Al-Bahr Al-Muhit — الإسراء 17:70 – الإسراء 17:90
المحتويات
الإسراء 17:70
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى وصْفَ المُشْرِكِينَ في اعْتِقادِهِمْ آلِهَتَهم وأنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ مَعَ (p-٦٠)آدَمَ، وتَمْكِينِهِ مِن وسْوَسَةِ ذُرِّيَّتِهِ وتَسْوِيلِهِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ مِن أفْعالِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وأنَّهُ هو النّافِعُ الضّارُّ المُتَصَرِّفُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ، فَذَكَرَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ بَحْرًا وبَرًّا، وأنَّهُ تَعالى مُتَمَكِّنٌ بِقُدْرَتِهِ مِمّا يُرِيدُهُ. وإزْجاءُ الفُلْكِ سَوْقُها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ بِالرِّيحِ اللَّيِّنَةِ والمَجادِيفِ، وذَلِكَ مِن رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ، وابْتِغاءُ الفَضْلِ طَلَبُ التِّجارَةِ أوِ الحَجُّ فِيهِ أوِ الغَزْوُ. والضُّرُّ في البَحْرِ الخَوْفُ مِنَ الغَرَقِ بِاضْطِرابِهِ وعَصْفِ الرِّيحِ، ومَعْنى (ضَلَّ) ذَهَبَ عَنْ أوْهامِكم مَن تَدْعُونَهُ إلَهًا فَيَشْفَعُ أوْ يَنْفَعُ، أوْ (ضَلَّ) مَن تَعْبُدُونَهُ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ فَتُفْرِدُونَهُ إذْ ذاكَ بِالِالتِجاءِ إلَيْهِ والِاعْتِقادِ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو ولا يَرْجُونَ لِكَشْفِ الضُّرِّ غَيْرَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم إذْ كُشِفَ عَنْهم مِن إعْراضِهِمْ عَنْهُ وكُفْرانِهِمْ نِعْمَةَ إنْجائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ، وجاءَتْ صِفَةُ (كَفُورًا) دَلالَةً عَلى المُبالَغَةِ، ثُمَّ لَمْ يُخاطِبْهم بِذَلِكَ بَلْ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى الإنْسانِ لُطْفًا بِهِمْ وإحالَةً عَلى الجِنْسِ إذْ كُلُّ أحَدٍ لا يَكادُ يُؤَدِّي شُكْرَ نِعَمِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكُفّارُ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿إلّا إيّاهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن تَدْعُونَ﴾ إذِ المَعْنى ضَلَّتْ آلِهَتُهم أيْ: مَعْبُوداتُهم وهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ وهَذا عَلى مَعْنى ضَلَّ مَن يَلْجَئُونَ إلَيْهِ، وهم كانُوا يَلْجَئُونَ في بَعْضِ أُمُورِهِمْ إلى مَعْبُوداتِهِمْ، وفي هَذِهِ الحالَةِ لا يَلْجَئُونَ إلّا إلى اللَّهِ والهَمْزَةُ في ﴿أفَأمِنتُمْ﴾ لِلْإنْكارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ مَعَهُ في دَعْواهُ أنَّ الفاءَ والواوَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ، وأنَّ مَذْهَبَ الجَماعَةِ أنْ لا مَحْذُوفَ هُناكَ، وأنَّ الفاءَ والواوَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها وأنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِكَوْنِها لَها صَدْرُ الكَلامِ فَقُدِّمَتْ والنِّيَّةُ التَّأْخِيرُ، وأنَّ التَّقْدِيرَ فَأمِنتُمْ. وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، والخِطابُ لِلسّابِقِ ذِكْرُهم أيْ أفَأمِنتُمْ أيُّها النّاجُونَ المُعْرِضُونَ عَنْ صُنْعِ اللَّهِ الَّذِي نَجّاكم، وانْتَصَبَ ﴿جانِبَ﴾ عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِنَخْسِفَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] والمَعْنى أنْ نُغَيِّرَهُ بِكم فَتَهْلَكُونَ بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ نَقْلِبَهُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، ولَمّا كانَ الخَسْفُ تَغْيِيبًا في التُّرابِ قالَ: ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ و﴿بِكُمْ﴾ حالٌ أيْ: نَخْسِفُ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ مَصْحُوبًا بِكم. وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِ أيْ: بِسَبَبِكم، ويَكُونُ المَعْنى ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، فَيَحْصُلُ بِخَسْفِهِ إهْلاكُهم وإلّا فَلا يَلْزَمُ مِن خَسْفِ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ بِسَبَبِهِمْ إهْلاكُهم.
قالَ قَتادَةُ: الحاصِبُ الحِجارَةُ. وقالَ السُّدِّيُّ: رامٍ يَرْمِيكم بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلِ، والمَعْنى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى بالِغَةٌ، فَإنْ كانَ نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ وكَفَرْتُمْ نِعْمَتَهُ فَلا تَأْمَنُوا إهْلاكَهُ إيّاكم وأنْتُمْ في البَرِّ، إمّا بِأمْرٍ يَكُونُ مِن تَحْتِكم وهو تَغْوِيرُ الأرْضِ بِكم، أوْ مِن فَوْقِكم بِإرْسالِ حاصِبٍ عَلَيْكم، وهَذِهِ الغايَةُ في تَمَكُّنِ القُدْرَةِ ثُمَّ ﴿لا تَجِدُوا﴾ عِنْدَ حُلُولِ أحَدِ هَذَيْنِ بِكم مَن تَكِلُونَ أُمُورَكم إلَيْهِ فَيَتَوَكَّلُ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْكم. و﴿أمْ﴾ في ﴿أمْ أمِنتُمْ﴾ مُنْقَطِعَةٌ تُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ أيْ: بَلْ ﴿أمِنتُمْ﴾ والضَّمِيرُ في ﴿فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى البَحْرِ، وانْتَصَبَ تارَةً عَلى الظَّرْفِ أيْ: وقْتًا غَيْرَ الوَقْتِ الأوَّلِ، والباءُ في ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ السّابِقِ مِنكم، والوَقْتُ الأوَّلُ الَّذِي نَجّاكم فِيهِ أوْ بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الَّذِي هو دَأْبُكم دائِمًا.
والضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ فَنُغْرِقَكم، إذْ هو أقْرَبُ مَذْكُورٍ وهو نَتِيجَةُ الإرْسالِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الإرْسالِ، وقِيلَ: عَلَيْهِما فَيَكُونُ كاسْمِ الإشارَةِ، والمَعْنى بِما وقَعَ مِنَ الإرْسالِ والإغْراقِ. والتَّبِيعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النَّصِيرُ، وقالَ الفَرّاءُ: طالِبُ الثَّأْرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُطالِبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَن يُتْبِعُ بِالإنْكارِ ما نَزَلَ بِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوّاها ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٤] وفي الحَدِيثِ: «إذا أُتْبِعَ أحَدُكم عَلى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . وقالَ الشَّمّاخُ:
؎كَما لاذَ الغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ
ويُقالُ: فُلانٌ عَلى فُلانٍ تَبِيعٌ، أيْ: مُسَيْطِرٌ بِحَقِّهِ مُطالِبٌ بِهِ. وأنْشَدَ (p-٦١)ابْنُ عَطِيَّةَ:
؎غَدَوْا وغَدَتْ غِزْلانُهم فَكَأنَّها ∗∗∗ ضَوامِنُ غُرْمٍ لِرَهْنٍ تَبِيعُ
أيْ: مُطالِبٌ بِحَقِّهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ: ونَخْسِفُ وأوْ نُرْسِلُ وأنْ نُعِيدَكم وفَنُرْسِلُ وفَنُغْرِقُكم خَمْسَتُها بِالنُّونِ، وباقِي القُرّاءِ بِياءِ الغَيْبَةِ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ فَتُغْرِقُكم بِتاءِ الخِطابِ مُسْنَدًا إلى الرِّيحِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ﴿فَيُغَرِّقَكُمْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الغَيْنَ وشَدِّ الرّاءِ، عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ، والمُقْرِي لِأبِي جَعْفَرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِتاءِ الخِطابِ، وحُمَيْدٌ بِالنُّونِ وإسْكانِ الغَيْنِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو وابْنِ مُحَيْصِنٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِنَ الرِّيحِ﴾ بِالإفْرادِ وأبُو جَعْفَرٍ (مِنَ الرِّياحِ) جَمْعًا.
الإسراء 17:71
﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إزْجاءِ الفُلْكِ في البَحْرِ ومِن تَنْجِيَتِهِمْ مِنَ الغَرَقِ، تَمَّمَ ذِكْرَ المِنَّةِ بِذِكْرِ تَكْرِمَتِهِمْ ورِزْقِهِمْ وتَفْضِيلِهِمْ، أوْ لَمّا هَدَّدَهم بِما هَدَّدَ مِنَ الخَسْفِ والغَرَقِ وأنَّهم كافِرُو نِعْمَتَهُ ذَكَرَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَتَذَكَّرُوا فَيَشْكُرُوا نِعَمَهُ، ويُقْلِعُوا عَنْ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ ويُطِيعُوهُ تَعالى، وفي ذِكْرِ النِّعَمِ وتَعْدادِها هَزٌّ لِشُكْرِها. وكَرَّمَ مُعَدًّى بِالتَّضْعِيفِ مِن كَرُمَ أيْ: جَعَلْناهم ذَوِي كَرَمٍ بِمَعْنى الشَّرَفِ والمَحاسِنِ الجَمَّةِ، كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ وفَرَسٌ كَرِيمٌ أيْ: جامِعٌ لِلْمَحاسِنِ ولَيْسَ مِن كَرَمِ المالِ. وما جاءَ عَنْ أهْلِ التَّفْسِيرِ مِن تَكْرِيمِهِمْ وتَفْضِيلِهِمْ بِأشْياءَ ذَكَرَها هو عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ في ذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّفْضِيلَ بِالعَقْلِ وعَنِ الضَّحّاكِ بِالنُّطْقِ، وعَنْ عَطاءٍ بِتَعْدِيلِ القامَةِ وامْتِدادِها، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ بِالمَطاعِمِ واللَّذّاتِ، وعَنْ يَمانٍ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ بِجَعْلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنهم، وعَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِالتَّسْلِيطِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ وتَسْخِيرِهِ لَهُ. وقِيلَ: بِالخَطِّ، وقِيلَ: بِاللِّحْيَةِ لِلرَّجُلِ والذُّؤابَةِ لِلْمَرْأةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِأكْلِهِ بِيَدِهِ وغَيْرِهِ بِفَمِهِ. وقِيلَ: بِتَدْبِيرِ المَعاشِ والمَعادِ، وقِيلَ: بِخَلْقِ اللَّهِ آدَمَ بِيَدِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذُكِرَ أنَّ مِنَ الحَيَوانِ ما يَفْضُلُ بِنَوْعٍ ما ابْنَ آدَمَ كَجَرْيِ الفَرَسِ وسَمْعِهِ وإبْصارِهِ، وقُوَّةِ الفِيلِ، وشَجاعَةِ الأسَدِ، وكَرَمِ الدِّيكِ. قالَ: وإنَّما التَّكْرِيمُ والتَّفْضِيلُ بِالعَقْلِ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ الحَيَوانُ كُلُّهُ وبِهِ يُعْرَفُ اللَّهُ، ويُفْهَمُ كَلامُهُ ويُوصَلُ إلى نَعِيمِهِ. انْتَهى.
﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠] وهَذا أيْضًا مِن تَكْرِيمِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في البَرِّ عَلى الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والإبِلِ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ. وقالَ غَيْرُهُ: عَلى أكْبادٍ رَطْبَةٍ وأعْوادٍ يابِسَةٍ. (والطَّيِّباتِ) كَما تَقَدَّمَ الحَلالُ أوِ المُسْتَلَذُّ، ولا يَتَّسِعُ غَيْرُهُ مِنَ الحَيَوانِ في الرِّزْقِ اتِّساعَهُ؛ لِأنَّهُ يَكْتَسِبُ المالَ ويَلْبَسُ الثِّيابَ ويَأْكُلُ المُرَكَّبَ مِنَ الأطْعِمَةِ بِخِلافِ الحَيَوانِ، فَإنَّهُ لا يَكْتَسِبُ ولا يَلْبَسُ ولا يَأْكُلُ غالِبًا إلّا لَحْمًا نَيِّئًا وطَعامًا غَيْرَ مُرَكَّبٍ، والظّاهِرُ أنُّ كَثِيرًا باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: فُضِّلُوا عَلى الخَلائِقِ كُلِّهِمْ غَيْرَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ وأشْباهِهِمْ وهَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْهُ إنَّ الإنْسانَ لَيْسَ أفْضَلَ مِنَ المَلَكِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحَيَوانُ والجِنُّ هو الكَثِيرُ المَفْضُولُ، والمَلائِكَةُ هُمُ الخارِجُونَ عَنِ الكَثِيرِ المَفْضُولِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ تَقْضِي بِفَضْلِ المَلائِكَةِ عَلى الإنْسِ مِن حَيْثُ هم (p-٦٢)المُسْتَثْنَوْنَ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] وهَذا غَيْرُ لازِمٍ مِنَ الآيَةِ، بَلِ التَّفْضِيلُ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ لَمْ تَعْنِ لَهُ الآيَةُ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ ويُحْتَمَلُ التَّساوِي، وإنَّما يَصِحُّ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ مِن مَواضِعَ أُخَرَ مِنَ الشَّرْعِ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا﴾ [الإسراء: ٧٠] هو ما سِوى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَسْبُ بَنِي آدَمَ (تَفْضِيلًا) أنْ تُرْفَعَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ وهم هم ومَنزِلَتُهم عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَتُهم، والعَجَبُ مِنَ المُجْبِرَةِ كَيْفَ عَكَسُوا في كُلِّ شَيْءٍ وكابَرُوا حَتّى جَسَرَتْهُمُ المُكابَرَةُ عَلى العَظِيمَةِ الَّتِي هي تَفْضِيلُ الإنْسانِ عَلى المَلَكِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَشْنِيعًا أقْذَعَ فِيهِ يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ. وقِيلَ: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ﴾ [الإسراء: ٧٠] بِالغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ. وقِيلَ: بِالثَّوابِ والجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِلتَّفْضِيلِ المُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِكَثِيرٍ مَجازُهُ وهو إطْلاقُهُ عَلى الجَمِيعِ، والعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وهو القَوْلُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ هُنا؛ لِأنَّكَ لَوْ جَعَلْتَ جَمِيعًا كانَ بِكَثِيرٍ، فَقُلْتُ: عَلى جَمِيعٍ مِمَّنْ خَلَقَنا لَكانَ نائِيًا عَنِ الفَصاحَةِ، ولا يَلِيقُ أنْ يُحْمَلَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو أفْصَحُ الكَلامِ عَلَيْهِ، ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في تَكْرِيمِ ابْنِ آدَمَ وتَفْضِيلِهِ مُسْتَمَدٌّ مِن كَلامِ الَّذِينَ يُسَمُّونَهم حُكَماءَ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، إذْ هو جارٍ عَلى غَيْرِ طَرِيقَةِ العَرَبِ في كَلامِها.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنْواعًا مِن كَراماتِ الإنْسانِ في الدُّنْيا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ واخْتَلَفُوا في العامِلِ في (يَوْمَ) . فَقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مَتى هو. وقِيلَ: فَتَسْتَجِيبُونَ. وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن يَوْمَ يَدْعُوكم، وهَذِهِ أقْوالٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، ولَوْلا أنَّهم ذَكَرُوها لَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا وهو في هَذِهِ الأقْوالِ ظَرْفٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: انْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ اذْكُرْ وعَلى تَقْدِيرِ اذْكُرْ لا يَكُونُ ظَرْفًا بَلْ هو مَفْعُولٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا بَعْدَ قَوْلِهِ هو ظَرْفٌ: والعامِلُ فِيهِ اذْكُرْ أوْ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ وحَكاهُ أبُو البَقاءِ وقَدَّرَهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ يَوْمَ نَدْعُو. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ [الإسراء: ٧٠] وذَلِكَ أنَّ فَضْلَ البَشَرِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ بَيِّنٌ؛ لِأنَّهُمُ المُنَعَّمُونَ المُكَلَّفُونَ المُحاسَبُونَ الَّذِينَ لَهُمُ القَدْرُ إلّا أنَّ هَذا يَرُدُّهُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَئِذٍ أخْسَرُ مَن كُلِّ حَيَوانٍ، إذْ يَقُولُ الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (يَوْمَ) مَنصُوبًا عَلى البِناءِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَكُونُ مَوْضِعُهُ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في التَّقْسِيمِ الَّذِي أتى بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ﴾ . انْتَهى. وقَوْلُهُ مَنصُوبًا عَلى البِناءِ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: مَبْنِيًّا عَلى الفَتْحِ، وقَوْلُهُ: لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَنْقَسِمُ إلى مُتَمَكِّنٍ وغَيْرِ مُتَمَكِّنٍ هو الِاسْمُ لا الفِعْلُ، وهَذا أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُضارِعٍ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ إذا أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُضارِعٍ مُعْرَبٍ لا يَجُوزُ بِناؤُهُ، وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ هو عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا قَوْلُهُ: والخَبَرُ في التَّقْسِيمِ عارٍ مِن رابِطٍ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ التَّقْسِيمِيَّةِ بِالمُبْتَدَأِ إلّا إنْ قَدَّرَ مَحْذُوفًا، فَقَدْ يُمْكِنُ أيْ: مِمَّنْ ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ فِيهِ (بِيَمِينِهِ) وهو بَعْدَ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ تَخْرِيجٌ مُتَكَلَّفٌ.
وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ [الإسراء: ٧٠] عَلى تَقْدِيرِ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ [الإسراء: ٧٠] بِالثَّوابِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنْهُ قَبْلُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ لا تَجِدُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: نُعِيدُكم مُضْمَرَةٌ أيْ: نُعِيدُكم ﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾ والأقْرَبُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِاذْكُرْ مُضْمَرَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَدْعُو) بِنُونِ العَظَمَةِ، ومُجاهِدٌ يَدْعُو بِياءِ الغَيْبَةِ أيْ: يَدْعُو اللَّهَ، والحَسَنُ فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ يُدْعى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (كُلُّ) مَرْفُوعٌ بِهِ، وفِيما ذَكَرَ غَيْرُهُ يَدْعُو بِالواوِ وخُرِّجَ عَلى إبْدالِ الألِفِ واوًا عَلى لُغَةِ مَن (p-٦٣)يَقُولُ: أفْعُو في الوَقْفِ عَلى أفْعى، وإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وكُلُّ مَرْفُوعٌ بِهِ، وعَلى أنْ تَكُونَ الواوُ ضَمِيرًا مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وأصْلُهُ يَدْعُونَ فَحُذِفَتِ النُّونُ كَما حُذِفَتْ في قَوْلِهِ:
؎أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتِي تَدْلُكِي وجْهَكِ بِالعَنْبَرِ والمِسْكِ الزَّكِيِّ
أيْ: تَبِيتِينَ تَدْلُكِينَ، وكُلُّ بَدَلٌ مِن واوِ الضَّمِيرِ. و(أُناسٍ) اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، والباءُ في ﴿بِإمامِهِمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِنَدْعُو، أيْ: بِاسْمِ إمامِهِمْ. وقِيلَ: هي باءُ الحالِ أيْ: مَصْحُوبِينَ ﴿بِإمامِهِمْ﴾ . والإمامُ هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهم. وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: كِتابُهُمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَبِيُّهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والإمامُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُؤْتَمُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إمامُهم مَنِ ائْتَمُّوا بِهِ نَبِيٌّ أوْ مُقَدَّمٌ في الدِّينِ أوْ كِتابٌ أوْ دِينٌ، فَيُقالُ: يا أهْلَ دِينِ كَذا وكِتابِ كَذا. وقِيلَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمْ يا أصْحابَ كِتابِ الخَيْرِ ويا أصْحابَ كِتابِ الشَّرِّ. وفي قِراءَةِ الحَسَنِ بِكِتابِهِمْ ومِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ أنَّ الإمامَ جَمْعُ أُمٍّ وأنَّ النّاسَ يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ، وأنَّ الحِكْمَةَ في الدُّعاءِ بِالأُمَّهاتِ دُونَ الآباءِ رِعايَةَ حَقِّ عِيسى وشَرَفِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وأنْ لا يَفْتَضِحَ أوْلادُ الزِّنا ولَيْتَ شِعْرِي أيُّهُما أبْدَعُ أصِحَّةُ لَفْظِهِ أمْ بَهاءُ حِكْمَتِهِ. انْتَهى. وإيتاءُ الكِتابِ دَلِيلٌ عَلى ما تَقَرَّرَ في الشَّرِيعَةِ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي يُؤْتاها المُؤْمِنُ والكافِرُ، وإيتاؤُهُ بِاليَمِينِ دَلِيلٌ عَلى نَجاةِ الطّائِعِ وخَلاصِ الفاسِقِ مِنَ النّارِ إنْ دَخَلَها وبِشارَتِهِ أنَّهُ لا يُخَلَّدُ فِيها (فَأُولَئِكَ) جاءَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن إذْ قَدْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ أوَّلًا فَأُفْرِدَ في قَوْلِهِ: ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وقِراءَتُهم كُتُبَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ بِالِاطِّلاعِ عَلى ما تَضَمَّنَتْها مِنَ البِشارَةِ، وإلّا فَقَدْ عَلِمُوا مِن حَيْثُ إيِتاؤُهم إيّاها بِاليَمِينِ أنَّهم مَن أهْلِ السَّعادَةِ، ومِن فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ يَقُولُ البارِي لِأهْلِ المَحْشَرِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ولَمْ يَأْتِ هُنا قَسِيمُ مَن ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وهو مَن يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ، وإنْ كانَ قَدْ أتى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بَلْ جاءَ قَسِيمُهُ قَوْلُهُ.
﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ وذَلِكَ مِن حَيْثُ المَعْنى مُقابِلُهُ؛ لِأنَّ مَن ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ هم أهْلُ السَّعادَةِ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ هم أهْلُ الشَّقاوَةِ ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: لا يَنْقُصُونَ أدْنى شَيْءٍ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الفَتِيلِ في سُورَةِ النِّساءِ. والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ) إلى الدُّنْيا، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ أيْ: مَن كانَ في هَذِهِ الدّارِ أعْمى عَنِ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ وعِبَرِهِ والإيمانِ بِأنْبِيائِهِ، فَهو في الآخِرَةِ أعْمى إمّا أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: في شَأْنِ الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَهو يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، مَعْنى أنَّهُ خَبَرانِ لا يَتَوَجَّهَ لَهُ صَوابٌ ولا يَلُوحَ لَهُ نُجْحٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أعْمى في الآخِرَةِ عَنْ حُجَجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ﴾ النِّعَمُ يُشِيرُ إلى نِعَمِ التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ فَهو في الآخِرَةِ الَّتِي لَمْ تَرَ ولَمْ تُعايِنْ (أعْمى) . وقِيلَ: ومَن كانَ في الدُّنْيا ضالًّا كافِرًا فَهو في الآخِرَةِ أعْمى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ لِأنَّهُ في الدُّنْيا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ وفي الآخِرَةِ لا تُقْبَلُ، وفي الدُّنْيا يَهْتَدِي إلى التَّخَلُّصِ مِنَ الآفاتِ، وفي الآخِرَةِ لا يَهْتَدِي إلى ذَلِكَ ألْبَتَّةَ. وقِيلَ: فَهو في الآخِرَةِ أعْمى عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: أعْمى البَصَرِ كَما قالَ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤] . وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ إبْصارِ الحَقِّ والِاعْتِبارِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى عَنِ الِاعْتِذارِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ إلى الدُّنْيا أيْ مَن كانَ في دُنْياهُ هَذِهِ وقْتَ إدْراكِهِ وفَهْمِهِ أعْمى عَنِ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ فَهو في يَوْمِ القِيامَةِ أشَدُّ حَيْرَةً وعَمًى؛ لِأنَّهُ قَدْ باشَرَ الخَيْبَةَ ورَأى مَخائِلَ العَذابِ، وبِهَذا التَّأْوِيلِ تَكُونُ مُعادِلَةً الَّتِي قَبْلَها مِن ذِكْرِ مَن يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ. وإذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ بِمَعْنى في شَأْنِ الآخِرَةِ لَمْ تَطَّرِدِ المُعادَلَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٦٤)والأعْمى مُسْتَعارٌ مِمَّنْ لا يُدْرِكُ المُبْصَراتِ لِفَسادِ حاسَّتِهِ لِمَن لا يَهْتَدِي إلى طَرِيقِ النَّجاةِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِفَقْدِ النَّظَرِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ الِاهْتِداءُ إلَيْهِ، وقَدْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الثّانِي بِمَعْنى التَّفْضِيلِ. ومِن ثَمَّ قَرَأ أبُو عُمَرَ، والأوَّلُ مُمالًا والثّانِي مُفَخَّمًا؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ تَمامُهُ بِمِن فَكانَتْ ألِفُهُ في حُكْمِ الواقِعَةِ في وسَطِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ: (أعْمالُكم) وأمّا الأوَّلُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ فَكانَتْ ألِفُهُ واقِعَةً في الطَّرَفِ مُعَرَّضَةً لِلْإمالَةِ. انْتَهى. وتَعْلِيلُهُ تَرْكُ إمالَةِ أعْمى الثّانِي أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أبِي عَلِيٍّ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لِأنَّ الإمالَةَ إنَّما تَحْسُنُ في الأواخِرِ، و(أعْمى) لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ (أعْمى) مِن كَذا فَلَيْسَ يَتِمُّ إلّا في قَوْلِنا مِن كَذا فَهو إذَنْ لَيْسَ بِآخِرٍ، ويُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ عَطْفُ ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ لِأنَّ الإنْسانَ في الدُّنْيا يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ فَيَنْجُوَ وهو في الآخِرَةِ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَهو ﴿أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢] وأشَدُّ حَيْرَةً وأقْرَبُ إلى العَذابِ، و(أعْمى) هُنا مِن عَمى القَلْبِ لا مِن عَمى البَصَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِيهِ التَّفاضُلُ لا هَذا.
الإسراء 17:72
﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إزْجاءِ الفُلْكِ في البَحْرِ ومِن تَنْجِيَتِهِمْ مِنَ الغَرَقِ، تَمَّمَ ذِكْرَ المِنَّةِ بِذِكْرِ تَكْرِمَتِهِمْ ورِزْقِهِمْ وتَفْضِيلِهِمْ، أوْ لَمّا هَدَّدَهم بِما هَدَّدَ مِنَ الخَسْفِ والغَرَقِ وأنَّهم كافِرُو نِعْمَتَهُ ذَكَرَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَتَذَكَّرُوا فَيَشْكُرُوا نِعَمَهُ، ويُقْلِعُوا عَنْ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ ويُطِيعُوهُ تَعالى، وفي ذِكْرِ النِّعَمِ وتَعْدادِها هَزٌّ لِشُكْرِها. وكَرَّمَ مُعَدًّى بِالتَّضْعِيفِ مِن كَرُمَ أيْ: جَعَلْناهم ذَوِي كَرَمٍ بِمَعْنى الشَّرَفِ والمَحاسِنِ الجَمَّةِ، كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ وفَرَسٌ كَرِيمٌ أيْ: جامِعٌ لِلْمَحاسِنِ ولَيْسَ مِن كَرَمِ المالِ. وما جاءَ عَنْ أهْلِ التَّفْسِيرِ مِن تَكْرِيمِهِمْ وتَفْضِيلِهِمْ بِأشْياءَ ذَكَرَها هو عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا عَلى الحَصْرِ في ذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّفْضِيلَ بِالعَقْلِ وعَنِ الضَّحّاكِ بِالنُّطْقِ، وعَنْ عَطاءٍ بِتَعْدِيلِ القامَةِ وامْتِدادِها، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ بِالمَطاعِمِ واللَّذّاتِ، وعَنْ يَمانٍ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ بِجَعْلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنهم، وعَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِالتَّسْلِيطِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ وتَسْخِيرِهِ لَهُ. وقِيلَ: بِالخَطِّ، وقِيلَ: بِاللِّحْيَةِ لِلرَّجُلِ والذُّؤابَةِ لِلْمَرْأةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بِأكْلِهِ بِيَدِهِ وغَيْرِهِ بِفَمِهِ. وقِيلَ: بِتَدْبِيرِ المَعاشِ والمَعادِ، وقِيلَ: بِخَلْقِ اللَّهِ آدَمَ بِيَدِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ ذُكِرَ أنَّ مِنَ الحَيَوانِ ما يَفْضُلُ بِنَوْعٍ ما ابْنَ آدَمَ كَجَرْيِ الفَرَسِ وسَمْعِهِ وإبْصارِهِ، وقُوَّةِ الفِيلِ، وشَجاعَةِ الأسَدِ، وكَرَمِ الدِّيكِ. قالَ: وإنَّما التَّكْرِيمُ والتَّفْضِيلُ بِالعَقْلِ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ الحَيَوانُ كُلُّهُ وبِهِ يُعْرَفُ اللَّهُ، ويُفْهَمُ كَلامُهُ ويُوصَلُ إلى نَعِيمِهِ. انْتَهى.
﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠] وهَذا أيْضًا مِن تَكْرِيمِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في البَرِّ عَلى الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والإبِلِ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ. وقالَ غَيْرُهُ: عَلى أكْبادٍ رَطْبَةٍ وأعْوادٍ يابِسَةٍ. (والطَّيِّباتِ) كَما تَقَدَّمَ الحَلالُ أوِ المُسْتَلَذُّ، ولا يَتَّسِعُ غَيْرُهُ مِنَ الحَيَوانِ في الرِّزْقِ اتِّساعَهُ؛ لِأنَّهُ يَكْتَسِبُ المالَ ويَلْبَسُ الثِّيابَ ويَأْكُلُ المُرَكَّبَ مِنَ الأطْعِمَةِ بِخِلافِ الحَيَوانِ، فَإنَّهُ لا يَكْتَسِبُ ولا يَلْبَسُ ولا يَأْكُلُ غالِبًا إلّا لَحْمًا نَيِّئًا وطَعامًا غَيْرَ مُرَكَّبٍ، والظّاهِرُ أنُّ كَثِيرًا باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: فُضِّلُوا عَلى الخَلائِقِ كُلِّهِمْ غَيْرَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ وأشْباهِهِمْ وهَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْهُ إنَّ الإنْسانَ لَيْسَ أفْضَلَ مِنَ المَلَكِ وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحَيَوانُ والجِنُّ هو الكَثِيرُ المَفْضُولُ، والمَلائِكَةُ هُمُ الخارِجُونَ عَنِ الكَثِيرِ المَفْضُولِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ تَقْضِي بِفَضْلِ المَلائِكَةِ عَلى الإنْسِ مِن حَيْثُ هم (p-٦٢)المُسْتَثْنَوْنَ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] وهَذا غَيْرُ لازِمٍ مِنَ الآيَةِ، بَلِ التَّفْضِيلُ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ لَمْ تَعْنِ لَهُ الآيَةُ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ ويُحْتَمَلُ التَّساوِي، وإنَّما يَصِحُّ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ مِن مَواضِعَ أُخَرَ مِنَ الشَّرْعِ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا﴾ [الإسراء: ٧٠] هو ما سِوى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَسْبُ بَنِي آدَمَ (تَفْضِيلًا) أنْ تُرْفَعَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ وهم هم ومَنزِلَتُهم عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَتُهم، والعَجَبُ مِنَ المُجْبِرَةِ كَيْفَ عَكَسُوا في كُلِّ شَيْءٍ وكابَرُوا حَتّى جَسَرَتْهُمُ المُكابَرَةُ عَلى العَظِيمَةِ الَّتِي هي تَفْضِيلُ الإنْسانِ عَلى المَلَكِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَشْنِيعًا أقْذَعَ فِيهِ يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن كِتابِهِ. وقِيلَ: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ﴾ [الإسراء: ٧٠] بِالغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ. وقِيلَ: بِالثَّوابِ والجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِلتَّفْضِيلِ المُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِكَثِيرٍ مَجازُهُ وهو إطْلاقُهُ عَلى الجَمِيعِ، والعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وهو القَوْلُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ هُنا؛ لِأنَّكَ لَوْ جَعَلْتَ جَمِيعًا كانَ بِكَثِيرٍ، فَقُلْتُ: عَلى جَمِيعٍ مِمَّنْ خَلَقَنا لَكانَ نائِيًا عَنِ الفَصاحَةِ، ولا يَلِيقُ أنْ يُحْمَلَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو أفْصَحُ الكَلامِ عَلَيْهِ، ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في تَكْرِيمِ ابْنِ آدَمَ وتَفْضِيلِهِ مُسْتَمَدٌّ مِن كَلامِ الَّذِينَ يُسَمُّونَهم حُكَماءَ يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، إذْ هو جارٍ عَلى غَيْرِ طَرِيقَةِ العَرَبِ في كَلامِها.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنْواعًا مِن كَراماتِ الإنْسانِ في الدُّنْيا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ واخْتَلَفُوا في العامِلِ في (يَوْمَ) . فَقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مَتى هو. وقِيلَ: فَتَسْتَجِيبُونَ. وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن يَوْمَ يَدْعُوكم، وهَذِهِ أقْوالٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، ولَوْلا أنَّهم ذَكَرُوها لَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا وهو في هَذِهِ الأقْوالِ ظَرْفٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: انْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ اذْكُرْ وعَلى تَقْدِيرِ اذْكُرْ لا يَكُونُ ظَرْفًا بَلْ هو مَفْعُولٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا بَعْدَ قَوْلِهِ هو ظَرْفٌ: والعامِلُ فِيهِ اذْكُرْ أوْ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ وحَكاهُ أبُو البَقاءِ وقَدَّرَهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ يَوْمَ نَدْعُو. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ [الإسراء: ٧٠] وذَلِكَ أنَّ فَضْلَ البَشَرِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ بَيِّنٌ؛ لِأنَّهُمُ المُنَعَّمُونَ المُكَلَّفُونَ المُحاسَبُونَ الَّذِينَ لَهُمُ القَدْرُ إلّا أنَّ هَذا يَرُدُّهُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَئِذٍ أخْسَرُ مَن كُلِّ حَيَوانٍ، إذْ يَقُولُ الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (يَوْمَ) مَنصُوبًا عَلى البِناءِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَكُونُ مَوْضِعُهُ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في التَّقْسِيمِ الَّذِي أتى بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ﴾ . انْتَهى. وقَوْلُهُ مَنصُوبًا عَلى البِناءِ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: مَبْنِيًّا عَلى الفَتْحِ، وقَوْلُهُ: لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَنْقَسِمُ إلى مُتَمَكِّنٍ وغَيْرِ مُتَمَكِّنٍ هو الِاسْمُ لا الفِعْلُ، وهَذا أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُضارِعٍ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ إذا أُضِيفَ إلى فِعْلٍ مُضارِعٍ مُعْرَبٍ لا يَجُوزُ بِناؤُهُ، وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ هو عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ. وأمّا قَوْلُهُ: والخَبَرُ في التَّقْسِيمِ عارٍ مِن رابِطٍ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ التَّقْسِيمِيَّةِ بِالمُبْتَدَأِ إلّا إنْ قَدَّرَ مَحْذُوفًا، فَقَدْ يُمْكِنُ أيْ: مِمَّنْ ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ فِيهِ (بِيَمِينِهِ) وهو بَعْدَ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ تَخْرِيجٌ مُتَكَلَّفٌ.
وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: العامِلُ فِيهِ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ [الإسراء: ٧٠] عَلى تَقْدِيرِ ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ [الإسراء: ٧٠] بِالثَّوابِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِن قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنْهُ قَبْلُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ لا تَجِدُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: نُعِيدُكم مُضْمَرَةٌ أيْ: نُعِيدُكم ﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾ والأقْرَبُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ بِاذْكُرْ مُضْمَرَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نَدْعُو) بِنُونِ العَظَمَةِ، ومُجاهِدٌ يَدْعُو بِياءِ الغَيْبَةِ أيْ: يَدْعُو اللَّهَ، والحَسَنُ فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ يُدْعى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (كُلُّ) مَرْفُوعٌ بِهِ، وفِيما ذَكَرَ غَيْرُهُ يَدْعُو بِالواوِ وخُرِّجَ عَلى إبْدالِ الألِفِ واوًا عَلى لُغَةِ مَن (p-٦٣)يَقُولُ: أفْعُو في الوَقْفِ عَلى أفْعى، وإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وكُلُّ مَرْفُوعٌ بِهِ، وعَلى أنْ تَكُونَ الواوُ ضَمِيرًا مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وأصْلُهُ يَدْعُونَ فَحُذِفَتِ النُّونُ كَما حُذِفَتْ في قَوْلِهِ:
؎أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتِي تَدْلُكِي وجْهَكِ بِالعَنْبَرِ والمِسْكِ الزَّكِيِّ
أيْ: تَبِيتِينَ تَدْلُكِينَ، وكُلُّ بَدَلٌ مِن واوِ الضَّمِيرِ. و(أُناسٍ) اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، والباءُ في ﴿بِإمامِهِمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِنَدْعُو، أيْ: بِاسْمِ إمامِهِمْ. وقِيلَ: هي باءُ الحالِ أيْ: مَصْحُوبِينَ ﴿بِإمامِهِمْ﴾ . والإمامُ هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهم. وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: كِتابُهُمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَبِيُّهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والإمامُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُؤْتَمُ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إمامُهم مَنِ ائْتَمُّوا بِهِ نَبِيٌّ أوْ مُقَدَّمٌ في الدِّينِ أوْ كِتابٌ أوْ دِينٌ، فَيُقالُ: يا أهْلَ دِينِ كَذا وكِتابِ كَذا. وقِيلَ: بِكِتابِ أعْمالِهِمْ يا أصْحابَ كِتابِ الخَيْرِ ويا أصْحابَ كِتابِ الشَّرِّ. وفي قِراءَةِ الحَسَنِ بِكِتابِهِمْ ومِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ أنَّ الإمامَ جَمْعُ أُمٍّ وأنَّ النّاسَ يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ، وأنَّ الحِكْمَةَ في الدُّعاءِ بِالأُمَّهاتِ دُونَ الآباءِ رِعايَةَ حَقِّ عِيسى وشَرَفِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وأنْ لا يَفْتَضِحَ أوْلادُ الزِّنا ولَيْتَ شِعْرِي أيُّهُما أبْدَعُ أصِحَّةُ لَفْظِهِ أمْ بَهاءُ حِكْمَتِهِ. انْتَهى. وإيتاءُ الكِتابِ دَلِيلٌ عَلى ما تَقَرَّرَ في الشَّرِيعَةِ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي يُؤْتاها المُؤْمِنُ والكافِرُ، وإيتاؤُهُ بِاليَمِينِ دَلِيلٌ عَلى نَجاةِ الطّائِعِ وخَلاصِ الفاسِقِ مِنَ النّارِ إنْ دَخَلَها وبِشارَتِهِ أنَّهُ لا يُخَلَّدُ فِيها (فَأُولَئِكَ) جاءَ جَمْعًا عَلى مَعْنى مَن إذْ قَدْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ أوَّلًا فَأُفْرِدَ في قَوْلِهِ: ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وقِراءَتُهم كُتُبَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ بِالِاطِّلاعِ عَلى ما تَضَمَّنَتْها مِنَ البِشارَةِ، وإلّا فَقَدْ عَلِمُوا مِن حَيْثُ إيِتاؤُهم إيّاها بِاليَمِينِ أنَّهم مَن أهْلِ السَّعادَةِ، ومِن فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ يَقُولُ البارِي لِأهْلِ المَحْشَرِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ولَمْ يَأْتِ هُنا قَسِيمُ مَن ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وهو مَن يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ، وإنْ كانَ قَدْ أتى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بَلْ جاءَ قَسِيمُهُ قَوْلُهُ.
﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ وذَلِكَ مِن حَيْثُ المَعْنى مُقابِلُهُ؛ لِأنَّ مَن ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ هم أهْلُ السَّعادَةِ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ هم أهْلُ الشَّقاوَةِ ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: لا يَنْقُصُونَ أدْنى شَيْءٍ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الفَتِيلِ في سُورَةِ النِّساءِ. والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ) إلى الدُّنْيا، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ أيْ: مَن كانَ في هَذِهِ الدّارِ أعْمى عَنِ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ وعِبَرِهِ والإيمانِ بِأنْبِيائِهِ، فَهو في الآخِرَةِ أعْمى إمّا أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: في شَأْنِ الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَهو يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، مَعْنى أنَّهُ خَبَرانِ لا يَتَوَجَّهَ لَهُ صَوابٌ ولا يَلُوحَ لَهُ نُجْحٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أعْمى في الآخِرَةِ عَنْ حُجَجِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ﴾ النِّعَمُ يُشِيرُ إلى نِعَمِ التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ فَهو في الآخِرَةِ الَّتِي لَمْ تَرَ ولَمْ تُعايِنْ (أعْمى) . وقِيلَ: ومَن كانَ في الدُّنْيا ضالًّا كافِرًا فَهو في الآخِرَةِ أعْمى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ لِأنَّهُ في الدُّنْيا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ وفي الآخِرَةِ لا تُقْبَلُ، وفي الدُّنْيا يَهْتَدِي إلى التَّخَلُّصِ مِنَ الآفاتِ، وفي الآخِرَةِ لا يَهْتَدِي إلى ذَلِكَ ألْبَتَّةَ. وقِيلَ: فَهو في الآخِرَةِ أعْمى عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: أعْمى البَصَرِ كَما قالَ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٤] . وقِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ إبْصارِ الحَقِّ والِاعْتِبارِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى عَنِ الِاعْتِذارِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ إلى الدُّنْيا أيْ مَن كانَ في دُنْياهُ هَذِهِ وقْتَ إدْراكِهِ وفَهْمِهِ أعْمى عَنِ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ فَهو في يَوْمِ القِيامَةِ أشَدُّ حَيْرَةً وعَمًى؛ لِأنَّهُ قَدْ باشَرَ الخَيْبَةَ ورَأى مَخائِلَ العَذابِ، وبِهَذا التَّأْوِيلِ تَكُونُ مُعادِلَةً الَّتِي قَبْلَها مِن ذِكْرِ مَن يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ. وإذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ بِمَعْنى في شَأْنِ الآخِرَةِ لَمْ تَطَّرِدِ المُعادَلَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٦٤)والأعْمى مُسْتَعارٌ مِمَّنْ لا يُدْرِكُ المُبْصَراتِ لِفَسادِ حاسَّتِهِ لِمَن لا يَهْتَدِي إلى طَرِيقِ النَّجاةِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِفَقْدِ النَّظَرِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ الِاهْتِداءُ إلَيْهِ، وقَدْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الثّانِي بِمَعْنى التَّفْضِيلِ. ومِن ثَمَّ قَرَأ أبُو عُمَرَ، والأوَّلُ مُمالًا والثّانِي مُفَخَّمًا؛ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ تَمامُهُ بِمِن فَكانَتْ ألِفُهُ في حُكْمِ الواقِعَةِ في وسَطِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ: (أعْمالُكم) وأمّا الأوَّلُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ فَكانَتْ ألِفُهُ واقِعَةً في الطَّرَفِ مُعَرَّضَةً لِلْإمالَةِ. انْتَهى. وتَعْلِيلُهُ تَرْكُ إمالَةِ أعْمى الثّانِي أخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أبِي عَلِيٍّ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لِأنَّ الإمالَةَ إنَّما تَحْسُنُ في الأواخِرِ، و(أعْمى) لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ (أعْمى) مِن كَذا فَلَيْسَ يَتِمُّ إلّا في قَوْلِنا مِن كَذا فَهو إذَنْ لَيْسَ بِآخِرٍ، ويُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ عَطْفُ ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ لِأنَّ الإنْسانَ في الدُّنْيا يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ فَيَنْجُوَ وهو في الآخِرَةِ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَهو ﴿أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢] وأشَدُّ حَيْرَةً وأقْرَبُ إلى العَذابِ، و(أعْمى) هُنا مِن عَمى القَلْبِ لا مِن عَمى البَصَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِيهِ التَّفاضُلُ لا هَذا.
الإسراء 17:73
﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ .
الضَّمِيرُ في ﴿وإنْ كادُوا﴾ قِيلَ: لِقُرَيْشٍ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، وذَكَرُوا أسْبابَ نُزُولٍ مُخْتَلِفَةً، وفي بَعْضِها ما لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ويُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ والتَّحْرِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلى بَنِي آدَمَ ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم في الآخِرَةِ مِن إيتاءِ الكِتابِ بِاليَمِينِ لِأهْلِ السَّعادَةِ، ومِن عَمى أهْلِ الشَّقاوَةِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَهُمُّ بِهِ الأشْقِياءَ في الدُّنْيا مِنَ المَكْرِ والخِداعِ والتَّلْبِيسِ عَلى سَيِّدِ أهْلِ السَّعادَةِ المَقْطُوعِ لَهُ بِالعِصْمَةِ، ومَعْنى ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ لَيَخْدَعُونَكَ، وذَلِكَ في ظَنِّهِمْ لا أنَّهم قارَبُوا ذَلِكَ إذْ هو مَعْصُومٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُقارِبُوا فِتْنَتَهُ عَمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، وتِلْكَ المُقارَبَةُ في زَعْمِهِمْ سَبَبُها رَجاؤُهم أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ مِن تَبْدِيلِ الوَعْدِ وعِيدًا أوِ الوَعِيدِ وعْدًا، وما اقْتَرَحَتْهُ (p-٦٥)ثَقِيفٌ مِن أنْ يُضِيفَ إلى اللَّهِ ما لَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِ و(إنْ) هَذِهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولِيَتْها الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ وهي (كادُوا) لِأنَّها مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ وإنَّما تَدْخُلُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ مِنَ الأفْعالِ عَلى النَّواسِخِ الَّتِي لِلْإثْباتِ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، واللّامُ في ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ هي الفارِقَةُ بَيْنَ إنْ هَذِهِ وإنِ النّافِيَةِ (وإذًا) حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، ويُقَدَّرُ قَسَمٌ هُنا تَكُونُ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جَوابًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ (إذًا) أيْ: إنِ افْتُتِنْتَ وافْتَرَيْتَ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ ولاتَّخَذُوكَ في مَعْنى لَيَتَّخِذُونَكَ كَقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: ٥١] أيْ: لَيَظَلُّنَّ لِأنَّ (إذًا) تَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ المَعْنى جَزاءٌ فَيُقَدَّرُ مَوْضِعُها بِأداةِ الشَّرْطِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ﴾ أيْ: ولَوِ اتَّبَعْتَ مُرادَهم ﴿لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ولَكُنْتَ لَهم ولِيًّا، ولَخَرَجْتَ مِن وِلايَتِي. انْتَهى. وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى لا إنَّ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جَوابُ لَوْ مَحْذُوفَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ ولَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ وعِصْمَتُنا لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى خُدَعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، وهَذا تَهْيِيجٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ وفَضْلُ تَثْبِيتٍ، وفي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إذَنْ لَوْ قارَبْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ أدْنى رَكْنَةٍ ﴿لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ لَأذَقْناكَ عَذابَ الآخِرَةِ وعَذابَ القَبْرِ مُضاعَفَيْنِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَقِيقَةُ هَذا الكَلامِ ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ ﴿لَأذَقْناكَ﴾ عَذابَ الحَياةِ وعَذابَ المَماتِ؛ لِأنَّ العَذابَ عَذابانِ، عَذابٌ في المَماتِ وهو عَذابُ القَبْرِ، وعَذابٌ في حَياةِ الآخِرَةِ وهو عَذابُ النّارِ، والضِّعْفُ يُوصَفُ بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] يَعْنِي مُضاعَفًا، فَكانَ أصْلُ الكَلامِ ﴿لَأذَقْناكَ﴾ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ، وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وهو الضِّعْفُ، ثُمَّ أُضِيفَتِ الصِّفَةُ إضافَةَ المَوْصُوفِ، فَقِيلَ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ كَما قِيلَ: ﴿لَأذَقْناكَ﴾ ألِيمَ الحَياةِ وألِيمَ المَماتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِضِعْفِ الحَياةِ عَذابُ الحَياةِ الدُّنْيا، وبِضِعْفِ المَماتِ ما يَعْقُبُ المَوْتَ مِن عَذابِ القَبْرِ وعَذابِ النّارِ، والمَعْنى لَضاعَفْنا لَكَ العَذابَ المُعَجَّلَ لِلْعُصاةِ في الحَياةِ الدُّنْيا. وما نُؤَخِّرُهُ لِما بَعْدَ المَوْتِ. انْتَهى.
وجَوابُ (لَوْلا) يَقْتَضِي إذا كانَ مُثْبَتًا امْتِناعَهُ لِوُجُودِ ما قَبْلَهُ، فَمُقارَبَةُ الرُّكُونِ لَمْ تَقَعْ مِنهُ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ، والمانِعُ مِن ذَلِكَ هو وُجُودُ تَثْبِيتِ اللَّهِ. وقَرَأ قَتادَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُصَرِّفٍ: (تَرْكُنُ) بِضَمِّ الكافِ مُضارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِها وانْتَصَبَ (شَيْئًا) عَلى المَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: يُرِيدُ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ عَلى مَعْنى أنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ مَن أذْنَبَ مِن عُقُوبَتِنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ كُنّا نُضَعِّفُهُ. وذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ إلى أنَّ المَعْنى لَقَدْ كادَ أنْ يُخْبِرُوا عَنْكَ أنَّكَ رَكَنْتَ إلى قَوْلِهِمْ بِسَبَبِ فِعْلِهِمْ إلَيْهِ مَجازًا واتِّساعًا، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ أيْ: كادَ النّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ ما فَعَلْتَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الرَّسُولُ ﷺ مَعْصُومًا، ولَكِنَّ هَذا تَعْرِيفٌ لِلْأُمَّةِ لِئَلّا يَرْكَنَ أحَدٌ مِنهم إلى المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ. انْتَهى. واللّامُ في ﴿لَأذَقْناكَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ (إذًا) أيْ: واللَّهِ إنْ حَصَلَ رُكُونٌ لَيَكُونَنَّ كَذا، والقَوْلُ في ﴿لَأذَقْناكَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ مِن وُقُوعِ الماضِي مَوْضِعَ المُضارِعِ الدّاخِلِ عَلَيْهِ اللّامُ والنُّونُ، ومِمَّنْ نَصَّ عَلى أنَّ اللّامَ في ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ و﴿لَأذَقْناكَ﴾ هي لامُ القَسَمِ الحَوْفِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي ذِكْرِ الكَيْدُودَةِ وتَعْلِيلِها مَعَ إتْباعِها الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِالعَذابِ المُضاعَفِ في الدّارَيْنِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ القَبِيحَ يَعْظُمُ قُبْحُهُ بِمِقْدارِ عِظَمِ شَأْنِ فاعِلِهِ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِ. انْتَهى. ومِن ذَلِكَ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] الآيَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أدْنى مُداهَنَةٍ لِلْغُواةِ مُضادَّةٌ لِلَّهِ وخُرُوجٌ عَنْ وِلايَتِهِ، وسَبَبٌ مُوجِبٌ لِغَضَبِهِ ونَكالِهِ. انْتَهى.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» . قالَ حَضْرَمِيٌّ: الضَّمِيرُ في ﴿وإنْ كادُوا﴾ لِيَهُودِ المَدِينَةِ وناحِيَتِها كَحُيِّي بْنِ أخْطَبَ وغَيْرِهِ، (p-٦٦)وذَلِكَ أنَّهم ذَهَبُوا إلى المَكْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ لَيْسَتْ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وإنَّما أرْضُ الأنْبِياءِ الشّامُ، ولَكِنَّكَ تَخافُ الرُّومَ فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فاخْرُجْ إلَيْها؛ فَإنَّ اللَّهَ سَيَحْمِيكَ كَما حَمى غَيْرَكَ مِنَ الأنْبِياءِ فَنَزَلَتْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُلْبِثْهم بَعْدُ ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ .
وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ خَرَجَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ وعَسْكَرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وأقامَ يَنْتَظِرُ أصْحابَهُ فَنَزَلَتْ ورَجَعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لَمْ يَقَعْ في سِيرَةٍ ولا في كِتابٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وذُو الحُلَيْفَةِ لَيْسَ في طَرِيقِ الشّامِ مِنَ المَدِينَةِ. انْتَهى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، واسْتِفْزازُهم هو ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن إخْراجِهِ مِن مَكَّةَ كَما ذَهَبُوا إلى حَصْرِهِ في الشِّعْبِ، ووَقَعَ اسْتِفْزازُهم هَذا بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ وضَيَّقُوا عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ، واتَّبَعُوهُ إلى الغارِ ونَفَذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ في أنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ الزَّجّاجُ حاكِيًا أنَّ اسْتِفْزازَهم ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ مِن قَتْلِهِ، والأرْضُ عَلى هَذا الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ إلى هَذا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنها؛ لِأنَّهُ لَمّا أرادَ تَعالى اسْتِبْقاءَ قُرَيْشٍ وأنْ لا يَسْتَأْصِلَها أذِنَ لِرَسُولِهِ في الهِجْرَةِ فَخَرَجَ بِإذْنِهِ لا بِقَهْرِ قُرَيْشٍ، واسْتُبْقِيَتْ قُرَيْشٌ؛ لِيُسْلِمَ مِنها ومِن أعْقابِها مَن أسْلَمَ قالَ: ولَوْ أخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ لَعُذِّبُوا. ذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿يَلْبَثُونَ﴾ لِجَمِيعِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ رَأْيِكَ. وقالَ ابْنُ عِيسى: لَيُزْعِجُونَكَ ويَسْتَخِفُّونَكَ. وأنْشَدَ:
؎يُطِيعُ سَفِيهَ القَوْمِ إذْ يَسْتَفِزُّهُ ويَعْصِي حَلِيمًا شَيَّبَتْهُ الهَزاهِزُ
والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى مُقارَبَةِ اسْتِفْزازِهِ لِأنْ يُخْرِجُوهُ، فَما وقَعَ الِاسْتِفْزازُ ولا إخْراجُهم إيّاهُ المُعَلَّلُ بِهِ الِاسْتِفْزازُ، ثُمَّ جاءَ في القُرْآنِ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] أيْ: أخْرَجَكَ أهْلُها. وفي الحَدِيثِ: «يا لَيْتَنِي كُنْتُ فِيها جَذَعًا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ قالَ: أوَمُخْرِجِيَّ هم» الحَدِيثَ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم أخْرَجُوهُ، لَكِنَّ الإخْراجَ الَّذِي هو عِلَّةُ لِلِاسْتِفْزازِ لَمْ يَقَعْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ والحَدِيثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ما خَرَجَ بِسَبَبِ إخْراجِهِمْ، وإنَّما خَرَجَ بِأمْرِ اللَّهِ فَزالَ التَّناقُضُ. انْتَهى.
(ولا يَلْبَثُونَ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ إنِ اسْتَفَزُّوكَ فَخَرَجْتَ ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾ ولِذَلِكَ لَمْ تَعْمَلْ (إذًا) لِأنَّها تَوَسَّطَتْ بَيْنَ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، والفِعْلِ فَلا يَلْبَثُونَ لَيْسَتْ مُنْصَبَّةً عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ، وهم ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ﴾ فَوَقَعَتْ إذًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ فَأُلْغِيَتْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وإذًا لا يَلْبَثُوا بِحَذْفِ النُّونِ أعْمَلَ إذًا فَنَصَبَ بِها عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وبِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ مَحْذُوفَةُ النُّونِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما وجْهُ القِراءَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: أمّا الشّائِعَةُ فَقَدْ عَطَفَ فِيها الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ وهو مَرْفُوعٌ لِوُقُوعِهِ خَبَرَ كادَ، والفِعْلُ في خَبَرِ كادَ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْمِ. وأمّا قِراءَةُ أُبَيٍّ فَفِيها الجُمْلَةُ بِرَأْسِها الَّتِي هي وإذًا لا يَلْبَثُوا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ . انْتَهى. وقَرَأ عَطاءٌ ﴿لا يُلَبَّثُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ والباءِ مُشَدَّدَةٍ. وقَرَأ يَعْقُوبُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الباءَ. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿خِلافَكَ﴾ وباقِي السَّبْعَةِ خَلْفَكَ، والمَعْنى واحِدٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا
وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] أيْ: خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ في أحَدِ التَّأْوِيلاتِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَكَ مَكانَ خَلْفِكَ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ تَفْسِيرًا لِخَلْفِكَ لا قِراءَةً؛ لِأنَّها لا تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، فَأرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ خَلْفَكَ هُنا لَيْسَتْ ظَرْفَ مَكانٍ، وإنَّما تَجُوزُ فِيها فاسْتُعْمِلَتْ ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى بَعْدَكَ. وهَذِهِ الظُّرُوفُ الَّتِي هي قَبْلُ وبَعْدُ ونَحْوُهُما اطَّرَدَ إضافَتُها إلى أسْماءِ (p-٦٧)الأعْيانِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، في نَحْوِ خَلْفِكَ أيْ: خَلْفَ إخْراجِكَ، وجاءَ زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو، أيْ: قَبْلَ مَجِيءِ عَمْرٍو، وضَحِكَ بَكْرٌ بَعْدَ خالِدٍ أيْ: بَعْدَ ضَحِكِ خالِدٍ. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً، والمَعْنى أنَّ كُلَّ قَوْمٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ فَسُنَّةُ اللَّهِ أنْ يُهْلِكَهم بَعْدَ إخْراجِهِ ويَسْتَأْصِلَهم ولا يُقِيمُونَ بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا. وقالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ (سُنَّةَ) عَلى إسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ المَعْنى كَسُنَّةٍ فَنُصِبَ بَعْدَ حَذْفِ الكافِ، وعَلى هَذا لا يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] . وقالَ أبُو البَقاءِ: (سُنَّةَ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: سَنَنّا بِكَ سُنَّةَ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، أيِ: اتَّبِعْ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] . انْتَهى. وهَذا مَعْنًى غَيْرُ الأوَّلِ، والمُفَسِّرُونَ عَلى الأوَّلِ وهو المُناسِبُ لِمَعْنى الآيَةِ قَبْلَها (ولَنْ تَجِدَ) لِما أجْرَيْنا بِهِ العادَةَ ﴿تَحْوِيلًا﴾ مِنهُ إلى غَيْرِهِ؛ إذْ كُلُّ حادِثٍ لَهُ وقْتٌ مُعَيَّنٌ وصِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ ونَفْيُ الوِجْدانِ هُنا وفِيما أشْبَهَهُ مَعْناهُ نَفْيُ الوُجُودِ.
الإسراء 17:74
﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ .
الضَّمِيرُ في ﴿وإنْ كادُوا﴾ قِيلَ: لِقُرَيْشٍ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، وذَكَرُوا أسْبابَ نُزُولٍ مُخْتَلِفَةً، وفي بَعْضِها ما لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ويُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ والتَّحْرِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلى بَنِي آدَمَ ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم في الآخِرَةِ مِن إيتاءِ الكِتابِ بِاليَمِينِ لِأهْلِ السَّعادَةِ، ومِن عَمى أهْلِ الشَّقاوَةِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَهُمُّ بِهِ الأشْقِياءَ في الدُّنْيا مِنَ المَكْرِ والخِداعِ والتَّلْبِيسِ عَلى سَيِّدِ أهْلِ السَّعادَةِ المَقْطُوعِ لَهُ بِالعِصْمَةِ، ومَعْنى ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ لَيَخْدَعُونَكَ، وذَلِكَ في ظَنِّهِمْ لا أنَّهم قارَبُوا ذَلِكَ إذْ هو مَعْصُومٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُقارِبُوا فِتْنَتَهُ عَمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، وتِلْكَ المُقارَبَةُ في زَعْمِهِمْ سَبَبُها رَجاؤُهم أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ مِن تَبْدِيلِ الوَعْدِ وعِيدًا أوِ الوَعِيدِ وعْدًا، وما اقْتَرَحَتْهُ (p-٦٥)ثَقِيفٌ مِن أنْ يُضِيفَ إلى اللَّهِ ما لَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِ و(إنْ) هَذِهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولِيَتْها الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ وهي (كادُوا) لِأنَّها مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ وإنَّما تَدْخُلُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ مِنَ الأفْعالِ عَلى النَّواسِخِ الَّتِي لِلْإثْباتِ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، واللّامُ في ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ هي الفارِقَةُ بَيْنَ إنْ هَذِهِ وإنِ النّافِيَةِ (وإذًا) حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، ويُقَدَّرُ قَسَمٌ هُنا تَكُونُ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جَوابًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ (إذًا) أيْ: إنِ افْتُتِنْتَ وافْتَرَيْتَ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ ولاتَّخَذُوكَ في مَعْنى لَيَتَّخِذُونَكَ كَقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: ٥١] أيْ: لَيَظَلُّنَّ لِأنَّ (إذًا) تَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ المَعْنى جَزاءٌ فَيُقَدَّرُ مَوْضِعُها بِأداةِ الشَّرْطِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ﴾ أيْ: ولَوِ اتَّبَعْتَ مُرادَهم ﴿لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ولَكُنْتَ لَهم ولِيًّا، ولَخَرَجْتَ مِن وِلايَتِي. انْتَهى. وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى لا إنَّ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جَوابُ لَوْ مَحْذُوفَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ ولَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ وعِصْمَتُنا لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى خُدَعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، وهَذا تَهْيِيجٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ وفَضْلُ تَثْبِيتٍ، وفي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إذَنْ لَوْ قارَبْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ أدْنى رَكْنَةٍ ﴿لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ لَأذَقْناكَ عَذابَ الآخِرَةِ وعَذابَ القَبْرِ مُضاعَفَيْنِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَقِيقَةُ هَذا الكَلامِ ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ ﴿لَأذَقْناكَ﴾ عَذابَ الحَياةِ وعَذابَ المَماتِ؛ لِأنَّ العَذابَ عَذابانِ، عَذابٌ في المَماتِ وهو عَذابُ القَبْرِ، وعَذابٌ في حَياةِ الآخِرَةِ وهو عَذابُ النّارِ، والضِّعْفُ يُوصَفُ بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] يَعْنِي مُضاعَفًا، فَكانَ أصْلُ الكَلامِ ﴿لَأذَقْناكَ﴾ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ، وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وهو الضِّعْفُ، ثُمَّ أُضِيفَتِ الصِّفَةُ إضافَةَ المَوْصُوفِ، فَقِيلَ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ كَما قِيلَ: ﴿لَأذَقْناكَ﴾ ألِيمَ الحَياةِ وألِيمَ المَماتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِضِعْفِ الحَياةِ عَذابُ الحَياةِ الدُّنْيا، وبِضِعْفِ المَماتِ ما يَعْقُبُ المَوْتَ مِن عَذابِ القَبْرِ وعَذابِ النّارِ، والمَعْنى لَضاعَفْنا لَكَ العَذابَ المُعَجَّلَ لِلْعُصاةِ في الحَياةِ الدُّنْيا. وما نُؤَخِّرُهُ لِما بَعْدَ المَوْتِ. انْتَهى.
وجَوابُ (لَوْلا) يَقْتَضِي إذا كانَ مُثْبَتًا امْتِناعَهُ لِوُجُودِ ما قَبْلَهُ، فَمُقارَبَةُ الرُّكُونِ لَمْ تَقَعْ مِنهُ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ، والمانِعُ مِن ذَلِكَ هو وُجُودُ تَثْبِيتِ اللَّهِ. وقَرَأ قَتادَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُصَرِّفٍ: (تَرْكُنُ) بِضَمِّ الكافِ مُضارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِها وانْتَصَبَ (شَيْئًا) عَلى المَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: يُرِيدُ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ عَلى مَعْنى أنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ مَن أذْنَبَ مِن عُقُوبَتِنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ كُنّا نُضَعِّفُهُ. وذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ إلى أنَّ المَعْنى لَقَدْ كادَ أنْ يُخْبِرُوا عَنْكَ أنَّكَ رَكَنْتَ إلى قَوْلِهِمْ بِسَبَبِ فِعْلِهِمْ إلَيْهِ مَجازًا واتِّساعًا، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ أيْ: كادَ النّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ ما فَعَلْتَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الرَّسُولُ ﷺ مَعْصُومًا، ولَكِنَّ هَذا تَعْرِيفٌ لِلْأُمَّةِ لِئَلّا يَرْكَنَ أحَدٌ مِنهم إلى المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ. انْتَهى. واللّامُ في ﴿لَأذَقْناكَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ (إذًا) أيْ: واللَّهِ إنْ حَصَلَ رُكُونٌ لَيَكُونَنَّ كَذا، والقَوْلُ في ﴿لَأذَقْناكَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ مِن وُقُوعِ الماضِي مَوْضِعَ المُضارِعِ الدّاخِلِ عَلَيْهِ اللّامُ والنُّونُ، ومِمَّنْ نَصَّ عَلى أنَّ اللّامَ في ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ و﴿لَأذَقْناكَ﴾ هي لامُ القَسَمِ الحَوْفِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي ذِكْرِ الكَيْدُودَةِ وتَعْلِيلِها مَعَ إتْباعِها الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِالعَذابِ المُضاعَفِ في الدّارَيْنِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ القَبِيحَ يَعْظُمُ قُبْحُهُ بِمِقْدارِ عِظَمِ شَأْنِ فاعِلِهِ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِ. انْتَهى. ومِن ذَلِكَ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] الآيَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أدْنى مُداهَنَةٍ لِلْغُواةِ مُضادَّةٌ لِلَّهِ وخُرُوجٌ عَنْ وِلايَتِهِ، وسَبَبٌ مُوجِبٌ لِغَضَبِهِ ونَكالِهِ. انْتَهى.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» . قالَ حَضْرَمِيٌّ: الضَّمِيرُ في ﴿وإنْ كادُوا﴾ لِيَهُودِ المَدِينَةِ وناحِيَتِها كَحُيِّي بْنِ أخْطَبَ وغَيْرِهِ، (p-٦٦)وذَلِكَ أنَّهم ذَهَبُوا إلى المَكْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ لَيْسَتْ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وإنَّما أرْضُ الأنْبِياءِ الشّامُ، ولَكِنَّكَ تَخافُ الرُّومَ فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فاخْرُجْ إلَيْها؛ فَإنَّ اللَّهَ سَيَحْمِيكَ كَما حَمى غَيْرَكَ مِنَ الأنْبِياءِ فَنَزَلَتْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُلْبِثْهم بَعْدُ ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ .
وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ خَرَجَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ وعَسْكَرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وأقامَ يَنْتَظِرُ أصْحابَهُ فَنَزَلَتْ ورَجَعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لَمْ يَقَعْ في سِيرَةٍ ولا في كِتابٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وذُو الحُلَيْفَةِ لَيْسَ في طَرِيقِ الشّامِ مِنَ المَدِينَةِ. انْتَهى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، واسْتِفْزازُهم هو ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن إخْراجِهِ مِن مَكَّةَ كَما ذَهَبُوا إلى حَصْرِهِ في الشِّعْبِ، ووَقَعَ اسْتِفْزازُهم هَذا بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ وضَيَّقُوا عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ، واتَّبَعُوهُ إلى الغارِ ونَفَذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ في أنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ الزَّجّاجُ حاكِيًا أنَّ اسْتِفْزازَهم ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ مِن قَتْلِهِ، والأرْضُ عَلى هَذا الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ إلى هَذا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنها؛ لِأنَّهُ لَمّا أرادَ تَعالى اسْتِبْقاءَ قُرَيْشٍ وأنْ لا يَسْتَأْصِلَها أذِنَ لِرَسُولِهِ في الهِجْرَةِ فَخَرَجَ بِإذْنِهِ لا بِقَهْرِ قُرَيْشٍ، واسْتُبْقِيَتْ قُرَيْشٌ؛ لِيُسْلِمَ مِنها ومِن أعْقابِها مَن أسْلَمَ قالَ: ولَوْ أخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ لَعُذِّبُوا. ذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿يَلْبَثُونَ﴾ لِجَمِيعِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ رَأْيِكَ. وقالَ ابْنُ عِيسى: لَيُزْعِجُونَكَ ويَسْتَخِفُّونَكَ. وأنْشَدَ:
؎يُطِيعُ سَفِيهَ القَوْمِ إذْ يَسْتَفِزُّهُ ويَعْصِي حَلِيمًا شَيَّبَتْهُ الهَزاهِزُ
والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى مُقارَبَةِ اسْتِفْزازِهِ لِأنْ يُخْرِجُوهُ، فَما وقَعَ الِاسْتِفْزازُ ولا إخْراجُهم إيّاهُ المُعَلَّلُ بِهِ الِاسْتِفْزازُ، ثُمَّ جاءَ في القُرْآنِ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] أيْ: أخْرَجَكَ أهْلُها. وفي الحَدِيثِ: «يا لَيْتَنِي كُنْتُ فِيها جَذَعًا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ قالَ: أوَمُخْرِجِيَّ هم» الحَدِيثَ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم أخْرَجُوهُ، لَكِنَّ الإخْراجَ الَّذِي هو عِلَّةُ لِلِاسْتِفْزازِ لَمْ يَقَعْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ والحَدِيثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ما خَرَجَ بِسَبَبِ إخْراجِهِمْ، وإنَّما خَرَجَ بِأمْرِ اللَّهِ فَزالَ التَّناقُضُ. انْتَهى.
(ولا يَلْبَثُونَ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ إنِ اسْتَفَزُّوكَ فَخَرَجْتَ ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾ ولِذَلِكَ لَمْ تَعْمَلْ (إذًا) لِأنَّها تَوَسَّطَتْ بَيْنَ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، والفِعْلِ فَلا يَلْبَثُونَ لَيْسَتْ مُنْصَبَّةً عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ، وهم ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ﴾ فَوَقَعَتْ إذًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ فَأُلْغِيَتْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وإذًا لا يَلْبَثُوا بِحَذْفِ النُّونِ أعْمَلَ إذًا فَنَصَبَ بِها عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وبِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ مَحْذُوفَةُ النُّونِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما وجْهُ القِراءَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: أمّا الشّائِعَةُ فَقَدْ عَطَفَ فِيها الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ وهو مَرْفُوعٌ لِوُقُوعِهِ خَبَرَ كادَ، والفِعْلُ في خَبَرِ كادَ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْمِ. وأمّا قِراءَةُ أُبَيٍّ فَفِيها الجُمْلَةُ بِرَأْسِها الَّتِي هي وإذًا لا يَلْبَثُوا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ . انْتَهى. وقَرَأ عَطاءٌ ﴿لا يُلَبَّثُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ والباءِ مُشَدَّدَةٍ. وقَرَأ يَعْقُوبُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الباءَ. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿خِلافَكَ﴾ وباقِي السَّبْعَةِ خَلْفَكَ، والمَعْنى واحِدٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا
وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] أيْ: خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ في أحَدِ التَّأْوِيلاتِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَكَ مَكانَ خَلْفِكَ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ تَفْسِيرًا لِخَلْفِكَ لا قِراءَةً؛ لِأنَّها لا تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، فَأرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ خَلْفَكَ هُنا لَيْسَتْ ظَرْفَ مَكانٍ، وإنَّما تَجُوزُ فِيها فاسْتُعْمِلَتْ ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى بَعْدَكَ. وهَذِهِ الظُّرُوفُ الَّتِي هي قَبْلُ وبَعْدُ ونَحْوُهُما اطَّرَدَ إضافَتُها إلى أسْماءِ (p-٦٧)الأعْيانِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، في نَحْوِ خَلْفِكَ أيْ: خَلْفَ إخْراجِكَ، وجاءَ زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو، أيْ: قَبْلَ مَجِيءِ عَمْرٍو، وضَحِكَ بَكْرٌ بَعْدَ خالِدٍ أيْ: بَعْدَ ضَحِكِ خالِدٍ. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً، والمَعْنى أنَّ كُلَّ قَوْمٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ فَسُنَّةُ اللَّهِ أنْ يُهْلِكَهم بَعْدَ إخْراجِهِ ويَسْتَأْصِلَهم ولا يُقِيمُونَ بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا. وقالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ (سُنَّةَ) عَلى إسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ المَعْنى كَسُنَّةٍ فَنُصِبَ بَعْدَ حَذْفِ الكافِ، وعَلى هَذا لا يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] . وقالَ أبُو البَقاءِ: (سُنَّةَ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: سَنَنّا بِكَ سُنَّةَ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، أيِ: اتَّبِعْ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] . انْتَهى. وهَذا مَعْنًى غَيْرُ الأوَّلِ، والمُفَسِّرُونَ عَلى الأوَّلِ وهو المُناسِبُ لِمَعْنى الآيَةِ قَبْلَها (ولَنْ تَجِدَ) لِما أجْرَيْنا بِهِ العادَةَ ﴿تَحْوِيلًا﴾ مِنهُ إلى غَيْرِهِ؛ إذْ كُلُّ حادِثٍ لَهُ وقْتٌ مُعَيَّنٌ وصِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ ونَفْيُ الوِجْدانِ هُنا وفِيما أشْبَهَهُ مَعْناهُ نَفْيُ الوُجُودِ.
الإسراء 17:75
﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ .
الضَّمِيرُ في ﴿وإنْ كادُوا﴾ قِيلَ: لِقُرَيْشٍ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، وذَكَرُوا أسْبابَ نُزُولٍ مُخْتَلِفَةً، وفي بَعْضِها ما لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ويُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ والتَّحْرِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلى بَنِي آدَمَ ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم في الآخِرَةِ مِن إيتاءِ الكِتابِ بِاليَمِينِ لِأهْلِ السَّعادَةِ، ومِن عَمى أهْلِ الشَّقاوَةِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَهُمُّ بِهِ الأشْقِياءَ في الدُّنْيا مِنَ المَكْرِ والخِداعِ والتَّلْبِيسِ عَلى سَيِّدِ أهْلِ السَّعادَةِ المَقْطُوعِ لَهُ بِالعِصْمَةِ، ومَعْنى ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ لَيَخْدَعُونَكَ، وذَلِكَ في ظَنِّهِمْ لا أنَّهم قارَبُوا ذَلِكَ إذْ هو مَعْصُومٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُقارِبُوا فِتْنَتَهُ عَمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، وتِلْكَ المُقارَبَةُ في زَعْمِهِمْ سَبَبُها رَجاؤُهم أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ مِن تَبْدِيلِ الوَعْدِ وعِيدًا أوِ الوَعِيدِ وعْدًا، وما اقْتَرَحَتْهُ (p-٦٥)ثَقِيفٌ مِن أنْ يُضِيفَ إلى اللَّهِ ما لَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِ و(إنْ) هَذِهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولِيَتْها الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ وهي (كادُوا) لِأنَّها مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ وإنَّما تَدْخُلُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ مِنَ الأفْعالِ عَلى النَّواسِخِ الَّتِي لِلْإثْباتِ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، واللّامُ في ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ هي الفارِقَةُ بَيْنَ إنْ هَذِهِ وإنِ النّافِيَةِ (وإذًا) حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، ويُقَدَّرُ قَسَمٌ هُنا تَكُونُ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جَوابًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ (إذًا) أيْ: إنِ افْتُتِنْتَ وافْتَرَيْتَ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ ولاتَّخَذُوكَ في مَعْنى لَيَتَّخِذُونَكَ كَقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: ٥١] أيْ: لَيَظَلُّنَّ لِأنَّ (إذًا) تَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ المَعْنى جَزاءٌ فَيُقَدَّرُ مَوْضِعُها بِأداةِ الشَّرْطِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ﴾ أيْ: ولَوِ اتَّبَعْتَ مُرادَهم ﴿لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ولَكُنْتَ لَهم ولِيًّا، ولَخَرَجْتَ مِن وِلايَتِي. انْتَهى. وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى لا إنَّ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جَوابُ لَوْ مَحْذُوفَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ ولَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ وعِصْمَتُنا لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى خُدَعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، وهَذا تَهْيِيجٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ وفَضْلُ تَثْبِيتٍ، وفي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إذَنْ لَوْ قارَبْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ أدْنى رَكْنَةٍ ﴿لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ لَأذَقْناكَ عَذابَ الآخِرَةِ وعَذابَ القَبْرِ مُضاعَفَيْنِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَقِيقَةُ هَذا الكَلامِ ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ ﴿لَأذَقْناكَ﴾ عَذابَ الحَياةِ وعَذابَ المَماتِ؛ لِأنَّ العَذابَ عَذابانِ، عَذابٌ في المَماتِ وهو عَذابُ القَبْرِ، وعَذابٌ في حَياةِ الآخِرَةِ وهو عَذابُ النّارِ، والضِّعْفُ يُوصَفُ بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] يَعْنِي مُضاعَفًا، فَكانَ أصْلُ الكَلامِ ﴿لَأذَقْناكَ﴾ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ، وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وهو الضِّعْفُ، ثُمَّ أُضِيفَتِ الصِّفَةُ إضافَةَ المَوْصُوفِ، فَقِيلَ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ كَما قِيلَ: ﴿لَأذَقْناكَ﴾ ألِيمَ الحَياةِ وألِيمَ المَماتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِضِعْفِ الحَياةِ عَذابُ الحَياةِ الدُّنْيا، وبِضِعْفِ المَماتِ ما يَعْقُبُ المَوْتَ مِن عَذابِ القَبْرِ وعَذابِ النّارِ، والمَعْنى لَضاعَفْنا لَكَ العَذابَ المُعَجَّلَ لِلْعُصاةِ في الحَياةِ الدُّنْيا. وما نُؤَخِّرُهُ لِما بَعْدَ المَوْتِ. انْتَهى.
وجَوابُ (لَوْلا) يَقْتَضِي إذا كانَ مُثْبَتًا امْتِناعَهُ لِوُجُودِ ما قَبْلَهُ، فَمُقارَبَةُ الرُّكُونِ لَمْ تَقَعْ مِنهُ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ، والمانِعُ مِن ذَلِكَ هو وُجُودُ تَثْبِيتِ اللَّهِ. وقَرَأ قَتادَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُصَرِّفٍ: (تَرْكُنُ) بِضَمِّ الكافِ مُضارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِها وانْتَصَبَ (شَيْئًا) عَلى المَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: يُرِيدُ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ عَلى مَعْنى أنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ مَن أذْنَبَ مِن عُقُوبَتِنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ كُنّا نُضَعِّفُهُ. وذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ إلى أنَّ المَعْنى لَقَدْ كادَ أنْ يُخْبِرُوا عَنْكَ أنَّكَ رَكَنْتَ إلى قَوْلِهِمْ بِسَبَبِ فِعْلِهِمْ إلَيْهِ مَجازًا واتِّساعًا، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ أيْ: كادَ النّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ ما فَعَلْتَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الرَّسُولُ ﷺ مَعْصُومًا، ولَكِنَّ هَذا تَعْرِيفٌ لِلْأُمَّةِ لِئَلّا يَرْكَنَ أحَدٌ مِنهم إلى المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ. انْتَهى. واللّامُ في ﴿لَأذَقْناكَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ (إذًا) أيْ: واللَّهِ إنْ حَصَلَ رُكُونٌ لَيَكُونَنَّ كَذا، والقَوْلُ في ﴿لَأذَقْناكَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ مِن وُقُوعِ الماضِي مَوْضِعَ المُضارِعِ الدّاخِلِ عَلَيْهِ اللّامُ والنُّونُ، ومِمَّنْ نَصَّ عَلى أنَّ اللّامَ في ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ و﴿لَأذَقْناكَ﴾ هي لامُ القَسَمِ الحَوْفِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي ذِكْرِ الكَيْدُودَةِ وتَعْلِيلِها مَعَ إتْباعِها الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِالعَذابِ المُضاعَفِ في الدّارَيْنِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ القَبِيحَ يَعْظُمُ قُبْحُهُ بِمِقْدارِ عِظَمِ شَأْنِ فاعِلِهِ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِ. انْتَهى. ومِن ذَلِكَ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] الآيَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أدْنى مُداهَنَةٍ لِلْغُواةِ مُضادَّةٌ لِلَّهِ وخُرُوجٌ عَنْ وِلايَتِهِ، وسَبَبٌ مُوجِبٌ لِغَضَبِهِ ونَكالِهِ. انْتَهى.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» . قالَ حَضْرَمِيٌّ: الضَّمِيرُ في ﴿وإنْ كادُوا﴾ لِيَهُودِ المَدِينَةِ وناحِيَتِها كَحُيِّي بْنِ أخْطَبَ وغَيْرِهِ، (p-٦٦)وذَلِكَ أنَّهم ذَهَبُوا إلى المَكْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ لَيْسَتْ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وإنَّما أرْضُ الأنْبِياءِ الشّامُ، ولَكِنَّكَ تَخافُ الرُّومَ فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فاخْرُجْ إلَيْها؛ فَإنَّ اللَّهَ سَيَحْمِيكَ كَما حَمى غَيْرَكَ مِنَ الأنْبِياءِ فَنَزَلَتْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُلْبِثْهم بَعْدُ ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ .
وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ خَرَجَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ وعَسْكَرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وأقامَ يَنْتَظِرُ أصْحابَهُ فَنَزَلَتْ ورَجَعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لَمْ يَقَعْ في سِيرَةٍ ولا في كِتابٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وذُو الحُلَيْفَةِ لَيْسَ في طَرِيقِ الشّامِ مِنَ المَدِينَةِ. انْتَهى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، واسْتِفْزازُهم هو ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن إخْراجِهِ مِن مَكَّةَ كَما ذَهَبُوا إلى حَصْرِهِ في الشِّعْبِ، ووَقَعَ اسْتِفْزازُهم هَذا بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ وضَيَّقُوا عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ، واتَّبَعُوهُ إلى الغارِ ونَفَذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ في أنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ الزَّجّاجُ حاكِيًا أنَّ اسْتِفْزازَهم ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ مِن قَتْلِهِ، والأرْضُ عَلى هَذا الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ إلى هَذا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنها؛ لِأنَّهُ لَمّا أرادَ تَعالى اسْتِبْقاءَ قُرَيْشٍ وأنْ لا يَسْتَأْصِلَها أذِنَ لِرَسُولِهِ في الهِجْرَةِ فَخَرَجَ بِإذْنِهِ لا بِقَهْرِ قُرَيْشٍ، واسْتُبْقِيَتْ قُرَيْشٌ؛ لِيُسْلِمَ مِنها ومِن أعْقابِها مَن أسْلَمَ قالَ: ولَوْ أخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ لَعُذِّبُوا. ذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿يَلْبَثُونَ﴾ لِجَمِيعِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ رَأْيِكَ. وقالَ ابْنُ عِيسى: لَيُزْعِجُونَكَ ويَسْتَخِفُّونَكَ. وأنْشَدَ:
؎يُطِيعُ سَفِيهَ القَوْمِ إذْ يَسْتَفِزُّهُ ويَعْصِي حَلِيمًا شَيَّبَتْهُ الهَزاهِزُ
والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى مُقارَبَةِ اسْتِفْزازِهِ لِأنْ يُخْرِجُوهُ، فَما وقَعَ الِاسْتِفْزازُ ولا إخْراجُهم إيّاهُ المُعَلَّلُ بِهِ الِاسْتِفْزازُ، ثُمَّ جاءَ في القُرْآنِ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] أيْ: أخْرَجَكَ أهْلُها. وفي الحَدِيثِ: «يا لَيْتَنِي كُنْتُ فِيها جَذَعًا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ قالَ: أوَمُخْرِجِيَّ هم» الحَدِيثَ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم أخْرَجُوهُ، لَكِنَّ الإخْراجَ الَّذِي هو عِلَّةُ لِلِاسْتِفْزازِ لَمْ يَقَعْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ والحَدِيثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ما خَرَجَ بِسَبَبِ إخْراجِهِمْ، وإنَّما خَرَجَ بِأمْرِ اللَّهِ فَزالَ التَّناقُضُ. انْتَهى.
(ولا يَلْبَثُونَ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ إنِ اسْتَفَزُّوكَ فَخَرَجْتَ ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾ ولِذَلِكَ لَمْ تَعْمَلْ (إذًا) لِأنَّها تَوَسَّطَتْ بَيْنَ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، والفِعْلِ فَلا يَلْبَثُونَ لَيْسَتْ مُنْصَبَّةً عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ، وهم ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ﴾ فَوَقَعَتْ إذًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ فَأُلْغِيَتْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وإذًا لا يَلْبَثُوا بِحَذْفِ النُّونِ أعْمَلَ إذًا فَنَصَبَ بِها عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وبِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ مَحْذُوفَةُ النُّونِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما وجْهُ القِراءَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: أمّا الشّائِعَةُ فَقَدْ عَطَفَ فِيها الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ وهو مَرْفُوعٌ لِوُقُوعِهِ خَبَرَ كادَ، والفِعْلُ في خَبَرِ كادَ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْمِ. وأمّا قِراءَةُ أُبَيٍّ فَفِيها الجُمْلَةُ بِرَأْسِها الَّتِي هي وإذًا لا يَلْبَثُوا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ . انْتَهى. وقَرَأ عَطاءٌ ﴿لا يُلَبَّثُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ والباءِ مُشَدَّدَةٍ. وقَرَأ يَعْقُوبُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الباءَ. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿خِلافَكَ﴾ وباقِي السَّبْعَةِ خَلْفَكَ، والمَعْنى واحِدٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا
وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] أيْ: خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ في أحَدِ التَّأْوِيلاتِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَكَ مَكانَ خَلْفِكَ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ تَفْسِيرًا لِخَلْفِكَ لا قِراءَةً؛ لِأنَّها لا تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، فَأرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ خَلْفَكَ هُنا لَيْسَتْ ظَرْفَ مَكانٍ، وإنَّما تَجُوزُ فِيها فاسْتُعْمِلَتْ ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى بَعْدَكَ. وهَذِهِ الظُّرُوفُ الَّتِي هي قَبْلُ وبَعْدُ ونَحْوُهُما اطَّرَدَ إضافَتُها إلى أسْماءِ (p-٦٧)الأعْيانِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، في نَحْوِ خَلْفِكَ أيْ: خَلْفَ إخْراجِكَ، وجاءَ زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو، أيْ: قَبْلَ مَجِيءِ عَمْرٍو، وضَحِكَ بَكْرٌ بَعْدَ خالِدٍ أيْ: بَعْدَ ضَحِكِ خالِدٍ. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً، والمَعْنى أنَّ كُلَّ قَوْمٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ فَسُنَّةُ اللَّهِ أنْ يُهْلِكَهم بَعْدَ إخْراجِهِ ويَسْتَأْصِلَهم ولا يُقِيمُونَ بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا. وقالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ (سُنَّةَ) عَلى إسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ المَعْنى كَسُنَّةٍ فَنُصِبَ بَعْدَ حَذْفِ الكافِ، وعَلى هَذا لا يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] . وقالَ أبُو البَقاءِ: (سُنَّةَ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: سَنَنّا بِكَ سُنَّةَ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، أيِ: اتَّبِعْ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] . انْتَهى. وهَذا مَعْنًى غَيْرُ الأوَّلِ، والمُفَسِّرُونَ عَلى الأوَّلِ وهو المُناسِبُ لِمَعْنى الآيَةِ قَبْلَها (ولَنْ تَجِدَ) لِما أجْرَيْنا بِهِ العادَةَ ﴿تَحْوِيلًا﴾ مِنهُ إلى غَيْرِهِ؛ إذْ كُلُّ حادِثٍ لَهُ وقْتٌ مُعَيَّنٌ وصِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ ونَفْيُ الوِجْدانِ هُنا وفِيما أشْبَهَهُ مَعْناهُ نَفْيُ الوُجُودِ.
الإسراء 17:76
﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ .
الضَّمِيرُ في ﴿وإنْ كادُوا﴾ قِيلَ: لِقُرَيْشٍ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، وذَكَرُوا أسْبابَ نُزُولٍ مُخْتَلِفَةً، وفي بَعْضِها ما لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ويُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ والتَّحْرِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلى بَنِي آدَمَ ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم في الآخِرَةِ مِن إيتاءِ الكِتابِ بِاليَمِينِ لِأهْلِ السَّعادَةِ، ومِن عَمى أهْلِ الشَّقاوَةِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَهُمُّ بِهِ الأشْقِياءَ في الدُّنْيا مِنَ المَكْرِ والخِداعِ والتَّلْبِيسِ عَلى سَيِّدِ أهْلِ السَّعادَةِ المَقْطُوعِ لَهُ بِالعِصْمَةِ، ومَعْنى ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ لَيَخْدَعُونَكَ، وذَلِكَ في ظَنِّهِمْ لا أنَّهم قارَبُوا ذَلِكَ إذْ هو مَعْصُومٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُقارِبُوا فِتْنَتَهُ عَمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، وتِلْكَ المُقارَبَةُ في زَعْمِهِمْ سَبَبُها رَجاؤُهم أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ مِن تَبْدِيلِ الوَعْدِ وعِيدًا أوِ الوَعِيدِ وعْدًا، وما اقْتَرَحَتْهُ (p-٦٥)ثَقِيفٌ مِن أنْ يُضِيفَ إلى اللَّهِ ما لَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِ و(إنْ) هَذِهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولِيَتْها الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ وهي (كادُوا) لِأنَّها مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ وإنَّما تَدْخُلُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ مِنَ الأفْعالِ عَلى النَّواسِخِ الَّتِي لِلْإثْباتِ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، واللّامُ في ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ هي الفارِقَةُ بَيْنَ إنْ هَذِهِ وإنِ النّافِيَةِ (وإذًا) حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، ويُقَدَّرُ قَسَمٌ هُنا تَكُونُ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جَوابًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ (إذًا) أيْ: إنِ افْتُتِنْتَ وافْتَرَيْتَ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ ولاتَّخَذُوكَ في مَعْنى لَيَتَّخِذُونَكَ كَقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: ٥١] أيْ: لَيَظَلُّنَّ لِأنَّ (إذًا) تَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ المَعْنى جَزاءٌ فَيُقَدَّرُ مَوْضِعُها بِأداةِ الشَّرْطِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ﴾ أيْ: ولَوِ اتَّبَعْتَ مُرادَهم ﴿لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ولَكُنْتَ لَهم ولِيًّا، ولَخَرَجْتَ مِن وِلايَتِي. انْتَهى. وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى لا إنَّ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جَوابُ لَوْ مَحْذُوفَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ ولَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ وعِصْمَتُنا لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى خُدَعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، وهَذا تَهْيِيجٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ وفَضْلُ تَثْبِيتٍ، وفي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إذَنْ لَوْ قارَبْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ أدْنى رَكْنَةٍ ﴿لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ لَأذَقْناكَ عَذابَ الآخِرَةِ وعَذابَ القَبْرِ مُضاعَفَيْنِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَقِيقَةُ هَذا الكَلامِ ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ ﴿لَأذَقْناكَ﴾ عَذابَ الحَياةِ وعَذابَ المَماتِ؛ لِأنَّ العَذابَ عَذابانِ، عَذابٌ في المَماتِ وهو عَذابُ القَبْرِ، وعَذابٌ في حَياةِ الآخِرَةِ وهو عَذابُ النّارِ، والضِّعْفُ يُوصَفُ بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] يَعْنِي مُضاعَفًا، فَكانَ أصْلُ الكَلامِ ﴿لَأذَقْناكَ﴾ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ، وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وهو الضِّعْفُ، ثُمَّ أُضِيفَتِ الصِّفَةُ إضافَةَ المَوْصُوفِ، فَقِيلَ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ كَما قِيلَ: ﴿لَأذَقْناكَ﴾ ألِيمَ الحَياةِ وألِيمَ المَماتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِضِعْفِ الحَياةِ عَذابُ الحَياةِ الدُّنْيا، وبِضِعْفِ المَماتِ ما يَعْقُبُ المَوْتَ مِن عَذابِ القَبْرِ وعَذابِ النّارِ، والمَعْنى لَضاعَفْنا لَكَ العَذابَ المُعَجَّلَ لِلْعُصاةِ في الحَياةِ الدُّنْيا. وما نُؤَخِّرُهُ لِما بَعْدَ المَوْتِ. انْتَهى.
وجَوابُ (لَوْلا) يَقْتَضِي إذا كانَ مُثْبَتًا امْتِناعَهُ لِوُجُودِ ما قَبْلَهُ، فَمُقارَبَةُ الرُّكُونِ لَمْ تَقَعْ مِنهُ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ، والمانِعُ مِن ذَلِكَ هو وُجُودُ تَثْبِيتِ اللَّهِ. وقَرَأ قَتادَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُصَرِّفٍ: (تَرْكُنُ) بِضَمِّ الكافِ مُضارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِها وانْتَصَبَ (شَيْئًا) عَلى المَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: يُرِيدُ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ عَلى مَعْنى أنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ مَن أذْنَبَ مِن عُقُوبَتِنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ كُنّا نُضَعِّفُهُ. وذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ إلى أنَّ المَعْنى لَقَدْ كادَ أنْ يُخْبِرُوا عَنْكَ أنَّكَ رَكَنْتَ إلى قَوْلِهِمْ بِسَبَبِ فِعْلِهِمْ إلَيْهِ مَجازًا واتِّساعًا، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ أيْ: كادَ النّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ ما فَعَلْتَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الرَّسُولُ ﷺ مَعْصُومًا، ولَكِنَّ هَذا تَعْرِيفٌ لِلْأُمَّةِ لِئَلّا يَرْكَنَ أحَدٌ مِنهم إلى المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ. انْتَهى. واللّامُ في ﴿لَأذَقْناكَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ (إذًا) أيْ: واللَّهِ إنْ حَصَلَ رُكُونٌ لَيَكُونَنَّ كَذا، والقَوْلُ في ﴿لَأذَقْناكَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ مِن وُقُوعِ الماضِي مَوْضِعَ المُضارِعِ الدّاخِلِ عَلَيْهِ اللّامُ والنُّونُ، ومِمَّنْ نَصَّ عَلى أنَّ اللّامَ في ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ و﴿لَأذَقْناكَ﴾ هي لامُ القَسَمِ الحَوْفِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي ذِكْرِ الكَيْدُودَةِ وتَعْلِيلِها مَعَ إتْباعِها الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِالعَذابِ المُضاعَفِ في الدّارَيْنِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ القَبِيحَ يَعْظُمُ قُبْحُهُ بِمِقْدارِ عِظَمِ شَأْنِ فاعِلِهِ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِ. انْتَهى. ومِن ذَلِكَ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] الآيَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أدْنى مُداهَنَةٍ لِلْغُواةِ مُضادَّةٌ لِلَّهِ وخُرُوجٌ عَنْ وِلايَتِهِ، وسَبَبٌ مُوجِبٌ لِغَضَبِهِ ونَكالِهِ. انْتَهى.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» . قالَ حَضْرَمِيٌّ: الضَّمِيرُ في ﴿وإنْ كادُوا﴾ لِيَهُودِ المَدِينَةِ وناحِيَتِها كَحُيِّي بْنِ أخْطَبَ وغَيْرِهِ، (p-٦٦)وذَلِكَ أنَّهم ذَهَبُوا إلى المَكْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ لَيْسَتْ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وإنَّما أرْضُ الأنْبِياءِ الشّامُ، ولَكِنَّكَ تَخافُ الرُّومَ فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فاخْرُجْ إلَيْها؛ فَإنَّ اللَّهَ سَيَحْمِيكَ كَما حَمى غَيْرَكَ مِنَ الأنْبِياءِ فَنَزَلَتْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُلْبِثْهم بَعْدُ ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ .
وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ خَرَجَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ وعَسْكَرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وأقامَ يَنْتَظِرُ أصْحابَهُ فَنَزَلَتْ ورَجَعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لَمْ يَقَعْ في سِيرَةٍ ولا في كِتابٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وذُو الحُلَيْفَةِ لَيْسَ في طَرِيقِ الشّامِ مِنَ المَدِينَةِ. انْتَهى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، واسْتِفْزازُهم هو ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن إخْراجِهِ مِن مَكَّةَ كَما ذَهَبُوا إلى حَصْرِهِ في الشِّعْبِ، ووَقَعَ اسْتِفْزازُهم هَذا بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ وضَيَّقُوا عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ، واتَّبَعُوهُ إلى الغارِ ونَفَذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ في أنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ الزَّجّاجُ حاكِيًا أنَّ اسْتِفْزازَهم ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ مِن قَتْلِهِ، والأرْضُ عَلى هَذا الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ إلى هَذا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنها؛ لِأنَّهُ لَمّا أرادَ تَعالى اسْتِبْقاءَ قُرَيْشٍ وأنْ لا يَسْتَأْصِلَها أذِنَ لِرَسُولِهِ في الهِجْرَةِ فَخَرَجَ بِإذْنِهِ لا بِقَهْرِ قُرَيْشٍ، واسْتُبْقِيَتْ قُرَيْشٌ؛ لِيُسْلِمَ مِنها ومِن أعْقابِها مَن أسْلَمَ قالَ: ولَوْ أخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ لَعُذِّبُوا. ذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿يَلْبَثُونَ﴾ لِجَمِيعِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ رَأْيِكَ. وقالَ ابْنُ عِيسى: لَيُزْعِجُونَكَ ويَسْتَخِفُّونَكَ. وأنْشَدَ:
؎يُطِيعُ سَفِيهَ القَوْمِ إذْ يَسْتَفِزُّهُ ويَعْصِي حَلِيمًا شَيَّبَتْهُ الهَزاهِزُ
والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى مُقارَبَةِ اسْتِفْزازِهِ لِأنْ يُخْرِجُوهُ، فَما وقَعَ الِاسْتِفْزازُ ولا إخْراجُهم إيّاهُ المُعَلَّلُ بِهِ الِاسْتِفْزازُ، ثُمَّ جاءَ في القُرْآنِ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] أيْ: أخْرَجَكَ أهْلُها. وفي الحَدِيثِ: «يا لَيْتَنِي كُنْتُ فِيها جَذَعًا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ قالَ: أوَمُخْرِجِيَّ هم» الحَدِيثَ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم أخْرَجُوهُ، لَكِنَّ الإخْراجَ الَّذِي هو عِلَّةُ لِلِاسْتِفْزازِ لَمْ يَقَعْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ والحَدِيثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ما خَرَجَ بِسَبَبِ إخْراجِهِمْ، وإنَّما خَرَجَ بِأمْرِ اللَّهِ فَزالَ التَّناقُضُ. انْتَهى.
(ولا يَلْبَثُونَ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ إنِ اسْتَفَزُّوكَ فَخَرَجْتَ ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾ ولِذَلِكَ لَمْ تَعْمَلْ (إذًا) لِأنَّها تَوَسَّطَتْ بَيْنَ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، والفِعْلِ فَلا يَلْبَثُونَ لَيْسَتْ مُنْصَبَّةً عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ، وهم ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ﴾ فَوَقَعَتْ إذًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ فَأُلْغِيَتْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وإذًا لا يَلْبَثُوا بِحَذْفِ النُّونِ أعْمَلَ إذًا فَنَصَبَ بِها عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وبِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ مَحْذُوفَةُ النُّونِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما وجْهُ القِراءَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: أمّا الشّائِعَةُ فَقَدْ عَطَفَ فِيها الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ وهو مَرْفُوعٌ لِوُقُوعِهِ خَبَرَ كادَ، والفِعْلُ في خَبَرِ كادَ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْمِ. وأمّا قِراءَةُ أُبَيٍّ فَفِيها الجُمْلَةُ بِرَأْسِها الَّتِي هي وإذًا لا يَلْبَثُوا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ . انْتَهى. وقَرَأ عَطاءٌ ﴿لا يُلَبَّثُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ والباءِ مُشَدَّدَةٍ. وقَرَأ يَعْقُوبُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الباءَ. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿خِلافَكَ﴾ وباقِي السَّبْعَةِ خَلْفَكَ، والمَعْنى واحِدٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا
وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] أيْ: خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ في أحَدِ التَّأْوِيلاتِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَكَ مَكانَ خَلْفِكَ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ تَفْسِيرًا لِخَلْفِكَ لا قِراءَةً؛ لِأنَّها لا تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، فَأرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ خَلْفَكَ هُنا لَيْسَتْ ظَرْفَ مَكانٍ، وإنَّما تَجُوزُ فِيها فاسْتُعْمِلَتْ ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى بَعْدَكَ. وهَذِهِ الظُّرُوفُ الَّتِي هي قَبْلُ وبَعْدُ ونَحْوُهُما اطَّرَدَ إضافَتُها إلى أسْماءِ (p-٦٧)الأعْيانِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، في نَحْوِ خَلْفِكَ أيْ: خَلْفَ إخْراجِكَ، وجاءَ زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو، أيْ: قَبْلَ مَجِيءِ عَمْرٍو، وضَحِكَ بَكْرٌ بَعْدَ خالِدٍ أيْ: بَعْدَ ضَحِكِ خالِدٍ. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً، والمَعْنى أنَّ كُلَّ قَوْمٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ فَسُنَّةُ اللَّهِ أنْ يُهْلِكَهم بَعْدَ إخْراجِهِ ويَسْتَأْصِلَهم ولا يُقِيمُونَ بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا. وقالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ (سُنَّةَ) عَلى إسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ المَعْنى كَسُنَّةٍ فَنُصِبَ بَعْدَ حَذْفِ الكافِ، وعَلى هَذا لا يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] . وقالَ أبُو البَقاءِ: (سُنَّةَ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: سَنَنّا بِكَ سُنَّةَ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، أيِ: اتَّبِعْ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] . انْتَهى. وهَذا مَعْنًى غَيْرُ الأوَّلِ، والمُفَسِّرُونَ عَلى الأوَّلِ وهو المُناسِبُ لِمَعْنى الآيَةِ قَبْلَها (ولَنْ تَجِدَ) لِما أجْرَيْنا بِهِ العادَةَ ﴿تَحْوِيلًا﴾ مِنهُ إلى غَيْرِهِ؛ إذْ كُلُّ حادِثٍ لَهُ وقْتٌ مُعَيَّنٌ وصِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ ونَفْيُ الوِجْدانِ هُنا وفِيما أشْبَهَهُ مَعْناهُ نَفْيُ الوُجُودِ.
الإسراء 17:77
﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ .
الضَّمِيرُ في ﴿وإنْ كادُوا﴾ قِيلَ: لِقُرَيْشٍ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، وذَكَرُوا أسْبابَ نُزُولٍ مُخْتَلِفَةً، وفي بَعْضِها ما لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ويُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيِّ والتَّحْرِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلى بَنِي آدَمَ ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم في الآخِرَةِ مِن إيتاءِ الكِتابِ بِاليَمِينِ لِأهْلِ السَّعادَةِ، ومِن عَمى أهْلِ الشَّقاوَةِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَهُمُّ بِهِ الأشْقِياءَ في الدُّنْيا مِنَ المَكْرِ والخِداعِ والتَّلْبِيسِ عَلى سَيِّدِ أهْلِ السَّعادَةِ المَقْطُوعِ لَهُ بِالعِصْمَةِ، ومَعْنى ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ لَيَخْدَعُونَكَ، وذَلِكَ في ظَنِّهِمْ لا أنَّهم قارَبُوا ذَلِكَ إذْ هو مَعْصُومٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُقارِبُوا فِتْنَتَهُ عَمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، وتِلْكَ المُقارَبَةُ في زَعْمِهِمْ سَبَبُها رَجاؤُهم أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ مِن تَبْدِيلِ الوَعْدِ وعِيدًا أوِ الوَعِيدِ وعْدًا، وما اقْتَرَحَتْهُ (p-٦٥)ثَقِيفٌ مِن أنْ يُضِيفَ إلى اللَّهِ ما لَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِ و(إنْ) هَذِهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولِيَتْها الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ وهي (كادُوا) لِأنَّها مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ وإنَّما تَدْخُلُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ مِنَ الأفْعالِ عَلى النَّواسِخِ الَّتِي لِلْإثْباتِ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، واللّامُ في ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ هي الفارِقَةُ بَيْنَ إنْ هَذِهِ وإنِ النّافِيَةِ (وإذًا) حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، ويُقَدَّرُ قَسَمٌ هُنا تَكُونُ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جَوابًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ واللَّهِ (إذًا) أيْ: إنِ افْتُتِنْتَ وافْتَرَيْتَ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ ولاتَّخَذُوكَ في مَعْنى لَيَتَّخِذُونَكَ كَقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: ٥١] أيْ: لَيَظَلُّنَّ لِأنَّ (إذًا) تَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ المَعْنى جَزاءٌ فَيُقَدَّرُ مَوْضِعُها بِأداةِ الشَّرْطِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ﴾ أيْ: ولَوِ اتَّبَعْتَ مُرادَهم ﴿لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ولَكُنْتَ لَهم ولِيًّا، ولَخَرَجْتَ مِن وِلايَتِي. انْتَهى. وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى لا إنَّ ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ جَوابُ لَوْ مَحْذُوفَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ ولَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ وعِصْمَتُنا لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى خُدَعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، وهَذا تَهْيِيجٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ وفَضْلُ تَثْبِيتٍ، وفي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إذَنْ لَوْ قارَبْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ أدْنى رَكْنَةٍ ﴿لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ لَأذَقْناكَ عَذابَ الآخِرَةِ وعَذابَ القَبْرِ مُضاعَفَيْنِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَقِيقَةُ هَذا الكَلامِ ؟ قُلْتُ: أصْلُهُ ﴿لَأذَقْناكَ﴾ عَذابَ الحَياةِ وعَذابَ المَماتِ؛ لِأنَّ العَذابَ عَذابانِ، عَذابٌ في المَماتِ وهو عَذابُ القَبْرِ، وعَذابٌ في حَياةِ الآخِرَةِ وهو عَذابُ النّارِ، والضِّعْفُ يُوصَفُ بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] يَعْنِي مُضاعَفًا، فَكانَ أصْلُ الكَلامِ ﴿لَأذَقْناكَ﴾ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ، وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ وهو الضِّعْفُ، ثُمَّ أُضِيفَتِ الصِّفَةُ إضافَةَ المَوْصُوفِ، فَقِيلَ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ كَما قِيلَ: ﴿لَأذَقْناكَ﴾ ألِيمَ الحَياةِ وألِيمَ المَماتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِضِعْفِ الحَياةِ عَذابُ الحَياةِ الدُّنْيا، وبِضِعْفِ المَماتِ ما يَعْقُبُ المَوْتَ مِن عَذابِ القَبْرِ وعَذابِ النّارِ، والمَعْنى لَضاعَفْنا لَكَ العَذابَ المُعَجَّلَ لِلْعُصاةِ في الحَياةِ الدُّنْيا. وما نُؤَخِّرُهُ لِما بَعْدَ المَوْتِ. انْتَهى.
وجَوابُ (لَوْلا) يَقْتَضِي إذا كانَ مُثْبَتًا امْتِناعَهُ لِوُجُودِ ما قَبْلَهُ، فَمُقارَبَةُ الرُّكُونِ لَمْ تَقَعْ مِنهُ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ، والمانِعُ مِن ذَلِكَ هو وُجُودُ تَثْبِيتِ اللَّهِ. وقَرَأ قَتادَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُصَرِّفٍ: (تَرْكُنُ) بِضَمِّ الكافِ مُضارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِها وانْتَصَبَ (شَيْئًا) عَلى المَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: يُرِيدُ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ عَلى مَعْنى أنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ مَن أذْنَبَ مِن عُقُوبَتِنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ كُنّا نُضَعِّفُهُ. وذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ إلى أنَّ المَعْنى لَقَدْ كادَ أنْ يُخْبِرُوا عَنْكَ أنَّكَ رَكَنْتَ إلى قَوْلِهِمْ بِسَبَبِ فِعْلِهِمْ إلَيْهِ مَجازًا واتِّساعًا، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ أيْ: كادَ النّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ ما فَعَلْتَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الرَّسُولُ ﷺ مَعْصُومًا، ولَكِنَّ هَذا تَعْرِيفٌ لِلْأُمَّةِ لِئَلّا يَرْكَنَ أحَدٌ مِنهم إلى المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ. انْتَهى. واللّامُ في ﴿لَأذَقْناكَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ (إذًا) أيْ: واللَّهِ إنْ حَصَلَ رُكُونٌ لَيَكُونَنَّ كَذا، والقَوْلُ في ﴿لَأذَقْناكَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ مِن وُقُوعِ الماضِي مَوْضِعَ المُضارِعِ الدّاخِلِ عَلَيْهِ اللّامُ والنُّونُ، ومِمَّنْ نَصَّ عَلى أنَّ اللّامَ في ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ و﴿لَأذَقْناكَ﴾ هي لامُ القَسَمِ الحَوْفِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي ذِكْرِ الكَيْدُودَةِ وتَعْلِيلِها مَعَ إتْباعِها الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِالعَذابِ المُضاعَفِ في الدّارَيْنِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ القَبِيحَ يَعْظُمُ قُبْحُهُ بِمِقْدارِ عِظَمِ شَأْنِ فاعِلِهِ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِ. انْتَهى. ومِن ذَلِكَ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] الآيَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ أدْنى مُداهَنَةٍ لِلْغُواةِ مُضادَّةٌ لِلَّهِ وخُرُوجٌ عَنْ وِلايَتِهِ، وسَبَبٌ مُوجِبٌ لِغَضَبِهِ ونَكالِهِ. انْتَهى.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» . قالَ حَضْرَمِيٌّ: الضَّمِيرُ في ﴿وإنْ كادُوا﴾ لِيَهُودِ المَدِينَةِ وناحِيَتِها كَحُيِّي بْنِ أخْطَبَ وغَيْرِهِ، (p-٦٦)وذَلِكَ أنَّهم ذَهَبُوا إلى المَكْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ لَيْسَتْ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وإنَّما أرْضُ الأنْبِياءِ الشّامُ، ولَكِنَّكَ تَخافُ الرُّومَ فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فاخْرُجْ إلَيْها؛ فَإنَّ اللَّهَ سَيَحْمِيكَ كَما حَمى غَيْرَكَ مِنَ الأنْبِياءِ فَنَزَلَتْ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُلْبِثْهم بَعْدُ ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ .
وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ خَرَجَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ وعَسْكَرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وأقامَ يَنْتَظِرُ أصْحابَهُ فَنَزَلَتْ ورَجَعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لَمْ يَقَعْ في سِيرَةٍ ولا في كِتابٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وذُو الحُلَيْفَةِ لَيْسَ في طَرِيقِ الشّامِ مِنَ المَدِينَةِ. انْتَهى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، واسْتِفْزازُهم هو ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن إخْراجِهِ مِن مَكَّةَ كَما ذَهَبُوا إلى حَصْرِهِ في الشِّعْبِ، ووَقَعَ اسْتِفْزازُهم هَذا بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ وضَيَّقُوا عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ، واتَّبَعُوهُ إلى الغارِ ونَفَذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ في أنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ الزَّجّاجُ حاكِيًا أنَّ اسْتِفْزازَهم ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ مِن قَتْلِهِ، والأرْضُ عَلى هَذا الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ إلى هَذا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنها؛ لِأنَّهُ لَمّا أرادَ تَعالى اسْتِبْقاءَ قُرَيْشٍ وأنْ لا يَسْتَأْصِلَها أذِنَ لِرَسُولِهِ في الهِجْرَةِ فَخَرَجَ بِإذْنِهِ لا بِقَهْرِ قُرَيْشٍ، واسْتُبْقِيَتْ قُرَيْشٌ؛ لِيُسْلِمَ مِنها ومِن أعْقابِها مَن أسْلَمَ قالَ: ولَوْ أخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ لَعُذِّبُوا. ذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿يَلْبَثُونَ﴾ لِجَمِيعِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ رَأْيِكَ. وقالَ ابْنُ عِيسى: لَيُزْعِجُونَكَ ويَسْتَخِفُّونَكَ. وأنْشَدَ:
؎يُطِيعُ سَفِيهَ القَوْمِ إذْ يَسْتَفِزُّهُ ويَعْصِي حَلِيمًا شَيَّبَتْهُ الهَزاهِزُ
والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى مُقارَبَةِ اسْتِفْزازِهِ لِأنْ يُخْرِجُوهُ، فَما وقَعَ الِاسْتِفْزازُ ولا إخْراجُهم إيّاهُ المُعَلَّلُ بِهِ الِاسْتِفْزازُ، ثُمَّ جاءَ في القُرْآنِ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] أيْ: أخْرَجَكَ أهْلُها. وفي الحَدِيثِ: «يا لَيْتَنِي كُنْتُ فِيها جَذَعًا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ قالَ: أوَمُخْرِجِيَّ هم» الحَدِيثَ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم أخْرَجُوهُ، لَكِنَّ الإخْراجَ الَّذِي هو عِلَّةُ لِلِاسْتِفْزازِ لَمْ يَقَعْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ والحَدِيثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ما خَرَجَ بِسَبَبِ إخْراجِهِمْ، وإنَّما خَرَجَ بِأمْرِ اللَّهِ فَزالَ التَّناقُضُ. انْتَهى.
(ولا يَلْبَثُونَ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ إنِ اسْتَفَزُّوكَ فَخَرَجْتَ ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾ ولِذَلِكَ لَمْ تَعْمَلْ (إذًا) لِأنَّها تَوَسَّطَتْ بَيْنَ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، والفِعْلِ فَلا يَلْبَثُونَ لَيْسَتْ مُنْصَبَّةً عَلَيْهِ مِن جِهَةِ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ، وهم ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ﴾ فَوَقَعَتْ إذًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ فَأُلْغِيَتْ. وقَرَأ أُبَيٌّ وإذًا لا يَلْبَثُوا بِحَذْفِ النُّونِ أعْمَلَ إذًا فَنَصَبَ بِها عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وبِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ مَحْذُوفَةُ النُّونِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما وجْهُ القِراءَتَيْنِ ؟ قُلْتُ: أمّا الشّائِعَةُ فَقَدْ عَطَفَ فِيها الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ وهو مَرْفُوعٌ لِوُقُوعِهِ خَبَرَ كادَ، والفِعْلُ في خَبَرِ كادَ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْمِ. وأمّا قِراءَةُ أُبَيٍّ فَفِيها الجُمْلَةُ بِرَأْسِها الَّتِي هي وإذًا لا يَلْبَثُوا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ . انْتَهى. وقَرَأ عَطاءٌ ﴿لا يُلَبَّثُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ والباءِ مُشَدَّدَةٍ. وقَرَأ يَعْقُوبُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الباءَ. وقَرَأ الأخَوانِ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ﴿خِلافَكَ﴾ وباقِي السَّبْعَةِ خَلْفَكَ، والمَعْنى واحِدٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَفَتِ الدِّيارُ خِلافَهم فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا
وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] أيْ: خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ في أحَدِ التَّأْوِيلاتِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَكَ مَكانَ خَلْفِكَ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ تَفْسِيرًا لِخَلْفِكَ لا قِراءَةً؛ لِأنَّها لا تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، فَأرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ خَلْفَكَ هُنا لَيْسَتْ ظَرْفَ مَكانٍ، وإنَّما تَجُوزُ فِيها فاسْتُعْمِلَتْ ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى بَعْدَكَ. وهَذِهِ الظُّرُوفُ الَّتِي هي قَبْلُ وبَعْدُ ونَحْوُهُما اطَّرَدَ إضافَتُها إلى أسْماءِ (p-٦٧)الأعْيانِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، في نَحْوِ خَلْفِكَ أيْ: خَلْفَ إخْراجِكَ، وجاءَ زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو، أيْ: قَبْلَ مَجِيءِ عَمْرٍو، وضَحِكَ بَكْرٌ بَعْدَ خالِدٍ أيْ: بَعْدَ ضَحِكِ خالِدٍ. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ أيْ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً، والمَعْنى أنَّ كُلَّ قَوْمٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ فَسُنَّةُ اللَّهِ أنْ يُهْلِكَهم بَعْدَ إخْراجِهِ ويَسْتَأْصِلَهم ولا يُقِيمُونَ بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا. وقالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ (سُنَّةَ) عَلى إسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ المَعْنى كَسُنَّةٍ فَنُصِبَ بَعْدَ حَذْفِ الكافِ، وعَلى هَذا لا يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] . وقالَ أبُو البَقاءِ: (سُنَّةَ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: سَنَنّا بِكَ سُنَّةَ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، أيِ: اتَّبِعْ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] . انْتَهى. وهَذا مَعْنًى غَيْرُ الأوَّلِ، والمُفَسِّرُونَ عَلى الأوَّلِ وهو المُناسِبُ لِمَعْنى الآيَةِ قَبْلَها (ولَنْ تَجِدَ) لِما أجْرَيْنا بِهِ العادَةَ ﴿تَحْوِيلًا﴾ مِنهُ إلى غَيْرِهِ؛ إذْ كُلُّ حادِثٍ لَهُ وقْتٌ مُعَيَّنٌ وصِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ ونَفْيُ الوِجْدانِ هُنا وفِيما أشْبَهَهُ مَعْناهُ نَفْيُ الوُجُودِ.
الإسراء 17:78
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]
(p-٦٨)الدُّلُوكُ الغُرُوبُ قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، واسْتَدَلَّ الفَرّاءُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ غُدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
أيْ: حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ، وبَراحٌ اسْمُ الشَّمْسِ، وأنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
وقِيلَ: الدُّلُوكُ زَوالُ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ. قِيلَ: واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ تُدْلَكُ عَيْنُهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها. وقِيلَ: الدُّلُوكُ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ. قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ الِاسْمُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ دُخُولُ أوَّلِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وأصْلُهُ مِنَ السَّيَلانِ غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ هَمَلَتْ بِالماءِ والغاسِقُ السّائِلُ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ
وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ ؟ قالَ: اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ، ويُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ امْتَلَأتْ دَمًا. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ واغْتَسَقَ وظَلُمَ وأظْلَمَ ودَجى وأدْجى وغَبَشَ وأغْبَشَ، أبُو عُبَيْدَةَ الهاجِدُ النّائِمُ والمُصَلِّي. وقالَ ابْنُ الإعْرابِيِّ: هَجَدَ الرَّجُلُ صَلّى مِنَ اللَّيْلِ، وهَجَدَ نامَ بِاللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ بِرَزْحَ: هَجَّدْتُهُ أيْقَظْتُهُ، فَعَلى ما ذَكَرُوا يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ النّائِمُ، وقَدْ هَجَدَ هُجُودًا نامَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنى يَعُودُ
وقالَ آخَرُ:
؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ
وقالَ الآخَرُ:
؎وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارَتْ مَخافَتِي
زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ زُهُوقًا ذَهَبَتْ، وزَهَقَ الباطِلُ زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يَثْبُتْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ إقْدامُهُ مُزالَةً لَمْ تَزْهَقِ
ناءَ يَنُوءُ: نَهَضَ. الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ، والمَذْهَبُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي، والشَّكْلُ المِثْلُ والنَّظِيرُ، والشِّكْلُ بِكَسْرِ الشِّينِ الهَيْئَةُ، يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ الشِّكْلِ. اليَنْبُوعُ مَفْعُولٌ مِنَ النَّبْعِ وهو عَيْنٌ تَفُورُ بِالماءِ. الكِسَفُ القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: كَسَفْتُ الثَّوْبَ ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، وما زَعَمَ الزَّجّاجُ مِن أنْ كَسَفَ بِمَعْنى غَطّى لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ. الرُّقِيُّ والرُّقى الصُّعُودُ يُقالُ: رَقَيْتُ في السُّلَّمِ أرْقى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجْ ∗∗∗ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
خَبَتِ النّارُ تَخْبُو: سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ طُفِئَتْ جُمْلَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎أمِن زَيْنَبَ ذِي النّارِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ما تَخْبُو
؎إذا ما خَمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗ عَلَيْها المَندَلُ الرَّطْبُ
وقالَ الآخَرُ(p-٦٩)
؎وسَطُهُ كاليَراعِ أوْ سَرْجِ المَجْدَلِ ∗∗∗ طُورًا يَخْبُو وطُورًا يُنِيرُ
الثُّبُورُ: الهَلاكُ يُقالُ: ثَبَرَ اللَّهُ العَدُوَّ ثُبُورًا أهْلَكُهُ. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى:
؎إذا جارى الشَّيْطانَ في سَنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مِثْلُهُ مَثْبُورُ
اللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى مُخْتَلِطَةٍ قَدْ لُفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا. المُكْثُ: التَّطاوُلُ في المُدَّةِ، يُقالُ: مَكَثَ ومَكُثَ أطالَ الإقامَةَ. الذَّقَنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَّيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
خافَتَ بِالكَلامِ أسَرَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ وضَرَبَهُ حَتّى خَفَتَ أيْ: لا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ.
* *
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ .
ومُناسَبَةُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ (p-٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْدَهم لِلرَّسُولِ وما كانُوا يَرُومُونَ بِهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُقْبِلَ عَلى شَأْنِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ وأنْ لا يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ، فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأشْرَفِ العِباداتِ والطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ وهي الصَّلاةُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إقامَةِ الصَّلاةِ والمُواجَهُ بِالأمْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللّامُ في ﴿لِدُلُوكِ﴾ قالُوا: بِمَعْنى بَعْدَ أيْ: بَعْدَ دُلُوكِ (الشَّمْسِ) كَما قالُوا ذَلِكَ في قَوْمِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أخاهُ مالِكًا:
؎فَلَمّا تَفَرَّقْنا كَأنِّي ومالِكًا لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أيْ: بَعْدَ طُولِ اجْتِماعٍ، ومِنهُ كَتَبَتُهُ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا. وقالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّها إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ، فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بُرْدَةَ والحَسَنُ والجُمْهُورُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ وغَسَقُ اللَّيْلِ إشارَةٌ إلى المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، فالآيَةُ عَلى هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ الصَّلَواتِ.
ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظُّهْرَ» . ورَوى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ غُرُوبُها والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ (وغَسَقِ اللَّيْلِ) ظُلْمَتُهُ فالإشارَةُ إلى العَتَمَةِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ. انْتَهى. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ الغُرُوبُ، وتَتَعَلَّقُ اللّامُ وإلى بِأقِمْ، فَتَكُونُ إلى غايَةٍ لِلْإقامَةِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الصَّلاةِ قالَ: أيْ مَمْدُودَةٌ، ويَعْنِي بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةَ الصُّبْحِ، وخُصَّتْ بِالقُرْآنِ وهو القِراءَةُ؛ لِأنَّهُ عِظَمُها؛ إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُورٌ بِها، وانْتَصَبَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَطْفًا عَلى (الصَّلاةَ) .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ وآثِرْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ عَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ . انْتَهى. وسُمِّيَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ بِبَعْضِ ما يَقَعُ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَتْ صَلاةُ الفَجْرِ قُرْآنًا وهي القِراءَةُ؛ لِأنَّها رُكْنٌ كَما سُمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا وقُنُوتًا، وهي حُجَّةٌ عَلى ابْنِ أبِي عُلَيَّةَ والأصَمِّ في زَعْمِهِما أنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ. انْتَهى. وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا الدُّلُوكَ بِزَوالِ الشَّمْسِ كانَ الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا غُيِّيَتِ الإقامَةُ بِغَسَقِ اللَّيْلِ، ويَكُونُ الغَسَقُ وقْتًا مُشْتَرِكًا بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَكُونُ المَذْكُورُ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ: أوَّلُ وقْتِ الزَّوالِ، وأوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ، وأوَّلُ وقْتِ الفَجْرِ. انْتَهى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُ أمْرٌ بِإقامَةِ الصَّلاةِ إمّا مِن أوَّلِ الزَّوالِ إلى الغَسَقِ، وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، وإمّا مِنَ الغُرُوبِ إلى الغَسَقِ وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ الصَّلاةَ في وقْتَيْنِ ولا تُؤْخَذُ أوْقاتُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مِن هَذا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ، ولا قِراءَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ واجِبَةٌ إلّا في الصَّلاةِ، ومَن قالَ مَعْنى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الفَجْرِ غَلِطَ؛ لِأنَّهُ صَرَفَ الكَلامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ ولِأنَّ في نَسَقِ التِّلاوَةِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ويَسْتَحِيلُ التَّهَجُّدُ بِصَلاةِ الفَجْرِ لَيْلًا. والهاءُ في (بِهِ) كِنايَةٌ عَنْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ القُرْآنِ لا مَكانُ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ المَقْرُوءِ في صَلاةِ الفَجْرِ واسْتِحالَةُ التَّهَجُّدِ في اللَّيْلِ بِصَلاةِ الفَجْرِ، وعَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرُوا لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تُجْعَلِ القِراءَةُ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ إلّا وهي مِن أرْكانِها. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ (p-٧١)والظّاهِرُ نَدْبِيَّةُ إيقاعِ صَلاةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِإيقاعِ قُرْآنِ الفَجْرِ، فَكانَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ أوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَكِنَّ الإجْماعَ مَنَعَ مِن ذَلِكَ فَبَقِيَ النَّدْبُ لِوُجُودِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَإذا انْتَفى وُجُوبُها بَقِيَ نَدْبُها وأعادَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ولَمْ يَأْتِ مُضْمَرًا فَيَكُونُ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّنْوِيهِ بِقُرْآنِ الفَجْرِ، ومَعْنى ﴿مَشْهُودًا﴾ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ حَفَظَةُ اللَّيْلِ وحَفَظَةُ النَّهارِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّهم يَتَعاقَبُونَ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ» . وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: يَشْهَدُهُ الكَثِيرُ مِنَ المُصَلِّينَ في العادَةِ، وقِيلَ: مِن حَقِّهِ أنْ تَشْهَدَهُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ حَثًّا عَلى طُولِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ؛ لِكَوْنِها مَكْثُورًا عَلَيْها لِيَسْمَعَ النّاسُ القُرْآنَ فَيَكْثُرُ الثَّوابُ، ولِذَلِكَ كانَتِ الفَجْرُ أطْوَلَ الصَّلَواتِ قِراءَةً. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ حَثًّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وعَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ والزَمْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: ﴿مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ تَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَّيْلِ ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في قَوْلِهِ ﴿مَشْهُودًا﴾ عَلى عادَتِهِ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، والَّذِي يَنْبَغِي بَلْ لا يُعْدَلُ عَنْهُ ما فَسَّرَهُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن قَوْلِهِ فِيهِ: «يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» . وقالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ لِلْوَقْتِ المَذْكُورِ ولَمْ يَدُلَّ أمْرُهُ تَعالى إيّاهُ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ ذَكَرَ ما اخْتَصَّهُ بِهِ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وهو في أُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. فَقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ (نافِلَةً) زِيادَةً مَخْصُوصًا بِها أنْتَ وتَهَجَّدَ هُنا تَفَعَّلَ بِمَعْنى الإزالَةِ والتَّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأثَّمَ وتَحَنَّثَ تَرَكَ التَّأثُّمَ والتَّحَنُّثَ، ومِنهُ تَحَنَّثْتُ بِغارِ حِراءَ أيْ: بِتَرْكِ التَّحَنُّثِ، وشُرِحَ بِلازِمِهِ وهو التَّعَبُّدُ (ومِنَ) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ تَقْدِيرُهُ واسْهَرْ مِنَ اللَّيْلِ بِالقُرْآنِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وقُمْ بَعْدَ نَوْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ التَّقْدِيرُ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ أيْ: وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ومِنَ اللَّيْلِ) وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ والتَّهَجُّدُ تَرْكُ الهُجُودِ لِلصَّلاةِ. انْتَهى. فَإنْ كانَ تَفْسِيرُهُ وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَيَقْرُبُ، وإنْ كانَ أرادَ صِناعَةَ النَّحْوِ والإعْرابِ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المُغْرى بِهِ لا يَكُونُ حَرْفًا، وتَقْدِيرُ مِن بِبَعْضٍ فِيهِ مُسامَحَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُرادِفِهِ ألْبَتَّةَ، إذْ لَوْ كانَ مُرادِفَهُ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ اسْمًا ولا قائِلَ بِذَلِكَ، ألا تَرى إجْماعَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ واوَ مَعَ حَرْفٌ وإنْ قُدِّرَتْ بِمَعَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى القُرْآنِ لِتَقَدُّمِهِ في الذِّكْرِ، ولا تُلْحَظُ الإضافَةُ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى وقْتِ المُقَدَّرِ في وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. انْتَهى. فَتَكُونُ الباءُ ظَرْفِيَّةً أيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وانْتُصِبَ (نافِلَةً) . قالَ الحَوْفِيُّ: عَلى المَصْدَرِ أيْ: نَفَّلْناكَ نافِلَةً، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (نافِلَةً) بِتَهَجَّدْ إذا ذَهَبْتَ بِذَلِكَ إلى مَعْنى صَلِّ بِهِ نافِلَةً أيْ: صَلِّ نافِلَةً لَكَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى تَهَجَّدْ أيْ: تَنَفَّلْ نَفْلًا و(نافِلَةً) هُنا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والثّانِي هو حالٌ أيْ: صَلاةُ نافِلَةٍ. انْتَهى. وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِهِ) ويَكُونُ عائِدًا عَلى القُرْآنِ لا عَلى وقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الأسْوَدُ وعَلْقَمَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ والحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: التَّهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (نافِلَةً) زِيادَةً لَكَ في الفَرْضِ وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ النَّدْبِ في التَّنَفُّلِ والخِطابُ لَهُ، والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ كَخِطابِهِ في ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إنَّما هي نافِلَةٌ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلَ مِنَ العَمَلِ وقُرَبًا أشْرَفَ مِن (p-٧٢)نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ أعْنِي نَوافِلَ أُمَّتِهِ إمّا أنْ يُجْبَرَ بِها فَرائِضُهم، وإمّا أنْ يُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهم. وضَعَّفَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ واسْتَحْسَنَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: فَلَهُوَ كَرامَةٌ وعَطاءٌ لَكَ. وقِيلَ: كانَتْ فَرْضًا ثُمَّ رُخِّصَ في تَرْكِها. ومِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: رَمَقَ صَلاتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْلَةً فَصَلّى بِالوَتْرِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وعَنْ عائِشَةَ: أنَّهُ ما كانَ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا في غَيْرِهِ عَلى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
و(عَسى) مَدْلُولُها في المَحْبُوباتِ التَّرَجِّي. فَقِيلَ: هي عَلى بابِها في التَّرَجِّي تَقْدِيرُهُ لِتَكُنْ عَلى رَجاءٍ مِن ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ . وقِيلَ: هي بِمَعْنى كَيْ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا تَفْسِيرَ مَعْنًى، والأجْوَدُ أنَّ (أنْ) هَذِهِ التَّرَجِّيَةُ، والإطْماعُ بِمَعْنى الوُجُوبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو مُتَعَلِّقٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ ﴿وعَسى﴾ [البقرة: ٢١٦] هُنا تامَّةٌ وفاعِلُها ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ و(رَبُّكَ) فاعِلٌ بِيَبْعَثَكَ و(مَقامًا) الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْمُولُهُ لِيَبْعَثَكَ هو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ يَبْعَثَكَ بِمَعْنى يُقِيمُكَ، تَقُولُ: أُقِيمَ مِن قَبْرِهِ وبُعِثَ مِن قَبْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ: في مَقامٍ مَحْمُودٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ: ذا مَقامٍ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ فَتَقُومُ (مَقامًا) ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (عَسى) هُنا ناقِصَةً، وتَقَدَّمَ الخَبَرُ عَلى الِاسْمِ فَيَكُونُ (رَبُّكَ) مَرْفُوعًا اسْمَ (عَسى) و﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ الخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها إلّا في هَذا الإعْرابِ الأخِيرِ. وأمّا في قَبْلِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (مَقامًا) مَنصُوبٌ بِيَبْعَثَكَ و(رَبُّكَ) مَرْفُوعٌ بِعَسى فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ ما هو مَوْصُولٌ وبَيْنَ مَعْمُولٍ. وهو لا يَجُوزُ.
وفِي تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ في أمْرِ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ ﷺ، والحَدِيثُ في الصَّحِيحِ وهي عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي هَذِهِ الشَّفاعَةِ يَحْمَدُهُ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم، وفي دُعائِهِ المَشْهُورِ: «وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ» واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ في أمْرِ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ في إخْراجِهِ لِمُذْنِبِهِمْ مِنَ النّارِ، وهَذِهِ الشَّفاعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِسابِ ودُخُولِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ، وهَذِهِ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ. وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ وفي آخِرِهِ: «حَتّى لا يَبْقى في النّارِ إلّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ» أيْ: وجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قالَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ تَخْصِيصُ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الشَّفاعَةِ العُظْمى الَّتِي يَحْمَدُهُ بِسَبَبِها الخَلْقُ كُلُّهم عَلى أنَّ المُرادَ لِأُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ، أوْ يُقالُ: إنَّ كُلَّ مَقامٍ مِنهُما مَحْمُودٌ.
الثّالِثُ: عَنْ حُذَيْفَةَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ“ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَنجَأ ولا مَلْجَأ إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ. قالَ: فَهَذا قَوْلُهُ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ .
الرّابِعُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى المَقامِ المَحْمُودِ المُقامُ الَّذِي يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ، وكُلُّ مَن رَآهُ وعَرَفَهُ وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ ولِذَلِكَ نَكَّرَ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فَلَمْ يَتَناوَلْ مَقامًا مَخْصُوصًا بَلْ كُلُّ مَقامٍ مَحْمُودٍ صَدَقَ عَلَيْهِ إطْلاقُ اللَّفْظِ.
الخامِسُ: ما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مُجاهِدٌ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنْ يُجْلِسَهُ اللَّهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يُحَدِّثُونَ بِهَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَعْنِي مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ أحَدُ الأئِمَّةِ يَتَأوَّلُ القُرْآنَ فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قالَ: تَنْتَظِرُ الثَّوابَ لَيْسَ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ مَعَهُ عَلى رَفْعِ مَحَلِّهِ (p-٧٣)وتَشْرِيفِهِ عَلى خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقَوْلِهِ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ [التحريم: ١١] و﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] كُلُّ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ المَكانَةِ لا عَنِ المَكانِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: هَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ لا يَصِحُّ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ البَعْثَ ضِدَّ الإجْلاسِ بَعَثْتُ التّارِكَ وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرُ الضِّدِّ بِالضِّدِّ.
الثّانِي: لَوْ كانَ جالِسًا تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، فَكانَ يَكُونُ مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: (مَقامًا) ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا ﴿مَحْمُودًا﴾ والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعُ القُعُودِ.
الرّابِعُ: أنَّ الحَمْقى والجُهّالَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَجْلِسُونَ كُلُّهم مَعَهُ تَعالى ويَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا مَزِيَّةَ لَهُ بِإجْلاسِهِ مَعَهُ.
الخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ بَعَثَ السُّلْطانُ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ والتَّهَجُّدِ ووَعَدَهُ بَعْثَهُ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَهُ بِما يَشْمَلُ أُمُورَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ مَوارِدِهِ ومَصادِرِهِ دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً، والصِّدْقُ هُنا لَفْظٌ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ إذْ هو مُقابِلُ رَجُلِ سُوءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: هو إدْخالٌ خاصٌّ وهو في المَدِينَةِ، وإخْراجٌ خاصٌّ وهو مِن مَكَّةَ. فَيَكُونُ المُقَدَّمُ في الذِّكْرِ هو المُؤَخَّرُ في الوُقُوعِ، ومَكانُ الواوِ هو الأهَمُّ فَبُدِئَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ: ما مَعْناهُ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الشَّرْعِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا لِما كُلِّفَهُ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخِلْنِي القَبْرَ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مَرْضِيًّا عَلى طَهارَةٍ وطِيبٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلْقًى بِالكَرامَةِ آمِنًا مِنَ السُّخْطِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ عَلى ذِكْرِ البَعْثِ. وقِيلَ: إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها بِالفَتْحِ، وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ: الإخْراجُ مِنَ المَدِينَةِ والإدْخالُ مَكَّةَ بِالفَتْحِ. وقِيلَ: الإدْخالُ في الصَّلاةِ والإخْراجُ مِنها، وقِيلَ الإدْخالُ في الجَنَّةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ: الإدْخالُ فِيما أُمِرَ بِهِ والإخْراجُ مِمّا نَهاهُ عَنْهُ. وقِيلَ: ﴿أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ والتَّأمُّلِ في آثارِ مُحْدَثاتِهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ. وقالَ أبُو سَهْلٍ: حِينَ رَجَعَ مِن تَبُوكَ وقَدْ قالَ المُنافِقُونَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] يَعْنِي إدْخالَ عِزٍّ وإخْراجَ نَصْرٍ إلى مَكَّةَ، والأحْسَنُ في هَذِهِ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا التَّعْيِينِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ كَما ذَكَرْناهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَوارِدِ والمَصادِرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مُدْخَلَ﴾ و(مُخْرَجَ) بِضَمِّ مِيمِهِما وهو جارٍ قِياسًا عَلى أفْعَلَ مَصْدَرٌ، نَحْوَ أكْرَمْتُهُ مَكْرَمًا أيْ: إكْرامًا. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِهِما. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهُما مَصْدَرانِ مَن دَخَلَ وخَرَجَ لَكِنَّهُ جاءَ مِن مَعْنى ﴿أدْخِلْنِي﴾ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ المُتَقَدِّمَيْنِ دُونَ لَفْظِهِما ومِثْلُهُما ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَ المَكانِ وانْتِصابُهُما عَلى الظَّرْفِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَنصُوبانِ مَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أيْ أدْخِلْنِي، فَأدْخُلُ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي فَأخْرُجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
والسُّلْطانُ هُنا قالَ الحَسَنُ: التَّسْلِيطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ. وقالَ قَتادَةُ: مُلْكًا عَزِيزًا تَنْصُرُنِي بِهِ عَلى كُلِّ مَن ناوَأنِي. وقالَ مُجاهِدٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. وقِيلَ: كِتابًا يَحْوِي الحُدُودَ والأحْكامَ. وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ. وقِيلَ: في كُلِّ عَصْرٍ (سُلْطانًا) يَنْصُرُ دِينَكَ و(نَصِيرًا) مُبالَغَةً في ناصِرٍ. وقِيلَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَنصُورًا، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُحْتَمِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (p-٧٤)ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ ذَلِكَ وأنْجَزَهُ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ. قالَ قَتادَةُ: و(الحَقُّ) القُرْآنُ و(الباطِلُ) الشَّيْطانُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الجِهادُ و(الباطِلُ) الشِّرْكُ. وقِيلَ: الإيمانُ والكُفْرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جاءَتْ عِبادَةُ اللَّهِ، وذَهَبَتْ عِبادَةُ الشَّيْطانِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ حَسْبَما ذُكِرَ في السِّيَرِ. و﴿زَهُوقًا﴾ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في اضْمِحْلالِهِ وعَدَمِ ثُبُوتِهِ في وقْتٍ ما.
و(مِن) في ﴿مِنَ القُرْآنِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وأنْكَرَ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ ورُدَّ هَذا الإنْكارُ؛ لِأنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ. وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ وإنَّما تَكُونُ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و(نُنَزِّلُ) بِالنُّونِ ومُجاهِدٌ بِالياءِ خَفِيفَةً ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿شِفاءً ورَحْمَةً﴾ بِنَصْبِهِما ويَتَخَرَّجُ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ هو قَوْلُهُ (لِلْمُؤْمِنِينَ) والعامِلُ فِيهِ ما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿والسَّماواتِ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] بِنَصْبِ مَطْوِيّاتٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حِذارِ
وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وشِفاؤُهُ كَوْنُهُ مُزِيلًا لِلرَّيْبِ كاشِفًا عَنْ غِطاءِ القَلْبِ بِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ المُقَرِّرَةِ لِدِينِهِ، فَصارَ لِعِلّاتِ القُلُوبِ كالشِّفاءِ لِعِلّاتِ الأجْسامِ. وقِيلَ: شِفاءٌ بِالرُّقى والعَوْذِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الَّذِي رَقِيَ بِالفاتِحَةِ مِن لَسْعَةِ العَقْرَبِ. واخْتَلَفُوا في النُّشْرَةِ وهو أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ ولَمْ يَرَهُ مُجاهِدٌ. وعَنْ عائِشَةَ: كانَتْ تَقْرَأُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ في إناءٍ ثُمَّ تَأْمُرُ أنْ يُصَبَّ عَلى المَرِيضِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِنِيُّ: النُّشْرَةُ أمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ التَّعْزِيمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ عَنْ صاحِبِهِما أيْ: تَحُلُّ، ومَنَعَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ وقَدْ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ: ”هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“» . ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى ما إذا كانَتْ خارِجَةً عَمّا في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ، والنُّشْرَةُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ في غُسالَةِ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ.
وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى أعْناقِ المَرْضى عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ بِها إذا لَمْ يُرِدُ مُعَلِّقُها بِذَلِكَ مُدافَعَةَ العَيْنِ، وهَذا مَعْناهُ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ العَيْنِ أمّا بَعْدُ نُزُولِ البَلاءِ فَيَجُوزُ رَجاءَ الفَرَجِ والبُرْءِ، والمَرَضُ كالرُّقى المُباحَةِ الَّتِي ورَدَتِ السُّنَّةُ بِها مِنَ العَيْنِ وغَيْرِها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يَجُوزُ تَعْلِيقُ العُوذَةِ في قَصَبَةٍ أوْ رُقْعَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ويَضَعُهُ عِنْدَ الجِماعِ وعِنْدَ الغائِطِ، ورَخَّصَ الباقِرُ في العُوذَةِ تُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ وكانَ ابْنُ سِيرِينَ لا يَرى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنَ القُرْآنِ يُعَلِّقُهُ الإنْسانُ.
وخَسارُ الظّالِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ هو بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَزْدادُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وتَدَبُّرِ مَعانِيهِ إيمانًا.
الإسراء 17:79
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]
(p-٦٨)الدُّلُوكُ الغُرُوبُ قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، واسْتَدَلَّ الفَرّاءُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ غُدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
أيْ: حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ، وبَراحٌ اسْمُ الشَّمْسِ، وأنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
وقِيلَ: الدُّلُوكُ زَوالُ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ. قِيلَ: واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ تُدْلَكُ عَيْنُهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها. وقِيلَ: الدُّلُوكُ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ. قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ الِاسْمُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ دُخُولُ أوَّلِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وأصْلُهُ مِنَ السَّيَلانِ غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ هَمَلَتْ بِالماءِ والغاسِقُ السّائِلُ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ
وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ ؟ قالَ: اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ، ويُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ امْتَلَأتْ دَمًا. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ واغْتَسَقَ وظَلُمَ وأظْلَمَ ودَجى وأدْجى وغَبَشَ وأغْبَشَ، أبُو عُبَيْدَةَ الهاجِدُ النّائِمُ والمُصَلِّي. وقالَ ابْنُ الإعْرابِيِّ: هَجَدَ الرَّجُلُ صَلّى مِنَ اللَّيْلِ، وهَجَدَ نامَ بِاللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ بِرَزْحَ: هَجَّدْتُهُ أيْقَظْتُهُ، فَعَلى ما ذَكَرُوا يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ النّائِمُ، وقَدْ هَجَدَ هُجُودًا نامَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنى يَعُودُ
وقالَ آخَرُ:
؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ
وقالَ الآخَرُ:
؎وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارَتْ مَخافَتِي
زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ زُهُوقًا ذَهَبَتْ، وزَهَقَ الباطِلُ زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يَثْبُتْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ إقْدامُهُ مُزالَةً لَمْ تَزْهَقِ
ناءَ يَنُوءُ: نَهَضَ. الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ، والمَذْهَبُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي، والشَّكْلُ المِثْلُ والنَّظِيرُ، والشِّكْلُ بِكَسْرِ الشِّينِ الهَيْئَةُ، يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ الشِّكْلِ. اليَنْبُوعُ مَفْعُولٌ مِنَ النَّبْعِ وهو عَيْنٌ تَفُورُ بِالماءِ. الكِسَفُ القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: كَسَفْتُ الثَّوْبَ ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، وما زَعَمَ الزَّجّاجُ مِن أنْ كَسَفَ بِمَعْنى غَطّى لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ. الرُّقِيُّ والرُّقى الصُّعُودُ يُقالُ: رَقَيْتُ في السُّلَّمِ أرْقى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجْ ∗∗∗ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
خَبَتِ النّارُ تَخْبُو: سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ طُفِئَتْ جُمْلَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎أمِن زَيْنَبَ ذِي النّارِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ما تَخْبُو
؎إذا ما خَمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗ عَلَيْها المَندَلُ الرَّطْبُ
وقالَ الآخَرُ(p-٦٩)
؎وسَطُهُ كاليَراعِ أوْ سَرْجِ المَجْدَلِ ∗∗∗ طُورًا يَخْبُو وطُورًا يُنِيرُ
الثُّبُورُ: الهَلاكُ يُقالُ: ثَبَرَ اللَّهُ العَدُوَّ ثُبُورًا أهْلَكُهُ. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى:
؎إذا جارى الشَّيْطانَ في سَنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مِثْلُهُ مَثْبُورُ
اللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى مُخْتَلِطَةٍ قَدْ لُفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا. المُكْثُ: التَّطاوُلُ في المُدَّةِ، يُقالُ: مَكَثَ ومَكُثَ أطالَ الإقامَةَ. الذَّقَنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَّيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
خافَتَ بِالكَلامِ أسَرَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ وضَرَبَهُ حَتّى خَفَتَ أيْ: لا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ.
* *
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ .
ومُناسَبَةُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ (p-٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْدَهم لِلرَّسُولِ وما كانُوا يَرُومُونَ بِهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُقْبِلَ عَلى شَأْنِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ وأنْ لا يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ، فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأشْرَفِ العِباداتِ والطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ وهي الصَّلاةُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إقامَةِ الصَّلاةِ والمُواجَهُ بِالأمْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللّامُ في ﴿لِدُلُوكِ﴾ قالُوا: بِمَعْنى بَعْدَ أيْ: بَعْدَ دُلُوكِ (الشَّمْسِ) كَما قالُوا ذَلِكَ في قَوْمِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أخاهُ مالِكًا:
؎فَلَمّا تَفَرَّقْنا كَأنِّي ومالِكًا لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أيْ: بَعْدَ طُولِ اجْتِماعٍ، ومِنهُ كَتَبَتُهُ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا. وقالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّها إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ، فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بُرْدَةَ والحَسَنُ والجُمْهُورُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ وغَسَقُ اللَّيْلِ إشارَةٌ إلى المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، فالآيَةُ عَلى هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ الصَّلَواتِ.
ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظُّهْرَ» . ورَوى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ غُرُوبُها والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ (وغَسَقِ اللَّيْلِ) ظُلْمَتُهُ فالإشارَةُ إلى العَتَمَةِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ. انْتَهى. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ الغُرُوبُ، وتَتَعَلَّقُ اللّامُ وإلى بِأقِمْ، فَتَكُونُ إلى غايَةٍ لِلْإقامَةِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الصَّلاةِ قالَ: أيْ مَمْدُودَةٌ، ويَعْنِي بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةَ الصُّبْحِ، وخُصَّتْ بِالقُرْآنِ وهو القِراءَةُ؛ لِأنَّهُ عِظَمُها؛ إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُورٌ بِها، وانْتَصَبَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَطْفًا عَلى (الصَّلاةَ) .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ وآثِرْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ عَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ . انْتَهى. وسُمِّيَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ بِبَعْضِ ما يَقَعُ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَتْ صَلاةُ الفَجْرِ قُرْآنًا وهي القِراءَةُ؛ لِأنَّها رُكْنٌ كَما سُمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا وقُنُوتًا، وهي حُجَّةٌ عَلى ابْنِ أبِي عُلَيَّةَ والأصَمِّ في زَعْمِهِما أنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ. انْتَهى. وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا الدُّلُوكَ بِزَوالِ الشَّمْسِ كانَ الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا غُيِّيَتِ الإقامَةُ بِغَسَقِ اللَّيْلِ، ويَكُونُ الغَسَقُ وقْتًا مُشْتَرِكًا بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَكُونُ المَذْكُورُ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ: أوَّلُ وقْتِ الزَّوالِ، وأوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ، وأوَّلُ وقْتِ الفَجْرِ. انْتَهى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُ أمْرٌ بِإقامَةِ الصَّلاةِ إمّا مِن أوَّلِ الزَّوالِ إلى الغَسَقِ، وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، وإمّا مِنَ الغُرُوبِ إلى الغَسَقِ وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ الصَّلاةَ في وقْتَيْنِ ولا تُؤْخَذُ أوْقاتُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مِن هَذا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ، ولا قِراءَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ واجِبَةٌ إلّا في الصَّلاةِ، ومَن قالَ مَعْنى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الفَجْرِ غَلِطَ؛ لِأنَّهُ صَرَفَ الكَلامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ ولِأنَّ في نَسَقِ التِّلاوَةِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ويَسْتَحِيلُ التَّهَجُّدُ بِصَلاةِ الفَجْرِ لَيْلًا. والهاءُ في (بِهِ) كِنايَةٌ عَنْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ القُرْآنِ لا مَكانُ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ المَقْرُوءِ في صَلاةِ الفَجْرِ واسْتِحالَةُ التَّهَجُّدِ في اللَّيْلِ بِصَلاةِ الفَجْرِ، وعَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرُوا لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تُجْعَلِ القِراءَةُ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ إلّا وهي مِن أرْكانِها. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ (p-٧١)والظّاهِرُ نَدْبِيَّةُ إيقاعِ صَلاةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِإيقاعِ قُرْآنِ الفَجْرِ، فَكانَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ أوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَكِنَّ الإجْماعَ مَنَعَ مِن ذَلِكَ فَبَقِيَ النَّدْبُ لِوُجُودِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَإذا انْتَفى وُجُوبُها بَقِيَ نَدْبُها وأعادَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ولَمْ يَأْتِ مُضْمَرًا فَيَكُونُ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّنْوِيهِ بِقُرْآنِ الفَجْرِ، ومَعْنى ﴿مَشْهُودًا﴾ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ حَفَظَةُ اللَّيْلِ وحَفَظَةُ النَّهارِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّهم يَتَعاقَبُونَ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ» . وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: يَشْهَدُهُ الكَثِيرُ مِنَ المُصَلِّينَ في العادَةِ، وقِيلَ: مِن حَقِّهِ أنْ تَشْهَدَهُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ حَثًّا عَلى طُولِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ؛ لِكَوْنِها مَكْثُورًا عَلَيْها لِيَسْمَعَ النّاسُ القُرْآنَ فَيَكْثُرُ الثَّوابُ، ولِذَلِكَ كانَتِ الفَجْرُ أطْوَلَ الصَّلَواتِ قِراءَةً. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ حَثًّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وعَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ والزَمْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: ﴿مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ تَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَّيْلِ ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في قَوْلِهِ ﴿مَشْهُودًا﴾ عَلى عادَتِهِ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، والَّذِي يَنْبَغِي بَلْ لا يُعْدَلُ عَنْهُ ما فَسَّرَهُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن قَوْلِهِ فِيهِ: «يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» . وقالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ لِلْوَقْتِ المَذْكُورِ ولَمْ يَدُلَّ أمْرُهُ تَعالى إيّاهُ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ ذَكَرَ ما اخْتَصَّهُ بِهِ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وهو في أُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. فَقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ (نافِلَةً) زِيادَةً مَخْصُوصًا بِها أنْتَ وتَهَجَّدَ هُنا تَفَعَّلَ بِمَعْنى الإزالَةِ والتَّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأثَّمَ وتَحَنَّثَ تَرَكَ التَّأثُّمَ والتَّحَنُّثَ، ومِنهُ تَحَنَّثْتُ بِغارِ حِراءَ أيْ: بِتَرْكِ التَّحَنُّثِ، وشُرِحَ بِلازِمِهِ وهو التَّعَبُّدُ (ومِنَ) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ تَقْدِيرُهُ واسْهَرْ مِنَ اللَّيْلِ بِالقُرْآنِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وقُمْ بَعْدَ نَوْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ التَّقْدِيرُ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ أيْ: وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ومِنَ اللَّيْلِ) وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ والتَّهَجُّدُ تَرْكُ الهُجُودِ لِلصَّلاةِ. انْتَهى. فَإنْ كانَ تَفْسِيرُهُ وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَيَقْرُبُ، وإنْ كانَ أرادَ صِناعَةَ النَّحْوِ والإعْرابِ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المُغْرى بِهِ لا يَكُونُ حَرْفًا، وتَقْدِيرُ مِن بِبَعْضٍ فِيهِ مُسامَحَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُرادِفِهِ ألْبَتَّةَ، إذْ لَوْ كانَ مُرادِفَهُ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ اسْمًا ولا قائِلَ بِذَلِكَ، ألا تَرى إجْماعَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ واوَ مَعَ حَرْفٌ وإنْ قُدِّرَتْ بِمَعَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى القُرْآنِ لِتَقَدُّمِهِ في الذِّكْرِ، ولا تُلْحَظُ الإضافَةُ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى وقْتِ المُقَدَّرِ في وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. انْتَهى. فَتَكُونُ الباءُ ظَرْفِيَّةً أيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وانْتُصِبَ (نافِلَةً) . قالَ الحَوْفِيُّ: عَلى المَصْدَرِ أيْ: نَفَّلْناكَ نافِلَةً، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (نافِلَةً) بِتَهَجَّدْ إذا ذَهَبْتَ بِذَلِكَ إلى مَعْنى صَلِّ بِهِ نافِلَةً أيْ: صَلِّ نافِلَةً لَكَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى تَهَجَّدْ أيْ: تَنَفَّلْ نَفْلًا و(نافِلَةً) هُنا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والثّانِي هو حالٌ أيْ: صَلاةُ نافِلَةٍ. انْتَهى. وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِهِ) ويَكُونُ عائِدًا عَلى القُرْآنِ لا عَلى وقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الأسْوَدُ وعَلْقَمَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ والحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: التَّهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (نافِلَةً) زِيادَةً لَكَ في الفَرْضِ وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ النَّدْبِ في التَّنَفُّلِ والخِطابُ لَهُ، والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ كَخِطابِهِ في ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إنَّما هي نافِلَةٌ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلَ مِنَ العَمَلِ وقُرَبًا أشْرَفَ مِن (p-٧٢)نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ أعْنِي نَوافِلَ أُمَّتِهِ إمّا أنْ يُجْبَرَ بِها فَرائِضُهم، وإمّا أنْ يُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهم. وضَعَّفَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ واسْتَحْسَنَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: فَلَهُوَ كَرامَةٌ وعَطاءٌ لَكَ. وقِيلَ: كانَتْ فَرْضًا ثُمَّ رُخِّصَ في تَرْكِها. ومِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: رَمَقَ صَلاتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْلَةً فَصَلّى بِالوَتْرِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وعَنْ عائِشَةَ: أنَّهُ ما كانَ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا في غَيْرِهِ عَلى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
و(عَسى) مَدْلُولُها في المَحْبُوباتِ التَّرَجِّي. فَقِيلَ: هي عَلى بابِها في التَّرَجِّي تَقْدِيرُهُ لِتَكُنْ عَلى رَجاءٍ مِن ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ . وقِيلَ: هي بِمَعْنى كَيْ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا تَفْسِيرَ مَعْنًى، والأجْوَدُ أنَّ (أنْ) هَذِهِ التَّرَجِّيَةُ، والإطْماعُ بِمَعْنى الوُجُوبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو مُتَعَلِّقٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ ﴿وعَسى﴾ [البقرة: ٢١٦] هُنا تامَّةٌ وفاعِلُها ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ و(رَبُّكَ) فاعِلٌ بِيَبْعَثَكَ و(مَقامًا) الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْمُولُهُ لِيَبْعَثَكَ هو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ يَبْعَثَكَ بِمَعْنى يُقِيمُكَ، تَقُولُ: أُقِيمَ مِن قَبْرِهِ وبُعِثَ مِن قَبْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ: في مَقامٍ مَحْمُودٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ: ذا مَقامٍ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ فَتَقُومُ (مَقامًا) ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (عَسى) هُنا ناقِصَةً، وتَقَدَّمَ الخَبَرُ عَلى الِاسْمِ فَيَكُونُ (رَبُّكَ) مَرْفُوعًا اسْمَ (عَسى) و﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ الخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها إلّا في هَذا الإعْرابِ الأخِيرِ. وأمّا في قَبْلِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (مَقامًا) مَنصُوبٌ بِيَبْعَثَكَ و(رَبُّكَ) مَرْفُوعٌ بِعَسى فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ ما هو مَوْصُولٌ وبَيْنَ مَعْمُولٍ. وهو لا يَجُوزُ.
وفِي تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ في أمْرِ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ ﷺ، والحَدِيثُ في الصَّحِيحِ وهي عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي هَذِهِ الشَّفاعَةِ يَحْمَدُهُ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم، وفي دُعائِهِ المَشْهُورِ: «وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ» واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ في أمْرِ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ في إخْراجِهِ لِمُذْنِبِهِمْ مِنَ النّارِ، وهَذِهِ الشَّفاعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِسابِ ودُخُولِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ، وهَذِهِ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ. وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ وفي آخِرِهِ: «حَتّى لا يَبْقى في النّارِ إلّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ» أيْ: وجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قالَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ تَخْصِيصُ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الشَّفاعَةِ العُظْمى الَّتِي يَحْمَدُهُ بِسَبَبِها الخَلْقُ كُلُّهم عَلى أنَّ المُرادَ لِأُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ، أوْ يُقالُ: إنَّ كُلَّ مَقامٍ مِنهُما مَحْمُودٌ.
الثّالِثُ: عَنْ حُذَيْفَةَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ“ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَنجَأ ولا مَلْجَأ إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ. قالَ: فَهَذا قَوْلُهُ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ .
الرّابِعُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى المَقامِ المَحْمُودِ المُقامُ الَّذِي يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ، وكُلُّ مَن رَآهُ وعَرَفَهُ وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ ولِذَلِكَ نَكَّرَ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فَلَمْ يَتَناوَلْ مَقامًا مَخْصُوصًا بَلْ كُلُّ مَقامٍ مَحْمُودٍ صَدَقَ عَلَيْهِ إطْلاقُ اللَّفْظِ.
الخامِسُ: ما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مُجاهِدٌ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنْ يُجْلِسَهُ اللَّهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يُحَدِّثُونَ بِهَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَعْنِي مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ أحَدُ الأئِمَّةِ يَتَأوَّلُ القُرْآنَ فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قالَ: تَنْتَظِرُ الثَّوابَ لَيْسَ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ مَعَهُ عَلى رَفْعِ مَحَلِّهِ (p-٧٣)وتَشْرِيفِهِ عَلى خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقَوْلِهِ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ [التحريم: ١١] و﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] كُلُّ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ المَكانَةِ لا عَنِ المَكانِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: هَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ لا يَصِحُّ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ البَعْثَ ضِدَّ الإجْلاسِ بَعَثْتُ التّارِكَ وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرُ الضِّدِّ بِالضِّدِّ.
الثّانِي: لَوْ كانَ جالِسًا تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، فَكانَ يَكُونُ مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: (مَقامًا) ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا ﴿مَحْمُودًا﴾ والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعُ القُعُودِ.
الرّابِعُ: أنَّ الحَمْقى والجُهّالَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَجْلِسُونَ كُلُّهم مَعَهُ تَعالى ويَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا مَزِيَّةَ لَهُ بِإجْلاسِهِ مَعَهُ.
الخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ بَعَثَ السُّلْطانُ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ والتَّهَجُّدِ ووَعَدَهُ بَعْثَهُ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَهُ بِما يَشْمَلُ أُمُورَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ مَوارِدِهِ ومَصادِرِهِ دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً، والصِّدْقُ هُنا لَفْظٌ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ إذْ هو مُقابِلُ رَجُلِ سُوءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: هو إدْخالٌ خاصٌّ وهو في المَدِينَةِ، وإخْراجٌ خاصٌّ وهو مِن مَكَّةَ. فَيَكُونُ المُقَدَّمُ في الذِّكْرِ هو المُؤَخَّرُ في الوُقُوعِ، ومَكانُ الواوِ هو الأهَمُّ فَبُدِئَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ: ما مَعْناهُ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الشَّرْعِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا لِما كُلِّفَهُ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخِلْنِي القَبْرَ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مَرْضِيًّا عَلى طَهارَةٍ وطِيبٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلْقًى بِالكَرامَةِ آمِنًا مِنَ السُّخْطِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ عَلى ذِكْرِ البَعْثِ. وقِيلَ: إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها بِالفَتْحِ، وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ: الإخْراجُ مِنَ المَدِينَةِ والإدْخالُ مَكَّةَ بِالفَتْحِ. وقِيلَ: الإدْخالُ في الصَّلاةِ والإخْراجُ مِنها، وقِيلَ الإدْخالُ في الجَنَّةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ: الإدْخالُ فِيما أُمِرَ بِهِ والإخْراجُ مِمّا نَهاهُ عَنْهُ. وقِيلَ: ﴿أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ والتَّأمُّلِ في آثارِ مُحْدَثاتِهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ. وقالَ أبُو سَهْلٍ: حِينَ رَجَعَ مِن تَبُوكَ وقَدْ قالَ المُنافِقُونَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] يَعْنِي إدْخالَ عِزٍّ وإخْراجَ نَصْرٍ إلى مَكَّةَ، والأحْسَنُ في هَذِهِ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا التَّعْيِينِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ كَما ذَكَرْناهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَوارِدِ والمَصادِرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مُدْخَلَ﴾ و(مُخْرَجَ) بِضَمِّ مِيمِهِما وهو جارٍ قِياسًا عَلى أفْعَلَ مَصْدَرٌ، نَحْوَ أكْرَمْتُهُ مَكْرَمًا أيْ: إكْرامًا. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِهِما. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهُما مَصْدَرانِ مَن دَخَلَ وخَرَجَ لَكِنَّهُ جاءَ مِن مَعْنى ﴿أدْخِلْنِي﴾ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ المُتَقَدِّمَيْنِ دُونَ لَفْظِهِما ومِثْلُهُما ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَ المَكانِ وانْتِصابُهُما عَلى الظَّرْفِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَنصُوبانِ مَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أيْ أدْخِلْنِي، فَأدْخُلُ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي فَأخْرُجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
والسُّلْطانُ هُنا قالَ الحَسَنُ: التَّسْلِيطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ. وقالَ قَتادَةُ: مُلْكًا عَزِيزًا تَنْصُرُنِي بِهِ عَلى كُلِّ مَن ناوَأنِي. وقالَ مُجاهِدٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. وقِيلَ: كِتابًا يَحْوِي الحُدُودَ والأحْكامَ. وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ. وقِيلَ: في كُلِّ عَصْرٍ (سُلْطانًا) يَنْصُرُ دِينَكَ و(نَصِيرًا) مُبالَغَةً في ناصِرٍ. وقِيلَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَنصُورًا، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُحْتَمِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (p-٧٤)ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ ذَلِكَ وأنْجَزَهُ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ. قالَ قَتادَةُ: و(الحَقُّ) القُرْآنُ و(الباطِلُ) الشَّيْطانُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الجِهادُ و(الباطِلُ) الشِّرْكُ. وقِيلَ: الإيمانُ والكُفْرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جاءَتْ عِبادَةُ اللَّهِ، وذَهَبَتْ عِبادَةُ الشَّيْطانِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ حَسْبَما ذُكِرَ في السِّيَرِ. و﴿زَهُوقًا﴾ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في اضْمِحْلالِهِ وعَدَمِ ثُبُوتِهِ في وقْتٍ ما.
و(مِن) في ﴿مِنَ القُرْآنِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وأنْكَرَ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ ورُدَّ هَذا الإنْكارُ؛ لِأنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ. وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ وإنَّما تَكُونُ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و(نُنَزِّلُ) بِالنُّونِ ومُجاهِدٌ بِالياءِ خَفِيفَةً ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿شِفاءً ورَحْمَةً﴾ بِنَصْبِهِما ويَتَخَرَّجُ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ هو قَوْلُهُ (لِلْمُؤْمِنِينَ) والعامِلُ فِيهِ ما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿والسَّماواتِ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] بِنَصْبِ مَطْوِيّاتٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حِذارِ
وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وشِفاؤُهُ كَوْنُهُ مُزِيلًا لِلرَّيْبِ كاشِفًا عَنْ غِطاءِ القَلْبِ بِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ المُقَرِّرَةِ لِدِينِهِ، فَصارَ لِعِلّاتِ القُلُوبِ كالشِّفاءِ لِعِلّاتِ الأجْسامِ. وقِيلَ: شِفاءٌ بِالرُّقى والعَوْذِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الَّذِي رَقِيَ بِالفاتِحَةِ مِن لَسْعَةِ العَقْرَبِ. واخْتَلَفُوا في النُّشْرَةِ وهو أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ ولَمْ يَرَهُ مُجاهِدٌ. وعَنْ عائِشَةَ: كانَتْ تَقْرَأُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ في إناءٍ ثُمَّ تَأْمُرُ أنْ يُصَبَّ عَلى المَرِيضِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِنِيُّ: النُّشْرَةُ أمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ التَّعْزِيمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ عَنْ صاحِبِهِما أيْ: تَحُلُّ، ومَنَعَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ وقَدْ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ: ”هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“» . ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى ما إذا كانَتْ خارِجَةً عَمّا في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ، والنُّشْرَةُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ في غُسالَةِ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ.
وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى أعْناقِ المَرْضى عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ بِها إذا لَمْ يُرِدُ مُعَلِّقُها بِذَلِكَ مُدافَعَةَ العَيْنِ، وهَذا مَعْناهُ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ العَيْنِ أمّا بَعْدُ نُزُولِ البَلاءِ فَيَجُوزُ رَجاءَ الفَرَجِ والبُرْءِ، والمَرَضُ كالرُّقى المُباحَةِ الَّتِي ورَدَتِ السُّنَّةُ بِها مِنَ العَيْنِ وغَيْرِها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يَجُوزُ تَعْلِيقُ العُوذَةِ في قَصَبَةٍ أوْ رُقْعَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ويَضَعُهُ عِنْدَ الجِماعِ وعِنْدَ الغائِطِ، ورَخَّصَ الباقِرُ في العُوذَةِ تُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ وكانَ ابْنُ سِيرِينَ لا يَرى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنَ القُرْآنِ يُعَلِّقُهُ الإنْسانُ.
وخَسارُ الظّالِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ هو بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَزْدادُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وتَدَبُّرِ مَعانِيهِ إيمانًا.
الإسراء 17:80
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]
(p-٦٨)الدُّلُوكُ الغُرُوبُ قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، واسْتَدَلَّ الفَرّاءُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ غُدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
أيْ: حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ، وبَراحٌ اسْمُ الشَّمْسِ، وأنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
وقِيلَ: الدُّلُوكُ زَوالُ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ. قِيلَ: واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ تُدْلَكُ عَيْنُهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها. وقِيلَ: الدُّلُوكُ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ. قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ الِاسْمُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ دُخُولُ أوَّلِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وأصْلُهُ مِنَ السَّيَلانِ غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ هَمَلَتْ بِالماءِ والغاسِقُ السّائِلُ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ
وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ ؟ قالَ: اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ، ويُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ امْتَلَأتْ دَمًا. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ واغْتَسَقَ وظَلُمَ وأظْلَمَ ودَجى وأدْجى وغَبَشَ وأغْبَشَ، أبُو عُبَيْدَةَ الهاجِدُ النّائِمُ والمُصَلِّي. وقالَ ابْنُ الإعْرابِيِّ: هَجَدَ الرَّجُلُ صَلّى مِنَ اللَّيْلِ، وهَجَدَ نامَ بِاللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ بِرَزْحَ: هَجَّدْتُهُ أيْقَظْتُهُ، فَعَلى ما ذَكَرُوا يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ النّائِمُ، وقَدْ هَجَدَ هُجُودًا نامَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنى يَعُودُ
وقالَ آخَرُ:
؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ
وقالَ الآخَرُ:
؎وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارَتْ مَخافَتِي
زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ زُهُوقًا ذَهَبَتْ، وزَهَقَ الباطِلُ زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يَثْبُتْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ إقْدامُهُ مُزالَةً لَمْ تَزْهَقِ
ناءَ يَنُوءُ: نَهَضَ. الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ، والمَذْهَبُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي، والشَّكْلُ المِثْلُ والنَّظِيرُ، والشِّكْلُ بِكَسْرِ الشِّينِ الهَيْئَةُ، يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ الشِّكْلِ. اليَنْبُوعُ مَفْعُولٌ مِنَ النَّبْعِ وهو عَيْنٌ تَفُورُ بِالماءِ. الكِسَفُ القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: كَسَفْتُ الثَّوْبَ ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، وما زَعَمَ الزَّجّاجُ مِن أنْ كَسَفَ بِمَعْنى غَطّى لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ. الرُّقِيُّ والرُّقى الصُّعُودُ يُقالُ: رَقَيْتُ في السُّلَّمِ أرْقى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجْ ∗∗∗ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
خَبَتِ النّارُ تَخْبُو: سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ طُفِئَتْ جُمْلَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎أمِن زَيْنَبَ ذِي النّارِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ما تَخْبُو
؎إذا ما خَمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗ عَلَيْها المَندَلُ الرَّطْبُ
وقالَ الآخَرُ(p-٦٩)
؎وسَطُهُ كاليَراعِ أوْ سَرْجِ المَجْدَلِ ∗∗∗ طُورًا يَخْبُو وطُورًا يُنِيرُ
الثُّبُورُ: الهَلاكُ يُقالُ: ثَبَرَ اللَّهُ العَدُوَّ ثُبُورًا أهْلَكُهُ. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى:
؎إذا جارى الشَّيْطانَ في سَنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مِثْلُهُ مَثْبُورُ
اللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى مُخْتَلِطَةٍ قَدْ لُفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا. المُكْثُ: التَّطاوُلُ في المُدَّةِ، يُقالُ: مَكَثَ ومَكُثَ أطالَ الإقامَةَ. الذَّقَنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَّيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
خافَتَ بِالكَلامِ أسَرَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ وضَرَبَهُ حَتّى خَفَتَ أيْ: لا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ.
* *
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ .
ومُناسَبَةُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ (p-٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْدَهم لِلرَّسُولِ وما كانُوا يَرُومُونَ بِهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُقْبِلَ عَلى شَأْنِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ وأنْ لا يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ، فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأشْرَفِ العِباداتِ والطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ وهي الصَّلاةُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إقامَةِ الصَّلاةِ والمُواجَهُ بِالأمْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللّامُ في ﴿لِدُلُوكِ﴾ قالُوا: بِمَعْنى بَعْدَ أيْ: بَعْدَ دُلُوكِ (الشَّمْسِ) كَما قالُوا ذَلِكَ في قَوْمِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أخاهُ مالِكًا:
؎فَلَمّا تَفَرَّقْنا كَأنِّي ومالِكًا لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أيْ: بَعْدَ طُولِ اجْتِماعٍ، ومِنهُ كَتَبَتُهُ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا. وقالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّها إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ، فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بُرْدَةَ والحَسَنُ والجُمْهُورُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ وغَسَقُ اللَّيْلِ إشارَةٌ إلى المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، فالآيَةُ عَلى هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ الصَّلَواتِ.
ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظُّهْرَ» . ورَوى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ غُرُوبُها والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ (وغَسَقِ اللَّيْلِ) ظُلْمَتُهُ فالإشارَةُ إلى العَتَمَةِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ. انْتَهى. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ الغُرُوبُ، وتَتَعَلَّقُ اللّامُ وإلى بِأقِمْ، فَتَكُونُ إلى غايَةٍ لِلْإقامَةِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الصَّلاةِ قالَ: أيْ مَمْدُودَةٌ، ويَعْنِي بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةَ الصُّبْحِ، وخُصَّتْ بِالقُرْآنِ وهو القِراءَةُ؛ لِأنَّهُ عِظَمُها؛ إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُورٌ بِها، وانْتَصَبَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَطْفًا عَلى (الصَّلاةَ) .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ وآثِرْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ عَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ . انْتَهى. وسُمِّيَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ بِبَعْضِ ما يَقَعُ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَتْ صَلاةُ الفَجْرِ قُرْآنًا وهي القِراءَةُ؛ لِأنَّها رُكْنٌ كَما سُمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا وقُنُوتًا، وهي حُجَّةٌ عَلى ابْنِ أبِي عُلَيَّةَ والأصَمِّ في زَعْمِهِما أنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ. انْتَهى. وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا الدُّلُوكَ بِزَوالِ الشَّمْسِ كانَ الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا غُيِّيَتِ الإقامَةُ بِغَسَقِ اللَّيْلِ، ويَكُونُ الغَسَقُ وقْتًا مُشْتَرِكًا بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَكُونُ المَذْكُورُ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ: أوَّلُ وقْتِ الزَّوالِ، وأوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ، وأوَّلُ وقْتِ الفَجْرِ. انْتَهى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُ أمْرٌ بِإقامَةِ الصَّلاةِ إمّا مِن أوَّلِ الزَّوالِ إلى الغَسَقِ، وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، وإمّا مِنَ الغُرُوبِ إلى الغَسَقِ وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ الصَّلاةَ في وقْتَيْنِ ولا تُؤْخَذُ أوْقاتُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مِن هَذا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ، ولا قِراءَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ واجِبَةٌ إلّا في الصَّلاةِ، ومَن قالَ مَعْنى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الفَجْرِ غَلِطَ؛ لِأنَّهُ صَرَفَ الكَلامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ ولِأنَّ في نَسَقِ التِّلاوَةِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ويَسْتَحِيلُ التَّهَجُّدُ بِصَلاةِ الفَجْرِ لَيْلًا. والهاءُ في (بِهِ) كِنايَةٌ عَنْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ القُرْآنِ لا مَكانُ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ المَقْرُوءِ في صَلاةِ الفَجْرِ واسْتِحالَةُ التَّهَجُّدِ في اللَّيْلِ بِصَلاةِ الفَجْرِ، وعَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرُوا لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تُجْعَلِ القِراءَةُ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ إلّا وهي مِن أرْكانِها. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ (p-٧١)والظّاهِرُ نَدْبِيَّةُ إيقاعِ صَلاةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِإيقاعِ قُرْآنِ الفَجْرِ، فَكانَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ أوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَكِنَّ الإجْماعَ مَنَعَ مِن ذَلِكَ فَبَقِيَ النَّدْبُ لِوُجُودِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَإذا انْتَفى وُجُوبُها بَقِيَ نَدْبُها وأعادَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ولَمْ يَأْتِ مُضْمَرًا فَيَكُونُ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّنْوِيهِ بِقُرْآنِ الفَجْرِ، ومَعْنى ﴿مَشْهُودًا﴾ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ حَفَظَةُ اللَّيْلِ وحَفَظَةُ النَّهارِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّهم يَتَعاقَبُونَ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ» . وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: يَشْهَدُهُ الكَثِيرُ مِنَ المُصَلِّينَ في العادَةِ، وقِيلَ: مِن حَقِّهِ أنْ تَشْهَدَهُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ حَثًّا عَلى طُولِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ؛ لِكَوْنِها مَكْثُورًا عَلَيْها لِيَسْمَعَ النّاسُ القُرْآنَ فَيَكْثُرُ الثَّوابُ، ولِذَلِكَ كانَتِ الفَجْرُ أطْوَلَ الصَّلَواتِ قِراءَةً. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ حَثًّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وعَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ والزَمْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: ﴿مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ تَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَّيْلِ ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في قَوْلِهِ ﴿مَشْهُودًا﴾ عَلى عادَتِهِ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، والَّذِي يَنْبَغِي بَلْ لا يُعْدَلُ عَنْهُ ما فَسَّرَهُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن قَوْلِهِ فِيهِ: «يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» . وقالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ لِلْوَقْتِ المَذْكُورِ ولَمْ يَدُلَّ أمْرُهُ تَعالى إيّاهُ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ ذَكَرَ ما اخْتَصَّهُ بِهِ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وهو في أُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. فَقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ (نافِلَةً) زِيادَةً مَخْصُوصًا بِها أنْتَ وتَهَجَّدَ هُنا تَفَعَّلَ بِمَعْنى الإزالَةِ والتَّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأثَّمَ وتَحَنَّثَ تَرَكَ التَّأثُّمَ والتَّحَنُّثَ، ومِنهُ تَحَنَّثْتُ بِغارِ حِراءَ أيْ: بِتَرْكِ التَّحَنُّثِ، وشُرِحَ بِلازِمِهِ وهو التَّعَبُّدُ (ومِنَ) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ تَقْدِيرُهُ واسْهَرْ مِنَ اللَّيْلِ بِالقُرْآنِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وقُمْ بَعْدَ نَوْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ التَّقْدِيرُ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ أيْ: وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ومِنَ اللَّيْلِ) وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ والتَّهَجُّدُ تَرْكُ الهُجُودِ لِلصَّلاةِ. انْتَهى. فَإنْ كانَ تَفْسِيرُهُ وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَيَقْرُبُ، وإنْ كانَ أرادَ صِناعَةَ النَّحْوِ والإعْرابِ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المُغْرى بِهِ لا يَكُونُ حَرْفًا، وتَقْدِيرُ مِن بِبَعْضٍ فِيهِ مُسامَحَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُرادِفِهِ ألْبَتَّةَ، إذْ لَوْ كانَ مُرادِفَهُ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ اسْمًا ولا قائِلَ بِذَلِكَ، ألا تَرى إجْماعَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ واوَ مَعَ حَرْفٌ وإنْ قُدِّرَتْ بِمَعَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى القُرْآنِ لِتَقَدُّمِهِ في الذِّكْرِ، ولا تُلْحَظُ الإضافَةُ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى وقْتِ المُقَدَّرِ في وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. انْتَهى. فَتَكُونُ الباءُ ظَرْفِيَّةً أيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وانْتُصِبَ (نافِلَةً) . قالَ الحَوْفِيُّ: عَلى المَصْدَرِ أيْ: نَفَّلْناكَ نافِلَةً، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (نافِلَةً) بِتَهَجَّدْ إذا ذَهَبْتَ بِذَلِكَ إلى مَعْنى صَلِّ بِهِ نافِلَةً أيْ: صَلِّ نافِلَةً لَكَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى تَهَجَّدْ أيْ: تَنَفَّلْ نَفْلًا و(نافِلَةً) هُنا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والثّانِي هو حالٌ أيْ: صَلاةُ نافِلَةٍ. انْتَهى. وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِهِ) ويَكُونُ عائِدًا عَلى القُرْآنِ لا عَلى وقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الأسْوَدُ وعَلْقَمَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ والحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: التَّهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (نافِلَةً) زِيادَةً لَكَ في الفَرْضِ وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ النَّدْبِ في التَّنَفُّلِ والخِطابُ لَهُ، والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ كَخِطابِهِ في ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إنَّما هي نافِلَةٌ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلَ مِنَ العَمَلِ وقُرَبًا أشْرَفَ مِن (p-٧٢)نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ أعْنِي نَوافِلَ أُمَّتِهِ إمّا أنْ يُجْبَرَ بِها فَرائِضُهم، وإمّا أنْ يُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهم. وضَعَّفَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ واسْتَحْسَنَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: فَلَهُوَ كَرامَةٌ وعَطاءٌ لَكَ. وقِيلَ: كانَتْ فَرْضًا ثُمَّ رُخِّصَ في تَرْكِها. ومِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: رَمَقَ صَلاتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْلَةً فَصَلّى بِالوَتْرِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وعَنْ عائِشَةَ: أنَّهُ ما كانَ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا في غَيْرِهِ عَلى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
و(عَسى) مَدْلُولُها في المَحْبُوباتِ التَّرَجِّي. فَقِيلَ: هي عَلى بابِها في التَّرَجِّي تَقْدِيرُهُ لِتَكُنْ عَلى رَجاءٍ مِن ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ . وقِيلَ: هي بِمَعْنى كَيْ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا تَفْسِيرَ مَعْنًى، والأجْوَدُ أنَّ (أنْ) هَذِهِ التَّرَجِّيَةُ، والإطْماعُ بِمَعْنى الوُجُوبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو مُتَعَلِّقٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ ﴿وعَسى﴾ [البقرة: ٢١٦] هُنا تامَّةٌ وفاعِلُها ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ و(رَبُّكَ) فاعِلٌ بِيَبْعَثَكَ و(مَقامًا) الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْمُولُهُ لِيَبْعَثَكَ هو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ يَبْعَثَكَ بِمَعْنى يُقِيمُكَ، تَقُولُ: أُقِيمَ مِن قَبْرِهِ وبُعِثَ مِن قَبْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ: في مَقامٍ مَحْمُودٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ: ذا مَقامٍ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ فَتَقُومُ (مَقامًا) ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (عَسى) هُنا ناقِصَةً، وتَقَدَّمَ الخَبَرُ عَلى الِاسْمِ فَيَكُونُ (رَبُّكَ) مَرْفُوعًا اسْمَ (عَسى) و﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ الخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها إلّا في هَذا الإعْرابِ الأخِيرِ. وأمّا في قَبْلِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (مَقامًا) مَنصُوبٌ بِيَبْعَثَكَ و(رَبُّكَ) مَرْفُوعٌ بِعَسى فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ ما هو مَوْصُولٌ وبَيْنَ مَعْمُولٍ. وهو لا يَجُوزُ.
وفِي تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ في أمْرِ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ ﷺ، والحَدِيثُ في الصَّحِيحِ وهي عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي هَذِهِ الشَّفاعَةِ يَحْمَدُهُ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم، وفي دُعائِهِ المَشْهُورِ: «وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ» واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ في أمْرِ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ في إخْراجِهِ لِمُذْنِبِهِمْ مِنَ النّارِ، وهَذِهِ الشَّفاعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِسابِ ودُخُولِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ، وهَذِهِ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ. وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ وفي آخِرِهِ: «حَتّى لا يَبْقى في النّارِ إلّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ» أيْ: وجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قالَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ تَخْصِيصُ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الشَّفاعَةِ العُظْمى الَّتِي يَحْمَدُهُ بِسَبَبِها الخَلْقُ كُلُّهم عَلى أنَّ المُرادَ لِأُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ، أوْ يُقالُ: إنَّ كُلَّ مَقامٍ مِنهُما مَحْمُودٌ.
الثّالِثُ: عَنْ حُذَيْفَةَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ“ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَنجَأ ولا مَلْجَأ إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ. قالَ: فَهَذا قَوْلُهُ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ .
الرّابِعُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى المَقامِ المَحْمُودِ المُقامُ الَّذِي يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ، وكُلُّ مَن رَآهُ وعَرَفَهُ وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ ولِذَلِكَ نَكَّرَ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فَلَمْ يَتَناوَلْ مَقامًا مَخْصُوصًا بَلْ كُلُّ مَقامٍ مَحْمُودٍ صَدَقَ عَلَيْهِ إطْلاقُ اللَّفْظِ.
الخامِسُ: ما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مُجاهِدٌ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنْ يُجْلِسَهُ اللَّهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يُحَدِّثُونَ بِهَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَعْنِي مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ أحَدُ الأئِمَّةِ يَتَأوَّلُ القُرْآنَ فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قالَ: تَنْتَظِرُ الثَّوابَ لَيْسَ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ مَعَهُ عَلى رَفْعِ مَحَلِّهِ (p-٧٣)وتَشْرِيفِهِ عَلى خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقَوْلِهِ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ [التحريم: ١١] و﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] كُلُّ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ المَكانَةِ لا عَنِ المَكانِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: هَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ لا يَصِحُّ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ البَعْثَ ضِدَّ الإجْلاسِ بَعَثْتُ التّارِكَ وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرُ الضِّدِّ بِالضِّدِّ.
الثّانِي: لَوْ كانَ جالِسًا تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، فَكانَ يَكُونُ مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: (مَقامًا) ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا ﴿مَحْمُودًا﴾ والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعُ القُعُودِ.
الرّابِعُ: أنَّ الحَمْقى والجُهّالَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَجْلِسُونَ كُلُّهم مَعَهُ تَعالى ويَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا مَزِيَّةَ لَهُ بِإجْلاسِهِ مَعَهُ.
الخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ بَعَثَ السُّلْطانُ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ والتَّهَجُّدِ ووَعَدَهُ بَعْثَهُ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَهُ بِما يَشْمَلُ أُمُورَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ مَوارِدِهِ ومَصادِرِهِ دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً، والصِّدْقُ هُنا لَفْظٌ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ إذْ هو مُقابِلُ رَجُلِ سُوءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: هو إدْخالٌ خاصٌّ وهو في المَدِينَةِ، وإخْراجٌ خاصٌّ وهو مِن مَكَّةَ. فَيَكُونُ المُقَدَّمُ في الذِّكْرِ هو المُؤَخَّرُ في الوُقُوعِ، ومَكانُ الواوِ هو الأهَمُّ فَبُدِئَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ: ما مَعْناهُ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الشَّرْعِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا لِما كُلِّفَهُ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخِلْنِي القَبْرَ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مَرْضِيًّا عَلى طَهارَةٍ وطِيبٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلْقًى بِالكَرامَةِ آمِنًا مِنَ السُّخْطِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ عَلى ذِكْرِ البَعْثِ. وقِيلَ: إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها بِالفَتْحِ، وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ: الإخْراجُ مِنَ المَدِينَةِ والإدْخالُ مَكَّةَ بِالفَتْحِ. وقِيلَ: الإدْخالُ في الصَّلاةِ والإخْراجُ مِنها، وقِيلَ الإدْخالُ في الجَنَّةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ: الإدْخالُ فِيما أُمِرَ بِهِ والإخْراجُ مِمّا نَهاهُ عَنْهُ. وقِيلَ: ﴿أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ والتَّأمُّلِ في آثارِ مُحْدَثاتِهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ. وقالَ أبُو سَهْلٍ: حِينَ رَجَعَ مِن تَبُوكَ وقَدْ قالَ المُنافِقُونَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] يَعْنِي إدْخالَ عِزٍّ وإخْراجَ نَصْرٍ إلى مَكَّةَ، والأحْسَنُ في هَذِهِ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا التَّعْيِينِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ كَما ذَكَرْناهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَوارِدِ والمَصادِرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مُدْخَلَ﴾ و(مُخْرَجَ) بِضَمِّ مِيمِهِما وهو جارٍ قِياسًا عَلى أفْعَلَ مَصْدَرٌ، نَحْوَ أكْرَمْتُهُ مَكْرَمًا أيْ: إكْرامًا. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِهِما. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهُما مَصْدَرانِ مَن دَخَلَ وخَرَجَ لَكِنَّهُ جاءَ مِن مَعْنى ﴿أدْخِلْنِي﴾ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ المُتَقَدِّمَيْنِ دُونَ لَفْظِهِما ومِثْلُهُما ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَ المَكانِ وانْتِصابُهُما عَلى الظَّرْفِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَنصُوبانِ مَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أيْ أدْخِلْنِي، فَأدْخُلُ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي فَأخْرُجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
والسُّلْطانُ هُنا قالَ الحَسَنُ: التَّسْلِيطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ. وقالَ قَتادَةُ: مُلْكًا عَزِيزًا تَنْصُرُنِي بِهِ عَلى كُلِّ مَن ناوَأنِي. وقالَ مُجاهِدٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. وقِيلَ: كِتابًا يَحْوِي الحُدُودَ والأحْكامَ. وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ. وقِيلَ: في كُلِّ عَصْرٍ (سُلْطانًا) يَنْصُرُ دِينَكَ و(نَصِيرًا) مُبالَغَةً في ناصِرٍ. وقِيلَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَنصُورًا، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُحْتَمِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (p-٧٤)ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ ذَلِكَ وأنْجَزَهُ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ. قالَ قَتادَةُ: و(الحَقُّ) القُرْآنُ و(الباطِلُ) الشَّيْطانُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الجِهادُ و(الباطِلُ) الشِّرْكُ. وقِيلَ: الإيمانُ والكُفْرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جاءَتْ عِبادَةُ اللَّهِ، وذَهَبَتْ عِبادَةُ الشَّيْطانِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ حَسْبَما ذُكِرَ في السِّيَرِ. و﴿زَهُوقًا﴾ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في اضْمِحْلالِهِ وعَدَمِ ثُبُوتِهِ في وقْتٍ ما.
و(مِن) في ﴿مِنَ القُرْآنِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وأنْكَرَ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ ورُدَّ هَذا الإنْكارُ؛ لِأنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ. وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ وإنَّما تَكُونُ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و(نُنَزِّلُ) بِالنُّونِ ومُجاهِدٌ بِالياءِ خَفِيفَةً ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿شِفاءً ورَحْمَةً﴾ بِنَصْبِهِما ويَتَخَرَّجُ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ هو قَوْلُهُ (لِلْمُؤْمِنِينَ) والعامِلُ فِيهِ ما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿والسَّماواتِ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] بِنَصْبِ مَطْوِيّاتٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حِذارِ
وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وشِفاؤُهُ كَوْنُهُ مُزِيلًا لِلرَّيْبِ كاشِفًا عَنْ غِطاءِ القَلْبِ بِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ المُقَرِّرَةِ لِدِينِهِ، فَصارَ لِعِلّاتِ القُلُوبِ كالشِّفاءِ لِعِلّاتِ الأجْسامِ. وقِيلَ: شِفاءٌ بِالرُّقى والعَوْذِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الَّذِي رَقِيَ بِالفاتِحَةِ مِن لَسْعَةِ العَقْرَبِ. واخْتَلَفُوا في النُّشْرَةِ وهو أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ ولَمْ يَرَهُ مُجاهِدٌ. وعَنْ عائِشَةَ: كانَتْ تَقْرَأُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ في إناءٍ ثُمَّ تَأْمُرُ أنْ يُصَبَّ عَلى المَرِيضِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِنِيُّ: النُّشْرَةُ أمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ التَّعْزِيمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ عَنْ صاحِبِهِما أيْ: تَحُلُّ، ومَنَعَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ وقَدْ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ: ”هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“» . ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى ما إذا كانَتْ خارِجَةً عَمّا في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ، والنُّشْرَةُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ في غُسالَةِ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ.
وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى أعْناقِ المَرْضى عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ بِها إذا لَمْ يُرِدُ مُعَلِّقُها بِذَلِكَ مُدافَعَةَ العَيْنِ، وهَذا مَعْناهُ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ العَيْنِ أمّا بَعْدُ نُزُولِ البَلاءِ فَيَجُوزُ رَجاءَ الفَرَجِ والبُرْءِ، والمَرَضُ كالرُّقى المُباحَةِ الَّتِي ورَدَتِ السُّنَّةُ بِها مِنَ العَيْنِ وغَيْرِها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يَجُوزُ تَعْلِيقُ العُوذَةِ في قَصَبَةٍ أوْ رُقْعَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ويَضَعُهُ عِنْدَ الجِماعِ وعِنْدَ الغائِطِ، ورَخَّصَ الباقِرُ في العُوذَةِ تُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ وكانَ ابْنُ سِيرِينَ لا يَرى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنَ القُرْآنِ يُعَلِّقُهُ الإنْسانُ.
وخَسارُ الظّالِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ هو بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَزْدادُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وتَدَبُّرِ مَعانِيهِ إيمانًا.
الإسراء 17:81
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]
(p-٦٨)الدُّلُوكُ الغُرُوبُ قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، واسْتَدَلَّ الفَرّاءُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ غُدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
أيْ: حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ، وبَراحٌ اسْمُ الشَّمْسِ، وأنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
وقِيلَ: الدُّلُوكُ زَوالُ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ. قِيلَ: واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ تُدْلَكُ عَيْنُهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها. وقِيلَ: الدُّلُوكُ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ. قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ الِاسْمُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ دُخُولُ أوَّلِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وأصْلُهُ مِنَ السَّيَلانِ غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ هَمَلَتْ بِالماءِ والغاسِقُ السّائِلُ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ
وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ ؟ قالَ: اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ، ويُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ امْتَلَأتْ دَمًا. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ واغْتَسَقَ وظَلُمَ وأظْلَمَ ودَجى وأدْجى وغَبَشَ وأغْبَشَ، أبُو عُبَيْدَةَ الهاجِدُ النّائِمُ والمُصَلِّي. وقالَ ابْنُ الإعْرابِيِّ: هَجَدَ الرَّجُلُ صَلّى مِنَ اللَّيْلِ، وهَجَدَ نامَ بِاللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ بِرَزْحَ: هَجَّدْتُهُ أيْقَظْتُهُ، فَعَلى ما ذَكَرُوا يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ النّائِمُ، وقَدْ هَجَدَ هُجُودًا نامَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنى يَعُودُ
وقالَ آخَرُ:
؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ
وقالَ الآخَرُ:
؎وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارَتْ مَخافَتِي
زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ زُهُوقًا ذَهَبَتْ، وزَهَقَ الباطِلُ زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يَثْبُتْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ إقْدامُهُ مُزالَةً لَمْ تَزْهَقِ
ناءَ يَنُوءُ: نَهَضَ. الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ، والمَذْهَبُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي، والشَّكْلُ المِثْلُ والنَّظِيرُ، والشِّكْلُ بِكَسْرِ الشِّينِ الهَيْئَةُ، يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ الشِّكْلِ. اليَنْبُوعُ مَفْعُولٌ مِنَ النَّبْعِ وهو عَيْنٌ تَفُورُ بِالماءِ. الكِسَفُ القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: كَسَفْتُ الثَّوْبَ ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، وما زَعَمَ الزَّجّاجُ مِن أنْ كَسَفَ بِمَعْنى غَطّى لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ. الرُّقِيُّ والرُّقى الصُّعُودُ يُقالُ: رَقَيْتُ في السُّلَّمِ أرْقى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجْ ∗∗∗ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
خَبَتِ النّارُ تَخْبُو: سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ طُفِئَتْ جُمْلَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎أمِن زَيْنَبَ ذِي النّارِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ما تَخْبُو
؎إذا ما خَمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗ عَلَيْها المَندَلُ الرَّطْبُ
وقالَ الآخَرُ(p-٦٩)
؎وسَطُهُ كاليَراعِ أوْ سَرْجِ المَجْدَلِ ∗∗∗ طُورًا يَخْبُو وطُورًا يُنِيرُ
الثُّبُورُ: الهَلاكُ يُقالُ: ثَبَرَ اللَّهُ العَدُوَّ ثُبُورًا أهْلَكُهُ. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى:
؎إذا جارى الشَّيْطانَ في سَنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مِثْلُهُ مَثْبُورُ
اللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى مُخْتَلِطَةٍ قَدْ لُفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا. المُكْثُ: التَّطاوُلُ في المُدَّةِ، يُقالُ: مَكَثَ ومَكُثَ أطالَ الإقامَةَ. الذَّقَنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَّيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
خافَتَ بِالكَلامِ أسَرَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ وضَرَبَهُ حَتّى خَفَتَ أيْ: لا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ.
* *
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ .
ومُناسَبَةُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ (p-٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْدَهم لِلرَّسُولِ وما كانُوا يَرُومُونَ بِهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُقْبِلَ عَلى شَأْنِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ وأنْ لا يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ، فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأشْرَفِ العِباداتِ والطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ وهي الصَّلاةُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إقامَةِ الصَّلاةِ والمُواجَهُ بِالأمْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللّامُ في ﴿لِدُلُوكِ﴾ قالُوا: بِمَعْنى بَعْدَ أيْ: بَعْدَ دُلُوكِ (الشَّمْسِ) كَما قالُوا ذَلِكَ في قَوْمِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أخاهُ مالِكًا:
؎فَلَمّا تَفَرَّقْنا كَأنِّي ومالِكًا لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أيْ: بَعْدَ طُولِ اجْتِماعٍ، ومِنهُ كَتَبَتُهُ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا. وقالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّها إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ، فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بُرْدَةَ والحَسَنُ والجُمْهُورُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ وغَسَقُ اللَّيْلِ إشارَةٌ إلى المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، فالآيَةُ عَلى هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ الصَّلَواتِ.
ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظُّهْرَ» . ورَوى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ غُرُوبُها والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ (وغَسَقِ اللَّيْلِ) ظُلْمَتُهُ فالإشارَةُ إلى العَتَمَةِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ. انْتَهى. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ الغُرُوبُ، وتَتَعَلَّقُ اللّامُ وإلى بِأقِمْ، فَتَكُونُ إلى غايَةٍ لِلْإقامَةِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الصَّلاةِ قالَ: أيْ مَمْدُودَةٌ، ويَعْنِي بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةَ الصُّبْحِ، وخُصَّتْ بِالقُرْآنِ وهو القِراءَةُ؛ لِأنَّهُ عِظَمُها؛ إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُورٌ بِها، وانْتَصَبَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَطْفًا عَلى (الصَّلاةَ) .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ وآثِرْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ عَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ . انْتَهى. وسُمِّيَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ بِبَعْضِ ما يَقَعُ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَتْ صَلاةُ الفَجْرِ قُرْآنًا وهي القِراءَةُ؛ لِأنَّها رُكْنٌ كَما سُمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا وقُنُوتًا، وهي حُجَّةٌ عَلى ابْنِ أبِي عُلَيَّةَ والأصَمِّ في زَعْمِهِما أنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ. انْتَهى. وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا الدُّلُوكَ بِزَوالِ الشَّمْسِ كانَ الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا غُيِّيَتِ الإقامَةُ بِغَسَقِ اللَّيْلِ، ويَكُونُ الغَسَقُ وقْتًا مُشْتَرِكًا بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَكُونُ المَذْكُورُ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ: أوَّلُ وقْتِ الزَّوالِ، وأوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ، وأوَّلُ وقْتِ الفَجْرِ. انْتَهى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُ أمْرٌ بِإقامَةِ الصَّلاةِ إمّا مِن أوَّلِ الزَّوالِ إلى الغَسَقِ، وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، وإمّا مِنَ الغُرُوبِ إلى الغَسَقِ وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ الصَّلاةَ في وقْتَيْنِ ولا تُؤْخَذُ أوْقاتُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مِن هَذا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ، ولا قِراءَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ واجِبَةٌ إلّا في الصَّلاةِ، ومَن قالَ مَعْنى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الفَجْرِ غَلِطَ؛ لِأنَّهُ صَرَفَ الكَلامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ ولِأنَّ في نَسَقِ التِّلاوَةِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ويَسْتَحِيلُ التَّهَجُّدُ بِصَلاةِ الفَجْرِ لَيْلًا. والهاءُ في (بِهِ) كِنايَةٌ عَنْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ القُرْآنِ لا مَكانُ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ المَقْرُوءِ في صَلاةِ الفَجْرِ واسْتِحالَةُ التَّهَجُّدِ في اللَّيْلِ بِصَلاةِ الفَجْرِ، وعَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرُوا لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تُجْعَلِ القِراءَةُ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ إلّا وهي مِن أرْكانِها. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ (p-٧١)والظّاهِرُ نَدْبِيَّةُ إيقاعِ صَلاةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِإيقاعِ قُرْآنِ الفَجْرِ، فَكانَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ أوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَكِنَّ الإجْماعَ مَنَعَ مِن ذَلِكَ فَبَقِيَ النَّدْبُ لِوُجُودِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَإذا انْتَفى وُجُوبُها بَقِيَ نَدْبُها وأعادَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ولَمْ يَأْتِ مُضْمَرًا فَيَكُونُ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّنْوِيهِ بِقُرْآنِ الفَجْرِ، ومَعْنى ﴿مَشْهُودًا﴾ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ حَفَظَةُ اللَّيْلِ وحَفَظَةُ النَّهارِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّهم يَتَعاقَبُونَ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ» . وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: يَشْهَدُهُ الكَثِيرُ مِنَ المُصَلِّينَ في العادَةِ، وقِيلَ: مِن حَقِّهِ أنْ تَشْهَدَهُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ حَثًّا عَلى طُولِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ؛ لِكَوْنِها مَكْثُورًا عَلَيْها لِيَسْمَعَ النّاسُ القُرْآنَ فَيَكْثُرُ الثَّوابُ، ولِذَلِكَ كانَتِ الفَجْرُ أطْوَلَ الصَّلَواتِ قِراءَةً. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ حَثًّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وعَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ والزَمْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: ﴿مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ تَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَّيْلِ ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في قَوْلِهِ ﴿مَشْهُودًا﴾ عَلى عادَتِهِ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، والَّذِي يَنْبَغِي بَلْ لا يُعْدَلُ عَنْهُ ما فَسَّرَهُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن قَوْلِهِ فِيهِ: «يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» . وقالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ لِلْوَقْتِ المَذْكُورِ ولَمْ يَدُلَّ أمْرُهُ تَعالى إيّاهُ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ ذَكَرَ ما اخْتَصَّهُ بِهِ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وهو في أُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. فَقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ (نافِلَةً) زِيادَةً مَخْصُوصًا بِها أنْتَ وتَهَجَّدَ هُنا تَفَعَّلَ بِمَعْنى الإزالَةِ والتَّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأثَّمَ وتَحَنَّثَ تَرَكَ التَّأثُّمَ والتَّحَنُّثَ، ومِنهُ تَحَنَّثْتُ بِغارِ حِراءَ أيْ: بِتَرْكِ التَّحَنُّثِ، وشُرِحَ بِلازِمِهِ وهو التَّعَبُّدُ (ومِنَ) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ تَقْدِيرُهُ واسْهَرْ مِنَ اللَّيْلِ بِالقُرْآنِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وقُمْ بَعْدَ نَوْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ التَّقْدِيرُ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ أيْ: وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ومِنَ اللَّيْلِ) وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ والتَّهَجُّدُ تَرْكُ الهُجُودِ لِلصَّلاةِ. انْتَهى. فَإنْ كانَ تَفْسِيرُهُ وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَيَقْرُبُ، وإنْ كانَ أرادَ صِناعَةَ النَّحْوِ والإعْرابِ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المُغْرى بِهِ لا يَكُونُ حَرْفًا، وتَقْدِيرُ مِن بِبَعْضٍ فِيهِ مُسامَحَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُرادِفِهِ ألْبَتَّةَ، إذْ لَوْ كانَ مُرادِفَهُ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ اسْمًا ولا قائِلَ بِذَلِكَ، ألا تَرى إجْماعَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ واوَ مَعَ حَرْفٌ وإنْ قُدِّرَتْ بِمَعَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى القُرْآنِ لِتَقَدُّمِهِ في الذِّكْرِ، ولا تُلْحَظُ الإضافَةُ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى وقْتِ المُقَدَّرِ في وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. انْتَهى. فَتَكُونُ الباءُ ظَرْفِيَّةً أيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وانْتُصِبَ (نافِلَةً) . قالَ الحَوْفِيُّ: عَلى المَصْدَرِ أيْ: نَفَّلْناكَ نافِلَةً، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (نافِلَةً) بِتَهَجَّدْ إذا ذَهَبْتَ بِذَلِكَ إلى مَعْنى صَلِّ بِهِ نافِلَةً أيْ: صَلِّ نافِلَةً لَكَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى تَهَجَّدْ أيْ: تَنَفَّلْ نَفْلًا و(نافِلَةً) هُنا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والثّانِي هو حالٌ أيْ: صَلاةُ نافِلَةٍ. انْتَهى. وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِهِ) ويَكُونُ عائِدًا عَلى القُرْآنِ لا عَلى وقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الأسْوَدُ وعَلْقَمَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ والحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: التَّهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (نافِلَةً) زِيادَةً لَكَ في الفَرْضِ وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ النَّدْبِ في التَّنَفُّلِ والخِطابُ لَهُ، والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ كَخِطابِهِ في ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إنَّما هي نافِلَةٌ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلَ مِنَ العَمَلِ وقُرَبًا أشْرَفَ مِن (p-٧٢)نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ أعْنِي نَوافِلَ أُمَّتِهِ إمّا أنْ يُجْبَرَ بِها فَرائِضُهم، وإمّا أنْ يُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهم. وضَعَّفَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ واسْتَحْسَنَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: فَلَهُوَ كَرامَةٌ وعَطاءٌ لَكَ. وقِيلَ: كانَتْ فَرْضًا ثُمَّ رُخِّصَ في تَرْكِها. ومِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: رَمَقَ صَلاتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْلَةً فَصَلّى بِالوَتْرِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وعَنْ عائِشَةَ: أنَّهُ ما كانَ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا في غَيْرِهِ عَلى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
و(عَسى) مَدْلُولُها في المَحْبُوباتِ التَّرَجِّي. فَقِيلَ: هي عَلى بابِها في التَّرَجِّي تَقْدِيرُهُ لِتَكُنْ عَلى رَجاءٍ مِن ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ . وقِيلَ: هي بِمَعْنى كَيْ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا تَفْسِيرَ مَعْنًى، والأجْوَدُ أنَّ (أنْ) هَذِهِ التَّرَجِّيَةُ، والإطْماعُ بِمَعْنى الوُجُوبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو مُتَعَلِّقٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ ﴿وعَسى﴾ [البقرة: ٢١٦] هُنا تامَّةٌ وفاعِلُها ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ و(رَبُّكَ) فاعِلٌ بِيَبْعَثَكَ و(مَقامًا) الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْمُولُهُ لِيَبْعَثَكَ هو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ يَبْعَثَكَ بِمَعْنى يُقِيمُكَ، تَقُولُ: أُقِيمَ مِن قَبْرِهِ وبُعِثَ مِن قَبْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ: في مَقامٍ مَحْمُودٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ: ذا مَقامٍ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ فَتَقُومُ (مَقامًا) ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (عَسى) هُنا ناقِصَةً، وتَقَدَّمَ الخَبَرُ عَلى الِاسْمِ فَيَكُونُ (رَبُّكَ) مَرْفُوعًا اسْمَ (عَسى) و﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ الخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها إلّا في هَذا الإعْرابِ الأخِيرِ. وأمّا في قَبْلِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (مَقامًا) مَنصُوبٌ بِيَبْعَثَكَ و(رَبُّكَ) مَرْفُوعٌ بِعَسى فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ ما هو مَوْصُولٌ وبَيْنَ مَعْمُولٍ. وهو لا يَجُوزُ.
وفِي تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ في أمْرِ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ ﷺ، والحَدِيثُ في الصَّحِيحِ وهي عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي هَذِهِ الشَّفاعَةِ يَحْمَدُهُ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم، وفي دُعائِهِ المَشْهُورِ: «وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ» واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ في أمْرِ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ في إخْراجِهِ لِمُذْنِبِهِمْ مِنَ النّارِ، وهَذِهِ الشَّفاعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِسابِ ودُخُولِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ، وهَذِهِ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ. وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ وفي آخِرِهِ: «حَتّى لا يَبْقى في النّارِ إلّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ» أيْ: وجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قالَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ تَخْصِيصُ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الشَّفاعَةِ العُظْمى الَّتِي يَحْمَدُهُ بِسَبَبِها الخَلْقُ كُلُّهم عَلى أنَّ المُرادَ لِأُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ، أوْ يُقالُ: إنَّ كُلَّ مَقامٍ مِنهُما مَحْمُودٌ.
الثّالِثُ: عَنْ حُذَيْفَةَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ“ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَنجَأ ولا مَلْجَأ إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ. قالَ: فَهَذا قَوْلُهُ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ .
الرّابِعُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى المَقامِ المَحْمُودِ المُقامُ الَّذِي يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ، وكُلُّ مَن رَآهُ وعَرَفَهُ وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ ولِذَلِكَ نَكَّرَ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فَلَمْ يَتَناوَلْ مَقامًا مَخْصُوصًا بَلْ كُلُّ مَقامٍ مَحْمُودٍ صَدَقَ عَلَيْهِ إطْلاقُ اللَّفْظِ.
الخامِسُ: ما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مُجاهِدٌ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنْ يُجْلِسَهُ اللَّهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يُحَدِّثُونَ بِهَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَعْنِي مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ أحَدُ الأئِمَّةِ يَتَأوَّلُ القُرْآنَ فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قالَ: تَنْتَظِرُ الثَّوابَ لَيْسَ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ مَعَهُ عَلى رَفْعِ مَحَلِّهِ (p-٧٣)وتَشْرِيفِهِ عَلى خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقَوْلِهِ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ [التحريم: ١١] و﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] كُلُّ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ المَكانَةِ لا عَنِ المَكانِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: هَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ لا يَصِحُّ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ البَعْثَ ضِدَّ الإجْلاسِ بَعَثْتُ التّارِكَ وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرُ الضِّدِّ بِالضِّدِّ.
الثّانِي: لَوْ كانَ جالِسًا تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، فَكانَ يَكُونُ مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: (مَقامًا) ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا ﴿مَحْمُودًا﴾ والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعُ القُعُودِ.
الرّابِعُ: أنَّ الحَمْقى والجُهّالَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَجْلِسُونَ كُلُّهم مَعَهُ تَعالى ويَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا مَزِيَّةَ لَهُ بِإجْلاسِهِ مَعَهُ.
الخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ بَعَثَ السُّلْطانُ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ والتَّهَجُّدِ ووَعَدَهُ بَعْثَهُ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَهُ بِما يَشْمَلُ أُمُورَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ مَوارِدِهِ ومَصادِرِهِ دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً، والصِّدْقُ هُنا لَفْظٌ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ إذْ هو مُقابِلُ رَجُلِ سُوءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: هو إدْخالٌ خاصٌّ وهو في المَدِينَةِ، وإخْراجٌ خاصٌّ وهو مِن مَكَّةَ. فَيَكُونُ المُقَدَّمُ في الذِّكْرِ هو المُؤَخَّرُ في الوُقُوعِ، ومَكانُ الواوِ هو الأهَمُّ فَبُدِئَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ: ما مَعْناهُ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الشَّرْعِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا لِما كُلِّفَهُ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخِلْنِي القَبْرَ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مَرْضِيًّا عَلى طَهارَةٍ وطِيبٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلْقًى بِالكَرامَةِ آمِنًا مِنَ السُّخْطِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ عَلى ذِكْرِ البَعْثِ. وقِيلَ: إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها بِالفَتْحِ، وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ: الإخْراجُ مِنَ المَدِينَةِ والإدْخالُ مَكَّةَ بِالفَتْحِ. وقِيلَ: الإدْخالُ في الصَّلاةِ والإخْراجُ مِنها، وقِيلَ الإدْخالُ في الجَنَّةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ: الإدْخالُ فِيما أُمِرَ بِهِ والإخْراجُ مِمّا نَهاهُ عَنْهُ. وقِيلَ: ﴿أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ والتَّأمُّلِ في آثارِ مُحْدَثاتِهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ. وقالَ أبُو سَهْلٍ: حِينَ رَجَعَ مِن تَبُوكَ وقَدْ قالَ المُنافِقُونَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] يَعْنِي إدْخالَ عِزٍّ وإخْراجَ نَصْرٍ إلى مَكَّةَ، والأحْسَنُ في هَذِهِ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا التَّعْيِينِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ كَما ذَكَرْناهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَوارِدِ والمَصادِرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مُدْخَلَ﴾ و(مُخْرَجَ) بِضَمِّ مِيمِهِما وهو جارٍ قِياسًا عَلى أفْعَلَ مَصْدَرٌ، نَحْوَ أكْرَمْتُهُ مَكْرَمًا أيْ: إكْرامًا. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِهِما. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهُما مَصْدَرانِ مَن دَخَلَ وخَرَجَ لَكِنَّهُ جاءَ مِن مَعْنى ﴿أدْخِلْنِي﴾ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ المُتَقَدِّمَيْنِ دُونَ لَفْظِهِما ومِثْلُهُما ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَ المَكانِ وانْتِصابُهُما عَلى الظَّرْفِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَنصُوبانِ مَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أيْ أدْخِلْنِي، فَأدْخُلُ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي فَأخْرُجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
والسُّلْطانُ هُنا قالَ الحَسَنُ: التَّسْلِيطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ. وقالَ قَتادَةُ: مُلْكًا عَزِيزًا تَنْصُرُنِي بِهِ عَلى كُلِّ مَن ناوَأنِي. وقالَ مُجاهِدٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. وقِيلَ: كِتابًا يَحْوِي الحُدُودَ والأحْكامَ. وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ. وقِيلَ: في كُلِّ عَصْرٍ (سُلْطانًا) يَنْصُرُ دِينَكَ و(نَصِيرًا) مُبالَغَةً في ناصِرٍ. وقِيلَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَنصُورًا، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُحْتَمِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (p-٧٤)ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ ذَلِكَ وأنْجَزَهُ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ. قالَ قَتادَةُ: و(الحَقُّ) القُرْآنُ و(الباطِلُ) الشَّيْطانُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الجِهادُ و(الباطِلُ) الشِّرْكُ. وقِيلَ: الإيمانُ والكُفْرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جاءَتْ عِبادَةُ اللَّهِ، وذَهَبَتْ عِبادَةُ الشَّيْطانِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ حَسْبَما ذُكِرَ في السِّيَرِ. و﴿زَهُوقًا﴾ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في اضْمِحْلالِهِ وعَدَمِ ثُبُوتِهِ في وقْتٍ ما.
و(مِن) في ﴿مِنَ القُرْآنِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وأنْكَرَ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ ورُدَّ هَذا الإنْكارُ؛ لِأنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ. وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ وإنَّما تَكُونُ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و(نُنَزِّلُ) بِالنُّونِ ومُجاهِدٌ بِالياءِ خَفِيفَةً ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿شِفاءً ورَحْمَةً﴾ بِنَصْبِهِما ويَتَخَرَّجُ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ هو قَوْلُهُ (لِلْمُؤْمِنِينَ) والعامِلُ فِيهِ ما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿والسَّماواتِ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] بِنَصْبِ مَطْوِيّاتٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حِذارِ
وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وشِفاؤُهُ كَوْنُهُ مُزِيلًا لِلرَّيْبِ كاشِفًا عَنْ غِطاءِ القَلْبِ بِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ المُقَرِّرَةِ لِدِينِهِ، فَصارَ لِعِلّاتِ القُلُوبِ كالشِّفاءِ لِعِلّاتِ الأجْسامِ. وقِيلَ: شِفاءٌ بِالرُّقى والعَوْذِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الَّذِي رَقِيَ بِالفاتِحَةِ مِن لَسْعَةِ العَقْرَبِ. واخْتَلَفُوا في النُّشْرَةِ وهو أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ ولَمْ يَرَهُ مُجاهِدٌ. وعَنْ عائِشَةَ: كانَتْ تَقْرَأُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ في إناءٍ ثُمَّ تَأْمُرُ أنْ يُصَبَّ عَلى المَرِيضِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِنِيُّ: النُّشْرَةُ أمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ التَّعْزِيمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ عَنْ صاحِبِهِما أيْ: تَحُلُّ، ومَنَعَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ وقَدْ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ: ”هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“» . ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى ما إذا كانَتْ خارِجَةً عَمّا في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ، والنُّشْرَةُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ في غُسالَةِ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ.
وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى أعْناقِ المَرْضى عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ بِها إذا لَمْ يُرِدُ مُعَلِّقُها بِذَلِكَ مُدافَعَةَ العَيْنِ، وهَذا مَعْناهُ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ العَيْنِ أمّا بَعْدُ نُزُولِ البَلاءِ فَيَجُوزُ رَجاءَ الفَرَجِ والبُرْءِ، والمَرَضُ كالرُّقى المُباحَةِ الَّتِي ورَدَتِ السُّنَّةُ بِها مِنَ العَيْنِ وغَيْرِها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يَجُوزُ تَعْلِيقُ العُوذَةِ في قَصَبَةٍ أوْ رُقْعَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ويَضَعُهُ عِنْدَ الجِماعِ وعِنْدَ الغائِطِ، ورَخَّصَ الباقِرُ في العُوذَةِ تُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ وكانَ ابْنُ سِيرِينَ لا يَرى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنَ القُرْآنِ يُعَلِّقُهُ الإنْسانُ.
وخَسارُ الظّالِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ هو بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَزْدادُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وتَدَبُّرِ مَعانِيهِ إيمانًا.
الإسراء 17:82
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]
(p-٦٨)الدُّلُوكُ الغُرُوبُ قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، واسْتَدَلَّ الفَرّاءُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ غُدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
أيْ: حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ، وبَراحٌ اسْمُ الشَّمْسِ، وأنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
وقِيلَ: الدُّلُوكُ زَوالُ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ. قِيلَ: واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ تُدْلَكُ عَيْنُهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها. وقِيلَ: الدُّلُوكُ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ. قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ الِاسْمُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ دُخُولُ أوَّلِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وأصْلُهُ مِنَ السَّيَلانِ غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ هَمَلَتْ بِالماءِ والغاسِقُ السّائِلُ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ
وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ ؟ قالَ: اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ، ويُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ امْتَلَأتْ دَمًا. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ واغْتَسَقَ وظَلُمَ وأظْلَمَ ودَجى وأدْجى وغَبَشَ وأغْبَشَ، أبُو عُبَيْدَةَ الهاجِدُ النّائِمُ والمُصَلِّي. وقالَ ابْنُ الإعْرابِيِّ: هَجَدَ الرَّجُلُ صَلّى مِنَ اللَّيْلِ، وهَجَدَ نامَ بِاللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ بِرَزْحَ: هَجَّدْتُهُ أيْقَظْتُهُ، فَعَلى ما ذَكَرُوا يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ النّائِمُ، وقَدْ هَجَدَ هُجُودًا نامَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنى يَعُودُ
وقالَ آخَرُ:
؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ
وقالَ الآخَرُ:
؎وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارَتْ مَخافَتِي
زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ زُهُوقًا ذَهَبَتْ، وزَهَقَ الباطِلُ زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يَثْبُتْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ إقْدامُهُ مُزالَةً لَمْ تَزْهَقِ
ناءَ يَنُوءُ: نَهَضَ. الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ، والمَذْهَبُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي، والشَّكْلُ المِثْلُ والنَّظِيرُ، والشِّكْلُ بِكَسْرِ الشِّينِ الهَيْئَةُ، يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ الشِّكْلِ. اليَنْبُوعُ مَفْعُولٌ مِنَ النَّبْعِ وهو عَيْنٌ تَفُورُ بِالماءِ. الكِسَفُ القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: كَسَفْتُ الثَّوْبَ ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، وما زَعَمَ الزَّجّاجُ مِن أنْ كَسَفَ بِمَعْنى غَطّى لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ. الرُّقِيُّ والرُّقى الصُّعُودُ يُقالُ: رَقَيْتُ في السُّلَّمِ أرْقى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجْ ∗∗∗ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
خَبَتِ النّارُ تَخْبُو: سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ طُفِئَتْ جُمْلَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎أمِن زَيْنَبَ ذِي النّارِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ما تَخْبُو
؎إذا ما خَمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗ عَلَيْها المَندَلُ الرَّطْبُ
وقالَ الآخَرُ(p-٦٩)
؎وسَطُهُ كاليَراعِ أوْ سَرْجِ المَجْدَلِ ∗∗∗ طُورًا يَخْبُو وطُورًا يُنِيرُ
الثُّبُورُ: الهَلاكُ يُقالُ: ثَبَرَ اللَّهُ العَدُوَّ ثُبُورًا أهْلَكُهُ. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى:
؎إذا جارى الشَّيْطانَ في سَنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مِثْلُهُ مَثْبُورُ
اللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى مُخْتَلِطَةٍ قَدْ لُفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا. المُكْثُ: التَّطاوُلُ في المُدَّةِ، يُقالُ: مَكَثَ ومَكُثَ أطالَ الإقامَةَ. الذَّقَنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَّيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
خافَتَ بِالكَلامِ أسَرَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ وضَرَبَهُ حَتّى خَفَتَ أيْ: لا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ.
* *
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ .
ومُناسَبَةُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ (p-٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْدَهم لِلرَّسُولِ وما كانُوا يَرُومُونَ بِهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُقْبِلَ عَلى شَأْنِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ وأنْ لا يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ، فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأشْرَفِ العِباداتِ والطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ وهي الصَّلاةُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إقامَةِ الصَّلاةِ والمُواجَهُ بِالأمْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللّامُ في ﴿لِدُلُوكِ﴾ قالُوا: بِمَعْنى بَعْدَ أيْ: بَعْدَ دُلُوكِ (الشَّمْسِ) كَما قالُوا ذَلِكَ في قَوْمِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أخاهُ مالِكًا:
؎فَلَمّا تَفَرَّقْنا كَأنِّي ومالِكًا لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أيْ: بَعْدَ طُولِ اجْتِماعٍ، ومِنهُ كَتَبَتُهُ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا. وقالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّها إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ، فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بُرْدَةَ والحَسَنُ والجُمْهُورُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ وغَسَقُ اللَّيْلِ إشارَةٌ إلى المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، فالآيَةُ عَلى هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ الصَّلَواتِ.
ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظُّهْرَ» . ورَوى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ غُرُوبُها والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ (وغَسَقِ اللَّيْلِ) ظُلْمَتُهُ فالإشارَةُ إلى العَتَمَةِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ. انْتَهى. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ الغُرُوبُ، وتَتَعَلَّقُ اللّامُ وإلى بِأقِمْ، فَتَكُونُ إلى غايَةٍ لِلْإقامَةِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الصَّلاةِ قالَ: أيْ مَمْدُودَةٌ، ويَعْنِي بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةَ الصُّبْحِ، وخُصَّتْ بِالقُرْآنِ وهو القِراءَةُ؛ لِأنَّهُ عِظَمُها؛ إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُورٌ بِها، وانْتَصَبَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَطْفًا عَلى (الصَّلاةَ) .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ وآثِرْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ عَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ . انْتَهى. وسُمِّيَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ بِبَعْضِ ما يَقَعُ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَتْ صَلاةُ الفَجْرِ قُرْآنًا وهي القِراءَةُ؛ لِأنَّها رُكْنٌ كَما سُمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا وقُنُوتًا، وهي حُجَّةٌ عَلى ابْنِ أبِي عُلَيَّةَ والأصَمِّ في زَعْمِهِما أنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ. انْتَهى. وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا الدُّلُوكَ بِزَوالِ الشَّمْسِ كانَ الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا غُيِّيَتِ الإقامَةُ بِغَسَقِ اللَّيْلِ، ويَكُونُ الغَسَقُ وقْتًا مُشْتَرِكًا بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَكُونُ المَذْكُورُ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ: أوَّلُ وقْتِ الزَّوالِ، وأوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ، وأوَّلُ وقْتِ الفَجْرِ. انْتَهى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُ أمْرٌ بِإقامَةِ الصَّلاةِ إمّا مِن أوَّلِ الزَّوالِ إلى الغَسَقِ، وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، وإمّا مِنَ الغُرُوبِ إلى الغَسَقِ وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ الصَّلاةَ في وقْتَيْنِ ولا تُؤْخَذُ أوْقاتُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مِن هَذا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ، ولا قِراءَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ واجِبَةٌ إلّا في الصَّلاةِ، ومَن قالَ مَعْنى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الفَجْرِ غَلِطَ؛ لِأنَّهُ صَرَفَ الكَلامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ ولِأنَّ في نَسَقِ التِّلاوَةِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ويَسْتَحِيلُ التَّهَجُّدُ بِصَلاةِ الفَجْرِ لَيْلًا. والهاءُ في (بِهِ) كِنايَةٌ عَنْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ القُرْآنِ لا مَكانُ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ المَقْرُوءِ في صَلاةِ الفَجْرِ واسْتِحالَةُ التَّهَجُّدِ في اللَّيْلِ بِصَلاةِ الفَجْرِ، وعَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرُوا لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تُجْعَلِ القِراءَةُ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ إلّا وهي مِن أرْكانِها. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ (p-٧١)والظّاهِرُ نَدْبِيَّةُ إيقاعِ صَلاةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِإيقاعِ قُرْآنِ الفَجْرِ، فَكانَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ أوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَكِنَّ الإجْماعَ مَنَعَ مِن ذَلِكَ فَبَقِيَ النَّدْبُ لِوُجُودِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَإذا انْتَفى وُجُوبُها بَقِيَ نَدْبُها وأعادَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ولَمْ يَأْتِ مُضْمَرًا فَيَكُونُ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّنْوِيهِ بِقُرْآنِ الفَجْرِ، ومَعْنى ﴿مَشْهُودًا﴾ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ حَفَظَةُ اللَّيْلِ وحَفَظَةُ النَّهارِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّهم يَتَعاقَبُونَ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ» . وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: يَشْهَدُهُ الكَثِيرُ مِنَ المُصَلِّينَ في العادَةِ، وقِيلَ: مِن حَقِّهِ أنْ تَشْهَدَهُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ حَثًّا عَلى طُولِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ؛ لِكَوْنِها مَكْثُورًا عَلَيْها لِيَسْمَعَ النّاسُ القُرْآنَ فَيَكْثُرُ الثَّوابُ، ولِذَلِكَ كانَتِ الفَجْرُ أطْوَلَ الصَّلَواتِ قِراءَةً. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ حَثًّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وعَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ والزَمْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: ﴿مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ تَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَّيْلِ ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في قَوْلِهِ ﴿مَشْهُودًا﴾ عَلى عادَتِهِ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، والَّذِي يَنْبَغِي بَلْ لا يُعْدَلُ عَنْهُ ما فَسَّرَهُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن قَوْلِهِ فِيهِ: «يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» . وقالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ لِلْوَقْتِ المَذْكُورِ ولَمْ يَدُلَّ أمْرُهُ تَعالى إيّاهُ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ ذَكَرَ ما اخْتَصَّهُ بِهِ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وهو في أُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. فَقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ (نافِلَةً) زِيادَةً مَخْصُوصًا بِها أنْتَ وتَهَجَّدَ هُنا تَفَعَّلَ بِمَعْنى الإزالَةِ والتَّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأثَّمَ وتَحَنَّثَ تَرَكَ التَّأثُّمَ والتَّحَنُّثَ، ومِنهُ تَحَنَّثْتُ بِغارِ حِراءَ أيْ: بِتَرْكِ التَّحَنُّثِ، وشُرِحَ بِلازِمِهِ وهو التَّعَبُّدُ (ومِنَ) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ تَقْدِيرُهُ واسْهَرْ مِنَ اللَّيْلِ بِالقُرْآنِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وقُمْ بَعْدَ نَوْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ التَّقْدِيرُ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ أيْ: وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ومِنَ اللَّيْلِ) وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ والتَّهَجُّدُ تَرْكُ الهُجُودِ لِلصَّلاةِ. انْتَهى. فَإنْ كانَ تَفْسِيرُهُ وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَيَقْرُبُ، وإنْ كانَ أرادَ صِناعَةَ النَّحْوِ والإعْرابِ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المُغْرى بِهِ لا يَكُونُ حَرْفًا، وتَقْدِيرُ مِن بِبَعْضٍ فِيهِ مُسامَحَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُرادِفِهِ ألْبَتَّةَ، إذْ لَوْ كانَ مُرادِفَهُ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ اسْمًا ولا قائِلَ بِذَلِكَ، ألا تَرى إجْماعَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ واوَ مَعَ حَرْفٌ وإنْ قُدِّرَتْ بِمَعَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى القُرْآنِ لِتَقَدُّمِهِ في الذِّكْرِ، ولا تُلْحَظُ الإضافَةُ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى وقْتِ المُقَدَّرِ في وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. انْتَهى. فَتَكُونُ الباءُ ظَرْفِيَّةً أيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وانْتُصِبَ (نافِلَةً) . قالَ الحَوْفِيُّ: عَلى المَصْدَرِ أيْ: نَفَّلْناكَ نافِلَةً، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (نافِلَةً) بِتَهَجَّدْ إذا ذَهَبْتَ بِذَلِكَ إلى مَعْنى صَلِّ بِهِ نافِلَةً أيْ: صَلِّ نافِلَةً لَكَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى تَهَجَّدْ أيْ: تَنَفَّلْ نَفْلًا و(نافِلَةً) هُنا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والثّانِي هو حالٌ أيْ: صَلاةُ نافِلَةٍ. انْتَهى. وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِهِ) ويَكُونُ عائِدًا عَلى القُرْآنِ لا عَلى وقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الأسْوَدُ وعَلْقَمَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ والحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: التَّهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (نافِلَةً) زِيادَةً لَكَ في الفَرْضِ وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ النَّدْبِ في التَّنَفُّلِ والخِطابُ لَهُ، والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ كَخِطابِهِ في ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إنَّما هي نافِلَةٌ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلَ مِنَ العَمَلِ وقُرَبًا أشْرَفَ مِن (p-٧٢)نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ أعْنِي نَوافِلَ أُمَّتِهِ إمّا أنْ يُجْبَرَ بِها فَرائِضُهم، وإمّا أنْ يُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهم. وضَعَّفَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ واسْتَحْسَنَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: فَلَهُوَ كَرامَةٌ وعَطاءٌ لَكَ. وقِيلَ: كانَتْ فَرْضًا ثُمَّ رُخِّصَ في تَرْكِها. ومِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: رَمَقَ صَلاتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْلَةً فَصَلّى بِالوَتْرِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وعَنْ عائِشَةَ: أنَّهُ ما كانَ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا في غَيْرِهِ عَلى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
و(عَسى) مَدْلُولُها في المَحْبُوباتِ التَّرَجِّي. فَقِيلَ: هي عَلى بابِها في التَّرَجِّي تَقْدِيرُهُ لِتَكُنْ عَلى رَجاءٍ مِن ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ . وقِيلَ: هي بِمَعْنى كَيْ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا تَفْسِيرَ مَعْنًى، والأجْوَدُ أنَّ (أنْ) هَذِهِ التَّرَجِّيَةُ، والإطْماعُ بِمَعْنى الوُجُوبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو مُتَعَلِّقٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ ﴿وعَسى﴾ [البقرة: ٢١٦] هُنا تامَّةٌ وفاعِلُها ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ و(رَبُّكَ) فاعِلٌ بِيَبْعَثَكَ و(مَقامًا) الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْمُولُهُ لِيَبْعَثَكَ هو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ يَبْعَثَكَ بِمَعْنى يُقِيمُكَ، تَقُولُ: أُقِيمَ مِن قَبْرِهِ وبُعِثَ مِن قَبْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ: في مَقامٍ مَحْمُودٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ: ذا مَقامٍ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ فَتَقُومُ (مَقامًا) ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (عَسى) هُنا ناقِصَةً، وتَقَدَّمَ الخَبَرُ عَلى الِاسْمِ فَيَكُونُ (رَبُّكَ) مَرْفُوعًا اسْمَ (عَسى) و﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ الخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها إلّا في هَذا الإعْرابِ الأخِيرِ. وأمّا في قَبْلِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (مَقامًا) مَنصُوبٌ بِيَبْعَثَكَ و(رَبُّكَ) مَرْفُوعٌ بِعَسى فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ ما هو مَوْصُولٌ وبَيْنَ مَعْمُولٍ. وهو لا يَجُوزُ.
وفِي تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ في أمْرِ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ ﷺ، والحَدِيثُ في الصَّحِيحِ وهي عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي هَذِهِ الشَّفاعَةِ يَحْمَدُهُ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم، وفي دُعائِهِ المَشْهُورِ: «وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ» واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ في أمْرِ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ في إخْراجِهِ لِمُذْنِبِهِمْ مِنَ النّارِ، وهَذِهِ الشَّفاعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِسابِ ودُخُولِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ، وهَذِهِ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ. وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ وفي آخِرِهِ: «حَتّى لا يَبْقى في النّارِ إلّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ» أيْ: وجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قالَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ تَخْصِيصُ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الشَّفاعَةِ العُظْمى الَّتِي يَحْمَدُهُ بِسَبَبِها الخَلْقُ كُلُّهم عَلى أنَّ المُرادَ لِأُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ، أوْ يُقالُ: إنَّ كُلَّ مَقامٍ مِنهُما مَحْمُودٌ.
الثّالِثُ: عَنْ حُذَيْفَةَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ“ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَنجَأ ولا مَلْجَأ إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ. قالَ: فَهَذا قَوْلُهُ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ .
الرّابِعُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى المَقامِ المَحْمُودِ المُقامُ الَّذِي يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ، وكُلُّ مَن رَآهُ وعَرَفَهُ وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ ولِذَلِكَ نَكَّرَ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فَلَمْ يَتَناوَلْ مَقامًا مَخْصُوصًا بَلْ كُلُّ مَقامٍ مَحْمُودٍ صَدَقَ عَلَيْهِ إطْلاقُ اللَّفْظِ.
الخامِسُ: ما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مُجاهِدٌ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنْ يُجْلِسَهُ اللَّهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يُحَدِّثُونَ بِهَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَعْنِي مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ أحَدُ الأئِمَّةِ يَتَأوَّلُ القُرْآنَ فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قالَ: تَنْتَظِرُ الثَّوابَ لَيْسَ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ مَعَهُ عَلى رَفْعِ مَحَلِّهِ (p-٧٣)وتَشْرِيفِهِ عَلى خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقَوْلِهِ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ [التحريم: ١١] و﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] كُلُّ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ المَكانَةِ لا عَنِ المَكانِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: هَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ لا يَصِحُّ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ البَعْثَ ضِدَّ الإجْلاسِ بَعَثْتُ التّارِكَ وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرُ الضِّدِّ بِالضِّدِّ.
الثّانِي: لَوْ كانَ جالِسًا تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، فَكانَ يَكُونُ مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: (مَقامًا) ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا ﴿مَحْمُودًا﴾ والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعُ القُعُودِ.
الرّابِعُ: أنَّ الحَمْقى والجُهّالَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَجْلِسُونَ كُلُّهم مَعَهُ تَعالى ويَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا مَزِيَّةَ لَهُ بِإجْلاسِهِ مَعَهُ.
الخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ بَعَثَ السُّلْطانُ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ والتَّهَجُّدِ ووَعَدَهُ بَعْثَهُ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَهُ بِما يَشْمَلُ أُمُورَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ مَوارِدِهِ ومَصادِرِهِ دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً، والصِّدْقُ هُنا لَفْظٌ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ إذْ هو مُقابِلُ رَجُلِ سُوءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: هو إدْخالٌ خاصٌّ وهو في المَدِينَةِ، وإخْراجٌ خاصٌّ وهو مِن مَكَّةَ. فَيَكُونُ المُقَدَّمُ في الذِّكْرِ هو المُؤَخَّرُ في الوُقُوعِ، ومَكانُ الواوِ هو الأهَمُّ فَبُدِئَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ: ما مَعْناهُ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الشَّرْعِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا لِما كُلِّفَهُ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخِلْنِي القَبْرَ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مَرْضِيًّا عَلى طَهارَةٍ وطِيبٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلْقًى بِالكَرامَةِ آمِنًا مِنَ السُّخْطِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ عَلى ذِكْرِ البَعْثِ. وقِيلَ: إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها بِالفَتْحِ، وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ: الإخْراجُ مِنَ المَدِينَةِ والإدْخالُ مَكَّةَ بِالفَتْحِ. وقِيلَ: الإدْخالُ في الصَّلاةِ والإخْراجُ مِنها، وقِيلَ الإدْخالُ في الجَنَّةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ: الإدْخالُ فِيما أُمِرَ بِهِ والإخْراجُ مِمّا نَهاهُ عَنْهُ. وقِيلَ: ﴿أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ والتَّأمُّلِ في آثارِ مُحْدَثاتِهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ. وقالَ أبُو سَهْلٍ: حِينَ رَجَعَ مِن تَبُوكَ وقَدْ قالَ المُنافِقُونَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] يَعْنِي إدْخالَ عِزٍّ وإخْراجَ نَصْرٍ إلى مَكَّةَ، والأحْسَنُ في هَذِهِ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا التَّعْيِينِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ كَما ذَكَرْناهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَوارِدِ والمَصادِرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مُدْخَلَ﴾ و(مُخْرَجَ) بِضَمِّ مِيمِهِما وهو جارٍ قِياسًا عَلى أفْعَلَ مَصْدَرٌ، نَحْوَ أكْرَمْتُهُ مَكْرَمًا أيْ: إكْرامًا. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِهِما. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهُما مَصْدَرانِ مَن دَخَلَ وخَرَجَ لَكِنَّهُ جاءَ مِن مَعْنى ﴿أدْخِلْنِي﴾ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ المُتَقَدِّمَيْنِ دُونَ لَفْظِهِما ومِثْلُهُما ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَ المَكانِ وانْتِصابُهُما عَلى الظَّرْفِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَنصُوبانِ مَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أيْ أدْخِلْنِي، فَأدْخُلُ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي فَأخْرُجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
والسُّلْطانُ هُنا قالَ الحَسَنُ: التَّسْلِيطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ. وقالَ قَتادَةُ: مُلْكًا عَزِيزًا تَنْصُرُنِي بِهِ عَلى كُلِّ مَن ناوَأنِي. وقالَ مُجاهِدٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. وقِيلَ: كِتابًا يَحْوِي الحُدُودَ والأحْكامَ. وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ. وقِيلَ: في كُلِّ عَصْرٍ (سُلْطانًا) يَنْصُرُ دِينَكَ و(نَصِيرًا) مُبالَغَةً في ناصِرٍ. وقِيلَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَنصُورًا، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُحْتَمِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (p-٧٤)ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ ذَلِكَ وأنْجَزَهُ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ. قالَ قَتادَةُ: و(الحَقُّ) القُرْآنُ و(الباطِلُ) الشَّيْطانُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الجِهادُ و(الباطِلُ) الشِّرْكُ. وقِيلَ: الإيمانُ والكُفْرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جاءَتْ عِبادَةُ اللَّهِ، وذَهَبَتْ عِبادَةُ الشَّيْطانِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ حَسْبَما ذُكِرَ في السِّيَرِ. و﴿زَهُوقًا﴾ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في اضْمِحْلالِهِ وعَدَمِ ثُبُوتِهِ في وقْتٍ ما.
و(مِن) في ﴿مِنَ القُرْآنِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وأنْكَرَ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ ورُدَّ هَذا الإنْكارُ؛ لِأنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ. وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ وإنَّما تَكُونُ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و(نُنَزِّلُ) بِالنُّونِ ومُجاهِدٌ بِالياءِ خَفِيفَةً ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿شِفاءً ورَحْمَةً﴾ بِنَصْبِهِما ويَتَخَرَّجُ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ هو قَوْلُهُ (لِلْمُؤْمِنِينَ) والعامِلُ فِيهِ ما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿والسَّماواتِ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] بِنَصْبِ مَطْوِيّاتٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حِذارِ
وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وشِفاؤُهُ كَوْنُهُ مُزِيلًا لِلرَّيْبِ كاشِفًا عَنْ غِطاءِ القَلْبِ بِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ المُقَرِّرَةِ لِدِينِهِ، فَصارَ لِعِلّاتِ القُلُوبِ كالشِّفاءِ لِعِلّاتِ الأجْسامِ. وقِيلَ: شِفاءٌ بِالرُّقى والعَوْذِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الَّذِي رَقِيَ بِالفاتِحَةِ مِن لَسْعَةِ العَقْرَبِ. واخْتَلَفُوا في النُّشْرَةِ وهو أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ ولَمْ يَرَهُ مُجاهِدٌ. وعَنْ عائِشَةَ: كانَتْ تَقْرَأُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ في إناءٍ ثُمَّ تَأْمُرُ أنْ يُصَبَّ عَلى المَرِيضِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِنِيُّ: النُّشْرَةُ أمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ التَّعْزِيمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ عَنْ صاحِبِهِما أيْ: تَحُلُّ، ومَنَعَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ وقَدْ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ: ”هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“» . ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى ما إذا كانَتْ خارِجَةً عَمّا في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ، والنُّشْرَةُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ في غُسالَةِ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ.
وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى أعْناقِ المَرْضى عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ بِها إذا لَمْ يُرِدُ مُعَلِّقُها بِذَلِكَ مُدافَعَةَ العَيْنِ، وهَذا مَعْناهُ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ العَيْنِ أمّا بَعْدُ نُزُولِ البَلاءِ فَيَجُوزُ رَجاءَ الفَرَجِ والبُرْءِ، والمَرَضُ كالرُّقى المُباحَةِ الَّتِي ورَدَتِ السُّنَّةُ بِها مِنَ العَيْنِ وغَيْرِها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يَجُوزُ تَعْلِيقُ العُوذَةِ في قَصَبَةٍ أوْ رُقْعَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ويَضَعُهُ عِنْدَ الجِماعِ وعِنْدَ الغائِطِ، ورَخَّصَ الباقِرُ في العُوذَةِ تُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ وكانَ ابْنُ سِيرِينَ لا يَرى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنَ القُرْآنِ يُعَلِّقُهُ الإنْسانُ.
وخَسارُ الظّالِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ هو بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَزْدادُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وتَدَبُّرِ مَعانِيهِ إيمانًا.
الإسراء 17:83
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]
(p-٦٨)الدُّلُوكُ الغُرُوبُ قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، واسْتَدَلَّ الفَرّاءُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ غُدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
أيْ: حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ، وبَراحٌ اسْمُ الشَّمْسِ، وأنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
وقِيلَ: الدُّلُوكُ زَوالُ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ. قِيلَ: واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ تُدْلَكُ عَيْنُهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها. وقِيلَ: الدُّلُوكُ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ. قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ الِاسْمُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ دُخُولُ أوَّلِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وأصْلُهُ مِنَ السَّيَلانِ غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ هَمَلَتْ بِالماءِ والغاسِقُ السّائِلُ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ
وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ ؟ قالَ: اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ، ويُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ امْتَلَأتْ دَمًا. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ واغْتَسَقَ وظَلُمَ وأظْلَمَ ودَجى وأدْجى وغَبَشَ وأغْبَشَ، أبُو عُبَيْدَةَ الهاجِدُ النّائِمُ والمُصَلِّي. وقالَ ابْنُ الإعْرابِيِّ: هَجَدَ الرَّجُلُ صَلّى مِنَ اللَّيْلِ، وهَجَدَ نامَ بِاللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ بِرَزْحَ: هَجَّدْتُهُ أيْقَظْتُهُ، فَعَلى ما ذَكَرُوا يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ النّائِمُ، وقَدْ هَجَدَ هُجُودًا نامَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنى يَعُودُ
وقالَ آخَرُ:
؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ
وقالَ الآخَرُ:
؎وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارَتْ مَخافَتِي
زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ زُهُوقًا ذَهَبَتْ، وزَهَقَ الباطِلُ زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يَثْبُتْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ إقْدامُهُ مُزالَةً لَمْ تَزْهَقِ
ناءَ يَنُوءُ: نَهَضَ. الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ، والمَذْهَبُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي، والشَّكْلُ المِثْلُ والنَّظِيرُ، والشِّكْلُ بِكَسْرِ الشِّينِ الهَيْئَةُ، يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ الشِّكْلِ. اليَنْبُوعُ مَفْعُولٌ مِنَ النَّبْعِ وهو عَيْنٌ تَفُورُ بِالماءِ. الكِسَفُ القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: كَسَفْتُ الثَّوْبَ ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، وما زَعَمَ الزَّجّاجُ مِن أنْ كَسَفَ بِمَعْنى غَطّى لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ. الرُّقِيُّ والرُّقى الصُّعُودُ يُقالُ: رَقَيْتُ في السُّلَّمِ أرْقى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجْ ∗∗∗ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
خَبَتِ النّارُ تَخْبُو: سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ طُفِئَتْ جُمْلَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎أمِن زَيْنَبَ ذِي النّارِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ما تَخْبُو
؎إذا ما خَمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗ عَلَيْها المَندَلُ الرَّطْبُ
وقالَ الآخَرُ(p-٦٩)
؎وسَطُهُ كاليَراعِ أوْ سَرْجِ المَجْدَلِ ∗∗∗ طُورًا يَخْبُو وطُورًا يُنِيرُ
الثُّبُورُ: الهَلاكُ يُقالُ: ثَبَرَ اللَّهُ العَدُوَّ ثُبُورًا أهْلَكُهُ. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى:
؎إذا جارى الشَّيْطانَ في سَنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مِثْلُهُ مَثْبُورُ
اللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى مُخْتَلِطَةٍ قَدْ لُفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا. المُكْثُ: التَّطاوُلُ في المُدَّةِ، يُقالُ: مَكَثَ ومَكُثَ أطالَ الإقامَةَ. الذَّقَنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَّيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
خافَتَ بِالكَلامِ أسَرَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ وضَرَبَهُ حَتّى خَفَتَ أيْ: لا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ.
* *
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ .
ومُناسَبَةُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ (p-٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْدَهم لِلرَّسُولِ وما كانُوا يَرُومُونَ بِهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُقْبِلَ عَلى شَأْنِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ وأنْ لا يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ، فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأشْرَفِ العِباداتِ والطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ وهي الصَّلاةُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إقامَةِ الصَّلاةِ والمُواجَهُ بِالأمْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللّامُ في ﴿لِدُلُوكِ﴾ قالُوا: بِمَعْنى بَعْدَ أيْ: بَعْدَ دُلُوكِ (الشَّمْسِ) كَما قالُوا ذَلِكَ في قَوْمِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أخاهُ مالِكًا:
؎فَلَمّا تَفَرَّقْنا كَأنِّي ومالِكًا لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أيْ: بَعْدَ طُولِ اجْتِماعٍ، ومِنهُ كَتَبَتُهُ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا. وقالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّها إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ، فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بُرْدَةَ والحَسَنُ والجُمْهُورُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ وغَسَقُ اللَّيْلِ إشارَةٌ إلى المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، فالآيَةُ عَلى هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ الصَّلَواتِ.
ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظُّهْرَ» . ورَوى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ غُرُوبُها والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ (وغَسَقِ اللَّيْلِ) ظُلْمَتُهُ فالإشارَةُ إلى العَتَمَةِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ. انْتَهى. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ الغُرُوبُ، وتَتَعَلَّقُ اللّامُ وإلى بِأقِمْ، فَتَكُونُ إلى غايَةٍ لِلْإقامَةِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الصَّلاةِ قالَ: أيْ مَمْدُودَةٌ، ويَعْنِي بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةَ الصُّبْحِ، وخُصَّتْ بِالقُرْآنِ وهو القِراءَةُ؛ لِأنَّهُ عِظَمُها؛ إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُورٌ بِها، وانْتَصَبَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَطْفًا عَلى (الصَّلاةَ) .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ وآثِرْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ عَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ . انْتَهى. وسُمِّيَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ بِبَعْضِ ما يَقَعُ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَتْ صَلاةُ الفَجْرِ قُرْآنًا وهي القِراءَةُ؛ لِأنَّها رُكْنٌ كَما سُمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا وقُنُوتًا، وهي حُجَّةٌ عَلى ابْنِ أبِي عُلَيَّةَ والأصَمِّ في زَعْمِهِما أنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ. انْتَهى. وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا الدُّلُوكَ بِزَوالِ الشَّمْسِ كانَ الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا غُيِّيَتِ الإقامَةُ بِغَسَقِ اللَّيْلِ، ويَكُونُ الغَسَقُ وقْتًا مُشْتَرِكًا بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَكُونُ المَذْكُورُ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ: أوَّلُ وقْتِ الزَّوالِ، وأوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ، وأوَّلُ وقْتِ الفَجْرِ. انْتَهى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُ أمْرٌ بِإقامَةِ الصَّلاةِ إمّا مِن أوَّلِ الزَّوالِ إلى الغَسَقِ، وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، وإمّا مِنَ الغُرُوبِ إلى الغَسَقِ وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ الصَّلاةَ في وقْتَيْنِ ولا تُؤْخَذُ أوْقاتُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مِن هَذا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ، ولا قِراءَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ واجِبَةٌ إلّا في الصَّلاةِ، ومَن قالَ مَعْنى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الفَجْرِ غَلِطَ؛ لِأنَّهُ صَرَفَ الكَلامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ ولِأنَّ في نَسَقِ التِّلاوَةِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ويَسْتَحِيلُ التَّهَجُّدُ بِصَلاةِ الفَجْرِ لَيْلًا. والهاءُ في (بِهِ) كِنايَةٌ عَنْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ القُرْآنِ لا مَكانُ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ المَقْرُوءِ في صَلاةِ الفَجْرِ واسْتِحالَةُ التَّهَجُّدِ في اللَّيْلِ بِصَلاةِ الفَجْرِ، وعَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرُوا لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تُجْعَلِ القِراءَةُ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ إلّا وهي مِن أرْكانِها. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ (p-٧١)والظّاهِرُ نَدْبِيَّةُ إيقاعِ صَلاةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِإيقاعِ قُرْآنِ الفَجْرِ، فَكانَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ أوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَكِنَّ الإجْماعَ مَنَعَ مِن ذَلِكَ فَبَقِيَ النَّدْبُ لِوُجُودِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَإذا انْتَفى وُجُوبُها بَقِيَ نَدْبُها وأعادَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ولَمْ يَأْتِ مُضْمَرًا فَيَكُونُ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّنْوِيهِ بِقُرْآنِ الفَجْرِ، ومَعْنى ﴿مَشْهُودًا﴾ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ حَفَظَةُ اللَّيْلِ وحَفَظَةُ النَّهارِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّهم يَتَعاقَبُونَ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ» . وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: يَشْهَدُهُ الكَثِيرُ مِنَ المُصَلِّينَ في العادَةِ، وقِيلَ: مِن حَقِّهِ أنْ تَشْهَدَهُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ حَثًّا عَلى طُولِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ؛ لِكَوْنِها مَكْثُورًا عَلَيْها لِيَسْمَعَ النّاسُ القُرْآنَ فَيَكْثُرُ الثَّوابُ، ولِذَلِكَ كانَتِ الفَجْرُ أطْوَلَ الصَّلَواتِ قِراءَةً. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ حَثًّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وعَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ والزَمْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: ﴿مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ تَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَّيْلِ ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في قَوْلِهِ ﴿مَشْهُودًا﴾ عَلى عادَتِهِ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، والَّذِي يَنْبَغِي بَلْ لا يُعْدَلُ عَنْهُ ما فَسَّرَهُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن قَوْلِهِ فِيهِ: «يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» . وقالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ لِلْوَقْتِ المَذْكُورِ ولَمْ يَدُلَّ أمْرُهُ تَعالى إيّاهُ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ ذَكَرَ ما اخْتَصَّهُ بِهِ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وهو في أُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. فَقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ (نافِلَةً) زِيادَةً مَخْصُوصًا بِها أنْتَ وتَهَجَّدَ هُنا تَفَعَّلَ بِمَعْنى الإزالَةِ والتَّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأثَّمَ وتَحَنَّثَ تَرَكَ التَّأثُّمَ والتَّحَنُّثَ، ومِنهُ تَحَنَّثْتُ بِغارِ حِراءَ أيْ: بِتَرْكِ التَّحَنُّثِ، وشُرِحَ بِلازِمِهِ وهو التَّعَبُّدُ (ومِنَ) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ تَقْدِيرُهُ واسْهَرْ مِنَ اللَّيْلِ بِالقُرْآنِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وقُمْ بَعْدَ نَوْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ التَّقْدِيرُ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ أيْ: وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ومِنَ اللَّيْلِ) وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ والتَّهَجُّدُ تَرْكُ الهُجُودِ لِلصَّلاةِ. انْتَهى. فَإنْ كانَ تَفْسِيرُهُ وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَيَقْرُبُ، وإنْ كانَ أرادَ صِناعَةَ النَّحْوِ والإعْرابِ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المُغْرى بِهِ لا يَكُونُ حَرْفًا، وتَقْدِيرُ مِن بِبَعْضٍ فِيهِ مُسامَحَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُرادِفِهِ ألْبَتَّةَ، إذْ لَوْ كانَ مُرادِفَهُ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ اسْمًا ولا قائِلَ بِذَلِكَ، ألا تَرى إجْماعَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ واوَ مَعَ حَرْفٌ وإنْ قُدِّرَتْ بِمَعَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى القُرْآنِ لِتَقَدُّمِهِ في الذِّكْرِ، ولا تُلْحَظُ الإضافَةُ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى وقْتِ المُقَدَّرِ في وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. انْتَهى. فَتَكُونُ الباءُ ظَرْفِيَّةً أيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وانْتُصِبَ (نافِلَةً) . قالَ الحَوْفِيُّ: عَلى المَصْدَرِ أيْ: نَفَّلْناكَ نافِلَةً، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (نافِلَةً) بِتَهَجَّدْ إذا ذَهَبْتَ بِذَلِكَ إلى مَعْنى صَلِّ بِهِ نافِلَةً أيْ: صَلِّ نافِلَةً لَكَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى تَهَجَّدْ أيْ: تَنَفَّلْ نَفْلًا و(نافِلَةً) هُنا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والثّانِي هو حالٌ أيْ: صَلاةُ نافِلَةٍ. انْتَهى. وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِهِ) ويَكُونُ عائِدًا عَلى القُرْآنِ لا عَلى وقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الأسْوَدُ وعَلْقَمَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ والحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: التَّهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (نافِلَةً) زِيادَةً لَكَ في الفَرْضِ وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ النَّدْبِ في التَّنَفُّلِ والخِطابُ لَهُ، والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ كَخِطابِهِ في ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إنَّما هي نافِلَةٌ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلَ مِنَ العَمَلِ وقُرَبًا أشْرَفَ مِن (p-٧٢)نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ أعْنِي نَوافِلَ أُمَّتِهِ إمّا أنْ يُجْبَرَ بِها فَرائِضُهم، وإمّا أنْ يُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهم. وضَعَّفَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ واسْتَحْسَنَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: فَلَهُوَ كَرامَةٌ وعَطاءٌ لَكَ. وقِيلَ: كانَتْ فَرْضًا ثُمَّ رُخِّصَ في تَرْكِها. ومِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: رَمَقَ صَلاتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْلَةً فَصَلّى بِالوَتْرِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وعَنْ عائِشَةَ: أنَّهُ ما كانَ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا في غَيْرِهِ عَلى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
و(عَسى) مَدْلُولُها في المَحْبُوباتِ التَّرَجِّي. فَقِيلَ: هي عَلى بابِها في التَّرَجِّي تَقْدِيرُهُ لِتَكُنْ عَلى رَجاءٍ مِن ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ . وقِيلَ: هي بِمَعْنى كَيْ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا تَفْسِيرَ مَعْنًى، والأجْوَدُ أنَّ (أنْ) هَذِهِ التَّرَجِّيَةُ، والإطْماعُ بِمَعْنى الوُجُوبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو مُتَعَلِّقٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ ﴿وعَسى﴾ [البقرة: ٢١٦] هُنا تامَّةٌ وفاعِلُها ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ و(رَبُّكَ) فاعِلٌ بِيَبْعَثَكَ و(مَقامًا) الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْمُولُهُ لِيَبْعَثَكَ هو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ يَبْعَثَكَ بِمَعْنى يُقِيمُكَ، تَقُولُ: أُقِيمَ مِن قَبْرِهِ وبُعِثَ مِن قَبْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ: في مَقامٍ مَحْمُودٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ: ذا مَقامٍ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ فَتَقُومُ (مَقامًا) ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (عَسى) هُنا ناقِصَةً، وتَقَدَّمَ الخَبَرُ عَلى الِاسْمِ فَيَكُونُ (رَبُّكَ) مَرْفُوعًا اسْمَ (عَسى) و﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ الخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها إلّا في هَذا الإعْرابِ الأخِيرِ. وأمّا في قَبْلِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (مَقامًا) مَنصُوبٌ بِيَبْعَثَكَ و(رَبُّكَ) مَرْفُوعٌ بِعَسى فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ ما هو مَوْصُولٌ وبَيْنَ مَعْمُولٍ. وهو لا يَجُوزُ.
وفِي تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ في أمْرِ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ ﷺ، والحَدِيثُ في الصَّحِيحِ وهي عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي هَذِهِ الشَّفاعَةِ يَحْمَدُهُ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم، وفي دُعائِهِ المَشْهُورِ: «وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ» واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ في أمْرِ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ في إخْراجِهِ لِمُذْنِبِهِمْ مِنَ النّارِ، وهَذِهِ الشَّفاعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِسابِ ودُخُولِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ، وهَذِهِ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ. وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ وفي آخِرِهِ: «حَتّى لا يَبْقى في النّارِ إلّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ» أيْ: وجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قالَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ تَخْصِيصُ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الشَّفاعَةِ العُظْمى الَّتِي يَحْمَدُهُ بِسَبَبِها الخَلْقُ كُلُّهم عَلى أنَّ المُرادَ لِأُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ، أوْ يُقالُ: إنَّ كُلَّ مَقامٍ مِنهُما مَحْمُودٌ.
الثّالِثُ: عَنْ حُذَيْفَةَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ“ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَنجَأ ولا مَلْجَأ إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ. قالَ: فَهَذا قَوْلُهُ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ .
الرّابِعُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى المَقامِ المَحْمُودِ المُقامُ الَّذِي يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ، وكُلُّ مَن رَآهُ وعَرَفَهُ وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ ولِذَلِكَ نَكَّرَ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فَلَمْ يَتَناوَلْ مَقامًا مَخْصُوصًا بَلْ كُلُّ مَقامٍ مَحْمُودٍ صَدَقَ عَلَيْهِ إطْلاقُ اللَّفْظِ.
الخامِسُ: ما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مُجاهِدٌ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنْ يُجْلِسَهُ اللَّهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يُحَدِّثُونَ بِهَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَعْنِي مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ أحَدُ الأئِمَّةِ يَتَأوَّلُ القُرْآنَ فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قالَ: تَنْتَظِرُ الثَّوابَ لَيْسَ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ مَعَهُ عَلى رَفْعِ مَحَلِّهِ (p-٧٣)وتَشْرِيفِهِ عَلى خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقَوْلِهِ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ [التحريم: ١١] و﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] كُلُّ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ المَكانَةِ لا عَنِ المَكانِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: هَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ لا يَصِحُّ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ البَعْثَ ضِدَّ الإجْلاسِ بَعَثْتُ التّارِكَ وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرُ الضِّدِّ بِالضِّدِّ.
الثّانِي: لَوْ كانَ جالِسًا تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، فَكانَ يَكُونُ مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: (مَقامًا) ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا ﴿مَحْمُودًا﴾ والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعُ القُعُودِ.
الرّابِعُ: أنَّ الحَمْقى والجُهّالَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَجْلِسُونَ كُلُّهم مَعَهُ تَعالى ويَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا مَزِيَّةَ لَهُ بِإجْلاسِهِ مَعَهُ.
الخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ بَعَثَ السُّلْطانُ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ والتَّهَجُّدِ ووَعَدَهُ بَعْثَهُ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَهُ بِما يَشْمَلُ أُمُورَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ مَوارِدِهِ ومَصادِرِهِ دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً، والصِّدْقُ هُنا لَفْظٌ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ إذْ هو مُقابِلُ رَجُلِ سُوءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: هو إدْخالٌ خاصٌّ وهو في المَدِينَةِ، وإخْراجٌ خاصٌّ وهو مِن مَكَّةَ. فَيَكُونُ المُقَدَّمُ في الذِّكْرِ هو المُؤَخَّرُ في الوُقُوعِ، ومَكانُ الواوِ هو الأهَمُّ فَبُدِئَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ: ما مَعْناهُ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الشَّرْعِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا لِما كُلِّفَهُ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخِلْنِي القَبْرَ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مَرْضِيًّا عَلى طَهارَةٍ وطِيبٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلْقًى بِالكَرامَةِ آمِنًا مِنَ السُّخْطِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ عَلى ذِكْرِ البَعْثِ. وقِيلَ: إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها بِالفَتْحِ، وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ: الإخْراجُ مِنَ المَدِينَةِ والإدْخالُ مَكَّةَ بِالفَتْحِ. وقِيلَ: الإدْخالُ في الصَّلاةِ والإخْراجُ مِنها، وقِيلَ الإدْخالُ في الجَنَّةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ: الإدْخالُ فِيما أُمِرَ بِهِ والإخْراجُ مِمّا نَهاهُ عَنْهُ. وقِيلَ: ﴿أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ والتَّأمُّلِ في آثارِ مُحْدَثاتِهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ. وقالَ أبُو سَهْلٍ: حِينَ رَجَعَ مِن تَبُوكَ وقَدْ قالَ المُنافِقُونَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] يَعْنِي إدْخالَ عِزٍّ وإخْراجَ نَصْرٍ إلى مَكَّةَ، والأحْسَنُ في هَذِهِ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا التَّعْيِينِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ كَما ذَكَرْناهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَوارِدِ والمَصادِرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مُدْخَلَ﴾ و(مُخْرَجَ) بِضَمِّ مِيمِهِما وهو جارٍ قِياسًا عَلى أفْعَلَ مَصْدَرٌ، نَحْوَ أكْرَمْتُهُ مَكْرَمًا أيْ: إكْرامًا. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِهِما. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهُما مَصْدَرانِ مَن دَخَلَ وخَرَجَ لَكِنَّهُ جاءَ مِن مَعْنى ﴿أدْخِلْنِي﴾ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ المُتَقَدِّمَيْنِ دُونَ لَفْظِهِما ومِثْلُهُما ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَ المَكانِ وانْتِصابُهُما عَلى الظَّرْفِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَنصُوبانِ مَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أيْ أدْخِلْنِي، فَأدْخُلُ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي فَأخْرُجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
والسُّلْطانُ هُنا قالَ الحَسَنُ: التَّسْلِيطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ. وقالَ قَتادَةُ: مُلْكًا عَزِيزًا تَنْصُرُنِي بِهِ عَلى كُلِّ مَن ناوَأنِي. وقالَ مُجاهِدٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. وقِيلَ: كِتابًا يَحْوِي الحُدُودَ والأحْكامَ. وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ. وقِيلَ: في كُلِّ عَصْرٍ (سُلْطانًا) يَنْصُرُ دِينَكَ و(نَصِيرًا) مُبالَغَةً في ناصِرٍ. وقِيلَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَنصُورًا، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُحْتَمِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (p-٧٤)ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ ذَلِكَ وأنْجَزَهُ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ. قالَ قَتادَةُ: و(الحَقُّ) القُرْآنُ و(الباطِلُ) الشَّيْطانُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الجِهادُ و(الباطِلُ) الشِّرْكُ. وقِيلَ: الإيمانُ والكُفْرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جاءَتْ عِبادَةُ اللَّهِ، وذَهَبَتْ عِبادَةُ الشَّيْطانِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ حَسْبَما ذُكِرَ في السِّيَرِ. و﴿زَهُوقًا﴾ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في اضْمِحْلالِهِ وعَدَمِ ثُبُوتِهِ في وقْتٍ ما.
و(مِن) في ﴿مِنَ القُرْآنِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وأنْكَرَ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ ورُدَّ هَذا الإنْكارُ؛ لِأنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ. وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ وإنَّما تَكُونُ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و(نُنَزِّلُ) بِالنُّونِ ومُجاهِدٌ بِالياءِ خَفِيفَةً ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿شِفاءً ورَحْمَةً﴾ بِنَصْبِهِما ويَتَخَرَّجُ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ هو قَوْلُهُ (لِلْمُؤْمِنِينَ) والعامِلُ فِيهِ ما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿والسَّماواتِ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] بِنَصْبِ مَطْوِيّاتٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حِذارِ
وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وشِفاؤُهُ كَوْنُهُ مُزِيلًا لِلرَّيْبِ كاشِفًا عَنْ غِطاءِ القَلْبِ بِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ المُقَرِّرَةِ لِدِينِهِ، فَصارَ لِعِلّاتِ القُلُوبِ كالشِّفاءِ لِعِلّاتِ الأجْسامِ. وقِيلَ: شِفاءٌ بِالرُّقى والعَوْذِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الَّذِي رَقِيَ بِالفاتِحَةِ مِن لَسْعَةِ العَقْرَبِ. واخْتَلَفُوا في النُّشْرَةِ وهو أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ ولَمْ يَرَهُ مُجاهِدٌ. وعَنْ عائِشَةَ: كانَتْ تَقْرَأُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ في إناءٍ ثُمَّ تَأْمُرُ أنْ يُصَبَّ عَلى المَرِيضِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِنِيُّ: النُّشْرَةُ أمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ التَّعْزِيمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ عَنْ صاحِبِهِما أيْ: تَحُلُّ، ومَنَعَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ وقَدْ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ: ”هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“» . ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى ما إذا كانَتْ خارِجَةً عَمّا في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ، والنُّشْرَةُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ في غُسالَةِ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ.
وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى أعْناقِ المَرْضى عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ بِها إذا لَمْ يُرِدُ مُعَلِّقُها بِذَلِكَ مُدافَعَةَ العَيْنِ، وهَذا مَعْناهُ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ العَيْنِ أمّا بَعْدُ نُزُولِ البَلاءِ فَيَجُوزُ رَجاءَ الفَرَجِ والبُرْءِ، والمَرَضُ كالرُّقى المُباحَةِ الَّتِي ورَدَتِ السُّنَّةُ بِها مِنَ العَيْنِ وغَيْرِها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يَجُوزُ تَعْلِيقُ العُوذَةِ في قَصَبَةٍ أوْ رُقْعَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ويَضَعُهُ عِنْدَ الجِماعِ وعِنْدَ الغائِطِ، ورَخَّصَ الباقِرُ في العُوذَةِ تُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ وكانَ ابْنُ سِيرِينَ لا يَرى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنَ القُرْآنِ يُعَلِّقُهُ الإنْسانُ.
وخَسارُ الظّالِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ هو بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَزْدادُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وتَدَبُّرِ مَعانِيهِ إيمانًا.
الإسراء 17:84
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]
(p-٦٨)الدُّلُوكُ الغُرُوبُ قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، واسْتَدَلَّ الفَرّاءُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ غُدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
أيْ: حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ، وبَراحٌ اسْمُ الشَّمْسِ، وأنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
وقِيلَ: الدُّلُوكُ زَوالُ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ. قِيلَ: واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ تُدْلَكُ عَيْنُهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها. وقِيلَ: الدُّلُوكُ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ. قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ الِاسْمُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ دُخُولُ أوَّلِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وأصْلُهُ مِنَ السَّيَلانِ غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ هَمَلَتْ بِالماءِ والغاسِقُ السّائِلُ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ
وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ ؟ قالَ: اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ، ويُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ امْتَلَأتْ دَمًا. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ واغْتَسَقَ وظَلُمَ وأظْلَمَ ودَجى وأدْجى وغَبَشَ وأغْبَشَ، أبُو عُبَيْدَةَ الهاجِدُ النّائِمُ والمُصَلِّي. وقالَ ابْنُ الإعْرابِيِّ: هَجَدَ الرَّجُلُ صَلّى مِنَ اللَّيْلِ، وهَجَدَ نامَ بِاللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ بِرَزْحَ: هَجَّدْتُهُ أيْقَظْتُهُ، فَعَلى ما ذَكَرُوا يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ النّائِمُ، وقَدْ هَجَدَ هُجُودًا نامَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنى يَعُودُ
وقالَ آخَرُ:
؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ
وقالَ الآخَرُ:
؎وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارَتْ مَخافَتِي
زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ زُهُوقًا ذَهَبَتْ، وزَهَقَ الباطِلُ زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يَثْبُتْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ إقْدامُهُ مُزالَةً لَمْ تَزْهَقِ
ناءَ يَنُوءُ: نَهَضَ. الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ، والمَذْهَبُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي، والشَّكْلُ المِثْلُ والنَّظِيرُ، والشِّكْلُ بِكَسْرِ الشِّينِ الهَيْئَةُ، يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ الشِّكْلِ. اليَنْبُوعُ مَفْعُولٌ مِنَ النَّبْعِ وهو عَيْنٌ تَفُورُ بِالماءِ. الكِسَفُ القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: كَسَفْتُ الثَّوْبَ ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، وما زَعَمَ الزَّجّاجُ مِن أنْ كَسَفَ بِمَعْنى غَطّى لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ. الرُّقِيُّ والرُّقى الصُّعُودُ يُقالُ: رَقَيْتُ في السُّلَّمِ أرْقى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجْ ∗∗∗ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
خَبَتِ النّارُ تَخْبُو: سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ طُفِئَتْ جُمْلَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎أمِن زَيْنَبَ ذِي النّارِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ما تَخْبُو
؎إذا ما خَمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗ عَلَيْها المَندَلُ الرَّطْبُ
وقالَ الآخَرُ(p-٦٩)
؎وسَطُهُ كاليَراعِ أوْ سَرْجِ المَجْدَلِ ∗∗∗ طُورًا يَخْبُو وطُورًا يُنِيرُ
الثُّبُورُ: الهَلاكُ يُقالُ: ثَبَرَ اللَّهُ العَدُوَّ ثُبُورًا أهْلَكُهُ. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى:
؎إذا جارى الشَّيْطانَ في سَنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مِثْلُهُ مَثْبُورُ
اللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى مُخْتَلِطَةٍ قَدْ لُفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا. المُكْثُ: التَّطاوُلُ في المُدَّةِ، يُقالُ: مَكَثَ ومَكُثَ أطالَ الإقامَةَ. الذَّقَنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَّيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
خافَتَ بِالكَلامِ أسَرَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ وضَرَبَهُ حَتّى خَفَتَ أيْ: لا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ.
* *
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ .
ومُناسَبَةُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ (p-٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْدَهم لِلرَّسُولِ وما كانُوا يَرُومُونَ بِهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُقْبِلَ عَلى شَأْنِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ وأنْ لا يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ، فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأشْرَفِ العِباداتِ والطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ وهي الصَّلاةُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إقامَةِ الصَّلاةِ والمُواجَهُ بِالأمْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللّامُ في ﴿لِدُلُوكِ﴾ قالُوا: بِمَعْنى بَعْدَ أيْ: بَعْدَ دُلُوكِ (الشَّمْسِ) كَما قالُوا ذَلِكَ في قَوْمِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أخاهُ مالِكًا:
؎فَلَمّا تَفَرَّقْنا كَأنِّي ومالِكًا لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أيْ: بَعْدَ طُولِ اجْتِماعٍ، ومِنهُ كَتَبَتُهُ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا. وقالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّها إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ، فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بُرْدَةَ والحَسَنُ والجُمْهُورُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ وغَسَقُ اللَّيْلِ إشارَةٌ إلى المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، فالآيَةُ عَلى هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ الصَّلَواتِ.
ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظُّهْرَ» . ورَوى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ غُرُوبُها والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ (وغَسَقِ اللَّيْلِ) ظُلْمَتُهُ فالإشارَةُ إلى العَتَمَةِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ. انْتَهى. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ الغُرُوبُ، وتَتَعَلَّقُ اللّامُ وإلى بِأقِمْ، فَتَكُونُ إلى غايَةٍ لِلْإقامَةِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الصَّلاةِ قالَ: أيْ مَمْدُودَةٌ، ويَعْنِي بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةَ الصُّبْحِ، وخُصَّتْ بِالقُرْآنِ وهو القِراءَةُ؛ لِأنَّهُ عِظَمُها؛ إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُورٌ بِها، وانْتَصَبَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَطْفًا عَلى (الصَّلاةَ) .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ وآثِرْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ عَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ . انْتَهى. وسُمِّيَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ بِبَعْضِ ما يَقَعُ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَتْ صَلاةُ الفَجْرِ قُرْآنًا وهي القِراءَةُ؛ لِأنَّها رُكْنٌ كَما سُمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا وقُنُوتًا، وهي حُجَّةٌ عَلى ابْنِ أبِي عُلَيَّةَ والأصَمِّ في زَعْمِهِما أنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ. انْتَهى. وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا الدُّلُوكَ بِزَوالِ الشَّمْسِ كانَ الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا غُيِّيَتِ الإقامَةُ بِغَسَقِ اللَّيْلِ، ويَكُونُ الغَسَقُ وقْتًا مُشْتَرِكًا بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَكُونُ المَذْكُورُ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ: أوَّلُ وقْتِ الزَّوالِ، وأوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ، وأوَّلُ وقْتِ الفَجْرِ. انْتَهى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُ أمْرٌ بِإقامَةِ الصَّلاةِ إمّا مِن أوَّلِ الزَّوالِ إلى الغَسَقِ، وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، وإمّا مِنَ الغُرُوبِ إلى الغَسَقِ وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ الصَّلاةَ في وقْتَيْنِ ولا تُؤْخَذُ أوْقاتُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مِن هَذا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ، ولا قِراءَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ واجِبَةٌ إلّا في الصَّلاةِ، ومَن قالَ مَعْنى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الفَجْرِ غَلِطَ؛ لِأنَّهُ صَرَفَ الكَلامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ ولِأنَّ في نَسَقِ التِّلاوَةِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ويَسْتَحِيلُ التَّهَجُّدُ بِصَلاةِ الفَجْرِ لَيْلًا. والهاءُ في (بِهِ) كِنايَةٌ عَنْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ القُرْآنِ لا مَكانُ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ المَقْرُوءِ في صَلاةِ الفَجْرِ واسْتِحالَةُ التَّهَجُّدِ في اللَّيْلِ بِصَلاةِ الفَجْرِ، وعَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرُوا لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تُجْعَلِ القِراءَةُ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ إلّا وهي مِن أرْكانِها. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ (p-٧١)والظّاهِرُ نَدْبِيَّةُ إيقاعِ صَلاةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِإيقاعِ قُرْآنِ الفَجْرِ، فَكانَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ أوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَكِنَّ الإجْماعَ مَنَعَ مِن ذَلِكَ فَبَقِيَ النَّدْبُ لِوُجُودِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَإذا انْتَفى وُجُوبُها بَقِيَ نَدْبُها وأعادَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ولَمْ يَأْتِ مُضْمَرًا فَيَكُونُ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّنْوِيهِ بِقُرْآنِ الفَجْرِ، ومَعْنى ﴿مَشْهُودًا﴾ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ حَفَظَةُ اللَّيْلِ وحَفَظَةُ النَّهارِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّهم يَتَعاقَبُونَ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ» . وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: يَشْهَدُهُ الكَثِيرُ مِنَ المُصَلِّينَ في العادَةِ، وقِيلَ: مِن حَقِّهِ أنْ تَشْهَدَهُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ حَثًّا عَلى طُولِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ؛ لِكَوْنِها مَكْثُورًا عَلَيْها لِيَسْمَعَ النّاسُ القُرْآنَ فَيَكْثُرُ الثَّوابُ، ولِذَلِكَ كانَتِ الفَجْرُ أطْوَلَ الصَّلَواتِ قِراءَةً. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ حَثًّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وعَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ والزَمْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: ﴿مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ تَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَّيْلِ ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في قَوْلِهِ ﴿مَشْهُودًا﴾ عَلى عادَتِهِ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، والَّذِي يَنْبَغِي بَلْ لا يُعْدَلُ عَنْهُ ما فَسَّرَهُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن قَوْلِهِ فِيهِ: «يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» . وقالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ لِلْوَقْتِ المَذْكُورِ ولَمْ يَدُلَّ أمْرُهُ تَعالى إيّاهُ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ ذَكَرَ ما اخْتَصَّهُ بِهِ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وهو في أُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. فَقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ (نافِلَةً) زِيادَةً مَخْصُوصًا بِها أنْتَ وتَهَجَّدَ هُنا تَفَعَّلَ بِمَعْنى الإزالَةِ والتَّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأثَّمَ وتَحَنَّثَ تَرَكَ التَّأثُّمَ والتَّحَنُّثَ، ومِنهُ تَحَنَّثْتُ بِغارِ حِراءَ أيْ: بِتَرْكِ التَّحَنُّثِ، وشُرِحَ بِلازِمِهِ وهو التَّعَبُّدُ (ومِنَ) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ تَقْدِيرُهُ واسْهَرْ مِنَ اللَّيْلِ بِالقُرْآنِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وقُمْ بَعْدَ نَوْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ التَّقْدِيرُ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ أيْ: وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ومِنَ اللَّيْلِ) وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ والتَّهَجُّدُ تَرْكُ الهُجُودِ لِلصَّلاةِ. انْتَهى. فَإنْ كانَ تَفْسِيرُهُ وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَيَقْرُبُ، وإنْ كانَ أرادَ صِناعَةَ النَّحْوِ والإعْرابِ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المُغْرى بِهِ لا يَكُونُ حَرْفًا، وتَقْدِيرُ مِن بِبَعْضٍ فِيهِ مُسامَحَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُرادِفِهِ ألْبَتَّةَ، إذْ لَوْ كانَ مُرادِفَهُ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ اسْمًا ولا قائِلَ بِذَلِكَ، ألا تَرى إجْماعَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ واوَ مَعَ حَرْفٌ وإنْ قُدِّرَتْ بِمَعَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى القُرْآنِ لِتَقَدُّمِهِ في الذِّكْرِ، ولا تُلْحَظُ الإضافَةُ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى وقْتِ المُقَدَّرِ في وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. انْتَهى. فَتَكُونُ الباءُ ظَرْفِيَّةً أيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وانْتُصِبَ (نافِلَةً) . قالَ الحَوْفِيُّ: عَلى المَصْدَرِ أيْ: نَفَّلْناكَ نافِلَةً، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (نافِلَةً) بِتَهَجَّدْ إذا ذَهَبْتَ بِذَلِكَ إلى مَعْنى صَلِّ بِهِ نافِلَةً أيْ: صَلِّ نافِلَةً لَكَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى تَهَجَّدْ أيْ: تَنَفَّلْ نَفْلًا و(نافِلَةً) هُنا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والثّانِي هو حالٌ أيْ: صَلاةُ نافِلَةٍ. انْتَهى. وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِهِ) ويَكُونُ عائِدًا عَلى القُرْآنِ لا عَلى وقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الأسْوَدُ وعَلْقَمَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ والحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: التَّهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (نافِلَةً) زِيادَةً لَكَ في الفَرْضِ وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ النَّدْبِ في التَّنَفُّلِ والخِطابُ لَهُ، والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ كَخِطابِهِ في ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إنَّما هي نافِلَةٌ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلَ مِنَ العَمَلِ وقُرَبًا أشْرَفَ مِن (p-٧٢)نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ أعْنِي نَوافِلَ أُمَّتِهِ إمّا أنْ يُجْبَرَ بِها فَرائِضُهم، وإمّا أنْ يُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهم. وضَعَّفَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ واسْتَحْسَنَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: فَلَهُوَ كَرامَةٌ وعَطاءٌ لَكَ. وقِيلَ: كانَتْ فَرْضًا ثُمَّ رُخِّصَ في تَرْكِها. ومِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: رَمَقَ صَلاتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْلَةً فَصَلّى بِالوَتْرِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وعَنْ عائِشَةَ: أنَّهُ ما كانَ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا في غَيْرِهِ عَلى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
و(عَسى) مَدْلُولُها في المَحْبُوباتِ التَّرَجِّي. فَقِيلَ: هي عَلى بابِها في التَّرَجِّي تَقْدِيرُهُ لِتَكُنْ عَلى رَجاءٍ مِن ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ . وقِيلَ: هي بِمَعْنى كَيْ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا تَفْسِيرَ مَعْنًى، والأجْوَدُ أنَّ (أنْ) هَذِهِ التَّرَجِّيَةُ، والإطْماعُ بِمَعْنى الوُجُوبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو مُتَعَلِّقٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ ﴿وعَسى﴾ [البقرة: ٢١٦] هُنا تامَّةٌ وفاعِلُها ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ و(رَبُّكَ) فاعِلٌ بِيَبْعَثَكَ و(مَقامًا) الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْمُولُهُ لِيَبْعَثَكَ هو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ يَبْعَثَكَ بِمَعْنى يُقِيمُكَ، تَقُولُ: أُقِيمَ مِن قَبْرِهِ وبُعِثَ مِن قَبْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ: في مَقامٍ مَحْمُودٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ: ذا مَقامٍ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ فَتَقُومُ (مَقامًا) ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (عَسى) هُنا ناقِصَةً، وتَقَدَّمَ الخَبَرُ عَلى الِاسْمِ فَيَكُونُ (رَبُّكَ) مَرْفُوعًا اسْمَ (عَسى) و﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ الخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها إلّا في هَذا الإعْرابِ الأخِيرِ. وأمّا في قَبْلِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (مَقامًا) مَنصُوبٌ بِيَبْعَثَكَ و(رَبُّكَ) مَرْفُوعٌ بِعَسى فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ ما هو مَوْصُولٌ وبَيْنَ مَعْمُولٍ. وهو لا يَجُوزُ.
وفِي تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ في أمْرِ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ ﷺ، والحَدِيثُ في الصَّحِيحِ وهي عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي هَذِهِ الشَّفاعَةِ يَحْمَدُهُ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم، وفي دُعائِهِ المَشْهُورِ: «وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ» واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ في أمْرِ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ في إخْراجِهِ لِمُذْنِبِهِمْ مِنَ النّارِ، وهَذِهِ الشَّفاعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِسابِ ودُخُولِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ، وهَذِهِ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ. وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ وفي آخِرِهِ: «حَتّى لا يَبْقى في النّارِ إلّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ» أيْ: وجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قالَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ تَخْصِيصُ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الشَّفاعَةِ العُظْمى الَّتِي يَحْمَدُهُ بِسَبَبِها الخَلْقُ كُلُّهم عَلى أنَّ المُرادَ لِأُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ، أوْ يُقالُ: إنَّ كُلَّ مَقامٍ مِنهُما مَحْمُودٌ.
الثّالِثُ: عَنْ حُذَيْفَةَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ“ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَنجَأ ولا مَلْجَأ إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ. قالَ: فَهَذا قَوْلُهُ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ .
الرّابِعُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى المَقامِ المَحْمُودِ المُقامُ الَّذِي يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ، وكُلُّ مَن رَآهُ وعَرَفَهُ وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ ولِذَلِكَ نَكَّرَ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فَلَمْ يَتَناوَلْ مَقامًا مَخْصُوصًا بَلْ كُلُّ مَقامٍ مَحْمُودٍ صَدَقَ عَلَيْهِ إطْلاقُ اللَّفْظِ.
الخامِسُ: ما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مُجاهِدٌ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنْ يُجْلِسَهُ اللَّهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يُحَدِّثُونَ بِهَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَعْنِي مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ أحَدُ الأئِمَّةِ يَتَأوَّلُ القُرْآنَ فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قالَ: تَنْتَظِرُ الثَّوابَ لَيْسَ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ مَعَهُ عَلى رَفْعِ مَحَلِّهِ (p-٧٣)وتَشْرِيفِهِ عَلى خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقَوْلِهِ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ [التحريم: ١١] و﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] كُلُّ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ المَكانَةِ لا عَنِ المَكانِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: هَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ لا يَصِحُّ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ البَعْثَ ضِدَّ الإجْلاسِ بَعَثْتُ التّارِكَ وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرُ الضِّدِّ بِالضِّدِّ.
الثّانِي: لَوْ كانَ جالِسًا تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، فَكانَ يَكُونُ مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: (مَقامًا) ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا ﴿مَحْمُودًا﴾ والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعُ القُعُودِ.
الرّابِعُ: أنَّ الحَمْقى والجُهّالَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَجْلِسُونَ كُلُّهم مَعَهُ تَعالى ويَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا مَزِيَّةَ لَهُ بِإجْلاسِهِ مَعَهُ.
الخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ بَعَثَ السُّلْطانُ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ والتَّهَجُّدِ ووَعَدَهُ بَعْثَهُ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَهُ بِما يَشْمَلُ أُمُورَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ مَوارِدِهِ ومَصادِرِهِ دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً، والصِّدْقُ هُنا لَفْظٌ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ إذْ هو مُقابِلُ رَجُلِ سُوءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: هو إدْخالٌ خاصٌّ وهو في المَدِينَةِ، وإخْراجٌ خاصٌّ وهو مِن مَكَّةَ. فَيَكُونُ المُقَدَّمُ في الذِّكْرِ هو المُؤَخَّرُ في الوُقُوعِ، ومَكانُ الواوِ هو الأهَمُّ فَبُدِئَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ: ما مَعْناهُ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الشَّرْعِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا لِما كُلِّفَهُ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخِلْنِي القَبْرَ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مَرْضِيًّا عَلى طَهارَةٍ وطِيبٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلْقًى بِالكَرامَةِ آمِنًا مِنَ السُّخْطِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ عَلى ذِكْرِ البَعْثِ. وقِيلَ: إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها بِالفَتْحِ، وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ: الإخْراجُ مِنَ المَدِينَةِ والإدْخالُ مَكَّةَ بِالفَتْحِ. وقِيلَ: الإدْخالُ في الصَّلاةِ والإخْراجُ مِنها، وقِيلَ الإدْخالُ في الجَنَّةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ: الإدْخالُ فِيما أُمِرَ بِهِ والإخْراجُ مِمّا نَهاهُ عَنْهُ. وقِيلَ: ﴿أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ والتَّأمُّلِ في آثارِ مُحْدَثاتِهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ. وقالَ أبُو سَهْلٍ: حِينَ رَجَعَ مِن تَبُوكَ وقَدْ قالَ المُنافِقُونَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] يَعْنِي إدْخالَ عِزٍّ وإخْراجَ نَصْرٍ إلى مَكَّةَ، والأحْسَنُ في هَذِهِ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا التَّعْيِينِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ كَما ذَكَرْناهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَوارِدِ والمَصادِرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مُدْخَلَ﴾ و(مُخْرَجَ) بِضَمِّ مِيمِهِما وهو جارٍ قِياسًا عَلى أفْعَلَ مَصْدَرٌ، نَحْوَ أكْرَمْتُهُ مَكْرَمًا أيْ: إكْرامًا. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِهِما. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهُما مَصْدَرانِ مَن دَخَلَ وخَرَجَ لَكِنَّهُ جاءَ مِن مَعْنى ﴿أدْخِلْنِي﴾ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ المُتَقَدِّمَيْنِ دُونَ لَفْظِهِما ومِثْلُهُما ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَ المَكانِ وانْتِصابُهُما عَلى الظَّرْفِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَنصُوبانِ مَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أيْ أدْخِلْنِي، فَأدْخُلُ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي فَأخْرُجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
والسُّلْطانُ هُنا قالَ الحَسَنُ: التَّسْلِيطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ. وقالَ قَتادَةُ: مُلْكًا عَزِيزًا تَنْصُرُنِي بِهِ عَلى كُلِّ مَن ناوَأنِي. وقالَ مُجاهِدٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. وقِيلَ: كِتابًا يَحْوِي الحُدُودَ والأحْكامَ. وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ. وقِيلَ: في كُلِّ عَصْرٍ (سُلْطانًا) يَنْصُرُ دِينَكَ و(نَصِيرًا) مُبالَغَةً في ناصِرٍ. وقِيلَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَنصُورًا، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُحْتَمِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (p-٧٤)ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ ذَلِكَ وأنْجَزَهُ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ. قالَ قَتادَةُ: و(الحَقُّ) القُرْآنُ و(الباطِلُ) الشَّيْطانُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الجِهادُ و(الباطِلُ) الشِّرْكُ. وقِيلَ: الإيمانُ والكُفْرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جاءَتْ عِبادَةُ اللَّهِ، وذَهَبَتْ عِبادَةُ الشَّيْطانِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ حَسْبَما ذُكِرَ في السِّيَرِ. و﴿زَهُوقًا﴾ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في اضْمِحْلالِهِ وعَدَمِ ثُبُوتِهِ في وقْتٍ ما.
و(مِن) في ﴿مِنَ القُرْآنِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وأنْكَرَ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ ورُدَّ هَذا الإنْكارُ؛ لِأنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ. وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ وإنَّما تَكُونُ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و(نُنَزِّلُ) بِالنُّونِ ومُجاهِدٌ بِالياءِ خَفِيفَةً ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿شِفاءً ورَحْمَةً﴾ بِنَصْبِهِما ويَتَخَرَّجُ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ هو قَوْلُهُ (لِلْمُؤْمِنِينَ) والعامِلُ فِيهِ ما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿والسَّماواتِ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] بِنَصْبِ مَطْوِيّاتٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حِذارِ
وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وشِفاؤُهُ كَوْنُهُ مُزِيلًا لِلرَّيْبِ كاشِفًا عَنْ غِطاءِ القَلْبِ بِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ المُقَرِّرَةِ لِدِينِهِ، فَصارَ لِعِلّاتِ القُلُوبِ كالشِّفاءِ لِعِلّاتِ الأجْسامِ. وقِيلَ: شِفاءٌ بِالرُّقى والعَوْذِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الَّذِي رَقِيَ بِالفاتِحَةِ مِن لَسْعَةِ العَقْرَبِ. واخْتَلَفُوا في النُّشْرَةِ وهو أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ ولَمْ يَرَهُ مُجاهِدٌ. وعَنْ عائِشَةَ: كانَتْ تَقْرَأُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ في إناءٍ ثُمَّ تَأْمُرُ أنْ يُصَبَّ عَلى المَرِيضِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِنِيُّ: النُّشْرَةُ أمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ التَّعْزِيمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ عَنْ صاحِبِهِما أيْ: تَحُلُّ، ومَنَعَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ وقَدْ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ: ”هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“» . ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى ما إذا كانَتْ خارِجَةً عَمّا في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ، والنُّشْرَةُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ في غُسالَةِ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ.
وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى أعْناقِ المَرْضى عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ بِها إذا لَمْ يُرِدُ مُعَلِّقُها بِذَلِكَ مُدافَعَةَ العَيْنِ، وهَذا مَعْناهُ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ العَيْنِ أمّا بَعْدُ نُزُولِ البَلاءِ فَيَجُوزُ رَجاءَ الفَرَجِ والبُرْءِ، والمَرَضُ كالرُّقى المُباحَةِ الَّتِي ورَدَتِ السُّنَّةُ بِها مِنَ العَيْنِ وغَيْرِها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يَجُوزُ تَعْلِيقُ العُوذَةِ في قَصَبَةٍ أوْ رُقْعَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ويَضَعُهُ عِنْدَ الجِماعِ وعِنْدَ الغائِطِ، ورَخَّصَ الباقِرُ في العُوذَةِ تُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ وكانَ ابْنُ سِيرِينَ لا يَرى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنَ القُرْآنِ يُعَلِّقُهُ الإنْسانُ.
وخَسارُ الظّالِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ هو بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَزْدادُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وتَدَبُّرِ مَعانِيهِ إيمانًا.
الإسراء 17:85
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]
(p-٦٨)الدُّلُوكُ الغُرُوبُ قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، واسْتَدَلَّ الفَرّاءُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ غُدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
أيْ: حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ، وبَراحٌ اسْمُ الشَّمْسِ، وأنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
وقِيلَ: الدُّلُوكُ زَوالُ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ. قِيلَ: واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ تُدْلَكُ عَيْنُهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها. وقِيلَ: الدُّلُوكُ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ. قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ الِاسْمُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ دُخُولُ أوَّلِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وأصْلُهُ مِنَ السَّيَلانِ غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ هَمَلَتْ بِالماءِ والغاسِقُ السّائِلُ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ
وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ ؟ قالَ: اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ، ويُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ امْتَلَأتْ دَمًا. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ واغْتَسَقَ وظَلُمَ وأظْلَمَ ودَجى وأدْجى وغَبَشَ وأغْبَشَ، أبُو عُبَيْدَةَ الهاجِدُ النّائِمُ والمُصَلِّي. وقالَ ابْنُ الإعْرابِيِّ: هَجَدَ الرَّجُلُ صَلّى مِنَ اللَّيْلِ، وهَجَدَ نامَ بِاللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ بِرَزْحَ: هَجَّدْتُهُ أيْقَظْتُهُ، فَعَلى ما ذَكَرُوا يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ النّائِمُ، وقَدْ هَجَدَ هُجُودًا نامَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنى يَعُودُ
وقالَ آخَرُ:
؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ
وقالَ الآخَرُ:
؎وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارَتْ مَخافَتِي
زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ زُهُوقًا ذَهَبَتْ، وزَهَقَ الباطِلُ زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يَثْبُتْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ إقْدامُهُ مُزالَةً لَمْ تَزْهَقِ
ناءَ يَنُوءُ: نَهَضَ. الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ، والمَذْهَبُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي، والشَّكْلُ المِثْلُ والنَّظِيرُ، والشِّكْلُ بِكَسْرِ الشِّينِ الهَيْئَةُ، يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ الشِّكْلِ. اليَنْبُوعُ مَفْعُولٌ مِنَ النَّبْعِ وهو عَيْنٌ تَفُورُ بِالماءِ. الكِسَفُ القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: كَسَفْتُ الثَّوْبَ ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، وما زَعَمَ الزَّجّاجُ مِن أنْ كَسَفَ بِمَعْنى غَطّى لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ. الرُّقِيُّ والرُّقى الصُّعُودُ يُقالُ: رَقَيْتُ في السُّلَّمِ أرْقى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجْ ∗∗∗ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
خَبَتِ النّارُ تَخْبُو: سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ طُفِئَتْ جُمْلَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎أمِن زَيْنَبَ ذِي النّارِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ما تَخْبُو
؎إذا ما خَمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗ عَلَيْها المَندَلُ الرَّطْبُ
وقالَ الآخَرُ(p-٦٩)
؎وسَطُهُ كاليَراعِ أوْ سَرْجِ المَجْدَلِ ∗∗∗ طُورًا يَخْبُو وطُورًا يُنِيرُ
الثُّبُورُ: الهَلاكُ يُقالُ: ثَبَرَ اللَّهُ العَدُوَّ ثُبُورًا أهْلَكُهُ. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى:
؎إذا جارى الشَّيْطانَ في سَنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مِثْلُهُ مَثْبُورُ
اللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى مُخْتَلِطَةٍ قَدْ لُفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا. المُكْثُ: التَّطاوُلُ في المُدَّةِ، يُقالُ: مَكَثَ ومَكُثَ أطالَ الإقامَةَ. الذَّقَنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَّيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
خافَتَ بِالكَلامِ أسَرَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ وضَرَبَهُ حَتّى خَفَتَ أيْ: لا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ.
* *
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ .
ومُناسَبَةُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ (p-٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْدَهم لِلرَّسُولِ وما كانُوا يَرُومُونَ بِهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُقْبِلَ عَلى شَأْنِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ وأنْ لا يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ، فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأشْرَفِ العِباداتِ والطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ وهي الصَّلاةُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إقامَةِ الصَّلاةِ والمُواجَهُ بِالأمْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللّامُ في ﴿لِدُلُوكِ﴾ قالُوا: بِمَعْنى بَعْدَ أيْ: بَعْدَ دُلُوكِ (الشَّمْسِ) كَما قالُوا ذَلِكَ في قَوْمِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أخاهُ مالِكًا:
؎فَلَمّا تَفَرَّقْنا كَأنِّي ومالِكًا لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أيْ: بَعْدَ طُولِ اجْتِماعٍ، ومِنهُ كَتَبَتُهُ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا. وقالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّها إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ، فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بُرْدَةَ والحَسَنُ والجُمْهُورُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ وغَسَقُ اللَّيْلِ إشارَةٌ إلى المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، فالآيَةُ عَلى هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ الصَّلَواتِ.
ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظُّهْرَ» . ورَوى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ غُرُوبُها والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ (وغَسَقِ اللَّيْلِ) ظُلْمَتُهُ فالإشارَةُ إلى العَتَمَةِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ. انْتَهى. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ الغُرُوبُ، وتَتَعَلَّقُ اللّامُ وإلى بِأقِمْ، فَتَكُونُ إلى غايَةٍ لِلْإقامَةِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الصَّلاةِ قالَ: أيْ مَمْدُودَةٌ، ويَعْنِي بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةَ الصُّبْحِ، وخُصَّتْ بِالقُرْآنِ وهو القِراءَةُ؛ لِأنَّهُ عِظَمُها؛ إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُورٌ بِها، وانْتَصَبَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَطْفًا عَلى (الصَّلاةَ) .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ وآثِرْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ عَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ . انْتَهى. وسُمِّيَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ بِبَعْضِ ما يَقَعُ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَتْ صَلاةُ الفَجْرِ قُرْآنًا وهي القِراءَةُ؛ لِأنَّها رُكْنٌ كَما سُمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا وقُنُوتًا، وهي حُجَّةٌ عَلى ابْنِ أبِي عُلَيَّةَ والأصَمِّ في زَعْمِهِما أنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ. انْتَهى. وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا الدُّلُوكَ بِزَوالِ الشَّمْسِ كانَ الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا غُيِّيَتِ الإقامَةُ بِغَسَقِ اللَّيْلِ، ويَكُونُ الغَسَقُ وقْتًا مُشْتَرِكًا بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَكُونُ المَذْكُورُ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ: أوَّلُ وقْتِ الزَّوالِ، وأوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ، وأوَّلُ وقْتِ الفَجْرِ. انْتَهى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُ أمْرٌ بِإقامَةِ الصَّلاةِ إمّا مِن أوَّلِ الزَّوالِ إلى الغَسَقِ، وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، وإمّا مِنَ الغُرُوبِ إلى الغَسَقِ وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ الصَّلاةَ في وقْتَيْنِ ولا تُؤْخَذُ أوْقاتُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مِن هَذا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ، ولا قِراءَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ واجِبَةٌ إلّا في الصَّلاةِ، ومَن قالَ مَعْنى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الفَجْرِ غَلِطَ؛ لِأنَّهُ صَرَفَ الكَلامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ ولِأنَّ في نَسَقِ التِّلاوَةِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ويَسْتَحِيلُ التَّهَجُّدُ بِصَلاةِ الفَجْرِ لَيْلًا. والهاءُ في (بِهِ) كِنايَةٌ عَنْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ القُرْآنِ لا مَكانُ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ المَقْرُوءِ في صَلاةِ الفَجْرِ واسْتِحالَةُ التَّهَجُّدِ في اللَّيْلِ بِصَلاةِ الفَجْرِ، وعَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرُوا لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تُجْعَلِ القِراءَةُ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ إلّا وهي مِن أرْكانِها. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ (p-٧١)والظّاهِرُ نَدْبِيَّةُ إيقاعِ صَلاةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِإيقاعِ قُرْآنِ الفَجْرِ، فَكانَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ أوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَكِنَّ الإجْماعَ مَنَعَ مِن ذَلِكَ فَبَقِيَ النَّدْبُ لِوُجُودِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَإذا انْتَفى وُجُوبُها بَقِيَ نَدْبُها وأعادَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ولَمْ يَأْتِ مُضْمَرًا فَيَكُونُ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّنْوِيهِ بِقُرْآنِ الفَجْرِ، ومَعْنى ﴿مَشْهُودًا﴾ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ حَفَظَةُ اللَّيْلِ وحَفَظَةُ النَّهارِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّهم يَتَعاقَبُونَ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ» . وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: يَشْهَدُهُ الكَثِيرُ مِنَ المُصَلِّينَ في العادَةِ، وقِيلَ: مِن حَقِّهِ أنْ تَشْهَدَهُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ حَثًّا عَلى طُولِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ؛ لِكَوْنِها مَكْثُورًا عَلَيْها لِيَسْمَعَ النّاسُ القُرْآنَ فَيَكْثُرُ الثَّوابُ، ولِذَلِكَ كانَتِ الفَجْرُ أطْوَلَ الصَّلَواتِ قِراءَةً. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ حَثًّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وعَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ والزَمْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: ﴿مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ تَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَّيْلِ ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في قَوْلِهِ ﴿مَشْهُودًا﴾ عَلى عادَتِهِ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، والَّذِي يَنْبَغِي بَلْ لا يُعْدَلُ عَنْهُ ما فَسَّرَهُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن قَوْلِهِ فِيهِ: «يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» . وقالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ لِلْوَقْتِ المَذْكُورِ ولَمْ يَدُلَّ أمْرُهُ تَعالى إيّاهُ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ ذَكَرَ ما اخْتَصَّهُ بِهِ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وهو في أُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. فَقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ (نافِلَةً) زِيادَةً مَخْصُوصًا بِها أنْتَ وتَهَجَّدَ هُنا تَفَعَّلَ بِمَعْنى الإزالَةِ والتَّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأثَّمَ وتَحَنَّثَ تَرَكَ التَّأثُّمَ والتَّحَنُّثَ، ومِنهُ تَحَنَّثْتُ بِغارِ حِراءَ أيْ: بِتَرْكِ التَّحَنُّثِ، وشُرِحَ بِلازِمِهِ وهو التَّعَبُّدُ (ومِنَ) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ تَقْدِيرُهُ واسْهَرْ مِنَ اللَّيْلِ بِالقُرْآنِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وقُمْ بَعْدَ نَوْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ التَّقْدِيرُ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ أيْ: وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ومِنَ اللَّيْلِ) وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ والتَّهَجُّدُ تَرْكُ الهُجُودِ لِلصَّلاةِ. انْتَهى. فَإنْ كانَ تَفْسِيرُهُ وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَيَقْرُبُ، وإنْ كانَ أرادَ صِناعَةَ النَّحْوِ والإعْرابِ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المُغْرى بِهِ لا يَكُونُ حَرْفًا، وتَقْدِيرُ مِن بِبَعْضٍ فِيهِ مُسامَحَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُرادِفِهِ ألْبَتَّةَ، إذْ لَوْ كانَ مُرادِفَهُ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ اسْمًا ولا قائِلَ بِذَلِكَ، ألا تَرى إجْماعَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ واوَ مَعَ حَرْفٌ وإنْ قُدِّرَتْ بِمَعَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى القُرْآنِ لِتَقَدُّمِهِ في الذِّكْرِ، ولا تُلْحَظُ الإضافَةُ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى وقْتِ المُقَدَّرِ في وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. انْتَهى. فَتَكُونُ الباءُ ظَرْفِيَّةً أيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وانْتُصِبَ (نافِلَةً) . قالَ الحَوْفِيُّ: عَلى المَصْدَرِ أيْ: نَفَّلْناكَ نافِلَةً، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (نافِلَةً) بِتَهَجَّدْ إذا ذَهَبْتَ بِذَلِكَ إلى مَعْنى صَلِّ بِهِ نافِلَةً أيْ: صَلِّ نافِلَةً لَكَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى تَهَجَّدْ أيْ: تَنَفَّلْ نَفْلًا و(نافِلَةً) هُنا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والثّانِي هو حالٌ أيْ: صَلاةُ نافِلَةٍ. انْتَهى. وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِهِ) ويَكُونُ عائِدًا عَلى القُرْآنِ لا عَلى وقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الأسْوَدُ وعَلْقَمَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ والحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: التَّهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (نافِلَةً) زِيادَةً لَكَ في الفَرْضِ وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ النَّدْبِ في التَّنَفُّلِ والخِطابُ لَهُ، والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ كَخِطابِهِ في ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إنَّما هي نافِلَةٌ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلَ مِنَ العَمَلِ وقُرَبًا أشْرَفَ مِن (p-٧٢)نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ أعْنِي نَوافِلَ أُمَّتِهِ إمّا أنْ يُجْبَرَ بِها فَرائِضُهم، وإمّا أنْ يُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهم. وضَعَّفَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ واسْتَحْسَنَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: فَلَهُوَ كَرامَةٌ وعَطاءٌ لَكَ. وقِيلَ: كانَتْ فَرْضًا ثُمَّ رُخِّصَ في تَرْكِها. ومِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: رَمَقَ صَلاتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْلَةً فَصَلّى بِالوَتْرِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وعَنْ عائِشَةَ: أنَّهُ ما كانَ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا في غَيْرِهِ عَلى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
و(عَسى) مَدْلُولُها في المَحْبُوباتِ التَّرَجِّي. فَقِيلَ: هي عَلى بابِها في التَّرَجِّي تَقْدِيرُهُ لِتَكُنْ عَلى رَجاءٍ مِن ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ . وقِيلَ: هي بِمَعْنى كَيْ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا تَفْسِيرَ مَعْنًى، والأجْوَدُ أنَّ (أنْ) هَذِهِ التَّرَجِّيَةُ، والإطْماعُ بِمَعْنى الوُجُوبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو مُتَعَلِّقٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ ﴿وعَسى﴾ [البقرة: ٢١٦] هُنا تامَّةٌ وفاعِلُها ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ و(رَبُّكَ) فاعِلٌ بِيَبْعَثَكَ و(مَقامًا) الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْمُولُهُ لِيَبْعَثَكَ هو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ يَبْعَثَكَ بِمَعْنى يُقِيمُكَ، تَقُولُ: أُقِيمَ مِن قَبْرِهِ وبُعِثَ مِن قَبْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ: في مَقامٍ مَحْمُودٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ: ذا مَقامٍ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ فَتَقُومُ (مَقامًا) ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (عَسى) هُنا ناقِصَةً، وتَقَدَّمَ الخَبَرُ عَلى الِاسْمِ فَيَكُونُ (رَبُّكَ) مَرْفُوعًا اسْمَ (عَسى) و﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ الخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها إلّا في هَذا الإعْرابِ الأخِيرِ. وأمّا في قَبْلِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (مَقامًا) مَنصُوبٌ بِيَبْعَثَكَ و(رَبُّكَ) مَرْفُوعٌ بِعَسى فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ ما هو مَوْصُولٌ وبَيْنَ مَعْمُولٍ. وهو لا يَجُوزُ.
وفِي تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ في أمْرِ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ ﷺ، والحَدِيثُ في الصَّحِيحِ وهي عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي هَذِهِ الشَّفاعَةِ يَحْمَدُهُ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم، وفي دُعائِهِ المَشْهُورِ: «وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ» واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ في أمْرِ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ في إخْراجِهِ لِمُذْنِبِهِمْ مِنَ النّارِ، وهَذِهِ الشَّفاعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِسابِ ودُخُولِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ، وهَذِهِ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ. وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ وفي آخِرِهِ: «حَتّى لا يَبْقى في النّارِ إلّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ» أيْ: وجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قالَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ تَخْصِيصُ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الشَّفاعَةِ العُظْمى الَّتِي يَحْمَدُهُ بِسَبَبِها الخَلْقُ كُلُّهم عَلى أنَّ المُرادَ لِأُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ، أوْ يُقالُ: إنَّ كُلَّ مَقامٍ مِنهُما مَحْمُودٌ.
الثّالِثُ: عَنْ حُذَيْفَةَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ“ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَنجَأ ولا مَلْجَأ إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ. قالَ: فَهَذا قَوْلُهُ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ .
الرّابِعُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى المَقامِ المَحْمُودِ المُقامُ الَّذِي يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ، وكُلُّ مَن رَآهُ وعَرَفَهُ وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ ولِذَلِكَ نَكَّرَ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فَلَمْ يَتَناوَلْ مَقامًا مَخْصُوصًا بَلْ كُلُّ مَقامٍ مَحْمُودٍ صَدَقَ عَلَيْهِ إطْلاقُ اللَّفْظِ.
الخامِسُ: ما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مُجاهِدٌ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنْ يُجْلِسَهُ اللَّهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يُحَدِّثُونَ بِهَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَعْنِي مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ أحَدُ الأئِمَّةِ يَتَأوَّلُ القُرْآنَ فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قالَ: تَنْتَظِرُ الثَّوابَ لَيْسَ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ مَعَهُ عَلى رَفْعِ مَحَلِّهِ (p-٧٣)وتَشْرِيفِهِ عَلى خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقَوْلِهِ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ [التحريم: ١١] و﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] كُلُّ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ المَكانَةِ لا عَنِ المَكانِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: هَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ لا يَصِحُّ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ البَعْثَ ضِدَّ الإجْلاسِ بَعَثْتُ التّارِكَ وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرُ الضِّدِّ بِالضِّدِّ.
الثّانِي: لَوْ كانَ جالِسًا تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، فَكانَ يَكُونُ مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: (مَقامًا) ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا ﴿مَحْمُودًا﴾ والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعُ القُعُودِ.
الرّابِعُ: أنَّ الحَمْقى والجُهّالَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَجْلِسُونَ كُلُّهم مَعَهُ تَعالى ويَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا مَزِيَّةَ لَهُ بِإجْلاسِهِ مَعَهُ.
الخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ بَعَثَ السُّلْطانُ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ والتَّهَجُّدِ ووَعَدَهُ بَعْثَهُ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَهُ بِما يَشْمَلُ أُمُورَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ مَوارِدِهِ ومَصادِرِهِ دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً، والصِّدْقُ هُنا لَفْظٌ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ إذْ هو مُقابِلُ رَجُلِ سُوءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: هو إدْخالٌ خاصٌّ وهو في المَدِينَةِ، وإخْراجٌ خاصٌّ وهو مِن مَكَّةَ. فَيَكُونُ المُقَدَّمُ في الذِّكْرِ هو المُؤَخَّرُ في الوُقُوعِ، ومَكانُ الواوِ هو الأهَمُّ فَبُدِئَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ: ما مَعْناهُ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الشَّرْعِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا لِما كُلِّفَهُ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخِلْنِي القَبْرَ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مَرْضِيًّا عَلى طَهارَةٍ وطِيبٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلْقًى بِالكَرامَةِ آمِنًا مِنَ السُّخْطِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ عَلى ذِكْرِ البَعْثِ. وقِيلَ: إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها بِالفَتْحِ، وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ: الإخْراجُ مِنَ المَدِينَةِ والإدْخالُ مَكَّةَ بِالفَتْحِ. وقِيلَ: الإدْخالُ في الصَّلاةِ والإخْراجُ مِنها، وقِيلَ الإدْخالُ في الجَنَّةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ: الإدْخالُ فِيما أُمِرَ بِهِ والإخْراجُ مِمّا نَهاهُ عَنْهُ. وقِيلَ: ﴿أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ والتَّأمُّلِ في آثارِ مُحْدَثاتِهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ. وقالَ أبُو سَهْلٍ: حِينَ رَجَعَ مِن تَبُوكَ وقَدْ قالَ المُنافِقُونَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] يَعْنِي إدْخالَ عِزٍّ وإخْراجَ نَصْرٍ إلى مَكَّةَ، والأحْسَنُ في هَذِهِ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا التَّعْيِينِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ كَما ذَكَرْناهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَوارِدِ والمَصادِرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مُدْخَلَ﴾ و(مُخْرَجَ) بِضَمِّ مِيمِهِما وهو جارٍ قِياسًا عَلى أفْعَلَ مَصْدَرٌ، نَحْوَ أكْرَمْتُهُ مَكْرَمًا أيْ: إكْرامًا. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِهِما. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهُما مَصْدَرانِ مَن دَخَلَ وخَرَجَ لَكِنَّهُ جاءَ مِن مَعْنى ﴿أدْخِلْنِي﴾ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ المُتَقَدِّمَيْنِ دُونَ لَفْظِهِما ومِثْلُهُما ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَ المَكانِ وانْتِصابُهُما عَلى الظَّرْفِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَنصُوبانِ مَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أيْ أدْخِلْنِي، فَأدْخُلُ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي فَأخْرُجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
والسُّلْطانُ هُنا قالَ الحَسَنُ: التَّسْلِيطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ. وقالَ قَتادَةُ: مُلْكًا عَزِيزًا تَنْصُرُنِي بِهِ عَلى كُلِّ مَن ناوَأنِي. وقالَ مُجاهِدٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. وقِيلَ: كِتابًا يَحْوِي الحُدُودَ والأحْكامَ. وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ. وقِيلَ: في كُلِّ عَصْرٍ (سُلْطانًا) يَنْصُرُ دِينَكَ و(نَصِيرًا) مُبالَغَةً في ناصِرٍ. وقِيلَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَنصُورًا، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُحْتَمِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (p-٧٤)ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ ذَلِكَ وأنْجَزَهُ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ. قالَ قَتادَةُ: و(الحَقُّ) القُرْآنُ و(الباطِلُ) الشَّيْطانُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الجِهادُ و(الباطِلُ) الشِّرْكُ. وقِيلَ: الإيمانُ والكُفْرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جاءَتْ عِبادَةُ اللَّهِ، وذَهَبَتْ عِبادَةُ الشَّيْطانِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ حَسْبَما ذُكِرَ في السِّيَرِ. و﴿زَهُوقًا﴾ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في اضْمِحْلالِهِ وعَدَمِ ثُبُوتِهِ في وقْتٍ ما.
و(مِن) في ﴿مِنَ القُرْآنِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وأنْكَرَ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ ورُدَّ هَذا الإنْكارُ؛ لِأنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ. وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ وإنَّما تَكُونُ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و(نُنَزِّلُ) بِالنُّونِ ومُجاهِدٌ بِالياءِ خَفِيفَةً ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿شِفاءً ورَحْمَةً﴾ بِنَصْبِهِما ويَتَخَرَّجُ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ هو قَوْلُهُ (لِلْمُؤْمِنِينَ) والعامِلُ فِيهِ ما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿والسَّماواتِ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] بِنَصْبِ مَطْوِيّاتٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حِذارِ
وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وشِفاؤُهُ كَوْنُهُ مُزِيلًا لِلرَّيْبِ كاشِفًا عَنْ غِطاءِ القَلْبِ بِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ المُقَرِّرَةِ لِدِينِهِ، فَصارَ لِعِلّاتِ القُلُوبِ كالشِّفاءِ لِعِلّاتِ الأجْسامِ. وقِيلَ: شِفاءٌ بِالرُّقى والعَوْذِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الَّذِي رَقِيَ بِالفاتِحَةِ مِن لَسْعَةِ العَقْرَبِ. واخْتَلَفُوا في النُّشْرَةِ وهو أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ ولَمْ يَرَهُ مُجاهِدٌ. وعَنْ عائِشَةَ: كانَتْ تَقْرَأُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ في إناءٍ ثُمَّ تَأْمُرُ أنْ يُصَبَّ عَلى المَرِيضِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِنِيُّ: النُّشْرَةُ أمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ التَّعْزِيمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ عَنْ صاحِبِهِما أيْ: تَحُلُّ، ومَنَعَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ وقَدْ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ: ”هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“» . ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى ما إذا كانَتْ خارِجَةً عَمّا في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ، والنُّشْرَةُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ في غُسالَةِ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ.
وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى أعْناقِ المَرْضى عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ بِها إذا لَمْ يُرِدُ مُعَلِّقُها بِذَلِكَ مُدافَعَةَ العَيْنِ، وهَذا مَعْناهُ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ العَيْنِ أمّا بَعْدُ نُزُولِ البَلاءِ فَيَجُوزُ رَجاءَ الفَرَجِ والبُرْءِ، والمَرَضُ كالرُّقى المُباحَةِ الَّتِي ورَدَتِ السُّنَّةُ بِها مِنَ العَيْنِ وغَيْرِها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يَجُوزُ تَعْلِيقُ العُوذَةِ في قَصَبَةٍ أوْ رُقْعَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ويَضَعُهُ عِنْدَ الجِماعِ وعِنْدَ الغائِطِ، ورَخَّصَ الباقِرُ في العُوذَةِ تُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ وكانَ ابْنُ سِيرِينَ لا يَرى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنَ القُرْآنِ يُعَلِّقُهُ الإنْسانُ.
وخَسارُ الظّالِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ هو بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَزْدادُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وتَدَبُّرِ مَعانِيهِ إيمانًا.
الإسراء 17:86
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٦] ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨] ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩] ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]
(p-٦٨)الدُّلُوكُ الغُرُوبُ قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، واسْتَدَلَّ الفَرّاءُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ غُدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
أيْ: حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ، وبَراحٌ اسْمُ الشَّمْسِ، وأنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:
؎مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
وقِيلَ: الدُّلُوكُ زَوالُ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ. قِيلَ: واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ تُدْلَكُ عَيْنُهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها. وقِيلَ: الدُّلُوكُ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ. قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ الِاسْمُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ دُخُولُ أوَّلِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وأصْلُهُ مِنَ السَّيَلانِ غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ هَمَلَتْ بِالماءِ والغاسِقُ السّائِلُ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ
وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ ؟ قالَ: اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ، ويُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ امْتَلَأتْ دَمًا. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ واغْتَسَقَ وظَلُمَ وأظْلَمَ ودَجى وأدْجى وغَبَشَ وأغْبَشَ، أبُو عُبَيْدَةَ الهاجِدُ النّائِمُ والمُصَلِّي. وقالَ ابْنُ الإعْرابِيِّ: هَجَدَ الرَّجُلُ صَلّى مِنَ اللَّيْلِ، وهَجَدَ نامَ بِاللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ بِرَزْحَ: هَجَّدْتُهُ أيْقَظْتُهُ، فَعَلى ما ذَكَرُوا يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ النّائِمُ، وقَدْ هَجَدَ هُجُودًا نامَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا زارَتْ وأهْلُ مِنى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنى يَعُودُ
وقالَ آخَرُ:
؎ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ
وقالَ الآخَرُ:
؎وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارَتْ مَخافَتِي
زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ زُهُوقًا ذَهَبَتْ، وزَهَقَ الباطِلُ زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يَثْبُتْ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ إقْدامُهُ مُزالَةً لَمْ تَزْهَقِ
ناءَ يَنُوءُ: نَهَضَ. الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ، والمَذْهَبُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي، والشَّكْلُ المِثْلُ والنَّظِيرُ، والشِّكْلُ بِكَسْرِ الشِّينِ الهَيْئَةُ، يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ الشِّكْلِ. اليَنْبُوعُ مَفْعُولٌ مِنَ النَّبْعِ وهو عَيْنٌ تَفُورُ بِالماءِ. الكِسَفُ القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: كَسَفْتُ الثَّوْبَ ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، وما زَعَمَ الزَّجّاجُ مِن أنْ كَسَفَ بِمَعْنى غَطّى لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ. الرُّقِيُّ والرُّقى الصُّعُودُ يُقالُ: رَقَيْتُ في السُّلَّمِ أرْقى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجْ ∗∗∗ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
خَبَتِ النّارُ تَخْبُو: سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ طُفِئَتْ جُمْلَةً. قالَ الشّاعِرُ:
؎أمِن زَيْنَبَ ذِي النّارِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ما تَخْبُو
؎إذا ما خَمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗ عَلَيْها المَندَلُ الرَّطْبُ
وقالَ الآخَرُ(p-٦٩)
؎وسَطُهُ كاليَراعِ أوْ سَرْجِ المَجْدَلِ ∗∗∗ طُورًا يَخْبُو وطُورًا يُنِيرُ
الثُّبُورُ: الهَلاكُ يُقالُ: ثَبَرَ اللَّهُ العَدُوَّ ثُبُورًا أهْلَكُهُ. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى:
؎إذا جارى الشَّيْطانَ في سَنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مِثْلُهُ مَثْبُورُ
اللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى مُخْتَلِطَةٍ قَدْ لُفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا. المُكْثُ: التَّطاوُلُ في المُدَّةِ، يُقالُ: مَكَثَ ومَكُثَ أطالَ الإقامَةَ. الذَّقَنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَّيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
خافَتَ بِالكَلامِ أسَرَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ وضَرَبَهُ حَتّى خَفَتَ أيْ: لا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ.
* *
﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ .
ومُناسَبَةُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ (p-٧٠)لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْدَهم لِلرَّسُولِ وما كانُوا يَرُومُونَ بِهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُقْبِلَ عَلى شَأْنِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ وأنْ لا يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ، فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأشْرَفِ العِباداتِ والطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ وهي الصَّلاةُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في إقامَةِ الصَّلاةِ والمُواجَهُ بِالأمْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللّامُ في ﴿لِدُلُوكِ﴾ قالُوا: بِمَعْنى بَعْدَ أيْ: بَعْدَ دُلُوكِ (الشَّمْسِ) كَما قالُوا ذَلِكَ في قَوْمِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أخاهُ مالِكًا:
؎فَلَمّا تَفَرَّقْنا كَأنِّي ومالِكًا لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أيْ: بَعْدَ طُولِ اجْتِماعٍ، ومِنهُ كَتَبَتُهُ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا. وقالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّها إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ، فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بُرْدَةَ والحَسَنُ والجُمْهُورُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ وغَسَقُ اللَّيْلِ إشارَةٌ إلى المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، فالآيَةُ عَلى هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ الصَّلَواتِ.
ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أتانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظُّهْرَ» . ورَوى جابِرٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: دُلُوكُ الشَّمْسِ غُرُوبُها والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ (وغَسَقِ اللَّيْلِ) ظُلْمَتُهُ فالإشارَةُ إلى العَتَمَةِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ. انْتَهى. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ الغُرُوبُ، وتَتَعَلَّقُ اللّامُ وإلى بِأقِمْ، فَتَكُونُ إلى غايَةٍ لِلْإقامَةِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الصَّلاةِ قالَ: أيْ مَمْدُودَةٌ، ويَعْنِي بِقُرْآنِ الفَجْرِ صَلاةَ الصُّبْحِ، وخُصَّتْ بِالقُرْآنِ وهو القِراءَةُ؛ لِأنَّهُ عِظَمُها؛ إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُورٌ بِها، وانْتَصَبَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَطْفًا عَلى (الصَّلاةَ) .
وقالَ الأخْفَشُ: انْتَصَبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ وآثِرْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ عَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ . انْتَهى. وسُمِّيَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ بِبَعْضِ ما يَقَعُ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَتْ صَلاةُ الفَجْرِ قُرْآنًا وهي القِراءَةُ؛ لِأنَّها رُكْنٌ كَما سُمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا وقُنُوتًا، وهي حُجَّةٌ عَلى ابْنِ أبِي عُلَيَّةَ والأصَمِّ في زَعْمِهِما أنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ. انْتَهى. وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا الدُّلُوكَ بِزَوالِ الشَّمْسِ كانَ الوَقْتُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا غُيِّيَتِ الإقامَةُ بِغَسَقِ اللَّيْلِ، ويَكُونُ الغَسَقُ وقْتًا مُشْتَرِكًا بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَكُونُ المَذْكُورُ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ: أوَّلُ وقْتِ الزَّوالِ، وأوَّلُ وقْتِ المَغْرِبِ، وأوَّلُ وقْتِ الفَجْرِ. انْتَهى، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّهُ أمْرٌ بِإقامَةِ الصَّلاةِ إمّا مِن أوَّلِ الزَّوالِ إلى الغَسَقِ، وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، وإمّا مِنَ الغُرُوبِ إلى الغَسَقِ وبِقُرْآنِ الفَجْرِ، فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ الصَّلاةَ في وقْتَيْنِ ولا تُؤْخَذُ أوْقاتُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مِن هَذا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقِراءَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ، ولا قِراءَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ واجِبَةٌ إلّا في الصَّلاةِ، ومَن قالَ مَعْنى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةُ الفَجْرِ غَلِطَ؛ لِأنَّهُ صَرَفَ الكَلامَ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى المَجازِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ ولِأنَّ في نَسَقِ التِّلاوَةِ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ ويَسْتَحِيلُ التَّهَجُّدُ بِصَلاةِ الفَجْرِ لَيْلًا. والهاءُ في (بِهِ) كِنايَةٌ عَنْ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ القُرْآنِ لا مَكانُ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ المَقْرُوءِ في صَلاةِ الفَجْرِ واسْتِحالَةُ التَّهَجُّدِ في اللَّيْلِ بِصَلاةِ الفَجْرِ، وعَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرُوا لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تُجْعَلِ القِراءَةُ عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ إلّا وهي مِن أرْكانِها. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ (p-٧١)والظّاهِرُ نَدْبِيَّةُ إيقاعِ صَلاةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِإيقاعِ قُرْآنِ الفَجْرِ، فَكانَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ أوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَكِنَّ الإجْماعَ مَنَعَ مِن ذَلِكَ فَبَقِيَ النَّدْبُ لِوُجُودِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَإذا انْتَفى وُجُوبُها بَقِيَ نَدْبُها وأعادَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ ولَمْ يَأْتِ مُضْمَرًا فَيَكُونُ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّنْوِيهِ بِقُرْآنِ الفَجْرِ، ومَعْنى ﴿مَشْهُودًا﴾ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ حَفَظَةُ اللَّيْلِ وحَفَظَةُ النَّهارِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّهم يَتَعاقَبُونَ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ» . وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: يَشْهَدُهُ الكَثِيرُ مِنَ المُصَلِّينَ في العادَةِ، وقِيلَ: مِن حَقِّهِ أنْ تَشْهَدَهُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ حَثًّا عَلى طُولِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ؛ لِكَوْنِها مَكْثُورًا عَلَيْها لِيَسْمَعَ النّاسُ القُرْآنَ فَيَكْثُرُ الثَّوابُ، ولِذَلِكَ كانَتِ الفَجْرُ أطْوَلَ الصَّلَواتِ قِراءَةً. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ حَثًّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وعَلَيْكَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أوْ والزَمْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: ﴿مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ تَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَّيْلِ ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ في قَوْلِهِ ﴿مَشْهُودًا﴾ عَلى عادَتِهِ في تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ عَلى ما لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، والَّذِي يَنْبَغِي بَلْ لا يُعْدَلُ عَنْهُ ما فَسَّرَهُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن قَوْلِهِ فِيهِ: «يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» . وقالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ لِلْوَقْتِ المَذْكُورِ ولَمْ يَدُلَّ أمْرُهُ تَعالى إيّاهُ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ أُمَّتِهِ ذَكَرَ ما اخْتَصَّهُ بِهِ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ اللَّيْلِ وهو في أُمَّتِهِ تَطَوُّعٌ. فَقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ (نافِلَةً) زِيادَةً مَخْصُوصًا بِها أنْتَ وتَهَجَّدَ هُنا تَفَعَّلَ بِمَعْنى الإزالَةِ والتَّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأثَّمَ وتَحَنَّثَ تَرَكَ التَّأثُّمَ والتَّحَنُّثَ، ومِنهُ تَحَنَّثْتُ بِغارِ حِراءَ أيْ: بِتَرْكِ التَّحَنُّثِ، وشُرِحَ بِلازِمِهِ وهو التَّعَبُّدُ (ومِنَ) لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ تَقْدِيرُهُ واسْهَرْ مِنَ اللَّيْلِ بِالقُرْآنِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وقُمْ بَعْدَ نَوْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ التَّقْدِيرُ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ أيْ: وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ومِنَ اللَّيْلِ) وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ والتَّهَجُّدُ تَرْكُ الهُجُودِ لِلصَّلاةِ. انْتَهى. فَإنْ كانَ تَفْسِيرُهُ وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَّيْلِ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَيَقْرُبُ، وإنْ كانَ أرادَ صِناعَةَ النَّحْوِ والإعْرابِ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المُغْرى بِهِ لا يَكُونُ حَرْفًا، وتَقْدِيرُ مِن بِبَعْضٍ فِيهِ مُسامَحَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُرادِفِهِ ألْبَتَّةَ، إذْ لَوْ كانَ مُرادِفَهُ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ اسْمًا ولا قائِلَ بِذَلِكَ، ألا تَرى إجْماعَ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ واوَ مَعَ حَرْفٌ وإنْ قُدِّرَتْ بِمَعَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) يَعُودُ عَلى القُرْآنِ لِتَقَدُّمِهِ في الذِّكْرِ، ولا تُلْحَظُ الإضافَةُ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى وقْتِ المُقَدَّرِ في وقُمْ وقْتًا مِنَ اللَّيْلِ. انْتَهى. فَتَكُونُ الباءُ ظَرْفِيَّةً أيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وانْتُصِبَ (نافِلَةً) . قالَ الحَوْفِيُّ: عَلى المَصْدَرِ أيْ: نَفَّلْناكَ نافِلَةً، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (نافِلَةً) بِتَهَجَّدْ إذا ذَهَبْتَ بِذَلِكَ إلى مَعْنى صَلِّ بِهِ نافِلَةً أيْ: صَلِّ نافِلَةً لَكَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى تَهَجَّدْ أيْ: تَنَفَّلْ نَفْلًا و(نافِلَةً) هُنا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، والثّانِي هو حالٌ أيْ: صَلاةُ نافِلَةٍ. انْتَهى. وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِهِ) ويَكُونُ عائِدًا عَلى القُرْآنِ لا عَلى وقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الأسْوَدُ وعَلْقَمَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ والحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: التَّهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (نافِلَةً) زِيادَةً لَكَ في الفَرْضِ وكانَ قِيامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ النَّدْبِ في التَّنَفُّلِ والخِطابُ لَهُ، والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ كَخِطابِهِ في ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إنَّما هي نافِلَةٌ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلَ مِنَ العَمَلِ وقُرَبًا أشْرَفَ مِن (p-٧٢)نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ أعْنِي نَوافِلَ أُمَّتِهِ إمّا أنْ يُجْبَرَ بِها فَرائِضُهم، وإمّا أنْ يُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهم. وضَعَّفَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ واسْتَحْسَنَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ. وقالَ مُقاتِلٌ: فَلَهُوَ كَرامَةٌ وعَطاءٌ لَكَ. وقِيلَ: كانَتْ فَرْضًا ثُمَّ رُخِّصَ في تَرْكِها. ومِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: رَمَقَ صَلاتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْلَةً فَصَلّى بِالوَتْرِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. وعَنْ عائِشَةَ: أنَّهُ ما كانَ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا في غَيْرِهِ عَلى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
و(عَسى) مَدْلُولُها في المَحْبُوباتِ التَّرَجِّي. فَقِيلَ: هي عَلى بابِها في التَّرَجِّي تَقْدِيرُهُ لِتَكُنْ عَلى رَجاءٍ مِن ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ . وقِيلَ: هي بِمَعْنى كَيْ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا تَفْسِيرَ مَعْنًى، والأجْوَدُ أنَّ (أنْ) هَذِهِ التَّرَجِّيَةُ، والإطْماعُ بِمَعْنى الوُجُوبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو مُتَعَلِّقٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ ﴿وعَسى﴾ [البقرة: ٢١٦] هُنا تامَّةٌ وفاعِلُها ﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ و(رَبُّكَ) فاعِلٌ بِيَبْعَثَكَ و(مَقامًا) الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْمُولُهُ لِيَبْعَثَكَ هو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ يَبْعَثَكَ بِمَعْنى يُقِيمُكَ، تَقُولُ: أُقِيمَ مِن قَبْرِهِ وبُعِثَ مِن قَبْرِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ أيْ: في مَقامٍ مَحْمُودٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ أيْ: ذا مَقامٍ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ فَتَقُومُ (مَقامًا) ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (عَسى) هُنا ناقِصَةً، وتَقَدَّمَ الخَبَرُ عَلى الِاسْمِ فَيَكُونُ (رَبُّكَ) مَرْفُوعًا اسْمَ (عَسى) و﴿أنْ يَبْعَثَكَ﴾ الخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِها إلّا في هَذا الإعْرابِ الأخِيرِ. وأمّا في قَبْلِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (مَقامًا) مَنصُوبٌ بِيَبْعَثَكَ و(رَبُّكَ) مَرْفُوعٌ بِعَسى فَيَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ ما هو مَوْصُولٌ وبَيْنَ مَعْمُولٍ. وهو لا يَجُوزُ.
وفِي تَفْسِيرِ المَقامِ المَحْمُودِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُ في أمْرِ الشَّفاعَةِ الَّتِي يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ ﷺ، والحَدِيثُ في الصَّحِيحِ وهي عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي هَذِهِ الشَّفاعَةِ يَحْمَدُهُ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم، وفي دُعائِهِ المَشْهُورِ: «وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الَّذِي وعَدْتَهُ» واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّفاعَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ في أمْرِ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ في إخْراجِهِ لِمُذْنِبِهِمْ مِنَ النّارِ، وهَذِهِ الشَّفاعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِسابِ ودُخُولِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ، وهَذِهِ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ. وقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ وفي آخِرِهِ: «حَتّى لا يَبْقى في النّارِ إلّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ» أيْ: وجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قالَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي» . فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ تَخْصِيصُ شَفاعَتِهِ لِأُمَّتِهِ، وقَدْ تَأوَّلَهُ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الشَّفاعَةِ العُظْمى الَّتِي يَحْمَدُهُ بِسَبَبِها الخَلْقُ كُلُّهم عَلى أنَّ المُرادَ لِأُمَّتِهِ وغَيْرِهِمْ، أوْ يُقالُ: إنَّ كُلَّ مَقامٍ مِنهُما مَحْمُودٌ.
الثّالِثُ: عَنْ حُذَيْفَةَ: يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ في صَعِيدٍ فَلا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ فَأوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ“ والمَهْدِيُّ مَن هَدَيْتَ وعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وبِكَ وإلَيْكَ لا مَنجَأ ولا مَلْجَأ إلّا إلَيْكَ، تَبارَكْتَ وتَعالَيْتَ سُبْحانَكَ رَبَّ البَيْتِ. قالَ: فَهَذا قَوْلُهُ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ .
الرّابِعُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى المَقامِ المَحْمُودِ المُقامُ الَّذِي يَحْمَدُهُ القائِمُ فِيهِ، وكُلُّ مَن رَآهُ وعَرَفَهُ وهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَجْلِبُ الحَمْدَ مِن أنْواعِ الكَراماتِ. انْتَهى. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ ولِذَلِكَ نَكَّرَ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ فَلَمْ يَتَناوَلْ مَقامًا مَخْصُوصًا بَلْ كُلُّ مَقامٍ مَحْمُودٍ صَدَقَ عَلَيْهِ إطْلاقُ اللَّفْظِ.
الخامِسُ: ما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مُجاهِدٌ، وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ هو أنْ يُجْلِسَهُ اللَّهُ مَعَهُ عَلى العَرْشِ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنْ أبِي داوُدَ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدَنا مُتَّهَمٌ ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يُحَدِّثُونَ بِهَذا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَعْنِي مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ: إنْ كانَ أحَدُ الأئِمَّةِ يَتَأوَّلُ القُرْآنَ فَإنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ مَهْجُورَيْنِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أحَدُهُما هَذا، والثّانِي في تَأْوِيلِ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قالَ: تَنْتَظِرُ الثَّوابَ لَيْسَ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ مَعَهُ عَلى رَفْعِ مَحَلِّهِ (p-٧٣)وتَشْرِيفِهِ عَلى خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقَوْلِهِ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ [التحريم: ١١] و﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] كُلُّ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ المَكانَةِ لا عَنِ المَكانِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: هَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلٌ رَذْلٌ مُوحِشٌ فَظِيعٌ لا يَصِحُّ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَصُّ الكِتابِ يُنادِي بِفَسادِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ البَعْثَ ضِدَّ الإجْلاسِ بَعَثْتُ التّارِكَ وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أقامَهُ مِن قَبْرِهِ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالإجْلاسِ تَفْسِيرُ الضِّدِّ بِالضِّدِّ.
الثّانِي: لَوْ كانَ جالِسًا تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا، فَكانَ يَكُونُ مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: (مَقامًا) ولَمْ يَقُلْ مَقْعَدًا ﴿مَحْمُودًا﴾ والمَقامُ مَوْضِعُ القِيامِ لا مَوْضِعُ القُعُودِ.
الرّابِعُ: أنَّ الحَمْقى والجُهّالَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَجْلِسُونَ كُلُّهم مَعَهُ تَعالى ويَسْألُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا مَزِيَّةَ لَهُ بِإجْلاسِهِ مَعَهُ.
الخامِسُ: أنَّهُ إذا قِيلَ بَعَثَ السُّلْطانُ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أجْلَسَهُ مَعَ نَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِإقامَةِ الصَّلاةِ والتَّهَجُّدِ ووَعَدَهُ بَعْثَهُ ﴿مَقامًا مَحْمُودًا﴾ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَدْعُوَهُ بِما يَشْمَلُ أُمُورَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ مَوارِدِهِ ومَصادِرِهِ دُنْيَوِيَّةً وأُخْرَوِيَّةً، والصِّدْقُ هُنا لَفْظٌ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ كَما تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ إذْ هو مُقابِلُ رَجُلِ سُوءٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: هو إدْخالٌ خاصٌّ وهو في المَدِينَةِ، وإخْراجٌ خاصٌّ وهو مِن مَكَّةَ. فَيَكُونُ المُقَدَّمُ في الذِّكْرِ هو المُؤَخَّرُ في الوُقُوعِ، ومَكانُ الواوِ هو الأهَمُّ فَبُدِئَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ: ما مَعْناهُ إدْخالُهُ فِيما حَمَلَهُ مِن أعْباءِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الشَّرْعِ وإخْراجُهُ مِنهُ مُؤَدِّيًا لِما كُلِّفَهُ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخِلْنِي القَبْرَ ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ إدْخالًا مَرْضِيًّا عَلى طَهارَةٍ وطِيبٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلْقًى بِالكَرامَةِ آمِنًا مِنَ السُّخْطِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ عَلى ذِكْرِ البَعْثِ. وقِيلَ: إدْخالُهُ مَكَّةَ ظاهِرًا عَلَيْها بِالفَتْحِ، وإخْراجُهُ مِنها آمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: إدْخالُهُ الغارَ وإخْراجُهُ مِنهُ سالِمًا. وقِيلَ: الإخْراجُ مِنَ المَدِينَةِ والإدْخالُ مَكَّةَ بِالفَتْحِ. وقِيلَ: الإدْخالُ في الصَّلاةِ والإخْراجُ مِنها، وقِيلَ الإدْخالُ في الجَنَّةِ والإخْراجُ مِن مَكَّةَ. وقِيلَ: الإدْخالُ فِيما أُمِرَ بِهِ والإخْراجُ مِمّا نَهاهُ عَنْهُ. وقِيلَ: ﴿أدْخِلْنِي﴾ في بِحارِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالدَّلِيلِ إلى مَعْرِفَةِ المَدْلُولِ والتَّأمُّلِ في آثارِ مُحْدَثاتِهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الأحَدِ الفَرْدِ. وقالَ أبُو سَهْلٍ: حِينَ رَجَعَ مِن تَبُوكَ وقَدْ قالَ المُنافِقُونَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] يَعْنِي إدْخالَ عِزٍّ وإخْراجَ نَصْرٍ إلى مَكَّةَ، والأحْسَنُ في هَذِهِ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا التَّعْيِينِ، ويَكُونُ اللَّفْظُ كَما ذَكَرْناهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَوارِدِ والمَصادِرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مُدْخَلَ﴾ و(مُخْرَجَ) بِضَمِّ مِيمِهِما وهو جارٍ قِياسًا عَلى أفْعَلَ مَصْدَرٌ، نَحْوَ أكْرَمْتُهُ مَكْرَمًا أيْ: إكْرامًا. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِهِما. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهُما مَصْدَرانِ مَن دَخَلَ وخَرَجَ لَكِنَّهُ جاءَ مِن مَعْنى ﴿أدْخِلْنِي﴾ ﴿وأخْرِجْنِي﴾ المُتَقَدِّمَيْنِ دُونَ لَفْظِهِما ومِثْلُهُما ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَ المَكانِ وانْتِصابُهُما عَلى الظَّرْفِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَنصُوبانِ مَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أيْ أدْخِلْنِي، فَأدْخُلُ مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي فَأخْرُجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
والسُّلْطانُ هُنا قالَ الحَسَنُ: التَّسْلِيطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ. وقالَ قَتادَةُ: مُلْكًا عَزِيزًا تَنْصُرُنِي بِهِ عَلى كُلِّ مَن ناوَأنِي. وقالَ مُجاهِدٌ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. وقِيلَ: كِتابًا يَحْوِي الحُدُودَ والأحْكامَ. وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ. وقِيلَ: في كُلِّ عَصْرٍ (سُلْطانًا) يَنْصُرُ دِينَكَ و(نَصِيرًا) مُبالَغَةً في ناصِرٍ. وقِيلَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَنصُورًا، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُحْتَمِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ (p-٧٤)ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ ذَلِكَ وأنْجَزَهُ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ. قالَ قَتادَةُ: و(الحَقُّ) القُرْآنُ و(الباطِلُ) الشَّيْطانُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الجِهادُ و(الباطِلُ) الشِّرْكُ. وقِيلَ: الإيمانُ والكُفْرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جاءَتْ عِبادَةُ اللَّهِ، وذَهَبَتْ عِبادَةُ الشَّيْطانِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ حَسْبَما ذُكِرَ في السِّيَرِ. و﴿زَهُوقًا﴾ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في اضْمِحْلالِهِ وعَدَمِ ثُبُوتِهِ في وقْتٍ ما.
و(مِن) في ﴿مِنَ القُرْآنِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وأنْكَرَ ذَلِكَ لِاسْتِلْزامِهِ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ ورُدَّ هَذا الإنْكارُ؛ لِأنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ. وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنَ الَّتِي لِبَيانِ الجِنْسِ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المُبْهَمِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ وإنَّما تَكُونُ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: و(نُنَزِّلُ) بِالنُّونِ ومُجاهِدٌ بِالياءِ خَفِيفَةً ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿شِفاءً ورَحْمَةً﴾ بِنَصْبِهِما ويَتَخَرَّجُ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ هو قَوْلُهُ (لِلْمُؤْمِنِينَ) والعامِلُ فِيهِ ما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿والسَّماواتِ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] بِنَصْبِ مَطْوِيّاتٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حِذارِ
وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وشِفاؤُهُ كَوْنُهُ مُزِيلًا لِلرَّيْبِ كاشِفًا عَنْ غِطاءِ القَلْبِ بِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ المُقَرِّرَةِ لِدِينِهِ، فَصارَ لِعِلّاتِ القُلُوبِ كالشِّفاءِ لِعِلّاتِ الأجْسامِ. وقِيلَ: شِفاءٌ بِالرُّقى والعَوْذِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الَّذِي رَقِيَ بِالفاتِحَةِ مِن لَسْعَةِ العَقْرَبِ. واخْتَلَفُوا في النُّشْرَةِ وهو أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ ولَمْ يَرَهُ مُجاهِدٌ. وعَنْ عائِشَةَ: كانَتْ تَقْرَأُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ في إناءٍ ثُمَّ تَأْمُرُ أنْ يُصَبَّ عَلى المَرِيضِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِنِيُّ: النُّشْرَةُ أمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ التَّعْزِيمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ عَنْ صاحِبِهِما أيْ: تَحُلُّ، ومَنَعَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ وقَدْ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ: ”هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“» . ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى ما إذا كانَتْ خارِجَةً عَمّا في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ، والنُّشْرَةُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ في غُسالَةِ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ.
وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى أعْناقِ المَرْضى عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ بِها إذا لَمْ يُرِدُ مُعَلِّقُها بِذَلِكَ مُدافَعَةَ العَيْنِ، وهَذا مَعْناهُ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ العَيْنِ أمّا بَعْدُ نُزُولِ البَلاءِ فَيَجُوزُ رَجاءَ الفَرَجِ والبُرْءِ، والمَرَضُ كالرُّقى المُباحَةِ الَّتِي ورَدَتِ السُّنَّةُ بِها مِنَ العَيْنِ وغَيْرِها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: يَجُوزُ تَعْلِيقُ العُوذَةِ في قَصَبَةٍ أوْ رُقْعَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ويَضَعُهُ عِنْدَ الجِماعِ وعِنْدَ الغائِطِ، ورَخَّصَ الباقِرُ في العُوذَةِ تُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ وكانَ ابْنُ سِيرِينَ لا يَرى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنَ القُرْآنِ يُعَلِّقُهُ الإنْسانُ.
وخَسارُ الظّالِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ هو بِإعْراضِهِمْ عَنْهُ وعَدَمِ تَدَبُّرِهِ بِخِلافِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَزْدادُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وتَدَبُّرِ مَعانِيهِ إيمانًا.
الإسراء 17:87
﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣] ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٦] ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ .
(p-٧٥)لَمّا ذَكَرَ تَعالى تَنْوِيعَ ما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ شِفاءً ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِ وبِزِيادَةِ خَسارَةٍ لِلظّالِمِ، وعَرَّضَ بِما أنْعَمَ بِهِ وما حَواهُ مِن لَطائِفِ الشَّرائِعِ عَلى الإنْسانِ، ومَعَ ذَلِكَ (أعْرَضَ) عَنْهُ وبَعُدَ بِجانِبِهِ اشْمِئْزازًا لَهُ وتَكَبُّرًا عَنْ قُرْبِ سَماعِهِ وتَبْدِيلًا مَكانَ شُكْرِ الإنْعامِ كُفْرَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ونَأى) مِنَ النَّأْيِ وهو البُعْدُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وناءٍ. وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ نَأى فَمَعْناهُ بَعُدَ. وقِيلَ: مَعْناهُ نَهَضَ بِجانِبِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى إذا ما التَأمَتْ مَفاصِلُهُ وناءَ في شِقِّ الشِّمالِ كاهِلُهُ
أيْ: نَهَضَ مُتَوَكِّئًا عَلى شِمالِهِ. ومَعْنى ﴿يَئُوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣] قَنُوطًا مِن أنْ يُنْعِمَ اللَّهُ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ هُنا لَيْسَ واحِدًا بِعَيْنِهِ بَلِ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآيَةَ. وهو راجِعٌ لِمَعْنى الكافِرِ، والإعْراضُ يَكُونُ بِالوَجْهِ والنَّأْيُ بِالجانِبِ يَكُونُ بِتَوْلِيَةِ العِطْفِ أوْ يُرادُ بِنَأْيِ الجانِبِ الِاسْتِكْبارُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن عادَةِ المُسْتَكْبِرِينَ. والشّاكِلَةُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ناحِيَتُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: طَبِيعَتُهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: حِدَّتُهُ. وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: نِيَّتُهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: دِينُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: خَلْقُهُ وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى مَذْهَبِ الَّذِي يُشاكِلُ حالَهُ في الهُدى والضَّلالَةِ مِن قَوْلِهِمْ: طَرِيقٌ ذُو شَواكِلَ وهي الطُّرُقُ الَّتِي تَشَعَّبَتْ مِنهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤] أيْ: أشَدُّ مَذْهَبًا وطَرِيقَةً.
وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَمْ أرَ في القُرْآنِ آيَةً أرْجى مِن هَذِهِ لا يُشاكِلُ بِالعَبْدِ إلّا العِصْيانُ ولا يُشاكِلُ بِالرَّبِّ إلّا الغُفْرانُ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ أرَ آيَةً أرْجى مِنَ الَّتِي فِيها ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] قَدَّمَ الغُفْرانَ قَبْلَ قَبُولِ التَّوْبَةِ. وعَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ أرَ آيَةً أرْجى مِن ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩] . وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ ورَضِيَ عَنْهُ: لَمْ أرَ آيَةً أرْجى مِن ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ. قالُوا: ذَلِكَ حِينَ تَذاكَرُوا القُرْآنَ. وعَنِ القُرْطُبِيِّ: لَمْ أرَ آيَةً أرْجى مِن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] الآيَةَ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأرْواحُ والنُّفُوسُ مُخْتَلِفَةٌ بِماهِيَّتِها فَبَعْضُها مُشْرِقَةٌ صافِيَةٌ يَظْهَرُ فِيها مِنَ القُرْآنِ نُورٌ عَلى نُورٍ، وبَعْضُها كَدِرَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ يَظْهَرُ فِيها مِنَ القُرْآنِ ضَلالٌ ونَكالٌ. انْتَهى. وثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن «حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: إنِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَرْثٍ بِالمَدِينَةِ وهو مُتَّكِئٌ عَلى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِنا ناسٌ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ فَقالَ بَعْضُهم: لا تَسْألُوهُ فَسَيُفْتِيكم بِما تَكْرَهُونَ فَأتاهُ نَفَرٌ مِنهم، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، ما تَقُولُ في الرُّوحِ ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ ماجَ فَأمْسَكْتُ بِيَدِي عَلى جَبْهَتِهِ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ يُنَزَّلُ عَلَيْهِ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] الآيَةَ» . ورُوِيَ «أنَّ يَهُودَ قالُوا لِقُرَيْشٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وعَنْ فِتْيَةٍ فُقِدُوا في أوَّلِ الزَّمانِ، وعَنْ رَجُلٍ بَلَغَ شَرْقَ الأرْضِ وغَرْبَها فَإنْ أجابَ في ذَلِكَ كُلِّهِ أوْ لَمْ يُجِبْ في شَيْءٍ فَهو كَذّابٌ، وإنْ أجابَ في بَعْضِ ذَلِكَ وسَكَتَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيٌّ» . وفي بَعْضِ طُرُقِ هَذا: «إنْ فَسَّرَ الثَّلاثَةَ فَهو كَذّابٌ وإنْ سَكَتَ عَنِ الرُّوحِ فَهو نَبِيٌّ فَنَزَلَ في شَأْنِ الفِتْيَةِ ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ﴾ [الكهف: ٩] ونَزَلَ في شَأْنِ الَّذِي بَلَغَ الشَّرْقَ والغَرْبَ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] ونَزَلَ في الرُّوحِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]» والظّاهِرُ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ ومِن سُؤالِ قُرَيْشٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، والرُّوحُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ هُنا الرُّوحُ الَّتِي في الحَيَوانِ وهو اسْمُ جِنْسٍ وهو الظّاهِرُ. وقالَ قَتادَةُ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَكْتُمُهُ. وقِيلَ: عِيسى ابْنُ (p-٧٦)مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ مَلَكٌ، وذَكَرَ مِن وصْفِهِ ما اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ ولا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ.
وقِيلَ: الرُّوحُ القُرْآنُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ قَبْلَهُ والآيَةُ بَعْدَهُ. وقِيلَ: خَلْقٌ عَظِيمٌ رُوحانِيٌّ أعْظَمُ مِنَ المَلَكِ. وقِيلَ: الرُّوحُ جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ لَهم أيْدٍ وأرْجُلٌ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ذَكَرَهُ العَزِيزِيُّ. وقالَ أبُو صالِحٍ: خَلْقٌ كَخَلْقِ آدَمَ ولَيْسُوا بَنِي آدَمَ لَهم أيْدٍ وأرْجُلٌ، ولا يَنْزِلُ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهم، والصَّحِيحُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ القَوْلُ الأوَّلُ، والظّاهِرُ أنَّهم سَألُوا عَنْ ماهِيَّتِها وحَقِيقَتِها، وقِيلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ مُداخَلَتِها الجَسَدَ الحَيَوانِيَّ وانْبِعاثِها فِيهِ وصُورَةِ مُلابَسَتِها لَهُ، وكِلاهُما مُشْكِلٌ لا يَعْلَمُهُ قَبْلُ إلّا اللَّهُ. وقَدْ رَأيْتُ كِتابًا يُتَرْجَمُ بِكِتابِ النَّفْخَةِ والتَّسْوِيَةِ لِبَعْضِ الفُقَهاءِ المُتَصَوِّفَةِ يَذْكُرُ فِيها أنَّ الجَوابَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] إنَّما هو لِلْعَوامِّ، وأمّا الخَواصُّ فَهم عِنْدَهُ يَعْرِفُونَ الرُّوحَ، وأجْمَعَ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى أنَّ الرُّوحَ مَخْلُوقَةٌ، وذَهَبَ كَفَرَةُ الفَلاسِفَةِ، وكَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلى الإسْلامِ إلى أنَّها قَدِيمَةٌ واخْتِلافُ النّاسِ في الرُّوحِ بَلَغَ إلى سَبْعِينَ قَوْلًا، وكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا هَلِ الرُّوحُ النَّفْسُ أمْ شَيْءٌ غَيْرُها، ومَعْنى ﴿مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] أيْ: فِعْلُ رَبِّي كَوْنُها بِأمْرِهِ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى حُدُوثِها، والأمْرُ بِمَعْنى الفِعْلِ وارِدٌ قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أيْ: فِعْلُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا واحِدَ الأُمُورِ وهو اسْمُ جِنْسٍ لَها أيْ: مِن جُمْلَةِ أُمُورِ اللَّهِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها. وقِيلَ: مِن وحْيِ رَبِّي، وكَلامُهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ ويَتَخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الرُّوحَ هُنا القُرْآنُ. وقِيلَ: مِن عِلْمِ رَبِّي، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في ﴿وما أُوتِيتُمْ﴾ [الإسراء: ٨٥] هُمُ الَّذِينَ سَألُوا عَنِ الرُّوحِ وهم طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ: اليَهُودُ بِجُمْلَتِهِمْ. وقِيلَ: النّاسُ كُلُّهم.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ﴾ [الإسراء: ٨٥] إنَّما هو أمْرٌ بِالقَوْلِ لِجَمِيعِ العالَمِ إذْ جَمِيعُ عُلُومِهِمْ مَحْصُورَةٌ وعِلْمُهُ تَعالى لا يَتَناهى. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ: وما أُوتُوا بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ عائِدًا عَلى السّائِلِينَ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ مِن تَنْزِيلِ القُرْآنِ عَلى رَسُولِهِ ﷺ شِفاءً ورَحْمَةً وقُدْرَتَهُ عَلى ذَلِكَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى أنَّهُ لَوْ شاءَ لَذَهَبَ بِما أوْحى ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، والمَعْنى أنّا كَما نَحْنُ قادِرُونَ عَلى إنْزالِهِ نَحْنُ قادِرُونَ عَلى إذْهابِهِ. وقالَ أبُو سَهْلٍ: هَذا تَهْدِيدٌ لِغَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِإذْهابِ ما أُوتُوا لِيَصُدَّهم عَنْ سُؤالِ ما لَمْ يُؤْتَوْا كَعِلْمِ الرُّوحِ وعِلْمِ السّاعَةِ. ورُوِيَ لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَرْتَفِعَ القُرْآنُ والحَدِيثُ، وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يُسْرى بِهِ في لَيْلَةٍ فَيَذْهَبُ بِما في المَصاحِفِ وبِما في القُلُوبِ، ثُمَّ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] . وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ وجْهٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ وهو أنَّهُ ﷺ لَمّا أبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ لَمّا سُئِلَ عَنِ الرُّوحِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وبَلَغَ مِنهُ الغايَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَهْذِيبًا لَهُ هَذِهِ الآيَةَ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أيَعِزُّ عَلَيْكَ تَأخُّرُ الوَحْيِ فَإنّا لَوْ شِئْنا ذَهَبْنا بِما ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] جَمِيعِهِ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وطابَ قَلْبُهُ ولَزِمَ الأدَبَ. انْتَهى. والباءُ في ﴿لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي﴾ [الإسراء: ٨٦] لِلتَّعْدِيَةِ كالهَمْزَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
والكَفِيلُ هُنا قِيلَ: مَن يَحْفَظُ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ، وقِيلَ: كَفِيلًا بِإعادَتِهِ إلى الصُّدُورِ، وقِيلَ: كَفِيلًا يَضْمَنُ لَكَ أنْ يُؤْتِيَكَ ما أُخِذَ مِنكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى إنْ شِئْنا ذَهَبْنا بِالقُرْآنِ ومَحَوْناهُ عَنِ الصُّدُورِ والمَصاحِفِ ولَمْ نَتْرُكْ لَهُ أثَرًا وبَقِيتَ كَما كُنْتَ لا تَدْرِي ما الكِتابُ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهَذا الذَّهابِ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْنا بِاسْتِرْدادِهِ وإعادَتِهِ مَحْفُوظًا مَسْطُورًا ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ إلّا أنْ يَرْحَمَكَ رَبُّكَ فَيَرُدُّهُ عَلَيْكَ كانَ رَحْمَتُهُ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ أوْ يَكُونُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِمَعْنى ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ نَتْرُكُهُ غَيْرَ مَذْهُوبٍ بِهِ، وهَذا امْتِنانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِبَقاءِ القُرْآنِ مَحْفُوظًا بَعْدَ المِنَّةِ في تَنْزِيلِهِ وتَحْفِيظِهِ. انْتَهى. وعَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ خَرَّجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ عَطِيَّةَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: (p-٧٧)لَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ تَمْنَعُ مِن أنْ تُسْلَبَ القُرْآنَ، وقالَ في زادِ المَسِيرِ: المَعْنى لَكِنَّ اللَّهَ يَرْحَمُكَ فَأثْبَتُ ذَلِكَ في قَلْبِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَكِنْ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ تُمْسِكَ ذَلِكَ عَلَيْكَ وتَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ الأوَّلُ جَعَلَهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا جَعَلَ رَحْمَتَهُ تَعالى مُنْدَرِجَةً تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٦] .
الإسراء 17:88
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْعامَهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ بِالنُّبُوَّةِ وبِإنْزالِ وحْيِهِ عَلَيْهِ وباهِرَ قُدْرَتِهِ بِأنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ لَذَهَبَ بِالقُرْآنِ، ذَكَرَ ما مَنَحَهُ تَعالى مِنَ الدَّلِيلِ عَلى نَبُّوتِهِ الباقِي بَقاءَ الدَّهْرِ، وهو القُرْآنُ الَّذِي عَجَزَ العالَمُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وأنَّهُ مِن أكْبَرِ النِّعَمِ والفَضْلِ الَّذِي أبْقى لَهُ ذِكْرًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ ورَفَعَ لَهُ قَدْرًا بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإذا كانَ فُصَحاءُ اللِّسانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ وبُلَغاؤُهم عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِثْلِهِ فَلَأنْ يَكُونُوا أعْجَزَ عَنْ ﴿أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ﴾ جَمِيعِهِ، ولَوْ تَعاوَنَ الثَّقَلانِ عَلَيْهِ ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ﴾ الجِنُّ تَفْعَلُ أفْعالًا مُسْتَغْرَبَةً كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قِصَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُدْرِجُوا مَعَ الإنْسِ في التَّعْجِيزِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في العَجْزِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ مُنْدَرِجِينَ تَحْتَ لَفْظِ الجِنِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ هَذا الِاسْمُ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وإنْ كانَ الأكْثَرُ اسْتِعْمالَهُ في غَيْرِ المَلائِكَةِ مِنَ الأشْكالِ الجِنِّيَّةِ المُسْتَتِرِينَ عَنْ أبْصارِ الإنْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الجِنَّ هُنا؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى الإنْسِ والجِنِّ فَوَقَعَ التَّعْجِيزُ لِلثَّقَلَيْنِ مَعًا لِذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِن (p-٧٨)قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: جِئْنا بِآيَةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرَ هَذا القُرْآنِ فَإنّا نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى المَجِيءِ بِمِثْلِ هَذا، فَنَزَلَتْ (ولا يَأْتُونَ) جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ اللّامِ المُوَطِّئَةِ في (لَئِنْ) وهي الدّاخِلَةُ عَلى الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢] فالجَوابُ في نَحْوِ هَذا لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ لا لِلشَّرْطِ، ولِذَلِكَ جاءَ مَرْفُوعًا. فَأمّا قَوْلُ الأعْشى:
؎لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عَنْ غِبِّ مَعْرَكَةٍ لَأتْلَفْنا عَنْ دِماءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ
فاللّامُ في (لَئِنْ) زائِدَةٌ ولَيْسَتْ مُوَطِّئَةً لِقَسَمٍ قَبْلَها، فَلِذَلِكَ جَزَمَ في قَوْلِهِ: لَأتْلَفْنا وقَدِ احْتَجَّ بِهَذا ونَحْوِهِ الفَرّاءُ في زَعْمِهِ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ القَسَمُ والشَّرْطُ، وتَقَدَّمَ القَسَمُ ولَمْ يَسْبِقْهُما ذُو خَبَرٍ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ لِلْقَسَمِ وهو الأكْثَرُ ولِلشَّرْطِ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ يُحَتِّمُ الجَوابَ لِلْقَسَمِ خاصَّةً. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ هُنا فَصْلًا حَسَنًا في ذِكْرِ الإعْجازِ نَقَلْناهُ بِقِصَّتِهِ. قالَ: وفَهِمَتِ العَرَبُ بِخُلُوصِ فَهْمِها في مَيْزِ الكَلامِ ودِرْيَتِها بِهِ ما لا نَفْهَمُهُ نَحْنُ ولا كُلُّ مَن خالَطَتْهُ حَضارَةٌ، فَفَهِمُوا العَجْزَ عَنْهُ ضَرُورَةً، وشاهَدَهُ وعَلِمَهُ النّاسُ بَعْدَهُمُ اسْتِدْلالًا ونَظَرًا، ولِكُلٍّ حَصَلَ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ لَكِنْ لَيْسَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وهَذا كَما عَلِمَتِ الصَّحابَةُ شَرْعَ النَّبِيِّ ﷺ وأعْمالَهُ ومَشاهِدَهُ عِلْمَ ضَرُورَةٍ، وعَلِمْنا نَحْنُ المُتَواتِرَ مِن ذَلِكَ بِنَقْلِ التَّواتُرِ فَحَصَلَ لِلْجَمِيعِ القَطْعُ لَكِنْ في مَرْتَبَتَيْنِ، وفَهِمَ إعْجازَ القُرْآنِ أرْبابُ الفَصاحَةِ الَّذِينَ لَهم غَرائِبُ في مَيْزِ الكَلامِ، ألا تَرى إلى فَهْمِ الفَرَزْدَقِ شِعْرَ جَرِيرٍ وذِي الرُّمَّةِ في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
؎عَلامَ تَلْفِتِينَ وأنْتِ تَحْتِي
وفِي قَوْلِ جَرِيرٍ:
؎تَلْفِتُ إنَّها تَحْتَ ابْنِ قَيْنٍ
وألا تَرى قَوْلَ الأعْرابِيِّ: عَزَّ فَحَكَمَ فَقَطَعَ، وألا تَرى إلى الِاسْتِدْلالِ الآخَرِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] فَقالَ: إنَّ الزِّيارَةَ تَقْتَضِي الِانْصِرافَ، ومِنهُ عَلِمَ بَشّارٌ بِقَوْلِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ في شِعْرِ الأعْشى:
؎وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ لِلْأصْمَعِيِّ.
؎مَن أحْوَجَ الكَرِيمَ أنْ يُقْسِمَ
فَهم مَعَ هَذِهِ الأفْهامِ أقَرُّوا بِالعَجْزِ، ولَجَأ النِّجادُ مِنهم إلى السَّيْفِ ورَضِيَ بِالقَتْلِ والسِّباءِ وكَشْفِ الحُرُمِ وهو كانَ يَجِدُ المَندُوحَةَ عَنْ ذَلِكَ بِالمُعارَضَةِ. انْتَهى. ما اقْتَصَرْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِهِ وكانَ قَدْ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: والعَجْزُ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في النَّظْمِ، وعِلَّةُ ذَلِكَ الإحاطَةُ الَّتِي لا يَتَّصِفُ بِها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والبَشَرُ مُقَصِّرٌ ضَرُورَةً بِالجَهْلِ والنِّسْيانِ والغَفْلَةِ وأنْواعِ النَّقْصِ، فَإذا نَظَمَ كَلِمَةً خَفِيَ عَنْهُ العِلَلُ الَّتِي ذَكَرْنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ولا يَأْتُونَ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولَوْلا اللّامُ المُوَطِّئَةُ لَجازَ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ:
؎يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ
لِأنَّ الشَّرْطَ وقَعَ ماضِيًا. انْتَهى يَعْنِي بِالشَّرْطِ قَوْلَهُ، وهو صَدْرُ البَيْتِ:
؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ
فَأتاهُ فِعْلٌ ماضٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ أداةُ الشَّرْطِ فَخَلَّصَتْهُ لِلِاسْتِقْبالِ، وأفْهَمَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَقُولَ: وإنْ كانَ مَرْفُوعًا هو جَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي هو وإنْ أتاهُ، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ هو مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ ولِمَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والمُبَرِّدِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ وهو أنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا وبَعْدَهُ مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ أنَّ ذَلِكَ المُضارِعَ هو عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ والمُبَرِّدِ أنَّهُ الجَوابُ لَكِنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، ومَذْهَبٌ ثالِثٌ وهو أنَّهُ هو جَوابُ الشَّرْطِ، وهو الَّذِي قالَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والعَجَبُ مِنَ المَذاهِبِ ومِن زَعْمِهِمْ أنَّ القُرْآنَ قَدِيمٌ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ مُعْجِزٌ، وإنَّما يَكُونُ المُعْجِزُ حَيْثُ تَكُونُ القُدْرَةُ فَيُقالُ: اللَّهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الأجْسامِ والعِبادِ عاجِزُونَ عَنْهُ، والمُحالُ الَّذِي لا مَجالَ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ ولا مَدْخَلَ لَها فِيهِ كَثانِي القَدِيمِ فَلا يُقالُ لِلْفاعِلِ قَدْ عَجَزَ عَنْهُ ولا هو مُعْجِزٌ، ولَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَجازَ وصْفُ (p-٧٩)اللَّهِ بِالعَجْزِ؛ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ عَلى المُحالِ إلّا أنْ يُكابِرُوا فَيَقُولُوا: هو قادِرٌ عَلى المُحالِ فَإنَّ رَأْسَ مالِهِمُ المُكابَرَةُ، وقَلْبُ الحَقائِقِ. انْتَهى. وتَكَرَّرَ لَفْظُ (مِثْلِ) في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ والتَّوْضِيحِ، وأنَّ المُرادَ مِنهم (أنْ يَأْتُوا) بِمِثْلِهِ إذْ قَدْ يُرادُ بِمِثْلِ الشَّيْءِ في مَوْضِعِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ، فَبَيَّنَ بِتَكْرارِ (بِمِثْلِهِ) ولَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ ﴿لا يَأْتُونَ﴾ بِهِ رَفْعًا لِهَذا الِاحْتِمالِ، وأنَّ المَطْلُوبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِالمِثْلِ لا أنْ يَأْتُوا بِالقُرْآنِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى عَجْزَ الإنْسِ والجِنِّ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ نَبَّهَ عَلى فَضْلِهِ تَعالى بِما رَدَّدَ فِيهِ، وضَرَبَ مِنَ الأمْثالِ والعِبَرِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ تَعالى، ومَعَ كَثْرَةِ ما رَدَّدَ مِنَ الأمْثِلَةِ وأسْبَغَ مِنَ النِّعَمِ لَمْ يَكُونُوا إلّا كافِرِينَ بِهِ وبِنِعَمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صَرَّفْنا) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ والحَسَنُ بِتَخْفِيفِها، والظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ (صَرَّفْنا) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ البَيِّناتُ والعِبَرُ و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً زائِدَةً لِلتَّقْدِيرِ، ولَقَدْ (صَرَّفْنا) (كُلِّ مَثَلٍ) . انْتَهى. يَعْنِي فَيَكُونُ مَفْعُولُ (صَرَّفْنا) (كُلِّ مَثَلٍ) وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ لا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَثَلِ هو القَوْلُ الغَرِيبُ السّائِرُ في الآفاقِ، والقُرْآنُ مَلْآنُ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن كُلِّ مَثَلٍ) مِن كُلِّ مَعْنًى هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ وحُسْنِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: (مِن كُلِّ مَثَلٍ) إشارَةٌ إلى التَّحَدِّي بِهِ بِالجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ كالتَّحَدِّي بِكُلِّ القُرْآنِ كالَّذِي هُنا، وبِسُورَةٍ مِثْلِهِ وبِكَلامٍ مِن سُورَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] ومَعَ ظُهُورِ عَجْزِهِمْ أبَوْا (إلّا كُفُورًا) . انْتَهى مُلَخَّصًا. وقِيلَ: (مِن كُلِّ مَثَلٍ) مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وأنْباءِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وذِكْرِ الجَنَّةِ والنّارِ وأكْثَرِ النّاسِ. قِيلَ: مَن كانَ في عَهْدِ الرَّسُولِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ وهو الظّاهِرُ بِدَلِيلِ ما أتى بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ وتَقَدَّمَ القَوْلُ في دُخُولِ (إلّا) بَعْدَ (أبى) في سُورَةِ بَراءَةٌ. ورُوِيَ في مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أخْبارٌ مُطَوَّلَةٌ هي في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ مُلَخَّصُها أنَّ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا وسَيَّرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا جاءَ إلَيْهِمْ جَرَتْ بَيْنَهم مُحاوَراتٌ في تَرْكِ دِينِهِمْ وطَلَبِهِ مِنهم أنْ يُوَحِّدُوا ويَعْبُدُوا اللَّهَ فَأرْغَبُوهُ بِالمالِ والرِّئاسَةِ والمُلْكِ فَأبى، فَقالَ: «لَسْتُ أطْلُبُ ذَلِكَ» . فاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ السِّتَّ الآياتِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ هُنا، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا تَحَدّاهم بِأنَّ ﴿يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ فَتَبَيَّنَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ وإعْجازُهُ، وانْضَمَّتْ إلَيْهِ مُعْجِزاتٌ أُخَرُ وبَيِّناتٌ واضِحَةٌ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وغُلِبُوا أخَذُوا يَتَعَلَّلُونَ بِاقْتِراحِ آياتِ فِعْلِ الحائِرِ المَبْهُوتِ المَحْجُوجِ، فَقالُوا ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: ﴿تَفْجُرَ﴾ مِن فَجَرَ مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ مِن فَجَّرَ مُشَدَّدًا، والتَّضْعِيفُ لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ، والأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ مِن أفْجَرَ رُباعِيًّا وهي لُغَةٌ في فَجَّرَ الأرْضُ هُنا أرْضُ مَكَّةَ وهي الأرْضُ الَّتِي فِيها تَصَرُّفُ العالَمِينَ ومَعاشُهم، رُوِيَ عَنْهم أنَّهم قالُوا لَهُ: أزِلْ جِبالَ مَكَّةَ وفَجِّرْ لَنا ﴿يَنْبُوعًا﴾ حَتّى يَسْهُلَ عَلَيْنا الحَرْثُ والزَّرْعُ، وأحْيِي لَنا قُصَيًّا؛ فَإنَّهُ كانَ صَدُوقًا يُخْبِرُنا عَنْ صِدْقِكَ اقْتَرَحُوا لَهم أوَّلًا هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ اقْتَرَحُوا أُخْرى لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ (تَكُونَ) لَهُ ﴿جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ﴾ وهُما كانا الغالِبَ عَلى بِلادِهِمْ، ومِن أعْظَمِ ما يَقْتَنُونَ، ومَعْنى (خِلالَها) أيْ: وسَطَ تِلْكَ الجَنَّةِ وأثْناءَها. فَتَسْقِي ذَلِكَ النَّخْلَ وتِلْكَ الكُرُومَ، وانْتَصَبَ (خِلالَها) عَلى الظَّرْفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُسْقِطَ) بِتاءِ الخِطابِ مُضارِعُ أسْقَطَ السَّماءَ نَصْبًا، ومُجاهِدٌ بِياءِ الغَيْبَةِ مُضارِعُ سَقَطَ السَّماءُ رَفْعًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كِسْفًا) بِسُكُونِ السِّينِ وباقِي السَّبْعَةِ بِفَتْحِها. وقَوْلُهم: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبإ: ٩] . وقِيلَ: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ إنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ. وقِيلَ: هو ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ (أفَأمِنتُمْ أنْ نَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ نُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا) . قالَ أبُو عَلِيٍّ: ﴿قَبِيلًا﴾ مُعايَنَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] .
(p-٨٠)وقالَ غَيْرُهُ: ﴿قَبِيلًا﴾ كَفِيلًا مِن تَقَبَّلَهُ بِكَذا كَفَلَهُ، والقَبِيلُ والزَّعِيمُ والكَفِيلُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَفِيلًا بِما تَقُولُ شاهِدًا لِصِحَّتِهِ، والمَعْنى أوْ تَأْتِي بِاللَّهِ ﴿قَبِيلًا﴾ والمَلائِكَةِ ﴿قَبِيلًا﴾ كَقَوْلِهِ:
؎كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي بَرِّيًّا وإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
أيْ: مُقابِلًا كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ ونَحْوَهُ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] أوْ جَماعَةً حالًا مِنَ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ قُبُلًا مِنَ المُقابَلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن زُخْرُفٍ﴾ وعَبْدُ اللَّهِ مِن ذَهَبٍ، ولا تُحْمَلُ عَلى أنَّها قِراءَةٌ لِمُخالَفَةِ السَّوادِ وإنَّما هي تَفْسِيرٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُنّا لا نَدْرِي ما الزُّخْرُفُ حَتّى رَأيْتُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ مِن ذَهَبٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الزُّخْرُفُ الزِّينَةُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الزُّخْرُفِ.
﴿وفِي السَّماءِ﴾ [الذاريات: ٢٢] عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: في مَعارِجِ السَّماءِ. والظّاهِرُ أنَّ (السَّماءِ) هُنا هي المُظِلَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ إلى مَكانٍ عالٍ وكُلُّ ما عَلا وارْتَفَعَ يُسَمّى سَماءً. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ يُسَمّى سَماءً كُلُّ مُرْتَفِعٍ ∗∗∗ وإنَّما الفَضْلُ حَيْثُ الشَّمْسُ والقَمَرُ
قِيلَ: وقائِلُ هَذِهِ هو ابْنُ أبِي أُمَيَّةَ، قالَ: لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى تَضَعَ عَلى السَّماءِ سُلَّمًا ثُمَّ تَرْقى فِيهِ، وأنا أنْظُرُ حَتّى تَأْتِيَها ثُمَّ تَأْتِي مَعَكَ بِصَكٍّ مَنشُورٍ، مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ أُولَئِكَ الصَّنادِيدِ، قالُوا ذَلِكَ وغَيَّوْا إيمانَهم بِحُصُولِ واحِدٍ مِن هَذِهِ المُقْتَرَحاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ اقْتَرَحَ واحِدًا مِنها ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ لِرِضاهم بِهِ، أوْ تَكُونُ (أوْ) فِيها لِلتَّفْضِيلِ أيْ: قالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُقالَةً مَخْصُوصَةً مِنها، وما اكْتَفَوْا بِالتَّغْيِيَةِ بِالرُّقِيِّ (في السَّماءِ) حَتّى غَيُّوا ذَلِكَ بِأنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ (كِتابًا) يَقْرَءُونَهُ، ولَمّا تَضَمَّنَ اقْتِراحُهم ما هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وهو أنْ يَأْتِيَ ﴿بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ أمَرَهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، ومِن أنْ يُقْتَرَحَ عَلَيْهِ ما ذَكَرْتُمْ، فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أيْ: ما كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا أيْ: مِنَ اللَّهِ إلَيْكم لا مُقْتَرِحًا عَلَيْهِ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ الآياتِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانُوا يَقْصِدُونَ بِهَذِهِ الِاقْتِراحاتِ إلّا العِنادَ واللَّجاجَ، ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ لَقالُوا هَذا سِحْرٌ، كَما قالَ عِزَّ وعَلا: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧]، ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر: ١٤] وحِينَ أنْكَرُوا الآيَةَ الباقِيَةَ، الَّتِي هي القُرْآنُ وسائِرُ الآياتِ، ولَيْسَتْ بِدُونِ ما اقْتَرَحُوهُ، بَلْ هي أعْظَمُ لَمْ يَكُنِ. انْتَهى. وشَقُّ القَمَرِ أعْظَمُ مِن شَقِّ الأرْضِ ونَبْعُ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ أعْظَمُ مِن نَبَعِ الماءِ مِنَ الحَجَرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (قالَ سُبْحانَ رَبِّي) عَلى الخَبَرِ تَعَجَّبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اقْتِراحاتِهِمْ عَلَيْهِ، ونَزَّهَ رَبَّهُ عَمّا جَوَّزُوا عَلَيْهِ مِنَ الإتْيانِ والِانْتِقالِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ مُسْتَحِيلٌ ﴿هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا﴾ مِثْلَهم (رَسُولًا) والرُّسُلُ لا تَأْتِي إلّا بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ، ولَيْسَ أمْرُها إلَيْهِمْ إنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ.
الإسراء 17:89
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْعامَهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ بِالنُّبُوَّةِ وبِإنْزالِ وحْيِهِ عَلَيْهِ وباهِرَ قُدْرَتِهِ بِأنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ لَذَهَبَ بِالقُرْآنِ، ذَكَرَ ما مَنَحَهُ تَعالى مِنَ الدَّلِيلِ عَلى نَبُّوتِهِ الباقِي بَقاءَ الدَّهْرِ، وهو القُرْآنُ الَّذِي عَجَزَ العالَمُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وأنَّهُ مِن أكْبَرِ النِّعَمِ والفَضْلِ الَّذِي أبْقى لَهُ ذِكْرًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ ورَفَعَ لَهُ قَدْرًا بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإذا كانَ فُصَحاءُ اللِّسانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ وبُلَغاؤُهم عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِثْلِهِ فَلَأنْ يَكُونُوا أعْجَزَ عَنْ ﴿أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ﴾ جَمِيعِهِ، ولَوْ تَعاوَنَ الثَّقَلانِ عَلَيْهِ ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ﴾ الجِنُّ تَفْعَلُ أفْعالًا مُسْتَغْرَبَةً كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قِصَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُدْرِجُوا مَعَ الإنْسِ في التَّعْجِيزِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في العَجْزِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ مُنْدَرِجِينَ تَحْتَ لَفْظِ الجِنِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ هَذا الِاسْمُ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وإنْ كانَ الأكْثَرُ اسْتِعْمالَهُ في غَيْرِ المَلائِكَةِ مِنَ الأشْكالِ الجِنِّيَّةِ المُسْتَتِرِينَ عَنْ أبْصارِ الإنْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الجِنَّ هُنا؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى الإنْسِ والجِنِّ فَوَقَعَ التَّعْجِيزُ لِلثَّقَلَيْنِ مَعًا لِذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِن (p-٧٨)قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: جِئْنا بِآيَةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرَ هَذا القُرْآنِ فَإنّا نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى المَجِيءِ بِمِثْلِ هَذا، فَنَزَلَتْ (ولا يَأْتُونَ) جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ اللّامِ المُوَطِّئَةِ في (لَئِنْ) وهي الدّاخِلَةُ عَلى الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢] فالجَوابُ في نَحْوِ هَذا لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ لا لِلشَّرْطِ، ولِذَلِكَ جاءَ مَرْفُوعًا. فَأمّا قَوْلُ الأعْشى:
؎لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عَنْ غِبِّ مَعْرَكَةٍ لَأتْلَفْنا عَنْ دِماءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ
فاللّامُ في (لَئِنْ) زائِدَةٌ ولَيْسَتْ مُوَطِّئَةً لِقَسَمٍ قَبْلَها، فَلِذَلِكَ جَزَمَ في قَوْلِهِ: لَأتْلَفْنا وقَدِ احْتَجَّ بِهَذا ونَحْوِهِ الفَرّاءُ في زَعْمِهِ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ القَسَمُ والشَّرْطُ، وتَقَدَّمَ القَسَمُ ولَمْ يَسْبِقْهُما ذُو خَبَرٍ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ لِلْقَسَمِ وهو الأكْثَرُ ولِلشَّرْطِ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ يُحَتِّمُ الجَوابَ لِلْقَسَمِ خاصَّةً. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ هُنا فَصْلًا حَسَنًا في ذِكْرِ الإعْجازِ نَقَلْناهُ بِقِصَّتِهِ. قالَ: وفَهِمَتِ العَرَبُ بِخُلُوصِ فَهْمِها في مَيْزِ الكَلامِ ودِرْيَتِها بِهِ ما لا نَفْهَمُهُ نَحْنُ ولا كُلُّ مَن خالَطَتْهُ حَضارَةٌ، فَفَهِمُوا العَجْزَ عَنْهُ ضَرُورَةً، وشاهَدَهُ وعَلِمَهُ النّاسُ بَعْدَهُمُ اسْتِدْلالًا ونَظَرًا، ولِكُلٍّ حَصَلَ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ لَكِنْ لَيْسَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وهَذا كَما عَلِمَتِ الصَّحابَةُ شَرْعَ النَّبِيِّ ﷺ وأعْمالَهُ ومَشاهِدَهُ عِلْمَ ضَرُورَةٍ، وعَلِمْنا نَحْنُ المُتَواتِرَ مِن ذَلِكَ بِنَقْلِ التَّواتُرِ فَحَصَلَ لِلْجَمِيعِ القَطْعُ لَكِنْ في مَرْتَبَتَيْنِ، وفَهِمَ إعْجازَ القُرْآنِ أرْبابُ الفَصاحَةِ الَّذِينَ لَهم غَرائِبُ في مَيْزِ الكَلامِ، ألا تَرى إلى فَهْمِ الفَرَزْدَقِ شِعْرَ جَرِيرٍ وذِي الرُّمَّةِ في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
؎عَلامَ تَلْفِتِينَ وأنْتِ تَحْتِي
وفِي قَوْلِ جَرِيرٍ:
؎تَلْفِتُ إنَّها تَحْتَ ابْنِ قَيْنٍ
وألا تَرى قَوْلَ الأعْرابِيِّ: عَزَّ فَحَكَمَ فَقَطَعَ، وألا تَرى إلى الِاسْتِدْلالِ الآخَرِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] فَقالَ: إنَّ الزِّيارَةَ تَقْتَضِي الِانْصِرافَ، ومِنهُ عَلِمَ بَشّارٌ بِقَوْلِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ في شِعْرِ الأعْشى:
؎وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ لِلْأصْمَعِيِّ.
؎مَن أحْوَجَ الكَرِيمَ أنْ يُقْسِمَ
فَهم مَعَ هَذِهِ الأفْهامِ أقَرُّوا بِالعَجْزِ، ولَجَأ النِّجادُ مِنهم إلى السَّيْفِ ورَضِيَ بِالقَتْلِ والسِّباءِ وكَشْفِ الحُرُمِ وهو كانَ يَجِدُ المَندُوحَةَ عَنْ ذَلِكَ بِالمُعارَضَةِ. انْتَهى. ما اقْتَصَرْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِهِ وكانَ قَدْ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: والعَجْزُ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في النَّظْمِ، وعِلَّةُ ذَلِكَ الإحاطَةُ الَّتِي لا يَتَّصِفُ بِها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والبَشَرُ مُقَصِّرٌ ضَرُورَةً بِالجَهْلِ والنِّسْيانِ والغَفْلَةِ وأنْواعِ النَّقْصِ، فَإذا نَظَمَ كَلِمَةً خَفِيَ عَنْهُ العِلَلُ الَّتِي ذَكَرْنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ولا يَأْتُونَ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولَوْلا اللّامُ المُوَطِّئَةُ لَجازَ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ:
؎يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ
لِأنَّ الشَّرْطَ وقَعَ ماضِيًا. انْتَهى يَعْنِي بِالشَّرْطِ قَوْلَهُ، وهو صَدْرُ البَيْتِ:
؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ
فَأتاهُ فِعْلٌ ماضٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ أداةُ الشَّرْطِ فَخَلَّصَتْهُ لِلِاسْتِقْبالِ، وأفْهَمَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَقُولَ: وإنْ كانَ مَرْفُوعًا هو جَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي هو وإنْ أتاهُ، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ هو مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ ولِمَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والمُبَرِّدِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ وهو أنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا وبَعْدَهُ مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ أنَّ ذَلِكَ المُضارِعَ هو عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ والمُبَرِّدِ أنَّهُ الجَوابُ لَكِنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، ومَذْهَبٌ ثالِثٌ وهو أنَّهُ هو جَوابُ الشَّرْطِ، وهو الَّذِي قالَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والعَجَبُ مِنَ المَذاهِبِ ومِن زَعْمِهِمْ أنَّ القُرْآنَ قَدِيمٌ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ مُعْجِزٌ، وإنَّما يَكُونُ المُعْجِزُ حَيْثُ تَكُونُ القُدْرَةُ فَيُقالُ: اللَّهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الأجْسامِ والعِبادِ عاجِزُونَ عَنْهُ، والمُحالُ الَّذِي لا مَجالَ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ ولا مَدْخَلَ لَها فِيهِ كَثانِي القَدِيمِ فَلا يُقالُ لِلْفاعِلِ قَدْ عَجَزَ عَنْهُ ولا هو مُعْجِزٌ، ولَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَجازَ وصْفُ (p-٧٩)اللَّهِ بِالعَجْزِ؛ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ عَلى المُحالِ إلّا أنْ يُكابِرُوا فَيَقُولُوا: هو قادِرٌ عَلى المُحالِ فَإنَّ رَأْسَ مالِهِمُ المُكابَرَةُ، وقَلْبُ الحَقائِقِ. انْتَهى. وتَكَرَّرَ لَفْظُ (مِثْلِ) في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ والتَّوْضِيحِ، وأنَّ المُرادَ مِنهم (أنْ يَأْتُوا) بِمِثْلِهِ إذْ قَدْ يُرادُ بِمِثْلِ الشَّيْءِ في مَوْضِعِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ، فَبَيَّنَ بِتَكْرارِ (بِمِثْلِهِ) ولَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ ﴿لا يَأْتُونَ﴾ بِهِ رَفْعًا لِهَذا الِاحْتِمالِ، وأنَّ المَطْلُوبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِالمِثْلِ لا أنْ يَأْتُوا بِالقُرْآنِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى عَجْزَ الإنْسِ والجِنِّ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ نَبَّهَ عَلى فَضْلِهِ تَعالى بِما رَدَّدَ فِيهِ، وضَرَبَ مِنَ الأمْثالِ والعِبَرِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ تَعالى، ومَعَ كَثْرَةِ ما رَدَّدَ مِنَ الأمْثِلَةِ وأسْبَغَ مِنَ النِّعَمِ لَمْ يَكُونُوا إلّا كافِرِينَ بِهِ وبِنِعَمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صَرَّفْنا) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ والحَسَنُ بِتَخْفِيفِها، والظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ (صَرَّفْنا) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ البَيِّناتُ والعِبَرُ و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً زائِدَةً لِلتَّقْدِيرِ، ولَقَدْ (صَرَّفْنا) (كُلِّ مَثَلٍ) . انْتَهى. يَعْنِي فَيَكُونُ مَفْعُولُ (صَرَّفْنا) (كُلِّ مَثَلٍ) وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ لا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَثَلِ هو القَوْلُ الغَرِيبُ السّائِرُ في الآفاقِ، والقُرْآنُ مَلْآنُ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن كُلِّ مَثَلٍ) مِن كُلِّ مَعْنًى هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ وحُسْنِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: (مِن كُلِّ مَثَلٍ) إشارَةٌ إلى التَّحَدِّي بِهِ بِالجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ كالتَّحَدِّي بِكُلِّ القُرْآنِ كالَّذِي هُنا، وبِسُورَةٍ مِثْلِهِ وبِكَلامٍ مِن سُورَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] ومَعَ ظُهُورِ عَجْزِهِمْ أبَوْا (إلّا كُفُورًا) . انْتَهى مُلَخَّصًا. وقِيلَ: (مِن كُلِّ مَثَلٍ) مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وأنْباءِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وذِكْرِ الجَنَّةِ والنّارِ وأكْثَرِ النّاسِ. قِيلَ: مَن كانَ في عَهْدِ الرَّسُولِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ وهو الظّاهِرُ بِدَلِيلِ ما أتى بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ وتَقَدَّمَ القَوْلُ في دُخُولِ (إلّا) بَعْدَ (أبى) في سُورَةِ بَراءَةٌ. ورُوِيَ في مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أخْبارٌ مُطَوَّلَةٌ هي في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ مُلَخَّصُها أنَّ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا وسَيَّرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا جاءَ إلَيْهِمْ جَرَتْ بَيْنَهم مُحاوَراتٌ في تَرْكِ دِينِهِمْ وطَلَبِهِ مِنهم أنْ يُوَحِّدُوا ويَعْبُدُوا اللَّهَ فَأرْغَبُوهُ بِالمالِ والرِّئاسَةِ والمُلْكِ فَأبى، فَقالَ: «لَسْتُ أطْلُبُ ذَلِكَ» . فاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ السِّتَّ الآياتِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ هُنا، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا تَحَدّاهم بِأنَّ ﴿يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ فَتَبَيَّنَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ وإعْجازُهُ، وانْضَمَّتْ إلَيْهِ مُعْجِزاتٌ أُخَرُ وبَيِّناتٌ واضِحَةٌ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وغُلِبُوا أخَذُوا يَتَعَلَّلُونَ بِاقْتِراحِ آياتِ فِعْلِ الحائِرِ المَبْهُوتِ المَحْجُوجِ، فَقالُوا ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: ﴿تَفْجُرَ﴾ مِن فَجَرَ مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ مِن فَجَّرَ مُشَدَّدًا، والتَّضْعِيفُ لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ، والأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ مِن أفْجَرَ رُباعِيًّا وهي لُغَةٌ في فَجَّرَ الأرْضُ هُنا أرْضُ مَكَّةَ وهي الأرْضُ الَّتِي فِيها تَصَرُّفُ العالَمِينَ ومَعاشُهم، رُوِيَ عَنْهم أنَّهم قالُوا لَهُ: أزِلْ جِبالَ مَكَّةَ وفَجِّرْ لَنا ﴿يَنْبُوعًا﴾ حَتّى يَسْهُلَ عَلَيْنا الحَرْثُ والزَّرْعُ، وأحْيِي لَنا قُصَيًّا؛ فَإنَّهُ كانَ صَدُوقًا يُخْبِرُنا عَنْ صِدْقِكَ اقْتَرَحُوا لَهم أوَّلًا هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ اقْتَرَحُوا أُخْرى لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ (تَكُونَ) لَهُ ﴿جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ﴾ وهُما كانا الغالِبَ عَلى بِلادِهِمْ، ومِن أعْظَمِ ما يَقْتَنُونَ، ومَعْنى (خِلالَها) أيْ: وسَطَ تِلْكَ الجَنَّةِ وأثْناءَها. فَتَسْقِي ذَلِكَ النَّخْلَ وتِلْكَ الكُرُومَ، وانْتَصَبَ (خِلالَها) عَلى الظَّرْفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُسْقِطَ) بِتاءِ الخِطابِ مُضارِعُ أسْقَطَ السَّماءَ نَصْبًا، ومُجاهِدٌ بِياءِ الغَيْبَةِ مُضارِعُ سَقَطَ السَّماءُ رَفْعًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كِسْفًا) بِسُكُونِ السِّينِ وباقِي السَّبْعَةِ بِفَتْحِها. وقَوْلُهم: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبإ: ٩] . وقِيلَ: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ إنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ. وقِيلَ: هو ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ (أفَأمِنتُمْ أنْ نَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ نُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا) . قالَ أبُو عَلِيٍّ: ﴿قَبِيلًا﴾ مُعايَنَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] .
(p-٨٠)وقالَ غَيْرُهُ: ﴿قَبِيلًا﴾ كَفِيلًا مِن تَقَبَّلَهُ بِكَذا كَفَلَهُ، والقَبِيلُ والزَّعِيمُ والكَفِيلُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَفِيلًا بِما تَقُولُ شاهِدًا لِصِحَّتِهِ، والمَعْنى أوْ تَأْتِي بِاللَّهِ ﴿قَبِيلًا﴾ والمَلائِكَةِ ﴿قَبِيلًا﴾ كَقَوْلِهِ:
؎كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي بَرِّيًّا وإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
أيْ: مُقابِلًا كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ ونَحْوَهُ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] أوْ جَماعَةً حالًا مِنَ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ قُبُلًا مِنَ المُقابَلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن زُخْرُفٍ﴾ وعَبْدُ اللَّهِ مِن ذَهَبٍ، ولا تُحْمَلُ عَلى أنَّها قِراءَةٌ لِمُخالَفَةِ السَّوادِ وإنَّما هي تَفْسِيرٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُنّا لا نَدْرِي ما الزُّخْرُفُ حَتّى رَأيْتُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ مِن ذَهَبٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الزُّخْرُفُ الزِّينَةُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الزُّخْرُفِ.
﴿وفِي السَّماءِ﴾ [الذاريات: ٢٢] عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: في مَعارِجِ السَّماءِ. والظّاهِرُ أنَّ (السَّماءِ) هُنا هي المُظِلَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ إلى مَكانٍ عالٍ وكُلُّ ما عَلا وارْتَفَعَ يُسَمّى سَماءً. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ يُسَمّى سَماءً كُلُّ مُرْتَفِعٍ ∗∗∗ وإنَّما الفَضْلُ حَيْثُ الشَّمْسُ والقَمَرُ
قِيلَ: وقائِلُ هَذِهِ هو ابْنُ أبِي أُمَيَّةَ، قالَ: لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى تَضَعَ عَلى السَّماءِ سُلَّمًا ثُمَّ تَرْقى فِيهِ، وأنا أنْظُرُ حَتّى تَأْتِيَها ثُمَّ تَأْتِي مَعَكَ بِصَكٍّ مَنشُورٍ، مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ أُولَئِكَ الصَّنادِيدِ، قالُوا ذَلِكَ وغَيَّوْا إيمانَهم بِحُصُولِ واحِدٍ مِن هَذِهِ المُقْتَرَحاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ اقْتَرَحَ واحِدًا مِنها ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ لِرِضاهم بِهِ، أوْ تَكُونُ (أوْ) فِيها لِلتَّفْضِيلِ أيْ: قالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُقالَةً مَخْصُوصَةً مِنها، وما اكْتَفَوْا بِالتَّغْيِيَةِ بِالرُّقِيِّ (في السَّماءِ) حَتّى غَيُّوا ذَلِكَ بِأنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ (كِتابًا) يَقْرَءُونَهُ، ولَمّا تَضَمَّنَ اقْتِراحُهم ما هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وهو أنْ يَأْتِيَ ﴿بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ أمَرَهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، ومِن أنْ يُقْتَرَحَ عَلَيْهِ ما ذَكَرْتُمْ، فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أيْ: ما كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا أيْ: مِنَ اللَّهِ إلَيْكم لا مُقْتَرِحًا عَلَيْهِ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ الآياتِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانُوا يَقْصِدُونَ بِهَذِهِ الِاقْتِراحاتِ إلّا العِنادَ واللَّجاجَ، ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ لَقالُوا هَذا سِحْرٌ، كَما قالَ عِزَّ وعَلا: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧]، ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر: ١٤] وحِينَ أنْكَرُوا الآيَةَ الباقِيَةَ، الَّتِي هي القُرْآنُ وسائِرُ الآياتِ، ولَيْسَتْ بِدُونِ ما اقْتَرَحُوهُ، بَلْ هي أعْظَمُ لَمْ يَكُنِ. انْتَهى. وشَقُّ القَمَرِ أعْظَمُ مِن شَقِّ الأرْضِ ونَبْعُ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ أعْظَمُ مِن نَبَعِ الماءِ مِنَ الحَجَرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (قالَ سُبْحانَ رَبِّي) عَلى الخَبَرِ تَعَجَّبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اقْتِراحاتِهِمْ عَلَيْهِ، ونَزَّهَ رَبَّهُ عَمّا جَوَّزُوا عَلَيْهِ مِنَ الإتْيانِ والِانْتِقالِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ مُسْتَحِيلٌ ﴿هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا﴾ مِثْلَهم (رَسُولًا) والرُّسُلُ لا تَأْتِي إلّا بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ، ولَيْسَ أمْرُها إلَيْهِمْ إنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ.
الإسراء 17:90
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْعامَهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ بِالنُّبُوَّةِ وبِإنْزالِ وحْيِهِ عَلَيْهِ وباهِرَ قُدْرَتِهِ بِأنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ لَذَهَبَ بِالقُرْآنِ، ذَكَرَ ما مَنَحَهُ تَعالى مِنَ الدَّلِيلِ عَلى نَبُّوتِهِ الباقِي بَقاءَ الدَّهْرِ، وهو القُرْآنُ الَّذِي عَجَزَ العالَمُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وأنَّهُ مِن أكْبَرِ النِّعَمِ والفَضْلِ الَّذِي أبْقى لَهُ ذِكْرًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ ورَفَعَ لَهُ قَدْرًا بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإذا كانَ فُصَحاءُ اللِّسانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ وبُلَغاؤُهم عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِثْلِهِ فَلَأنْ يَكُونُوا أعْجَزَ عَنْ ﴿أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ﴾ جَمِيعِهِ، ولَوْ تَعاوَنَ الثَّقَلانِ عَلَيْهِ ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ﴾ الجِنُّ تَفْعَلُ أفْعالًا مُسْتَغْرَبَةً كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قِصَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُدْرِجُوا مَعَ الإنْسِ في التَّعْجِيزِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في العَجْزِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ مُنْدَرِجِينَ تَحْتَ لَفْظِ الجِنِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ هَذا الِاسْمُ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وإنْ كانَ الأكْثَرُ اسْتِعْمالَهُ في غَيْرِ المَلائِكَةِ مِنَ الأشْكالِ الجِنِّيَّةِ المُسْتَتِرِينَ عَنْ أبْصارِ الإنْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الجِنَّ هُنا؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى الإنْسِ والجِنِّ فَوَقَعَ التَّعْجِيزُ لِلثَّقَلَيْنِ مَعًا لِذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِن (p-٧٨)قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: جِئْنا بِآيَةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرَ هَذا القُرْآنِ فَإنّا نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى المَجِيءِ بِمِثْلِ هَذا، فَنَزَلَتْ (ولا يَأْتُونَ) جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ اللّامِ المُوَطِّئَةِ في (لَئِنْ) وهي الدّاخِلَةُ عَلى الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢] فالجَوابُ في نَحْوِ هَذا لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ لا لِلشَّرْطِ، ولِذَلِكَ جاءَ مَرْفُوعًا. فَأمّا قَوْلُ الأعْشى:
؎لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عَنْ غِبِّ مَعْرَكَةٍ لَأتْلَفْنا عَنْ دِماءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ
فاللّامُ في (لَئِنْ) زائِدَةٌ ولَيْسَتْ مُوَطِّئَةً لِقَسَمٍ قَبْلَها، فَلِذَلِكَ جَزَمَ في قَوْلِهِ: لَأتْلَفْنا وقَدِ احْتَجَّ بِهَذا ونَحْوِهِ الفَرّاءُ في زَعْمِهِ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ القَسَمُ والشَّرْطُ، وتَقَدَّمَ القَسَمُ ولَمْ يَسْبِقْهُما ذُو خَبَرٍ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ لِلْقَسَمِ وهو الأكْثَرُ ولِلشَّرْطِ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ يُحَتِّمُ الجَوابَ لِلْقَسَمِ خاصَّةً. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ هُنا فَصْلًا حَسَنًا في ذِكْرِ الإعْجازِ نَقَلْناهُ بِقِصَّتِهِ. قالَ: وفَهِمَتِ العَرَبُ بِخُلُوصِ فَهْمِها في مَيْزِ الكَلامِ ودِرْيَتِها بِهِ ما لا نَفْهَمُهُ نَحْنُ ولا كُلُّ مَن خالَطَتْهُ حَضارَةٌ، فَفَهِمُوا العَجْزَ عَنْهُ ضَرُورَةً، وشاهَدَهُ وعَلِمَهُ النّاسُ بَعْدَهُمُ اسْتِدْلالًا ونَظَرًا، ولِكُلٍّ حَصَلَ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ لَكِنْ لَيْسَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وهَذا كَما عَلِمَتِ الصَّحابَةُ شَرْعَ النَّبِيِّ ﷺ وأعْمالَهُ ومَشاهِدَهُ عِلْمَ ضَرُورَةٍ، وعَلِمْنا نَحْنُ المُتَواتِرَ مِن ذَلِكَ بِنَقْلِ التَّواتُرِ فَحَصَلَ لِلْجَمِيعِ القَطْعُ لَكِنْ في مَرْتَبَتَيْنِ، وفَهِمَ إعْجازَ القُرْآنِ أرْبابُ الفَصاحَةِ الَّذِينَ لَهم غَرائِبُ في مَيْزِ الكَلامِ، ألا تَرى إلى فَهْمِ الفَرَزْدَقِ شِعْرَ جَرِيرٍ وذِي الرُّمَّةِ في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
؎عَلامَ تَلْفِتِينَ وأنْتِ تَحْتِي
وفِي قَوْلِ جَرِيرٍ:
؎تَلْفِتُ إنَّها تَحْتَ ابْنِ قَيْنٍ
وألا تَرى قَوْلَ الأعْرابِيِّ: عَزَّ فَحَكَمَ فَقَطَعَ، وألا تَرى إلى الِاسْتِدْلالِ الآخَرِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] فَقالَ: إنَّ الزِّيارَةَ تَقْتَضِي الِانْصِرافَ، ومِنهُ عَلِمَ بَشّارٌ بِقَوْلِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ في شِعْرِ الأعْشى:
؎وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ
ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ لِلْأصْمَعِيِّ.
؎مَن أحْوَجَ الكَرِيمَ أنْ يُقْسِمَ
فَهم مَعَ هَذِهِ الأفْهامِ أقَرُّوا بِالعَجْزِ، ولَجَأ النِّجادُ مِنهم إلى السَّيْفِ ورَضِيَ بِالقَتْلِ والسِّباءِ وكَشْفِ الحُرُمِ وهو كانَ يَجِدُ المَندُوحَةَ عَنْ ذَلِكَ بِالمُعارَضَةِ. انْتَهى. ما اقْتَصَرْنا عَلَيْهِ مِن كَلامِهِ وكانَ قَدْ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: والعَجْزُ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في النَّظْمِ، وعِلَّةُ ذَلِكَ الإحاطَةُ الَّتِي لا يَتَّصِفُ بِها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والبَشَرُ مُقَصِّرٌ ضَرُورَةً بِالجَهْلِ والنِّسْيانِ والغَفْلَةِ وأنْواعِ النَّقْصِ، فَإذا نَظَمَ كَلِمَةً خَفِيَ عَنْهُ العِلَلُ الَّتِي ذَكَرْنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ولا يَأْتُونَ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولَوْلا اللّامُ المُوَطِّئَةُ لَجازَ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ:
؎يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ
لِأنَّ الشَّرْطَ وقَعَ ماضِيًا. انْتَهى يَعْنِي بِالشَّرْطِ قَوْلَهُ، وهو صَدْرُ البَيْتِ:
؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ
فَأتاهُ فِعْلٌ ماضٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ أداةُ الشَّرْطِ فَخَلَّصَتْهُ لِلِاسْتِقْبالِ، وأفْهَمَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَقُولَ: وإنْ كانَ مَرْفُوعًا هو جَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي هو وإنْ أتاهُ، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ هو مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ ولِمَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والمُبَرِّدِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ وهو أنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا وبَعْدَهُ مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ أنَّ ذَلِكَ المُضارِعَ هو عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ والمُبَرِّدِ أنَّهُ الجَوابُ لَكِنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، ومَذْهَبٌ ثالِثٌ وهو أنَّهُ هو جَوابُ الشَّرْطِ، وهو الَّذِي قالَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والعَجَبُ مِنَ المَذاهِبِ ومِن زَعْمِهِمْ أنَّ القُرْآنَ قَدِيمٌ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ مُعْجِزٌ، وإنَّما يَكُونُ المُعْجِزُ حَيْثُ تَكُونُ القُدْرَةُ فَيُقالُ: اللَّهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الأجْسامِ والعِبادِ عاجِزُونَ عَنْهُ، والمُحالُ الَّذِي لا مَجالَ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ ولا مَدْخَلَ لَها فِيهِ كَثانِي القَدِيمِ فَلا يُقالُ لِلْفاعِلِ قَدْ عَجَزَ عَنْهُ ولا هو مُعْجِزٌ، ولَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَجازَ وصْفُ (p-٧٩)اللَّهِ بِالعَجْزِ؛ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ عَلى المُحالِ إلّا أنْ يُكابِرُوا فَيَقُولُوا: هو قادِرٌ عَلى المُحالِ فَإنَّ رَأْسَ مالِهِمُ المُكابَرَةُ، وقَلْبُ الحَقائِقِ. انْتَهى. وتَكَرَّرَ لَفْظُ (مِثْلِ) في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ والتَّوْضِيحِ، وأنَّ المُرادَ مِنهم (أنْ يَأْتُوا) بِمِثْلِهِ إذْ قَدْ يُرادُ بِمِثْلِ الشَّيْءِ في مَوْضِعِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ، فَبَيَّنَ بِتَكْرارِ (بِمِثْلِهِ) ولَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ ﴿لا يَأْتُونَ﴾ بِهِ رَفْعًا لِهَذا الِاحْتِمالِ، وأنَّ المَطْلُوبَ مِنهم أنْ يَأْتُوا بِالمِثْلِ لا أنْ يَأْتُوا بِالقُرْآنِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى عَجْزَ الإنْسِ والجِنِّ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ نَبَّهَ عَلى فَضْلِهِ تَعالى بِما رَدَّدَ فِيهِ، وضَرَبَ مِنَ الأمْثالِ والعِبَرِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ تَعالى، ومَعَ كَثْرَةِ ما رَدَّدَ مِنَ الأمْثِلَةِ وأسْبَغَ مِنَ النِّعَمِ لَمْ يَكُونُوا إلّا كافِرِينَ بِهِ وبِنِعَمِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (صَرَّفْنا) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ والحَسَنُ بِتَخْفِيفِها، والظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ (صَرَّفْنا) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ البَيِّناتُ والعِبَرُ و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً زائِدَةً لِلتَّقْدِيرِ، ولَقَدْ (صَرَّفْنا) (كُلِّ مَثَلٍ) . انْتَهى. يَعْنِي فَيَكُونُ مَفْعُولُ (صَرَّفْنا) (كُلِّ مَثَلٍ) وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ لا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَثَلِ هو القَوْلُ الغَرِيبُ السّائِرُ في الآفاقِ، والقُرْآنُ مَلْآنُ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن كُلِّ مَثَلٍ) مِن كُلِّ مَعْنًى هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ وحُسْنِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: (مِن كُلِّ مَثَلٍ) إشارَةٌ إلى التَّحَدِّي بِهِ بِالجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ كالتَّحَدِّي بِكُلِّ القُرْآنِ كالَّذِي هُنا، وبِسُورَةٍ مِثْلِهِ وبِكَلامٍ مِن سُورَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] ومَعَ ظُهُورِ عَجْزِهِمْ أبَوْا (إلّا كُفُورًا) . انْتَهى مُلَخَّصًا. وقِيلَ: (مِن كُلِّ مَثَلٍ) مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وأنْباءِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وذِكْرِ الجَنَّةِ والنّارِ وأكْثَرِ النّاسِ. قِيلَ: مَن كانَ في عَهْدِ الرَّسُولِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ وهو الظّاهِرُ بِدَلِيلِ ما أتى بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ وتَقَدَّمَ القَوْلُ في دُخُولِ (إلّا) بَعْدَ (أبى) في سُورَةِ بَراءَةٌ. ورُوِيَ في مَقالَتِهِمْ هَذِهِ أخْبارٌ مُطَوَّلَةٌ هي في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ مُلَخَّصُها أنَّ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا وسَيَّرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا جاءَ إلَيْهِمْ جَرَتْ بَيْنَهم مُحاوَراتٌ في تَرْكِ دِينِهِمْ وطَلَبِهِ مِنهم أنْ يُوَحِّدُوا ويَعْبُدُوا اللَّهَ فَأرْغَبُوهُ بِالمالِ والرِّئاسَةِ والمُلْكِ فَأبى، فَقالَ: «لَسْتُ أطْلُبُ ذَلِكَ» . فاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ السِّتَّ الآياتِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ هُنا، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا تَحَدّاهم بِأنَّ ﴿يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ فَتَبَيَّنَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ وإعْجازُهُ، وانْضَمَّتْ إلَيْهِ مُعْجِزاتٌ أُخَرُ وبَيِّناتٌ واضِحَةٌ فَلَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وغُلِبُوا أخَذُوا يَتَعَلَّلُونَ بِاقْتِراحِ آياتِ فِعْلِ الحائِرِ المَبْهُوتِ المَحْجُوجِ، فَقالُوا ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: ﴿تَفْجُرَ﴾ مِن فَجَرَ مُخَفَّفًا، وباقِي السَّبْعَةِ مِن فَجَّرَ مُشَدَّدًا، والتَّضْعِيفُ لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ، والأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ مِن أفْجَرَ رُباعِيًّا وهي لُغَةٌ في فَجَّرَ الأرْضُ هُنا أرْضُ مَكَّةَ وهي الأرْضُ الَّتِي فِيها تَصَرُّفُ العالَمِينَ ومَعاشُهم، رُوِيَ عَنْهم أنَّهم قالُوا لَهُ: أزِلْ جِبالَ مَكَّةَ وفَجِّرْ لَنا ﴿يَنْبُوعًا﴾ حَتّى يَسْهُلَ عَلَيْنا الحَرْثُ والزَّرْعُ، وأحْيِي لَنا قُصَيًّا؛ فَإنَّهُ كانَ صَدُوقًا يُخْبِرُنا عَنْ صِدْقِكَ اقْتَرَحُوا لَهم أوَّلًا هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ اقْتَرَحُوا أُخْرى لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ (تَكُونَ) لَهُ ﴿جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ﴾ وهُما كانا الغالِبَ عَلى بِلادِهِمْ، ومِن أعْظَمِ ما يَقْتَنُونَ، ومَعْنى (خِلالَها) أيْ: وسَطَ تِلْكَ الجَنَّةِ وأثْناءَها. فَتَسْقِي ذَلِكَ النَّخْلَ وتِلْكَ الكُرُومَ، وانْتَصَبَ (خِلالَها) عَلى الظَّرْفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تُسْقِطَ) بِتاءِ الخِطابِ مُضارِعُ أسْقَطَ السَّماءَ نَصْبًا، ومُجاهِدٌ بِياءِ الغَيْبَةِ مُضارِعُ سَقَطَ السَّماءُ رَفْعًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كِسْفًا) بِسُكُونِ السِّينِ وباقِي السَّبْعَةِ بِفَتْحِها. وقَوْلُهم: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبإ: ٩] . وقِيلَ: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ إنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ. وقِيلَ: هو ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ (أفَأمِنتُمْ أنْ نَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ نُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا) . قالَ أبُو عَلِيٍّ: ﴿قَبِيلًا﴾ مُعايَنَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] .
(p-٨٠)وقالَ غَيْرُهُ: ﴿قَبِيلًا﴾ كَفِيلًا مِن تَقَبَّلَهُ بِكَذا كَفَلَهُ، والقَبِيلُ والزَّعِيمُ والكَفِيلُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَفِيلًا بِما تَقُولُ شاهِدًا لِصِحَّتِهِ، والمَعْنى أوْ تَأْتِي بِاللَّهِ ﴿قَبِيلًا﴾ والمَلائِكَةِ ﴿قَبِيلًا﴾ كَقَوْلِهِ:
؎كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي بَرِّيًّا وإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
أيْ: مُقابِلًا كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ ونَحْوَهُ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] أوْ جَماعَةً حالًا مِنَ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الأعْرَجُ قُبُلًا مِنَ المُقابَلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن زُخْرُفٍ﴾ وعَبْدُ اللَّهِ مِن ذَهَبٍ، ولا تُحْمَلُ عَلى أنَّها قِراءَةٌ لِمُخالَفَةِ السَّوادِ وإنَّما هي تَفْسِيرٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُنّا لا نَدْرِي ما الزُّخْرُفُ حَتّى رَأيْتُ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ مِن ذَهَبٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الزُّخْرُفُ الزِّينَةُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الزُّخْرُفِ.
﴿وفِي السَّماءِ﴾ [الذاريات: ٢٢] عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: في مَعارِجِ السَّماءِ. والظّاهِرُ أنَّ (السَّماءِ) هُنا هي المُظِلَّةُ، وقِيلَ: المُرادُ إلى مَكانٍ عالٍ وكُلُّ ما عَلا وارْتَفَعَ يُسَمّى سَماءً. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وقَدْ يُسَمّى سَماءً كُلُّ مُرْتَفِعٍ ∗∗∗ وإنَّما الفَضْلُ حَيْثُ الشَّمْسُ والقَمَرُ
قِيلَ: وقائِلُ هَذِهِ هو ابْنُ أبِي أُمَيَّةَ، قالَ: لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى تَضَعَ عَلى السَّماءِ سُلَّمًا ثُمَّ تَرْقى فِيهِ، وأنا أنْظُرُ حَتّى تَأْتِيَها ثُمَّ تَأْتِي مَعَكَ بِصَكٍّ مَنشُورٍ، مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ أُولَئِكَ الصَّنادِيدِ، قالُوا ذَلِكَ وغَيَّوْا إيمانَهم بِحُصُولِ واحِدٍ مِن هَذِهِ المُقْتَرَحاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ اقْتَرَحَ واحِدًا مِنها ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ لِرِضاهم بِهِ، أوْ تَكُونُ (أوْ) فِيها لِلتَّفْضِيلِ أيْ: قالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُقالَةً مَخْصُوصَةً مِنها، وما اكْتَفَوْا بِالتَّغْيِيَةِ بِالرُّقِيِّ (في السَّماءِ) حَتّى غَيُّوا ذَلِكَ بِأنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ (كِتابًا) يَقْرَءُونَهُ، ولَمّا تَضَمَّنَ اقْتِراحُهم ما هو مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وهو أنْ يَأْتِيَ ﴿بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ أمَرَهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، ومِن أنْ يُقْتَرَحَ عَلَيْهِ ما ذَكَرْتُمْ، فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أيْ: ما كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا أيْ: مِنَ اللَّهِ إلَيْكم لا مُقْتَرِحًا عَلَيْهِ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ الآياتِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانُوا يَقْصِدُونَ بِهَذِهِ الِاقْتِراحاتِ إلّا العِنادَ واللَّجاجَ، ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ لَقالُوا هَذا سِحْرٌ، كَما قالَ عِزَّ وعَلا: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧]، ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر: ١٤] وحِينَ أنْكَرُوا الآيَةَ الباقِيَةَ، الَّتِي هي القُرْآنُ وسائِرُ الآياتِ، ولَيْسَتْ بِدُونِ ما اقْتَرَحُوهُ، بَلْ هي أعْظَمُ لَمْ يَكُنِ. انْتَهى. وشَقُّ القَمَرِ أعْظَمُ مِن شَقِّ الأرْضِ ونَبْعُ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ أعْظَمُ مِن نَبَعِ الماءِ مِنَ الحَجَرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (قالَ سُبْحانَ رَبِّي) عَلى الخَبَرِ تَعَجَّبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اقْتِراحاتِهِمْ عَلَيْهِ، ونَزَّهَ رَبَّهُ عَمّا جَوَّزُوا عَلَيْهِ مِنَ الإتْيانِ والِانْتِقالِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ مُسْتَحِيلٌ ﴿هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا﴾ مِثْلَهم (رَسُولًا) والرُّسُلُ لا تَأْتِي إلّا بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ، ولَيْسَ أمْرُها إلَيْهِمْ إنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ.