَّعْذِيبُ تَسْلِيطُهم (p-٥٠)عَلَيْهِمْ.
﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] أيْ: عَلى الكُفّارِ حافِظًا وكَفِيلًا فاشْتَغِلْ أنْتَ بِالدَّعْوَةِ، وإنَّما هِدايَتُهم إلى اللَّهِ. وقِيلَ: ﴿يَرْحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] بِالهِدايَةِ إلى التَّوْفِيقِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وإنْ شاءَ عَذَّبَكم بِالخِذْلانِ، وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ فَقالَ: يُقابِلُ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ، و﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] يُمِيتُكم عَلى الكُفْرِ. وذَكَرَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا نَزَلَ القَحْطُ بِالمُشْرِكِينَ قالُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فَقالَ اللَّهُ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] بِالَّذِي يُؤْمِنُ مِنَ الَّذِي لا يُؤْمِنُ ﴿إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] فَيَكْشِفُ القَحْطَ عَنْكم ﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] فَيَتْرُكُهُ عَلَيْكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها هي ما بَيْنَ العِبادِ المُؤْمِنِينَ وكُفّارِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] مُخاطِبَةٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤] فَكَأنَّهُ أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُخاشِنُوا الكُفّارَ في الدِّينِ، ثُمَّ قالَ: إنَّهُ أعْلَمُ بِهِمْ ورَجّاهم وخَوَّفَهم، ومَعْنى ﴿يَرْحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] بِالتَّوْبَةِ عَلَيْكم قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] هي مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لِلْكُفّارِ، وأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] .
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: (أوْ) دَخَلَتْ هُنا لِسَعَةِ الأمْرَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ ولا يُرادُ عَنْهُما، فَكانَتْ مُلْحَقَةً بِأوِ المُبِيحَةِ في قَوْلِهِمْ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ يَعْنُونَ: قَدْ وسَّعْنا لَكَ الأمْرَ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: (أوْ) لِلْإضْرابِ، ولِهَذا كَرَّرَ (إنْ) ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أعْلَمُ بِمَن خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] انْتَقَلَ مِنَ الخُصُوصِ إلى العُمُومِ، فَقالَ مُخاطِبًا لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِيُبَيِّنَ أنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْكم بَلْ عِلْمُهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، بِأحْوالِهِمْ ومَقادِيرِهِمْ وما يَسْتَأْهِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم، و(بِمَن) مُتَعَلِّقٌ بِأعْلَمَ كَما تَعَلَّقَ بِكم قَبْلَهُ بِأعْلَمَ، ولا يَدُلُّ تَعَلُّقُهُ بِهِ عَلى اخْتِصاصِ أعْلَمِيَّتِهِ تَعالى بِما تَعَلَّقَ بِهِ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ أعْلَمُ بِالنَّحْوِ، لا يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهُ لَيْسَ أعْلَمَ بِغَيْرِ النَّحْوِ مِنَ العُلُومِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: الباءُ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ عَلِمَ (بِمَن) قالَ: لِأنَّهُ لَوْ عَلَّقَها بِأعْلَمَ لاقْتَضى أنَّهُ لَيْسَ بِأعْلَمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ وهَذا لا يَلْزَمُ، وأيْضًا فَإنَّ عَلِمَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ إنَّما يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ لا بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ أوْ لا يُبَيِّنُ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. ولَمّا كانَ الكُفّارُ قَدِ اسْتَبْعَدُوا تَنْبِئَةَ البَشَرِ إذْ فِيهِ تَفْضِيلُ الأنْبِياءِ عَلى غَيْرِهِمْ أخْبَرَ تَعالى بِتَفْضِيلِ الأنْبِياءِ عَلى بَعْضٍ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُسْتَبْعَدُ تَفْضِيلُ الأنْبِياءِ عَلى غَيْرِهِمْ إذْ وقَعَ التَّفْضِيلُ في هَذا الجِنْسِ المُفَضَّلِ عَلى النّاسِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَزايا فَهو يُفَضِّلُ مَن شاءَ مِنهم عَلى مَن شاءَ إذْ هو الحَكِيمُ فَلا يَصْدُرُ شَيْءٌ إلّا عَنْ حِكْمَتِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُسْتَنْكَرُ تَفْضِيلُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ وخُصَّ داوُدُ بِالذِّكْرِ هُنا؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الزَّبُورِ أنَّ مُحَمَّدًا خاتَمُ الأنْبِياءِ وأنَّ أُمَّتَهُ خَيْرُ الأُمَمِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وهم مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَرْجِعُ إلى اليَهُودِ كَثِيرًا فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ مِمّا في كُتُبِهِمْ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّ زَبُورَ داوُدَ تَضَمَّنَ البِشارَةَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي ذَلِكَ إشارَةُ رَدٍّ عَلى مُكابِرِي اليَهُودِ حَيْثُ قالُوا: لا نَبِيَّ بَعْدَ مُوسى، ولا كِتابَ بَعْدَ التَّوْراةِ، ونَصَّ تَعالى هُنا عَلى إيتاءِ داوُدَ الزَّبُورَ، وإنْ كانَ قَدْ آتاهُ مَعَ ذَلِكَ المُلْكَ إشارَةً إلى أنَّ التَّفْضِيلَ المَحْضَ هو بِالعِلْمِ الَّذِي آتاهُ، والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْهِ كَما فُضِّلَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِما آتاهُ مِنَ العِلْمِ والقُرْآنِ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ في أواخِرِ النِّساءِ، وذِكْرُ الخِلافِ في ضَمِّ الزّايِ وفَتْحِها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا عُرِّفَ الزَّبُورُ كَما عُرِّفَ في ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الزَّبُورُ وزَبُورٌ كالعَبّاسِ وعَبّاسٍ والفَضْلِ وفَضْلٍ، وأنْ يُرِيدَ ﴿وآتَيْنا داوُدَ﴾ بَعْضَ الزَّبُورِ، وهي الكُتُبُ وأنْ يُرِيدَ ما ذُكِرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ (p-٥١)عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الزَّبُورِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ زَبُورًا لِأنَّهُ بَعْضُ الزَّبُورِ كَما سُمِّيَ بَعْضُ القُرْآنِ قُرْآنًا.
الإسراء 17:56
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ .
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ في عَبَدَةِ الشَّياطِينِ، وهم خُزاعَةُ أسْلَمَتِ الشَّياطِينُ وبَقَوْا يَعْبُدُونَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ وأُمِّهِ، وعَنْهُ أيْضًا وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ: في عَبَدَةِ المَلائِكَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَبَدَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ وعُزَيْرٍ والمَسِيحِ وأُمِّهِ. انْتَهى. ويَكُونُ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ عامًّا غُلِّبَ فِيهِ مَن يَعْقِلُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، والمَعْنى: ادْعُوهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكْشِفُوا عَنْكُمُ الضُّرَّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ عَذابٍ، ولا أنْ يُحَوِّلُوهُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ أوْ يُبَدِّلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَدْعُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ بِتاءِ الخِطابِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِياءِ الغَيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى: يَدْعُونَهم آلِهَةً أوْ يَدْعُونَهم لِكَشْفِ ما حَلَّ بِكم مِنَ الضُّرِّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ أيِ: ادْعُوهم لِكَشْفِ الضُّرِّ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ﴾ وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، و﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿الَّذِينَ﴾ صِفَتُهُ، والخَبَرُ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ . و﴿الوَسِيلَةَ﴾ القُرْبُ إلى اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَعْبُودِينَ، والواوُ في ﴿يَدْعُونَ﴾ لِلْعابِدِينَ، والعائِدُ عَلى ﴿الَّذِينَ﴾ مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُونَهم.
وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ (p-٥٢)﴿أُولَئِكَ﴾ إلى النَّبِيِّينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿يَبْتَغُونَ﴾ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: يَدْعُونَ النّاسَ إلى دِينِ اللَّهِ، والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّ الَّذِينَ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهم، وهُمُ الأنْبِياءُ لا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، ولا يَبْتَغُونَ الوَسِيلَةَ إلّا إلَيْهِ، فَهم أحَقُّ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فَلا يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ إلى رَبِّكَ بِالكافِ خِطابًا لِلرَّسُولِ، واخْتَلَفُوا في إعْرابِ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ وتَقْدِيرِهِ. فَقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والمَعْنى: يَنْظُرُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ بَدَلًا مِنَ الواوِ في ﴿يَبْتَغُونَ﴾ . انْتَهى. فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ أضْمَرَ فِعْلَ التَّعْلِيقِ، و﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ نَظَرَ إنْ كانَ بِمَعْنى الفِكْرِ تَعَدّى بِـ في، وإنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً تَعَدَّتْ بِـ إلى، فالجُمْلَةُ المُعَلَّقُ عَنْها الفِعْلُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ تَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ [الكهف: ١٩] وفي إضْمارِ الفِعْلِ المُعَلَّقِ نَظَرٌ، والوَجْهُ الثّانِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وتَكُونُ أيْ مَوْصُولَةً، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ مِنهم وأزْلَفُ الوَسِيلَةَ إلى اللَّهِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ. انْتَهى. فَعَلى الوَجْهِ يَكُونُ ﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتُمِلَ ﴿أيُّهُمْ﴾ أنْ يَكُونَ مُعْرَبًا وهو الوَجْهُ، وأنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِوُجُودِ مُسَوِّغِ البِناءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ضُمِّنَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ ﴿الوَسِيلَةَ﴾ مَعْنى يَحْرِصُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أقْرَبَ إلى اللَّهِ، وذَلِكَ بِالطّاعَةِ وازْدِيادِ الخَيْرِ والصَّلاحِ، فَيَكُونُ قَدْ ضُمِّنَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ مَعْنى فِعْلٍ قَلْبِيٍّ وهو يَحْرِصُونَ حَتّى يَصِحَّ التَّعْلِيقُ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ حَرَصَ يَتَعَدّى بِعَلى، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿أيُّهُمْ﴾ ابْتِداءٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: نَظَرُهم ووَدَكُهم ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ وهَذا كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَباتَ النّاسُ يَدُوكُونَ أيُّهم يُعْطاها، أيْ: يَتَبارَوْنَ في طَلَبِ القُرْبِ. فَجَعَلَ المَحْذُوفَ نَظَرَهم ووَدَكَهم وهَذا مُبْتَدَأٌ، فَإنْ جَعَلْتَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَظَرِهِمُ المَحْذُوفِ بَقِيَ المُبْتَدَأُ الَّذِي هو نَظَرُهم بِغَيْرِ خَبَرٍ مُحْتاجٌ إلى إضْمارِ الخَبَرِ، وإنْ جَعَلْتَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ هو الخَبَرَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ نَظَرَهم لَيْسَ هو ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾، وإنْ جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ نَظَرَهم في ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ أيْ: كائِنٌ أوْ حاصِلٌ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كائِنًا وحاصِلًا لَيْسَ مِمّا تَعَلَّقَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿أيُّهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُهُ، وهو اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَدْعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهُمْ﴾ بِمَعْنى الَّذِي وهو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يَدْعُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: الَّذِي هو أقْرَبُ. انْتَهى. فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ عُلِّقَ ﴿يَدْعُونَ﴾ وهو لَيْسَ فِعْلًا قَلْبِيًّا، وفي الثّانِي فُصِلَ بَيْنَ الصِّلَةِ ومَعْمُولِها بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، ولا يَضُرُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّها مَعْمُولَةٌ لِلصِّلَةِ ﴿ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَغَيْرِهِمْ مِن عِبادِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ يَحْذَرُهُ كُلُّ أحَدٍ.
و﴿إنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ (إنْ) نافِيَةٌ و(مِن) زائِدَةٌ في المُبْتَدَأِ تَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ الجِنْسِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ (إلّا) خَبَرُ المُبْتَدَأِ. وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ مِن قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن لِبَيانِ الجِنْسِ. انْتَهى. والَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى قَوْلِ مَن يُثْبِتُ لَها هَذا المَعْنى هو أنْ يَتَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُفْهَمُ مِنهُ إبْهامٌ ما فَتَأْتِي (مِن) لِبَيانِ ما أُرِيدَ بِذَلِكَ الَّذِي فِيهِ إبْهامُ ما، كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] وهُنا لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ مُبْهَمٌ تَكُونُ مِن فِيهِ بَيانًا لَهُ، ولَعَلَّ قَوْلَهُ لِبَيانِ الجِنْسِ مِنَ النّاسِخِ، ويَكُونُ هو قَدْ قالَ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ جَمِيعَ القُرى تَهْلِكُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وإهْلاكُها تَخْرِيبُها وفَناؤُها، ويَتَضَمَّنُ تَخْرِيبُها هَلاكَ أهْلِها بِالِاسْتِئْصالِ أوْ شَيْئًا فشَيْئًا أوْ تُعَذَّبُ، والمَعْنى: هَلاكُ أهْلِها بِالقَتْلِ وأنْواعِ العَذابِ. وقِيلَ: الهَلاكُ لِلصّالِحَةِ، والعَذابُ لِلطّالِحَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: وجَدْتُ في كُتُبِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِها: أمّا مَكَّةُ فَتُخَرِّبُها الحَبَشَةُ، وتَهْلِكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ، والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ، والكُوفَةُ بِالتُّرْكِ، والجِبالُ بِالصَّواعِقِ والرَّواجِفِ، وأمّا (p-٥٣)خُراسانَ فَعَذابُها ضُرُوبٌ، ثُمَّ ذَكَرَها بَلَدًا بَلَدًا، ونَحْوُ ذَلِكَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ هَلاكَ الأنْدَلُسِ وخَرابَها يَكُونُ بِسَنابِكِ الخَيْلِ، واخْتِلافِ الجُيُوشِ.
﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في سابِقِ القَضاءِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أيْ: مَكْتُوبًا أسْطارًا ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ﴾ بِالآياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُونَ، اقْتَرَحُوا ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنْ شِئْتَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لَهم فَإنْ تَأخَّرُوا عاجَلْتُهم بِالعُقُوبَةِ، وإنْ شِئْتَ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ عَسى أنْ أجْتَبِيَ مِنهم مُؤْمِنِينَ، فَقالَ: «بَلْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ يا رَبِّ» . فَنَزَلَتْ، واسْتُعِيرَ المَنعُ لِلتَّرْكِ أيْ: ما تَرَكْنا إرْسالَ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا لِتَكْذِيبِ الأوَّلِينَ بِها، وتَكْذِيبُ الأوَّلِينَ لَيْسَ عِلَّةً في إرْسالِ الآياتِ لِقُرَيْشٍ، فالمَعْنى: إلّا اتِّباعُهم طَرِيقَةَ تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ بِها، فَتَكْذِيبُ الأوَّلِينَ فاعِلٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ، فَإذا كَذَّبُوا بِها كَما كَذَّبَ الأوَّلُونَ عاجَلْتُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ لا أسْتَأْصِلَهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فالمَعْنى وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ ما تَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الَّذِينَ هم أمْثالُهم مِنَ المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ كَعادٍ وثَمُودَ، وإنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ، وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ كَما يَقُولُونَ في غَيْرِها، واسْتَوْجَبُوا العَذابَ المُسْتَأْصِلَ، وقَدْ عَزَمْنا أنْ نُؤَخِّرَ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن تِلْكَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها الأوَّلُونَ ثُمَّ كَذَّبُوا بِها لَمّا أُرْسِلَتْ إلَيْهِمْ فَأُهْلِكُوا واحِدَةً، وهي ناقَةُ صالِحٍ؛ لِأنَّ آثارَ هَلاكِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ قَرِيبَةٌ مِن حُدُودِهِمْ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهُمُ. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثَمُودَ) مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقالَ هارُونُ: أهْلُ الكُوفَةِ يُنَوِّنُونَ (ثَمُودَ) في كُلِّ وجْهٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُنَوِّنُ العامَّةُ والعُلَماءُ بِالقُرْآنِ (ثَمُودَ) في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي أرْبَعَةِ مَواطِنَ ألِفٌ مَكْتُوبَةٌ، ونَحْنُ نَقْرَأُها بِغَيْرِ ألِفٍ. انْتَهى. وانْتُصِبَ ﴿مُبْصِرَةً﴾ عَلى الحالِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ﴿مُبْصِرَةً﴾ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هي مُبْصِرَةٌ، وأضافَ الإبْصارَ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ لَمّا كانَتْ يُبْصِرُها النّاسُ، والتَّقْدِيرُ: آيَةٌ مُبْصِرَةٌ. وقَرَأ قَوْمٌ: بِفَتْحِ الصّادِ اسْمَ مَفْعُولٍ أيْ: يُبْصِرُها النّاسُ ويُشاهِدُونَها. وقَرَأ قَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ مَفْعَلَةً مِنَ البَصَرِ أيْ: مَحَلَّ إبْصارٍ كَقَوْلِهِ:
؎والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعَمِ
أجْراها مَجْرى صِفاتِ الأمْكِنَةِ نَحْوُ: أرْضٌ مَسْبَعَةٌ ومَكانٌ مَضَبَّةٌ، وقالُوا: الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: بِعَقْرِها بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] الآيَةَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم جَحَدُوا كَوْنَها مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: جَعَلُوا التَّكْذِيبَ بِها مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ وهو مَعْنى القَوْلِ قَبْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الآياتِ الأخِيرَةَ غَيْرُ الآياتِ الأُولى، لُوحِظَ في ذَلِكَ وصْفُ الِاقْتِراحِ، وفي هَذِهِ وصْفُ غَيْرِ المُقْتَرَحَةِ، وهي آياتٌ مَعَها إمْهالٌ لا مُعاجَلَةٌ كالكُسُوفِ والرَّعْدِ والزَّلْزَلَةِ. وقالَ الحَسَنُ: والمَوْتُ الذَّرِيعُ، وفي حَدِيثِ الكُسُوفِ: «فافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ» . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وآياتُ اللَّهِ المُعْتَبَرُ بِها ثَلاثَةُ أقْسامِ: قِسْمٌ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ إذْ حَيْثُما وضَعْتَ نَظَرَكَ وجَدْتَ آيَةً. وهُنا فِكْرَةُ العُلَماءِ، وقِسْمٌ مُعْتادٌ كالرَّعْدِ والكُسُوفِ ونَحْوِهِ، وهُنا فِكْرَةُ الجَهَلَةِ فَقَطْ، وقِسْمٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ وإنَّما يُعْتَبَرُ تَوَهُّمًا لِما سَلَفَ مِنهُ. انْتَهى. وهَذا القِسْمُ الأخِيرُ قالَ فِيهِ: وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُثْبِتُ هَذا القِسْمَ لِغَيْرِ الأنْبِياءِ ويُسَمِّيهِ كَرامَةً.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ أرادَ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فالمَعْنى: لا نُرْسِلُها ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ العاجِلِ كالطَّلِيعَةِ، والمُقَدِّمَةِ لَهُ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا وقَعَ عَلَيْهِمْ، وإنْ أرادَ غَيْرَها فالمَعْنى ﴿وما نُرْسِلُ﴾ ما نُرْسِلُ مِنَ الآياتِ كَآياتِ القُرْآنِ وغَيْرِها ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ وإنْذارًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الآياتُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَخْوِيفًا لِعِبادِهِ سَماوِيَّةٌ: كُسُوفُ الشَّمْسِ، وخُسُوفُ القَمَرِ، والرَّعْدُ، والبَرْقُ، والصَّواعِقُ، والرُّجُومُ وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ. وأرْضِيَّةٌ زَلازِلُ، وخَسْفٌ، ومُحُولٌ (p-٥٤)ونِيرانٌ تَظْهَرُ في بَعْضِ البِلادِ، وغَوْرُ ماءِ العُيُونِ وزِيادَتُها عَلى الحَدِّ حَتّى تُغْرِقَ بَعْضَ الأرَضِينَ، ولا سَماوِيَّةٌ ولا أرْضِيَّةٌ: الرِّياحُ العَواصِفُ، وما يَحْدُثُ عَنْها مِن قَلْعِ الأشْجارِ وتَدْمِيرِ الدِّيارِ، وما تَسُوقُهُ مِنَ السَّواقِي والرِّياحِ السَّمُومِ.
الإسراء 17:57
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ .
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ في عَبَدَةِ الشَّياطِينِ، وهم خُزاعَةُ أسْلَمَتِ الشَّياطِينُ وبَقَوْا يَعْبُدُونَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ وأُمِّهِ، وعَنْهُ أيْضًا وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ: في عَبَدَةِ المَلائِكَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَبَدَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ وعُزَيْرٍ والمَسِيحِ وأُمِّهِ. انْتَهى. ويَكُونُ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ عامًّا غُلِّبَ فِيهِ مَن يَعْقِلُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، والمَعْنى: ادْعُوهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكْشِفُوا عَنْكُمُ الضُّرَّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ عَذابٍ، ولا أنْ يُحَوِّلُوهُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ أوْ يُبَدِّلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَدْعُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ بِتاءِ الخِطابِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِياءِ الغَيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى: يَدْعُونَهم آلِهَةً أوْ يَدْعُونَهم لِكَشْفِ ما حَلَّ بِكم مِنَ الضُّرِّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ أيِ: ادْعُوهم لِكَشْفِ الضُّرِّ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ﴾ وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، و﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿الَّذِينَ﴾ صِفَتُهُ، والخَبَرُ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ . و﴿الوَسِيلَةَ﴾ القُرْبُ إلى اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَعْبُودِينَ، والواوُ في ﴿يَدْعُونَ﴾ لِلْعابِدِينَ، والعائِدُ عَلى ﴿الَّذِينَ﴾ مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُونَهم.
وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ (p-٥٢)﴿أُولَئِكَ﴾ إلى النَّبِيِّينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿يَبْتَغُونَ﴾ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: يَدْعُونَ النّاسَ إلى دِينِ اللَّهِ، والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّ الَّذِينَ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهم، وهُمُ الأنْبِياءُ لا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، ولا يَبْتَغُونَ الوَسِيلَةَ إلّا إلَيْهِ، فَهم أحَقُّ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فَلا يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ إلى رَبِّكَ بِالكافِ خِطابًا لِلرَّسُولِ، واخْتَلَفُوا في إعْرابِ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ وتَقْدِيرِهِ. فَقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والمَعْنى: يَنْظُرُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ بَدَلًا مِنَ الواوِ في ﴿يَبْتَغُونَ﴾ . انْتَهى. فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ أضْمَرَ فِعْلَ التَّعْلِيقِ، و﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ نَظَرَ إنْ كانَ بِمَعْنى الفِكْرِ تَعَدّى بِـ في، وإنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً تَعَدَّتْ بِـ إلى، فالجُمْلَةُ المُعَلَّقُ عَنْها الفِعْلُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ تَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ [الكهف: ١٩] وفي إضْمارِ الفِعْلِ المُعَلَّقِ نَظَرٌ، والوَجْهُ الثّانِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وتَكُونُ أيْ مَوْصُولَةً، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ مِنهم وأزْلَفُ الوَسِيلَةَ إلى اللَّهِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ. انْتَهى. فَعَلى الوَجْهِ يَكُونُ ﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتُمِلَ ﴿أيُّهُمْ﴾ أنْ يَكُونَ مُعْرَبًا وهو الوَجْهُ، وأنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِوُجُودِ مُسَوِّغِ البِناءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ضُمِّنَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ ﴿الوَسِيلَةَ﴾ مَعْنى يَحْرِصُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أقْرَبَ إلى اللَّهِ، وذَلِكَ بِالطّاعَةِ وازْدِيادِ الخَيْرِ والصَّلاحِ، فَيَكُونُ قَدْ ضُمِّنَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ مَعْنى فِعْلٍ قَلْبِيٍّ وهو يَحْرِصُونَ حَتّى يَصِحَّ التَّعْلِيقُ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ حَرَصَ يَتَعَدّى بِعَلى، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿أيُّهُمْ﴾ ابْتِداءٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: نَظَرُهم ووَدَكُهم ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ وهَذا كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَباتَ النّاسُ يَدُوكُونَ أيُّهم يُعْطاها، أيْ: يَتَبارَوْنَ في طَلَبِ القُرْبِ. فَجَعَلَ المَحْذُوفَ نَظَرَهم ووَدَكَهم وهَذا مُبْتَدَأٌ، فَإنْ جَعَلْتَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَظَرِهِمُ المَحْذُوفِ بَقِيَ المُبْتَدَأُ الَّذِي هو نَظَرُهم بِغَيْرِ خَبَرٍ مُحْتاجٌ إلى إضْمارِ الخَبَرِ، وإنْ جَعَلْتَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ هو الخَبَرَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ نَظَرَهم لَيْسَ هو ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾، وإنْ جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ نَظَرَهم في ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ أيْ: كائِنٌ أوْ حاصِلٌ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كائِنًا وحاصِلًا لَيْسَ مِمّا تَعَلَّقَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿أيُّهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُهُ، وهو اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَدْعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهُمْ﴾ بِمَعْنى الَّذِي وهو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يَدْعُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: الَّذِي هو أقْرَبُ. انْتَهى. فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ عُلِّقَ ﴿يَدْعُونَ﴾ وهو لَيْسَ فِعْلًا قَلْبِيًّا، وفي الثّانِي فُصِلَ بَيْنَ الصِّلَةِ ومَعْمُولِها بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، ولا يَضُرُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّها مَعْمُولَةٌ لِلصِّلَةِ ﴿ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَغَيْرِهِمْ مِن عِبادِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ يَحْذَرُهُ كُلُّ أحَدٍ.
و﴿إنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ (إنْ) نافِيَةٌ و(مِن) زائِدَةٌ في المُبْتَدَأِ تَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ الجِنْسِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ (إلّا) خَبَرُ المُبْتَدَأِ. وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ مِن قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن لِبَيانِ الجِنْسِ. انْتَهى. والَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى قَوْلِ مَن يُثْبِتُ لَها هَذا المَعْنى هو أنْ يَتَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُفْهَمُ مِنهُ إبْهامٌ ما فَتَأْتِي (مِن) لِبَيانِ ما أُرِيدَ بِذَلِكَ الَّذِي فِيهِ إبْهامُ ما، كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] وهُنا لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ مُبْهَمٌ تَكُونُ مِن فِيهِ بَيانًا لَهُ، ولَعَلَّ قَوْلَهُ لِبَيانِ الجِنْسِ مِنَ النّاسِخِ، ويَكُونُ هو قَدْ قالَ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ جَمِيعَ القُرى تَهْلِكُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وإهْلاكُها تَخْرِيبُها وفَناؤُها، ويَتَضَمَّنُ تَخْرِيبُها هَلاكَ أهْلِها بِالِاسْتِئْصالِ أوْ شَيْئًا فشَيْئًا أوْ تُعَذَّبُ، والمَعْنى: هَلاكُ أهْلِها بِالقَتْلِ وأنْواعِ العَذابِ. وقِيلَ: الهَلاكُ لِلصّالِحَةِ، والعَذابُ لِلطّالِحَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: وجَدْتُ في كُتُبِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِها: أمّا مَكَّةُ فَتُخَرِّبُها الحَبَشَةُ، وتَهْلِكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ، والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ، والكُوفَةُ بِالتُّرْكِ، والجِبالُ بِالصَّواعِقِ والرَّواجِفِ، وأمّا (p-٥٣)خُراسانَ فَعَذابُها ضُرُوبٌ، ثُمَّ ذَكَرَها بَلَدًا بَلَدًا، ونَحْوُ ذَلِكَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ هَلاكَ الأنْدَلُسِ وخَرابَها يَكُونُ بِسَنابِكِ الخَيْلِ، واخْتِلافِ الجُيُوشِ.
﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في سابِقِ القَضاءِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أيْ: مَكْتُوبًا أسْطارًا ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ﴾ بِالآياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُونَ، اقْتَرَحُوا ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنْ شِئْتَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لَهم فَإنْ تَأخَّرُوا عاجَلْتُهم بِالعُقُوبَةِ، وإنْ شِئْتَ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ عَسى أنْ أجْتَبِيَ مِنهم مُؤْمِنِينَ، فَقالَ: «بَلْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ يا رَبِّ» . فَنَزَلَتْ، واسْتُعِيرَ المَنعُ لِلتَّرْكِ أيْ: ما تَرَكْنا إرْسالَ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا لِتَكْذِيبِ الأوَّلِينَ بِها، وتَكْذِيبُ الأوَّلِينَ لَيْسَ عِلَّةً في إرْسالِ الآياتِ لِقُرَيْشٍ، فالمَعْنى: إلّا اتِّباعُهم طَرِيقَةَ تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ بِها، فَتَكْذِيبُ الأوَّلِينَ فاعِلٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ، فَإذا كَذَّبُوا بِها كَما كَذَّبَ الأوَّلُونَ عاجَلْتُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ لا أسْتَأْصِلَهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فالمَعْنى وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ ما تَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الَّذِينَ هم أمْثالُهم مِنَ المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ كَعادٍ وثَمُودَ، وإنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ، وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ كَما يَقُولُونَ في غَيْرِها، واسْتَوْجَبُوا العَذابَ المُسْتَأْصِلَ، وقَدْ عَزَمْنا أنْ نُؤَخِّرَ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن تِلْكَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها الأوَّلُونَ ثُمَّ كَذَّبُوا بِها لَمّا أُرْسِلَتْ إلَيْهِمْ فَأُهْلِكُوا واحِدَةً، وهي ناقَةُ صالِحٍ؛ لِأنَّ آثارَ هَلاكِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ قَرِيبَةٌ مِن حُدُودِهِمْ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهُمُ. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثَمُودَ) مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقالَ هارُونُ: أهْلُ الكُوفَةِ يُنَوِّنُونَ (ثَمُودَ) في كُلِّ وجْهٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُنَوِّنُ العامَّةُ والعُلَماءُ بِالقُرْآنِ (ثَمُودَ) في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي أرْبَعَةِ مَواطِنَ ألِفٌ مَكْتُوبَةٌ، ونَحْنُ نَقْرَأُها بِغَيْرِ ألِفٍ. انْتَهى. وانْتُصِبَ ﴿مُبْصِرَةً﴾ عَلى الحالِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ﴿مُبْصِرَةً﴾ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هي مُبْصِرَةٌ، وأضافَ الإبْصارَ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ لَمّا كانَتْ يُبْصِرُها النّاسُ، والتَّقْدِيرُ: آيَةٌ مُبْصِرَةٌ. وقَرَأ قَوْمٌ: بِفَتْحِ الصّادِ اسْمَ مَفْعُولٍ أيْ: يُبْصِرُها النّاسُ ويُشاهِدُونَها. وقَرَأ قَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ مَفْعَلَةً مِنَ البَصَرِ أيْ: مَحَلَّ إبْصارٍ كَقَوْلِهِ:
؎والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعَمِ
أجْراها مَجْرى صِفاتِ الأمْكِنَةِ نَحْوُ: أرْضٌ مَسْبَعَةٌ ومَكانٌ مَضَبَّةٌ، وقالُوا: الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: بِعَقْرِها بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] الآيَةَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم جَحَدُوا كَوْنَها مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: جَعَلُوا التَّكْذِيبَ بِها مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ وهو مَعْنى القَوْلِ قَبْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الآياتِ الأخِيرَةَ غَيْرُ الآياتِ الأُولى، لُوحِظَ في ذَلِكَ وصْفُ الِاقْتِراحِ، وفي هَذِهِ وصْفُ غَيْرِ المُقْتَرَحَةِ، وهي آياتٌ مَعَها إمْهالٌ لا مُعاجَلَةٌ كالكُسُوفِ والرَّعْدِ والزَّلْزَلَةِ. وقالَ الحَسَنُ: والمَوْتُ الذَّرِيعُ، وفي حَدِيثِ الكُسُوفِ: «فافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ» . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وآياتُ اللَّهِ المُعْتَبَرُ بِها ثَلاثَةُ أقْسامِ: قِسْمٌ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ إذْ حَيْثُما وضَعْتَ نَظَرَكَ وجَدْتَ آيَةً. وهُنا فِكْرَةُ العُلَماءِ، وقِسْمٌ مُعْتادٌ كالرَّعْدِ والكُسُوفِ ونَحْوِهِ، وهُنا فِكْرَةُ الجَهَلَةِ فَقَطْ، وقِسْمٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ وإنَّما يُعْتَبَرُ تَوَهُّمًا لِما سَلَفَ مِنهُ. انْتَهى. وهَذا القِسْمُ الأخِيرُ قالَ فِيهِ: وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُثْبِتُ هَذا القِسْمَ لِغَيْرِ الأنْبِياءِ ويُسَمِّيهِ كَرامَةً.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ أرادَ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فالمَعْنى: لا نُرْسِلُها ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ العاجِلِ كالطَّلِيعَةِ، والمُقَدِّمَةِ لَهُ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا وقَعَ عَلَيْهِمْ، وإنْ أرادَ غَيْرَها فالمَعْنى ﴿وما نُرْسِلُ﴾ ما نُرْسِلُ مِنَ الآياتِ كَآياتِ القُرْآنِ وغَيْرِها ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ وإنْذارًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الآياتُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَخْوِيفًا لِعِبادِهِ سَماوِيَّةٌ: كُسُوفُ الشَّمْسِ، وخُسُوفُ القَمَرِ، والرَّعْدُ، والبَرْقُ، والصَّواعِقُ، والرُّجُومُ وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ. وأرْضِيَّةٌ زَلازِلُ، وخَسْفٌ، ومُحُولٌ (p-٥٤)ونِيرانٌ تَظْهَرُ في بَعْضِ البِلادِ، وغَوْرُ ماءِ العُيُونِ وزِيادَتُها عَلى الحَدِّ حَتّى تُغْرِقَ بَعْضَ الأرَضِينَ، ولا سَماوِيَّةٌ ولا أرْضِيَّةٌ: الرِّياحُ العَواصِفُ، وما يَحْدُثُ عَنْها مِن قَلْعِ الأشْجارِ وتَدْمِيرِ الدِّيارِ، وما تَسُوقُهُ مِنَ السَّواقِي والرِّياحِ السَّمُومِ.
الإسراء 17:58
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ .
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ في عَبَدَةِ الشَّياطِينِ، وهم خُزاعَةُ أسْلَمَتِ الشَّياطِينُ وبَقَوْا يَعْبُدُونَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ وأُمِّهِ، وعَنْهُ أيْضًا وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ: في عَبَدَةِ المَلائِكَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَبَدَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ وعُزَيْرٍ والمَسِيحِ وأُمِّهِ. انْتَهى. ويَكُونُ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ عامًّا غُلِّبَ فِيهِ مَن يَعْقِلُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، والمَعْنى: ادْعُوهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكْشِفُوا عَنْكُمُ الضُّرَّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ عَذابٍ، ولا أنْ يُحَوِّلُوهُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ أوْ يُبَدِّلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَدْعُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ بِتاءِ الخِطابِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِياءِ الغَيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى: يَدْعُونَهم آلِهَةً أوْ يَدْعُونَهم لِكَشْفِ ما حَلَّ بِكم مِنَ الضُّرِّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ أيِ: ادْعُوهم لِكَشْفِ الضُّرِّ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ﴾ وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، و﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿الَّذِينَ﴾ صِفَتُهُ، والخَبَرُ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ . و﴿الوَسِيلَةَ﴾ القُرْبُ إلى اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَعْبُودِينَ، والواوُ في ﴿يَدْعُونَ﴾ لِلْعابِدِينَ، والعائِدُ عَلى ﴿الَّذِينَ﴾ مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُونَهم.
وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ (p-٥٢)﴿أُولَئِكَ﴾ إلى النَّبِيِّينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿يَبْتَغُونَ﴾ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: يَدْعُونَ النّاسَ إلى دِينِ اللَّهِ، والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّ الَّذِينَ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهم، وهُمُ الأنْبِياءُ لا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، ولا يَبْتَغُونَ الوَسِيلَةَ إلّا إلَيْهِ، فَهم أحَقُّ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فَلا يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ إلى رَبِّكَ بِالكافِ خِطابًا لِلرَّسُولِ، واخْتَلَفُوا في إعْرابِ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ وتَقْدِيرِهِ. فَقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والمَعْنى: يَنْظُرُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ بَدَلًا مِنَ الواوِ في ﴿يَبْتَغُونَ﴾ . انْتَهى. فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ أضْمَرَ فِعْلَ التَّعْلِيقِ، و﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ نَظَرَ إنْ كانَ بِمَعْنى الفِكْرِ تَعَدّى بِـ في، وإنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً تَعَدَّتْ بِـ إلى، فالجُمْلَةُ المُعَلَّقُ عَنْها الفِعْلُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ تَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ [الكهف: ١٩] وفي إضْمارِ الفِعْلِ المُعَلَّقِ نَظَرٌ، والوَجْهُ الثّانِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وتَكُونُ أيْ مَوْصُولَةً، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ مِنهم وأزْلَفُ الوَسِيلَةَ إلى اللَّهِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ. انْتَهى. فَعَلى الوَجْهِ يَكُونُ ﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتُمِلَ ﴿أيُّهُمْ﴾ أنْ يَكُونَ مُعْرَبًا وهو الوَجْهُ، وأنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِوُجُودِ مُسَوِّغِ البِناءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ضُمِّنَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ ﴿الوَسِيلَةَ﴾ مَعْنى يَحْرِصُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أقْرَبَ إلى اللَّهِ، وذَلِكَ بِالطّاعَةِ وازْدِيادِ الخَيْرِ والصَّلاحِ، فَيَكُونُ قَدْ ضُمِّنَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ مَعْنى فِعْلٍ قَلْبِيٍّ وهو يَحْرِصُونَ حَتّى يَصِحَّ التَّعْلِيقُ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ حَرَصَ يَتَعَدّى بِعَلى، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿أيُّهُمْ﴾ ابْتِداءٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: نَظَرُهم ووَدَكُهم ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ وهَذا كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَباتَ النّاسُ يَدُوكُونَ أيُّهم يُعْطاها، أيْ: يَتَبارَوْنَ في طَلَبِ القُرْبِ. فَجَعَلَ المَحْذُوفَ نَظَرَهم ووَدَكَهم وهَذا مُبْتَدَأٌ، فَإنْ جَعَلْتَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَظَرِهِمُ المَحْذُوفِ بَقِيَ المُبْتَدَأُ الَّذِي هو نَظَرُهم بِغَيْرِ خَبَرٍ مُحْتاجٌ إلى إضْمارِ الخَبَرِ، وإنْ جَعَلْتَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ هو الخَبَرَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ نَظَرَهم لَيْسَ هو ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾، وإنْ جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ نَظَرَهم في ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ أيْ: كائِنٌ أوْ حاصِلٌ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كائِنًا وحاصِلًا لَيْسَ مِمّا تَعَلَّقَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿أيُّهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُهُ، وهو اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَدْعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهُمْ﴾ بِمَعْنى الَّذِي وهو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يَدْعُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: الَّذِي هو أقْرَبُ. انْتَهى. فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ عُلِّقَ ﴿يَدْعُونَ﴾ وهو لَيْسَ فِعْلًا قَلْبِيًّا، وفي الثّانِي فُصِلَ بَيْنَ الصِّلَةِ ومَعْمُولِها بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، ولا يَضُرُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّها مَعْمُولَةٌ لِلصِّلَةِ ﴿ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَغَيْرِهِمْ مِن عِبادِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ يَحْذَرُهُ كُلُّ أحَدٍ.
و﴿إنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ (إنْ) نافِيَةٌ و(مِن) زائِدَةٌ في المُبْتَدَأِ تَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ الجِنْسِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ (إلّا) خَبَرُ المُبْتَدَأِ. وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ مِن قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن لِبَيانِ الجِنْسِ. انْتَهى. والَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى قَوْلِ مَن يُثْبِتُ لَها هَذا المَعْنى هو أنْ يَتَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُفْهَمُ مِنهُ إبْهامٌ ما فَتَأْتِي (مِن) لِبَيانِ ما أُرِيدَ بِذَلِكَ الَّذِي فِيهِ إبْهامُ ما، كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] وهُنا لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ مُبْهَمٌ تَكُونُ مِن فِيهِ بَيانًا لَهُ، ولَعَلَّ قَوْلَهُ لِبَيانِ الجِنْسِ مِنَ النّاسِخِ، ويَكُونُ هو قَدْ قالَ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ جَمِيعَ القُرى تَهْلِكُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وإهْلاكُها تَخْرِيبُها وفَناؤُها، ويَتَضَمَّنُ تَخْرِيبُها هَلاكَ أهْلِها بِالِاسْتِئْصالِ أوْ شَيْئًا فشَيْئًا أوْ تُعَذَّبُ، والمَعْنى: هَلاكُ أهْلِها بِالقَتْلِ وأنْواعِ العَذابِ. وقِيلَ: الهَلاكُ لِلصّالِحَةِ، والعَذابُ لِلطّالِحَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: وجَدْتُ في كُتُبِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِها: أمّا مَكَّةُ فَتُخَرِّبُها الحَبَشَةُ، وتَهْلِكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ، والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ، والكُوفَةُ بِالتُّرْكِ، والجِبالُ بِالصَّواعِقِ والرَّواجِفِ، وأمّا (p-٥٣)خُراسانَ فَعَذابُها ضُرُوبٌ، ثُمَّ ذَكَرَها بَلَدًا بَلَدًا، ونَحْوُ ذَلِكَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ هَلاكَ الأنْدَلُسِ وخَرابَها يَكُونُ بِسَنابِكِ الخَيْلِ، واخْتِلافِ الجُيُوشِ.
﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في سابِقِ القَضاءِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أيْ: مَكْتُوبًا أسْطارًا ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ﴾ بِالآياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُونَ، اقْتَرَحُوا ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنْ شِئْتَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لَهم فَإنْ تَأخَّرُوا عاجَلْتُهم بِالعُقُوبَةِ، وإنْ شِئْتَ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ عَسى أنْ أجْتَبِيَ مِنهم مُؤْمِنِينَ، فَقالَ: «بَلْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ يا رَبِّ» . فَنَزَلَتْ، واسْتُعِيرَ المَنعُ لِلتَّرْكِ أيْ: ما تَرَكْنا إرْسالَ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا لِتَكْذِيبِ الأوَّلِينَ بِها، وتَكْذِيبُ الأوَّلِينَ لَيْسَ عِلَّةً في إرْسالِ الآياتِ لِقُرَيْشٍ، فالمَعْنى: إلّا اتِّباعُهم طَرِيقَةَ تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ بِها، فَتَكْذِيبُ الأوَّلِينَ فاعِلٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ، فَإذا كَذَّبُوا بِها كَما كَذَّبَ الأوَّلُونَ عاجَلْتُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ لا أسْتَأْصِلَهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فالمَعْنى وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ ما تَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الَّذِينَ هم أمْثالُهم مِنَ المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ كَعادٍ وثَمُودَ، وإنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ، وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ كَما يَقُولُونَ في غَيْرِها، واسْتَوْجَبُوا العَذابَ المُسْتَأْصِلَ، وقَدْ عَزَمْنا أنْ نُؤَخِّرَ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن تِلْكَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها الأوَّلُونَ ثُمَّ كَذَّبُوا بِها لَمّا أُرْسِلَتْ إلَيْهِمْ فَأُهْلِكُوا واحِدَةً، وهي ناقَةُ صالِحٍ؛ لِأنَّ آثارَ هَلاكِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ قَرِيبَةٌ مِن حُدُودِهِمْ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهُمُ. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثَمُودَ) مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقالَ هارُونُ: أهْلُ الكُوفَةِ يُنَوِّنُونَ (ثَمُودَ) في كُلِّ وجْهٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُنَوِّنُ العامَّةُ والعُلَماءُ بِالقُرْآنِ (ثَمُودَ) في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي أرْبَعَةِ مَواطِنَ ألِفٌ مَكْتُوبَةٌ، ونَحْنُ نَقْرَأُها بِغَيْرِ ألِفٍ. انْتَهى. وانْتُصِبَ ﴿مُبْصِرَةً﴾ عَلى الحالِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ﴿مُبْصِرَةً﴾ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هي مُبْصِرَةٌ، وأضافَ الإبْصارَ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ لَمّا كانَتْ يُبْصِرُها النّاسُ، والتَّقْدِيرُ: آيَةٌ مُبْصِرَةٌ. وقَرَأ قَوْمٌ: بِفَتْحِ الصّادِ اسْمَ مَفْعُولٍ أيْ: يُبْصِرُها النّاسُ ويُشاهِدُونَها. وقَرَأ قَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ مَفْعَلَةً مِنَ البَصَرِ أيْ: مَحَلَّ إبْصارٍ كَقَوْلِهِ:
؎والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعَمِ
أجْراها مَجْرى صِفاتِ الأمْكِنَةِ نَحْوُ: أرْضٌ مَسْبَعَةٌ ومَكانٌ مَضَبَّةٌ، وقالُوا: الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: بِعَقْرِها بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] الآيَةَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم جَحَدُوا كَوْنَها مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: جَعَلُوا التَّكْذِيبَ بِها مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ وهو مَعْنى القَوْلِ قَبْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الآياتِ الأخِيرَةَ غَيْرُ الآياتِ الأُولى، لُوحِظَ في ذَلِكَ وصْفُ الِاقْتِراحِ، وفي هَذِهِ وصْفُ غَيْرِ المُقْتَرَحَةِ، وهي آياتٌ مَعَها إمْهالٌ لا مُعاجَلَةٌ كالكُسُوفِ والرَّعْدِ والزَّلْزَلَةِ. وقالَ الحَسَنُ: والمَوْتُ الذَّرِيعُ، وفي حَدِيثِ الكُسُوفِ: «فافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ» . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وآياتُ اللَّهِ المُعْتَبَرُ بِها ثَلاثَةُ أقْسامِ: قِسْمٌ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ إذْ حَيْثُما وضَعْتَ نَظَرَكَ وجَدْتَ آيَةً. وهُنا فِكْرَةُ العُلَماءِ، وقِسْمٌ مُعْتادٌ كالرَّعْدِ والكُسُوفِ ونَحْوِهِ، وهُنا فِكْرَةُ الجَهَلَةِ فَقَطْ، وقِسْمٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ وإنَّما يُعْتَبَرُ تَوَهُّمًا لِما سَلَفَ مِنهُ. انْتَهى. وهَذا القِسْمُ الأخِيرُ قالَ فِيهِ: وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُثْبِتُ هَذا القِسْمَ لِغَيْرِ الأنْبِياءِ ويُسَمِّيهِ كَرامَةً.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ أرادَ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فالمَعْنى: لا نُرْسِلُها ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ العاجِلِ كالطَّلِيعَةِ، والمُقَدِّمَةِ لَهُ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا وقَعَ عَلَيْهِمْ، وإنْ أرادَ غَيْرَها فالمَعْنى ﴿وما نُرْسِلُ﴾ ما نُرْسِلُ مِنَ الآياتِ كَآياتِ القُرْآنِ وغَيْرِها ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ وإنْذارًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الآياتُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَخْوِيفًا لِعِبادِهِ سَماوِيَّةٌ: كُسُوفُ الشَّمْسِ، وخُسُوفُ القَمَرِ، والرَّعْدُ، والبَرْقُ، والصَّواعِقُ، والرُّجُومُ وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ. وأرْضِيَّةٌ زَلازِلُ، وخَسْفٌ، ومُحُولٌ (p-٥٤)ونِيرانٌ تَظْهَرُ في بَعْضِ البِلادِ، وغَوْرُ ماءِ العُيُونِ وزِيادَتُها عَلى الحَدِّ حَتّى تُغْرِقَ بَعْضَ الأرَضِينَ، ولا سَماوِيَّةٌ ولا أرْضِيَّةٌ: الرِّياحُ العَواصِفُ، وما يَحْدُثُ عَنْها مِن قَلْعِ الأشْجارِ وتَدْمِيرِ الدِّيارِ، وما تَسُوقُهُ مِنَ السَّواقِي والرِّياحِ السَّمُومِ.
الإسراء 17:59
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ .
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ في عَبَدَةِ الشَّياطِينِ، وهم خُزاعَةُ أسْلَمَتِ الشَّياطِينُ وبَقَوْا يَعْبُدُونَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في عُزَيْرٍ والمَسِيحِ وأُمِّهِ، وعَنْهُ أيْضًا وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ: في عَبَدَةِ المَلائِكَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَبَدَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ وعُزَيْرٍ والمَسِيحِ وأُمِّهِ. انْتَهى. ويَكُونُ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ عامًّا غُلِّبَ فِيهِ مَن يَعْقِلُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، والمَعْنى: ادْعُوهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَكْشِفُوا عَنْكُمُ الضُّرَّ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ عَذابٍ، ولا أنْ يُحَوِّلُوهُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ أوْ يُبَدِّلُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَدْعُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ بِتاءِ الخِطابِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِياءِ الغَيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى: يَدْعُونَهم آلِهَةً أوْ يَدْعُونَهم لِكَشْفِ ما حَلَّ بِكم مِنَ الضُّرِّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ أيِ: ادْعُوهم لِكَشْفِ الضُّرِّ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿زَعَمْتُمْ﴾ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ﴾ وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ، و﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿الَّذِينَ﴾ صِفَتُهُ، والخَبَرُ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ . و﴿الوَسِيلَةَ﴾ القُرْبُ إلى اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَعْبُودِينَ، والواوُ في ﴿يَدْعُونَ﴾ لِلْعابِدِينَ، والعائِدُ عَلى ﴿الَّذِينَ﴾ مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ أيْ: يَدْعُونَهم.
وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ (p-٥٢)﴿أُولَئِكَ﴾ إلى النَّبِيِّينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ﴿يَدْعُونَ﴾ و﴿يَبْتَغُونَ﴾ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: يَدْعُونَ النّاسَ إلى دِينِ اللَّهِ، والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّ الَّذِينَ عَظُمَتْ مَنزِلَتُهم، وهُمُ الأنْبِياءُ لا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، ولا يَبْتَغُونَ الوَسِيلَةَ إلّا إلَيْهِ، فَهم أحَقُّ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فَلا يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿إلى رَبِّهِمُ﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ إلى رَبِّكَ بِالكافِ خِطابًا لِلرَّسُولِ، واخْتَلَفُوا في إعْرابِ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ وتَقْدِيرِهِ. فَقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والمَعْنى: يَنْظُرُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ بَدَلًا مِنَ الواوِ في ﴿يَبْتَغُونَ﴾ . انْتَهى. فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ أضْمَرَ فِعْلَ التَّعْلِيقِ، و﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ نَظَرَ إنْ كانَ بِمَعْنى الفِكْرِ تَعَدّى بِـ في، وإنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً تَعَدَّتْ بِـ إلى، فالجُمْلَةُ المُعَلَّقُ عَنْها الفِعْلُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ تَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ [الكهف: ١٩] وفي إضْمارِ الفِعْلِ المُعَلَّقِ نَظَرٌ، والوَجْهُ الثّانِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وتَكُونُ أيْ مَوْصُولَةً، أيْ: يَبْتَغِي مَن هو أقْرَبُ مِنهم وأزْلَفُ الوَسِيلَةَ إلى اللَّهِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ. انْتَهى. فَعَلى الوَجْهِ يَكُونُ ﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، واحْتُمِلَ ﴿أيُّهُمْ﴾ أنْ يَكُونَ مُعْرَبًا وهو الوَجْهُ، وأنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِوُجُودِ مُسَوِّغِ البِناءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ ضُمِّنَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ ﴿الوَسِيلَةَ﴾ مَعْنى يَحْرِصُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَحْرِصُونَ أيُّهم يَكُونُ أقْرَبَ إلى اللَّهِ، وذَلِكَ بِالطّاعَةِ وازْدِيادِ الخَيْرِ والصَّلاحِ، فَيَكُونُ قَدْ ضُمِّنَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ مَعْنى فِعْلٍ قَلْبِيٍّ وهو يَحْرِصُونَ حَتّى يَصِحَّ التَّعْلِيقُ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ لِأنَّ حَرَصَ يَتَعَدّى بِعَلى، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] .
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿أيُّهُمْ﴾ ابْتِداءٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: نَظَرُهم ووَدَكُهم ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ وهَذا كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَباتَ النّاسُ يَدُوكُونَ أيُّهم يُعْطاها، أيْ: يَتَبارَوْنَ في طَلَبِ القُرْبِ. فَجَعَلَ المَحْذُوفَ نَظَرَهم ووَدَكَهم وهَذا مُبْتَدَأٌ، فَإنْ جَعَلْتَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَظَرِهِمُ المَحْذُوفِ بَقِيَ المُبْتَدَأُ الَّذِي هو نَظَرُهم بِغَيْرِ خَبَرٍ مُحْتاجٌ إلى إضْمارِ الخَبَرِ، وإنْ جَعَلْتَ ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ هو الخَبَرَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ نَظَرَهم لَيْسَ هو ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾، وإنْ جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ نَظَرَهم في ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ أيْ: كائِنٌ أوْ حاصِلٌ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كائِنًا وحاصِلًا لَيْسَ مِمّا تَعَلَّقَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿أيُّهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿أقْرَبُ﴾ خَبَرُهُ، وهو اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ يَدْعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أيُّهُمْ﴾ بِمَعْنى الَّذِي وهو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يَدْعُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: الَّذِي هو أقْرَبُ. انْتَهى. فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ عُلِّقَ ﴿يَدْعُونَ﴾ وهو لَيْسَ فِعْلًا قَلْبِيًّا، وفي الثّانِي فُصِلَ بَيْنَ الصِّلَةِ ومَعْمُولِها بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، ولا يَضُرُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّها مَعْمُولَةٌ لِلصِّلَةِ ﴿ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ كَغَيْرِهِمْ مِن عِبادِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ يَحْذَرُهُ كُلُّ أحَدٍ.
و﴿إنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ (إنْ) نافِيَةٌ و(مِن) زائِدَةٌ في المُبْتَدَأِ تَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ الجِنْسِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ (إلّا) خَبَرُ المُبْتَدَأِ. وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ مِن قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن لِبَيانِ الجِنْسِ. انْتَهى. والَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى قَوْلِ مَن يُثْبِتُ لَها هَذا المَعْنى هو أنْ يَتَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُفْهَمُ مِنهُ إبْهامٌ ما فَتَأْتِي (مِن) لِبَيانِ ما أُرِيدَ بِذَلِكَ الَّذِي فِيهِ إبْهامُ ما، كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] وهُنا لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ مُبْهَمٌ تَكُونُ مِن فِيهِ بَيانًا لَهُ، ولَعَلَّ قَوْلَهُ لِبَيانِ الجِنْسِ مِنَ النّاسِخِ، ويَكُونُ هو قَدْ قالَ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ. انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ جَمِيعَ القُرى تَهْلِكُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وإهْلاكُها تَخْرِيبُها وفَناؤُها، ويَتَضَمَّنُ تَخْرِيبُها هَلاكَ أهْلِها بِالِاسْتِئْصالِ أوْ شَيْئًا فشَيْئًا أوْ تُعَذَّبُ، والمَعْنى: هَلاكُ أهْلِها بِالقَتْلِ وأنْواعِ العَذابِ. وقِيلَ: الهَلاكُ لِلصّالِحَةِ، والعَذابُ لِلطّالِحَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: وجَدْتُ في كُتُبِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِها: أمّا مَكَّةُ فَتُخَرِّبُها الحَبَشَةُ، وتَهْلِكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ، والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ، والكُوفَةُ بِالتُّرْكِ، والجِبالُ بِالصَّواعِقِ والرَّواجِفِ، وأمّا (p-٥٣)خُراسانَ فَعَذابُها ضُرُوبٌ، ثُمَّ ذَكَرَها بَلَدًا بَلَدًا، ونَحْوُ ذَلِكَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ هَلاكَ الأنْدَلُسِ وخَرابَها يَكُونُ بِسَنابِكِ الخَيْلِ، واخْتِلافِ الجُيُوشِ.
﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في سابِقِ القَضاءِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أيْ: مَكْتُوبًا أسْطارًا ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ﴾ بِالآياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُونَ، اقْتَرَحُوا ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنْ شِئْتَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لَهم فَإنْ تَأخَّرُوا عاجَلْتُهم بِالعُقُوبَةِ، وإنْ شِئْتَ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ عَسى أنْ أجْتَبِيَ مِنهم مُؤْمِنِينَ، فَقالَ: «بَلْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ يا رَبِّ» . فَنَزَلَتْ، واسْتُعِيرَ المَنعُ لِلتَّرْكِ أيْ: ما تَرَكْنا إرْسالَ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا لِتَكْذِيبِ الأوَّلِينَ بِها، وتَكْذِيبُ الأوَّلِينَ لَيْسَ عِلَّةً في إرْسالِ الآياتِ لِقُرَيْشٍ، فالمَعْنى: إلّا اتِّباعُهم طَرِيقَةَ تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ بِها، فَتَكْذِيبُ الأوَّلِينَ فاعِلٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ، فَإذا كَذَّبُوا بِها كَما كَذَّبَ الأوَّلُونَ عاجَلْتُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ لا أسْتَأْصِلَهم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فالمَعْنى وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ ما تَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الَّذِينَ هم أمْثالُهم مِنَ المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ كَعادٍ وثَمُودَ، وإنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ، وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ كَما يَقُولُونَ في غَيْرِها، واسْتَوْجَبُوا العَذابَ المُسْتَأْصِلَ، وقَدْ عَزَمْنا أنْ نُؤَخِّرَ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن تِلْكَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها الأوَّلُونَ ثُمَّ كَذَّبُوا بِها لَمّا أُرْسِلَتْ إلَيْهِمْ فَأُهْلِكُوا واحِدَةً، وهي ناقَةُ صالِحٍ؛ لِأنَّ آثارَ هَلاكِهِمْ في بِلادِ العَرَبِ قَرِيبَةٌ مِن حُدُودِهِمْ يُبْصِرُها صادِرُهم ووارِدُهُمُ. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثَمُودَ) مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقالَ هارُونُ: أهْلُ الكُوفَةِ يُنَوِّنُونَ (ثَمُودَ) في كُلِّ وجْهٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُنَوِّنُ العامَّةُ والعُلَماءُ بِالقُرْآنِ (ثَمُودَ) في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي أرْبَعَةِ مَواطِنَ ألِفٌ مَكْتُوبَةٌ، ونَحْنُ نَقْرَأُها بِغَيْرِ ألِفٍ. انْتَهى. وانْتُصِبَ ﴿مُبْصِرَةً﴾ عَلى الحالِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ﴿مُبْصِرَةً﴾ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ: هي مُبْصِرَةٌ، وأضافَ الإبْصارَ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ لَمّا كانَتْ يُبْصِرُها النّاسُ، والتَّقْدِيرُ: آيَةٌ مُبْصِرَةٌ. وقَرَأ قَوْمٌ: بِفَتْحِ الصّادِ اسْمَ مَفْعُولٍ أيْ: يُبْصِرُها النّاسُ ويُشاهِدُونَها. وقَرَأ قَتادَةُ بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ مَفْعَلَةً مِنَ البَصَرِ أيْ: مَحَلَّ إبْصارٍ كَقَوْلِهِ:
؎والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعَمِ
أجْراها مَجْرى صِفاتِ الأمْكِنَةِ نَحْوُ: أرْضٌ مَسْبَعَةٌ ومَكانٌ مَضَبَّةٌ، وقالُوا: الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: بِعَقْرِها بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] الآيَةَ. وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم جَحَدُوا كَوْنَها مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: جَعَلُوا التَّكْذِيبَ بِها مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ وهو مَعْنى القَوْلِ قَبْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الآياتِ الأخِيرَةَ غَيْرُ الآياتِ الأُولى، لُوحِظَ في ذَلِكَ وصْفُ الِاقْتِراحِ، وفي هَذِهِ وصْفُ غَيْرِ المُقْتَرَحَةِ، وهي آياتٌ مَعَها إمْهالٌ لا مُعاجَلَةٌ كالكُسُوفِ والرَّعْدِ والزَّلْزَلَةِ. وقالَ الحَسَنُ: والمَوْتُ الذَّرِيعُ، وفي حَدِيثِ الكُسُوفِ: «فافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ» . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وآياتُ اللَّهِ المُعْتَبَرُ بِها ثَلاثَةُ أقْسامِ: قِسْمٌ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ إذْ حَيْثُما وضَعْتَ نَظَرَكَ وجَدْتَ آيَةً. وهُنا فِكْرَةُ العُلَماءِ، وقِسْمٌ مُعْتادٌ كالرَّعْدِ والكُسُوفِ ونَحْوِهِ، وهُنا فِكْرَةُ الجَهَلَةِ فَقَطْ، وقِسْمٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ وإنَّما يُعْتَبَرُ تَوَهُّمًا لِما سَلَفَ مِنهُ. انْتَهى. وهَذا القِسْمُ الأخِيرُ قالَ فِيهِ: وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُثْبِتُ هَذا القِسْمَ لِغَيْرِ الأنْبِياءِ ويُسَمِّيهِ كَرامَةً.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ أرادَ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فالمَعْنى: لا نُرْسِلُها ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ العاجِلِ كالطَّلِيعَةِ، والمُقَدِّمَةِ لَهُ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا وقَعَ عَلَيْهِمْ، وإنْ أرادَ غَيْرَها فالمَعْنى ﴿وما نُرْسِلُ﴾ ما نُرْسِلُ مِنَ الآياتِ كَآياتِ القُرْآنِ وغَيْرِها ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ وإنْذارًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الآياتُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَخْوِيفًا لِعِبادِهِ سَماوِيَّةٌ: كُسُوفُ الشَّمْسِ، وخُسُوفُ القَمَرِ، والرَّعْدُ، والبَرْقُ، والصَّواعِقُ، والرُّجُومُ وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ. وأرْضِيَّةٌ زَلازِلُ، وخَسْفٌ، ومُحُولٌ (p-٥٤)ونِيرانٌ تَظْهَرُ في بَعْضِ البِلادِ، وغَوْرُ ماءِ العُيُونِ وزِيادَتُها عَلى الحَدِّ حَتّى تُغْرِقَ بَعْضَ الأرَضِينَ، ولا سَماوِيَّةٌ ولا أرْضِيَّةٌ: الرِّياحُ العَواصِفُ، وما يَحْدُثُ عَنْها مِن قَلْعِ الأشْجارِ وتَدْمِيرِ الدِّيارِ، وما تَسُوقُهُ مِنَ السَّواقِي والرِّياحِ السَّمُومِ.
الإسراء 17:60
﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ .
لَمّا طَلَبُوا الرَّسُولَ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ وأخْبَرَ اللَّهُ بِالمَصْلَحَةِ في عَدَمِ المَجِيءِ بِها طَعَنَ الكُفّارُ فِيهِ، وقالُوا: لَوْ كانَ رَسُولًا حَقًّا لَأتى بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ يَنْصُرُهُ ويُؤَيِّدُهُ وأنَّهُ ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ . فَقِيلَ: بِعِلْمِهِ فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ، وقِيلَ: بِقُدْرَتِهِ فَقُدْرَتُهُ غالِبَةٌ كُلَّ شَيْءٍ، وقِيلَ: الإحاطَةُ هُنا: الإهْلاكُ كَقَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] والظّاهِرُ: أنَّ النّاسَ عامٌّ. وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ، بَشَّرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَغْلِبُهم ويَظْهَرُ عَلَيْهِمْ، و﴿أحاطَ﴾ بِمَعْنى يُحِيطُ، عَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي؛ لِأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، والوَقْتُ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ الإحاطَةُ بِهِمْ، قِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقالَ العَسْكَرِيُّ: هَذا خَبَرُ غَيْبٍ قَدَّمَهُ قَبْلَ وقْتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في أمْرِ الخَنْدَقِ ومَجِيءِ الأحْزابِ يَطْلُبُونَ ثَأْرَهم بِبَدْرٍ فَصَرَفَهُمُ اللَّهُ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ ويَوْمُ الفَتْحِ. وقِيلَ: الأشْبَهُ أنَّهُ يَوْمُ الفَتْحِ؛ فَإنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي أحاطَ أمْرُ اللَّهِ بِإهْلاكِ أهْلِ مَكَّةَ فِيهِ وأمْكَنَ مِنهم. وقالَ الطَّبَرِيُّ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ في مَنعِكَ يا مُحَمَّدُ وحِياطَتِكَ وحِفْظِكَ، فالآيَةُ إخْبارٌ لَهُ أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ الكَفَرَةِ آمِنٌ أنْ يُقْتَلَ ويُنالَ بِمَكْرُوهٍ عَظِيمٍ، أيْ: فَلْتُبَلِّغْ رِسالَةَ رَبِّكَ ولا تَتَهَيَّبْ أحَدًا مِنَ المَخْلُوقِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَأْوِيلٌ بَيِّنٌ جارٍ مَعَ اللَّفْظِ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ إلّا أنَّهُ لا يُناسِبُ ما بَعْدَهُ مُناسَبَةً شَدِيدَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ مُناسِبًا لِما بَعْدَهُ تَوْطِئَةً لَهُ.
فَأقُولُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الرُّؤْيا. فَقالَ الجُمْهُورُ: هي رُؤْيا عَيْنٍ ويَقَظَةٍ، وهي ما رَأى في لَيْلَةِ الإسْراءِ مِنَ العَجائِبِ قالَ الكُفّارُ: إنَّ هَذا لَعَجَبٌ نَخُبُّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ شَهْرَيْنِ إقْبالًا وإدْبارًا، ويَقُولُ مُحَمَّدٌ جاءَهُ مِن لَيْلَتِهِ وانْصَرَفَ مِنهُ، فافْتَتَنَ بِهَذا التَّلْبِيسِ قَوْمٌ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ فارْتَدُّوا وشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَعَلى هَذا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ أيْ: في إضْلالِهِمْ وهِدايَتِهِمْ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ أيْ: فَلا تَهْتَمَّ أنْتَ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ، ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَقَدْ قِيلَ لَكَ: إنَّ اللَّهَ مُحِيطٌ بِهِمْ مالِكٌ لِأمْرِهِمْ، وهو جَعَلَ رُؤْياكَ هَذِهِ فِتْنَةً؛ لِيَكْفُرَ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الكُفْرُ، وسُمِّيَتِ الرُّؤْيَةُ في هَذا التَّأْوِيلِ رُؤْيا إذْ هُما مَصْدَرانِ مِن رَأى. وقالَ النَّقّاشُ: جاءَ ذَلِكَ مِنِ اعْتِقادِ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّها مَنامِيَّةٌ وإنْ كانَتِ الحَقِيقَةُ غَيْرَ ذَلِكَ. انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِمْ: هو قِصَّةُ الإسْراءِ والمِعْراجِ عِيانًا آمَنَ بِهِ المُوَفَّقُونَ وكَفَرَ بِهِ المَخْذُولُونَ، وسَمّاهُ رُؤْيا لِوُقُوعِهِ في اللَّيْلِ وسُرْعَةِ تَقَضِّيهِ، كَأنَّهُ مَنامٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا هو رُؤْياهُ أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فَعَجَّلَ في سَنَتِهِ الحُدَيْبِيَةَ ورُدَّ فافْتَتَنَ النّاسُ، وهَذا مُناسِبٌ لِصَدْرِ الآيَةِ فَإنَّ الإحاطَةَ بِمَكَّةَ أكْثَرُ ما كانَتْ. وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: هي رُؤْياهُ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى (p-٥٥)مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فاهْتَمَّ لِذَلِكَ وما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا مِن يَوْمِئِذٍ حَتّى ماتَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُخْبِرَةً أنَّ ذَلِكَ مِن مُلْكِهِمْ، وصُعُودِهِمُ المَنابِرَ إنَّما يَجْعَلُها اللَّهُ فِتْنَةً لِلنّاسِ. ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿أحاطَ بِالنّاسِ﴾ أيْ: بِأقْدارِهِ وإنْ كانَ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ فَلا تَهْتَمَّ بِما يَكُونُ بَعْدَكَ مِن ذَلِكَ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ في خُطْبَتِهِ في شَأْنِ بَيْعَتِهِ لِمُعاوِيَةَ: وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ. وقالَتْ عائِشَةُ: ﴿الرُّؤْيا﴾ رُؤْيا مَنامٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِفَسادِهِ، وذَلِكَ أنَّ رُؤْيا المَنامِ لا فِتْنَةَ فِيها، وما كانَ أحَدٌ لِيُنْكِرَها. انْتَهى. ولَيْسَ كَما قالابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ويُخْبِرُ النَّبِيُّ بِوُقُوعِ ذَلِكَ لا مَحالَةَ فَيَصِيرُ إخْبارُهُ بِذَلِكَ فِتْنَةً لِمَن يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ. وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: سَألْتُ أبا العَبّاسِ القُرْطُبِيَّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ذَهَبَ المُفَسِّرُونَ فِيها إلى أمْرٍ غَيْرِ مُلائِمٍ في سِياقِ أوَّلِ الآيَةِ، والصَّحِيحُ أنَّها رُؤْيَةُ عَيْنٍ يَقَظَةً، لَمّا آتاهُ بَدْرًا أراهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَصارِعَ القَوْمِ فَأراها النّاسَ، وكانَتْ فِتْنَةً لِقُرَيْشٍ، فَإنَّهم لَمّا سَمِعُوا أخَذُوا في الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ بِالرَّسُولِ ﷺ .
﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ﴾ هُنا هي أبُو جَهْلٍ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أراهُ مَصارِعَهم في مَنامِهِ فَقَدْ كانَ يَقُولُ حِينَ ورَدَ ماءَ بَدْرٍ: «واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ» وهو يُومِئُ إلى الأرْضِ، ويَقُولُ: «هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ» . فَتَسامَعَتْ قُرَيْشٌ بِما أُوحِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أمْرِ بَدْرٍ وما أُرِيَ في مَنامِهِ مِن مَصارِعِهِمْ، فَكانُوا يَضْحَكُونَ ويَسْتَسْخِرُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً. وقِيلَ: رَأى في المَنامِ أنَّ ولَدَ الحَكَمِ يَتَداوَلُونَ مِنبَرَهُ كَما يَتَداوَلُ الصِّبْيانُ الكُرَةَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالشَّجَرَةِ حَقِيقَتُها. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الكَشُوثُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] وعَنْهُ أيْضًا: هي الشَّجَرَةُ الَّتِي تَلْتَوِي عَلى الشَّجَرَةِ فَتُفْسِدُها. قالَ: والفِتْنَةُ قَوْلُهم ما بالُ الحَشائِشِ تُذْكَرُ في القُرْآنِ. وقالَ الجُمْهُورُ: هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ لَمّا نَزَلَ أمْرُها في الصّافّاتِ وغَيْرِها قالَ أبُو جَهْلٍ وغَيْرُهُ: هَذا مُحَمَّدٌ يَتَوَعَّدُكم بِنارٍ تُحْرِقُ الحِجارَةَ ثُمَّ يَزْعُمُ أنَّها تُنْبِتُ الشَّجَرَ، والنّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ، وما نَعْرِفُ الزَّقُّومَ إلّا التَّمْرَ بِالزُّبْدِ، ثُمَّ أمَرَ أبُو جَهْلٍ جارِيَةً لَهُ فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزُبْدًا، وقالَ لِأصْحابِهِ: ”تَزَقَّمُوا“ فافْتَتَنَ أيْضًا بِهَذِهِ المَقالَةِ بَعْضُ الضُّعَفاءِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما أنْكَرُوا أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ (الشَّجَرَةَ) مِن جِنْسٍ لا تَأْكُلُهُ النّارُ، فَهَذا وبَرُ السَّمَندَلِ، وهو دُوَيْبَةٌ بِبِلادِ التُّرْكِ يُتَّخَذُ مِنها مَنادِيلُ إذا اتَّسَخَتْ طُرِحَتْ في النّارِ فَيَذْهَبُ الوَسَخُ، وبَقِيَ المِندِيلُ سالِمًا لا تَعْمَلُ فِيهِ النّارُ، وتَرى النَّعامَةَ تَبْتَلِعُ الجَمْرَ وقِطَعَ الحَدِيدِ الحُمْرِ كالجَمْرِ بِإحْماءِ النّارِ فَلا يَضُرُّها، ثُمَّ أقْرَبُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ خَلَقَ في كُلِّ شَجَرَةٍ نارًا فَلا تُحْرِقُها فَما أنْكَرُوا أنْ يَخْلُقَ في النّارِ شَجَرَةً لا تُحْرِقُها، والمَعْنى: أنَّ الآياتِ إنَّما نُرْسِلُ بِها تَخْوِيفًا لِلْعِبادِ، وهَؤُلاءِ قَدْ خُوِّفُوا بِعَذابِ الدُّنْيا وهو القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ فَما كانَ ما أرَيْناكَ مِنهُ في مَنامِكَ بَعْدَ الوَحْيِ إلَيْكَ إلّا فِتْنَةً لَهم حَيْثُ اتَّخَذُوهُ سُخْرِيًّا، وخُوِّفُوا بِعَذابِ الآخِرَةِ وبِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ فَما أثَّرَ فِيهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ونُخَوِّفُهُمْ﴾ أيْ: بِمَخاوِفَ الدُّنْيا والآخِرَة ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ التَّخْوِيفُ ﴿إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ فَكَيْفَ يَخافُ قَوْمٌ هَذِهِ حالُهم بِإرْسالِ ما يَقْتَرِحُونَ مِنَ الآياتِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ بَعْدَ الوَحْيِ إلَيْكَ هو قَوْلُهُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] والظّاهِرُ إسْنادُ اللَّعْنَةِ إلى (الشَّجَرَةَ) واللَّعْنُ: الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وهي في أصْلِ الجَحِيمِ في أبْعَدِ مَكانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: تَقُولُ العَرَبُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ ضارٍّ: مَلْعُونٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَألْتُ بَعْضَهم، فَقالَ: نَعَمِ الطَّعامُ المَلْعُونُ القِشْبُ المَمْحُونُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿المَلْعُونَةَ﴾ يُرِيدُ آكِلَها، ونَمَّقَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: لُعِنَتْ حَيْثُ لُعِنَ طاعِمُوها مِنَ الكَفَرَةِ والظَّلَمَةِ؛ لِأنَّ الشَّجَرَةَ لا ذَنْبَ لَها حَتّى تُلْعَنَ عَلى الحَقِيقَةِ، وإنَّما وُصِفَتْ بِلَعْنِ أصْحابِها عَلى المَجازِ. انْتَهى.
وقِيلَ لَمّا شَبَّهَ طَلْعَها بِرُءُوسِ الشَّياطِينِ، والشَّيْطانُ (p-٥٦)مَلْعُونٌ نُسِبَتِ اللَّعْنَةُ إلَيْها. وقالَ قَوْمٌ (الشَّجَرَةَ) هُنا مَجازٌ عَنْ واحِدٍ وهو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو الشَّيْطانُ، وقِيلَ: مَجازٌ عَنْ جَماعَةٍ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ تَظاهَرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى وفِتْنَتُهم أنَّهم كانُوا يَنْتَظِرُونَ بَعْثَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بَعَثَهُ اللَّهُ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا: لَيْسَ هو الَّذِي كُنّا نَنْتَظِرُهُ فَثَبَّطُوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِمَقالَتِهِمْ عَنِ الإسْلامِ. وقِيلَ: بَنُو أُمَيَّةَ حَتّى إنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن لا يُعَبِّرُ عَنْهم إلّا بِالشَّجَرَةِ المَلْعُونَةِ لِما صَدَرَ مِنهم مَنِ اسْتِباحَةِ الدِّماءِ المَعْصُومَةِ، وأخْذِ الأمْوالِ مِن غَيْرِ حِلِّها وتَغْيِيرِ قَواعِدِ الدِّينِ وتَبْدِيلِ الأحْكامِ، ولَعْنُها في القُرْآنِ ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ) عَطْفًا عَلى ﴿الرُّؤْيا﴾ فَهي مُنْدَرِجَةٌ في الحَصْرِ، أيْ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِرَفْعِ ﴿والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ﴾ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَذَلِكَ أيْ: فِتْنَةٌ، والضَّمِيرُ في ﴿ونُخَوِّفُهُمْ﴾ لِكُفّارِ مَكَّةَ. وقِيلَ: لِمُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ بَعْدَ الخِلافَةِ الَّتِي قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا» والأوَّلُ أصْوَبُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ويُخَوِّفُهم بِياءِ الغَيْبَةِ والجُمْهُورُ بِنُونِ العَظَمَةِ.
الإسراء 17:61
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ .
(p-٥٧)مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما أنَّهُ لَمّا نازَعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النُّبُوَّةِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ الآياتِ كانَ ذَلِكَ لِكِبْرِهِمْ وحَسَدِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، فَناسَبَ ذِكْرَ قِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإبْلِيسَ حَيْثُ حَمَلَهُ الكِبْرُ والحَسَدُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ السُّجُودِ. والثّانِي أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] بَيَّنَ ما سَبَبُ هَذا الطُّغْيانِ وهو قَوْلُ إبْلِيسَ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ وانْتَصَبَ ﴿طِينًا﴾ عَلى الحالِ قالَهُ الزَّجّاجُ وتَبِعَهُ الحَوْفِيُّ، فَقالَ: مِنَ الهاءِ في خَلَقْتُهُ المَحْذُوفَةِ، والعامِلُ ﴿خَلَقْتَ﴾ والزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: ﴿طِينًا﴾ إمّا مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ فِيهِ ﴿أأسْجُدُ﴾ عَلى آسْجُدُ لَهُ وهو طِينٌ أيْ: أصْلُهُ طِينٌ، أوْ مِنَ الرّاجِعِ إلَيْهِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى آسْجُدُ لِمَن كانَ في وقْتِ خَلْقِهِ ﴿طِينًا﴾ . انْتَهى. وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى. وقالَ أبُو البَقاءِ: والعامِلُ فِيهِ ﴿خَلَقْتَ﴾ يَعْنِي إذا كانَ حالًا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى حَذْفِ مِنَ التَّقْدِيرُ مِن طِينٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، ولا يَظْهَرُ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا، وقَوْلُهُ: ﴿أأسْجُدُ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وما قَبْلَهُ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، وكَأنَّ تَقْدِيرَهُ قالَ: لِمَ لَمْ تَسْجُدْ لِآدَمَ قالَ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ وقالَ آسْجُدُ جُمَلٌ قَدْ ذُكِرَتْ حَيْثُ طُوِّلَتْ قِصَّتُهُ والكافُ في أرَأيْتَكَ لِلْخِطابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ الأنْعامِ ولا يَلْحَقُ كافُ الخِطابِ هَذِهِ إلّا إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، وبِهَذا المَعْنى قَدَّرَها الحَوْفِيُّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِيها والزَّجّاجِ.
قالَ الحَوْفِيُّ: و﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى عَرِّفْنِي وأخْبِرْنِي، وهَذا مَنصُوبٌ بِأرَأيْتَكَ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ، وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، وحُذِفَ هَذا لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ لِلْخِطابِ و﴿هَذا﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ أيْ: فَضَّلْتَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِحَذْفِ ذَلِكَ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والكافُ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ حَرْفُ خِطابٍ ومُبالَغَةٍ في التَّنْبِيهِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ فَهي زائِدَةٌ، ومَعْنى أرَأيْتَ أتَأمَّلْتَ ونَحْوَهُ كانَ المُخاطِبُ بِها يُنَبِّهُ المُخاطَبَ لِيَسْتَجْمِعَ لِما يَنُصُّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ زَيْدًا أيُؤْمِنُ هو. وقالَهُ الزَّجّاجُ ولَمْ يُمَثِّلْ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ كَمِثالِهِ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهي كَما قُلْتُ ولَيْسَتِ الَّتِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ هُنا هو الصَّحِيحُ، ولِذَلِكَ قُدِّرَ الِاسْتِفْهامُ وهو لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ فَقَدِ انْعَقَدَ مِن قَوْلِهِ: هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وصارَ مِثْلَ: زَيْدٌ أيُؤْمِنُ هو دَخَلَتْ عَلَيْهِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ فَعَمِلَتْ في الأوَّلِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ الثّانِي والمُسْتَقِرُّ في أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي أنْ تَدْخُلُ عَلى جُمْلَةٍ ابْتِدائِيَّةٍ يَكُونُ الخَبَرُ اسْتِفْهامًا، فَإنْ صُرِّحَ بِهِ فَذَلِكَ واضِحٌ وإلّا قُدِّرَ. وقَدْ أشْبَعْنا الكَلامَ في الأنْعامِ وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هُنا لِلْكافِ مَحْمَلٌ مِنَ الإعْرابِ، وهو النَّصْبُ أيْ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ قالَ: وهَذا كَما تَقُولُ أتَدَبَّرْتَ آخِرَ أمْرِكَ. فَإنِّي صانِعٌ فِيهِ كَذا، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ . انْتَهى. والرَّدُّ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ هَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ لِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى أخْبِرْنِي والثّانِي الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ بَعْدَهُ لِانْعِقادِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا قَبْلَ دُخُولِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ لِذَلِكَ مَذْهَبًا حَسَنًا، إذْ لا يَكُونُ في الكَلامِ إضْمارٌ، وتَلَخَّصَ مِن هَذا كُلِّهِ الكافُ إمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ وهَذا مُبْتَدَأٌ، وإمّا حَرْفُ خِطابٍ وهَذا مَفْعُولٌ بِأرَأيْتَ بِمَعْنًى مَحْذُوفٍ، وهو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ (p-٥٨)أوْ مَذْكُورٍ وهو الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ، ومَعْنى ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ أيْ: أخَّرْتَ مَماتِي وأبْقَيْتَنِي حَيًّا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ﴾ لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ وقالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَأُضِلَّنَّهم. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَأسْتَأْصِلَنَّ، وكَفَرَ إبْلِيسُ بِجَهْلِهِ صِفَةَ العَدْلِ مِنَ اللَّهِ حِينَ لَحِقَتْهُ الأنَفَةُ والكِبْرُ، وظَهَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ إذْ نَصَّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَرَّمَ بِالسُّجُودِ مِنِّي مَن أنا خَيْرٌ مِنهُ، وأقْسَمَ إبْلِيسُ عَلى أنَّهُ يَحْتَنِكُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ وعَلِمَ ذَلِكَ إمّا بِسَماعِهِ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ أوِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] أوْ نَظَرَ إلَيْهِ فَتَوَسَّمَ في مَخايِلِهِ أنَّهُ ذُو شَهْوَةٍ وعَوارِضَ كالغَضَبِ ونَحْوِهِ، ورَأى خِلْقَتَهُ مُجَوَّفَةً مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ، وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَّسَ إلى آدَمَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا فَظَنَّ ذَلِكَ بِذُرِّيَّتِهِ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ قَوْلَ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ وسْوَسَتِهِ لِآدَمَ في أكْلِ الشَّجَرَةِ، واسْتَثْنى القَلِيلَ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّةِ آدَمَ مَن لا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] والأمْرُ بِالذَّهابِ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن نَقِيضِ المَجِيءِ، ولَكِنَّ المَعْنى اذْهَبْ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، وعَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما جَرَّهُ سُوءُ فِعْلِهِ مِن جَزائِهِ وجَزاءِ أتْباعِهِ جَهَنَّمَ، ولَمّا تَقَدَّمَ اسْمٌ غائِبٌ وضَمِيرُ خِطابٍ غَلَبَ الخِطابُ فَقالَ: ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مِن عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والمَوْفُورُ المُكَمَّلُ ووَفَرَ مُتَعَدٍّ كَقَوْلِهِ:
؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عَرْضِهِ يَفْرِهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
ولازِمٌ تَقُولُ: وفَرَ المالُ يَفِرُ وُفُورًا، وانْتَصَبَ ﴿جَزاءً﴾ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ أوْ يُجاوِزُ مُضْمَرَهُ أوْ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ. وقِيلَ: تَمْيِيزٌ ولا يُتَعَقَّلُ ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فاذْهَبْ وعُطِفَ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ، وكُلُّها بِمَعْنى التَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ومَن في ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولَةٌ بِاسْتِفْزِزْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَنِ اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِاسْتَطَعْتَ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ (اسْتَفْزِزْ) ومَفْعُولَ ﴿اسْتَطَعْتَ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ والصَّوْتُ هُنا الدُّعاءُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الغِناءُ والمَزامِيرُ واللَّهْوُ. وقالَ الضَّحّاكُ: صَوْتُ المِزْمارِ، وذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ أنَّ آدَمَ أسْكَنَ ولَدَ هابِيلَ أعْلى الجَبَلِ ووَلَدَ قابِيلَ أسْفَلَهُ. وفِيهِمْ بَناتٌ حِسانٌ، فَزَمَّرَ الشَّيْطانُ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنِ انْحَدَرُوا واقْتَرَنُوا. وقِيلَ: الصَّوْتُ هُنا الوَسْوَسَةُ.
وقَرَأ الحَسَنُ (واجْلُبْ عَلَيْهِمْ) بِوَصْلِ الألِفِ وضَمِّ اللّامِ مِن جَلَبَ ثُلاثِيًّا، والظّاهِرُ أنَّ إبْلِيسَ لَهُ خَيْلٌ ورَجّالَةٌ مِنَ الجِنِّ جِنْسِهِ قالَهُ قَتادَةُ، والخَيْلُ تُطْلَقُ عَلى الأفْراسِ حَقِيقَةً وعَلى أصْحابِها مَجازًا وهُمُ الفُرْسانُ، ومِنهُ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، والباءُ في ﴿بِخَيْلِكَ﴾ قِيلَ: زائِدَةٌ. وقِيلَ: مِنَ الآدَمِيِّينَ أُضِيفُوا إلَيْهِ لِانْخِراطِهِمْ في طاعَتِهِ وكَوْنِهِمْ أعْوانَهم عَلى غَيْرِهِمْ قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ . قِيلَ: هَذا مَجازٌ واسْتِعارَةٌ بِمَعْنى اسْعَ سَعْيَكَ وابْلُغْ جُهْدَكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ خَيْلٌ ولا رَجِلٌ ولا هو مَأْمُورٌ إنَّما هَذا زَجْرٌ واسْتِخْفافٌ بِهِ كَما تَقُولُ لِمَن تُهَدِّدُهُ: اذْهَبْ فاصْنَعْ ما شِئْتَ واسْتَعِنْ بِما شِئْتَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اسْتِفْزازِ إبْلِيسَ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ وارِدٌ مَوْرِدَ التَّمْثِيلِ مُثِّلَتْ حالُهُ في تَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ بِمِغْوارٍ أوْقَعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يَسْتَفِزُّهم مِن أماكِنِهِمْ ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ، وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ ورَجّالَةٍ حَتّى اسْتَأْصَلَهُمُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ورَجْلِكَ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ واحِدُ راجِلٍ كَرَكْبٍ وراكِبٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وحَفْصٍ بِكَسْرِ الجِيمِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ بِمَعْنى الرِّجالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صِفَةٌ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي رَجِلًا أيْ: غَيْرُ راكِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَجِلًا إلّا بِأصْحابِ
وقالَ (p-٥٩)الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ ﴿ورَجِلِكَ﴾ عَلى أنْ فَعِلًا بِمَعْنى فاعِلٍ نَحْوَ تَعِبٍ وتاعِبٍ، ومَعْناهُ وجَمْعُكَ الرَّجُلَ وتُضَمُّ جِيمُهُ أيْضًا فَيَكُونُ مِثْلَ حَدِثَ وحَدُثَ ونَدِسَ ونَدُسَ وأخَواتٌ لَهُما. انْتَهى. وقَرَأ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ ورِجالِكَ. وقُرِئَ ورُجِّلَ لَكَ - بِضَمِّ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ. والمُشارَكَةُ في الأمْوالِ، قالَ الضَّحّاكُ: ما يَذْبَحُونَ لِآلِهَتِهِمْ وقَتادَةُ البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ. وقِيلَ: ما أُصِيبَ مِن مالٍ وحَرامٍ، وقِيلَ: ما جَعَلُوهُ مِن أمْوالِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ، وقِيلَ: ما صُرِفَ في الزِّنا، والأوْلى ما أُخِذَ مِن غَيْرِ حَقِّهِ وما وُضِعَ في غَيْرِ حَقِّهِ والمُشارَكَةُ في الأوْلادِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَسْمِيَتُهم عَبْدَ العُزّى وعَبْدَ اللّاتِ وعَبْدَ الشَّمْسِ وعَبْدَ الحَرْثِ، وعَنْهُ أيْضًا تَرْغِيبُهم في الأدْيانِ الباطِلَةِ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. وعَنْهُ أيْضًا إقْدامُهم عَلى قَتْلِ الأوْلادِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: وما مَجَّسُوهُ وهَوَّدُوهُ ونَصَّرُوهُ وصَبَغُوهم غَيْرَ صِبْغَةِ الإسْلامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَدَمُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الجِماعِ فالجانُّ يَنْطَوِي إذْ ذاكَ عَلى إحْلِيلِهِ فَيُجامِعُ مَعَهُ. وقِيلَ: تَرْغِيبُهم في القِتالِ والقَتْلِ وحِفْظِ الشِّعْرِ المُشْتَمِلِ عَلى الفُحْشِ، والأوْلى أنَّهُ كُلُّ تَصَرُّفٍ في الوَلَدِ يُؤَدِّي إلى ارْتِكابِ مُنْكَرٍ وقَبِيحٍ، وأمّا وعْدُهُ فَهو الوَعْدُ الكاذِبُ كَوَعْدِهِمْ أنْ لا بَعْثَ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ في النُّفُوسِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الكاذِبَةَ مِن شَفاعَةِ الآلِهَةِ والكَرامَةِ عَلى اللَّهِ بِالأنْسابِ الشَّرِيفَةِ، وتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ بِدُونِها، والِاتِّكالِ عَلى الرَّحْمَةِ وشَفاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ في الكَبائِرِ والخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ أنْ يَصِيرُوا حَمِيمًا، وإيثارِ العاجِلِ عَلى الآجِلِ. انْتَهى. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ لا تُغْفَرُ الذُّنُوبُ بِدُونِ التَّوْبَةِ، وبِأنَّهُ لا شَفاعَةَ في الكَبائِرِ، وبِأنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا مَن دَخَلَها مِن فاسِقٍ مُؤْمِنٍ. وانْتَصَبَ ﴿غُرُورًا﴾ وهو مَصْدَرٌ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا غُرُورًا عَلى الوُجُوهِ الَّتِي في رَجُلٍ صَوْمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ (وما يَعِدُكم) ويُمَنِّيكم ما لا يَتِمُّ ولا يَقَعُ إلّا لِأنْ يَغُرَّكم، والإضافَةُ إلَيْهِ تَعالى في ﴿إنَّ عِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، والمَعْنى المُخْتَصِّينَ بِكَوْنِهِمْ ﴿عِبادِي﴾ لا يُضافُونَ إلى غَيْرِي، كَما قالَ في مُقابِلِهِمْ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] و﴿أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء: ٧٦] .
وقِيلَ: ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ إنَّ عِبادِي الصّالِحِينَ، ونَفى السُّلْطانَ وهو الحَجَّةُ والِاقْتِدارُ عَلى إغْوائِهِمْ عَنِ الإيمانِ ويَدُلُّ عَلى لَحْظِ الصِّفَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] . وقالَ الجُبّائِيُّ: ﴿عِبادِي﴾ عامٌّ في المُكَلَّفِينَ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ في آيٍ مَنِ اتَّبَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] واسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ ولا قُدْرَةَ عَلى تَخْلِيطِ العَقْلِ وإنَّما قُدْرَتُهُ عَلى الوَسْوَسَةِ، ولَوْ كانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى ذَلِكَ لَخَبَطَ العُلَماءَ لِيَكُونَ ضَرَرُهُ أتَمَّ، ومَعْنى ﴿وكِيلًا﴾ حافِظًا لِعِبادِهِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مِن إغْواءِ الشَّيْطانِ أوْ ﴿وكِيلًا﴾ يَكِلُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ فَهو حافِظُهم بِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ.
الإسراء 17:62
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ .
(p-٥٧)مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما أنَّهُ لَمّا نازَعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النُّبُوَّةِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ الآياتِ كانَ ذَلِكَ لِكِبْرِهِمْ وحَسَدِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، فَناسَبَ ذِكْرَ قِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإبْلِيسَ حَيْثُ حَمَلَهُ الكِبْرُ والحَسَدُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ السُّجُودِ. والثّانِي أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] بَيَّنَ ما سَبَبُ هَذا الطُّغْيانِ وهو قَوْلُ إبْلِيسَ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ وانْتَصَبَ ﴿طِينًا﴾ عَلى الحالِ قالَهُ الزَّجّاجُ وتَبِعَهُ الحَوْفِيُّ، فَقالَ: مِنَ الهاءِ في خَلَقْتُهُ المَحْذُوفَةِ، والعامِلُ ﴿خَلَقْتَ﴾ والزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: ﴿طِينًا﴾ إمّا مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ فِيهِ ﴿أأسْجُدُ﴾ عَلى آسْجُدُ لَهُ وهو طِينٌ أيْ: أصْلُهُ طِينٌ، أوْ مِنَ الرّاجِعِ إلَيْهِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى آسْجُدُ لِمَن كانَ في وقْتِ خَلْقِهِ ﴿طِينًا﴾ . انْتَهى. وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى. وقالَ أبُو البَقاءِ: والعامِلُ فِيهِ ﴿خَلَقْتَ﴾ يَعْنِي إذا كانَ حالًا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى حَذْفِ مِنَ التَّقْدِيرُ مِن طِينٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، ولا يَظْهَرُ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا، وقَوْلُهُ: ﴿أأسْجُدُ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وما قَبْلَهُ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، وكَأنَّ تَقْدِيرَهُ قالَ: لِمَ لَمْ تَسْجُدْ لِآدَمَ قالَ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ وقالَ آسْجُدُ جُمَلٌ قَدْ ذُكِرَتْ حَيْثُ طُوِّلَتْ قِصَّتُهُ والكافُ في أرَأيْتَكَ لِلْخِطابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ الأنْعامِ ولا يَلْحَقُ كافُ الخِطابِ هَذِهِ إلّا إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، وبِهَذا المَعْنى قَدَّرَها الحَوْفِيُّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِيها والزَّجّاجِ.
قالَ الحَوْفِيُّ: و﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى عَرِّفْنِي وأخْبِرْنِي، وهَذا مَنصُوبٌ بِأرَأيْتَكَ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ، وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، وحُذِفَ هَذا لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ لِلْخِطابِ و﴿هَذا﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ أيْ: فَضَّلْتَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِحَذْفِ ذَلِكَ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والكافُ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ حَرْفُ خِطابٍ ومُبالَغَةٍ في التَّنْبِيهِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ فَهي زائِدَةٌ، ومَعْنى أرَأيْتَ أتَأمَّلْتَ ونَحْوَهُ كانَ المُخاطِبُ بِها يُنَبِّهُ المُخاطَبَ لِيَسْتَجْمِعَ لِما يَنُصُّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ زَيْدًا أيُؤْمِنُ هو. وقالَهُ الزَّجّاجُ ولَمْ يُمَثِّلْ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ كَمِثالِهِ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهي كَما قُلْتُ ولَيْسَتِ الَّتِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ هُنا هو الصَّحِيحُ، ولِذَلِكَ قُدِّرَ الِاسْتِفْهامُ وهو لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ فَقَدِ انْعَقَدَ مِن قَوْلِهِ: هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وصارَ مِثْلَ: زَيْدٌ أيُؤْمِنُ هو دَخَلَتْ عَلَيْهِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ فَعَمِلَتْ في الأوَّلِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ الثّانِي والمُسْتَقِرُّ في أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي أنْ تَدْخُلُ عَلى جُمْلَةٍ ابْتِدائِيَّةٍ يَكُونُ الخَبَرُ اسْتِفْهامًا، فَإنْ صُرِّحَ بِهِ فَذَلِكَ واضِحٌ وإلّا قُدِّرَ. وقَدْ أشْبَعْنا الكَلامَ في الأنْعامِ وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هُنا لِلْكافِ مَحْمَلٌ مِنَ الإعْرابِ، وهو النَّصْبُ أيْ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ قالَ: وهَذا كَما تَقُولُ أتَدَبَّرْتَ آخِرَ أمْرِكَ. فَإنِّي صانِعٌ فِيهِ كَذا، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ . انْتَهى. والرَّدُّ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ هَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ لِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى أخْبِرْنِي والثّانِي الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ بَعْدَهُ لِانْعِقادِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا قَبْلَ دُخُولِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ لِذَلِكَ مَذْهَبًا حَسَنًا، إذْ لا يَكُونُ في الكَلامِ إضْمارٌ، وتَلَخَّصَ مِن هَذا كُلِّهِ الكافُ إمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ وهَذا مُبْتَدَأٌ، وإمّا حَرْفُ خِطابٍ وهَذا مَفْعُولٌ بِأرَأيْتَ بِمَعْنًى مَحْذُوفٍ، وهو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ (p-٥٨)أوْ مَذْكُورٍ وهو الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ، ومَعْنى ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ أيْ: أخَّرْتَ مَماتِي وأبْقَيْتَنِي حَيًّا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ﴾ لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ وقالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَأُضِلَّنَّهم. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَأسْتَأْصِلَنَّ، وكَفَرَ إبْلِيسُ بِجَهْلِهِ صِفَةَ العَدْلِ مِنَ اللَّهِ حِينَ لَحِقَتْهُ الأنَفَةُ والكِبْرُ، وظَهَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ إذْ نَصَّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَرَّمَ بِالسُّجُودِ مِنِّي مَن أنا خَيْرٌ مِنهُ، وأقْسَمَ إبْلِيسُ عَلى أنَّهُ يَحْتَنِكُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ وعَلِمَ ذَلِكَ إمّا بِسَماعِهِ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ أوِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] أوْ نَظَرَ إلَيْهِ فَتَوَسَّمَ في مَخايِلِهِ أنَّهُ ذُو شَهْوَةٍ وعَوارِضَ كالغَضَبِ ونَحْوِهِ، ورَأى خِلْقَتَهُ مُجَوَّفَةً مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ، وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَّسَ إلى آدَمَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا فَظَنَّ ذَلِكَ بِذُرِّيَّتِهِ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ قَوْلَ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ وسْوَسَتِهِ لِآدَمَ في أكْلِ الشَّجَرَةِ، واسْتَثْنى القَلِيلَ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّةِ آدَمَ مَن لا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] والأمْرُ بِالذَّهابِ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن نَقِيضِ المَجِيءِ، ولَكِنَّ المَعْنى اذْهَبْ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، وعَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما جَرَّهُ سُوءُ فِعْلِهِ مِن جَزائِهِ وجَزاءِ أتْباعِهِ جَهَنَّمَ، ولَمّا تَقَدَّمَ اسْمٌ غائِبٌ وضَمِيرُ خِطابٍ غَلَبَ الخِطابُ فَقالَ: ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مِن عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والمَوْفُورُ المُكَمَّلُ ووَفَرَ مُتَعَدٍّ كَقَوْلِهِ:
؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عَرْضِهِ يَفْرِهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
ولازِمٌ تَقُولُ: وفَرَ المالُ يَفِرُ وُفُورًا، وانْتَصَبَ ﴿جَزاءً﴾ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ أوْ يُجاوِزُ مُضْمَرَهُ أوْ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ. وقِيلَ: تَمْيِيزٌ ولا يُتَعَقَّلُ ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فاذْهَبْ وعُطِفَ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ، وكُلُّها بِمَعْنى التَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ومَن في ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولَةٌ بِاسْتِفْزِزْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَنِ اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِاسْتَطَعْتَ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ (اسْتَفْزِزْ) ومَفْعُولَ ﴿اسْتَطَعْتَ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ والصَّوْتُ هُنا الدُّعاءُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الغِناءُ والمَزامِيرُ واللَّهْوُ. وقالَ الضَّحّاكُ: صَوْتُ المِزْمارِ، وذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ أنَّ آدَمَ أسْكَنَ ولَدَ هابِيلَ أعْلى الجَبَلِ ووَلَدَ قابِيلَ أسْفَلَهُ. وفِيهِمْ بَناتٌ حِسانٌ، فَزَمَّرَ الشَّيْطانُ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنِ انْحَدَرُوا واقْتَرَنُوا. وقِيلَ: الصَّوْتُ هُنا الوَسْوَسَةُ.
وقَرَأ الحَسَنُ (واجْلُبْ عَلَيْهِمْ) بِوَصْلِ الألِفِ وضَمِّ اللّامِ مِن جَلَبَ ثُلاثِيًّا، والظّاهِرُ أنَّ إبْلِيسَ لَهُ خَيْلٌ ورَجّالَةٌ مِنَ الجِنِّ جِنْسِهِ قالَهُ قَتادَةُ، والخَيْلُ تُطْلَقُ عَلى الأفْراسِ حَقِيقَةً وعَلى أصْحابِها مَجازًا وهُمُ الفُرْسانُ، ومِنهُ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، والباءُ في ﴿بِخَيْلِكَ﴾ قِيلَ: زائِدَةٌ. وقِيلَ: مِنَ الآدَمِيِّينَ أُضِيفُوا إلَيْهِ لِانْخِراطِهِمْ في طاعَتِهِ وكَوْنِهِمْ أعْوانَهم عَلى غَيْرِهِمْ قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ . قِيلَ: هَذا مَجازٌ واسْتِعارَةٌ بِمَعْنى اسْعَ سَعْيَكَ وابْلُغْ جُهْدَكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ خَيْلٌ ولا رَجِلٌ ولا هو مَأْمُورٌ إنَّما هَذا زَجْرٌ واسْتِخْفافٌ بِهِ كَما تَقُولُ لِمَن تُهَدِّدُهُ: اذْهَبْ فاصْنَعْ ما شِئْتَ واسْتَعِنْ بِما شِئْتَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اسْتِفْزازِ إبْلِيسَ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ وارِدٌ مَوْرِدَ التَّمْثِيلِ مُثِّلَتْ حالُهُ في تَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ بِمِغْوارٍ أوْقَعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يَسْتَفِزُّهم مِن أماكِنِهِمْ ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ، وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ ورَجّالَةٍ حَتّى اسْتَأْصَلَهُمُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ورَجْلِكَ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ واحِدُ راجِلٍ كَرَكْبٍ وراكِبٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وحَفْصٍ بِكَسْرِ الجِيمِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ بِمَعْنى الرِّجالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صِفَةٌ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي رَجِلًا أيْ: غَيْرُ راكِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَجِلًا إلّا بِأصْحابِ
وقالَ (p-٥٩)الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ ﴿ورَجِلِكَ﴾ عَلى أنْ فَعِلًا بِمَعْنى فاعِلٍ نَحْوَ تَعِبٍ وتاعِبٍ، ومَعْناهُ وجَمْعُكَ الرَّجُلَ وتُضَمُّ جِيمُهُ أيْضًا فَيَكُونُ مِثْلَ حَدِثَ وحَدُثَ ونَدِسَ ونَدُسَ وأخَواتٌ لَهُما. انْتَهى. وقَرَأ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ ورِجالِكَ. وقُرِئَ ورُجِّلَ لَكَ - بِضَمِّ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ. والمُشارَكَةُ في الأمْوالِ، قالَ الضَّحّاكُ: ما يَذْبَحُونَ لِآلِهَتِهِمْ وقَتادَةُ البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ. وقِيلَ: ما أُصِيبَ مِن مالٍ وحَرامٍ، وقِيلَ: ما جَعَلُوهُ مِن أمْوالِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ، وقِيلَ: ما صُرِفَ في الزِّنا، والأوْلى ما أُخِذَ مِن غَيْرِ حَقِّهِ وما وُضِعَ في غَيْرِ حَقِّهِ والمُشارَكَةُ في الأوْلادِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَسْمِيَتُهم عَبْدَ العُزّى وعَبْدَ اللّاتِ وعَبْدَ الشَّمْسِ وعَبْدَ الحَرْثِ، وعَنْهُ أيْضًا تَرْغِيبُهم في الأدْيانِ الباطِلَةِ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. وعَنْهُ أيْضًا إقْدامُهم عَلى قَتْلِ الأوْلادِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: وما مَجَّسُوهُ وهَوَّدُوهُ ونَصَّرُوهُ وصَبَغُوهم غَيْرَ صِبْغَةِ الإسْلامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَدَمُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الجِماعِ فالجانُّ يَنْطَوِي إذْ ذاكَ عَلى إحْلِيلِهِ فَيُجامِعُ مَعَهُ. وقِيلَ: تَرْغِيبُهم في القِتالِ والقَتْلِ وحِفْظِ الشِّعْرِ المُشْتَمِلِ عَلى الفُحْشِ، والأوْلى أنَّهُ كُلُّ تَصَرُّفٍ في الوَلَدِ يُؤَدِّي إلى ارْتِكابِ مُنْكَرٍ وقَبِيحٍ، وأمّا وعْدُهُ فَهو الوَعْدُ الكاذِبُ كَوَعْدِهِمْ أنْ لا بَعْثَ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ في النُّفُوسِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الكاذِبَةَ مِن شَفاعَةِ الآلِهَةِ والكَرامَةِ عَلى اللَّهِ بِالأنْسابِ الشَّرِيفَةِ، وتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ بِدُونِها، والِاتِّكالِ عَلى الرَّحْمَةِ وشَفاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ في الكَبائِرِ والخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ أنْ يَصِيرُوا حَمِيمًا، وإيثارِ العاجِلِ عَلى الآجِلِ. انْتَهى. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ لا تُغْفَرُ الذُّنُوبُ بِدُونِ التَّوْبَةِ، وبِأنَّهُ لا شَفاعَةَ في الكَبائِرِ، وبِأنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا مَن دَخَلَها مِن فاسِقٍ مُؤْمِنٍ. وانْتَصَبَ ﴿غُرُورًا﴾ وهو مَصْدَرٌ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا غُرُورًا عَلى الوُجُوهِ الَّتِي في رَجُلٍ صَوْمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ (وما يَعِدُكم) ويُمَنِّيكم ما لا يَتِمُّ ولا يَقَعُ إلّا لِأنْ يَغُرَّكم، والإضافَةُ إلَيْهِ تَعالى في ﴿إنَّ عِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، والمَعْنى المُخْتَصِّينَ بِكَوْنِهِمْ ﴿عِبادِي﴾ لا يُضافُونَ إلى غَيْرِي، كَما قالَ في مُقابِلِهِمْ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] و﴿أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء: ٧٦] .
وقِيلَ: ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ إنَّ عِبادِي الصّالِحِينَ، ونَفى السُّلْطانَ وهو الحَجَّةُ والِاقْتِدارُ عَلى إغْوائِهِمْ عَنِ الإيمانِ ويَدُلُّ عَلى لَحْظِ الصِّفَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] . وقالَ الجُبّائِيُّ: ﴿عِبادِي﴾ عامٌّ في المُكَلَّفِينَ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ في آيٍ مَنِ اتَّبَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] واسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ ولا قُدْرَةَ عَلى تَخْلِيطِ العَقْلِ وإنَّما قُدْرَتُهُ عَلى الوَسْوَسَةِ، ولَوْ كانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى ذَلِكَ لَخَبَطَ العُلَماءَ لِيَكُونَ ضَرَرُهُ أتَمَّ، ومَعْنى ﴿وكِيلًا﴾ حافِظًا لِعِبادِهِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مِن إغْواءِ الشَّيْطانِ أوْ ﴿وكِيلًا﴾ يَكِلُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ فَهو حافِظُهم بِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ.
الإسراء 17:63
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ .
(p-٥٧)مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما أنَّهُ لَمّا نازَعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النُّبُوَّةِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ الآياتِ كانَ ذَلِكَ لِكِبْرِهِمْ وحَسَدِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، فَناسَبَ ذِكْرَ قِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإبْلِيسَ حَيْثُ حَمَلَهُ الكِبْرُ والحَسَدُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ السُّجُودِ. والثّانِي أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] بَيَّنَ ما سَبَبُ هَذا الطُّغْيانِ وهو قَوْلُ إبْلِيسَ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ وانْتَصَبَ ﴿طِينًا﴾ عَلى الحالِ قالَهُ الزَّجّاجُ وتَبِعَهُ الحَوْفِيُّ، فَقالَ: مِنَ الهاءِ في خَلَقْتُهُ المَحْذُوفَةِ، والعامِلُ ﴿خَلَقْتَ﴾ والزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: ﴿طِينًا﴾ إمّا مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ فِيهِ ﴿أأسْجُدُ﴾ عَلى آسْجُدُ لَهُ وهو طِينٌ أيْ: أصْلُهُ طِينٌ، أوْ مِنَ الرّاجِعِ إلَيْهِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى آسْجُدُ لِمَن كانَ في وقْتِ خَلْقِهِ ﴿طِينًا﴾ . انْتَهى. وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى. وقالَ أبُو البَقاءِ: والعامِلُ فِيهِ ﴿خَلَقْتَ﴾ يَعْنِي إذا كانَ حالًا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى حَذْفِ مِنَ التَّقْدِيرُ مِن طِينٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، ولا يَظْهَرُ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا، وقَوْلُهُ: ﴿أأسْجُدُ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وما قَبْلَهُ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، وكَأنَّ تَقْدِيرَهُ قالَ: لِمَ لَمْ تَسْجُدْ لِآدَمَ قالَ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ وقالَ آسْجُدُ جُمَلٌ قَدْ ذُكِرَتْ حَيْثُ طُوِّلَتْ قِصَّتُهُ والكافُ في أرَأيْتَكَ لِلْخِطابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ الأنْعامِ ولا يَلْحَقُ كافُ الخِطابِ هَذِهِ إلّا إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، وبِهَذا المَعْنى قَدَّرَها الحَوْفِيُّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِيها والزَّجّاجِ.
قالَ الحَوْفِيُّ: و﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى عَرِّفْنِي وأخْبِرْنِي، وهَذا مَنصُوبٌ بِأرَأيْتَكَ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ، وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، وحُذِفَ هَذا لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ لِلْخِطابِ و﴿هَذا﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ أيْ: فَضَّلْتَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِحَذْفِ ذَلِكَ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والكافُ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ حَرْفُ خِطابٍ ومُبالَغَةٍ في التَّنْبِيهِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ فَهي زائِدَةٌ، ومَعْنى أرَأيْتَ أتَأمَّلْتَ ونَحْوَهُ كانَ المُخاطِبُ بِها يُنَبِّهُ المُخاطَبَ لِيَسْتَجْمِعَ لِما يَنُصُّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ زَيْدًا أيُؤْمِنُ هو. وقالَهُ الزَّجّاجُ ولَمْ يُمَثِّلْ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ كَمِثالِهِ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهي كَما قُلْتُ ولَيْسَتِ الَّتِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ هُنا هو الصَّحِيحُ، ولِذَلِكَ قُدِّرَ الِاسْتِفْهامُ وهو لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ فَقَدِ انْعَقَدَ مِن قَوْلِهِ: هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وصارَ مِثْلَ: زَيْدٌ أيُؤْمِنُ هو دَخَلَتْ عَلَيْهِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ فَعَمِلَتْ في الأوَّلِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ الثّانِي والمُسْتَقِرُّ في أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي أنْ تَدْخُلُ عَلى جُمْلَةٍ ابْتِدائِيَّةٍ يَكُونُ الخَبَرُ اسْتِفْهامًا، فَإنْ صُرِّحَ بِهِ فَذَلِكَ واضِحٌ وإلّا قُدِّرَ. وقَدْ أشْبَعْنا الكَلامَ في الأنْعامِ وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هُنا لِلْكافِ مَحْمَلٌ مِنَ الإعْرابِ، وهو النَّصْبُ أيْ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ قالَ: وهَذا كَما تَقُولُ أتَدَبَّرْتَ آخِرَ أمْرِكَ. فَإنِّي صانِعٌ فِيهِ كَذا، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ . انْتَهى. والرَّدُّ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ هَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ لِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى أخْبِرْنِي والثّانِي الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ بَعْدَهُ لِانْعِقادِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا قَبْلَ دُخُولِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ لِذَلِكَ مَذْهَبًا حَسَنًا، إذْ لا يَكُونُ في الكَلامِ إضْمارٌ، وتَلَخَّصَ مِن هَذا كُلِّهِ الكافُ إمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ وهَذا مُبْتَدَأٌ، وإمّا حَرْفُ خِطابٍ وهَذا مَفْعُولٌ بِأرَأيْتَ بِمَعْنًى مَحْذُوفٍ، وهو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ (p-٥٨)أوْ مَذْكُورٍ وهو الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ، ومَعْنى ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ أيْ: أخَّرْتَ مَماتِي وأبْقَيْتَنِي حَيًّا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ﴾ لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ وقالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَأُضِلَّنَّهم. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَأسْتَأْصِلَنَّ، وكَفَرَ إبْلِيسُ بِجَهْلِهِ صِفَةَ العَدْلِ مِنَ اللَّهِ حِينَ لَحِقَتْهُ الأنَفَةُ والكِبْرُ، وظَهَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ إذْ نَصَّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَرَّمَ بِالسُّجُودِ مِنِّي مَن أنا خَيْرٌ مِنهُ، وأقْسَمَ إبْلِيسُ عَلى أنَّهُ يَحْتَنِكُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ وعَلِمَ ذَلِكَ إمّا بِسَماعِهِ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ أوِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] أوْ نَظَرَ إلَيْهِ فَتَوَسَّمَ في مَخايِلِهِ أنَّهُ ذُو شَهْوَةٍ وعَوارِضَ كالغَضَبِ ونَحْوِهِ، ورَأى خِلْقَتَهُ مُجَوَّفَةً مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ، وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَّسَ إلى آدَمَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا فَظَنَّ ذَلِكَ بِذُرِّيَّتِهِ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ قَوْلَ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ وسْوَسَتِهِ لِآدَمَ في أكْلِ الشَّجَرَةِ، واسْتَثْنى القَلِيلَ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّةِ آدَمَ مَن لا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] والأمْرُ بِالذَّهابِ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن نَقِيضِ المَجِيءِ، ولَكِنَّ المَعْنى اذْهَبْ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، وعَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما جَرَّهُ سُوءُ فِعْلِهِ مِن جَزائِهِ وجَزاءِ أتْباعِهِ جَهَنَّمَ، ولَمّا تَقَدَّمَ اسْمٌ غائِبٌ وضَمِيرُ خِطابٍ غَلَبَ الخِطابُ فَقالَ: ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مِن عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والمَوْفُورُ المُكَمَّلُ ووَفَرَ مُتَعَدٍّ كَقَوْلِهِ:
؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عَرْضِهِ يَفْرِهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
ولازِمٌ تَقُولُ: وفَرَ المالُ يَفِرُ وُفُورًا، وانْتَصَبَ ﴿جَزاءً﴾ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ أوْ يُجاوِزُ مُضْمَرَهُ أوْ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ. وقِيلَ: تَمْيِيزٌ ولا يُتَعَقَّلُ ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فاذْهَبْ وعُطِفَ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ، وكُلُّها بِمَعْنى التَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ومَن في ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولَةٌ بِاسْتِفْزِزْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَنِ اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِاسْتَطَعْتَ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ (اسْتَفْزِزْ) ومَفْعُولَ ﴿اسْتَطَعْتَ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ والصَّوْتُ هُنا الدُّعاءُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الغِناءُ والمَزامِيرُ واللَّهْوُ. وقالَ الضَّحّاكُ: صَوْتُ المِزْمارِ، وذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ أنَّ آدَمَ أسْكَنَ ولَدَ هابِيلَ أعْلى الجَبَلِ ووَلَدَ قابِيلَ أسْفَلَهُ. وفِيهِمْ بَناتٌ حِسانٌ، فَزَمَّرَ الشَّيْطانُ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنِ انْحَدَرُوا واقْتَرَنُوا. وقِيلَ: الصَّوْتُ هُنا الوَسْوَسَةُ.
وقَرَأ الحَسَنُ (واجْلُبْ عَلَيْهِمْ) بِوَصْلِ الألِفِ وضَمِّ اللّامِ مِن جَلَبَ ثُلاثِيًّا، والظّاهِرُ أنَّ إبْلِيسَ لَهُ خَيْلٌ ورَجّالَةٌ مِنَ الجِنِّ جِنْسِهِ قالَهُ قَتادَةُ، والخَيْلُ تُطْلَقُ عَلى الأفْراسِ حَقِيقَةً وعَلى أصْحابِها مَجازًا وهُمُ الفُرْسانُ، ومِنهُ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، والباءُ في ﴿بِخَيْلِكَ﴾ قِيلَ: زائِدَةٌ. وقِيلَ: مِنَ الآدَمِيِّينَ أُضِيفُوا إلَيْهِ لِانْخِراطِهِمْ في طاعَتِهِ وكَوْنِهِمْ أعْوانَهم عَلى غَيْرِهِمْ قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ . قِيلَ: هَذا مَجازٌ واسْتِعارَةٌ بِمَعْنى اسْعَ سَعْيَكَ وابْلُغْ جُهْدَكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ خَيْلٌ ولا رَجِلٌ ولا هو مَأْمُورٌ إنَّما هَذا زَجْرٌ واسْتِخْفافٌ بِهِ كَما تَقُولُ لِمَن تُهَدِّدُهُ: اذْهَبْ فاصْنَعْ ما شِئْتَ واسْتَعِنْ بِما شِئْتَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اسْتِفْزازِ إبْلِيسَ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ وارِدٌ مَوْرِدَ التَّمْثِيلِ مُثِّلَتْ حالُهُ في تَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ بِمِغْوارٍ أوْقَعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يَسْتَفِزُّهم مِن أماكِنِهِمْ ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ، وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ ورَجّالَةٍ حَتّى اسْتَأْصَلَهُمُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ورَجْلِكَ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ واحِدُ راجِلٍ كَرَكْبٍ وراكِبٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وحَفْصٍ بِكَسْرِ الجِيمِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ بِمَعْنى الرِّجالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صِفَةٌ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي رَجِلًا أيْ: غَيْرُ راكِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَجِلًا إلّا بِأصْحابِ
وقالَ (p-٥٩)الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ ﴿ورَجِلِكَ﴾ عَلى أنْ فَعِلًا بِمَعْنى فاعِلٍ نَحْوَ تَعِبٍ وتاعِبٍ، ومَعْناهُ وجَمْعُكَ الرَّجُلَ وتُضَمُّ جِيمُهُ أيْضًا فَيَكُونُ مِثْلَ حَدِثَ وحَدُثَ ونَدِسَ ونَدُسَ وأخَواتٌ لَهُما. انْتَهى. وقَرَأ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ ورِجالِكَ. وقُرِئَ ورُجِّلَ لَكَ - بِضَمِّ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ. والمُشارَكَةُ في الأمْوالِ، قالَ الضَّحّاكُ: ما يَذْبَحُونَ لِآلِهَتِهِمْ وقَتادَةُ البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ. وقِيلَ: ما أُصِيبَ مِن مالٍ وحَرامٍ، وقِيلَ: ما جَعَلُوهُ مِن أمْوالِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ، وقِيلَ: ما صُرِفَ في الزِّنا، والأوْلى ما أُخِذَ مِن غَيْرِ حَقِّهِ وما وُضِعَ في غَيْرِ حَقِّهِ والمُشارَكَةُ في الأوْلادِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَسْمِيَتُهم عَبْدَ العُزّى وعَبْدَ اللّاتِ وعَبْدَ الشَّمْسِ وعَبْدَ الحَرْثِ، وعَنْهُ أيْضًا تَرْغِيبُهم في الأدْيانِ الباطِلَةِ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. وعَنْهُ أيْضًا إقْدامُهم عَلى قَتْلِ الأوْلادِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: وما مَجَّسُوهُ وهَوَّدُوهُ ونَصَّرُوهُ وصَبَغُوهم غَيْرَ صِبْغَةِ الإسْلامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَدَمُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الجِماعِ فالجانُّ يَنْطَوِي إذْ ذاكَ عَلى إحْلِيلِهِ فَيُجامِعُ مَعَهُ. وقِيلَ: تَرْغِيبُهم في القِتالِ والقَتْلِ وحِفْظِ الشِّعْرِ المُشْتَمِلِ عَلى الفُحْشِ، والأوْلى أنَّهُ كُلُّ تَصَرُّفٍ في الوَلَدِ يُؤَدِّي إلى ارْتِكابِ مُنْكَرٍ وقَبِيحٍ، وأمّا وعْدُهُ فَهو الوَعْدُ الكاذِبُ كَوَعْدِهِمْ أنْ لا بَعْثَ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ في النُّفُوسِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الكاذِبَةَ مِن شَفاعَةِ الآلِهَةِ والكَرامَةِ عَلى اللَّهِ بِالأنْسابِ الشَّرِيفَةِ، وتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ بِدُونِها، والِاتِّكالِ عَلى الرَّحْمَةِ وشَفاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ في الكَبائِرِ والخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ أنْ يَصِيرُوا حَمِيمًا، وإيثارِ العاجِلِ عَلى الآجِلِ. انْتَهى. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ لا تُغْفَرُ الذُّنُوبُ بِدُونِ التَّوْبَةِ، وبِأنَّهُ لا شَفاعَةَ في الكَبائِرِ، وبِأنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا مَن دَخَلَها مِن فاسِقٍ مُؤْمِنٍ. وانْتَصَبَ ﴿غُرُورًا﴾ وهو مَصْدَرٌ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا غُرُورًا عَلى الوُجُوهِ الَّتِي في رَجُلٍ صَوْمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ (وما يَعِدُكم) ويُمَنِّيكم ما لا يَتِمُّ ولا يَقَعُ إلّا لِأنْ يَغُرَّكم، والإضافَةُ إلَيْهِ تَعالى في ﴿إنَّ عِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، والمَعْنى المُخْتَصِّينَ بِكَوْنِهِمْ ﴿عِبادِي﴾ لا يُضافُونَ إلى غَيْرِي، كَما قالَ في مُقابِلِهِمْ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] و﴿أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء: ٧٦] .
وقِيلَ: ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ إنَّ عِبادِي الصّالِحِينَ، ونَفى السُّلْطانَ وهو الحَجَّةُ والِاقْتِدارُ عَلى إغْوائِهِمْ عَنِ الإيمانِ ويَدُلُّ عَلى لَحْظِ الصِّفَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] . وقالَ الجُبّائِيُّ: ﴿عِبادِي﴾ عامٌّ في المُكَلَّفِينَ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ في آيٍ مَنِ اتَّبَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] واسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ ولا قُدْرَةَ عَلى تَخْلِيطِ العَقْلِ وإنَّما قُدْرَتُهُ عَلى الوَسْوَسَةِ، ولَوْ كانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى ذَلِكَ لَخَبَطَ العُلَماءَ لِيَكُونَ ضَرَرُهُ أتَمَّ، ومَعْنى ﴿وكِيلًا﴾ حافِظًا لِعِبادِهِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مِن إغْواءِ الشَّيْطانِ أوْ ﴿وكِيلًا﴾ يَكِلُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ فَهو حافِظُهم بِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ.
الإسراء 17:64
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ .
(p-٥٧)مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما أنَّهُ لَمّا نازَعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النُّبُوَّةِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ الآياتِ كانَ ذَلِكَ لِكِبْرِهِمْ وحَسَدِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، فَناسَبَ ذِكْرَ قِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإبْلِيسَ حَيْثُ حَمَلَهُ الكِبْرُ والحَسَدُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ السُّجُودِ. والثّانِي أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] بَيَّنَ ما سَبَبُ هَذا الطُّغْيانِ وهو قَوْلُ إبْلِيسَ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ وانْتَصَبَ ﴿طِينًا﴾ عَلى الحالِ قالَهُ الزَّجّاجُ وتَبِعَهُ الحَوْفِيُّ، فَقالَ: مِنَ الهاءِ في خَلَقْتُهُ المَحْذُوفَةِ، والعامِلُ ﴿خَلَقْتَ﴾ والزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: ﴿طِينًا﴾ إمّا مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ فِيهِ ﴿أأسْجُدُ﴾ عَلى آسْجُدُ لَهُ وهو طِينٌ أيْ: أصْلُهُ طِينٌ، أوْ مِنَ الرّاجِعِ إلَيْهِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى آسْجُدُ لِمَن كانَ في وقْتِ خَلْقِهِ ﴿طِينًا﴾ . انْتَهى. وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى. وقالَ أبُو البَقاءِ: والعامِلُ فِيهِ ﴿خَلَقْتَ﴾ يَعْنِي إذا كانَ حالًا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى حَذْفِ مِنَ التَّقْدِيرُ مِن طِينٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، ولا يَظْهَرُ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا، وقَوْلُهُ: ﴿أأسْجُدُ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وما قَبْلَهُ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، وكَأنَّ تَقْدِيرَهُ قالَ: لِمَ لَمْ تَسْجُدْ لِآدَمَ قالَ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ وقالَ آسْجُدُ جُمَلٌ قَدْ ذُكِرَتْ حَيْثُ طُوِّلَتْ قِصَّتُهُ والكافُ في أرَأيْتَكَ لِلْخِطابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ الأنْعامِ ولا يَلْحَقُ كافُ الخِطابِ هَذِهِ إلّا إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، وبِهَذا المَعْنى قَدَّرَها الحَوْفِيُّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِيها والزَّجّاجِ.
قالَ الحَوْفِيُّ: و﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى عَرِّفْنِي وأخْبِرْنِي، وهَذا مَنصُوبٌ بِأرَأيْتَكَ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ، وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، وحُذِفَ هَذا لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ لِلْخِطابِ و﴿هَذا﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ أيْ: فَضَّلْتَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِحَذْفِ ذَلِكَ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والكافُ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ حَرْفُ خِطابٍ ومُبالَغَةٍ في التَّنْبِيهِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ فَهي زائِدَةٌ، ومَعْنى أرَأيْتَ أتَأمَّلْتَ ونَحْوَهُ كانَ المُخاطِبُ بِها يُنَبِّهُ المُخاطَبَ لِيَسْتَجْمِعَ لِما يَنُصُّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ زَيْدًا أيُؤْمِنُ هو. وقالَهُ الزَّجّاجُ ولَمْ يُمَثِّلْ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ كَمِثالِهِ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهي كَما قُلْتُ ولَيْسَتِ الَّتِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ هُنا هو الصَّحِيحُ، ولِذَلِكَ قُدِّرَ الِاسْتِفْهامُ وهو لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ فَقَدِ انْعَقَدَ مِن قَوْلِهِ: هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وصارَ مِثْلَ: زَيْدٌ أيُؤْمِنُ هو دَخَلَتْ عَلَيْهِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ فَعَمِلَتْ في الأوَّلِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ الثّانِي والمُسْتَقِرُّ في أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي أنْ تَدْخُلُ عَلى جُمْلَةٍ ابْتِدائِيَّةٍ يَكُونُ الخَبَرُ اسْتِفْهامًا، فَإنْ صُرِّحَ بِهِ فَذَلِكَ واضِحٌ وإلّا قُدِّرَ. وقَدْ أشْبَعْنا الكَلامَ في الأنْعامِ وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هُنا لِلْكافِ مَحْمَلٌ مِنَ الإعْرابِ، وهو النَّصْبُ أيْ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ قالَ: وهَذا كَما تَقُولُ أتَدَبَّرْتَ آخِرَ أمْرِكَ. فَإنِّي صانِعٌ فِيهِ كَذا، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ . انْتَهى. والرَّدُّ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ هَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ لِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى أخْبِرْنِي والثّانِي الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ بَعْدَهُ لِانْعِقادِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا قَبْلَ دُخُولِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ لِذَلِكَ مَذْهَبًا حَسَنًا، إذْ لا يَكُونُ في الكَلامِ إضْمارٌ، وتَلَخَّصَ مِن هَذا كُلِّهِ الكافُ إمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ وهَذا مُبْتَدَأٌ، وإمّا حَرْفُ خِطابٍ وهَذا مَفْعُولٌ بِأرَأيْتَ بِمَعْنًى مَحْذُوفٍ، وهو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ (p-٥٨)أوْ مَذْكُورٍ وهو الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ، ومَعْنى ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ أيْ: أخَّرْتَ مَماتِي وأبْقَيْتَنِي حَيًّا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ﴾ لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ وقالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَأُضِلَّنَّهم. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَأسْتَأْصِلَنَّ، وكَفَرَ إبْلِيسُ بِجَهْلِهِ صِفَةَ العَدْلِ مِنَ اللَّهِ حِينَ لَحِقَتْهُ الأنَفَةُ والكِبْرُ، وظَهَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ إذْ نَصَّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَرَّمَ بِالسُّجُودِ مِنِّي مَن أنا خَيْرٌ مِنهُ، وأقْسَمَ إبْلِيسُ عَلى أنَّهُ يَحْتَنِكُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ وعَلِمَ ذَلِكَ إمّا بِسَماعِهِ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ أوِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] أوْ نَظَرَ إلَيْهِ فَتَوَسَّمَ في مَخايِلِهِ أنَّهُ ذُو شَهْوَةٍ وعَوارِضَ كالغَضَبِ ونَحْوِهِ، ورَأى خِلْقَتَهُ مُجَوَّفَةً مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ، وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَّسَ إلى آدَمَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا فَظَنَّ ذَلِكَ بِذُرِّيَّتِهِ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ قَوْلَ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ وسْوَسَتِهِ لِآدَمَ في أكْلِ الشَّجَرَةِ، واسْتَثْنى القَلِيلَ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّةِ آدَمَ مَن لا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] والأمْرُ بِالذَّهابِ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن نَقِيضِ المَجِيءِ، ولَكِنَّ المَعْنى اذْهَبْ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، وعَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما جَرَّهُ سُوءُ فِعْلِهِ مِن جَزائِهِ وجَزاءِ أتْباعِهِ جَهَنَّمَ، ولَمّا تَقَدَّمَ اسْمٌ غائِبٌ وضَمِيرُ خِطابٍ غَلَبَ الخِطابُ فَقالَ: ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مِن عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والمَوْفُورُ المُكَمَّلُ ووَفَرَ مُتَعَدٍّ كَقَوْلِهِ:
؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عَرْضِهِ يَفْرِهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
ولازِمٌ تَقُولُ: وفَرَ المالُ يَفِرُ وُفُورًا، وانْتَصَبَ ﴿جَزاءً﴾ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ أوْ يُجاوِزُ مُضْمَرَهُ أوْ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ. وقِيلَ: تَمْيِيزٌ ولا يُتَعَقَّلُ ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فاذْهَبْ وعُطِفَ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ، وكُلُّها بِمَعْنى التَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ومَن في ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولَةٌ بِاسْتِفْزِزْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَنِ اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِاسْتَطَعْتَ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ (اسْتَفْزِزْ) ومَفْعُولَ ﴿اسْتَطَعْتَ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ والصَّوْتُ هُنا الدُّعاءُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الغِناءُ والمَزامِيرُ واللَّهْوُ. وقالَ الضَّحّاكُ: صَوْتُ المِزْمارِ، وذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ أنَّ آدَمَ أسْكَنَ ولَدَ هابِيلَ أعْلى الجَبَلِ ووَلَدَ قابِيلَ أسْفَلَهُ. وفِيهِمْ بَناتٌ حِسانٌ، فَزَمَّرَ الشَّيْطانُ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنِ انْحَدَرُوا واقْتَرَنُوا. وقِيلَ: الصَّوْتُ هُنا الوَسْوَسَةُ.
وقَرَأ الحَسَنُ (واجْلُبْ عَلَيْهِمْ) بِوَصْلِ الألِفِ وضَمِّ اللّامِ مِن جَلَبَ ثُلاثِيًّا، والظّاهِرُ أنَّ إبْلِيسَ لَهُ خَيْلٌ ورَجّالَةٌ مِنَ الجِنِّ جِنْسِهِ قالَهُ قَتادَةُ، والخَيْلُ تُطْلَقُ عَلى الأفْراسِ حَقِيقَةً وعَلى أصْحابِها مَجازًا وهُمُ الفُرْسانُ، ومِنهُ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، والباءُ في ﴿بِخَيْلِكَ﴾ قِيلَ: زائِدَةٌ. وقِيلَ: مِنَ الآدَمِيِّينَ أُضِيفُوا إلَيْهِ لِانْخِراطِهِمْ في طاعَتِهِ وكَوْنِهِمْ أعْوانَهم عَلى غَيْرِهِمْ قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ . قِيلَ: هَذا مَجازٌ واسْتِعارَةٌ بِمَعْنى اسْعَ سَعْيَكَ وابْلُغْ جُهْدَكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ خَيْلٌ ولا رَجِلٌ ولا هو مَأْمُورٌ إنَّما هَذا زَجْرٌ واسْتِخْفافٌ بِهِ كَما تَقُولُ لِمَن تُهَدِّدُهُ: اذْهَبْ فاصْنَعْ ما شِئْتَ واسْتَعِنْ بِما شِئْتَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اسْتِفْزازِ إبْلِيسَ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ وارِدٌ مَوْرِدَ التَّمْثِيلِ مُثِّلَتْ حالُهُ في تَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ بِمِغْوارٍ أوْقَعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يَسْتَفِزُّهم مِن أماكِنِهِمْ ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ، وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ ورَجّالَةٍ حَتّى اسْتَأْصَلَهُمُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ورَجْلِكَ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ واحِدُ راجِلٍ كَرَكْبٍ وراكِبٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وحَفْصٍ بِكَسْرِ الجِيمِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ بِمَعْنى الرِّجالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صِفَةٌ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي رَجِلًا أيْ: غَيْرُ راكِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَجِلًا إلّا بِأصْحابِ
وقالَ (p-٥٩)الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ ﴿ورَجِلِكَ﴾ عَلى أنْ فَعِلًا بِمَعْنى فاعِلٍ نَحْوَ تَعِبٍ وتاعِبٍ، ومَعْناهُ وجَمْعُكَ الرَّجُلَ وتُضَمُّ جِيمُهُ أيْضًا فَيَكُونُ مِثْلَ حَدِثَ وحَدُثَ ونَدِسَ ونَدُسَ وأخَواتٌ لَهُما. انْتَهى. وقَرَأ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ ورِجالِكَ. وقُرِئَ ورُجِّلَ لَكَ - بِضَمِّ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ. والمُشارَكَةُ في الأمْوالِ، قالَ الضَّحّاكُ: ما يَذْبَحُونَ لِآلِهَتِهِمْ وقَتادَةُ البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ. وقِيلَ: ما أُصِيبَ مِن مالٍ وحَرامٍ، وقِيلَ: ما جَعَلُوهُ مِن أمْوالِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ، وقِيلَ: ما صُرِفَ في الزِّنا، والأوْلى ما أُخِذَ مِن غَيْرِ حَقِّهِ وما وُضِعَ في غَيْرِ حَقِّهِ والمُشارَكَةُ في الأوْلادِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَسْمِيَتُهم عَبْدَ العُزّى وعَبْدَ اللّاتِ وعَبْدَ الشَّمْسِ وعَبْدَ الحَرْثِ، وعَنْهُ أيْضًا تَرْغِيبُهم في الأدْيانِ الباطِلَةِ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. وعَنْهُ أيْضًا إقْدامُهم عَلى قَتْلِ الأوْلادِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: وما مَجَّسُوهُ وهَوَّدُوهُ ونَصَّرُوهُ وصَبَغُوهم غَيْرَ صِبْغَةِ الإسْلامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَدَمُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الجِماعِ فالجانُّ يَنْطَوِي إذْ ذاكَ عَلى إحْلِيلِهِ فَيُجامِعُ مَعَهُ. وقِيلَ: تَرْغِيبُهم في القِتالِ والقَتْلِ وحِفْظِ الشِّعْرِ المُشْتَمِلِ عَلى الفُحْشِ، والأوْلى أنَّهُ كُلُّ تَصَرُّفٍ في الوَلَدِ يُؤَدِّي إلى ارْتِكابِ مُنْكَرٍ وقَبِيحٍ، وأمّا وعْدُهُ فَهو الوَعْدُ الكاذِبُ كَوَعْدِهِمْ أنْ لا بَعْثَ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ في النُّفُوسِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الكاذِبَةَ مِن شَفاعَةِ الآلِهَةِ والكَرامَةِ عَلى اللَّهِ بِالأنْسابِ الشَّرِيفَةِ، وتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ بِدُونِها، والِاتِّكالِ عَلى الرَّحْمَةِ وشَفاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ في الكَبائِرِ والخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ أنْ يَصِيرُوا حَمِيمًا، وإيثارِ العاجِلِ عَلى الآجِلِ. انْتَهى. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ لا تُغْفَرُ الذُّنُوبُ بِدُونِ التَّوْبَةِ، وبِأنَّهُ لا شَفاعَةَ في الكَبائِرِ، وبِأنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا مَن دَخَلَها مِن فاسِقٍ مُؤْمِنٍ. وانْتَصَبَ ﴿غُرُورًا﴾ وهو مَصْدَرٌ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا غُرُورًا عَلى الوُجُوهِ الَّتِي في رَجُلٍ صَوْمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ (وما يَعِدُكم) ويُمَنِّيكم ما لا يَتِمُّ ولا يَقَعُ إلّا لِأنْ يَغُرَّكم، والإضافَةُ إلَيْهِ تَعالى في ﴿إنَّ عِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، والمَعْنى المُخْتَصِّينَ بِكَوْنِهِمْ ﴿عِبادِي﴾ لا يُضافُونَ إلى غَيْرِي، كَما قالَ في مُقابِلِهِمْ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] و﴿أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء: ٧٦] .
وقِيلَ: ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ إنَّ عِبادِي الصّالِحِينَ، ونَفى السُّلْطانَ وهو الحَجَّةُ والِاقْتِدارُ عَلى إغْوائِهِمْ عَنِ الإيمانِ ويَدُلُّ عَلى لَحْظِ الصِّفَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] . وقالَ الجُبّائِيُّ: ﴿عِبادِي﴾ عامٌّ في المُكَلَّفِينَ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ في آيٍ مَنِ اتَّبَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] واسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ ولا قُدْرَةَ عَلى تَخْلِيطِ العَقْلِ وإنَّما قُدْرَتُهُ عَلى الوَسْوَسَةِ، ولَوْ كانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى ذَلِكَ لَخَبَطَ العُلَماءَ لِيَكُونَ ضَرَرُهُ أتَمَّ، ومَعْنى ﴿وكِيلًا﴾ حافِظًا لِعِبادِهِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مِن إغْواءِ الشَّيْطانِ أوْ ﴿وكِيلًا﴾ يَكِلُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ فَهو حافِظُهم بِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ.
الإسراء 17:65
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ .
(p-٥٧)مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما أنَّهُ لَمّا نازَعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النُّبُوَّةِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ الآياتِ كانَ ذَلِكَ لِكِبْرِهِمْ وحَسَدِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، فَناسَبَ ذِكْرَ قِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإبْلِيسَ حَيْثُ حَمَلَهُ الكِبْرُ والحَسَدُ عَلى الِامْتِناعِ مِنَ السُّجُودِ. والثّانِي أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] بَيَّنَ ما سَبَبُ هَذا الطُّغْيانِ وهو قَوْلُ إبْلِيسَ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ وانْتَصَبَ ﴿طِينًا﴾ عَلى الحالِ قالَهُ الزَّجّاجُ وتَبِعَهُ الحَوْفِيُّ، فَقالَ: مِنَ الهاءِ في خَلَقْتُهُ المَحْذُوفَةِ، والعامِلُ ﴿خَلَقْتَ﴾ والزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: ﴿طِينًا﴾ إمّا مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ فِيهِ ﴿أأسْجُدُ﴾ عَلى آسْجُدُ لَهُ وهو طِينٌ أيْ: أصْلُهُ طِينٌ، أوْ مِنَ الرّاجِعِ إلَيْهِ مِنَ الصِّلَةِ عَلى آسْجُدُ لِمَن كانَ في وقْتِ خَلْقِهِ ﴿طِينًا﴾ . انْتَهى. وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى. وقالَ أبُو البَقاءِ: والعامِلُ فِيهِ ﴿خَلَقْتَ﴾ يَعْنِي إذا كانَ حالًا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى حَذْفِ مِنَ التَّقْدِيرُ مِن طِينٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وأجازَ الزَّجّاجُ أيْضًا وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، ولا يَظْهَرُ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا، وقَوْلُهُ: ﴿أأسْجُدُ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وما قَبْلَهُ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، وكَأنَّ تَقْدِيرَهُ قالَ: لِمَ لَمْ تَسْجُدْ لِآدَمَ قالَ: ﴿أأسْجُدُ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ وقالَ آسْجُدُ جُمَلٌ قَدْ ذُكِرَتْ حَيْثُ طُوِّلَتْ قِصَّتُهُ والكافُ في أرَأيْتَكَ لِلْخِطابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ الأنْعامِ ولا يَلْحَقُ كافُ الخِطابِ هَذِهِ إلّا إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، وبِهَذا المَعْنى قَدَّرَها الحَوْفِيُّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِيها والزَّجّاجِ.
قالَ الحَوْفِيُّ: و﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى عَرِّفْنِي وأخْبِرْنِي، وهَذا مَنصُوبٌ بِأرَأيْتَكَ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ، وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، وحُذِفَ هَذا لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ لِلْخِطابِ و﴿هَذا﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ أيْ: فَضَّلْتَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وأنا خَيْرٌ مِنهُ، فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِحَذْفِ ذَلِكَ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والكافُ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ حَرْفُ خِطابٍ ومُبالَغَةٍ في التَّنْبِيهِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ فَهي زائِدَةٌ، ومَعْنى أرَأيْتَ أتَأمَّلْتَ ونَحْوَهُ كانَ المُخاطِبُ بِها يُنَبِّهُ المُخاطَبَ لِيَسْتَجْمِعَ لِما يَنُصُّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي بِمَعْنى أخْبِرْنِي، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ زَيْدًا أيُؤْمِنُ هو. وقالَهُ الزَّجّاجُ ولَمْ يُمَثِّلْ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ كَمِثالِهِ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهي كَما قُلْتُ ولَيْسَتِ الَّتِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ هُنا هو الصَّحِيحُ، ولِذَلِكَ قُدِّرَ الِاسْتِفْهامُ وهو لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ فَقَدِ انْعَقَدَ مِن قَوْلِهِ: هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وصارَ مِثْلَ: زَيْدٌ أيُؤْمِنُ هو دَخَلَتْ عَلَيْهِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ فَعَمِلَتْ في الأوَّلِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ الثّانِي والمُسْتَقِرُّ في أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي أنْ تَدْخُلُ عَلى جُمْلَةٍ ابْتِدائِيَّةٍ يَكُونُ الخَبَرُ اسْتِفْهامًا، فَإنْ صُرِّحَ بِهِ فَذَلِكَ واضِحٌ وإلّا قُدِّرَ. وقَدْ أشْبَعْنا الكَلامَ في الأنْعامِ وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هُنا لِلْكافِ مَحْمَلٌ مِنَ الإعْرابِ، وهو النَّصْبُ أيْ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ قالَ: وهَذا كَما تَقُولُ أتَدَبَّرْتَ آخِرَ أمْرِكَ. فَإنِّي صانِعٌ فِيهِ كَذا، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ . انْتَهى. والرَّدُّ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنَّ هَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ لِقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ بِمَعْنى أخْبِرْنِي والثّانِي الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ بَعْدَهُ لِانْعِقادِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا قَبْلَ دُخُولِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ لِذَلِكَ مَذْهَبًا حَسَنًا، إذْ لا يَكُونُ في الكَلامِ إضْمارٌ، وتَلَخَّصَ مِن هَذا كُلِّهِ الكافُ إمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ وهَذا مُبْتَدَأٌ، وإمّا حَرْفُ خِطابٍ وهَذا مَفْعُولٌ بِأرَأيْتَ بِمَعْنًى مَحْذُوفٍ، وهو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ (p-٥٨)أوْ مَذْكُورٍ وهو الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ، ومَعْنى ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي﴾ أيْ: أخَّرْتَ مَماتِي وأبْقَيْتَنِي حَيًّا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ﴾ لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ وقالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَأُضِلَّنَّهم. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَأسْتَأْصِلَنَّ، وكَفَرَ إبْلِيسُ بِجَهْلِهِ صِفَةَ العَدْلِ مِنَ اللَّهِ حِينَ لَحِقَتْهُ الأنَفَةُ والكِبْرُ، وظَهَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ إذْ نَصَّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُكَرَّمَ بِالسُّجُودِ مِنِّي مَن أنا خَيْرٌ مِنهُ، وأقْسَمَ إبْلِيسُ عَلى أنَّهُ يَحْتَنِكُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ وعَلِمَ ذَلِكَ إمّا بِسَماعِهِ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ أوِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] أوْ نَظَرَ إلَيْهِ فَتَوَسَّمَ في مَخايِلِهِ أنَّهُ ذُو شَهْوَةٍ وعَوارِضَ كالغَضَبِ ونَحْوِهِ، ورَأى خِلْقَتَهُ مُجَوَّفَةً مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ، وقالَ الحَسَنُ: ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَّسَ إلى آدَمَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا فَظَنَّ ذَلِكَ بِذُرِّيَّتِهِ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ قَوْلَ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ وسْوَسَتِهِ لِآدَمَ في أكْلِ الشَّجَرَةِ، واسْتَثْنى القَلِيلَ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّةِ آدَمَ مَن لا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] والأمْرُ بِالذَّهابِ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ مِن نَقِيضِ المَجِيءِ، ولَكِنَّ المَعْنى اذْهَبْ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، وعَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما جَرَّهُ سُوءُ فِعْلِهِ مِن جَزائِهِ وجَزاءِ أتْباعِهِ جَهَنَّمَ، ولَمّا تَقَدَّمَ اسْمٌ غائِبٌ وضَمِيرُ خِطابٍ غَلَبَ الخِطابُ فَقالَ: ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مِن عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والمَوْفُورُ المُكَمَّلُ ووَفَرَ مُتَعَدٍّ كَقَوْلِهِ:
؎ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عَرْضِهِ يَفْرِهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
ولازِمٌ تَقُولُ: وفَرَ المالُ يَفِرُ وُفُورًا، وانْتَصَبَ ﴿جَزاءً﴾ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ أوْ يُجاوِزُ مُضْمَرَهُ أوْ عَلى الحالِ المُوَطِّئَةِ. وقِيلَ: تَمْيِيزٌ ولا يُتَعَقَّلُ ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فاذْهَبْ وعُطِفَ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ، وكُلُّها بِمَعْنى التَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ومَن في ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَوْصُولَةٌ مَفْعُولَةٌ بِاسْتِفْزِزْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ مَنِ اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِاسْتَطَعْتَ، وهَذا لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ (اسْتَفْزِزْ) ومَفْعُولَ ﴿اسْتَطَعْتَ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ أنْ تَسْتَفِزَّهُ والصَّوْتُ هُنا الدُّعاءُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الغِناءُ والمَزامِيرُ واللَّهْوُ. وقالَ الضَّحّاكُ: صَوْتُ المِزْمارِ، وذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ أنَّ آدَمَ أسْكَنَ ولَدَ هابِيلَ أعْلى الجَبَلِ ووَلَدَ قابِيلَ أسْفَلَهُ. وفِيهِمْ بَناتٌ حِسانٌ، فَزَمَّرَ الشَّيْطانُ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنِ انْحَدَرُوا واقْتَرَنُوا. وقِيلَ: الصَّوْتُ هُنا الوَسْوَسَةُ.
وقَرَأ الحَسَنُ (واجْلُبْ عَلَيْهِمْ) بِوَصْلِ الألِفِ وضَمِّ اللّامِ مِن جَلَبَ ثُلاثِيًّا، والظّاهِرُ أنَّ إبْلِيسَ لَهُ خَيْلٌ ورَجّالَةٌ مِنَ الجِنِّ جِنْسِهِ قالَهُ قَتادَةُ، والخَيْلُ تُطْلَقُ عَلى الأفْراسِ حَقِيقَةً وعَلى أصْحابِها مَجازًا وهُمُ الفُرْسانُ، ومِنهُ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، والباءُ في ﴿بِخَيْلِكَ﴾ قِيلَ: زائِدَةٌ. وقِيلَ: مِنَ الآدَمِيِّينَ أُضِيفُوا إلَيْهِ لِانْخِراطِهِمْ في طاعَتِهِ وكَوْنِهِمْ أعْوانَهم عَلى غَيْرِهِمْ قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ . قِيلَ: هَذا مَجازٌ واسْتِعارَةٌ بِمَعْنى اسْعَ سَعْيَكَ وابْلُغْ جُهْدَكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ خَيْلٌ ولا رَجِلٌ ولا هو مَأْمُورٌ إنَّما هَذا زَجْرٌ واسْتِخْفافٌ بِهِ كَما تَقُولُ لِمَن تُهَدِّدُهُ: اذْهَبْ فاصْنَعْ ما شِئْتَ واسْتَعِنْ بِما شِئْتَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اسْتِفْزازِ إبْلِيسَ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ وارِدٌ مَوْرِدَ التَّمْثِيلِ مُثِّلَتْ حالُهُ في تَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ بِمِغْوارٍ أوْقَعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يَسْتَفِزُّهم مِن أماكِنِهِمْ ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ، وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ ورَجّالَةٍ حَتّى اسْتَأْصَلَهُمُ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ورَجْلِكَ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ واحِدُ راجِلٍ كَرَكْبٍ وراكِبٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وحَفْصٍ بِكَسْرِ الجِيمِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ بِمَعْنى الرِّجالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي صِفَةٌ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي رَجِلًا أيْ: غَيْرُ راكِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَجِلًا إلّا بِأصْحابِ
وقالَ (p-٥٩)الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ ﴿ورَجِلِكَ﴾ عَلى أنْ فَعِلًا بِمَعْنى فاعِلٍ نَحْوَ تَعِبٍ وتاعِبٍ، ومَعْناهُ وجَمْعُكَ الرَّجُلَ وتُضَمُّ جِيمُهُ أيْضًا فَيَكُونُ مِثْلَ حَدِثَ وحَدُثَ ونَدِسَ ونَدُسَ وأخَواتٌ لَهُما. انْتَهى. وقَرَأ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ ورِجالِكَ. وقُرِئَ ورُجِّلَ لَكَ - بِضَمِّ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ. والمُشارَكَةُ في الأمْوالِ، قالَ الضَّحّاكُ: ما يَذْبَحُونَ لِآلِهَتِهِمْ وقَتادَةُ البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ. وقِيلَ: ما أُصِيبَ مِن مالٍ وحَرامٍ، وقِيلَ: ما جَعَلُوهُ مِن أمْوالِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ، وقِيلَ: ما صُرِفَ في الزِّنا، والأوْلى ما أُخِذَ مِن غَيْرِ حَقِّهِ وما وُضِعَ في غَيْرِ حَقِّهِ والمُشارَكَةُ في الأوْلادِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَسْمِيَتُهم عَبْدَ العُزّى وعَبْدَ اللّاتِ وعَبْدَ الشَّمْسِ وعَبْدَ الحَرْثِ، وعَنْهُ أيْضًا تَرْغِيبُهم في الأدْيانِ الباطِلَةِ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. وعَنْهُ أيْضًا إقْدامُهم عَلى قَتْلِ الأوْلادِ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: وما مَجَّسُوهُ وهَوَّدُوهُ ونَصَّرُوهُ وصَبَغُوهم غَيْرَ صِبْغَةِ الإسْلامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَدَمُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الجِماعِ فالجانُّ يَنْطَوِي إذْ ذاكَ عَلى إحْلِيلِهِ فَيُجامِعُ مَعَهُ. وقِيلَ: تَرْغِيبُهم في القِتالِ والقَتْلِ وحِفْظِ الشِّعْرِ المُشْتَمِلِ عَلى الفُحْشِ، والأوْلى أنَّهُ كُلُّ تَصَرُّفٍ في الوَلَدِ يُؤَدِّي إلى ارْتِكابِ مُنْكَرٍ وقَبِيحٍ، وأمّا وعْدُهُ فَهو الوَعْدُ الكاذِبُ كَوَعْدِهِمْ أنْ لا بَعْثَ وهَذِهِ مُشارَكَةٌ في النُّفُوسِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الكاذِبَةَ مِن شَفاعَةِ الآلِهَةِ والكَرامَةِ عَلى اللَّهِ بِالأنْسابِ الشَّرِيفَةِ، وتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ بِدُونِها، والِاتِّكالِ عَلى الرَّحْمَةِ وشَفاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ في الكَبائِرِ والخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ أنْ يَصِيرُوا حَمِيمًا، وإيثارِ العاجِلِ عَلى الآجِلِ. انْتَهى. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ لا تُغْفَرُ الذُّنُوبُ بِدُونِ التَّوْبَةِ، وبِأنَّهُ لا شَفاعَةَ في الكَبائِرِ، وبِأنَّهُ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا مَن دَخَلَها مِن فاسِقٍ مُؤْمِنٍ. وانْتَصَبَ ﴿غُرُورًا﴾ وهو مَصْدَرٌ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وعْدًا غُرُورًا عَلى الوُجُوهِ الَّتِي في رَجُلٍ صَوْمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ (وما يَعِدُكم) ويُمَنِّيكم ما لا يَتِمُّ ولا يَقَعُ إلّا لِأنْ يَغُرَّكم، والإضافَةُ إلَيْهِ تَعالى في ﴿إنَّ عِبادِي﴾ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، والمَعْنى المُخْتَصِّينَ بِكَوْنِهِمْ ﴿عِبادِي﴾ لا يُضافُونَ إلى غَيْرِي، كَما قالَ في مُقابِلِهِمْ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] و﴿أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء: ٧٦] .
وقِيلَ: ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ إنَّ عِبادِي الصّالِحِينَ، ونَفى السُّلْطانَ وهو الحَجَّةُ والِاقْتِدارُ عَلى إغْوائِهِمْ عَنِ الإيمانِ ويَدُلُّ عَلى لَحْظِ الصِّفَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] . وقالَ الجُبّائِيُّ: ﴿عِبادِي﴾ عامٌّ في المُكَلَّفِينَ، ولِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ في آيٍ مَنِ اتَّبَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] واسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ ولا قُدْرَةَ عَلى تَخْلِيطِ العَقْلِ وإنَّما قُدْرَتُهُ عَلى الوَسْوَسَةِ، ولَوْ كانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى ذَلِكَ لَخَبَطَ العُلَماءَ لِيَكُونَ ضَرَرُهُ أتَمَّ، ومَعْنى ﴿وكِيلًا﴾ حافِظًا لِعِبادِهِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مِن إغْواءِ الشَّيْطانِ أوْ ﴿وكِيلًا﴾ يَكِلُونَ أُمُورَهم إلَيْهِ فَهو حافِظُهم بِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ.
الإسراء 17:66
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى وصْفَ المُشْرِكِينَ في اعْتِقادِهِمْ آلِهَتَهم وأنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ مَعَ (p-٦٠)آدَمَ، وتَمْكِينِهِ مِن وسْوَسَةِ ذُرِّيَّتِهِ وتَسْوِيلِهِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ مِن أفْعالِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وأنَّهُ هو النّافِعُ الضّارُّ المُتَصَرِّفُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ، فَذَكَرَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ بَحْرًا وبَرًّا، وأنَّهُ تَعالى مُتَمَكِّنٌ بِقُدْرَتِهِ مِمّا يُرِيدُهُ. وإزْجاءُ الفُلْكِ سَوْقُها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ بِالرِّيحِ اللَّيِّنَةِ والمَجادِيفِ، وذَلِكَ مِن رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ، وابْتِغاءُ الفَضْلِ طَلَبُ التِّجارَةِ أوِ الحَجُّ فِيهِ أوِ الغَزْوُ. والضُّرُّ في البَحْرِ الخَوْفُ مِنَ الغَرَقِ بِاضْطِرابِهِ وعَصْفِ الرِّيحِ، ومَعْنى (ضَلَّ) ذَهَبَ عَنْ أوْهامِكم مَن تَدْعُونَهُ إلَهًا فَيَشْفَعُ أوْ يَنْفَعُ، أوْ (ضَلَّ) مَن تَعْبُدُونَهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ فَتُفْرِدُونَهُ إذْ ذاكَ بِالِالتِجاءِ إلَيْهِ والِاعْتِقادِ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو ولا يَرْجُونَ لِكَشْفِ الضُّرِّ غَيْرَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم إذْ كُشِفَ عَنْهم مِن إعْراضِهِمْ عَنْهُ وكُفْرانِهِمْ نِعْمَةَ إنْجائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ، وجاءَتْ صِفَةُ (كَفُورًا) دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ، ثُمَّ لَمْ يُخاطِبْهم بِذَلِكَ بَلْ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى الإنْسانِ لُطْفًا بِهِمْ وإحالَةً عَلى الجِنْسِ إذْ كُلُّ أحَدٍ لا يَكادُ يُؤَدِّي شُكْرَ نِعَمِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكُفّارُ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا إيّاهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن تَدْعُونَ﴾ إذِ المَعْنى ضَلَّتْ آلِهَتُهم أيْ: مَعْبُوداتُهم وهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ وهَذا عَلى مَعْنى ضَلَّ مَن يَلْجَئُونَ إلَيْهِ، وهم كانُوا يَلْجَئُونَ في بَعْضِ أُمُورِهِمْ إلى مَعْبُوداتِهِمْ، وفي هَذِهِ الحالَةِ لا يَلْجَئُونَ إلّا إلى اللَّهِ والهَمْزَةُ في ﴿أفَأمِنتُمْ﴾ لِلْإنْكارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في دَعْواهُ أنَّ الفاءَ والواوَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ، وأنَّ مَذْهَبَ الجَماعَةِ أنْ لا مَحْذُوفَ هُناكَ، وأنَّ الفاءَ والواوَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها وأنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِكَوْنِها لَها صَدْرُ الكَلامِ فَقُدِّمَتْ والنِّيَّةُ التَّأْخِيرُ، وأنَّ التَّقْدِيرَ فَأمِنتُمْ. وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، والخِطابُ لِلسّابِقِ ذِكْرُهم أيْ أفَأمِنتُمْ أيُّها النّاجُونَ المُعْرِضُونَ عَنْ صُنْعِ اللَّهِ الَّذِي نَجّاكم، وانْتَصَبَ ﴿جانِبَ﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِنَخْسِفَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] والمَعْنى أنْ نُغَيِّرَهُ بِكم فَتَهْلَكُونَ بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ نَقْلِبَهُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، ولَمّا كانَ الخَسْفُ تَغْيِيبًا في التُّرابِ قالَ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ و﴿بِكُمْ﴾ حالٌ أيْ: نَخْسِفُ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَصْحُوبًا بِكم. وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِ أيْ: بِسَبَبِكم، ويَكُونُ المَعْنى ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، فَيَحْصُلُ بِخَسْفِهِ إهْلاكُهم وإلّا فَلا يَلْزَمُ مِن خَسْفِ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ بِسَبَبِهِمْ إهْلاكُهم.
قالَ قَتادَةُ: الحاصِبُ الحِجارَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: رامٍ يَرْمِيكم بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلِ، والمَعْنى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى بالِغَةٌ، فَإنْ كانَ نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ وكَفَرْتُمْ نِعْمَتَهُ فَلا تَأْمَنُوا إهْلاكَهُ إيّاكم وأنْتُمْ في البَرِّ، إمّا بِأمْرٍ يَكُونُ مِن تَحْتِكم وهو تَغْوِيرُ الأرْضِ بِكم، أوْ مِن فَوْقِكم بِإرْسالِ حاصِبٍ عَلَيْكم، وهَذِهِ الغايَةُ في تَمَكُّنِ القُدْرَةِ ثُمَّ ﴿لا تَجِدُوا﴾ عِنْدَ حُلُولِ أحَدِ هَذَيْنِ بِكم مَن تَكِلُونَ أُمُورَكم إلَيْهِ فَيَتَوَكَّلُ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْكم. و﴿أمْ﴾ في ﴿أمْ أمِنتُمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ ﴿أمِنتُمْ﴾ والضَّمِيرُ في ﴿فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى البَحْرِ، وانْتَصَبَ تارَةً عَلى الظَّرْفِ أيْ: وقْتًا غَيْرَ الوَقْتِ الأوَّلِ، والباءُ في ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ السّابِقِ مِنكم، والوَقْتُ الأوَّلُ الَّذِي نَجّاكم فِيهِ أوْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الَّذِي هو دَأْبُكم دائِمًا.
والضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ فَنُغْرِقَكم، إذْ هو أقْرَبُ مَذْكُورٍ وهو نَتِيجَةُ الإرْسالِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الإرْسالِ، وقِيلَ: عَلَيْهِما فَيَكُونُ كاسْمِ الإشارَةِ، والمَعْنى بِما وقَعَ مِنَ الإرْسالِ والإغْراقِ. والتَّبِيعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّصِيرُ، وقالَ الفَرّاءُ: طالِبُ الثَّأْرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُطالِبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَن يُتْبِعُ بِالإنْكارِ ما نَزَلَ بِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاها ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٤] وفي الحَدِيثِ: «إذا أُتْبِعَ أحَدُكم عَلى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . وقالَ الشَّمّاخُ:
؎كَما لاذَ الغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ
ويُقالُ: فُلانٌ عَلى فُلانٍ تَبِيعٌ، أيْ: مُسَيْطِرٌ بِحَقِّهِ مُطالِبٌ بِهِ. وأنْشَدَ (p-٦١)ابْنُ عَطِيَّةَ:
؎غَدَوْا وغَدَتْ غِزْلانُهم فَكَأنَّها ∗∗∗ ضَوامِنُ غُرْمٍ لِرَهْنٍ تَبِيعُ
أيْ: مُطالِبٌ بِحَقِّهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ: ونَخْسِفُ وأوْ نُرْسِلُ وأنْ نُعِيدَكم وفَنُرْسِلُ وفَنُغْرِقُكم خَمْسَتُها بِالنُّونِ، وباقِي القُرّاءِ بِياءِ الغَيْبَةِ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ فَتُغْرِقُكم بِتاءِ الخِطابِ مُسْنَدًا إلى الرِّيحِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ﴿فَيُغَرِّقَكُمْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الغَيْنَ وشَدِّ الرّاءِ، عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ، والمُقْرِي لِأبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءِ الخِطابِ، وحُمَيْدٌ بِالنُّونِ وإسْكانِ الغَيْنِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وابْنِ مُحَيْصِنٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِنَ الرِّيحِ﴾ بِالإفْرادِ وأبُو جَعْفَرٍ (مِنَ الرِّياحِ) جَمْعًا.
الإسراء 17:67
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى وصْفَ المُشْرِكِينَ في اعْتِقادِهِمْ آلِهَتَهم وأنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ مَعَ (p-٦٠)آدَمَ، وتَمْكِينِهِ مِن وسْوَسَةِ ذُرِّيَّتِهِ وتَسْوِيلِهِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ مِن أفْعالِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وأنَّهُ هو النّافِعُ الضّارُّ المُتَصَرِّفُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ، فَذَكَرَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ بَحْرًا وبَرًّا، وأنَّهُ تَعالى مُتَمَكِّنٌ بِقُدْرَتِهِ مِمّا يُرِيدُهُ. وإزْجاءُ الفُلْكِ سَوْقُها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ بِالرِّيحِ اللَّيِّنَةِ والمَجادِيفِ، وذَلِكَ مِن رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ، وابْتِغاءُ الفَضْلِ طَلَبُ التِّجارَةِ أوِ الحَجُّ فِيهِ أوِ الغَزْوُ. والضُّرُّ في البَحْرِ الخَوْفُ مِنَ الغَرَقِ بِاضْطِرابِهِ وعَصْفِ الرِّيحِ، ومَعْنى (ضَلَّ) ذَهَبَ عَنْ أوْهامِكم مَن تَدْعُونَهُ إلَهًا فَيَشْفَعُ أوْ يَنْفَعُ، أوْ (ضَلَّ) مَن تَعْبُدُونَهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ فَتُفْرِدُونَهُ إذْ ذاكَ بِالِالتِجاءِ إلَيْهِ والِاعْتِقادِ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو ولا يَرْجُونَ لِكَشْفِ الضُّرِّ غَيْرَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم إذْ كُشِفَ عَنْهم مِن إعْراضِهِمْ عَنْهُ وكُفْرانِهِمْ نِعْمَةَ إنْجائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ، وجاءَتْ صِفَةُ (كَفُورًا) دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ، ثُمَّ لَمْ يُخاطِبْهم بِذَلِكَ بَلْ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى الإنْسانِ لُطْفًا بِهِمْ وإحالَةً عَلى الجِنْسِ إذْ كُلُّ أحَدٍ لا يَكادُ يُؤَدِّي شُكْرَ نِعَمِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكُفّارُ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا إيّاهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن تَدْعُونَ﴾ إذِ المَعْنى ضَلَّتْ آلِهَتُهم أيْ: مَعْبُوداتُهم وهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ وهَذا عَلى مَعْنى ضَلَّ مَن يَلْجَئُونَ إلَيْهِ، وهم كانُوا يَلْجَئُونَ في بَعْضِ أُمُورِهِمْ إلى مَعْبُوداتِهِمْ، وفي هَذِهِ الحالَةِ لا يَلْجَئُونَ إلّا إلى اللَّهِ والهَمْزَةُ في ﴿أفَأمِنتُمْ﴾ لِلْإنْكارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في دَعْواهُ أنَّ الفاءَ والواوَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ، وأنَّ مَذْهَبَ الجَماعَةِ أنْ لا مَحْذُوفَ هُناكَ، وأنَّ الفاءَ والواوَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها وأنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِكَوْنِها لَها صَدْرُ الكَلامِ فَقُدِّمَتْ والنِّيَّةُ التَّأْخِيرُ، وأنَّ التَّقْدِيرَ فَأمِنتُمْ. وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، والخِطابُ لِلسّابِقِ ذِكْرُهم أيْ أفَأمِنتُمْ أيُّها النّاجُونَ المُعْرِضُونَ عَنْ صُنْعِ اللَّهِ الَّذِي نَجّاكم، وانْتَصَبَ ﴿جانِبَ﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِنَخْسِفَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] والمَعْنى أنْ نُغَيِّرَهُ بِكم فَتَهْلَكُونَ بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ نَقْلِبَهُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، ولَمّا كانَ الخَسْفُ تَغْيِيبًا في التُّرابِ قالَ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ و﴿بِكُمْ﴾ حالٌ أيْ: نَخْسِفُ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَصْحُوبًا بِكم. وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِ أيْ: بِسَبَبِكم، ويَكُونُ المَعْنى ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، فَيَحْصُلُ بِخَسْفِهِ إهْلاكُهم وإلّا فَلا يَلْزَمُ مِن خَسْفِ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ بِسَبَبِهِمْ إهْلاكُهم.
قالَ قَتادَةُ: الحاصِبُ الحِجارَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: رامٍ يَرْمِيكم بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلِ، والمَعْنى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى بالِغَةٌ، فَإنْ كانَ نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ وكَفَرْتُمْ نِعْمَتَهُ فَلا تَأْمَنُوا إهْلاكَهُ إيّاكم وأنْتُمْ في البَرِّ، إمّا بِأمْرٍ يَكُونُ مِن تَحْتِكم وهو تَغْوِيرُ الأرْضِ بِكم، أوْ مِن فَوْقِكم بِإرْسالِ حاصِبٍ عَلَيْكم، وهَذِهِ الغايَةُ في تَمَكُّنِ القُدْرَةِ ثُمَّ ﴿لا تَجِدُوا﴾ عِنْدَ حُلُولِ أحَدِ هَذَيْنِ بِكم مَن تَكِلُونَ أُمُورَكم إلَيْهِ فَيَتَوَكَّلُ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْكم. و﴿أمْ﴾ في ﴿أمْ أمِنتُمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ ﴿أمِنتُمْ﴾ والضَّمِيرُ في ﴿فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى البَحْرِ، وانْتَصَبَ تارَةً عَلى الظَّرْفِ أيْ: وقْتًا غَيْرَ الوَقْتِ الأوَّلِ، والباءُ في ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ السّابِقِ مِنكم، والوَقْتُ الأوَّلُ الَّذِي نَجّاكم فِيهِ أوْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الَّذِي هو دَأْبُكم دائِمًا.
والضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ فَنُغْرِقَكم، إذْ هو أقْرَبُ مَذْكُورٍ وهو نَتِيجَةُ الإرْسالِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الإرْسالِ، وقِيلَ: عَلَيْهِما فَيَكُونُ كاسْمِ الإشارَةِ، والمَعْنى بِما وقَعَ مِنَ الإرْسالِ والإغْراقِ. والتَّبِيعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّصِيرُ، وقالَ الفَرّاءُ: طالِبُ الثَّأْرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُطالِبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَن يُتْبِعُ بِالإنْكارِ ما نَزَلَ بِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاها ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٤] وفي الحَدِيثِ: «إذا أُتْبِعَ أحَدُكم عَلى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . وقالَ الشَّمّاخُ:
؎كَما لاذَ الغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ
ويُقالُ: فُلانٌ عَلى فُلانٍ تَبِيعٌ، أيْ: مُسَيْطِرٌ بِحَقِّهِ مُطالِبٌ بِهِ. وأنْشَدَ (p-٦١)ابْنُ عَطِيَّةَ:
؎غَدَوْا وغَدَتْ غِزْلانُهم فَكَأنَّها ∗∗∗ ضَوامِنُ غُرْمٍ لِرَهْنٍ تَبِيعُ
أيْ: مُطالِبٌ بِحَقِّهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ: ونَخْسِفُ وأوْ نُرْسِلُ وأنْ نُعِيدَكم وفَنُرْسِلُ وفَنُغْرِقُكم خَمْسَتُها بِالنُّونِ، وباقِي القُرّاءِ بِياءِ الغَيْبَةِ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ فَتُغْرِقُكم بِتاءِ الخِطابِ مُسْنَدًا إلى الرِّيحِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ﴿فَيُغَرِّقَكُمْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الغَيْنَ وشَدِّ الرّاءِ، عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ، والمُقْرِي لِأبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءِ الخِطابِ، وحُمَيْدٌ بِالنُّونِ وإسْكانِ الغَيْنِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وابْنِ مُحَيْصِنٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِنَ الرِّيحِ﴾ بِالإفْرادِ وأبُو جَعْفَرٍ (مِنَ الرِّياحِ) جَمْعًا.
الإسراء 17:68
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى وصْفَ المُشْرِكِينَ في اعْتِقادِهِمْ آلِهَتَهم وأنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ مَعَ (p-٦٠)آدَمَ، وتَمْكِينِهِ مِن وسْوَسَةِ ذُرِّيَّتِهِ وتَسْوِيلِهِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ مِن أفْعالِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وأنَّهُ هو النّافِعُ الضّارُّ المُتَصَرِّفُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ، فَذَكَرَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ بَحْرًا وبَرًّا، وأنَّهُ تَعالى مُتَمَكِّنٌ بِقُدْرَتِهِ مِمّا يُرِيدُهُ. وإزْجاءُ الفُلْكِ سَوْقُها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ بِالرِّيحِ اللَّيِّنَةِ والمَجادِيفِ، وذَلِكَ مِن رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ، وابْتِغاءُ الفَضْلِ طَلَبُ التِّجارَةِ أوِ الحَجُّ فِيهِ أوِ الغَزْوُ. والضُّرُّ في البَحْرِ الخَوْفُ مِنَ الغَرَقِ بِاضْطِرابِهِ وعَصْفِ الرِّيحِ، ومَعْنى (ضَلَّ) ذَهَبَ عَنْ أوْهامِكم مَن تَدْعُونَهُ إلَهًا فَيَشْفَعُ أوْ يَنْفَعُ، أوْ (ضَلَّ) مَن تَعْبُدُونَهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ فَتُفْرِدُونَهُ إذْ ذاكَ بِالِالتِجاءِ إلَيْهِ والِاعْتِقادِ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو ولا يَرْجُونَ لِكَشْفِ الضُّرِّ غَيْرَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم إذْ كُشِفَ عَنْهم مِن إعْراضِهِمْ عَنْهُ وكُفْرانِهِمْ نِعْمَةَ إنْجائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ، وجاءَتْ صِفَةُ (كَفُورًا) دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ، ثُمَّ لَمْ يُخاطِبْهم بِذَلِكَ بَلْ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى الإنْسانِ لُطْفًا بِهِمْ وإحالَةً عَلى الجِنْسِ إذْ كُلُّ أحَدٍ لا يَكادُ يُؤَدِّي شُكْرَ نِعَمِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكُفّارُ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا إيّاهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن تَدْعُونَ﴾ إذِ المَعْنى ضَلَّتْ آلِهَتُهم أيْ: مَعْبُوداتُهم وهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ وهَذا عَلى مَعْنى ضَلَّ مَن يَلْجَئُونَ إلَيْهِ، وهم كانُوا يَلْجَئُونَ في بَعْضِ أُمُورِهِمْ إلى مَعْبُوداتِهِمْ، وفي هَذِهِ الحالَةِ لا يَلْجَئُونَ إلّا إلى اللَّهِ والهَمْزَةُ في ﴿أفَأمِنتُمْ﴾ لِلْإنْكارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في دَعْواهُ أنَّ الفاءَ والواوَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ، وأنَّ مَذْهَبَ الجَماعَةِ أنْ لا مَحْذُوفَ هُناكَ، وأنَّ الفاءَ والواوَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها وأنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِكَوْنِها لَها صَدْرُ الكَلامِ فَقُدِّمَتْ والنِّيَّةُ التَّأْخِيرُ، وأنَّ التَّقْدِيرَ فَأمِنتُمْ. وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، والخِطابُ لِلسّابِقِ ذِكْرُهم أيْ أفَأمِنتُمْ أيُّها النّاجُونَ المُعْرِضُونَ عَنْ صُنْعِ اللَّهِ الَّذِي نَجّاكم، وانْتَصَبَ ﴿جانِبَ﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِنَخْسِفَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] والمَعْنى أنْ نُغَيِّرَهُ بِكم فَتَهْلَكُونَ بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ نَقْلِبَهُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، ولَمّا كانَ الخَسْفُ تَغْيِيبًا في التُّرابِ قالَ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ و﴿بِكُمْ﴾ حالٌ أيْ: نَخْسِفُ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَصْحُوبًا بِكم. وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِ أيْ: بِسَبَبِكم، ويَكُونُ المَعْنى ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، فَيَحْصُلُ بِخَسْفِهِ إهْلاكُهم وإلّا فَلا يَلْزَمُ مِن خَسْفِ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ بِسَبَبِهِمْ إهْلاكُهم.
قالَ قَتادَةُ: الحاصِبُ الحِجارَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: رامٍ يَرْمِيكم بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلِ، والمَعْنى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى بالِغَةٌ، فَإنْ كانَ نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ وكَفَرْتُمْ نِعْمَتَهُ فَلا تَأْمَنُوا إهْلاكَهُ إيّاكم وأنْتُمْ في البَرِّ، إمّا بِأمْرٍ يَكُونُ مِن تَحْتِكم وهو تَغْوِيرُ الأرْضِ بِكم، أوْ مِن فَوْقِكم بِإرْسالِ حاصِبٍ عَلَيْكم، وهَذِهِ الغايَةُ في تَمَكُّنِ القُدْرَةِ ثُمَّ ﴿لا تَجِدُوا﴾ عِنْدَ حُلُولِ أحَدِ هَذَيْنِ بِكم مَن تَكِلُونَ أُمُورَكم إلَيْهِ فَيَتَوَكَّلُ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْكم. و﴿أمْ﴾ في ﴿أمْ أمِنتُمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ ﴿أمِنتُمْ﴾ والضَّمِيرُ في ﴿فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى البَحْرِ، وانْتَصَبَ تارَةً عَلى الظَّرْفِ أيْ: وقْتًا غَيْرَ الوَقْتِ الأوَّلِ، والباءُ في ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ السّابِقِ مِنكم، والوَقْتُ الأوَّلُ الَّذِي نَجّاكم فِيهِ أوْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الَّذِي هو دَأْبُكم دائِمًا.
والضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ فَنُغْرِقَكم، إذْ هو أقْرَبُ مَذْكُورٍ وهو نَتِيجَةُ الإرْسالِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الإرْسالِ، وقِيلَ: عَلَيْهِما فَيَكُونُ كاسْمِ الإشارَةِ، والمَعْنى بِما وقَعَ مِنَ الإرْسالِ والإغْراقِ. والتَّبِيعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّصِيرُ، وقالَ الفَرّاءُ: طالِبُ الثَّأْرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُطالِبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَن يُتْبِعُ بِالإنْكارِ ما نَزَلَ بِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاها ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٤] وفي الحَدِيثِ: «إذا أُتْبِعَ أحَدُكم عَلى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . وقالَ الشَّمّاخُ:
؎كَما لاذَ الغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ
ويُقالُ: فُلانٌ عَلى فُلانٍ تَبِيعٌ، أيْ: مُسَيْطِرٌ بِحَقِّهِ مُطالِبٌ بِهِ. وأنْشَدَ (p-٦١)ابْنُ عَطِيَّةَ:
؎غَدَوْا وغَدَتْ غِزْلانُهم فَكَأنَّها ∗∗∗ ضَوامِنُ غُرْمٍ لِرَهْنٍ تَبِيعُ
أيْ: مُطالِبٌ بِحَقِّهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ: ونَخْسِفُ وأوْ نُرْسِلُ وأنْ نُعِيدَكم وفَنُرْسِلُ وفَنُغْرِقُكم خَمْسَتُها بِالنُّونِ، وباقِي القُرّاءِ بِياءِ الغَيْبَةِ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ فَتُغْرِقُكم بِتاءِ الخِطابِ مُسْنَدًا إلى الرِّيحِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ﴿فَيُغَرِّقَكُمْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الغَيْنَ وشَدِّ الرّاءِ، عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ، والمُقْرِي لِأبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءِ الخِطابِ، وحُمَيْدٌ بِالنُّونِ وإسْكانِ الغَيْنِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وابْنِ مُحَيْصِنٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِنَ الرِّيحِ﴾ بِالإفْرادِ وأبُو جَعْفَرٍ (مِنَ الرِّياحِ) جَمْعًا.
الإسراء 17:69
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى وصْفَ المُشْرِكِينَ في اعْتِقادِهِمْ آلِهَتَهم وأنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ مَعَ (p-٦٠)آدَمَ، وتَمْكِينِهِ مِن وسْوَسَةِ ذُرِّيَّتِهِ وتَسْوِيلِهِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ مِن أفْعالِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وأنَّهُ هو النّافِعُ الضّارُّ المُتَصَرِّفُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ، فَذَكَرَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ بَحْرًا وبَرًّا، وأنَّهُ تَعالى مُتَمَكِّنٌ بِقُدْرَتِهِ مِمّا يُرِيدُهُ. وإزْجاءُ الفُلْكِ سَوْقُها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ بِالرِّيحِ اللَّيِّنَةِ والمَجادِيفِ، وذَلِكَ مِن رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ، وابْتِغاءُ الفَضْلِ طَلَبُ التِّجارَةِ أوِ الحَجُّ فِيهِ أوِ الغَزْوُ. والضُّرُّ في البَحْرِ الخَوْفُ مِنَ الغَرَقِ بِاضْطِرابِهِ وعَصْفِ الرِّيحِ، ومَعْنى (ضَلَّ) ذَهَبَ عَنْ أوْهامِكم مَن تَدْعُونَهُ إلَهًا فَيَشْفَعُ أوْ يَنْفَعُ، أوْ (ضَلَّ) مَن تَعْبُدُونَهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ فَتُفْرِدُونَهُ إذْ ذاكَ بِالِالتِجاءِ إلَيْهِ والِاعْتِقادِ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو ولا يَرْجُونَ لِكَشْفِ الضُّرِّ غَيْرَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم إذْ كُشِفَ عَنْهم مِن إعْراضِهِمْ عَنْهُ وكُفْرانِهِمْ نِعْمَةَ إنْجائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ، وجاءَتْ صِفَةُ (كَفُورًا) دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ، ثُمَّ لَمْ يُخاطِبْهم بِذَلِكَ بَلْ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى الإنْسانِ لُطْفًا بِهِمْ وإحالَةً عَلى الجِنْسِ إذْ كُلُّ أحَدٍ لا يَكادُ يُؤَدِّي شُكْرَ نِعَمِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكُفّارُ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا إيّاهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن تَدْعُونَ﴾ إذِ المَعْنى ضَلَّتْ آلِهَتُهم أيْ: مَعْبُوداتُهم وهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ وهَذا عَلى مَعْنى ضَلَّ مَن يَلْجَئُونَ إلَيْهِ، وهم كانُوا يَلْجَئُونَ في بَعْضِ أُمُورِهِمْ إلى مَعْبُوداتِهِمْ، وفي هَذِهِ الحالَةِ لا يَلْجَئُونَ إلّا إلى اللَّهِ والهَمْزَةُ في ﴿أفَأمِنتُمْ﴾ لِلْإنْكارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في دَعْواهُ أنَّ الفاءَ والواوَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ، وأنَّ مَذْهَبَ الجَماعَةِ أنْ لا مَحْذُوفَ هُناكَ، وأنَّ الفاءَ والواوَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها وأنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِكَوْنِها لَها صَدْرُ الكَلامِ فَقُدِّمَتْ والنِّيَّةُ التَّأْخِيرُ، وأنَّ التَّقْدِيرَ فَأمِنتُمْ. وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، والخِطابُ لِلسّابِقِ ذِكْرُهم أيْ أفَأمِنتُمْ أيُّها النّاجُونَ المُعْرِضُونَ عَنْ صُنْعِ اللَّهِ الَّذِي نَجّاكم، وانْتَصَبَ ﴿جانِبَ﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِنَخْسِفَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] والمَعْنى أنْ نُغَيِّرَهُ بِكم فَتَهْلَكُونَ بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ نَقْلِبَهُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، ولَمّا كانَ الخَسْفُ تَغْيِيبًا في التُّرابِ قالَ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ و﴿بِكُمْ﴾ حالٌ أيْ: نَخْسِفُ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَصْحُوبًا بِكم. وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِ أيْ: بِسَبَبِكم، ويَكُونُ المَعْنى ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، فَيَحْصُلُ بِخَسْفِهِ إهْلاكُهم وإلّا فَلا يَلْزَمُ مِن خَسْفِ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ بِسَبَبِهِمْ إهْلاكُهم.
قالَ قَتادَةُ: الحاصِبُ الحِجارَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: رامٍ يَرْمِيكم بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلِ، والمَعْنى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى بالِغَةٌ، فَإنْ كانَ نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ وكَفَرْتُمْ نِعْمَتَهُ فَلا تَأْمَنُوا إهْلاكَهُ إيّاكم وأنْتُمْ في البَرِّ، إمّا بِأمْرٍ يَكُونُ مِن تَحْتِكم وهو تَغْوِيرُ الأرْضِ بِكم، أوْ مِن فَوْقِكم بِإرْسالِ حاصِبٍ عَلَيْكم، وهَذِهِ الغايَةُ في تَمَكُّنِ القُدْرَةِ ثُمَّ ﴿لا تَجِدُوا﴾ عِنْدَ حُلُولِ أحَدِ هَذَيْنِ بِكم مَن تَكِلُونَ أُمُورَكم إلَيْهِ فَيَتَوَكَّلُ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْكم. و﴿أمْ﴾ في ﴿أمْ أمِنتُمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ ﴿أمِنتُمْ﴾ والضَّمِيرُ في ﴿فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى البَحْرِ، وانْتَصَبَ تارَةً عَلى الظَّرْفِ أيْ: وقْتًا غَيْرَ الوَقْتِ الأوَّلِ، والباءُ في ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ السّابِقِ مِنكم، والوَقْتُ الأوَّلُ الَّذِي نَجّاكم فِيهِ أوْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الَّذِي هو دَأْبُكم دائِمًا.
والضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ فَنُغْرِقَكم، إذْ هو أقْرَبُ مَذْكُورٍ وهو نَتِيجَةُ الإرْسالِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الإرْسالِ، وقِيلَ: عَلَيْهِما فَيَكُونُ كاسْمِ الإشارَةِ، والمَعْنى بِما وقَعَ مِنَ الإرْسالِ والإغْراقِ. والتَّبِيعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّصِيرُ، وقالَ الفَرّاءُ: طالِبُ الثَّأْرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُطالِبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَن يُتْبِعُ بِالإنْكارِ ما نَزَلَ بِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاها ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٤] وفي الحَدِيثِ: «إذا أُتْبِعَ أحَدُكم عَلى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . وقالَ الشَّمّاخُ:
؎كَما لاذَ الغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ
ويُقالُ: فُلانٌ عَلى فُلانٍ تَبِيعٌ، أيْ: مُسَيْطِرٌ بِحَقِّهِ مُطالِبٌ بِهِ. وأنْشَدَ (p-٦١)ابْنُ عَطِيَّةَ:
؎غَدَوْا وغَدَتْ غِزْلانُهم فَكَأنَّها ∗∗∗ ضَوامِنُ غُرْمٍ لِرَهْنٍ تَبِيعُ
أيْ: مُطالِبٌ بِحَقِّهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ: ونَخْسِفُ وأوْ نُرْسِلُ وأنْ نُعِيدَكم وفَنُرْسِلُ وفَنُغْرِقُكم خَمْسَتُها بِالنُّونِ، وباقِي القُرّاءِ بِياءِ الغَيْبَةِ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ فَتُغْرِقُكم بِتاءِ الخِطابِ مُسْنَدًا إلى الرِّيحِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ﴿فَيُغَرِّقَكُمْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الغَيْنَ وشَدِّ الرّاءِ، عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ، والمُقْرِي لِأبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءِ الخِطابِ، وحُمَيْدٌ بِالنُّونِ وإسْكانِ الغَيْنِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وابْنِ مُحَيْصِنٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِنَ الرِّيحِ﴾ بِالإفْرادِ وأبُو جَعْفَرٍ (مِنَ الرِّياحِ) جَمْعًا.