Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الحج 22:74 – المؤمنون 23:39

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الحج 22:74
  2. الحج 22:75
  3. الحج 22:76
  4. الحج 22:77
  5. الحج 22:78
  6. المؤمنون 23:1
  7. المؤمنون 23:2
  8. المؤمنون 23:3
  9. المؤمنون 23:4
  10. المؤمنون 23:5
  11. المؤمنون 23:6
  12. المؤمنون 23:7
  13. المؤمنون 23:8
  14. المؤمنون 23:9
  15. المؤمنون 23:10
  16. المؤمنون 23:11
  17. المؤمنون 23:12
  18. المؤمنون 23:13
  19. المؤمنون 23:14
  20. المؤمنون 23:15
  21. المؤمنون 23:16
  22. المؤمنون 23:17
  23. المؤمنون 23:18
  24. المؤمنون 23:19
  25. المؤمنون 23:20
  26. المؤمنون 23:21
  27. المؤمنون 23:22
  28. المؤمنون 23:23
  29. المؤمنون 23:24
  30. المؤمنون 23:25
  31. المؤمنون 23:26
  32. المؤمنون 23:27
  33. المؤمنون 23:28
  34. المؤمنون 23:29
  35. المؤمنون 23:30
  36. المؤمنون 23:31
  37. المؤمنون 23:32
  38. المؤمنون 23:33
  39. المؤمنون 23:34
  40. المؤمنون 23:35
  41. المؤمنون 23:36
  42. المؤمنون 23:37
  43. المؤمنون 23:38
  44. المؤمنون 23:39

الحج 22:74

﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ . (p-٣٩٠)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ يَعْبُدُونَ ما لا دَلِيلَ عَلى عِبادَتِهِ لا مِن سَمْعٍ ولا مِن عَقْلٍ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ مَن خَلَقَهم، ذَكَرَ ما عَلَيْهِ مَعْبُوداتُهم مِنِ انْتِفاءِ القُدْرَةِ عَلى خَلْقِ أقَلِّ الأشْياءِ بَلْ عَلى رَدِّ ما أخَذَهُ ذَلِكَ الأقَلُّ مِنهُ، وفي ذَلِكَ تَجْهِيلٌ عَظِيمٌ لَهم حَيْثُ عَبَدُوا مَن هَذِهِ صَفَتُهُ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أرادَ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهم خَطَأ الكافِرِينَ فَيَكُونُ (تَدْعُونَ) خِطابًا لِغَيْرِهِمُ الكُفّارِ عابِدِي غَيْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: الخِطابُ عامٌّ يَشْمَلُ مَن نَظَرَ في أمْرِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ قُبْحُ ذَلِكَ. و(ضُرِبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ ضارِبَ المَثَلِ هو اللَّهُ تَعالى، ضَرَبَ مَثَلًا لِما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ أيْ بَيَّنَ شُبَهًا لَكم ولِمَعْبُودِكم. وقِيلَ: ضارِبُ المَثَلِ هُمِ الكُفّارُ، جَعَلُوا مَثَلًا لِلَّهِ تَعالى أصْنامَهم وأوْثانَهم أيْ فاسْمَعُوا أنْتُمْ أيُّها النّاسُ لِحالِ هَذا المَثَلِ ونَحْوِهِ ما قالَ الأخْفَشُ قالَ: لَيْسَ هَهُنا (مَثَلٌ) وإنَّما المَعْنى جَعَلَ الكُفّارَ لِلَّهِ مَثَلًا. وقِيلَ: هو (مَثَلٌ) مِن حَيْثُ المَعْنى لِأنَّهُ (ضُرِبَ مَثَلٌ) مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ بِمَن يَعْبُدُ ما لا يَخْلُقُ ذُبابًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الَّذِي جاءَ بِهِ لَيْسَ بِمَثَلٍ فَكَيْفَ سَمّاهُ مَثَلًا ؟ قُلْتُ: قَدْ سَمَّيْتُ الصِّفَةَ أوِ القِصَّةَ الرّائِقَةَ المُتَلَقّاةَ بِالِاسْتِحْسانِ والِاسْتِغْرابِ مَثَلًا تَشْبِيهًا لَها بِبَعْضِ الأمْثالِ المُسَيَّرَةِ لِكَوْنِها مُسْتَحْسَنَةً مُسْتَغْرَبَةً عِنْدَهم. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وهارُونُ والخُفافُ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالياءِ وكِلاهُما مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ ومُوسى الأُسْوارِيُّ بِالياءِ مِن أسْفَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (لَنْ) أُخْتُ لا في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ إلّا أنْ تَنْفِيَهُ نَفْيًا مُؤَكَّدًا، وتَأْكِيدُهُ هُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ خَلْقَ الذُّبابِ مِنهم مُسْتَحِيلٌ مُنافٍ لِأحْوالِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: مُحالٌ أنْ يَخْلُقُوا. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ في (لَنْ) هو المَنقُولُ عَنْهُ أنَّ (لَنْ) لِلنَّفْيِ عَلى التَّأْيِيدِ، ألا تَراهُ فَسَرَّ ذَلِكَ بِالِاسْتِحالَةِ وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ يَجْعَلُ (لَنْ) مِثْلَ لا في النَّفْيِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] كَيْفَ جاءَ النَّفْيُ بِلا وهو الصَّحِيحُ، والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وبَدَأ تَعالى بِنَفْيِ اخْتِراعِهِمْ وخَلْقِهِمْ أقَلَّ المَخْلُوقاتِ مِن حَيْثُ إنَّ الِاخْتِراعَ صِفَةٌ لَهُ تَعالى ثابِتَةٌ مُخْتَصَّةٌ لا يُشْرِكُهُ فِيها أحَدٌ، وثَنّى بِالأمْرِ الَّذِي بَلَغَ بِهِمْ غايَةَ التَّعْجِيزِ وهو أمْرُ سَلْبِ (الذُّبابُ) وعَدَمُ اسْتِنْقاذِ شَيْءٍ مِمّا (يَسْلُبُهم) وكانَ الذُّبابُ كَثِيرًا عِنْدَ العَرَبِ، وكانُوا يُضَمِّخُونَ أوْثانَهم بِأنْواعِ الطِّيبِ فَكانَ الذُّبابُ يَذْهَبُ بِذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا يَطْلُونَها بِالزَّعْفَرانِ ورُؤُوسَها بِالعَسَلِ ويُغْلِقُونَ عَلَيْها فَيَدْخُلُ الذُّبابُ مِنَ الكُوى فَيَأْكُلُهُ. ومَوْضِعُ ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُصِبَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ مُسْتَحِيلٌ: أنْ يَخْلُقُوا الذُّبابَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمُ اجْتِماعُهم جَمِيعًا لِخَلْقِهِ، وتَعاوُنِهِمْ عَلَيْهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِ (ولَوْ) هَذِهِ، وتَقَرَّرَ أنَّ الواوَ فِيهِ لِلْعَطْفِ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي كانَتْ تَقْتَضِي أنْ يَخْلُقُوا لِأجْلِ اجْتِماعِهِمْ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ في مَقْدُورِهِمْ ذَلِكَ. ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّنَمُ والذُّبابُ، أيْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الضَّمُّ طالِبًا لِما سُلِبَ مِن طِيبِهِمْ عَلى مَعْهُودِ الأنَفَةِ في الحَيَوانِ. وقِيلَ (المَطْلُوبُ) الآلِهَةُ و(الطّالِبُ) الذُّبابُ فَضَعْفُ الآلِهَةِ أنْ لا مَنَعَةَ لَهم، وضَعْفُ الذُّبابِ في اسْتِلابِهِ ما عَلى الآلِهَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: العابِدُ والمَعْبُودُ فَضَعْفُ العابِدِ في طَلَبِهِمُ الخَيْرَ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ، وضَعْفُ المَعْبُودِ في إيصالِ ذَلِكَ لِعابِدِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ كالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الذُّبابِ في الضَّعْفِ، ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الطّالِبَ أضْعَفَ وأضْعَفَ، لِأنَّ الذُّبابَ حَيَوانٌ وهو جَمادٌ، وهو غالِبٌ وذاكَ مَغْلُوبٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ بِضَعْفِ الطّالِبِ والمَطْلُوبِ، ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حَيْثُ عَبَدُوا مَن هو مُنْسَلِخٌ عَنْ صِفاتِهِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ، ولَمْ يُؤَهِّلُوا خالِقَهم لِلْعِبادَةِ، ثُمَّ خَتَمَ بِصِفَتَيْنِ مُنافِيَتَيْنِ لِصِفاتِ آلِهَتِهِمْ مِنَ القُوَّةِ والغَلَبَةِ، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ الآيَةَ. نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ (p-٣٩١)الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] الآيَةَ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِنَ البَشَرِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ رُسُلَهُ مَلائِكَةٌ وبَشَرٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ المُكَلَّفِينَ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ، وإلَيْهِ مَرْجِعُ الأُمُورِ كُلِّها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ اصْطَفى رُسُلًا مِنَ البَشَرِ إلى الخَلْقِ، أمَرَهم بِإقامَةِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ التَّكالِيفِ، وهو الصَّلاةُ، قِيلَ: كانَ النّاسُ أوَّلَ ما أسْلَمُوا يَسْجُدُونَ بِلا رُكُوعٍ، ويَرْكَعُونَ بِلا سُجُودٍ، فَأُمِرُوا أنْ تَكُونَ صَلاتُهم بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ، واتَّفَقُوا عَلى مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ في آخِرِ آيَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ [الحج: ١٨]، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ لا يُسْجَدُ فِيها، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ أنَّهُ يُسْجَدُ فِيها، وبِهِ قالَ عُمَرُ وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وعُثْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو مُوسى، وابْنُ عَبّاسٍ، ﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ: أفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ، ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صِلَةُ الأرْحامِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ، ويَظْهَرُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّهم أُمِرُوا أوَّلًا: بِالصَّلاةِ، وهي نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ، وثانِيًا: بِالعِبادَةِ، وهي نَوْعٌ مِن فِعْلِ الخَيْرِ، وثالِثًا: بِفِعْلِ الخَيْرِ، وهو أعَمُّ مِنَ العِبادَةِ، فَبَدَأ بِخاصٍّ ثُمَّ بِعامٍّ ثُمَّ بِأعَمَّ. ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ أمْرٌ بِالجِهادِ في دِينِ اللَّهِ وإعْزازِ كَلِمَتِهِ، يَشْمَلُ جِهادَ الكُفّارِ والمُبْتَدِعَةِ، وجِهادَ النَّفْسِ. وقِيلَ: أمْرٌ بِجِهادِ الكُفّارِ خاصَّةً، ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ أيِ اسْتَفْرِغُوا جُهْدَكم وطاقَتَكم في ذَلِكَ، وأضافَ الجِهادَ إلَيْهِ تَعالى، لَمّا كانَ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ هو مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ ومِن أجْلِهِ، فالإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُتَّسَعَ في الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: ويَوْمَ شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا، انْتَهى. يَعْنِي بِالظَّرْفِ الجارَّ والمَجْرُورَ، كَأنَّهُ كانَ الأصْلُ حَقَّ جِهادٍ فِيهِ فاتَّسَعَ بِأنْ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وأُضِيفَ جِهادٌ إلى الضَّمِيرِ. و﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ مِن بابِ هو حَقُّ عالِمٍ وجِدُّ عالِمٍ، أيْ: عالِمٌ حَقًّا وعالِمٌ جِدًّا. وعَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أيْ: اخْتارَكم لِتَحَمُّلِ تَكْلِيفاتِهِ، وفي قَوْلِهِ: (هو) تَفْخِيمٌ واخْتِصاصٌ، أيْ هو لا غَيْرُهُ. (مِن حَرَجٍ) مِن تَضْيِيقٍ بَلْ هي حَنِيفِيَّةٌ سَمْحَةٌ لَيْسَ فِيها تَشْدِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ شُرِعَ فِيها التَّوْبَةُ والكَفّاراتُ والرُّخَصُ. وانْتَصَبَ ﴿مِلَّةَ أبِيكُمْ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَها (مِلَّةَ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَصَبَ المِلَّةَ بِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَها كَأنَّهُ قِيلَ: وسَّعَ دِينَكم تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أبِيكم، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ أعْنِي بِالدِّينِ ﴿مِلَّةَ أبِيكُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمِيدَ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: اتِّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ. وقالَ الفَرّاءُ: هو نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الكافِ، كَأنَّهُ قِيلَ كَلِمَةُ (أبِيكم) بِالإضافَةِ إلى أبِيهِ الرَّسُولِ، وأُمَّةُ الرَّسُولِ في حُكْمِ أوْلادِهِ، فَصارَ أبًا لِأُمَّتِهِ بِهَذِهِ الوَساطَةِ. وقِيلَ: لَمّا كانَ أكْثَرُهم مِن ولَدِهِ كالرَّسُولِ ورَهْطِهِ وجَمِيعِ العَرَبِ طُلِبَ الأكْثَرُ فَأُضِيفَ إلَيْهِمْ. وجاءَ قَوْلُهُ: (مِلَّةَ) (إبْراهِيمَ) بِاعْتِبارِ عِبادَةِ اللَّهِ، وتَرْكِ الأوْثانِ، وهو المَسُوقُ لَهُ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِاتِّباعِ في تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿هُوَ سَمّاكُمُ﴾ عائِدٌ عَلى (إبْراهِيمَ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، ودَعا إبْراهِيمُ فَقالَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَجَعَلَها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والحَسَنُ. وقِيلَ: يَعُودُ (هو) إلى اللَّهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ ﴿سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: في كُلِّ الكُتُبِ، (وفي هَذا) أيِ القُرْآنِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: اللَّهُ سَمّاكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ - يَعْنِي قَوْلَهُ: (وفي هَذا) - تَضْعِيفُ قَوْلِ مَن قالَ الضَّمِيرُ لِ إبْراهِيمَ، ولا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مِنَ الكَلامِ مُسْتَأْنَفٍ انْتَهى. وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ وسُمِّيتُمْ في هَذا القُرْآنِ المُسْلِمِينَ، والمَعْنى أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى الأُمَمِ، وسَمّاكم بِهَذا الِاسْمِ. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهم، وإذْ قَدْ خَصَّكم بِهَذِهِ الكَرامَةِ والأثَرَةِ فاعْبُدُوهُ وثِقُوا بِهِ ولا تَطْلُبُوا (p-٣٩٢)النُّصْرَةَ والوِلايَةَ إلّا مِنهُ، فَهو خَيْرُ مَوْلًى وناصِرٍ. وعَنْ قَتادَةَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ ما لَمْ يُعْطَهُ إلّا نَبِيٌّ. قِيلَ لِلنَّبِيِّ: أنْتَ شَهِيدٌ عَلى أُمَّتِكَ. وقِيلَ لَهُ: لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ. وقِيلَ لَهُ: سَلْ تُعْطَ. وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾، وقِيلَ لَهم: ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾، وقِيلَ لَهم: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿واعْتَصِمُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَلُوا رَبَّكم أنْ يَعْصِمَكم مِن كُلِّ ما يَكْرَهُ. وقالَ الحَسَنُ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ.

الحج 22:75

﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ . (p-٣٩٠)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ يَعْبُدُونَ ما لا دَلِيلَ عَلى عِبادَتِهِ لا مِن سَمْعٍ ولا مِن عَقْلٍ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ مَن خَلَقَهم، ذَكَرَ ما عَلَيْهِ مَعْبُوداتُهم مِنِ انْتِفاءِ القُدْرَةِ عَلى خَلْقِ أقَلِّ الأشْياءِ بَلْ عَلى رَدِّ ما أخَذَهُ ذَلِكَ الأقَلُّ مِنهُ، وفي ذَلِكَ تَجْهِيلٌ عَظِيمٌ لَهم حَيْثُ عَبَدُوا مَن هَذِهِ صَفَتُهُ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أرادَ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهم خَطَأ الكافِرِينَ فَيَكُونُ (تَدْعُونَ) خِطابًا لِغَيْرِهِمُ الكُفّارِ عابِدِي غَيْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: الخِطابُ عامٌّ يَشْمَلُ مَن نَظَرَ في أمْرِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ قُبْحُ ذَلِكَ. و(ضُرِبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ ضارِبَ المَثَلِ هو اللَّهُ تَعالى، ضَرَبَ مَثَلًا لِما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ أيْ بَيَّنَ شُبَهًا لَكم ولِمَعْبُودِكم. وقِيلَ: ضارِبُ المَثَلِ هُمِ الكُفّارُ، جَعَلُوا مَثَلًا لِلَّهِ تَعالى أصْنامَهم وأوْثانَهم أيْ فاسْمَعُوا أنْتُمْ أيُّها النّاسُ لِحالِ هَذا المَثَلِ ونَحْوِهِ ما قالَ الأخْفَشُ قالَ: لَيْسَ هَهُنا (مَثَلٌ) وإنَّما المَعْنى جَعَلَ الكُفّارَ لِلَّهِ مَثَلًا. وقِيلَ: هو (مَثَلٌ) مِن حَيْثُ المَعْنى لِأنَّهُ (ضُرِبَ مَثَلٌ) مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ بِمَن يَعْبُدُ ما لا يَخْلُقُ ذُبابًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الَّذِي جاءَ بِهِ لَيْسَ بِمَثَلٍ فَكَيْفَ سَمّاهُ مَثَلًا ؟ قُلْتُ: قَدْ سَمَّيْتُ الصِّفَةَ أوِ القِصَّةَ الرّائِقَةَ المُتَلَقّاةَ بِالِاسْتِحْسانِ والِاسْتِغْرابِ مَثَلًا تَشْبِيهًا لَها بِبَعْضِ الأمْثالِ المُسَيَّرَةِ لِكَوْنِها مُسْتَحْسَنَةً مُسْتَغْرَبَةً عِنْدَهم. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وهارُونُ والخُفافُ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالياءِ وكِلاهُما مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ ومُوسى الأُسْوارِيُّ بِالياءِ مِن أسْفَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (لَنْ) أُخْتُ لا في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ إلّا أنْ تَنْفِيَهُ نَفْيًا مُؤَكَّدًا، وتَأْكِيدُهُ هُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ خَلْقَ الذُّبابِ مِنهم مُسْتَحِيلٌ مُنافٍ لِأحْوالِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: مُحالٌ أنْ يَخْلُقُوا. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ في (لَنْ) هو المَنقُولُ عَنْهُ أنَّ (لَنْ) لِلنَّفْيِ عَلى التَّأْيِيدِ، ألا تَراهُ فَسَرَّ ذَلِكَ بِالِاسْتِحالَةِ وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ يَجْعَلُ (لَنْ) مِثْلَ لا في النَّفْيِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] كَيْفَ جاءَ النَّفْيُ بِلا وهو الصَّحِيحُ، والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وبَدَأ تَعالى بِنَفْيِ اخْتِراعِهِمْ وخَلْقِهِمْ أقَلَّ المَخْلُوقاتِ مِن حَيْثُ إنَّ الِاخْتِراعَ صِفَةٌ لَهُ تَعالى ثابِتَةٌ مُخْتَصَّةٌ لا يُشْرِكُهُ فِيها أحَدٌ، وثَنّى بِالأمْرِ الَّذِي بَلَغَ بِهِمْ غايَةَ التَّعْجِيزِ وهو أمْرُ سَلْبِ (الذُّبابُ) وعَدَمُ اسْتِنْقاذِ شَيْءٍ مِمّا (يَسْلُبُهم) وكانَ الذُّبابُ كَثِيرًا عِنْدَ العَرَبِ، وكانُوا يُضَمِّخُونَ أوْثانَهم بِأنْواعِ الطِّيبِ فَكانَ الذُّبابُ يَذْهَبُ بِذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا يَطْلُونَها بِالزَّعْفَرانِ ورُؤُوسَها بِالعَسَلِ ويُغْلِقُونَ عَلَيْها فَيَدْخُلُ الذُّبابُ مِنَ الكُوى فَيَأْكُلُهُ. ومَوْضِعُ ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُصِبَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ مُسْتَحِيلٌ: أنْ يَخْلُقُوا الذُّبابَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمُ اجْتِماعُهم جَمِيعًا لِخَلْقِهِ، وتَعاوُنِهِمْ عَلَيْهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِ (ولَوْ) هَذِهِ، وتَقَرَّرَ أنَّ الواوَ فِيهِ لِلْعَطْفِ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي كانَتْ تَقْتَضِي أنْ يَخْلُقُوا لِأجْلِ اجْتِماعِهِمْ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ في مَقْدُورِهِمْ ذَلِكَ. ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّنَمُ والذُّبابُ، أيْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الضَّمُّ طالِبًا لِما سُلِبَ مِن طِيبِهِمْ عَلى مَعْهُودِ الأنَفَةِ في الحَيَوانِ. وقِيلَ (المَطْلُوبُ) الآلِهَةُ و(الطّالِبُ) الذُّبابُ فَضَعْفُ الآلِهَةِ أنْ لا مَنَعَةَ لَهم، وضَعْفُ الذُّبابِ في اسْتِلابِهِ ما عَلى الآلِهَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: العابِدُ والمَعْبُودُ فَضَعْفُ العابِدِ في طَلَبِهِمُ الخَيْرَ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ، وضَعْفُ المَعْبُودِ في إيصالِ ذَلِكَ لِعابِدِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ كالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الذُّبابِ في الضَّعْفِ، ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الطّالِبَ أضْعَفَ وأضْعَفَ، لِأنَّ الذُّبابَ حَيَوانٌ وهو جَمادٌ، وهو غالِبٌ وذاكَ مَغْلُوبٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ بِضَعْفِ الطّالِبِ والمَطْلُوبِ، ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حَيْثُ عَبَدُوا مَن هو مُنْسَلِخٌ عَنْ صِفاتِهِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ، ولَمْ يُؤَهِّلُوا خالِقَهم لِلْعِبادَةِ، ثُمَّ خَتَمَ بِصِفَتَيْنِ مُنافِيَتَيْنِ لِصِفاتِ آلِهَتِهِمْ مِنَ القُوَّةِ والغَلَبَةِ، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ الآيَةَ. نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ (p-٣٩١)الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] الآيَةَ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِنَ البَشَرِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ رُسُلَهُ مَلائِكَةٌ وبَشَرٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ المُكَلَّفِينَ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ، وإلَيْهِ مَرْجِعُ الأُمُورِ كُلِّها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ اصْطَفى رُسُلًا مِنَ البَشَرِ إلى الخَلْقِ، أمَرَهم بِإقامَةِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ التَّكالِيفِ، وهو الصَّلاةُ، قِيلَ: كانَ النّاسُ أوَّلَ ما أسْلَمُوا يَسْجُدُونَ بِلا رُكُوعٍ، ويَرْكَعُونَ بِلا سُجُودٍ، فَأُمِرُوا أنْ تَكُونَ صَلاتُهم بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ، واتَّفَقُوا عَلى مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ في آخِرِ آيَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ [الحج: ١٨]، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ لا يُسْجَدُ فِيها، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ أنَّهُ يُسْجَدُ فِيها، وبِهِ قالَ عُمَرُ وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وعُثْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو مُوسى، وابْنُ عَبّاسٍ، ﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ: أفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ، ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صِلَةُ الأرْحامِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ، ويَظْهَرُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّهم أُمِرُوا أوَّلًا: بِالصَّلاةِ، وهي نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ، وثانِيًا: بِالعِبادَةِ، وهي نَوْعٌ مِن فِعْلِ الخَيْرِ، وثالِثًا: بِفِعْلِ الخَيْرِ، وهو أعَمُّ مِنَ العِبادَةِ، فَبَدَأ بِخاصٍّ ثُمَّ بِعامٍّ ثُمَّ بِأعَمَّ. ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ أمْرٌ بِالجِهادِ في دِينِ اللَّهِ وإعْزازِ كَلِمَتِهِ، يَشْمَلُ جِهادَ الكُفّارِ والمُبْتَدِعَةِ، وجِهادَ النَّفْسِ. وقِيلَ: أمْرٌ بِجِهادِ الكُفّارِ خاصَّةً، ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ أيِ اسْتَفْرِغُوا جُهْدَكم وطاقَتَكم في ذَلِكَ، وأضافَ الجِهادَ إلَيْهِ تَعالى، لَمّا كانَ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ هو مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ ومِن أجْلِهِ، فالإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُتَّسَعَ في الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: ويَوْمَ شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا، انْتَهى. يَعْنِي بِالظَّرْفِ الجارَّ والمَجْرُورَ، كَأنَّهُ كانَ الأصْلُ حَقَّ جِهادٍ فِيهِ فاتَّسَعَ بِأنْ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وأُضِيفَ جِهادٌ إلى الضَّمِيرِ. و﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ مِن بابِ هو حَقُّ عالِمٍ وجِدُّ عالِمٍ، أيْ: عالِمٌ حَقًّا وعالِمٌ جِدًّا. وعَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أيْ: اخْتارَكم لِتَحَمُّلِ تَكْلِيفاتِهِ، وفي قَوْلِهِ: (هو) تَفْخِيمٌ واخْتِصاصٌ، أيْ هو لا غَيْرُهُ. (مِن حَرَجٍ) مِن تَضْيِيقٍ بَلْ هي حَنِيفِيَّةٌ سَمْحَةٌ لَيْسَ فِيها تَشْدِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ شُرِعَ فِيها التَّوْبَةُ والكَفّاراتُ والرُّخَصُ. وانْتَصَبَ ﴿مِلَّةَ أبِيكُمْ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَها (مِلَّةَ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَصَبَ المِلَّةَ بِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَها كَأنَّهُ قِيلَ: وسَّعَ دِينَكم تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أبِيكم، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ أعْنِي بِالدِّينِ ﴿مِلَّةَ أبِيكُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمِيدَ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: اتِّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ. وقالَ الفَرّاءُ: هو نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الكافِ، كَأنَّهُ قِيلَ كَلِمَةُ (أبِيكم) بِالإضافَةِ إلى أبِيهِ الرَّسُولِ، وأُمَّةُ الرَّسُولِ في حُكْمِ أوْلادِهِ، فَصارَ أبًا لِأُمَّتِهِ بِهَذِهِ الوَساطَةِ. وقِيلَ: لَمّا كانَ أكْثَرُهم مِن ولَدِهِ كالرَّسُولِ ورَهْطِهِ وجَمِيعِ العَرَبِ طُلِبَ الأكْثَرُ فَأُضِيفَ إلَيْهِمْ. وجاءَ قَوْلُهُ: (مِلَّةَ) (إبْراهِيمَ) بِاعْتِبارِ عِبادَةِ اللَّهِ، وتَرْكِ الأوْثانِ، وهو المَسُوقُ لَهُ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِاتِّباعِ في تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿هُوَ سَمّاكُمُ﴾ عائِدٌ عَلى (إبْراهِيمَ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، ودَعا إبْراهِيمُ فَقالَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَجَعَلَها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والحَسَنُ. وقِيلَ: يَعُودُ (هو) إلى اللَّهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ ﴿سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: في كُلِّ الكُتُبِ، (وفي هَذا) أيِ القُرْآنِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: اللَّهُ سَمّاكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ - يَعْنِي قَوْلَهُ: (وفي هَذا) - تَضْعِيفُ قَوْلِ مَن قالَ الضَّمِيرُ لِ إبْراهِيمَ، ولا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مِنَ الكَلامِ مُسْتَأْنَفٍ انْتَهى. وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ وسُمِّيتُمْ في هَذا القُرْآنِ المُسْلِمِينَ، والمَعْنى أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى الأُمَمِ، وسَمّاكم بِهَذا الِاسْمِ. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهم، وإذْ قَدْ خَصَّكم بِهَذِهِ الكَرامَةِ والأثَرَةِ فاعْبُدُوهُ وثِقُوا بِهِ ولا تَطْلُبُوا (p-٣٩٢)النُّصْرَةَ والوِلايَةَ إلّا مِنهُ، فَهو خَيْرُ مَوْلًى وناصِرٍ. وعَنْ قَتادَةَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ ما لَمْ يُعْطَهُ إلّا نَبِيٌّ. قِيلَ لِلنَّبِيِّ: أنْتَ شَهِيدٌ عَلى أُمَّتِكَ. وقِيلَ لَهُ: لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ. وقِيلَ لَهُ: سَلْ تُعْطَ. وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾، وقِيلَ لَهم: ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾، وقِيلَ لَهم: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿واعْتَصِمُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَلُوا رَبَّكم أنْ يَعْصِمَكم مِن كُلِّ ما يَكْرَهُ. وقالَ الحَسَنُ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ.

الحج 22:76

﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ . (p-٣٩٠)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ يَعْبُدُونَ ما لا دَلِيلَ عَلى عِبادَتِهِ لا مِن سَمْعٍ ولا مِن عَقْلٍ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ مَن خَلَقَهم، ذَكَرَ ما عَلَيْهِ مَعْبُوداتُهم مِنِ انْتِفاءِ القُدْرَةِ عَلى خَلْقِ أقَلِّ الأشْياءِ بَلْ عَلى رَدِّ ما أخَذَهُ ذَلِكَ الأقَلُّ مِنهُ، وفي ذَلِكَ تَجْهِيلٌ عَظِيمٌ لَهم حَيْثُ عَبَدُوا مَن هَذِهِ صَفَتُهُ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أرادَ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهم خَطَأ الكافِرِينَ فَيَكُونُ (تَدْعُونَ) خِطابًا لِغَيْرِهِمُ الكُفّارِ عابِدِي غَيْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: الخِطابُ عامٌّ يَشْمَلُ مَن نَظَرَ في أمْرِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ قُبْحُ ذَلِكَ. و(ضُرِبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ ضارِبَ المَثَلِ هو اللَّهُ تَعالى، ضَرَبَ مَثَلًا لِما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ أيْ بَيَّنَ شُبَهًا لَكم ولِمَعْبُودِكم. وقِيلَ: ضارِبُ المَثَلِ هُمِ الكُفّارُ، جَعَلُوا مَثَلًا لِلَّهِ تَعالى أصْنامَهم وأوْثانَهم أيْ فاسْمَعُوا أنْتُمْ أيُّها النّاسُ لِحالِ هَذا المَثَلِ ونَحْوِهِ ما قالَ الأخْفَشُ قالَ: لَيْسَ هَهُنا (مَثَلٌ) وإنَّما المَعْنى جَعَلَ الكُفّارَ لِلَّهِ مَثَلًا. وقِيلَ: هو (مَثَلٌ) مِن حَيْثُ المَعْنى لِأنَّهُ (ضُرِبَ مَثَلٌ) مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ بِمَن يَعْبُدُ ما لا يَخْلُقُ ذُبابًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الَّذِي جاءَ بِهِ لَيْسَ بِمَثَلٍ فَكَيْفَ سَمّاهُ مَثَلًا ؟ قُلْتُ: قَدْ سَمَّيْتُ الصِّفَةَ أوِ القِصَّةَ الرّائِقَةَ المُتَلَقّاةَ بِالِاسْتِحْسانِ والِاسْتِغْرابِ مَثَلًا تَشْبِيهًا لَها بِبَعْضِ الأمْثالِ المُسَيَّرَةِ لِكَوْنِها مُسْتَحْسَنَةً مُسْتَغْرَبَةً عِنْدَهم. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وهارُونُ والخُفافُ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالياءِ وكِلاهُما مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ ومُوسى الأُسْوارِيُّ بِالياءِ مِن أسْفَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (لَنْ) أُخْتُ لا في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ إلّا أنْ تَنْفِيَهُ نَفْيًا مُؤَكَّدًا، وتَأْكِيدُهُ هُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ خَلْقَ الذُّبابِ مِنهم مُسْتَحِيلٌ مُنافٍ لِأحْوالِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: مُحالٌ أنْ يَخْلُقُوا. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ في (لَنْ) هو المَنقُولُ عَنْهُ أنَّ (لَنْ) لِلنَّفْيِ عَلى التَّأْيِيدِ، ألا تَراهُ فَسَرَّ ذَلِكَ بِالِاسْتِحالَةِ وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ يَجْعَلُ (لَنْ) مِثْلَ لا في النَّفْيِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] كَيْفَ جاءَ النَّفْيُ بِلا وهو الصَّحِيحُ، والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وبَدَأ تَعالى بِنَفْيِ اخْتِراعِهِمْ وخَلْقِهِمْ أقَلَّ المَخْلُوقاتِ مِن حَيْثُ إنَّ الِاخْتِراعَ صِفَةٌ لَهُ تَعالى ثابِتَةٌ مُخْتَصَّةٌ لا يُشْرِكُهُ فِيها أحَدٌ، وثَنّى بِالأمْرِ الَّذِي بَلَغَ بِهِمْ غايَةَ التَّعْجِيزِ وهو أمْرُ سَلْبِ (الذُّبابُ) وعَدَمُ اسْتِنْقاذِ شَيْءٍ مِمّا (يَسْلُبُهم) وكانَ الذُّبابُ كَثِيرًا عِنْدَ العَرَبِ، وكانُوا يُضَمِّخُونَ أوْثانَهم بِأنْواعِ الطِّيبِ فَكانَ الذُّبابُ يَذْهَبُ بِذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا يَطْلُونَها بِالزَّعْفَرانِ ورُؤُوسَها بِالعَسَلِ ويُغْلِقُونَ عَلَيْها فَيَدْخُلُ الذُّبابُ مِنَ الكُوى فَيَأْكُلُهُ. ومَوْضِعُ ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُصِبَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ مُسْتَحِيلٌ: أنْ يَخْلُقُوا الذُّبابَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمُ اجْتِماعُهم جَمِيعًا لِخَلْقِهِ، وتَعاوُنِهِمْ عَلَيْهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِ (ولَوْ) هَذِهِ، وتَقَرَّرَ أنَّ الواوَ فِيهِ لِلْعَطْفِ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي كانَتْ تَقْتَضِي أنْ يَخْلُقُوا لِأجْلِ اجْتِماعِهِمْ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ في مَقْدُورِهِمْ ذَلِكَ. ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّنَمُ والذُّبابُ، أيْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الضَّمُّ طالِبًا لِما سُلِبَ مِن طِيبِهِمْ عَلى مَعْهُودِ الأنَفَةِ في الحَيَوانِ. وقِيلَ (المَطْلُوبُ) الآلِهَةُ و(الطّالِبُ) الذُّبابُ فَضَعْفُ الآلِهَةِ أنْ لا مَنَعَةَ لَهم، وضَعْفُ الذُّبابِ في اسْتِلابِهِ ما عَلى الآلِهَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: العابِدُ والمَعْبُودُ فَضَعْفُ العابِدِ في طَلَبِهِمُ الخَيْرَ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ، وضَعْفُ المَعْبُودِ في إيصالِ ذَلِكَ لِعابِدِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ كالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الذُّبابِ في الضَّعْفِ، ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الطّالِبَ أضْعَفَ وأضْعَفَ، لِأنَّ الذُّبابَ حَيَوانٌ وهو جَمادٌ، وهو غالِبٌ وذاكَ مَغْلُوبٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ بِضَعْفِ الطّالِبِ والمَطْلُوبِ، ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حَيْثُ عَبَدُوا مَن هو مُنْسَلِخٌ عَنْ صِفاتِهِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ، ولَمْ يُؤَهِّلُوا خالِقَهم لِلْعِبادَةِ، ثُمَّ خَتَمَ بِصِفَتَيْنِ مُنافِيَتَيْنِ لِصِفاتِ آلِهَتِهِمْ مِنَ القُوَّةِ والغَلَبَةِ، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ الآيَةَ. نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ (p-٣٩١)الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] الآيَةَ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِنَ البَشَرِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ رُسُلَهُ مَلائِكَةٌ وبَشَرٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ المُكَلَّفِينَ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ، وإلَيْهِ مَرْجِعُ الأُمُورِ كُلِّها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ اصْطَفى رُسُلًا مِنَ البَشَرِ إلى الخَلْقِ، أمَرَهم بِإقامَةِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ التَّكالِيفِ، وهو الصَّلاةُ، قِيلَ: كانَ النّاسُ أوَّلَ ما أسْلَمُوا يَسْجُدُونَ بِلا رُكُوعٍ، ويَرْكَعُونَ بِلا سُجُودٍ، فَأُمِرُوا أنْ تَكُونَ صَلاتُهم بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ، واتَّفَقُوا عَلى مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ في آخِرِ آيَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ [الحج: ١٨]، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ لا يُسْجَدُ فِيها، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ أنَّهُ يُسْجَدُ فِيها، وبِهِ قالَ عُمَرُ وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وعُثْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو مُوسى، وابْنُ عَبّاسٍ، ﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ: أفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ، ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صِلَةُ الأرْحامِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ، ويَظْهَرُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّهم أُمِرُوا أوَّلًا: بِالصَّلاةِ، وهي نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ، وثانِيًا: بِالعِبادَةِ، وهي نَوْعٌ مِن فِعْلِ الخَيْرِ، وثالِثًا: بِفِعْلِ الخَيْرِ، وهو أعَمُّ مِنَ العِبادَةِ، فَبَدَأ بِخاصٍّ ثُمَّ بِعامٍّ ثُمَّ بِأعَمَّ. ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ أمْرٌ بِالجِهادِ في دِينِ اللَّهِ وإعْزازِ كَلِمَتِهِ، يَشْمَلُ جِهادَ الكُفّارِ والمُبْتَدِعَةِ، وجِهادَ النَّفْسِ. وقِيلَ: أمْرٌ بِجِهادِ الكُفّارِ خاصَّةً، ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ أيِ اسْتَفْرِغُوا جُهْدَكم وطاقَتَكم في ذَلِكَ، وأضافَ الجِهادَ إلَيْهِ تَعالى، لَمّا كانَ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ هو مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ ومِن أجْلِهِ، فالإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُتَّسَعَ في الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: ويَوْمَ شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا، انْتَهى. يَعْنِي بِالظَّرْفِ الجارَّ والمَجْرُورَ، كَأنَّهُ كانَ الأصْلُ حَقَّ جِهادٍ فِيهِ فاتَّسَعَ بِأنْ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وأُضِيفَ جِهادٌ إلى الضَّمِيرِ. و﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ مِن بابِ هو حَقُّ عالِمٍ وجِدُّ عالِمٍ، أيْ: عالِمٌ حَقًّا وعالِمٌ جِدًّا. وعَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أيْ: اخْتارَكم لِتَحَمُّلِ تَكْلِيفاتِهِ، وفي قَوْلِهِ: (هو) تَفْخِيمٌ واخْتِصاصٌ، أيْ هو لا غَيْرُهُ. (مِن حَرَجٍ) مِن تَضْيِيقٍ بَلْ هي حَنِيفِيَّةٌ سَمْحَةٌ لَيْسَ فِيها تَشْدِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ شُرِعَ فِيها التَّوْبَةُ والكَفّاراتُ والرُّخَصُ. وانْتَصَبَ ﴿مِلَّةَ أبِيكُمْ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَها (مِلَّةَ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَصَبَ المِلَّةَ بِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَها كَأنَّهُ قِيلَ: وسَّعَ دِينَكم تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أبِيكم، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ أعْنِي بِالدِّينِ ﴿مِلَّةَ أبِيكُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمِيدَ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: اتِّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ. وقالَ الفَرّاءُ: هو نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الكافِ، كَأنَّهُ قِيلَ كَلِمَةُ (أبِيكم) بِالإضافَةِ إلى أبِيهِ الرَّسُولِ، وأُمَّةُ الرَّسُولِ في حُكْمِ أوْلادِهِ، فَصارَ أبًا لِأُمَّتِهِ بِهَذِهِ الوَساطَةِ. وقِيلَ: لَمّا كانَ أكْثَرُهم مِن ولَدِهِ كالرَّسُولِ ورَهْطِهِ وجَمِيعِ العَرَبِ طُلِبَ الأكْثَرُ فَأُضِيفَ إلَيْهِمْ. وجاءَ قَوْلُهُ: (مِلَّةَ) (إبْراهِيمَ) بِاعْتِبارِ عِبادَةِ اللَّهِ، وتَرْكِ الأوْثانِ، وهو المَسُوقُ لَهُ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِاتِّباعِ في تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿هُوَ سَمّاكُمُ﴾ عائِدٌ عَلى (إبْراهِيمَ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، ودَعا إبْراهِيمُ فَقالَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَجَعَلَها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والحَسَنُ. وقِيلَ: يَعُودُ (هو) إلى اللَّهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ ﴿سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: في كُلِّ الكُتُبِ، (وفي هَذا) أيِ القُرْآنِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: اللَّهُ سَمّاكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ - يَعْنِي قَوْلَهُ: (وفي هَذا) - تَضْعِيفُ قَوْلِ مَن قالَ الضَّمِيرُ لِ إبْراهِيمَ، ولا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مِنَ الكَلامِ مُسْتَأْنَفٍ انْتَهى. وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ وسُمِّيتُمْ في هَذا القُرْآنِ المُسْلِمِينَ، والمَعْنى أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى الأُمَمِ، وسَمّاكم بِهَذا الِاسْمِ. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهم، وإذْ قَدْ خَصَّكم بِهَذِهِ الكَرامَةِ والأثَرَةِ فاعْبُدُوهُ وثِقُوا بِهِ ولا تَطْلُبُوا (p-٣٩٢)النُّصْرَةَ والوِلايَةَ إلّا مِنهُ، فَهو خَيْرُ مَوْلًى وناصِرٍ. وعَنْ قَتادَةَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ ما لَمْ يُعْطَهُ إلّا نَبِيٌّ. قِيلَ لِلنَّبِيِّ: أنْتَ شَهِيدٌ عَلى أُمَّتِكَ. وقِيلَ لَهُ: لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ. وقِيلَ لَهُ: سَلْ تُعْطَ. وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾، وقِيلَ لَهم: ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾، وقِيلَ لَهم: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿واعْتَصِمُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَلُوا رَبَّكم أنْ يَعْصِمَكم مِن كُلِّ ما يَكْرَهُ. وقالَ الحَسَنُ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ.

الحج 22:77

﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ . (p-٣٩٠)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ يَعْبُدُونَ ما لا دَلِيلَ عَلى عِبادَتِهِ لا مِن سَمْعٍ ولا مِن عَقْلٍ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ مَن خَلَقَهم، ذَكَرَ ما عَلَيْهِ مَعْبُوداتُهم مِنِ انْتِفاءِ القُدْرَةِ عَلى خَلْقِ أقَلِّ الأشْياءِ بَلْ عَلى رَدِّ ما أخَذَهُ ذَلِكَ الأقَلُّ مِنهُ، وفي ذَلِكَ تَجْهِيلٌ عَظِيمٌ لَهم حَيْثُ عَبَدُوا مَن هَذِهِ صَفَتُهُ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أرادَ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهم خَطَأ الكافِرِينَ فَيَكُونُ (تَدْعُونَ) خِطابًا لِغَيْرِهِمُ الكُفّارِ عابِدِي غَيْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: الخِطابُ عامٌّ يَشْمَلُ مَن نَظَرَ في أمْرِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ قُبْحُ ذَلِكَ. و(ضُرِبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ ضارِبَ المَثَلِ هو اللَّهُ تَعالى، ضَرَبَ مَثَلًا لِما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ أيْ بَيَّنَ شُبَهًا لَكم ولِمَعْبُودِكم. وقِيلَ: ضارِبُ المَثَلِ هُمِ الكُفّارُ، جَعَلُوا مَثَلًا لِلَّهِ تَعالى أصْنامَهم وأوْثانَهم أيْ فاسْمَعُوا أنْتُمْ أيُّها النّاسُ لِحالِ هَذا المَثَلِ ونَحْوِهِ ما قالَ الأخْفَشُ قالَ: لَيْسَ هَهُنا (مَثَلٌ) وإنَّما المَعْنى جَعَلَ الكُفّارَ لِلَّهِ مَثَلًا. وقِيلَ: هو (مَثَلٌ) مِن حَيْثُ المَعْنى لِأنَّهُ (ضُرِبَ مَثَلٌ) مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ بِمَن يَعْبُدُ ما لا يَخْلُقُ ذُبابًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الَّذِي جاءَ بِهِ لَيْسَ بِمَثَلٍ فَكَيْفَ سَمّاهُ مَثَلًا ؟ قُلْتُ: قَدْ سَمَّيْتُ الصِّفَةَ أوِ القِصَّةَ الرّائِقَةَ المُتَلَقّاةَ بِالِاسْتِحْسانِ والِاسْتِغْرابِ مَثَلًا تَشْبِيهًا لَها بِبَعْضِ الأمْثالِ المُسَيَّرَةِ لِكَوْنِها مُسْتَحْسَنَةً مُسْتَغْرَبَةً عِنْدَهم. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وهارُونُ والخُفافُ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالياءِ وكِلاهُما مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ ومُوسى الأُسْوارِيُّ بِالياءِ مِن أسْفَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (لَنْ) أُخْتُ لا في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ إلّا أنْ تَنْفِيَهُ نَفْيًا مُؤَكَّدًا، وتَأْكِيدُهُ هُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ خَلْقَ الذُّبابِ مِنهم مُسْتَحِيلٌ مُنافٍ لِأحْوالِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: مُحالٌ أنْ يَخْلُقُوا. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ في (لَنْ) هو المَنقُولُ عَنْهُ أنَّ (لَنْ) لِلنَّفْيِ عَلى التَّأْيِيدِ، ألا تَراهُ فَسَرَّ ذَلِكَ بِالِاسْتِحالَةِ وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ يَجْعَلُ (لَنْ) مِثْلَ لا في النَّفْيِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] كَيْفَ جاءَ النَّفْيُ بِلا وهو الصَّحِيحُ، والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وبَدَأ تَعالى بِنَفْيِ اخْتِراعِهِمْ وخَلْقِهِمْ أقَلَّ المَخْلُوقاتِ مِن حَيْثُ إنَّ الِاخْتِراعَ صِفَةٌ لَهُ تَعالى ثابِتَةٌ مُخْتَصَّةٌ لا يُشْرِكُهُ فِيها أحَدٌ، وثَنّى بِالأمْرِ الَّذِي بَلَغَ بِهِمْ غايَةَ التَّعْجِيزِ وهو أمْرُ سَلْبِ (الذُّبابُ) وعَدَمُ اسْتِنْقاذِ شَيْءٍ مِمّا (يَسْلُبُهم) وكانَ الذُّبابُ كَثِيرًا عِنْدَ العَرَبِ، وكانُوا يُضَمِّخُونَ أوْثانَهم بِأنْواعِ الطِّيبِ فَكانَ الذُّبابُ يَذْهَبُ بِذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا يَطْلُونَها بِالزَّعْفَرانِ ورُؤُوسَها بِالعَسَلِ ويُغْلِقُونَ عَلَيْها فَيَدْخُلُ الذُّبابُ مِنَ الكُوى فَيَأْكُلُهُ. ومَوْضِعُ ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُصِبَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ مُسْتَحِيلٌ: أنْ يَخْلُقُوا الذُّبابَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمُ اجْتِماعُهم جَمِيعًا لِخَلْقِهِ، وتَعاوُنِهِمْ عَلَيْهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِ (ولَوْ) هَذِهِ، وتَقَرَّرَ أنَّ الواوَ فِيهِ لِلْعَطْفِ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي كانَتْ تَقْتَضِي أنْ يَخْلُقُوا لِأجْلِ اجْتِماعِهِمْ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ في مَقْدُورِهِمْ ذَلِكَ. ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّنَمُ والذُّبابُ، أيْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الضَّمُّ طالِبًا لِما سُلِبَ مِن طِيبِهِمْ عَلى مَعْهُودِ الأنَفَةِ في الحَيَوانِ. وقِيلَ (المَطْلُوبُ) الآلِهَةُ و(الطّالِبُ) الذُّبابُ فَضَعْفُ الآلِهَةِ أنْ لا مَنَعَةَ لَهم، وضَعْفُ الذُّبابِ في اسْتِلابِهِ ما عَلى الآلِهَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: العابِدُ والمَعْبُودُ فَضَعْفُ العابِدِ في طَلَبِهِمُ الخَيْرَ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ، وضَعْفُ المَعْبُودِ في إيصالِ ذَلِكَ لِعابِدِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ كالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الذُّبابِ في الضَّعْفِ، ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الطّالِبَ أضْعَفَ وأضْعَفَ، لِأنَّ الذُّبابَ حَيَوانٌ وهو جَمادٌ، وهو غالِبٌ وذاكَ مَغْلُوبٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ بِضَعْفِ الطّالِبِ والمَطْلُوبِ، ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حَيْثُ عَبَدُوا مَن هو مُنْسَلِخٌ عَنْ صِفاتِهِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ، ولَمْ يُؤَهِّلُوا خالِقَهم لِلْعِبادَةِ، ثُمَّ خَتَمَ بِصِفَتَيْنِ مُنافِيَتَيْنِ لِصِفاتِ آلِهَتِهِمْ مِنَ القُوَّةِ والغَلَبَةِ، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ الآيَةَ. نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ (p-٣٩١)الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] الآيَةَ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِنَ البَشَرِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ رُسُلَهُ مَلائِكَةٌ وبَشَرٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ المُكَلَّفِينَ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ، وإلَيْهِ مَرْجِعُ الأُمُورِ كُلِّها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ اصْطَفى رُسُلًا مِنَ البَشَرِ إلى الخَلْقِ، أمَرَهم بِإقامَةِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ التَّكالِيفِ، وهو الصَّلاةُ، قِيلَ: كانَ النّاسُ أوَّلَ ما أسْلَمُوا يَسْجُدُونَ بِلا رُكُوعٍ، ويَرْكَعُونَ بِلا سُجُودٍ، فَأُمِرُوا أنْ تَكُونَ صَلاتُهم بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ، واتَّفَقُوا عَلى مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ في آخِرِ آيَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ [الحج: ١٨]، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ لا يُسْجَدُ فِيها، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ أنَّهُ يُسْجَدُ فِيها، وبِهِ قالَ عُمَرُ وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وعُثْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو مُوسى، وابْنُ عَبّاسٍ، ﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ: أفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ، ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صِلَةُ الأرْحامِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ، ويَظْهَرُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّهم أُمِرُوا أوَّلًا: بِالصَّلاةِ، وهي نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ، وثانِيًا: بِالعِبادَةِ، وهي نَوْعٌ مِن فِعْلِ الخَيْرِ، وثالِثًا: بِفِعْلِ الخَيْرِ، وهو أعَمُّ مِنَ العِبادَةِ، فَبَدَأ بِخاصٍّ ثُمَّ بِعامٍّ ثُمَّ بِأعَمَّ. ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ أمْرٌ بِالجِهادِ في دِينِ اللَّهِ وإعْزازِ كَلِمَتِهِ، يَشْمَلُ جِهادَ الكُفّارِ والمُبْتَدِعَةِ، وجِهادَ النَّفْسِ. وقِيلَ: أمْرٌ بِجِهادِ الكُفّارِ خاصَّةً، ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ أيِ اسْتَفْرِغُوا جُهْدَكم وطاقَتَكم في ذَلِكَ، وأضافَ الجِهادَ إلَيْهِ تَعالى، لَمّا كانَ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ هو مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ ومِن أجْلِهِ، فالإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُتَّسَعَ في الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: ويَوْمَ شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا، انْتَهى. يَعْنِي بِالظَّرْفِ الجارَّ والمَجْرُورَ، كَأنَّهُ كانَ الأصْلُ حَقَّ جِهادٍ فِيهِ فاتَّسَعَ بِأنْ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وأُضِيفَ جِهادٌ إلى الضَّمِيرِ. و﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ مِن بابِ هو حَقُّ عالِمٍ وجِدُّ عالِمٍ، أيْ: عالِمٌ حَقًّا وعالِمٌ جِدًّا. وعَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أيْ: اخْتارَكم لِتَحَمُّلِ تَكْلِيفاتِهِ، وفي قَوْلِهِ: (هو) تَفْخِيمٌ واخْتِصاصٌ، أيْ هو لا غَيْرُهُ. (مِن حَرَجٍ) مِن تَضْيِيقٍ بَلْ هي حَنِيفِيَّةٌ سَمْحَةٌ لَيْسَ فِيها تَشْدِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ شُرِعَ فِيها التَّوْبَةُ والكَفّاراتُ والرُّخَصُ. وانْتَصَبَ ﴿مِلَّةَ أبِيكُمْ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَها (مِلَّةَ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَصَبَ المِلَّةَ بِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَها كَأنَّهُ قِيلَ: وسَّعَ دِينَكم تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أبِيكم، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ أعْنِي بِالدِّينِ ﴿مِلَّةَ أبِيكُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمِيدَ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: اتِّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ. وقالَ الفَرّاءُ: هو نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الكافِ، كَأنَّهُ قِيلَ كَلِمَةُ (أبِيكم) بِالإضافَةِ إلى أبِيهِ الرَّسُولِ، وأُمَّةُ الرَّسُولِ في حُكْمِ أوْلادِهِ، فَصارَ أبًا لِأُمَّتِهِ بِهَذِهِ الوَساطَةِ. وقِيلَ: لَمّا كانَ أكْثَرُهم مِن ولَدِهِ كالرَّسُولِ ورَهْطِهِ وجَمِيعِ العَرَبِ طُلِبَ الأكْثَرُ فَأُضِيفَ إلَيْهِمْ. وجاءَ قَوْلُهُ: (مِلَّةَ) (إبْراهِيمَ) بِاعْتِبارِ عِبادَةِ اللَّهِ، وتَرْكِ الأوْثانِ، وهو المَسُوقُ لَهُ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِاتِّباعِ في تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿هُوَ سَمّاكُمُ﴾ عائِدٌ عَلى (إبْراهِيمَ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، ودَعا إبْراهِيمُ فَقالَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَجَعَلَها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والحَسَنُ. وقِيلَ: يَعُودُ (هو) إلى اللَّهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ ﴿سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: في كُلِّ الكُتُبِ، (وفي هَذا) أيِ القُرْآنِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: اللَّهُ سَمّاكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ - يَعْنِي قَوْلَهُ: (وفي هَذا) - تَضْعِيفُ قَوْلِ مَن قالَ الضَّمِيرُ لِ إبْراهِيمَ، ولا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مِنَ الكَلامِ مُسْتَأْنَفٍ انْتَهى. وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ وسُمِّيتُمْ في هَذا القُرْآنِ المُسْلِمِينَ، والمَعْنى أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى الأُمَمِ، وسَمّاكم بِهَذا الِاسْمِ. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهم، وإذْ قَدْ خَصَّكم بِهَذِهِ الكَرامَةِ والأثَرَةِ فاعْبُدُوهُ وثِقُوا بِهِ ولا تَطْلُبُوا (p-٣٩٢)النُّصْرَةَ والوِلايَةَ إلّا مِنهُ، فَهو خَيْرُ مَوْلًى وناصِرٍ. وعَنْ قَتادَةَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ ما لَمْ يُعْطَهُ إلّا نَبِيٌّ. قِيلَ لِلنَّبِيِّ: أنْتَ شَهِيدٌ عَلى أُمَّتِكَ. وقِيلَ لَهُ: لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ. وقِيلَ لَهُ: سَلْ تُعْطَ. وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾، وقِيلَ لَهم: ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾، وقِيلَ لَهم: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿واعْتَصِمُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَلُوا رَبَّكم أنْ يَعْصِمَكم مِن كُلِّ ما يَكْرَهُ. وقالَ الحَسَنُ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ.

الحج 22:78

﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ . (p-٣٩٠)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ يَعْبُدُونَ ما لا دَلِيلَ عَلى عِبادَتِهِ لا مِن سَمْعٍ ولا مِن عَقْلٍ ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ مَن خَلَقَهم، ذَكَرَ ما عَلَيْهِ مَعْبُوداتُهم مِنِ انْتِفاءِ القُدْرَةِ عَلى خَلْقِ أقَلِّ الأشْياءِ بَلْ عَلى رَدِّ ما أخَذَهُ ذَلِكَ الأقَلُّ مِنهُ، وفي ذَلِكَ تَجْهِيلٌ عَظِيمٌ لَهم حَيْثُ عَبَدُوا مَن هَذِهِ صَفَتُهُ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أرادَ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهم خَطَأ الكافِرِينَ فَيَكُونُ (تَدْعُونَ) خِطابًا لِغَيْرِهِمُ الكُفّارِ عابِدِي غَيْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: الخِطابُ عامٌّ يَشْمَلُ مَن نَظَرَ في أمْرِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ قُبْحُ ذَلِكَ. و(ضُرِبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والظّاهِرُ أنَّ ضارِبَ المَثَلِ هو اللَّهُ تَعالى، ضَرَبَ مَثَلًا لِما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ أيْ بَيَّنَ شُبَهًا لَكم ولِمَعْبُودِكم. وقِيلَ: ضارِبُ المَثَلِ هُمِ الكُفّارُ، جَعَلُوا مَثَلًا لِلَّهِ تَعالى أصْنامَهم وأوْثانَهم أيْ فاسْمَعُوا أنْتُمْ أيُّها النّاسُ لِحالِ هَذا المَثَلِ ونَحْوِهِ ما قالَ الأخْفَشُ قالَ: لَيْسَ هَهُنا (مَثَلٌ) وإنَّما المَعْنى جَعَلَ الكُفّارَ لِلَّهِ مَثَلًا. وقِيلَ: هو (مَثَلٌ) مِن حَيْثُ المَعْنى لِأنَّهُ (ضُرِبَ مَثَلٌ) مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ بِمَن يَعْبُدُ ما لا يَخْلُقُ ذُبابًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الَّذِي جاءَ بِهِ لَيْسَ بِمَثَلٍ فَكَيْفَ سَمّاهُ مَثَلًا ؟ قُلْتُ: قَدْ سَمَّيْتُ الصِّفَةَ أوِ القِصَّةَ الرّائِقَةَ المُتَلَقّاةَ بِالِاسْتِحْسانِ والِاسْتِغْرابِ مَثَلًا تَشْبِيهًا لَها بِبَعْضِ الأمْثالِ المُسَيَّرَةِ لِكَوْنِها مُسْتَحْسَنَةً مُسْتَغْرَبَةً عِنْدَهم. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وهارُونُ والخُفافُ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالياءِ وكِلاهُما مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ ومُوسى الأُسْوارِيُّ بِالياءِ مِن أسْفَلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (لَنْ) أُخْتُ لا في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ إلّا أنْ تَنْفِيَهُ نَفْيًا مُؤَكَّدًا، وتَأْكِيدُهُ هُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ خَلْقَ الذُّبابِ مِنهم مُسْتَحِيلٌ مُنافٍ لِأحْوالِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: مُحالٌ أنْ يَخْلُقُوا. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ الَّذِي قالَهُ في (لَنْ) هو المَنقُولُ عَنْهُ أنَّ (لَنْ) لِلنَّفْيِ عَلى التَّأْيِيدِ، ألا تَراهُ فَسَرَّ ذَلِكَ بِالِاسْتِحالَةِ وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ يَجْعَلُ (لَنْ) مِثْلَ لا في النَّفْيِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] كَيْفَ جاءَ النَّفْيُ بِلا وهو الصَّحِيحُ، والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وبَدَأ تَعالى بِنَفْيِ اخْتِراعِهِمْ وخَلْقِهِمْ أقَلَّ المَخْلُوقاتِ مِن حَيْثُ إنَّ الِاخْتِراعَ صِفَةٌ لَهُ تَعالى ثابِتَةٌ مُخْتَصَّةٌ لا يُشْرِكُهُ فِيها أحَدٌ، وثَنّى بِالأمْرِ الَّذِي بَلَغَ بِهِمْ غايَةَ التَّعْجِيزِ وهو أمْرُ سَلْبِ (الذُّبابُ) وعَدَمُ اسْتِنْقاذِ شَيْءٍ مِمّا (يَسْلُبُهم) وكانَ الذُّبابُ كَثِيرًا عِنْدَ العَرَبِ، وكانُوا يُضَمِّخُونَ أوْثانَهم بِأنْواعِ الطِّيبِ فَكانَ الذُّبابُ يَذْهَبُ بِذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا يَطْلُونَها بِالزَّعْفَرانِ ورُؤُوسَها بِالعَسَلِ ويُغْلِقُونَ عَلَيْها فَيَدْخُلُ الذُّبابُ مِنَ الكُوى فَيَأْكُلُهُ. ومَوْضِعُ ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُصِبَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ مُسْتَحِيلٌ: أنْ يَخْلُقُوا الذُّبابَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمُ اجْتِماعُهم جَمِيعًا لِخَلْقِهِ، وتَعاوُنِهِمْ عَلَيْهِ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِ (ولَوْ) هَذِهِ، وتَقَرَّرَ أنَّ الواوَ فِيهِ لِلْعَطْفِ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي كانَتْ تَقْتَضِي أنْ يَخْلُقُوا لِأجْلِ اجْتِماعِهِمْ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ في مَقْدُورِهِمْ ذَلِكَ. ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّنَمُ والذُّبابُ، أيْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الضَّمُّ طالِبًا لِما سُلِبَ مِن طِيبِهِمْ عَلى مَعْهُودِ الأنَفَةِ في الحَيَوانِ. وقِيلَ (المَطْلُوبُ) الآلِهَةُ و(الطّالِبُ) الذُّبابُ فَضَعْفُ الآلِهَةِ أنْ لا مَنَعَةَ لَهم، وضَعْفُ الذُّبابِ في اسْتِلابِهِ ما عَلى الآلِهَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: العابِدُ والمَعْبُودُ فَضَعْفُ العابِدِ في طَلَبِهِمُ الخَيْرَ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ، وضَعْفُ المَعْبُودِ في إيصالِ ذَلِكَ لِعابِدِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ كالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الذُّبابِ في الضَّعْفِ، ولَوْ حَقَّقْتَ وجَدْتَ الطّالِبَ أضْعَفَ وأضْعَفَ، لِأنَّ الذُّبابَ حَيَوانٌ وهو جَمادٌ، وهو غالِبٌ وذاكَ مَغْلُوبٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ بِضَعْفِ الطّالِبِ والمَطْلُوبِ، ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حَيْثُ عَبَدُوا مَن هو مُنْسَلِخٌ عَنْ صِفاتِهِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ، ولَمْ يُؤَهِّلُوا خالِقَهم لِلْعِبادَةِ، ثُمَّ خَتَمَ بِصِفَتَيْنِ مُنافِيَتَيْنِ لِصِفاتِ آلِهَتِهِمْ مِنَ القُوَّةِ والغَلَبَةِ، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ الآيَةَ. نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ (p-٣٩١)الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] الآيَةَ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِنَ البَشَرِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ رُسُلَهُ مَلائِكَةٌ وبَشَرٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ المُكَلَّفِينَ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ، وإلَيْهِ مَرْجِعُ الأُمُورِ كُلِّها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ اصْطَفى رُسُلًا مِنَ البَشَرِ إلى الخَلْقِ، أمَرَهم بِإقامَةِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ التَّكالِيفِ، وهو الصَّلاةُ، قِيلَ: كانَ النّاسُ أوَّلَ ما أسْلَمُوا يَسْجُدُونَ بِلا رُكُوعٍ، ويَرْكَعُونَ بِلا سُجُودٍ، فَأُمِرُوا أنْ تَكُونَ صَلاتُهم بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ، واتَّفَقُوا عَلى مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ في آخِرِ آيَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ [الحج: ١٨]، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ لا يُسْجَدُ فِيها، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ أنَّهُ يُسْجَدُ فِيها، وبِهِ قالَ عُمَرُ وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وعُثْمانُ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو مُوسى، وابْنُ عَبّاسٍ، ﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ: أفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ، ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صِلَةُ الأرْحامِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ، ويَظْهَرُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّهم أُمِرُوا أوَّلًا: بِالصَّلاةِ، وهي نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ، وثانِيًا: بِالعِبادَةِ، وهي نَوْعٌ مِن فِعْلِ الخَيْرِ، وثالِثًا: بِفِعْلِ الخَيْرِ، وهو أعَمُّ مِنَ العِبادَةِ، فَبَدَأ بِخاصٍّ ثُمَّ بِعامٍّ ثُمَّ بِأعَمَّ. ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ أمْرٌ بِالجِهادِ في دِينِ اللَّهِ وإعْزازِ كَلِمَتِهِ، يَشْمَلُ جِهادَ الكُفّارِ والمُبْتَدِعَةِ، وجِهادَ النَّفْسِ. وقِيلَ: أمْرٌ بِجِهادِ الكُفّارِ خاصَّةً، ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ أيِ اسْتَفْرِغُوا جُهْدَكم وطاقَتَكم في ذَلِكَ، وأضافَ الجِهادَ إلَيْهِ تَعالى، لَمّا كانَ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ مِن حَيْثُ هو مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ ومِن أجْلِهِ، فالإضافَةُ تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُتَّسَعَ في الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: ويَوْمَ شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا، انْتَهى. يَعْنِي بِالظَّرْفِ الجارَّ والمَجْرُورَ، كَأنَّهُ كانَ الأصْلُ حَقَّ جِهادٍ فِيهِ فاتَّسَعَ بِأنْ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وأُضِيفَ جِهادٌ إلى الضَّمِيرِ. و﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ مِن بابِ هو حَقُّ عالِمٍ وجِدُّ عالِمٍ، أيْ: عالِمٌ حَقًّا وعالِمٌ جِدًّا. وعَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أيْ: اخْتارَكم لِتَحَمُّلِ تَكْلِيفاتِهِ، وفي قَوْلِهِ: (هو) تَفْخِيمٌ واخْتِصاصٌ، أيْ هو لا غَيْرُهُ. (مِن حَرَجٍ) مِن تَضْيِيقٍ بَلْ هي حَنِيفِيَّةٌ سَمْحَةٌ لَيْسَ فِيها تَشْدِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ شُرِعَ فِيها التَّوْبَةُ والكَفّاراتُ والرُّخَصُ. وانْتَصَبَ ﴿مِلَّةَ أبِيكُمْ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَها (مِلَّةَ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَصَبَ المِلَّةَ بِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَها كَأنَّهُ قِيلَ: وسَّعَ دِينَكم تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أبِيكم، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ أعْنِي بِالدِّينِ ﴿مِلَّةَ أبِيكُمْ﴾ كَقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمِيدَ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: اتِّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ. وقالَ الفَرّاءُ: هو نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الكافِ، كَأنَّهُ قِيلَ كَلِمَةُ (أبِيكم) بِالإضافَةِ إلى أبِيهِ الرَّسُولِ، وأُمَّةُ الرَّسُولِ في حُكْمِ أوْلادِهِ، فَصارَ أبًا لِأُمَّتِهِ بِهَذِهِ الوَساطَةِ. وقِيلَ: لَمّا كانَ أكْثَرُهم مِن ولَدِهِ كالرَّسُولِ ورَهْطِهِ وجَمِيعِ العَرَبِ طُلِبَ الأكْثَرُ فَأُضِيفَ إلَيْهِمْ. وجاءَ قَوْلُهُ: (مِلَّةَ) (إبْراهِيمَ) بِاعْتِبارِ عِبادَةِ اللَّهِ، وتَرْكِ الأوْثانِ، وهو المَسُوقُ لَهُ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِاتِّباعِ في تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿هُوَ سَمّاكُمُ﴾ عائِدٌ عَلى (إبْراهِيمَ)، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، ودَعا إبْراهِيمُ فَقالَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ فَجَعَلَها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والحَسَنُ. وقِيلَ: يَعُودُ (هو) إلى اللَّهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ ﴿سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: في كُلِّ الكُتُبِ، (وفي هَذا) أيِ القُرْآنِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ: اللَّهُ سَمّاكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ اللَّفْظَةُ - يَعْنِي قَوْلَهُ: (وفي هَذا) - تَضْعِيفُ قَوْلِ مَن قالَ الضَّمِيرُ لِ إبْراهِيمَ، ولا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مِنَ الكَلامِ مُسْتَأْنَفٍ انْتَهى. وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ وسُمِّيتُمْ في هَذا القُرْآنِ المُسْلِمِينَ، والمَعْنى أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى الأُمَمِ، وسَمّاكم بِهَذا الِاسْمِ. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهم، وإذْ قَدْ خَصَّكم بِهَذِهِ الكَرامَةِ والأثَرَةِ فاعْبُدُوهُ وثِقُوا بِهِ ولا تَطْلُبُوا (p-٣٩٢)النُّصْرَةَ والوِلايَةَ إلّا مِنهُ، فَهو خَيْرُ مَوْلًى وناصِرٍ. وعَنْ قَتادَةَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ ما لَمْ يُعْطَهُ إلّا نَبِيٌّ. قِيلَ لِلنَّبِيِّ: أنْتَ شَهِيدٌ عَلى أُمَّتِكَ. وقِيلَ لَهُ: لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ. وقِيلَ لَهُ: سَلْ تُعْطَ. وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾، وقِيلَ لَهم: ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾، وقِيلَ لَهم: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿واعْتَصِمُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَلُوا رَبَّكم أنْ يَعْصِمَكم مِن كُلِّ ما يَكْرَهُ. وقالَ الحَسَنُ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ.

المؤمنون 23:1

سُورَةُ المُؤْمِنُونَ مِائَةٌ وتِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٩] ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١] ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦] ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢] ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩] ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٢] ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] (p-٣٩٣)”السُّلالَةُ“: فُعالَةٌ مِن سَلَلْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ مِنهُ. وقالَ أُمَيَّةُ: ؎خَلَقَ البَرِيَّةَ مِن سُلالَةِ مُنْتِنٍ وإلى السُّلالَةِ كُلُّها سَتَعُودُ والوَلَدُ سُلالَةُ أبِيهِ كَأنَّهُ انْسَلَّ مِن ظَهْرِ أبِيهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَجاءَتْ بِهِ عَصْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ وهُوَ بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والنُّحاتَةِ. سَيْناءُ وسِينُونَ: اسْمانِ لِبُقْعَةٍ، وجُمْهُورُ العَرَبِ عَلى فَتْحِ سِينِ سَيْناءَ، فالألِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ كَصَحْراءَ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ، وكِنانَةُ تَكْسِرُ السِّينَ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ أيْضًا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ؛ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ أنَّ هَمْزَةَ فَعْلاءَ تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ يَمْتَنِعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ أوِ العَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لِأنَّ ألِفَ فَعْلاءَ عِنْدَهم لا تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ بَلْ لِلْإلْحاقِ كَعِلْباءَ ودَرْحاءَ. قِيلَ: وهو جَبَلُ فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ. ”الدُّهْنُ“: عُصارَةُ الزَّيْتُونِ واللَّوْزِ وما أشْبَهَهُما مِمّا فِيهِ دَسَمٌ، والدَّهْنُ: بِفَتْحِ الدّالِ مَسْحُ الشَّيْءِ بِالدُّهْنِ. ”هَيْهاتَ“: اسْمُ فِعْلٍ يُفِيدُ الِاسْتِبْعادَ فَمَعْناها بَعُدَ، وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرْناها في كِتابِ التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ، ويَأْتِي مِنها ما قُرِئَ بِهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - . ”الغُثاءُ“: الزَّبَدُ وما ارْتَفَعَ عَلى السَّيْلِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يُنْتَفَعُ بِهِ؛ قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الأخْفَشُ: الغُثاءُ والجُفاءُ واحِدٌ، وهو ما احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنَ القَذَرِ والزَّبَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البالِي مِن ورَقِ الشَّجَرِ إذا جَرى السَّيْلُ خالَطَ زَبَدَهُ، انْتَهى. وتُشَدَّدُ ثاؤُهُ وتُخَفَّفُ، ويُجْمَعُ عَلى أغْثاءٍ شُذُوذًا، ورَوى بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ: مِنَ السَّيْلِ، والغُثاءُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ الجَمْعُ. ”تَتْرى“ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ. قالَ الأصْمَعِيُّ: وبَيْنَهُما مُهْلَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: المُواتَرَةُ التَّتابُعُ بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وتاؤُهُ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، إذْ أصْلُهُ الوَتَرُ كَتاءِ تَوْلَجَ وتَيْقُورٌ الأصْلُ ووْلَجَ ووَيْقُورٌ لِأنَّهُ مِنَ الوُلُوجِ والوَقارِ، وجُمْهُورُ العَرَبِ عَلى عَدَمِ تَنْوِينِهِ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ (p-٣٩٤)وكِنانَةُ تُنَوِّنُهُ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الألِفُ فِيهِ لِلْإلْحاقِ كَهي في عَلْقًى المُنَوَّنِ، وكَتْبُهُ بِالياءِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ومَن زَعَمَ أنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ كَصَبْرًا ونَصْرًا فَهو مُخْطِئٌ لِأنَّهُ يَكُونُ وزْنُهُ فَعْلًا ولا يُحْفَظُ فِيهِ الإعْرابُ في الرّاءِ، فَتَقُولَ تَتْرٌ في الرَّفْعِ وتَتْرٍ في الجَرِّ لَكِنَّ ألِفَ الإلْحاقِ في المَصْدَرِ نادِرٌ، ولا يَلْزَمُ وُجُودُ النَّظِيرِ. وقِيلَ: ”تَتْرى“ اسْمُ جَمْعٍ كَأسْرى وشَتّى. المَعِينُ: المِيمُ فِيهِ زائِدَةٌ ووَزْنُهُ مَفْعُولٌ كَمَخِيطٍ، وهو المُشاهَدُ جَرْيُهُ بِالعَيْنِ تَقُولُ: عانَهُ أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ كَقَوْلِكَ: كَبَدَهُ ضَرَبَ كَبِدَهُ، وأدْخَلَهُ الخَلِيلُ في بابِ (ع ي ن) . وقِيلَ: المِيمُ أصْلِيَّةٌ مِن بابِ مَعَنَ الشَّيْءُ مَعانَةً كَثُرَ فَوَزْنُهُ فَعِيلٌ، وأجازَ الفَرّاءُ الوَجْهَيْنِ. وقالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الَّذِينَ غَدَوْا بِلُبِّكَ غادَرُوا ∗∗∗ وشَلًا بِعَيْنِكَ ما يَزالُ مَعِينًا ”الغَمْرَةُ“: الجَهالَةُ رَجَلٌ غَمْرٌ غافِلٌ لَمْ يُجَرِّبِ الأُمُورَ، وأصْلُهُ السَّتْرُ، ومِنهُ الغَمْرُ لِلْحِقْدِ لِأنَّهُ يُغَطِّي القَلْبَ، والغَمْرُ لِلْماءِ الكَثِيرِ لِأنَّهُ يُغَطِّي الأرْضَ، والغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، والغَمَراتُ الشَّدائِدُ، ورَجُلٌ غامِرٌ إذا كانَ يُلْقِي نَفْسَهُ في المَهالِكِ، ودَخَلَ في غِمارِ النّاسِ أيْ في زَحْمَتِهِمْ. الجُؤارُ: مِثْلُ الخُوارِ جَأرَ الثَّوْرُ يَجْأرُ صاحَ، وجَأرَ الرَّجُلُ إلى اللَّهِ تَضَرَّعَ بِالدُّعاءِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيكِ ∗∗∗ فَطَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا وقِيلَ: الجُؤارُ الصُّراخُ بِاسْتِغاثَةٍ قالَ: جَأرَ ساعاتِ النِّيامِ لِرَبِّهِ. السّامِرُ: مُفْرَدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، يُقالُ: قَوْمٌ سامِرٌ وسُمَّرٌ ومَعْناهُ سَهَرُ اللَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّمَرِ، وهو ما يَقَعُ عَلى الشَّجَرِ مِن ضَوْءِ القَمَرِ، وكانُوا يَجْلِسُونَ لِلْحَدِيثِ في ضَوْءِ القَمَرِ، والسَّمِيرُ الرَّفِيقُ بِاللَّيْلِ في السَّهَرِ ويُقالُ لَهُ السَّمّارُ أيْضًا، ويُقالُ لا أفْعَلُهُ ما أسْمَرَ ابْنا سَمِيرٍ، والسَّمِيرُ الدَّهْرُ وابْناهُ اللَّيْلُ والنَّهارُ. نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ، ونَكَّبَ بِالتَّشْدِيدِ: إذا عَدَلَ عَنْهُ. اللَّجاجُ في الشَّيْءِ: التَّمادِي عَلَيْهِ.

المؤمنون 23:2

سُورَةُ المُؤْمِنُونَ مِائَةٌ وتِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٩] ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١] ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦] ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢] ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩] ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٢] ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] (p-٣٩٣)”السُّلالَةُ“: فُعالَةٌ مِن سَلَلْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ مِنهُ. وقالَ أُمَيَّةُ: ؎خَلَقَ البَرِيَّةَ مِن سُلالَةِ مُنْتِنٍ وإلى السُّلالَةِ كُلُّها سَتَعُودُ والوَلَدُ سُلالَةُ أبِيهِ كَأنَّهُ انْسَلَّ مِن ظَهْرِ أبِيهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَجاءَتْ بِهِ عَصْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ وهُوَ بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والنُّحاتَةِ. سَيْناءُ وسِينُونَ: اسْمانِ لِبُقْعَةٍ، وجُمْهُورُ العَرَبِ عَلى فَتْحِ سِينِ سَيْناءَ، فالألِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ كَصَحْراءَ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ، وكِنانَةُ تَكْسِرُ السِّينَ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ أيْضًا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ؛ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ أنَّ هَمْزَةَ فَعْلاءَ تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ يَمْتَنِعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ أوِ العَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لِأنَّ ألِفَ فَعْلاءَ عِنْدَهم لا تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ بَلْ لِلْإلْحاقِ كَعِلْباءَ ودَرْحاءَ. قِيلَ: وهو جَبَلُ فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ. ”الدُّهْنُ“: عُصارَةُ الزَّيْتُونِ واللَّوْزِ وما أشْبَهَهُما مِمّا فِيهِ دَسَمٌ، والدَّهْنُ: بِفَتْحِ الدّالِ مَسْحُ الشَّيْءِ بِالدُّهْنِ. ”هَيْهاتَ“: اسْمُ فِعْلٍ يُفِيدُ الِاسْتِبْعادَ فَمَعْناها بَعُدَ، وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرْناها في كِتابِ التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ، ويَأْتِي مِنها ما قُرِئَ بِهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - . ”الغُثاءُ“: الزَّبَدُ وما ارْتَفَعَ عَلى السَّيْلِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يُنْتَفَعُ بِهِ؛ قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الأخْفَشُ: الغُثاءُ والجُفاءُ واحِدٌ، وهو ما احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنَ القَذَرِ والزَّبَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البالِي مِن ورَقِ الشَّجَرِ إذا جَرى السَّيْلُ خالَطَ زَبَدَهُ، انْتَهى. وتُشَدَّدُ ثاؤُهُ وتُخَفَّفُ، ويُجْمَعُ عَلى أغْثاءٍ شُذُوذًا، ورَوى بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ: مِنَ السَّيْلِ، والغُثاءُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ الجَمْعُ. ”تَتْرى“ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ. قالَ الأصْمَعِيُّ: وبَيْنَهُما مُهْلَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: المُواتَرَةُ التَّتابُعُ بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وتاؤُهُ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، إذْ أصْلُهُ الوَتَرُ كَتاءِ تَوْلَجَ وتَيْقُورٌ الأصْلُ ووْلَجَ ووَيْقُورٌ لِأنَّهُ مِنَ الوُلُوجِ والوَقارِ، وجُمْهُورُ العَرَبِ عَلى عَدَمِ تَنْوِينِهِ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ (p-٣٩٤)وكِنانَةُ تُنَوِّنُهُ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الألِفُ فِيهِ لِلْإلْحاقِ كَهي في عَلْقًى المُنَوَّنِ، وكَتْبُهُ بِالياءِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ومَن زَعَمَ أنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ كَصَبْرًا ونَصْرًا فَهو مُخْطِئٌ لِأنَّهُ يَكُونُ وزْنُهُ فَعْلًا ولا يُحْفَظُ فِيهِ الإعْرابُ في الرّاءِ، فَتَقُولَ تَتْرٌ في الرَّفْعِ وتَتْرٍ في الجَرِّ لَكِنَّ ألِفَ الإلْحاقِ في المَصْدَرِ نادِرٌ، ولا يَلْزَمُ وُجُودُ النَّظِيرِ. وقِيلَ: ”تَتْرى“ اسْمُ جَمْعٍ كَأسْرى وشَتّى. المَعِينُ: المِيمُ فِيهِ زائِدَةٌ ووَزْنُهُ مَفْعُولٌ كَمَخِيطٍ، وهو المُشاهَدُ جَرْيُهُ بِالعَيْنِ تَقُولُ: عانَهُ أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ كَقَوْلِكَ: كَبَدَهُ ضَرَبَ كَبِدَهُ، وأدْخَلَهُ الخَلِيلُ في بابِ (ع ي ن) . وقِيلَ: المِيمُ أصْلِيَّةٌ مِن بابِ مَعَنَ الشَّيْءُ مَعانَةً كَثُرَ فَوَزْنُهُ فَعِيلٌ، وأجازَ الفَرّاءُ الوَجْهَيْنِ. وقالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الَّذِينَ غَدَوْا بِلُبِّكَ غادَرُوا ∗∗∗ وشَلًا بِعَيْنِكَ ما يَزالُ مَعِينًا ”الغَمْرَةُ“: الجَهالَةُ رَجَلٌ غَمْرٌ غافِلٌ لَمْ يُجَرِّبِ الأُمُورَ، وأصْلُهُ السَّتْرُ، ومِنهُ الغَمْرُ لِلْحِقْدِ لِأنَّهُ يُغَطِّي القَلْبَ، والغَمْرُ لِلْماءِ الكَثِيرِ لِأنَّهُ يُغَطِّي الأرْضَ، والغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، والغَمَراتُ الشَّدائِدُ، ورَجُلٌ غامِرٌ إذا كانَ يُلْقِي نَفْسَهُ في المَهالِكِ، ودَخَلَ في غِمارِ النّاسِ أيْ في زَحْمَتِهِمْ. الجُؤارُ: مِثْلُ الخُوارِ جَأرَ الثَّوْرُ يَجْأرُ صاحَ، وجَأرَ الرَّجُلُ إلى اللَّهِ تَضَرَّعَ بِالدُّعاءِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيكِ ∗∗∗ فَطَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا وقِيلَ: الجُؤارُ الصُّراخُ بِاسْتِغاثَةٍ قالَ: جَأرَ ساعاتِ النِّيامِ لِرَبِّهِ. السّامِرُ: مُفْرَدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، يُقالُ: قَوْمٌ سامِرٌ وسُمَّرٌ ومَعْناهُ سَهَرُ اللَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّمَرِ، وهو ما يَقَعُ عَلى الشَّجَرِ مِن ضَوْءِ القَمَرِ، وكانُوا يَجْلِسُونَ لِلْحَدِيثِ في ضَوْءِ القَمَرِ، والسَّمِيرُ الرَّفِيقُ بِاللَّيْلِ في السَّهَرِ ويُقالُ لَهُ السَّمّارُ أيْضًا، ويُقالُ لا أفْعَلُهُ ما أسْمَرَ ابْنا سَمِيرٍ، والسَّمِيرُ الدَّهْرُ وابْناهُ اللَّيْلُ والنَّهارُ. نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ، ونَكَّبَ بِالتَّشْدِيدِ: إذا عَدَلَ عَنْهُ. اللَّجاجُ في الشَّيْءِ: التَّمادِي عَلَيْهِ.

المؤمنون 23:3

سُورَةُ المُؤْمِنُونَ مِائَةٌ وتِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٩] ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١] ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦] ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢] ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩] ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٢] ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] (p-٣٩٣)”السُّلالَةُ“: فُعالَةٌ مِن سَلَلْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ مِنهُ. وقالَ أُمَيَّةُ: ؎خَلَقَ البَرِيَّةَ مِن سُلالَةِ مُنْتِنٍ وإلى السُّلالَةِ كُلُّها سَتَعُودُ والوَلَدُ سُلالَةُ أبِيهِ كَأنَّهُ انْسَلَّ مِن ظَهْرِ أبِيهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَجاءَتْ بِهِ عَصْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ وهُوَ بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والنُّحاتَةِ. سَيْناءُ وسِينُونَ: اسْمانِ لِبُقْعَةٍ، وجُمْهُورُ العَرَبِ عَلى فَتْحِ سِينِ سَيْناءَ، فالألِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ كَصَحْراءَ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ، وكِنانَةُ تَكْسِرُ السِّينَ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ أيْضًا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ؛ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ أنَّ هَمْزَةَ فَعْلاءَ تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ يَمْتَنِعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ أوِ العَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لِأنَّ ألِفَ فَعْلاءَ عِنْدَهم لا تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ بَلْ لِلْإلْحاقِ كَعِلْباءَ ودَرْحاءَ. قِيلَ: وهو جَبَلُ فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ. ”الدُّهْنُ“: عُصارَةُ الزَّيْتُونِ واللَّوْزِ وما أشْبَهَهُما مِمّا فِيهِ دَسَمٌ، والدَّهْنُ: بِفَتْحِ الدّالِ مَسْحُ الشَّيْءِ بِالدُّهْنِ. ”هَيْهاتَ“: اسْمُ فِعْلٍ يُفِيدُ الِاسْتِبْعادَ فَمَعْناها بَعُدَ، وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرْناها في كِتابِ التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ، ويَأْتِي مِنها ما قُرِئَ بِهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - . ”الغُثاءُ“: الزَّبَدُ وما ارْتَفَعَ عَلى السَّيْلِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يُنْتَفَعُ بِهِ؛ قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الأخْفَشُ: الغُثاءُ والجُفاءُ واحِدٌ، وهو ما احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنَ القَذَرِ والزَّبَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البالِي مِن ورَقِ الشَّجَرِ إذا جَرى السَّيْلُ خالَطَ زَبَدَهُ، انْتَهى. وتُشَدَّدُ ثاؤُهُ وتُخَفَّفُ، ويُجْمَعُ عَلى أغْثاءٍ شُذُوذًا، ورَوى بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ: مِنَ السَّيْلِ، والغُثاءُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ الجَمْعُ. ”تَتْرى“ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ. قالَ الأصْمَعِيُّ: وبَيْنَهُما مُهْلَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: المُواتَرَةُ التَّتابُعُ بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وتاؤُهُ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، إذْ أصْلُهُ الوَتَرُ كَتاءِ تَوْلَجَ وتَيْقُورٌ الأصْلُ ووْلَجَ ووَيْقُورٌ لِأنَّهُ مِنَ الوُلُوجِ والوَقارِ، وجُمْهُورُ العَرَبِ عَلى عَدَمِ تَنْوِينِهِ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ (p-٣٩٤)وكِنانَةُ تُنَوِّنُهُ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الألِفُ فِيهِ لِلْإلْحاقِ كَهي في عَلْقًى المُنَوَّنِ، وكَتْبُهُ بِالياءِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ومَن زَعَمَ أنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ كَصَبْرًا ونَصْرًا فَهو مُخْطِئٌ لِأنَّهُ يَكُونُ وزْنُهُ فَعْلًا ولا يُحْفَظُ فِيهِ الإعْرابُ في الرّاءِ، فَتَقُولَ تَتْرٌ في الرَّفْعِ وتَتْرٍ في الجَرِّ لَكِنَّ ألِفَ الإلْحاقِ في المَصْدَرِ نادِرٌ، ولا يَلْزَمُ وُجُودُ النَّظِيرِ. وقِيلَ: ”تَتْرى“ اسْمُ جَمْعٍ كَأسْرى وشَتّى. المَعِينُ: المِيمُ فِيهِ زائِدَةٌ ووَزْنُهُ مَفْعُولٌ كَمَخِيطٍ، وهو المُشاهَدُ جَرْيُهُ بِالعَيْنِ تَقُولُ: عانَهُ أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ كَقَوْلِكَ: كَبَدَهُ ضَرَبَ كَبِدَهُ، وأدْخَلَهُ الخَلِيلُ في بابِ (ع ي ن) . وقِيلَ: المِيمُ أصْلِيَّةٌ مِن بابِ مَعَنَ الشَّيْءُ مَعانَةً كَثُرَ فَوَزْنُهُ فَعِيلٌ، وأجازَ الفَرّاءُ الوَجْهَيْنِ. وقالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الَّذِينَ غَدَوْا بِلُبِّكَ غادَرُوا ∗∗∗ وشَلًا بِعَيْنِكَ ما يَزالُ مَعِينًا ”الغَمْرَةُ“: الجَهالَةُ رَجَلٌ غَمْرٌ غافِلٌ لَمْ يُجَرِّبِ الأُمُورَ، وأصْلُهُ السَّتْرُ، ومِنهُ الغَمْرُ لِلْحِقْدِ لِأنَّهُ يُغَطِّي القَلْبَ، والغَمْرُ لِلْماءِ الكَثِيرِ لِأنَّهُ يُغَطِّي الأرْضَ، والغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، والغَمَراتُ الشَّدائِدُ، ورَجُلٌ غامِرٌ إذا كانَ يُلْقِي نَفْسَهُ في المَهالِكِ، ودَخَلَ في غِمارِ النّاسِ أيْ في زَحْمَتِهِمْ. الجُؤارُ: مِثْلُ الخُوارِ جَأرَ الثَّوْرُ يَجْأرُ صاحَ، وجَأرَ الرَّجُلُ إلى اللَّهِ تَضَرَّعَ بِالدُّعاءِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيكِ ∗∗∗ فَطَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا وقِيلَ: الجُؤارُ الصُّراخُ بِاسْتِغاثَةٍ قالَ: جَأرَ ساعاتِ النِّيامِ لِرَبِّهِ. السّامِرُ: مُفْرَدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، يُقالُ: قَوْمٌ سامِرٌ وسُمَّرٌ ومَعْناهُ سَهَرُ اللَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّمَرِ، وهو ما يَقَعُ عَلى الشَّجَرِ مِن ضَوْءِ القَمَرِ، وكانُوا يَجْلِسُونَ لِلْحَدِيثِ في ضَوْءِ القَمَرِ، والسَّمِيرُ الرَّفِيقُ بِاللَّيْلِ في السَّهَرِ ويُقالُ لَهُ السَّمّارُ أيْضًا، ويُقالُ لا أفْعَلُهُ ما أسْمَرَ ابْنا سَمِيرٍ، والسَّمِيرُ الدَّهْرُ وابْناهُ اللَّيْلُ والنَّهارُ. نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ، ونَكَّبَ بِالتَّشْدِيدِ: إذا عَدَلَ عَنْهُ. اللَّجاجُ في الشَّيْءِ: التَّمادِي عَلَيْهِ.

المؤمنون 23:4

سُورَةُ المُؤْمِنُونَ مِائَةٌ وتِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٩] ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١] ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦] ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢] ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٣] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩] ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٢] ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩] ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] (p-٣٩٣)”السُّلالَةُ“: فُعالَةٌ مِن سَلَلْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ مِنهُ. وقالَ أُمَيَّةُ: ؎خَلَقَ البَرِيَّةَ مِن سُلالَةِ مُنْتِنٍ وإلى السُّلالَةِ كُلُّها سَتَعُودُ والوَلَدُ سُلالَةُ أبِيهِ كَأنَّهُ انْسَلَّ مِن ظَهْرِ أبِيهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَجاءَتْ بِهِ عَصْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ وهُوَ بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والنُّحاتَةِ. سَيْناءُ وسِينُونَ: اسْمانِ لِبُقْعَةٍ، وجُمْهُورُ العَرَبِ عَلى فَتْحِ سِينِ سَيْناءَ، فالألِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ كَصَحْراءَ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ، وكِنانَةُ تَكْسِرُ السِّينَ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ أيْضًا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ؛ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ أنَّ هَمْزَةَ فَعْلاءَ تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ يَمْتَنِعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ أوِ العَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لِأنَّ ألِفَ فَعْلاءَ عِنْدَهم لا تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ بَلْ لِلْإلْحاقِ كَعِلْباءَ ودَرْحاءَ. قِيلَ: وهو جَبَلُ فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ. ”الدُّهْنُ“: عُصارَةُ الزَّيْتُونِ واللَّوْزِ وما أشْبَهَهُما مِمّا فِيهِ دَسَمٌ، والدَّهْنُ: بِفَتْحِ الدّالِ مَسْحُ الشَّيْءِ بِالدُّهْنِ. ”هَيْهاتَ“: اسْمُ فِعْلٍ يُفِيدُ الِاسْتِبْعادَ فَمَعْناها بَعُدَ، وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرْناها في كِتابِ التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ، ويَأْتِي مِنها ما قُرِئَ بِهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - . ”الغُثاءُ“: الزَّبَدُ وما ارْتَفَعَ عَلى السَّيْلِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يُنْتَفَعُ بِهِ؛ قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. وقالَ الأخْفَشُ: الغُثاءُ والجُفاءُ واحِدٌ، وهو ما احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنَ القَذَرِ والزَّبَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البالِي مِن ورَقِ الشَّجَرِ إذا جَرى السَّيْلُ خالَطَ زَبَدَهُ، انْتَهى. وتُشَدَّدُ ثاؤُهُ وتُخَفَّفُ، ويُجْمَعُ عَلى أغْثاءٍ شُذُوذًا، ورَوى بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ: مِنَ السَّيْلِ، والغُثاءُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ الجَمْعُ. ”تَتْرى“ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ. قالَ الأصْمَعِيُّ: وبَيْنَهُما مُهْلَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ: المُواتَرَةُ التَّتابُعُ بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وتاؤُهُ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، إذْ أصْلُهُ الوَتَرُ كَتاءِ تَوْلَجَ وتَيْقُورٌ الأصْلُ ووْلَجَ ووَيْقُورٌ لِأنَّهُ مِنَ الوُلُوجِ والوَقارِ، وجُمْهُورُ العَرَبِ عَلى عَدَمِ تَنْوِينِهِ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ (p-٣٩٤)وكِنانَةُ تُنَوِّنُهُ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الألِفُ فِيهِ لِلْإلْحاقِ كَهي في عَلْقًى المُنَوَّنِ، وكَتْبُهُ بِالياءِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ومَن زَعَمَ أنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ كَصَبْرًا ونَصْرًا فَهو مُخْطِئٌ لِأنَّهُ يَكُونُ وزْنُهُ فَعْلًا ولا يُحْفَظُ فِيهِ الإعْرابُ في الرّاءِ، فَتَقُولَ تَتْرٌ في الرَّفْعِ وتَتْرٍ في الجَرِّ لَكِنَّ ألِفَ الإلْحاقِ في المَصْدَرِ نادِرٌ، ولا يَلْزَمُ وُجُودُ النَّظِيرِ. وقِيلَ: ”تَتْرى“ اسْمُ جَمْعٍ كَأسْرى وشَتّى. المَعِينُ: المِيمُ فِيهِ زائِدَةٌ ووَزْنُهُ مَفْعُولٌ كَمَخِيطٍ، وهو المُشاهَدُ جَرْيُهُ بِالعَيْنِ تَقُولُ: عانَهُ أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ كَقَوْلِكَ: كَبَدَهُ ضَرَبَ كَبِدَهُ، وأدْخَلَهُ الخَلِيلُ في بابِ (ع ي ن) . وقِيلَ: المِيمُ أصْلِيَّةٌ مِن بابِ مَعَنَ الشَّيْءُ مَعانَةً كَثُرَ فَوَزْنُهُ فَعِيلٌ، وأجازَ الفَرّاءُ الوَجْهَيْنِ. وقالَ جَرِيرٌ: ؎إنَّ الَّذِينَ غَدَوْا بِلُبِّكَ غادَرُوا ∗∗∗ وشَلًا بِعَيْنِكَ ما يَزالُ مَعِينًا ”الغَمْرَةُ“: الجَهالَةُ رَجَلٌ غَمْرٌ غافِلٌ لَمْ يُجَرِّبِ الأُمُورَ، وأصْلُهُ السَّتْرُ، ومِنهُ الغَمْرُ لِلْحِقْدِ لِأنَّهُ يُغَطِّي القَلْبَ، والغَمْرُ لِلْماءِ الكَثِيرِ لِأنَّهُ يُغَطِّي الأرْضَ، والغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ، والغَمَراتُ الشَّدائِدُ، ورَجُلٌ غامِرٌ إذا كانَ يُلْقِي نَفْسَهُ في المَهالِكِ، ودَخَلَ في غِمارِ النّاسِ أيْ في زَحْمَتِهِمْ. الجُؤارُ: مِثْلُ الخُوارِ جَأرَ الثَّوْرُ يَجْأرُ صاحَ، وجَأرَ الرَّجُلُ إلى اللَّهِ تَضَرَّعَ بِالدُّعاءِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيكِ ∗∗∗ فَطَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا وقِيلَ: الجُؤارُ الصُّراخُ بِاسْتِغاثَةٍ قالَ: جَأرَ ساعاتِ النِّيامِ لِرَبِّهِ. السّامِرُ: مُفْرَدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، يُقالُ: قَوْمٌ سامِرٌ وسُمَّرٌ ومَعْناهُ سَهَرُ اللَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّمَرِ، وهو ما يَقَعُ عَلى الشَّجَرِ مِن ضَوْءِ القَمَرِ، وكانُوا يَجْلِسُونَ لِلْحَدِيثِ في ضَوْءِ القَمَرِ، والسَّمِيرُ الرَّفِيقُ بِاللَّيْلِ في السَّهَرِ ويُقالُ لَهُ السَّمّارُ أيْضًا، ويُقالُ لا أفْعَلُهُ ما أسْمَرَ ابْنا سَمِيرٍ، والسَّمِيرُ الدَّهْرُ وابْناهُ اللَّيْلُ والنَّهارُ. نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ، ونَكَّبَ بِالتَّشْدِيدِ: إذا عَدَلَ عَنْهُ. اللَّجاجُ في الشَّيْءِ: التَّمادِي عَلَيْهِ.

المؤمنون 23:5

﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] . (p-٣٩٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وفي الصَّحِيحِ لِلْحاكِمِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ“ ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى عَشْرِ آياتٍ» . ومُناسَبَتُها لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بُقُولِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] الآيَةَ، وفِيها ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْجِيَةِ فَناسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إخْبارًا بِحُصُولِ ما كانُوا رَجَوْهُ مِنَ الفَلاحِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ﴿قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ ادْخُلُوا في الفَلاحِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن فَلَحَ لازِمًا أوْ يَكُونَ أفْلَحَ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا ولازِمًا. وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ وضَمِّ الحاءِ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ يَقْرَأُ ”قَدْ أفْلَحُوا المُؤْمِنُونَ“ فَقُلْتُ لَهُ: أتَلْحَنُ ؟ قالَ: نَعَمْ، كَما لَحَنَ أصْحابِي، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ مَرْجُوعَهُ في القِراءَةِ إلى ما رُوِيَ ولَيْسَ بِلَحْنٍ؛ لِأنَّهُ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ مَكْتُوبًا بِواوٍ بَعْدَ الحاءِ، وفي اللَّوامِحِ وحُذِفَتْ واوُ الجَمْعِ بَعْدَ الحاءِ لِالتِقائِهِما في الدَّرَجِ، وكانَتِ الكِتابَةُ عَلَيْها مَحْمُولَةً عَلى الوَصْلِ نَحْوَ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْهُ أيْ عَنْ طَلْحَةَ ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمَّةٍ بِغَيْرِ واوٍ اجْتِزاءً بِها عَنْها كَقَوْلِهِ: ؎فَلَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانُ حَوْلِي انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الواوَ في ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهُنا حُذِفَتْ لِلضَّرُورَةِ؛ فَلَيْسَتْ مِثْلَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ تَقْتَضِيهِ لِما هي تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ ولِما تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم، فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ، انْتَهى. والخُشُوعُ لُغَةً الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ هُنا أقْوالٌ: قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: هو السُّكُونُ وحُسْنُ الهَيْئَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَضُّ البَصَرِ وخَفْضُ الجَناحِ. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ: تَنْكِيسُ الرَّأْسِ. وقالَ الحَسَنُ: الخَوْفُ. وقالَ الضَّحّاكُ: وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ. وعَنْ عَلِيٍّ: تَرْكُ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ. وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ: إعْظامُ المَقامِ، وإخْلاصُ المَقالِ، واليَقِينُ التّامُّ، وجَمْعُ الِاهْتِمامِ. وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي رافِعًا بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رَمى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ»، ومِنَ الخُشُوعِ أنْ تُسْتَعْمَلَ الآدابُ فَيَتَوَقّى كَفَّ الثَّوْبِ، والعَبَثَ بِجَسَدِهِ وثِيابِهِ، والِالتِفاتَ، والتَّمَطِّيَ، والتَّثاؤُبَ، والتَّغْمِيضَ، وتَغْطِيَةَ الفَمِ، والسَّدْلَ، والفَرْقَعَةَ، والتَّشْبِيكَ، والِاخْتِصارَ، وتَقْلِيبَ الحَصى. وفي التَّحْرِيرِ: اخْتُلِفَ في الخُشُوعِ: هَلْ هو مِن فَرائِضِ الصَّلاةِ أوْ مِن فَضائِلِها ومُكَمِّلاتِها عَلى قَوْلَيْنِ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو أوَّلُ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ؛ قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أُضِيفَتِ الصَّلاةُ إلَيْهِمْ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ الصَّلاةَ دائِرَةٌ بَيْنَ المُصَلِّي والمُصَلّى لَهُ، فالمُصَلِّي هو المُنْتَفِعُ بِها وحْدَهُ وهي عُدَّتُهُ وذَخِيرَتُهُ فَهي صَلاتُهُ، وأمّا المُصَلّى لَهُ فَغَنِيٌّ مُتَعالٍ عَنِ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعِ بِها. ﴿اللَّغْوِ﴾ [المؤمنون: ٣] ما لا يَعْنِيكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كاللَّعِبِ والهَزْلِ، وما تُوجِبُ المُرُوءَةُ اطِّراحَهُ يَعْنِي أنَّ بِهِمْ مِنَ الجِدِّ ما يَشْغَلُهم عَنِ الهَزْلِ، لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُمُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، انْتَهى. وإذا تَقَدَّمَ مَعْمُولُ اسْمِ الفاعِلِ جازَ أنْ يُقَوّى تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ كالفِعْلِ، وكَذَلِكَ إذا تَأخَّرَ، لَكِنَّهُ مَعَ التَّقْدِيمِ أكْثَرُ فَلِذَلِكَ جاءَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] بِاللّامِ ولَوْ جاءَ مَنصُوبًا لَكانَ عَرَبِيًّا، والزَّكاةُ إنْ أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ صَحَّ نِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْها إذْ كُلُّ ما يَصْدُرُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ فُعِلَ، وإنْ أُرِيدَ بِالزَّكاةِ قَدْرُ ما يَخْرُجُ مِنَ المالِ لِلْفَقِيرِ (p-٣٩٦)فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ أيْ لِأداءِ الزَّكاةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] إذْ لا يَصِحُّ فِعْلُ الأعْيانِ مِنَ المُزَكِّي أوْ يُضَمَّنُ ”فاعِلُونَ“ مَعْنى مُؤَدُّونَ، وبِهِ شَرَحَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] لِلْعَمَلِ الصّالِحِ كَقَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] أيْ عَمَلًا صالِحًا؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقِيلَ: ”الزَّكاةُ“ هُنا النَّماءُ والزِّيادَةُ، واللّامُ لامُ العِلَّةِ، ومَعْمُولُ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ لِأجْلِ تَحْصِيلِ النَّماءِ والزِّيادَةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]: الخَيْرَ. وقِيلَ: المَصْرُوفُ لا يُسَمّى زَكاةً حَتّى يَحْصُلَ بِيَدِ الفَقِيرِ. وقِيلَ: لا تُسَمّى العَيْنُ المُخْرَجَةُ زَكاةً، فَكانَ التَّغْيِيرُ بِالفِعْلِ عَنْ إخْراجِهِ أوْلى مِنهُ بِالأداءِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى بَعْضِ زَنادِقَةِ الأعاجِمِ الأجانِبِ عَنْ ذَوْقِ العَرَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ألا قالَ مُؤَدُّونَ، قالَ في التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: وهَذا كَما قِيلَ لا عَقْلَ ولا نَقْلَ، والكِتابُ العَزِيزُ نَزَلَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وأصَحِّها بِلا خِلافٍ. وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎المُطْعِمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزْ ∗∗∗ مَةِ والفاعِلُونَ لِلزَّكَواتِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولا طَعَنَ فِيهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ، بَلْ جَمِيعُهم يَحْتَجُّونَ بِهِ ويَسْتَشْهِدُونَ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَمْلُ البَيْتِ عَلى هَذا أصَحُّ لِأنَّها فِيهِ مَجْمُوعَةٌ يَعْنِي عَلى أنَّ الزَّكاةَ يُرادُ بِها العَيْنُ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِأداءِ الزَّكَواتِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِجَمْعِها يَعْنِي أنَّها إذا أُرِيدَ بِها العَيْنُ صَحَّ جَمْعُها، وإذا أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ لَمْ تُجْمَعْ؛ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مَصْدَرٌ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ، وهَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ قَدْ جاءَ مِنها مَجْمُوعًا ألْفاظٌ كالعُلُومِ والحُلُومِ والأشْغالِ، وأمّا إذا اخْتَلَفَتْ فالأكْثَرُونَ عَلى جَوازِ جَمْعِها وهُنا اخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِها فَإخْراجُ النَّقْدِ غَيْرُ إخْراجِ الحَيَوانِ وغَيْرُ إخْراجِ النَّباتِ، والزَّكاةُ في قَوْلِ أُمَيَّةَ مِمّا جاءَ جَمْعًا مِنَ المَصادِرِ، فَلا يَتَعَدّى حَمْلُهُ عَلى المُخْرَجِ لِجَمْعِهِ. وحَفِظَ لا يَتَعَدّى بِعَلى. فَقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مِن، أيْ إلّا مِن أزْواجِهِمْ كَما اسْتُعْمِلَتْ مِن بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] أيْ عَلى القَوْمِ؛ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ والأوْلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ ضَمَّنَ ﴿حافِظُونَ﴾ مَعْنى مُمْسِكُونَ أوْ قاصِرُونَ، وكِلاهُما يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وُجُوهًا. فَقالَ ﴿عَلى أزْواجِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةَ فَماتَ عَنْها فَخَلَّفَ عَلَيْها فُلانًا، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ أيْ والِيًا عَلَيْها. ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ تَحْتَ فُلانٍ ومِن ثَمَّ سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا أوْ تَعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”غَيْرُ مَلُومِينَ“، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ أيْ يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ عَلَيْهِ أوْ يَجْعَلُهُ صِلَةً لِحافِظِينَ مِن قَوْلِكَ احْفَظْ عَلَيَّ عِنانَ فَرَسِي، عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى النَّفْيِ كَما ضُمِّنَ قَوْلُهم: نَشَدْتُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ما طَلَبْتُ مِنكَ إلّا فِعْلَكَ، انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَكُونَ حافِظُونَ صُورَتُهُ صُورَةُ المُثْبَتِ وهو مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى، أيْ والَّذِينَ هم لَمْ يَحْفَظُوا فُرُوجَهم إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، فَيَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مُتَعَلِّقًا فِيهِ عَلى بِما قَبْلَهُ كَما مَثَّلَ بِنَشَدْتُكَ الَّذِي صُورَتُهُ صُورَةُ مُثْبَتٍ، ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ ما طَلَبْتُ مِنكَ. وهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَها وُجُوهٌ مُتَكَلَّفَةٌ ظاهِرٌ فِيها العُجْمَةُ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ﴾ أُرِيدَ بِها النَّوْعُ كَقَوْلِهِ ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ مِن جِنْسِ العُقَلاءِ ما يَجْرِي مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ، وهُمُ الإناثُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ وهُمُ الإناثُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ هم مُخْتَصٌّ بِالذُّكُورِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ وهو الإناثُ عَلى لَفْظِ ما أوْ هُنَّ الإناثُ عَلى مَعْنى ما، وهَذا الِاسْتِثْناءُ حَدٌّ يَجِبُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، والتَّسَرِّي خاصٌّ بِالرِّجالِ ولا يَجُوزُ لِلنِّساءِ بِإجْماعٍ، فَلَوْ كانَتِ المَرْأةُ مُتَزَوِّجَةً بِعَبْدٍ فَمَلَكَتْهُ فَأعْتَقَتْهُ حالَةَ المِلْكِ انْفَسَخَ النِّكاحُ عِنْدَ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ النَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: يَبْقَيانِ عَلى نِكاحِهِما، وفي قَوْلِهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَعْمِيمِ وطْءِ ما مُلِكَ بِاليَمِينِ وهو مُخْتَصٌّ (p-٣٩٧)بِالإناثِ بِإجْماعٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مِنَ النِّساءِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ، وبَيْنَ المَمْلُوكَةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها؛ خِلافٌ، ويُخَصُّ أيْضًا في الآيَةِ بِتَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ والأمَةِ إذا زُوِّجَتْ والمُظاهِرِ مِنها حَتّى يُكَفِّرَ، ويَشْمَلُ قَوْلُهُ: ”وراءَ ذَلِكَ“ الزِّنا، واللِّواطَ، ومُواقَعَةَ البَهائِمِ، والِاسْتِمْناءَ، ومَعْنى ”وراءَ ذَلِكَ“ وراءَ هَذا الحَدِّ الَّذِي حُدَّ مِنَ الأزْواجِ ومَمْلُوكاتِ النِّساءِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِابْتَغى، أيْ خِلافَ ذَلِكَ. وقِيلَ: لا يَكُونُ وراءَ هُنا إلّا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ ما وراءَ ذَلِكَ. والجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْناءِ ويُسَمّى الخَضْخَضَةَ وجَلْدَ عُمَيْرَةَ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وكانَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُجِيزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ فَضْلَةٌ في البَدَنِ فَجازَ إخْراجُها عِنْدَ الحاجَةِ كالفَصْدِ والحِجامَةِ، وسَألَ حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ جَرى في ذَلِكَ كَلامٌ مَعَ قاضِي القُضاةِ أبِي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُطِيعٍ القُشَيْرِيِّ ابْنِ دَقِيقِ العِيدِ، فاسْتَدَلَّ عَلى مَنعِ ذَلِكَ بِما اسْتَدَلَّ مالِكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِنَ الزِّنا والتَّفاخُرِ بِذَلِكَ في أشْعارِها، وكانَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِيها بِحَيْثُ كانَ في بَغاياهم صاحِباتُ راياتٍ، ولَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. وأمّا جَلْدُ عُمَيْرَةَ فَلَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِيها ولا ذَكَرُهُ أحَدٌ مِنهم في أشْعارِهِمْ فِيما عَلِمْناهُ فَلَيْسَ بِمُنْدَرِجٍ في قَوْلِهِ ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ ألا تَرى أنَّ مَحَلَّ ما أُبِيحَ وهو نِساؤُهم بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ فالَّذِي وراءَ ذَلِكَ هو مِن جِنْسِ ما أُحِلَّ لَهم، وهو النِّساءُ، فَلا يَحِلُّ لَهم شَيْءٌ مِنهُنَّ إلّا بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾؛ لِأنَّها يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ زَوْجٍ. وسَألَ الزُّهْرِيُّ القاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ المُتْعَةِ، فَقالَ: هي مُحَرَّمَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وتَلا: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الآيَةَ، ولا يَظْهَرُ التَّحْرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ”لِأمانَتِهِمْ“ بِالإفْرادِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الأماناتِ فَيَدْخُلُ فِيها ما ائْتَمَنَ تَعالى عَلَيْهِ العَبْدَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ واعْتِقادٍ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وما ائْتَمَنَهُ الإنْسانَ قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ الخُصُوصُ في أماناتِ النّاسِ. والأمانَةُ: هي الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ومُراعاتُها القِيامُ عَلَيْها لِحِفْظِها إلى أنْ تُؤَدّى، والأمانَةُ أيْضًا المَصْدَرُ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]، والمُؤَدّى هو العَيْنُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ أوِ القَوْلُ إنْ كانَ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ لا المَصْدَرُ. وقَرَأ الأخَوانِ عَلى صَلاتِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ. والخُشُوعُ والمُحافَظَةُ مُتَغايِرانِ بَدَأ أوَّلًا بِالخُشُوعِ، وهو الجامِعُ لِلْمُراقَبَةِ القَلْبِيَّةِ والتَّذَلُّلِ بِالأفْعالِ البَدَنِيَّةِ، وثَنّى بِالمُحافَظَةِ وهي تَأْدِيَتُها في وقْتِها بِشُرُوطِها مِن طَهارَةِ المُصَلِّي ومَلْبُوسِهِ ومَكانِهِ وأداءِ أرْكانِها عَلى أحْسَنِ هَيْئاتِها، ويَكُونُ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُحِّدَتْ أوَّلًا لِيُفادَ الخُشُوعُ في جِنْسِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ، وجُمِعَتْ آخِرًا لِتُفادَ المُحافَظَةُ عَلى أعْدادِها وهي: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والوِتْرُ، والسُّنَنُ المُرَتَّبَةُ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ، وصَلاةُ الجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والجِنازَةِ، والِاسْتِسْقاءِ، والكُسُوفِ والخُسُوفِ، وصَلاةُ الضُّحى، والتَّهَجُّدِ، وصَلاةُ التَّسْبِيحِ، وصَلاةُ الحاجَةِ، وغَيْرُها مِنَ النَّوافِلِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ الأحِقّاءُ أنْ يُسَمُّوا وُرّاثًا دُونَ مَن عَداهم، ثُمَّ تَرْجَمَ الوارِثِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ فَجاءَ بِفَخامَةٍ وجَزالَةٍ لِإرْثِهِمْ لا تَخْفى عَلى النّاظِرِ، ومَعْنى الإرْثِ ما مَرَّ في سُورَةِ مَرْيَمَ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الفِرْدَوْسِ في آخِرِ الكَهْفِ.

المؤمنون 23:6

﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] . (p-٣٩٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وفي الصَّحِيحِ لِلْحاكِمِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ“ ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى عَشْرِ آياتٍ» . ومُناسَبَتُها لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بُقُولِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] الآيَةَ، وفِيها ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْجِيَةِ فَناسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إخْبارًا بِحُصُولِ ما كانُوا رَجَوْهُ مِنَ الفَلاحِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ﴿قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ ادْخُلُوا في الفَلاحِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن فَلَحَ لازِمًا أوْ يَكُونَ أفْلَحَ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا ولازِمًا. وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ وضَمِّ الحاءِ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ يَقْرَأُ ”قَدْ أفْلَحُوا المُؤْمِنُونَ“ فَقُلْتُ لَهُ: أتَلْحَنُ ؟ قالَ: نَعَمْ، كَما لَحَنَ أصْحابِي، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ مَرْجُوعَهُ في القِراءَةِ إلى ما رُوِيَ ولَيْسَ بِلَحْنٍ؛ لِأنَّهُ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ مَكْتُوبًا بِواوٍ بَعْدَ الحاءِ، وفي اللَّوامِحِ وحُذِفَتْ واوُ الجَمْعِ بَعْدَ الحاءِ لِالتِقائِهِما في الدَّرَجِ، وكانَتِ الكِتابَةُ عَلَيْها مَحْمُولَةً عَلى الوَصْلِ نَحْوَ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْهُ أيْ عَنْ طَلْحَةَ ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمَّةٍ بِغَيْرِ واوٍ اجْتِزاءً بِها عَنْها كَقَوْلِهِ: ؎فَلَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانُ حَوْلِي انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الواوَ في ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهُنا حُذِفَتْ لِلضَّرُورَةِ؛ فَلَيْسَتْ مِثْلَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ تَقْتَضِيهِ لِما هي تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ ولِما تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم، فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ، انْتَهى. والخُشُوعُ لُغَةً الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ هُنا أقْوالٌ: قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: هو السُّكُونُ وحُسْنُ الهَيْئَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَضُّ البَصَرِ وخَفْضُ الجَناحِ. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ: تَنْكِيسُ الرَّأْسِ. وقالَ الحَسَنُ: الخَوْفُ. وقالَ الضَّحّاكُ: وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ. وعَنْ عَلِيٍّ: تَرْكُ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ. وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ: إعْظامُ المَقامِ، وإخْلاصُ المَقالِ، واليَقِينُ التّامُّ، وجَمْعُ الِاهْتِمامِ. وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي رافِعًا بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رَمى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ»، ومِنَ الخُشُوعِ أنْ تُسْتَعْمَلَ الآدابُ فَيَتَوَقّى كَفَّ الثَّوْبِ، والعَبَثَ بِجَسَدِهِ وثِيابِهِ، والِالتِفاتَ، والتَّمَطِّيَ، والتَّثاؤُبَ، والتَّغْمِيضَ، وتَغْطِيَةَ الفَمِ، والسَّدْلَ، والفَرْقَعَةَ، والتَّشْبِيكَ، والِاخْتِصارَ، وتَقْلِيبَ الحَصى. وفي التَّحْرِيرِ: اخْتُلِفَ في الخُشُوعِ: هَلْ هو مِن فَرائِضِ الصَّلاةِ أوْ مِن فَضائِلِها ومُكَمِّلاتِها عَلى قَوْلَيْنِ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو أوَّلُ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ؛ قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أُضِيفَتِ الصَّلاةُ إلَيْهِمْ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ الصَّلاةَ دائِرَةٌ بَيْنَ المُصَلِّي والمُصَلّى لَهُ، فالمُصَلِّي هو المُنْتَفِعُ بِها وحْدَهُ وهي عُدَّتُهُ وذَخِيرَتُهُ فَهي صَلاتُهُ، وأمّا المُصَلّى لَهُ فَغَنِيٌّ مُتَعالٍ عَنِ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعِ بِها. ﴿اللَّغْوِ﴾ [المؤمنون: ٣] ما لا يَعْنِيكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كاللَّعِبِ والهَزْلِ، وما تُوجِبُ المُرُوءَةُ اطِّراحَهُ يَعْنِي أنَّ بِهِمْ مِنَ الجِدِّ ما يَشْغَلُهم عَنِ الهَزْلِ، لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُمُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، انْتَهى. وإذا تَقَدَّمَ مَعْمُولُ اسْمِ الفاعِلِ جازَ أنْ يُقَوّى تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ كالفِعْلِ، وكَذَلِكَ إذا تَأخَّرَ، لَكِنَّهُ مَعَ التَّقْدِيمِ أكْثَرُ فَلِذَلِكَ جاءَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] بِاللّامِ ولَوْ جاءَ مَنصُوبًا لَكانَ عَرَبِيًّا، والزَّكاةُ إنْ أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ صَحَّ نِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْها إذْ كُلُّ ما يَصْدُرُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ فُعِلَ، وإنْ أُرِيدَ بِالزَّكاةِ قَدْرُ ما يَخْرُجُ مِنَ المالِ لِلْفَقِيرِ (p-٣٩٦)فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ أيْ لِأداءِ الزَّكاةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] إذْ لا يَصِحُّ فِعْلُ الأعْيانِ مِنَ المُزَكِّي أوْ يُضَمَّنُ ”فاعِلُونَ“ مَعْنى مُؤَدُّونَ، وبِهِ شَرَحَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] لِلْعَمَلِ الصّالِحِ كَقَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] أيْ عَمَلًا صالِحًا؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقِيلَ: ”الزَّكاةُ“ هُنا النَّماءُ والزِّيادَةُ، واللّامُ لامُ العِلَّةِ، ومَعْمُولُ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ لِأجْلِ تَحْصِيلِ النَّماءِ والزِّيادَةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]: الخَيْرَ. وقِيلَ: المَصْرُوفُ لا يُسَمّى زَكاةً حَتّى يَحْصُلَ بِيَدِ الفَقِيرِ. وقِيلَ: لا تُسَمّى العَيْنُ المُخْرَجَةُ زَكاةً، فَكانَ التَّغْيِيرُ بِالفِعْلِ عَنْ إخْراجِهِ أوْلى مِنهُ بِالأداءِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى بَعْضِ زَنادِقَةِ الأعاجِمِ الأجانِبِ عَنْ ذَوْقِ العَرَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ألا قالَ مُؤَدُّونَ، قالَ في التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: وهَذا كَما قِيلَ لا عَقْلَ ولا نَقْلَ، والكِتابُ العَزِيزُ نَزَلَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وأصَحِّها بِلا خِلافٍ. وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎المُطْعِمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزْ ∗∗∗ مَةِ والفاعِلُونَ لِلزَّكَواتِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولا طَعَنَ فِيهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ، بَلْ جَمِيعُهم يَحْتَجُّونَ بِهِ ويَسْتَشْهِدُونَ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَمْلُ البَيْتِ عَلى هَذا أصَحُّ لِأنَّها فِيهِ مَجْمُوعَةٌ يَعْنِي عَلى أنَّ الزَّكاةَ يُرادُ بِها العَيْنُ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِأداءِ الزَّكَواتِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِجَمْعِها يَعْنِي أنَّها إذا أُرِيدَ بِها العَيْنُ صَحَّ جَمْعُها، وإذا أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ لَمْ تُجْمَعْ؛ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مَصْدَرٌ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ، وهَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ قَدْ جاءَ مِنها مَجْمُوعًا ألْفاظٌ كالعُلُومِ والحُلُومِ والأشْغالِ، وأمّا إذا اخْتَلَفَتْ فالأكْثَرُونَ عَلى جَوازِ جَمْعِها وهُنا اخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِها فَإخْراجُ النَّقْدِ غَيْرُ إخْراجِ الحَيَوانِ وغَيْرُ إخْراجِ النَّباتِ، والزَّكاةُ في قَوْلِ أُمَيَّةَ مِمّا جاءَ جَمْعًا مِنَ المَصادِرِ، فَلا يَتَعَدّى حَمْلُهُ عَلى المُخْرَجِ لِجَمْعِهِ. وحَفِظَ لا يَتَعَدّى بِعَلى. فَقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مِن، أيْ إلّا مِن أزْواجِهِمْ كَما اسْتُعْمِلَتْ مِن بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] أيْ عَلى القَوْمِ؛ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ والأوْلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ ضَمَّنَ ﴿حافِظُونَ﴾ مَعْنى مُمْسِكُونَ أوْ قاصِرُونَ، وكِلاهُما يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وُجُوهًا. فَقالَ ﴿عَلى أزْواجِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةَ فَماتَ عَنْها فَخَلَّفَ عَلَيْها فُلانًا، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ أيْ والِيًا عَلَيْها. ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ تَحْتَ فُلانٍ ومِن ثَمَّ سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا أوْ تَعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”غَيْرُ مَلُومِينَ“، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ أيْ يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ عَلَيْهِ أوْ يَجْعَلُهُ صِلَةً لِحافِظِينَ مِن قَوْلِكَ احْفَظْ عَلَيَّ عِنانَ فَرَسِي، عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى النَّفْيِ كَما ضُمِّنَ قَوْلُهم: نَشَدْتُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ما طَلَبْتُ مِنكَ إلّا فِعْلَكَ، انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَكُونَ حافِظُونَ صُورَتُهُ صُورَةُ المُثْبَتِ وهو مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى، أيْ والَّذِينَ هم لَمْ يَحْفَظُوا فُرُوجَهم إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، فَيَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مُتَعَلِّقًا فِيهِ عَلى بِما قَبْلَهُ كَما مَثَّلَ بِنَشَدْتُكَ الَّذِي صُورَتُهُ صُورَةُ مُثْبَتٍ، ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ ما طَلَبْتُ مِنكَ. وهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَها وُجُوهٌ مُتَكَلَّفَةٌ ظاهِرٌ فِيها العُجْمَةُ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ﴾ أُرِيدَ بِها النَّوْعُ كَقَوْلِهِ ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ مِن جِنْسِ العُقَلاءِ ما يَجْرِي مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ، وهُمُ الإناثُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ وهُمُ الإناثُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ هم مُخْتَصٌّ بِالذُّكُورِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ وهو الإناثُ عَلى لَفْظِ ما أوْ هُنَّ الإناثُ عَلى مَعْنى ما، وهَذا الِاسْتِثْناءُ حَدٌّ يَجِبُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، والتَّسَرِّي خاصٌّ بِالرِّجالِ ولا يَجُوزُ لِلنِّساءِ بِإجْماعٍ، فَلَوْ كانَتِ المَرْأةُ مُتَزَوِّجَةً بِعَبْدٍ فَمَلَكَتْهُ فَأعْتَقَتْهُ حالَةَ المِلْكِ انْفَسَخَ النِّكاحُ عِنْدَ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ النَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: يَبْقَيانِ عَلى نِكاحِهِما، وفي قَوْلِهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَعْمِيمِ وطْءِ ما مُلِكَ بِاليَمِينِ وهو مُخْتَصٌّ (p-٣٩٧)بِالإناثِ بِإجْماعٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مِنَ النِّساءِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ، وبَيْنَ المَمْلُوكَةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها؛ خِلافٌ، ويُخَصُّ أيْضًا في الآيَةِ بِتَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ والأمَةِ إذا زُوِّجَتْ والمُظاهِرِ مِنها حَتّى يُكَفِّرَ، ويَشْمَلُ قَوْلُهُ: ”وراءَ ذَلِكَ“ الزِّنا، واللِّواطَ، ومُواقَعَةَ البَهائِمِ، والِاسْتِمْناءَ، ومَعْنى ”وراءَ ذَلِكَ“ وراءَ هَذا الحَدِّ الَّذِي حُدَّ مِنَ الأزْواجِ ومَمْلُوكاتِ النِّساءِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِابْتَغى، أيْ خِلافَ ذَلِكَ. وقِيلَ: لا يَكُونُ وراءَ هُنا إلّا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ ما وراءَ ذَلِكَ. والجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْناءِ ويُسَمّى الخَضْخَضَةَ وجَلْدَ عُمَيْرَةَ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وكانَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُجِيزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ فَضْلَةٌ في البَدَنِ فَجازَ إخْراجُها عِنْدَ الحاجَةِ كالفَصْدِ والحِجامَةِ، وسَألَ حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ جَرى في ذَلِكَ كَلامٌ مَعَ قاضِي القُضاةِ أبِي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُطِيعٍ القُشَيْرِيِّ ابْنِ دَقِيقِ العِيدِ، فاسْتَدَلَّ عَلى مَنعِ ذَلِكَ بِما اسْتَدَلَّ مالِكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِنَ الزِّنا والتَّفاخُرِ بِذَلِكَ في أشْعارِها، وكانَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِيها بِحَيْثُ كانَ في بَغاياهم صاحِباتُ راياتٍ، ولَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. وأمّا جَلْدُ عُمَيْرَةَ فَلَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِيها ولا ذَكَرُهُ أحَدٌ مِنهم في أشْعارِهِمْ فِيما عَلِمْناهُ فَلَيْسَ بِمُنْدَرِجٍ في قَوْلِهِ ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ ألا تَرى أنَّ مَحَلَّ ما أُبِيحَ وهو نِساؤُهم بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ فالَّذِي وراءَ ذَلِكَ هو مِن جِنْسِ ما أُحِلَّ لَهم، وهو النِّساءُ، فَلا يَحِلُّ لَهم شَيْءٌ مِنهُنَّ إلّا بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾؛ لِأنَّها يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ زَوْجٍ. وسَألَ الزُّهْرِيُّ القاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ المُتْعَةِ، فَقالَ: هي مُحَرَّمَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وتَلا: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الآيَةَ، ولا يَظْهَرُ التَّحْرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ”لِأمانَتِهِمْ“ بِالإفْرادِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الأماناتِ فَيَدْخُلُ فِيها ما ائْتَمَنَ تَعالى عَلَيْهِ العَبْدَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ واعْتِقادٍ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وما ائْتَمَنَهُ الإنْسانَ قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ الخُصُوصُ في أماناتِ النّاسِ. والأمانَةُ: هي الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ومُراعاتُها القِيامُ عَلَيْها لِحِفْظِها إلى أنْ تُؤَدّى، والأمانَةُ أيْضًا المَصْدَرُ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]، والمُؤَدّى هو العَيْنُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ أوِ القَوْلُ إنْ كانَ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ لا المَصْدَرُ. وقَرَأ الأخَوانِ عَلى صَلاتِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ. والخُشُوعُ والمُحافَظَةُ مُتَغايِرانِ بَدَأ أوَّلًا بِالخُشُوعِ، وهو الجامِعُ لِلْمُراقَبَةِ القَلْبِيَّةِ والتَّذَلُّلِ بِالأفْعالِ البَدَنِيَّةِ، وثَنّى بِالمُحافَظَةِ وهي تَأْدِيَتُها في وقْتِها بِشُرُوطِها مِن طَهارَةِ المُصَلِّي ومَلْبُوسِهِ ومَكانِهِ وأداءِ أرْكانِها عَلى أحْسَنِ هَيْئاتِها، ويَكُونُ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُحِّدَتْ أوَّلًا لِيُفادَ الخُشُوعُ في جِنْسِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ، وجُمِعَتْ آخِرًا لِتُفادَ المُحافَظَةُ عَلى أعْدادِها وهي: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والوِتْرُ، والسُّنَنُ المُرَتَّبَةُ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ، وصَلاةُ الجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والجِنازَةِ، والِاسْتِسْقاءِ، والكُسُوفِ والخُسُوفِ، وصَلاةُ الضُّحى، والتَّهَجُّدِ، وصَلاةُ التَّسْبِيحِ، وصَلاةُ الحاجَةِ، وغَيْرُها مِنَ النَّوافِلِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ الأحِقّاءُ أنْ يُسَمُّوا وُرّاثًا دُونَ مَن عَداهم، ثُمَّ تَرْجَمَ الوارِثِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ فَجاءَ بِفَخامَةٍ وجَزالَةٍ لِإرْثِهِمْ لا تَخْفى عَلى النّاظِرِ، ومَعْنى الإرْثِ ما مَرَّ في سُورَةِ مَرْيَمَ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الفِرْدَوْسِ في آخِرِ الكَهْفِ.

المؤمنون 23:7

﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] . (p-٣٩٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وفي الصَّحِيحِ لِلْحاكِمِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ“ ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى عَشْرِ آياتٍ» . ومُناسَبَتُها لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بُقُولِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] الآيَةَ، وفِيها ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْجِيَةِ فَناسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إخْبارًا بِحُصُولِ ما كانُوا رَجَوْهُ مِنَ الفَلاحِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ﴿قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ ادْخُلُوا في الفَلاحِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن فَلَحَ لازِمًا أوْ يَكُونَ أفْلَحَ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا ولازِمًا. وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ وضَمِّ الحاءِ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ يَقْرَأُ ”قَدْ أفْلَحُوا المُؤْمِنُونَ“ فَقُلْتُ لَهُ: أتَلْحَنُ ؟ قالَ: نَعَمْ، كَما لَحَنَ أصْحابِي، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ مَرْجُوعَهُ في القِراءَةِ إلى ما رُوِيَ ولَيْسَ بِلَحْنٍ؛ لِأنَّهُ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ مَكْتُوبًا بِواوٍ بَعْدَ الحاءِ، وفي اللَّوامِحِ وحُذِفَتْ واوُ الجَمْعِ بَعْدَ الحاءِ لِالتِقائِهِما في الدَّرَجِ، وكانَتِ الكِتابَةُ عَلَيْها مَحْمُولَةً عَلى الوَصْلِ نَحْوَ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْهُ أيْ عَنْ طَلْحَةَ ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمَّةٍ بِغَيْرِ واوٍ اجْتِزاءً بِها عَنْها كَقَوْلِهِ: ؎فَلَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانُ حَوْلِي انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الواوَ في ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهُنا حُذِفَتْ لِلضَّرُورَةِ؛ فَلَيْسَتْ مِثْلَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ تَقْتَضِيهِ لِما هي تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ ولِما تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم، فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ، انْتَهى. والخُشُوعُ لُغَةً الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ هُنا أقْوالٌ: قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: هو السُّكُونُ وحُسْنُ الهَيْئَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَضُّ البَصَرِ وخَفْضُ الجَناحِ. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ: تَنْكِيسُ الرَّأْسِ. وقالَ الحَسَنُ: الخَوْفُ. وقالَ الضَّحّاكُ: وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ. وعَنْ عَلِيٍّ: تَرْكُ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ. وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ: إعْظامُ المَقامِ، وإخْلاصُ المَقالِ، واليَقِينُ التّامُّ، وجَمْعُ الِاهْتِمامِ. وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي رافِعًا بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رَمى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ»، ومِنَ الخُشُوعِ أنْ تُسْتَعْمَلَ الآدابُ فَيَتَوَقّى كَفَّ الثَّوْبِ، والعَبَثَ بِجَسَدِهِ وثِيابِهِ، والِالتِفاتَ، والتَّمَطِّيَ، والتَّثاؤُبَ، والتَّغْمِيضَ، وتَغْطِيَةَ الفَمِ، والسَّدْلَ، والفَرْقَعَةَ، والتَّشْبِيكَ، والِاخْتِصارَ، وتَقْلِيبَ الحَصى. وفي التَّحْرِيرِ: اخْتُلِفَ في الخُشُوعِ: هَلْ هو مِن فَرائِضِ الصَّلاةِ أوْ مِن فَضائِلِها ومُكَمِّلاتِها عَلى قَوْلَيْنِ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو أوَّلُ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ؛ قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أُضِيفَتِ الصَّلاةُ إلَيْهِمْ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ الصَّلاةَ دائِرَةٌ بَيْنَ المُصَلِّي والمُصَلّى لَهُ، فالمُصَلِّي هو المُنْتَفِعُ بِها وحْدَهُ وهي عُدَّتُهُ وذَخِيرَتُهُ فَهي صَلاتُهُ، وأمّا المُصَلّى لَهُ فَغَنِيٌّ مُتَعالٍ عَنِ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعِ بِها. ﴿اللَّغْوِ﴾ [المؤمنون: ٣] ما لا يَعْنِيكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كاللَّعِبِ والهَزْلِ، وما تُوجِبُ المُرُوءَةُ اطِّراحَهُ يَعْنِي أنَّ بِهِمْ مِنَ الجِدِّ ما يَشْغَلُهم عَنِ الهَزْلِ، لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُمُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، انْتَهى. وإذا تَقَدَّمَ مَعْمُولُ اسْمِ الفاعِلِ جازَ أنْ يُقَوّى تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ كالفِعْلِ، وكَذَلِكَ إذا تَأخَّرَ، لَكِنَّهُ مَعَ التَّقْدِيمِ أكْثَرُ فَلِذَلِكَ جاءَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] بِاللّامِ ولَوْ جاءَ مَنصُوبًا لَكانَ عَرَبِيًّا، والزَّكاةُ إنْ أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ صَحَّ نِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْها إذْ كُلُّ ما يَصْدُرُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ فُعِلَ، وإنْ أُرِيدَ بِالزَّكاةِ قَدْرُ ما يَخْرُجُ مِنَ المالِ لِلْفَقِيرِ (p-٣٩٦)فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ أيْ لِأداءِ الزَّكاةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] إذْ لا يَصِحُّ فِعْلُ الأعْيانِ مِنَ المُزَكِّي أوْ يُضَمَّنُ ”فاعِلُونَ“ مَعْنى مُؤَدُّونَ، وبِهِ شَرَحَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] لِلْعَمَلِ الصّالِحِ كَقَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] أيْ عَمَلًا صالِحًا؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقِيلَ: ”الزَّكاةُ“ هُنا النَّماءُ والزِّيادَةُ، واللّامُ لامُ العِلَّةِ، ومَعْمُولُ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ لِأجْلِ تَحْصِيلِ النَّماءِ والزِّيادَةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]: الخَيْرَ. وقِيلَ: المَصْرُوفُ لا يُسَمّى زَكاةً حَتّى يَحْصُلَ بِيَدِ الفَقِيرِ. وقِيلَ: لا تُسَمّى العَيْنُ المُخْرَجَةُ زَكاةً، فَكانَ التَّغْيِيرُ بِالفِعْلِ عَنْ إخْراجِهِ أوْلى مِنهُ بِالأداءِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى بَعْضِ زَنادِقَةِ الأعاجِمِ الأجانِبِ عَنْ ذَوْقِ العَرَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ألا قالَ مُؤَدُّونَ، قالَ في التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: وهَذا كَما قِيلَ لا عَقْلَ ولا نَقْلَ، والكِتابُ العَزِيزُ نَزَلَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وأصَحِّها بِلا خِلافٍ. وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎المُطْعِمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزْ ∗∗∗ مَةِ والفاعِلُونَ لِلزَّكَواتِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولا طَعَنَ فِيهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ، بَلْ جَمِيعُهم يَحْتَجُّونَ بِهِ ويَسْتَشْهِدُونَ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَمْلُ البَيْتِ عَلى هَذا أصَحُّ لِأنَّها فِيهِ مَجْمُوعَةٌ يَعْنِي عَلى أنَّ الزَّكاةَ يُرادُ بِها العَيْنُ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِأداءِ الزَّكَواتِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِجَمْعِها يَعْنِي أنَّها إذا أُرِيدَ بِها العَيْنُ صَحَّ جَمْعُها، وإذا أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ لَمْ تُجْمَعْ؛ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مَصْدَرٌ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ، وهَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ قَدْ جاءَ مِنها مَجْمُوعًا ألْفاظٌ كالعُلُومِ والحُلُومِ والأشْغالِ، وأمّا إذا اخْتَلَفَتْ فالأكْثَرُونَ عَلى جَوازِ جَمْعِها وهُنا اخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِها فَإخْراجُ النَّقْدِ غَيْرُ إخْراجِ الحَيَوانِ وغَيْرُ إخْراجِ النَّباتِ، والزَّكاةُ في قَوْلِ أُمَيَّةَ مِمّا جاءَ جَمْعًا مِنَ المَصادِرِ، فَلا يَتَعَدّى حَمْلُهُ عَلى المُخْرَجِ لِجَمْعِهِ. وحَفِظَ لا يَتَعَدّى بِعَلى. فَقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مِن، أيْ إلّا مِن أزْواجِهِمْ كَما اسْتُعْمِلَتْ مِن بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] أيْ عَلى القَوْمِ؛ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ والأوْلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ ضَمَّنَ ﴿حافِظُونَ﴾ مَعْنى مُمْسِكُونَ أوْ قاصِرُونَ، وكِلاهُما يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وُجُوهًا. فَقالَ ﴿عَلى أزْواجِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةَ فَماتَ عَنْها فَخَلَّفَ عَلَيْها فُلانًا، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ أيْ والِيًا عَلَيْها. ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ تَحْتَ فُلانٍ ومِن ثَمَّ سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا أوْ تَعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”غَيْرُ مَلُومِينَ“، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ أيْ يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ عَلَيْهِ أوْ يَجْعَلُهُ صِلَةً لِحافِظِينَ مِن قَوْلِكَ احْفَظْ عَلَيَّ عِنانَ فَرَسِي، عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى النَّفْيِ كَما ضُمِّنَ قَوْلُهم: نَشَدْتُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ما طَلَبْتُ مِنكَ إلّا فِعْلَكَ، انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَكُونَ حافِظُونَ صُورَتُهُ صُورَةُ المُثْبَتِ وهو مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى، أيْ والَّذِينَ هم لَمْ يَحْفَظُوا فُرُوجَهم إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، فَيَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مُتَعَلِّقًا فِيهِ عَلى بِما قَبْلَهُ كَما مَثَّلَ بِنَشَدْتُكَ الَّذِي صُورَتُهُ صُورَةُ مُثْبَتٍ، ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ ما طَلَبْتُ مِنكَ. وهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَها وُجُوهٌ مُتَكَلَّفَةٌ ظاهِرٌ فِيها العُجْمَةُ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ﴾ أُرِيدَ بِها النَّوْعُ كَقَوْلِهِ ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ مِن جِنْسِ العُقَلاءِ ما يَجْرِي مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ، وهُمُ الإناثُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ وهُمُ الإناثُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ هم مُخْتَصٌّ بِالذُّكُورِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ وهو الإناثُ عَلى لَفْظِ ما أوْ هُنَّ الإناثُ عَلى مَعْنى ما، وهَذا الِاسْتِثْناءُ حَدٌّ يَجِبُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، والتَّسَرِّي خاصٌّ بِالرِّجالِ ولا يَجُوزُ لِلنِّساءِ بِإجْماعٍ، فَلَوْ كانَتِ المَرْأةُ مُتَزَوِّجَةً بِعَبْدٍ فَمَلَكَتْهُ فَأعْتَقَتْهُ حالَةَ المِلْكِ انْفَسَخَ النِّكاحُ عِنْدَ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ النَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: يَبْقَيانِ عَلى نِكاحِهِما، وفي قَوْلِهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَعْمِيمِ وطْءِ ما مُلِكَ بِاليَمِينِ وهو مُخْتَصٌّ (p-٣٩٧)بِالإناثِ بِإجْماعٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مِنَ النِّساءِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ، وبَيْنَ المَمْلُوكَةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها؛ خِلافٌ، ويُخَصُّ أيْضًا في الآيَةِ بِتَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ والأمَةِ إذا زُوِّجَتْ والمُظاهِرِ مِنها حَتّى يُكَفِّرَ، ويَشْمَلُ قَوْلُهُ: ”وراءَ ذَلِكَ“ الزِّنا، واللِّواطَ، ومُواقَعَةَ البَهائِمِ، والِاسْتِمْناءَ، ومَعْنى ”وراءَ ذَلِكَ“ وراءَ هَذا الحَدِّ الَّذِي حُدَّ مِنَ الأزْواجِ ومَمْلُوكاتِ النِّساءِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِابْتَغى، أيْ خِلافَ ذَلِكَ. وقِيلَ: لا يَكُونُ وراءَ هُنا إلّا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ ما وراءَ ذَلِكَ. والجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْناءِ ويُسَمّى الخَضْخَضَةَ وجَلْدَ عُمَيْرَةَ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وكانَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُجِيزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ فَضْلَةٌ في البَدَنِ فَجازَ إخْراجُها عِنْدَ الحاجَةِ كالفَصْدِ والحِجامَةِ، وسَألَ حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ جَرى في ذَلِكَ كَلامٌ مَعَ قاضِي القُضاةِ أبِي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُطِيعٍ القُشَيْرِيِّ ابْنِ دَقِيقِ العِيدِ، فاسْتَدَلَّ عَلى مَنعِ ذَلِكَ بِما اسْتَدَلَّ مالِكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِنَ الزِّنا والتَّفاخُرِ بِذَلِكَ في أشْعارِها، وكانَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِيها بِحَيْثُ كانَ في بَغاياهم صاحِباتُ راياتٍ، ولَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. وأمّا جَلْدُ عُمَيْرَةَ فَلَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِيها ولا ذَكَرُهُ أحَدٌ مِنهم في أشْعارِهِمْ فِيما عَلِمْناهُ فَلَيْسَ بِمُنْدَرِجٍ في قَوْلِهِ ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ ألا تَرى أنَّ مَحَلَّ ما أُبِيحَ وهو نِساؤُهم بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ فالَّذِي وراءَ ذَلِكَ هو مِن جِنْسِ ما أُحِلَّ لَهم، وهو النِّساءُ، فَلا يَحِلُّ لَهم شَيْءٌ مِنهُنَّ إلّا بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾؛ لِأنَّها يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ زَوْجٍ. وسَألَ الزُّهْرِيُّ القاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ المُتْعَةِ، فَقالَ: هي مُحَرَّمَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وتَلا: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الآيَةَ، ولا يَظْهَرُ التَّحْرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ”لِأمانَتِهِمْ“ بِالإفْرادِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الأماناتِ فَيَدْخُلُ فِيها ما ائْتَمَنَ تَعالى عَلَيْهِ العَبْدَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ واعْتِقادٍ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وما ائْتَمَنَهُ الإنْسانَ قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ الخُصُوصُ في أماناتِ النّاسِ. والأمانَةُ: هي الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ومُراعاتُها القِيامُ عَلَيْها لِحِفْظِها إلى أنْ تُؤَدّى، والأمانَةُ أيْضًا المَصْدَرُ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]، والمُؤَدّى هو العَيْنُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ أوِ القَوْلُ إنْ كانَ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ لا المَصْدَرُ. وقَرَأ الأخَوانِ عَلى صَلاتِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ. والخُشُوعُ والمُحافَظَةُ مُتَغايِرانِ بَدَأ أوَّلًا بِالخُشُوعِ، وهو الجامِعُ لِلْمُراقَبَةِ القَلْبِيَّةِ والتَّذَلُّلِ بِالأفْعالِ البَدَنِيَّةِ، وثَنّى بِالمُحافَظَةِ وهي تَأْدِيَتُها في وقْتِها بِشُرُوطِها مِن طَهارَةِ المُصَلِّي ومَلْبُوسِهِ ومَكانِهِ وأداءِ أرْكانِها عَلى أحْسَنِ هَيْئاتِها، ويَكُونُ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُحِّدَتْ أوَّلًا لِيُفادَ الخُشُوعُ في جِنْسِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ، وجُمِعَتْ آخِرًا لِتُفادَ المُحافَظَةُ عَلى أعْدادِها وهي: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والوِتْرُ، والسُّنَنُ المُرَتَّبَةُ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ، وصَلاةُ الجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والجِنازَةِ، والِاسْتِسْقاءِ، والكُسُوفِ والخُسُوفِ، وصَلاةُ الضُّحى، والتَّهَجُّدِ، وصَلاةُ التَّسْبِيحِ، وصَلاةُ الحاجَةِ، وغَيْرُها مِنَ النَّوافِلِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ الأحِقّاءُ أنْ يُسَمُّوا وُرّاثًا دُونَ مَن عَداهم، ثُمَّ تَرْجَمَ الوارِثِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ فَجاءَ بِفَخامَةٍ وجَزالَةٍ لِإرْثِهِمْ لا تَخْفى عَلى النّاظِرِ، ومَعْنى الإرْثِ ما مَرَّ في سُورَةِ مَرْيَمَ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الفِرْدَوْسِ في آخِرِ الكَهْفِ.

المؤمنون 23:8

﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] . (p-٣٩٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وفي الصَّحِيحِ لِلْحاكِمِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ“ ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى عَشْرِ آياتٍ» . ومُناسَبَتُها لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بُقُولِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] الآيَةَ، وفِيها ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْجِيَةِ فَناسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إخْبارًا بِحُصُولِ ما كانُوا رَجَوْهُ مِنَ الفَلاحِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ﴿قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ ادْخُلُوا في الفَلاحِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن فَلَحَ لازِمًا أوْ يَكُونَ أفْلَحَ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا ولازِمًا. وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ وضَمِّ الحاءِ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ يَقْرَأُ ”قَدْ أفْلَحُوا المُؤْمِنُونَ“ فَقُلْتُ لَهُ: أتَلْحَنُ ؟ قالَ: نَعَمْ، كَما لَحَنَ أصْحابِي، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ مَرْجُوعَهُ في القِراءَةِ إلى ما رُوِيَ ولَيْسَ بِلَحْنٍ؛ لِأنَّهُ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ مَكْتُوبًا بِواوٍ بَعْدَ الحاءِ، وفي اللَّوامِحِ وحُذِفَتْ واوُ الجَمْعِ بَعْدَ الحاءِ لِالتِقائِهِما في الدَّرَجِ، وكانَتِ الكِتابَةُ عَلَيْها مَحْمُولَةً عَلى الوَصْلِ نَحْوَ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْهُ أيْ عَنْ طَلْحَةَ ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمَّةٍ بِغَيْرِ واوٍ اجْتِزاءً بِها عَنْها كَقَوْلِهِ: ؎فَلَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانُ حَوْلِي انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الواوَ في ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهُنا حُذِفَتْ لِلضَّرُورَةِ؛ فَلَيْسَتْ مِثْلَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ تَقْتَضِيهِ لِما هي تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ ولِما تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم، فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ، انْتَهى. والخُشُوعُ لُغَةً الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ هُنا أقْوالٌ: قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: هو السُّكُونُ وحُسْنُ الهَيْئَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَضُّ البَصَرِ وخَفْضُ الجَناحِ. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ: تَنْكِيسُ الرَّأْسِ. وقالَ الحَسَنُ: الخَوْفُ. وقالَ الضَّحّاكُ: وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ. وعَنْ عَلِيٍّ: تَرْكُ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ. وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ: إعْظامُ المَقامِ، وإخْلاصُ المَقالِ، واليَقِينُ التّامُّ، وجَمْعُ الِاهْتِمامِ. وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي رافِعًا بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رَمى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ»، ومِنَ الخُشُوعِ أنْ تُسْتَعْمَلَ الآدابُ فَيَتَوَقّى كَفَّ الثَّوْبِ، والعَبَثَ بِجَسَدِهِ وثِيابِهِ، والِالتِفاتَ، والتَّمَطِّيَ، والتَّثاؤُبَ، والتَّغْمِيضَ، وتَغْطِيَةَ الفَمِ، والسَّدْلَ، والفَرْقَعَةَ، والتَّشْبِيكَ، والِاخْتِصارَ، وتَقْلِيبَ الحَصى. وفي التَّحْرِيرِ: اخْتُلِفَ في الخُشُوعِ: هَلْ هو مِن فَرائِضِ الصَّلاةِ أوْ مِن فَضائِلِها ومُكَمِّلاتِها عَلى قَوْلَيْنِ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو أوَّلُ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ؛ قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أُضِيفَتِ الصَّلاةُ إلَيْهِمْ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ الصَّلاةَ دائِرَةٌ بَيْنَ المُصَلِّي والمُصَلّى لَهُ، فالمُصَلِّي هو المُنْتَفِعُ بِها وحْدَهُ وهي عُدَّتُهُ وذَخِيرَتُهُ فَهي صَلاتُهُ، وأمّا المُصَلّى لَهُ فَغَنِيٌّ مُتَعالٍ عَنِ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعِ بِها. ﴿اللَّغْوِ﴾ [المؤمنون: ٣] ما لا يَعْنِيكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كاللَّعِبِ والهَزْلِ، وما تُوجِبُ المُرُوءَةُ اطِّراحَهُ يَعْنِي أنَّ بِهِمْ مِنَ الجِدِّ ما يَشْغَلُهم عَنِ الهَزْلِ، لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُمُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، انْتَهى. وإذا تَقَدَّمَ مَعْمُولُ اسْمِ الفاعِلِ جازَ أنْ يُقَوّى تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ كالفِعْلِ، وكَذَلِكَ إذا تَأخَّرَ، لَكِنَّهُ مَعَ التَّقْدِيمِ أكْثَرُ فَلِذَلِكَ جاءَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] بِاللّامِ ولَوْ جاءَ مَنصُوبًا لَكانَ عَرَبِيًّا، والزَّكاةُ إنْ أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ صَحَّ نِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْها إذْ كُلُّ ما يَصْدُرُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ فُعِلَ، وإنْ أُرِيدَ بِالزَّكاةِ قَدْرُ ما يَخْرُجُ مِنَ المالِ لِلْفَقِيرِ (p-٣٩٦)فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ أيْ لِأداءِ الزَّكاةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] إذْ لا يَصِحُّ فِعْلُ الأعْيانِ مِنَ المُزَكِّي أوْ يُضَمَّنُ ”فاعِلُونَ“ مَعْنى مُؤَدُّونَ، وبِهِ شَرَحَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] لِلْعَمَلِ الصّالِحِ كَقَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] أيْ عَمَلًا صالِحًا؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقِيلَ: ”الزَّكاةُ“ هُنا النَّماءُ والزِّيادَةُ، واللّامُ لامُ العِلَّةِ، ومَعْمُولُ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ لِأجْلِ تَحْصِيلِ النَّماءِ والزِّيادَةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]: الخَيْرَ. وقِيلَ: المَصْرُوفُ لا يُسَمّى زَكاةً حَتّى يَحْصُلَ بِيَدِ الفَقِيرِ. وقِيلَ: لا تُسَمّى العَيْنُ المُخْرَجَةُ زَكاةً، فَكانَ التَّغْيِيرُ بِالفِعْلِ عَنْ إخْراجِهِ أوْلى مِنهُ بِالأداءِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى بَعْضِ زَنادِقَةِ الأعاجِمِ الأجانِبِ عَنْ ذَوْقِ العَرَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ألا قالَ مُؤَدُّونَ، قالَ في التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: وهَذا كَما قِيلَ لا عَقْلَ ولا نَقْلَ، والكِتابُ العَزِيزُ نَزَلَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وأصَحِّها بِلا خِلافٍ. وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎المُطْعِمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزْ ∗∗∗ مَةِ والفاعِلُونَ لِلزَّكَواتِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولا طَعَنَ فِيهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ، بَلْ جَمِيعُهم يَحْتَجُّونَ بِهِ ويَسْتَشْهِدُونَ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَمْلُ البَيْتِ عَلى هَذا أصَحُّ لِأنَّها فِيهِ مَجْمُوعَةٌ يَعْنِي عَلى أنَّ الزَّكاةَ يُرادُ بِها العَيْنُ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِأداءِ الزَّكَواتِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِجَمْعِها يَعْنِي أنَّها إذا أُرِيدَ بِها العَيْنُ صَحَّ جَمْعُها، وإذا أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ لَمْ تُجْمَعْ؛ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مَصْدَرٌ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ، وهَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ قَدْ جاءَ مِنها مَجْمُوعًا ألْفاظٌ كالعُلُومِ والحُلُومِ والأشْغالِ، وأمّا إذا اخْتَلَفَتْ فالأكْثَرُونَ عَلى جَوازِ جَمْعِها وهُنا اخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِها فَإخْراجُ النَّقْدِ غَيْرُ إخْراجِ الحَيَوانِ وغَيْرُ إخْراجِ النَّباتِ، والزَّكاةُ في قَوْلِ أُمَيَّةَ مِمّا جاءَ جَمْعًا مِنَ المَصادِرِ، فَلا يَتَعَدّى حَمْلُهُ عَلى المُخْرَجِ لِجَمْعِهِ. وحَفِظَ لا يَتَعَدّى بِعَلى. فَقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مِن، أيْ إلّا مِن أزْواجِهِمْ كَما اسْتُعْمِلَتْ مِن بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] أيْ عَلى القَوْمِ؛ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ والأوْلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ ضَمَّنَ ﴿حافِظُونَ﴾ مَعْنى مُمْسِكُونَ أوْ قاصِرُونَ، وكِلاهُما يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وُجُوهًا. فَقالَ ﴿عَلى أزْواجِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةَ فَماتَ عَنْها فَخَلَّفَ عَلَيْها فُلانًا، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ أيْ والِيًا عَلَيْها. ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ تَحْتَ فُلانٍ ومِن ثَمَّ سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا أوْ تَعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”غَيْرُ مَلُومِينَ“، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ أيْ يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ عَلَيْهِ أوْ يَجْعَلُهُ صِلَةً لِحافِظِينَ مِن قَوْلِكَ احْفَظْ عَلَيَّ عِنانَ فَرَسِي، عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى النَّفْيِ كَما ضُمِّنَ قَوْلُهم: نَشَدْتُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ما طَلَبْتُ مِنكَ إلّا فِعْلَكَ، انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَكُونَ حافِظُونَ صُورَتُهُ صُورَةُ المُثْبَتِ وهو مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى، أيْ والَّذِينَ هم لَمْ يَحْفَظُوا فُرُوجَهم إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، فَيَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مُتَعَلِّقًا فِيهِ عَلى بِما قَبْلَهُ كَما مَثَّلَ بِنَشَدْتُكَ الَّذِي صُورَتُهُ صُورَةُ مُثْبَتٍ، ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ ما طَلَبْتُ مِنكَ. وهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَها وُجُوهٌ مُتَكَلَّفَةٌ ظاهِرٌ فِيها العُجْمَةُ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ﴾ أُرِيدَ بِها النَّوْعُ كَقَوْلِهِ ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ مِن جِنْسِ العُقَلاءِ ما يَجْرِي مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ، وهُمُ الإناثُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ وهُمُ الإناثُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ هم مُخْتَصٌّ بِالذُّكُورِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ وهو الإناثُ عَلى لَفْظِ ما أوْ هُنَّ الإناثُ عَلى مَعْنى ما، وهَذا الِاسْتِثْناءُ حَدٌّ يَجِبُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، والتَّسَرِّي خاصٌّ بِالرِّجالِ ولا يَجُوزُ لِلنِّساءِ بِإجْماعٍ، فَلَوْ كانَتِ المَرْأةُ مُتَزَوِّجَةً بِعَبْدٍ فَمَلَكَتْهُ فَأعْتَقَتْهُ حالَةَ المِلْكِ انْفَسَخَ النِّكاحُ عِنْدَ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ النَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: يَبْقَيانِ عَلى نِكاحِهِما، وفي قَوْلِهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَعْمِيمِ وطْءِ ما مُلِكَ بِاليَمِينِ وهو مُخْتَصٌّ (p-٣٩٧)بِالإناثِ بِإجْماعٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مِنَ النِّساءِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ، وبَيْنَ المَمْلُوكَةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها؛ خِلافٌ، ويُخَصُّ أيْضًا في الآيَةِ بِتَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ والأمَةِ إذا زُوِّجَتْ والمُظاهِرِ مِنها حَتّى يُكَفِّرَ، ويَشْمَلُ قَوْلُهُ: ”وراءَ ذَلِكَ“ الزِّنا، واللِّواطَ، ومُواقَعَةَ البَهائِمِ، والِاسْتِمْناءَ، ومَعْنى ”وراءَ ذَلِكَ“ وراءَ هَذا الحَدِّ الَّذِي حُدَّ مِنَ الأزْواجِ ومَمْلُوكاتِ النِّساءِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِابْتَغى، أيْ خِلافَ ذَلِكَ. وقِيلَ: لا يَكُونُ وراءَ هُنا إلّا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ ما وراءَ ذَلِكَ. والجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْناءِ ويُسَمّى الخَضْخَضَةَ وجَلْدَ عُمَيْرَةَ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وكانَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُجِيزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ فَضْلَةٌ في البَدَنِ فَجازَ إخْراجُها عِنْدَ الحاجَةِ كالفَصْدِ والحِجامَةِ، وسَألَ حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ جَرى في ذَلِكَ كَلامٌ مَعَ قاضِي القُضاةِ أبِي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُطِيعٍ القُشَيْرِيِّ ابْنِ دَقِيقِ العِيدِ، فاسْتَدَلَّ عَلى مَنعِ ذَلِكَ بِما اسْتَدَلَّ مالِكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِنَ الزِّنا والتَّفاخُرِ بِذَلِكَ في أشْعارِها، وكانَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِيها بِحَيْثُ كانَ في بَغاياهم صاحِباتُ راياتٍ، ولَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. وأمّا جَلْدُ عُمَيْرَةَ فَلَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِيها ولا ذَكَرُهُ أحَدٌ مِنهم في أشْعارِهِمْ فِيما عَلِمْناهُ فَلَيْسَ بِمُنْدَرِجٍ في قَوْلِهِ ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ ألا تَرى أنَّ مَحَلَّ ما أُبِيحَ وهو نِساؤُهم بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ فالَّذِي وراءَ ذَلِكَ هو مِن جِنْسِ ما أُحِلَّ لَهم، وهو النِّساءُ، فَلا يَحِلُّ لَهم شَيْءٌ مِنهُنَّ إلّا بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾؛ لِأنَّها يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ زَوْجٍ. وسَألَ الزُّهْرِيُّ القاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ المُتْعَةِ، فَقالَ: هي مُحَرَّمَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وتَلا: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الآيَةَ، ولا يَظْهَرُ التَّحْرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ”لِأمانَتِهِمْ“ بِالإفْرادِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الأماناتِ فَيَدْخُلُ فِيها ما ائْتَمَنَ تَعالى عَلَيْهِ العَبْدَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ واعْتِقادٍ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وما ائْتَمَنَهُ الإنْسانَ قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ الخُصُوصُ في أماناتِ النّاسِ. والأمانَةُ: هي الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ومُراعاتُها القِيامُ عَلَيْها لِحِفْظِها إلى أنْ تُؤَدّى، والأمانَةُ أيْضًا المَصْدَرُ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]، والمُؤَدّى هو العَيْنُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ أوِ القَوْلُ إنْ كانَ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ لا المَصْدَرُ. وقَرَأ الأخَوانِ عَلى صَلاتِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ. والخُشُوعُ والمُحافَظَةُ مُتَغايِرانِ بَدَأ أوَّلًا بِالخُشُوعِ، وهو الجامِعُ لِلْمُراقَبَةِ القَلْبِيَّةِ والتَّذَلُّلِ بِالأفْعالِ البَدَنِيَّةِ، وثَنّى بِالمُحافَظَةِ وهي تَأْدِيَتُها في وقْتِها بِشُرُوطِها مِن طَهارَةِ المُصَلِّي ومَلْبُوسِهِ ومَكانِهِ وأداءِ أرْكانِها عَلى أحْسَنِ هَيْئاتِها، ويَكُونُ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُحِّدَتْ أوَّلًا لِيُفادَ الخُشُوعُ في جِنْسِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ، وجُمِعَتْ آخِرًا لِتُفادَ المُحافَظَةُ عَلى أعْدادِها وهي: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والوِتْرُ، والسُّنَنُ المُرَتَّبَةُ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ، وصَلاةُ الجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والجِنازَةِ، والِاسْتِسْقاءِ، والكُسُوفِ والخُسُوفِ، وصَلاةُ الضُّحى، والتَّهَجُّدِ، وصَلاةُ التَّسْبِيحِ، وصَلاةُ الحاجَةِ، وغَيْرُها مِنَ النَّوافِلِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ الأحِقّاءُ أنْ يُسَمُّوا وُرّاثًا دُونَ مَن عَداهم، ثُمَّ تَرْجَمَ الوارِثِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ فَجاءَ بِفَخامَةٍ وجَزالَةٍ لِإرْثِهِمْ لا تَخْفى عَلى النّاظِرِ، ومَعْنى الإرْثِ ما مَرَّ في سُورَةِ مَرْيَمَ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الفِرْدَوْسِ في آخِرِ الكَهْفِ.

المؤمنون 23:9

﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] . (p-٣٩٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وفي الصَّحِيحِ لِلْحاكِمِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ“ ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى عَشْرِ آياتٍ» . ومُناسَبَتُها لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بُقُولِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] الآيَةَ، وفِيها ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْجِيَةِ فَناسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إخْبارًا بِحُصُولِ ما كانُوا رَجَوْهُ مِنَ الفَلاحِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ﴿قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ ادْخُلُوا في الفَلاحِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن فَلَحَ لازِمًا أوْ يَكُونَ أفْلَحَ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا ولازِمًا. وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ وضَمِّ الحاءِ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ يَقْرَأُ ”قَدْ أفْلَحُوا المُؤْمِنُونَ“ فَقُلْتُ لَهُ: أتَلْحَنُ ؟ قالَ: نَعَمْ، كَما لَحَنَ أصْحابِي، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ مَرْجُوعَهُ في القِراءَةِ إلى ما رُوِيَ ولَيْسَ بِلَحْنٍ؛ لِأنَّهُ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ مَكْتُوبًا بِواوٍ بَعْدَ الحاءِ، وفي اللَّوامِحِ وحُذِفَتْ واوُ الجَمْعِ بَعْدَ الحاءِ لِالتِقائِهِما في الدَّرَجِ، وكانَتِ الكِتابَةُ عَلَيْها مَحْمُولَةً عَلى الوَصْلِ نَحْوَ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْهُ أيْ عَنْ طَلْحَةَ ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمَّةٍ بِغَيْرِ واوٍ اجْتِزاءً بِها عَنْها كَقَوْلِهِ: ؎فَلَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانُ حَوْلِي انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الواوَ في ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهُنا حُذِفَتْ لِلضَّرُورَةِ؛ فَلَيْسَتْ مِثْلَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ تَقْتَضِيهِ لِما هي تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ ولِما تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم، فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ، انْتَهى. والخُشُوعُ لُغَةً الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ هُنا أقْوالٌ: قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: هو السُّكُونُ وحُسْنُ الهَيْئَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَضُّ البَصَرِ وخَفْضُ الجَناحِ. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ: تَنْكِيسُ الرَّأْسِ. وقالَ الحَسَنُ: الخَوْفُ. وقالَ الضَّحّاكُ: وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ. وعَنْ عَلِيٍّ: تَرْكُ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ. وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ: إعْظامُ المَقامِ، وإخْلاصُ المَقالِ، واليَقِينُ التّامُّ، وجَمْعُ الِاهْتِمامِ. وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي رافِعًا بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رَمى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ»، ومِنَ الخُشُوعِ أنْ تُسْتَعْمَلَ الآدابُ فَيَتَوَقّى كَفَّ الثَّوْبِ، والعَبَثَ بِجَسَدِهِ وثِيابِهِ، والِالتِفاتَ، والتَّمَطِّيَ، والتَّثاؤُبَ، والتَّغْمِيضَ، وتَغْطِيَةَ الفَمِ، والسَّدْلَ، والفَرْقَعَةَ، والتَّشْبِيكَ، والِاخْتِصارَ، وتَقْلِيبَ الحَصى. وفي التَّحْرِيرِ: اخْتُلِفَ في الخُشُوعِ: هَلْ هو مِن فَرائِضِ الصَّلاةِ أوْ مِن فَضائِلِها ومُكَمِّلاتِها عَلى قَوْلَيْنِ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو أوَّلُ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ؛ قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أُضِيفَتِ الصَّلاةُ إلَيْهِمْ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ الصَّلاةَ دائِرَةٌ بَيْنَ المُصَلِّي والمُصَلّى لَهُ، فالمُصَلِّي هو المُنْتَفِعُ بِها وحْدَهُ وهي عُدَّتُهُ وذَخِيرَتُهُ فَهي صَلاتُهُ، وأمّا المُصَلّى لَهُ فَغَنِيٌّ مُتَعالٍ عَنِ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعِ بِها. ﴿اللَّغْوِ﴾ [المؤمنون: ٣] ما لا يَعْنِيكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كاللَّعِبِ والهَزْلِ، وما تُوجِبُ المُرُوءَةُ اطِّراحَهُ يَعْنِي أنَّ بِهِمْ مِنَ الجِدِّ ما يَشْغَلُهم عَنِ الهَزْلِ، لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُمُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، انْتَهى. وإذا تَقَدَّمَ مَعْمُولُ اسْمِ الفاعِلِ جازَ أنْ يُقَوّى تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ كالفِعْلِ، وكَذَلِكَ إذا تَأخَّرَ، لَكِنَّهُ مَعَ التَّقْدِيمِ أكْثَرُ فَلِذَلِكَ جاءَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] بِاللّامِ ولَوْ جاءَ مَنصُوبًا لَكانَ عَرَبِيًّا، والزَّكاةُ إنْ أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ صَحَّ نِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْها إذْ كُلُّ ما يَصْدُرُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ فُعِلَ، وإنْ أُرِيدَ بِالزَّكاةِ قَدْرُ ما يَخْرُجُ مِنَ المالِ لِلْفَقِيرِ (p-٣٩٦)فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ أيْ لِأداءِ الزَّكاةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] إذْ لا يَصِحُّ فِعْلُ الأعْيانِ مِنَ المُزَكِّي أوْ يُضَمَّنُ ”فاعِلُونَ“ مَعْنى مُؤَدُّونَ، وبِهِ شَرَحَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] لِلْعَمَلِ الصّالِحِ كَقَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] أيْ عَمَلًا صالِحًا؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقِيلَ: ”الزَّكاةُ“ هُنا النَّماءُ والزِّيادَةُ، واللّامُ لامُ العِلَّةِ، ومَعْمُولُ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ لِأجْلِ تَحْصِيلِ النَّماءِ والزِّيادَةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]: الخَيْرَ. وقِيلَ: المَصْرُوفُ لا يُسَمّى زَكاةً حَتّى يَحْصُلَ بِيَدِ الفَقِيرِ. وقِيلَ: لا تُسَمّى العَيْنُ المُخْرَجَةُ زَكاةً، فَكانَ التَّغْيِيرُ بِالفِعْلِ عَنْ إخْراجِهِ أوْلى مِنهُ بِالأداءِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى بَعْضِ زَنادِقَةِ الأعاجِمِ الأجانِبِ عَنْ ذَوْقِ العَرَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ألا قالَ مُؤَدُّونَ، قالَ في التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: وهَذا كَما قِيلَ لا عَقْلَ ولا نَقْلَ، والكِتابُ العَزِيزُ نَزَلَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وأصَحِّها بِلا خِلافٍ. وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎المُطْعِمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزْ ∗∗∗ مَةِ والفاعِلُونَ لِلزَّكَواتِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولا طَعَنَ فِيهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ، بَلْ جَمِيعُهم يَحْتَجُّونَ بِهِ ويَسْتَشْهِدُونَ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَمْلُ البَيْتِ عَلى هَذا أصَحُّ لِأنَّها فِيهِ مَجْمُوعَةٌ يَعْنِي عَلى أنَّ الزَّكاةَ يُرادُ بِها العَيْنُ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِأداءِ الزَّكَواتِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِجَمْعِها يَعْنِي أنَّها إذا أُرِيدَ بِها العَيْنُ صَحَّ جَمْعُها، وإذا أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ لَمْ تُجْمَعْ؛ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مَصْدَرٌ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ، وهَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ قَدْ جاءَ مِنها مَجْمُوعًا ألْفاظٌ كالعُلُومِ والحُلُومِ والأشْغالِ، وأمّا إذا اخْتَلَفَتْ فالأكْثَرُونَ عَلى جَوازِ جَمْعِها وهُنا اخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِها فَإخْراجُ النَّقْدِ غَيْرُ إخْراجِ الحَيَوانِ وغَيْرُ إخْراجِ النَّباتِ، والزَّكاةُ في قَوْلِ أُمَيَّةَ مِمّا جاءَ جَمْعًا مِنَ المَصادِرِ، فَلا يَتَعَدّى حَمْلُهُ عَلى المُخْرَجِ لِجَمْعِهِ. وحَفِظَ لا يَتَعَدّى بِعَلى. فَقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مِن، أيْ إلّا مِن أزْواجِهِمْ كَما اسْتُعْمِلَتْ مِن بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] أيْ عَلى القَوْمِ؛ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ والأوْلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ ضَمَّنَ ﴿حافِظُونَ﴾ مَعْنى مُمْسِكُونَ أوْ قاصِرُونَ، وكِلاهُما يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وُجُوهًا. فَقالَ ﴿عَلى أزْواجِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةَ فَماتَ عَنْها فَخَلَّفَ عَلَيْها فُلانًا، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ أيْ والِيًا عَلَيْها. ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ تَحْتَ فُلانٍ ومِن ثَمَّ سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا أوْ تَعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”غَيْرُ مَلُومِينَ“، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ أيْ يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ عَلَيْهِ أوْ يَجْعَلُهُ صِلَةً لِحافِظِينَ مِن قَوْلِكَ احْفَظْ عَلَيَّ عِنانَ فَرَسِي، عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى النَّفْيِ كَما ضُمِّنَ قَوْلُهم: نَشَدْتُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ما طَلَبْتُ مِنكَ إلّا فِعْلَكَ، انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَكُونَ حافِظُونَ صُورَتُهُ صُورَةُ المُثْبَتِ وهو مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى، أيْ والَّذِينَ هم لَمْ يَحْفَظُوا فُرُوجَهم إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، فَيَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مُتَعَلِّقًا فِيهِ عَلى بِما قَبْلَهُ كَما مَثَّلَ بِنَشَدْتُكَ الَّذِي صُورَتُهُ صُورَةُ مُثْبَتٍ، ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ ما طَلَبْتُ مِنكَ. وهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَها وُجُوهٌ مُتَكَلَّفَةٌ ظاهِرٌ فِيها العُجْمَةُ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ﴾ أُرِيدَ بِها النَّوْعُ كَقَوْلِهِ ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ مِن جِنْسِ العُقَلاءِ ما يَجْرِي مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ، وهُمُ الإناثُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ وهُمُ الإناثُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ هم مُخْتَصٌّ بِالذُّكُورِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ وهو الإناثُ عَلى لَفْظِ ما أوْ هُنَّ الإناثُ عَلى مَعْنى ما، وهَذا الِاسْتِثْناءُ حَدٌّ يَجِبُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، والتَّسَرِّي خاصٌّ بِالرِّجالِ ولا يَجُوزُ لِلنِّساءِ بِإجْماعٍ، فَلَوْ كانَتِ المَرْأةُ مُتَزَوِّجَةً بِعَبْدٍ فَمَلَكَتْهُ فَأعْتَقَتْهُ حالَةَ المِلْكِ انْفَسَخَ النِّكاحُ عِنْدَ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ النَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: يَبْقَيانِ عَلى نِكاحِهِما، وفي قَوْلِهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَعْمِيمِ وطْءِ ما مُلِكَ بِاليَمِينِ وهو مُخْتَصٌّ (p-٣٩٧)بِالإناثِ بِإجْماعٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مِنَ النِّساءِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ، وبَيْنَ المَمْلُوكَةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها؛ خِلافٌ، ويُخَصُّ أيْضًا في الآيَةِ بِتَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ والأمَةِ إذا زُوِّجَتْ والمُظاهِرِ مِنها حَتّى يُكَفِّرَ، ويَشْمَلُ قَوْلُهُ: ”وراءَ ذَلِكَ“ الزِّنا، واللِّواطَ، ومُواقَعَةَ البَهائِمِ، والِاسْتِمْناءَ، ومَعْنى ”وراءَ ذَلِكَ“ وراءَ هَذا الحَدِّ الَّذِي حُدَّ مِنَ الأزْواجِ ومَمْلُوكاتِ النِّساءِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِابْتَغى، أيْ خِلافَ ذَلِكَ. وقِيلَ: لا يَكُونُ وراءَ هُنا إلّا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ ما وراءَ ذَلِكَ. والجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْناءِ ويُسَمّى الخَضْخَضَةَ وجَلْدَ عُمَيْرَةَ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وكانَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُجِيزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ فَضْلَةٌ في البَدَنِ فَجازَ إخْراجُها عِنْدَ الحاجَةِ كالفَصْدِ والحِجامَةِ، وسَألَ حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ جَرى في ذَلِكَ كَلامٌ مَعَ قاضِي القُضاةِ أبِي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُطِيعٍ القُشَيْرِيِّ ابْنِ دَقِيقِ العِيدِ، فاسْتَدَلَّ عَلى مَنعِ ذَلِكَ بِما اسْتَدَلَّ مالِكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِنَ الزِّنا والتَّفاخُرِ بِذَلِكَ في أشْعارِها، وكانَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِيها بِحَيْثُ كانَ في بَغاياهم صاحِباتُ راياتٍ، ولَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. وأمّا جَلْدُ عُمَيْرَةَ فَلَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِيها ولا ذَكَرُهُ أحَدٌ مِنهم في أشْعارِهِمْ فِيما عَلِمْناهُ فَلَيْسَ بِمُنْدَرِجٍ في قَوْلِهِ ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ ألا تَرى أنَّ مَحَلَّ ما أُبِيحَ وهو نِساؤُهم بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ فالَّذِي وراءَ ذَلِكَ هو مِن جِنْسِ ما أُحِلَّ لَهم، وهو النِّساءُ، فَلا يَحِلُّ لَهم شَيْءٌ مِنهُنَّ إلّا بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾؛ لِأنَّها يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ زَوْجٍ. وسَألَ الزُّهْرِيُّ القاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ المُتْعَةِ، فَقالَ: هي مُحَرَّمَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وتَلا: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الآيَةَ، ولا يَظْهَرُ التَّحْرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ”لِأمانَتِهِمْ“ بِالإفْرادِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الأماناتِ فَيَدْخُلُ فِيها ما ائْتَمَنَ تَعالى عَلَيْهِ العَبْدَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ واعْتِقادٍ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وما ائْتَمَنَهُ الإنْسانَ قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ الخُصُوصُ في أماناتِ النّاسِ. والأمانَةُ: هي الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ومُراعاتُها القِيامُ عَلَيْها لِحِفْظِها إلى أنْ تُؤَدّى، والأمانَةُ أيْضًا المَصْدَرُ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]، والمُؤَدّى هو العَيْنُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ أوِ القَوْلُ إنْ كانَ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ لا المَصْدَرُ. وقَرَأ الأخَوانِ عَلى صَلاتِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ. والخُشُوعُ والمُحافَظَةُ مُتَغايِرانِ بَدَأ أوَّلًا بِالخُشُوعِ، وهو الجامِعُ لِلْمُراقَبَةِ القَلْبِيَّةِ والتَّذَلُّلِ بِالأفْعالِ البَدَنِيَّةِ، وثَنّى بِالمُحافَظَةِ وهي تَأْدِيَتُها في وقْتِها بِشُرُوطِها مِن طَهارَةِ المُصَلِّي ومَلْبُوسِهِ ومَكانِهِ وأداءِ أرْكانِها عَلى أحْسَنِ هَيْئاتِها، ويَكُونُ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُحِّدَتْ أوَّلًا لِيُفادَ الخُشُوعُ في جِنْسِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ، وجُمِعَتْ آخِرًا لِتُفادَ المُحافَظَةُ عَلى أعْدادِها وهي: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والوِتْرُ، والسُّنَنُ المُرَتَّبَةُ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ، وصَلاةُ الجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والجِنازَةِ، والِاسْتِسْقاءِ، والكُسُوفِ والخُسُوفِ، وصَلاةُ الضُّحى، والتَّهَجُّدِ، وصَلاةُ التَّسْبِيحِ، وصَلاةُ الحاجَةِ، وغَيْرُها مِنَ النَّوافِلِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ الأحِقّاءُ أنْ يُسَمُّوا وُرّاثًا دُونَ مَن عَداهم، ثُمَّ تَرْجَمَ الوارِثِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ فَجاءَ بِفَخامَةٍ وجَزالَةٍ لِإرْثِهِمْ لا تَخْفى عَلى النّاظِرِ، ومَعْنى الإرْثِ ما مَرَّ في سُورَةِ مَرْيَمَ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الفِرْدَوْسِ في آخِرِ الكَهْفِ.

المؤمنون 23:10

﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] . (p-٣٩٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وفي الصَّحِيحِ لِلْحاكِمِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ“ ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى عَشْرِ آياتٍ» . ومُناسَبَتُها لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بُقُولِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] الآيَةَ، وفِيها ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْجِيَةِ فَناسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إخْبارًا بِحُصُولِ ما كانُوا رَجَوْهُ مِنَ الفَلاحِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ﴿قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ ادْخُلُوا في الفَلاحِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن فَلَحَ لازِمًا أوْ يَكُونَ أفْلَحَ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا ولازِمًا. وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ وضَمِّ الحاءِ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ يَقْرَأُ ”قَدْ أفْلَحُوا المُؤْمِنُونَ“ فَقُلْتُ لَهُ: أتَلْحَنُ ؟ قالَ: نَعَمْ، كَما لَحَنَ أصْحابِي، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ مَرْجُوعَهُ في القِراءَةِ إلى ما رُوِيَ ولَيْسَ بِلَحْنٍ؛ لِأنَّهُ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ مَكْتُوبًا بِواوٍ بَعْدَ الحاءِ، وفي اللَّوامِحِ وحُذِفَتْ واوُ الجَمْعِ بَعْدَ الحاءِ لِالتِقائِهِما في الدَّرَجِ، وكانَتِ الكِتابَةُ عَلَيْها مَحْمُولَةً عَلى الوَصْلِ نَحْوَ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْهُ أيْ عَنْ طَلْحَةَ ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمَّةٍ بِغَيْرِ واوٍ اجْتِزاءً بِها عَنْها كَقَوْلِهِ: ؎فَلَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانُ حَوْلِي انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الواوَ في ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهُنا حُذِفَتْ لِلضَّرُورَةِ؛ فَلَيْسَتْ مِثْلَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ تَقْتَضِيهِ لِما هي تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ ولِما تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم، فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ، انْتَهى. والخُشُوعُ لُغَةً الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ هُنا أقْوالٌ: قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: هو السُّكُونُ وحُسْنُ الهَيْئَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَضُّ البَصَرِ وخَفْضُ الجَناحِ. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ: تَنْكِيسُ الرَّأْسِ. وقالَ الحَسَنُ: الخَوْفُ. وقالَ الضَّحّاكُ: وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ. وعَنْ عَلِيٍّ: تَرْكُ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ. وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ: إعْظامُ المَقامِ، وإخْلاصُ المَقالِ، واليَقِينُ التّامُّ، وجَمْعُ الِاهْتِمامِ. وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي رافِعًا بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رَمى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ»، ومِنَ الخُشُوعِ أنْ تُسْتَعْمَلَ الآدابُ فَيَتَوَقّى كَفَّ الثَّوْبِ، والعَبَثَ بِجَسَدِهِ وثِيابِهِ، والِالتِفاتَ، والتَّمَطِّيَ، والتَّثاؤُبَ، والتَّغْمِيضَ، وتَغْطِيَةَ الفَمِ، والسَّدْلَ، والفَرْقَعَةَ، والتَّشْبِيكَ، والِاخْتِصارَ، وتَقْلِيبَ الحَصى. وفي التَّحْرِيرِ: اخْتُلِفَ في الخُشُوعِ: هَلْ هو مِن فَرائِضِ الصَّلاةِ أوْ مِن فَضائِلِها ومُكَمِّلاتِها عَلى قَوْلَيْنِ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو أوَّلُ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ؛ قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أُضِيفَتِ الصَّلاةُ إلَيْهِمْ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ الصَّلاةَ دائِرَةٌ بَيْنَ المُصَلِّي والمُصَلّى لَهُ، فالمُصَلِّي هو المُنْتَفِعُ بِها وحْدَهُ وهي عُدَّتُهُ وذَخِيرَتُهُ فَهي صَلاتُهُ، وأمّا المُصَلّى لَهُ فَغَنِيٌّ مُتَعالٍ عَنِ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعِ بِها. ﴿اللَّغْوِ﴾ [المؤمنون: ٣] ما لا يَعْنِيكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كاللَّعِبِ والهَزْلِ، وما تُوجِبُ المُرُوءَةُ اطِّراحَهُ يَعْنِي أنَّ بِهِمْ مِنَ الجِدِّ ما يَشْغَلُهم عَنِ الهَزْلِ، لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُمُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، انْتَهى. وإذا تَقَدَّمَ مَعْمُولُ اسْمِ الفاعِلِ جازَ أنْ يُقَوّى تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ كالفِعْلِ، وكَذَلِكَ إذا تَأخَّرَ، لَكِنَّهُ مَعَ التَّقْدِيمِ أكْثَرُ فَلِذَلِكَ جاءَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] بِاللّامِ ولَوْ جاءَ مَنصُوبًا لَكانَ عَرَبِيًّا، والزَّكاةُ إنْ أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ صَحَّ نِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْها إذْ كُلُّ ما يَصْدُرُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ فُعِلَ، وإنْ أُرِيدَ بِالزَّكاةِ قَدْرُ ما يَخْرُجُ مِنَ المالِ لِلْفَقِيرِ (p-٣٩٦)فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ أيْ لِأداءِ الزَّكاةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] إذْ لا يَصِحُّ فِعْلُ الأعْيانِ مِنَ المُزَكِّي أوْ يُضَمَّنُ ”فاعِلُونَ“ مَعْنى مُؤَدُّونَ، وبِهِ شَرَحَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] لِلْعَمَلِ الصّالِحِ كَقَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] أيْ عَمَلًا صالِحًا؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقِيلَ: ”الزَّكاةُ“ هُنا النَّماءُ والزِّيادَةُ، واللّامُ لامُ العِلَّةِ، ومَعْمُولُ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ لِأجْلِ تَحْصِيلِ النَّماءِ والزِّيادَةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]: الخَيْرَ. وقِيلَ: المَصْرُوفُ لا يُسَمّى زَكاةً حَتّى يَحْصُلَ بِيَدِ الفَقِيرِ. وقِيلَ: لا تُسَمّى العَيْنُ المُخْرَجَةُ زَكاةً، فَكانَ التَّغْيِيرُ بِالفِعْلِ عَنْ إخْراجِهِ أوْلى مِنهُ بِالأداءِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى بَعْضِ زَنادِقَةِ الأعاجِمِ الأجانِبِ عَنْ ذَوْقِ العَرَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ألا قالَ مُؤَدُّونَ، قالَ في التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: وهَذا كَما قِيلَ لا عَقْلَ ولا نَقْلَ، والكِتابُ العَزِيزُ نَزَلَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وأصَحِّها بِلا خِلافٍ. وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎المُطْعِمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزْ ∗∗∗ مَةِ والفاعِلُونَ لِلزَّكَواتِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولا طَعَنَ فِيهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ، بَلْ جَمِيعُهم يَحْتَجُّونَ بِهِ ويَسْتَشْهِدُونَ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَمْلُ البَيْتِ عَلى هَذا أصَحُّ لِأنَّها فِيهِ مَجْمُوعَةٌ يَعْنِي عَلى أنَّ الزَّكاةَ يُرادُ بِها العَيْنُ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِأداءِ الزَّكَواتِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِجَمْعِها يَعْنِي أنَّها إذا أُرِيدَ بِها العَيْنُ صَحَّ جَمْعُها، وإذا أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ لَمْ تُجْمَعْ؛ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مَصْدَرٌ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ، وهَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ قَدْ جاءَ مِنها مَجْمُوعًا ألْفاظٌ كالعُلُومِ والحُلُومِ والأشْغالِ، وأمّا إذا اخْتَلَفَتْ فالأكْثَرُونَ عَلى جَوازِ جَمْعِها وهُنا اخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِها فَإخْراجُ النَّقْدِ غَيْرُ إخْراجِ الحَيَوانِ وغَيْرُ إخْراجِ النَّباتِ، والزَّكاةُ في قَوْلِ أُمَيَّةَ مِمّا جاءَ جَمْعًا مِنَ المَصادِرِ، فَلا يَتَعَدّى حَمْلُهُ عَلى المُخْرَجِ لِجَمْعِهِ. وحَفِظَ لا يَتَعَدّى بِعَلى. فَقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مِن، أيْ إلّا مِن أزْواجِهِمْ كَما اسْتُعْمِلَتْ مِن بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] أيْ عَلى القَوْمِ؛ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ والأوْلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ ضَمَّنَ ﴿حافِظُونَ﴾ مَعْنى مُمْسِكُونَ أوْ قاصِرُونَ، وكِلاهُما يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وُجُوهًا. فَقالَ ﴿عَلى أزْواجِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةَ فَماتَ عَنْها فَخَلَّفَ عَلَيْها فُلانًا، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ أيْ والِيًا عَلَيْها. ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ تَحْتَ فُلانٍ ومِن ثَمَّ سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا أوْ تَعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”غَيْرُ مَلُومِينَ“، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ أيْ يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ عَلَيْهِ أوْ يَجْعَلُهُ صِلَةً لِحافِظِينَ مِن قَوْلِكَ احْفَظْ عَلَيَّ عِنانَ فَرَسِي، عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى النَّفْيِ كَما ضُمِّنَ قَوْلُهم: نَشَدْتُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ما طَلَبْتُ مِنكَ إلّا فِعْلَكَ، انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَكُونَ حافِظُونَ صُورَتُهُ صُورَةُ المُثْبَتِ وهو مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى، أيْ والَّذِينَ هم لَمْ يَحْفَظُوا فُرُوجَهم إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، فَيَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مُتَعَلِّقًا فِيهِ عَلى بِما قَبْلَهُ كَما مَثَّلَ بِنَشَدْتُكَ الَّذِي صُورَتُهُ صُورَةُ مُثْبَتٍ، ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ ما طَلَبْتُ مِنكَ. وهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَها وُجُوهٌ مُتَكَلَّفَةٌ ظاهِرٌ فِيها العُجْمَةُ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ﴾ أُرِيدَ بِها النَّوْعُ كَقَوْلِهِ ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ مِن جِنْسِ العُقَلاءِ ما يَجْرِي مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ، وهُمُ الإناثُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ وهُمُ الإناثُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ هم مُخْتَصٌّ بِالذُّكُورِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ وهو الإناثُ عَلى لَفْظِ ما أوْ هُنَّ الإناثُ عَلى مَعْنى ما، وهَذا الِاسْتِثْناءُ حَدٌّ يَجِبُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، والتَّسَرِّي خاصٌّ بِالرِّجالِ ولا يَجُوزُ لِلنِّساءِ بِإجْماعٍ، فَلَوْ كانَتِ المَرْأةُ مُتَزَوِّجَةً بِعَبْدٍ فَمَلَكَتْهُ فَأعْتَقَتْهُ حالَةَ المِلْكِ انْفَسَخَ النِّكاحُ عِنْدَ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ النَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: يَبْقَيانِ عَلى نِكاحِهِما، وفي قَوْلِهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَعْمِيمِ وطْءِ ما مُلِكَ بِاليَمِينِ وهو مُخْتَصٌّ (p-٣٩٧)بِالإناثِ بِإجْماعٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مِنَ النِّساءِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ، وبَيْنَ المَمْلُوكَةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها؛ خِلافٌ، ويُخَصُّ أيْضًا في الآيَةِ بِتَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ والأمَةِ إذا زُوِّجَتْ والمُظاهِرِ مِنها حَتّى يُكَفِّرَ، ويَشْمَلُ قَوْلُهُ: ”وراءَ ذَلِكَ“ الزِّنا، واللِّواطَ، ومُواقَعَةَ البَهائِمِ، والِاسْتِمْناءَ، ومَعْنى ”وراءَ ذَلِكَ“ وراءَ هَذا الحَدِّ الَّذِي حُدَّ مِنَ الأزْواجِ ومَمْلُوكاتِ النِّساءِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِابْتَغى، أيْ خِلافَ ذَلِكَ. وقِيلَ: لا يَكُونُ وراءَ هُنا إلّا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ ما وراءَ ذَلِكَ. والجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْناءِ ويُسَمّى الخَضْخَضَةَ وجَلْدَ عُمَيْرَةَ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وكانَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُجِيزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ فَضْلَةٌ في البَدَنِ فَجازَ إخْراجُها عِنْدَ الحاجَةِ كالفَصْدِ والحِجامَةِ، وسَألَ حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ جَرى في ذَلِكَ كَلامٌ مَعَ قاضِي القُضاةِ أبِي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُطِيعٍ القُشَيْرِيِّ ابْنِ دَقِيقِ العِيدِ، فاسْتَدَلَّ عَلى مَنعِ ذَلِكَ بِما اسْتَدَلَّ مالِكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِنَ الزِّنا والتَّفاخُرِ بِذَلِكَ في أشْعارِها، وكانَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِيها بِحَيْثُ كانَ في بَغاياهم صاحِباتُ راياتٍ، ولَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. وأمّا جَلْدُ عُمَيْرَةَ فَلَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِيها ولا ذَكَرُهُ أحَدٌ مِنهم في أشْعارِهِمْ فِيما عَلِمْناهُ فَلَيْسَ بِمُنْدَرِجٍ في قَوْلِهِ ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ ألا تَرى أنَّ مَحَلَّ ما أُبِيحَ وهو نِساؤُهم بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ فالَّذِي وراءَ ذَلِكَ هو مِن جِنْسِ ما أُحِلَّ لَهم، وهو النِّساءُ، فَلا يَحِلُّ لَهم شَيْءٌ مِنهُنَّ إلّا بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾؛ لِأنَّها يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ زَوْجٍ. وسَألَ الزُّهْرِيُّ القاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ المُتْعَةِ، فَقالَ: هي مُحَرَّمَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وتَلا: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الآيَةَ، ولا يَظْهَرُ التَّحْرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ”لِأمانَتِهِمْ“ بِالإفْرادِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الأماناتِ فَيَدْخُلُ فِيها ما ائْتَمَنَ تَعالى عَلَيْهِ العَبْدَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ واعْتِقادٍ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وما ائْتَمَنَهُ الإنْسانَ قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ الخُصُوصُ في أماناتِ النّاسِ. والأمانَةُ: هي الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ومُراعاتُها القِيامُ عَلَيْها لِحِفْظِها إلى أنْ تُؤَدّى، والأمانَةُ أيْضًا المَصْدَرُ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]، والمُؤَدّى هو العَيْنُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ أوِ القَوْلُ إنْ كانَ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ لا المَصْدَرُ. وقَرَأ الأخَوانِ عَلى صَلاتِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ. والخُشُوعُ والمُحافَظَةُ مُتَغايِرانِ بَدَأ أوَّلًا بِالخُشُوعِ، وهو الجامِعُ لِلْمُراقَبَةِ القَلْبِيَّةِ والتَّذَلُّلِ بِالأفْعالِ البَدَنِيَّةِ، وثَنّى بِالمُحافَظَةِ وهي تَأْدِيَتُها في وقْتِها بِشُرُوطِها مِن طَهارَةِ المُصَلِّي ومَلْبُوسِهِ ومَكانِهِ وأداءِ أرْكانِها عَلى أحْسَنِ هَيْئاتِها، ويَكُونُ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُحِّدَتْ أوَّلًا لِيُفادَ الخُشُوعُ في جِنْسِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ، وجُمِعَتْ آخِرًا لِتُفادَ المُحافَظَةُ عَلى أعْدادِها وهي: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والوِتْرُ، والسُّنَنُ المُرَتَّبَةُ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ، وصَلاةُ الجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والجِنازَةِ، والِاسْتِسْقاءِ، والكُسُوفِ والخُسُوفِ، وصَلاةُ الضُّحى، والتَّهَجُّدِ، وصَلاةُ التَّسْبِيحِ، وصَلاةُ الحاجَةِ، وغَيْرُها مِنَ النَّوافِلِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ الأحِقّاءُ أنْ يُسَمُّوا وُرّاثًا دُونَ مَن عَداهم، ثُمَّ تَرْجَمَ الوارِثِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ فَجاءَ بِفَخامَةٍ وجَزالَةٍ لِإرْثِهِمْ لا تَخْفى عَلى النّاظِرِ، ومَعْنى الإرْثِ ما مَرَّ في سُورَةِ مَرْيَمَ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الفِرْدَوْسِ في آخِرِ الكَهْفِ.

المؤمنون 23:11

﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] . (p-٣٩٥)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وفي الصَّحِيحِ لِلْحاكِمِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ“ ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى عَشْرِ آياتٍ» . ومُناسَبَتُها لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بُقُولِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] الآيَةَ، وفِيها ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْجِيَةِ فَناسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إخْبارًا بِحُصُولِ ما كانُوا رَجَوْهُ مِنَ الفَلاحِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ﴿قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومَعْناهُ ادْخُلُوا في الفَلاحِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن فَلَحَ لازِمًا أوْ يَكُونَ أفْلَحَ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا ولازِمًا. وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ وضَمِّ الحاءِ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ يَقْرَأُ ”قَدْ أفْلَحُوا المُؤْمِنُونَ“ فَقُلْتُ لَهُ: أتَلْحَنُ ؟ قالَ: نَعَمْ، كَما لَحَنَ أصْحابِي، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ مَرْجُوعَهُ في القِراءَةِ إلى ما رُوِيَ ولَيْسَ بِلَحْنٍ؛ لِأنَّهُ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ مَكْتُوبًا بِواوٍ بَعْدَ الحاءِ، وفي اللَّوامِحِ وحُذِفَتْ واوُ الجَمْعِ بَعْدَ الحاءِ لِالتِقائِهِما في الدَّرَجِ، وكانَتِ الكِتابَةُ عَلَيْها مَحْمُولَةً عَلى الوَصْلِ نَحْوَ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْهُ أيْ عَنْ طَلْحَةَ ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] بِضَمَّةٍ بِغَيْرِ واوٍ اجْتِزاءً بِها عَنْها كَقَوْلِهِ: ؎فَلَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانُ حَوْلِي انْتَهى. ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الواوَ في ﴿أفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهُنا حُذِفَتْ لِلضَّرُورَةِ؛ فَلَيْسَتْ مِثْلَها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ تَقْتَضِيهِ لِما هي تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ ولِما تَنْفِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَوَقِّعِينَ لِمِثْلِ هَذِهِ البِشارَةِ وهي الإخْبارُ بِثَباتِ الفَلاحِ لَهم، فَخُوطِبُوا بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ ما تَوَقَّعُوهُ، انْتَهى. والخُشُوعُ لُغَةً الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ هُنا أقْوالٌ: قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: هو السُّكُونُ وحُسْنُ الهَيْئَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَضُّ البَصَرِ وخَفْضُ الجَناحِ. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ وقَتادَةُ: تَنْكِيسُ الرَّأْسِ. وقالَ الحَسَنُ: الخَوْفُ. وقالَ الضَّحّاكُ: وضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ. وعَنْ عَلِيٍّ: تَرْكُ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ. وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ: إعْظامُ المَقامِ، وإخْلاصُ المَقالِ، واليَقِينُ التّامُّ، وجَمْعُ الِاهْتِمامِ. وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي رافِعًا بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رَمى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ»، ومِنَ الخُشُوعِ أنْ تُسْتَعْمَلَ الآدابُ فَيَتَوَقّى كَفَّ الثَّوْبِ، والعَبَثَ بِجَسَدِهِ وثِيابِهِ، والِالتِفاتَ، والتَّمَطِّيَ، والتَّثاؤُبَ، والتَّغْمِيضَ، وتَغْطِيَةَ الفَمِ، والسَّدْلَ، والفَرْقَعَةَ، والتَّشْبِيكَ، والِاخْتِصارَ، وتَقْلِيبَ الحَصى. وفي التَّحْرِيرِ: اخْتُلِفَ في الخُشُوعِ: هَلْ هو مِن فَرائِضِ الصَّلاةِ أوْ مِن فَضائِلِها ومُكَمِّلاتِها عَلى قَوْلَيْنِ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ ومَحَلُّهُ القَلْبُ، وهو أوَّلُ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ؛ قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أُضِيفَتِ الصَّلاةُ إلَيْهِمْ ؟ (قُلْتُ): لِأنَّ الصَّلاةَ دائِرَةٌ بَيْنَ المُصَلِّي والمُصَلّى لَهُ، فالمُصَلِّي هو المُنْتَفِعُ بِها وحْدَهُ وهي عُدَّتُهُ وذَخِيرَتُهُ فَهي صَلاتُهُ، وأمّا المُصَلّى لَهُ فَغَنِيٌّ مُتَعالٍ عَنِ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعِ بِها. ﴿اللَّغْوِ﴾ [المؤمنون: ٣] ما لا يَعْنِيكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كاللَّعِبِ والهَزْلِ، وما تُوجِبُ المُرُوءَةُ اطِّراحَهُ يَعْنِي أنَّ بِهِمْ مِنَ الجِدِّ ما يَشْغَلُهم عَنِ الهَزْلِ، لَمّا وصَفَهم بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ أتْبَعَهُمُ الوَصْفَ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ لِيَجْمَعَ لَهُمُ الفِعْلَ والتَّرْكَ الشّاقَّيْنِ عَلى الأنْفُسِ اللَّذَيْنِ هُما قاعِدَتا بِناءِ التَّكْلِيفِ، انْتَهى. وإذا تَقَدَّمَ مَعْمُولُ اسْمِ الفاعِلِ جازَ أنْ يُقَوّى تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ كالفِعْلِ، وكَذَلِكَ إذا تَأخَّرَ، لَكِنَّهُ مَعَ التَّقْدِيمِ أكْثَرُ فَلِذَلِكَ جاءَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] بِاللّامِ ولَوْ جاءَ مَنصُوبًا لَكانَ عَرَبِيًّا، والزَّكاةُ إنْ أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ صَحَّ نِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْها إذْ كُلُّ ما يَصْدُرُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ فُعِلَ، وإنْ أُرِيدَ بِالزَّكاةِ قَدْرُ ما يَخْرُجُ مِنَ المالِ لِلْفَقِيرِ (p-٣٩٦)فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ أيْ لِأداءِ الزَّكاةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] إذْ لا يَصِحُّ فِعْلُ الأعْيانِ مِنَ المُزَكِّي أوْ يُضَمَّنُ ”فاعِلُونَ“ مَعْنى مُؤَدُّونَ، وبِهِ شَرَحَهُ التَّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ ﴿لِلزَّكاةِ﴾ [المؤمنون: ٤] لِلْعَمَلِ الصّالِحِ كَقَوْلِهِ ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] أيْ عَمَلًا صالِحًا؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقِيلَ: ”الزَّكاةُ“ هُنا النَّماءُ والزِّيادَةُ، واللّامُ لامُ العِلَّةِ، ومَعْمُولُ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ لِأجْلِ تَحْصِيلِ النَّماءِ والزِّيادَةِ ﴿فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]: الخَيْرَ. وقِيلَ: المَصْرُوفُ لا يُسَمّى زَكاةً حَتّى يَحْصُلَ بِيَدِ الفَقِيرِ. وقِيلَ: لا تُسَمّى العَيْنُ المُخْرَجَةُ زَكاةً، فَكانَ التَّغْيِيرُ بِالفِعْلِ عَنْ إخْراجِهِ أوْلى مِنهُ بِالأداءِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى بَعْضِ زَنادِقَةِ الأعاجِمِ الأجانِبِ عَنْ ذَوْقِ العَرَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ألا قالَ مُؤَدُّونَ، قالَ في التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ: وهَذا كَما قِيلَ لا عَقْلَ ولا نَقْلَ، والكِتابُ العَزِيزُ نَزَلَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وأصَحِّها بِلا خِلافٍ. وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎المُطْعِمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزْ ∗∗∗ مَةِ والفاعِلُونَ لِلزَّكَواتِ ولَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ ولا طَعَنَ فِيهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ، بَلْ جَمِيعُهم يَحْتَجُّونَ بِهِ ويَسْتَشْهِدُونَ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَمْلُ البَيْتِ عَلى هَذا أصَحُّ لِأنَّها فِيهِ مَجْمُوعَةٌ يَعْنِي عَلى أنَّ الزَّكاةَ يُرادُ بِها العَيْنُ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِأداءِ الزَّكَواتِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِجَمْعِها يَعْنِي أنَّها إذا أُرِيدَ بِها العَيْنُ صَحَّ جَمْعُها، وإذا أُرِيدَ بِها التَّزْكِيَةُ لَمْ تُجْمَعْ؛ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مَصْدَرٌ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ، وهَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ قَدْ جاءَ مِنها مَجْمُوعًا ألْفاظٌ كالعُلُومِ والحُلُومِ والأشْغالِ، وأمّا إذا اخْتَلَفَتْ فالأكْثَرُونَ عَلى جَوازِ جَمْعِها وهُنا اخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِها فَإخْراجُ النَّقْدِ غَيْرُ إخْراجِ الحَيَوانِ وغَيْرُ إخْراجِ النَّباتِ، والزَّكاةُ في قَوْلِ أُمَيَّةَ مِمّا جاءَ جَمْعًا مِنَ المَصادِرِ، فَلا يَتَعَدّى حَمْلُهُ عَلى المُخْرَجِ لِجَمْعِهِ. وحَفِظَ لا يَتَعَدّى بِعَلى. فَقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مِن، أيْ إلّا مِن أزْواجِهِمْ كَما اسْتُعْمِلَتْ مِن بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] أيْ عَلى القَوْمِ؛ قالَهُ الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ والأوْلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ ضَمَّنَ ﴿حافِظُونَ﴾ مَعْنى مُمْسِكُونَ أوْ قاصِرُونَ، وكِلاهُما يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وتَكَلَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وُجُوهًا. فَقالَ ﴿عَلى أزْواجِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ إلّا والِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ قَوّامِينَ عَلَيْهِنَّ مِن قَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ عَلى فُلانَةَ فَماتَ عَنْها فَخَلَّفَ عَلَيْها فُلانًا، ونَظِيرُهُ كانَ زِيادٌ عَلى البَصْرَةِ أيْ والِيًا عَلَيْها. ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ تَحْتَ فُلانٍ ومِن ثَمَّ سُمِّيَتِ المَرْأةُ فِراشًا أوْ تَعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”غَيْرُ مَلُومِينَ“، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ أيْ يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشَرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ عَلَيْهِ أوْ يَجْعَلُهُ صِلَةً لِحافِظِينَ مِن قَوْلِكَ احْفَظْ عَلَيَّ عِنانَ فَرَسِي، عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى النَّفْيِ كَما ضُمِّنَ قَوْلُهم: نَشَدْتُكَ اللَّهَ إلّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى ما طَلَبْتُ مِنكَ إلّا فِعْلَكَ، انْتَهى. يَعْنِي أنْ يَكُونَ حافِظُونَ صُورَتُهُ صُورَةُ المُثْبَتِ وهو مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى، أيْ والَّذِينَ هم لَمْ يَحْفَظُوا فُرُوجَهم إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، فَيَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مُتَعَلِّقًا فِيهِ عَلى بِما قَبْلَهُ كَما مَثَّلَ بِنَشَدْتُكَ الَّذِي صُورَتُهُ صُورَةُ مُثْبَتٍ، ومَعْناهُ النَّفْيُ أيْ ما طَلَبْتُ مِنكَ. وهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَها وُجُوهٌ مُتَكَلَّفَةٌ ظاهِرٌ فِيها العُجْمَةُ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ﴾ أُرِيدَ بِها النَّوْعُ كَقَوْلِهِ ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ مِن جِنْسِ العُقَلاءِ ما يَجْرِي مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ، وهُمُ الإناثُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ وهُمُ الإناثُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ هم مُخْتَصٌّ بِالذُّكُورِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ وهو الإناثُ عَلى لَفْظِ ما أوْ هُنَّ الإناثُ عَلى مَعْنى ما، وهَذا الِاسْتِثْناءُ حَدٌّ يَجِبُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، والتَّسَرِّي خاصٌّ بِالرِّجالِ ولا يَجُوزُ لِلنِّساءِ بِإجْماعٍ، فَلَوْ كانَتِ المَرْأةُ مُتَزَوِّجَةً بِعَبْدٍ فَمَلَكَتْهُ فَأعْتَقَتْهُ حالَةَ المِلْكِ انْفَسَخَ النِّكاحُ عِنْدَ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقالَ النَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: يَبْقَيانِ عَلى نِكاحِهِما، وفي قَوْلِهِ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَعْمِيمِ وطْءِ ما مُلِكَ بِاليَمِينِ وهو مُخْتَصٌّ (p-٣٩٧)بِالإناثِ بِإجْماعٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ مِنَ النِّساءِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ، وبَيْنَ المَمْلُوكَةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها؛ خِلافٌ، ويُخَصُّ أيْضًا في الآيَةِ بِتَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ والأمَةِ إذا زُوِّجَتْ والمُظاهِرِ مِنها حَتّى يُكَفِّرَ، ويَشْمَلُ قَوْلُهُ: ”وراءَ ذَلِكَ“ الزِّنا، واللِّواطَ، ومُواقَعَةَ البَهائِمِ، والِاسْتِمْناءَ، ومَعْنى ”وراءَ ذَلِكَ“ وراءَ هَذا الحَدِّ الَّذِي حُدَّ مِنَ الأزْواجِ ومَمْلُوكاتِ النِّساءِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِابْتَغى، أيْ خِلافَ ذَلِكَ. وقِيلَ: لا يَكُونُ وراءَ هُنا إلّا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ ما وراءَ ذَلِكَ. والجُمْهُورُ عَلى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْناءِ ويُسَمّى الخَضْخَضَةَ وجَلْدَ عُمَيْرَةَ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وكانَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُجِيزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ فَضْلَةٌ في البَدَنِ فَجازَ إخْراجُها عِنْدَ الحاجَةِ كالفَصْدِ والحِجامَةِ، وسَألَ حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ جَرى في ذَلِكَ كَلامٌ مَعَ قاضِي القُضاةِ أبِي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُطِيعٍ القُشَيْرِيِّ ابْنِ دَقِيقِ العِيدِ، فاسْتَدَلَّ عَلى مَنعِ ذَلِكَ بِما اسْتَدَلَّ مالِكٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِنَ الزِّنا والتَّفاخُرِ بِذَلِكَ في أشْعارِها، وكانَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِيها بِحَيْثُ كانَ في بَغاياهم صاحِباتُ راياتٍ، ولَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. وأمّا جَلْدُ عُمَيْرَةَ فَلَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِيها ولا ذَكَرُهُ أحَدٌ مِنهم في أشْعارِهِمْ فِيما عَلِمْناهُ فَلَيْسَ بِمُنْدَرِجٍ في قَوْلِهِ ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ ألا تَرى أنَّ مَحَلَّ ما أُبِيحَ وهو نِساؤُهم بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ فالَّذِي وراءَ ذَلِكَ هو مِن جِنْسِ ما أُحِلَّ لَهم، وهو النِّساءُ، فَلا يَحِلُّ لَهم شَيْءٌ مِنهُنَّ إلّا بِنِكاحٍ أوْ تَسَرٍّ، والظّاهِرُ أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾؛ لِأنَّها يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ زَوْجٍ. وسَألَ الزُّهْرِيُّ القاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ المُتْعَةِ، فَقالَ: هي مُحَرَّمَةٌ في كِتابِ اللَّهِ وتَلا: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ الآيَةَ، ولا يَظْهَرُ التَّحْرِيمُ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ”لِأمانَتِهِمْ“ بِالإفْرادِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الأماناتِ فَيَدْخُلُ فِيها ما ائْتَمَنَ تَعالى عَلَيْهِ العَبْدَ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ واعْتِقادٍ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الواجِباتِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وما ائْتَمَنَهُ الإنْسانَ قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ الخُصُوصُ في أماناتِ النّاسِ. والأمانَةُ: هي الشَّيْءُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ومُراعاتُها القِيامُ عَلَيْها لِحِفْظِها إلى أنْ تُؤَدّى، والأمانَةُ أيْضًا المَصْدَرُ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]، والمُؤَدّى هو العَيْنُ المُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ أوِ القَوْلُ إنْ كانَ المُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ لا المَصْدَرُ. وقَرَأ الأخَوانِ عَلى صَلاتِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ. والخُشُوعُ والمُحافَظَةُ مُتَغايِرانِ بَدَأ أوَّلًا بِالخُشُوعِ، وهو الجامِعُ لِلْمُراقَبَةِ القَلْبِيَّةِ والتَّذَلُّلِ بِالأفْعالِ البَدَنِيَّةِ، وثَنّى بِالمُحافَظَةِ وهي تَأْدِيَتُها في وقْتِها بِشُرُوطِها مِن طَهارَةِ المُصَلِّي ومَلْبُوسِهِ ومَكانِهِ وأداءِ أرْكانِها عَلى أحْسَنِ هَيْئاتِها، ويَكُونُ ذَلِكَ دَأْبَهُ في كُلِّ وقْتٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُحِّدَتْ أوَّلًا لِيُفادَ الخُشُوعُ في جِنْسِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ، وجُمِعَتْ آخِرًا لِتُفادَ المُحافَظَةُ عَلى أعْدادِها وهي: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والوِتْرُ، والسُّنَنُ المُرَتَّبَةُ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ، وصَلاةُ الجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والجِنازَةِ، والِاسْتِسْقاءِ، والكُسُوفِ والخُسُوفِ، وصَلاةُ الضُّحى، والتَّهَجُّدِ، وصَلاةُ التَّسْبِيحِ، وصَلاةُ الحاجَةِ، وغَيْرُها مِنَ النَّوافِلِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الأوْصافِ ﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ الأحِقّاءُ أنْ يُسَمُّوا وُرّاثًا دُونَ مَن عَداهم، ثُمَّ تَرْجَمَ الوارِثِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ فَجاءَ بِفَخامَةٍ وجَزالَةٍ لِإرْثِهِمْ لا تَخْفى عَلى النّاظِرِ، ومَعْنى الإرْثِ ما مَرَّ في سُورَةِ مَرْيَمَ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الفِرْدَوْسِ في آخِرِ الكَهْفِ.

المؤمنون 23:12

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ الآيَةَ، لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ هم يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ المَعادَ الأُخْرَوِيَّ، ذَكَرَ النَّشْأةَ الأُولى لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى صِحَّةِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، والواوُ في أوَّلِهِ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وإنْ تَبايَنَتْ في المَعانِي، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا المُناسَبَةَ بَيْنَهُما ولَمْ تَتَبايَنْ في المَعانِي مِن جَمِيعِ الجِهاتِ. و﴿الإنْسانَ﴾ هُنا. قالَ (p-٣٩٨)قَتادَةُ وغَيْرُهُ ورَواهُ عَنْ سَلْمانَ وابْنِ عَبّاسٍ آدَمُ؛ لِأنَّهُ انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ عائِدٌ عَلى ابْنِ آدَمَ، وإنْ كانَ لَمْ يُذْكَرْ لِشُهْرَةِ الأمْرِ وأنَّ المَعْنى لا يَصْلُحُ إلّا لَهُ ونَظِيرُهُ. ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ثُمَّ جَعَلْنا نَسْلَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ ﴿الإنْسانَ﴾ ابْنُ آدَمَ، و﴿سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ صَفْوَةُ الماءِ يَعْنِي المَنِيَّ وهو اسْمُ جِنْسٍ، والطِّينُ يُرادُ بِهِ آدَمُ إذْ كانَتْ نَشْأتُهُ مِنَ الطِّينِ كَما سُمِّيَ عِرْقَ الثَّرى أوْ جُعِلَ مِنَ الطِّينِ لِكَوْنِهِ سُلالَةً مِن أبَوَيْهِ، وهُما مُتَغَذِّيانِ بِما يَكُونُ مِنَ الطِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً، انْتَهى. فَجَعَلَ الإنْسانَ جِنْسًا بِاعْتِبارِ حالَتَيْهِ لا بِاعْتِبارِ كُلِّ مَرْدُودٍ مِنهُ، و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلْبَيانِ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، انْتَهى. ولا تَكُونُ لِلْبَيانِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ السُّلالَةُ هي الطِّينُ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ ما انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ فَتَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ. والقَرارُ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، والمُرادُ هُنا الرَّحِمُ. والمَكِينُ المُتَمَكِّنُ وُصِفَ القَرارُ بِهِ لِتَمَكُّنِهِ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ لا يَعْرِضُ لَهُ اخْتِلالٌ، أوْ لِتَمَكُّنِ مَن يَحِلُّ فِيهِ فَوُصِفَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِهِ طَرِيقٌ سائِرٌ لِكَوْنِهِ يُسارُ فِيهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ عِظامًا و﴿العِظامَ﴾ بِالجَمْعِ فِيهِما. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ وأبانَ والفَضْلِ والحَسَنِ، وقَتادَةُ أيْضًا والأعْرَجُ والأعْمَشُ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإفْرادِ الأوَّلِ وجَمْعِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا بِجَمْعِ الأوَّلِ وإفْرادِ الثّانِي، فالإفْرادُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وُضِعَ الواحِدُ مَوْضِعَ الجَمْعِ لِزَوالِ اللَّبْسِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ ذُو عِظامٍ كَثِيرَةٍ، انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأصْحابِنا إلّا في الضَّرُورَةِ، وأنْشَدُوا: ؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يُلْبِسُ لِأنَّهم كُلَّهم لَيْسَ لَهم بَطْنٌ واحِدٌ، ومَعَ هَذا خَصُّوا مَجِيئَهُ بِالضَّرُورَةِ. ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: هو نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: خُرُوجُهُ إلى الدُّنْيا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَباتُ شَعْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كَمالُ شَبابِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا تَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الدُّنْيا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ وإنَّما هو عامٌّ في هَذا وغَيْرِهِ مِن وُجُودِ النُّطْقِ والإدْراكِ، وأوَّلُ رُتَبِهِ مِن كَوْنِهِ آخِرَ نَفْخِ الرُّوحِ، وآخِرُهُ تَحْصِيلُهُ المَعْقُولاتِ إلى أنْ يَمُوتَ، انْتَهى. مُلَخَّصًا وهو قَرِيبٌ مِمّا رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها؛ حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا ناطِقًا سَمِيعًا بَصِيرًا، وأوْدَعَ كُلَّ عُضْوٍ وكُلَّ جُزْءٍ مِنهُ عَجائِبَ وغَرائِبَ لا تُدْرَكُ بِوَصْفٍ ولا تُبْلَغُ بِشَرْحٍ، وقَدِ احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَلى أنَّ غاصِبَ بَيْضَةٍ أفْرَخَتْ عِنْدَهُ يَضْمَنُ البَيْضَةَ ولا يَرُدُّ الفَرْخَ. وقالَ ﴿أنْشَأْناهُ﴾ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قِيلَ: وفي هَذا رَدٌّ عَلى النَّظّامِ في زَعْمِهِ أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ فَقَطْ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ورَدٌّ عَلى الفَلاسِفَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، و”تَبارَكَ“ فِعْلٌ ماضٍ لا يَتَصَرَّفُ، ومَعْناهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، و﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والخِلافُ فِيها إذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ: هَلْ إضافَتُها مَحْضَةٌ أمْ غَيْرُ مَحْضَةٍ ؟ فَمَن قالَ مَحْضَةٌ أعْرَبَ ﴿أحْسَنُ﴾ صِفَةً، ومَن قالَ غَيْرُ مَحْضَةٍ أعْرَبَهُ بَدَلًا. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هو أحْسَنُ الخالِقِينَ، ومَعْنى ﴿الخالِقِينَ﴾ المُقَدِّرِينَ، وهو وصْفٌ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ زُهَيْرٌ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي قالَ الأعْلَمُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ يَعْنِي زُهَيْرًا، والخالِقُ الَّذِي لا يُقَدِّرُ الأدِيمَ ويُهَيِّئُهُ لِأنْ يَقْطَعَهُ ويَخْرِزَهُ (p-٣٩٩)والفَرْيُ القَطْعُ. والمَعْنى أنَّكَ إذا تَهَيَّأْتَ لِأمْرٍ مَضَيْتَ لَهُ وأنْفَذْتَهُ ولَمْ تَعْجِزْ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ الصّانِعِينَ يُقالُ لِمَن صَنَعَ شَيْئًا خَلَقَهُ، وأنْشَدَ بَيْتَ زُهَيْرٍ. قالَ: ولا تُنْفى هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَنِ البَشَرِ في مَعْنى الصُّنْعِ إنَّما هي مَنفِيَّةٌ بِمَعْنى الِاخْتِراعِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ﴿الخالِقِينَ﴾؛ لِأنَّهُ أذِنَ لِعِيسى في أنْ يَخْلُقَ وتَمْيِيزُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الخالِقِينَ عَلَيْهِ، أيْ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ خَلْقًا أيِ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ لَمّا سَمِعَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إلى آخِرِهِ قالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُعاذٌ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، وكانَتْ سَبَبَ ارْتِدادِهِ، ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ”لَمائِتُونَ“ بِالألِفِ، يُرِيدُ حُدُوثَ الصِّفَةِ، فَيُقالُ أنْتَ مائِتٌ عَنْ قَلِيلٍ ومَيِّتٌ، ولا يُقالُ مائِتٌ لِلَّذِي قَدْ ماتَ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما يُقالُ في الِاسْتِقْبالِ فَقَطْ، وكَذا قالَ ابْنُ مالِكٍ، وإذا قُصِدَ اسْتِقْبالُ المَصُوغَةِ مِن ثُلاثِيٍّ عَلى غَيْرِ فاعِلٍ رُدَّتْ إلَيْهِ ما لَمْ يُقَدَّرِ الوُقُوعُ، يَعْنِي إنَّهُ لا يُقالُ لِمَن ماتَ مائِتٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مائِتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا كَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُها ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، انْتَهى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى هَذا التَّطْوِيرِ والإنْشاءِ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ وانْقِضاءُ مُدَّةِ حَياتِكم. ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ونَبَّهَ تَعالى عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالِاخْتِراعِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإعْدامِ، ثُمَّ بِالإيجادِ، وذِكْرُهُ المَوْتَ والبَعْثَ لا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الحَياةِ في القَبْرِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ، والإماتَةُ، والإعادَةُ في القَبْرِ مِن جِنْسِ الإعادَةِ، ومَعْنى ﴿تُبْعَثُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، فَإنْ قُلْتَ: المَوْتُ مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، والبَعْثُ قَدْ أنْكَرَتْهُ طَوائِفُ واسْتَبْعَدَتْهُ وإنْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ مِن جِهَةِ الدَّلِيلِ لِإمْكانِهِ في نَفْسِهِ ومَجِيءِ السَّمْعِ بِهِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ فَما بالُ جُمْلَةِ المَوْتِ جاءَتْ مُؤَكَّدَةً بِأنَّ وبِاللّامِ ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِإنَّ ؟ (فالجَوابُ): أنَّهُ بُولِغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ المَوْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ ولا يَغْفُلَ عَنْ تَرَقُّبِهِ، فَإنَّ مَآلَهُ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ أُكِّدَتْ جُمْلَتُهُ ثَلاثَ مِرارٍ لِهَذا المَعْنى، لِأنَّ الإنْسانَ في الحَياةِ الدُّنْيا يَسْعى فِيها غايَةَ السَّعْيِ، ويُؤَكِّدُ ويَجْمَعُ حَتّى كَأنَّهُ مُخَلَّدٌ فِيها، فَنُبِّهَ بِذِكْرِ المَوْتِ مُؤَكَّدًا مُبالَغًا فِيهِ لِيُقْصِرَ، ولِيَعْلَمَ أنَّ آخِرَهُ إلى الفَناءِ فَيَعْمَلَ لِدارِ البَقاءِ، ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِأنَّ لِأنَّهُ أُبْرِزَ في صُورَةِ المَقْطُوعِ بِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُ فِيهِ نِزاعٌ ولا يُقْبَلُ إنْكارٌ أوْ أنَّهُ حَتْمٌ لا بُدَّ مِن كِيانِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى تَوْكِيدٍ ثانٍ، وكُنْتَ سَألْتَ لِمَ دَخَلَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ ولَمْ تَدْخُلْ في ﴿تُبْعَثُونَ﴾ فَأجَبْتُ: بِأنَّ اللّامَ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ غالِبًا فَلا تُجامِعُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ إعْمالَ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبالِ، فَتَنافى الحالُ، وإنَّما قُلْتُ غالِبًا؛ لِأنَّهُ قَدْ جاءَتْ قَلِيلًا مَعَ الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ١٢٤] عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ وإقْرارُ اللّامِ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ بِأنْ يُقَدَّرَ عامِلٌ في يَوْمِ القِيامَةِ.

المؤمنون 23:13

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ الآيَةَ، لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ هم يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ المَعادَ الأُخْرَوِيَّ، ذَكَرَ النَّشْأةَ الأُولى لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى صِحَّةِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، والواوُ في أوَّلِهِ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وإنْ تَبايَنَتْ في المَعانِي، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا المُناسَبَةَ بَيْنَهُما ولَمْ تَتَبايَنْ في المَعانِي مِن جَمِيعِ الجِهاتِ. و﴿الإنْسانَ﴾ هُنا. قالَ (p-٣٩٨)قَتادَةُ وغَيْرُهُ ورَواهُ عَنْ سَلْمانَ وابْنِ عَبّاسٍ آدَمُ؛ لِأنَّهُ انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ عائِدٌ عَلى ابْنِ آدَمَ، وإنْ كانَ لَمْ يُذْكَرْ لِشُهْرَةِ الأمْرِ وأنَّ المَعْنى لا يَصْلُحُ إلّا لَهُ ونَظِيرُهُ. ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ثُمَّ جَعَلْنا نَسْلَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ ﴿الإنْسانَ﴾ ابْنُ آدَمَ، و﴿سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ صَفْوَةُ الماءِ يَعْنِي المَنِيَّ وهو اسْمُ جِنْسٍ، والطِّينُ يُرادُ بِهِ آدَمُ إذْ كانَتْ نَشْأتُهُ مِنَ الطِّينِ كَما سُمِّيَ عِرْقَ الثَّرى أوْ جُعِلَ مِنَ الطِّينِ لِكَوْنِهِ سُلالَةً مِن أبَوَيْهِ، وهُما مُتَغَذِّيانِ بِما يَكُونُ مِنَ الطِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً، انْتَهى. فَجَعَلَ الإنْسانَ جِنْسًا بِاعْتِبارِ حالَتَيْهِ لا بِاعْتِبارِ كُلِّ مَرْدُودٍ مِنهُ، و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلْبَيانِ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، انْتَهى. ولا تَكُونُ لِلْبَيانِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ السُّلالَةُ هي الطِّينُ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ ما انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ فَتَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ. والقَرارُ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، والمُرادُ هُنا الرَّحِمُ. والمَكِينُ المُتَمَكِّنُ وُصِفَ القَرارُ بِهِ لِتَمَكُّنِهِ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ لا يَعْرِضُ لَهُ اخْتِلالٌ، أوْ لِتَمَكُّنِ مَن يَحِلُّ فِيهِ فَوُصِفَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِهِ طَرِيقٌ سائِرٌ لِكَوْنِهِ يُسارُ فِيهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ عِظامًا و﴿العِظامَ﴾ بِالجَمْعِ فِيهِما. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ وأبانَ والفَضْلِ والحَسَنِ، وقَتادَةُ أيْضًا والأعْرَجُ والأعْمَشُ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإفْرادِ الأوَّلِ وجَمْعِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا بِجَمْعِ الأوَّلِ وإفْرادِ الثّانِي، فالإفْرادُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وُضِعَ الواحِدُ مَوْضِعَ الجَمْعِ لِزَوالِ اللَّبْسِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ ذُو عِظامٍ كَثِيرَةٍ، انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأصْحابِنا إلّا في الضَّرُورَةِ، وأنْشَدُوا: ؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يُلْبِسُ لِأنَّهم كُلَّهم لَيْسَ لَهم بَطْنٌ واحِدٌ، ومَعَ هَذا خَصُّوا مَجِيئَهُ بِالضَّرُورَةِ. ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: هو نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: خُرُوجُهُ إلى الدُّنْيا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَباتُ شَعْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كَمالُ شَبابِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا تَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الدُّنْيا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ وإنَّما هو عامٌّ في هَذا وغَيْرِهِ مِن وُجُودِ النُّطْقِ والإدْراكِ، وأوَّلُ رُتَبِهِ مِن كَوْنِهِ آخِرَ نَفْخِ الرُّوحِ، وآخِرُهُ تَحْصِيلُهُ المَعْقُولاتِ إلى أنْ يَمُوتَ، انْتَهى. مُلَخَّصًا وهو قَرِيبٌ مِمّا رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها؛ حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا ناطِقًا سَمِيعًا بَصِيرًا، وأوْدَعَ كُلَّ عُضْوٍ وكُلَّ جُزْءٍ مِنهُ عَجائِبَ وغَرائِبَ لا تُدْرَكُ بِوَصْفٍ ولا تُبْلَغُ بِشَرْحٍ، وقَدِ احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَلى أنَّ غاصِبَ بَيْضَةٍ أفْرَخَتْ عِنْدَهُ يَضْمَنُ البَيْضَةَ ولا يَرُدُّ الفَرْخَ. وقالَ ﴿أنْشَأْناهُ﴾ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قِيلَ: وفي هَذا رَدٌّ عَلى النَّظّامِ في زَعْمِهِ أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ فَقَطْ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ورَدٌّ عَلى الفَلاسِفَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، و”تَبارَكَ“ فِعْلٌ ماضٍ لا يَتَصَرَّفُ، ومَعْناهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، و﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والخِلافُ فِيها إذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ: هَلْ إضافَتُها مَحْضَةٌ أمْ غَيْرُ مَحْضَةٍ ؟ فَمَن قالَ مَحْضَةٌ أعْرَبَ ﴿أحْسَنُ﴾ صِفَةً، ومَن قالَ غَيْرُ مَحْضَةٍ أعْرَبَهُ بَدَلًا. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هو أحْسَنُ الخالِقِينَ، ومَعْنى ﴿الخالِقِينَ﴾ المُقَدِّرِينَ، وهو وصْفٌ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ زُهَيْرٌ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي قالَ الأعْلَمُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ يَعْنِي زُهَيْرًا، والخالِقُ الَّذِي لا يُقَدِّرُ الأدِيمَ ويُهَيِّئُهُ لِأنْ يَقْطَعَهُ ويَخْرِزَهُ (p-٣٩٩)والفَرْيُ القَطْعُ. والمَعْنى أنَّكَ إذا تَهَيَّأْتَ لِأمْرٍ مَضَيْتَ لَهُ وأنْفَذْتَهُ ولَمْ تَعْجِزْ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ الصّانِعِينَ يُقالُ لِمَن صَنَعَ شَيْئًا خَلَقَهُ، وأنْشَدَ بَيْتَ زُهَيْرٍ. قالَ: ولا تُنْفى هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَنِ البَشَرِ في مَعْنى الصُّنْعِ إنَّما هي مَنفِيَّةٌ بِمَعْنى الِاخْتِراعِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ﴿الخالِقِينَ﴾؛ لِأنَّهُ أذِنَ لِعِيسى في أنْ يَخْلُقَ وتَمْيِيزُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الخالِقِينَ عَلَيْهِ، أيْ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ خَلْقًا أيِ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ لَمّا سَمِعَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إلى آخِرِهِ قالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُعاذٌ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، وكانَتْ سَبَبَ ارْتِدادِهِ، ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ”لَمائِتُونَ“ بِالألِفِ، يُرِيدُ حُدُوثَ الصِّفَةِ، فَيُقالُ أنْتَ مائِتٌ عَنْ قَلِيلٍ ومَيِّتٌ، ولا يُقالُ مائِتٌ لِلَّذِي قَدْ ماتَ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما يُقالُ في الِاسْتِقْبالِ فَقَطْ، وكَذا قالَ ابْنُ مالِكٍ، وإذا قُصِدَ اسْتِقْبالُ المَصُوغَةِ مِن ثُلاثِيٍّ عَلى غَيْرِ فاعِلٍ رُدَّتْ إلَيْهِ ما لَمْ يُقَدَّرِ الوُقُوعُ، يَعْنِي إنَّهُ لا يُقالُ لِمَن ماتَ مائِتٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مائِتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا كَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُها ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، انْتَهى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى هَذا التَّطْوِيرِ والإنْشاءِ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ وانْقِضاءُ مُدَّةِ حَياتِكم. ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ونَبَّهَ تَعالى عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالِاخْتِراعِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإعْدامِ، ثُمَّ بِالإيجادِ، وذِكْرُهُ المَوْتَ والبَعْثَ لا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الحَياةِ في القَبْرِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ، والإماتَةُ، والإعادَةُ في القَبْرِ مِن جِنْسِ الإعادَةِ، ومَعْنى ﴿تُبْعَثُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، فَإنْ قُلْتَ: المَوْتُ مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، والبَعْثُ قَدْ أنْكَرَتْهُ طَوائِفُ واسْتَبْعَدَتْهُ وإنْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ مِن جِهَةِ الدَّلِيلِ لِإمْكانِهِ في نَفْسِهِ ومَجِيءِ السَّمْعِ بِهِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ فَما بالُ جُمْلَةِ المَوْتِ جاءَتْ مُؤَكَّدَةً بِأنَّ وبِاللّامِ ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِإنَّ ؟ (فالجَوابُ): أنَّهُ بُولِغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ المَوْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ ولا يَغْفُلَ عَنْ تَرَقُّبِهِ، فَإنَّ مَآلَهُ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ أُكِّدَتْ جُمْلَتُهُ ثَلاثَ مِرارٍ لِهَذا المَعْنى، لِأنَّ الإنْسانَ في الحَياةِ الدُّنْيا يَسْعى فِيها غايَةَ السَّعْيِ، ويُؤَكِّدُ ويَجْمَعُ حَتّى كَأنَّهُ مُخَلَّدٌ فِيها، فَنُبِّهَ بِذِكْرِ المَوْتِ مُؤَكَّدًا مُبالَغًا فِيهِ لِيُقْصِرَ، ولِيَعْلَمَ أنَّ آخِرَهُ إلى الفَناءِ فَيَعْمَلَ لِدارِ البَقاءِ، ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِأنَّ لِأنَّهُ أُبْرِزَ في صُورَةِ المَقْطُوعِ بِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُ فِيهِ نِزاعٌ ولا يُقْبَلُ إنْكارٌ أوْ أنَّهُ حَتْمٌ لا بُدَّ مِن كِيانِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى تَوْكِيدٍ ثانٍ، وكُنْتَ سَألْتَ لِمَ دَخَلَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ ولَمْ تَدْخُلْ في ﴿تُبْعَثُونَ﴾ فَأجَبْتُ: بِأنَّ اللّامَ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ غالِبًا فَلا تُجامِعُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ إعْمالَ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبالِ، فَتَنافى الحالُ، وإنَّما قُلْتُ غالِبًا؛ لِأنَّهُ قَدْ جاءَتْ قَلِيلًا مَعَ الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ١٢٤] عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ وإقْرارُ اللّامِ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ بِأنْ يُقَدَّرَ عامِلٌ في يَوْمِ القِيامَةِ.

المؤمنون 23:14

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ الآيَةَ، لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ هم يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ المَعادَ الأُخْرَوِيَّ، ذَكَرَ النَّشْأةَ الأُولى لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى صِحَّةِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، والواوُ في أوَّلِهِ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وإنْ تَبايَنَتْ في المَعانِي، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا المُناسَبَةَ بَيْنَهُما ولَمْ تَتَبايَنْ في المَعانِي مِن جَمِيعِ الجِهاتِ. و﴿الإنْسانَ﴾ هُنا. قالَ (p-٣٩٨)قَتادَةُ وغَيْرُهُ ورَواهُ عَنْ سَلْمانَ وابْنِ عَبّاسٍ آدَمُ؛ لِأنَّهُ انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ عائِدٌ عَلى ابْنِ آدَمَ، وإنْ كانَ لَمْ يُذْكَرْ لِشُهْرَةِ الأمْرِ وأنَّ المَعْنى لا يَصْلُحُ إلّا لَهُ ونَظِيرُهُ. ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ثُمَّ جَعَلْنا نَسْلَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ ﴿الإنْسانَ﴾ ابْنُ آدَمَ، و﴿سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ صَفْوَةُ الماءِ يَعْنِي المَنِيَّ وهو اسْمُ جِنْسٍ، والطِّينُ يُرادُ بِهِ آدَمُ إذْ كانَتْ نَشْأتُهُ مِنَ الطِّينِ كَما سُمِّيَ عِرْقَ الثَّرى أوْ جُعِلَ مِنَ الطِّينِ لِكَوْنِهِ سُلالَةً مِن أبَوَيْهِ، وهُما مُتَغَذِّيانِ بِما يَكُونُ مِنَ الطِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً، انْتَهى. فَجَعَلَ الإنْسانَ جِنْسًا بِاعْتِبارِ حالَتَيْهِ لا بِاعْتِبارِ كُلِّ مَرْدُودٍ مِنهُ، و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلْبَيانِ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، انْتَهى. ولا تَكُونُ لِلْبَيانِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ السُّلالَةُ هي الطِّينُ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ ما انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ فَتَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ. والقَرارُ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، والمُرادُ هُنا الرَّحِمُ. والمَكِينُ المُتَمَكِّنُ وُصِفَ القَرارُ بِهِ لِتَمَكُّنِهِ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ لا يَعْرِضُ لَهُ اخْتِلالٌ، أوْ لِتَمَكُّنِ مَن يَحِلُّ فِيهِ فَوُصِفَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِهِ طَرِيقٌ سائِرٌ لِكَوْنِهِ يُسارُ فِيهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ عِظامًا و﴿العِظامَ﴾ بِالجَمْعِ فِيهِما. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ وأبانَ والفَضْلِ والحَسَنِ، وقَتادَةُ أيْضًا والأعْرَجُ والأعْمَشُ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإفْرادِ الأوَّلِ وجَمْعِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا بِجَمْعِ الأوَّلِ وإفْرادِ الثّانِي، فالإفْرادُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وُضِعَ الواحِدُ مَوْضِعَ الجَمْعِ لِزَوالِ اللَّبْسِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ ذُو عِظامٍ كَثِيرَةٍ، انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأصْحابِنا إلّا في الضَّرُورَةِ، وأنْشَدُوا: ؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يُلْبِسُ لِأنَّهم كُلَّهم لَيْسَ لَهم بَطْنٌ واحِدٌ، ومَعَ هَذا خَصُّوا مَجِيئَهُ بِالضَّرُورَةِ. ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: هو نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: خُرُوجُهُ إلى الدُّنْيا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَباتُ شَعْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كَمالُ شَبابِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا تَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الدُّنْيا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ وإنَّما هو عامٌّ في هَذا وغَيْرِهِ مِن وُجُودِ النُّطْقِ والإدْراكِ، وأوَّلُ رُتَبِهِ مِن كَوْنِهِ آخِرَ نَفْخِ الرُّوحِ، وآخِرُهُ تَحْصِيلُهُ المَعْقُولاتِ إلى أنْ يَمُوتَ، انْتَهى. مُلَخَّصًا وهو قَرِيبٌ مِمّا رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها؛ حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا ناطِقًا سَمِيعًا بَصِيرًا، وأوْدَعَ كُلَّ عُضْوٍ وكُلَّ جُزْءٍ مِنهُ عَجائِبَ وغَرائِبَ لا تُدْرَكُ بِوَصْفٍ ولا تُبْلَغُ بِشَرْحٍ، وقَدِ احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَلى أنَّ غاصِبَ بَيْضَةٍ أفْرَخَتْ عِنْدَهُ يَضْمَنُ البَيْضَةَ ولا يَرُدُّ الفَرْخَ. وقالَ ﴿أنْشَأْناهُ﴾ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قِيلَ: وفي هَذا رَدٌّ عَلى النَّظّامِ في زَعْمِهِ أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ فَقَطْ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ورَدٌّ عَلى الفَلاسِفَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، و”تَبارَكَ“ فِعْلٌ ماضٍ لا يَتَصَرَّفُ، ومَعْناهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، و﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والخِلافُ فِيها إذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ: هَلْ إضافَتُها مَحْضَةٌ أمْ غَيْرُ مَحْضَةٍ ؟ فَمَن قالَ مَحْضَةٌ أعْرَبَ ﴿أحْسَنُ﴾ صِفَةً، ومَن قالَ غَيْرُ مَحْضَةٍ أعْرَبَهُ بَدَلًا. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هو أحْسَنُ الخالِقِينَ، ومَعْنى ﴿الخالِقِينَ﴾ المُقَدِّرِينَ، وهو وصْفٌ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ زُهَيْرٌ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي قالَ الأعْلَمُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ يَعْنِي زُهَيْرًا، والخالِقُ الَّذِي لا يُقَدِّرُ الأدِيمَ ويُهَيِّئُهُ لِأنْ يَقْطَعَهُ ويَخْرِزَهُ (p-٣٩٩)والفَرْيُ القَطْعُ. والمَعْنى أنَّكَ إذا تَهَيَّأْتَ لِأمْرٍ مَضَيْتَ لَهُ وأنْفَذْتَهُ ولَمْ تَعْجِزْ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ الصّانِعِينَ يُقالُ لِمَن صَنَعَ شَيْئًا خَلَقَهُ، وأنْشَدَ بَيْتَ زُهَيْرٍ. قالَ: ولا تُنْفى هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَنِ البَشَرِ في مَعْنى الصُّنْعِ إنَّما هي مَنفِيَّةٌ بِمَعْنى الِاخْتِراعِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ﴿الخالِقِينَ﴾؛ لِأنَّهُ أذِنَ لِعِيسى في أنْ يَخْلُقَ وتَمْيِيزُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الخالِقِينَ عَلَيْهِ، أيْ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ خَلْقًا أيِ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ لَمّا سَمِعَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إلى آخِرِهِ قالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُعاذٌ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، وكانَتْ سَبَبَ ارْتِدادِهِ، ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ”لَمائِتُونَ“ بِالألِفِ، يُرِيدُ حُدُوثَ الصِّفَةِ، فَيُقالُ أنْتَ مائِتٌ عَنْ قَلِيلٍ ومَيِّتٌ، ولا يُقالُ مائِتٌ لِلَّذِي قَدْ ماتَ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما يُقالُ في الِاسْتِقْبالِ فَقَطْ، وكَذا قالَ ابْنُ مالِكٍ، وإذا قُصِدَ اسْتِقْبالُ المَصُوغَةِ مِن ثُلاثِيٍّ عَلى غَيْرِ فاعِلٍ رُدَّتْ إلَيْهِ ما لَمْ يُقَدَّرِ الوُقُوعُ، يَعْنِي إنَّهُ لا يُقالُ لِمَن ماتَ مائِتٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مائِتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا كَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُها ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، انْتَهى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى هَذا التَّطْوِيرِ والإنْشاءِ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ وانْقِضاءُ مُدَّةِ حَياتِكم. ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ونَبَّهَ تَعالى عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالِاخْتِراعِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإعْدامِ، ثُمَّ بِالإيجادِ، وذِكْرُهُ المَوْتَ والبَعْثَ لا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الحَياةِ في القَبْرِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ، والإماتَةُ، والإعادَةُ في القَبْرِ مِن جِنْسِ الإعادَةِ، ومَعْنى ﴿تُبْعَثُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، فَإنْ قُلْتَ: المَوْتُ مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، والبَعْثُ قَدْ أنْكَرَتْهُ طَوائِفُ واسْتَبْعَدَتْهُ وإنْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ مِن جِهَةِ الدَّلِيلِ لِإمْكانِهِ في نَفْسِهِ ومَجِيءِ السَّمْعِ بِهِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ فَما بالُ جُمْلَةِ المَوْتِ جاءَتْ مُؤَكَّدَةً بِأنَّ وبِاللّامِ ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِإنَّ ؟ (فالجَوابُ): أنَّهُ بُولِغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ المَوْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ ولا يَغْفُلَ عَنْ تَرَقُّبِهِ، فَإنَّ مَآلَهُ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ أُكِّدَتْ جُمْلَتُهُ ثَلاثَ مِرارٍ لِهَذا المَعْنى، لِأنَّ الإنْسانَ في الحَياةِ الدُّنْيا يَسْعى فِيها غايَةَ السَّعْيِ، ويُؤَكِّدُ ويَجْمَعُ حَتّى كَأنَّهُ مُخَلَّدٌ فِيها، فَنُبِّهَ بِذِكْرِ المَوْتِ مُؤَكَّدًا مُبالَغًا فِيهِ لِيُقْصِرَ، ولِيَعْلَمَ أنَّ آخِرَهُ إلى الفَناءِ فَيَعْمَلَ لِدارِ البَقاءِ، ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِأنَّ لِأنَّهُ أُبْرِزَ في صُورَةِ المَقْطُوعِ بِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُ فِيهِ نِزاعٌ ولا يُقْبَلُ إنْكارٌ أوْ أنَّهُ حَتْمٌ لا بُدَّ مِن كِيانِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى تَوْكِيدٍ ثانٍ، وكُنْتَ سَألْتَ لِمَ دَخَلَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ ولَمْ تَدْخُلْ في ﴿تُبْعَثُونَ﴾ فَأجَبْتُ: بِأنَّ اللّامَ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ غالِبًا فَلا تُجامِعُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ إعْمالَ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبالِ، فَتَنافى الحالُ، وإنَّما قُلْتُ غالِبًا؛ لِأنَّهُ قَدْ جاءَتْ قَلِيلًا مَعَ الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ١٢٤] عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ وإقْرارُ اللّامِ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ بِأنْ يُقَدَّرَ عامِلٌ في يَوْمِ القِيامَةِ.

المؤمنون 23:15

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ الآيَةَ، لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ هم يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ المَعادَ الأُخْرَوِيَّ، ذَكَرَ النَّشْأةَ الأُولى لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى صِحَّةِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، والواوُ في أوَّلِهِ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وإنْ تَبايَنَتْ في المَعانِي، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا المُناسَبَةَ بَيْنَهُما ولَمْ تَتَبايَنْ في المَعانِي مِن جَمِيعِ الجِهاتِ. و﴿الإنْسانَ﴾ هُنا. قالَ (p-٣٩٨)قَتادَةُ وغَيْرُهُ ورَواهُ عَنْ سَلْمانَ وابْنِ عَبّاسٍ آدَمُ؛ لِأنَّهُ انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ عائِدٌ عَلى ابْنِ آدَمَ، وإنْ كانَ لَمْ يُذْكَرْ لِشُهْرَةِ الأمْرِ وأنَّ المَعْنى لا يَصْلُحُ إلّا لَهُ ونَظِيرُهُ. ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ثُمَّ جَعَلْنا نَسْلَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ ﴿الإنْسانَ﴾ ابْنُ آدَمَ، و﴿سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ صَفْوَةُ الماءِ يَعْنِي المَنِيَّ وهو اسْمُ جِنْسٍ، والطِّينُ يُرادُ بِهِ آدَمُ إذْ كانَتْ نَشْأتُهُ مِنَ الطِّينِ كَما سُمِّيَ عِرْقَ الثَّرى أوْ جُعِلَ مِنَ الطِّينِ لِكَوْنِهِ سُلالَةً مِن أبَوَيْهِ، وهُما مُتَغَذِّيانِ بِما يَكُونُ مِنَ الطِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً، انْتَهى. فَجَعَلَ الإنْسانَ جِنْسًا بِاعْتِبارِ حالَتَيْهِ لا بِاعْتِبارِ كُلِّ مَرْدُودٍ مِنهُ، و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلْبَيانِ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، انْتَهى. ولا تَكُونُ لِلْبَيانِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ السُّلالَةُ هي الطِّينُ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ ما انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ فَتَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ. والقَرارُ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، والمُرادُ هُنا الرَّحِمُ. والمَكِينُ المُتَمَكِّنُ وُصِفَ القَرارُ بِهِ لِتَمَكُّنِهِ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ لا يَعْرِضُ لَهُ اخْتِلالٌ، أوْ لِتَمَكُّنِ مَن يَحِلُّ فِيهِ فَوُصِفَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِهِ طَرِيقٌ سائِرٌ لِكَوْنِهِ يُسارُ فِيهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ عِظامًا و﴿العِظامَ﴾ بِالجَمْعِ فِيهِما. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ وأبانَ والفَضْلِ والحَسَنِ، وقَتادَةُ أيْضًا والأعْرَجُ والأعْمَشُ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإفْرادِ الأوَّلِ وجَمْعِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا بِجَمْعِ الأوَّلِ وإفْرادِ الثّانِي، فالإفْرادُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وُضِعَ الواحِدُ مَوْضِعَ الجَمْعِ لِزَوالِ اللَّبْسِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ ذُو عِظامٍ كَثِيرَةٍ، انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأصْحابِنا إلّا في الضَّرُورَةِ، وأنْشَدُوا: ؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يُلْبِسُ لِأنَّهم كُلَّهم لَيْسَ لَهم بَطْنٌ واحِدٌ، ومَعَ هَذا خَصُّوا مَجِيئَهُ بِالضَّرُورَةِ. ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: هو نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: خُرُوجُهُ إلى الدُّنْيا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَباتُ شَعْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كَمالُ شَبابِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا تَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الدُّنْيا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ وإنَّما هو عامٌّ في هَذا وغَيْرِهِ مِن وُجُودِ النُّطْقِ والإدْراكِ، وأوَّلُ رُتَبِهِ مِن كَوْنِهِ آخِرَ نَفْخِ الرُّوحِ، وآخِرُهُ تَحْصِيلُهُ المَعْقُولاتِ إلى أنْ يَمُوتَ، انْتَهى. مُلَخَّصًا وهو قَرِيبٌ مِمّا رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها؛ حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا ناطِقًا سَمِيعًا بَصِيرًا، وأوْدَعَ كُلَّ عُضْوٍ وكُلَّ جُزْءٍ مِنهُ عَجائِبَ وغَرائِبَ لا تُدْرَكُ بِوَصْفٍ ولا تُبْلَغُ بِشَرْحٍ، وقَدِ احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَلى أنَّ غاصِبَ بَيْضَةٍ أفْرَخَتْ عِنْدَهُ يَضْمَنُ البَيْضَةَ ولا يَرُدُّ الفَرْخَ. وقالَ ﴿أنْشَأْناهُ﴾ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قِيلَ: وفي هَذا رَدٌّ عَلى النَّظّامِ في زَعْمِهِ أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ فَقَطْ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ورَدٌّ عَلى الفَلاسِفَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، و”تَبارَكَ“ فِعْلٌ ماضٍ لا يَتَصَرَّفُ، ومَعْناهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، و﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والخِلافُ فِيها إذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ: هَلْ إضافَتُها مَحْضَةٌ أمْ غَيْرُ مَحْضَةٍ ؟ فَمَن قالَ مَحْضَةٌ أعْرَبَ ﴿أحْسَنُ﴾ صِفَةً، ومَن قالَ غَيْرُ مَحْضَةٍ أعْرَبَهُ بَدَلًا. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هو أحْسَنُ الخالِقِينَ، ومَعْنى ﴿الخالِقِينَ﴾ المُقَدِّرِينَ، وهو وصْفٌ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ زُهَيْرٌ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي قالَ الأعْلَمُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ يَعْنِي زُهَيْرًا، والخالِقُ الَّذِي لا يُقَدِّرُ الأدِيمَ ويُهَيِّئُهُ لِأنْ يَقْطَعَهُ ويَخْرِزَهُ (p-٣٩٩)والفَرْيُ القَطْعُ. والمَعْنى أنَّكَ إذا تَهَيَّأْتَ لِأمْرٍ مَضَيْتَ لَهُ وأنْفَذْتَهُ ولَمْ تَعْجِزْ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ الصّانِعِينَ يُقالُ لِمَن صَنَعَ شَيْئًا خَلَقَهُ، وأنْشَدَ بَيْتَ زُهَيْرٍ. قالَ: ولا تُنْفى هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَنِ البَشَرِ في مَعْنى الصُّنْعِ إنَّما هي مَنفِيَّةٌ بِمَعْنى الِاخْتِراعِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ﴿الخالِقِينَ﴾؛ لِأنَّهُ أذِنَ لِعِيسى في أنْ يَخْلُقَ وتَمْيِيزُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الخالِقِينَ عَلَيْهِ، أيْ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ خَلْقًا أيِ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ لَمّا سَمِعَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إلى آخِرِهِ قالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُعاذٌ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، وكانَتْ سَبَبَ ارْتِدادِهِ، ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ”لَمائِتُونَ“ بِالألِفِ، يُرِيدُ حُدُوثَ الصِّفَةِ، فَيُقالُ أنْتَ مائِتٌ عَنْ قَلِيلٍ ومَيِّتٌ، ولا يُقالُ مائِتٌ لِلَّذِي قَدْ ماتَ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما يُقالُ في الِاسْتِقْبالِ فَقَطْ، وكَذا قالَ ابْنُ مالِكٍ، وإذا قُصِدَ اسْتِقْبالُ المَصُوغَةِ مِن ثُلاثِيٍّ عَلى غَيْرِ فاعِلٍ رُدَّتْ إلَيْهِ ما لَمْ يُقَدَّرِ الوُقُوعُ، يَعْنِي إنَّهُ لا يُقالُ لِمَن ماتَ مائِتٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مائِتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا كَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُها ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، انْتَهى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى هَذا التَّطْوِيرِ والإنْشاءِ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ وانْقِضاءُ مُدَّةِ حَياتِكم. ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ونَبَّهَ تَعالى عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالِاخْتِراعِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإعْدامِ، ثُمَّ بِالإيجادِ، وذِكْرُهُ المَوْتَ والبَعْثَ لا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الحَياةِ في القَبْرِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ، والإماتَةُ، والإعادَةُ في القَبْرِ مِن جِنْسِ الإعادَةِ، ومَعْنى ﴿تُبْعَثُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، فَإنْ قُلْتَ: المَوْتُ مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، والبَعْثُ قَدْ أنْكَرَتْهُ طَوائِفُ واسْتَبْعَدَتْهُ وإنْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ مِن جِهَةِ الدَّلِيلِ لِإمْكانِهِ في نَفْسِهِ ومَجِيءِ السَّمْعِ بِهِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ فَما بالُ جُمْلَةِ المَوْتِ جاءَتْ مُؤَكَّدَةً بِأنَّ وبِاللّامِ ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِإنَّ ؟ (فالجَوابُ): أنَّهُ بُولِغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ المَوْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ ولا يَغْفُلَ عَنْ تَرَقُّبِهِ، فَإنَّ مَآلَهُ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ أُكِّدَتْ جُمْلَتُهُ ثَلاثَ مِرارٍ لِهَذا المَعْنى، لِأنَّ الإنْسانَ في الحَياةِ الدُّنْيا يَسْعى فِيها غايَةَ السَّعْيِ، ويُؤَكِّدُ ويَجْمَعُ حَتّى كَأنَّهُ مُخَلَّدٌ فِيها، فَنُبِّهَ بِذِكْرِ المَوْتِ مُؤَكَّدًا مُبالَغًا فِيهِ لِيُقْصِرَ، ولِيَعْلَمَ أنَّ آخِرَهُ إلى الفَناءِ فَيَعْمَلَ لِدارِ البَقاءِ، ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِأنَّ لِأنَّهُ أُبْرِزَ في صُورَةِ المَقْطُوعِ بِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُ فِيهِ نِزاعٌ ولا يُقْبَلُ إنْكارٌ أوْ أنَّهُ حَتْمٌ لا بُدَّ مِن كِيانِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى تَوْكِيدٍ ثانٍ، وكُنْتَ سَألْتَ لِمَ دَخَلَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ ولَمْ تَدْخُلْ في ﴿تُبْعَثُونَ﴾ فَأجَبْتُ: بِأنَّ اللّامَ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ غالِبًا فَلا تُجامِعُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ إعْمالَ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبالِ، فَتَنافى الحالُ، وإنَّما قُلْتُ غالِبًا؛ لِأنَّهُ قَدْ جاءَتْ قَلِيلًا مَعَ الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ١٢٤] عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ وإقْرارُ اللّامِ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ بِأنْ يُقَدَّرَ عامِلٌ في يَوْمِ القِيامَةِ.

المؤمنون 23:16

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ الآيَةَ، لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ هم يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ المَعادَ الأُخْرَوِيَّ، ذَكَرَ النَّشْأةَ الأُولى لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى صِحَّةِ النَّشْأةِ الآخِرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، والواوُ في أوَّلِهِ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وإنْ تَبايَنَتْ في المَعانِي، انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا المُناسَبَةَ بَيْنَهُما ولَمْ تَتَبايَنْ في المَعانِي مِن جَمِيعِ الجِهاتِ. و﴿الإنْسانَ﴾ هُنا. قالَ (p-٣٩٨)قَتادَةُ وغَيْرُهُ ورَواهُ عَنْ سَلْمانَ وابْنِ عَبّاسٍ آدَمُ؛ لِأنَّهُ انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ. ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ عائِدٌ عَلى ابْنِ آدَمَ، وإنْ كانَ لَمْ يُذْكَرْ لِشُهْرَةِ الأمْرِ وأنَّ المَعْنى لا يَصْلُحُ إلّا لَهُ ونَظِيرُهُ. ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ثُمَّ جَعَلْنا نَسْلَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ ﴿الإنْسانَ﴾ ابْنُ آدَمَ، و﴿سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ صَفْوَةُ الماءِ يَعْنِي المَنِيَّ وهو اسْمُ جِنْسٍ، والطِّينُ يُرادُ بِهِ آدَمُ إذْ كانَتْ نَشْأتُهُ مِنَ الطِّينِ كَما سُمِّيَ عِرْقَ الثَّرى أوْ جُعِلَ مِنَ الطِّينِ لِكَوْنِهِ سُلالَةً مِن أبَوَيْهِ، وهُما مُتَغَذِّيانِ بِما يَكُونُ مِنَ الطِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً، انْتَهى. فَجَعَلَ الإنْسانَ جِنْسًا بِاعْتِبارِ حالَتَيْهِ لا بِاعْتِبارِ كُلِّ مَرْدُودٍ مِنهُ، و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِلْبَيانِ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، انْتَهى. ولا تَكُونُ لِلْبَيانِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ السُّلالَةُ هي الطِّينُ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ ما انْسَلَّ مِنَ الطِّينِ فَتَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ. والقَرارُ مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، والمُرادُ هُنا الرَّحِمُ. والمَكِينُ المُتَمَكِّنُ وُصِفَ القَرارُ بِهِ لِتَمَكُّنِهِ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ لا يَعْرِضُ لَهُ اخْتِلالٌ، أوْ لِتَمَكُّنِ مَن يَحِلُّ فِيهِ فَوُصِفَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَقَوْلِهِ طَرِيقٌ سائِرٌ لِكَوْنِهِ يُسارُ فِيهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ عِظامًا و﴿العِظامَ﴾ بِالجَمْعِ فِيهِما. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ وأبانَ والفَضْلِ والحَسَنِ، وقَتادَةُ أيْضًا والأعْرَجُ والأعْمَشُ ومُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإفْرادِ الأوَّلِ وجَمْعِ الثّانِي. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا بِجَمْعِ الأوَّلِ وإفْرادِ الثّانِي، فالإفْرادُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وُضِعَ الواحِدُ مَوْضِعَ الجَمْعِ لِزَوالِ اللَّبْسِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ ذُو عِظامٍ كَثِيرَةٍ، انْتَهى. وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأصْحابِنا إلّا في الضَّرُورَةِ، وأنْشَدُوا: ؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يُلْبِسُ لِأنَّهم كُلَّهم لَيْسَ لَهم بَطْنٌ واحِدٌ، ومَعَ هَذا خَصُّوا مَجِيئَهُ بِالضَّرُورَةِ. ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: هو نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: خُرُوجُهُ إلى الدُّنْيا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَباتُ شَعْرِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كَمالُ شَبابِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا تَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الدُّنْيا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ وإنَّما هو عامٌّ في هَذا وغَيْرِهِ مِن وُجُودِ النُّطْقِ والإدْراكِ، وأوَّلُ رُتَبِهِ مِن كَوْنِهِ آخِرَ نَفْخِ الرُّوحِ، وآخِرُهُ تَحْصِيلُهُ المَعْقُولاتِ إلى أنْ يَمُوتَ، انْتَهى. مُلَخَّصًا وهو قَرِيبٌ مِمّا رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها؛ حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا ناطِقًا سَمِيعًا بَصِيرًا، وأوْدَعَ كُلَّ عُضْوٍ وكُلَّ جُزْءٍ مِنهُ عَجائِبَ وغَرائِبَ لا تُدْرَكُ بِوَصْفٍ ولا تُبْلَغُ بِشَرْحٍ، وقَدِ احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَلى أنَّ غاصِبَ بَيْضَةٍ أفْرَخَتْ عِنْدَهُ يَضْمَنُ البَيْضَةَ ولا يَرُدُّ الفَرْخَ. وقالَ ﴿أنْشَأْناهُ﴾ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قِيلَ: وفي هَذا رَدٌّ عَلى النَّظّامِ في زَعْمِهِ أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ فَقَطْ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ورَدٌّ عَلى الفَلاسِفَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، و”تَبارَكَ“ فِعْلٌ ماضٍ لا يَتَصَرَّفُ، ومَعْناهُ تَعالى وتَقَدَّسَ، و﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والخِلافُ فِيها إذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ: هَلْ إضافَتُها مَحْضَةٌ أمْ غَيْرُ مَحْضَةٍ ؟ فَمَن قالَ مَحْضَةٌ أعْرَبَ ﴿أحْسَنُ﴾ صِفَةً، ومَن قالَ غَيْرُ مَحْضَةٍ أعْرَبَهُ بَدَلًا. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هو أحْسَنُ الخالِقِينَ، ومَعْنى ﴿الخالِقِينَ﴾ المُقَدِّرِينَ، وهو وصْفٌ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ زُهَيْرٌ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي قالَ الأعْلَمُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ يَعْنِي زُهَيْرًا، والخالِقُ الَّذِي لا يُقَدِّرُ الأدِيمَ ويُهَيِّئُهُ لِأنْ يَقْطَعَهُ ويَخْرِزَهُ (p-٣٩٩)والفَرْيُ القَطْعُ. والمَعْنى أنَّكَ إذا تَهَيَّأْتَ لِأمْرٍ مَضَيْتَ لَهُ وأنْفَذْتَهُ ولَمْ تَعْجِزْ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ الصّانِعِينَ يُقالُ لِمَن صَنَعَ شَيْئًا خَلَقَهُ، وأنْشَدَ بَيْتَ زُهَيْرٍ. قالَ: ولا تُنْفى هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَنِ البَشَرِ في مَعْنى الصُّنْعِ إنَّما هي مَنفِيَّةٌ بِمَعْنى الِاخْتِراعِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ﴿الخالِقِينَ﴾؛ لِأنَّهُ أذِنَ لِعِيسى في أنْ يَخْلُقَ وتَمْيِيزُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الخالِقِينَ عَلَيْهِ، أيْ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ خَلْقًا أيِ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ لَمّا سَمِعَ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إلى آخِرِهِ قالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُعاذٌ. وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، وكانَتْ سَبَبَ ارْتِدادِهِ، ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ”لَمائِتُونَ“ بِالألِفِ، يُرِيدُ حُدُوثَ الصِّفَةِ، فَيُقالُ أنْتَ مائِتٌ عَنْ قَلِيلٍ ومَيِّتٌ، ولا يُقالُ مائِتٌ لِلَّذِي قَدْ ماتَ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما يُقالُ في الِاسْتِقْبالِ فَقَطْ، وكَذا قالَ ابْنُ مالِكٍ، وإذا قُصِدَ اسْتِقْبالُ المَصُوغَةِ مِن ثُلاثِيٍّ عَلى غَيْرِ فاعِلٍ رُدَّتْ إلَيْهِ ما لَمْ يُقَدَّرِ الوُقُوعُ، يَعْنِي إنَّهُ لا يُقالُ لِمَن ماتَ مائِتٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مائِتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا كَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُها ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، انْتَهى. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى هَذا التَّطْوِيرِ والإنْشاءِ ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ وانْقِضاءُ مُدَّةِ حَياتِكم. ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ونَبَّهَ تَعالى عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالِاخْتِراعِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالإعْدامِ، ثُمَّ بِالإيجادِ، وذِكْرُهُ المَوْتَ والبَعْثَ لا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الحَياةِ في القَبْرِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ، والإماتَةُ، والإعادَةُ في القَبْرِ مِن جِنْسِ الإعادَةِ، ومَعْنى ﴿تُبْعَثُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، فَإنْ قُلْتَ: المَوْتُ مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، والبَعْثُ قَدْ أنْكَرَتْهُ طَوائِفُ واسْتَبْعَدَتْهُ وإنْ كانَ مَقْطُوعًا بِهِ مِن جِهَةِ الدَّلِيلِ لِإمْكانِهِ في نَفْسِهِ ومَجِيءِ السَّمْعِ بِهِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ فَما بالُ جُمْلَةِ المَوْتِ جاءَتْ مُؤَكَّدَةً بِأنَّ وبِاللّامِ ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِإنَّ ؟ (فالجَوابُ): أنَّهُ بُولِغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ المَوْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ ولا يَغْفُلَ عَنْ تَرَقُّبِهِ، فَإنَّ مَآلَهُ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ أُكِّدَتْ جُمْلَتُهُ ثَلاثَ مِرارٍ لِهَذا المَعْنى، لِأنَّ الإنْسانَ في الحَياةِ الدُّنْيا يَسْعى فِيها غايَةَ السَّعْيِ، ويُؤَكِّدُ ويَجْمَعُ حَتّى كَأنَّهُ مُخَلَّدٌ فِيها، فَنُبِّهَ بِذِكْرِ المَوْتِ مُؤَكَّدًا مُبالَغًا فِيهِ لِيُقْصِرَ، ولِيَعْلَمَ أنَّ آخِرَهُ إلى الفَناءِ فَيَعْمَلَ لِدارِ البَقاءِ، ولَمْ تُؤَكَّدْ جُمْلَةُ البَعْثِ إلّا بِأنَّ لِأنَّهُ أُبْرِزَ في صُورَةِ المَقْطُوعِ بِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُ فِيهِ نِزاعٌ ولا يُقْبَلُ إنْكارٌ أوْ أنَّهُ حَتْمٌ لا بُدَّ مِن كِيانِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى تَوْكِيدٍ ثانٍ، وكُنْتَ سَألْتَ لِمَ دَخَلَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ ولَمْ تَدْخُلْ في ﴿تُبْعَثُونَ﴾ فَأجَبْتُ: بِأنَّ اللّامَ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ غالِبًا فَلا تُجامِعُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ إعْمالَ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبالِ، فَتَنافى الحالُ، وإنَّما قُلْتُ غالِبًا؛ لِأنَّهُ قَدْ جاءَتْ قَلِيلًا مَعَ الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ١٢٤] عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ وإقْرارُ اللّامِ مُخَلِّصَةٌ المُضارِعَ لِلْحالِ بِأنْ يُقَدَّرَ عامِلٌ في يَوْمِ القِيامَةِ.

المؤمنون 23:17

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورٍ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وانْتِهاءَ أمْرِهِ ذَكَّرَهُ بِنِعَمِهِ، و﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ السَّماواتُ، قِيلَ لَها طَرائِقُ لِتَطارُقِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ، طارَقَ النَّعْلَ جَعَلَهُ عَلى نَعْلٍ، وطارَقَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ لَبِسَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ؛ قالَهُ الخَلِيلُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَقَوْلِهِ: ﴿طِباقًا﴾ [الملك: ٣] . وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ المَلائِكَةِ في العُرُوجِ. وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ في الكَواكِبِ في مَسِيرِها. وقِيلَ: لِأنَّ لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقَةً وهَيْئَةً غَيْرَ هَيْئَةِ الأُخْرى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الطَّرائِقُ بِمَعْنى المَبْسُوطاتِ مِن طَرَقْتُ الشَّيْءَ. (وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ) نَفى تَعالى عَنْهُ الغَفْلَةَ عَنْ خَلْقِهِ، وهو ما خَلَقَهُ تَعالى فَهو حافِظُ السَّماواتِ مِنَ السُّقُوطِ وحافِظُ عِبادِهِ بِما يُصْلِحُهم، أيْ هم بِمَرْأًى مِنّا نُدَبِّرُهم كَما نَشاءُ ﴿بِقَدَرٍ﴾ بِتَقْدِيرٍ مِنّا ﴿مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ بِحَسَبِ حاجاتِ الخَلْقِ ومَصالِحِهِمْ. ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْنا مَقَرَّهُ في الأرْضِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الجَنَّةِ خَمْسَةَ أنْهارٍ: جَيْحُونُ، وسَيْحُونُ، ودِجْلَةُ، والفُراتُ، والنِّيلُ. وفي قَوْلِهِ ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَقَرَّ ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ هو في الأرْضِ، فَمِنهُ الأنْهارُ والعُيُونُ والآبارُ، وكَما أنْزَلَهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ هو قادِرٌ عَلى إذْهابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ مِن أوْقَعِ النَّكِراتِ وأحَزِّها لِلْمَفْصِلِ والمَعْنى عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الذَّهابِ بِهِ وطَرِيقٍ مِن طُرُقِهِ، انْتَهى. و﴿ذَهابٌ﴾ مَصْدَرُ ذَهَبَ، والباءُ في (بِهِ) لِلتَّعْدِيَةِ مُرادِفَةٌ لِلْهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ لَأذْهَبَ سَمْعَهم. وفي ذَلِكَ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ أيْ في قُدْرَتِنا إذْهابُهُ فَتَهْلِكُونَ بِالعَطَشِ أنْتُمْ ومَواشِيكم، وهَذا أبْلَغُ في الإيعادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا وهو مِنَ السَّماءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقَيَّدَ هَذا بِالعَذابِ وإلّا فالأُجاجُ ثابِتٌ في الأرْضِ مَعَ القَحْطِ والعَذْبُ يَقِلُّ مَعَ القَحْطِ، وأيْضًا فالأحادِيثُ تَقْتَضِي الماءَ الَّذِي كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ في الأرْضِ ماءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ، انْتَهى. وقِيلَ: ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ أصْلُهُ مِنَ البَحْرِ، رَفَعَهُ تَعالى بِلُطْفِهِ وحُسْنِ تَقْدِيرِهِ مِنَ البَحْرِ إلى السَّماءِ حَتّى طابَ بِذَلِكَ الرَّفْعِ والتَّصْعِيدِ، ثُمَّ أنْزَلَهُ إلى الأرْضِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ، ولَوْ كانَ باقِيًا عَلى حالِهِ ما انْتُفِعَ بِهِ مِن مُلُوحَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الماءِ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ وخَصَّ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ: النَّخْلِ والعِنَبِ، والزَّيْتُونِ؛ لِأنَّها أكْرَمُ الشَّجَرِ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ووَصَفَ النَّخْلَ والعِنَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها﴾ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّ ثَمَرَهُما جامِعٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ أنَّهُ فاكِهَةٌ يُتَفَكَّهُ بِها، وطَعامٌ يُؤْكَلُ رَطْبًا ويابِسًا رُطَبًا وعِنَبًا وتَمْرًا وزَبِيبًا، والزَّيْتُونَ بِأنَّ دُهْنَهُ صالِحٌ لِلِاسْتِصْباحِ والِاصْطِباغِ جَمِيعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَةٍ يَحْتَرِفُها، ومِن صَنْعَةٍ يَغْتَلُّها، ومِن تِجارَةٍ يَتَرَبَّحُ بِها يَعْنُونَ أنَّها طُعْمَتُهُ وجِهَتُهُ الَّتِي مِنها يُحِصِّلُ رِزْقَهُ. كَأنَّهُ قالَ: وهَذِهِ الجَنّاتُ وُجُوهُ أرْزاقِكم ومَعايِشِكم مِنها تَرْتَزِقُونَ وتَتَعَيَّشُونَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: وذَكَرَ النَّخِيلَ والأعْنابَ؛ لِأنَّها ثَمَرَةُ الحِجازِ بِالطّائِفِ والمَدِينَةِ وغَيْرِهِما، والضَّمِيرُ في (ولَكم فِيها) عائِدٌ عَلى الجَنّاتِ، وهو أعَمُّ لِسائِرِ الثَّمَراتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ. وعَطَفَ ﴿وشَجَرَةً﴾ عَلى ”جَنّاتٍ“، وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ وهي كَثِيرَةٌ بِالشّامِ. وقالَ الجُمْهُورُ ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ الجَبَلِ، كَما تَقُولُ: جَبَلُ أُحُدٍ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿سَيْناءَ﴾ مُبارَكٌ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ الحَسَنُ، والقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ الحَسَنُ بِالحَبَشَةِ. وقِيلَ: بِالنَّبَطِيَّةِ. وقالَ مَعْمَرٌ عَنْ فِرْقَةٍ: مَعْناهُ ذُو شَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ حِجارَةٍ بِعَيْنِها أُضِيفَ الجَبَلُ إلَيْها لِوُجُودِها عِنْدَهُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي لُغَةٌ (p-٤٠١)لِبَنِي كِنانَةَ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ سائِرِ العَرَبِ. وقَرَأ سَيْنى مَقْصُورًا وبِفَتْحِ السِّينِ، والأصَحُّ أنَّ ﴿سَيْناءَ﴾ اسْمُ بُقْعَةٍ وأنَّهُ لَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّناءِ؛ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ سَيْناءُ عَرَبِيَّ الوَضْعِ؛ لِأنَّ نُونَ السَّناءِ عَيْنُ الكَلِمَةِ وعَيْنَ سَيْناءَ ياءٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَنْبُتُ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الباءِ، والباءُ في ﴿بِالدُّهْنِ﴾ عَلى هَذا باءُ الحالِ، أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ مَصْحُوبَةً ﴿بِالدُّهْنِ﴾ أيْ ومَعَها الدُّهْنُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وسَلّامٌ، وسَهْلٌ، ورُوَيْسٌ، والجَحْدَرِيُّ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ، فَقِيلَ: ﴿بِالدُّهْنِ﴾ مَفْعُولٌ، والباءُ زائِدَةٌ، التَّقْدِيرُ تُنْبِتُ الدُّهْنَ. وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ جَناها، و﴿بِالدُّهْنِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ أيْ تُنْبِتُ جَناها ومَعَهُ الدُّهْنُ. وقِيلَ: أنْبَتَ لازِمٌ كَنَبَتَ فَتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَتَّهِمُ مَن رَوى في بَيْتِ زُهَيْرٍ: ؎قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ بِلَفْظِ أنْبَتَ. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الباءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(بِالدُّهْنِ) حالٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ الدُّهْنَ، بِالنَّصْبِ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ والأشْهَبُ بِالدِّهانِ، بِالألِفِ، وما رَوَوْا مِن قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”يَخْرُجُ الدُّهْنُ“، وقِراءَةِ أُبَيٍّ ”تُثْمِرُ بِالدُّهْنِ“ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْسِيرِ؛ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ؛ ولِأنَّ الرِّوايَةَ الثّابِتَةَ عَنْهُما كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، والصِّبْغُ الغَمْسُ والِائْتِدامُ. وقالَ مُقاتِلٌ: الصِّبْغُ الزَّيْتُونُ، والدُّهْنُ الزَّيْتُ، جَعَلَ تَعالى في هَذِهِ الشَّجَرَةِ تَأدُّمًا ودُهْنًا. وقالَ الكَرْمانِيُّ: القِياسُ أنْ يَكُونَ الصِّبْغُ غَيْرَ الدُّهْنِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وصِبْغًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وصِباغٍ بِالألِفِ، فالنَّصْبُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿بِالدُّهْنِ﴾ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، والصِّباغُ كالدَّبْغِ والدِّباغِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ ومَتاعًا ﴿لِلْآكِلِينَ﴾ كَأنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ الصِّبْغِ. ذَكَرَ تَعالى شَرَفَ مَقَرِّ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ نَجِيَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ذَكَرَ ما فِيها مِنَ الدُّهْنِ والصِّبْغِ ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، قِيلَ: وهي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في النَّحْلِ. ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ مِنَ الحَمْلِ والرُّكُوبِ والحَرْثِ والِانْتِفاعِ بِجُلُودِها وأوْبارِها، ونَبَّهَ عَلى غَزارَةِ فَوائِدِها وألْزامِها وهو الشُّرْبُ والأكْلُ، وأدْرَجَ باقِيَ المَنافِعِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَكادُ تَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ الأنْعامِ، وهو الحَمْلُ عَلَيْها وقَرَنَها بِالفُلْكِ؛ لِأنَّها سَفائِنُ البَرِّ كَما أنَّ ﴿الفُلْكِ﴾ سَفائِنُ البَحْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها يُرِيدُ صَيْدَحَ ناقَتَهُ.

المؤمنون 23:18

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورٍ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وانْتِهاءَ أمْرِهِ ذَكَّرَهُ بِنِعَمِهِ، و﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ السَّماواتُ، قِيلَ لَها طَرائِقُ لِتَطارُقِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ، طارَقَ النَّعْلَ جَعَلَهُ عَلى نَعْلٍ، وطارَقَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ لَبِسَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ؛ قالَهُ الخَلِيلُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَقَوْلِهِ: ﴿طِباقًا﴾ [الملك: ٣] . وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ المَلائِكَةِ في العُرُوجِ. وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ في الكَواكِبِ في مَسِيرِها. وقِيلَ: لِأنَّ لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقَةً وهَيْئَةً غَيْرَ هَيْئَةِ الأُخْرى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الطَّرائِقُ بِمَعْنى المَبْسُوطاتِ مِن طَرَقْتُ الشَّيْءَ. (وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ) نَفى تَعالى عَنْهُ الغَفْلَةَ عَنْ خَلْقِهِ، وهو ما خَلَقَهُ تَعالى فَهو حافِظُ السَّماواتِ مِنَ السُّقُوطِ وحافِظُ عِبادِهِ بِما يُصْلِحُهم، أيْ هم بِمَرْأًى مِنّا نُدَبِّرُهم كَما نَشاءُ ﴿بِقَدَرٍ﴾ بِتَقْدِيرٍ مِنّا ﴿مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ بِحَسَبِ حاجاتِ الخَلْقِ ومَصالِحِهِمْ. ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْنا مَقَرَّهُ في الأرْضِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الجَنَّةِ خَمْسَةَ أنْهارٍ: جَيْحُونُ، وسَيْحُونُ، ودِجْلَةُ، والفُراتُ، والنِّيلُ. وفي قَوْلِهِ ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَقَرَّ ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ هو في الأرْضِ، فَمِنهُ الأنْهارُ والعُيُونُ والآبارُ، وكَما أنْزَلَهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ هو قادِرٌ عَلى إذْهابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ مِن أوْقَعِ النَّكِراتِ وأحَزِّها لِلْمَفْصِلِ والمَعْنى عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الذَّهابِ بِهِ وطَرِيقٍ مِن طُرُقِهِ، انْتَهى. و﴿ذَهابٌ﴾ مَصْدَرُ ذَهَبَ، والباءُ في (بِهِ) لِلتَّعْدِيَةِ مُرادِفَةٌ لِلْهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ لَأذْهَبَ سَمْعَهم. وفي ذَلِكَ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ أيْ في قُدْرَتِنا إذْهابُهُ فَتَهْلِكُونَ بِالعَطَشِ أنْتُمْ ومَواشِيكم، وهَذا أبْلَغُ في الإيعادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا وهو مِنَ السَّماءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقَيَّدَ هَذا بِالعَذابِ وإلّا فالأُجاجُ ثابِتٌ في الأرْضِ مَعَ القَحْطِ والعَذْبُ يَقِلُّ مَعَ القَحْطِ، وأيْضًا فالأحادِيثُ تَقْتَضِي الماءَ الَّذِي كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ في الأرْضِ ماءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ، انْتَهى. وقِيلَ: ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ أصْلُهُ مِنَ البَحْرِ، رَفَعَهُ تَعالى بِلُطْفِهِ وحُسْنِ تَقْدِيرِهِ مِنَ البَحْرِ إلى السَّماءِ حَتّى طابَ بِذَلِكَ الرَّفْعِ والتَّصْعِيدِ، ثُمَّ أنْزَلَهُ إلى الأرْضِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ، ولَوْ كانَ باقِيًا عَلى حالِهِ ما انْتُفِعَ بِهِ مِن مُلُوحَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الماءِ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ وخَصَّ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ: النَّخْلِ والعِنَبِ، والزَّيْتُونِ؛ لِأنَّها أكْرَمُ الشَّجَرِ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ووَصَفَ النَّخْلَ والعِنَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها﴾ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّ ثَمَرَهُما جامِعٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ أنَّهُ فاكِهَةٌ يُتَفَكَّهُ بِها، وطَعامٌ يُؤْكَلُ رَطْبًا ويابِسًا رُطَبًا وعِنَبًا وتَمْرًا وزَبِيبًا، والزَّيْتُونَ بِأنَّ دُهْنَهُ صالِحٌ لِلِاسْتِصْباحِ والِاصْطِباغِ جَمِيعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَةٍ يَحْتَرِفُها، ومِن صَنْعَةٍ يَغْتَلُّها، ومِن تِجارَةٍ يَتَرَبَّحُ بِها يَعْنُونَ أنَّها طُعْمَتُهُ وجِهَتُهُ الَّتِي مِنها يُحِصِّلُ رِزْقَهُ. كَأنَّهُ قالَ: وهَذِهِ الجَنّاتُ وُجُوهُ أرْزاقِكم ومَعايِشِكم مِنها تَرْتَزِقُونَ وتَتَعَيَّشُونَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: وذَكَرَ النَّخِيلَ والأعْنابَ؛ لِأنَّها ثَمَرَةُ الحِجازِ بِالطّائِفِ والمَدِينَةِ وغَيْرِهِما، والضَّمِيرُ في (ولَكم فِيها) عائِدٌ عَلى الجَنّاتِ، وهو أعَمُّ لِسائِرِ الثَّمَراتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ. وعَطَفَ ﴿وشَجَرَةً﴾ عَلى ”جَنّاتٍ“، وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ وهي كَثِيرَةٌ بِالشّامِ. وقالَ الجُمْهُورُ ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ الجَبَلِ، كَما تَقُولُ: جَبَلُ أُحُدٍ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿سَيْناءَ﴾ مُبارَكٌ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ الحَسَنُ، والقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ الحَسَنُ بِالحَبَشَةِ. وقِيلَ: بِالنَّبَطِيَّةِ. وقالَ مَعْمَرٌ عَنْ فِرْقَةٍ: مَعْناهُ ذُو شَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ حِجارَةٍ بِعَيْنِها أُضِيفَ الجَبَلُ إلَيْها لِوُجُودِها عِنْدَهُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي لُغَةٌ (p-٤٠١)لِبَنِي كِنانَةَ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ سائِرِ العَرَبِ. وقَرَأ سَيْنى مَقْصُورًا وبِفَتْحِ السِّينِ، والأصَحُّ أنَّ ﴿سَيْناءَ﴾ اسْمُ بُقْعَةٍ وأنَّهُ لَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّناءِ؛ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ سَيْناءُ عَرَبِيَّ الوَضْعِ؛ لِأنَّ نُونَ السَّناءِ عَيْنُ الكَلِمَةِ وعَيْنَ سَيْناءَ ياءٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَنْبُتُ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الباءِ، والباءُ في ﴿بِالدُّهْنِ﴾ عَلى هَذا باءُ الحالِ، أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ مَصْحُوبَةً ﴿بِالدُّهْنِ﴾ أيْ ومَعَها الدُّهْنُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وسَلّامٌ، وسَهْلٌ، ورُوَيْسٌ، والجَحْدَرِيُّ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ، فَقِيلَ: ﴿بِالدُّهْنِ﴾ مَفْعُولٌ، والباءُ زائِدَةٌ، التَّقْدِيرُ تُنْبِتُ الدُّهْنَ. وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ جَناها، و﴿بِالدُّهْنِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ أيْ تُنْبِتُ جَناها ومَعَهُ الدُّهْنُ. وقِيلَ: أنْبَتَ لازِمٌ كَنَبَتَ فَتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَتَّهِمُ مَن رَوى في بَيْتِ زُهَيْرٍ: ؎قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ بِلَفْظِ أنْبَتَ. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الباءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(بِالدُّهْنِ) حالٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ الدُّهْنَ، بِالنَّصْبِ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ والأشْهَبُ بِالدِّهانِ، بِالألِفِ، وما رَوَوْا مِن قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”يَخْرُجُ الدُّهْنُ“، وقِراءَةِ أُبَيٍّ ”تُثْمِرُ بِالدُّهْنِ“ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْسِيرِ؛ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ؛ ولِأنَّ الرِّوايَةَ الثّابِتَةَ عَنْهُما كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، والصِّبْغُ الغَمْسُ والِائْتِدامُ. وقالَ مُقاتِلٌ: الصِّبْغُ الزَّيْتُونُ، والدُّهْنُ الزَّيْتُ، جَعَلَ تَعالى في هَذِهِ الشَّجَرَةِ تَأدُّمًا ودُهْنًا. وقالَ الكَرْمانِيُّ: القِياسُ أنْ يَكُونَ الصِّبْغُ غَيْرَ الدُّهْنِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وصِبْغًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وصِباغٍ بِالألِفِ، فالنَّصْبُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿بِالدُّهْنِ﴾ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، والصِّباغُ كالدَّبْغِ والدِّباغِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ ومَتاعًا ﴿لِلْآكِلِينَ﴾ كَأنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ الصِّبْغِ. ذَكَرَ تَعالى شَرَفَ مَقَرِّ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ نَجِيَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ذَكَرَ ما فِيها مِنَ الدُّهْنِ والصِّبْغِ ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، قِيلَ: وهي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في النَّحْلِ. ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ مِنَ الحَمْلِ والرُّكُوبِ والحَرْثِ والِانْتِفاعِ بِجُلُودِها وأوْبارِها، ونَبَّهَ عَلى غَزارَةِ فَوائِدِها وألْزامِها وهو الشُّرْبُ والأكْلُ، وأدْرَجَ باقِيَ المَنافِعِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَكادُ تَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ الأنْعامِ، وهو الحَمْلُ عَلَيْها وقَرَنَها بِالفُلْكِ؛ لِأنَّها سَفائِنُ البَرِّ كَما أنَّ ﴿الفُلْكِ﴾ سَفائِنُ البَحْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها يُرِيدُ صَيْدَحَ ناقَتَهُ.

المؤمنون 23:19

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورٍ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وانْتِهاءَ أمْرِهِ ذَكَّرَهُ بِنِعَمِهِ، و﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ السَّماواتُ، قِيلَ لَها طَرائِقُ لِتَطارُقِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ، طارَقَ النَّعْلَ جَعَلَهُ عَلى نَعْلٍ، وطارَقَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ لَبِسَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ؛ قالَهُ الخَلِيلُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَقَوْلِهِ: ﴿طِباقًا﴾ [الملك: ٣] . وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ المَلائِكَةِ في العُرُوجِ. وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ في الكَواكِبِ في مَسِيرِها. وقِيلَ: لِأنَّ لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقَةً وهَيْئَةً غَيْرَ هَيْئَةِ الأُخْرى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الطَّرائِقُ بِمَعْنى المَبْسُوطاتِ مِن طَرَقْتُ الشَّيْءَ. (وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ) نَفى تَعالى عَنْهُ الغَفْلَةَ عَنْ خَلْقِهِ، وهو ما خَلَقَهُ تَعالى فَهو حافِظُ السَّماواتِ مِنَ السُّقُوطِ وحافِظُ عِبادِهِ بِما يُصْلِحُهم، أيْ هم بِمَرْأًى مِنّا نُدَبِّرُهم كَما نَشاءُ ﴿بِقَدَرٍ﴾ بِتَقْدِيرٍ مِنّا ﴿مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ بِحَسَبِ حاجاتِ الخَلْقِ ومَصالِحِهِمْ. ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْنا مَقَرَّهُ في الأرْضِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الجَنَّةِ خَمْسَةَ أنْهارٍ: جَيْحُونُ، وسَيْحُونُ، ودِجْلَةُ، والفُراتُ، والنِّيلُ. وفي قَوْلِهِ ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَقَرَّ ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ هو في الأرْضِ، فَمِنهُ الأنْهارُ والعُيُونُ والآبارُ، وكَما أنْزَلَهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ هو قادِرٌ عَلى إذْهابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ مِن أوْقَعِ النَّكِراتِ وأحَزِّها لِلْمَفْصِلِ والمَعْنى عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الذَّهابِ بِهِ وطَرِيقٍ مِن طُرُقِهِ، انْتَهى. و﴿ذَهابٌ﴾ مَصْدَرُ ذَهَبَ، والباءُ في (بِهِ) لِلتَّعْدِيَةِ مُرادِفَةٌ لِلْهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ لَأذْهَبَ سَمْعَهم. وفي ذَلِكَ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ أيْ في قُدْرَتِنا إذْهابُهُ فَتَهْلِكُونَ بِالعَطَشِ أنْتُمْ ومَواشِيكم، وهَذا أبْلَغُ في الإيعادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا وهو مِنَ السَّماءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقَيَّدَ هَذا بِالعَذابِ وإلّا فالأُجاجُ ثابِتٌ في الأرْضِ مَعَ القَحْطِ والعَذْبُ يَقِلُّ مَعَ القَحْطِ، وأيْضًا فالأحادِيثُ تَقْتَضِي الماءَ الَّذِي كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ في الأرْضِ ماءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ، انْتَهى. وقِيلَ: ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ أصْلُهُ مِنَ البَحْرِ، رَفَعَهُ تَعالى بِلُطْفِهِ وحُسْنِ تَقْدِيرِهِ مِنَ البَحْرِ إلى السَّماءِ حَتّى طابَ بِذَلِكَ الرَّفْعِ والتَّصْعِيدِ، ثُمَّ أنْزَلَهُ إلى الأرْضِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ، ولَوْ كانَ باقِيًا عَلى حالِهِ ما انْتُفِعَ بِهِ مِن مُلُوحَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الماءِ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ وخَصَّ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ: النَّخْلِ والعِنَبِ، والزَّيْتُونِ؛ لِأنَّها أكْرَمُ الشَّجَرِ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ووَصَفَ النَّخْلَ والعِنَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها﴾ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّ ثَمَرَهُما جامِعٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ أنَّهُ فاكِهَةٌ يُتَفَكَّهُ بِها، وطَعامٌ يُؤْكَلُ رَطْبًا ويابِسًا رُطَبًا وعِنَبًا وتَمْرًا وزَبِيبًا، والزَّيْتُونَ بِأنَّ دُهْنَهُ صالِحٌ لِلِاسْتِصْباحِ والِاصْطِباغِ جَمِيعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَةٍ يَحْتَرِفُها، ومِن صَنْعَةٍ يَغْتَلُّها، ومِن تِجارَةٍ يَتَرَبَّحُ بِها يَعْنُونَ أنَّها طُعْمَتُهُ وجِهَتُهُ الَّتِي مِنها يُحِصِّلُ رِزْقَهُ. كَأنَّهُ قالَ: وهَذِهِ الجَنّاتُ وُجُوهُ أرْزاقِكم ومَعايِشِكم مِنها تَرْتَزِقُونَ وتَتَعَيَّشُونَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: وذَكَرَ النَّخِيلَ والأعْنابَ؛ لِأنَّها ثَمَرَةُ الحِجازِ بِالطّائِفِ والمَدِينَةِ وغَيْرِهِما، والضَّمِيرُ في (ولَكم فِيها) عائِدٌ عَلى الجَنّاتِ، وهو أعَمُّ لِسائِرِ الثَّمَراتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ. وعَطَفَ ﴿وشَجَرَةً﴾ عَلى ”جَنّاتٍ“، وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ وهي كَثِيرَةٌ بِالشّامِ. وقالَ الجُمْهُورُ ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ الجَبَلِ، كَما تَقُولُ: جَبَلُ أُحُدٍ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿سَيْناءَ﴾ مُبارَكٌ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ الحَسَنُ، والقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ الحَسَنُ بِالحَبَشَةِ. وقِيلَ: بِالنَّبَطِيَّةِ. وقالَ مَعْمَرٌ عَنْ فِرْقَةٍ: مَعْناهُ ذُو شَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ حِجارَةٍ بِعَيْنِها أُضِيفَ الجَبَلُ إلَيْها لِوُجُودِها عِنْدَهُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي لُغَةٌ (p-٤٠١)لِبَنِي كِنانَةَ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ سائِرِ العَرَبِ. وقَرَأ سَيْنى مَقْصُورًا وبِفَتْحِ السِّينِ، والأصَحُّ أنَّ ﴿سَيْناءَ﴾ اسْمُ بُقْعَةٍ وأنَّهُ لَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّناءِ؛ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ سَيْناءُ عَرَبِيَّ الوَضْعِ؛ لِأنَّ نُونَ السَّناءِ عَيْنُ الكَلِمَةِ وعَيْنَ سَيْناءَ ياءٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَنْبُتُ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الباءِ، والباءُ في ﴿بِالدُّهْنِ﴾ عَلى هَذا باءُ الحالِ، أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ مَصْحُوبَةً ﴿بِالدُّهْنِ﴾ أيْ ومَعَها الدُّهْنُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وسَلّامٌ، وسَهْلٌ، ورُوَيْسٌ، والجَحْدَرِيُّ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ، فَقِيلَ: ﴿بِالدُّهْنِ﴾ مَفْعُولٌ، والباءُ زائِدَةٌ، التَّقْدِيرُ تُنْبِتُ الدُّهْنَ. وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ جَناها، و﴿بِالدُّهْنِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ أيْ تُنْبِتُ جَناها ومَعَهُ الدُّهْنُ. وقِيلَ: أنْبَتَ لازِمٌ كَنَبَتَ فَتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَتَّهِمُ مَن رَوى في بَيْتِ زُهَيْرٍ: ؎قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ بِلَفْظِ أنْبَتَ. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الباءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(بِالدُّهْنِ) حالٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ الدُّهْنَ، بِالنَّصْبِ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ والأشْهَبُ بِالدِّهانِ، بِالألِفِ، وما رَوَوْا مِن قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”يَخْرُجُ الدُّهْنُ“، وقِراءَةِ أُبَيٍّ ”تُثْمِرُ بِالدُّهْنِ“ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْسِيرِ؛ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ؛ ولِأنَّ الرِّوايَةَ الثّابِتَةَ عَنْهُما كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، والصِّبْغُ الغَمْسُ والِائْتِدامُ. وقالَ مُقاتِلٌ: الصِّبْغُ الزَّيْتُونُ، والدُّهْنُ الزَّيْتُ، جَعَلَ تَعالى في هَذِهِ الشَّجَرَةِ تَأدُّمًا ودُهْنًا. وقالَ الكَرْمانِيُّ: القِياسُ أنْ يَكُونَ الصِّبْغُ غَيْرَ الدُّهْنِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وصِبْغًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وصِباغٍ بِالألِفِ، فالنَّصْبُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿بِالدُّهْنِ﴾ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، والصِّباغُ كالدَّبْغِ والدِّباغِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ ومَتاعًا ﴿لِلْآكِلِينَ﴾ كَأنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ الصِّبْغِ. ذَكَرَ تَعالى شَرَفَ مَقَرِّ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ نَجِيَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ذَكَرَ ما فِيها مِنَ الدُّهْنِ والصِّبْغِ ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، قِيلَ: وهي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في النَّحْلِ. ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ مِنَ الحَمْلِ والرُّكُوبِ والحَرْثِ والِانْتِفاعِ بِجُلُودِها وأوْبارِها، ونَبَّهَ عَلى غَزارَةِ فَوائِدِها وألْزامِها وهو الشُّرْبُ والأكْلُ، وأدْرَجَ باقِيَ المَنافِعِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَكادُ تَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ الأنْعامِ، وهو الحَمْلُ عَلَيْها وقَرَنَها بِالفُلْكِ؛ لِأنَّها سَفائِنُ البَرِّ كَما أنَّ ﴿الفُلْكِ﴾ سَفائِنُ البَحْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها يُرِيدُ صَيْدَحَ ناقَتَهُ.

المؤمنون 23:20

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورٍ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وانْتِهاءَ أمْرِهِ ذَكَّرَهُ بِنِعَمِهِ، و﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ السَّماواتُ، قِيلَ لَها طَرائِقُ لِتَطارُقِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ، طارَقَ النَّعْلَ جَعَلَهُ عَلى نَعْلٍ، وطارَقَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ لَبِسَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ؛ قالَهُ الخَلِيلُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَقَوْلِهِ: ﴿طِباقًا﴾ [الملك: ٣] . وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ المَلائِكَةِ في العُرُوجِ. وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ في الكَواكِبِ في مَسِيرِها. وقِيلَ: لِأنَّ لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقَةً وهَيْئَةً غَيْرَ هَيْئَةِ الأُخْرى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الطَّرائِقُ بِمَعْنى المَبْسُوطاتِ مِن طَرَقْتُ الشَّيْءَ. (وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ) نَفى تَعالى عَنْهُ الغَفْلَةَ عَنْ خَلْقِهِ، وهو ما خَلَقَهُ تَعالى فَهو حافِظُ السَّماواتِ مِنَ السُّقُوطِ وحافِظُ عِبادِهِ بِما يُصْلِحُهم، أيْ هم بِمَرْأًى مِنّا نُدَبِّرُهم كَما نَشاءُ ﴿بِقَدَرٍ﴾ بِتَقْدِيرٍ مِنّا ﴿مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ بِحَسَبِ حاجاتِ الخَلْقِ ومَصالِحِهِمْ. ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْنا مَقَرَّهُ في الأرْضِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الجَنَّةِ خَمْسَةَ أنْهارٍ: جَيْحُونُ، وسَيْحُونُ، ودِجْلَةُ، والفُراتُ، والنِّيلُ. وفي قَوْلِهِ ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَقَرَّ ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ هو في الأرْضِ، فَمِنهُ الأنْهارُ والعُيُونُ والآبارُ، وكَما أنْزَلَهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ هو قادِرٌ عَلى إذْهابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ مِن أوْقَعِ النَّكِراتِ وأحَزِّها لِلْمَفْصِلِ والمَعْنى عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الذَّهابِ بِهِ وطَرِيقٍ مِن طُرُقِهِ، انْتَهى. و﴿ذَهابٌ﴾ مَصْدَرُ ذَهَبَ، والباءُ في (بِهِ) لِلتَّعْدِيَةِ مُرادِفَةٌ لِلْهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ لَأذْهَبَ سَمْعَهم. وفي ذَلِكَ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ أيْ في قُدْرَتِنا إذْهابُهُ فَتَهْلِكُونَ بِالعَطَشِ أنْتُمْ ومَواشِيكم، وهَذا أبْلَغُ في الإيعادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا وهو مِنَ السَّماءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقَيَّدَ هَذا بِالعَذابِ وإلّا فالأُجاجُ ثابِتٌ في الأرْضِ مَعَ القَحْطِ والعَذْبُ يَقِلُّ مَعَ القَحْطِ، وأيْضًا فالأحادِيثُ تَقْتَضِي الماءَ الَّذِي كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ في الأرْضِ ماءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ، انْتَهى. وقِيلَ: ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ أصْلُهُ مِنَ البَحْرِ، رَفَعَهُ تَعالى بِلُطْفِهِ وحُسْنِ تَقْدِيرِهِ مِنَ البَحْرِ إلى السَّماءِ حَتّى طابَ بِذَلِكَ الرَّفْعِ والتَّصْعِيدِ، ثُمَّ أنْزَلَهُ إلى الأرْضِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ، ولَوْ كانَ باقِيًا عَلى حالِهِ ما انْتُفِعَ بِهِ مِن مُلُوحَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الماءِ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ وخَصَّ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ: النَّخْلِ والعِنَبِ، والزَّيْتُونِ؛ لِأنَّها أكْرَمُ الشَّجَرِ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ووَصَفَ النَّخْلَ والعِنَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها﴾ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّ ثَمَرَهُما جامِعٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ أنَّهُ فاكِهَةٌ يُتَفَكَّهُ بِها، وطَعامٌ يُؤْكَلُ رَطْبًا ويابِسًا رُطَبًا وعِنَبًا وتَمْرًا وزَبِيبًا، والزَّيْتُونَ بِأنَّ دُهْنَهُ صالِحٌ لِلِاسْتِصْباحِ والِاصْطِباغِ جَمِيعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَةٍ يَحْتَرِفُها، ومِن صَنْعَةٍ يَغْتَلُّها، ومِن تِجارَةٍ يَتَرَبَّحُ بِها يَعْنُونَ أنَّها طُعْمَتُهُ وجِهَتُهُ الَّتِي مِنها يُحِصِّلُ رِزْقَهُ. كَأنَّهُ قالَ: وهَذِهِ الجَنّاتُ وُجُوهُ أرْزاقِكم ومَعايِشِكم مِنها تَرْتَزِقُونَ وتَتَعَيَّشُونَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: وذَكَرَ النَّخِيلَ والأعْنابَ؛ لِأنَّها ثَمَرَةُ الحِجازِ بِالطّائِفِ والمَدِينَةِ وغَيْرِهِما، والضَّمِيرُ في (ولَكم فِيها) عائِدٌ عَلى الجَنّاتِ، وهو أعَمُّ لِسائِرِ الثَّمَراتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ. وعَطَفَ ﴿وشَجَرَةً﴾ عَلى ”جَنّاتٍ“، وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ وهي كَثِيرَةٌ بِالشّامِ. وقالَ الجُمْهُورُ ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ الجَبَلِ، كَما تَقُولُ: جَبَلُ أُحُدٍ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿سَيْناءَ﴾ مُبارَكٌ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ الحَسَنُ، والقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ الحَسَنُ بِالحَبَشَةِ. وقِيلَ: بِالنَّبَطِيَّةِ. وقالَ مَعْمَرٌ عَنْ فِرْقَةٍ: مَعْناهُ ذُو شَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ حِجارَةٍ بِعَيْنِها أُضِيفَ الجَبَلُ إلَيْها لِوُجُودِها عِنْدَهُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي لُغَةٌ (p-٤٠١)لِبَنِي كِنانَةَ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ سائِرِ العَرَبِ. وقَرَأ سَيْنى مَقْصُورًا وبِفَتْحِ السِّينِ، والأصَحُّ أنَّ ﴿سَيْناءَ﴾ اسْمُ بُقْعَةٍ وأنَّهُ لَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّناءِ؛ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ سَيْناءُ عَرَبِيَّ الوَضْعِ؛ لِأنَّ نُونَ السَّناءِ عَيْنُ الكَلِمَةِ وعَيْنَ سَيْناءَ ياءٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَنْبُتُ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الباءِ، والباءُ في ﴿بِالدُّهْنِ﴾ عَلى هَذا باءُ الحالِ، أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ مَصْحُوبَةً ﴿بِالدُّهْنِ﴾ أيْ ومَعَها الدُّهْنُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وسَلّامٌ، وسَهْلٌ، ورُوَيْسٌ، والجَحْدَرِيُّ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ، فَقِيلَ: ﴿بِالدُّهْنِ﴾ مَفْعُولٌ، والباءُ زائِدَةٌ، التَّقْدِيرُ تُنْبِتُ الدُّهْنَ. وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ جَناها، و﴿بِالدُّهْنِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ أيْ تُنْبِتُ جَناها ومَعَهُ الدُّهْنُ. وقِيلَ: أنْبَتَ لازِمٌ كَنَبَتَ فَتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَتَّهِمُ مَن رَوى في بَيْتِ زُهَيْرٍ: ؎قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ بِلَفْظِ أنْبَتَ. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الباءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(بِالدُّهْنِ) حالٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ الدُّهْنَ، بِالنَّصْبِ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ والأشْهَبُ بِالدِّهانِ، بِالألِفِ، وما رَوَوْا مِن قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”يَخْرُجُ الدُّهْنُ“، وقِراءَةِ أُبَيٍّ ”تُثْمِرُ بِالدُّهْنِ“ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْسِيرِ؛ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ؛ ولِأنَّ الرِّوايَةَ الثّابِتَةَ عَنْهُما كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، والصِّبْغُ الغَمْسُ والِائْتِدامُ. وقالَ مُقاتِلٌ: الصِّبْغُ الزَّيْتُونُ، والدُّهْنُ الزَّيْتُ، جَعَلَ تَعالى في هَذِهِ الشَّجَرَةِ تَأدُّمًا ودُهْنًا. وقالَ الكَرْمانِيُّ: القِياسُ أنْ يَكُونَ الصِّبْغُ غَيْرَ الدُّهْنِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وصِبْغًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وصِباغٍ بِالألِفِ، فالنَّصْبُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿بِالدُّهْنِ﴾ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، والصِّباغُ كالدَّبْغِ والدِّباغِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ ومَتاعًا ﴿لِلْآكِلِينَ﴾ كَأنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ الصِّبْغِ. ذَكَرَ تَعالى شَرَفَ مَقَرِّ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ نَجِيَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ذَكَرَ ما فِيها مِنَ الدُّهْنِ والصِّبْغِ ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، قِيلَ: وهي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في النَّحْلِ. ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ مِنَ الحَمْلِ والرُّكُوبِ والحَرْثِ والِانْتِفاعِ بِجُلُودِها وأوْبارِها، ونَبَّهَ عَلى غَزارَةِ فَوائِدِها وألْزامِها وهو الشُّرْبُ والأكْلُ، وأدْرَجَ باقِيَ المَنافِعِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَكادُ تَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ الأنْعامِ، وهو الحَمْلُ عَلَيْها وقَرَنَها بِالفُلْكِ؛ لِأنَّها سَفائِنُ البَرِّ كَما أنَّ ﴿الفُلْكِ﴾ سَفائِنُ البَحْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها يُرِيدُ صَيْدَحَ ناقَتَهُ.

المؤمنون 23:21

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورٍ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وانْتِهاءَ أمْرِهِ ذَكَّرَهُ بِنِعَمِهِ، و﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ السَّماواتُ، قِيلَ لَها طَرائِقُ لِتَطارُقِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ، طارَقَ النَّعْلَ جَعَلَهُ عَلى نَعْلٍ، وطارَقَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ لَبِسَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ؛ قالَهُ الخَلِيلُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَقَوْلِهِ: ﴿طِباقًا﴾ [الملك: ٣] . وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ المَلائِكَةِ في العُرُوجِ. وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ في الكَواكِبِ في مَسِيرِها. وقِيلَ: لِأنَّ لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقَةً وهَيْئَةً غَيْرَ هَيْئَةِ الأُخْرى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الطَّرائِقُ بِمَعْنى المَبْسُوطاتِ مِن طَرَقْتُ الشَّيْءَ. (وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ) نَفى تَعالى عَنْهُ الغَفْلَةَ عَنْ خَلْقِهِ، وهو ما خَلَقَهُ تَعالى فَهو حافِظُ السَّماواتِ مِنَ السُّقُوطِ وحافِظُ عِبادِهِ بِما يُصْلِحُهم، أيْ هم بِمَرْأًى مِنّا نُدَبِّرُهم كَما نَشاءُ ﴿بِقَدَرٍ﴾ بِتَقْدِيرٍ مِنّا ﴿مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ بِحَسَبِ حاجاتِ الخَلْقِ ومَصالِحِهِمْ. ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْنا مَقَرَّهُ في الأرْضِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الجَنَّةِ خَمْسَةَ أنْهارٍ: جَيْحُونُ، وسَيْحُونُ، ودِجْلَةُ، والفُراتُ، والنِّيلُ. وفي قَوْلِهِ ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَقَرَّ ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ هو في الأرْضِ، فَمِنهُ الأنْهارُ والعُيُونُ والآبارُ، وكَما أنْزَلَهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ هو قادِرٌ عَلى إذْهابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ مِن أوْقَعِ النَّكِراتِ وأحَزِّها لِلْمَفْصِلِ والمَعْنى عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الذَّهابِ بِهِ وطَرِيقٍ مِن طُرُقِهِ، انْتَهى. و﴿ذَهابٌ﴾ مَصْدَرُ ذَهَبَ، والباءُ في (بِهِ) لِلتَّعْدِيَةِ مُرادِفَةٌ لِلْهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ لَأذْهَبَ سَمْعَهم. وفي ذَلِكَ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ أيْ في قُدْرَتِنا إذْهابُهُ فَتَهْلِكُونَ بِالعَطَشِ أنْتُمْ ومَواشِيكم، وهَذا أبْلَغُ في الإيعادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا وهو مِنَ السَّماءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقَيَّدَ هَذا بِالعَذابِ وإلّا فالأُجاجُ ثابِتٌ في الأرْضِ مَعَ القَحْطِ والعَذْبُ يَقِلُّ مَعَ القَحْطِ، وأيْضًا فالأحادِيثُ تَقْتَضِي الماءَ الَّذِي كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ في الأرْضِ ماءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ، انْتَهى. وقِيلَ: ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ أصْلُهُ مِنَ البَحْرِ، رَفَعَهُ تَعالى بِلُطْفِهِ وحُسْنِ تَقْدِيرِهِ مِنَ البَحْرِ إلى السَّماءِ حَتّى طابَ بِذَلِكَ الرَّفْعِ والتَّصْعِيدِ، ثُمَّ أنْزَلَهُ إلى الأرْضِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ، ولَوْ كانَ باقِيًا عَلى حالِهِ ما انْتُفِعَ بِهِ مِن مُلُوحَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الماءِ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ وخَصَّ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ: النَّخْلِ والعِنَبِ، والزَّيْتُونِ؛ لِأنَّها أكْرَمُ الشَّجَرِ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ووَصَفَ النَّخْلَ والعِنَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها﴾ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّ ثَمَرَهُما جامِعٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ أنَّهُ فاكِهَةٌ يُتَفَكَّهُ بِها، وطَعامٌ يُؤْكَلُ رَطْبًا ويابِسًا رُطَبًا وعِنَبًا وتَمْرًا وزَبِيبًا، والزَّيْتُونَ بِأنَّ دُهْنَهُ صالِحٌ لِلِاسْتِصْباحِ والِاصْطِباغِ جَمِيعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَةٍ يَحْتَرِفُها، ومِن صَنْعَةٍ يَغْتَلُّها، ومِن تِجارَةٍ يَتَرَبَّحُ بِها يَعْنُونَ أنَّها طُعْمَتُهُ وجِهَتُهُ الَّتِي مِنها يُحِصِّلُ رِزْقَهُ. كَأنَّهُ قالَ: وهَذِهِ الجَنّاتُ وُجُوهُ أرْزاقِكم ومَعايِشِكم مِنها تَرْتَزِقُونَ وتَتَعَيَّشُونَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: وذَكَرَ النَّخِيلَ والأعْنابَ؛ لِأنَّها ثَمَرَةُ الحِجازِ بِالطّائِفِ والمَدِينَةِ وغَيْرِهِما، والضَّمِيرُ في (ولَكم فِيها) عائِدٌ عَلى الجَنّاتِ، وهو أعَمُّ لِسائِرِ الثَّمَراتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ. وعَطَفَ ﴿وشَجَرَةً﴾ عَلى ”جَنّاتٍ“، وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ وهي كَثِيرَةٌ بِالشّامِ. وقالَ الجُمْهُورُ ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ الجَبَلِ، كَما تَقُولُ: جَبَلُ أُحُدٍ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿سَيْناءَ﴾ مُبارَكٌ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ الحَسَنُ، والقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ الحَسَنُ بِالحَبَشَةِ. وقِيلَ: بِالنَّبَطِيَّةِ. وقالَ مَعْمَرٌ عَنْ فِرْقَةٍ: مَعْناهُ ذُو شَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ حِجارَةٍ بِعَيْنِها أُضِيفَ الجَبَلُ إلَيْها لِوُجُودِها عِنْدَهُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي لُغَةٌ (p-٤٠١)لِبَنِي كِنانَةَ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ سائِرِ العَرَبِ. وقَرَأ سَيْنى مَقْصُورًا وبِفَتْحِ السِّينِ، والأصَحُّ أنَّ ﴿سَيْناءَ﴾ اسْمُ بُقْعَةٍ وأنَّهُ لَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّناءِ؛ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ سَيْناءُ عَرَبِيَّ الوَضْعِ؛ لِأنَّ نُونَ السَّناءِ عَيْنُ الكَلِمَةِ وعَيْنَ سَيْناءَ ياءٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَنْبُتُ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الباءِ، والباءُ في ﴿بِالدُّهْنِ﴾ عَلى هَذا باءُ الحالِ، أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ مَصْحُوبَةً ﴿بِالدُّهْنِ﴾ أيْ ومَعَها الدُّهْنُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وسَلّامٌ، وسَهْلٌ، ورُوَيْسٌ، والجَحْدَرِيُّ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ، فَقِيلَ: ﴿بِالدُّهْنِ﴾ مَفْعُولٌ، والباءُ زائِدَةٌ، التَّقْدِيرُ تُنْبِتُ الدُّهْنَ. وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ جَناها، و﴿بِالدُّهْنِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ أيْ تُنْبِتُ جَناها ومَعَهُ الدُّهْنُ. وقِيلَ: أنْبَتَ لازِمٌ كَنَبَتَ فَتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَتَّهِمُ مَن رَوى في بَيْتِ زُهَيْرٍ: ؎قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ بِلَفْظِ أنْبَتَ. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الباءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(بِالدُّهْنِ) حالٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ الدُّهْنَ، بِالنَّصْبِ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ والأشْهَبُ بِالدِّهانِ، بِالألِفِ، وما رَوَوْا مِن قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”يَخْرُجُ الدُّهْنُ“، وقِراءَةِ أُبَيٍّ ”تُثْمِرُ بِالدُّهْنِ“ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْسِيرِ؛ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ؛ ولِأنَّ الرِّوايَةَ الثّابِتَةَ عَنْهُما كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، والصِّبْغُ الغَمْسُ والِائْتِدامُ. وقالَ مُقاتِلٌ: الصِّبْغُ الزَّيْتُونُ، والدُّهْنُ الزَّيْتُ، جَعَلَ تَعالى في هَذِهِ الشَّجَرَةِ تَأدُّمًا ودُهْنًا. وقالَ الكَرْمانِيُّ: القِياسُ أنْ يَكُونَ الصِّبْغُ غَيْرَ الدُّهْنِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وصِبْغًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وصِباغٍ بِالألِفِ، فالنَّصْبُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿بِالدُّهْنِ﴾ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، والصِّباغُ كالدَّبْغِ والدِّباغِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ ومَتاعًا ﴿لِلْآكِلِينَ﴾ كَأنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ الصِّبْغِ. ذَكَرَ تَعالى شَرَفَ مَقَرِّ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ نَجِيَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ذَكَرَ ما فِيها مِنَ الدُّهْنِ والصِّبْغِ ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، قِيلَ: وهي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في النَّحْلِ. ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ مِنَ الحَمْلِ والرُّكُوبِ والحَرْثِ والِانْتِفاعِ بِجُلُودِها وأوْبارِها، ونَبَّهَ عَلى غَزارَةِ فَوائِدِها وألْزامِها وهو الشُّرْبُ والأكْلُ، وأدْرَجَ باقِيَ المَنافِعِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَكادُ تَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ الأنْعامِ، وهو الحَمْلُ عَلَيْها وقَرَنَها بِالفُلْكِ؛ لِأنَّها سَفائِنُ البَرِّ كَما أنَّ ﴿الفُلْكِ﴾ سَفائِنُ البَحْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها يُرِيدُ صَيْدَحَ ناقَتَهُ.

المؤمنون 23:22

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورٍ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . (p-٤٠٠)لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - ابْتِداءَ خَلْقِ الإنْسانِ وانْتِهاءَ أمْرِهِ ذَكَّرَهُ بِنِعَمِهِ، و﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ السَّماواتُ، قِيلَ لَها طَرائِقُ لِتَطارُقِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ، طارَقَ النَّعْلَ جَعَلَهُ عَلى نَعْلٍ، وطارَقَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ لَبِسَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ؛ قالَهُ الخَلِيلُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ كَقَوْلِهِ: ﴿طِباقًا﴾ [الملك: ٣] . وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ المَلائِكَةِ في العُرُوجِ. وقِيلَ: لِأنَّها طَرائِقُ في الكَواكِبِ في مَسِيرِها. وقِيلَ: لِأنَّ لِكُلِّ سَماءٍ طَرِيقَةً وهَيْئَةً غَيْرَ هَيْئَةِ الأُخْرى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الطَّرائِقُ بِمَعْنى المَبْسُوطاتِ مِن طَرَقْتُ الشَّيْءَ. (وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ) نَفى تَعالى عَنْهُ الغَفْلَةَ عَنْ خَلْقِهِ، وهو ما خَلَقَهُ تَعالى فَهو حافِظُ السَّماواتِ مِنَ السُّقُوطِ وحافِظُ عِبادِهِ بِما يُصْلِحُهم، أيْ هم بِمَرْأًى مِنّا نُدَبِّرُهم كَما نَشاءُ ﴿بِقَدَرٍ﴾ بِتَقْدِيرٍ مِنّا ﴿مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ بِحَسَبِ حاجاتِ الخَلْقِ ومَصالِحِهِمْ. ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْنا مَقَرَّهُ في الأرْضِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الجَنَّةِ خَمْسَةَ أنْهارٍ: جَيْحُونُ، وسَيْحُونُ، ودِجْلَةُ، والفُراتُ، والنِّيلُ. وفي قَوْلِهِ ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَقَرَّ ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ هو في الأرْضِ، فَمِنهُ الأنْهارُ والعُيُونُ والآبارُ، وكَما أنْزَلَهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ هو قادِرٌ عَلى إذْهابِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ مِن أوْقَعِ النَّكِراتِ وأحَزِّها لِلْمَفْصِلِ والمَعْنى عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الذَّهابِ بِهِ وطَرِيقٍ مِن طُرُقِهِ، انْتَهى. و﴿ذَهابٌ﴾ مَصْدَرُ ذَهَبَ، والباءُ في (بِهِ) لِلتَّعْدِيَةِ مُرادِفَةٌ لِلْهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ لَأذْهَبَ سَمْعَهم. وفي ذَلِكَ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ أيْ في قُدْرَتِنا إذْهابُهُ فَتَهْلِكُونَ بِالعَطَشِ أنْتُمْ ومَواشِيكم، وهَذا أبْلَغُ في الإيعادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا وهو مِنَ السَّماءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقَيَّدَ هَذا بِالعَذابِ وإلّا فالأُجاجُ ثابِتٌ في الأرْضِ مَعَ القَحْطِ والعَذْبُ يَقِلُّ مَعَ القَحْطِ، وأيْضًا فالأحادِيثُ تَقْتَضِي الماءَ الَّذِي كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ في الأرْضِ ماءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ، انْتَهى. وقِيلَ: ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ أصْلُهُ مِنَ البَحْرِ، رَفَعَهُ تَعالى بِلُطْفِهِ وحُسْنِ تَقْدِيرِهِ مِنَ البَحْرِ إلى السَّماءِ حَتّى طابَ بِذَلِكَ الرَّفْعِ والتَّصْعِيدِ، ثُمَّ أنْزَلَهُ إلى الأرْضِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ، ولَوْ كانَ باقِيًا عَلى حالِهِ ما انْتُفِعَ بِهِ مِن مُلُوحَتِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى نِعْمَةَ الماءِ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ وخَصَّ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ: النَّخْلِ والعِنَبِ، والزَّيْتُونِ؛ لِأنَّها أكْرَمُ الشَّجَرِ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ووَصَفَ النَّخْلَ والعِنَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها﴾ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّ ثَمَرَهُما جامِعٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ أنَّهُ فاكِهَةٌ يُتَفَكَّهُ بِها، وطَعامٌ يُؤْكَلُ رَطْبًا ويابِسًا رُطَبًا وعِنَبًا وتَمْرًا وزَبِيبًا، والزَّيْتُونَ بِأنَّ دُهْنَهُ صالِحٌ لِلِاسْتِصْباحِ والِاصْطِباغِ جَمِيعًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَةٍ يَحْتَرِفُها، ومِن صَنْعَةٍ يَغْتَلُّها، ومِن تِجارَةٍ يَتَرَبَّحُ بِها يَعْنُونَ أنَّها طُعْمَتُهُ وجِهَتُهُ الَّتِي مِنها يُحِصِّلُ رِزْقَهُ. كَأنَّهُ قالَ: وهَذِهِ الجَنّاتُ وُجُوهُ أرْزاقِكم ومَعايِشِكم مِنها تَرْتَزِقُونَ وتَتَعَيَّشُونَ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: وذَكَرَ النَّخِيلَ والأعْنابَ؛ لِأنَّها ثَمَرَةُ الحِجازِ بِالطّائِفِ والمَدِينَةِ وغَيْرِهِما، والضَّمِيرُ في (ولَكم فِيها) عائِدٌ عَلى الجَنّاتِ، وهو أعَمُّ لِسائِرِ الثَّمَراتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ. وعَطَفَ ﴿وشَجَرَةً﴾ عَلى ”جَنّاتٍ“، وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ وهي كَثِيرَةٌ بِالشّامِ. وقالَ الجُمْهُورُ ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ الجَبَلِ، كَما تَقُولُ: جَبَلُ أُحُدٍ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿سَيْناءَ﴾ مُبارَكٌ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ الحَسَنُ، والقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ الحَسَنُ بِالحَبَشَةِ. وقِيلَ: بِالنَّبَطِيَّةِ. وقالَ مَعْمَرٌ عَنْ فِرْقَةٍ: مَعْناهُ ذُو شَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿سَيْناءُ﴾ اسْمُ حِجارَةٍ بِعَيْنِها أُضِيفَ الجَبَلُ إلَيْها لِوُجُودِها عِنْدَهُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي لُغَةٌ (p-٤٠١)لِبَنِي كِنانَةَ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وباقِي السَّبْعَةِ بِالفَتْحِ، وهي لُغَةُ سائِرِ العَرَبِ. وقَرَأ سَيْنى مَقْصُورًا وبِفَتْحِ السِّينِ، والأصَحُّ أنَّ ﴿سَيْناءَ﴾ اسْمُ بُقْعَةٍ وأنَّهُ لَيْسَ مُشْتَقًّا مِنَ السَّناءِ؛ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ سَيْناءُ عَرَبِيَّ الوَضْعِ؛ لِأنَّ نُونَ السَّناءِ عَيْنُ الكَلِمَةِ وعَيْنَ سَيْناءَ ياءٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَنْبُتُ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الباءِ، والباءُ في ﴿بِالدُّهْنِ﴾ عَلى هَذا باءُ الحالِ، أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ مَصْحُوبَةً ﴿بِالدُّهْنِ﴾ أيْ ومَعَها الدُّهْنُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وسَلّامٌ، وسَهْلٌ، ورُوَيْسٌ، والجَحْدَرِيُّ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ، فَقِيلَ: ﴿بِالدُّهْنِ﴾ مَفْعُولٌ، والباءُ زائِدَةٌ، التَّقْدِيرُ تُنْبِتُ الدُّهْنَ. وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ﴿تَنْبُتُ﴾ جَناها، و﴿بِالدُّهْنِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ أيْ تُنْبِتُ جَناها ومَعَهُ الدُّهْنُ. وقِيلَ: أنْبَتَ لازِمٌ كَنَبَتَ فَتَكُونُ الباءُ لِلْحالِ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَتَّهِمُ مَن رَوى في بَيْتِ زُهَيْرٍ: ؎قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ بِلَفْظِ أنْبَتَ. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الباءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(بِالدُّهْنِ) حالٌ. وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ الدُّهْنَ، بِالنَّصْبِ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ والأشْهَبُ بِالدِّهانِ، بِالألِفِ، وما رَوَوْا مِن قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”يَخْرُجُ الدُّهْنُ“، وقِراءَةِ أُبَيٍّ ”تُثْمِرُ بِالدُّهْنِ“ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْسِيرِ؛ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ؛ ولِأنَّ الرِّوايَةَ الثّابِتَةَ عَنْهُما كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، والصِّبْغُ الغَمْسُ والِائْتِدامُ. وقالَ مُقاتِلٌ: الصِّبْغُ الزَّيْتُونُ، والدُّهْنُ الزَّيْتُ، جَعَلَ تَعالى في هَذِهِ الشَّجَرَةِ تَأدُّمًا ودُهْنًا. وقالَ الكَرْمانِيُّ: القِياسُ أنْ يَكُونَ الصِّبْغُ غَيْرَ الدُّهْنِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وصِبْغًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وصِباغٍ بِالألِفِ، فالنَّصْبُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿بِالدُّهْنِ﴾ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، والصِّباغُ كالدَّبْغِ والدِّباغِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ ومَتاعًا ﴿لِلْآكِلِينَ﴾ كَأنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ الصِّبْغِ. ذَكَرَ تَعالى شَرَفَ مَقَرِّ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ نَجِيَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ذَكَرَ ما فِيها مِنَ الدُّهْنِ والصِّبْغِ ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، قِيلَ: وهي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في النَّحْلِ. ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ مِنَ الحَمْلِ والرُّكُوبِ والحَرْثِ والِانْتِفاعِ بِجُلُودِها وأوْبارِها، ونَبَّهَ عَلى غَزارَةِ فَوائِدِها وألْزامِها وهو الشُّرْبُ والأكْلُ، وأدْرَجَ باقِيَ المَنافِعِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ ما تَكادُ تَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ الأنْعامِ، وهو الحَمْلُ عَلَيْها وقَرَنَها بِالفُلْكِ؛ لِأنَّها سَفائِنُ البَرِّ كَما أنَّ ﴿الفُلْكِ﴾ سَفائِنُ البَحْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها يُرِيدُ صَيْدَحَ ناقَتَهُ.

المؤمنون 23:23

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:24

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:25

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:26

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:27

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:28

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:29

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:30

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:31

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:32

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:33

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:34

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:35

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . (p-٤٠٢)لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا بَدْءَ الإنْسانِ وتَطَوُّرَهُ في تِلْكَ الأطْوارِ، وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِمّا جَعَلَهُ تَعالى سَبَبًا لِحَياتِهِمْ، وإدْراكِ مَقاصِدِهِمْ، ذَكَرَ أمْثالًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُنْكِرَةِ لِإرْسالِ اللَّهِ رُسُلًا المُكَذِّبَةِ بِما جاءَتْهم بِهِ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ، فابْتَدَأ قِصَّةَ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ الثّانِي، كَما ذَكَرَ أوَّلًا آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، ولِقِصَّتِهِ أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما قَبْلَها إذْ قَبْلَها ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَن صَنَعَ الفُلْكَ أوَّلًا، وأنَّهُ كانَ سَبَبَ نَجاةِ مَن آمَنَ، وهَلَكَ مَن لَمْ يَكُنْ في الفُلْكِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ يُحَذِّرُ بِها قُرَيْشًا نِقَمَ اللَّهِ ويُذَكِّرُهم نِعَمَهُ. ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ مَن كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّها تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أفَلا تَخافُونَ عُقُوبَتَهُ إذا عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿فَقالَ المَلَأُ﴾ أيْ كُبَراءُ النّاسِ وعُظَماؤُهم، وهُمُ الَّذِينَ هم أعْصى النّاسِ وأبْعَدُهم لِقَبُولِ الخَيْرِ. ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ مُساوِيكم في البَشَرِيَّةِ. ”فَأنّى تُؤْفَكُونَ“ لَهُ اخْتِصاصٌ بِالرِّسالَةِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبَ الفَضْلَ عَلَيْكم ويَرْأسَكم كَقَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالمَلائِكَةِ وهَذِهِ شِنْشِنَةُ قُرَيْشٍ ودَأْبُها في اسْتِبْعادِ إرْسالِ اللَّهِ البَشَرَ، والإشارَةُ في هَذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ تَكُونَ إلى ما كَلَّمَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ورَفْضِ أصْنامِهِمْ، وأنْ يَكُونَ إلى ما أتى بِهِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وهو بَشَرٌ، وأعْجِبْ بِضَلالِ هَؤُلاءِ اسْتَبْعَدُوا رِسالَةَ البَشَرِ واعْتَقَدُوا إلَهِيَّةَ الحَجَرِ. وقَوْلُهم: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾، الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا مُباهِتِينَ وإلّا فَنُبُوَّةُ إدْرِيسَ وآدَمَ لَمْ تَكُنِ المُدَّةُ بَيْنَها وبَيْنَهم مُتَطاوِلَةً بِحَيْثُ تُنْسى فَدافَعُوا الحَقَّ بِما أمْكَنَهم دِفاعُهُ، ولِهَذا قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ومَعْلُومٌ عِنْدَهم أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيِ انْتَظِرُوا حالَهُ حَتّى يُجَلّى أمْرُهُ وعاقِبَةُ خَبَرِهِ. فَدَعا رَبَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْصُرَهُ ويُظْفِرَهُ بِهِمْ بِسَبَبِ ما كَذَّبُوهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلَ ما كَذَّبُونِ كَما تَقُولُ: هَذا بِذاكَ أيْ بَدَلُ ذاكَ ومَكانُهُ، والمَعْنى أبْدِلْنِي مِن غَمِّ تَكْذِيبِهِمْ سَلْوَةَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْصُرْنِي بِإنْجازِ ما وعَدْتَهم مِنَ العَذابِ، وهو ما كَذَّبُوهُ فِيهِ حِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]، انْتَهى. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّ احْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١٢] بِضَمِّ الباءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أكْثَرِ تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ هُودٍ، ونَهاهُ تَعالى أنْ يُخاطِبَهُ في قَوْمِهِ بِدُعاءِ نَجاةٍ أوْ غَيْرِهِ وبَيَّنَ عِلَّةَ النَّهْيِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، وأمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى نَجاتِهِ وهَلاكِهِمْ، وكانَ الأمْرُ لَهُ وحْدَهُ وإنْ كانَ الشَّرْطُ قَدْ شَمَلَهُ ومَن مَعَهُ؛ لِأنَّهُ نَبِيُّهم وإمامُهم وهم مُتَّبِعُوهُ في ذَلِكَ إذْ هو قُدْوَتُهم. قالَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَضْلِ النُّبُوَّةِ وإظْهارِ كِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ رُتْبَةَ تِلْكَ المُخاطَبَةِ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ، انْتَهى. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُ بِأنَّهُ يُنْزِلُهُ ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾، قِيلَ: وقالَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُنْزَلًا﴾ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ فَجازَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ومَكانًا أيْ إنْزالًا أوْ مَوْضِعَ إنْزالٍ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبّانُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، أيْ مَكانَ نُزُولٍ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ: إنَّ في ما جَرى عَلى هَذِهِ - أُمَّةِ نُوحٍ - لِدَلائِلَ وعِبَرًا. ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ لَمُصِيبِينَ قَوْمَ نُوحٍ بِبَلاءٍ عَظِيمٍ، أوْ لَمُخْتَبِرِينَ بِهَذِهِ الآياتِ عِبادَنا لِيَعْتَبِرُوا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] .(p-٤٠٣)

المؤمنون 23:36

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ، يُظْهِرُ أنَّ هَؤُلاءِ هم قَوْمُ هُودٍ والرَّسُولُ هو هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ والطَّبَرِيُّ: هم ثَمُودُ، والرَّسُولُ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ. وفي آخِرِ القِصَّةِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾، ولَمْ يَأْتِ أنَّ قَوْمَ هُودٍ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، وقِصَّةُ قَوْمِ هُودٍ جاءَتْ في الأعْرافِ، وفي هُودٍ، وفي الشُّعَراءِ، بِإثْرِ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، والأصْلُ في أرْسَلَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى كَإخْوانِهِ وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ وهُنا عُدِّيَ بِفي، جُعِلَتِ الأُمَّةُ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ كَما قالَ رُؤْبَةُ: ؎أرْسَلْتَ فِيها مُصْعَبًا ذا إقْحامِ وجاءَ بَعَثَ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١]، و(أنْ) في: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وجاءَ هُنا: ﴿وقالَ المَلَأُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] بِالواوِ. وفي الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ في قَصَّتِهِ بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ في الواوِ العَطْفَ عَلى ما قالَهُ، أيِ اجْتَمَعَ قَوْلُهُ الَّذِي هو حَقٌّ وقَوْلُهُمُ الَّذِي هو باطِلٌ كَأنَّهُ إخْبارٌ بِتَبايُنِ الحالَيْنِ والَّتِي بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِئْنافَ، وكَأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ فَما كانَ قَوْلُهم لَهُ قالَ قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ. (بِلِقاءِ الآخِرَةِ) أيْ بِلِقاءِ الجَزاءِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ فِيها. ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ بَسَطْنا لَهُمُ الآمالَ والأرْزاقَ ونَعَّمْناهم، واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، وكانَ العَطْفُ مُشْعِرًا بِغَلَبَةِ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُنا نَعَّمْناهم وأحْسَنّا إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ وأنْ يُقابِلُوا نِعْمَتَنا بِالإيمانِ وتَصْدِيقِ مَن أرْسَلْتُهُ إلَيْهِمْ، وأنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ وقَدْ ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في هَذِهِ الحالِ، ويَئُولُ هَذا المَعْنى إلى المَعْنى الأوَّلِ، أيْ: ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في حالِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكْفُرُوا وأنْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ لِرُسُلِي. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] تَحْقِيقٌ لِلْبَشَرِيَّةِ وحُكْمٌ بِالتَّساوِي بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وأنْ لا (p-٤٠٤)مَزِيَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وأنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ، وهو اتِّحادُ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ كَقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِالَّذِي مَرَرْتَ، وحَسَّنَ هَذا الحَذْفَ ورَجَّحَهُ كَوْنُ ﴿تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فاصِلَةً؛ ولِدَلالَةِ مِنهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] وفي التَّحْرِيرِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] عَلى حَذْفٍ أيْ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ولا يُحْتاجُ إلى حَذْفٍ ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّ ما إذا كانَتْ مَصْدَرًا لَمْ تَحْتَجْ إلى عائِدٍ، فَإنْ جَعَلْتَها بِمَعْنى الَّذِي حَذَفْتَ المَفْعُولَ ولَمْ تَحْتَجْ إلى إضْمارِ مِن. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ ضَمِيرًا مُتَّصِلًا وشُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى قاعِدَةِ البَصْرِيِّينَ إلّا أنَّهُ يُفَوِّتُ فَصاحَةَ مُعادَلَةِ التَّرْكِيبِ؛ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فَعَدّاهُ بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ، فالمُعادَلَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، فَلَوْ كانَ التَّرْكِيبُ مِمّا تَأْكُلُونَهُ لَكانَ تَقْدِيرُ تَشْرَبُونَهُ هو الرّاجِحَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُذِفَ الضَّمِيرُ، والمَعْنى مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، انْتَهى. فَقَوْلُهُ حُذِفَ الضَّمِيرُ مَعْناهُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: مَشْرُوبُكم؛ لِأنَّ الَّذِي تَشْرَبُونَهُ هو مَشْرُوبُكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (إذا) واقِعٌ في جَزاءِ الشَّرْطِ وجَوابٌ لِلَّذِينِ قاوَلُوهم مِن قَوْمِهِمْ، أيْ تَخْسَرُونَ عُقُولَكم وتُغْبَنُونَ في آبائِكم. انْتَهى. ولَيْسَ (إذا) واقِعًا في جَزاءِ الشَّرْطِ بَلْ واقِعٌ بَيْنَ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرِ و﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ لَيْسَ جَزاءً لِلشَّرْطِ بَلْ ذَلِكَ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ إنَّ المُوَطِّئَةِ، ولَوْ كانَتْ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ جَوابًا لِلشَّرْطِ لَلَزِمَتِ الفاءُ في ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤]، بَلْ لَوْ كانَ بِالفاءِ في تَرْكِيبٍ غَيْرِ القُرْآنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ جائِزًا إلّا عِنْدَ الفَرّاءِ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَهُ، وهو عِنْدَهم خَطَأٌ. واخْتَلَفَ المُعْرِبُونَ في تَخْرِيجِ (إنَّكم) الثّانِيَةِ، والمَنقُولُ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنْ (إنَّكم) بَدَلٌ مِنَ الأُولى، وفِيها مَعْنى التَّأْكِيدِ، وخَبَرُ (إنَّكم) الأُولى مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ (إنَّكم ﴿) تُبْعَثُونَ (﴾ [المؤمنون: ١٦] إذا مِتُّمْ)، وهَذا الخَبَرُ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في (إذا)، وذَهَبَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ إلى أنَّ (إنَّكم) الثّانِيَةَ كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ حَسُنَ التَّكْرارُ، وعَلى هَذا يَكُونُ: ﴿مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرَ (إنَّكم) الأُولى، والعامِلُ في (إذا) هو هَذا الخَبَرُ، وكانَ المُبَرِّدُ يَأْبى البَدَلَ لِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ إذْ لَمْ يُذْكَرْ خَبَرُ إنَّ الأُولى. وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَحْدُثُ إخْراجُكم، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا لِأنَّكم، ويَكُونُ جَوابُ: (إذا) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ المَحْذُوفُ هو خَبَرَ (إنَّكم) ويَكُونَ عامِلًا في (إذا) . وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ المُبَرِّدِ بادِئًا بِهِ فَقالَ: ثَنّى (إنَّكم) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ، وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ جَعَلَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُبْتَدَأً، و﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرًا عَلى مَعْنى إخْراجِكم إذا مِتُّمْ، ثُمَّ أخْبَرَ بِالجُمْلَةِ عَنْ (أنَّكم)، انْتَهى. وهَذا تَخْرِيجٌ سَهْلٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ. قالَ: أوْ رَفَعَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِفِعْلٍ، هو جَزاءُ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: (إذا مِتُّمْ) وقَعَ إخْراجُكم. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ إلّا أنَّهُ حَتَّمَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا عَنْ: (أنَّكم)، ونَحْنُ جَوَّزْنا في قَوْلِ الأخْفَشِ هَذا الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرُ (أنَّكم) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ وهو العامِلُ في: (إذا)، وفى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿أيَعِدُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، ﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِإسْقاطِ (أنَّكم) الأُولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ بِفَتْحِ التّاءَيْنِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما مُنَوَّنَتَيْنِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِ خالِدِ بْنِ إلْياسَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وعَنْهُ عَنِ الأحْمَرِ بِالضَّمِّ والتَّنْوِينِ وافَقَهُ أأبُو السِّماكِ في الأوَّلِ وخالَفَهُ في الثّانِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِيسى وهي في تَمِيمٍ وأسَدٍ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ خالِدِ بْنِ إلْياسَ بِكَسْرِهِما (p-٤٠٥)والتَّنْوِينِ. وقَرَأ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْرَجِ وعِيسى أيْضًا بِإسْكانِهِما، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَلاعَبَتْ بِها العَرَبُ تَلاعُبًا كَبِيرًا بِالحَذْفِ والإبْدالِ والتَّنْوِينِ وغَيْرِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا في التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ ما يُنَيِّفُ عَلى أرْبَعِينَ لُغَةً، فالَّذِي أخْتارُهُ أنَّها إذا نُوِّنَتْ وكُسِرَتْ أوْ كُسِرَتْ ولَمْ تُنَوَّنْ لا تَكُونُ جَمْعًا لِهَيْهاتٍ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها جَمْعٌ لِهَيْهاتٍ، وكانَ حَقُّها عِنْدَهُ أنْ تَكُونَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ إلّا أنَّ ضَعْفَها لَمْ يَقْتَضِ إظْهارَ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي مِثْلُ بَيْضاتٍ يَعْنِي في أنَّها جَمْعٌ، فَظَنَّ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّهُ أرادَ في اتِّفاقِ المُفْرَدِ، فَقالَ: واحِدُ هَيْهاتَ هَيْهَةٌ، وتَحْرِيرُ هَذا كُلِّهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الكَلِمَةُ غالِبًا إلّا مُكَرَّرَةً، وجاءَتْ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ في قَوْلِ جَرِيرٍ: ؎وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهْ وقَوْلِ رُؤْبَةَ: ؎هَيْهاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤُهُ و﴿هَيْهاتَ﴾ اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَعَدّى بِرَفْعِ الفاعِلِ ظاهِرًا أوْ مُضْمَرًا، وهُنا جاءَ التَّرْكِيبُ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ لَمْ يَظْهَرِ الفاعِلُ فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ هو أيْ إخْراجُكم، وجاءَتِ اللّامُ لِلْبَيانِ أيْ أعْنِي لِما تُوعَدُونَ كَهي بَعْدَ سُقْيًا لَكَ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وبَنَيْتُ المُسْتَبْعَدَ ما هو بَعْدَ اسْمِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى البُعْدِ، كَما جاءَتْ في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لِبَيانِ المُهَيَّتِ بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البُعْدُ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أوْ بُعْدٌ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ كَلامُهُ تَفْسِيرَ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ مَصْدَرِيَّةُ ﴿هَيْهاتَ﴾، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَمَن نَوَّنَهُ نَزَّلَهُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ لَيْسَ بِواضِحٍ؛ لِأنَّهم قَدْ نَوَّنُوا أسْماءَ الأفْعالِ، ولا نَقُولُ إنَّها إذا نُوِّنَتْ تَنَزَّلَتْ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَوْرًا تَلِي الفاعِلَ دُونَ لامٍ تَقُولُ هَيْهاتَ مَجِيءُ زَيْدٍ أيْ بَعُدَ، وأحْيانًا يَكُونُ الفاعِلُ مَحْذُوفًا، وذَلِكَ عِنْدَ اللّامِ كَهَذِهِ الآيَةِ التَّقْدِيرُ بَعْدَ الوُجُودِ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ الفاعِلِ، وفِيهِ أنَّهُ مَصْدَرٌ حُذِفَ وأُبْقِيَ مَعْمُولُهُ ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ شَيْئًا مِن هَذا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا في قِراءَةِ مَن ضَمَّ ونَوَّنَ أنَّهُ اسْمٌ مُعْرَبٌ مُسْتَقِلٌّ، وخَبَرُهُ: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أيِ البُعْدُ لِوَعْدِكم، كَما تَقُولُ: النَّجْحُ لِسَعْيِكَ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَأمّا مَن قالَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ فَرَفَعَ ونَوَّنَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ مُتَمَكِّنَيْنِ مُرْتَفِعَيْنِ بِالِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُما خَبَرَهُما مِن حُرُوفِ الجَرِّ، بِمَعْنى البُعْدِ. ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ والتَّكْرارُ لِلتَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ لِلْفِعْلِ والضَّمُّ لِلْبِناءِ مِثْلُ حَوْبُ في زَجْرِ الإبِلِ لَكِنَّهُ نُوِّنَ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ (ما تُوعَدُونَ) بِغَيْرِ لامٍ وتَكُونُ ما فاعِلَةً بِهَيْهاتَ. وهي قِراءَةٌ واضِحَةٌ. وقالُوا (إنْ هي) هَذا الضَّمِيرُ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ؛ لِأنَّهم قَبْلُ أنْكَرُوا المَعادَ فَقالُوا: ﴿أيَعِدُكم أنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] الآيَةَ، فاسْتَفْهَمُوا اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ وتَوْقِيفٍ واسْتِهْزاءٍ، فَتَضَمَّنَ أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ إنِ الحَياةُ: ﴿إلّا حَياتُنا﴾ الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ: (هي) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْها ويُبَيِّنُها، ومِنهُ هي النَّفْسُ تَتَحَمَّلُ ما حُمِّلَتْ وهي العَرَبُ تَقُولُ ما شاءَتْ، والمَعْنى: لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا؛ لِأنَّ (إنْ) الثّانِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هي) الَّتِي هي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها فَوازَنَتْ لا الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ. ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ يَمُوتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ يَنْقَرِضُ قَرْنٌ ويَأْتِي قَرْنٌ، انْتَهى، ثُمَّ أكَّدُوا ما حَصَرُوهُ مِن أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم وجَزَمُوا بِانْتِفاءِ بَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ لِلْجَزاءِ وهَذا هو كُفْرُ الدَّهْرِيَّةِ، ثُمَّ نَسَبُوهُ إلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ في أنَّهُ نَبَّأهُ وأرْسَلَهُ إلَيْنا وأخْبَرَهُ أنّا نُبْعَثُ. ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ، ولَمّا أيِسَ مِن إيمانِهِمْ ورَأى إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ وطَلَبَ عُقُوبَتَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ عَنْ زَمَنٍ قَلِيلٍ، و(ما) تَوْكِيدٌ لِلْقِلَّةِ و(قَلِيلٍ) صِفَةٌ لِزَمَنٍ مَحْذُوفٍ وفي مَعْناهُ قَرِيبٌ. قِيلَ: أيْ بَعْدَ المَوْتِ تَصِيرُونَ نادِمِينَ. وقِيلَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ وقْتُ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ظُهُورُ عَلاماتِهِ والنَّدامَةِ عَلى تَرْكِ قَبُولِ ما جاءَهم بِهِ رَسُولُهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ (p-٤٠٦)الرُّجُوعُ، واللّامُ في ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ لامُ القَسَمِ، و﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ اللّامِ إمّا بِيُصْبِحُنَّ وإمّا بِنادِمِينَ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ ويُتَسامَحُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِها؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ مَفْعُولًا بِهِ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ لَوْ قُلْتَ: لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، وهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ مِن أنَّ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَ لامِ القَسَمِ هو قَوْلُ بَعْضِ أصْحابِنا، وجُمْهُورُهم عَلى أنَّ لامَ القَسَمِ لا يَتَقَدَّمُ شَيْءٌ مِن مَعْمُولاتِ ما بَعْدَها عَلَيْها، سَواءٌ كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا أوْ غَيْرَهُما، فَعَلى قَوْلِ هو لا يَكُونُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ تُنْصَرُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ قالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ . وذَهَبُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ إلى جَوازِ تَقْدِيمِ مَعْمُولِ ما بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ عَلَيْها مُطْلَقًا. وفي اللَّوامِحِ عَنْ بَعْضِهِمْ لَتُصْبِحُنَّ بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، فَلَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنْ يَصِيرَ القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ إلى الكُفّارِ بَعْدَما أُجِيبَ دُعاؤُهُ لَكانَ جائِزًا - واللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحَ عَلَيْهِمْ فَدَمَّرَهم. ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالوُجُوبِ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَوْجَبُوا الهَلاكَ أوْ بِالعَدْلِ مِنَ اللَّهِ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ شَبَّهَهم بِالغُثاءِ في دَمارِهِمْ، وهو حَمِيلُ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الرَّجْفَةُ. وقِيلَ: هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ. وقِيلَ: العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ زَيْدٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشَنَّتِها عَلى الأذْقانِ وقالَ المُفَضَّلُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ بِما لا مَدْفَعَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ”﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩]“ . وانْتَصَبَ بُعْدًا بِفِعْلٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ أيْ بَعُدُوا بُعْدًا. أيْ هَلَكُوا، يُقالُ بَعِدَ بُعْدًا وبَعَدًا نَحْوَ رَشِدَ رُشْدًا ورَشَدًا. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿لِلْقَوْمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِبُعْدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بَيانٌ لِمَن دُعِيَ عَلَيْهِ بِالبُعْدِ نَحْوُ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] و﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى، فَلا تَتَعَلَّقُ بِبُعْدًا بَلْ بِمَحْذُوفٍ.

المؤمنون 23:37

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ، يُظْهِرُ أنَّ هَؤُلاءِ هم قَوْمُ هُودٍ والرَّسُولُ هو هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ والطَّبَرِيُّ: هم ثَمُودُ، والرَّسُولُ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ. وفي آخِرِ القِصَّةِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾، ولَمْ يَأْتِ أنَّ قَوْمَ هُودٍ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، وقِصَّةُ قَوْمِ هُودٍ جاءَتْ في الأعْرافِ، وفي هُودٍ، وفي الشُّعَراءِ، بِإثْرِ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، والأصْلُ في أرْسَلَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى كَإخْوانِهِ وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ وهُنا عُدِّيَ بِفي، جُعِلَتِ الأُمَّةُ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ كَما قالَ رُؤْبَةُ: ؎أرْسَلْتَ فِيها مُصْعَبًا ذا إقْحامِ وجاءَ بَعَثَ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١]، و(أنْ) في: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وجاءَ هُنا: ﴿وقالَ المَلَأُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] بِالواوِ. وفي الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ في قَصَّتِهِ بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ في الواوِ العَطْفَ عَلى ما قالَهُ، أيِ اجْتَمَعَ قَوْلُهُ الَّذِي هو حَقٌّ وقَوْلُهُمُ الَّذِي هو باطِلٌ كَأنَّهُ إخْبارٌ بِتَبايُنِ الحالَيْنِ والَّتِي بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِئْنافَ، وكَأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ فَما كانَ قَوْلُهم لَهُ قالَ قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ. (بِلِقاءِ الآخِرَةِ) أيْ بِلِقاءِ الجَزاءِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ فِيها. ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ بَسَطْنا لَهُمُ الآمالَ والأرْزاقَ ونَعَّمْناهم، واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، وكانَ العَطْفُ مُشْعِرًا بِغَلَبَةِ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُنا نَعَّمْناهم وأحْسَنّا إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ وأنْ يُقابِلُوا نِعْمَتَنا بِالإيمانِ وتَصْدِيقِ مَن أرْسَلْتُهُ إلَيْهِمْ، وأنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ وقَدْ ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في هَذِهِ الحالِ، ويَئُولُ هَذا المَعْنى إلى المَعْنى الأوَّلِ، أيْ: ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في حالِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكْفُرُوا وأنْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ لِرُسُلِي. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] تَحْقِيقٌ لِلْبَشَرِيَّةِ وحُكْمٌ بِالتَّساوِي بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وأنْ لا (p-٤٠٤)مَزِيَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وأنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ، وهو اتِّحادُ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ كَقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِالَّذِي مَرَرْتَ، وحَسَّنَ هَذا الحَذْفَ ورَجَّحَهُ كَوْنُ ﴿تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فاصِلَةً؛ ولِدَلالَةِ مِنهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] وفي التَّحْرِيرِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] عَلى حَذْفٍ أيْ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ولا يُحْتاجُ إلى حَذْفٍ ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّ ما إذا كانَتْ مَصْدَرًا لَمْ تَحْتَجْ إلى عائِدٍ، فَإنْ جَعَلْتَها بِمَعْنى الَّذِي حَذَفْتَ المَفْعُولَ ولَمْ تَحْتَجْ إلى إضْمارِ مِن. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ ضَمِيرًا مُتَّصِلًا وشُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى قاعِدَةِ البَصْرِيِّينَ إلّا أنَّهُ يُفَوِّتُ فَصاحَةَ مُعادَلَةِ التَّرْكِيبِ؛ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فَعَدّاهُ بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ، فالمُعادَلَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، فَلَوْ كانَ التَّرْكِيبُ مِمّا تَأْكُلُونَهُ لَكانَ تَقْدِيرُ تَشْرَبُونَهُ هو الرّاجِحَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُذِفَ الضَّمِيرُ، والمَعْنى مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، انْتَهى. فَقَوْلُهُ حُذِفَ الضَّمِيرُ مَعْناهُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: مَشْرُوبُكم؛ لِأنَّ الَّذِي تَشْرَبُونَهُ هو مَشْرُوبُكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (إذا) واقِعٌ في جَزاءِ الشَّرْطِ وجَوابٌ لِلَّذِينِ قاوَلُوهم مِن قَوْمِهِمْ، أيْ تَخْسَرُونَ عُقُولَكم وتُغْبَنُونَ في آبائِكم. انْتَهى. ولَيْسَ (إذا) واقِعًا في جَزاءِ الشَّرْطِ بَلْ واقِعٌ بَيْنَ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرِ و﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ لَيْسَ جَزاءً لِلشَّرْطِ بَلْ ذَلِكَ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ إنَّ المُوَطِّئَةِ، ولَوْ كانَتْ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ جَوابًا لِلشَّرْطِ لَلَزِمَتِ الفاءُ في ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤]، بَلْ لَوْ كانَ بِالفاءِ في تَرْكِيبٍ غَيْرِ القُرْآنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ جائِزًا إلّا عِنْدَ الفَرّاءِ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَهُ، وهو عِنْدَهم خَطَأٌ. واخْتَلَفَ المُعْرِبُونَ في تَخْرِيجِ (إنَّكم) الثّانِيَةِ، والمَنقُولُ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنْ (إنَّكم) بَدَلٌ مِنَ الأُولى، وفِيها مَعْنى التَّأْكِيدِ، وخَبَرُ (إنَّكم) الأُولى مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ (إنَّكم ﴿) تُبْعَثُونَ (﴾ [المؤمنون: ١٦] إذا مِتُّمْ)، وهَذا الخَبَرُ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في (إذا)، وذَهَبَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ إلى أنَّ (إنَّكم) الثّانِيَةَ كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ حَسُنَ التَّكْرارُ، وعَلى هَذا يَكُونُ: ﴿مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرَ (إنَّكم) الأُولى، والعامِلُ في (إذا) هو هَذا الخَبَرُ، وكانَ المُبَرِّدُ يَأْبى البَدَلَ لِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ إذْ لَمْ يُذْكَرْ خَبَرُ إنَّ الأُولى. وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَحْدُثُ إخْراجُكم، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا لِأنَّكم، ويَكُونُ جَوابُ: (إذا) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ المَحْذُوفُ هو خَبَرَ (إنَّكم) ويَكُونَ عامِلًا في (إذا) . وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ المُبَرِّدِ بادِئًا بِهِ فَقالَ: ثَنّى (إنَّكم) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ، وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ جَعَلَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُبْتَدَأً، و﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرًا عَلى مَعْنى إخْراجِكم إذا مِتُّمْ، ثُمَّ أخْبَرَ بِالجُمْلَةِ عَنْ (أنَّكم)، انْتَهى. وهَذا تَخْرِيجٌ سَهْلٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ. قالَ: أوْ رَفَعَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِفِعْلٍ، هو جَزاءُ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: (إذا مِتُّمْ) وقَعَ إخْراجُكم. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ إلّا أنَّهُ حَتَّمَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا عَنْ: (أنَّكم)، ونَحْنُ جَوَّزْنا في قَوْلِ الأخْفَشِ هَذا الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرُ (أنَّكم) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ وهو العامِلُ في: (إذا)، وفى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿أيَعِدُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، ﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِإسْقاطِ (أنَّكم) الأُولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ بِفَتْحِ التّاءَيْنِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما مُنَوَّنَتَيْنِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِ خالِدِ بْنِ إلْياسَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وعَنْهُ عَنِ الأحْمَرِ بِالضَّمِّ والتَّنْوِينِ وافَقَهُ أأبُو السِّماكِ في الأوَّلِ وخالَفَهُ في الثّانِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِيسى وهي في تَمِيمٍ وأسَدٍ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ خالِدِ بْنِ إلْياسَ بِكَسْرِهِما (p-٤٠٥)والتَّنْوِينِ. وقَرَأ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْرَجِ وعِيسى أيْضًا بِإسْكانِهِما، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَلاعَبَتْ بِها العَرَبُ تَلاعُبًا كَبِيرًا بِالحَذْفِ والإبْدالِ والتَّنْوِينِ وغَيْرِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا في التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ ما يُنَيِّفُ عَلى أرْبَعِينَ لُغَةً، فالَّذِي أخْتارُهُ أنَّها إذا نُوِّنَتْ وكُسِرَتْ أوْ كُسِرَتْ ولَمْ تُنَوَّنْ لا تَكُونُ جَمْعًا لِهَيْهاتٍ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها جَمْعٌ لِهَيْهاتٍ، وكانَ حَقُّها عِنْدَهُ أنْ تَكُونَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ إلّا أنَّ ضَعْفَها لَمْ يَقْتَضِ إظْهارَ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي مِثْلُ بَيْضاتٍ يَعْنِي في أنَّها جَمْعٌ، فَظَنَّ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّهُ أرادَ في اتِّفاقِ المُفْرَدِ، فَقالَ: واحِدُ هَيْهاتَ هَيْهَةٌ، وتَحْرِيرُ هَذا كُلِّهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الكَلِمَةُ غالِبًا إلّا مُكَرَّرَةً، وجاءَتْ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ في قَوْلِ جَرِيرٍ: ؎وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهْ وقَوْلِ رُؤْبَةَ: ؎هَيْهاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤُهُ و﴿هَيْهاتَ﴾ اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَعَدّى بِرَفْعِ الفاعِلِ ظاهِرًا أوْ مُضْمَرًا، وهُنا جاءَ التَّرْكِيبُ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ لَمْ يَظْهَرِ الفاعِلُ فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ هو أيْ إخْراجُكم، وجاءَتِ اللّامُ لِلْبَيانِ أيْ أعْنِي لِما تُوعَدُونَ كَهي بَعْدَ سُقْيًا لَكَ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وبَنَيْتُ المُسْتَبْعَدَ ما هو بَعْدَ اسْمِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى البُعْدِ، كَما جاءَتْ في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لِبَيانِ المُهَيَّتِ بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البُعْدُ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أوْ بُعْدٌ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ كَلامُهُ تَفْسِيرَ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ مَصْدَرِيَّةُ ﴿هَيْهاتَ﴾، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَمَن نَوَّنَهُ نَزَّلَهُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ لَيْسَ بِواضِحٍ؛ لِأنَّهم قَدْ نَوَّنُوا أسْماءَ الأفْعالِ، ولا نَقُولُ إنَّها إذا نُوِّنَتْ تَنَزَّلَتْ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَوْرًا تَلِي الفاعِلَ دُونَ لامٍ تَقُولُ هَيْهاتَ مَجِيءُ زَيْدٍ أيْ بَعُدَ، وأحْيانًا يَكُونُ الفاعِلُ مَحْذُوفًا، وذَلِكَ عِنْدَ اللّامِ كَهَذِهِ الآيَةِ التَّقْدِيرُ بَعْدَ الوُجُودِ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ الفاعِلِ، وفِيهِ أنَّهُ مَصْدَرٌ حُذِفَ وأُبْقِيَ مَعْمُولُهُ ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ شَيْئًا مِن هَذا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا في قِراءَةِ مَن ضَمَّ ونَوَّنَ أنَّهُ اسْمٌ مُعْرَبٌ مُسْتَقِلٌّ، وخَبَرُهُ: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أيِ البُعْدُ لِوَعْدِكم، كَما تَقُولُ: النَّجْحُ لِسَعْيِكَ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَأمّا مَن قالَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ فَرَفَعَ ونَوَّنَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ مُتَمَكِّنَيْنِ مُرْتَفِعَيْنِ بِالِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُما خَبَرَهُما مِن حُرُوفِ الجَرِّ، بِمَعْنى البُعْدِ. ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ والتَّكْرارُ لِلتَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ لِلْفِعْلِ والضَّمُّ لِلْبِناءِ مِثْلُ حَوْبُ في زَجْرِ الإبِلِ لَكِنَّهُ نُوِّنَ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ (ما تُوعَدُونَ) بِغَيْرِ لامٍ وتَكُونُ ما فاعِلَةً بِهَيْهاتَ. وهي قِراءَةٌ واضِحَةٌ. وقالُوا (إنْ هي) هَذا الضَّمِيرُ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ؛ لِأنَّهم قَبْلُ أنْكَرُوا المَعادَ فَقالُوا: ﴿أيَعِدُكم أنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] الآيَةَ، فاسْتَفْهَمُوا اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ وتَوْقِيفٍ واسْتِهْزاءٍ، فَتَضَمَّنَ أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ إنِ الحَياةُ: ﴿إلّا حَياتُنا﴾ الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ: (هي) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْها ويُبَيِّنُها، ومِنهُ هي النَّفْسُ تَتَحَمَّلُ ما حُمِّلَتْ وهي العَرَبُ تَقُولُ ما شاءَتْ، والمَعْنى: لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا؛ لِأنَّ (إنْ) الثّانِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هي) الَّتِي هي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها فَوازَنَتْ لا الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ. ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ يَمُوتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ يَنْقَرِضُ قَرْنٌ ويَأْتِي قَرْنٌ، انْتَهى، ثُمَّ أكَّدُوا ما حَصَرُوهُ مِن أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم وجَزَمُوا بِانْتِفاءِ بَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ لِلْجَزاءِ وهَذا هو كُفْرُ الدَّهْرِيَّةِ، ثُمَّ نَسَبُوهُ إلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ في أنَّهُ نَبَّأهُ وأرْسَلَهُ إلَيْنا وأخْبَرَهُ أنّا نُبْعَثُ. ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ، ولَمّا أيِسَ مِن إيمانِهِمْ ورَأى إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ وطَلَبَ عُقُوبَتَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ عَنْ زَمَنٍ قَلِيلٍ، و(ما) تَوْكِيدٌ لِلْقِلَّةِ و(قَلِيلٍ) صِفَةٌ لِزَمَنٍ مَحْذُوفٍ وفي مَعْناهُ قَرِيبٌ. قِيلَ: أيْ بَعْدَ المَوْتِ تَصِيرُونَ نادِمِينَ. وقِيلَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ وقْتُ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ظُهُورُ عَلاماتِهِ والنَّدامَةِ عَلى تَرْكِ قَبُولِ ما جاءَهم بِهِ رَسُولُهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ (p-٤٠٦)الرُّجُوعُ، واللّامُ في ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ لامُ القَسَمِ، و﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ اللّامِ إمّا بِيُصْبِحُنَّ وإمّا بِنادِمِينَ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ ويُتَسامَحُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِها؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ مَفْعُولًا بِهِ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ لَوْ قُلْتَ: لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، وهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ مِن أنَّ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَ لامِ القَسَمِ هو قَوْلُ بَعْضِ أصْحابِنا، وجُمْهُورُهم عَلى أنَّ لامَ القَسَمِ لا يَتَقَدَّمُ شَيْءٌ مِن مَعْمُولاتِ ما بَعْدَها عَلَيْها، سَواءٌ كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا أوْ غَيْرَهُما، فَعَلى قَوْلِ هو لا يَكُونُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ تُنْصَرُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ قالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ . وذَهَبُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ إلى جَوازِ تَقْدِيمِ مَعْمُولِ ما بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ عَلَيْها مُطْلَقًا. وفي اللَّوامِحِ عَنْ بَعْضِهِمْ لَتُصْبِحُنَّ بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، فَلَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنْ يَصِيرَ القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ إلى الكُفّارِ بَعْدَما أُجِيبَ دُعاؤُهُ لَكانَ جائِزًا - واللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحَ عَلَيْهِمْ فَدَمَّرَهم. ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالوُجُوبِ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَوْجَبُوا الهَلاكَ أوْ بِالعَدْلِ مِنَ اللَّهِ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ شَبَّهَهم بِالغُثاءِ في دَمارِهِمْ، وهو حَمِيلُ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الرَّجْفَةُ. وقِيلَ: هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ. وقِيلَ: العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ زَيْدٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشَنَّتِها عَلى الأذْقانِ وقالَ المُفَضَّلُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ بِما لا مَدْفَعَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ”﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩]“ . وانْتَصَبَ بُعْدًا بِفِعْلٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ أيْ بَعُدُوا بُعْدًا. أيْ هَلَكُوا، يُقالُ بَعِدَ بُعْدًا وبَعَدًا نَحْوَ رَشِدَ رُشْدًا ورَشَدًا. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿لِلْقَوْمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِبُعْدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بَيانٌ لِمَن دُعِيَ عَلَيْهِ بِالبُعْدِ نَحْوُ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] و﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى، فَلا تَتَعَلَّقُ بِبُعْدًا بَلْ بِمَحْذُوفٍ.

المؤمنون 23:38

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ، يُظْهِرُ أنَّ هَؤُلاءِ هم قَوْمُ هُودٍ والرَّسُولُ هو هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ والطَّبَرِيُّ: هم ثَمُودُ، والرَّسُولُ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ. وفي آخِرِ القِصَّةِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾، ولَمْ يَأْتِ أنَّ قَوْمَ هُودٍ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، وقِصَّةُ قَوْمِ هُودٍ جاءَتْ في الأعْرافِ، وفي هُودٍ، وفي الشُّعَراءِ، بِإثْرِ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، والأصْلُ في أرْسَلَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى كَإخْوانِهِ وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ وهُنا عُدِّيَ بِفي، جُعِلَتِ الأُمَّةُ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ كَما قالَ رُؤْبَةُ: ؎أرْسَلْتَ فِيها مُصْعَبًا ذا إقْحامِ وجاءَ بَعَثَ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١]، و(أنْ) في: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وجاءَ هُنا: ﴿وقالَ المَلَأُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] بِالواوِ. وفي الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ في قَصَّتِهِ بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ في الواوِ العَطْفَ عَلى ما قالَهُ، أيِ اجْتَمَعَ قَوْلُهُ الَّذِي هو حَقٌّ وقَوْلُهُمُ الَّذِي هو باطِلٌ كَأنَّهُ إخْبارٌ بِتَبايُنِ الحالَيْنِ والَّتِي بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِئْنافَ، وكَأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ فَما كانَ قَوْلُهم لَهُ قالَ قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ. (بِلِقاءِ الآخِرَةِ) أيْ بِلِقاءِ الجَزاءِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ فِيها. ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ بَسَطْنا لَهُمُ الآمالَ والأرْزاقَ ونَعَّمْناهم، واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، وكانَ العَطْفُ مُشْعِرًا بِغَلَبَةِ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُنا نَعَّمْناهم وأحْسَنّا إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ وأنْ يُقابِلُوا نِعْمَتَنا بِالإيمانِ وتَصْدِيقِ مَن أرْسَلْتُهُ إلَيْهِمْ، وأنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ وقَدْ ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في هَذِهِ الحالِ، ويَئُولُ هَذا المَعْنى إلى المَعْنى الأوَّلِ، أيْ: ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في حالِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكْفُرُوا وأنْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ لِرُسُلِي. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] تَحْقِيقٌ لِلْبَشَرِيَّةِ وحُكْمٌ بِالتَّساوِي بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وأنْ لا (p-٤٠٤)مَزِيَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وأنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ، وهو اتِّحادُ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ كَقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِالَّذِي مَرَرْتَ، وحَسَّنَ هَذا الحَذْفَ ورَجَّحَهُ كَوْنُ ﴿تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فاصِلَةً؛ ولِدَلالَةِ مِنهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] وفي التَّحْرِيرِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] عَلى حَذْفٍ أيْ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ولا يُحْتاجُ إلى حَذْفٍ ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّ ما إذا كانَتْ مَصْدَرًا لَمْ تَحْتَجْ إلى عائِدٍ، فَإنْ جَعَلْتَها بِمَعْنى الَّذِي حَذَفْتَ المَفْعُولَ ولَمْ تَحْتَجْ إلى إضْمارِ مِن. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ ضَمِيرًا مُتَّصِلًا وشُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى قاعِدَةِ البَصْرِيِّينَ إلّا أنَّهُ يُفَوِّتُ فَصاحَةَ مُعادَلَةِ التَّرْكِيبِ؛ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فَعَدّاهُ بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ، فالمُعادَلَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، فَلَوْ كانَ التَّرْكِيبُ مِمّا تَأْكُلُونَهُ لَكانَ تَقْدِيرُ تَشْرَبُونَهُ هو الرّاجِحَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُذِفَ الضَّمِيرُ، والمَعْنى مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، انْتَهى. فَقَوْلُهُ حُذِفَ الضَّمِيرُ مَعْناهُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: مَشْرُوبُكم؛ لِأنَّ الَّذِي تَشْرَبُونَهُ هو مَشْرُوبُكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (إذا) واقِعٌ في جَزاءِ الشَّرْطِ وجَوابٌ لِلَّذِينِ قاوَلُوهم مِن قَوْمِهِمْ، أيْ تَخْسَرُونَ عُقُولَكم وتُغْبَنُونَ في آبائِكم. انْتَهى. ولَيْسَ (إذا) واقِعًا في جَزاءِ الشَّرْطِ بَلْ واقِعٌ بَيْنَ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرِ و﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ لَيْسَ جَزاءً لِلشَّرْطِ بَلْ ذَلِكَ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ إنَّ المُوَطِّئَةِ، ولَوْ كانَتْ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ جَوابًا لِلشَّرْطِ لَلَزِمَتِ الفاءُ في ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤]، بَلْ لَوْ كانَ بِالفاءِ في تَرْكِيبٍ غَيْرِ القُرْآنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ جائِزًا إلّا عِنْدَ الفَرّاءِ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَهُ، وهو عِنْدَهم خَطَأٌ. واخْتَلَفَ المُعْرِبُونَ في تَخْرِيجِ (إنَّكم) الثّانِيَةِ، والمَنقُولُ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنْ (إنَّكم) بَدَلٌ مِنَ الأُولى، وفِيها مَعْنى التَّأْكِيدِ، وخَبَرُ (إنَّكم) الأُولى مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ (إنَّكم ﴿) تُبْعَثُونَ (﴾ [المؤمنون: ١٦] إذا مِتُّمْ)، وهَذا الخَبَرُ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في (إذا)، وذَهَبَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ إلى أنَّ (إنَّكم) الثّانِيَةَ كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ حَسُنَ التَّكْرارُ، وعَلى هَذا يَكُونُ: ﴿مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرَ (إنَّكم) الأُولى، والعامِلُ في (إذا) هو هَذا الخَبَرُ، وكانَ المُبَرِّدُ يَأْبى البَدَلَ لِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ إذْ لَمْ يُذْكَرْ خَبَرُ إنَّ الأُولى. وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَحْدُثُ إخْراجُكم، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا لِأنَّكم، ويَكُونُ جَوابُ: (إذا) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ المَحْذُوفُ هو خَبَرَ (إنَّكم) ويَكُونَ عامِلًا في (إذا) . وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ المُبَرِّدِ بادِئًا بِهِ فَقالَ: ثَنّى (إنَّكم) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ، وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ جَعَلَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُبْتَدَأً، و﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرًا عَلى مَعْنى إخْراجِكم إذا مِتُّمْ، ثُمَّ أخْبَرَ بِالجُمْلَةِ عَنْ (أنَّكم)، انْتَهى. وهَذا تَخْرِيجٌ سَهْلٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ. قالَ: أوْ رَفَعَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِفِعْلٍ، هو جَزاءُ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: (إذا مِتُّمْ) وقَعَ إخْراجُكم. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ إلّا أنَّهُ حَتَّمَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا عَنْ: (أنَّكم)، ونَحْنُ جَوَّزْنا في قَوْلِ الأخْفَشِ هَذا الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرُ (أنَّكم) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ وهو العامِلُ في: (إذا)، وفى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿أيَعِدُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، ﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِإسْقاطِ (أنَّكم) الأُولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ بِفَتْحِ التّاءَيْنِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما مُنَوَّنَتَيْنِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِ خالِدِ بْنِ إلْياسَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وعَنْهُ عَنِ الأحْمَرِ بِالضَّمِّ والتَّنْوِينِ وافَقَهُ أأبُو السِّماكِ في الأوَّلِ وخالَفَهُ في الثّانِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِيسى وهي في تَمِيمٍ وأسَدٍ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ خالِدِ بْنِ إلْياسَ بِكَسْرِهِما (p-٤٠٥)والتَّنْوِينِ. وقَرَأ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْرَجِ وعِيسى أيْضًا بِإسْكانِهِما، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَلاعَبَتْ بِها العَرَبُ تَلاعُبًا كَبِيرًا بِالحَذْفِ والإبْدالِ والتَّنْوِينِ وغَيْرِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا في التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ ما يُنَيِّفُ عَلى أرْبَعِينَ لُغَةً، فالَّذِي أخْتارُهُ أنَّها إذا نُوِّنَتْ وكُسِرَتْ أوْ كُسِرَتْ ولَمْ تُنَوَّنْ لا تَكُونُ جَمْعًا لِهَيْهاتٍ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها جَمْعٌ لِهَيْهاتٍ، وكانَ حَقُّها عِنْدَهُ أنْ تَكُونَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ إلّا أنَّ ضَعْفَها لَمْ يَقْتَضِ إظْهارَ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي مِثْلُ بَيْضاتٍ يَعْنِي في أنَّها جَمْعٌ، فَظَنَّ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّهُ أرادَ في اتِّفاقِ المُفْرَدِ، فَقالَ: واحِدُ هَيْهاتَ هَيْهَةٌ، وتَحْرِيرُ هَذا كُلِّهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الكَلِمَةُ غالِبًا إلّا مُكَرَّرَةً، وجاءَتْ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ في قَوْلِ جَرِيرٍ: ؎وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهْ وقَوْلِ رُؤْبَةَ: ؎هَيْهاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤُهُ و﴿هَيْهاتَ﴾ اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَعَدّى بِرَفْعِ الفاعِلِ ظاهِرًا أوْ مُضْمَرًا، وهُنا جاءَ التَّرْكِيبُ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ لَمْ يَظْهَرِ الفاعِلُ فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ هو أيْ إخْراجُكم، وجاءَتِ اللّامُ لِلْبَيانِ أيْ أعْنِي لِما تُوعَدُونَ كَهي بَعْدَ سُقْيًا لَكَ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وبَنَيْتُ المُسْتَبْعَدَ ما هو بَعْدَ اسْمِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى البُعْدِ، كَما جاءَتْ في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لِبَيانِ المُهَيَّتِ بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البُعْدُ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أوْ بُعْدٌ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ كَلامُهُ تَفْسِيرَ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ مَصْدَرِيَّةُ ﴿هَيْهاتَ﴾، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَمَن نَوَّنَهُ نَزَّلَهُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ لَيْسَ بِواضِحٍ؛ لِأنَّهم قَدْ نَوَّنُوا أسْماءَ الأفْعالِ، ولا نَقُولُ إنَّها إذا نُوِّنَتْ تَنَزَّلَتْ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَوْرًا تَلِي الفاعِلَ دُونَ لامٍ تَقُولُ هَيْهاتَ مَجِيءُ زَيْدٍ أيْ بَعُدَ، وأحْيانًا يَكُونُ الفاعِلُ مَحْذُوفًا، وذَلِكَ عِنْدَ اللّامِ كَهَذِهِ الآيَةِ التَّقْدِيرُ بَعْدَ الوُجُودِ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ الفاعِلِ، وفِيهِ أنَّهُ مَصْدَرٌ حُذِفَ وأُبْقِيَ مَعْمُولُهُ ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ شَيْئًا مِن هَذا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا في قِراءَةِ مَن ضَمَّ ونَوَّنَ أنَّهُ اسْمٌ مُعْرَبٌ مُسْتَقِلٌّ، وخَبَرُهُ: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أيِ البُعْدُ لِوَعْدِكم، كَما تَقُولُ: النَّجْحُ لِسَعْيِكَ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَأمّا مَن قالَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ فَرَفَعَ ونَوَّنَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ مُتَمَكِّنَيْنِ مُرْتَفِعَيْنِ بِالِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُما خَبَرَهُما مِن حُرُوفِ الجَرِّ، بِمَعْنى البُعْدِ. ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ والتَّكْرارُ لِلتَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ لِلْفِعْلِ والضَّمُّ لِلْبِناءِ مِثْلُ حَوْبُ في زَجْرِ الإبِلِ لَكِنَّهُ نُوِّنَ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ (ما تُوعَدُونَ) بِغَيْرِ لامٍ وتَكُونُ ما فاعِلَةً بِهَيْهاتَ. وهي قِراءَةٌ واضِحَةٌ. وقالُوا (إنْ هي) هَذا الضَّمِيرُ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ؛ لِأنَّهم قَبْلُ أنْكَرُوا المَعادَ فَقالُوا: ﴿أيَعِدُكم أنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] الآيَةَ، فاسْتَفْهَمُوا اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ وتَوْقِيفٍ واسْتِهْزاءٍ، فَتَضَمَّنَ أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ إنِ الحَياةُ: ﴿إلّا حَياتُنا﴾ الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ: (هي) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْها ويُبَيِّنُها، ومِنهُ هي النَّفْسُ تَتَحَمَّلُ ما حُمِّلَتْ وهي العَرَبُ تَقُولُ ما شاءَتْ، والمَعْنى: لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا؛ لِأنَّ (إنْ) الثّانِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هي) الَّتِي هي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها فَوازَنَتْ لا الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ. ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ يَمُوتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ يَنْقَرِضُ قَرْنٌ ويَأْتِي قَرْنٌ، انْتَهى، ثُمَّ أكَّدُوا ما حَصَرُوهُ مِن أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم وجَزَمُوا بِانْتِفاءِ بَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ لِلْجَزاءِ وهَذا هو كُفْرُ الدَّهْرِيَّةِ، ثُمَّ نَسَبُوهُ إلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ في أنَّهُ نَبَّأهُ وأرْسَلَهُ إلَيْنا وأخْبَرَهُ أنّا نُبْعَثُ. ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ، ولَمّا أيِسَ مِن إيمانِهِمْ ورَأى إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ وطَلَبَ عُقُوبَتَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ عَنْ زَمَنٍ قَلِيلٍ، و(ما) تَوْكِيدٌ لِلْقِلَّةِ و(قَلِيلٍ) صِفَةٌ لِزَمَنٍ مَحْذُوفٍ وفي مَعْناهُ قَرِيبٌ. قِيلَ: أيْ بَعْدَ المَوْتِ تَصِيرُونَ نادِمِينَ. وقِيلَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ وقْتُ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ظُهُورُ عَلاماتِهِ والنَّدامَةِ عَلى تَرْكِ قَبُولِ ما جاءَهم بِهِ رَسُولُهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ (p-٤٠٦)الرُّجُوعُ، واللّامُ في ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ لامُ القَسَمِ، و﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ اللّامِ إمّا بِيُصْبِحُنَّ وإمّا بِنادِمِينَ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ ويُتَسامَحُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِها؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ مَفْعُولًا بِهِ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ لَوْ قُلْتَ: لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، وهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ مِن أنَّ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَ لامِ القَسَمِ هو قَوْلُ بَعْضِ أصْحابِنا، وجُمْهُورُهم عَلى أنَّ لامَ القَسَمِ لا يَتَقَدَّمُ شَيْءٌ مِن مَعْمُولاتِ ما بَعْدَها عَلَيْها، سَواءٌ كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا أوْ غَيْرَهُما، فَعَلى قَوْلِ هو لا يَكُونُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ تُنْصَرُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ قالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ . وذَهَبُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ إلى جَوازِ تَقْدِيمِ مَعْمُولِ ما بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ عَلَيْها مُطْلَقًا. وفي اللَّوامِحِ عَنْ بَعْضِهِمْ لَتُصْبِحُنَّ بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، فَلَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنْ يَصِيرَ القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ إلى الكُفّارِ بَعْدَما أُجِيبَ دُعاؤُهُ لَكانَ جائِزًا - واللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحَ عَلَيْهِمْ فَدَمَّرَهم. ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالوُجُوبِ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَوْجَبُوا الهَلاكَ أوْ بِالعَدْلِ مِنَ اللَّهِ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ شَبَّهَهم بِالغُثاءِ في دَمارِهِمْ، وهو حَمِيلُ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الرَّجْفَةُ. وقِيلَ: هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ. وقِيلَ: العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ زَيْدٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشَنَّتِها عَلى الأذْقانِ وقالَ المُفَضَّلُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ بِما لا مَدْفَعَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ”﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩]“ . وانْتَصَبَ بُعْدًا بِفِعْلٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ أيْ بَعُدُوا بُعْدًا. أيْ هَلَكُوا، يُقالُ بَعِدَ بُعْدًا وبَعَدًا نَحْوَ رَشِدَ رُشْدًا ورَشَدًا. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿لِلْقَوْمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِبُعْدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بَيانٌ لِمَن دُعِيَ عَلَيْهِ بِالبُعْدِ نَحْوُ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] و﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى، فَلا تَتَعَلَّقُ بِبُعْدًا بَلْ بِمَحْذُوفٍ.

المؤمنون 23:39

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ، يُظْهِرُ أنَّ هَؤُلاءِ هم قَوْمُ هُودٍ والرَّسُولُ هو هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ والطَّبَرِيُّ: هم ثَمُودُ، والرَّسُولُ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ. وفي آخِرِ القِصَّةِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾، ولَمْ يَأْتِ أنَّ قَوْمَ هُودٍ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، وقِصَّةُ قَوْمِ هُودٍ جاءَتْ في الأعْرافِ، وفي هُودٍ، وفي الشُّعَراءِ، بِإثْرِ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، والأصْلُ في أرْسَلَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى كَإخْوانِهِ وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ وهُنا عُدِّيَ بِفي، جُعِلَتِ الأُمَّةُ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ كَما قالَ رُؤْبَةُ: ؎أرْسَلْتَ فِيها مُصْعَبًا ذا إقْحامِ وجاءَ بَعَثَ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١]، و(أنْ) في: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وجاءَ هُنا: ﴿وقالَ المَلَأُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] بِالواوِ. وفي الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ في قَصَّتِهِ بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ في الواوِ العَطْفَ عَلى ما قالَهُ، أيِ اجْتَمَعَ قَوْلُهُ الَّذِي هو حَقٌّ وقَوْلُهُمُ الَّذِي هو باطِلٌ كَأنَّهُ إخْبارٌ بِتَبايُنِ الحالَيْنِ والَّتِي بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِئْنافَ، وكَأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ فَما كانَ قَوْلُهم لَهُ قالَ قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ. (بِلِقاءِ الآخِرَةِ) أيْ بِلِقاءِ الجَزاءِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ فِيها. ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ بَسَطْنا لَهُمُ الآمالَ والأرْزاقَ ونَعَّمْناهم، واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، وكانَ العَطْفُ مُشْعِرًا بِغَلَبَةِ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُنا نَعَّمْناهم وأحْسَنّا إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ وأنْ يُقابِلُوا نِعْمَتَنا بِالإيمانِ وتَصْدِيقِ مَن أرْسَلْتُهُ إلَيْهِمْ، وأنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ وقَدْ ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في هَذِهِ الحالِ، ويَئُولُ هَذا المَعْنى إلى المَعْنى الأوَّلِ، أيْ: ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في حالِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكْفُرُوا وأنْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ لِرُسُلِي. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] تَحْقِيقٌ لِلْبَشَرِيَّةِ وحُكْمٌ بِالتَّساوِي بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وأنْ لا (p-٤٠٤)مَزِيَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وأنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ، وهو اتِّحادُ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ كَقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِالَّذِي مَرَرْتَ، وحَسَّنَ هَذا الحَذْفَ ورَجَّحَهُ كَوْنُ ﴿تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فاصِلَةً؛ ولِدَلالَةِ مِنهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] وفي التَّحْرِيرِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] عَلى حَذْفٍ أيْ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ولا يُحْتاجُ إلى حَذْفٍ ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّ ما إذا كانَتْ مَصْدَرًا لَمْ تَحْتَجْ إلى عائِدٍ، فَإنْ جَعَلْتَها بِمَعْنى الَّذِي حَذَفْتَ المَفْعُولَ ولَمْ تَحْتَجْ إلى إضْمارِ مِن. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ ضَمِيرًا مُتَّصِلًا وشُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى قاعِدَةِ البَصْرِيِّينَ إلّا أنَّهُ يُفَوِّتُ فَصاحَةَ مُعادَلَةِ التَّرْكِيبِ؛ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فَعَدّاهُ بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ، فالمُعادَلَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، فَلَوْ كانَ التَّرْكِيبُ مِمّا تَأْكُلُونَهُ لَكانَ تَقْدِيرُ تَشْرَبُونَهُ هو الرّاجِحَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُذِفَ الضَّمِيرُ، والمَعْنى مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، انْتَهى. فَقَوْلُهُ حُذِفَ الضَّمِيرُ مَعْناهُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: مَشْرُوبُكم؛ لِأنَّ الَّذِي تَشْرَبُونَهُ هو مَشْرُوبُكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (إذا) واقِعٌ في جَزاءِ الشَّرْطِ وجَوابٌ لِلَّذِينِ قاوَلُوهم مِن قَوْمِهِمْ، أيْ تَخْسَرُونَ عُقُولَكم وتُغْبَنُونَ في آبائِكم. انْتَهى. ولَيْسَ (إذا) واقِعًا في جَزاءِ الشَّرْطِ بَلْ واقِعٌ بَيْنَ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرِ و﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ لَيْسَ جَزاءً لِلشَّرْطِ بَلْ ذَلِكَ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ إنَّ المُوَطِّئَةِ، ولَوْ كانَتْ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ جَوابًا لِلشَّرْطِ لَلَزِمَتِ الفاءُ في ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤]، بَلْ لَوْ كانَ بِالفاءِ في تَرْكِيبٍ غَيْرِ القُرْآنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ جائِزًا إلّا عِنْدَ الفَرّاءِ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَهُ، وهو عِنْدَهم خَطَأٌ. واخْتَلَفَ المُعْرِبُونَ في تَخْرِيجِ (إنَّكم) الثّانِيَةِ، والمَنقُولُ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنْ (إنَّكم) بَدَلٌ مِنَ الأُولى، وفِيها مَعْنى التَّأْكِيدِ، وخَبَرُ (إنَّكم) الأُولى مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ (إنَّكم ﴿) تُبْعَثُونَ (﴾ [المؤمنون: ١٦] إذا مِتُّمْ)، وهَذا الخَبَرُ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في (إذا)، وذَهَبَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ إلى أنَّ (إنَّكم) الثّانِيَةَ كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ حَسُنَ التَّكْرارُ، وعَلى هَذا يَكُونُ: ﴿مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرَ (إنَّكم) الأُولى، والعامِلُ في (إذا) هو هَذا الخَبَرُ، وكانَ المُبَرِّدُ يَأْبى البَدَلَ لِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ إذْ لَمْ يُذْكَرْ خَبَرُ إنَّ الأُولى. وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَحْدُثُ إخْراجُكم، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا لِأنَّكم، ويَكُونُ جَوابُ: (إذا) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ المَحْذُوفُ هو خَبَرَ (إنَّكم) ويَكُونَ عامِلًا في (إذا) . وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ المُبَرِّدِ بادِئًا بِهِ فَقالَ: ثَنّى (إنَّكم) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ، وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ جَعَلَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُبْتَدَأً، و﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرًا عَلى مَعْنى إخْراجِكم إذا مِتُّمْ، ثُمَّ أخْبَرَ بِالجُمْلَةِ عَنْ (أنَّكم)، انْتَهى. وهَذا تَخْرِيجٌ سَهْلٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ. قالَ: أوْ رَفَعَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِفِعْلٍ، هو جَزاءُ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: (إذا مِتُّمْ) وقَعَ إخْراجُكم. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ إلّا أنَّهُ حَتَّمَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا عَنْ: (أنَّكم)، ونَحْنُ جَوَّزْنا في قَوْلِ الأخْفَشِ هَذا الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرُ (أنَّكم) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ وهو العامِلُ في: (إذا)، وفى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿أيَعِدُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، ﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِإسْقاطِ (أنَّكم) الأُولى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ بِفَتْحِ التّاءَيْنِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما مُنَوَّنَتَيْنِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِ خالِدِ بْنِ إلْياسَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وعَنْهُ عَنِ الأحْمَرِ بِالضَّمِّ والتَّنْوِينِ وافَقَهُ أأبُو السِّماكِ في الأوَّلِ وخالَفَهُ في الثّانِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِيسى وهي في تَمِيمٍ وأسَدٍ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ خالِدِ بْنِ إلْياسَ بِكَسْرِهِما (p-٤٠٥)والتَّنْوِينِ. وقَرَأ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْرَجِ وعِيسى أيْضًا بِإسْكانِهِما، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَلاعَبَتْ بِها العَرَبُ تَلاعُبًا كَبِيرًا بِالحَذْفِ والإبْدالِ والتَّنْوِينِ وغَيْرِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا في التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ ما يُنَيِّفُ عَلى أرْبَعِينَ لُغَةً، فالَّذِي أخْتارُهُ أنَّها إذا نُوِّنَتْ وكُسِرَتْ أوْ كُسِرَتْ ولَمْ تُنَوَّنْ لا تَكُونُ جَمْعًا لِهَيْهاتٍ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها جَمْعٌ لِهَيْهاتٍ، وكانَ حَقُّها عِنْدَهُ أنْ تَكُونَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ إلّا أنَّ ضَعْفَها لَمْ يَقْتَضِ إظْهارَ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي مِثْلُ بَيْضاتٍ يَعْنِي في أنَّها جَمْعٌ، فَظَنَّ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّهُ أرادَ في اتِّفاقِ المُفْرَدِ، فَقالَ: واحِدُ هَيْهاتَ هَيْهَةٌ، وتَحْرِيرُ هَذا كُلِّهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الكَلِمَةُ غالِبًا إلّا مُكَرَّرَةً، وجاءَتْ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ في قَوْلِ جَرِيرٍ: ؎وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهْ وقَوْلِ رُؤْبَةَ: ؎هَيْهاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤُهُ و﴿هَيْهاتَ﴾ اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَعَدّى بِرَفْعِ الفاعِلِ ظاهِرًا أوْ مُضْمَرًا، وهُنا جاءَ التَّرْكِيبُ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ لَمْ يَظْهَرِ الفاعِلُ فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ هو أيْ إخْراجُكم، وجاءَتِ اللّامُ لِلْبَيانِ أيْ أعْنِي لِما تُوعَدُونَ كَهي بَعْدَ سُقْيًا لَكَ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وبَنَيْتُ المُسْتَبْعَدَ ما هو بَعْدَ اسْمِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى البُعْدِ، كَما جاءَتْ في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لِبَيانِ المُهَيَّتِ بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البُعْدُ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أوْ بُعْدٌ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ كَلامُهُ تَفْسِيرَ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ مَصْدَرِيَّةُ ﴿هَيْهاتَ﴾، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَمَن نَوَّنَهُ نَزَّلَهُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ لَيْسَ بِواضِحٍ؛ لِأنَّهم قَدْ نَوَّنُوا أسْماءَ الأفْعالِ، ولا نَقُولُ إنَّها إذا نُوِّنَتْ تَنَزَّلَتْ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَوْرًا تَلِي الفاعِلَ دُونَ لامٍ تَقُولُ هَيْهاتَ مَجِيءُ زَيْدٍ أيْ بَعُدَ، وأحْيانًا يَكُونُ الفاعِلُ مَحْذُوفًا، وذَلِكَ عِنْدَ اللّامِ كَهَذِهِ الآيَةِ التَّقْدِيرُ بَعْدَ الوُجُودِ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ الفاعِلِ، وفِيهِ أنَّهُ مَصْدَرٌ حُذِفَ وأُبْقِيَ مَعْمُولُهُ ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ شَيْئًا مِن هَذا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا في قِراءَةِ مَن ضَمَّ ونَوَّنَ أنَّهُ اسْمٌ مُعْرَبٌ مُسْتَقِلٌّ، وخَبَرُهُ: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أيِ البُعْدُ لِوَعْدِكم، كَما تَقُولُ: النَّجْحُ لِسَعْيِكَ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَأمّا مَن قالَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ فَرَفَعَ ونَوَّنَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ مُتَمَكِّنَيْنِ مُرْتَفِعَيْنِ بِالِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُما خَبَرَهُما مِن حُرُوفِ الجَرِّ، بِمَعْنى البُعْدِ. ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ والتَّكْرارُ لِلتَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ لِلْفِعْلِ والضَّمُّ لِلْبِناءِ مِثْلُ حَوْبُ في زَجْرِ الإبِلِ لَكِنَّهُ نُوِّنَ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ (ما تُوعَدُونَ) بِغَيْرِ لامٍ وتَكُونُ ما فاعِلَةً بِهَيْهاتَ. وهي قِراءَةٌ واضِحَةٌ. وقالُوا (إنْ هي) هَذا الضَّمِيرُ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ؛ لِأنَّهم قَبْلُ أنْكَرُوا المَعادَ فَقالُوا: ﴿أيَعِدُكم أنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] الآيَةَ، فاسْتَفْهَمُوا اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ وتَوْقِيفٍ واسْتِهْزاءٍ، فَتَضَمَّنَ أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ إنِ الحَياةُ: ﴿إلّا حَياتُنا﴾ الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ: (هي) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْها ويُبَيِّنُها، ومِنهُ هي النَّفْسُ تَتَحَمَّلُ ما حُمِّلَتْ وهي العَرَبُ تَقُولُ ما شاءَتْ، والمَعْنى: لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا؛ لِأنَّ (إنْ) الثّانِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هي) الَّتِي هي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها فَوازَنَتْ لا الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ. ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ يَمُوتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ يَنْقَرِضُ قَرْنٌ ويَأْتِي قَرْنٌ، انْتَهى، ثُمَّ أكَّدُوا ما حَصَرُوهُ مِن أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم وجَزَمُوا بِانْتِفاءِ بَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ لِلْجَزاءِ وهَذا هو كُفْرُ الدَّهْرِيَّةِ، ثُمَّ نَسَبُوهُ إلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ في أنَّهُ نَبَّأهُ وأرْسَلَهُ إلَيْنا وأخْبَرَهُ أنّا نُبْعَثُ. ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ، ولَمّا أيِسَ مِن إيمانِهِمْ ورَأى إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ وطَلَبَ عُقُوبَتَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ عَنْ زَمَنٍ قَلِيلٍ، و(ما) تَوْكِيدٌ لِلْقِلَّةِ و(قَلِيلٍ) صِفَةٌ لِزَمَنٍ مَحْذُوفٍ وفي مَعْناهُ قَرِيبٌ. قِيلَ: أيْ بَعْدَ المَوْتِ تَصِيرُونَ نادِمِينَ. وقِيلَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ وقْتُ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ظُهُورُ عَلاماتِهِ والنَّدامَةِ عَلى تَرْكِ قَبُولِ ما جاءَهم بِهِ رَسُولُهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ (p-٤٠٦)الرُّجُوعُ، واللّامُ في ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ لامُ القَسَمِ، و﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ اللّامِ إمّا بِيُصْبِحُنَّ وإمّا بِنادِمِينَ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ ويُتَسامَحُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِها؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ مَفْعُولًا بِهِ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ لَوْ قُلْتَ: لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، وهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ مِن أنَّ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَ لامِ القَسَمِ هو قَوْلُ بَعْضِ أصْحابِنا، وجُمْهُورُهم عَلى أنَّ لامَ القَسَمِ لا يَتَقَدَّمُ شَيْءٌ مِن مَعْمُولاتِ ما بَعْدَها عَلَيْها، سَواءٌ كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا أوْ غَيْرَهُما، فَعَلى قَوْلِ هو لا يَكُونُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ تُنْصَرُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ قالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ . وذَهَبُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ إلى جَوازِ تَقْدِيمِ مَعْمُولِ ما بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ عَلَيْها مُطْلَقًا. وفي اللَّوامِحِ عَنْ بَعْضِهِمْ لَتُصْبِحُنَّ بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، فَلَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنْ يَصِيرَ القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ إلى الكُفّارِ بَعْدَما أُجِيبَ دُعاؤُهُ لَكانَ جائِزًا - واللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى. ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحَ عَلَيْهِمْ فَدَمَّرَهم. ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالوُجُوبِ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَوْجَبُوا الهَلاكَ أوْ بِالعَدْلِ مِنَ اللَّهِ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ شَبَّهَهم بِالغُثاءِ في دَمارِهِمْ، وهو حَمِيلُ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الرَّجْفَةُ. وقِيلَ: هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ. وقِيلَ: العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ زَيْدٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشَنَّتِها عَلى الأذْقانِ وقالَ المُفَضَّلُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ بِما لا مَدْفَعَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ”﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩]“ . وانْتَصَبَ بُعْدًا بِفِعْلٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ أيْ بَعُدُوا بُعْدًا. أيْ هَلَكُوا، يُقالُ بَعِدَ بُعْدًا وبَعَدًا نَحْوَ رَشِدَ رُشْدًا ورَشَدًا. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿لِلْقَوْمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِبُعْدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بَيانٌ لِمَن دُعِيَ عَلَيْهِ بِالبُعْدِ نَحْوُ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] و﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى، فَلا تَتَعَلَّقُ بِبُعْدًا بَلْ بِمَحْذُوفٍ.