Al-Bahr Al-Muhit — المؤمنون 23:40 – المؤمنون 23:83
المحتويات
- المؤمنون 23:40
- المؤمنون 23:41
- المؤمنون 23:42
- المؤمنون 23:43
- المؤمنون 23:44
- المؤمنون 23:45
- المؤمنون 23:46
- المؤمنون 23:47
- المؤمنون 23:48
- المؤمنون 23:49
- المؤمنون 23:50
- المؤمنون 23:51
- المؤمنون 23:52
- المؤمنون 23:53
- المؤمنون 23:54
- المؤمنون 23:55
- المؤمنون 23:56
- المؤمنون 23:57
- المؤمنون 23:58
- المؤمنون 23:59
- المؤمنون 23:60
- المؤمنون 23:61
- المؤمنون 23:62
- المؤمنون 23:63
- المؤمنون 23:64
- المؤمنون 23:65
- المؤمنون 23:66
- المؤمنون 23:67
- المؤمنون 23:68
- المؤمنون 23:69
- المؤمنون 23:70
- المؤمنون 23:71
- المؤمنون 23:72
- المؤمنون 23:73
- المؤمنون 23:74
- المؤمنون 23:75
- المؤمنون 23:76
- المؤمنون 23:77
- المؤمنون 23:78
- المؤمنون 23:79
- المؤمنون 23:80
- المؤمنون 23:81
- المؤمنون 23:82
- المؤمنون 23:83
المؤمنون 23:40
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ، يُظْهِرُ أنَّ هَؤُلاءِ هم قَوْمُ هُودٍ والرَّسُولُ هو هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ والطَّبَرِيُّ: هم ثَمُودُ، والرَّسُولُ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ. وفي آخِرِ القِصَّةِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾، ولَمْ يَأْتِ أنَّ قَوْمَ هُودٍ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، وقِصَّةُ قَوْمِ هُودٍ جاءَتْ في الأعْرافِ، وفي هُودٍ، وفي الشُّعَراءِ، بِإثْرِ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، والأصْلُ في أرْسَلَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى كَإخْوانِهِ وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ وهُنا عُدِّيَ بِفي، جُعِلَتِ الأُمَّةُ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ كَما قالَ رُؤْبَةُ:
؎أرْسَلْتَ فِيها مُصْعَبًا ذا إقْحامِ
وجاءَ بَعَثَ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١]، و(أنْ) في: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وجاءَ هُنا: ﴿وقالَ المَلَأُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] بِالواوِ. وفي الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ في قَصَّتِهِ بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ في الواوِ العَطْفَ عَلى ما قالَهُ، أيِ اجْتَمَعَ قَوْلُهُ الَّذِي هو حَقٌّ وقَوْلُهُمُ الَّذِي هو باطِلٌ كَأنَّهُ إخْبارٌ بِتَبايُنِ الحالَيْنِ والَّتِي بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِئْنافَ، وكَأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ فَما كانَ قَوْلُهم لَهُ قالَ قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ. (بِلِقاءِ الآخِرَةِ) أيْ بِلِقاءِ الجَزاءِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ فِيها.
﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ بَسَطْنا لَهُمُ الآمالَ والأرْزاقَ ونَعَّمْناهم، واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، وكانَ العَطْفُ مُشْعِرًا بِغَلَبَةِ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُنا نَعَّمْناهم وأحْسَنّا إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ وأنْ يُقابِلُوا نِعْمَتَنا بِالإيمانِ وتَصْدِيقِ مَن أرْسَلْتُهُ إلَيْهِمْ، وأنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ وقَدْ ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في هَذِهِ الحالِ، ويَئُولُ هَذا المَعْنى إلى المَعْنى الأوَّلِ، أيْ: ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في حالِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكْفُرُوا وأنْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ لِرُسُلِي.
وقَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] تَحْقِيقٌ لِلْبَشَرِيَّةِ وحُكْمٌ بِالتَّساوِي بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وأنْ لا (p-٤٠٤)مَزِيَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وأنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ، وهو اتِّحادُ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ كَقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِالَّذِي مَرَرْتَ، وحَسَّنَ هَذا الحَذْفَ ورَجَّحَهُ كَوْنُ ﴿تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فاصِلَةً؛ ولِدَلالَةِ مِنهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] وفي التَّحْرِيرِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] عَلى حَذْفٍ أيْ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ولا يُحْتاجُ إلى حَذْفٍ ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّ ما إذا كانَتْ مَصْدَرًا لَمْ تَحْتَجْ إلى عائِدٍ، فَإنْ جَعَلْتَها بِمَعْنى الَّذِي حَذَفْتَ المَفْعُولَ ولَمْ تَحْتَجْ إلى إضْمارِ مِن. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ ضَمِيرًا مُتَّصِلًا وشُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى قاعِدَةِ البَصْرِيِّينَ إلّا أنَّهُ يُفَوِّتُ فَصاحَةَ مُعادَلَةِ التَّرْكِيبِ؛ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فَعَدّاهُ بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ، فالمُعادَلَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، فَلَوْ كانَ التَّرْكِيبُ مِمّا تَأْكُلُونَهُ لَكانَ تَقْدِيرُ تَشْرَبُونَهُ هو الرّاجِحَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُذِفَ الضَّمِيرُ، والمَعْنى مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، انْتَهى. فَقَوْلُهُ حُذِفَ الضَّمِيرُ مَعْناهُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: مَشْرُوبُكم؛ لِأنَّ الَّذِي تَشْرَبُونَهُ هو مَشْرُوبُكم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (إذا) واقِعٌ في جَزاءِ الشَّرْطِ وجَوابٌ لِلَّذِينِ قاوَلُوهم مِن قَوْمِهِمْ، أيْ تَخْسَرُونَ عُقُولَكم وتُغْبَنُونَ في آبائِكم. انْتَهى. ولَيْسَ (إذا) واقِعًا في جَزاءِ الشَّرْطِ بَلْ واقِعٌ بَيْنَ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرِ و﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ لَيْسَ جَزاءً لِلشَّرْطِ بَلْ ذَلِكَ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ إنَّ المُوَطِّئَةِ، ولَوْ كانَتْ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ جَوابًا لِلشَّرْطِ لَلَزِمَتِ الفاءُ في ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤]، بَلْ لَوْ كانَ بِالفاءِ في تَرْكِيبٍ غَيْرِ القُرْآنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ جائِزًا إلّا عِنْدَ الفَرّاءِ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَهُ، وهو عِنْدَهم خَطَأٌ. واخْتَلَفَ المُعْرِبُونَ في تَخْرِيجِ (إنَّكم) الثّانِيَةِ، والمَنقُولُ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنْ (إنَّكم) بَدَلٌ مِنَ الأُولى، وفِيها مَعْنى التَّأْكِيدِ، وخَبَرُ (إنَّكم) الأُولى مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ (إنَّكم ﴿) تُبْعَثُونَ (﴾ [المؤمنون: ١٦] إذا مِتُّمْ)، وهَذا الخَبَرُ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في (إذا)، وذَهَبَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ إلى أنَّ (إنَّكم) الثّانِيَةَ كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ حَسُنَ التَّكْرارُ، وعَلى هَذا يَكُونُ: ﴿مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرَ (إنَّكم) الأُولى، والعامِلُ في (إذا) هو هَذا الخَبَرُ، وكانَ المُبَرِّدُ يَأْبى البَدَلَ لِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ إذْ لَمْ يُذْكَرْ خَبَرُ إنَّ الأُولى. وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَحْدُثُ إخْراجُكم، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا لِأنَّكم، ويَكُونُ جَوابُ: (إذا) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ المَحْذُوفُ هو خَبَرَ (إنَّكم) ويَكُونَ عامِلًا في (إذا) .
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ المُبَرِّدِ بادِئًا بِهِ فَقالَ: ثَنّى (إنَّكم) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ، وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ جَعَلَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُبْتَدَأً، و﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرًا عَلى مَعْنى إخْراجِكم إذا مِتُّمْ، ثُمَّ أخْبَرَ بِالجُمْلَةِ عَنْ (أنَّكم)، انْتَهى. وهَذا تَخْرِيجٌ سَهْلٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ. قالَ: أوْ رَفَعَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِفِعْلٍ، هو جَزاءُ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: (إذا مِتُّمْ) وقَعَ إخْراجُكم. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ إلّا أنَّهُ حَتَّمَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا عَنْ: (أنَّكم)، ونَحْنُ جَوَّزْنا في قَوْلِ الأخْفَشِ هَذا الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرُ (أنَّكم) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ وهو العامِلُ في: (إذا)، وفى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿أيَعِدُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، ﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِإسْقاطِ (أنَّكم) الأُولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ بِفَتْحِ التّاءَيْنِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما مُنَوَّنَتَيْنِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِ خالِدِ بْنِ إلْياسَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وعَنْهُ عَنِ الأحْمَرِ بِالضَّمِّ والتَّنْوِينِ وافَقَهُ أأبُو السِّماكِ في الأوَّلِ وخالَفَهُ في الثّانِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِيسى وهي في تَمِيمٍ وأسَدٍ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ خالِدِ بْنِ إلْياسَ بِكَسْرِهِما (p-٤٠٥)والتَّنْوِينِ. وقَرَأ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْرَجِ وعِيسى أيْضًا بِإسْكانِهِما، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَلاعَبَتْ بِها العَرَبُ تَلاعُبًا كَبِيرًا بِالحَذْفِ والإبْدالِ والتَّنْوِينِ وغَيْرِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا في التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ ما يُنَيِّفُ عَلى أرْبَعِينَ لُغَةً، فالَّذِي أخْتارُهُ أنَّها إذا نُوِّنَتْ وكُسِرَتْ أوْ كُسِرَتْ ولَمْ تُنَوَّنْ لا تَكُونُ جَمْعًا لِهَيْهاتٍ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها جَمْعٌ لِهَيْهاتٍ، وكانَ حَقُّها عِنْدَهُ أنْ تَكُونَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ إلّا أنَّ ضَعْفَها لَمْ يَقْتَضِ إظْهارَ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي مِثْلُ بَيْضاتٍ يَعْنِي في أنَّها جَمْعٌ، فَظَنَّ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّهُ أرادَ في اتِّفاقِ المُفْرَدِ، فَقالَ: واحِدُ هَيْهاتَ هَيْهَةٌ، وتَحْرِيرُ هَذا كُلِّهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الكَلِمَةُ غالِبًا إلّا مُكَرَّرَةً، وجاءَتْ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ في قَوْلِ جَرِيرٍ:
؎وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهْ
وقَوْلِ رُؤْبَةَ:
؎هَيْهاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤُهُ
و﴿هَيْهاتَ﴾ اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَعَدّى بِرَفْعِ الفاعِلِ ظاهِرًا أوْ مُضْمَرًا، وهُنا جاءَ التَّرْكِيبُ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ لَمْ يَظْهَرِ الفاعِلُ فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ هو أيْ إخْراجُكم، وجاءَتِ اللّامُ لِلْبَيانِ أيْ أعْنِي لِما تُوعَدُونَ كَهي بَعْدَ سُقْيًا لَكَ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وبَنَيْتُ المُسْتَبْعَدَ ما هو بَعْدَ اسْمِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى البُعْدِ، كَما جاءَتْ في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لِبَيانِ المُهَيَّتِ بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البُعْدُ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أوْ بُعْدٌ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ كَلامُهُ تَفْسِيرَ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ مَصْدَرِيَّةُ ﴿هَيْهاتَ﴾، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَمَن نَوَّنَهُ نَزَّلَهُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ لَيْسَ بِواضِحٍ؛ لِأنَّهم قَدْ نَوَّنُوا أسْماءَ الأفْعالِ، ولا نَقُولُ إنَّها إذا نُوِّنَتْ تَنَزَّلَتْ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَوْرًا تَلِي الفاعِلَ دُونَ لامٍ تَقُولُ هَيْهاتَ مَجِيءُ زَيْدٍ أيْ بَعُدَ، وأحْيانًا يَكُونُ الفاعِلُ مَحْذُوفًا، وذَلِكَ عِنْدَ اللّامِ كَهَذِهِ الآيَةِ التَّقْدِيرُ بَعْدَ الوُجُودِ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ الفاعِلِ، وفِيهِ أنَّهُ مَصْدَرٌ حُذِفَ وأُبْقِيَ مَعْمُولُهُ ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ شَيْئًا مِن هَذا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا في قِراءَةِ مَن ضَمَّ ونَوَّنَ أنَّهُ اسْمٌ مُعْرَبٌ مُسْتَقِلٌّ، وخَبَرُهُ: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أيِ البُعْدُ لِوَعْدِكم، كَما تَقُولُ: النَّجْحُ لِسَعْيِكَ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَأمّا مَن قالَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ فَرَفَعَ ونَوَّنَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ مُتَمَكِّنَيْنِ مُرْتَفِعَيْنِ بِالِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُما خَبَرَهُما مِن حُرُوفِ الجَرِّ، بِمَعْنى البُعْدِ.
﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ والتَّكْرارُ لِلتَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ لِلْفِعْلِ والضَّمُّ لِلْبِناءِ مِثْلُ حَوْبُ في زَجْرِ الإبِلِ لَكِنَّهُ نُوِّنَ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ (ما تُوعَدُونَ) بِغَيْرِ لامٍ وتَكُونُ ما فاعِلَةً بِهَيْهاتَ. وهي قِراءَةٌ واضِحَةٌ.
وقالُوا (إنْ هي) هَذا الضَّمِيرُ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ؛ لِأنَّهم قَبْلُ أنْكَرُوا المَعادَ فَقالُوا: ﴿أيَعِدُكم أنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] الآيَةَ، فاسْتَفْهَمُوا اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ وتَوْقِيفٍ واسْتِهْزاءٍ، فَتَضَمَّنَ أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ إنِ الحَياةُ: ﴿إلّا حَياتُنا﴾ الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ: (هي) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْها ويُبَيِّنُها، ومِنهُ هي النَّفْسُ تَتَحَمَّلُ ما حُمِّلَتْ وهي العَرَبُ تَقُولُ ما شاءَتْ، والمَعْنى: لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا؛ لِأنَّ (إنْ) الثّانِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هي) الَّتِي هي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها فَوازَنَتْ لا الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ يَمُوتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ يَنْقَرِضُ قَرْنٌ ويَأْتِي قَرْنٌ، انْتَهى، ثُمَّ أكَّدُوا ما حَصَرُوهُ مِن أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم وجَزَمُوا بِانْتِفاءِ بَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ لِلْجَزاءِ وهَذا هو كُفْرُ الدَّهْرِيَّةِ، ثُمَّ نَسَبُوهُ إلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ في أنَّهُ نَبَّأهُ وأرْسَلَهُ إلَيْنا وأخْبَرَهُ أنّا نُبْعَثُ.
﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ، ولَمّا أيِسَ مِن إيمانِهِمْ ورَأى إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ وطَلَبَ عُقُوبَتَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ عَنْ زَمَنٍ قَلِيلٍ، و(ما) تَوْكِيدٌ لِلْقِلَّةِ و(قَلِيلٍ) صِفَةٌ لِزَمَنٍ مَحْذُوفٍ وفي مَعْناهُ قَرِيبٌ. قِيلَ: أيْ بَعْدَ المَوْتِ تَصِيرُونَ نادِمِينَ. وقِيلَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ وقْتُ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ظُهُورُ عَلاماتِهِ والنَّدامَةِ عَلى تَرْكِ قَبُولِ ما جاءَهم بِهِ رَسُولُهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ (p-٤٠٦)الرُّجُوعُ، واللّامُ في ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ لامُ القَسَمِ، و﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ اللّامِ إمّا بِيُصْبِحُنَّ وإمّا بِنادِمِينَ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ ويُتَسامَحُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِها؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ مَفْعُولًا بِهِ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ لَوْ قُلْتَ: لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، وهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ مِن أنَّ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَ لامِ القَسَمِ هو قَوْلُ بَعْضِ أصْحابِنا، وجُمْهُورُهم عَلى أنَّ لامَ القَسَمِ لا يَتَقَدَّمُ شَيْءٌ مِن مَعْمُولاتِ ما بَعْدَها عَلَيْها، سَواءٌ كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا أوْ غَيْرَهُما، فَعَلى قَوْلِ هو لا يَكُونُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ تُنْصَرُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ قالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ . وذَهَبُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ إلى جَوازِ تَقْدِيمِ مَعْمُولِ ما بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ عَلَيْها مُطْلَقًا. وفي اللَّوامِحِ عَنْ بَعْضِهِمْ لَتُصْبِحُنَّ بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، فَلَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنْ يَصِيرَ القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ إلى الكُفّارِ بَعْدَما أُجِيبَ دُعاؤُهُ لَكانَ جائِزًا - واللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحَ عَلَيْهِمْ فَدَمَّرَهم.
﴿بِالحَقِّ﴾ بِالوُجُوبِ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَوْجَبُوا الهَلاكَ أوْ بِالعَدْلِ مِنَ اللَّهِ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ شَبَّهَهم بِالغُثاءِ في دَمارِهِمْ، وهو حَمِيلُ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الرَّجْفَةُ. وقِيلَ: هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ. وقِيلَ: العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ زَيْدٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشَنَّتِها عَلى الأذْقانِ
وقالَ المُفَضَّلُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ بِما لا مَدْفَعَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ”﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩]“ . وانْتَصَبَ بُعْدًا بِفِعْلٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ أيْ بَعُدُوا بُعْدًا. أيْ هَلَكُوا، يُقالُ بَعِدَ بُعْدًا وبَعَدًا نَحْوَ رَشِدَ رُشْدًا ورَشَدًا. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿لِلْقَوْمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِبُعْدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بَيانٌ لِمَن دُعِيَ عَلَيْهِ بِالبُعْدِ نَحْوُ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] و﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى، فَلا تَتَعَلَّقُ بِبُعْدًا بَلْ بِمَحْذُوفٍ.
المؤمنون 23:41
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ، يُظْهِرُ أنَّ هَؤُلاءِ هم قَوْمُ هُودٍ والرَّسُولُ هو هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ والطَّبَرِيُّ: هم ثَمُودُ، والرَّسُولُ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ. وفي آخِرِ القِصَّةِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾، ولَمْ يَأْتِ أنَّ قَوْمَ هُودٍ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، وقِصَّةُ قَوْمِ هُودٍ جاءَتْ في الأعْرافِ، وفي هُودٍ، وفي الشُّعَراءِ، بِإثْرِ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ. وقالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، والأصْلُ في أرْسَلَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى كَإخْوانِهِ وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ وهُنا عُدِّيَ بِفي، جُعِلَتِ الأُمَّةُ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ كَما قالَ رُؤْبَةُ:
؎أرْسَلْتَ فِيها مُصْعَبًا ذا إقْحامِ
وجاءَ بَعَثَ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١]، و(أنْ) في: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وجاءَ هُنا: ﴿وقالَ المَلَأُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] بِالواوِ. وفي الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ في قَصَّتِهِ بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ في الواوِ العَطْفَ عَلى ما قالَهُ، أيِ اجْتَمَعَ قَوْلُهُ الَّذِي هو حَقٌّ وقَوْلُهُمُ الَّذِي هو باطِلٌ كَأنَّهُ إخْبارٌ بِتَبايُنِ الحالَيْنِ والَّتِي بِغَيْرِ واوٍ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِئْنافَ، وكَأنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ فَما كانَ قَوْلُهم لَهُ قالَ قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ. (بِلِقاءِ الآخِرَةِ) أيْ بِلِقاءِ الجَزاءِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ فِيها.
﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ بَسَطْنا لَهُمُ الآمالَ والأرْزاقَ ونَعَّمْناهم، واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى صِلَةِ الَّذِينَ، وكانَ العَطْفُ مُشْعِرًا بِغَلَبَةِ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُنا نَعَّمْناهم وأحْسَنّا إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ وأنْ يُقابِلُوا نِعْمَتَنا بِالإيمانِ وتَصْدِيقِ مَن أرْسَلْتُهُ إلَيْهِمْ، وأنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ وقَدْ ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أيْ ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في هَذِهِ الحالِ، ويَئُولُ هَذا المَعْنى إلى المَعْنى الأوَّلِ، أيْ: ﴿وكَذَّبُوا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في حالِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكْفُرُوا وأنْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ لِرُسُلِي.
وقَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] تَحْقِيقٌ لِلْبَشَرِيَّةِ وحُكْمٌ بِالتَّساوِي بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وأنْ لا (p-٤٠٤)مَزِيَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ ما مَوْصُولَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وأنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، لِوُجُودِ شَرائِطِ الحَذْفِ، وهو اتِّحادُ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ كَقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِالَّذِي مَرَرْتَ، وحَسَّنَ هَذا الحَذْفَ ورَجَّحَهُ كَوْنُ ﴿تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فاصِلَةً؛ ولِدَلالَةِ مِنهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] وفي التَّحْرِيرِ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] عَلى حَذْفٍ أيْ: ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ولا يُحْتاجُ إلى حَذْفٍ ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّ ما إذا كانَتْ مَصْدَرًا لَمْ تَحْتَجْ إلى عائِدٍ، فَإنْ جَعَلْتَها بِمَعْنى الَّذِي حَذَفْتَ المَفْعُولَ ولَمْ تَحْتَجْ إلى إضْمارِ مِن. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ ضَمِيرًا مُتَّصِلًا وشُرُوطُ جَوازِ الحَذْفِ فِيهِ مَوْجُودَةٌ، وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى قاعِدَةِ البَصْرِيِّينَ إلّا أنَّهُ يُفَوِّتُ فَصاحَةَ مُعادَلَةِ التَّرْكِيبِ؛ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فَعَدّاهُ بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ، فالمُعادَلَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] مِنهُ، فَلَوْ كانَ التَّرْكِيبُ مِمّا تَأْكُلُونَهُ لَكانَ تَقْدِيرُ تَشْرَبُونَهُ هو الرّاجِحَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُذِفَ الضَّمِيرُ، والمَعْنى مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، انْتَهى. فَقَوْلُهُ حُذِفَ الضَّمِيرُ مَعْناهُ مِمّا تَشْرَبُونَهُ، وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: مَشْرُوبُكم؛ لِأنَّ الَّذِي تَشْرَبُونَهُ هو مَشْرُوبُكم.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (إذا) واقِعٌ في جَزاءِ الشَّرْطِ وجَوابٌ لِلَّذِينِ قاوَلُوهم مِن قَوْمِهِمْ، أيْ تَخْسَرُونَ عُقُولَكم وتُغْبَنُونَ في آبائِكم. انْتَهى. ولَيْسَ (إذا) واقِعًا في جَزاءِ الشَّرْطِ بَلْ واقِعٌ بَيْنَ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرِ و﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ لَيْسَ جَزاءً لِلشَّرْطِ بَلْ ذَلِكَ جُمْلَةُ جَوابِ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ إنَّ المُوَطِّئَةِ، ولَوْ كانَتْ ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤] والخَبَرُ جَوابًا لِلشَّرْطِ لَلَزِمَتِ الفاءُ في ﴿إنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٤]، بَلْ لَوْ كانَ بِالفاءِ في تَرْكِيبٍ غَيْرِ القُرْآنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ جائِزًا إلّا عِنْدَ الفَرّاءِ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَهُ، وهو عِنْدَهم خَطَأٌ. واخْتَلَفَ المُعْرِبُونَ في تَخْرِيجِ (إنَّكم) الثّانِيَةِ، والمَنقُولُ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنْ (إنَّكم) بَدَلٌ مِنَ الأُولى، وفِيها مَعْنى التَّأْكِيدِ، وخَبَرُ (إنَّكم) الأُولى مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ خَبَرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ (إنَّكم ﴿) تُبْعَثُونَ (﴾ [المؤمنون: ١٦] إذا مِتُّمْ)، وهَذا الخَبَرُ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في (إذا)، وذَهَبَ الفَرّاءُ والجَرْمِيُّ والمُبَرِّدُ إلى أنَّ (إنَّكم) الثّانِيَةَ كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ لَمّا طالَ الكَلامُ حَسُنَ التَّكْرارُ، وعَلى هَذا يَكُونُ: ﴿مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرَ (إنَّكم) الأُولى، والعامِلُ في (إذا) هو هَذا الخَبَرُ، وكانَ المُبَرِّدُ يَأْبى البَدَلَ لِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ إذْ لَمْ يُذْكَرْ خَبَرُ إنَّ الأُولى. وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُقَدَّرٌ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَحْدُثُ إخْراجُكم، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا لِأنَّكم، ويَكُونُ جَوابُ: (إذا) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ المَحْذُوفُ هو خَبَرَ (إنَّكم) ويَكُونَ عامِلًا في (إذا) .
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ المُبَرِّدِ بادِئًا بِهِ فَقالَ: ثَنّى (إنَّكم) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ، وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ جَعَلَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] مُبْتَدَأً، و﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] خَبَرًا عَلى مَعْنى إخْراجِكم إذا مِتُّمْ، ثُمَّ أخْبَرَ بِالجُمْلَةِ عَنْ (أنَّكم)، انْتَهى. وهَذا تَخْرِيجٌ سَهْلٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ. قالَ: أوْ رَفَعَ ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِفِعْلٍ، هو جَزاءُ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: (إذا مِتُّمْ) وقَعَ إخْراجُكم. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ إلّا أنَّهُ حَتَّمَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرًا عَنْ: (أنَّكم)، ونَحْنُ جَوَّزْنا في قَوْلِ الأخْفَشِ هَذا الوَجْهَ، وأنْ يَكُونَ خَبَرُ (أنَّكم) ذَلِكَ الفِعْلَ المَحْذُوفَ وهو العامِلُ في: (إذا)، وفى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿أيَعِدُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، ﴿إذا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] بِإسْقاطِ (أنَّكم) الأُولى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ بِفَتْحِ التّاءَيْنِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِهِما مُنَوَّنَتَيْنِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِ خالِدِ بْنِ إلْياسَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِضَمِّهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وعَنْهُ عَنِ الأحْمَرِ بِالضَّمِّ والتَّنْوِينِ وافَقَهُ أأبُو السِّماكِ في الأوَّلِ وخالَفَهُ في الثّانِي. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِكَسْرِهِما مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِيسى وهي في تَمِيمٍ وأسَدٍ وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ خالِدِ بْنِ إلْياسَ بِكَسْرِهِما (p-٤٠٥)والتَّنْوِينِ. وقَرَأ خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْرَجِ وعِيسى أيْضًا بِإسْكانِهِما، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَلاعَبَتْ بِها العَرَبُ تَلاعُبًا كَبِيرًا بِالحَذْفِ والإبْدالِ والتَّنْوِينِ وغَيْرِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا في التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ ما يُنَيِّفُ عَلى أرْبَعِينَ لُغَةً، فالَّذِي أخْتارُهُ أنَّها إذا نُوِّنَتْ وكُسِرَتْ أوْ كُسِرَتْ ولَمْ تُنَوَّنْ لا تَكُونُ جَمْعًا لِهَيْهاتٍ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها جَمْعٌ لِهَيْهاتٍ، وكانَ حَقُّها عِنْدَهُ أنْ تَكُونَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ إلّا أنَّ ضَعْفَها لَمْ يَقْتَضِ إظْهارَ الياءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي مِثْلُ بَيْضاتٍ يَعْنِي في أنَّها جَمْعٌ، فَظَنَّ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّهُ أرادَ في اتِّفاقِ المُفْرَدِ، فَقالَ: واحِدُ هَيْهاتَ هَيْهَةٌ، وتَحْرِيرُ هَذا كُلِّهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، ولا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الكَلِمَةُ غالِبًا إلّا مُكَرَّرَةً، وجاءَتْ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ في قَوْلِ جَرِيرٍ:
؎وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهْ
وقَوْلِ رُؤْبَةَ:
؎هَيْهاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤُهُ
و﴿هَيْهاتَ﴾ اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَعَدّى بِرَفْعِ الفاعِلِ ظاهِرًا أوْ مُضْمَرًا، وهُنا جاءَ التَّرْكِيبُ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ لَمْ يَظْهَرِ الفاعِلُ فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ هو أيْ إخْراجُكم، وجاءَتِ اللّامُ لِلْبَيانِ أيْ أعْنِي لِما تُوعَدُونَ كَهي بَعْدَ سُقْيًا لَكَ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وبَنَيْتُ المُسْتَبْعَدَ ما هو بَعْدَ اسْمِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى البُعْدِ، كَما جاءَتْ في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] لِبَيانِ المُهَيَّتِ بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البُعْدُ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أوْ بُعْدٌ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ كَلامُهُ تَفْسِيرَ مَعْنًى لا تَفْسِيرَ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ مَصْدَرِيَّةُ ﴿هَيْهاتَ﴾، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَمَن نَوَّنَهُ نَزَّلَهُ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ لَيْسَ بِواضِحٍ؛ لِأنَّهم قَدْ نَوَّنُوا أسْماءَ الأفْعالِ، ولا نَقُولُ إنَّها إذا نُوِّنَتْ تَنَزَّلَتْ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَوْرًا تَلِي الفاعِلَ دُونَ لامٍ تَقُولُ هَيْهاتَ مَجِيءُ زَيْدٍ أيْ بَعُدَ، وأحْيانًا يَكُونُ الفاعِلُ مَحْذُوفًا، وذَلِكَ عِنْدَ اللّامِ كَهَذِهِ الآيَةِ التَّقْدِيرُ بَعْدَ الوُجُودِ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ الفاعِلِ، وفِيهِ أنَّهُ مَصْدَرٌ حُذِفَ وأُبْقِيَ مَعْمُولُهُ ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ شَيْئًا مِن هَذا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا في قِراءَةِ مَن ضَمَّ ونَوَّنَ أنَّهُ اسْمٌ مُعْرَبٌ مُسْتَقِلٌّ، وخَبَرُهُ: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ أيِ البُعْدُ لِوَعْدِكم، كَما تَقُولُ: النَّجْحُ لِسَعْيِكَ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَأمّا مَن قالَ: ﴿هَيْهاتَ﴾ فَرَفَعَ ونَوَّنَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ مُتَمَكِّنَيْنِ مُرْتَفِعَيْنِ بِالِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُما خَبَرَهُما مِن حُرُوفِ الجَرِّ، بِمَعْنى البُعْدِ.
﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ والتَّكْرارُ لِلتَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْمَيْنِ لِلْفِعْلِ والضَّمُّ لِلْبِناءِ مِثْلُ حَوْبُ في زَجْرِ الإبِلِ لَكِنَّهُ نُوِّنَ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ (ما تُوعَدُونَ) بِغَيْرِ لامٍ وتَكُونُ ما فاعِلَةً بِهَيْهاتَ. وهي قِراءَةٌ واضِحَةٌ.
وقالُوا (إنْ هي) هَذا الضَّمِيرُ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ؛ لِأنَّهم قَبْلُ أنْكَرُوا المَعادَ فَقالُوا: ﴿أيَعِدُكم أنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] الآيَةَ، فاسْتَفْهَمُوا اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ وتَوْقِيفٍ واسْتِهْزاءٍ، فَتَضَمَّنَ أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ إنِ الحَياةُ: ﴿إلّا حَياتُنا﴾ الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ: (هي) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْها ويُبَيِّنُها، ومِنهُ هي النَّفْسُ تَتَحَمَّلُ ما حُمِّلَتْ وهي العَرَبُ تَقُولُ ما شاءَتْ، والمَعْنى: لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا؛ لِأنَّ (إنْ) الثّانِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هي) الَّتِي هي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها فَوازَنَتْ لا الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ يَمُوتُ بَعْضٌ ويُولَدُ بَعْضٌ يَنْقَرِضُ قَرْنٌ ويَأْتِي قَرْنٌ، انْتَهى، ثُمَّ أكَّدُوا ما حَصَرُوهُ مِن أنْ لا حَياةَ إلّا حَياتُهم وجَزَمُوا بِانْتِفاءِ بَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ لِلْجَزاءِ وهَذا هو كُفْرُ الدَّهْرِيَّةِ، ثُمَّ نَسَبُوهُ إلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ في أنَّهُ نَبَّأهُ وأرْسَلَهُ إلَيْنا وأخْبَرَهُ أنّا نُبْعَثُ.
﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ، ولَمّا أيِسَ مِن إيمانِهِمْ ورَأى إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ دَعا عَلَيْهِمْ وطَلَبَ عُقُوبَتَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ عَنْ زَمَنٍ قَلِيلٍ، و(ما) تَوْكِيدٌ لِلْقِلَّةِ و(قَلِيلٍ) صِفَةٌ لِزَمَنٍ مَحْذُوفٍ وفي مَعْناهُ قَرِيبٌ. قِيلَ: أيْ بَعْدَ المَوْتِ تَصِيرُونَ نادِمِينَ. وقِيلَ: ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ وقْتُ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ظُهُورُ عَلاماتِهِ والنَّدامَةِ عَلى تَرْكِ قَبُولِ ما جاءَهم بِهِ رَسُولُهم حَيْثُ لا يَنْفَعُ (p-٤٠٦)الرُّجُوعُ، واللّامُ في ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ لامُ القَسَمِ، و﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ اللّامِ إمّا بِيُصْبِحُنَّ وإمّا بِنادِمِينَ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ جارٌّ ومَجْرُورٌ ويُتَسامَحُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِها؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ مَفْعُولًا بِهِ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ لَوْ قُلْتَ: لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا لَمْ يَجُزْ زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، وهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ مِن أنَّ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَ لامِ القَسَمِ هو قَوْلُ بَعْضِ أصْحابِنا، وجُمْهُورُهم عَلى أنَّ لامَ القَسَمِ لا يَتَقَدَّمُ شَيْءٌ مِن مَعْمُولاتِ ما بَعْدَها عَلَيْها، سَواءٌ كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا أوْ غَيْرَهُما، فَعَلى قَوْلِ هو لا يَكُونُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ ﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾ تُنْصَرُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ قالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ . وذَهَبُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ إلى جَوازِ تَقْدِيمِ مَعْمُولِ ما بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ عَلَيْها مُطْلَقًا. وفي اللَّوامِحِ عَنْ بَعْضِهِمْ لَتُصْبِحُنَّ بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، فَلَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنْ يَصِيرَ القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ إلى الكُفّارِ بَعْدَما أُجِيبَ دُعاؤُهُ لَكانَ جائِزًا - واللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صاحَ عَلَيْهِمْ فَدَمَّرَهم.
﴿بِالحَقِّ﴾ بِالوُجُوبِ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَوْجَبُوا الهَلاكَ أوْ بِالعَدْلِ مِنَ اللَّهِ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ شَبَّهَهم بِالغُثاءِ في دَمارِهِمْ، وهو حَمِيلُ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، انْتَهى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الرَّجْفَةُ. وقِيلَ: هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ. وقِيلَ: العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎صاحَ الزَّمانُ بِآلِ زَيْدٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشَنَّتِها عَلى الأذْقانِ
وقالَ المُفَضَّلُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ بِما لا مَدْفَعَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ”﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩]“ . وانْتَصَبَ بُعْدًا بِفِعْلٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ أيْ بَعُدُوا بُعْدًا. أيْ هَلَكُوا، يُقالُ بَعِدَ بُعْدًا وبَعَدًا نَحْوَ رَشِدَ رُشْدًا ورَشَدًا. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿لِلْقَوْمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِبُعْدًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بَيانٌ لِمَن دُعِيَ عَلَيْهِ بِالبُعْدِ نَحْوُ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] و﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، انْتَهى، فَلا تَتَعَلَّقُ بِبُعْدًا بَلْ بِمَحْذُوفٍ.
المؤمنون 23:42
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] .
(p-٤٠٧)﴿قُرُونًا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بَنُو إسْرائِيلَ. وقِيلَ: قِصَّةُ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُونُسَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - .
﴿ما تَسْبِقُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الحِجْرِ.
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ أيْ لِأُمَمٍ آخَرِينَ أنْشَأْناهم بَعْدَ أُولَئِكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والشّافِعِيُّ: ﴿تَتْرى﴾ مُنَوَّنًا وباقِي السَّبْعَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ أيْ مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وأضافَ الرُّسُلَ إلَيْهِ تَعالى وأضافَ رَسُولًا إلى ضَمِيرِ الأُمَّةِ المُرْسَلِ إلَيْها؛ لِأنَّ الإضافَةَ تَكُونُ بِالمُلابَسَةِ، والرَّسُولُ يُلابِسُ المُرْسَلَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ، فالأوَّلُ كانَتِ الإضافَةُ لِتَشْرِيفِ الرُّسُلِ، والثّانِي كانَتِ الإضافَةُ إلى الأُمَّةِ حَيْثُ كَذَّبَتْهُ ولَمْ يَنْجَحْ فِيهِمْ إرْسالُهُ إلَيْهِمْ فَناسَبَ الإضافَةَ إلَيْهِمْ.
﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ بَعْضَ القُرُونِ أوْ بَعْضَ الأُمَمِ بَعْضًا في الإهْلاكِ النّاشِئِ عَنِ التَّكْذِيبِ. و﴿أحادِيثَ﴾ جَمْعُ حَدِيثٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ، وجَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهو جَمْعٌ قِياسِيٌّ. والظّاهِرُ أنِ المُرادَ الثّانِي أيْ صارُوا يُتَحَدَّثُ بِهِمْ وبِحالِهِمْ في الإهْلاكِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والِاعْتِبارِ وضَرْبِ المَثَلِ بِهِمْ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ هَذا إلّا في الشَّرِّ ولا يُقالُ في الخَيْرِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهم عَيْنٌ ولا أثَرٌ إلّا الحَدِيثُ عَنْهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأحادِيثُ تَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ ومِنهُ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى. وأفاعِيلُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الجَمْعِ، وإنَّما ذَكَرَهُ أصْحابُنا فِيما شَذَّ مِنَ الجُمُوعِ كَقَطِيعٍ وأقاطِيعَ، وإذا كانَ عَبادِيدُ قَدْ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ وهو لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ فَأحْرى ﴿أحادِيثَ﴾ وقَدْ لُفِظَ لَهُ وهو حَدِيثٌ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لا اسْمُ جَمْعٍ لِما ذَكَرْناهُ.
﴿بِآياتِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي التِّسْعُ، وهي العَصا، واليَدُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والبَحْرُ، والسُّنُونَ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وهُما اللَّتانِ اقْتَرَنَ بِهِما التَّحَدِّي، ويَدْخُلُ في عُمُومِ اللَّفْظِ سائِرُ آياتِهِما كالبَحْرِ والمُرْسَلاتِ السِّتِّ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ لِفِرْعَوْنَ بَلْ هي خاصَّةٌ ب بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ بِدِينِنا.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ نَفْسُ المُعْجِزاتِ، وبِسُلْطانٍ مُبِينٍ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها؛ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ آياتِ الأنْبِياءِ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ العَصا؛ لِأنَّها كانَتْ أُمَّ آياتِ مُوسى وأُولاها، وقَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِالضَّرْبِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً خَضْراءَ مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ بَعْضَ الآياتِ لِما اسْتَبَدَّتْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ”بِسُلْطانٍ مُبِينٍ“ (p-٤٠٨)الآياتُ أُنْفُسُها أيْ هي آياتٌ وحُجَّةٌ بَيِّنَةٌ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بِ مُوسى وأخِيهِ نِفَةً.
﴿قَوْمًا عالِينَ﴾ أيْ رَفِيعِي الحالِ في الدُّنْيا أيْ مُتَطاوِلِينَ عَلى النّاسِ قاهِرِينَ بِالظُّلْمِ، أوْ مُتَكَبِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ وكانَ مِن شَأْنِهِمُ التَّكَبُّرُ. والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى المُفْرَدِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] ولَمّا أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ جازَتْ تَثْنِيَتُهُ فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾، ومِثْلُ يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ولا يُؤَنَّثُ، وقَدْ يُطابِقُ تَثْنِيَةً وجَمْعًا. و﴿وقَوْمُهُما﴾ أيْ بَنُو إسْرائِيلَ.
﴿لَنا عابِدُونَ﴾ أيْ خاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فادَّعى النّاسُ العِبادَةَ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ لِلْمَلِكِ عابِدًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الإهْلاكُ كالمَعْلُولِ لِلتَّكْذِيبِ أعْقَبَهُ بِالفاءِ أيْ فَكانُوا مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ إذْ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَقُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ.
﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى، و﴿الكِتابَ﴾ التَّوْراةَ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾، ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِأنَّ ﴿الكِتابَ﴾ لَمْ يُؤْتَهُ مُوسى إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] .
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تَرَجٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ لِشَرائِعِها ومَواعِظِها.
المؤمنون 23:43
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] .
(p-٤٠٧)﴿قُرُونًا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بَنُو إسْرائِيلَ. وقِيلَ: قِصَّةُ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُونُسَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - .
﴿ما تَسْبِقُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الحِجْرِ.
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ أيْ لِأُمَمٍ آخَرِينَ أنْشَأْناهم بَعْدَ أُولَئِكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والشّافِعِيُّ: ﴿تَتْرى﴾ مُنَوَّنًا وباقِي السَّبْعَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ أيْ مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وأضافَ الرُّسُلَ إلَيْهِ تَعالى وأضافَ رَسُولًا إلى ضَمِيرِ الأُمَّةِ المُرْسَلِ إلَيْها؛ لِأنَّ الإضافَةَ تَكُونُ بِالمُلابَسَةِ، والرَّسُولُ يُلابِسُ المُرْسَلَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ، فالأوَّلُ كانَتِ الإضافَةُ لِتَشْرِيفِ الرُّسُلِ، والثّانِي كانَتِ الإضافَةُ إلى الأُمَّةِ حَيْثُ كَذَّبَتْهُ ولَمْ يَنْجَحْ فِيهِمْ إرْسالُهُ إلَيْهِمْ فَناسَبَ الإضافَةَ إلَيْهِمْ.
﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ بَعْضَ القُرُونِ أوْ بَعْضَ الأُمَمِ بَعْضًا في الإهْلاكِ النّاشِئِ عَنِ التَّكْذِيبِ. و﴿أحادِيثَ﴾ جَمْعُ حَدِيثٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ، وجَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهو جَمْعٌ قِياسِيٌّ. والظّاهِرُ أنِ المُرادَ الثّانِي أيْ صارُوا يُتَحَدَّثُ بِهِمْ وبِحالِهِمْ في الإهْلاكِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والِاعْتِبارِ وضَرْبِ المَثَلِ بِهِمْ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ هَذا إلّا في الشَّرِّ ولا يُقالُ في الخَيْرِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهم عَيْنٌ ولا أثَرٌ إلّا الحَدِيثُ عَنْهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأحادِيثُ تَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ ومِنهُ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى. وأفاعِيلُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الجَمْعِ، وإنَّما ذَكَرَهُ أصْحابُنا فِيما شَذَّ مِنَ الجُمُوعِ كَقَطِيعٍ وأقاطِيعَ، وإذا كانَ عَبادِيدُ قَدْ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ وهو لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ فَأحْرى ﴿أحادِيثَ﴾ وقَدْ لُفِظَ لَهُ وهو حَدِيثٌ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لا اسْمُ جَمْعٍ لِما ذَكَرْناهُ.
﴿بِآياتِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي التِّسْعُ، وهي العَصا، واليَدُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والبَحْرُ، والسُّنُونَ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وهُما اللَّتانِ اقْتَرَنَ بِهِما التَّحَدِّي، ويَدْخُلُ في عُمُومِ اللَّفْظِ سائِرُ آياتِهِما كالبَحْرِ والمُرْسَلاتِ السِّتِّ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ لِفِرْعَوْنَ بَلْ هي خاصَّةٌ ب بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ بِدِينِنا.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ نَفْسُ المُعْجِزاتِ، وبِسُلْطانٍ مُبِينٍ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها؛ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ آياتِ الأنْبِياءِ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ العَصا؛ لِأنَّها كانَتْ أُمَّ آياتِ مُوسى وأُولاها، وقَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِالضَّرْبِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً خَضْراءَ مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ بَعْضَ الآياتِ لِما اسْتَبَدَّتْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ”بِسُلْطانٍ مُبِينٍ“ (p-٤٠٨)الآياتُ أُنْفُسُها أيْ هي آياتٌ وحُجَّةٌ بَيِّنَةٌ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بِ مُوسى وأخِيهِ نِفَةً.
﴿قَوْمًا عالِينَ﴾ أيْ رَفِيعِي الحالِ في الدُّنْيا أيْ مُتَطاوِلِينَ عَلى النّاسِ قاهِرِينَ بِالظُّلْمِ، أوْ مُتَكَبِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ وكانَ مِن شَأْنِهِمُ التَّكَبُّرُ. والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى المُفْرَدِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] ولَمّا أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ جازَتْ تَثْنِيَتُهُ فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾، ومِثْلُ يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ولا يُؤَنَّثُ، وقَدْ يُطابِقُ تَثْنِيَةً وجَمْعًا. و﴿وقَوْمُهُما﴾ أيْ بَنُو إسْرائِيلَ.
﴿لَنا عابِدُونَ﴾ أيْ خاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فادَّعى النّاسُ العِبادَةَ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ لِلْمَلِكِ عابِدًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الإهْلاكُ كالمَعْلُولِ لِلتَّكْذِيبِ أعْقَبَهُ بِالفاءِ أيْ فَكانُوا مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ إذْ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَقُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ.
﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى، و﴿الكِتابَ﴾ التَّوْراةَ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾، ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِأنَّ ﴿الكِتابَ﴾ لَمْ يُؤْتَهُ مُوسى إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] .
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تَرَجٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ لِشَرائِعِها ومَواعِظِها.
المؤمنون 23:44
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] .
(p-٤٠٧)﴿قُرُونًا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بَنُو إسْرائِيلَ. وقِيلَ: قِصَّةُ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُونُسَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - .
﴿ما تَسْبِقُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الحِجْرِ.
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ أيْ لِأُمَمٍ آخَرِينَ أنْشَأْناهم بَعْدَ أُولَئِكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والشّافِعِيُّ: ﴿تَتْرى﴾ مُنَوَّنًا وباقِي السَّبْعَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ أيْ مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وأضافَ الرُّسُلَ إلَيْهِ تَعالى وأضافَ رَسُولًا إلى ضَمِيرِ الأُمَّةِ المُرْسَلِ إلَيْها؛ لِأنَّ الإضافَةَ تَكُونُ بِالمُلابَسَةِ، والرَّسُولُ يُلابِسُ المُرْسَلَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ، فالأوَّلُ كانَتِ الإضافَةُ لِتَشْرِيفِ الرُّسُلِ، والثّانِي كانَتِ الإضافَةُ إلى الأُمَّةِ حَيْثُ كَذَّبَتْهُ ولَمْ يَنْجَحْ فِيهِمْ إرْسالُهُ إلَيْهِمْ فَناسَبَ الإضافَةَ إلَيْهِمْ.
﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ بَعْضَ القُرُونِ أوْ بَعْضَ الأُمَمِ بَعْضًا في الإهْلاكِ النّاشِئِ عَنِ التَّكْذِيبِ. و﴿أحادِيثَ﴾ جَمْعُ حَدِيثٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ، وجَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهو جَمْعٌ قِياسِيٌّ. والظّاهِرُ أنِ المُرادَ الثّانِي أيْ صارُوا يُتَحَدَّثُ بِهِمْ وبِحالِهِمْ في الإهْلاكِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والِاعْتِبارِ وضَرْبِ المَثَلِ بِهِمْ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ هَذا إلّا في الشَّرِّ ولا يُقالُ في الخَيْرِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهم عَيْنٌ ولا أثَرٌ إلّا الحَدِيثُ عَنْهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأحادِيثُ تَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ ومِنهُ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى. وأفاعِيلُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الجَمْعِ، وإنَّما ذَكَرَهُ أصْحابُنا فِيما شَذَّ مِنَ الجُمُوعِ كَقَطِيعٍ وأقاطِيعَ، وإذا كانَ عَبادِيدُ قَدْ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ وهو لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ فَأحْرى ﴿أحادِيثَ﴾ وقَدْ لُفِظَ لَهُ وهو حَدِيثٌ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لا اسْمُ جَمْعٍ لِما ذَكَرْناهُ.
﴿بِآياتِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي التِّسْعُ، وهي العَصا، واليَدُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والبَحْرُ، والسُّنُونَ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وهُما اللَّتانِ اقْتَرَنَ بِهِما التَّحَدِّي، ويَدْخُلُ في عُمُومِ اللَّفْظِ سائِرُ آياتِهِما كالبَحْرِ والمُرْسَلاتِ السِّتِّ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ لِفِرْعَوْنَ بَلْ هي خاصَّةٌ ب بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ بِدِينِنا.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ نَفْسُ المُعْجِزاتِ، وبِسُلْطانٍ مُبِينٍ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها؛ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ آياتِ الأنْبِياءِ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ العَصا؛ لِأنَّها كانَتْ أُمَّ آياتِ مُوسى وأُولاها، وقَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِالضَّرْبِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً خَضْراءَ مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ بَعْضَ الآياتِ لِما اسْتَبَدَّتْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ”بِسُلْطانٍ مُبِينٍ“ (p-٤٠٨)الآياتُ أُنْفُسُها أيْ هي آياتٌ وحُجَّةٌ بَيِّنَةٌ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بِ مُوسى وأخِيهِ نِفَةً.
﴿قَوْمًا عالِينَ﴾ أيْ رَفِيعِي الحالِ في الدُّنْيا أيْ مُتَطاوِلِينَ عَلى النّاسِ قاهِرِينَ بِالظُّلْمِ، أوْ مُتَكَبِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ وكانَ مِن شَأْنِهِمُ التَّكَبُّرُ. والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى المُفْرَدِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] ولَمّا أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ جازَتْ تَثْنِيَتُهُ فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾، ومِثْلُ يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ولا يُؤَنَّثُ، وقَدْ يُطابِقُ تَثْنِيَةً وجَمْعًا. و﴿وقَوْمُهُما﴾ أيْ بَنُو إسْرائِيلَ.
﴿لَنا عابِدُونَ﴾ أيْ خاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فادَّعى النّاسُ العِبادَةَ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ لِلْمَلِكِ عابِدًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الإهْلاكُ كالمَعْلُولِ لِلتَّكْذِيبِ أعْقَبَهُ بِالفاءِ أيْ فَكانُوا مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ إذْ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَقُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ.
﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى، و﴿الكِتابَ﴾ التَّوْراةَ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾، ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِأنَّ ﴿الكِتابَ﴾ لَمْ يُؤْتَهُ مُوسى إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] .
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تَرَجٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ لِشَرائِعِها ومَواعِظِها.
المؤمنون 23:45
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] .
(p-٤٠٧)﴿قُرُونًا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بَنُو إسْرائِيلَ. وقِيلَ: قِصَّةُ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُونُسَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - .
﴿ما تَسْبِقُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الحِجْرِ.
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ أيْ لِأُمَمٍ آخَرِينَ أنْشَأْناهم بَعْدَ أُولَئِكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والشّافِعِيُّ: ﴿تَتْرى﴾ مُنَوَّنًا وباقِي السَّبْعَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ أيْ مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وأضافَ الرُّسُلَ إلَيْهِ تَعالى وأضافَ رَسُولًا إلى ضَمِيرِ الأُمَّةِ المُرْسَلِ إلَيْها؛ لِأنَّ الإضافَةَ تَكُونُ بِالمُلابَسَةِ، والرَّسُولُ يُلابِسُ المُرْسَلَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ، فالأوَّلُ كانَتِ الإضافَةُ لِتَشْرِيفِ الرُّسُلِ، والثّانِي كانَتِ الإضافَةُ إلى الأُمَّةِ حَيْثُ كَذَّبَتْهُ ولَمْ يَنْجَحْ فِيهِمْ إرْسالُهُ إلَيْهِمْ فَناسَبَ الإضافَةَ إلَيْهِمْ.
﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ بَعْضَ القُرُونِ أوْ بَعْضَ الأُمَمِ بَعْضًا في الإهْلاكِ النّاشِئِ عَنِ التَّكْذِيبِ. و﴿أحادِيثَ﴾ جَمْعُ حَدِيثٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ، وجَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهو جَمْعٌ قِياسِيٌّ. والظّاهِرُ أنِ المُرادَ الثّانِي أيْ صارُوا يُتَحَدَّثُ بِهِمْ وبِحالِهِمْ في الإهْلاكِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والِاعْتِبارِ وضَرْبِ المَثَلِ بِهِمْ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ هَذا إلّا في الشَّرِّ ولا يُقالُ في الخَيْرِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهم عَيْنٌ ولا أثَرٌ إلّا الحَدِيثُ عَنْهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأحادِيثُ تَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ ومِنهُ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى. وأفاعِيلُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الجَمْعِ، وإنَّما ذَكَرَهُ أصْحابُنا فِيما شَذَّ مِنَ الجُمُوعِ كَقَطِيعٍ وأقاطِيعَ، وإذا كانَ عَبادِيدُ قَدْ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ وهو لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ فَأحْرى ﴿أحادِيثَ﴾ وقَدْ لُفِظَ لَهُ وهو حَدِيثٌ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لا اسْمُ جَمْعٍ لِما ذَكَرْناهُ.
﴿بِآياتِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي التِّسْعُ، وهي العَصا، واليَدُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والبَحْرُ، والسُّنُونَ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وهُما اللَّتانِ اقْتَرَنَ بِهِما التَّحَدِّي، ويَدْخُلُ في عُمُومِ اللَّفْظِ سائِرُ آياتِهِما كالبَحْرِ والمُرْسَلاتِ السِّتِّ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ لِفِرْعَوْنَ بَلْ هي خاصَّةٌ ب بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ بِدِينِنا.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ نَفْسُ المُعْجِزاتِ، وبِسُلْطانٍ مُبِينٍ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها؛ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ آياتِ الأنْبِياءِ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ العَصا؛ لِأنَّها كانَتْ أُمَّ آياتِ مُوسى وأُولاها، وقَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِالضَّرْبِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً خَضْراءَ مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ بَعْضَ الآياتِ لِما اسْتَبَدَّتْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ”بِسُلْطانٍ مُبِينٍ“ (p-٤٠٨)الآياتُ أُنْفُسُها أيْ هي آياتٌ وحُجَّةٌ بَيِّنَةٌ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بِ مُوسى وأخِيهِ نِفَةً.
﴿قَوْمًا عالِينَ﴾ أيْ رَفِيعِي الحالِ في الدُّنْيا أيْ مُتَطاوِلِينَ عَلى النّاسِ قاهِرِينَ بِالظُّلْمِ، أوْ مُتَكَبِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ وكانَ مِن شَأْنِهِمُ التَّكَبُّرُ. والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى المُفْرَدِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] ولَمّا أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ جازَتْ تَثْنِيَتُهُ فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾، ومِثْلُ يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ولا يُؤَنَّثُ، وقَدْ يُطابِقُ تَثْنِيَةً وجَمْعًا. و﴿وقَوْمُهُما﴾ أيْ بَنُو إسْرائِيلَ.
﴿لَنا عابِدُونَ﴾ أيْ خاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فادَّعى النّاسُ العِبادَةَ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ لِلْمَلِكِ عابِدًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الإهْلاكُ كالمَعْلُولِ لِلتَّكْذِيبِ أعْقَبَهُ بِالفاءِ أيْ فَكانُوا مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ إذْ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَقُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ.
﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى، و﴿الكِتابَ﴾ التَّوْراةَ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾، ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِأنَّ ﴿الكِتابَ﴾ لَمْ يُؤْتَهُ مُوسى إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] .
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تَرَجٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ لِشَرائِعِها ومَواعِظِها.
المؤمنون 23:46
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] .
(p-٤٠٧)﴿قُرُونًا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بَنُو إسْرائِيلَ. وقِيلَ: قِصَّةُ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُونُسَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - .
﴿ما تَسْبِقُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الحِجْرِ.
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ أيْ لِأُمَمٍ آخَرِينَ أنْشَأْناهم بَعْدَ أُولَئِكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والشّافِعِيُّ: ﴿تَتْرى﴾ مُنَوَّنًا وباقِي السَّبْعَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ أيْ مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وأضافَ الرُّسُلَ إلَيْهِ تَعالى وأضافَ رَسُولًا إلى ضَمِيرِ الأُمَّةِ المُرْسَلِ إلَيْها؛ لِأنَّ الإضافَةَ تَكُونُ بِالمُلابَسَةِ، والرَّسُولُ يُلابِسُ المُرْسَلَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ، فالأوَّلُ كانَتِ الإضافَةُ لِتَشْرِيفِ الرُّسُلِ، والثّانِي كانَتِ الإضافَةُ إلى الأُمَّةِ حَيْثُ كَذَّبَتْهُ ولَمْ يَنْجَحْ فِيهِمْ إرْسالُهُ إلَيْهِمْ فَناسَبَ الإضافَةَ إلَيْهِمْ.
﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ بَعْضَ القُرُونِ أوْ بَعْضَ الأُمَمِ بَعْضًا في الإهْلاكِ النّاشِئِ عَنِ التَّكْذِيبِ. و﴿أحادِيثَ﴾ جَمْعُ حَدِيثٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ، وجَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهو جَمْعٌ قِياسِيٌّ. والظّاهِرُ أنِ المُرادَ الثّانِي أيْ صارُوا يُتَحَدَّثُ بِهِمْ وبِحالِهِمْ في الإهْلاكِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والِاعْتِبارِ وضَرْبِ المَثَلِ بِهِمْ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ هَذا إلّا في الشَّرِّ ولا يُقالُ في الخَيْرِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهم عَيْنٌ ولا أثَرٌ إلّا الحَدِيثُ عَنْهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأحادِيثُ تَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ ومِنهُ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى. وأفاعِيلُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الجَمْعِ، وإنَّما ذَكَرَهُ أصْحابُنا فِيما شَذَّ مِنَ الجُمُوعِ كَقَطِيعٍ وأقاطِيعَ، وإذا كانَ عَبادِيدُ قَدْ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ وهو لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ فَأحْرى ﴿أحادِيثَ﴾ وقَدْ لُفِظَ لَهُ وهو حَدِيثٌ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لا اسْمُ جَمْعٍ لِما ذَكَرْناهُ.
﴿بِآياتِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي التِّسْعُ، وهي العَصا، واليَدُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والبَحْرُ، والسُّنُونَ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وهُما اللَّتانِ اقْتَرَنَ بِهِما التَّحَدِّي، ويَدْخُلُ في عُمُومِ اللَّفْظِ سائِرُ آياتِهِما كالبَحْرِ والمُرْسَلاتِ السِّتِّ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ لِفِرْعَوْنَ بَلْ هي خاصَّةٌ ب بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ بِدِينِنا.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ نَفْسُ المُعْجِزاتِ، وبِسُلْطانٍ مُبِينٍ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها؛ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ آياتِ الأنْبِياءِ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ العَصا؛ لِأنَّها كانَتْ أُمَّ آياتِ مُوسى وأُولاها، وقَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِالضَّرْبِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً خَضْراءَ مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ بَعْضَ الآياتِ لِما اسْتَبَدَّتْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ”بِسُلْطانٍ مُبِينٍ“ (p-٤٠٨)الآياتُ أُنْفُسُها أيْ هي آياتٌ وحُجَّةٌ بَيِّنَةٌ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بِ مُوسى وأخِيهِ نِفَةً.
﴿قَوْمًا عالِينَ﴾ أيْ رَفِيعِي الحالِ في الدُّنْيا أيْ مُتَطاوِلِينَ عَلى النّاسِ قاهِرِينَ بِالظُّلْمِ، أوْ مُتَكَبِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ وكانَ مِن شَأْنِهِمُ التَّكَبُّرُ. والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى المُفْرَدِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] ولَمّا أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ جازَتْ تَثْنِيَتُهُ فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾، ومِثْلُ يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ولا يُؤَنَّثُ، وقَدْ يُطابِقُ تَثْنِيَةً وجَمْعًا. و﴿وقَوْمُهُما﴾ أيْ بَنُو إسْرائِيلَ.
﴿لَنا عابِدُونَ﴾ أيْ خاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فادَّعى النّاسُ العِبادَةَ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ لِلْمَلِكِ عابِدًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الإهْلاكُ كالمَعْلُولِ لِلتَّكْذِيبِ أعْقَبَهُ بِالفاءِ أيْ فَكانُوا مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ إذْ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَقُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ.
﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى، و﴿الكِتابَ﴾ التَّوْراةَ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾، ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِأنَّ ﴿الكِتابَ﴾ لَمْ يُؤْتَهُ مُوسى إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] .
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تَرَجٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ لِشَرائِعِها ومَواعِظِها.
المؤمنون 23:47
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] .
(p-٤٠٧)﴿قُرُونًا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بَنُو إسْرائِيلَ. وقِيلَ: قِصَّةُ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُونُسَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - .
﴿ما تَسْبِقُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الحِجْرِ.
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ أيْ لِأُمَمٍ آخَرِينَ أنْشَأْناهم بَعْدَ أُولَئِكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والشّافِعِيُّ: ﴿تَتْرى﴾ مُنَوَّنًا وباقِي السَّبْعَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ أيْ مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وأضافَ الرُّسُلَ إلَيْهِ تَعالى وأضافَ رَسُولًا إلى ضَمِيرِ الأُمَّةِ المُرْسَلِ إلَيْها؛ لِأنَّ الإضافَةَ تَكُونُ بِالمُلابَسَةِ، والرَّسُولُ يُلابِسُ المُرْسَلَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ، فالأوَّلُ كانَتِ الإضافَةُ لِتَشْرِيفِ الرُّسُلِ، والثّانِي كانَتِ الإضافَةُ إلى الأُمَّةِ حَيْثُ كَذَّبَتْهُ ولَمْ يَنْجَحْ فِيهِمْ إرْسالُهُ إلَيْهِمْ فَناسَبَ الإضافَةَ إلَيْهِمْ.
﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ بَعْضَ القُرُونِ أوْ بَعْضَ الأُمَمِ بَعْضًا في الإهْلاكِ النّاشِئِ عَنِ التَّكْذِيبِ. و﴿أحادِيثَ﴾ جَمْعُ حَدِيثٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ، وجَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهو جَمْعٌ قِياسِيٌّ. والظّاهِرُ أنِ المُرادَ الثّانِي أيْ صارُوا يُتَحَدَّثُ بِهِمْ وبِحالِهِمْ في الإهْلاكِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والِاعْتِبارِ وضَرْبِ المَثَلِ بِهِمْ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ هَذا إلّا في الشَّرِّ ولا يُقالُ في الخَيْرِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهم عَيْنٌ ولا أثَرٌ إلّا الحَدِيثُ عَنْهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأحادِيثُ تَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ ومِنهُ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى. وأفاعِيلُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الجَمْعِ، وإنَّما ذَكَرَهُ أصْحابُنا فِيما شَذَّ مِنَ الجُمُوعِ كَقَطِيعٍ وأقاطِيعَ، وإذا كانَ عَبادِيدُ قَدْ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ وهو لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ فَأحْرى ﴿أحادِيثَ﴾ وقَدْ لُفِظَ لَهُ وهو حَدِيثٌ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لا اسْمُ جَمْعٍ لِما ذَكَرْناهُ.
﴿بِآياتِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي التِّسْعُ، وهي العَصا، واليَدُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والبَحْرُ، والسُّنُونَ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وهُما اللَّتانِ اقْتَرَنَ بِهِما التَّحَدِّي، ويَدْخُلُ في عُمُومِ اللَّفْظِ سائِرُ آياتِهِما كالبَحْرِ والمُرْسَلاتِ السِّتِّ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ لِفِرْعَوْنَ بَلْ هي خاصَّةٌ ب بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ بِدِينِنا.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ نَفْسُ المُعْجِزاتِ، وبِسُلْطانٍ مُبِينٍ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها؛ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ آياتِ الأنْبِياءِ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ العَصا؛ لِأنَّها كانَتْ أُمَّ آياتِ مُوسى وأُولاها، وقَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِالضَّرْبِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً خَضْراءَ مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ بَعْضَ الآياتِ لِما اسْتَبَدَّتْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ”بِسُلْطانٍ مُبِينٍ“ (p-٤٠٨)الآياتُ أُنْفُسُها أيْ هي آياتٌ وحُجَّةٌ بَيِّنَةٌ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بِ مُوسى وأخِيهِ نِفَةً.
﴿قَوْمًا عالِينَ﴾ أيْ رَفِيعِي الحالِ في الدُّنْيا أيْ مُتَطاوِلِينَ عَلى النّاسِ قاهِرِينَ بِالظُّلْمِ، أوْ مُتَكَبِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ وكانَ مِن شَأْنِهِمُ التَّكَبُّرُ. والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى المُفْرَدِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] ولَمّا أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ جازَتْ تَثْنِيَتُهُ فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾، ومِثْلُ يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ولا يُؤَنَّثُ، وقَدْ يُطابِقُ تَثْنِيَةً وجَمْعًا. و﴿وقَوْمُهُما﴾ أيْ بَنُو إسْرائِيلَ.
﴿لَنا عابِدُونَ﴾ أيْ خاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فادَّعى النّاسُ العِبادَةَ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ لِلْمَلِكِ عابِدًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الإهْلاكُ كالمَعْلُولِ لِلتَّكْذِيبِ أعْقَبَهُ بِالفاءِ أيْ فَكانُوا مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ إذْ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَقُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ.
﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى، و﴿الكِتابَ﴾ التَّوْراةَ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾، ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِأنَّ ﴿الكِتابَ﴾ لَمْ يُؤْتَهُ مُوسى إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] .
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تَرَجٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ لِشَرائِعِها ومَواعِظِها.
المؤمنون 23:48
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] .
(p-٤٠٧)﴿قُرُونًا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بَنُو إسْرائِيلَ. وقِيلَ: قِصَّةُ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُونُسَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - .
﴿ما تَسْبِقُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الحِجْرِ.
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ أيْ لِأُمَمٍ آخَرِينَ أنْشَأْناهم بَعْدَ أُولَئِكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والشّافِعِيُّ: ﴿تَتْرى﴾ مُنَوَّنًا وباقِي السَّبْعَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ أيْ مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وأضافَ الرُّسُلَ إلَيْهِ تَعالى وأضافَ رَسُولًا إلى ضَمِيرِ الأُمَّةِ المُرْسَلِ إلَيْها؛ لِأنَّ الإضافَةَ تَكُونُ بِالمُلابَسَةِ، والرَّسُولُ يُلابِسُ المُرْسَلَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ، فالأوَّلُ كانَتِ الإضافَةُ لِتَشْرِيفِ الرُّسُلِ، والثّانِي كانَتِ الإضافَةُ إلى الأُمَّةِ حَيْثُ كَذَّبَتْهُ ولَمْ يَنْجَحْ فِيهِمْ إرْسالُهُ إلَيْهِمْ فَناسَبَ الإضافَةَ إلَيْهِمْ.
﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ بَعْضَ القُرُونِ أوْ بَعْضَ الأُمَمِ بَعْضًا في الإهْلاكِ النّاشِئِ عَنِ التَّكْذِيبِ. و﴿أحادِيثَ﴾ جَمْعُ حَدِيثٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ، وجَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهو جَمْعٌ قِياسِيٌّ. والظّاهِرُ أنِ المُرادَ الثّانِي أيْ صارُوا يُتَحَدَّثُ بِهِمْ وبِحالِهِمْ في الإهْلاكِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والِاعْتِبارِ وضَرْبِ المَثَلِ بِهِمْ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ هَذا إلّا في الشَّرِّ ولا يُقالُ في الخَيْرِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهم عَيْنٌ ولا أثَرٌ إلّا الحَدِيثُ عَنْهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأحادِيثُ تَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ ومِنهُ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى. وأفاعِيلُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الجَمْعِ، وإنَّما ذَكَرَهُ أصْحابُنا فِيما شَذَّ مِنَ الجُمُوعِ كَقَطِيعٍ وأقاطِيعَ، وإذا كانَ عَبادِيدُ قَدْ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ وهو لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ فَأحْرى ﴿أحادِيثَ﴾ وقَدْ لُفِظَ لَهُ وهو حَدِيثٌ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لا اسْمُ جَمْعٍ لِما ذَكَرْناهُ.
﴿بِآياتِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي التِّسْعُ، وهي العَصا، واليَدُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والبَحْرُ، والسُّنُونَ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وهُما اللَّتانِ اقْتَرَنَ بِهِما التَّحَدِّي، ويَدْخُلُ في عُمُومِ اللَّفْظِ سائِرُ آياتِهِما كالبَحْرِ والمُرْسَلاتِ السِّتِّ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ لِفِرْعَوْنَ بَلْ هي خاصَّةٌ ب بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ بِدِينِنا.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ نَفْسُ المُعْجِزاتِ، وبِسُلْطانٍ مُبِينٍ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها؛ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ آياتِ الأنْبِياءِ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ العَصا؛ لِأنَّها كانَتْ أُمَّ آياتِ مُوسى وأُولاها، وقَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِالضَّرْبِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً خَضْراءَ مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ بَعْضَ الآياتِ لِما اسْتَبَدَّتْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ”بِسُلْطانٍ مُبِينٍ“ (p-٤٠٨)الآياتُ أُنْفُسُها أيْ هي آياتٌ وحُجَّةٌ بَيِّنَةٌ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بِ مُوسى وأخِيهِ نِفَةً.
﴿قَوْمًا عالِينَ﴾ أيْ رَفِيعِي الحالِ في الدُّنْيا أيْ مُتَطاوِلِينَ عَلى النّاسِ قاهِرِينَ بِالظُّلْمِ، أوْ مُتَكَبِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ وكانَ مِن شَأْنِهِمُ التَّكَبُّرُ. والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى المُفْرَدِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] ولَمّا أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ جازَتْ تَثْنِيَتُهُ فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾، ومِثْلُ يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ولا يُؤَنَّثُ، وقَدْ يُطابِقُ تَثْنِيَةً وجَمْعًا. و﴿وقَوْمُهُما﴾ أيْ بَنُو إسْرائِيلَ.
﴿لَنا عابِدُونَ﴾ أيْ خاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فادَّعى النّاسُ العِبادَةَ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ لِلْمَلِكِ عابِدًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الإهْلاكُ كالمَعْلُولِ لِلتَّكْذِيبِ أعْقَبَهُ بِالفاءِ أيْ فَكانُوا مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ إذْ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَقُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ.
﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى، و﴿الكِتابَ﴾ التَّوْراةَ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾، ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِأنَّ ﴿الكِتابَ﴾ لَمْ يُؤْتَهُ مُوسى إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] .
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تَرَجٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ لِشَرائِعِها ومَواعِظِها.
المؤمنون 23:49
﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] .
(p-٤٠٧)﴿قُرُونًا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بَنُو إسْرائِيلَ. وقِيلَ: قِصَّةُ لُوطٍ وشُعَيْبٍ وأيُّوبَ ويُونُسَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - .
﴿ما تَسْبِقُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الحِجْرِ.
﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ أيْ لِأُمَمٍ آخَرِينَ أنْشَأْناهم بَعْدَ أُولَئِكَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والشّافِعِيُّ: ﴿تَتْرى﴾ مُنَوَّنًا وباقِي السَّبْعَةِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ أيْ مُتَواتِرِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وأضافَ الرُّسُلَ إلَيْهِ تَعالى وأضافَ رَسُولًا إلى ضَمِيرِ الأُمَّةِ المُرْسَلِ إلَيْها؛ لِأنَّ الإضافَةَ تَكُونُ بِالمُلابَسَةِ، والرَّسُولُ يُلابِسُ المُرْسَلَ والمُرْسَلَ إلَيْهِ، فالأوَّلُ كانَتِ الإضافَةُ لِتَشْرِيفِ الرُّسُلِ، والثّانِي كانَتِ الإضافَةُ إلى الأُمَّةِ حَيْثُ كَذَّبَتْهُ ولَمْ يَنْجَحْ فِيهِمْ إرْسالُهُ إلَيْهِمْ فَناسَبَ الإضافَةَ إلَيْهِمْ.
﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ بَعْضَ القُرُونِ أوْ بَعْضَ الأُمَمِ بَعْضًا في الإهْلاكِ النّاشِئِ عَنِ التَّكْذِيبِ. و﴿أحادِيثَ﴾ جَمْعُ حَدِيثٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ، وجَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وهو جَمْعٌ قِياسِيٌّ. والظّاهِرُ أنِ المُرادَ الثّانِي أيْ صارُوا يُتَحَدَّثُ بِهِمْ وبِحالِهِمْ في الإهْلاكِ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والِاعْتِبارِ وضَرْبِ المَثَلِ بِهِمْ. وقالَ الأخْفَشُ: لا يُقالُ هَذا إلّا في الشَّرِّ ولا يُقالُ في الخَيْرِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنهم عَيْنٌ ولا أثَرٌ إلّا الحَدِيثُ عَنْهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأحادِيثُ تَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ ومِنهُ أحادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهى. وأفاعِيلُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الجَمْعِ، وإنَّما ذَكَرَهُ أصْحابُنا فِيما شَذَّ مِنَ الجُمُوعِ كَقَطِيعٍ وأقاطِيعَ، وإذا كانَ عَبادِيدُ قَدْ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ وهو لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ فَأحْرى ﴿أحادِيثَ﴾ وقَدْ لُفِظَ لَهُ وهو حَدِيثٌ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لا اسْمُ جَمْعٍ لِما ذَكَرْناهُ.
﴿بِآياتِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي التِّسْعُ، وهي العَصا، واليَدُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والبَحْرُ، والسُّنُونَ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ قِيلَ: هي العَصا، واليَدُ، وهُما اللَّتانِ اقْتَرَنَ بِهِما التَّحَدِّي، ويَدْخُلُ في عُمُومِ اللَّفْظِ سائِرُ آياتِهِما كالبَحْرِ والمُرْسَلاتِ السِّتِّ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ لِفِرْعَوْنَ بَلْ هي خاصَّةٌ ب بَنِي إسْرائِيلَ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ بِدِينِنا.
﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ نَفْسُ المُعْجِزاتِ، وبِسُلْطانٍ مُبِينٍ كَيْفِيَّةُ دَلالَتِها؛ لِأنَّها وإنْ شارَكَتْ آياتِ الأنْبِياءِ فَقَدْ فارَقَتْها في قُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسُّلْطانِ المُبِينِ العَصا؛ لِأنَّها كانَتْ أُمَّ آياتِ مُوسى وأُولاها، وقَدْ تَعَلَّقَتْ بِها مُعْجِزاتٌ شَتّى مِنِ انْقِلابِها حَيَّةً وتَلَقُّفِها ما أفَكَتْهُ السَّحَرَةُ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ بِالضَّرْبِ بِها، وكَوْنِها حارِسًا وشَمْعَةً وشَجَرَةً خَضْراءَ مُثْمِرَةً ودَلْوًا ورِشاءً، جُعِلَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ بَعْضَ الآياتِ لِما اسْتَبَدَّتْ بِهِ مِنَ الفَضْلِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ”بِسُلْطانٍ مُبِينٍ“ (p-٤٠٨)الآياتُ أُنْفُسُها أيْ هي آياتٌ وحُجَّةٌ بَيِّنَةٌ ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ بِ مُوسى وأخِيهِ نِفَةً.
﴿قَوْمًا عالِينَ﴾ أيْ رَفِيعِي الحالِ في الدُّنْيا أيْ مُتَطاوِلِينَ عَلى النّاسِ قاهِرِينَ بِالظُّلْمِ، أوْ مُتَكَبِّرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] أيْ وكانَ مِن شَأْنِهِمُ التَّكَبُّرُ. والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى المُفْرَدِ والجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] ولَمّا أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ جازَتْ تَثْنِيَتُهُ فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾، ومِثْلُ يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ ولا يُؤَنَّثُ، وقَدْ يُطابِقُ تَثْنِيَةً وجَمْعًا. و﴿وقَوْمُهُما﴾ أيْ بَنُو إسْرائِيلَ.
﴿لَنا عابِدُونَ﴾ أيْ خاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فادَّعى النّاسُ العِبادَةَ، وأنَّ طاعَتَهم لَهُ عِبادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ لِلْمَلِكِ عابِدًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الإهْلاكُ كالمَعْلُولِ لِلتَّكْذِيبِ أعْقَبَهُ بِالفاءِ أيْ فَكانُوا مِمَّنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ إذْ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَقُ عَقِيبَ التَّكْذِيبِ.
﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى، و﴿الكِتابَ﴾ التَّوْراةَ، ولِذَلِكَ عادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾، ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِأنَّ ﴿الكِتابَ﴾ لَمْ يُؤْتَهُ مُوسى إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] .
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تَرَجٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ لِشَرائِعِها ومَواعِظِها.
المؤمنون 23:50
﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ﴾ أيْ قِصَّتَهُما، وهي (آيَةٌ) عُظْمى بِمَجْمُوعِها، وهي آياتٌ مَعَ التَّفْصِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ آيَةٌ لِدَلالَةِ الثّانِي أيْ وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً وأُمَّهُ آيَةً. والرَّبْوَةُ هُنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ المُسَيَّبِ: الغُوطَةُ بِدِمَشْقَ، وصِفَتُها أنَّها ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ عَلى الكَمالِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: رَمْلَةُ فِلَسْطِينَ. وقالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: بَيْتُ المَقْدِسِ، وزَعَمَ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وأنَّهُ يَزِيدُ عَلى أعْلى الأرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ووَهْبٌ: الرَّبْوَةُ بِأرْضِ مِصْرَ، وسَبَبُ هَذا الإيواءِ أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ عَزَمَ عَلى قَتْلِ عِيسى فَفَرَّتْ بِهِ أُمُّهُ إلى أحَدِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَبْوَةٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، والحَسَنُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها، وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ بِكَسْرِها، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ”رُباوَةٍ“ بِضَمِّ الرّاءِ بِالألِفِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ والفَرَزْدَقُ والسُّلَمِيُّ في نَقْلِ صاحِبِ اللَّوامِحِ بِفَتْحِها وبِالألِفِ. وقُرِئَ بِكَسْرِها وبِالألِفِ.
﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أيْ مُسْتَوِيَةٍ يُمْكِنُ القَرارُ فِيها لِلْحَرْثِ والغِراسَةِ، والمَعْنى أنَّها مِنَ البِقاعِ الطَّيِّبَةِ. وعَنْ قَتادَةَ: ذاتُ ثِمارٍ وماءٍ، يَعْنِي أنَّها لِأجْلِ الثِّمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها.
ونِداءُ ﴿الرُّسُلُ﴾ وخِطابُهم بِمَعْنى نِداءِ كُلِّ واحِدٍ وخِطابِهِ في زَمانِهِ إذْ لَمْ يَجْتَمِعُوا في زَمانٍ واحِدٍ فَيُنادَوْنَ ويُخاطَبُونَ فِيهِ، وإنَّما أتى بِصُورَةِ الجَمْعِ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ أنْ يُوَحَّدَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِقِيامِهِ مَقامَ ﴿الرُّسُلُ﴾ . وقِيلَ: لِيَفْهَمَ بِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ كُلِّ رَسُولٍ كَما تَقُولُ تُخاطِبُ تاجِرًا: يا تُجّارُ، اتَّقُوا الرِّبا. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِ عِيسى، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والمَشْهُورُ مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ هَذا الإعْلامُ عِنْدَ إيواءِ عِيسى ومَرْيَمَ إلى الرَّبْوَةِ فَذُكِرَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، أيْ ﴿وآوَيْناهُما﴾ وقُلْنا لَهُما هَذا الَّذِي أعْلَمْناهُما أنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم خُوطِبُوا بِهَذا، وكُلا مِمّا رَزَقْناكُما واعْمَلا صالِحًا اقْتِداءً بِالرُّسُلِ، والطَّيِّباتُ الحَلالُ، لَذِيذًا كانَ أوْ غَيْرَ لَذِيذٍ. وقِيلَ: ما يُسْتَطابُ ويُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ والفَواكِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾، وقَدَّمَ الأكْلَ مِنَ الطَّيِّباتِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ صالِحًا إلّا مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ.
﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَحْذِيرٌ في الظّاهِرِ، والمُرادُ اتِّباعُهم ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في أواخِرِ الأنْبِياءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (وإنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّشْدِيدِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ أيْ (p-٤٠٩)ولِأنَّ، و ابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ لِلرُّسُلِ نُودِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في زَمانِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾، وجاءَ هُنا ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾، وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ مِن قَوْلِهِ في الأنْبِياءِ: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]؛ لِأنَّ هَذِهِ جاءَتْ عَقِيبَ إهْلاكِ طَوائِفَ كَثِيرِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ والأُمَمِ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وفي الأنْبِياءِ، وإنْ تَقَدَّمَتْ أيْضًا قِصَّةُ نُوحٍ وما قَبْلَها فَإنَّهُ جاءَ بَعْدَها ما يَدُلُّ عَلى الإحْسانِ واللُّطْفِ التّامِّ في قِصَّةِ أيُّوبَ ويُونُسَ وزَكَرِيّا ومَرْيَمَ، فَناسَبَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ لِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ تَعالى وجاءَ هُنا ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ بِالفاءِ، إيذانًا بِأنَّ التَّقْطِيعَ اعْتَقَبَ الأمْرَ بِالتَّقْوى، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ وفي نِفارِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وجاءَ في الأنْبِياءِ بِالواوِ فاحْتَمَلَ مَعْنى الفاءِ، واحْتَمَلَ تَأخُّرَ تَقَطُّعِهِمْ عَنِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ، وفَرَحُ كُلِّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِ دَلِيلٌ عَلى نِعْمَتِهِ في ضَلالِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ وكَأنَّهُ لا رِيبَةَ عِنْدَهُ في أنَّهُ الحَقُّ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ ومَآلِ أمْرِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ كانَ ذَلِكَ مِثالًا لِ قُرَيْشٍ، فَخاطَبَ رَسُولَهُ في شَأْنِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾، وهَذا وعِيدٌ لَهم حَيْثُ تَقَطَّعُوا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقائِلٌ هو شاعِرٌ، وقائِلٌ ساحِرٌ، وقائِلٌ بِهِ جِنَّةٌ، كَما تَقَطَّعَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، كَما قالَ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] . قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في جَهالَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: في حَيْرَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: في غَفْلَتِهِمْ. وقِيلَ: في ضَلالَتِهِمْ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ حَتّى يَنْزِلَ بِهِمُ المَوْتُ. وقِيلَ: حَتّى يَأْتِيَ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو حَيْوَةَ والسُّلَمِيُّ ”في غَمَراتِهِمْ“ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ غَمْرَةً، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَغَمْرَةٌ تَعُمُّ إذا أُضِيفَتْ إلى عامٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ فَضُرِبَتْ مَثَلًا لِما هم مَغْمُورُونَ فِيهِ مِن جَهْلِهِمْ وعَمايَتِهِمْ، أوْ شُبِّهُوا بِاللّاعِبِينَ في غَمْرَةِ الماءِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ
سَلّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، ونَهى عَنِ الِاسْتِعْجالِ بِعَذابِهِمْ والجَزَعِ مِن تَأخُّرِهِ، انْتَهى. ثُمَّ وقَفَهم تَعالى عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالمالِ ونَحْوِهِ إنَّما هي لِرِضاهُ عَنْ حالِهِمْ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ إلى المَعاصِي واسْتِجْرارٌ إلى زِيادَةِ الإثْمِ وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً لَهم في الخَيْراتِ ومُعاجَلَةً بِالإحْسانِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ (إنَّما نُمِدُّهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”يُمِدُّهم“ بِالياءِ، وما في (إنَّما) إمّا بِمَعْنى الَّذِي أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ، إنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَصِلَتُها ما بَعْدَها، وخَبَرُ أنَّ هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ والرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ اسْتِطالَةُ الكَلامِ مَعَ أمْنِ اللَّبْسِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾، وقالَ هِشامُ بْنُ مَعُونَةَ: الضَّرَرُ الرّابِطُ هو الظّاهِرُ وهو: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ وكانَ المَعْنى: ﴿نُسارِعُ لَهُمْ﴾ فِيهِ، ثُمَّ أُظْهِرَ فَقالَ: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ فَلا حَذْفَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وهَذا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إذا كانَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كُنْيَةً لِزَيْدٍ، فالخَيْراتُ مِن حَيْثُ المَعْنى هي الَّذِي مُدُّوا بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ، وإنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالمَسْبُوكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها هو مَصْدَرُ اسْمِ إنَّ، وخَبَرُ إنَّ هو ﴿نُسارِعُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُسارَعَةٍ، فَيَكُونُ الأصْلُ أنْ نُسارِعَ، فَحُذِفَتْ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ، والتَّقْدِيرُ أيَحْسَبُونَ أنَّ إمْدادَنا لَهم بِالمالِ والبَنِينَ مُسارَعَةٌ لَهم في الخَيْراتِ. وإنْ كانَتْ ما كافَّةً مُهَيِّئَةً فَهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فِيها هُنا فَلا تَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ ولا حَذْفٍ، ويَجُوزُ الوَقْفُ عَلى ﴿وبَنِينَ﴾ كَما تَقُولُ حَسِبْتُ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، وحَسِبْتُ أنَّكَ مُنْطَلِقٌ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّ ما بَعْدَ حَسِبْتُ قَدِ انْتَظَمَ مُسْنَدًا ومُسْنَدًا إلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ كانَ في ما يُقَدِّرُهُ مُفْرَدًا لِأنَّهُ (p-٤١٠)يَنْسَبِكُ مِن أنْ وما بَعْدَها مَصْدَرٌ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ ”يُسارِعُ“ بِالياءِ وكَسْرِ الرّاءِ فَإنْ كانَ فاعِلُ: ﴿نُسارِعُ﴾ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى ما بِمَعْنى الَّذِي، أوْ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ما نُمِدُّ فَنُسارِعُ خَبَرٌ لِأنَّ ولا ضَمِيرَ ولا حَذْفَ أيْ يُسارِعُ هو أيِ الَّذِي يُمِدُّ ويُسارِعُ، هو أيْ إمْدادُنا. وعَنِ ابْنِ أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورُ بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ ”نُسْرِعُ“ بِالنُّونِ مُضارِعُ أسْرَعَ.
﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ أيْ بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ؛ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ؛ فَيَتَأمَّلُوا ويَتَفَكَّرُوا: أهُوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
المؤمنون 23:51
﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ﴾ أيْ قِصَّتَهُما، وهي (آيَةٌ) عُظْمى بِمَجْمُوعِها، وهي آياتٌ مَعَ التَّفْصِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ آيَةٌ لِدَلالَةِ الثّانِي أيْ وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً وأُمَّهُ آيَةً. والرَّبْوَةُ هُنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ المُسَيَّبِ: الغُوطَةُ بِدِمَشْقَ، وصِفَتُها أنَّها ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ عَلى الكَمالِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: رَمْلَةُ فِلَسْطِينَ. وقالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: بَيْتُ المَقْدِسِ، وزَعَمَ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وأنَّهُ يَزِيدُ عَلى أعْلى الأرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ووَهْبٌ: الرَّبْوَةُ بِأرْضِ مِصْرَ، وسَبَبُ هَذا الإيواءِ أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ عَزَمَ عَلى قَتْلِ عِيسى فَفَرَّتْ بِهِ أُمُّهُ إلى أحَدِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَبْوَةٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، والحَسَنُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها، وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ بِكَسْرِها، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ”رُباوَةٍ“ بِضَمِّ الرّاءِ بِالألِفِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ والفَرَزْدَقُ والسُّلَمِيُّ في نَقْلِ صاحِبِ اللَّوامِحِ بِفَتْحِها وبِالألِفِ. وقُرِئَ بِكَسْرِها وبِالألِفِ.
﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أيْ مُسْتَوِيَةٍ يُمْكِنُ القَرارُ فِيها لِلْحَرْثِ والغِراسَةِ، والمَعْنى أنَّها مِنَ البِقاعِ الطَّيِّبَةِ. وعَنْ قَتادَةَ: ذاتُ ثِمارٍ وماءٍ، يَعْنِي أنَّها لِأجْلِ الثِّمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها.
ونِداءُ ﴿الرُّسُلُ﴾ وخِطابُهم بِمَعْنى نِداءِ كُلِّ واحِدٍ وخِطابِهِ في زَمانِهِ إذْ لَمْ يَجْتَمِعُوا في زَمانٍ واحِدٍ فَيُنادَوْنَ ويُخاطَبُونَ فِيهِ، وإنَّما أتى بِصُورَةِ الجَمْعِ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ أنْ يُوَحَّدَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِقِيامِهِ مَقامَ ﴿الرُّسُلُ﴾ . وقِيلَ: لِيَفْهَمَ بِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ كُلِّ رَسُولٍ كَما تَقُولُ تُخاطِبُ تاجِرًا: يا تُجّارُ، اتَّقُوا الرِّبا. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِ عِيسى، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والمَشْهُورُ مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ هَذا الإعْلامُ عِنْدَ إيواءِ عِيسى ومَرْيَمَ إلى الرَّبْوَةِ فَذُكِرَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، أيْ ﴿وآوَيْناهُما﴾ وقُلْنا لَهُما هَذا الَّذِي أعْلَمْناهُما أنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم خُوطِبُوا بِهَذا، وكُلا مِمّا رَزَقْناكُما واعْمَلا صالِحًا اقْتِداءً بِالرُّسُلِ، والطَّيِّباتُ الحَلالُ، لَذِيذًا كانَ أوْ غَيْرَ لَذِيذٍ. وقِيلَ: ما يُسْتَطابُ ويُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ والفَواكِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾، وقَدَّمَ الأكْلَ مِنَ الطَّيِّباتِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ صالِحًا إلّا مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ.
﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَحْذِيرٌ في الظّاهِرِ، والمُرادُ اتِّباعُهم ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في أواخِرِ الأنْبِياءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (وإنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّشْدِيدِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ أيْ (p-٤٠٩)ولِأنَّ، و ابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ لِلرُّسُلِ نُودِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في زَمانِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾، وجاءَ هُنا ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾، وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ مِن قَوْلِهِ في الأنْبِياءِ: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]؛ لِأنَّ هَذِهِ جاءَتْ عَقِيبَ إهْلاكِ طَوائِفَ كَثِيرِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ والأُمَمِ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وفي الأنْبِياءِ، وإنْ تَقَدَّمَتْ أيْضًا قِصَّةُ نُوحٍ وما قَبْلَها فَإنَّهُ جاءَ بَعْدَها ما يَدُلُّ عَلى الإحْسانِ واللُّطْفِ التّامِّ في قِصَّةِ أيُّوبَ ويُونُسَ وزَكَرِيّا ومَرْيَمَ، فَناسَبَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ لِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ تَعالى وجاءَ هُنا ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ بِالفاءِ، إيذانًا بِأنَّ التَّقْطِيعَ اعْتَقَبَ الأمْرَ بِالتَّقْوى، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ وفي نِفارِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وجاءَ في الأنْبِياءِ بِالواوِ فاحْتَمَلَ مَعْنى الفاءِ، واحْتَمَلَ تَأخُّرَ تَقَطُّعِهِمْ عَنِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ، وفَرَحُ كُلِّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِ دَلِيلٌ عَلى نِعْمَتِهِ في ضَلالِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ وكَأنَّهُ لا رِيبَةَ عِنْدَهُ في أنَّهُ الحَقُّ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ ومَآلِ أمْرِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ كانَ ذَلِكَ مِثالًا لِ قُرَيْشٍ، فَخاطَبَ رَسُولَهُ في شَأْنِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾، وهَذا وعِيدٌ لَهم حَيْثُ تَقَطَّعُوا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقائِلٌ هو شاعِرٌ، وقائِلٌ ساحِرٌ، وقائِلٌ بِهِ جِنَّةٌ، كَما تَقَطَّعَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، كَما قالَ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] . قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في جَهالَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: في حَيْرَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: في غَفْلَتِهِمْ. وقِيلَ: في ضَلالَتِهِمْ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ حَتّى يَنْزِلَ بِهِمُ المَوْتُ. وقِيلَ: حَتّى يَأْتِيَ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو حَيْوَةَ والسُّلَمِيُّ ”في غَمَراتِهِمْ“ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ غَمْرَةً، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَغَمْرَةٌ تَعُمُّ إذا أُضِيفَتْ إلى عامٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ فَضُرِبَتْ مَثَلًا لِما هم مَغْمُورُونَ فِيهِ مِن جَهْلِهِمْ وعَمايَتِهِمْ، أوْ شُبِّهُوا بِاللّاعِبِينَ في غَمْرَةِ الماءِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ
سَلّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، ونَهى عَنِ الِاسْتِعْجالِ بِعَذابِهِمْ والجَزَعِ مِن تَأخُّرِهِ، انْتَهى. ثُمَّ وقَفَهم تَعالى عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالمالِ ونَحْوِهِ إنَّما هي لِرِضاهُ عَنْ حالِهِمْ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ إلى المَعاصِي واسْتِجْرارٌ إلى زِيادَةِ الإثْمِ وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً لَهم في الخَيْراتِ ومُعاجَلَةً بِالإحْسانِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ (إنَّما نُمِدُّهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”يُمِدُّهم“ بِالياءِ، وما في (إنَّما) إمّا بِمَعْنى الَّذِي أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ، إنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَصِلَتُها ما بَعْدَها، وخَبَرُ أنَّ هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ والرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ اسْتِطالَةُ الكَلامِ مَعَ أمْنِ اللَّبْسِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾، وقالَ هِشامُ بْنُ مَعُونَةَ: الضَّرَرُ الرّابِطُ هو الظّاهِرُ وهو: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ وكانَ المَعْنى: ﴿نُسارِعُ لَهُمْ﴾ فِيهِ، ثُمَّ أُظْهِرَ فَقالَ: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ فَلا حَذْفَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وهَذا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إذا كانَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كُنْيَةً لِزَيْدٍ، فالخَيْراتُ مِن حَيْثُ المَعْنى هي الَّذِي مُدُّوا بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ، وإنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالمَسْبُوكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها هو مَصْدَرُ اسْمِ إنَّ، وخَبَرُ إنَّ هو ﴿نُسارِعُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُسارَعَةٍ، فَيَكُونُ الأصْلُ أنْ نُسارِعَ، فَحُذِفَتْ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ، والتَّقْدِيرُ أيَحْسَبُونَ أنَّ إمْدادَنا لَهم بِالمالِ والبَنِينَ مُسارَعَةٌ لَهم في الخَيْراتِ. وإنْ كانَتْ ما كافَّةً مُهَيِّئَةً فَهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فِيها هُنا فَلا تَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ ولا حَذْفٍ، ويَجُوزُ الوَقْفُ عَلى ﴿وبَنِينَ﴾ كَما تَقُولُ حَسِبْتُ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، وحَسِبْتُ أنَّكَ مُنْطَلِقٌ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّ ما بَعْدَ حَسِبْتُ قَدِ انْتَظَمَ مُسْنَدًا ومُسْنَدًا إلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ كانَ في ما يُقَدِّرُهُ مُفْرَدًا لِأنَّهُ (p-٤١٠)يَنْسَبِكُ مِن أنْ وما بَعْدَها مَصْدَرٌ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ ”يُسارِعُ“ بِالياءِ وكَسْرِ الرّاءِ فَإنْ كانَ فاعِلُ: ﴿نُسارِعُ﴾ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى ما بِمَعْنى الَّذِي، أوْ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ما نُمِدُّ فَنُسارِعُ خَبَرٌ لِأنَّ ولا ضَمِيرَ ولا حَذْفَ أيْ يُسارِعُ هو أيِ الَّذِي يُمِدُّ ويُسارِعُ، هو أيْ إمْدادُنا. وعَنِ ابْنِ أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورُ بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ ”نُسْرِعُ“ بِالنُّونِ مُضارِعُ أسْرَعَ.
﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ أيْ بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ؛ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ؛ فَيَتَأمَّلُوا ويَتَفَكَّرُوا: أهُوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
المؤمنون 23:52
﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ﴾ أيْ قِصَّتَهُما، وهي (آيَةٌ) عُظْمى بِمَجْمُوعِها، وهي آياتٌ مَعَ التَّفْصِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ آيَةٌ لِدَلالَةِ الثّانِي أيْ وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً وأُمَّهُ آيَةً. والرَّبْوَةُ هُنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ المُسَيَّبِ: الغُوطَةُ بِدِمَشْقَ، وصِفَتُها أنَّها ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ عَلى الكَمالِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: رَمْلَةُ فِلَسْطِينَ. وقالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: بَيْتُ المَقْدِسِ، وزَعَمَ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وأنَّهُ يَزِيدُ عَلى أعْلى الأرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ووَهْبٌ: الرَّبْوَةُ بِأرْضِ مِصْرَ، وسَبَبُ هَذا الإيواءِ أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ عَزَمَ عَلى قَتْلِ عِيسى فَفَرَّتْ بِهِ أُمُّهُ إلى أحَدِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَبْوَةٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، والحَسَنُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها، وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ بِكَسْرِها، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ”رُباوَةٍ“ بِضَمِّ الرّاءِ بِالألِفِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ والفَرَزْدَقُ والسُّلَمِيُّ في نَقْلِ صاحِبِ اللَّوامِحِ بِفَتْحِها وبِالألِفِ. وقُرِئَ بِكَسْرِها وبِالألِفِ.
﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أيْ مُسْتَوِيَةٍ يُمْكِنُ القَرارُ فِيها لِلْحَرْثِ والغِراسَةِ، والمَعْنى أنَّها مِنَ البِقاعِ الطَّيِّبَةِ. وعَنْ قَتادَةَ: ذاتُ ثِمارٍ وماءٍ، يَعْنِي أنَّها لِأجْلِ الثِّمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها.
ونِداءُ ﴿الرُّسُلُ﴾ وخِطابُهم بِمَعْنى نِداءِ كُلِّ واحِدٍ وخِطابِهِ في زَمانِهِ إذْ لَمْ يَجْتَمِعُوا في زَمانٍ واحِدٍ فَيُنادَوْنَ ويُخاطَبُونَ فِيهِ، وإنَّما أتى بِصُورَةِ الجَمْعِ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ أنْ يُوَحَّدَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِقِيامِهِ مَقامَ ﴿الرُّسُلُ﴾ . وقِيلَ: لِيَفْهَمَ بِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ كُلِّ رَسُولٍ كَما تَقُولُ تُخاطِبُ تاجِرًا: يا تُجّارُ، اتَّقُوا الرِّبا. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِ عِيسى، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والمَشْهُورُ مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ هَذا الإعْلامُ عِنْدَ إيواءِ عِيسى ومَرْيَمَ إلى الرَّبْوَةِ فَذُكِرَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، أيْ ﴿وآوَيْناهُما﴾ وقُلْنا لَهُما هَذا الَّذِي أعْلَمْناهُما أنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم خُوطِبُوا بِهَذا، وكُلا مِمّا رَزَقْناكُما واعْمَلا صالِحًا اقْتِداءً بِالرُّسُلِ، والطَّيِّباتُ الحَلالُ، لَذِيذًا كانَ أوْ غَيْرَ لَذِيذٍ. وقِيلَ: ما يُسْتَطابُ ويُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ والفَواكِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾، وقَدَّمَ الأكْلَ مِنَ الطَّيِّباتِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ صالِحًا إلّا مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ.
﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَحْذِيرٌ في الظّاهِرِ، والمُرادُ اتِّباعُهم ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في أواخِرِ الأنْبِياءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (وإنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّشْدِيدِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ أيْ (p-٤٠٩)ولِأنَّ، و ابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ لِلرُّسُلِ نُودِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في زَمانِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾، وجاءَ هُنا ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾، وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ مِن قَوْلِهِ في الأنْبِياءِ: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]؛ لِأنَّ هَذِهِ جاءَتْ عَقِيبَ إهْلاكِ طَوائِفَ كَثِيرِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ والأُمَمِ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وفي الأنْبِياءِ، وإنْ تَقَدَّمَتْ أيْضًا قِصَّةُ نُوحٍ وما قَبْلَها فَإنَّهُ جاءَ بَعْدَها ما يَدُلُّ عَلى الإحْسانِ واللُّطْفِ التّامِّ في قِصَّةِ أيُّوبَ ويُونُسَ وزَكَرِيّا ومَرْيَمَ، فَناسَبَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ لِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ تَعالى وجاءَ هُنا ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ بِالفاءِ، إيذانًا بِأنَّ التَّقْطِيعَ اعْتَقَبَ الأمْرَ بِالتَّقْوى، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ وفي نِفارِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وجاءَ في الأنْبِياءِ بِالواوِ فاحْتَمَلَ مَعْنى الفاءِ، واحْتَمَلَ تَأخُّرَ تَقَطُّعِهِمْ عَنِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ، وفَرَحُ كُلِّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِ دَلِيلٌ عَلى نِعْمَتِهِ في ضَلالِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ وكَأنَّهُ لا رِيبَةَ عِنْدَهُ في أنَّهُ الحَقُّ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ ومَآلِ أمْرِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ كانَ ذَلِكَ مِثالًا لِ قُرَيْشٍ، فَخاطَبَ رَسُولَهُ في شَأْنِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾، وهَذا وعِيدٌ لَهم حَيْثُ تَقَطَّعُوا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقائِلٌ هو شاعِرٌ، وقائِلٌ ساحِرٌ، وقائِلٌ بِهِ جِنَّةٌ، كَما تَقَطَّعَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، كَما قالَ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] . قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في جَهالَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: في حَيْرَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: في غَفْلَتِهِمْ. وقِيلَ: في ضَلالَتِهِمْ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ حَتّى يَنْزِلَ بِهِمُ المَوْتُ. وقِيلَ: حَتّى يَأْتِيَ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو حَيْوَةَ والسُّلَمِيُّ ”في غَمَراتِهِمْ“ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ غَمْرَةً، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَغَمْرَةٌ تَعُمُّ إذا أُضِيفَتْ إلى عامٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ فَضُرِبَتْ مَثَلًا لِما هم مَغْمُورُونَ فِيهِ مِن جَهْلِهِمْ وعَمايَتِهِمْ، أوْ شُبِّهُوا بِاللّاعِبِينَ في غَمْرَةِ الماءِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ
سَلّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، ونَهى عَنِ الِاسْتِعْجالِ بِعَذابِهِمْ والجَزَعِ مِن تَأخُّرِهِ، انْتَهى. ثُمَّ وقَفَهم تَعالى عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالمالِ ونَحْوِهِ إنَّما هي لِرِضاهُ عَنْ حالِهِمْ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ إلى المَعاصِي واسْتِجْرارٌ إلى زِيادَةِ الإثْمِ وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً لَهم في الخَيْراتِ ومُعاجَلَةً بِالإحْسانِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ (إنَّما نُمِدُّهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”يُمِدُّهم“ بِالياءِ، وما في (إنَّما) إمّا بِمَعْنى الَّذِي أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ، إنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَصِلَتُها ما بَعْدَها، وخَبَرُ أنَّ هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ والرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ اسْتِطالَةُ الكَلامِ مَعَ أمْنِ اللَّبْسِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾، وقالَ هِشامُ بْنُ مَعُونَةَ: الضَّرَرُ الرّابِطُ هو الظّاهِرُ وهو: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ وكانَ المَعْنى: ﴿نُسارِعُ لَهُمْ﴾ فِيهِ، ثُمَّ أُظْهِرَ فَقالَ: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ فَلا حَذْفَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وهَذا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إذا كانَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كُنْيَةً لِزَيْدٍ، فالخَيْراتُ مِن حَيْثُ المَعْنى هي الَّذِي مُدُّوا بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ، وإنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالمَسْبُوكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها هو مَصْدَرُ اسْمِ إنَّ، وخَبَرُ إنَّ هو ﴿نُسارِعُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُسارَعَةٍ، فَيَكُونُ الأصْلُ أنْ نُسارِعَ، فَحُذِفَتْ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ، والتَّقْدِيرُ أيَحْسَبُونَ أنَّ إمْدادَنا لَهم بِالمالِ والبَنِينَ مُسارَعَةٌ لَهم في الخَيْراتِ. وإنْ كانَتْ ما كافَّةً مُهَيِّئَةً فَهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فِيها هُنا فَلا تَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ ولا حَذْفٍ، ويَجُوزُ الوَقْفُ عَلى ﴿وبَنِينَ﴾ كَما تَقُولُ حَسِبْتُ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، وحَسِبْتُ أنَّكَ مُنْطَلِقٌ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّ ما بَعْدَ حَسِبْتُ قَدِ انْتَظَمَ مُسْنَدًا ومُسْنَدًا إلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ كانَ في ما يُقَدِّرُهُ مُفْرَدًا لِأنَّهُ (p-٤١٠)يَنْسَبِكُ مِن أنْ وما بَعْدَها مَصْدَرٌ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ ”يُسارِعُ“ بِالياءِ وكَسْرِ الرّاءِ فَإنْ كانَ فاعِلُ: ﴿نُسارِعُ﴾ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى ما بِمَعْنى الَّذِي، أوْ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ما نُمِدُّ فَنُسارِعُ خَبَرٌ لِأنَّ ولا ضَمِيرَ ولا حَذْفَ أيْ يُسارِعُ هو أيِ الَّذِي يُمِدُّ ويُسارِعُ، هو أيْ إمْدادُنا. وعَنِ ابْنِ أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورُ بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ ”نُسْرِعُ“ بِالنُّونِ مُضارِعُ أسْرَعَ.
﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ أيْ بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ؛ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ؛ فَيَتَأمَّلُوا ويَتَفَكَّرُوا: أهُوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
المؤمنون 23:53
﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ﴾ أيْ قِصَّتَهُما، وهي (آيَةٌ) عُظْمى بِمَجْمُوعِها، وهي آياتٌ مَعَ التَّفْصِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ آيَةٌ لِدَلالَةِ الثّانِي أيْ وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً وأُمَّهُ آيَةً. والرَّبْوَةُ هُنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ المُسَيَّبِ: الغُوطَةُ بِدِمَشْقَ، وصِفَتُها أنَّها ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ عَلى الكَمالِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: رَمْلَةُ فِلَسْطِينَ. وقالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: بَيْتُ المَقْدِسِ، وزَعَمَ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وأنَّهُ يَزِيدُ عَلى أعْلى الأرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ووَهْبٌ: الرَّبْوَةُ بِأرْضِ مِصْرَ، وسَبَبُ هَذا الإيواءِ أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ عَزَمَ عَلى قَتْلِ عِيسى فَفَرَّتْ بِهِ أُمُّهُ إلى أحَدِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَبْوَةٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، والحَسَنُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها، وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ بِكَسْرِها، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ”رُباوَةٍ“ بِضَمِّ الرّاءِ بِالألِفِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ والفَرَزْدَقُ والسُّلَمِيُّ في نَقْلِ صاحِبِ اللَّوامِحِ بِفَتْحِها وبِالألِفِ. وقُرِئَ بِكَسْرِها وبِالألِفِ.
﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أيْ مُسْتَوِيَةٍ يُمْكِنُ القَرارُ فِيها لِلْحَرْثِ والغِراسَةِ، والمَعْنى أنَّها مِنَ البِقاعِ الطَّيِّبَةِ. وعَنْ قَتادَةَ: ذاتُ ثِمارٍ وماءٍ، يَعْنِي أنَّها لِأجْلِ الثِّمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها.
ونِداءُ ﴿الرُّسُلُ﴾ وخِطابُهم بِمَعْنى نِداءِ كُلِّ واحِدٍ وخِطابِهِ في زَمانِهِ إذْ لَمْ يَجْتَمِعُوا في زَمانٍ واحِدٍ فَيُنادَوْنَ ويُخاطَبُونَ فِيهِ، وإنَّما أتى بِصُورَةِ الجَمْعِ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ أنْ يُوَحَّدَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِقِيامِهِ مَقامَ ﴿الرُّسُلُ﴾ . وقِيلَ: لِيَفْهَمَ بِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ كُلِّ رَسُولٍ كَما تَقُولُ تُخاطِبُ تاجِرًا: يا تُجّارُ، اتَّقُوا الرِّبا. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِ عِيسى، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والمَشْهُورُ مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ هَذا الإعْلامُ عِنْدَ إيواءِ عِيسى ومَرْيَمَ إلى الرَّبْوَةِ فَذُكِرَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، أيْ ﴿وآوَيْناهُما﴾ وقُلْنا لَهُما هَذا الَّذِي أعْلَمْناهُما أنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم خُوطِبُوا بِهَذا، وكُلا مِمّا رَزَقْناكُما واعْمَلا صالِحًا اقْتِداءً بِالرُّسُلِ، والطَّيِّباتُ الحَلالُ، لَذِيذًا كانَ أوْ غَيْرَ لَذِيذٍ. وقِيلَ: ما يُسْتَطابُ ويُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ والفَواكِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾، وقَدَّمَ الأكْلَ مِنَ الطَّيِّباتِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ صالِحًا إلّا مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ.
﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَحْذِيرٌ في الظّاهِرِ، والمُرادُ اتِّباعُهم ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في أواخِرِ الأنْبِياءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (وإنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّشْدِيدِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ أيْ (p-٤٠٩)ولِأنَّ، و ابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ لِلرُّسُلِ نُودِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في زَمانِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾، وجاءَ هُنا ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾، وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ مِن قَوْلِهِ في الأنْبِياءِ: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]؛ لِأنَّ هَذِهِ جاءَتْ عَقِيبَ إهْلاكِ طَوائِفَ كَثِيرِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ والأُمَمِ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وفي الأنْبِياءِ، وإنْ تَقَدَّمَتْ أيْضًا قِصَّةُ نُوحٍ وما قَبْلَها فَإنَّهُ جاءَ بَعْدَها ما يَدُلُّ عَلى الإحْسانِ واللُّطْفِ التّامِّ في قِصَّةِ أيُّوبَ ويُونُسَ وزَكَرِيّا ومَرْيَمَ، فَناسَبَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ لِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ تَعالى وجاءَ هُنا ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ بِالفاءِ، إيذانًا بِأنَّ التَّقْطِيعَ اعْتَقَبَ الأمْرَ بِالتَّقْوى، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ وفي نِفارِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وجاءَ في الأنْبِياءِ بِالواوِ فاحْتَمَلَ مَعْنى الفاءِ، واحْتَمَلَ تَأخُّرَ تَقَطُّعِهِمْ عَنِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ، وفَرَحُ كُلِّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِ دَلِيلٌ عَلى نِعْمَتِهِ في ضَلالِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ وكَأنَّهُ لا رِيبَةَ عِنْدَهُ في أنَّهُ الحَقُّ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ ومَآلِ أمْرِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ كانَ ذَلِكَ مِثالًا لِ قُرَيْشٍ، فَخاطَبَ رَسُولَهُ في شَأْنِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾، وهَذا وعِيدٌ لَهم حَيْثُ تَقَطَّعُوا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقائِلٌ هو شاعِرٌ، وقائِلٌ ساحِرٌ، وقائِلٌ بِهِ جِنَّةٌ، كَما تَقَطَّعَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، كَما قالَ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] . قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في جَهالَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: في حَيْرَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: في غَفْلَتِهِمْ. وقِيلَ: في ضَلالَتِهِمْ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ حَتّى يَنْزِلَ بِهِمُ المَوْتُ. وقِيلَ: حَتّى يَأْتِيَ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو حَيْوَةَ والسُّلَمِيُّ ”في غَمَراتِهِمْ“ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ غَمْرَةً، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَغَمْرَةٌ تَعُمُّ إذا أُضِيفَتْ إلى عامٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ فَضُرِبَتْ مَثَلًا لِما هم مَغْمُورُونَ فِيهِ مِن جَهْلِهِمْ وعَمايَتِهِمْ، أوْ شُبِّهُوا بِاللّاعِبِينَ في غَمْرَةِ الماءِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ
سَلّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، ونَهى عَنِ الِاسْتِعْجالِ بِعَذابِهِمْ والجَزَعِ مِن تَأخُّرِهِ، انْتَهى. ثُمَّ وقَفَهم تَعالى عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالمالِ ونَحْوِهِ إنَّما هي لِرِضاهُ عَنْ حالِهِمْ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ إلى المَعاصِي واسْتِجْرارٌ إلى زِيادَةِ الإثْمِ وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً لَهم في الخَيْراتِ ومُعاجَلَةً بِالإحْسانِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ (إنَّما نُمِدُّهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”يُمِدُّهم“ بِالياءِ، وما في (إنَّما) إمّا بِمَعْنى الَّذِي أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ، إنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَصِلَتُها ما بَعْدَها، وخَبَرُ أنَّ هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ والرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ اسْتِطالَةُ الكَلامِ مَعَ أمْنِ اللَّبْسِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾، وقالَ هِشامُ بْنُ مَعُونَةَ: الضَّرَرُ الرّابِطُ هو الظّاهِرُ وهو: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ وكانَ المَعْنى: ﴿نُسارِعُ لَهُمْ﴾ فِيهِ، ثُمَّ أُظْهِرَ فَقالَ: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ فَلا حَذْفَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وهَذا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إذا كانَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كُنْيَةً لِزَيْدٍ، فالخَيْراتُ مِن حَيْثُ المَعْنى هي الَّذِي مُدُّوا بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ، وإنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالمَسْبُوكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها هو مَصْدَرُ اسْمِ إنَّ، وخَبَرُ إنَّ هو ﴿نُسارِعُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُسارَعَةٍ، فَيَكُونُ الأصْلُ أنْ نُسارِعَ، فَحُذِفَتْ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ، والتَّقْدِيرُ أيَحْسَبُونَ أنَّ إمْدادَنا لَهم بِالمالِ والبَنِينَ مُسارَعَةٌ لَهم في الخَيْراتِ. وإنْ كانَتْ ما كافَّةً مُهَيِّئَةً فَهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فِيها هُنا فَلا تَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ ولا حَذْفٍ، ويَجُوزُ الوَقْفُ عَلى ﴿وبَنِينَ﴾ كَما تَقُولُ حَسِبْتُ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، وحَسِبْتُ أنَّكَ مُنْطَلِقٌ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّ ما بَعْدَ حَسِبْتُ قَدِ انْتَظَمَ مُسْنَدًا ومُسْنَدًا إلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ كانَ في ما يُقَدِّرُهُ مُفْرَدًا لِأنَّهُ (p-٤١٠)يَنْسَبِكُ مِن أنْ وما بَعْدَها مَصْدَرٌ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ ”يُسارِعُ“ بِالياءِ وكَسْرِ الرّاءِ فَإنْ كانَ فاعِلُ: ﴿نُسارِعُ﴾ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى ما بِمَعْنى الَّذِي، أوْ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ما نُمِدُّ فَنُسارِعُ خَبَرٌ لِأنَّ ولا ضَمِيرَ ولا حَذْفَ أيْ يُسارِعُ هو أيِ الَّذِي يُمِدُّ ويُسارِعُ، هو أيْ إمْدادُنا. وعَنِ ابْنِ أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورُ بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ ”نُسْرِعُ“ بِالنُّونِ مُضارِعُ أسْرَعَ.
﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ أيْ بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ؛ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ؛ فَيَتَأمَّلُوا ويَتَفَكَّرُوا: أهُوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
المؤمنون 23:54
﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ﴾ أيْ قِصَّتَهُما، وهي (آيَةٌ) عُظْمى بِمَجْمُوعِها، وهي آياتٌ مَعَ التَّفْصِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ آيَةٌ لِدَلالَةِ الثّانِي أيْ وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً وأُمَّهُ آيَةً. والرَّبْوَةُ هُنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ المُسَيَّبِ: الغُوطَةُ بِدِمَشْقَ، وصِفَتُها أنَّها ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ عَلى الكَمالِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: رَمْلَةُ فِلَسْطِينَ. وقالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: بَيْتُ المَقْدِسِ، وزَعَمَ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وأنَّهُ يَزِيدُ عَلى أعْلى الأرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ووَهْبٌ: الرَّبْوَةُ بِأرْضِ مِصْرَ، وسَبَبُ هَذا الإيواءِ أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ عَزَمَ عَلى قَتْلِ عِيسى فَفَرَّتْ بِهِ أُمُّهُ إلى أحَدِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَبْوَةٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، والحَسَنُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها، وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ بِكَسْرِها، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ”رُباوَةٍ“ بِضَمِّ الرّاءِ بِالألِفِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ والفَرَزْدَقُ والسُّلَمِيُّ في نَقْلِ صاحِبِ اللَّوامِحِ بِفَتْحِها وبِالألِفِ. وقُرِئَ بِكَسْرِها وبِالألِفِ.
﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أيْ مُسْتَوِيَةٍ يُمْكِنُ القَرارُ فِيها لِلْحَرْثِ والغِراسَةِ، والمَعْنى أنَّها مِنَ البِقاعِ الطَّيِّبَةِ. وعَنْ قَتادَةَ: ذاتُ ثِمارٍ وماءٍ، يَعْنِي أنَّها لِأجْلِ الثِّمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها.
ونِداءُ ﴿الرُّسُلُ﴾ وخِطابُهم بِمَعْنى نِداءِ كُلِّ واحِدٍ وخِطابِهِ في زَمانِهِ إذْ لَمْ يَجْتَمِعُوا في زَمانٍ واحِدٍ فَيُنادَوْنَ ويُخاطَبُونَ فِيهِ، وإنَّما أتى بِصُورَةِ الجَمْعِ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ أنْ يُوَحَّدَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِقِيامِهِ مَقامَ ﴿الرُّسُلُ﴾ . وقِيلَ: لِيَفْهَمَ بِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ كُلِّ رَسُولٍ كَما تَقُولُ تُخاطِبُ تاجِرًا: يا تُجّارُ، اتَّقُوا الرِّبا. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِ عِيسى، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والمَشْهُورُ مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ هَذا الإعْلامُ عِنْدَ إيواءِ عِيسى ومَرْيَمَ إلى الرَّبْوَةِ فَذُكِرَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، أيْ ﴿وآوَيْناهُما﴾ وقُلْنا لَهُما هَذا الَّذِي أعْلَمْناهُما أنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم خُوطِبُوا بِهَذا، وكُلا مِمّا رَزَقْناكُما واعْمَلا صالِحًا اقْتِداءً بِالرُّسُلِ، والطَّيِّباتُ الحَلالُ، لَذِيذًا كانَ أوْ غَيْرَ لَذِيذٍ. وقِيلَ: ما يُسْتَطابُ ويُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ والفَواكِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾، وقَدَّمَ الأكْلَ مِنَ الطَّيِّباتِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ صالِحًا إلّا مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ.
﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَحْذِيرٌ في الظّاهِرِ، والمُرادُ اتِّباعُهم ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في أواخِرِ الأنْبِياءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (وإنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّشْدِيدِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ أيْ (p-٤٠٩)ولِأنَّ، و ابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ لِلرُّسُلِ نُودِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في زَمانِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾، وجاءَ هُنا ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾، وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ مِن قَوْلِهِ في الأنْبِياءِ: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]؛ لِأنَّ هَذِهِ جاءَتْ عَقِيبَ إهْلاكِ طَوائِفَ كَثِيرِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ والأُمَمِ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وفي الأنْبِياءِ، وإنْ تَقَدَّمَتْ أيْضًا قِصَّةُ نُوحٍ وما قَبْلَها فَإنَّهُ جاءَ بَعْدَها ما يَدُلُّ عَلى الإحْسانِ واللُّطْفِ التّامِّ في قِصَّةِ أيُّوبَ ويُونُسَ وزَكَرِيّا ومَرْيَمَ، فَناسَبَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ لِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ تَعالى وجاءَ هُنا ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ بِالفاءِ، إيذانًا بِأنَّ التَّقْطِيعَ اعْتَقَبَ الأمْرَ بِالتَّقْوى، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ وفي نِفارِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وجاءَ في الأنْبِياءِ بِالواوِ فاحْتَمَلَ مَعْنى الفاءِ، واحْتَمَلَ تَأخُّرَ تَقَطُّعِهِمْ عَنِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ، وفَرَحُ كُلِّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِ دَلِيلٌ عَلى نِعْمَتِهِ في ضَلالِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ وكَأنَّهُ لا رِيبَةَ عِنْدَهُ في أنَّهُ الحَقُّ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ ومَآلِ أمْرِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ كانَ ذَلِكَ مِثالًا لِ قُرَيْشٍ، فَخاطَبَ رَسُولَهُ في شَأْنِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾، وهَذا وعِيدٌ لَهم حَيْثُ تَقَطَّعُوا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقائِلٌ هو شاعِرٌ، وقائِلٌ ساحِرٌ، وقائِلٌ بِهِ جِنَّةٌ، كَما تَقَطَّعَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، كَما قالَ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] . قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في جَهالَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: في حَيْرَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: في غَفْلَتِهِمْ. وقِيلَ: في ضَلالَتِهِمْ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ حَتّى يَنْزِلَ بِهِمُ المَوْتُ. وقِيلَ: حَتّى يَأْتِيَ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو حَيْوَةَ والسُّلَمِيُّ ”في غَمَراتِهِمْ“ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ غَمْرَةً، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَغَمْرَةٌ تَعُمُّ إذا أُضِيفَتْ إلى عامٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ فَضُرِبَتْ مَثَلًا لِما هم مَغْمُورُونَ فِيهِ مِن جَهْلِهِمْ وعَمايَتِهِمْ، أوْ شُبِّهُوا بِاللّاعِبِينَ في غَمْرَةِ الماءِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ
سَلّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، ونَهى عَنِ الِاسْتِعْجالِ بِعَذابِهِمْ والجَزَعِ مِن تَأخُّرِهِ، انْتَهى. ثُمَّ وقَفَهم تَعالى عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالمالِ ونَحْوِهِ إنَّما هي لِرِضاهُ عَنْ حالِهِمْ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ إلى المَعاصِي واسْتِجْرارٌ إلى زِيادَةِ الإثْمِ وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً لَهم في الخَيْراتِ ومُعاجَلَةً بِالإحْسانِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ (إنَّما نُمِدُّهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”يُمِدُّهم“ بِالياءِ، وما في (إنَّما) إمّا بِمَعْنى الَّذِي أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ، إنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَصِلَتُها ما بَعْدَها، وخَبَرُ أنَّ هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ والرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ اسْتِطالَةُ الكَلامِ مَعَ أمْنِ اللَّبْسِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾، وقالَ هِشامُ بْنُ مَعُونَةَ: الضَّرَرُ الرّابِطُ هو الظّاهِرُ وهو: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ وكانَ المَعْنى: ﴿نُسارِعُ لَهُمْ﴾ فِيهِ، ثُمَّ أُظْهِرَ فَقالَ: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ فَلا حَذْفَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وهَذا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إذا كانَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كُنْيَةً لِزَيْدٍ، فالخَيْراتُ مِن حَيْثُ المَعْنى هي الَّذِي مُدُّوا بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ، وإنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالمَسْبُوكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها هو مَصْدَرُ اسْمِ إنَّ، وخَبَرُ إنَّ هو ﴿نُسارِعُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُسارَعَةٍ، فَيَكُونُ الأصْلُ أنْ نُسارِعَ، فَحُذِفَتْ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ، والتَّقْدِيرُ أيَحْسَبُونَ أنَّ إمْدادَنا لَهم بِالمالِ والبَنِينَ مُسارَعَةٌ لَهم في الخَيْراتِ. وإنْ كانَتْ ما كافَّةً مُهَيِّئَةً فَهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فِيها هُنا فَلا تَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ ولا حَذْفٍ، ويَجُوزُ الوَقْفُ عَلى ﴿وبَنِينَ﴾ كَما تَقُولُ حَسِبْتُ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، وحَسِبْتُ أنَّكَ مُنْطَلِقٌ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّ ما بَعْدَ حَسِبْتُ قَدِ انْتَظَمَ مُسْنَدًا ومُسْنَدًا إلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ كانَ في ما يُقَدِّرُهُ مُفْرَدًا لِأنَّهُ (p-٤١٠)يَنْسَبِكُ مِن أنْ وما بَعْدَها مَصْدَرٌ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ ”يُسارِعُ“ بِالياءِ وكَسْرِ الرّاءِ فَإنْ كانَ فاعِلُ: ﴿نُسارِعُ﴾ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى ما بِمَعْنى الَّذِي، أوْ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ما نُمِدُّ فَنُسارِعُ خَبَرٌ لِأنَّ ولا ضَمِيرَ ولا حَذْفَ أيْ يُسارِعُ هو أيِ الَّذِي يُمِدُّ ويُسارِعُ، هو أيْ إمْدادُنا. وعَنِ ابْنِ أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورُ بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ ”نُسْرِعُ“ بِالنُّونِ مُضارِعُ أسْرَعَ.
﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ أيْ بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ؛ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ؛ فَيَتَأمَّلُوا ويَتَفَكَّرُوا: أهُوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
المؤمنون 23:55
﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ﴾ أيْ قِصَّتَهُما، وهي (آيَةٌ) عُظْمى بِمَجْمُوعِها، وهي آياتٌ مَعَ التَّفْصِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ آيَةٌ لِدَلالَةِ الثّانِي أيْ وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً وأُمَّهُ آيَةً. والرَّبْوَةُ هُنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ المُسَيَّبِ: الغُوطَةُ بِدِمَشْقَ، وصِفَتُها أنَّها ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ عَلى الكَمالِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: رَمْلَةُ فِلَسْطِينَ. وقالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: بَيْتُ المَقْدِسِ، وزَعَمَ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وأنَّهُ يَزِيدُ عَلى أعْلى الأرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ووَهْبٌ: الرَّبْوَةُ بِأرْضِ مِصْرَ، وسَبَبُ هَذا الإيواءِ أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ عَزَمَ عَلى قَتْلِ عِيسى فَفَرَّتْ بِهِ أُمُّهُ إلى أحَدِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَبْوَةٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، والحَسَنُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها، وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ بِكَسْرِها، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ”رُباوَةٍ“ بِضَمِّ الرّاءِ بِالألِفِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ والفَرَزْدَقُ والسُّلَمِيُّ في نَقْلِ صاحِبِ اللَّوامِحِ بِفَتْحِها وبِالألِفِ. وقُرِئَ بِكَسْرِها وبِالألِفِ.
﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أيْ مُسْتَوِيَةٍ يُمْكِنُ القَرارُ فِيها لِلْحَرْثِ والغِراسَةِ، والمَعْنى أنَّها مِنَ البِقاعِ الطَّيِّبَةِ. وعَنْ قَتادَةَ: ذاتُ ثِمارٍ وماءٍ، يَعْنِي أنَّها لِأجْلِ الثِّمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها.
ونِداءُ ﴿الرُّسُلُ﴾ وخِطابُهم بِمَعْنى نِداءِ كُلِّ واحِدٍ وخِطابِهِ في زَمانِهِ إذْ لَمْ يَجْتَمِعُوا في زَمانٍ واحِدٍ فَيُنادَوْنَ ويُخاطَبُونَ فِيهِ، وإنَّما أتى بِصُورَةِ الجَمْعِ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ أنْ يُوَحَّدَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِقِيامِهِ مَقامَ ﴿الرُّسُلُ﴾ . وقِيلَ: لِيَفْهَمَ بِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ كُلِّ رَسُولٍ كَما تَقُولُ تُخاطِبُ تاجِرًا: يا تُجّارُ، اتَّقُوا الرِّبا. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِ عِيسى، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والمَشْهُورُ مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ هَذا الإعْلامُ عِنْدَ إيواءِ عِيسى ومَرْيَمَ إلى الرَّبْوَةِ فَذُكِرَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، أيْ ﴿وآوَيْناهُما﴾ وقُلْنا لَهُما هَذا الَّذِي أعْلَمْناهُما أنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم خُوطِبُوا بِهَذا، وكُلا مِمّا رَزَقْناكُما واعْمَلا صالِحًا اقْتِداءً بِالرُّسُلِ، والطَّيِّباتُ الحَلالُ، لَذِيذًا كانَ أوْ غَيْرَ لَذِيذٍ. وقِيلَ: ما يُسْتَطابُ ويُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ والفَواكِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾، وقَدَّمَ الأكْلَ مِنَ الطَّيِّباتِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ صالِحًا إلّا مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ.
﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَحْذِيرٌ في الظّاهِرِ، والمُرادُ اتِّباعُهم ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في أواخِرِ الأنْبِياءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (وإنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّشْدِيدِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ أيْ (p-٤٠٩)ولِأنَّ، و ابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ لِلرُّسُلِ نُودِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في زَمانِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾، وجاءَ هُنا ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾، وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ مِن قَوْلِهِ في الأنْبِياءِ: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]؛ لِأنَّ هَذِهِ جاءَتْ عَقِيبَ إهْلاكِ طَوائِفَ كَثِيرِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ والأُمَمِ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وفي الأنْبِياءِ، وإنْ تَقَدَّمَتْ أيْضًا قِصَّةُ نُوحٍ وما قَبْلَها فَإنَّهُ جاءَ بَعْدَها ما يَدُلُّ عَلى الإحْسانِ واللُّطْفِ التّامِّ في قِصَّةِ أيُّوبَ ويُونُسَ وزَكَرِيّا ومَرْيَمَ، فَناسَبَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ لِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ تَعالى وجاءَ هُنا ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ بِالفاءِ، إيذانًا بِأنَّ التَّقْطِيعَ اعْتَقَبَ الأمْرَ بِالتَّقْوى، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ وفي نِفارِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وجاءَ في الأنْبِياءِ بِالواوِ فاحْتَمَلَ مَعْنى الفاءِ، واحْتَمَلَ تَأخُّرَ تَقَطُّعِهِمْ عَنِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ، وفَرَحُ كُلِّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِ دَلِيلٌ عَلى نِعْمَتِهِ في ضَلالِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ وكَأنَّهُ لا رِيبَةَ عِنْدَهُ في أنَّهُ الحَقُّ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ ومَآلِ أمْرِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ كانَ ذَلِكَ مِثالًا لِ قُرَيْشٍ، فَخاطَبَ رَسُولَهُ في شَأْنِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾، وهَذا وعِيدٌ لَهم حَيْثُ تَقَطَّعُوا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقائِلٌ هو شاعِرٌ، وقائِلٌ ساحِرٌ، وقائِلٌ بِهِ جِنَّةٌ، كَما تَقَطَّعَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، كَما قالَ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] . قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في جَهالَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: في حَيْرَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: في غَفْلَتِهِمْ. وقِيلَ: في ضَلالَتِهِمْ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ حَتّى يَنْزِلَ بِهِمُ المَوْتُ. وقِيلَ: حَتّى يَأْتِيَ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو حَيْوَةَ والسُّلَمِيُّ ”في غَمَراتِهِمْ“ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ غَمْرَةً، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَغَمْرَةٌ تَعُمُّ إذا أُضِيفَتْ إلى عامٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ فَضُرِبَتْ مَثَلًا لِما هم مَغْمُورُونَ فِيهِ مِن جَهْلِهِمْ وعَمايَتِهِمْ، أوْ شُبِّهُوا بِاللّاعِبِينَ في غَمْرَةِ الماءِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ
سَلّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، ونَهى عَنِ الِاسْتِعْجالِ بِعَذابِهِمْ والجَزَعِ مِن تَأخُّرِهِ، انْتَهى. ثُمَّ وقَفَهم تَعالى عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالمالِ ونَحْوِهِ إنَّما هي لِرِضاهُ عَنْ حالِهِمْ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ إلى المَعاصِي واسْتِجْرارٌ إلى زِيادَةِ الإثْمِ وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً لَهم في الخَيْراتِ ومُعاجَلَةً بِالإحْسانِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ (إنَّما نُمِدُّهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”يُمِدُّهم“ بِالياءِ، وما في (إنَّما) إمّا بِمَعْنى الَّذِي أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ، إنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَصِلَتُها ما بَعْدَها، وخَبَرُ أنَّ هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ والرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ اسْتِطالَةُ الكَلامِ مَعَ أمْنِ اللَّبْسِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾، وقالَ هِشامُ بْنُ مَعُونَةَ: الضَّرَرُ الرّابِطُ هو الظّاهِرُ وهو: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ وكانَ المَعْنى: ﴿نُسارِعُ لَهُمْ﴾ فِيهِ، ثُمَّ أُظْهِرَ فَقالَ: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ فَلا حَذْفَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وهَذا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إذا كانَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كُنْيَةً لِزَيْدٍ، فالخَيْراتُ مِن حَيْثُ المَعْنى هي الَّذِي مُدُّوا بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ، وإنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالمَسْبُوكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها هو مَصْدَرُ اسْمِ إنَّ، وخَبَرُ إنَّ هو ﴿نُسارِعُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُسارَعَةٍ، فَيَكُونُ الأصْلُ أنْ نُسارِعَ، فَحُذِفَتْ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ، والتَّقْدِيرُ أيَحْسَبُونَ أنَّ إمْدادَنا لَهم بِالمالِ والبَنِينَ مُسارَعَةٌ لَهم في الخَيْراتِ. وإنْ كانَتْ ما كافَّةً مُهَيِّئَةً فَهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فِيها هُنا فَلا تَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ ولا حَذْفٍ، ويَجُوزُ الوَقْفُ عَلى ﴿وبَنِينَ﴾ كَما تَقُولُ حَسِبْتُ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، وحَسِبْتُ أنَّكَ مُنْطَلِقٌ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّ ما بَعْدَ حَسِبْتُ قَدِ انْتَظَمَ مُسْنَدًا ومُسْنَدًا إلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ كانَ في ما يُقَدِّرُهُ مُفْرَدًا لِأنَّهُ (p-٤١٠)يَنْسَبِكُ مِن أنْ وما بَعْدَها مَصْدَرٌ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ ”يُسارِعُ“ بِالياءِ وكَسْرِ الرّاءِ فَإنْ كانَ فاعِلُ: ﴿نُسارِعُ﴾ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى ما بِمَعْنى الَّذِي، أوْ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ما نُمِدُّ فَنُسارِعُ خَبَرٌ لِأنَّ ولا ضَمِيرَ ولا حَذْفَ أيْ يُسارِعُ هو أيِ الَّذِي يُمِدُّ ويُسارِعُ، هو أيْ إمْدادُنا. وعَنِ ابْنِ أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورُ بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ ”نُسْرِعُ“ بِالنُّونِ مُضارِعُ أسْرَعَ.
﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ أيْ بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ؛ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ؛ فَيَتَأمَّلُوا ويَتَفَكَّرُوا: أهُوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
المؤمنون 23:56
﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ﴾ أيْ قِصَّتَهُما، وهي (آيَةٌ) عُظْمى بِمَجْمُوعِها، وهي آياتٌ مَعَ التَّفْصِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ آيَةٌ لِدَلالَةِ الثّانِي أيْ وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً وأُمَّهُ آيَةً. والرَّبْوَةُ هُنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ المُسَيَّبِ: الغُوطَةُ بِدِمَشْقَ، وصِفَتُها أنَّها ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ عَلى الكَمالِ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: رَمْلَةُ فِلَسْطِينَ. وقالَ قَتادَةُ وكَعْبٌ: بَيْتُ المَقْدِسِ، وزَعَمَ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وأنَّهُ يَزِيدُ عَلى أعْلى الأرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ووَهْبٌ: الرَّبْوَةُ بِأرْضِ مِصْرَ، وسَبَبُ هَذا الإيواءِ أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ عَزَمَ عَلى قَتْلِ عِيسى فَفَرَّتْ بِهِ أُمُّهُ إلى أحَدِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَبْوَةٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، والحَسَنُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها، وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ بِكَسْرِها، وابْنُ أبِي إسْحاقَ ”رُباوَةٍ“ بِضَمِّ الرّاءِ بِالألِفِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ والفَرَزْدَقُ والسُّلَمِيُّ في نَقْلِ صاحِبِ اللَّوامِحِ بِفَتْحِها وبِالألِفِ. وقُرِئَ بِكَسْرِها وبِالألِفِ.
﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أيْ مُسْتَوِيَةٍ يُمْكِنُ القَرارُ فِيها لِلْحَرْثِ والغِراسَةِ، والمَعْنى أنَّها مِنَ البِقاعِ الطَّيِّبَةِ. وعَنْ قَتادَةَ: ذاتُ ثِمارٍ وماءٍ، يَعْنِي أنَّها لِأجْلِ الثِّمارِ يَسْتَقِرُّ فِيها ساكِنُوها.
ونِداءُ ﴿الرُّسُلُ﴾ وخِطابُهم بِمَعْنى نِداءِ كُلِّ واحِدٍ وخِطابِهِ في زَمانِهِ إذْ لَمْ يَجْتَمِعُوا في زَمانٍ واحِدٍ فَيُنادَوْنَ ويُخاطَبُونَ فِيهِ، وإنَّما أتى بِصُورَةِ الجَمْعِ لِيَعْتَقِدَ السّامِعُ أنَّ أمْرًا نُودِيَ لَهُ جَمِيعُ الرُّسُلِ ووُصُّوا بِهِ حَقِيقٌ أنْ يُوَحَّدَ بِهِ ويُعْمَلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجاءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِقِيامِهِ مَقامَ ﴿الرُّسُلُ﴾ . وقِيلَ: لِيَفْهَمَ بِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ كُلِّ رَسُولٍ كَما تَقُولُ تُخاطِبُ تاجِرًا: يا تُجّارُ، اتَّقُوا الرِّبا. وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِ عِيسى، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، والمَشْهُورُ مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ هَذا الإعْلامُ عِنْدَ إيواءِ عِيسى ومَرْيَمَ إلى الرَّبْوَةِ فَذُكِرَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، أيْ ﴿وآوَيْناهُما﴾ وقُلْنا لَهُما هَذا الَّذِي أعْلَمْناهُما أنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم خُوطِبُوا بِهَذا، وكُلا مِمّا رَزَقْناكُما واعْمَلا صالِحًا اقْتِداءً بِالرُّسُلِ، والطَّيِّباتُ الحَلالُ، لَذِيذًا كانَ أوْ غَيْرَ لَذِيذٍ. وقِيلَ: ما يُسْتَطابُ ويُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ والفَواكِهِ، ويَشْهَدُ لَهُ ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾، وقَدَّمَ الأكْلَ مِنَ الطَّيِّباتِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ صالِحًا إلّا مَسْبُوقًا بِأكْلِ الحَلالِ.
﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَحْذِيرٌ في الظّاهِرِ، والمُرادُ اتِّباعُهم ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِها في أواخِرِ الأنْبِياءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (وإنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّشْدِيدِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ أيْ (p-٤٠٩)ولِأنَّ، و ابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ لِلرُّسُلِ نُودِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم في زَمانِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾، وجاءَ هُنا ﴿وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾، وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ مِن قَوْلِهِ في الأنْبِياءِ: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]؛ لِأنَّ هَذِهِ جاءَتْ عَقِيبَ إهْلاكِ طَوائِفَ كَثِيرِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ والأُمَمِ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وفي الأنْبِياءِ، وإنْ تَقَدَّمَتْ أيْضًا قِصَّةُ نُوحٍ وما قَبْلَها فَإنَّهُ جاءَ بَعْدَها ما يَدُلُّ عَلى الإحْسانِ واللُّطْفِ التّامِّ في قِصَّةِ أيُّوبَ ويُونُسَ وزَكَرِيّا ومَرْيَمَ، فَناسَبَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ لِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ تَعالى وجاءَ هُنا ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ بِالفاءِ، إيذانًا بِأنَّ التَّقْطِيعَ اعْتَقَبَ الأمْرَ بِالتَّقْوى، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ وفي نِفارِهِمْ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. وجاءَ في الأنْبِياءِ بِالواوِ فاحْتَمَلَ مَعْنى الفاءِ، واحْتَمَلَ تَأخُّرَ تَقَطُّعِهِمْ عَنِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ، وفَرَحُ كُلِّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِ دَلِيلٌ عَلى نِعْمَتِهِ في ضَلالِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ وكَأنَّهُ لا رِيبَةَ عِنْدَهُ في أنَّهُ الحَقُّ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ ومَآلِ أمْرِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ كانَ ذَلِكَ مِثالًا لِ قُرَيْشٍ، فَخاطَبَ رَسُولَهُ في شَأْنِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾، وهَذا وعِيدٌ لَهم حَيْثُ تَقَطَّعُوا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقائِلٌ هو شاعِرٌ، وقائِلٌ ساحِرٌ، وقائِلٌ بِهِ جِنَّةٌ، كَما تَقَطَّعَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، كَما قالَ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] . قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في جَهالَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: في حَيْرَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: في غَفْلَتِهِمْ. وقِيلَ: في ضَلالَتِهِمْ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ حَتّى يَنْزِلَ بِهِمُ المَوْتُ. وقِيلَ: حَتّى يَأْتِيَ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأبُو حَيْوَةَ والسُّلَمِيُّ ”في غَمَراتِهِمْ“ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ غَمْرَةً، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَغَمْرَةٌ تَعُمُّ إذا أُضِيفَتْ إلى عامٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغَمْرَةُ الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ فَضُرِبَتْ مَثَلًا لِما هم مَغْمُورُونَ فِيهِ مِن جَهْلِهِمْ وعَمايَتِهِمْ، أوْ شُبِّهُوا بِاللّاعِبِينَ في غَمْرَةِ الماءِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ
سَلّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، ونَهى عَنِ الِاسْتِعْجالِ بِعَذابِهِمْ والجَزَعِ مِن تَأخُّرِهِ، انْتَهى. ثُمَّ وقَفَهم تَعالى عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالمالِ ونَحْوِهِ إنَّما هي لِرِضاهُ عَنْ حالِهِمْ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ إلى المَعاصِي واسْتِجْرارٌ إلى زِيادَةِ الإثْمِ وهم يَحْسَبُونَهُ مُسارَعَةً لَهم في الخَيْراتِ ومُعاجَلَةً بِالإحْسانِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ (إنَّما نُمِدُّهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ ”يُمِدُّهم“ بِالياءِ، وما في (إنَّما) إمّا بِمَعْنى الَّذِي أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ، إنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فَصِلَتُها ما بَعْدَها، وخَبَرُ أنَّ هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ والرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ اسْتِطالَةُ الكَلامِ مَعَ أمْنِ اللَّبْسِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾، وقالَ هِشامُ بْنُ مَعُونَةَ: الضَّرَرُ الرّابِطُ هو الظّاهِرُ وهو: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ وكانَ المَعْنى: ﴿نُسارِعُ لَهُمْ﴾ فِيهِ، ثُمَّ أُظْهِرَ فَقالَ: ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ فَلا حَذْفَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وهَذا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ إذا كانَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كُنْيَةً لِزَيْدٍ، فالخَيْراتُ مِن حَيْثُ المَعْنى هي الَّذِي مُدُّوا بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ، وإنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالمَسْبُوكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها هو مَصْدَرُ اسْمِ إنَّ، وخَبَرُ إنَّ هو ﴿نُسارِعُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُسارَعَةٍ، فَيَكُونُ الأصْلُ أنْ نُسارِعَ، فَحُذِفَتْ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ، والتَّقْدِيرُ أيَحْسَبُونَ أنَّ إمْدادَنا لَهم بِالمالِ والبَنِينَ مُسارَعَةٌ لَهم في الخَيْراتِ. وإنْ كانَتْ ما كافَّةً مُهَيِّئَةً فَهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فِيها هُنا فَلا تَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ ولا حَذْفٍ، ويَجُوزُ الوَقْفُ عَلى ﴿وبَنِينَ﴾ كَما تَقُولُ حَسِبْتُ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، وحَسِبْتُ أنَّكَ مُنْطَلِقٌ، وجازَ ذَلِكَ لِأنَّ ما بَعْدَ حَسِبْتُ قَدِ انْتَظَمَ مُسْنَدًا ومُسْنَدًا إلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وإنْ كانَ في ما يُقَدِّرُهُ مُفْرَدًا لِأنَّهُ (p-٤١٠)يَنْسَبِكُ مِن أنْ وما بَعْدَها مَصْدَرٌ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ ”يُسارِعُ“ بِالياءِ وكَسْرِ الرّاءِ فَإنْ كانَ فاعِلُ: ﴿نُسارِعُ﴾ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى ما بِمَعْنى الَّذِي، أوْ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ما نُمِدُّ فَنُسارِعُ خَبَرٌ لِأنَّ ولا ضَمِيرَ ولا حَذْفَ أيْ يُسارِعُ هو أيِ الَّذِي يُمِدُّ ويُسارِعُ، هو أيْ إمْدادُنا. وعَنِ ابْنِ أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورُ بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ ”نُسْرِعُ“ بِالنُّونِ مُضارِعُ أسْرَعَ.
﴿بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ أيْ بَلْ هم أشْباهُ البَهائِمِ؛ لا فِطْنَةَ لَهم ولا شُعُورَ؛ فَيَتَأمَّلُوا ويَتَفَكَّرُوا: أهُوَ اسْتِدْراجٌ أمْ مُسارَعَةٌ في الخَيْرِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
المؤمنون 23:57
﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٢] ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] .
لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ الكَفَرَةِ وتَوَعَّدَهَمْ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ووَعَدَهم وذَكَرَهم بِأبْلَغِ صِفاتِهِمْ، والإشْفاقُ أبْلَغُ التَّوَقُّعِ والخَوْفِ، ومِنهم مَن حَمَلَ الخَشْيَةَ عَلى العَذابِ، والمَعْنى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٧]، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. و﴿مِن خَشْيَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُشْفِقُونَ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(مِن) في ﴿مِن خَشْيَةِ﴾ هي لِبَيانِ جِنْسِ الإشْفاقِ، والإشْفاقُ إنَّما هو مِن عَذابِ اللَّهِ، والآياتُ تَعُمُّ القُرْآنَ والعِبَرَ والمَصْنُوعاتِ الَّتِي لِلَّهِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ نَظَرٌ. وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ نَفْيَ الإشْراكِ وهو عِبادَتُهم آلِهَتَهُمُ الَّتِي هي الأصْنامُ، إذْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أنْ تَقُولَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِآياتِ رَبِّنا ونُصَدِّقُ بِأنَّهُ المُخْتَرِعُ الخالِقُ. وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيَ الشِّرْكِ لِلَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾، المُرادُ نَفْيُ الشِّرْكِ لِلْحَقِّ وهو أنْ يُخْلِصُوا في العِبادَةِ لا يُقْدَمُ عَلَيْها إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ وطَلَبِ رِضْوانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ أيْ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا مِنَ الزَّكاةِ والصَّدَقاتِ.
﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أيْ: خائِفَةٌ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم لِتَقْصِيرِهِمْ أنَّهم أيْ وجِلَةٌ لِأجْلِ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ أيْ خائِفَةٌ لِأجْلِ ما يَتَوَقَّعُونَ مِن لِقاءِ الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عامٌّ في جَمِيعِ أعْمالِ البِرِّ، كَأنَّهُ قالَ: والَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِن أنْفُسِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ ما بَلَغَهُ جُهْدُهم. وقَرَأتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: يَأْتُونَ ما أتَوْا مِنَ الإتْيانِ أيْ يَفْعَلُونَ ما فَعَلُوا، قالَتْ عائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هو الَّذِي يَزْنِي ويَسْرِقُ ويَشْرَبُ الخَمْرَ، وهو عَلى ذَلِكَ (p-٤١١)يَخافُ اللَّهَ، قالَ: «لا يابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ هو الَّذِي يُصَلِّي ويَصُومُ ويَتَصَدَّقُ وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ أنْ لا يَقْبَلَ» . قِيلَ: وجَلُ العارِفِ مِن طاعَتِهِ أكْثَرُ مِن مُخالَفَتِهِ؛ لِأنَّ المُخالَفَةَ تَمْحُوها التَّوْبَةُ والطّاعَةَ تُطْلَبُ التَّصْحِيحَ. وقالالحَسَنُ: المُؤْمِنُ يَجْمَعُ إحْسانًا وشَفَقَةً، والمُنافِقُ يَجْمَعُ إساءَةً وأمْنًا. وقَرَأ الأعْمَشُ: (إنَّهم) بِالكَسْرِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ تَرْتِيبُ هَذِهِ الصِّفاتِ في نِهايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ الأُولى دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ المُوجِبِ لِلِاحْتِرازِ، والثّانِيَةَ عَلى تَحْصِيلِ الإيمانِ بِاللَّهِ، والثّالِثَةَ عَلى تَرْكِ الرِّياءِ في الطّاعَةِ، والرّابِعَةَ عَلى أنَّ المُسْتَجْمِعَ لِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ يَأْتِي بِالطّاعاتِ مَعَ خَوْفٍ مِنَ التَّقْصِيرِ وهو نِهايَةُ مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، انْتَهى.
﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] المُخافَتَةُ والإيمانُ والكَفُّ عَنِ الشِّرْكِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها، والثّانِي أنَّهم يَتَعَجَّلُونَ في الدُّنْيا المَنافِعَ، ووُجُوهَ الإكْرامِ كَما قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]، ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]؛ لِأنَّهم إذا سُورِعَ بِها لَهم فَقَدْ سارَعُوا في نَيْلِها وتَعَجَّلُوها، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ طِباقًا لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتَ ما نُفِيَ عَنِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، انْتَهى. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ: يُسْرِعُونَ مُضارِعُ أسْرَعَ، يُقالُ أسْرَعْتُ إلى الشَّيْءِ وسَرُعْتُ إلَيْهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأمّا المُسارَعَةُ فالمُسابَقَةُ أيْ يُسارِعُونَ غَيْرَهم. قالَ الزَّجّاجُ: ﴿يُسارِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أبْلَغُ مَن يُسْرِعُونَ، انْتَهى. وجِهَةُ المُبالَغَةِ أنَّ المُفاعَلَةَ تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ فَتَقْتَضِي حَثَّ النَّفْسِ عَلى السَّبْقِ؛ لِأنَّ مَن عارَضَكَ في شَيْءٍ تَشْتَهِي أنْ تَغْلِبَهُ فِيهِ.
المؤمنون 23:58
﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٢] ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] .
لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ الكَفَرَةِ وتَوَعَّدَهَمْ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ووَعَدَهم وذَكَرَهم بِأبْلَغِ صِفاتِهِمْ، والإشْفاقُ أبْلَغُ التَّوَقُّعِ والخَوْفِ، ومِنهم مَن حَمَلَ الخَشْيَةَ عَلى العَذابِ، والمَعْنى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٧]، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. و﴿مِن خَشْيَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُشْفِقُونَ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(مِن) في ﴿مِن خَشْيَةِ﴾ هي لِبَيانِ جِنْسِ الإشْفاقِ، والإشْفاقُ إنَّما هو مِن عَذابِ اللَّهِ، والآياتُ تَعُمُّ القُرْآنَ والعِبَرَ والمَصْنُوعاتِ الَّتِي لِلَّهِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ نَظَرٌ. وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ نَفْيَ الإشْراكِ وهو عِبادَتُهم آلِهَتَهُمُ الَّتِي هي الأصْنامُ، إذْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أنْ تَقُولَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِآياتِ رَبِّنا ونُصَدِّقُ بِأنَّهُ المُخْتَرِعُ الخالِقُ. وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيَ الشِّرْكِ لِلَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾، المُرادُ نَفْيُ الشِّرْكِ لِلْحَقِّ وهو أنْ يُخْلِصُوا في العِبادَةِ لا يُقْدَمُ عَلَيْها إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ وطَلَبِ رِضْوانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ أيْ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا مِنَ الزَّكاةِ والصَّدَقاتِ.
﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أيْ: خائِفَةٌ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم لِتَقْصِيرِهِمْ أنَّهم أيْ وجِلَةٌ لِأجْلِ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ أيْ خائِفَةٌ لِأجْلِ ما يَتَوَقَّعُونَ مِن لِقاءِ الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عامٌّ في جَمِيعِ أعْمالِ البِرِّ، كَأنَّهُ قالَ: والَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِن أنْفُسِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ ما بَلَغَهُ جُهْدُهم. وقَرَأتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: يَأْتُونَ ما أتَوْا مِنَ الإتْيانِ أيْ يَفْعَلُونَ ما فَعَلُوا، قالَتْ عائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هو الَّذِي يَزْنِي ويَسْرِقُ ويَشْرَبُ الخَمْرَ، وهو عَلى ذَلِكَ (p-٤١١)يَخافُ اللَّهَ، قالَ: «لا يابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ هو الَّذِي يُصَلِّي ويَصُومُ ويَتَصَدَّقُ وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ أنْ لا يَقْبَلَ» . قِيلَ: وجَلُ العارِفِ مِن طاعَتِهِ أكْثَرُ مِن مُخالَفَتِهِ؛ لِأنَّ المُخالَفَةَ تَمْحُوها التَّوْبَةُ والطّاعَةَ تُطْلَبُ التَّصْحِيحَ. وقالالحَسَنُ: المُؤْمِنُ يَجْمَعُ إحْسانًا وشَفَقَةً، والمُنافِقُ يَجْمَعُ إساءَةً وأمْنًا. وقَرَأ الأعْمَشُ: (إنَّهم) بِالكَسْرِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ تَرْتِيبُ هَذِهِ الصِّفاتِ في نِهايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ الأُولى دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ المُوجِبِ لِلِاحْتِرازِ، والثّانِيَةَ عَلى تَحْصِيلِ الإيمانِ بِاللَّهِ، والثّالِثَةَ عَلى تَرْكِ الرِّياءِ في الطّاعَةِ، والرّابِعَةَ عَلى أنَّ المُسْتَجْمِعَ لِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ يَأْتِي بِالطّاعاتِ مَعَ خَوْفٍ مِنَ التَّقْصِيرِ وهو نِهايَةُ مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، انْتَهى.
﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] المُخافَتَةُ والإيمانُ والكَفُّ عَنِ الشِّرْكِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها، والثّانِي أنَّهم يَتَعَجَّلُونَ في الدُّنْيا المَنافِعَ، ووُجُوهَ الإكْرامِ كَما قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]، ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]؛ لِأنَّهم إذا سُورِعَ بِها لَهم فَقَدْ سارَعُوا في نَيْلِها وتَعَجَّلُوها، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ طِباقًا لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتَ ما نُفِيَ عَنِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، انْتَهى. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ: يُسْرِعُونَ مُضارِعُ أسْرَعَ، يُقالُ أسْرَعْتُ إلى الشَّيْءِ وسَرُعْتُ إلَيْهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأمّا المُسارَعَةُ فالمُسابَقَةُ أيْ يُسارِعُونَ غَيْرَهم. قالَ الزَّجّاجُ: ﴿يُسارِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أبْلَغُ مَن يُسْرِعُونَ، انْتَهى. وجِهَةُ المُبالَغَةِ أنَّ المُفاعَلَةَ تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ فَتَقْتَضِي حَثَّ النَّفْسِ عَلى السَّبْقِ؛ لِأنَّ مَن عارَضَكَ في شَيْءٍ تَشْتَهِي أنْ تَغْلِبَهُ فِيهِ.
المؤمنون 23:59
﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٢] ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] .
لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ الكَفَرَةِ وتَوَعَّدَهَمْ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ووَعَدَهم وذَكَرَهم بِأبْلَغِ صِفاتِهِمْ، والإشْفاقُ أبْلَغُ التَّوَقُّعِ والخَوْفِ، ومِنهم مَن حَمَلَ الخَشْيَةَ عَلى العَذابِ، والمَعْنى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٧]، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. و﴿مِن خَشْيَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُشْفِقُونَ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(مِن) في ﴿مِن خَشْيَةِ﴾ هي لِبَيانِ جِنْسِ الإشْفاقِ، والإشْفاقُ إنَّما هو مِن عَذابِ اللَّهِ، والآياتُ تَعُمُّ القُرْآنَ والعِبَرَ والمَصْنُوعاتِ الَّتِي لِلَّهِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ نَظَرٌ. وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ نَفْيَ الإشْراكِ وهو عِبادَتُهم آلِهَتَهُمُ الَّتِي هي الأصْنامُ، إذْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أنْ تَقُولَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِآياتِ رَبِّنا ونُصَدِّقُ بِأنَّهُ المُخْتَرِعُ الخالِقُ. وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيَ الشِّرْكِ لِلَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾، المُرادُ نَفْيُ الشِّرْكِ لِلْحَقِّ وهو أنْ يُخْلِصُوا في العِبادَةِ لا يُقْدَمُ عَلَيْها إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ وطَلَبِ رِضْوانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ أيْ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا مِنَ الزَّكاةِ والصَّدَقاتِ.
﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أيْ: خائِفَةٌ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم لِتَقْصِيرِهِمْ أنَّهم أيْ وجِلَةٌ لِأجْلِ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ أيْ خائِفَةٌ لِأجْلِ ما يَتَوَقَّعُونَ مِن لِقاءِ الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عامٌّ في جَمِيعِ أعْمالِ البِرِّ، كَأنَّهُ قالَ: والَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِن أنْفُسِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ ما بَلَغَهُ جُهْدُهم. وقَرَأتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: يَأْتُونَ ما أتَوْا مِنَ الإتْيانِ أيْ يَفْعَلُونَ ما فَعَلُوا، قالَتْ عائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هو الَّذِي يَزْنِي ويَسْرِقُ ويَشْرَبُ الخَمْرَ، وهو عَلى ذَلِكَ (p-٤١١)يَخافُ اللَّهَ، قالَ: «لا يابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ هو الَّذِي يُصَلِّي ويَصُومُ ويَتَصَدَّقُ وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ أنْ لا يَقْبَلَ» . قِيلَ: وجَلُ العارِفِ مِن طاعَتِهِ أكْثَرُ مِن مُخالَفَتِهِ؛ لِأنَّ المُخالَفَةَ تَمْحُوها التَّوْبَةُ والطّاعَةَ تُطْلَبُ التَّصْحِيحَ. وقالالحَسَنُ: المُؤْمِنُ يَجْمَعُ إحْسانًا وشَفَقَةً، والمُنافِقُ يَجْمَعُ إساءَةً وأمْنًا. وقَرَأ الأعْمَشُ: (إنَّهم) بِالكَسْرِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ تَرْتِيبُ هَذِهِ الصِّفاتِ في نِهايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ الأُولى دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ المُوجِبِ لِلِاحْتِرازِ، والثّانِيَةَ عَلى تَحْصِيلِ الإيمانِ بِاللَّهِ، والثّالِثَةَ عَلى تَرْكِ الرِّياءِ في الطّاعَةِ، والرّابِعَةَ عَلى أنَّ المُسْتَجْمِعَ لِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ يَأْتِي بِالطّاعاتِ مَعَ خَوْفٍ مِنَ التَّقْصِيرِ وهو نِهايَةُ مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، انْتَهى.
﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] المُخافَتَةُ والإيمانُ والكَفُّ عَنِ الشِّرْكِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها، والثّانِي أنَّهم يَتَعَجَّلُونَ في الدُّنْيا المَنافِعَ، ووُجُوهَ الإكْرامِ كَما قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]، ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]؛ لِأنَّهم إذا سُورِعَ بِها لَهم فَقَدْ سارَعُوا في نَيْلِها وتَعَجَّلُوها، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ طِباقًا لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتَ ما نُفِيَ عَنِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، انْتَهى. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ: يُسْرِعُونَ مُضارِعُ أسْرَعَ، يُقالُ أسْرَعْتُ إلى الشَّيْءِ وسَرُعْتُ إلَيْهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأمّا المُسارَعَةُ فالمُسابَقَةُ أيْ يُسارِعُونَ غَيْرَهم. قالَ الزَّجّاجُ: ﴿يُسارِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أبْلَغُ مَن يُسْرِعُونَ، انْتَهى. وجِهَةُ المُبالَغَةِ أنَّ المُفاعَلَةَ تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ فَتَقْتَضِي حَثَّ النَّفْسِ عَلى السَّبْقِ؛ لِأنَّ مَن عارَضَكَ في شَيْءٍ تَشْتَهِي أنْ تَغْلِبَهُ فِيهِ.
المؤمنون 23:60
﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٢] ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] .
لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ الكَفَرَةِ وتَوَعَّدَهَمْ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ووَعَدَهم وذَكَرَهم بِأبْلَغِ صِفاتِهِمْ، والإشْفاقُ أبْلَغُ التَّوَقُّعِ والخَوْفِ، ومِنهم مَن حَمَلَ الخَشْيَةَ عَلى العَذابِ، والمَعْنى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج: ٢٧]، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. و﴿مِن خَشْيَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُشْفِقُونَ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(مِن) في ﴿مِن خَشْيَةِ﴾ هي لِبَيانِ جِنْسِ الإشْفاقِ، والإشْفاقُ إنَّما هو مِن عَذابِ اللَّهِ، والآياتُ تَعُمُّ القُرْآنَ والعِبَرَ والمَصْنُوعاتِ الَّتِي لِلَّهِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ نَظَرٌ. وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ نَفْيَ الإشْراكِ وهو عِبادَتُهم آلِهَتَهُمُ الَّتِي هي الأصْنامُ، إذْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أنْ تَقُولَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِآياتِ رَبِّنا ونُصَدِّقُ بِأنَّهُ المُخْتَرِعُ الخالِقُ. وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيَ الشِّرْكِ لِلَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾، المُرادُ نَفْيُ الشِّرْكِ لِلْحَقِّ وهو أنْ يُخْلِصُوا في العِبادَةِ لا يُقْدَمُ عَلَيْها إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ وطَلَبِ رِضْوانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ أيْ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا مِنَ الزَّكاةِ والصَّدَقاتِ.
﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أيْ: خائِفَةٌ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهم لِتَقْصِيرِهِمْ أنَّهم أيْ وجِلَةٌ لِأجْلِ رُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ أيْ خائِفَةٌ لِأجْلِ ما يَتَوَقَّعُونَ مِن لِقاءِ الجَزاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عامٌّ في جَمِيعِ أعْمالِ البِرِّ، كَأنَّهُ قالَ: والَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِن أنْفُسِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ ما بَلَغَهُ جُهْدُهم. وقَرَأتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: يَأْتُونَ ما أتَوْا مِنَ الإتْيانِ أيْ يَفْعَلُونَ ما فَعَلُوا، قالَتْ عائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هو الَّذِي يَزْنِي ويَسْرِقُ ويَشْرَبُ الخَمْرَ، وهو عَلى ذَلِكَ (p-٤١١)يَخافُ اللَّهَ، قالَ: «لا يابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ هو الَّذِي يُصَلِّي ويَصُومُ ويَتَصَدَّقُ وهو عَلى ذَلِكَ يَخافُ اللَّهَ أنْ لا يَقْبَلَ» . قِيلَ: وجَلُ العارِفِ مِن طاعَتِهِ أكْثَرُ مِن مُخالَفَتِهِ؛ لِأنَّ المُخالَفَةَ تَمْحُوها التَّوْبَةُ والطّاعَةَ تُطْلَبُ التَّصْحِيحَ. وقالالحَسَنُ: المُؤْمِنُ يَجْمَعُ إحْسانًا وشَفَقَةً، والمُنافِقُ يَجْمَعُ إساءَةً وأمْنًا. وقَرَأ الأعْمَشُ: (إنَّهم) بِالكَسْرِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ تَرْتِيبُ هَذِهِ الصِّفاتِ في نِهايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ الأُولى دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ المُوجِبِ لِلِاحْتِرازِ، والثّانِيَةَ عَلى تَحْصِيلِ الإيمانِ بِاللَّهِ، والثّالِثَةَ عَلى تَرْكِ الرِّياءِ في الطّاعَةِ، والرّابِعَةَ عَلى أنَّ المُسْتَجْمِعَ لِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ يَأْتِي بِالطّاعاتِ مَعَ خَوْفٍ مِنَ التَّقْصِيرِ وهو نِهايَةُ مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، انْتَهى.
﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] المُخافَتَةُ والإيمانُ والكَفُّ عَنِ الشِّرْكِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرادَ يَرْغَبُونَ في الطّاعاتِ أشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبادِرُونَها، والثّانِي أنَّهم يَتَعَجَّلُونَ في الدُّنْيا المَنافِعَ، ووُجُوهَ الإكْرامِ كَما قالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]، ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]؛ لِأنَّهم إذا سُورِعَ بِها لَهم فَقَدْ سارَعُوا في نَيْلِها وتَعَجَّلُوها، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ طِباقًا لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتَ ما نُفِيَ عَنِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، انْتَهى. وقَرَأ الحُرُّ النَّحْوِيُّ: يُسْرِعُونَ مُضارِعُ أسْرَعَ، يُقالُ أسْرَعْتُ إلى الشَّيْءِ وسَرُعْتُ إلَيْهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأمّا المُسارَعَةُ فالمُسابَقَةُ أيْ يُسارِعُونَ غَيْرَهم. قالَ الزَّجّاجُ: ﴿يُسارِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أبْلَغُ مَن يُسْرِعُونَ، انْتَهى. وجِهَةُ المُبالَغَةِ أنَّ المُفاعَلَةَ تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ فَتَقْتَضِي حَثَّ النَّفْسِ عَلى السَّبْقِ؛ لِأنَّ مَن عارَضَكَ في شَيْءٍ تَشْتَهِي أنْ تَغْلِبَهُ فِيهِ.
المؤمنون 23:61
﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَها) عائِدٌ عَلى (الخَيْراتِ) أيْ سابِقُونَ إلَيْها، تَقُولُ: سَبَقْتُ لِكَذا وسَبَقْتُ إلى كَذا، ومَفْعُولُ ﴿سابِقُونَ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ سابِقُونَ النّاسَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِلَّتِي قَبْلَها مُفِيدَةً تُجَدُّدَ الفِعْلِ بِقَوْلِهِ: (يُسارِعُونَ) وثُبُوتَهَ بِقَوْلِهِ: ﴿سابِقُونَ﴾ وقِيلَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ إلى رِضا اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ أيْ فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، انْتَهى. وهَذانِ القَوْلانِ عِنْدِي واحِدٌ. قالَ أيْضًا أوْ إيّاها سابِقُونَ أيْ يَنالُوها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، انْتَهى. ولا يَدُلُّ لَفْظُ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ سَبْقَ الشَّيْءِ الشَّيْءَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ السّابِقِ عَلى المَسْبُوقِ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم وهم يَسْبِقُونَ الخَيْراتِ هَذا لا يَصِحُّ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَعْنى وهم لَها كَمَعْنى قَوْلِهِ أنْتَ لَها، انْتَهى. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: المَعْنى سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ في الأزَلِ فَهم لَها، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ اللّامَ مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى، انْتَهى. والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ وباقِيها مُتَعَسَّفٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ غَيْرَ ظاهِرِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في: (لَها) عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: عَلى الأُمَمِ.
﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ البَقَرَةِ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ أيْ كِتابٌ فِيهِ إحْصاءُ أعْمالِ الخَلْقِ يُشِيرُ إلى الصُّحُفِ الَّتِي يَقْرَءُونَ فِيها ما ثَبَتَ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: القُرْآنُ.
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ قُلُوبُ الكُفّارِ في ضَلالٍ قَدْ غَمَرَها كَما يَغْمُرُ الماءُ. (مِن هَذا) أيْ مِن هَذا العَمَلِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ أوْ مِنَ الكِتابِ الَّذِي لَدَيْنا أوْ مِنَ القُرْآنِ، والمَعْنى مِنِ اطِّراحِ هَذا وتَرْكِهِ أوْ يُشِيرُ إلى الدِّينِ بِجُمْلَتِهِ أوْ إلى مُحَمَّدٍ أقْوالٌ خَمْسَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مِن دُونِ ذَلِكَ.
أيْ مِن دُونِ الغَمْرَةِ والضَّلالِ المُحِيطِ بِهِمْ، فالمَعْنى أنَّهم ضالُّونَ مُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وهم مَعَ ذَلِكَ لَهم سِعاياتُ فَسادٍ وصَفَهم تَعالى بِحالَتَيْ شَرٍّ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ الإخْبارُ عَمّا سَلَفَ مِن أعْمالِهِمْ وعَمّا هم فِيهِ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: (مِن هَذا)، وكَأنَّهُ قالَ لَهم أعْمالٌ مِن دُونِ الحَقِّ، أوْ (p-٤١٢)القُرْآنِ ونَحْوِهِ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: إنَّما أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ عَمّا يُسْتَأْنَفُ مِن أعْمالِهِمْ أيْ أنَّهم لَهم أعْمالٌ مِنَ الفَسادِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أعْمالٌ﴾ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مُتَجاوِزَةٌ مُتَخَطِّئَةٌ لِذَلِكَ أيْ لِما وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ هم مُعْتادُونَ وبِها ضارُّونَ ولا يُفْطَمُونَ عَنْها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. و(حَتّى) هَذِهِ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، انْتَهى. وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعُودُ إلى المُؤْمِنِينَ المُشْفِقِينَ ﴿فِي غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: (وهم) مَعَ ذَلِكَ الخَوْفِ والوَجَلِ كالمُتَحَيِّرِينَ في أعْمالِهِمْ: أهِيَ مَقْبُولَةٌ أمْ مَرْدُودَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ، ويُرِيدُ بِالأعْمالِ الأُوَلِ الفَرائِضَ، وبِالثّانِي النَّوافِلَ.
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ رُجُوعٌ إلى وصْفِ الكُفّارِ؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهو أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما اتَّصَلَ بِهِ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعْدَهُ خُصُوصًا، وقَدْ رَغَّبَ المَرْءَ في الخَيْرِ بِأنْ يَذْكُرَ أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ كَما يُحَذِّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وأنْ يُوصَفَ بِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِهِ أوْ رَدِّهِ وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ (فَإنْ قِيلَ): فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) ؟ (قُلْنا): إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ بَيْنَ اسْتِيلاءِ ذَلِكَ عَلى قُلُوبِهِمُ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في: (حَتّى) أنَّها الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، وأنَّها غايَةٌ لِما قَبْلَها، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ أنَّهم مُعْتادُونَ لَها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (حَتّى) غايَةٌ وهي عاطِفَةٌ، (إذا) ظَرْفٌ يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، (إذا) الثّانِيَةُ في مَوْضِعِ جَوابِ الأُولى، ومَعْنى الكَلامِ عامِلٌ في: (إذا)، والتَّقْدِيرُ جَأرُوا، فَيَكُونُ جَأرُوا العامِلَ في: (إذا) الأُولى، والعامِلَ في الثّانِيَةِ (أخَذْنا)، انْتَهى، وهو كَلامُ مُخَبِّطٍ لَيْسَ أهْلًا أنْ يَرُدَّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(حَتّى) حَرْفُ ابْتِداءٍ لا غَيْرُ، و(إذا) الثّانِيَةُ الَّتِي هي جَوابٌ يَمْنَعانِ مِن أنْ تَكُونَ حَتّى غايَةً لِعامِلُونَ، انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أعْمالٌ مِنَ الشَّرِّ دُونَ أعْمالِ أهْلِ البِرِّ.
﴿لَها عامِلُونَ﴾ إلى أنْ يَأْخُذَ اللَّهُ أهْلَ النِّعْمَةِ والبَطَرِ مِنهم.
﴿بِالعَذابِ إذا هُمْ﴾ يَضِجُّونَ ويَسْتَغِيثُونَ، والمُتْرَفُونَ المُنَعَّمُونَ والرُّؤَساءُ، والعَذابُ القَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ والجُوعُ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والكِلابَ والعِظامَ المُحْتَرِقَةَ والقَدَّ والأوْلادَ. وقِيلَ: العَذابُ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (إذا هم) عائِدٌ عَلى ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾؛ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم صاحُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الباقِينَ بَعْدَ المُعَذَّبِينَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُعَذَّبُونَ قَتْلى بَدْرٍ، والَّذِينَ ﴿يَجْأرُونَ﴾ أهْلُ مَكَّةَ؛ لِأنَّهم ناحُوا واسْتَغاثُوا.
﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم إمّا حَقِيقَةً تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ ذَلِكَ وإمّا مَجازًا أيْ لِسانُ الحالِ يَقُولُ ذَلِكَ هَذا إنْ كانَ الَّذِينَ يَجْأرُونَ هُمُ المُعَذَّبُونَ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَيْسَ القائِلُ المَلائِكَةَ. وقالَ قَتادَةُ ﴿يَجْأرُونَ﴾ يَصْرُخُونَ بِالتَّوْبَةِ فَلا يُقْبَلُ مِنهم. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: تَجْأرُونَ تَجْزَعُونَ، عَبَّرَ بِالصُّراخِ بِالجَزَعِ إذِ الجَزَعُ سَبَبُهُ.
﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا أوْ لا يَكُونُ لَكم نَصْرٌ مِن جِهَتِنا، فالجِوارُ غَيْرُ نافِعٍ لَكم ولا مُجْدٍ.
﴿قَدْ كانَتْ آياتِي﴾ هي آياتُ القُرْآنِ، ﴿تَنْكِصُونَ﴾ تَرْجِعُونَ اسْتِعارَةٌ لِلْإعْراضِ عَنِ الحَقِّ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ﴿تَنْكُصُونَ﴾ بِضَمِّ الكافِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿تَنْكِصُونَ﴾ أيْ بِالنُّكُوصِ والتَّباعُدِ مِن سَماعِ الآياتِ أوْ عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الكِتابِ، وضَمَّنَ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ مَعْنى مُكَذِّبِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ يَحْدُثُ لَكم بِسَبَبِ سَماعِهِ اسْتِكْبارٌ وعُتُوٌّ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى الحَرَمِ والمَسْجِدِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وسَوَّغَ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم (p-٤١٣)بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ وأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهم مُعْجِزَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ، وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُحَسِّنُهُ أنَّ في قَوْلِهِ: (تُتْلى عَلَيْكم) دَلالَةً عَلى التّالِي وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذِهِ أقْوالٌ تَتَعَلَّقُ فِيها بِمُسْتَكْبِرِينَ. وقِيلَ تَتَعَلَّقُ بِسامِرًا أيْ تَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ والطَّعْنِ فِيهِ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةَ سَمَرِهِمْ ذِكْرُ القُرْآنِ وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا وشِعْرًا وسَبُّ مَن أتى بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سامِرًا﴾، وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِكْرِمَةُ والزَّعْفَرانِيُّ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عُمَرَ ”وسُمَّرًا“ بِضَمِّ السِّينِ وشَدِّ المِيمِ مَفْتُوحَةً، جَمْعُ سامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو نَهِيكٍ كَذَلِكَ، وبِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ المِيمِ والرّاءِ جَمَعُ سامِرٍ أيْضًا، وهُما جَمْعانِ مَقِيسانِ في مِثْلِ سامِرٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ. ورَوى ابْنُ أبِي عاصِمٍ بِالياءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿تَهْجُرُونَ﴾ الحَقَّ وذِكْرَ اللَّهِ، وتَقْطَعُونَهُ مِنَ الهَجْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: مِن هَجَرَ المَرِيضُ إذا هَذى أيْ يَقُولُونَ اللَّغْوَ مِنَ القَوْلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحُمَيْدٌ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، مُضارِعُ أهْجَرَ، أيْ يَقُولُونَ الهُجْرَ بِضَمِّ الهاءِ، وهو الفُحْشُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إشارَةٌ إلى السَّبِّ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم فَتَحُوا الهاءَ وشَدَّدُوا الجِيمَ، وهو تَضْعِيفٌ مِن هَجَّرَ ماضِي الهَجَرِ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى مُقابِلِ الوَصْلِ أوِ الهَذَيانِ أوْ ماضِي الهُجْرِ وهو الفُحْشُ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لَوْ قِيلَ إنَّ المَعْنى أنَّكم مُبالِغُونَ في المُجاهَرَةِ حَتّى إنَّكم إنْ كُنْتُمْ سُمَّرًا بِاللَّيْلِ فَكَأنَّكم تَهْجُرُونَ في الهاجِرَةِ عَلى الِافْتِضاحِ لَكانَ وجْهًا.
٦٨: ٧٧
المؤمنون 23:62
﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَها) عائِدٌ عَلى (الخَيْراتِ) أيْ سابِقُونَ إلَيْها، تَقُولُ: سَبَقْتُ لِكَذا وسَبَقْتُ إلى كَذا، ومَفْعُولُ ﴿سابِقُونَ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ سابِقُونَ النّاسَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِلَّتِي قَبْلَها مُفِيدَةً تُجَدُّدَ الفِعْلِ بِقَوْلِهِ: (يُسارِعُونَ) وثُبُوتَهَ بِقَوْلِهِ: ﴿سابِقُونَ﴾ وقِيلَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ إلى رِضا اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ أيْ فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، انْتَهى. وهَذانِ القَوْلانِ عِنْدِي واحِدٌ. قالَ أيْضًا أوْ إيّاها سابِقُونَ أيْ يَنالُوها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، انْتَهى. ولا يَدُلُّ لَفْظُ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ سَبْقَ الشَّيْءِ الشَّيْءَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ السّابِقِ عَلى المَسْبُوقِ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم وهم يَسْبِقُونَ الخَيْراتِ هَذا لا يَصِحُّ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَعْنى وهم لَها كَمَعْنى قَوْلِهِ أنْتَ لَها، انْتَهى. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: المَعْنى سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ في الأزَلِ فَهم لَها، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ اللّامَ مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى، انْتَهى. والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ وباقِيها مُتَعَسَّفٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ غَيْرَ ظاهِرِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في: (لَها) عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: عَلى الأُمَمِ.
﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ البَقَرَةِ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ أيْ كِتابٌ فِيهِ إحْصاءُ أعْمالِ الخَلْقِ يُشِيرُ إلى الصُّحُفِ الَّتِي يَقْرَءُونَ فِيها ما ثَبَتَ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: القُرْآنُ.
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ قُلُوبُ الكُفّارِ في ضَلالٍ قَدْ غَمَرَها كَما يَغْمُرُ الماءُ. (مِن هَذا) أيْ مِن هَذا العَمَلِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ أوْ مِنَ الكِتابِ الَّذِي لَدَيْنا أوْ مِنَ القُرْآنِ، والمَعْنى مِنِ اطِّراحِ هَذا وتَرْكِهِ أوْ يُشِيرُ إلى الدِّينِ بِجُمْلَتِهِ أوْ إلى مُحَمَّدٍ أقْوالٌ خَمْسَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مِن دُونِ ذَلِكَ.
أيْ مِن دُونِ الغَمْرَةِ والضَّلالِ المُحِيطِ بِهِمْ، فالمَعْنى أنَّهم ضالُّونَ مُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وهم مَعَ ذَلِكَ لَهم سِعاياتُ فَسادٍ وصَفَهم تَعالى بِحالَتَيْ شَرٍّ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ الإخْبارُ عَمّا سَلَفَ مِن أعْمالِهِمْ وعَمّا هم فِيهِ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: (مِن هَذا)، وكَأنَّهُ قالَ لَهم أعْمالٌ مِن دُونِ الحَقِّ، أوْ (p-٤١٢)القُرْآنِ ونَحْوِهِ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: إنَّما أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ عَمّا يُسْتَأْنَفُ مِن أعْمالِهِمْ أيْ أنَّهم لَهم أعْمالٌ مِنَ الفَسادِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أعْمالٌ﴾ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مُتَجاوِزَةٌ مُتَخَطِّئَةٌ لِذَلِكَ أيْ لِما وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ هم مُعْتادُونَ وبِها ضارُّونَ ولا يُفْطَمُونَ عَنْها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. و(حَتّى) هَذِهِ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، انْتَهى. وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعُودُ إلى المُؤْمِنِينَ المُشْفِقِينَ ﴿فِي غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: (وهم) مَعَ ذَلِكَ الخَوْفِ والوَجَلِ كالمُتَحَيِّرِينَ في أعْمالِهِمْ: أهِيَ مَقْبُولَةٌ أمْ مَرْدُودَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ، ويُرِيدُ بِالأعْمالِ الأُوَلِ الفَرائِضَ، وبِالثّانِي النَّوافِلَ.
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ رُجُوعٌ إلى وصْفِ الكُفّارِ؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهو أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما اتَّصَلَ بِهِ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعْدَهُ خُصُوصًا، وقَدْ رَغَّبَ المَرْءَ في الخَيْرِ بِأنْ يَذْكُرَ أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ كَما يُحَذِّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وأنْ يُوصَفَ بِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِهِ أوْ رَدِّهِ وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ (فَإنْ قِيلَ): فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) ؟ (قُلْنا): إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ بَيْنَ اسْتِيلاءِ ذَلِكَ عَلى قُلُوبِهِمُ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في: (حَتّى) أنَّها الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، وأنَّها غايَةٌ لِما قَبْلَها، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ أنَّهم مُعْتادُونَ لَها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (حَتّى) غايَةٌ وهي عاطِفَةٌ، (إذا) ظَرْفٌ يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، (إذا) الثّانِيَةُ في مَوْضِعِ جَوابِ الأُولى، ومَعْنى الكَلامِ عامِلٌ في: (إذا)، والتَّقْدِيرُ جَأرُوا، فَيَكُونُ جَأرُوا العامِلَ في: (إذا) الأُولى، والعامِلَ في الثّانِيَةِ (أخَذْنا)، انْتَهى، وهو كَلامُ مُخَبِّطٍ لَيْسَ أهْلًا أنْ يَرُدَّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(حَتّى) حَرْفُ ابْتِداءٍ لا غَيْرُ، و(إذا) الثّانِيَةُ الَّتِي هي جَوابٌ يَمْنَعانِ مِن أنْ تَكُونَ حَتّى غايَةً لِعامِلُونَ، انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أعْمالٌ مِنَ الشَّرِّ دُونَ أعْمالِ أهْلِ البِرِّ.
﴿لَها عامِلُونَ﴾ إلى أنْ يَأْخُذَ اللَّهُ أهْلَ النِّعْمَةِ والبَطَرِ مِنهم.
﴿بِالعَذابِ إذا هُمْ﴾ يَضِجُّونَ ويَسْتَغِيثُونَ، والمُتْرَفُونَ المُنَعَّمُونَ والرُّؤَساءُ، والعَذابُ القَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ والجُوعُ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والكِلابَ والعِظامَ المُحْتَرِقَةَ والقَدَّ والأوْلادَ. وقِيلَ: العَذابُ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (إذا هم) عائِدٌ عَلى ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾؛ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم صاحُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الباقِينَ بَعْدَ المُعَذَّبِينَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُعَذَّبُونَ قَتْلى بَدْرٍ، والَّذِينَ ﴿يَجْأرُونَ﴾ أهْلُ مَكَّةَ؛ لِأنَّهم ناحُوا واسْتَغاثُوا.
﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم إمّا حَقِيقَةً تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ ذَلِكَ وإمّا مَجازًا أيْ لِسانُ الحالِ يَقُولُ ذَلِكَ هَذا إنْ كانَ الَّذِينَ يَجْأرُونَ هُمُ المُعَذَّبُونَ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَيْسَ القائِلُ المَلائِكَةَ. وقالَ قَتادَةُ ﴿يَجْأرُونَ﴾ يَصْرُخُونَ بِالتَّوْبَةِ فَلا يُقْبَلُ مِنهم. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: تَجْأرُونَ تَجْزَعُونَ، عَبَّرَ بِالصُّراخِ بِالجَزَعِ إذِ الجَزَعُ سَبَبُهُ.
﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا أوْ لا يَكُونُ لَكم نَصْرٌ مِن جِهَتِنا، فالجِوارُ غَيْرُ نافِعٍ لَكم ولا مُجْدٍ.
﴿قَدْ كانَتْ آياتِي﴾ هي آياتُ القُرْآنِ، ﴿تَنْكِصُونَ﴾ تَرْجِعُونَ اسْتِعارَةٌ لِلْإعْراضِ عَنِ الحَقِّ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ﴿تَنْكُصُونَ﴾ بِضَمِّ الكافِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿تَنْكِصُونَ﴾ أيْ بِالنُّكُوصِ والتَّباعُدِ مِن سَماعِ الآياتِ أوْ عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الكِتابِ، وضَمَّنَ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ مَعْنى مُكَذِّبِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ يَحْدُثُ لَكم بِسَبَبِ سَماعِهِ اسْتِكْبارٌ وعُتُوٌّ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى الحَرَمِ والمَسْجِدِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وسَوَّغَ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم (p-٤١٣)بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ وأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهم مُعْجِزَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ، وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُحَسِّنُهُ أنَّ في قَوْلِهِ: (تُتْلى عَلَيْكم) دَلالَةً عَلى التّالِي وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذِهِ أقْوالٌ تَتَعَلَّقُ فِيها بِمُسْتَكْبِرِينَ. وقِيلَ تَتَعَلَّقُ بِسامِرًا أيْ تَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ والطَّعْنِ فِيهِ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةَ سَمَرِهِمْ ذِكْرُ القُرْآنِ وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا وشِعْرًا وسَبُّ مَن أتى بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سامِرًا﴾، وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِكْرِمَةُ والزَّعْفَرانِيُّ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عُمَرَ ”وسُمَّرًا“ بِضَمِّ السِّينِ وشَدِّ المِيمِ مَفْتُوحَةً، جَمْعُ سامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو نَهِيكٍ كَذَلِكَ، وبِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ المِيمِ والرّاءِ جَمَعُ سامِرٍ أيْضًا، وهُما جَمْعانِ مَقِيسانِ في مِثْلِ سامِرٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ. ورَوى ابْنُ أبِي عاصِمٍ بِالياءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿تَهْجُرُونَ﴾ الحَقَّ وذِكْرَ اللَّهِ، وتَقْطَعُونَهُ مِنَ الهَجْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: مِن هَجَرَ المَرِيضُ إذا هَذى أيْ يَقُولُونَ اللَّغْوَ مِنَ القَوْلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحُمَيْدٌ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، مُضارِعُ أهْجَرَ، أيْ يَقُولُونَ الهُجْرَ بِضَمِّ الهاءِ، وهو الفُحْشُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إشارَةٌ إلى السَّبِّ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم فَتَحُوا الهاءَ وشَدَّدُوا الجِيمَ، وهو تَضْعِيفٌ مِن هَجَّرَ ماضِي الهَجَرِ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى مُقابِلِ الوَصْلِ أوِ الهَذَيانِ أوْ ماضِي الهُجْرِ وهو الفُحْشُ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لَوْ قِيلَ إنَّ المَعْنى أنَّكم مُبالِغُونَ في المُجاهَرَةِ حَتّى إنَّكم إنْ كُنْتُمْ سُمَّرًا بِاللَّيْلِ فَكَأنَّكم تَهْجُرُونَ في الهاجِرَةِ عَلى الِافْتِضاحِ لَكانَ وجْهًا.
٦٨: ٧٧
المؤمنون 23:63
﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَها) عائِدٌ عَلى (الخَيْراتِ) أيْ سابِقُونَ إلَيْها، تَقُولُ: سَبَقْتُ لِكَذا وسَبَقْتُ إلى كَذا، ومَفْعُولُ ﴿سابِقُونَ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ سابِقُونَ النّاسَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِلَّتِي قَبْلَها مُفِيدَةً تُجَدُّدَ الفِعْلِ بِقَوْلِهِ: (يُسارِعُونَ) وثُبُوتَهَ بِقَوْلِهِ: ﴿سابِقُونَ﴾ وقِيلَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ إلى رِضا اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ أيْ فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، انْتَهى. وهَذانِ القَوْلانِ عِنْدِي واحِدٌ. قالَ أيْضًا أوْ إيّاها سابِقُونَ أيْ يَنالُوها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، انْتَهى. ولا يَدُلُّ لَفْظُ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ سَبْقَ الشَّيْءِ الشَّيْءَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ السّابِقِ عَلى المَسْبُوقِ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم وهم يَسْبِقُونَ الخَيْراتِ هَذا لا يَصِحُّ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَعْنى وهم لَها كَمَعْنى قَوْلِهِ أنْتَ لَها، انْتَهى. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: المَعْنى سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ في الأزَلِ فَهم لَها، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ اللّامَ مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى، انْتَهى. والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ وباقِيها مُتَعَسَّفٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ غَيْرَ ظاهِرِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في: (لَها) عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: عَلى الأُمَمِ.
﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ البَقَرَةِ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ أيْ كِتابٌ فِيهِ إحْصاءُ أعْمالِ الخَلْقِ يُشِيرُ إلى الصُّحُفِ الَّتِي يَقْرَءُونَ فِيها ما ثَبَتَ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: القُرْآنُ.
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ قُلُوبُ الكُفّارِ في ضَلالٍ قَدْ غَمَرَها كَما يَغْمُرُ الماءُ. (مِن هَذا) أيْ مِن هَذا العَمَلِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ أوْ مِنَ الكِتابِ الَّذِي لَدَيْنا أوْ مِنَ القُرْآنِ، والمَعْنى مِنِ اطِّراحِ هَذا وتَرْكِهِ أوْ يُشِيرُ إلى الدِّينِ بِجُمْلَتِهِ أوْ إلى مُحَمَّدٍ أقْوالٌ خَمْسَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مِن دُونِ ذَلِكَ.
أيْ مِن دُونِ الغَمْرَةِ والضَّلالِ المُحِيطِ بِهِمْ، فالمَعْنى أنَّهم ضالُّونَ مُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وهم مَعَ ذَلِكَ لَهم سِعاياتُ فَسادٍ وصَفَهم تَعالى بِحالَتَيْ شَرٍّ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ الإخْبارُ عَمّا سَلَفَ مِن أعْمالِهِمْ وعَمّا هم فِيهِ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: (مِن هَذا)، وكَأنَّهُ قالَ لَهم أعْمالٌ مِن دُونِ الحَقِّ، أوْ (p-٤١٢)القُرْآنِ ونَحْوِهِ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: إنَّما أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ عَمّا يُسْتَأْنَفُ مِن أعْمالِهِمْ أيْ أنَّهم لَهم أعْمالٌ مِنَ الفَسادِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أعْمالٌ﴾ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مُتَجاوِزَةٌ مُتَخَطِّئَةٌ لِذَلِكَ أيْ لِما وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ هم مُعْتادُونَ وبِها ضارُّونَ ولا يُفْطَمُونَ عَنْها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. و(حَتّى) هَذِهِ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، انْتَهى. وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعُودُ إلى المُؤْمِنِينَ المُشْفِقِينَ ﴿فِي غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: (وهم) مَعَ ذَلِكَ الخَوْفِ والوَجَلِ كالمُتَحَيِّرِينَ في أعْمالِهِمْ: أهِيَ مَقْبُولَةٌ أمْ مَرْدُودَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ، ويُرِيدُ بِالأعْمالِ الأُوَلِ الفَرائِضَ، وبِالثّانِي النَّوافِلَ.
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ رُجُوعٌ إلى وصْفِ الكُفّارِ؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهو أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما اتَّصَلَ بِهِ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعْدَهُ خُصُوصًا، وقَدْ رَغَّبَ المَرْءَ في الخَيْرِ بِأنْ يَذْكُرَ أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ كَما يُحَذِّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وأنْ يُوصَفَ بِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِهِ أوْ رَدِّهِ وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ (فَإنْ قِيلَ): فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) ؟ (قُلْنا): إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ بَيْنَ اسْتِيلاءِ ذَلِكَ عَلى قُلُوبِهِمُ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في: (حَتّى) أنَّها الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، وأنَّها غايَةٌ لِما قَبْلَها، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ أنَّهم مُعْتادُونَ لَها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (حَتّى) غايَةٌ وهي عاطِفَةٌ، (إذا) ظَرْفٌ يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، (إذا) الثّانِيَةُ في مَوْضِعِ جَوابِ الأُولى، ومَعْنى الكَلامِ عامِلٌ في: (إذا)، والتَّقْدِيرُ جَأرُوا، فَيَكُونُ جَأرُوا العامِلَ في: (إذا) الأُولى، والعامِلَ في الثّانِيَةِ (أخَذْنا)، انْتَهى، وهو كَلامُ مُخَبِّطٍ لَيْسَ أهْلًا أنْ يَرُدَّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(حَتّى) حَرْفُ ابْتِداءٍ لا غَيْرُ، و(إذا) الثّانِيَةُ الَّتِي هي جَوابٌ يَمْنَعانِ مِن أنْ تَكُونَ حَتّى غايَةً لِعامِلُونَ، انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أعْمالٌ مِنَ الشَّرِّ دُونَ أعْمالِ أهْلِ البِرِّ.
﴿لَها عامِلُونَ﴾ إلى أنْ يَأْخُذَ اللَّهُ أهْلَ النِّعْمَةِ والبَطَرِ مِنهم.
﴿بِالعَذابِ إذا هُمْ﴾ يَضِجُّونَ ويَسْتَغِيثُونَ، والمُتْرَفُونَ المُنَعَّمُونَ والرُّؤَساءُ، والعَذابُ القَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ والجُوعُ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والكِلابَ والعِظامَ المُحْتَرِقَةَ والقَدَّ والأوْلادَ. وقِيلَ: العَذابُ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (إذا هم) عائِدٌ عَلى ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾؛ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم صاحُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الباقِينَ بَعْدَ المُعَذَّبِينَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُعَذَّبُونَ قَتْلى بَدْرٍ، والَّذِينَ ﴿يَجْأرُونَ﴾ أهْلُ مَكَّةَ؛ لِأنَّهم ناحُوا واسْتَغاثُوا.
﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم إمّا حَقِيقَةً تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ ذَلِكَ وإمّا مَجازًا أيْ لِسانُ الحالِ يَقُولُ ذَلِكَ هَذا إنْ كانَ الَّذِينَ يَجْأرُونَ هُمُ المُعَذَّبُونَ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَيْسَ القائِلُ المَلائِكَةَ. وقالَ قَتادَةُ ﴿يَجْأرُونَ﴾ يَصْرُخُونَ بِالتَّوْبَةِ فَلا يُقْبَلُ مِنهم. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: تَجْأرُونَ تَجْزَعُونَ، عَبَّرَ بِالصُّراخِ بِالجَزَعِ إذِ الجَزَعُ سَبَبُهُ.
﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا أوْ لا يَكُونُ لَكم نَصْرٌ مِن جِهَتِنا، فالجِوارُ غَيْرُ نافِعٍ لَكم ولا مُجْدٍ.
﴿قَدْ كانَتْ آياتِي﴾ هي آياتُ القُرْآنِ، ﴿تَنْكِصُونَ﴾ تَرْجِعُونَ اسْتِعارَةٌ لِلْإعْراضِ عَنِ الحَقِّ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ﴿تَنْكُصُونَ﴾ بِضَمِّ الكافِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿تَنْكِصُونَ﴾ أيْ بِالنُّكُوصِ والتَّباعُدِ مِن سَماعِ الآياتِ أوْ عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الكِتابِ، وضَمَّنَ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ مَعْنى مُكَذِّبِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ يَحْدُثُ لَكم بِسَبَبِ سَماعِهِ اسْتِكْبارٌ وعُتُوٌّ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى الحَرَمِ والمَسْجِدِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وسَوَّغَ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم (p-٤١٣)بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ وأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهم مُعْجِزَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ، وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُحَسِّنُهُ أنَّ في قَوْلِهِ: (تُتْلى عَلَيْكم) دَلالَةً عَلى التّالِي وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذِهِ أقْوالٌ تَتَعَلَّقُ فِيها بِمُسْتَكْبِرِينَ. وقِيلَ تَتَعَلَّقُ بِسامِرًا أيْ تَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ والطَّعْنِ فِيهِ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةَ سَمَرِهِمْ ذِكْرُ القُرْآنِ وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا وشِعْرًا وسَبُّ مَن أتى بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سامِرًا﴾، وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِكْرِمَةُ والزَّعْفَرانِيُّ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عُمَرَ ”وسُمَّرًا“ بِضَمِّ السِّينِ وشَدِّ المِيمِ مَفْتُوحَةً، جَمْعُ سامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو نَهِيكٍ كَذَلِكَ، وبِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ المِيمِ والرّاءِ جَمَعُ سامِرٍ أيْضًا، وهُما جَمْعانِ مَقِيسانِ في مِثْلِ سامِرٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ. ورَوى ابْنُ أبِي عاصِمٍ بِالياءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿تَهْجُرُونَ﴾ الحَقَّ وذِكْرَ اللَّهِ، وتَقْطَعُونَهُ مِنَ الهَجْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: مِن هَجَرَ المَرِيضُ إذا هَذى أيْ يَقُولُونَ اللَّغْوَ مِنَ القَوْلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحُمَيْدٌ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، مُضارِعُ أهْجَرَ، أيْ يَقُولُونَ الهُجْرَ بِضَمِّ الهاءِ، وهو الفُحْشُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إشارَةٌ إلى السَّبِّ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم فَتَحُوا الهاءَ وشَدَّدُوا الجِيمَ، وهو تَضْعِيفٌ مِن هَجَّرَ ماضِي الهَجَرِ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى مُقابِلِ الوَصْلِ أوِ الهَذَيانِ أوْ ماضِي الهُجْرِ وهو الفُحْشُ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لَوْ قِيلَ إنَّ المَعْنى أنَّكم مُبالِغُونَ في المُجاهَرَةِ حَتّى إنَّكم إنْ كُنْتُمْ سُمَّرًا بِاللَّيْلِ فَكَأنَّكم تَهْجُرُونَ في الهاجِرَةِ عَلى الِافْتِضاحِ لَكانَ وجْهًا.
٦٨: ٧٧
المؤمنون 23:64
﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَها) عائِدٌ عَلى (الخَيْراتِ) أيْ سابِقُونَ إلَيْها، تَقُولُ: سَبَقْتُ لِكَذا وسَبَقْتُ إلى كَذا، ومَفْعُولُ ﴿سابِقُونَ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ سابِقُونَ النّاسَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِلَّتِي قَبْلَها مُفِيدَةً تُجَدُّدَ الفِعْلِ بِقَوْلِهِ: (يُسارِعُونَ) وثُبُوتَهَ بِقَوْلِهِ: ﴿سابِقُونَ﴾ وقِيلَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ إلى رِضا اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ أيْ فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، انْتَهى. وهَذانِ القَوْلانِ عِنْدِي واحِدٌ. قالَ أيْضًا أوْ إيّاها سابِقُونَ أيْ يَنالُوها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، انْتَهى. ولا يَدُلُّ لَفْظُ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ سَبْقَ الشَّيْءِ الشَّيْءَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ السّابِقِ عَلى المَسْبُوقِ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم وهم يَسْبِقُونَ الخَيْراتِ هَذا لا يَصِحُّ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَعْنى وهم لَها كَمَعْنى قَوْلِهِ أنْتَ لَها، انْتَهى. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: المَعْنى سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ في الأزَلِ فَهم لَها، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ اللّامَ مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى، انْتَهى. والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ وباقِيها مُتَعَسَّفٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ غَيْرَ ظاهِرِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في: (لَها) عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: عَلى الأُمَمِ.
﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ البَقَرَةِ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ أيْ كِتابٌ فِيهِ إحْصاءُ أعْمالِ الخَلْقِ يُشِيرُ إلى الصُّحُفِ الَّتِي يَقْرَءُونَ فِيها ما ثَبَتَ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: القُرْآنُ.
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ قُلُوبُ الكُفّارِ في ضَلالٍ قَدْ غَمَرَها كَما يَغْمُرُ الماءُ. (مِن هَذا) أيْ مِن هَذا العَمَلِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ أوْ مِنَ الكِتابِ الَّذِي لَدَيْنا أوْ مِنَ القُرْآنِ، والمَعْنى مِنِ اطِّراحِ هَذا وتَرْكِهِ أوْ يُشِيرُ إلى الدِّينِ بِجُمْلَتِهِ أوْ إلى مُحَمَّدٍ أقْوالٌ خَمْسَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مِن دُونِ ذَلِكَ.
أيْ مِن دُونِ الغَمْرَةِ والضَّلالِ المُحِيطِ بِهِمْ، فالمَعْنى أنَّهم ضالُّونَ مُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وهم مَعَ ذَلِكَ لَهم سِعاياتُ فَسادٍ وصَفَهم تَعالى بِحالَتَيْ شَرٍّ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ الإخْبارُ عَمّا سَلَفَ مِن أعْمالِهِمْ وعَمّا هم فِيهِ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: (مِن هَذا)، وكَأنَّهُ قالَ لَهم أعْمالٌ مِن دُونِ الحَقِّ، أوْ (p-٤١٢)القُرْآنِ ونَحْوِهِ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: إنَّما أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ عَمّا يُسْتَأْنَفُ مِن أعْمالِهِمْ أيْ أنَّهم لَهم أعْمالٌ مِنَ الفَسادِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أعْمالٌ﴾ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مُتَجاوِزَةٌ مُتَخَطِّئَةٌ لِذَلِكَ أيْ لِما وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ هم مُعْتادُونَ وبِها ضارُّونَ ولا يُفْطَمُونَ عَنْها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. و(حَتّى) هَذِهِ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، انْتَهى. وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعُودُ إلى المُؤْمِنِينَ المُشْفِقِينَ ﴿فِي غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: (وهم) مَعَ ذَلِكَ الخَوْفِ والوَجَلِ كالمُتَحَيِّرِينَ في أعْمالِهِمْ: أهِيَ مَقْبُولَةٌ أمْ مَرْدُودَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ، ويُرِيدُ بِالأعْمالِ الأُوَلِ الفَرائِضَ، وبِالثّانِي النَّوافِلَ.
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ رُجُوعٌ إلى وصْفِ الكُفّارِ؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهو أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما اتَّصَلَ بِهِ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعْدَهُ خُصُوصًا، وقَدْ رَغَّبَ المَرْءَ في الخَيْرِ بِأنْ يَذْكُرَ أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ كَما يُحَذِّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وأنْ يُوصَفَ بِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِهِ أوْ رَدِّهِ وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ (فَإنْ قِيلَ): فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) ؟ (قُلْنا): إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ بَيْنَ اسْتِيلاءِ ذَلِكَ عَلى قُلُوبِهِمُ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في: (حَتّى) أنَّها الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، وأنَّها غايَةٌ لِما قَبْلَها، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ أنَّهم مُعْتادُونَ لَها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (حَتّى) غايَةٌ وهي عاطِفَةٌ، (إذا) ظَرْفٌ يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، (إذا) الثّانِيَةُ في مَوْضِعِ جَوابِ الأُولى، ومَعْنى الكَلامِ عامِلٌ في: (إذا)، والتَّقْدِيرُ جَأرُوا، فَيَكُونُ جَأرُوا العامِلَ في: (إذا) الأُولى، والعامِلَ في الثّانِيَةِ (أخَذْنا)، انْتَهى، وهو كَلامُ مُخَبِّطٍ لَيْسَ أهْلًا أنْ يَرُدَّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(حَتّى) حَرْفُ ابْتِداءٍ لا غَيْرُ، و(إذا) الثّانِيَةُ الَّتِي هي جَوابٌ يَمْنَعانِ مِن أنْ تَكُونَ حَتّى غايَةً لِعامِلُونَ، انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أعْمالٌ مِنَ الشَّرِّ دُونَ أعْمالِ أهْلِ البِرِّ.
﴿لَها عامِلُونَ﴾ إلى أنْ يَأْخُذَ اللَّهُ أهْلَ النِّعْمَةِ والبَطَرِ مِنهم.
﴿بِالعَذابِ إذا هُمْ﴾ يَضِجُّونَ ويَسْتَغِيثُونَ، والمُتْرَفُونَ المُنَعَّمُونَ والرُّؤَساءُ، والعَذابُ القَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ والجُوعُ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والكِلابَ والعِظامَ المُحْتَرِقَةَ والقَدَّ والأوْلادَ. وقِيلَ: العَذابُ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (إذا هم) عائِدٌ عَلى ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾؛ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم صاحُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الباقِينَ بَعْدَ المُعَذَّبِينَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُعَذَّبُونَ قَتْلى بَدْرٍ، والَّذِينَ ﴿يَجْأرُونَ﴾ أهْلُ مَكَّةَ؛ لِأنَّهم ناحُوا واسْتَغاثُوا.
﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم إمّا حَقِيقَةً تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ ذَلِكَ وإمّا مَجازًا أيْ لِسانُ الحالِ يَقُولُ ذَلِكَ هَذا إنْ كانَ الَّذِينَ يَجْأرُونَ هُمُ المُعَذَّبُونَ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَيْسَ القائِلُ المَلائِكَةَ. وقالَ قَتادَةُ ﴿يَجْأرُونَ﴾ يَصْرُخُونَ بِالتَّوْبَةِ فَلا يُقْبَلُ مِنهم. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: تَجْأرُونَ تَجْزَعُونَ، عَبَّرَ بِالصُّراخِ بِالجَزَعِ إذِ الجَزَعُ سَبَبُهُ.
﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا أوْ لا يَكُونُ لَكم نَصْرٌ مِن جِهَتِنا، فالجِوارُ غَيْرُ نافِعٍ لَكم ولا مُجْدٍ.
﴿قَدْ كانَتْ آياتِي﴾ هي آياتُ القُرْآنِ، ﴿تَنْكِصُونَ﴾ تَرْجِعُونَ اسْتِعارَةٌ لِلْإعْراضِ عَنِ الحَقِّ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ﴿تَنْكُصُونَ﴾ بِضَمِّ الكافِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿تَنْكِصُونَ﴾ أيْ بِالنُّكُوصِ والتَّباعُدِ مِن سَماعِ الآياتِ أوْ عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الكِتابِ، وضَمَّنَ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ مَعْنى مُكَذِّبِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ يَحْدُثُ لَكم بِسَبَبِ سَماعِهِ اسْتِكْبارٌ وعُتُوٌّ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى الحَرَمِ والمَسْجِدِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وسَوَّغَ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم (p-٤١٣)بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ وأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهم مُعْجِزَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ، وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُحَسِّنُهُ أنَّ في قَوْلِهِ: (تُتْلى عَلَيْكم) دَلالَةً عَلى التّالِي وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذِهِ أقْوالٌ تَتَعَلَّقُ فِيها بِمُسْتَكْبِرِينَ. وقِيلَ تَتَعَلَّقُ بِسامِرًا أيْ تَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ والطَّعْنِ فِيهِ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةَ سَمَرِهِمْ ذِكْرُ القُرْآنِ وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا وشِعْرًا وسَبُّ مَن أتى بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سامِرًا﴾، وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِكْرِمَةُ والزَّعْفَرانِيُّ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عُمَرَ ”وسُمَّرًا“ بِضَمِّ السِّينِ وشَدِّ المِيمِ مَفْتُوحَةً، جَمْعُ سامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو نَهِيكٍ كَذَلِكَ، وبِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ المِيمِ والرّاءِ جَمَعُ سامِرٍ أيْضًا، وهُما جَمْعانِ مَقِيسانِ في مِثْلِ سامِرٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ. ورَوى ابْنُ أبِي عاصِمٍ بِالياءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿تَهْجُرُونَ﴾ الحَقَّ وذِكْرَ اللَّهِ، وتَقْطَعُونَهُ مِنَ الهَجْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: مِن هَجَرَ المَرِيضُ إذا هَذى أيْ يَقُولُونَ اللَّغْوَ مِنَ القَوْلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحُمَيْدٌ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، مُضارِعُ أهْجَرَ، أيْ يَقُولُونَ الهُجْرَ بِضَمِّ الهاءِ، وهو الفُحْشُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إشارَةٌ إلى السَّبِّ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم فَتَحُوا الهاءَ وشَدَّدُوا الجِيمَ، وهو تَضْعِيفٌ مِن هَجَّرَ ماضِي الهَجَرِ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى مُقابِلِ الوَصْلِ أوِ الهَذَيانِ أوْ ماضِي الهُجْرِ وهو الفُحْشُ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لَوْ قِيلَ إنَّ المَعْنى أنَّكم مُبالِغُونَ في المُجاهَرَةِ حَتّى إنَّكم إنْ كُنْتُمْ سُمَّرًا بِاللَّيْلِ فَكَأنَّكم تَهْجُرُونَ في الهاجِرَةِ عَلى الِافْتِضاحِ لَكانَ وجْهًا.
٦٨: ٧٧
المؤمنون 23:65
﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَها) عائِدٌ عَلى (الخَيْراتِ) أيْ سابِقُونَ إلَيْها، تَقُولُ: سَبَقْتُ لِكَذا وسَبَقْتُ إلى كَذا، ومَفْعُولُ ﴿سابِقُونَ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ سابِقُونَ النّاسَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِلَّتِي قَبْلَها مُفِيدَةً تُجَدُّدَ الفِعْلِ بِقَوْلِهِ: (يُسارِعُونَ) وثُبُوتَهَ بِقَوْلِهِ: ﴿سابِقُونَ﴾ وقِيلَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ إلى رِضا اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ أيْ فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، انْتَهى. وهَذانِ القَوْلانِ عِنْدِي واحِدٌ. قالَ أيْضًا أوْ إيّاها سابِقُونَ أيْ يَنالُوها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، انْتَهى. ولا يَدُلُّ لَفْظُ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ سَبْقَ الشَّيْءِ الشَّيْءَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ السّابِقِ عَلى المَسْبُوقِ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم وهم يَسْبِقُونَ الخَيْراتِ هَذا لا يَصِحُّ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَعْنى وهم لَها كَمَعْنى قَوْلِهِ أنْتَ لَها، انْتَهى. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: المَعْنى سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ في الأزَلِ فَهم لَها، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ اللّامَ مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى، انْتَهى. والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ وباقِيها مُتَعَسَّفٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ غَيْرَ ظاهِرِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في: (لَها) عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: عَلى الأُمَمِ.
﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ البَقَرَةِ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ أيْ كِتابٌ فِيهِ إحْصاءُ أعْمالِ الخَلْقِ يُشِيرُ إلى الصُّحُفِ الَّتِي يَقْرَءُونَ فِيها ما ثَبَتَ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: القُرْآنُ.
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ قُلُوبُ الكُفّارِ في ضَلالٍ قَدْ غَمَرَها كَما يَغْمُرُ الماءُ. (مِن هَذا) أيْ مِن هَذا العَمَلِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ أوْ مِنَ الكِتابِ الَّذِي لَدَيْنا أوْ مِنَ القُرْآنِ، والمَعْنى مِنِ اطِّراحِ هَذا وتَرْكِهِ أوْ يُشِيرُ إلى الدِّينِ بِجُمْلَتِهِ أوْ إلى مُحَمَّدٍ أقْوالٌ خَمْسَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مِن دُونِ ذَلِكَ.
أيْ مِن دُونِ الغَمْرَةِ والضَّلالِ المُحِيطِ بِهِمْ، فالمَعْنى أنَّهم ضالُّونَ مُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وهم مَعَ ذَلِكَ لَهم سِعاياتُ فَسادٍ وصَفَهم تَعالى بِحالَتَيْ شَرٍّ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ الإخْبارُ عَمّا سَلَفَ مِن أعْمالِهِمْ وعَمّا هم فِيهِ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: (مِن هَذا)، وكَأنَّهُ قالَ لَهم أعْمالٌ مِن دُونِ الحَقِّ، أوْ (p-٤١٢)القُرْآنِ ونَحْوِهِ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: إنَّما أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ عَمّا يُسْتَأْنَفُ مِن أعْمالِهِمْ أيْ أنَّهم لَهم أعْمالٌ مِنَ الفَسادِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أعْمالٌ﴾ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مُتَجاوِزَةٌ مُتَخَطِّئَةٌ لِذَلِكَ أيْ لِما وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ هم مُعْتادُونَ وبِها ضارُّونَ ولا يُفْطَمُونَ عَنْها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. و(حَتّى) هَذِهِ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، انْتَهى. وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعُودُ إلى المُؤْمِنِينَ المُشْفِقِينَ ﴿فِي غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: (وهم) مَعَ ذَلِكَ الخَوْفِ والوَجَلِ كالمُتَحَيِّرِينَ في أعْمالِهِمْ: أهِيَ مَقْبُولَةٌ أمْ مَرْدُودَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ، ويُرِيدُ بِالأعْمالِ الأُوَلِ الفَرائِضَ، وبِالثّانِي النَّوافِلَ.
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ رُجُوعٌ إلى وصْفِ الكُفّارِ؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهو أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما اتَّصَلَ بِهِ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعْدَهُ خُصُوصًا، وقَدْ رَغَّبَ المَرْءَ في الخَيْرِ بِأنْ يَذْكُرَ أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ كَما يُحَذِّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وأنْ يُوصَفَ بِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِهِ أوْ رَدِّهِ وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ (فَإنْ قِيلَ): فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) ؟ (قُلْنا): إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ بَيْنَ اسْتِيلاءِ ذَلِكَ عَلى قُلُوبِهِمُ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في: (حَتّى) أنَّها الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، وأنَّها غايَةٌ لِما قَبْلَها، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ أنَّهم مُعْتادُونَ لَها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (حَتّى) غايَةٌ وهي عاطِفَةٌ، (إذا) ظَرْفٌ يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، (إذا) الثّانِيَةُ في مَوْضِعِ جَوابِ الأُولى، ومَعْنى الكَلامِ عامِلٌ في: (إذا)، والتَّقْدِيرُ جَأرُوا، فَيَكُونُ جَأرُوا العامِلَ في: (إذا) الأُولى، والعامِلَ في الثّانِيَةِ (أخَذْنا)، انْتَهى، وهو كَلامُ مُخَبِّطٍ لَيْسَ أهْلًا أنْ يَرُدَّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(حَتّى) حَرْفُ ابْتِداءٍ لا غَيْرُ، و(إذا) الثّانِيَةُ الَّتِي هي جَوابٌ يَمْنَعانِ مِن أنْ تَكُونَ حَتّى غايَةً لِعامِلُونَ، انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أعْمالٌ مِنَ الشَّرِّ دُونَ أعْمالِ أهْلِ البِرِّ.
﴿لَها عامِلُونَ﴾ إلى أنْ يَأْخُذَ اللَّهُ أهْلَ النِّعْمَةِ والبَطَرِ مِنهم.
﴿بِالعَذابِ إذا هُمْ﴾ يَضِجُّونَ ويَسْتَغِيثُونَ، والمُتْرَفُونَ المُنَعَّمُونَ والرُّؤَساءُ، والعَذابُ القَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ والجُوعُ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والكِلابَ والعِظامَ المُحْتَرِقَةَ والقَدَّ والأوْلادَ. وقِيلَ: العَذابُ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (إذا هم) عائِدٌ عَلى ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾؛ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم صاحُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الباقِينَ بَعْدَ المُعَذَّبِينَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُعَذَّبُونَ قَتْلى بَدْرٍ، والَّذِينَ ﴿يَجْأرُونَ﴾ أهْلُ مَكَّةَ؛ لِأنَّهم ناحُوا واسْتَغاثُوا.
﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم إمّا حَقِيقَةً تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ ذَلِكَ وإمّا مَجازًا أيْ لِسانُ الحالِ يَقُولُ ذَلِكَ هَذا إنْ كانَ الَّذِينَ يَجْأرُونَ هُمُ المُعَذَّبُونَ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَيْسَ القائِلُ المَلائِكَةَ. وقالَ قَتادَةُ ﴿يَجْأرُونَ﴾ يَصْرُخُونَ بِالتَّوْبَةِ فَلا يُقْبَلُ مِنهم. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: تَجْأرُونَ تَجْزَعُونَ، عَبَّرَ بِالصُّراخِ بِالجَزَعِ إذِ الجَزَعُ سَبَبُهُ.
﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا أوْ لا يَكُونُ لَكم نَصْرٌ مِن جِهَتِنا، فالجِوارُ غَيْرُ نافِعٍ لَكم ولا مُجْدٍ.
﴿قَدْ كانَتْ آياتِي﴾ هي آياتُ القُرْآنِ، ﴿تَنْكِصُونَ﴾ تَرْجِعُونَ اسْتِعارَةٌ لِلْإعْراضِ عَنِ الحَقِّ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ﴿تَنْكُصُونَ﴾ بِضَمِّ الكافِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿تَنْكِصُونَ﴾ أيْ بِالنُّكُوصِ والتَّباعُدِ مِن سَماعِ الآياتِ أوْ عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الكِتابِ، وضَمَّنَ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ مَعْنى مُكَذِّبِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ يَحْدُثُ لَكم بِسَبَبِ سَماعِهِ اسْتِكْبارٌ وعُتُوٌّ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى الحَرَمِ والمَسْجِدِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وسَوَّغَ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم (p-٤١٣)بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ وأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهم مُعْجِزَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ، وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُحَسِّنُهُ أنَّ في قَوْلِهِ: (تُتْلى عَلَيْكم) دَلالَةً عَلى التّالِي وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذِهِ أقْوالٌ تَتَعَلَّقُ فِيها بِمُسْتَكْبِرِينَ. وقِيلَ تَتَعَلَّقُ بِسامِرًا أيْ تَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ والطَّعْنِ فِيهِ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةَ سَمَرِهِمْ ذِكْرُ القُرْآنِ وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا وشِعْرًا وسَبُّ مَن أتى بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سامِرًا﴾، وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِكْرِمَةُ والزَّعْفَرانِيُّ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عُمَرَ ”وسُمَّرًا“ بِضَمِّ السِّينِ وشَدِّ المِيمِ مَفْتُوحَةً، جَمْعُ سامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو نَهِيكٍ كَذَلِكَ، وبِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ المِيمِ والرّاءِ جَمَعُ سامِرٍ أيْضًا، وهُما جَمْعانِ مَقِيسانِ في مِثْلِ سامِرٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ. ورَوى ابْنُ أبِي عاصِمٍ بِالياءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿تَهْجُرُونَ﴾ الحَقَّ وذِكْرَ اللَّهِ، وتَقْطَعُونَهُ مِنَ الهَجْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: مِن هَجَرَ المَرِيضُ إذا هَذى أيْ يَقُولُونَ اللَّغْوَ مِنَ القَوْلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحُمَيْدٌ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، مُضارِعُ أهْجَرَ، أيْ يَقُولُونَ الهُجْرَ بِضَمِّ الهاءِ، وهو الفُحْشُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إشارَةٌ إلى السَّبِّ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم فَتَحُوا الهاءَ وشَدَّدُوا الجِيمَ، وهو تَضْعِيفٌ مِن هَجَّرَ ماضِي الهَجَرِ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى مُقابِلِ الوَصْلِ أوِ الهَذَيانِ أوْ ماضِي الهُجْرِ وهو الفُحْشُ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لَوْ قِيلَ إنَّ المَعْنى أنَّكم مُبالِغُونَ في المُجاهَرَةِ حَتّى إنَّكم إنْ كُنْتُمْ سُمَّرًا بِاللَّيْلِ فَكَأنَّكم تَهْجُرُونَ في الهاجِرَةِ عَلى الِافْتِضاحِ لَكانَ وجْهًا.
٦٨: ٧٧
المؤمنون 23:66
﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَها) عائِدٌ عَلى (الخَيْراتِ) أيْ سابِقُونَ إلَيْها، تَقُولُ: سَبَقْتُ لِكَذا وسَبَقْتُ إلى كَذا، ومَفْعُولُ ﴿سابِقُونَ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ سابِقُونَ النّاسَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِلَّتِي قَبْلَها مُفِيدَةً تُجَدُّدَ الفِعْلِ بِقَوْلِهِ: (يُسارِعُونَ) وثُبُوتَهَ بِقَوْلِهِ: ﴿سابِقُونَ﴾ وقِيلَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ إلى رِضا اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ أيْ فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، انْتَهى. وهَذانِ القَوْلانِ عِنْدِي واحِدٌ. قالَ أيْضًا أوْ إيّاها سابِقُونَ أيْ يَنالُوها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، انْتَهى. ولا يَدُلُّ لَفْظُ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ سَبْقَ الشَّيْءِ الشَّيْءَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ السّابِقِ عَلى المَسْبُوقِ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم وهم يَسْبِقُونَ الخَيْراتِ هَذا لا يَصِحُّ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَعْنى وهم لَها كَمَعْنى قَوْلِهِ أنْتَ لَها، انْتَهى. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: المَعْنى سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ في الأزَلِ فَهم لَها، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ اللّامَ مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى، انْتَهى. والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ وباقِيها مُتَعَسَّفٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ غَيْرَ ظاهِرِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في: (لَها) عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: عَلى الأُمَمِ.
﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ البَقَرَةِ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ أيْ كِتابٌ فِيهِ إحْصاءُ أعْمالِ الخَلْقِ يُشِيرُ إلى الصُّحُفِ الَّتِي يَقْرَءُونَ فِيها ما ثَبَتَ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: القُرْآنُ.
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ قُلُوبُ الكُفّارِ في ضَلالٍ قَدْ غَمَرَها كَما يَغْمُرُ الماءُ. (مِن هَذا) أيْ مِن هَذا العَمَلِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ أوْ مِنَ الكِتابِ الَّذِي لَدَيْنا أوْ مِنَ القُرْآنِ، والمَعْنى مِنِ اطِّراحِ هَذا وتَرْكِهِ أوْ يُشِيرُ إلى الدِّينِ بِجُمْلَتِهِ أوْ إلى مُحَمَّدٍ أقْوالٌ خَمْسَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مِن دُونِ ذَلِكَ.
أيْ مِن دُونِ الغَمْرَةِ والضَّلالِ المُحِيطِ بِهِمْ، فالمَعْنى أنَّهم ضالُّونَ مُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وهم مَعَ ذَلِكَ لَهم سِعاياتُ فَسادٍ وصَفَهم تَعالى بِحالَتَيْ شَرٍّ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ الإخْبارُ عَمّا سَلَفَ مِن أعْمالِهِمْ وعَمّا هم فِيهِ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: (مِن هَذا)، وكَأنَّهُ قالَ لَهم أعْمالٌ مِن دُونِ الحَقِّ، أوْ (p-٤١٢)القُرْآنِ ونَحْوِهِ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: إنَّما أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ عَمّا يُسْتَأْنَفُ مِن أعْمالِهِمْ أيْ أنَّهم لَهم أعْمالٌ مِنَ الفَسادِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أعْمالٌ﴾ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مُتَجاوِزَةٌ مُتَخَطِّئَةٌ لِذَلِكَ أيْ لِما وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ هم مُعْتادُونَ وبِها ضارُّونَ ولا يُفْطَمُونَ عَنْها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. و(حَتّى) هَذِهِ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، انْتَهى. وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعُودُ إلى المُؤْمِنِينَ المُشْفِقِينَ ﴿فِي غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: (وهم) مَعَ ذَلِكَ الخَوْفِ والوَجَلِ كالمُتَحَيِّرِينَ في أعْمالِهِمْ: أهِيَ مَقْبُولَةٌ أمْ مَرْدُودَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ، ويُرِيدُ بِالأعْمالِ الأُوَلِ الفَرائِضَ، وبِالثّانِي النَّوافِلَ.
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ رُجُوعٌ إلى وصْفِ الكُفّارِ؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهو أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما اتَّصَلَ بِهِ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعْدَهُ خُصُوصًا، وقَدْ رَغَّبَ المَرْءَ في الخَيْرِ بِأنْ يَذْكُرَ أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ كَما يُحَذِّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وأنْ يُوصَفَ بِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِهِ أوْ رَدِّهِ وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ (فَإنْ قِيلَ): فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) ؟ (قُلْنا): إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ بَيْنَ اسْتِيلاءِ ذَلِكَ عَلى قُلُوبِهِمُ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في: (حَتّى) أنَّها الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، وأنَّها غايَةٌ لِما قَبْلَها، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ أنَّهم مُعْتادُونَ لَها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (حَتّى) غايَةٌ وهي عاطِفَةٌ، (إذا) ظَرْفٌ يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، (إذا) الثّانِيَةُ في مَوْضِعِ جَوابِ الأُولى، ومَعْنى الكَلامِ عامِلٌ في: (إذا)، والتَّقْدِيرُ جَأرُوا، فَيَكُونُ جَأرُوا العامِلَ في: (إذا) الأُولى، والعامِلَ في الثّانِيَةِ (أخَذْنا)، انْتَهى، وهو كَلامُ مُخَبِّطٍ لَيْسَ أهْلًا أنْ يَرُدَّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(حَتّى) حَرْفُ ابْتِداءٍ لا غَيْرُ، و(إذا) الثّانِيَةُ الَّتِي هي جَوابٌ يَمْنَعانِ مِن أنْ تَكُونَ حَتّى غايَةً لِعامِلُونَ، انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أعْمالٌ مِنَ الشَّرِّ دُونَ أعْمالِ أهْلِ البِرِّ.
﴿لَها عامِلُونَ﴾ إلى أنْ يَأْخُذَ اللَّهُ أهْلَ النِّعْمَةِ والبَطَرِ مِنهم.
﴿بِالعَذابِ إذا هُمْ﴾ يَضِجُّونَ ويَسْتَغِيثُونَ، والمُتْرَفُونَ المُنَعَّمُونَ والرُّؤَساءُ، والعَذابُ القَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ والجُوعُ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والكِلابَ والعِظامَ المُحْتَرِقَةَ والقَدَّ والأوْلادَ. وقِيلَ: العَذابُ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (إذا هم) عائِدٌ عَلى ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾؛ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم صاحُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الباقِينَ بَعْدَ المُعَذَّبِينَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُعَذَّبُونَ قَتْلى بَدْرٍ، والَّذِينَ ﴿يَجْأرُونَ﴾ أهْلُ مَكَّةَ؛ لِأنَّهم ناحُوا واسْتَغاثُوا.
﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم إمّا حَقِيقَةً تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ ذَلِكَ وإمّا مَجازًا أيْ لِسانُ الحالِ يَقُولُ ذَلِكَ هَذا إنْ كانَ الَّذِينَ يَجْأرُونَ هُمُ المُعَذَّبُونَ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَيْسَ القائِلُ المَلائِكَةَ. وقالَ قَتادَةُ ﴿يَجْأرُونَ﴾ يَصْرُخُونَ بِالتَّوْبَةِ فَلا يُقْبَلُ مِنهم. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: تَجْأرُونَ تَجْزَعُونَ، عَبَّرَ بِالصُّراخِ بِالجَزَعِ إذِ الجَزَعُ سَبَبُهُ.
﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا أوْ لا يَكُونُ لَكم نَصْرٌ مِن جِهَتِنا، فالجِوارُ غَيْرُ نافِعٍ لَكم ولا مُجْدٍ.
﴿قَدْ كانَتْ آياتِي﴾ هي آياتُ القُرْآنِ، ﴿تَنْكِصُونَ﴾ تَرْجِعُونَ اسْتِعارَةٌ لِلْإعْراضِ عَنِ الحَقِّ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ﴿تَنْكُصُونَ﴾ بِضَمِّ الكافِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿تَنْكِصُونَ﴾ أيْ بِالنُّكُوصِ والتَّباعُدِ مِن سَماعِ الآياتِ أوْ عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الكِتابِ، وضَمَّنَ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ مَعْنى مُكَذِّبِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ يَحْدُثُ لَكم بِسَبَبِ سَماعِهِ اسْتِكْبارٌ وعُتُوٌّ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى الحَرَمِ والمَسْجِدِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وسَوَّغَ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم (p-٤١٣)بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ وأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهم مُعْجِزَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ، وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُحَسِّنُهُ أنَّ في قَوْلِهِ: (تُتْلى عَلَيْكم) دَلالَةً عَلى التّالِي وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذِهِ أقْوالٌ تَتَعَلَّقُ فِيها بِمُسْتَكْبِرِينَ. وقِيلَ تَتَعَلَّقُ بِسامِرًا أيْ تَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ والطَّعْنِ فِيهِ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةَ سَمَرِهِمْ ذِكْرُ القُرْآنِ وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا وشِعْرًا وسَبُّ مَن أتى بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سامِرًا﴾، وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِكْرِمَةُ والزَّعْفَرانِيُّ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عُمَرَ ”وسُمَّرًا“ بِضَمِّ السِّينِ وشَدِّ المِيمِ مَفْتُوحَةً، جَمْعُ سامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو نَهِيكٍ كَذَلِكَ، وبِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ المِيمِ والرّاءِ جَمَعُ سامِرٍ أيْضًا، وهُما جَمْعانِ مَقِيسانِ في مِثْلِ سامِرٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ. ورَوى ابْنُ أبِي عاصِمٍ بِالياءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿تَهْجُرُونَ﴾ الحَقَّ وذِكْرَ اللَّهِ، وتَقْطَعُونَهُ مِنَ الهَجْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: مِن هَجَرَ المَرِيضُ إذا هَذى أيْ يَقُولُونَ اللَّغْوَ مِنَ القَوْلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحُمَيْدٌ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، مُضارِعُ أهْجَرَ، أيْ يَقُولُونَ الهُجْرَ بِضَمِّ الهاءِ، وهو الفُحْشُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إشارَةٌ إلى السَّبِّ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم فَتَحُوا الهاءَ وشَدَّدُوا الجِيمَ، وهو تَضْعِيفٌ مِن هَجَّرَ ماضِي الهَجَرِ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى مُقابِلِ الوَصْلِ أوِ الهَذَيانِ أوْ ماضِي الهُجْرِ وهو الفُحْشُ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لَوْ قِيلَ إنَّ المَعْنى أنَّكم مُبالِغُونَ في المُجاهَرَةِ حَتّى إنَّكم إنْ كُنْتُمْ سُمَّرًا بِاللَّيْلِ فَكَأنَّكم تَهْجُرُونَ في الهاجِرَةِ عَلى الِافْتِضاحِ لَكانَ وجْهًا.
٦٨: ٧٧
المؤمنون 23:67
﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَها) عائِدٌ عَلى (الخَيْراتِ) أيْ سابِقُونَ إلَيْها، تَقُولُ: سَبَقْتُ لِكَذا وسَبَقْتُ إلى كَذا، ومَفْعُولُ ﴿سابِقُونَ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ سابِقُونَ النّاسَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِلَّتِي قَبْلَها مُفِيدَةً تُجَدُّدَ الفِعْلِ بِقَوْلِهِ: (يُسارِعُونَ) وثُبُوتَهَ بِقَوْلِهِ: ﴿سابِقُونَ﴾ وقِيلَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِها سابِقُونَ النّاسَ إلى رِضا اللَّهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ أيْ فاعِلُونَ السَّبْقَ لِأجْلِها، أوْ سابِقُونَ النّاسَ لِأجْلِها، انْتَهى. وهَذانِ القَوْلانِ عِنْدِي واحِدٌ. قالَ أيْضًا أوْ إيّاها سابِقُونَ أيْ يَنالُوها قَبْلَ الآخِرَةِ حَيْثُ عُجِّلَتْ لَهم في الدُّنْيا، انْتَهى. ولا يَدُلُّ لَفْظُ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ سَبْقَ الشَّيْءِ الشَّيْءَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ السّابِقِ عَلى المَسْبُوقِ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم وهم يَسْبِقُونَ الخَيْراتِ هَذا لا يَصِحُّ. وقالَ أيْضًا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَها سابِقُونَ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَعْنى وهم لَها كَمَعْنى قَوْلِهِ أنْتَ لَها، انْتَهى. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: المَعْنى سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ في الأزَلِ فَهم لَها، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ اللّامَ مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى، انْتَهى. والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ وباقِيها مُتَعَسَّفٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ غَيْرَ ظاهِرِهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في: (لَها) عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ. وقِيلَ: عَلى الأُمَمِ.
﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في آخِرِ البَقَرَةِ ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ أيْ كِتابٌ فِيهِ إحْصاءُ أعْمالِ الخَلْقِ يُشِيرُ إلى الصُّحُفِ الَّتِي يَقْرَءُونَ فِيها ما ثَبَتَ لَهم في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: القُرْآنُ.
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ قُلُوبُ الكُفّارِ في ضَلالٍ قَدْ غَمَرَها كَما يَغْمُرُ الماءُ. (مِن هَذا) أيْ مِن هَذا العَمَلِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ أوْ مِنَ الكِتابِ الَّذِي لَدَيْنا أوْ مِنَ القُرْآنِ، والمَعْنى مِنِ اطِّراحِ هَذا وتَرْكِهِ أوْ يُشِيرُ إلى الدِّينِ بِجُمْلَتِهِ أوْ إلى مُحَمَّدٍ أقْوالٌ خَمْسَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مِن دُونِ ذَلِكَ.
أيْ مِن دُونِ الغَمْرَةِ والضَّلالِ المُحِيطِ بِهِمْ، فالمَعْنى أنَّهم ضالُّونَ مُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وهم مَعَ ذَلِكَ لَهم سِعاياتُ فَسادٍ وصَفَهم تَعالى بِحالَتَيْ شَرٍّ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ الإخْبارُ عَمّا سَلَفَ مِن أعْمالِهِمْ وعَمّا هم فِيهِ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: (مِن هَذا)، وكَأنَّهُ قالَ لَهم أعْمالٌ مِن دُونِ الحَقِّ، أوْ (p-٤١٢)القُرْآنِ ونَحْوِهِ. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: إنَّما أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ عَمّا يُسْتَأْنَفُ مِن أعْمالِهِمْ أيْ أنَّهم لَهم أعْمالٌ مِنَ الفَسادِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أعْمالٌ﴾ سَيِّئَةٌ دُونَ الشِّرْكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ مُتَجاوِزَةٌ مُتَخَطِّئَةٌ لِذَلِكَ أيْ لِما وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ هم مُعْتادُونَ وبِها ضارُّونَ ولا يُفْطَمُونَ عَنْها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. و(حَتّى) هَذِهِ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، والكَلامُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، انْتَهى. وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعُودُ إلى المُؤْمِنِينَ المُشْفِقِينَ ﴿فِي غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ وصْفٌ لَهم بِالحَيْرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: (وهم) مَعَ ذَلِكَ الخَوْفِ والوَجَلِ كالمُتَحَيِّرِينَ في أعْمالِهِمْ: أهِيَ مَقْبُولَةٌ أمْ مَرْدُودَةٌ.
﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِنَ النَّوافِلِ ووُجُوهِ البِرِّ سِوى ما هم عَلَيْهِ، ويُرِيدُ بِالأعْمالِ الأُوَلِ الفَرائِضَ، وبِالثّانِي النَّوافِلَ.
﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ﴾ رُجُوعٌ إلى وصْفِ الكُفّارِ؛ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهو أوْلى؛ لِأنَّهُ إذا أمْكَنَ رَدُّ الكَلامِ إلى ما اتَّصَلَ بِهِ كانَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما بَعْدَهُ خُصُوصًا، وقَدْ رَغَّبَ المَرْءَ في الخَيْرِ بِأنْ يَذْكُرَ أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ كَما يُحَذِّرُ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ، وأنْ يُوصَفَ بِشِدَّةِ فِكْرِهِ في أمْرِ آخِرَتِهِ بِأنَّ قَلْبَهُ في غَمْرَةٍ، ويُرادُ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِكْرُ في قَبُولِهِ أوْ رَدِّهِ وفي أنَّهُ هَلْ أدّاهُ كَما يَجِبُ أوْ قَصَّرَ (فَإنْ قِيلَ): فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (مِن هَذا) ؟ (قُلْنا): إشارَةٌ إلى إشْفاقِهِمْ ووَجَلِهِمْ بَيْنَ اسْتِيلاءِ ذَلِكَ عَلى قُلُوبِهِمُ، انْتَهى. وتَقَدَّمَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في: (حَتّى) أنَّها الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ، وأنَّها غايَةٌ لِما قَبْلَها، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ أنَّهم مُعْتادُونَ لَها حَتّى يَأْخُذَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: (حَتّى) غايَةٌ وهي عاطِفَةٌ، (إذا) ظَرْفٌ يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، (إذا) الثّانِيَةُ في مَوْضِعِ جَوابِ الأُولى، ومَعْنى الكَلامِ عامِلٌ في: (إذا)، والتَّقْدِيرُ جَأرُوا، فَيَكُونُ جَأرُوا العامِلَ في: (إذا) الأُولى، والعامِلَ في الثّانِيَةِ (أخَذْنا)، انْتَهى، وهو كَلامُ مُخَبِّطٍ لَيْسَ أهْلًا أنْ يَرُدَّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(حَتّى) حَرْفُ ابْتِداءٍ لا غَيْرُ، و(إذا) الثّانِيَةُ الَّتِي هي جَوابٌ يَمْنَعانِ مِن أنْ تَكُونَ حَتّى غايَةً لِعامِلُونَ، انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: أيْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أعْمالٌ مِنَ الشَّرِّ دُونَ أعْمالِ أهْلِ البِرِّ.
﴿لَها عامِلُونَ﴾ إلى أنْ يَأْخُذَ اللَّهُ أهْلَ النِّعْمَةِ والبَطَرِ مِنهم.
﴿بِالعَذابِ إذا هُمْ﴾ يَضِجُّونَ ويَسْتَغِيثُونَ، والمُتْرَفُونَ المُنَعَّمُونَ والرُّؤَساءُ، والعَذابُ القَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ والجُوعُ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ» فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والكِلابَ والعِظامَ المُحْتَرِقَةَ والقَدَّ والأوْلادَ. وقِيلَ: العَذابُ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في: (إذا هم) عائِدٌ عَلى ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾؛ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم صاحُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الباقِينَ بَعْدَ المُعَذَّبِينَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المُعَذَّبُونَ قَتْلى بَدْرٍ، والَّذِينَ ﴿يَجْأرُونَ﴾ أهْلُ مَكَّةَ؛ لِأنَّهم ناحُوا واسْتَغاثُوا.
﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم إمّا حَقِيقَةً تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ ذَلِكَ وإمّا مَجازًا أيْ لِسانُ الحالِ يَقُولُ ذَلِكَ هَذا إنْ كانَ الَّذِينَ يَجْأرُونَ هُمُ المُعَذَّبُونَ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ لَيْسَ القائِلُ المَلائِكَةَ. وقالَ قَتادَةُ ﴿يَجْأرُونَ﴾ يَصْرُخُونَ بِالتَّوْبَةِ فَلا يُقْبَلُ مِنهم. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: تَجْأرُونَ تَجْزَعُونَ، عَبَّرَ بِالصُّراخِ بِالجَزَعِ إذِ الجَزَعُ سَبَبُهُ.
﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا تُمْنَعُونَ مِن عَذابِنا أوْ لا يَكُونُ لَكم نَصْرٌ مِن جِهَتِنا، فالجِوارُ غَيْرُ نافِعٍ لَكم ولا مُجْدٍ.
﴿قَدْ كانَتْ آياتِي﴾ هي آياتُ القُرْآنِ، ﴿تَنْكِصُونَ﴾ تَرْجِعُونَ اسْتِعارَةٌ لِلْإعْراضِ عَنِ الحَقِّ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ﴿تَنْكُصُونَ﴾ بِضَمِّ الكافِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ﴿تَنْكِصُونَ﴾ أيْ بِالنُّكُوصِ والتَّباعُدِ مِن سَماعِ الآياتِ أوْ عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الكِتابِ، وضَمَّنَ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ مَعْنى مُكَذِّبِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ أوْ تَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِ، أيْ يَحْدُثُ لَكم بِسَبَبِ سَماعِهِ اسْتِكْبارٌ وعُتُوٌّ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى الحَرَمِ والمَسْجِدِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وسَوَّغَ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم (p-٤١٣)بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ وأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهم مُعْجِزَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ، وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُحَسِّنُهُ أنَّ في قَوْلِهِ: (تُتْلى عَلَيْكم) دَلالَةً عَلى التّالِي وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذِهِ أقْوالٌ تَتَعَلَّقُ فِيها بِمُسْتَكْبِرِينَ. وقِيلَ تَتَعَلَّقُ بِسامِرًا أيْ تَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ والطَّعْنِ فِيهِ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةَ سَمَرِهِمْ ذِكْرُ القُرْآنِ وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا وشِعْرًا وسَبُّ مَن أتى بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سامِرًا﴾، وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِكْرِمَةُ والزَّعْفَرانِيُّ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عُمَرَ ”وسُمَّرًا“ بِضَمِّ السِّينِ وشَدِّ المِيمِ مَفْتُوحَةً، جَمْعُ سامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو نَهِيكٍ كَذَلِكَ، وبِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ المِيمِ والرّاءِ جَمَعُ سامِرٍ أيْضًا، وهُما جَمْعانِ مَقِيسانِ في مِثْلِ سامِرٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الجِيمِ. ورَوى ابْنُ أبِي عاصِمٍ بِالياءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿تَهْجُرُونَ﴾ الحَقَّ وذِكْرَ اللَّهِ، وتَقْطَعُونَهُ مِنَ الهَجْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ: مِن هَجَرَ المَرِيضُ إذا هَذى أيْ يَقُولُونَ اللَّغْوَ مِنَ القَوْلِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحُمَيْدٌ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، مُضارِعُ أهْجَرَ، أيْ يَقُولُونَ الهُجْرَ بِضَمِّ الهاءِ، وهو الفُحْشُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إشارَةٌ إلى السَّبِّ لِلصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ وأبُو نَهِيكٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم فَتَحُوا الهاءَ وشَدَّدُوا الجِيمَ، وهو تَضْعِيفٌ مِن هَجَّرَ ماضِي الهَجَرِ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى مُقابِلِ الوَصْلِ أوِ الهَذَيانِ أوْ ماضِي الهُجْرِ وهو الفُحْشُ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لَوْ قِيلَ إنَّ المَعْنى أنَّكم مُبالِغُونَ في المُجاهَرَةِ حَتّى إنَّكم إنْ كُنْتُمْ سُمَّرًا بِاللَّيْلِ فَكَأنَّكم تَهْجُرُونَ في الهاجِرَةِ عَلى الِافْتِضاحِ لَكانَ وجْهًا.
٦٨: ٧٧
المؤمنون 23:68
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى تَوْبِيخَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والقَوْلِ القُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أيْ أفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ المُعْجِزُ الَّذِي لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ، وبَّخَهم ووَقَفَهم عَلى تَدَبُّرِهِ وأنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، قالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وهو أعْظَمُ الدَّلائِلِ الباقِيَةِ عَلى غابِرِ الدَّهْرِ قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا ولا مُسْتَغْرَبًا بَلْ جاءَتِ الرُّسُلُ الأُمَمَ قَبْلَهم، وعَرَفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ واسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ، وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ، ورُوِيَ: لا تَسُبُّوا مُضَرَ، ولا رَبِيعَةَ، ولا الحارِثَ بْنَ كَعْبٍ، ولا أسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ولا تَمِيمَ بْنَ مُرَّةَ، ولا قُسًّا، وذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ وأنَّ تُبَّعًا كانَ مُسْلِمًا وكانَ عَلى شُرَطِهِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ (p-٤١٤)وبَّخَهم ثالِثًا بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وصِحَّةَ نَسَبِهِ وحُلُولَهُ في سِطَةِ هاشِمٍ وأمانَتَهُ وصِدْقَهُ وشَهامَتَهُ وعَقْلَهُ واتِّسامَهُ بِأنَّهُ خَيْرُ فِتْيانِ قُرَيْشٍ، وكَفى بِخُطْبَةِ أبِي طالِبٍ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وأنَّها احْتَوَتْ عَلى صِفاتٍ لَهُ طَرَقَتْ آذانَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تُنْكِرْ مِنها شَيْئًا أيْ قَدْ سَبَقَتْ مَعْرِفَتُهم لَهُ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَلا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِن أوْصافِهِ.
ثُمَّ وبَّخَهم رابِعًا بِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى الجِنِّ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا، وأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ كَلامِ ذِي الجِنَّةِ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن عَقْلٍ، وهَذِهِ التَّوْبِيخاتُ الأرْبَعُ كانَ يَقْتَضِي ما وُبِّخُوا بِهِ مِنها أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِانْقِيادِهِمْ إلى الحَقِّ؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِما جاءَ بِهِ والنَّظَرَ في سِيَرِ الماضِينَ وإرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ ومَعْرِفَةَ الرَّسُولِ ذاتًا وأوْصافًا وبَراءَتَهُ مِنَ الجُنُونِ هادٍ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْهِدايَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَهم بِما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْوائِهِمْ ولَمْ يُوافِقْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ الباطِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَدْفَعًا؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عامَلُوا بِالبُهْتِ وعَوَّلُوا عَلى الكَذِبِ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجُنُونِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ.
﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وما بِهِ النَّجاةُ في الآخِرَةِ والسُّؤْدُدُ في الدُّنْيا.
﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن لا يَكْرَهُ الحَقَّ وذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً واسْتِكْبارًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ أنْ يَقُولُوا: صَبَأ وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ.
﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ﴿ولَوُ اتَّبَعَ﴾ بِضَمِّ الواوِ، والظّاهِرُ أنَّهُ (الحَقُّ) الَّذِي ذُكِرَ قَبْلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ مُتَّبِعًا أهْواءَهم لانْقَلَبَ شَرًّا وجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَعْضَهُ بِلَفْظِهِ. وقالَ أيْضًا: دَلَّ بِهَذا عَلى عِظَمِ شَأْنِ الحَقِّ، فَلَوِ اتَّبَعَ أهْواءَهم لانْقَلَبَ باطِلًا ولَذَهَبَ ما يَقُومُ بِهِ العالَمُ فَلا يَبْقى لَهُ بَعْدَهُ قِوامٌ. وقِيلَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ مِنِ اتِّخاذِ شَرِيكٍ لِلَّهِ ووَلَدٍ وكانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ الصِّفاتُ العَلِيَّةُ ولَمْ تَكُنْ لَهُ القُدْرَةُ كَما هي، وكانَ في ذَلِكَ فَسادُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقِيلَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَقَّ في اتِّخاذِ الآلِهَةِ مَعَ اللَّهِ لَكِنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قُرِّرَ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقِيلَ: كانَتْ آراؤُهم مُتَناقِضَةً؛ فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ واخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. وقالَ قَتادَةُ (الحَقُّ) هُنا اللَّهُ تَعالى.
فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ كانَ اللَّهُ يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَأْمُرُ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي لَما كانَ إلَهًا، ولَما قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ السَّماواتِ والأرْضَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: إنَّ (الحَقَّ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكانَ قَدْ حَكاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وأبِي صالِحٍ، تَشَعَّبَ لَهُ لَفْظَةُ (اتَّبَعَ) وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ أهْواؤُهم يُقَرِّرُها الحَقُّ، فَنَحْنُ نَجِدُ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَرَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهم ولَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَماواتٍ، وأمّا نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَّوابُ، فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنُونِ العَظَمَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عَمَرَ ويُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِياءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو البَرَهْسَمِ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قُطَيْبٍ وأبُو رَجاءٍ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (آتَيْناهم) بِالمَدِّ، أيْ أعْطَيْناهم، والجُمْهُورُ ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهم؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ عِيسى ”بِذِكْراهم“ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَتادَةُ ”نَذْكُرُهم“ بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ ونِسْبَةُ الإتْيانِ الحَقِيقِيِّ إلى اللَّهِ لا تَصِحُّ، وإنَّما هو مَجازٌ أيْ بَلْ آتاهم كِتابُنا أوْ رَسُولُنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم وفَخْرُهم أوْ بِالذِّكْرِ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] .
﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ (p-٤١٥)أيْضًا المَعْنى بَلْ أتَسْألُهم مالًا فَغُلِبُوا لِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأحْسَنِ كَلامٍ فَقالَ (أمْ تَسْألُهم) عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، والكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ، فَقَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿خَرْجًا فَخَراجُ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] في الكَهْفِ قِراءَةً ومَدْلُولًا. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى (خَراجًا فَخَرْجُ) فَكَمُلَتْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أرْبَعُ قِراءاتٍ، وفي الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ أيْ ثَوابُهُ؛ لِأنَّهُ الباقِي وما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِهِ فانٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَعَطاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي لا لِحاجَةٍ وغَيْرُهُ يُعْطِي لِحاجَةٍ. وقِيلَ: فَرِزْقُهُ ويُؤَيِّدُهُ (خَيْرُ الرّازِقِينَ) . قالَ الجِبائِيُّ: (خَيْرُ الرّازِقِينَ) دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، انْتَهى. وهَذا مَدْلُولُ (خَيْرٍ) الَّذِي هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ومَدْلُولُ (الرّازِقِينَ) الَّذِي هو جَمْعٌ أُضِيفَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ.
ولَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ المَعادَ ناكِبٌ عَنْ هَذا الصِّراطِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلُكُهُ إلّا مَن كانَ راجِيًا لِلثَّوابِ خائِفًا مِنَ العِقابِ، وهَؤُلاءِ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالجَزاءِ فَهم مائِلُونَ عَنْهُ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ هو طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ هو في الآخِرَةِ ناكِبُونَ عَنْهُ بِأخْذِهِمْ يَمْنَةً ويَسْرَةً إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ. وقالَ الحَسَنُ: تارِكُونَ لَهُ. وقالَ قَتادَةُ: حائِرُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُعْرِضُونَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ قِيلَ: هو الجُوعُ. وقِيلَ: القَتْلُ والسَّبْيُ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّمَرُّدِ والعِنادِ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ البُعْدِ، وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ؛ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّعْلِيقَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتَشْهَدَ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ ولَجاجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ رَحْمَتِهِ لَهم بِأنَّهُ أخَذَهم بِالسُّيُوفِ أوَّلًا، وبِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ، فَما وُجِدَتْ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِكانَةٌ ولا تَضَرُّعٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ فَأُبْلِسُوا وخَضَعَتْ رِقابُهم. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الضَّمِيرَ هو القَحْطُ والجُوعُ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مُنِعَ المِيرَةَ مِن أهْلِ مَكَّةَ»، فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ فَقالَ: ”بَلى“ فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، والأبْناءَ بِالجُوعِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى لَوْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهم هَذا الضُّرَّ، وهو الهُزالُ والقَحْطُ الَّذِي أصابَهم ووَجَدُوا الخِصْبَ، لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وإفْراطِهِمْ فِيها. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ امْتَحَنّاهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والجُوعِ فَما رُئِيَ فِيهِمِ اسْتِكانَةٌ ولا انْقِيادٌ حَتّى إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ أُبْلِسُوا، كَقَوْلِهِ (p-٤١٦)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَتْحُ لِبابِ العَذابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ في الدُّنْيا.
ووَزْنُ اسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ أيِ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كَما تَقُولُ: اسْتَحالَ انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ اسْتَكانَ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ وأنَّ الألِفَ إشْباعٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِهِ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ
؛ ولِأنَّ الإشْباعَ لا يَكُونُ في تَصارِيفِ الكَلِمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن أشْبَعَ في قَوْلِهِ:
؎ومِن ذَمِّ الزَّمانِ بِمُنْتَزاحِ
لا تَقُولُ انْتِزاحَ يَنْتَزِيحُ فَهو مُنْتَزِيحٌ، وأنْتَ تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ، ومَجِيءُ مَصْدَرِهِ اسْتِكانَةً يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ كاسْتَقامَ اسْتِقامَةً، وتَخالَفَ (اسْتَكانُوا) و(يَتَضَرَّعُونَ) في الصِّيغَةِ فَلَمْ يَكُونا ماضِيَيْنِ ولا مُضارِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ المَعْنى مَحَنّاهم فَما وُجِدَتْ مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةٌ، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَسْتَكِينُوا ويَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
والمُبْلِسُ: الآيِسُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي نالَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مُبْلَسُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ.
المؤمنون 23:69
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى تَوْبِيخَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والقَوْلِ القُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أيْ أفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ المُعْجِزُ الَّذِي لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ، وبَّخَهم ووَقَفَهم عَلى تَدَبُّرِهِ وأنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، قالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وهو أعْظَمُ الدَّلائِلِ الباقِيَةِ عَلى غابِرِ الدَّهْرِ قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا ولا مُسْتَغْرَبًا بَلْ جاءَتِ الرُّسُلُ الأُمَمَ قَبْلَهم، وعَرَفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ واسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ، وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ، ورُوِيَ: لا تَسُبُّوا مُضَرَ، ولا رَبِيعَةَ، ولا الحارِثَ بْنَ كَعْبٍ، ولا أسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ولا تَمِيمَ بْنَ مُرَّةَ، ولا قُسًّا، وذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ وأنَّ تُبَّعًا كانَ مُسْلِمًا وكانَ عَلى شُرَطِهِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ (p-٤١٤)وبَّخَهم ثالِثًا بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وصِحَّةَ نَسَبِهِ وحُلُولَهُ في سِطَةِ هاشِمٍ وأمانَتَهُ وصِدْقَهُ وشَهامَتَهُ وعَقْلَهُ واتِّسامَهُ بِأنَّهُ خَيْرُ فِتْيانِ قُرَيْشٍ، وكَفى بِخُطْبَةِ أبِي طالِبٍ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وأنَّها احْتَوَتْ عَلى صِفاتٍ لَهُ طَرَقَتْ آذانَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تُنْكِرْ مِنها شَيْئًا أيْ قَدْ سَبَقَتْ مَعْرِفَتُهم لَهُ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَلا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِن أوْصافِهِ.
ثُمَّ وبَّخَهم رابِعًا بِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى الجِنِّ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا، وأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ كَلامِ ذِي الجِنَّةِ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن عَقْلٍ، وهَذِهِ التَّوْبِيخاتُ الأرْبَعُ كانَ يَقْتَضِي ما وُبِّخُوا بِهِ مِنها أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِانْقِيادِهِمْ إلى الحَقِّ؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِما جاءَ بِهِ والنَّظَرَ في سِيَرِ الماضِينَ وإرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ ومَعْرِفَةَ الرَّسُولِ ذاتًا وأوْصافًا وبَراءَتَهُ مِنَ الجُنُونِ هادٍ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْهِدايَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَهم بِما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْوائِهِمْ ولَمْ يُوافِقْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ الباطِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَدْفَعًا؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عامَلُوا بِالبُهْتِ وعَوَّلُوا عَلى الكَذِبِ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجُنُونِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ.
﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وما بِهِ النَّجاةُ في الآخِرَةِ والسُّؤْدُدُ في الدُّنْيا.
﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن لا يَكْرَهُ الحَقَّ وذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً واسْتِكْبارًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ أنْ يَقُولُوا: صَبَأ وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ.
﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ﴿ولَوُ اتَّبَعَ﴾ بِضَمِّ الواوِ، والظّاهِرُ أنَّهُ (الحَقُّ) الَّذِي ذُكِرَ قَبْلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ مُتَّبِعًا أهْواءَهم لانْقَلَبَ شَرًّا وجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَعْضَهُ بِلَفْظِهِ. وقالَ أيْضًا: دَلَّ بِهَذا عَلى عِظَمِ شَأْنِ الحَقِّ، فَلَوِ اتَّبَعَ أهْواءَهم لانْقَلَبَ باطِلًا ولَذَهَبَ ما يَقُومُ بِهِ العالَمُ فَلا يَبْقى لَهُ بَعْدَهُ قِوامٌ. وقِيلَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ مِنِ اتِّخاذِ شَرِيكٍ لِلَّهِ ووَلَدٍ وكانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ الصِّفاتُ العَلِيَّةُ ولَمْ تَكُنْ لَهُ القُدْرَةُ كَما هي، وكانَ في ذَلِكَ فَسادُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقِيلَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَقَّ في اتِّخاذِ الآلِهَةِ مَعَ اللَّهِ لَكِنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قُرِّرَ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقِيلَ: كانَتْ آراؤُهم مُتَناقِضَةً؛ فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ واخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. وقالَ قَتادَةُ (الحَقُّ) هُنا اللَّهُ تَعالى.
فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ كانَ اللَّهُ يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَأْمُرُ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي لَما كانَ إلَهًا، ولَما قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ السَّماواتِ والأرْضَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: إنَّ (الحَقَّ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكانَ قَدْ حَكاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وأبِي صالِحٍ، تَشَعَّبَ لَهُ لَفْظَةُ (اتَّبَعَ) وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ أهْواؤُهم يُقَرِّرُها الحَقُّ، فَنَحْنُ نَجِدُ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَرَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهم ولَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَماواتٍ، وأمّا نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَّوابُ، فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنُونِ العَظَمَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عَمَرَ ويُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِياءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو البَرَهْسَمِ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قُطَيْبٍ وأبُو رَجاءٍ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (آتَيْناهم) بِالمَدِّ، أيْ أعْطَيْناهم، والجُمْهُورُ ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهم؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ عِيسى ”بِذِكْراهم“ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَتادَةُ ”نَذْكُرُهم“ بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ ونِسْبَةُ الإتْيانِ الحَقِيقِيِّ إلى اللَّهِ لا تَصِحُّ، وإنَّما هو مَجازٌ أيْ بَلْ آتاهم كِتابُنا أوْ رَسُولُنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم وفَخْرُهم أوْ بِالذِّكْرِ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] .
﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ (p-٤١٥)أيْضًا المَعْنى بَلْ أتَسْألُهم مالًا فَغُلِبُوا لِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأحْسَنِ كَلامٍ فَقالَ (أمْ تَسْألُهم) عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، والكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ، فَقَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿خَرْجًا فَخَراجُ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] في الكَهْفِ قِراءَةً ومَدْلُولًا. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى (خَراجًا فَخَرْجُ) فَكَمُلَتْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أرْبَعُ قِراءاتٍ، وفي الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ أيْ ثَوابُهُ؛ لِأنَّهُ الباقِي وما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِهِ فانٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَعَطاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي لا لِحاجَةٍ وغَيْرُهُ يُعْطِي لِحاجَةٍ. وقِيلَ: فَرِزْقُهُ ويُؤَيِّدُهُ (خَيْرُ الرّازِقِينَ) . قالَ الجِبائِيُّ: (خَيْرُ الرّازِقِينَ) دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، انْتَهى. وهَذا مَدْلُولُ (خَيْرٍ) الَّذِي هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ومَدْلُولُ (الرّازِقِينَ) الَّذِي هو جَمْعٌ أُضِيفَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ.
ولَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ المَعادَ ناكِبٌ عَنْ هَذا الصِّراطِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلُكُهُ إلّا مَن كانَ راجِيًا لِلثَّوابِ خائِفًا مِنَ العِقابِ، وهَؤُلاءِ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالجَزاءِ فَهم مائِلُونَ عَنْهُ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ هو طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ هو في الآخِرَةِ ناكِبُونَ عَنْهُ بِأخْذِهِمْ يَمْنَةً ويَسْرَةً إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ. وقالَ الحَسَنُ: تارِكُونَ لَهُ. وقالَ قَتادَةُ: حائِرُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُعْرِضُونَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ قِيلَ: هو الجُوعُ. وقِيلَ: القَتْلُ والسَّبْيُ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّمَرُّدِ والعِنادِ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ البُعْدِ، وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ؛ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّعْلِيقَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتَشْهَدَ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ ولَجاجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ رَحْمَتِهِ لَهم بِأنَّهُ أخَذَهم بِالسُّيُوفِ أوَّلًا، وبِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ، فَما وُجِدَتْ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِكانَةٌ ولا تَضَرُّعٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ فَأُبْلِسُوا وخَضَعَتْ رِقابُهم. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الضَّمِيرَ هو القَحْطُ والجُوعُ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مُنِعَ المِيرَةَ مِن أهْلِ مَكَّةَ»، فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ فَقالَ: ”بَلى“ فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، والأبْناءَ بِالجُوعِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى لَوْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهم هَذا الضُّرَّ، وهو الهُزالُ والقَحْطُ الَّذِي أصابَهم ووَجَدُوا الخِصْبَ، لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وإفْراطِهِمْ فِيها. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ امْتَحَنّاهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والجُوعِ فَما رُئِيَ فِيهِمِ اسْتِكانَةٌ ولا انْقِيادٌ حَتّى إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ أُبْلِسُوا، كَقَوْلِهِ (p-٤١٦)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَتْحُ لِبابِ العَذابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ في الدُّنْيا.
ووَزْنُ اسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ أيِ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كَما تَقُولُ: اسْتَحالَ انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ اسْتَكانَ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ وأنَّ الألِفَ إشْباعٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِهِ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ
؛ ولِأنَّ الإشْباعَ لا يَكُونُ في تَصارِيفِ الكَلِمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن أشْبَعَ في قَوْلِهِ:
؎ومِن ذَمِّ الزَّمانِ بِمُنْتَزاحِ
لا تَقُولُ انْتِزاحَ يَنْتَزِيحُ فَهو مُنْتَزِيحٌ، وأنْتَ تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ، ومَجِيءُ مَصْدَرِهِ اسْتِكانَةً يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ كاسْتَقامَ اسْتِقامَةً، وتَخالَفَ (اسْتَكانُوا) و(يَتَضَرَّعُونَ) في الصِّيغَةِ فَلَمْ يَكُونا ماضِيَيْنِ ولا مُضارِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ المَعْنى مَحَنّاهم فَما وُجِدَتْ مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةٌ، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَسْتَكِينُوا ويَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
والمُبْلِسُ: الآيِسُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي نالَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مُبْلَسُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ.
المؤمنون 23:70
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى تَوْبِيخَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والقَوْلِ القُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أيْ أفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ المُعْجِزُ الَّذِي لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ، وبَّخَهم ووَقَفَهم عَلى تَدَبُّرِهِ وأنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، قالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وهو أعْظَمُ الدَّلائِلِ الباقِيَةِ عَلى غابِرِ الدَّهْرِ قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا ولا مُسْتَغْرَبًا بَلْ جاءَتِ الرُّسُلُ الأُمَمَ قَبْلَهم، وعَرَفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ واسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ، وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ، ورُوِيَ: لا تَسُبُّوا مُضَرَ، ولا رَبِيعَةَ، ولا الحارِثَ بْنَ كَعْبٍ، ولا أسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ولا تَمِيمَ بْنَ مُرَّةَ، ولا قُسًّا، وذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ وأنَّ تُبَّعًا كانَ مُسْلِمًا وكانَ عَلى شُرَطِهِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ (p-٤١٤)وبَّخَهم ثالِثًا بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وصِحَّةَ نَسَبِهِ وحُلُولَهُ في سِطَةِ هاشِمٍ وأمانَتَهُ وصِدْقَهُ وشَهامَتَهُ وعَقْلَهُ واتِّسامَهُ بِأنَّهُ خَيْرُ فِتْيانِ قُرَيْشٍ، وكَفى بِخُطْبَةِ أبِي طالِبٍ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وأنَّها احْتَوَتْ عَلى صِفاتٍ لَهُ طَرَقَتْ آذانَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تُنْكِرْ مِنها شَيْئًا أيْ قَدْ سَبَقَتْ مَعْرِفَتُهم لَهُ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَلا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِن أوْصافِهِ.
ثُمَّ وبَّخَهم رابِعًا بِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى الجِنِّ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا، وأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ كَلامِ ذِي الجِنَّةِ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن عَقْلٍ، وهَذِهِ التَّوْبِيخاتُ الأرْبَعُ كانَ يَقْتَضِي ما وُبِّخُوا بِهِ مِنها أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِانْقِيادِهِمْ إلى الحَقِّ؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِما جاءَ بِهِ والنَّظَرَ في سِيَرِ الماضِينَ وإرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ ومَعْرِفَةَ الرَّسُولِ ذاتًا وأوْصافًا وبَراءَتَهُ مِنَ الجُنُونِ هادٍ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْهِدايَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَهم بِما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْوائِهِمْ ولَمْ يُوافِقْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ الباطِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَدْفَعًا؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عامَلُوا بِالبُهْتِ وعَوَّلُوا عَلى الكَذِبِ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجُنُونِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ.
﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وما بِهِ النَّجاةُ في الآخِرَةِ والسُّؤْدُدُ في الدُّنْيا.
﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن لا يَكْرَهُ الحَقَّ وذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً واسْتِكْبارًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ أنْ يَقُولُوا: صَبَأ وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ.
﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ﴿ولَوُ اتَّبَعَ﴾ بِضَمِّ الواوِ، والظّاهِرُ أنَّهُ (الحَقُّ) الَّذِي ذُكِرَ قَبْلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ مُتَّبِعًا أهْواءَهم لانْقَلَبَ شَرًّا وجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَعْضَهُ بِلَفْظِهِ. وقالَ أيْضًا: دَلَّ بِهَذا عَلى عِظَمِ شَأْنِ الحَقِّ، فَلَوِ اتَّبَعَ أهْواءَهم لانْقَلَبَ باطِلًا ولَذَهَبَ ما يَقُومُ بِهِ العالَمُ فَلا يَبْقى لَهُ بَعْدَهُ قِوامٌ. وقِيلَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ مِنِ اتِّخاذِ شَرِيكٍ لِلَّهِ ووَلَدٍ وكانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ الصِّفاتُ العَلِيَّةُ ولَمْ تَكُنْ لَهُ القُدْرَةُ كَما هي، وكانَ في ذَلِكَ فَسادُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقِيلَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَقَّ في اتِّخاذِ الآلِهَةِ مَعَ اللَّهِ لَكِنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قُرِّرَ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقِيلَ: كانَتْ آراؤُهم مُتَناقِضَةً؛ فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ واخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. وقالَ قَتادَةُ (الحَقُّ) هُنا اللَّهُ تَعالى.
فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ كانَ اللَّهُ يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَأْمُرُ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي لَما كانَ إلَهًا، ولَما قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ السَّماواتِ والأرْضَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: إنَّ (الحَقَّ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكانَ قَدْ حَكاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وأبِي صالِحٍ، تَشَعَّبَ لَهُ لَفْظَةُ (اتَّبَعَ) وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ أهْواؤُهم يُقَرِّرُها الحَقُّ، فَنَحْنُ نَجِدُ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَرَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهم ولَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَماواتٍ، وأمّا نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَّوابُ، فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنُونِ العَظَمَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عَمَرَ ويُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِياءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو البَرَهْسَمِ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قُطَيْبٍ وأبُو رَجاءٍ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (آتَيْناهم) بِالمَدِّ، أيْ أعْطَيْناهم، والجُمْهُورُ ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهم؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ عِيسى ”بِذِكْراهم“ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَتادَةُ ”نَذْكُرُهم“ بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ ونِسْبَةُ الإتْيانِ الحَقِيقِيِّ إلى اللَّهِ لا تَصِحُّ، وإنَّما هو مَجازٌ أيْ بَلْ آتاهم كِتابُنا أوْ رَسُولُنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم وفَخْرُهم أوْ بِالذِّكْرِ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] .
﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ (p-٤١٥)أيْضًا المَعْنى بَلْ أتَسْألُهم مالًا فَغُلِبُوا لِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأحْسَنِ كَلامٍ فَقالَ (أمْ تَسْألُهم) عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، والكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ، فَقَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿خَرْجًا فَخَراجُ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] في الكَهْفِ قِراءَةً ومَدْلُولًا. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى (خَراجًا فَخَرْجُ) فَكَمُلَتْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أرْبَعُ قِراءاتٍ، وفي الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ أيْ ثَوابُهُ؛ لِأنَّهُ الباقِي وما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِهِ فانٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَعَطاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي لا لِحاجَةٍ وغَيْرُهُ يُعْطِي لِحاجَةٍ. وقِيلَ: فَرِزْقُهُ ويُؤَيِّدُهُ (خَيْرُ الرّازِقِينَ) . قالَ الجِبائِيُّ: (خَيْرُ الرّازِقِينَ) دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، انْتَهى. وهَذا مَدْلُولُ (خَيْرٍ) الَّذِي هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ومَدْلُولُ (الرّازِقِينَ) الَّذِي هو جَمْعٌ أُضِيفَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ.
ولَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ المَعادَ ناكِبٌ عَنْ هَذا الصِّراطِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلُكُهُ إلّا مَن كانَ راجِيًا لِلثَّوابِ خائِفًا مِنَ العِقابِ، وهَؤُلاءِ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالجَزاءِ فَهم مائِلُونَ عَنْهُ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ هو طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ هو في الآخِرَةِ ناكِبُونَ عَنْهُ بِأخْذِهِمْ يَمْنَةً ويَسْرَةً إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ. وقالَ الحَسَنُ: تارِكُونَ لَهُ. وقالَ قَتادَةُ: حائِرُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُعْرِضُونَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ قِيلَ: هو الجُوعُ. وقِيلَ: القَتْلُ والسَّبْيُ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّمَرُّدِ والعِنادِ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ البُعْدِ، وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ؛ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّعْلِيقَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتَشْهَدَ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ ولَجاجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ رَحْمَتِهِ لَهم بِأنَّهُ أخَذَهم بِالسُّيُوفِ أوَّلًا، وبِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ، فَما وُجِدَتْ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِكانَةٌ ولا تَضَرُّعٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ فَأُبْلِسُوا وخَضَعَتْ رِقابُهم. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الضَّمِيرَ هو القَحْطُ والجُوعُ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مُنِعَ المِيرَةَ مِن أهْلِ مَكَّةَ»، فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ فَقالَ: ”بَلى“ فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، والأبْناءَ بِالجُوعِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى لَوْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهم هَذا الضُّرَّ، وهو الهُزالُ والقَحْطُ الَّذِي أصابَهم ووَجَدُوا الخِصْبَ، لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وإفْراطِهِمْ فِيها. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ امْتَحَنّاهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والجُوعِ فَما رُئِيَ فِيهِمِ اسْتِكانَةٌ ولا انْقِيادٌ حَتّى إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ أُبْلِسُوا، كَقَوْلِهِ (p-٤١٦)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَتْحُ لِبابِ العَذابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ في الدُّنْيا.
ووَزْنُ اسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ أيِ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كَما تَقُولُ: اسْتَحالَ انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ اسْتَكانَ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ وأنَّ الألِفَ إشْباعٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِهِ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ
؛ ولِأنَّ الإشْباعَ لا يَكُونُ في تَصارِيفِ الكَلِمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن أشْبَعَ في قَوْلِهِ:
؎ومِن ذَمِّ الزَّمانِ بِمُنْتَزاحِ
لا تَقُولُ انْتِزاحَ يَنْتَزِيحُ فَهو مُنْتَزِيحٌ، وأنْتَ تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ، ومَجِيءُ مَصْدَرِهِ اسْتِكانَةً يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ كاسْتَقامَ اسْتِقامَةً، وتَخالَفَ (اسْتَكانُوا) و(يَتَضَرَّعُونَ) في الصِّيغَةِ فَلَمْ يَكُونا ماضِيَيْنِ ولا مُضارِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ المَعْنى مَحَنّاهم فَما وُجِدَتْ مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةٌ، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَسْتَكِينُوا ويَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
والمُبْلِسُ: الآيِسُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي نالَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مُبْلَسُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ.
المؤمنون 23:71
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى تَوْبِيخَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والقَوْلِ القُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أيْ أفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ المُعْجِزُ الَّذِي لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ، وبَّخَهم ووَقَفَهم عَلى تَدَبُّرِهِ وأنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، قالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وهو أعْظَمُ الدَّلائِلِ الباقِيَةِ عَلى غابِرِ الدَّهْرِ قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا ولا مُسْتَغْرَبًا بَلْ جاءَتِ الرُّسُلُ الأُمَمَ قَبْلَهم، وعَرَفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ واسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ، وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ، ورُوِيَ: لا تَسُبُّوا مُضَرَ، ولا رَبِيعَةَ، ولا الحارِثَ بْنَ كَعْبٍ، ولا أسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ولا تَمِيمَ بْنَ مُرَّةَ، ولا قُسًّا، وذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ وأنَّ تُبَّعًا كانَ مُسْلِمًا وكانَ عَلى شُرَطِهِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ (p-٤١٤)وبَّخَهم ثالِثًا بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وصِحَّةَ نَسَبِهِ وحُلُولَهُ في سِطَةِ هاشِمٍ وأمانَتَهُ وصِدْقَهُ وشَهامَتَهُ وعَقْلَهُ واتِّسامَهُ بِأنَّهُ خَيْرُ فِتْيانِ قُرَيْشٍ، وكَفى بِخُطْبَةِ أبِي طالِبٍ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وأنَّها احْتَوَتْ عَلى صِفاتٍ لَهُ طَرَقَتْ آذانَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تُنْكِرْ مِنها شَيْئًا أيْ قَدْ سَبَقَتْ مَعْرِفَتُهم لَهُ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَلا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِن أوْصافِهِ.
ثُمَّ وبَّخَهم رابِعًا بِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى الجِنِّ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا، وأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ كَلامِ ذِي الجِنَّةِ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن عَقْلٍ، وهَذِهِ التَّوْبِيخاتُ الأرْبَعُ كانَ يَقْتَضِي ما وُبِّخُوا بِهِ مِنها أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِانْقِيادِهِمْ إلى الحَقِّ؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِما جاءَ بِهِ والنَّظَرَ في سِيَرِ الماضِينَ وإرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ ومَعْرِفَةَ الرَّسُولِ ذاتًا وأوْصافًا وبَراءَتَهُ مِنَ الجُنُونِ هادٍ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْهِدايَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَهم بِما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْوائِهِمْ ولَمْ يُوافِقْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ الباطِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَدْفَعًا؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عامَلُوا بِالبُهْتِ وعَوَّلُوا عَلى الكَذِبِ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجُنُونِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ.
﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وما بِهِ النَّجاةُ في الآخِرَةِ والسُّؤْدُدُ في الدُّنْيا.
﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن لا يَكْرَهُ الحَقَّ وذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً واسْتِكْبارًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ أنْ يَقُولُوا: صَبَأ وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ.
﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ﴿ولَوُ اتَّبَعَ﴾ بِضَمِّ الواوِ، والظّاهِرُ أنَّهُ (الحَقُّ) الَّذِي ذُكِرَ قَبْلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ مُتَّبِعًا أهْواءَهم لانْقَلَبَ شَرًّا وجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَعْضَهُ بِلَفْظِهِ. وقالَ أيْضًا: دَلَّ بِهَذا عَلى عِظَمِ شَأْنِ الحَقِّ، فَلَوِ اتَّبَعَ أهْواءَهم لانْقَلَبَ باطِلًا ولَذَهَبَ ما يَقُومُ بِهِ العالَمُ فَلا يَبْقى لَهُ بَعْدَهُ قِوامٌ. وقِيلَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ مِنِ اتِّخاذِ شَرِيكٍ لِلَّهِ ووَلَدٍ وكانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ الصِّفاتُ العَلِيَّةُ ولَمْ تَكُنْ لَهُ القُدْرَةُ كَما هي، وكانَ في ذَلِكَ فَسادُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقِيلَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَقَّ في اتِّخاذِ الآلِهَةِ مَعَ اللَّهِ لَكِنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قُرِّرَ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقِيلَ: كانَتْ آراؤُهم مُتَناقِضَةً؛ فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ واخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. وقالَ قَتادَةُ (الحَقُّ) هُنا اللَّهُ تَعالى.
فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ كانَ اللَّهُ يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَأْمُرُ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي لَما كانَ إلَهًا، ولَما قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ السَّماواتِ والأرْضَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: إنَّ (الحَقَّ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكانَ قَدْ حَكاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وأبِي صالِحٍ، تَشَعَّبَ لَهُ لَفْظَةُ (اتَّبَعَ) وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ أهْواؤُهم يُقَرِّرُها الحَقُّ، فَنَحْنُ نَجِدُ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَرَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهم ولَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَماواتٍ، وأمّا نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَّوابُ، فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنُونِ العَظَمَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عَمَرَ ويُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِياءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو البَرَهْسَمِ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قُطَيْبٍ وأبُو رَجاءٍ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (آتَيْناهم) بِالمَدِّ، أيْ أعْطَيْناهم، والجُمْهُورُ ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهم؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ عِيسى ”بِذِكْراهم“ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَتادَةُ ”نَذْكُرُهم“ بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ ونِسْبَةُ الإتْيانِ الحَقِيقِيِّ إلى اللَّهِ لا تَصِحُّ، وإنَّما هو مَجازٌ أيْ بَلْ آتاهم كِتابُنا أوْ رَسُولُنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم وفَخْرُهم أوْ بِالذِّكْرِ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] .
﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ (p-٤١٥)أيْضًا المَعْنى بَلْ أتَسْألُهم مالًا فَغُلِبُوا لِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأحْسَنِ كَلامٍ فَقالَ (أمْ تَسْألُهم) عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، والكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ، فَقَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿خَرْجًا فَخَراجُ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] في الكَهْفِ قِراءَةً ومَدْلُولًا. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى (خَراجًا فَخَرْجُ) فَكَمُلَتْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أرْبَعُ قِراءاتٍ، وفي الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ أيْ ثَوابُهُ؛ لِأنَّهُ الباقِي وما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِهِ فانٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَعَطاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي لا لِحاجَةٍ وغَيْرُهُ يُعْطِي لِحاجَةٍ. وقِيلَ: فَرِزْقُهُ ويُؤَيِّدُهُ (خَيْرُ الرّازِقِينَ) . قالَ الجِبائِيُّ: (خَيْرُ الرّازِقِينَ) دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، انْتَهى. وهَذا مَدْلُولُ (خَيْرٍ) الَّذِي هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ومَدْلُولُ (الرّازِقِينَ) الَّذِي هو جَمْعٌ أُضِيفَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ.
ولَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ المَعادَ ناكِبٌ عَنْ هَذا الصِّراطِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلُكُهُ إلّا مَن كانَ راجِيًا لِلثَّوابِ خائِفًا مِنَ العِقابِ، وهَؤُلاءِ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالجَزاءِ فَهم مائِلُونَ عَنْهُ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ هو طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ هو في الآخِرَةِ ناكِبُونَ عَنْهُ بِأخْذِهِمْ يَمْنَةً ويَسْرَةً إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ. وقالَ الحَسَنُ: تارِكُونَ لَهُ. وقالَ قَتادَةُ: حائِرُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُعْرِضُونَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ قِيلَ: هو الجُوعُ. وقِيلَ: القَتْلُ والسَّبْيُ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّمَرُّدِ والعِنادِ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ البُعْدِ، وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ؛ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّعْلِيقَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتَشْهَدَ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ ولَجاجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ رَحْمَتِهِ لَهم بِأنَّهُ أخَذَهم بِالسُّيُوفِ أوَّلًا، وبِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ، فَما وُجِدَتْ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِكانَةٌ ولا تَضَرُّعٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ فَأُبْلِسُوا وخَضَعَتْ رِقابُهم. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الضَّمِيرَ هو القَحْطُ والجُوعُ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مُنِعَ المِيرَةَ مِن أهْلِ مَكَّةَ»، فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ فَقالَ: ”بَلى“ فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، والأبْناءَ بِالجُوعِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى لَوْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهم هَذا الضُّرَّ، وهو الهُزالُ والقَحْطُ الَّذِي أصابَهم ووَجَدُوا الخِصْبَ، لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وإفْراطِهِمْ فِيها. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ امْتَحَنّاهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والجُوعِ فَما رُئِيَ فِيهِمِ اسْتِكانَةٌ ولا انْقِيادٌ حَتّى إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ أُبْلِسُوا، كَقَوْلِهِ (p-٤١٦)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَتْحُ لِبابِ العَذابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ في الدُّنْيا.
ووَزْنُ اسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ أيِ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كَما تَقُولُ: اسْتَحالَ انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ اسْتَكانَ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ وأنَّ الألِفَ إشْباعٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِهِ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ
؛ ولِأنَّ الإشْباعَ لا يَكُونُ في تَصارِيفِ الكَلِمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن أشْبَعَ في قَوْلِهِ:
؎ومِن ذَمِّ الزَّمانِ بِمُنْتَزاحِ
لا تَقُولُ انْتِزاحَ يَنْتَزِيحُ فَهو مُنْتَزِيحٌ، وأنْتَ تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ، ومَجِيءُ مَصْدَرِهِ اسْتِكانَةً يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ كاسْتَقامَ اسْتِقامَةً، وتَخالَفَ (اسْتَكانُوا) و(يَتَضَرَّعُونَ) في الصِّيغَةِ فَلَمْ يَكُونا ماضِيَيْنِ ولا مُضارِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ المَعْنى مَحَنّاهم فَما وُجِدَتْ مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةٌ، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَسْتَكِينُوا ويَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
والمُبْلِسُ: الآيِسُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي نالَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مُبْلَسُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ.
المؤمنون 23:72
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى تَوْبِيخَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والقَوْلِ القُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أيْ أفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ المُعْجِزُ الَّذِي لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ، وبَّخَهم ووَقَفَهم عَلى تَدَبُّرِهِ وأنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، قالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وهو أعْظَمُ الدَّلائِلِ الباقِيَةِ عَلى غابِرِ الدَّهْرِ قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا ولا مُسْتَغْرَبًا بَلْ جاءَتِ الرُّسُلُ الأُمَمَ قَبْلَهم، وعَرَفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ واسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ، وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ، ورُوِيَ: لا تَسُبُّوا مُضَرَ، ولا رَبِيعَةَ، ولا الحارِثَ بْنَ كَعْبٍ، ولا أسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ولا تَمِيمَ بْنَ مُرَّةَ، ولا قُسًّا، وذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ وأنَّ تُبَّعًا كانَ مُسْلِمًا وكانَ عَلى شُرَطِهِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ (p-٤١٤)وبَّخَهم ثالِثًا بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وصِحَّةَ نَسَبِهِ وحُلُولَهُ في سِطَةِ هاشِمٍ وأمانَتَهُ وصِدْقَهُ وشَهامَتَهُ وعَقْلَهُ واتِّسامَهُ بِأنَّهُ خَيْرُ فِتْيانِ قُرَيْشٍ، وكَفى بِخُطْبَةِ أبِي طالِبٍ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وأنَّها احْتَوَتْ عَلى صِفاتٍ لَهُ طَرَقَتْ آذانَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تُنْكِرْ مِنها شَيْئًا أيْ قَدْ سَبَقَتْ مَعْرِفَتُهم لَهُ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَلا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِن أوْصافِهِ.
ثُمَّ وبَّخَهم رابِعًا بِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى الجِنِّ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا، وأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ كَلامِ ذِي الجِنَّةِ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن عَقْلٍ، وهَذِهِ التَّوْبِيخاتُ الأرْبَعُ كانَ يَقْتَضِي ما وُبِّخُوا بِهِ مِنها أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِانْقِيادِهِمْ إلى الحَقِّ؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِما جاءَ بِهِ والنَّظَرَ في سِيَرِ الماضِينَ وإرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ ومَعْرِفَةَ الرَّسُولِ ذاتًا وأوْصافًا وبَراءَتَهُ مِنَ الجُنُونِ هادٍ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْهِدايَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَهم بِما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْوائِهِمْ ولَمْ يُوافِقْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ الباطِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَدْفَعًا؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عامَلُوا بِالبُهْتِ وعَوَّلُوا عَلى الكَذِبِ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجُنُونِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ.
﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وما بِهِ النَّجاةُ في الآخِرَةِ والسُّؤْدُدُ في الدُّنْيا.
﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن لا يَكْرَهُ الحَقَّ وذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً واسْتِكْبارًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ أنْ يَقُولُوا: صَبَأ وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ.
﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ﴿ولَوُ اتَّبَعَ﴾ بِضَمِّ الواوِ، والظّاهِرُ أنَّهُ (الحَقُّ) الَّذِي ذُكِرَ قَبْلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ مُتَّبِعًا أهْواءَهم لانْقَلَبَ شَرًّا وجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَعْضَهُ بِلَفْظِهِ. وقالَ أيْضًا: دَلَّ بِهَذا عَلى عِظَمِ شَأْنِ الحَقِّ، فَلَوِ اتَّبَعَ أهْواءَهم لانْقَلَبَ باطِلًا ولَذَهَبَ ما يَقُومُ بِهِ العالَمُ فَلا يَبْقى لَهُ بَعْدَهُ قِوامٌ. وقِيلَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ مِنِ اتِّخاذِ شَرِيكٍ لِلَّهِ ووَلَدٍ وكانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ الصِّفاتُ العَلِيَّةُ ولَمْ تَكُنْ لَهُ القُدْرَةُ كَما هي، وكانَ في ذَلِكَ فَسادُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقِيلَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَقَّ في اتِّخاذِ الآلِهَةِ مَعَ اللَّهِ لَكِنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قُرِّرَ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقِيلَ: كانَتْ آراؤُهم مُتَناقِضَةً؛ فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ واخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. وقالَ قَتادَةُ (الحَقُّ) هُنا اللَّهُ تَعالى.
فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ كانَ اللَّهُ يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَأْمُرُ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي لَما كانَ إلَهًا، ولَما قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ السَّماواتِ والأرْضَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: إنَّ (الحَقَّ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكانَ قَدْ حَكاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وأبِي صالِحٍ، تَشَعَّبَ لَهُ لَفْظَةُ (اتَّبَعَ) وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ أهْواؤُهم يُقَرِّرُها الحَقُّ، فَنَحْنُ نَجِدُ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَرَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهم ولَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَماواتٍ، وأمّا نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَّوابُ، فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنُونِ العَظَمَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عَمَرَ ويُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِياءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو البَرَهْسَمِ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قُطَيْبٍ وأبُو رَجاءٍ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (آتَيْناهم) بِالمَدِّ، أيْ أعْطَيْناهم، والجُمْهُورُ ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهم؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ عِيسى ”بِذِكْراهم“ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَتادَةُ ”نَذْكُرُهم“ بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ ونِسْبَةُ الإتْيانِ الحَقِيقِيِّ إلى اللَّهِ لا تَصِحُّ، وإنَّما هو مَجازٌ أيْ بَلْ آتاهم كِتابُنا أوْ رَسُولُنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم وفَخْرُهم أوْ بِالذِّكْرِ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] .
﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ (p-٤١٥)أيْضًا المَعْنى بَلْ أتَسْألُهم مالًا فَغُلِبُوا لِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأحْسَنِ كَلامٍ فَقالَ (أمْ تَسْألُهم) عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، والكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ، فَقَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿خَرْجًا فَخَراجُ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] في الكَهْفِ قِراءَةً ومَدْلُولًا. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى (خَراجًا فَخَرْجُ) فَكَمُلَتْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أرْبَعُ قِراءاتٍ، وفي الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ أيْ ثَوابُهُ؛ لِأنَّهُ الباقِي وما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِهِ فانٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَعَطاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي لا لِحاجَةٍ وغَيْرُهُ يُعْطِي لِحاجَةٍ. وقِيلَ: فَرِزْقُهُ ويُؤَيِّدُهُ (خَيْرُ الرّازِقِينَ) . قالَ الجِبائِيُّ: (خَيْرُ الرّازِقِينَ) دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، انْتَهى. وهَذا مَدْلُولُ (خَيْرٍ) الَّذِي هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ومَدْلُولُ (الرّازِقِينَ) الَّذِي هو جَمْعٌ أُضِيفَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ.
ولَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ المَعادَ ناكِبٌ عَنْ هَذا الصِّراطِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلُكُهُ إلّا مَن كانَ راجِيًا لِلثَّوابِ خائِفًا مِنَ العِقابِ، وهَؤُلاءِ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالجَزاءِ فَهم مائِلُونَ عَنْهُ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ هو طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ هو في الآخِرَةِ ناكِبُونَ عَنْهُ بِأخْذِهِمْ يَمْنَةً ويَسْرَةً إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ. وقالَ الحَسَنُ: تارِكُونَ لَهُ. وقالَ قَتادَةُ: حائِرُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُعْرِضُونَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ قِيلَ: هو الجُوعُ. وقِيلَ: القَتْلُ والسَّبْيُ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّمَرُّدِ والعِنادِ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ البُعْدِ، وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ؛ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّعْلِيقَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتَشْهَدَ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ ولَجاجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ رَحْمَتِهِ لَهم بِأنَّهُ أخَذَهم بِالسُّيُوفِ أوَّلًا، وبِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ، فَما وُجِدَتْ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِكانَةٌ ولا تَضَرُّعٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ فَأُبْلِسُوا وخَضَعَتْ رِقابُهم. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الضَّمِيرَ هو القَحْطُ والجُوعُ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مُنِعَ المِيرَةَ مِن أهْلِ مَكَّةَ»، فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ فَقالَ: ”بَلى“ فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، والأبْناءَ بِالجُوعِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى لَوْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهم هَذا الضُّرَّ، وهو الهُزالُ والقَحْطُ الَّذِي أصابَهم ووَجَدُوا الخِصْبَ، لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وإفْراطِهِمْ فِيها. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ امْتَحَنّاهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والجُوعِ فَما رُئِيَ فِيهِمِ اسْتِكانَةٌ ولا انْقِيادٌ حَتّى إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ أُبْلِسُوا، كَقَوْلِهِ (p-٤١٦)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَتْحُ لِبابِ العَذابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ في الدُّنْيا.
ووَزْنُ اسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ أيِ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كَما تَقُولُ: اسْتَحالَ انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ اسْتَكانَ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ وأنَّ الألِفَ إشْباعٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِهِ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ
؛ ولِأنَّ الإشْباعَ لا يَكُونُ في تَصارِيفِ الكَلِمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن أشْبَعَ في قَوْلِهِ:
؎ومِن ذَمِّ الزَّمانِ بِمُنْتَزاحِ
لا تَقُولُ انْتِزاحَ يَنْتَزِيحُ فَهو مُنْتَزِيحٌ، وأنْتَ تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ، ومَجِيءُ مَصْدَرِهِ اسْتِكانَةً يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ كاسْتَقامَ اسْتِقامَةً، وتَخالَفَ (اسْتَكانُوا) و(يَتَضَرَّعُونَ) في الصِّيغَةِ فَلَمْ يَكُونا ماضِيَيْنِ ولا مُضارِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ المَعْنى مَحَنّاهم فَما وُجِدَتْ مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةٌ، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَسْتَكِينُوا ويَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
والمُبْلِسُ: الآيِسُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي نالَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مُبْلَسُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ.
المؤمنون 23:73
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى تَوْبِيخَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والقَوْلِ القُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أيْ أفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ المُعْجِزُ الَّذِي لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ، وبَّخَهم ووَقَفَهم عَلى تَدَبُّرِهِ وأنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، قالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وهو أعْظَمُ الدَّلائِلِ الباقِيَةِ عَلى غابِرِ الدَّهْرِ قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا ولا مُسْتَغْرَبًا بَلْ جاءَتِ الرُّسُلُ الأُمَمَ قَبْلَهم، وعَرَفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ واسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ، وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ، ورُوِيَ: لا تَسُبُّوا مُضَرَ، ولا رَبِيعَةَ، ولا الحارِثَ بْنَ كَعْبٍ، ولا أسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ولا تَمِيمَ بْنَ مُرَّةَ، ولا قُسًّا، وذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ وأنَّ تُبَّعًا كانَ مُسْلِمًا وكانَ عَلى شُرَطِهِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ (p-٤١٤)وبَّخَهم ثالِثًا بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وصِحَّةَ نَسَبِهِ وحُلُولَهُ في سِطَةِ هاشِمٍ وأمانَتَهُ وصِدْقَهُ وشَهامَتَهُ وعَقْلَهُ واتِّسامَهُ بِأنَّهُ خَيْرُ فِتْيانِ قُرَيْشٍ، وكَفى بِخُطْبَةِ أبِي طالِبٍ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وأنَّها احْتَوَتْ عَلى صِفاتٍ لَهُ طَرَقَتْ آذانَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تُنْكِرْ مِنها شَيْئًا أيْ قَدْ سَبَقَتْ مَعْرِفَتُهم لَهُ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَلا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِن أوْصافِهِ.
ثُمَّ وبَّخَهم رابِعًا بِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى الجِنِّ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا، وأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ كَلامِ ذِي الجِنَّةِ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن عَقْلٍ، وهَذِهِ التَّوْبِيخاتُ الأرْبَعُ كانَ يَقْتَضِي ما وُبِّخُوا بِهِ مِنها أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِانْقِيادِهِمْ إلى الحَقِّ؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِما جاءَ بِهِ والنَّظَرَ في سِيَرِ الماضِينَ وإرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ ومَعْرِفَةَ الرَّسُولِ ذاتًا وأوْصافًا وبَراءَتَهُ مِنَ الجُنُونِ هادٍ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْهِدايَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَهم بِما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْوائِهِمْ ولَمْ يُوافِقْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ الباطِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَدْفَعًا؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عامَلُوا بِالبُهْتِ وعَوَّلُوا عَلى الكَذِبِ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجُنُونِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ.
﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وما بِهِ النَّجاةُ في الآخِرَةِ والسُّؤْدُدُ في الدُّنْيا.
﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن لا يَكْرَهُ الحَقَّ وذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً واسْتِكْبارًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ أنْ يَقُولُوا: صَبَأ وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ.
﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ﴿ولَوُ اتَّبَعَ﴾ بِضَمِّ الواوِ، والظّاهِرُ أنَّهُ (الحَقُّ) الَّذِي ذُكِرَ قَبْلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ مُتَّبِعًا أهْواءَهم لانْقَلَبَ شَرًّا وجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَعْضَهُ بِلَفْظِهِ. وقالَ أيْضًا: دَلَّ بِهَذا عَلى عِظَمِ شَأْنِ الحَقِّ، فَلَوِ اتَّبَعَ أهْواءَهم لانْقَلَبَ باطِلًا ولَذَهَبَ ما يَقُومُ بِهِ العالَمُ فَلا يَبْقى لَهُ بَعْدَهُ قِوامٌ. وقِيلَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ مِنِ اتِّخاذِ شَرِيكٍ لِلَّهِ ووَلَدٍ وكانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ الصِّفاتُ العَلِيَّةُ ولَمْ تَكُنْ لَهُ القُدْرَةُ كَما هي، وكانَ في ذَلِكَ فَسادُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقِيلَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَقَّ في اتِّخاذِ الآلِهَةِ مَعَ اللَّهِ لَكِنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قُرِّرَ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقِيلَ: كانَتْ آراؤُهم مُتَناقِضَةً؛ فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ واخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. وقالَ قَتادَةُ (الحَقُّ) هُنا اللَّهُ تَعالى.
فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ كانَ اللَّهُ يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَأْمُرُ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي لَما كانَ إلَهًا، ولَما قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ السَّماواتِ والأرْضَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: إنَّ (الحَقَّ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكانَ قَدْ حَكاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وأبِي صالِحٍ، تَشَعَّبَ لَهُ لَفْظَةُ (اتَّبَعَ) وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ أهْواؤُهم يُقَرِّرُها الحَقُّ، فَنَحْنُ نَجِدُ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَرَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهم ولَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَماواتٍ، وأمّا نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَّوابُ، فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنُونِ العَظَمَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عَمَرَ ويُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِياءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو البَرَهْسَمِ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قُطَيْبٍ وأبُو رَجاءٍ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (آتَيْناهم) بِالمَدِّ، أيْ أعْطَيْناهم، والجُمْهُورُ ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهم؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ عِيسى ”بِذِكْراهم“ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَتادَةُ ”نَذْكُرُهم“ بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ ونِسْبَةُ الإتْيانِ الحَقِيقِيِّ إلى اللَّهِ لا تَصِحُّ، وإنَّما هو مَجازٌ أيْ بَلْ آتاهم كِتابُنا أوْ رَسُولُنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم وفَخْرُهم أوْ بِالذِّكْرِ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] .
﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ (p-٤١٥)أيْضًا المَعْنى بَلْ أتَسْألُهم مالًا فَغُلِبُوا لِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأحْسَنِ كَلامٍ فَقالَ (أمْ تَسْألُهم) عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، والكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ، فَقَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿خَرْجًا فَخَراجُ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] في الكَهْفِ قِراءَةً ومَدْلُولًا. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى (خَراجًا فَخَرْجُ) فَكَمُلَتْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أرْبَعُ قِراءاتٍ، وفي الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ أيْ ثَوابُهُ؛ لِأنَّهُ الباقِي وما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِهِ فانٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَعَطاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي لا لِحاجَةٍ وغَيْرُهُ يُعْطِي لِحاجَةٍ. وقِيلَ: فَرِزْقُهُ ويُؤَيِّدُهُ (خَيْرُ الرّازِقِينَ) . قالَ الجِبائِيُّ: (خَيْرُ الرّازِقِينَ) دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، انْتَهى. وهَذا مَدْلُولُ (خَيْرٍ) الَّذِي هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ومَدْلُولُ (الرّازِقِينَ) الَّذِي هو جَمْعٌ أُضِيفَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ.
ولَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ المَعادَ ناكِبٌ عَنْ هَذا الصِّراطِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلُكُهُ إلّا مَن كانَ راجِيًا لِلثَّوابِ خائِفًا مِنَ العِقابِ، وهَؤُلاءِ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالجَزاءِ فَهم مائِلُونَ عَنْهُ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ هو طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ هو في الآخِرَةِ ناكِبُونَ عَنْهُ بِأخْذِهِمْ يَمْنَةً ويَسْرَةً إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ. وقالَ الحَسَنُ: تارِكُونَ لَهُ. وقالَ قَتادَةُ: حائِرُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُعْرِضُونَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ قِيلَ: هو الجُوعُ. وقِيلَ: القَتْلُ والسَّبْيُ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّمَرُّدِ والعِنادِ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ البُعْدِ، وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ؛ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّعْلِيقَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتَشْهَدَ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ ولَجاجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ رَحْمَتِهِ لَهم بِأنَّهُ أخَذَهم بِالسُّيُوفِ أوَّلًا، وبِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ، فَما وُجِدَتْ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِكانَةٌ ولا تَضَرُّعٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ فَأُبْلِسُوا وخَضَعَتْ رِقابُهم. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الضَّمِيرَ هو القَحْطُ والجُوعُ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مُنِعَ المِيرَةَ مِن أهْلِ مَكَّةَ»، فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ فَقالَ: ”بَلى“ فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، والأبْناءَ بِالجُوعِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى لَوْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهم هَذا الضُّرَّ، وهو الهُزالُ والقَحْطُ الَّذِي أصابَهم ووَجَدُوا الخِصْبَ، لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وإفْراطِهِمْ فِيها. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ امْتَحَنّاهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والجُوعِ فَما رُئِيَ فِيهِمِ اسْتِكانَةٌ ولا انْقِيادٌ حَتّى إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ أُبْلِسُوا، كَقَوْلِهِ (p-٤١٦)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَتْحُ لِبابِ العَذابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ في الدُّنْيا.
ووَزْنُ اسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ أيِ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كَما تَقُولُ: اسْتَحالَ انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ اسْتَكانَ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ وأنَّ الألِفَ إشْباعٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِهِ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ
؛ ولِأنَّ الإشْباعَ لا يَكُونُ في تَصارِيفِ الكَلِمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن أشْبَعَ في قَوْلِهِ:
؎ومِن ذَمِّ الزَّمانِ بِمُنْتَزاحِ
لا تَقُولُ انْتِزاحَ يَنْتَزِيحُ فَهو مُنْتَزِيحٌ، وأنْتَ تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ، ومَجِيءُ مَصْدَرِهِ اسْتِكانَةً يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ كاسْتَقامَ اسْتِقامَةً، وتَخالَفَ (اسْتَكانُوا) و(يَتَضَرَّعُونَ) في الصِّيغَةِ فَلَمْ يَكُونا ماضِيَيْنِ ولا مُضارِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ المَعْنى مَحَنّاهم فَما وُجِدَتْ مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةٌ، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَسْتَكِينُوا ويَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
والمُبْلِسُ: الآيِسُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي نالَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مُبْلَسُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ.
المؤمنون 23:74
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى تَوْبِيخَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والقَوْلِ القُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أيْ أفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ المُعْجِزُ الَّذِي لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ، وبَّخَهم ووَقَفَهم عَلى تَدَبُّرِهِ وأنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، قالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وهو أعْظَمُ الدَّلائِلِ الباقِيَةِ عَلى غابِرِ الدَّهْرِ قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا ولا مُسْتَغْرَبًا بَلْ جاءَتِ الرُّسُلُ الأُمَمَ قَبْلَهم، وعَرَفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ واسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ، وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ، ورُوِيَ: لا تَسُبُّوا مُضَرَ، ولا رَبِيعَةَ، ولا الحارِثَ بْنَ كَعْبٍ، ولا أسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ولا تَمِيمَ بْنَ مُرَّةَ، ولا قُسًّا، وذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ وأنَّ تُبَّعًا كانَ مُسْلِمًا وكانَ عَلى شُرَطِهِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ (p-٤١٤)وبَّخَهم ثالِثًا بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وصِحَّةَ نَسَبِهِ وحُلُولَهُ في سِطَةِ هاشِمٍ وأمانَتَهُ وصِدْقَهُ وشَهامَتَهُ وعَقْلَهُ واتِّسامَهُ بِأنَّهُ خَيْرُ فِتْيانِ قُرَيْشٍ، وكَفى بِخُطْبَةِ أبِي طالِبٍ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وأنَّها احْتَوَتْ عَلى صِفاتٍ لَهُ طَرَقَتْ آذانَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تُنْكِرْ مِنها شَيْئًا أيْ قَدْ سَبَقَتْ مَعْرِفَتُهم لَهُ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَلا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِن أوْصافِهِ.
ثُمَّ وبَّخَهم رابِعًا بِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى الجِنِّ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا، وأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ كَلامِ ذِي الجِنَّةِ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن عَقْلٍ، وهَذِهِ التَّوْبِيخاتُ الأرْبَعُ كانَ يَقْتَضِي ما وُبِّخُوا بِهِ مِنها أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِانْقِيادِهِمْ إلى الحَقِّ؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِما جاءَ بِهِ والنَّظَرَ في سِيَرِ الماضِينَ وإرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ ومَعْرِفَةَ الرَّسُولِ ذاتًا وأوْصافًا وبَراءَتَهُ مِنَ الجُنُونِ هادٍ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْهِدايَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَهم بِما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْوائِهِمْ ولَمْ يُوافِقْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ الباطِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَدْفَعًا؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عامَلُوا بِالبُهْتِ وعَوَّلُوا عَلى الكَذِبِ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجُنُونِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ.
﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وما بِهِ النَّجاةُ في الآخِرَةِ والسُّؤْدُدُ في الدُّنْيا.
﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن لا يَكْرَهُ الحَقَّ وذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً واسْتِكْبارًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ أنْ يَقُولُوا: صَبَأ وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ.
﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ﴿ولَوُ اتَّبَعَ﴾ بِضَمِّ الواوِ، والظّاهِرُ أنَّهُ (الحَقُّ) الَّذِي ذُكِرَ قَبْلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ مُتَّبِعًا أهْواءَهم لانْقَلَبَ شَرًّا وجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَعْضَهُ بِلَفْظِهِ. وقالَ أيْضًا: دَلَّ بِهَذا عَلى عِظَمِ شَأْنِ الحَقِّ، فَلَوِ اتَّبَعَ أهْواءَهم لانْقَلَبَ باطِلًا ولَذَهَبَ ما يَقُومُ بِهِ العالَمُ فَلا يَبْقى لَهُ بَعْدَهُ قِوامٌ. وقِيلَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ مِنِ اتِّخاذِ شَرِيكٍ لِلَّهِ ووَلَدٍ وكانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ الصِّفاتُ العَلِيَّةُ ولَمْ تَكُنْ لَهُ القُدْرَةُ كَما هي، وكانَ في ذَلِكَ فَسادُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقِيلَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَقَّ في اتِّخاذِ الآلِهَةِ مَعَ اللَّهِ لَكِنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قُرِّرَ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقِيلَ: كانَتْ آراؤُهم مُتَناقِضَةً؛ فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ واخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. وقالَ قَتادَةُ (الحَقُّ) هُنا اللَّهُ تَعالى.
فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ كانَ اللَّهُ يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَأْمُرُ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي لَما كانَ إلَهًا، ولَما قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ السَّماواتِ والأرْضَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: إنَّ (الحَقَّ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكانَ قَدْ حَكاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وأبِي صالِحٍ، تَشَعَّبَ لَهُ لَفْظَةُ (اتَّبَعَ) وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ أهْواؤُهم يُقَرِّرُها الحَقُّ، فَنَحْنُ نَجِدُ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَرَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهم ولَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَماواتٍ، وأمّا نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَّوابُ، فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنُونِ العَظَمَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عَمَرَ ويُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِياءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو البَرَهْسَمِ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قُطَيْبٍ وأبُو رَجاءٍ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (آتَيْناهم) بِالمَدِّ، أيْ أعْطَيْناهم، والجُمْهُورُ ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهم؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ عِيسى ”بِذِكْراهم“ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَتادَةُ ”نَذْكُرُهم“ بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ ونِسْبَةُ الإتْيانِ الحَقِيقِيِّ إلى اللَّهِ لا تَصِحُّ، وإنَّما هو مَجازٌ أيْ بَلْ آتاهم كِتابُنا أوْ رَسُولُنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم وفَخْرُهم أوْ بِالذِّكْرِ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] .
﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ (p-٤١٥)أيْضًا المَعْنى بَلْ أتَسْألُهم مالًا فَغُلِبُوا لِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأحْسَنِ كَلامٍ فَقالَ (أمْ تَسْألُهم) عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، والكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ، فَقَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿خَرْجًا فَخَراجُ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] في الكَهْفِ قِراءَةً ومَدْلُولًا. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى (خَراجًا فَخَرْجُ) فَكَمُلَتْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أرْبَعُ قِراءاتٍ، وفي الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ أيْ ثَوابُهُ؛ لِأنَّهُ الباقِي وما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِهِ فانٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَعَطاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي لا لِحاجَةٍ وغَيْرُهُ يُعْطِي لِحاجَةٍ. وقِيلَ: فَرِزْقُهُ ويُؤَيِّدُهُ (خَيْرُ الرّازِقِينَ) . قالَ الجِبائِيُّ: (خَيْرُ الرّازِقِينَ) دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، انْتَهى. وهَذا مَدْلُولُ (خَيْرٍ) الَّذِي هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ومَدْلُولُ (الرّازِقِينَ) الَّذِي هو جَمْعٌ أُضِيفَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ.
ولَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ المَعادَ ناكِبٌ عَنْ هَذا الصِّراطِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلُكُهُ إلّا مَن كانَ راجِيًا لِلثَّوابِ خائِفًا مِنَ العِقابِ، وهَؤُلاءِ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالجَزاءِ فَهم مائِلُونَ عَنْهُ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ هو طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ هو في الآخِرَةِ ناكِبُونَ عَنْهُ بِأخْذِهِمْ يَمْنَةً ويَسْرَةً إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ. وقالَ الحَسَنُ: تارِكُونَ لَهُ. وقالَ قَتادَةُ: حائِرُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُعْرِضُونَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ قِيلَ: هو الجُوعُ. وقِيلَ: القَتْلُ والسَّبْيُ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّمَرُّدِ والعِنادِ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ البُعْدِ، وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ؛ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّعْلِيقَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتَشْهَدَ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ ولَجاجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ رَحْمَتِهِ لَهم بِأنَّهُ أخَذَهم بِالسُّيُوفِ أوَّلًا، وبِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ، فَما وُجِدَتْ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِكانَةٌ ولا تَضَرُّعٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ فَأُبْلِسُوا وخَضَعَتْ رِقابُهم. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الضَّمِيرَ هو القَحْطُ والجُوعُ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مُنِعَ المِيرَةَ مِن أهْلِ مَكَّةَ»، فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ فَقالَ: ”بَلى“ فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، والأبْناءَ بِالجُوعِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى لَوْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهم هَذا الضُّرَّ، وهو الهُزالُ والقَحْطُ الَّذِي أصابَهم ووَجَدُوا الخِصْبَ، لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وإفْراطِهِمْ فِيها. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ امْتَحَنّاهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والجُوعِ فَما رُئِيَ فِيهِمِ اسْتِكانَةٌ ولا انْقِيادٌ حَتّى إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ أُبْلِسُوا، كَقَوْلِهِ (p-٤١٦)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَتْحُ لِبابِ العَذابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ في الدُّنْيا.
ووَزْنُ اسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ أيِ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كَما تَقُولُ: اسْتَحالَ انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ اسْتَكانَ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ وأنَّ الألِفَ إشْباعٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِهِ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ
؛ ولِأنَّ الإشْباعَ لا يَكُونُ في تَصارِيفِ الكَلِمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن أشْبَعَ في قَوْلِهِ:
؎ومِن ذَمِّ الزَّمانِ بِمُنْتَزاحِ
لا تَقُولُ انْتِزاحَ يَنْتَزِيحُ فَهو مُنْتَزِيحٌ، وأنْتَ تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ، ومَجِيءُ مَصْدَرِهِ اسْتِكانَةً يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ كاسْتَقامَ اسْتِقامَةً، وتَخالَفَ (اسْتَكانُوا) و(يَتَضَرَّعُونَ) في الصِّيغَةِ فَلَمْ يَكُونا ماضِيَيْنِ ولا مُضارِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ المَعْنى مَحَنّاهم فَما وُجِدَتْ مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةٌ، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَسْتَكِينُوا ويَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
والمُبْلِسُ: الآيِسُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي نالَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مُبْلَسُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ.
المؤمنون 23:75
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى تَوْبِيخَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والقَوْلِ القُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أيْ أفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ المُعْجِزُ الَّذِي لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ، وبَّخَهم ووَقَفَهم عَلى تَدَبُّرِهِ وأنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، قالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وهو أعْظَمُ الدَّلائِلِ الباقِيَةِ عَلى غابِرِ الدَّهْرِ قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا ولا مُسْتَغْرَبًا بَلْ جاءَتِ الرُّسُلُ الأُمَمَ قَبْلَهم، وعَرَفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ واسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ، وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ، ورُوِيَ: لا تَسُبُّوا مُضَرَ، ولا رَبِيعَةَ، ولا الحارِثَ بْنَ كَعْبٍ، ولا أسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ولا تَمِيمَ بْنَ مُرَّةَ، ولا قُسًّا، وذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ وأنَّ تُبَّعًا كانَ مُسْلِمًا وكانَ عَلى شُرَطِهِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ (p-٤١٤)وبَّخَهم ثالِثًا بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وصِحَّةَ نَسَبِهِ وحُلُولَهُ في سِطَةِ هاشِمٍ وأمانَتَهُ وصِدْقَهُ وشَهامَتَهُ وعَقْلَهُ واتِّسامَهُ بِأنَّهُ خَيْرُ فِتْيانِ قُرَيْشٍ، وكَفى بِخُطْبَةِ أبِي طالِبٍ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وأنَّها احْتَوَتْ عَلى صِفاتٍ لَهُ طَرَقَتْ آذانَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تُنْكِرْ مِنها شَيْئًا أيْ قَدْ سَبَقَتْ مَعْرِفَتُهم لَهُ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَلا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِن أوْصافِهِ.
ثُمَّ وبَّخَهم رابِعًا بِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى الجِنِّ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا، وأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ كَلامِ ذِي الجِنَّةِ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن عَقْلٍ، وهَذِهِ التَّوْبِيخاتُ الأرْبَعُ كانَ يَقْتَضِي ما وُبِّخُوا بِهِ مِنها أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِانْقِيادِهِمْ إلى الحَقِّ؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِما جاءَ بِهِ والنَّظَرَ في سِيَرِ الماضِينَ وإرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ ومَعْرِفَةَ الرَّسُولِ ذاتًا وأوْصافًا وبَراءَتَهُ مِنَ الجُنُونِ هادٍ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْهِدايَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَهم بِما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْوائِهِمْ ولَمْ يُوافِقْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ الباطِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَدْفَعًا؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عامَلُوا بِالبُهْتِ وعَوَّلُوا عَلى الكَذِبِ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجُنُونِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ.
﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وما بِهِ النَّجاةُ في الآخِرَةِ والسُّؤْدُدُ في الدُّنْيا.
﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن لا يَكْرَهُ الحَقَّ وذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً واسْتِكْبارًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ أنْ يَقُولُوا: صَبَأ وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ.
﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ﴿ولَوُ اتَّبَعَ﴾ بِضَمِّ الواوِ، والظّاهِرُ أنَّهُ (الحَقُّ) الَّذِي ذُكِرَ قَبْلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ مُتَّبِعًا أهْواءَهم لانْقَلَبَ شَرًّا وجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَعْضَهُ بِلَفْظِهِ. وقالَ أيْضًا: دَلَّ بِهَذا عَلى عِظَمِ شَأْنِ الحَقِّ، فَلَوِ اتَّبَعَ أهْواءَهم لانْقَلَبَ باطِلًا ولَذَهَبَ ما يَقُومُ بِهِ العالَمُ فَلا يَبْقى لَهُ بَعْدَهُ قِوامٌ. وقِيلَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ مِنِ اتِّخاذِ شَرِيكٍ لِلَّهِ ووَلَدٍ وكانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ الصِّفاتُ العَلِيَّةُ ولَمْ تَكُنْ لَهُ القُدْرَةُ كَما هي، وكانَ في ذَلِكَ فَسادُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقِيلَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَقَّ في اتِّخاذِ الآلِهَةِ مَعَ اللَّهِ لَكِنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قُرِّرَ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقِيلَ: كانَتْ آراؤُهم مُتَناقِضَةً؛ فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ واخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. وقالَ قَتادَةُ (الحَقُّ) هُنا اللَّهُ تَعالى.
فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ كانَ اللَّهُ يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَأْمُرُ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي لَما كانَ إلَهًا، ولَما قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ السَّماواتِ والأرْضَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: إنَّ (الحَقَّ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكانَ قَدْ حَكاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وأبِي صالِحٍ، تَشَعَّبَ لَهُ لَفْظَةُ (اتَّبَعَ) وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ أهْواؤُهم يُقَرِّرُها الحَقُّ، فَنَحْنُ نَجِدُ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَرَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهم ولَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَماواتٍ، وأمّا نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَّوابُ، فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنُونِ العَظَمَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عَمَرَ ويُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِياءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو البَرَهْسَمِ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قُطَيْبٍ وأبُو رَجاءٍ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (آتَيْناهم) بِالمَدِّ، أيْ أعْطَيْناهم، والجُمْهُورُ ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهم؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ عِيسى ”بِذِكْراهم“ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَتادَةُ ”نَذْكُرُهم“ بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ ونِسْبَةُ الإتْيانِ الحَقِيقِيِّ إلى اللَّهِ لا تَصِحُّ، وإنَّما هو مَجازٌ أيْ بَلْ آتاهم كِتابُنا أوْ رَسُولُنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم وفَخْرُهم أوْ بِالذِّكْرِ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] .
﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ (p-٤١٥)أيْضًا المَعْنى بَلْ أتَسْألُهم مالًا فَغُلِبُوا لِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأحْسَنِ كَلامٍ فَقالَ (أمْ تَسْألُهم) عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، والكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ، فَقَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿خَرْجًا فَخَراجُ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] في الكَهْفِ قِراءَةً ومَدْلُولًا. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى (خَراجًا فَخَرْجُ) فَكَمُلَتْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أرْبَعُ قِراءاتٍ، وفي الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ أيْ ثَوابُهُ؛ لِأنَّهُ الباقِي وما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِهِ فانٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَعَطاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي لا لِحاجَةٍ وغَيْرُهُ يُعْطِي لِحاجَةٍ. وقِيلَ: فَرِزْقُهُ ويُؤَيِّدُهُ (خَيْرُ الرّازِقِينَ) . قالَ الجِبائِيُّ: (خَيْرُ الرّازِقِينَ) دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، انْتَهى. وهَذا مَدْلُولُ (خَيْرٍ) الَّذِي هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ومَدْلُولُ (الرّازِقِينَ) الَّذِي هو جَمْعٌ أُضِيفَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ.
ولَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ المَعادَ ناكِبٌ عَنْ هَذا الصِّراطِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلُكُهُ إلّا مَن كانَ راجِيًا لِلثَّوابِ خائِفًا مِنَ العِقابِ، وهَؤُلاءِ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالجَزاءِ فَهم مائِلُونَ عَنْهُ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ هو طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ هو في الآخِرَةِ ناكِبُونَ عَنْهُ بِأخْذِهِمْ يَمْنَةً ويَسْرَةً إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ. وقالَ الحَسَنُ: تارِكُونَ لَهُ. وقالَ قَتادَةُ: حائِرُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُعْرِضُونَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ قِيلَ: هو الجُوعُ. وقِيلَ: القَتْلُ والسَّبْيُ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّمَرُّدِ والعِنادِ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ البُعْدِ، وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ؛ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّعْلِيقَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتَشْهَدَ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ ولَجاجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ رَحْمَتِهِ لَهم بِأنَّهُ أخَذَهم بِالسُّيُوفِ أوَّلًا، وبِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ، فَما وُجِدَتْ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِكانَةٌ ولا تَضَرُّعٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ فَأُبْلِسُوا وخَضَعَتْ رِقابُهم. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الضَّمِيرَ هو القَحْطُ والجُوعُ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مُنِعَ المِيرَةَ مِن أهْلِ مَكَّةَ»، فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ فَقالَ: ”بَلى“ فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، والأبْناءَ بِالجُوعِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى لَوْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهم هَذا الضُّرَّ، وهو الهُزالُ والقَحْطُ الَّذِي أصابَهم ووَجَدُوا الخِصْبَ، لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وإفْراطِهِمْ فِيها. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ امْتَحَنّاهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والجُوعِ فَما رُئِيَ فِيهِمِ اسْتِكانَةٌ ولا انْقِيادٌ حَتّى إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ أُبْلِسُوا، كَقَوْلِهِ (p-٤١٦)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَتْحُ لِبابِ العَذابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ في الدُّنْيا.
ووَزْنُ اسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ أيِ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كَما تَقُولُ: اسْتَحالَ انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ اسْتَكانَ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ وأنَّ الألِفَ إشْباعٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِهِ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ
؛ ولِأنَّ الإشْباعَ لا يَكُونُ في تَصارِيفِ الكَلِمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن أشْبَعَ في قَوْلِهِ:
؎ومِن ذَمِّ الزَّمانِ بِمُنْتَزاحِ
لا تَقُولُ انْتِزاحَ يَنْتَزِيحُ فَهو مُنْتَزِيحٌ، وأنْتَ تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ، ومَجِيءُ مَصْدَرِهِ اسْتِكانَةً يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ كاسْتَقامَ اسْتِقامَةً، وتَخالَفَ (اسْتَكانُوا) و(يَتَضَرَّعُونَ) في الصِّيغَةِ فَلَمْ يَكُونا ماضِيَيْنِ ولا مُضارِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ المَعْنى مَحَنّاهم فَما وُجِدَتْ مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةٌ، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَسْتَكِينُوا ويَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
والمُبْلِسُ: الآيِسُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي نالَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مُبْلَسُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ.
المؤمنون 23:76
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى تَوْبِيخَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والقَوْلِ القُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أيْ أفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ المُعْجِزُ الَّذِي لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ، وبَّخَهم ووَقَفَهم عَلى تَدَبُّرِهِ وأنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، قالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وهو أعْظَمُ الدَّلائِلِ الباقِيَةِ عَلى غابِرِ الدَّهْرِ قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا ولا مُسْتَغْرَبًا بَلْ جاءَتِ الرُّسُلُ الأُمَمَ قَبْلَهم، وعَرَفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ واسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ، وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ، ورُوِيَ: لا تَسُبُّوا مُضَرَ، ولا رَبِيعَةَ، ولا الحارِثَ بْنَ كَعْبٍ، ولا أسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ولا تَمِيمَ بْنَ مُرَّةَ، ولا قُسًّا، وذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ وأنَّ تُبَّعًا كانَ مُسْلِمًا وكانَ عَلى شُرَطِهِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ (p-٤١٤)وبَّخَهم ثالِثًا بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وصِحَّةَ نَسَبِهِ وحُلُولَهُ في سِطَةِ هاشِمٍ وأمانَتَهُ وصِدْقَهُ وشَهامَتَهُ وعَقْلَهُ واتِّسامَهُ بِأنَّهُ خَيْرُ فِتْيانِ قُرَيْشٍ، وكَفى بِخُطْبَةِ أبِي طالِبٍ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وأنَّها احْتَوَتْ عَلى صِفاتٍ لَهُ طَرَقَتْ آذانَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تُنْكِرْ مِنها شَيْئًا أيْ قَدْ سَبَقَتْ مَعْرِفَتُهم لَهُ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَلا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِن أوْصافِهِ.
ثُمَّ وبَّخَهم رابِعًا بِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى الجِنِّ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا، وأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ كَلامِ ذِي الجِنَّةِ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن عَقْلٍ، وهَذِهِ التَّوْبِيخاتُ الأرْبَعُ كانَ يَقْتَضِي ما وُبِّخُوا بِهِ مِنها أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِانْقِيادِهِمْ إلى الحَقِّ؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِما جاءَ بِهِ والنَّظَرَ في سِيَرِ الماضِينَ وإرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ ومَعْرِفَةَ الرَّسُولِ ذاتًا وأوْصافًا وبَراءَتَهُ مِنَ الجُنُونِ هادٍ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْهِدايَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَهم بِما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْوائِهِمْ ولَمْ يُوافِقْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ الباطِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَدْفَعًا؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عامَلُوا بِالبُهْتِ وعَوَّلُوا عَلى الكَذِبِ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجُنُونِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ.
﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وما بِهِ النَّجاةُ في الآخِرَةِ والسُّؤْدُدُ في الدُّنْيا.
﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن لا يَكْرَهُ الحَقَّ وذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً واسْتِكْبارًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ أنْ يَقُولُوا: صَبَأ وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ.
﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ﴿ولَوُ اتَّبَعَ﴾ بِضَمِّ الواوِ، والظّاهِرُ أنَّهُ (الحَقُّ) الَّذِي ذُكِرَ قَبْلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ مُتَّبِعًا أهْواءَهم لانْقَلَبَ شَرًّا وجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَعْضَهُ بِلَفْظِهِ. وقالَ أيْضًا: دَلَّ بِهَذا عَلى عِظَمِ شَأْنِ الحَقِّ، فَلَوِ اتَّبَعَ أهْواءَهم لانْقَلَبَ باطِلًا ولَذَهَبَ ما يَقُومُ بِهِ العالَمُ فَلا يَبْقى لَهُ بَعْدَهُ قِوامٌ. وقِيلَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ مِنِ اتِّخاذِ شَرِيكٍ لِلَّهِ ووَلَدٍ وكانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ الصِّفاتُ العَلِيَّةُ ولَمْ تَكُنْ لَهُ القُدْرَةُ كَما هي، وكانَ في ذَلِكَ فَسادُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقِيلَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَقَّ في اتِّخاذِ الآلِهَةِ مَعَ اللَّهِ لَكِنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قُرِّرَ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقِيلَ: كانَتْ آراؤُهم مُتَناقِضَةً؛ فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ واخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. وقالَ قَتادَةُ (الحَقُّ) هُنا اللَّهُ تَعالى.
فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ كانَ اللَّهُ يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَأْمُرُ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي لَما كانَ إلَهًا، ولَما قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ السَّماواتِ والأرْضَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: إنَّ (الحَقَّ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكانَ قَدْ حَكاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وأبِي صالِحٍ، تَشَعَّبَ لَهُ لَفْظَةُ (اتَّبَعَ) وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ أهْواؤُهم يُقَرِّرُها الحَقُّ، فَنَحْنُ نَجِدُ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَرَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهم ولَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَماواتٍ، وأمّا نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَّوابُ، فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنُونِ العَظَمَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عَمَرَ ويُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِياءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو البَرَهْسَمِ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قُطَيْبٍ وأبُو رَجاءٍ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (آتَيْناهم) بِالمَدِّ، أيْ أعْطَيْناهم، والجُمْهُورُ ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهم؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ عِيسى ”بِذِكْراهم“ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَتادَةُ ”نَذْكُرُهم“ بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ ونِسْبَةُ الإتْيانِ الحَقِيقِيِّ إلى اللَّهِ لا تَصِحُّ، وإنَّما هو مَجازٌ أيْ بَلْ آتاهم كِتابُنا أوْ رَسُولُنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم وفَخْرُهم أوْ بِالذِّكْرِ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] .
﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ (p-٤١٥)أيْضًا المَعْنى بَلْ أتَسْألُهم مالًا فَغُلِبُوا لِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأحْسَنِ كَلامٍ فَقالَ (أمْ تَسْألُهم) عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، والكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ، فَقَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿خَرْجًا فَخَراجُ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] في الكَهْفِ قِراءَةً ومَدْلُولًا. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى (خَراجًا فَخَرْجُ) فَكَمُلَتْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أرْبَعُ قِراءاتٍ، وفي الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ أيْ ثَوابُهُ؛ لِأنَّهُ الباقِي وما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِهِ فانٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَعَطاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي لا لِحاجَةٍ وغَيْرُهُ يُعْطِي لِحاجَةٍ. وقِيلَ: فَرِزْقُهُ ويُؤَيِّدُهُ (خَيْرُ الرّازِقِينَ) . قالَ الجِبائِيُّ: (خَيْرُ الرّازِقِينَ) دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، انْتَهى. وهَذا مَدْلُولُ (خَيْرٍ) الَّذِي هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ومَدْلُولُ (الرّازِقِينَ) الَّذِي هو جَمْعٌ أُضِيفَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ.
ولَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ المَعادَ ناكِبٌ عَنْ هَذا الصِّراطِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلُكُهُ إلّا مَن كانَ راجِيًا لِلثَّوابِ خائِفًا مِنَ العِقابِ، وهَؤُلاءِ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالجَزاءِ فَهم مائِلُونَ عَنْهُ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ هو طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ هو في الآخِرَةِ ناكِبُونَ عَنْهُ بِأخْذِهِمْ يَمْنَةً ويَسْرَةً إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ. وقالَ الحَسَنُ: تارِكُونَ لَهُ. وقالَ قَتادَةُ: حائِرُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُعْرِضُونَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ قِيلَ: هو الجُوعُ. وقِيلَ: القَتْلُ والسَّبْيُ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّمَرُّدِ والعِنادِ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ البُعْدِ، وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ؛ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّعْلِيقَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتَشْهَدَ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ ولَجاجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ رَحْمَتِهِ لَهم بِأنَّهُ أخَذَهم بِالسُّيُوفِ أوَّلًا، وبِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ، فَما وُجِدَتْ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِكانَةٌ ولا تَضَرُّعٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ فَأُبْلِسُوا وخَضَعَتْ رِقابُهم. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الضَّمِيرَ هو القَحْطُ والجُوعُ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مُنِعَ المِيرَةَ مِن أهْلِ مَكَّةَ»، فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ فَقالَ: ”بَلى“ فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، والأبْناءَ بِالجُوعِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى لَوْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهم هَذا الضُّرَّ، وهو الهُزالُ والقَحْطُ الَّذِي أصابَهم ووَجَدُوا الخِصْبَ، لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وإفْراطِهِمْ فِيها. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ امْتَحَنّاهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والجُوعِ فَما رُئِيَ فِيهِمِ اسْتِكانَةٌ ولا انْقِيادٌ حَتّى إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ أُبْلِسُوا، كَقَوْلِهِ (p-٤١٦)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَتْحُ لِبابِ العَذابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ في الدُّنْيا.
ووَزْنُ اسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ أيِ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كَما تَقُولُ: اسْتَحالَ انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ اسْتَكانَ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ وأنَّ الألِفَ إشْباعٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِهِ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ
؛ ولِأنَّ الإشْباعَ لا يَكُونُ في تَصارِيفِ الكَلِمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن أشْبَعَ في قَوْلِهِ:
؎ومِن ذَمِّ الزَّمانِ بِمُنْتَزاحِ
لا تَقُولُ انْتِزاحَ يَنْتَزِيحُ فَهو مُنْتَزِيحٌ، وأنْتَ تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ، ومَجِيءُ مَصْدَرِهِ اسْتِكانَةً يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ كاسْتَقامَ اسْتِقامَةً، وتَخالَفَ (اسْتَكانُوا) و(يَتَضَرَّعُونَ) في الصِّيغَةِ فَلَمْ يَكُونا ماضِيَيْنِ ولا مُضارِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ المَعْنى مَحَنّاهم فَما وُجِدَتْ مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةٌ، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَسْتَكِينُوا ويَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
والمُبْلِسُ: الآيِسُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي نالَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مُبْلَسُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ.
المؤمنون 23:77
﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى تَوْبِيخَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ والقَوْلِ القُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أيْ أفَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ المُعْجِزُ الَّذِي لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ فَيُصَدِّقُوا بِهِ وبِمَن جاءَ بِهِ، وبَّخَهم ووَقَفَهم عَلى تَدَبُّرِهِ وأنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، قالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وهو أعْظَمُ الدَّلائِلِ الباقِيَةِ عَلى غابِرِ الدَّهْرِ قَرَّعَهم أوَّلًا بِتَرْكِ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ ثُمَّ ثانِيًا بِأنَّ ما جاءَهم جاءَ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ، أيْ إرْسالُ الرُّسُلِ لَيْسَ بِدْعًا ولا مُسْتَغْرَبًا بَلْ جاءَتِ الرُّسُلُ الأُمَمَ قَبْلَهم، وعَرَفُوا ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ ونَجاةِ مَن آمَنَ واسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَ، وآباؤُهم إسْماعِيلُ وأعْقابُهُ مِن عَدْنانَ وقَحْطانَ، ورُوِيَ: لا تَسُبُّوا مُضَرَ، ولا رَبِيعَةَ، ولا الحارِثَ بْنَ كَعْبٍ، ولا أسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ولا تَمِيمَ بْنَ مُرَّةَ، ولا قُسًّا، وذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ وأنَّ تُبَّعًا كانَ مُسْلِمًا وكانَ عَلى شُرَطِهِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ (p-٤١٤)وبَّخَهم ثالِثًا بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وصِحَّةَ نَسَبِهِ وحُلُولَهُ في سِطَةِ هاشِمٍ وأمانَتَهُ وصِدْقَهُ وشَهامَتَهُ وعَقْلَهُ واتِّسامَهُ بِأنَّهُ خَيْرُ فِتْيانِ قُرَيْشٍ، وكَفى بِخُطْبَةِ أبِي طالِبٍ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وأنَّها احْتَوَتْ عَلى صِفاتٍ لَهُ طَرَقَتْ آذانَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تُنْكِرْ مِنها شَيْئًا أيْ قَدْ سَبَقَتْ مَعْرِفَتُهم لَهُ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَلا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِن أوْصافِهِ.
ثُمَّ وبَّخَهم رابِعًا بِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى الجِنِّ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا وأثْقَبُهم ذِهْنًا، وأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ كَلامِ ذِي الجِنَّةِ غَيْرُ خافٍ عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن عَقْلٍ، وهَذِهِ التَّوْبِيخاتُ الأرْبَعُ كانَ يَقْتَضِي ما وُبِّخُوا بِهِ مِنها أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِانْقِيادِهِمْ إلى الحَقِّ؛ لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِما جاءَ بِهِ والنَّظَرَ في سِيَرِ الماضِينَ وإرْسالَ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ ومَعْرِفَةَ الرَّسُولِ ذاتًا وأوْصافًا وبَراءَتَهُ مِنَ الجُنُونِ هادٍ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْهِدايَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَهم بِما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْوائِهِمْ ولَمْ يُوافِقْ ما نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ الباطِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَدْفَعًا؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عامَلُوا بِالبُهْتِ وعَوَّلُوا عَلى الكَذِبِ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجُنُونِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ.
﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وما بِهِ النَّجاةُ في الآخِرَةِ والسُّؤْدُدُ في الدُّنْيا.
﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن لا يَكْرَهُ الحَقَّ وذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً واسْتِكْبارًا مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ أنْ يَقُولُوا: صَبَأ وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ.
﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ﴿ولَوُ اتَّبَعَ﴾ بِضَمِّ الواوِ، والظّاهِرُ أنَّهُ (الحَقُّ) الَّذِي ذُكِرَ قَبْلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ مُتَّبِعًا أهْواءَهم لانْقَلَبَ شَرًّا وجاءَ اللَّهُ بِالقِيامَةِ وأهْلَكَ العالَمَ ولَمْ يُؤَخِّرْ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَعْضَهُ بِلَفْظِهِ. وقالَ أيْضًا: دَلَّ بِهَذا عَلى عِظَمِ شَأْنِ الحَقِّ، فَلَوِ اتَّبَعَ أهْواءَهم لانْقَلَبَ باطِلًا ولَذَهَبَ ما يَقُومُ بِهِ العالَمُ فَلا يَبْقى لَهُ بَعْدَهُ قِوامٌ. وقِيلَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ مِنِ اتِّخاذِ شَرِيكٍ لِلَّهِ ووَلَدٍ وكانَ ذَلِكَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ الصِّفاتُ العَلِيَّةُ ولَمْ تَكُنْ لَهُ القُدْرَةُ كَما هي، وكانَ في ذَلِكَ فَسادُ السَّماواتِ والأرْضِ. وقِيلَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَقَّ في اتِّخاذِ الآلِهَةِ مَعَ اللَّهِ لَكِنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قُرِّرَ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقِيلَ: كانَتْ آراؤُهم مُتَناقِضَةً؛ فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ واخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. وقالَ قَتادَةُ (الحَقُّ) هُنا اللَّهُ تَعالى.
فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولَوْ كانَ اللَّهُ يَتَّبِعُ أهْواءَهم ويَأْمُرُ بِالشِّرْكِ والمَعاصِي لَما كانَ إلَهًا، ولَما قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ السَّماواتِ والأرْضَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: إنَّ (الحَقَّ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكانَ قَدْ حَكاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وأبِي صالِحٍ، تَشَعَّبَ لَهُ لَفْظَةُ (اتَّبَعَ) وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ أهْواؤُهم يُقَرِّرُها الحَقُّ، فَنَحْنُ نَجِدُ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَرَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهم ولَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَماواتٍ، وأمّا نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَّوابُ، فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ فَتَأمَّلْهُ، انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنُونِ العَظَمَةِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عَمَرَ ويُونُسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو بِياءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى أيْضًا وأبُو البَرَهْسَمِ وأبُو حَيْوَةَ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ قُطَيْبٍ وأبُو رَجاءٍ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (آتَيْناهم) بِالمَدِّ، أيْ أعْطَيْناهم، والجُمْهُورُ ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهم؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ عِيسى ”بِذِكْراهم“ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَتادَةُ ”نَذْكُرُهم“ بِالنُّونِ مُضارِعُ ذَكَرَ ونِسْبَةُ الإتْيانِ الحَقِيقِيِّ إلى اللَّهِ لا تَصِحُّ، وإنَّما هو مَجازٌ أيْ بَلْ آتاهم كِتابُنا أوْ رَسُولُنا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي هو ذِكْرُهم أيْ وعْظُهم أوْ صِيتُهم وفَخْرُهم أوْ بِالذِّكْرِ الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] .
﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ (p-٤١٥)أيْضًا المَعْنى بَلْ أتَسْألُهم مالًا فَغُلِبُوا لِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وخَطَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأحْسَنِ كَلامٍ فَقالَ (أمْ تَسْألُهم) عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، والكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ، فَقَدْ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿خَرْجًا فَخَراجُ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] في الكَهْفِ قِراءَةً ومَدْلُولًا. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى (خَراجًا فَخَرْجُ) فَكَمُلَتْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أرْبَعُ قِراءاتٍ، وفي الحَرْفَيْنِ ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ أيْ ثَوابُهُ؛ لِأنَّهُ الباقِي وما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِهِ فانٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: فَعَطاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يُعْطِي لا لِحاجَةٍ وغَيْرُهُ يُعْطِي لِحاجَةٍ. وقِيلَ: فَرِزْقُهُ ويُؤَيِّدُهُ (خَيْرُ الرّازِقِينَ) . قالَ الجِبائِيُّ: (خَيْرُ الرّازِقِينَ) دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، انْتَهى. وهَذا مَدْلُولُ (خَيْرٍ) الَّذِي هو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ومَدْلُولُ (الرّازِقِينَ) الَّذِي هو جَمْعٌ أُضِيفَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ.
ولَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ الكُفّارِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ المَعادَ ناكِبٌ عَنْ هَذا الصِّراطِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلُكُهُ إلّا مَن كانَ راجِيًا لِلثَّوابِ خائِفًا مِنَ العِقابِ، وهَؤُلاءِ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالجَزاءِ فَهم مائِلُونَ عَنْهُ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ الَّذِي هم ناكِبُونَ عَنْهُ هو طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ومَن زَعَمَ أنَّ الصِّراطَ هو في الآخِرَةِ ناكِبُونَ عَنْهُ بِأخْذِهِمْ يَمْنَةً ويَسْرَةً إلى النّارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَناكِبُونَ﴾ لَعادِلُونَ. وقالَ الحَسَنُ: تارِكُونَ لَهُ. وقالَ قَتادَةُ: حائِرُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُعْرِضُونَ، وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى.
﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ قِيلَ: هو الجُوعُ. وقِيلَ: القَتْلُ والسَّبْيُ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّمَرُّدِ والعِنادِ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ البُعْدِ، وهَذا القَوْلُ بِعِيدٌ؛ بَلِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّعْلِيقَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتَشْهَدَ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ ولَجاجِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ رَحْمَتِهِ لَهم بِأنَّهُ أخَذَهم بِالسُّيُوفِ أوَّلًا، وبِما جَرى عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وأسْرِهِمْ، فَما وُجِدَتْ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِكانَةٌ ولا تَضَرُّعٌ حَتّى فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ فَأُبْلِسُوا وخَضَعَتْ رِقابُهم. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الضَّمِيرَ هو القَحْطُ والجُوعُ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مُنِعَ المِيرَةَ مِن أهْلِ مَكَّةَ»، فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ فَقالَ: ”بَلى“ فَقالَ: قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، والأبْناءَ بِالجُوعِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. والمَعْنى لَوْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهم هَذا الضُّرَّ، وهو الهُزالُ والقَحْطُ الَّذِي أصابَهم ووَجَدُوا الخِصْبَ، لارْتَدُّوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ وإفْراطِهِمْ فِيها. وقِيلَ: المَعْنى لَوِ امْتَحَنّاهم بِكُلِّ مِحْنَةٍ مِنَ القَتْلِ والجُوعِ فَما رُئِيَ فِيهِمِ اسْتِكانَةٌ ولا انْقِيادٌ حَتّى إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ أُبْلِسُوا، كَقَوْلِهِ (p-٤١٦)﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الفَتْحُ لِبابِ العَذابِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ في الدُّنْيا.
ووَزْنُ اسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ أيِ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كَما تَقُولُ: اسْتَحالَ انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ اسْتَكانَ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ وأنَّ الألِفَ إشْباعٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِهِ:
؎أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ
؛ ولِأنَّ الإشْباعَ لا يَكُونُ في تَصارِيفِ الكَلِمَةِ، ألا تَرى أنَّ مَن أشْبَعَ في قَوْلِهِ:
؎ومِن ذَمِّ الزَّمانِ بِمُنْتَزاحِ
لا تَقُولُ انْتِزاحَ يَنْتَزِيحُ فَهو مُنْتَزِيحٌ، وأنْتَ تَقُولُ: اسْتَكانَ يَسْتَكِينُ فَهو مُسْتَكِينٌ ومُسْتَكانٌ، ومَجِيءُ مَصْدَرِهِ اسْتِكانَةً يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ كاسْتَقامَ اسْتِقامَةً، وتَخالَفَ (اسْتَكانُوا) و(يَتَضَرَّعُونَ) في الصِّيغَةِ فَلَمْ يَكُونا ماضِيَيْنِ ولا مُضارِعَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ المَعْنى مَحَنّاهم فَما وُجِدَتْ مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةٌ، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَسْتَكِينُوا ويَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ.
والمُبْلِسُ: الآيِسُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي نالَهُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: (مُبْلَسُونَ) بِفَتْحِ اللّامِ.
المؤمنون 23:78
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١] ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] .
الهَمْزُ: النَّخْسُ والدَّفْعُ بِيَدٍ وغَيْرِها، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ وهَمْزُ النّاسِ بِاللِّسانِ. ”البَرْزَخُ“: الحاجِزُ بَيْنَ المَسافَتَيْنِ. وقِيلَ: الحِجابُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَمْنَعُ أحَدَهُما أنْ (p-٤١٧)يَصِلَ إلى الآخَرِ. النَّسَبُ: القَرابَةُ مِن جِهَةِ الوِلادَةِ. اللَّفْحُ: إصابَةُ النّارِ الشَّيْءَ بِوَهَجِها وإحْراقِها. وقالَ الزَّجّاجُ: اللَّفْحُ أشَدُّ مِنَ اللَّقْحِ تَأْثِيرًا. الكُلُوحُ: تَشَمُّرُ الشَّفَتَيْنِ عَنِ الأسْنانِ، ومِنهُ كُلُوحُ الكَلْبِ والأسَدِ. وقِيلَ: الكُلُوحُ بُسُورُ الوَجْهِ وهو تَقْطِيبُهُ، وكَلَحَ الرَّجُلُ كُلُوحًا وكُلاحًا ودَهْرٌ كالِحٌ وبَرْدٌ كالِحٌ شَدِيدٌ. العَبَثُ: اللَّعِبُ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ.
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
مُناسَبَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ﴾ لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ إعْراضَ الكُفّارِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ، خاطَبَ قِيلَ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ: العالَمَ بِأسْرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يُعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى وتَدَبَّرَ ما أوْدَعَهُ فِيها (p-٤١٨)مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وباهِرِ قُدْرَتِهِ فَهو كَعادِمِ هَذِهِ الأعْضاءِ، ومِمَّنْ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَمَن أنْشَأ هَذِهِ الحَواسَّ وأُنْشِئَتْ هي لَهُ وأحْيا وأماتَ وتَصَرَّفَ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ هو قادِرٌ عَلى البَعْثِ. وخَصَّ هَذِهِ الأعْضاءَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ الدِّينِ والدُّنْيا مِن أعْمالِ السَّمْعِ والبَصَرِ في آياتِ اللَّهِ والِاسْتِدْلالِ بِفِكْرِ القَلْبِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، ولَمّا كانَ خَلْقُها مِن أتَمِّ النِّعَمِ عَلى العَبْدِ قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ تَشْكُرُونَ قَلِيلًا، و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ومِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الإقْرارُ بِالمُنْعِمِ بِها ونَفْيُ النِّدِّ والشَّرِيكِ لَهُ.
و(ذَرَأكم) خَلَقَكم وبَثَّكم فِيها. (وإلَيْهِ) أيْ وإلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ وجَزائِهِ، (تُحْشَرُونَ) يُرِيدُ البَعْثَ والجَمْعَ في الآخِرَةِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ في الدُّنْيا والِاضْمِحْلالِ.
﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ. هو مُخْتَصٌّ بِهِ ومُتَوَلِّيهِ ولَهُ القُدْرَةُ الَّتِي ذَلِكَ الِاخْتِلافُ عَنْها. والِاخْتِلافُ هُنا التَّعاقُبُ أيْ يَخْلُفُ هَذا هَذا. (أفَلا تَعْقِلُونَ) مَن هَذِهِ تَصَرُّفاتُ قُدْرَتِهِ وآثارُ قَهْرِهِ فَتُوَحِّدُونَهُ وتَنْفُونَ عَنْهُ الشُّرَكاءَ والأنْدادَ، إذْ هم لَيْسُوا بِقادِرِينَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: يَعْقِلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ.
(بَلْ قالُوا)، (بَلْ) إضْرابٌ أيْ لَيْسَ لَهم عَقْلٌ ولا نَظَرٌ في هَذِهِ الآياتِ، (بَلْ قالُوا) والضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ ومَن جَرى مَجْراهم في إنْكارِ البَعْثِ مِثْلَ ما قالَ آباؤُهم عادٌ وثَمُودُ ومَن يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ مِنَ الكُفّارِ. ولَمّا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى آلِهَةً ونَسَبُوا إلَيْهِ الوَلَدَ نَبَّهَهم عَلى فَرْطِ جَهْلِهِمْ، بِكَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى لَهُ الأرْضُ ومَن فِيها مِلْكٌ، وأنَّهُ رَبُّ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وهم مَعَ ذَلِكَ يَنْسُبُونَ لَهُ الوَلَدَ ويَتَّخِذُونَ لَهُ شُرَكاءَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ وثّابٍ وأبُو الأشْهَبِ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) الثّانِي والثّالِثُ بِلَفْظِ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (لِلَّهِ) فِيها بِلامِ الجَرِّ فالقِراءَةُ الأُولى فِيها المُطابَقَةُ لَفْظًا ومَعْنًى، والثّانِيَةُ جاءَتْ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّ هَذا ؟ ولِمَن هَذا ؟ في مَعْنًى واحِدٍ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في الأوَّلِ أنَّهُ بِاللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (العَظِيمُ) بِرَفْعِ المِيمِ نَعْتًا لِلرَّبِّ، وتَقُولُ أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ إذا مَنَعْتَهُ مِنهُ أيْ وهو يَمْنَعُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يَمْنَعُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا. ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عَنْهم وبَيْنَ ما حَكى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الِاحْتِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ، وخَتَمَ كُلَّ سُؤالٍ بِما يُناسِبُهُ فَخَتَمَ: مَلِكُ الأرْضِ ومَن فِيها حَقِيقٌ أنْ لا يُشْرِكَ بِهِ بَعْضُ خَلْقِهِ مِمَّنْ في الأرْضِ مَلِكًا لَهُ الرُّبُوبِيَّةُ وخَتَمَ ما بَعْدَها بِالتَّقْوى وهي أبْلَغُ مِنَ التَّذَكُّرِ، وفِيها وعِيدٌ شَدِيدٌ، أيْ أفَلا تَخافُونَهُ فَلا تُشْرِكُوا بِهِ. وخَتَمَ ما بَعْدَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ مُبالَغَةً في التَّوْبِيخِ بَعْدَ إقْرارِهِمْ والتِزامِهِمْ ما يَقَعُ عَلَيْهِمْ بِهِ في الِاحْتِجاجِ، وأنّى بِمَعْنى كَيْفَ قَرَّرَ أنَّهم مَسْحُورُونَ وسَألَهم عَنِ الهَيْئَةِ الَّتِي سُحِرُوا بِها، أيْ كَيْفَ تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والسِّحْرُ هُنا مُسْتَعارٌ، وهو تَشْبِيهٌ لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ التَّخْلِيطِ ووَضْعِ الأفْعالِ والأقْوالِ غَيْرَ مَواضِعِها بِما يَقَعُ مِنَ المَسْحُورِ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ.
وقُرِئَ ”بَلْ آتَيْتُهم“ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِتاءِ الخِطابِ.
﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ ومِنَ الشُّرَكاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هم فِيهِ كاذِبُونَ. ثُمَّ نَفى اتِّخاذَ الوَلَدِ، وهو نَفْيُ اسْتِحالَةٍ، ونَفى الشَّرِيكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ أيْ وما كانَ مَعَهُ شَرِيكٌ في خَلْقِ العالَمِ واخْتِراعِهِمْ ولا في غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ العُلى، فَنَفْيُ الوَلَدِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ونَفْيُ الشَّرِيكِ في الأُلُوهِيَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: الأصْنامُ آلِهَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إبْطالُ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ و﴿مِن ولَدٍ﴾ و﴿مِن إلَهٍ﴾ نَفْيٌ عامٌّ يُفِيدُ (p-٤١٩)اسْتِغْراقَ الجِنْسِ، ولِهَذا جاءَ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ إذًا لَذَهَبَ الإلَهُ. ومَعْنى (لَذَهَبَ) أيْ لانْفَرَدَ ﴿كُلُّ إلَهٍ﴾ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَ واسْتَبَدَّ بِهِ وتَمَيَّزَ مِلْكُ كُلِّ واحِدٍ عَنْ مِلْكِ الآخَرِ وغَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا كَحالِ مُلُوكِ الدُّنْيا، وإذًا لَمْ يَقَعِ الِانْفِرادُ والتَّغالُبُ فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ و(إذًا) لَمْ يَتَقَدَّمْهُ في اللَّفْظِ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ ولا عِدَةٌ قالُو: فالشَّرْطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ: زَعَمَ أنَّهُ إذا جاءَ بَعْدَها اللّامُ كانَتْ لَوْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَحْذُوفَةً، وقَدْ قَرَّرْنا تَخْرِيجًا لَها عَلى غَيْرِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣] في سُورَةِ الإسْراءِ: والظّاهِرُ أنَّ (ما) في: ﴿بِما خَلَقَ﴾ بِمَعْنى الَّذِي، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تَنْزِيهٌ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ. وقُرِئَ (عَمّا تَصِفُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الِابْنانِ، وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِلَّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اتِّباعٌ لِلْمَكْتُوبَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ بِالرَّفْعِ. قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الرَّفْعُ أنَّ الكَلامَ قَدِ انْقَطَعَ، يَعْنِي أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو: (عالِمُ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والرَّفْعُ عِنْدِي أبْرَعُ. والفاءُ في قَوْلِهِ: (فَتَعالى) عاطِفَةٌ، فالمَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى﴾ كَما تَقُولُ زَيْدٌ شُجاعٌ فَعَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ أيْ شَجُعَ فَعَظُمَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَأقُولُ ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] عَلى إخْبارٍ مُؤْتَنَفٍ. و(الغَيْبُ) ما غابَ عَنِ النّاسِ، و(الشَّهادَةُ) ما شاهَدُوهُ، انْتَهى.
المؤمنون 23:79
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١] ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] .
الهَمْزُ: النَّخْسُ والدَّفْعُ بِيَدٍ وغَيْرِها، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ وهَمْزُ النّاسِ بِاللِّسانِ. ”البَرْزَخُ“: الحاجِزُ بَيْنَ المَسافَتَيْنِ. وقِيلَ: الحِجابُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَمْنَعُ أحَدَهُما أنْ (p-٤١٧)يَصِلَ إلى الآخَرِ. النَّسَبُ: القَرابَةُ مِن جِهَةِ الوِلادَةِ. اللَّفْحُ: إصابَةُ النّارِ الشَّيْءَ بِوَهَجِها وإحْراقِها. وقالَ الزَّجّاجُ: اللَّفْحُ أشَدُّ مِنَ اللَّقْحِ تَأْثِيرًا. الكُلُوحُ: تَشَمُّرُ الشَّفَتَيْنِ عَنِ الأسْنانِ، ومِنهُ كُلُوحُ الكَلْبِ والأسَدِ. وقِيلَ: الكُلُوحُ بُسُورُ الوَجْهِ وهو تَقْطِيبُهُ، وكَلَحَ الرَّجُلُ كُلُوحًا وكُلاحًا ودَهْرٌ كالِحٌ وبَرْدٌ كالِحٌ شَدِيدٌ. العَبَثُ: اللَّعِبُ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ.
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
مُناسَبَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ﴾ لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ إعْراضَ الكُفّارِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ، خاطَبَ قِيلَ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ: العالَمَ بِأسْرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يُعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى وتَدَبَّرَ ما أوْدَعَهُ فِيها (p-٤١٨)مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وباهِرِ قُدْرَتِهِ فَهو كَعادِمِ هَذِهِ الأعْضاءِ، ومِمَّنْ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَمَن أنْشَأ هَذِهِ الحَواسَّ وأُنْشِئَتْ هي لَهُ وأحْيا وأماتَ وتَصَرَّفَ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ هو قادِرٌ عَلى البَعْثِ. وخَصَّ هَذِهِ الأعْضاءَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ الدِّينِ والدُّنْيا مِن أعْمالِ السَّمْعِ والبَصَرِ في آياتِ اللَّهِ والِاسْتِدْلالِ بِفِكْرِ القَلْبِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، ولَمّا كانَ خَلْقُها مِن أتَمِّ النِّعَمِ عَلى العَبْدِ قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ تَشْكُرُونَ قَلِيلًا، و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ومِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الإقْرارُ بِالمُنْعِمِ بِها ونَفْيُ النِّدِّ والشَّرِيكِ لَهُ.
و(ذَرَأكم) خَلَقَكم وبَثَّكم فِيها. (وإلَيْهِ) أيْ وإلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ وجَزائِهِ، (تُحْشَرُونَ) يُرِيدُ البَعْثَ والجَمْعَ في الآخِرَةِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ في الدُّنْيا والِاضْمِحْلالِ.
﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ. هو مُخْتَصٌّ بِهِ ومُتَوَلِّيهِ ولَهُ القُدْرَةُ الَّتِي ذَلِكَ الِاخْتِلافُ عَنْها. والِاخْتِلافُ هُنا التَّعاقُبُ أيْ يَخْلُفُ هَذا هَذا. (أفَلا تَعْقِلُونَ) مَن هَذِهِ تَصَرُّفاتُ قُدْرَتِهِ وآثارُ قَهْرِهِ فَتُوَحِّدُونَهُ وتَنْفُونَ عَنْهُ الشُّرَكاءَ والأنْدادَ، إذْ هم لَيْسُوا بِقادِرِينَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: يَعْقِلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ.
(بَلْ قالُوا)، (بَلْ) إضْرابٌ أيْ لَيْسَ لَهم عَقْلٌ ولا نَظَرٌ في هَذِهِ الآياتِ، (بَلْ قالُوا) والضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ ومَن جَرى مَجْراهم في إنْكارِ البَعْثِ مِثْلَ ما قالَ آباؤُهم عادٌ وثَمُودُ ومَن يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ مِنَ الكُفّارِ. ولَمّا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى آلِهَةً ونَسَبُوا إلَيْهِ الوَلَدَ نَبَّهَهم عَلى فَرْطِ جَهْلِهِمْ، بِكَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى لَهُ الأرْضُ ومَن فِيها مِلْكٌ، وأنَّهُ رَبُّ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وهم مَعَ ذَلِكَ يَنْسُبُونَ لَهُ الوَلَدَ ويَتَّخِذُونَ لَهُ شُرَكاءَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ وثّابٍ وأبُو الأشْهَبِ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) الثّانِي والثّالِثُ بِلَفْظِ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (لِلَّهِ) فِيها بِلامِ الجَرِّ فالقِراءَةُ الأُولى فِيها المُطابَقَةُ لَفْظًا ومَعْنًى، والثّانِيَةُ جاءَتْ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّ هَذا ؟ ولِمَن هَذا ؟ في مَعْنًى واحِدٍ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في الأوَّلِ أنَّهُ بِاللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (العَظِيمُ) بِرَفْعِ المِيمِ نَعْتًا لِلرَّبِّ، وتَقُولُ أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ إذا مَنَعْتَهُ مِنهُ أيْ وهو يَمْنَعُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يَمْنَعُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا. ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عَنْهم وبَيْنَ ما حَكى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الِاحْتِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ، وخَتَمَ كُلَّ سُؤالٍ بِما يُناسِبُهُ فَخَتَمَ: مَلِكُ الأرْضِ ومَن فِيها حَقِيقٌ أنْ لا يُشْرِكَ بِهِ بَعْضُ خَلْقِهِ مِمَّنْ في الأرْضِ مَلِكًا لَهُ الرُّبُوبِيَّةُ وخَتَمَ ما بَعْدَها بِالتَّقْوى وهي أبْلَغُ مِنَ التَّذَكُّرِ، وفِيها وعِيدٌ شَدِيدٌ، أيْ أفَلا تَخافُونَهُ فَلا تُشْرِكُوا بِهِ. وخَتَمَ ما بَعْدَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ مُبالَغَةً في التَّوْبِيخِ بَعْدَ إقْرارِهِمْ والتِزامِهِمْ ما يَقَعُ عَلَيْهِمْ بِهِ في الِاحْتِجاجِ، وأنّى بِمَعْنى كَيْفَ قَرَّرَ أنَّهم مَسْحُورُونَ وسَألَهم عَنِ الهَيْئَةِ الَّتِي سُحِرُوا بِها، أيْ كَيْفَ تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والسِّحْرُ هُنا مُسْتَعارٌ، وهو تَشْبِيهٌ لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ التَّخْلِيطِ ووَضْعِ الأفْعالِ والأقْوالِ غَيْرَ مَواضِعِها بِما يَقَعُ مِنَ المَسْحُورِ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ.
وقُرِئَ ”بَلْ آتَيْتُهم“ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِتاءِ الخِطابِ.
﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ ومِنَ الشُّرَكاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هم فِيهِ كاذِبُونَ. ثُمَّ نَفى اتِّخاذَ الوَلَدِ، وهو نَفْيُ اسْتِحالَةٍ، ونَفى الشَّرِيكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ أيْ وما كانَ مَعَهُ شَرِيكٌ في خَلْقِ العالَمِ واخْتِراعِهِمْ ولا في غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ العُلى، فَنَفْيُ الوَلَدِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ونَفْيُ الشَّرِيكِ في الأُلُوهِيَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: الأصْنامُ آلِهَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إبْطالُ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ و﴿مِن ولَدٍ﴾ و﴿مِن إلَهٍ﴾ نَفْيٌ عامٌّ يُفِيدُ (p-٤١٩)اسْتِغْراقَ الجِنْسِ، ولِهَذا جاءَ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ إذًا لَذَهَبَ الإلَهُ. ومَعْنى (لَذَهَبَ) أيْ لانْفَرَدَ ﴿كُلُّ إلَهٍ﴾ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَ واسْتَبَدَّ بِهِ وتَمَيَّزَ مِلْكُ كُلِّ واحِدٍ عَنْ مِلْكِ الآخَرِ وغَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا كَحالِ مُلُوكِ الدُّنْيا، وإذًا لَمْ يَقَعِ الِانْفِرادُ والتَّغالُبُ فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ و(إذًا) لَمْ يَتَقَدَّمْهُ في اللَّفْظِ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ ولا عِدَةٌ قالُو: فالشَّرْطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ: زَعَمَ أنَّهُ إذا جاءَ بَعْدَها اللّامُ كانَتْ لَوْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَحْذُوفَةً، وقَدْ قَرَّرْنا تَخْرِيجًا لَها عَلى غَيْرِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣] في سُورَةِ الإسْراءِ: والظّاهِرُ أنَّ (ما) في: ﴿بِما خَلَقَ﴾ بِمَعْنى الَّذِي، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تَنْزِيهٌ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ. وقُرِئَ (عَمّا تَصِفُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الِابْنانِ، وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِلَّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اتِّباعٌ لِلْمَكْتُوبَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ بِالرَّفْعِ. قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الرَّفْعُ أنَّ الكَلامَ قَدِ انْقَطَعَ، يَعْنِي أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو: (عالِمُ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والرَّفْعُ عِنْدِي أبْرَعُ. والفاءُ في قَوْلِهِ: (فَتَعالى) عاطِفَةٌ، فالمَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى﴾ كَما تَقُولُ زَيْدٌ شُجاعٌ فَعَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ أيْ شَجُعَ فَعَظُمَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَأقُولُ ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] عَلى إخْبارٍ مُؤْتَنَفٍ. و(الغَيْبُ) ما غابَ عَنِ النّاسِ، و(الشَّهادَةُ) ما شاهَدُوهُ، انْتَهى.
المؤمنون 23:80
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١] ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] .
الهَمْزُ: النَّخْسُ والدَّفْعُ بِيَدٍ وغَيْرِها، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ وهَمْزُ النّاسِ بِاللِّسانِ. ”البَرْزَخُ“: الحاجِزُ بَيْنَ المَسافَتَيْنِ. وقِيلَ: الحِجابُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَمْنَعُ أحَدَهُما أنْ (p-٤١٧)يَصِلَ إلى الآخَرِ. النَّسَبُ: القَرابَةُ مِن جِهَةِ الوِلادَةِ. اللَّفْحُ: إصابَةُ النّارِ الشَّيْءَ بِوَهَجِها وإحْراقِها. وقالَ الزَّجّاجُ: اللَّفْحُ أشَدُّ مِنَ اللَّقْحِ تَأْثِيرًا. الكُلُوحُ: تَشَمُّرُ الشَّفَتَيْنِ عَنِ الأسْنانِ، ومِنهُ كُلُوحُ الكَلْبِ والأسَدِ. وقِيلَ: الكُلُوحُ بُسُورُ الوَجْهِ وهو تَقْطِيبُهُ، وكَلَحَ الرَّجُلُ كُلُوحًا وكُلاحًا ودَهْرٌ كالِحٌ وبَرْدٌ كالِحٌ شَدِيدٌ. العَبَثُ: اللَّعِبُ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ.
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
مُناسَبَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ﴾ لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ إعْراضَ الكُفّارِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ، خاطَبَ قِيلَ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ: العالَمَ بِأسْرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يُعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى وتَدَبَّرَ ما أوْدَعَهُ فِيها (p-٤١٨)مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وباهِرِ قُدْرَتِهِ فَهو كَعادِمِ هَذِهِ الأعْضاءِ، ومِمَّنْ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَمَن أنْشَأ هَذِهِ الحَواسَّ وأُنْشِئَتْ هي لَهُ وأحْيا وأماتَ وتَصَرَّفَ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ هو قادِرٌ عَلى البَعْثِ. وخَصَّ هَذِهِ الأعْضاءَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ الدِّينِ والدُّنْيا مِن أعْمالِ السَّمْعِ والبَصَرِ في آياتِ اللَّهِ والِاسْتِدْلالِ بِفِكْرِ القَلْبِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، ولَمّا كانَ خَلْقُها مِن أتَمِّ النِّعَمِ عَلى العَبْدِ قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ تَشْكُرُونَ قَلِيلًا، و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ومِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الإقْرارُ بِالمُنْعِمِ بِها ونَفْيُ النِّدِّ والشَّرِيكِ لَهُ.
و(ذَرَأكم) خَلَقَكم وبَثَّكم فِيها. (وإلَيْهِ) أيْ وإلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ وجَزائِهِ، (تُحْشَرُونَ) يُرِيدُ البَعْثَ والجَمْعَ في الآخِرَةِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ في الدُّنْيا والِاضْمِحْلالِ.
﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ. هو مُخْتَصٌّ بِهِ ومُتَوَلِّيهِ ولَهُ القُدْرَةُ الَّتِي ذَلِكَ الِاخْتِلافُ عَنْها. والِاخْتِلافُ هُنا التَّعاقُبُ أيْ يَخْلُفُ هَذا هَذا. (أفَلا تَعْقِلُونَ) مَن هَذِهِ تَصَرُّفاتُ قُدْرَتِهِ وآثارُ قَهْرِهِ فَتُوَحِّدُونَهُ وتَنْفُونَ عَنْهُ الشُّرَكاءَ والأنْدادَ، إذْ هم لَيْسُوا بِقادِرِينَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: يَعْقِلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ.
(بَلْ قالُوا)، (بَلْ) إضْرابٌ أيْ لَيْسَ لَهم عَقْلٌ ولا نَظَرٌ في هَذِهِ الآياتِ، (بَلْ قالُوا) والضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ ومَن جَرى مَجْراهم في إنْكارِ البَعْثِ مِثْلَ ما قالَ آباؤُهم عادٌ وثَمُودُ ومَن يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ مِنَ الكُفّارِ. ولَمّا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى آلِهَةً ونَسَبُوا إلَيْهِ الوَلَدَ نَبَّهَهم عَلى فَرْطِ جَهْلِهِمْ، بِكَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى لَهُ الأرْضُ ومَن فِيها مِلْكٌ، وأنَّهُ رَبُّ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وهم مَعَ ذَلِكَ يَنْسُبُونَ لَهُ الوَلَدَ ويَتَّخِذُونَ لَهُ شُرَكاءَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ وثّابٍ وأبُو الأشْهَبِ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) الثّانِي والثّالِثُ بِلَفْظِ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (لِلَّهِ) فِيها بِلامِ الجَرِّ فالقِراءَةُ الأُولى فِيها المُطابَقَةُ لَفْظًا ومَعْنًى، والثّانِيَةُ جاءَتْ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّ هَذا ؟ ولِمَن هَذا ؟ في مَعْنًى واحِدٍ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في الأوَّلِ أنَّهُ بِاللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (العَظِيمُ) بِرَفْعِ المِيمِ نَعْتًا لِلرَّبِّ، وتَقُولُ أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ إذا مَنَعْتَهُ مِنهُ أيْ وهو يَمْنَعُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يَمْنَعُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا. ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عَنْهم وبَيْنَ ما حَكى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الِاحْتِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ، وخَتَمَ كُلَّ سُؤالٍ بِما يُناسِبُهُ فَخَتَمَ: مَلِكُ الأرْضِ ومَن فِيها حَقِيقٌ أنْ لا يُشْرِكَ بِهِ بَعْضُ خَلْقِهِ مِمَّنْ في الأرْضِ مَلِكًا لَهُ الرُّبُوبِيَّةُ وخَتَمَ ما بَعْدَها بِالتَّقْوى وهي أبْلَغُ مِنَ التَّذَكُّرِ، وفِيها وعِيدٌ شَدِيدٌ، أيْ أفَلا تَخافُونَهُ فَلا تُشْرِكُوا بِهِ. وخَتَمَ ما بَعْدَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ مُبالَغَةً في التَّوْبِيخِ بَعْدَ إقْرارِهِمْ والتِزامِهِمْ ما يَقَعُ عَلَيْهِمْ بِهِ في الِاحْتِجاجِ، وأنّى بِمَعْنى كَيْفَ قَرَّرَ أنَّهم مَسْحُورُونَ وسَألَهم عَنِ الهَيْئَةِ الَّتِي سُحِرُوا بِها، أيْ كَيْفَ تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والسِّحْرُ هُنا مُسْتَعارٌ، وهو تَشْبِيهٌ لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ التَّخْلِيطِ ووَضْعِ الأفْعالِ والأقْوالِ غَيْرَ مَواضِعِها بِما يَقَعُ مِنَ المَسْحُورِ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ.
وقُرِئَ ”بَلْ آتَيْتُهم“ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِتاءِ الخِطابِ.
﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ ومِنَ الشُّرَكاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هم فِيهِ كاذِبُونَ. ثُمَّ نَفى اتِّخاذَ الوَلَدِ، وهو نَفْيُ اسْتِحالَةٍ، ونَفى الشَّرِيكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ أيْ وما كانَ مَعَهُ شَرِيكٌ في خَلْقِ العالَمِ واخْتِراعِهِمْ ولا في غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ العُلى، فَنَفْيُ الوَلَدِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ونَفْيُ الشَّرِيكِ في الأُلُوهِيَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: الأصْنامُ آلِهَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إبْطالُ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ و﴿مِن ولَدٍ﴾ و﴿مِن إلَهٍ﴾ نَفْيٌ عامٌّ يُفِيدُ (p-٤١٩)اسْتِغْراقَ الجِنْسِ، ولِهَذا جاءَ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ إذًا لَذَهَبَ الإلَهُ. ومَعْنى (لَذَهَبَ) أيْ لانْفَرَدَ ﴿كُلُّ إلَهٍ﴾ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَ واسْتَبَدَّ بِهِ وتَمَيَّزَ مِلْكُ كُلِّ واحِدٍ عَنْ مِلْكِ الآخَرِ وغَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا كَحالِ مُلُوكِ الدُّنْيا، وإذًا لَمْ يَقَعِ الِانْفِرادُ والتَّغالُبُ فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ و(إذًا) لَمْ يَتَقَدَّمْهُ في اللَّفْظِ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ ولا عِدَةٌ قالُو: فالشَّرْطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ: زَعَمَ أنَّهُ إذا جاءَ بَعْدَها اللّامُ كانَتْ لَوْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَحْذُوفَةً، وقَدْ قَرَّرْنا تَخْرِيجًا لَها عَلى غَيْرِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣] في سُورَةِ الإسْراءِ: والظّاهِرُ أنَّ (ما) في: ﴿بِما خَلَقَ﴾ بِمَعْنى الَّذِي، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تَنْزِيهٌ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ. وقُرِئَ (عَمّا تَصِفُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الِابْنانِ، وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِلَّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اتِّباعٌ لِلْمَكْتُوبَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ بِالرَّفْعِ. قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الرَّفْعُ أنَّ الكَلامَ قَدِ انْقَطَعَ، يَعْنِي أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو: (عالِمُ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والرَّفْعُ عِنْدِي أبْرَعُ. والفاءُ في قَوْلِهِ: (فَتَعالى) عاطِفَةٌ، فالمَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى﴾ كَما تَقُولُ زَيْدٌ شُجاعٌ فَعَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ أيْ شَجُعَ فَعَظُمَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَأقُولُ ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] عَلى إخْبارٍ مُؤْتَنَفٍ. و(الغَيْبُ) ما غابَ عَنِ النّاسِ، و(الشَّهادَةُ) ما شاهَدُوهُ، انْتَهى.
المؤمنون 23:81
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١] ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] .
الهَمْزُ: النَّخْسُ والدَّفْعُ بِيَدٍ وغَيْرِها، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ وهَمْزُ النّاسِ بِاللِّسانِ. ”البَرْزَخُ“: الحاجِزُ بَيْنَ المَسافَتَيْنِ. وقِيلَ: الحِجابُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَمْنَعُ أحَدَهُما أنْ (p-٤١٧)يَصِلَ إلى الآخَرِ. النَّسَبُ: القَرابَةُ مِن جِهَةِ الوِلادَةِ. اللَّفْحُ: إصابَةُ النّارِ الشَّيْءَ بِوَهَجِها وإحْراقِها. وقالَ الزَّجّاجُ: اللَّفْحُ أشَدُّ مِنَ اللَّقْحِ تَأْثِيرًا. الكُلُوحُ: تَشَمُّرُ الشَّفَتَيْنِ عَنِ الأسْنانِ، ومِنهُ كُلُوحُ الكَلْبِ والأسَدِ. وقِيلَ: الكُلُوحُ بُسُورُ الوَجْهِ وهو تَقْطِيبُهُ، وكَلَحَ الرَّجُلُ كُلُوحًا وكُلاحًا ودَهْرٌ كالِحٌ وبَرْدٌ كالِحٌ شَدِيدٌ. العَبَثُ: اللَّعِبُ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ.
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
مُناسَبَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ﴾ لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ إعْراضَ الكُفّارِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ، خاطَبَ قِيلَ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ: العالَمَ بِأسْرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يُعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى وتَدَبَّرَ ما أوْدَعَهُ فِيها (p-٤١٨)مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وباهِرِ قُدْرَتِهِ فَهو كَعادِمِ هَذِهِ الأعْضاءِ، ومِمَّنْ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَمَن أنْشَأ هَذِهِ الحَواسَّ وأُنْشِئَتْ هي لَهُ وأحْيا وأماتَ وتَصَرَّفَ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ هو قادِرٌ عَلى البَعْثِ. وخَصَّ هَذِهِ الأعْضاءَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ الدِّينِ والدُّنْيا مِن أعْمالِ السَّمْعِ والبَصَرِ في آياتِ اللَّهِ والِاسْتِدْلالِ بِفِكْرِ القَلْبِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، ولَمّا كانَ خَلْقُها مِن أتَمِّ النِّعَمِ عَلى العَبْدِ قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ تَشْكُرُونَ قَلِيلًا، و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ومِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الإقْرارُ بِالمُنْعِمِ بِها ونَفْيُ النِّدِّ والشَّرِيكِ لَهُ.
و(ذَرَأكم) خَلَقَكم وبَثَّكم فِيها. (وإلَيْهِ) أيْ وإلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ وجَزائِهِ، (تُحْشَرُونَ) يُرِيدُ البَعْثَ والجَمْعَ في الآخِرَةِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ في الدُّنْيا والِاضْمِحْلالِ.
﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ. هو مُخْتَصٌّ بِهِ ومُتَوَلِّيهِ ولَهُ القُدْرَةُ الَّتِي ذَلِكَ الِاخْتِلافُ عَنْها. والِاخْتِلافُ هُنا التَّعاقُبُ أيْ يَخْلُفُ هَذا هَذا. (أفَلا تَعْقِلُونَ) مَن هَذِهِ تَصَرُّفاتُ قُدْرَتِهِ وآثارُ قَهْرِهِ فَتُوَحِّدُونَهُ وتَنْفُونَ عَنْهُ الشُّرَكاءَ والأنْدادَ، إذْ هم لَيْسُوا بِقادِرِينَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: يَعْقِلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ.
(بَلْ قالُوا)، (بَلْ) إضْرابٌ أيْ لَيْسَ لَهم عَقْلٌ ولا نَظَرٌ في هَذِهِ الآياتِ، (بَلْ قالُوا) والضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ ومَن جَرى مَجْراهم في إنْكارِ البَعْثِ مِثْلَ ما قالَ آباؤُهم عادٌ وثَمُودُ ومَن يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ مِنَ الكُفّارِ. ولَمّا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى آلِهَةً ونَسَبُوا إلَيْهِ الوَلَدَ نَبَّهَهم عَلى فَرْطِ جَهْلِهِمْ، بِكَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى لَهُ الأرْضُ ومَن فِيها مِلْكٌ، وأنَّهُ رَبُّ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وهم مَعَ ذَلِكَ يَنْسُبُونَ لَهُ الوَلَدَ ويَتَّخِذُونَ لَهُ شُرَكاءَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ وثّابٍ وأبُو الأشْهَبِ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) الثّانِي والثّالِثُ بِلَفْظِ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (لِلَّهِ) فِيها بِلامِ الجَرِّ فالقِراءَةُ الأُولى فِيها المُطابَقَةُ لَفْظًا ومَعْنًى، والثّانِيَةُ جاءَتْ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّ هَذا ؟ ولِمَن هَذا ؟ في مَعْنًى واحِدٍ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في الأوَّلِ أنَّهُ بِاللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (العَظِيمُ) بِرَفْعِ المِيمِ نَعْتًا لِلرَّبِّ، وتَقُولُ أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ إذا مَنَعْتَهُ مِنهُ أيْ وهو يَمْنَعُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يَمْنَعُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا. ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عَنْهم وبَيْنَ ما حَكى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الِاحْتِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ، وخَتَمَ كُلَّ سُؤالٍ بِما يُناسِبُهُ فَخَتَمَ: مَلِكُ الأرْضِ ومَن فِيها حَقِيقٌ أنْ لا يُشْرِكَ بِهِ بَعْضُ خَلْقِهِ مِمَّنْ في الأرْضِ مَلِكًا لَهُ الرُّبُوبِيَّةُ وخَتَمَ ما بَعْدَها بِالتَّقْوى وهي أبْلَغُ مِنَ التَّذَكُّرِ، وفِيها وعِيدٌ شَدِيدٌ، أيْ أفَلا تَخافُونَهُ فَلا تُشْرِكُوا بِهِ. وخَتَمَ ما بَعْدَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ مُبالَغَةً في التَّوْبِيخِ بَعْدَ إقْرارِهِمْ والتِزامِهِمْ ما يَقَعُ عَلَيْهِمْ بِهِ في الِاحْتِجاجِ، وأنّى بِمَعْنى كَيْفَ قَرَّرَ أنَّهم مَسْحُورُونَ وسَألَهم عَنِ الهَيْئَةِ الَّتِي سُحِرُوا بِها، أيْ كَيْفَ تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والسِّحْرُ هُنا مُسْتَعارٌ، وهو تَشْبِيهٌ لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ التَّخْلِيطِ ووَضْعِ الأفْعالِ والأقْوالِ غَيْرَ مَواضِعِها بِما يَقَعُ مِنَ المَسْحُورِ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ.
وقُرِئَ ”بَلْ آتَيْتُهم“ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِتاءِ الخِطابِ.
﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ ومِنَ الشُّرَكاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هم فِيهِ كاذِبُونَ. ثُمَّ نَفى اتِّخاذَ الوَلَدِ، وهو نَفْيُ اسْتِحالَةٍ، ونَفى الشَّرِيكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ أيْ وما كانَ مَعَهُ شَرِيكٌ في خَلْقِ العالَمِ واخْتِراعِهِمْ ولا في غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ العُلى، فَنَفْيُ الوَلَدِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ونَفْيُ الشَّرِيكِ في الأُلُوهِيَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: الأصْنامُ آلِهَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إبْطالُ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ و﴿مِن ولَدٍ﴾ و﴿مِن إلَهٍ﴾ نَفْيٌ عامٌّ يُفِيدُ (p-٤١٩)اسْتِغْراقَ الجِنْسِ، ولِهَذا جاءَ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ إذًا لَذَهَبَ الإلَهُ. ومَعْنى (لَذَهَبَ) أيْ لانْفَرَدَ ﴿كُلُّ إلَهٍ﴾ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَ واسْتَبَدَّ بِهِ وتَمَيَّزَ مِلْكُ كُلِّ واحِدٍ عَنْ مِلْكِ الآخَرِ وغَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا كَحالِ مُلُوكِ الدُّنْيا، وإذًا لَمْ يَقَعِ الِانْفِرادُ والتَّغالُبُ فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ و(إذًا) لَمْ يَتَقَدَّمْهُ في اللَّفْظِ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ ولا عِدَةٌ قالُو: فالشَّرْطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ: زَعَمَ أنَّهُ إذا جاءَ بَعْدَها اللّامُ كانَتْ لَوْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَحْذُوفَةً، وقَدْ قَرَّرْنا تَخْرِيجًا لَها عَلى غَيْرِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣] في سُورَةِ الإسْراءِ: والظّاهِرُ أنَّ (ما) في: ﴿بِما خَلَقَ﴾ بِمَعْنى الَّذِي، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تَنْزِيهٌ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ. وقُرِئَ (عَمّا تَصِفُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الِابْنانِ، وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِلَّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اتِّباعٌ لِلْمَكْتُوبَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ بِالرَّفْعِ. قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الرَّفْعُ أنَّ الكَلامَ قَدِ انْقَطَعَ، يَعْنِي أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو: (عالِمُ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والرَّفْعُ عِنْدِي أبْرَعُ. والفاءُ في قَوْلِهِ: (فَتَعالى) عاطِفَةٌ، فالمَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى﴾ كَما تَقُولُ زَيْدٌ شُجاعٌ فَعَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ أيْ شَجُعَ فَعَظُمَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَأقُولُ ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] عَلى إخْبارٍ مُؤْتَنَفٍ. و(الغَيْبُ) ما غابَ عَنِ النّاسِ، و(الشَّهادَةُ) ما شاهَدُوهُ، انْتَهى.
المؤمنون 23:82
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١] ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] .
الهَمْزُ: النَّخْسُ والدَّفْعُ بِيَدٍ وغَيْرِها، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ وهَمْزُ النّاسِ بِاللِّسانِ. ”البَرْزَخُ“: الحاجِزُ بَيْنَ المَسافَتَيْنِ. وقِيلَ: الحِجابُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَمْنَعُ أحَدَهُما أنْ (p-٤١٧)يَصِلَ إلى الآخَرِ. النَّسَبُ: القَرابَةُ مِن جِهَةِ الوِلادَةِ. اللَّفْحُ: إصابَةُ النّارِ الشَّيْءَ بِوَهَجِها وإحْراقِها. وقالَ الزَّجّاجُ: اللَّفْحُ أشَدُّ مِنَ اللَّقْحِ تَأْثِيرًا. الكُلُوحُ: تَشَمُّرُ الشَّفَتَيْنِ عَنِ الأسْنانِ، ومِنهُ كُلُوحُ الكَلْبِ والأسَدِ. وقِيلَ: الكُلُوحُ بُسُورُ الوَجْهِ وهو تَقْطِيبُهُ، وكَلَحَ الرَّجُلُ كُلُوحًا وكُلاحًا ودَهْرٌ كالِحٌ وبَرْدٌ كالِحٌ شَدِيدٌ. العَبَثُ: اللَّعِبُ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ.
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
مُناسَبَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ﴾ لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ إعْراضَ الكُفّارِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ، خاطَبَ قِيلَ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ: العالَمَ بِأسْرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يُعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى وتَدَبَّرَ ما أوْدَعَهُ فِيها (p-٤١٨)مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وباهِرِ قُدْرَتِهِ فَهو كَعادِمِ هَذِهِ الأعْضاءِ، ومِمَّنْ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَمَن أنْشَأ هَذِهِ الحَواسَّ وأُنْشِئَتْ هي لَهُ وأحْيا وأماتَ وتَصَرَّفَ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ هو قادِرٌ عَلى البَعْثِ. وخَصَّ هَذِهِ الأعْضاءَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ الدِّينِ والدُّنْيا مِن أعْمالِ السَّمْعِ والبَصَرِ في آياتِ اللَّهِ والِاسْتِدْلالِ بِفِكْرِ القَلْبِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، ولَمّا كانَ خَلْقُها مِن أتَمِّ النِّعَمِ عَلى العَبْدِ قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ تَشْكُرُونَ قَلِيلًا، و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ومِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الإقْرارُ بِالمُنْعِمِ بِها ونَفْيُ النِّدِّ والشَّرِيكِ لَهُ.
و(ذَرَأكم) خَلَقَكم وبَثَّكم فِيها. (وإلَيْهِ) أيْ وإلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ وجَزائِهِ، (تُحْشَرُونَ) يُرِيدُ البَعْثَ والجَمْعَ في الآخِرَةِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ في الدُّنْيا والِاضْمِحْلالِ.
﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ. هو مُخْتَصٌّ بِهِ ومُتَوَلِّيهِ ولَهُ القُدْرَةُ الَّتِي ذَلِكَ الِاخْتِلافُ عَنْها. والِاخْتِلافُ هُنا التَّعاقُبُ أيْ يَخْلُفُ هَذا هَذا. (أفَلا تَعْقِلُونَ) مَن هَذِهِ تَصَرُّفاتُ قُدْرَتِهِ وآثارُ قَهْرِهِ فَتُوَحِّدُونَهُ وتَنْفُونَ عَنْهُ الشُّرَكاءَ والأنْدادَ، إذْ هم لَيْسُوا بِقادِرِينَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: يَعْقِلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ.
(بَلْ قالُوا)، (بَلْ) إضْرابٌ أيْ لَيْسَ لَهم عَقْلٌ ولا نَظَرٌ في هَذِهِ الآياتِ، (بَلْ قالُوا) والضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ ومَن جَرى مَجْراهم في إنْكارِ البَعْثِ مِثْلَ ما قالَ آباؤُهم عادٌ وثَمُودُ ومَن يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ مِنَ الكُفّارِ. ولَمّا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى آلِهَةً ونَسَبُوا إلَيْهِ الوَلَدَ نَبَّهَهم عَلى فَرْطِ جَهْلِهِمْ، بِكَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى لَهُ الأرْضُ ومَن فِيها مِلْكٌ، وأنَّهُ رَبُّ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وهم مَعَ ذَلِكَ يَنْسُبُونَ لَهُ الوَلَدَ ويَتَّخِذُونَ لَهُ شُرَكاءَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ وثّابٍ وأبُو الأشْهَبِ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) الثّانِي والثّالِثُ بِلَفْظِ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (لِلَّهِ) فِيها بِلامِ الجَرِّ فالقِراءَةُ الأُولى فِيها المُطابَقَةُ لَفْظًا ومَعْنًى، والثّانِيَةُ جاءَتْ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّ هَذا ؟ ولِمَن هَذا ؟ في مَعْنًى واحِدٍ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في الأوَّلِ أنَّهُ بِاللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (العَظِيمُ) بِرَفْعِ المِيمِ نَعْتًا لِلرَّبِّ، وتَقُولُ أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ إذا مَنَعْتَهُ مِنهُ أيْ وهو يَمْنَعُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يَمْنَعُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا. ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عَنْهم وبَيْنَ ما حَكى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الِاحْتِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ، وخَتَمَ كُلَّ سُؤالٍ بِما يُناسِبُهُ فَخَتَمَ: مَلِكُ الأرْضِ ومَن فِيها حَقِيقٌ أنْ لا يُشْرِكَ بِهِ بَعْضُ خَلْقِهِ مِمَّنْ في الأرْضِ مَلِكًا لَهُ الرُّبُوبِيَّةُ وخَتَمَ ما بَعْدَها بِالتَّقْوى وهي أبْلَغُ مِنَ التَّذَكُّرِ، وفِيها وعِيدٌ شَدِيدٌ، أيْ أفَلا تَخافُونَهُ فَلا تُشْرِكُوا بِهِ. وخَتَمَ ما بَعْدَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ مُبالَغَةً في التَّوْبِيخِ بَعْدَ إقْرارِهِمْ والتِزامِهِمْ ما يَقَعُ عَلَيْهِمْ بِهِ في الِاحْتِجاجِ، وأنّى بِمَعْنى كَيْفَ قَرَّرَ أنَّهم مَسْحُورُونَ وسَألَهم عَنِ الهَيْئَةِ الَّتِي سُحِرُوا بِها، أيْ كَيْفَ تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والسِّحْرُ هُنا مُسْتَعارٌ، وهو تَشْبِيهٌ لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ التَّخْلِيطِ ووَضْعِ الأفْعالِ والأقْوالِ غَيْرَ مَواضِعِها بِما يَقَعُ مِنَ المَسْحُورِ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ.
وقُرِئَ ”بَلْ آتَيْتُهم“ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِتاءِ الخِطابِ.
﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ ومِنَ الشُّرَكاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هم فِيهِ كاذِبُونَ. ثُمَّ نَفى اتِّخاذَ الوَلَدِ، وهو نَفْيُ اسْتِحالَةٍ، ونَفى الشَّرِيكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ أيْ وما كانَ مَعَهُ شَرِيكٌ في خَلْقِ العالَمِ واخْتِراعِهِمْ ولا في غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ العُلى، فَنَفْيُ الوَلَدِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ونَفْيُ الشَّرِيكِ في الأُلُوهِيَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: الأصْنامُ آلِهَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إبْطالُ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ و﴿مِن ولَدٍ﴾ و﴿مِن إلَهٍ﴾ نَفْيٌ عامٌّ يُفِيدُ (p-٤١٩)اسْتِغْراقَ الجِنْسِ، ولِهَذا جاءَ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ إذًا لَذَهَبَ الإلَهُ. ومَعْنى (لَذَهَبَ) أيْ لانْفَرَدَ ﴿كُلُّ إلَهٍ﴾ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَ واسْتَبَدَّ بِهِ وتَمَيَّزَ مِلْكُ كُلِّ واحِدٍ عَنْ مِلْكِ الآخَرِ وغَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا كَحالِ مُلُوكِ الدُّنْيا، وإذًا لَمْ يَقَعِ الِانْفِرادُ والتَّغالُبُ فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ و(إذًا) لَمْ يَتَقَدَّمْهُ في اللَّفْظِ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ ولا عِدَةٌ قالُو: فالشَّرْطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ: زَعَمَ أنَّهُ إذا جاءَ بَعْدَها اللّامُ كانَتْ لَوْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَحْذُوفَةً، وقَدْ قَرَّرْنا تَخْرِيجًا لَها عَلى غَيْرِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣] في سُورَةِ الإسْراءِ: والظّاهِرُ أنَّ (ما) في: ﴿بِما خَلَقَ﴾ بِمَعْنى الَّذِي، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تَنْزِيهٌ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ. وقُرِئَ (عَمّا تَصِفُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الِابْنانِ، وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِلَّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اتِّباعٌ لِلْمَكْتُوبَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ بِالرَّفْعِ. قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الرَّفْعُ أنَّ الكَلامَ قَدِ انْقَطَعَ، يَعْنِي أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو: (عالِمُ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والرَّفْعُ عِنْدِي أبْرَعُ. والفاءُ في قَوْلِهِ: (فَتَعالى) عاطِفَةٌ، فالمَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى﴾ كَما تَقُولُ زَيْدٌ شُجاعٌ فَعَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ أيْ شَجُعَ فَعَظُمَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَأقُولُ ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] عَلى إخْبارٍ مُؤْتَنَفٍ. و(الغَيْبُ) ما غابَ عَنِ النّاسِ، و(الشَّهادَةُ) ما شاهَدُوهُ، انْتَهى.
المؤمنون 23:83
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦] ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١] ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] .
الهَمْزُ: النَّخْسُ والدَّفْعُ بِيَدٍ وغَيْرِها، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ وهَمْزُ النّاسِ بِاللِّسانِ. ”البَرْزَخُ“: الحاجِزُ بَيْنَ المَسافَتَيْنِ. وقِيلَ: الحِجابُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَمْنَعُ أحَدَهُما أنْ (p-٤١٧)يَصِلَ إلى الآخَرِ. النَّسَبُ: القَرابَةُ مِن جِهَةِ الوِلادَةِ. اللَّفْحُ: إصابَةُ النّارِ الشَّيْءَ بِوَهَجِها وإحْراقِها. وقالَ الزَّجّاجُ: اللَّفْحُ أشَدُّ مِنَ اللَّقْحِ تَأْثِيرًا. الكُلُوحُ: تَشَمُّرُ الشَّفَتَيْنِ عَنِ الأسْنانِ، ومِنهُ كُلُوحُ الكَلْبِ والأسَدِ. وقِيلَ: الكُلُوحُ بُسُورُ الوَجْهِ وهو تَقْطِيبُهُ، وكَلَحَ الرَّجُلُ كُلُوحًا وكُلاحًا ودَهْرٌ كالِحٌ وبَرْدٌ كالِحٌ شَدِيدٌ. العَبَثُ: اللَّعِبُ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ.
﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
مُناسَبَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ﴾ لِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ إعْراضَ الكُفّارِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ، خاطَبَ قِيلَ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ: العالَمَ بِأسْرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يُعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى وتَدَبَّرَ ما أوْدَعَهُ فِيها (p-٤١٨)مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وباهِرِ قُدْرَتِهِ فَهو كَعادِمِ هَذِهِ الأعْضاءِ، ومِمَّنْ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَمَن أنْشَأ هَذِهِ الحَواسَّ وأُنْشِئَتْ هي لَهُ وأحْيا وأماتَ وتَصَرَّفَ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ هو قادِرٌ عَلى البَعْثِ. وخَصَّ هَذِهِ الأعْضاءَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِها مَنافِعُ الدِّينِ والدُّنْيا مِن أعْمالِ السَّمْعِ والبَصَرِ في آياتِ اللَّهِ والِاسْتِدْلالِ بِفِكْرِ القَلْبِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، ولَمّا كانَ خَلْقُها مِن أتَمِّ النِّعَمِ عَلى العَبْدِ قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ تَشْكُرُونَ قَلِيلًا، و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ومِن شُكْرِ النِّعْمَةِ الإقْرارُ بِالمُنْعِمِ بِها ونَفْيُ النِّدِّ والشَّرِيكِ لَهُ.
و(ذَرَأكم) خَلَقَكم وبَثَّكم فِيها. (وإلَيْهِ) أيْ وإلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ وجَزائِهِ، (تُحْشَرُونَ) يُرِيدُ البَعْثَ والجَمْعَ في الآخِرَةِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ في الدُّنْيا والِاضْمِحْلالِ.
﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ. هو مُخْتَصٌّ بِهِ ومُتَوَلِّيهِ ولَهُ القُدْرَةُ الَّتِي ذَلِكَ الِاخْتِلافُ عَنْها. والِاخْتِلافُ هُنا التَّعاقُبُ أيْ يَخْلُفُ هَذا هَذا. (أفَلا تَعْقِلُونَ) مَن هَذِهِ تَصَرُّفاتُ قُدْرَتِهِ وآثارُ قَهْرِهِ فَتُوَحِّدُونَهُ وتَنْفُونَ عَنْهُ الشُّرَكاءَ والأنْدادَ، إذْ هم لَيْسُوا بِقادِرِينَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: يَعْقِلُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ.
(بَلْ قالُوا)، (بَلْ) إضْرابٌ أيْ لَيْسَ لَهم عَقْلٌ ولا نَظَرٌ في هَذِهِ الآياتِ، (بَلْ قالُوا) والضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ ومَن جَرى مَجْراهم في إنْكارِ البَعْثِ مِثْلَ ما قالَ آباؤُهم عادٌ وثَمُودُ ومَن يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ مِنَ الكُفّارِ. ولَمّا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى آلِهَةً ونَسَبُوا إلَيْهِ الوَلَدَ نَبَّهَهم عَلى فَرْطِ جَهْلِهِمْ، بِكَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى لَهُ الأرْضُ ومَن فِيها مِلْكٌ، وأنَّهُ رَبُّ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وهم مَعَ ذَلِكَ يَنْسُبُونَ لَهُ الوَلَدَ ويَتَّخِذُونَ لَهُ شُرَكاءَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ وثّابٍ وأبُو الأشْهَبِ وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) الثّانِي والثّالِثُ بِلَفْظِ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (لِلَّهِ) فِيها بِلامِ الجَرِّ فالقِراءَةُ الأُولى فِيها المُطابَقَةُ لَفْظًا ومَعْنًى، والثّانِيَةُ جاءَتْ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّ هَذا ؟ ولِمَن هَذا ؟ في مَعْنًى واحِدٍ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في الأوَّلِ أنَّهُ بِاللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (العَظِيمُ) بِرَفْعِ المِيمِ نَعْتًا لِلرَّبِّ، وتَقُولُ أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ إذا مَنَعْتَهُ مِنهُ أيْ وهو يَمْنَعُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يَمْنَعُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا. ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عَنْهم وبَيْنَ ما حَكى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الِاحْتِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ، وخَتَمَ كُلَّ سُؤالٍ بِما يُناسِبُهُ فَخَتَمَ: مَلِكُ الأرْضِ ومَن فِيها حَقِيقٌ أنْ لا يُشْرِكَ بِهِ بَعْضُ خَلْقِهِ مِمَّنْ في الأرْضِ مَلِكًا لَهُ الرُّبُوبِيَّةُ وخَتَمَ ما بَعْدَها بِالتَّقْوى وهي أبْلَغُ مِنَ التَّذَكُّرِ، وفِيها وعِيدٌ شَدِيدٌ، أيْ أفَلا تَخافُونَهُ فَلا تُشْرِكُوا بِهِ. وخَتَمَ ما بَعْدَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ مُبالَغَةً في التَّوْبِيخِ بَعْدَ إقْرارِهِمْ والتِزامِهِمْ ما يَقَعُ عَلَيْهِمْ بِهِ في الِاحْتِجاجِ، وأنّى بِمَعْنى كَيْفَ قَرَّرَ أنَّهم مَسْحُورُونَ وسَألَهم عَنِ الهَيْئَةِ الَّتِي سُحِرُوا بِها، أيْ كَيْفَ تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والسِّحْرُ هُنا مُسْتَعارٌ، وهو تَشْبِيهٌ لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ التَّخْلِيطِ ووَضْعِ الأفْعالِ والأقْوالِ غَيْرَ مَواضِعِها بِما يَقَعُ مِنَ المَسْحُورِ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ.
وقُرِئَ ”بَلْ آتَيْتُهم“ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِتاءِ الخِطابِ.
﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ ومِنَ الشُّرَكاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هم فِيهِ كاذِبُونَ. ثُمَّ نَفى اتِّخاذَ الوَلَدِ، وهو نَفْيُ اسْتِحالَةٍ، ونَفى الشَّرِيكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ أيْ وما كانَ مَعَهُ شَرِيكٌ في خَلْقِ العالَمِ واخْتِراعِهِمْ ولا في غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ العُلى، فَنَفْيُ الوَلَدِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ونَفْيُ الشَّرِيكِ في الأُلُوهِيَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى مَن قالَ: الأصْنامُ آلِهَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إبْطالُ قَوْلِ النَّصارى والثَّنَوِيَّةِ و﴿مِن ولَدٍ﴾ و﴿مِن إلَهٍ﴾ نَفْيٌ عامٌّ يُفِيدُ (p-٤١٩)اسْتِغْراقَ الجِنْسِ، ولِهَذا جاءَ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ إذًا لَذَهَبَ الإلَهُ. ومَعْنى (لَذَهَبَ) أيْ لانْفَرَدَ ﴿كُلُّ إلَهٍ﴾ بِخَلْقِهِ الَّذِي خَلَقَ واسْتَبَدَّ بِهِ وتَمَيَّزَ مِلْكُ كُلِّ واحِدٍ عَنْ مِلْكِ الآخَرِ وغَلَبَ بَعْضُهم بَعْضًا كَحالِ مُلُوكِ الدُّنْيا، وإذًا لَمْ يَقَعِ الِانْفِرادُ والتَّغالُبُ فاعْلَمُوا أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ و(إذًا) لَمْ يَتَقَدَّمْهُ في اللَّفْظِ شَرْطٌ ولا سُؤالُ سائِلٍ ولا عِدَةٌ قالُو: فالشَّرْطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، ولَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ: زَعَمَ أنَّهُ إذا جاءَ بَعْدَها اللّامُ كانَتْ لَوْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَحْذُوفَةً، وقَدْ قَرَّرْنا تَخْرِيجًا لَها عَلى غَيْرِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣] في سُورَةِ الإسْراءِ: والظّاهِرُ أنَّ (ما) في: ﴿بِما خَلَقَ﴾ بِمَعْنى الَّذِي، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تَنْزِيهٌ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ. وقُرِئَ (عَمّا تَصِفُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الِابْنانِ، وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِلَّهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اتِّباعٌ لِلْمَكْتُوبَةِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ بِالرَّفْعِ. قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الرَّفْعُ أنَّ الكَلامَ قَدِ انْقَطَعَ، يَعْنِي أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو: (عالِمُ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والرَّفْعُ عِنْدِي أبْرَعُ. والفاءُ في قَوْلِهِ: (فَتَعالى) عاطِفَةٌ، فالمَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى﴾ كَما تَقُولُ زَيْدٌ شُجاعٌ فَعَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ أيْ شَجُعَ فَعَظُمَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَأقُولُ ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] عَلى إخْبارٍ مُؤْتَنَفٍ. و(الغَيْبُ) ما غابَ عَنِ النّاسِ، و(الشَّهادَةُ) ما شاهَدُوهُ، انْتَهى.