Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — النور 24:29 – النور 24:50

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. النور 24:29
  2. النور 24:30
  3. النور 24:31
  4. النور 24:32
  5. النور 24:33
  6. النور 24:34
  7. النور 24:35
  8. النور 24:36
  9. النور 24:37
  10. النور 24:38
  11. النور 24:39
  12. النور 24:40
  13. النور 24:41
  14. النور 24:42
  15. النور 24:43
  16. النور 24:44
  17. النور 24:45
  18. النور 24:46
  19. النور 24:47
  20. النور 24:48
  21. النور 24:49
  22. النور 24:50

النور 24:29

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤] ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [النور: ٣٦] ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [النور: ٣٩] ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١] ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [النور: ٤٢] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ [النور: ٤٣] ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ [النور: ٤٤] ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥] ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧] ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٥٣] ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩] ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠] ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٤] (p-٤٤٣)غَضَّ البَصَرَ: أطْبَقَ الجَفْنَ عَلى الجَفْنِ بِحَيْثُ تَمْتَنِعُ الرُّؤْيَةُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابًا الخُمُرُ: جَمْعُ خِمارٍ، وهو المِقْنَعَةُ الَّتِي تُلْقِي المَرْأةُ عَلى رَأْسِها، وهو جَمْعُ كَثْرَةٍ مَقِيسٌ فِيهِ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أخْمِرَةٍ، وهو مَقِيسٌ فِيها أيْضًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وتَرى الشَّجْراءَ في رَيِّقِهِ ∗∗∗ كَرُءُوسٍ قُطِّعَتْ فِيها الخُمُرُ، الجَيْبُ: فَتْحٌ يَكُونُ في طَوْقِ القَمِيصِ يَبْدُو مِنهُ بَعْضُ الجَسَدِ. والعَوْرَةُ: ما احْتُرِزَ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، ويَغْلِبُ في سَوْأةِ الرَّجُلِ. والمَرْأةُ الأيِّمُ: قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: كُلُّ ذَكَرٍ لا أُنْثى مَعَهُ، وكُلُّ أُنْثى لا ذَكَرَ مَعَها، ووَزْنُهُ فَعْيِلٌ كَلَيِّنٍ، ويُقالُ: آمَتْ تَئِيمُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎كُلُّ امْرِئٍ سَتَئِيمُ مِن ∗∗∗ هُ العِرْسُ أوْ مِنها يَئِيمْ أيْ: سَيَنْفَرِدُ فَيَصِيرُ أيِّمًا، وقِياسُ جَمْعِهِ أيائِمُ، كَسَيائِدَ في جَمْعِ سَيِّدٍ، وجَمْعُهُ عَلى فَعالى مَحْفُوظٌ لا مَقِيسٌ. البِغاءُ: الزِّنا، يُقالُ: بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً فَهي بَغِيٌّ، وهو مُخْتَصٌّ بِزِنا النِّساءِ. المِشْكاةُ: الكُوَّةُ غَيْرُ (p-٤٤٤)النّافِذَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ حَبَشِيٌّ مُعَرَّبٌ. الزُّجاجَةُ: جَوْهَرٌ مَصْنُوعٌ مَعْرُوفٌ، وضَمُّ الزّايِ لُغَةُ الحِجازِ، وكَسْرُها وفَتْحُها لُغَةُ قَيْسٍ. الزَّيْتُ: الدُّهْنُ المُعْتَصَرُ مِن حَبِّ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ. قالَ الكَرْمانِيُّ: السَّرابُ بُخارٌ يَرْتَفِعُ مِن قَعُورِ القِيعانِ فَيُكَيِّفُ، فَإذا اتَّصَلَ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ أشْبَهَ الماءَ مِن بَعِيدٍ، فَإذا دَنا مِنهُ الإنْسانُ لَمْ يَرَهُ كَما كانَ يَراهُ بَعِيدًا. وقالَ الفَرّاءُ: السَّرابُ: ما لَصِقَ بِالأرْضِ. وقِيلَ: هُوالشُّعاعُ الَّذِي يُرى نِصْفَ النَّهارِ عِنْدَ اشْتِدادِ الحَرِّ في البَرِّ، يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ الماءُ السّارِبُ، أيِ: الجارِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكم ∗∗∗ كَلَمْعِ سَرابٍ في الفَلا مُتَألِّقِ وقالَ: ؎أمَرُّ الطُّولِ لَمّاعُ السَّرابِ وقِيلَ: السَّرابُ ما يُرَقْرَقُ مِنَ الهَواءِ في الهَجِيرِ في فَيافِي الأرْضِ المُنْبَسِطَةِ. اللُّجِّيُّ: الكَثِيرُ الماءِ، ولُجَّةُ البَحْرِ مُعْظَمُهُ، وكانَ لُجِّيًّا مَنسُوبٌ إلى اللُّجَّةِ. الوَدْقُ: المَطَرُ شَدِيدُهُ وضَعِيفُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالُها وقالَ أبُو الأشْهَبِ العُقَيْلِيُّ: هو البَرْقُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أثَرْنَ عَجاجَةً وخَرَجْنَ مِنها ∗∗∗ خُرُوجَ الوَدْقِ مِن خَلَلِ السَّحابِ والوَدْقُ: مَصْدَرُ ودَقَ السَّحابُ يَدِقُ ودْقًا، ومِنهُ اسْتَوْدَقْتُ الفَرَسَ. البَرْدُ: مَعْرُوفٌ، وهو قِطَعٌ مُتَجَمِّدَةٌ يَذُوبُ مِنهُ ماءٌ بِالحَرارَةِ. السَّنا: مَقْصُورٌ مِن ذَواتِ الواوِ وهُوالضَّوْءُ. قالَ الشّاعِرُ: يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحُ راهِبٍ يُقالُ: سَنا يَسْنُو سَنًا، والسَّنا أيْضًا نَبْتٌ يُتَداوى بِهِ، والسَّناءُ بِالمَدِّ الرِّفْعَةُ والعُلُوُّ قالَ: وسَنَ كَسَنَقَ سَناءً وسَنًا، أذْعَنَ لِلشَّيْءِ: انْقادَ لَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإذْعانُ: الإسْراعُ مَعَ الطّاعَةِ. الحَيْفُ: المَيْلُ في الحُكْمِ، يُقالُ: حافَ في قَضِيَّتِهِ، أيْ: جارَ. اللِّواذُ: الرَّوَغانُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ في خُفْيَةٍ. * * ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ (p-٤٤٥)«جاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أكُونُ في بَيْتِي عَلى حالٍ لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي عَلَيْها أحَدٌ، فَلا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا﴾»، الآيَةَ. «فَقالَ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ نُزُولِها: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ الخاناتِ والمَساكِنَ الَّتِي لَيْسَ فِيها ساكِنٌ، فَنَزَلَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾»، الآيَةَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّ أهْلَ الإفْكِ إنَّما وجَدُوا السَّبِيلَ إلى بُهْتانِهِمْ مِن حَيْثُ اتَّفَقَتِ الخَلْوَةُ، فَصارَتْ كَأنَّها طَرِيقٌ لِلتُّهْمَةِ، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يَدْخُلَ المَرْءُ بَيْتَ غَيْرِهِ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامِ؛ لِأنَّ في الدُّخُولِ لا عَلى هَذا الوَجْهِ وُقُوعَ التُّهْمَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ المَضَرَّةِ ما لا خَفاءَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَدْخُلَ بَيْتَ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ ولا سَلامٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، ويُرْوى «أنْ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أأسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي ؟ قالَ: ”نَعَمْ“، قالَ: لَيْسَ لَها خادِمٌ غَيْرِي؛ أأسْتَأْذِنُ عَلَيْها كُلَّما دَخَلْتُ ؟ قالَ: ”أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً“ قالَ الرَّجُلُ: لا»، قالَ: وغَيّا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ بِالِاسْتِئْناسِ والسَّلامِ عَلى أهْلِ تِلْكَ البُيُوتِ، والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِئْناسَ هو خِلافُ الِاسْتِيحاشِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَطْرُقُ بابَ غَيْرِهِ لا يَدْرِي أيُؤْذَنُ لَهُ أمْ لا، فَهو كالمُسْتَوْحِشِ مِن جَفاءِ الحالِ إذا أُذِنَ لَهُ اسْتَأْنَسَ، فالمَعْنى حَتّى يُؤْذَنَ لَكم كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهَذا مِن بابِ الكِناياتِ والإرْدافِ؛ لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِئْناسِ يُرْدَفُ الإذْنَ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الإذْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ مَعْناهُ تَسْتَأْذِنُوا، ومَن رَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ خَطَأٌ أوْ وهْمٌ مِنَ الكاتِبِ، وأنَّهُ قَرَأ حَتّى تَسْتَأْذِنُوا، فَهو طاعِنٌ في الإسْلامِ مُلْحِدٌ في الدِّينِ، وابْنُ عَبّاسٍ بَرِيءٌ مِن هَذا القَوْلِ. و﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ (p-٤٤٦)مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى بِيِّنَةُ الوَجْهِ في كَلامِ العَرَبِ. «وقَدْ قالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أسْتَأْنِسُ يا رَسُولَ اللَّهِ وعُمَرُ واقِفٌ عَلى بابِ الغُرْفَةِ،» الحَدِيثَ المَشْهُورَ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ الأُنْسَ بِهِ. وقِيلَ: هو مِنَ الِاسْتِئْناسِ الَّذِي هو الِاسْتِعْلامُ والِاسْتِكْشافُ، اسْتِفْعالٌ مِن أنِسَ الشَّيْءَ إذا أبْصَرَهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا، والمَعْنى حَتّى تَسْتَعْلِمُوا وتَسْتَكْشِفُوا الحالَ هَلْ يُرادُ دُخُولُكم أمْ لا، ومِنهُ اسْتَأْنِسْ هَلْ تَرى أحَدًا واسْتَأْنَسْتُ فَلَمْ أرَ أحَدًا، أيْ تَعَرَّفْتُ واسْتَعْلَمْتُ، ومِنهُ بَيْتُ النّابِغَةِ: ؎كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا يَوْمَ الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وحِدِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الأُنْسِ، وهو أنْ يَتَعَرَّفَ هَلْ ثَمَّ إنْسانٌ. «وعَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الِاسْتِئْناسُ ؟ قالَ: ”يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِالتَّسْبِيحَةِ والتَّكْبِيرَةِ يَتَنَحْنَحُ يُؤْذِنُ أهْلَ البَيْتِ، والتَّسْلِيمُ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكم“» . وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ الرَّجُلُ مِنهم إذا دَخَلَ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ: حُيِّيتُمْ صَباحًا وحُيِّيتُمْ مَساءً، ثُمَّ يَدْخُلُ، فَرُبَّما أصابَ الرَّجُلَ مَعَ امْرَأتِهِ في لِحافٍ واحِدٍ، فَصَدَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وعَلَّمَ الأحْسَنَ الأكْمَلَ. وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ في ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ إلى أنَّهُ بِمَعْنى حَتّى تُؤْنِسُوا أهْلَ البَيْتِ مِن أنْفُسِكم بِالتَّنَحْنُحِ والِاسْتِئْذانِ ونَحْوِهِ، وتُؤْنِسُوا أنْفُسَكم بِأنْ تَعْلَمُوا أنْ قَدْ شُعِرَ بِكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَصْرِيفُ الفِعْلِ يَأْبى أنْ يَكُونَ مِن آنَسَ، انْتَهى. وقالَ عَطاءٌ: الِاسْتِئْذانُ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، والظّاهِرُ مُطْلَقُ الِاسْتِئْذانِ فَيَكْفِي فِيهِ المَرَّةُ الواحِدَةُ. وفي الحَدِيثِ: «الِاسْتِئْذانُ ثَلاثٌ» يَعْنِي كَمالَهُ. «فَإنْ أُذِنَ لَهُ وإلّا فَلْيَرْجِعْ، ولا يَزِيدُ عَلى ثَلاثٍ إلّا أنْ يُحَقِّقَ أنَّ مَن في البَيْتِ لَمْ يَسْمَعْ» . والظّاهِرُ تَقْدِيمُ الِاسْتِئْذانِ عَلى السَّلامِ. «وفِي حَدِيثِ أبِي داوُدَ: قُلِ السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟» والواوُ في ﴿وتُسَلِّمُوا﴾ لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَشَرَعَ النِّداءَ بِالسَّلامِ عَلى الإذْنِ لِما في السَّلامِ مِنَ التَّفاؤُلِ بِالسَّلامَةِ. (ذَلِكم) إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾، و(تُسَلِّمُوا) أيْ (ذَلِكم) الِاسْتِئْناسُ والتَّسْلِيمُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ شَرَعْنا ذَلِكَ ونَبَّهْناكم عَلى ما فِيهِ مَصْلَحَتُكم مِنَ السَّتْرِ وعَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى ما تَكْرَهُونَ الِاطِّلاعَ عَلَيْهِ. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ اعْتِناءً بِمَصالِحِكم. ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ أيْ يَأْذَنُ لَكم فَلا تُقْدِمُوا عَلى الدُّخُولِ في مِلْكِ غَيْرِكم، ﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إذْ قَدْ يَكُونُ لِرَبِّ البَيْتِ فِيهِ ما لا يُحِبُّ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ. ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ وهَذا عائِدٌ إلى مَنِ اسْتَأْذَنَ في دُخُولِ بَيْتِ غَيْرِهِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، سَواءٌ كانَ فِيهِ مَن يَأْذَنُ أمْ لَمْ يَكُنْ، أيْ: لا تُلِحُّوا في طَلَبِ الإذْنِ ولا في الوُقُوفِ عَلى البابِ مُنْتَظِرِينَ. ﴿هُوَ أزْكى﴾ أيِ الرُّجُوعُ أطْهَرُ لَكم وأنْمى خَيْرًا؛ لِما فِيهِ مِن سَلامَةِ الصَّدْرِ والبُعْدِ عَنِ الرِّيبَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ تَعالى ﴿بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أيْ بِما تَأْتُونَ وما تَذَرُوَنَ مِمّا خُوطِبْتُمْ بِهِ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، وفي ذَلِكَ تَوَعُّدٌ لِأهْلِ التَّجَسُّسِ عَلى البُيُوتِ وطَلَبِ الدُّخُولِ عَلى غَيْرِهِ والنَّظَرِ لِما لا يَحِلُّ. ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَثْنى مِنَ البُيُوتِ الَّتِي يَجِبُ الِاسْتِئْذانُ عَلى داخِلِها ما لَيْسَ بِمَسْكُونٍ مِنها، نَحْوَ الفَنادِقِ - وهي الخاناتُ - والرُّبُطُ وحَوانِيتُ البَيّاعِينَ، والمَتاعُ المَنفَعَةُ كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ وإيواءِ الرِّحالِ والسِّلَعِ والشِّراءِ والبَيْعِ، انْتَهى. وما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ البُيُوتِ كَما ذَكَرَ، هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ، ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى في البُيُوتِ المَسْكُونَةِ والمَمْلُوكَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، وهَذا الآيَةُ الثّانِيَةُ هي في البُيُوتِ المُباحَةِ، وقَدْ مَثَّلَ العُلَماءُ لِهَذِهِ البُيُوتِ أمْثِلَةً. فَقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ: هي في الفَنادِقِ الَّتِي في طُرُقِ المُسافِرِينَ. قالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْكُنُها أحَدٌ بَلْ هي مَوْقُوفَةٌ يَأْوِي إلَيْها كُلُّ ابْنِ سَبِيلٍ. و﴿فِيها مَتاعٌ﴾ لَهم أيِ اسْتِمْتاعٌ بِمَنفَعَتِها، ومَثَّلَ عَطاءٌ بِالخِرَبِ الَّتِي تُدْخَلُ لِلتَّبَرُّزِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: هي حَوانِيتُ (p-٤٤٧)القَيْسارِيَةِ والسُّوقِ. قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا: هي دُورُ مَكَّةَ، وهَذا لا يَسُوغُ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ دُورَ مَكَّةَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، وأنَّ النّاسَ فِيها شُرَكاءُ، وأنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ وعِيدٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ البُيُوتَ غَيْرَ المَسْكُونَةِ مِن أهْلِ الرِّيَبِ. و(مِن) في ﴿مِن أبْصارِهِمْ﴾ عِنْدَ الأخْفَشِ زائِدَةٌ، أيْ يَغُضُّوا أبْصارَهم عَمّا يَحْرُمُ، وعِنْدَ غَيْرِهِ لِلتَّبْعِيضِ؛ وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ نَظْرَةٍ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ وإنَّما يَغُضُّ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -: لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإنَّ الأُولى لَكَ ولَيْسَتْ لَكَ الثّانِيَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، انْتَهى. ولَمْ يَتَقَدَّمْ مُبْهَمٌ فَتَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، عَلى أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ ”مِن“ لَيْسَ مِن مَوْضُوعاتِها أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ. ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أيْ مِنَ الزِّنا ومِنَ التَّكَشُّفِ. ودَخَلَتْ (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن أبْصارِهِمْ﴾ دُونَ الفَرْجِ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ أمْرَ النَّظَرِ أوْسَعُ؛ ألا تَرى أنَّ الزَّوْجَةَ يَنْظُرُ زَوْجُها إلى مَحاسِنِها مِنَ الشَّعْرِ والصَّدْرِ والعَضُدِ والسّاقِ والقَدَمِ، وكَذَلِكَ الجارِيَةُ المُسْتَعْرَضَةُ، ويَنْظُرُ مِنَ الأجْنَبِيَّةِ إلى وجْهِها وكَفَّيْها، وأمّا أمْرُ الفَرْجِ فَمُضَيَّقٌ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ وابْنِ زَيْدٍ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن حِفْظِ الفَرْجِ فَهو مِنَ الزِّنا إلّا هَذا فَهو مِنَ الِاسْتِتارِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ بَلْ حِفْظُ الفَرْجِ يَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ. (ذَلِكَ) أيْ غَضُّ البَصَرِ وحِفْظُ الفَرْجِ أطْهَرُ لَهم. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ مِن إحالَةِ النَّظَرِ وانْكِشافِ العَوْراتِ، فَيُجازِي عَلى ذَلِكَ. وقَدَّمَ غَضَّ البَصَرِ عَلى حِفْظِ الفَرْجِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنا ورائِدُ الفُجُورِ، والبَلْوى فِيهِ أشَدُّ وأكْثَرُ، لا يَكادُ يُقْدَرُ عَلى الِاحْتِرازِ مِنهُ، وهو البابُ الأكْبَرُ إلى القَلْبِ وأعْمَرُ طُرُقِ الحَواسِّ إلَيْهِ، ويَكْثُرُ السُّقُوطُ مِن جِهَتِهِ. وقالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: ؎وما الحُبُّ إلّا نَظْرَةٌ إثْرَ نَظْرَةٍ ∗∗∗ تَزِيدُ نُمُوًّا إنْ تَزِدْهُ لَجاجًا ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حُكْمَ المُؤْمِناتِ في تَساوِيهِنَّ مَعَ الرِّجالِ في الغَضِّ مِنَ الأبْصارِ وفي الحِفْظِ لِلْفُرُوجِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، واسْتَثْنى ما ظَهَرَ مِنَ الزِّينَةِ، والزِّينَةُ ما تَتَزَيَّنُ بِهِ المَرْأةُ مِن حُلِيٍّ أوْ كُحْلٍ أوْ خِضابٍ، فَما كانَ ظاهِرًا مِنها كالخاتَمِ والفَتْخَةِ والكُحْلِ والخِضابِ فَلا بَأْسَ بِإبْدائِهِ لِلْأجانِبِ، وما خَفِيَ مِنها كالسُّوارِ والخَلْخالِ والدُّمْلُجِ والقِلادَةِ والإكْلِيلِ والوِشاحِ والقُرْطِ فَلا تُبْدِيهِ إلّا لِمَنِ اسْتُثْنِيَ. وذَكَرَ الزِّينَةَ دُونَ مَواضِعِها مُبالَغَةً في الأمْرِ بِالتَّصَوُّنِ والتَّسَتُّرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الزِّيَنَ واقِعَةٌ عَلى مَواضِعَ مِنَ الجَسَدِ لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْها لِغَيْرِ هَؤُلاءِ، وهي السّاقُ والعَضُدُ والعُنُقُ والرَّأْسُ والصَّدْرُ والآذانُ، فَنَهى عَنْ إبْداءِ الزِّيَنِ نَفْسِها؛ لِيُعْلَمَ أنَّ النَّظَرَ لا يَحِلُّ إلَيْها لِمُلابَسَتِها تِلْكَ المَواقِعَ بِدَلِيلِ النَّظَرِ إلَيْها غَيْرَ مُلابِسَةٍ لَها، وسُومِحَ في الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ؛ لِأنَّ سَتْرَها فِيهِ حَرَجٌ، فَإنَّ المَرْأةَ لا تَجِدُ بُدًّا مِن مُزاوَلَةِ الأشْياءِ بِيَدِها ومِنَ الحاجَةِ إلى كَشْفِ وجْهِها، خُصُوصًا في الشَّهادَةِ والمُحاكَمَةِ والنِّكاحِ، وتُضْطَرُّ إلى المَشْيِ في الطُّرُقاتِ وظُهُورِ قَدَمَيْها خاصَّةً الفَقِيراتُ مِنهُنَّ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ يَعْنِي إلّا ما جَرَتِ العادَةُ والجِبِلَّةُ عَلى ظُهُورِهِ، والأصْلُ فِيهِ الظُّهُورُ وسُومِحَ في الزِّينَةِ الخَفِيفَةِ. أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ لِما كانُوا مُخْتَصِّينَ بِهِ مِنَ الحاجَةِ المُضْطَرَّةِ إلى مُداخَلَتِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ، ولِقِلَّةِ تَوَقُّعِ الفِتْنَةِ مِن جِهاتِهِمْ؛ ولِما في الطِّباعِ مِنَ النُّفْرَةِ عَنْ مُماسَّةِ القَرائِبِ، وتَحْتاجُ المَرْأةُ إلى صُحْبَتِهِمْ في الأسْفارِ لِلنُّزُولِ والرُّكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ هو الثِّيابُ، ونَصَّ عَلى ذَلِكَ أحْمَدُ قالَ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ الثِّيابُ، وقالَ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وفُسِّرَتِ الزِّينَةُ بِالثِّيابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكُحْلُ والخاتَمُ. وقالَ الحَسَنُ في جَماعَةٍ: الوَجْهُ والكَفّانِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الوَجْهُ والكُحْلُ والخاتَمُ والخِضابُ والسُّوارُ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: الخاتَمُ والسِّوارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكُحْلُ والخاتَمُ فَقَطْ. وقالَ (p-٤٤٨)المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: هُما والسِّوارُ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: الخاتَمُ والسِّوارُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الزِّينَةُ تَقَعُ عَلى مَحاسِنِ الخَلْقِ الَّتِي فَعَلَها اللَّهُ وعَلى ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِن فَضْلِ لِباسٍ، فَنَهاهُنَّ اللَّهُ عَنْ إبْداءِ ذَلِكَ لِمَن لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، واسْتَثْنى ما لا يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ في بَعْضِ الأوْقاتِ كالوَجْهِ والأطْرافِ عَلى غَيْرِ التَّلَذُّذِ. وأنْكَرَ بَعْضُهم إطْلاقَ الزِّينَةِ عَلى الخِلْقَةِ، والأقْرَبُ دُخُولُهُ في الزِّينَةِ، وأيُّ زِينَةٍ أحْسَنُ مِن خَلْقِ العُضْوِ في غايَةِ الِاعْتِدالِ والحُسْنِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الزِّينَةَ ما يَعُمُّ الخِلْقَةَ وغَيْرَها، مَنَعَهُنَّ مِن إظْهارِ مَحاسِنِ خَلْقِهِنَّ فَأوْجَبَ سَتْرَها بِالخِمارِ. وقَدْ يُقالُ لَمّا كانَ الغالِبُ مِنَ الوَجْهِ والكَفَّيْنِ ظُهُورُها عادَةً وعِبادَةً في الصَّلاةِ والحَجِّ: حَسُنَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ راجِعًا إلَيْهِما، وفي السُّنَنِ لِأبِي داوُدَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«يا أسْماءُ، إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا: وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفَّيْهِ» . وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ: إذا كانَتْ جَمِيلَةً وخِيفَ مِن وجْهِها وكَفَّيْها الفِتْنَةُ فَعَلَيْها سَتْرُ ذَلِكَ، وكانَ النِّساءُ يُغَطِّينَ رُءُوسَهُنَّ بِالأخْمِرَةِ ويُسْدِلْنَها مِن وراءِ الظَّهْرِ فَيَبْقى النَّحْرُ والعُنُقُ والأُذُنانِ لا سِتْرَ عَلَيْهِنَّ، وضَمَّنَ ﴿ولْيَضْرِبْنَ﴾ مَعْنى ولْيُلْقِينَ ولْيَضَعْنَ، فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ بِيَدِي عَلى الحائِطِ إذا وضَعْتَها عَلَيْهِ. وقَرَأ عَيّاشٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ﴿ولِيَضْرِبْنَ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ، وطَلْحَةُ: ﴿بِخُمْرِهِنَّ﴾ بِسُكُونِ المِيمِ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وهِشامٌ: ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾ بِضَمِّ الجِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ الجِيمِ. وبَدَأ تَعالى بِالأزْواجِ؛ لِأنَّ اطِّلاعَهم يَقَعُ عَلى أعْظَمَ مِنَ الزِّينَةِ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَحارِمِ وسَوّى بَيْنَهم في إبْداءِ الزِّينَةِ، ولَكِنْ تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم في الحُرْمَةِ بِحَسَبِ ما في نُفُوسِ البَشَرِ، فالأبُ والأخُ لَيْسَ كابْنِ الزَّوْجِ فَقَدْ يُبْدى لِلْأبِ ما لا يُبْدى لِابْنِ الزَّوْجِ. ولَمْ يَذْكُرْ تَعالى هُنا العَمَّ ولا الخالَ. وقالَ الحَسَنُ: هُما كَسائِرِ المَحارِمِ في جَوازِ النَّظَرِ، قالَ: لِأنَّ الآيَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِيها الرَّضاعُ وهو كالنَّسَبِ، وقالَ في سُورَةِ الأحْزابِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]، ولَمْ يَذْكُرْ فِيها البُعُولَةَ وذَكَرَهم هُنا، والإضافَةُ في: (نِسائِهِنَّ) إلى المُؤْمِناتِ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِنَّ مِنَ النِّساءِ مِن مُسْلِمَةٍ وكافِرَةٍ، كِتابِيَّةٍ ومُشْرِكَةٍ، مِنَ اللَّواتِي يَكُنَّ في صُحْبَةِ المُؤْمِناتِ وخِدْمَتِهِنَّ، وأكْثَرُ السَّلَفِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ مَخْصُوصٌ بِمَن كانَ عَلى دِينِهِنَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ لِلْمُسْلِمَةِ أنْ تَتَجَرَّدَ بَيْنَ نِساءِ أهْلِ الذِّمَّةِ، ولا تُبْدِيَ لِلْكافِرَةِ إلّا ما تُبْدِي لِلْأجانِبِ، إلّا أنْ تَكُونَ أمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾، وكَتَبَ عُمَرُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ أنِ امْنَعْ نِساءَ أهْلِ الذِّمَّةِ مِن دُخُولِ الحَمّامِ مَعَ المُؤْمِناتِ. والظّاهِرُ العُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾، فَيَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ، فَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أنْ يَنْظُرَ مِن سَيِّدَتِهِ ما يَنْظُرُ أُولَئِكَ المُسْتَثْنَوْنَ، وهو مَذْهَبُ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ. وعَنْ مُجاهِدٍ: كانَ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ لا يَحْتَجِبْنَ عَنْ مُكاتَبِهِنَّ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، ورُوِيَ أنَّ عائِشَةَ كانَتْ تَمْتَشِطُ وعَبْدُها يَنْظُرُ إلَيْها. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مِثْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ سِيرِينَ: لا يَنْظُرُ العَبْدُ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وفي الحَدِيثِ: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» والعَبْدُ لَيْسَ بِذِي مَحْرَمٍ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا يَغُرَّنَّكم آيَةُ النُّورِ، فَإنَّ المُرادَ بِها الإماءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ عَبْدَ المَرْأةِ بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّ مِنها خَصِيًّا كانَ أوْ فَحْلًا. وعَنْ مَيْسُونَ بِنْتِ بَحْدَلٍ الكِلابِيَّةِ: إنَّ مُعاوِيَةَ دَخَلَ عَلَيْها ومَعَهُ خَصِيٌّ فَتَقَنَّعَتْ مِنهُ، فَقالَ: هو خَصِيٌّ فَقالَتْ: يا مُعاوِيَةُ، أتَرى المُثْلَةَ تُحَلِّلُ ما حَرَّمَ اللَّهُ. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لا يَحِلُّ إمْساكُ الخِصْيانِ واسْتِخْدامُهم وبَيْعُهم وشِراؤُهم، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ إمْساكُهم. انْتَهى. والإرْبَةُ الحاجَةُ إلى الوَطْءِ؛ لِأنَّهم بُلْهٌ لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن أمْرِ النِّساءِ، ويَتَّبِعُونَ لِأنَّهم يُصِيبُونَ مِن فَضْلِ الطَّعامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْخُلُ في هَذِهِ (p-٤٤٩)الصِّفَةِ المَجْنُونُ والمَعْتُوهُ والمُخَنَّثُ والشَّيْخُ الفانِي والزَّمِنُ المَوْقُوذُ بِزَمانَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاسْتِثْناءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ عَلى النَّعْتِ، وعَطَفَ ﴿أوِ الطِّفْلِ﴾ عَلى ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾، قَسَّمَ التّابِعِينَ غَيْرَ أُولِي الحاجَةِ لِلْوَطْءِ إلى قِسْمَيْنِ: رِجالٌ وأطْفالٌ، والمُفْرَدُ المَحْكِيُّ بِألْ يَكُونُ لِلْجِنْسِ فَيَعُمُّ، ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصُّفْرُ والدِّرْهَمُ البِيضُ، يُرِيدُ الدَّنانِيرَ والدَّراهِمَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أوِ الأطْفالِ. والطِّفْلُ ما لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ، وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ (أوِ الأطْفالِ) جَمْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وضَعَ الواحِدَ مَوْضِعَ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ الجِنْسَ ويُبَيِّنُ ما بَعْدَهُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ونَحْوُهُ ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، انْتَهى. ووَضْعُ المُفْرَدِ مَوْضِعَ الجَمْعِ لا يَنْقاسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وإنَّما قَوْلُهُ: (الطِّفْلِ) مِن بابِ المُفْرَدِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ فَيَعُمُّ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ والتِّلاوَةُ، ﴿“ ثُمَّ يُخْرِجُكم ”﴾ [غافر: ٦٧] بِثُمَّ لا بِالواوِ. وقَوْلُهُ ونَحْوُهُ لَيْسَ نَحْوَهُ؛ لِأنَّ هَذا مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ و(طِفْلًا) نَكِرَةٌ، ولا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ (طِفْلًا) هُنا عَلى الجَمْعِ الَّذِي لا يَقِيسُهُ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ثُمَّ يُخْرِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنكم، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]، أيْ: لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ. وكَما تَقُولُ: بَنُو فُلانٍ يُشْبِعُهم رَغِيفٌ، أيْ: يُشْبِعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم رَغِيفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ إمّا مِن قَوْلِهِمْ ظَهَرَ عَلى الشَّيْءِ إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ، أيْ: لا يَعْرِفُونَ ما العَوْرَةُ ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها، وإمّا مِن ظَهَرَ عَلى فُلانٍ إذا قَوِيَ عَلَيْهِ وظَهَرَ عَلى القِرْنِ أخَذَهُ. ومِنهُ ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] أيْ: غالِبِينَ قادِرِينَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى لَمْ يَبْلُغُوا أوانَ القُدْرَةِ عَلى الوَطْءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَوْراتِ) بِسُكُونِ الواوِ، وهي لُغَةُ أكْثَرِ العَرَبِ لا يُحَرِّكُونَ الواوَ والياءَ في نَحْوِ هَذا الجَمْعِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَحْرِيكُ واوِ (عَوَراتِ) بِالفَتْحِ. والمَشْهُورُ في كُتُبِ النَّحْوِ أنَّ تَحْرِيكَ الواوِ والياءِ في مِثْلِ هَذا الجَمْعِ هو لُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ. ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ في كِتابِ“ شَواذِّ القِراءاتِ " أنَّ ابْنَ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشَ قَرَأ (عَوَراتِ) بِالفَتْحِ. قالَ: وسَمِعْنا ابْنَ مُجاهِدٍ يَقُولُ: هو لَحْنٌ وإنَّما جَعَلَهُ لَحْنًا وخَطَأً مِن قِبَلِ الرِّوايَةِ وإلّا فَلَهُ مَذْهَبٌ في العَرَبِيَّةِ بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: رَوَضاتٌ وجُوَراتٌ وعَوَراتٌ، وسائِرُ العَرَبِ بِالإسْكانِ. وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ عَلى تَخْفِيفِ ذَلِكَ إلّا هُذَيْلًا فَتُثْقِلُ ما كانَ مِن هَذا النَّوْعِ مِن ذَواتِ الياءِ والواوِ. وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎أبُو بَيَضاتٍ رائِحٌ مُتَأوِّبٌ ∗∗∗ رَفِيقٌ بِمَسْحِ المَنكِبَيْنِ سَبُوحُ ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ كانَتِ المَرْأةُ تَضْرِبُ الأرْضَ بِرِجْلِها لِيَتَقَعْقَعَ خَلْخالُها فَيُعْلَمَ أنَّها ذاتُ خَلْخالٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو قَرْعُ الخَلْخالِ بِالإجْراءِ وتَحْرِيكُ الخَلاخِلِ عِنْدَ الرِّجالِ. وزَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أنَّ امْرَأةً اتَّخَذَتْ خَلْخالًا مِن فِضَّةٍ، واتَّخَذَتْ جَزْعًا فَجَعَلَتْهُ في ساقِها، فَمَرَّتْ عَلى القَوْمِ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِها الأرْضَ فَوَقَعَ الخَلْخالُ عَلى الجَزْعِ، فَصَوَّتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وسَماعُ صَوْتِ ذِي الزِّينَةِ أشَدُّ تَحْرِيكًا لِلشَّهْوَةِ مِن إبْدائِها، انْتَهى. وقالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ ما مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى نَهاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا مَرَّتْ عَلى الرِّجالِ قَدْ لا يُلْتَفَتُ إلَيْها ولا يُشْعَرُ بِها: وهي تَكْرَهُ أنْ لا يُنْظَرَ إلَيْها، فَإذا فَعَلْنَ ذَلِكَ نَبَّهْنَ عَلى أنْفُسِهِنَّ، وذَلِكَ بِحُبِّهِنَّ في تَعَلُّقِ الرِّجالِ بِهِنَّ، وهَذا مِن خَفايا الإعْلامِ بِحالِهِنَّ. وقالَ مَكِّيٌّ: لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ آيَةٌ أكْثَرُ ضَمائِرَ مِن هَذِهِ، جَمَعَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ ضَمِيرًا لِلْمُؤْمِناتِ مِن مَخْفُوضٍ ومَرْفُوعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما نَهى عَنْ إظْهارِ صَوْتِ الحُلِيِّ بَعْدَ ما نَهى عَنْ إظْهارِ الحُلِيِّ، عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنْ إظْهارِ مَواقِعِ الحُلِيِّ أبْلَغُ. ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا سَبَقَتْ أوامِرُ مِنهُ تَعالى ومَناهٍ، وكانَ الإنْسانُ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى مُراعاتِها دائِمًا، وإنْ ضَبَطَ (p-٤٥٠)نَفْسَهُ واجْتَهَدَ، فَلا بُدَّ مِن تَقْصِيرٍ أمَرَ بِالتَّوْبَةِ وبِتَرَجِّي الفَلّاحِ إذا تابُوا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (تُوبُوا) مِمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ لَعَلَّكم تَسْعَدُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (أيُّهُ المُؤْمِنُونَ) و(يا أيُّهُ السّاحِرُ) يا (أيُّهُ الثَّقَلانِ) بِضَمِّ الهاءِ، ووَجْهُهُ أنَّها كانَتْ مَفْتُوحَةً لِوُقُوعِها قَبْلَ الألِفِ، فَلَمّا سَقَطَتِ الألِفُ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ اتَّبَعَتْ حَرَكَتُها حَرَكَةَ ما قَبْلَها، وضَمُّ ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ بَعْدَ أيٍّ لُغَةٌ لِبَنِي مالِكٍ رَهْطِ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، ووَقَفَ بَعْضُهم بِسُكُونِ الهاءِ؛ لِأنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِلا ألِفٍ بَعْدَها ووَقَفَ بَعْضُهم بِالألِفِ.

النور 24:30

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤] ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [النور: ٣٦] ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [النور: ٣٩] ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١] ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [النور: ٤٢] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ [النور: ٤٣] ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ [النور: ٤٤] ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥] ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧] ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٥٣] ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩] ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠] ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٤] (p-٤٤٣)غَضَّ البَصَرَ: أطْبَقَ الجَفْنَ عَلى الجَفْنِ بِحَيْثُ تَمْتَنِعُ الرُّؤْيَةُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابًا الخُمُرُ: جَمْعُ خِمارٍ، وهو المِقْنَعَةُ الَّتِي تُلْقِي المَرْأةُ عَلى رَأْسِها، وهو جَمْعُ كَثْرَةٍ مَقِيسٌ فِيهِ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أخْمِرَةٍ، وهو مَقِيسٌ فِيها أيْضًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وتَرى الشَّجْراءَ في رَيِّقِهِ ∗∗∗ كَرُءُوسٍ قُطِّعَتْ فِيها الخُمُرُ، الجَيْبُ: فَتْحٌ يَكُونُ في طَوْقِ القَمِيصِ يَبْدُو مِنهُ بَعْضُ الجَسَدِ. والعَوْرَةُ: ما احْتُرِزَ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، ويَغْلِبُ في سَوْأةِ الرَّجُلِ. والمَرْأةُ الأيِّمُ: قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: كُلُّ ذَكَرٍ لا أُنْثى مَعَهُ، وكُلُّ أُنْثى لا ذَكَرَ مَعَها، ووَزْنُهُ فَعْيِلٌ كَلَيِّنٍ، ويُقالُ: آمَتْ تَئِيمُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎كُلُّ امْرِئٍ سَتَئِيمُ مِن ∗∗∗ هُ العِرْسُ أوْ مِنها يَئِيمْ أيْ: سَيَنْفَرِدُ فَيَصِيرُ أيِّمًا، وقِياسُ جَمْعِهِ أيائِمُ، كَسَيائِدَ في جَمْعِ سَيِّدٍ، وجَمْعُهُ عَلى فَعالى مَحْفُوظٌ لا مَقِيسٌ. البِغاءُ: الزِّنا، يُقالُ: بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً فَهي بَغِيٌّ، وهو مُخْتَصٌّ بِزِنا النِّساءِ. المِشْكاةُ: الكُوَّةُ غَيْرُ (p-٤٤٤)النّافِذَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ حَبَشِيٌّ مُعَرَّبٌ. الزُّجاجَةُ: جَوْهَرٌ مَصْنُوعٌ مَعْرُوفٌ، وضَمُّ الزّايِ لُغَةُ الحِجازِ، وكَسْرُها وفَتْحُها لُغَةُ قَيْسٍ. الزَّيْتُ: الدُّهْنُ المُعْتَصَرُ مِن حَبِّ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ. قالَ الكَرْمانِيُّ: السَّرابُ بُخارٌ يَرْتَفِعُ مِن قَعُورِ القِيعانِ فَيُكَيِّفُ، فَإذا اتَّصَلَ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ أشْبَهَ الماءَ مِن بَعِيدٍ، فَإذا دَنا مِنهُ الإنْسانُ لَمْ يَرَهُ كَما كانَ يَراهُ بَعِيدًا. وقالَ الفَرّاءُ: السَّرابُ: ما لَصِقَ بِالأرْضِ. وقِيلَ: هُوالشُّعاعُ الَّذِي يُرى نِصْفَ النَّهارِ عِنْدَ اشْتِدادِ الحَرِّ في البَرِّ، يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ الماءُ السّارِبُ، أيِ: الجارِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكم ∗∗∗ كَلَمْعِ سَرابٍ في الفَلا مُتَألِّقِ وقالَ: ؎أمَرُّ الطُّولِ لَمّاعُ السَّرابِ وقِيلَ: السَّرابُ ما يُرَقْرَقُ مِنَ الهَواءِ في الهَجِيرِ في فَيافِي الأرْضِ المُنْبَسِطَةِ. اللُّجِّيُّ: الكَثِيرُ الماءِ، ولُجَّةُ البَحْرِ مُعْظَمُهُ، وكانَ لُجِّيًّا مَنسُوبٌ إلى اللُّجَّةِ. الوَدْقُ: المَطَرُ شَدِيدُهُ وضَعِيفُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالُها وقالَ أبُو الأشْهَبِ العُقَيْلِيُّ: هو البَرْقُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أثَرْنَ عَجاجَةً وخَرَجْنَ مِنها ∗∗∗ خُرُوجَ الوَدْقِ مِن خَلَلِ السَّحابِ والوَدْقُ: مَصْدَرُ ودَقَ السَّحابُ يَدِقُ ودْقًا، ومِنهُ اسْتَوْدَقْتُ الفَرَسَ. البَرْدُ: مَعْرُوفٌ، وهو قِطَعٌ مُتَجَمِّدَةٌ يَذُوبُ مِنهُ ماءٌ بِالحَرارَةِ. السَّنا: مَقْصُورٌ مِن ذَواتِ الواوِ وهُوالضَّوْءُ. قالَ الشّاعِرُ: يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحُ راهِبٍ يُقالُ: سَنا يَسْنُو سَنًا، والسَّنا أيْضًا نَبْتٌ يُتَداوى بِهِ، والسَّناءُ بِالمَدِّ الرِّفْعَةُ والعُلُوُّ قالَ: وسَنَ كَسَنَقَ سَناءً وسَنًا، أذْعَنَ لِلشَّيْءِ: انْقادَ لَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإذْعانُ: الإسْراعُ مَعَ الطّاعَةِ. الحَيْفُ: المَيْلُ في الحُكْمِ، يُقالُ: حافَ في قَضِيَّتِهِ، أيْ: جارَ. اللِّواذُ: الرَّوَغانُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ في خُفْيَةٍ. * * ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ (p-٤٤٥)«جاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أكُونُ في بَيْتِي عَلى حالٍ لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي عَلَيْها أحَدٌ، فَلا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا﴾»، الآيَةَ. «فَقالَ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ نُزُولِها: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ الخاناتِ والمَساكِنَ الَّتِي لَيْسَ فِيها ساكِنٌ، فَنَزَلَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾»، الآيَةَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّ أهْلَ الإفْكِ إنَّما وجَدُوا السَّبِيلَ إلى بُهْتانِهِمْ مِن حَيْثُ اتَّفَقَتِ الخَلْوَةُ، فَصارَتْ كَأنَّها طَرِيقٌ لِلتُّهْمَةِ، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يَدْخُلَ المَرْءُ بَيْتَ غَيْرِهِ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامِ؛ لِأنَّ في الدُّخُولِ لا عَلى هَذا الوَجْهِ وُقُوعَ التُّهْمَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ المَضَرَّةِ ما لا خَفاءَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَدْخُلَ بَيْتَ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ ولا سَلامٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، ويُرْوى «أنْ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أأسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي ؟ قالَ: ”نَعَمْ“، قالَ: لَيْسَ لَها خادِمٌ غَيْرِي؛ أأسْتَأْذِنُ عَلَيْها كُلَّما دَخَلْتُ ؟ قالَ: ”أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً“ قالَ الرَّجُلُ: لا»، قالَ: وغَيّا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ بِالِاسْتِئْناسِ والسَّلامِ عَلى أهْلِ تِلْكَ البُيُوتِ، والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِئْناسَ هو خِلافُ الِاسْتِيحاشِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَطْرُقُ بابَ غَيْرِهِ لا يَدْرِي أيُؤْذَنُ لَهُ أمْ لا، فَهو كالمُسْتَوْحِشِ مِن جَفاءِ الحالِ إذا أُذِنَ لَهُ اسْتَأْنَسَ، فالمَعْنى حَتّى يُؤْذَنَ لَكم كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهَذا مِن بابِ الكِناياتِ والإرْدافِ؛ لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِئْناسِ يُرْدَفُ الإذْنَ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الإذْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ مَعْناهُ تَسْتَأْذِنُوا، ومَن رَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ خَطَأٌ أوْ وهْمٌ مِنَ الكاتِبِ، وأنَّهُ قَرَأ حَتّى تَسْتَأْذِنُوا، فَهو طاعِنٌ في الإسْلامِ مُلْحِدٌ في الدِّينِ، وابْنُ عَبّاسٍ بَرِيءٌ مِن هَذا القَوْلِ. و﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ (p-٤٤٦)مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى بِيِّنَةُ الوَجْهِ في كَلامِ العَرَبِ. «وقَدْ قالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أسْتَأْنِسُ يا رَسُولَ اللَّهِ وعُمَرُ واقِفٌ عَلى بابِ الغُرْفَةِ،» الحَدِيثَ المَشْهُورَ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ الأُنْسَ بِهِ. وقِيلَ: هو مِنَ الِاسْتِئْناسِ الَّذِي هو الِاسْتِعْلامُ والِاسْتِكْشافُ، اسْتِفْعالٌ مِن أنِسَ الشَّيْءَ إذا أبْصَرَهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا، والمَعْنى حَتّى تَسْتَعْلِمُوا وتَسْتَكْشِفُوا الحالَ هَلْ يُرادُ دُخُولُكم أمْ لا، ومِنهُ اسْتَأْنِسْ هَلْ تَرى أحَدًا واسْتَأْنَسْتُ فَلَمْ أرَ أحَدًا، أيْ تَعَرَّفْتُ واسْتَعْلَمْتُ، ومِنهُ بَيْتُ النّابِغَةِ: ؎كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا يَوْمَ الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وحِدِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الأُنْسِ، وهو أنْ يَتَعَرَّفَ هَلْ ثَمَّ إنْسانٌ. «وعَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الِاسْتِئْناسُ ؟ قالَ: ”يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِالتَّسْبِيحَةِ والتَّكْبِيرَةِ يَتَنَحْنَحُ يُؤْذِنُ أهْلَ البَيْتِ، والتَّسْلِيمُ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكم“» . وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ الرَّجُلُ مِنهم إذا دَخَلَ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ: حُيِّيتُمْ صَباحًا وحُيِّيتُمْ مَساءً، ثُمَّ يَدْخُلُ، فَرُبَّما أصابَ الرَّجُلَ مَعَ امْرَأتِهِ في لِحافٍ واحِدٍ، فَصَدَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وعَلَّمَ الأحْسَنَ الأكْمَلَ. وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ في ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ إلى أنَّهُ بِمَعْنى حَتّى تُؤْنِسُوا أهْلَ البَيْتِ مِن أنْفُسِكم بِالتَّنَحْنُحِ والِاسْتِئْذانِ ونَحْوِهِ، وتُؤْنِسُوا أنْفُسَكم بِأنْ تَعْلَمُوا أنْ قَدْ شُعِرَ بِكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَصْرِيفُ الفِعْلِ يَأْبى أنْ يَكُونَ مِن آنَسَ، انْتَهى. وقالَ عَطاءٌ: الِاسْتِئْذانُ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، والظّاهِرُ مُطْلَقُ الِاسْتِئْذانِ فَيَكْفِي فِيهِ المَرَّةُ الواحِدَةُ. وفي الحَدِيثِ: «الِاسْتِئْذانُ ثَلاثٌ» يَعْنِي كَمالَهُ. «فَإنْ أُذِنَ لَهُ وإلّا فَلْيَرْجِعْ، ولا يَزِيدُ عَلى ثَلاثٍ إلّا أنْ يُحَقِّقَ أنَّ مَن في البَيْتِ لَمْ يَسْمَعْ» . والظّاهِرُ تَقْدِيمُ الِاسْتِئْذانِ عَلى السَّلامِ. «وفِي حَدِيثِ أبِي داوُدَ: قُلِ السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟» والواوُ في ﴿وتُسَلِّمُوا﴾ لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَشَرَعَ النِّداءَ بِالسَّلامِ عَلى الإذْنِ لِما في السَّلامِ مِنَ التَّفاؤُلِ بِالسَّلامَةِ. (ذَلِكم) إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾، و(تُسَلِّمُوا) أيْ (ذَلِكم) الِاسْتِئْناسُ والتَّسْلِيمُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ شَرَعْنا ذَلِكَ ونَبَّهْناكم عَلى ما فِيهِ مَصْلَحَتُكم مِنَ السَّتْرِ وعَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى ما تَكْرَهُونَ الِاطِّلاعَ عَلَيْهِ. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ اعْتِناءً بِمَصالِحِكم. ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ أيْ يَأْذَنُ لَكم فَلا تُقْدِمُوا عَلى الدُّخُولِ في مِلْكِ غَيْرِكم، ﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إذْ قَدْ يَكُونُ لِرَبِّ البَيْتِ فِيهِ ما لا يُحِبُّ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ. ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ وهَذا عائِدٌ إلى مَنِ اسْتَأْذَنَ في دُخُولِ بَيْتِ غَيْرِهِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، سَواءٌ كانَ فِيهِ مَن يَأْذَنُ أمْ لَمْ يَكُنْ، أيْ: لا تُلِحُّوا في طَلَبِ الإذْنِ ولا في الوُقُوفِ عَلى البابِ مُنْتَظِرِينَ. ﴿هُوَ أزْكى﴾ أيِ الرُّجُوعُ أطْهَرُ لَكم وأنْمى خَيْرًا؛ لِما فِيهِ مِن سَلامَةِ الصَّدْرِ والبُعْدِ عَنِ الرِّيبَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ تَعالى ﴿بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أيْ بِما تَأْتُونَ وما تَذَرُوَنَ مِمّا خُوطِبْتُمْ بِهِ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، وفي ذَلِكَ تَوَعُّدٌ لِأهْلِ التَّجَسُّسِ عَلى البُيُوتِ وطَلَبِ الدُّخُولِ عَلى غَيْرِهِ والنَّظَرِ لِما لا يَحِلُّ. ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَثْنى مِنَ البُيُوتِ الَّتِي يَجِبُ الِاسْتِئْذانُ عَلى داخِلِها ما لَيْسَ بِمَسْكُونٍ مِنها، نَحْوَ الفَنادِقِ - وهي الخاناتُ - والرُّبُطُ وحَوانِيتُ البَيّاعِينَ، والمَتاعُ المَنفَعَةُ كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ وإيواءِ الرِّحالِ والسِّلَعِ والشِّراءِ والبَيْعِ، انْتَهى. وما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ البُيُوتِ كَما ذَكَرَ، هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ، ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى في البُيُوتِ المَسْكُونَةِ والمَمْلُوكَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، وهَذا الآيَةُ الثّانِيَةُ هي في البُيُوتِ المُباحَةِ، وقَدْ مَثَّلَ العُلَماءُ لِهَذِهِ البُيُوتِ أمْثِلَةً. فَقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ: هي في الفَنادِقِ الَّتِي في طُرُقِ المُسافِرِينَ. قالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْكُنُها أحَدٌ بَلْ هي مَوْقُوفَةٌ يَأْوِي إلَيْها كُلُّ ابْنِ سَبِيلٍ. و﴿فِيها مَتاعٌ﴾ لَهم أيِ اسْتِمْتاعٌ بِمَنفَعَتِها، ومَثَّلَ عَطاءٌ بِالخِرَبِ الَّتِي تُدْخَلُ لِلتَّبَرُّزِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: هي حَوانِيتُ (p-٤٤٧)القَيْسارِيَةِ والسُّوقِ. قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا: هي دُورُ مَكَّةَ، وهَذا لا يَسُوغُ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ دُورَ مَكَّةَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، وأنَّ النّاسَ فِيها شُرَكاءُ، وأنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ وعِيدٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ البُيُوتَ غَيْرَ المَسْكُونَةِ مِن أهْلِ الرِّيَبِ. و(مِن) في ﴿مِن أبْصارِهِمْ﴾ عِنْدَ الأخْفَشِ زائِدَةٌ، أيْ يَغُضُّوا أبْصارَهم عَمّا يَحْرُمُ، وعِنْدَ غَيْرِهِ لِلتَّبْعِيضِ؛ وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ نَظْرَةٍ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ وإنَّما يَغُضُّ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -: لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإنَّ الأُولى لَكَ ولَيْسَتْ لَكَ الثّانِيَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، انْتَهى. ولَمْ يَتَقَدَّمْ مُبْهَمٌ فَتَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، عَلى أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ ”مِن“ لَيْسَ مِن مَوْضُوعاتِها أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ. ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أيْ مِنَ الزِّنا ومِنَ التَّكَشُّفِ. ودَخَلَتْ (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن أبْصارِهِمْ﴾ دُونَ الفَرْجِ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ أمْرَ النَّظَرِ أوْسَعُ؛ ألا تَرى أنَّ الزَّوْجَةَ يَنْظُرُ زَوْجُها إلى مَحاسِنِها مِنَ الشَّعْرِ والصَّدْرِ والعَضُدِ والسّاقِ والقَدَمِ، وكَذَلِكَ الجارِيَةُ المُسْتَعْرَضَةُ، ويَنْظُرُ مِنَ الأجْنَبِيَّةِ إلى وجْهِها وكَفَّيْها، وأمّا أمْرُ الفَرْجِ فَمُضَيَّقٌ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ وابْنِ زَيْدٍ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن حِفْظِ الفَرْجِ فَهو مِنَ الزِّنا إلّا هَذا فَهو مِنَ الِاسْتِتارِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ بَلْ حِفْظُ الفَرْجِ يَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ. (ذَلِكَ) أيْ غَضُّ البَصَرِ وحِفْظُ الفَرْجِ أطْهَرُ لَهم. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ مِن إحالَةِ النَّظَرِ وانْكِشافِ العَوْراتِ، فَيُجازِي عَلى ذَلِكَ. وقَدَّمَ غَضَّ البَصَرِ عَلى حِفْظِ الفَرْجِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنا ورائِدُ الفُجُورِ، والبَلْوى فِيهِ أشَدُّ وأكْثَرُ، لا يَكادُ يُقْدَرُ عَلى الِاحْتِرازِ مِنهُ، وهو البابُ الأكْبَرُ إلى القَلْبِ وأعْمَرُ طُرُقِ الحَواسِّ إلَيْهِ، ويَكْثُرُ السُّقُوطُ مِن جِهَتِهِ. وقالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: ؎وما الحُبُّ إلّا نَظْرَةٌ إثْرَ نَظْرَةٍ ∗∗∗ تَزِيدُ نُمُوًّا إنْ تَزِدْهُ لَجاجًا ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حُكْمَ المُؤْمِناتِ في تَساوِيهِنَّ مَعَ الرِّجالِ في الغَضِّ مِنَ الأبْصارِ وفي الحِفْظِ لِلْفُرُوجِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، واسْتَثْنى ما ظَهَرَ مِنَ الزِّينَةِ، والزِّينَةُ ما تَتَزَيَّنُ بِهِ المَرْأةُ مِن حُلِيٍّ أوْ كُحْلٍ أوْ خِضابٍ، فَما كانَ ظاهِرًا مِنها كالخاتَمِ والفَتْخَةِ والكُحْلِ والخِضابِ فَلا بَأْسَ بِإبْدائِهِ لِلْأجانِبِ، وما خَفِيَ مِنها كالسُّوارِ والخَلْخالِ والدُّمْلُجِ والقِلادَةِ والإكْلِيلِ والوِشاحِ والقُرْطِ فَلا تُبْدِيهِ إلّا لِمَنِ اسْتُثْنِيَ. وذَكَرَ الزِّينَةَ دُونَ مَواضِعِها مُبالَغَةً في الأمْرِ بِالتَّصَوُّنِ والتَّسَتُّرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الزِّيَنَ واقِعَةٌ عَلى مَواضِعَ مِنَ الجَسَدِ لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْها لِغَيْرِ هَؤُلاءِ، وهي السّاقُ والعَضُدُ والعُنُقُ والرَّأْسُ والصَّدْرُ والآذانُ، فَنَهى عَنْ إبْداءِ الزِّيَنِ نَفْسِها؛ لِيُعْلَمَ أنَّ النَّظَرَ لا يَحِلُّ إلَيْها لِمُلابَسَتِها تِلْكَ المَواقِعَ بِدَلِيلِ النَّظَرِ إلَيْها غَيْرَ مُلابِسَةٍ لَها، وسُومِحَ في الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ؛ لِأنَّ سَتْرَها فِيهِ حَرَجٌ، فَإنَّ المَرْأةَ لا تَجِدُ بُدًّا مِن مُزاوَلَةِ الأشْياءِ بِيَدِها ومِنَ الحاجَةِ إلى كَشْفِ وجْهِها، خُصُوصًا في الشَّهادَةِ والمُحاكَمَةِ والنِّكاحِ، وتُضْطَرُّ إلى المَشْيِ في الطُّرُقاتِ وظُهُورِ قَدَمَيْها خاصَّةً الفَقِيراتُ مِنهُنَّ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ يَعْنِي إلّا ما جَرَتِ العادَةُ والجِبِلَّةُ عَلى ظُهُورِهِ، والأصْلُ فِيهِ الظُّهُورُ وسُومِحَ في الزِّينَةِ الخَفِيفَةِ. أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ لِما كانُوا مُخْتَصِّينَ بِهِ مِنَ الحاجَةِ المُضْطَرَّةِ إلى مُداخَلَتِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ، ولِقِلَّةِ تَوَقُّعِ الفِتْنَةِ مِن جِهاتِهِمْ؛ ولِما في الطِّباعِ مِنَ النُّفْرَةِ عَنْ مُماسَّةِ القَرائِبِ، وتَحْتاجُ المَرْأةُ إلى صُحْبَتِهِمْ في الأسْفارِ لِلنُّزُولِ والرُّكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ هو الثِّيابُ، ونَصَّ عَلى ذَلِكَ أحْمَدُ قالَ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ الثِّيابُ، وقالَ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وفُسِّرَتِ الزِّينَةُ بِالثِّيابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكُحْلُ والخاتَمُ. وقالَ الحَسَنُ في جَماعَةٍ: الوَجْهُ والكَفّانِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الوَجْهُ والكُحْلُ والخاتَمُ والخِضابُ والسُّوارُ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: الخاتَمُ والسِّوارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكُحْلُ والخاتَمُ فَقَطْ. وقالَ (p-٤٤٨)المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: هُما والسِّوارُ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: الخاتَمُ والسِّوارُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الزِّينَةُ تَقَعُ عَلى مَحاسِنِ الخَلْقِ الَّتِي فَعَلَها اللَّهُ وعَلى ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِن فَضْلِ لِباسٍ، فَنَهاهُنَّ اللَّهُ عَنْ إبْداءِ ذَلِكَ لِمَن لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، واسْتَثْنى ما لا يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ في بَعْضِ الأوْقاتِ كالوَجْهِ والأطْرافِ عَلى غَيْرِ التَّلَذُّذِ. وأنْكَرَ بَعْضُهم إطْلاقَ الزِّينَةِ عَلى الخِلْقَةِ، والأقْرَبُ دُخُولُهُ في الزِّينَةِ، وأيُّ زِينَةٍ أحْسَنُ مِن خَلْقِ العُضْوِ في غايَةِ الِاعْتِدالِ والحُسْنِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الزِّينَةَ ما يَعُمُّ الخِلْقَةَ وغَيْرَها، مَنَعَهُنَّ مِن إظْهارِ مَحاسِنِ خَلْقِهِنَّ فَأوْجَبَ سَتْرَها بِالخِمارِ. وقَدْ يُقالُ لَمّا كانَ الغالِبُ مِنَ الوَجْهِ والكَفَّيْنِ ظُهُورُها عادَةً وعِبادَةً في الصَّلاةِ والحَجِّ: حَسُنَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ راجِعًا إلَيْهِما، وفي السُّنَنِ لِأبِي داوُدَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«يا أسْماءُ، إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا: وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفَّيْهِ» . وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ: إذا كانَتْ جَمِيلَةً وخِيفَ مِن وجْهِها وكَفَّيْها الفِتْنَةُ فَعَلَيْها سَتْرُ ذَلِكَ، وكانَ النِّساءُ يُغَطِّينَ رُءُوسَهُنَّ بِالأخْمِرَةِ ويُسْدِلْنَها مِن وراءِ الظَّهْرِ فَيَبْقى النَّحْرُ والعُنُقُ والأُذُنانِ لا سِتْرَ عَلَيْهِنَّ، وضَمَّنَ ﴿ولْيَضْرِبْنَ﴾ مَعْنى ولْيُلْقِينَ ولْيَضَعْنَ، فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ بِيَدِي عَلى الحائِطِ إذا وضَعْتَها عَلَيْهِ. وقَرَأ عَيّاشٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ﴿ولِيَضْرِبْنَ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ، وطَلْحَةُ: ﴿بِخُمْرِهِنَّ﴾ بِسُكُونِ المِيمِ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وهِشامٌ: ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾ بِضَمِّ الجِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ الجِيمِ. وبَدَأ تَعالى بِالأزْواجِ؛ لِأنَّ اطِّلاعَهم يَقَعُ عَلى أعْظَمَ مِنَ الزِّينَةِ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَحارِمِ وسَوّى بَيْنَهم في إبْداءِ الزِّينَةِ، ولَكِنْ تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم في الحُرْمَةِ بِحَسَبِ ما في نُفُوسِ البَشَرِ، فالأبُ والأخُ لَيْسَ كابْنِ الزَّوْجِ فَقَدْ يُبْدى لِلْأبِ ما لا يُبْدى لِابْنِ الزَّوْجِ. ولَمْ يَذْكُرْ تَعالى هُنا العَمَّ ولا الخالَ. وقالَ الحَسَنُ: هُما كَسائِرِ المَحارِمِ في جَوازِ النَّظَرِ، قالَ: لِأنَّ الآيَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِيها الرَّضاعُ وهو كالنَّسَبِ، وقالَ في سُورَةِ الأحْزابِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]، ولَمْ يَذْكُرْ فِيها البُعُولَةَ وذَكَرَهم هُنا، والإضافَةُ في: (نِسائِهِنَّ) إلى المُؤْمِناتِ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِنَّ مِنَ النِّساءِ مِن مُسْلِمَةٍ وكافِرَةٍ، كِتابِيَّةٍ ومُشْرِكَةٍ، مِنَ اللَّواتِي يَكُنَّ في صُحْبَةِ المُؤْمِناتِ وخِدْمَتِهِنَّ، وأكْثَرُ السَّلَفِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ مَخْصُوصٌ بِمَن كانَ عَلى دِينِهِنَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ لِلْمُسْلِمَةِ أنْ تَتَجَرَّدَ بَيْنَ نِساءِ أهْلِ الذِّمَّةِ، ولا تُبْدِيَ لِلْكافِرَةِ إلّا ما تُبْدِي لِلْأجانِبِ، إلّا أنْ تَكُونَ أمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾، وكَتَبَ عُمَرُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ أنِ امْنَعْ نِساءَ أهْلِ الذِّمَّةِ مِن دُخُولِ الحَمّامِ مَعَ المُؤْمِناتِ. والظّاهِرُ العُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾، فَيَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ، فَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أنْ يَنْظُرَ مِن سَيِّدَتِهِ ما يَنْظُرُ أُولَئِكَ المُسْتَثْنَوْنَ، وهو مَذْهَبُ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ. وعَنْ مُجاهِدٍ: كانَ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ لا يَحْتَجِبْنَ عَنْ مُكاتَبِهِنَّ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، ورُوِيَ أنَّ عائِشَةَ كانَتْ تَمْتَشِطُ وعَبْدُها يَنْظُرُ إلَيْها. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مِثْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ سِيرِينَ: لا يَنْظُرُ العَبْدُ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وفي الحَدِيثِ: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» والعَبْدُ لَيْسَ بِذِي مَحْرَمٍ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا يَغُرَّنَّكم آيَةُ النُّورِ، فَإنَّ المُرادَ بِها الإماءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ عَبْدَ المَرْأةِ بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّ مِنها خَصِيًّا كانَ أوْ فَحْلًا. وعَنْ مَيْسُونَ بِنْتِ بَحْدَلٍ الكِلابِيَّةِ: إنَّ مُعاوِيَةَ دَخَلَ عَلَيْها ومَعَهُ خَصِيٌّ فَتَقَنَّعَتْ مِنهُ، فَقالَ: هو خَصِيٌّ فَقالَتْ: يا مُعاوِيَةُ، أتَرى المُثْلَةَ تُحَلِّلُ ما حَرَّمَ اللَّهُ. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لا يَحِلُّ إمْساكُ الخِصْيانِ واسْتِخْدامُهم وبَيْعُهم وشِراؤُهم، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ إمْساكُهم. انْتَهى. والإرْبَةُ الحاجَةُ إلى الوَطْءِ؛ لِأنَّهم بُلْهٌ لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن أمْرِ النِّساءِ، ويَتَّبِعُونَ لِأنَّهم يُصِيبُونَ مِن فَضْلِ الطَّعامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْخُلُ في هَذِهِ (p-٤٤٩)الصِّفَةِ المَجْنُونُ والمَعْتُوهُ والمُخَنَّثُ والشَّيْخُ الفانِي والزَّمِنُ المَوْقُوذُ بِزَمانَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاسْتِثْناءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ عَلى النَّعْتِ، وعَطَفَ ﴿أوِ الطِّفْلِ﴾ عَلى ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾، قَسَّمَ التّابِعِينَ غَيْرَ أُولِي الحاجَةِ لِلْوَطْءِ إلى قِسْمَيْنِ: رِجالٌ وأطْفالٌ، والمُفْرَدُ المَحْكِيُّ بِألْ يَكُونُ لِلْجِنْسِ فَيَعُمُّ، ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصُّفْرُ والدِّرْهَمُ البِيضُ، يُرِيدُ الدَّنانِيرَ والدَّراهِمَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أوِ الأطْفالِ. والطِّفْلُ ما لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ، وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ (أوِ الأطْفالِ) جَمْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وضَعَ الواحِدَ مَوْضِعَ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ الجِنْسَ ويُبَيِّنُ ما بَعْدَهُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ونَحْوُهُ ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، انْتَهى. ووَضْعُ المُفْرَدِ مَوْضِعَ الجَمْعِ لا يَنْقاسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وإنَّما قَوْلُهُ: (الطِّفْلِ) مِن بابِ المُفْرَدِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ فَيَعُمُّ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ والتِّلاوَةُ، ﴿“ ثُمَّ يُخْرِجُكم ”﴾ [غافر: ٦٧] بِثُمَّ لا بِالواوِ. وقَوْلُهُ ونَحْوُهُ لَيْسَ نَحْوَهُ؛ لِأنَّ هَذا مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ و(طِفْلًا) نَكِرَةٌ، ولا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ (طِفْلًا) هُنا عَلى الجَمْعِ الَّذِي لا يَقِيسُهُ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ثُمَّ يُخْرِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنكم، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]، أيْ: لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ. وكَما تَقُولُ: بَنُو فُلانٍ يُشْبِعُهم رَغِيفٌ، أيْ: يُشْبِعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم رَغِيفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ إمّا مِن قَوْلِهِمْ ظَهَرَ عَلى الشَّيْءِ إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ، أيْ: لا يَعْرِفُونَ ما العَوْرَةُ ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها، وإمّا مِن ظَهَرَ عَلى فُلانٍ إذا قَوِيَ عَلَيْهِ وظَهَرَ عَلى القِرْنِ أخَذَهُ. ومِنهُ ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] أيْ: غالِبِينَ قادِرِينَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى لَمْ يَبْلُغُوا أوانَ القُدْرَةِ عَلى الوَطْءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَوْراتِ) بِسُكُونِ الواوِ، وهي لُغَةُ أكْثَرِ العَرَبِ لا يُحَرِّكُونَ الواوَ والياءَ في نَحْوِ هَذا الجَمْعِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَحْرِيكُ واوِ (عَوَراتِ) بِالفَتْحِ. والمَشْهُورُ في كُتُبِ النَّحْوِ أنَّ تَحْرِيكَ الواوِ والياءِ في مِثْلِ هَذا الجَمْعِ هو لُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ. ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ في كِتابِ“ شَواذِّ القِراءاتِ " أنَّ ابْنَ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشَ قَرَأ (عَوَراتِ) بِالفَتْحِ. قالَ: وسَمِعْنا ابْنَ مُجاهِدٍ يَقُولُ: هو لَحْنٌ وإنَّما جَعَلَهُ لَحْنًا وخَطَأً مِن قِبَلِ الرِّوايَةِ وإلّا فَلَهُ مَذْهَبٌ في العَرَبِيَّةِ بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: رَوَضاتٌ وجُوَراتٌ وعَوَراتٌ، وسائِرُ العَرَبِ بِالإسْكانِ. وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ عَلى تَخْفِيفِ ذَلِكَ إلّا هُذَيْلًا فَتُثْقِلُ ما كانَ مِن هَذا النَّوْعِ مِن ذَواتِ الياءِ والواوِ. وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎أبُو بَيَضاتٍ رائِحٌ مُتَأوِّبٌ ∗∗∗ رَفِيقٌ بِمَسْحِ المَنكِبَيْنِ سَبُوحُ ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ كانَتِ المَرْأةُ تَضْرِبُ الأرْضَ بِرِجْلِها لِيَتَقَعْقَعَ خَلْخالُها فَيُعْلَمَ أنَّها ذاتُ خَلْخالٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو قَرْعُ الخَلْخالِ بِالإجْراءِ وتَحْرِيكُ الخَلاخِلِ عِنْدَ الرِّجالِ. وزَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أنَّ امْرَأةً اتَّخَذَتْ خَلْخالًا مِن فِضَّةٍ، واتَّخَذَتْ جَزْعًا فَجَعَلَتْهُ في ساقِها، فَمَرَّتْ عَلى القَوْمِ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِها الأرْضَ فَوَقَعَ الخَلْخالُ عَلى الجَزْعِ، فَصَوَّتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وسَماعُ صَوْتِ ذِي الزِّينَةِ أشَدُّ تَحْرِيكًا لِلشَّهْوَةِ مِن إبْدائِها، انْتَهى. وقالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ ما مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى نَهاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا مَرَّتْ عَلى الرِّجالِ قَدْ لا يُلْتَفَتُ إلَيْها ولا يُشْعَرُ بِها: وهي تَكْرَهُ أنْ لا يُنْظَرَ إلَيْها، فَإذا فَعَلْنَ ذَلِكَ نَبَّهْنَ عَلى أنْفُسِهِنَّ، وذَلِكَ بِحُبِّهِنَّ في تَعَلُّقِ الرِّجالِ بِهِنَّ، وهَذا مِن خَفايا الإعْلامِ بِحالِهِنَّ. وقالَ مَكِّيٌّ: لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ آيَةٌ أكْثَرُ ضَمائِرَ مِن هَذِهِ، جَمَعَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ ضَمِيرًا لِلْمُؤْمِناتِ مِن مَخْفُوضٍ ومَرْفُوعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما نَهى عَنْ إظْهارِ صَوْتِ الحُلِيِّ بَعْدَ ما نَهى عَنْ إظْهارِ الحُلِيِّ، عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنْ إظْهارِ مَواقِعِ الحُلِيِّ أبْلَغُ. ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا سَبَقَتْ أوامِرُ مِنهُ تَعالى ومَناهٍ، وكانَ الإنْسانُ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى مُراعاتِها دائِمًا، وإنْ ضَبَطَ (p-٤٥٠)نَفْسَهُ واجْتَهَدَ، فَلا بُدَّ مِن تَقْصِيرٍ أمَرَ بِالتَّوْبَةِ وبِتَرَجِّي الفَلّاحِ إذا تابُوا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (تُوبُوا) مِمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ لَعَلَّكم تَسْعَدُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (أيُّهُ المُؤْمِنُونَ) و(يا أيُّهُ السّاحِرُ) يا (أيُّهُ الثَّقَلانِ) بِضَمِّ الهاءِ، ووَجْهُهُ أنَّها كانَتْ مَفْتُوحَةً لِوُقُوعِها قَبْلَ الألِفِ، فَلَمّا سَقَطَتِ الألِفُ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ اتَّبَعَتْ حَرَكَتُها حَرَكَةَ ما قَبْلَها، وضَمُّ ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ بَعْدَ أيٍّ لُغَةٌ لِبَنِي مالِكٍ رَهْطِ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، ووَقَفَ بَعْضُهم بِسُكُونِ الهاءِ؛ لِأنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِلا ألِفٍ بَعْدَها ووَقَفَ بَعْضُهم بِالألِفِ.

النور 24:31

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤] ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [النور: ٣٦] ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [النور: ٣٩] ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١] ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [النور: ٤٢] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ [النور: ٤٣] ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ [النور: ٤٤] ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥] ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧] ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٥٣] ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩] ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠] ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٤] (p-٤٤٣)غَضَّ البَصَرَ: أطْبَقَ الجَفْنَ عَلى الجَفْنِ بِحَيْثُ تَمْتَنِعُ الرُّؤْيَةُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابًا الخُمُرُ: جَمْعُ خِمارٍ، وهو المِقْنَعَةُ الَّتِي تُلْقِي المَرْأةُ عَلى رَأْسِها، وهو جَمْعُ كَثْرَةٍ مَقِيسٌ فِيهِ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أخْمِرَةٍ، وهو مَقِيسٌ فِيها أيْضًا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وتَرى الشَّجْراءَ في رَيِّقِهِ ∗∗∗ كَرُءُوسٍ قُطِّعَتْ فِيها الخُمُرُ، الجَيْبُ: فَتْحٌ يَكُونُ في طَوْقِ القَمِيصِ يَبْدُو مِنهُ بَعْضُ الجَسَدِ. والعَوْرَةُ: ما احْتُرِزَ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، ويَغْلِبُ في سَوْأةِ الرَّجُلِ. والمَرْأةُ الأيِّمُ: قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: كُلُّ ذَكَرٍ لا أُنْثى مَعَهُ، وكُلُّ أُنْثى لا ذَكَرَ مَعَها، ووَزْنُهُ فَعْيِلٌ كَلَيِّنٍ، ويُقالُ: آمَتْ تَئِيمُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎كُلُّ امْرِئٍ سَتَئِيمُ مِن ∗∗∗ هُ العِرْسُ أوْ مِنها يَئِيمْ أيْ: سَيَنْفَرِدُ فَيَصِيرُ أيِّمًا، وقِياسُ جَمْعِهِ أيائِمُ، كَسَيائِدَ في جَمْعِ سَيِّدٍ، وجَمْعُهُ عَلى فَعالى مَحْفُوظٌ لا مَقِيسٌ. البِغاءُ: الزِّنا، يُقالُ: بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً فَهي بَغِيٌّ، وهو مُخْتَصٌّ بِزِنا النِّساءِ. المِشْكاةُ: الكُوَّةُ غَيْرُ (p-٤٤٤)النّافِذَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ حَبَشِيٌّ مُعَرَّبٌ. الزُّجاجَةُ: جَوْهَرٌ مَصْنُوعٌ مَعْرُوفٌ، وضَمُّ الزّايِ لُغَةُ الحِجازِ، وكَسْرُها وفَتْحُها لُغَةُ قَيْسٍ. الزَّيْتُ: الدُّهْنُ المُعْتَصَرُ مِن حَبِّ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ. قالَ الكَرْمانِيُّ: السَّرابُ بُخارٌ يَرْتَفِعُ مِن قَعُورِ القِيعانِ فَيُكَيِّفُ، فَإذا اتَّصَلَ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ أشْبَهَ الماءَ مِن بَعِيدٍ، فَإذا دَنا مِنهُ الإنْسانُ لَمْ يَرَهُ كَما كانَ يَراهُ بَعِيدًا. وقالَ الفَرّاءُ: السَّرابُ: ما لَصِقَ بِالأرْضِ. وقِيلَ: هُوالشُّعاعُ الَّذِي يُرى نِصْفَ النَّهارِ عِنْدَ اشْتِدادِ الحَرِّ في البَرِّ، يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ الماءُ السّارِبُ، أيِ: الجارِي. وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكم ∗∗∗ كَلَمْعِ سَرابٍ في الفَلا مُتَألِّقِ وقالَ: ؎أمَرُّ الطُّولِ لَمّاعُ السَّرابِ وقِيلَ: السَّرابُ ما يُرَقْرَقُ مِنَ الهَواءِ في الهَجِيرِ في فَيافِي الأرْضِ المُنْبَسِطَةِ. اللُّجِّيُّ: الكَثِيرُ الماءِ، ولُجَّةُ البَحْرِ مُعْظَمُهُ، وكانَ لُجِّيًّا مَنسُوبٌ إلى اللُّجَّةِ. الوَدْقُ: المَطَرُ شَدِيدُهُ وضَعِيفُهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالُها وقالَ أبُو الأشْهَبِ العُقَيْلِيُّ: هو البَرْقُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أثَرْنَ عَجاجَةً وخَرَجْنَ مِنها ∗∗∗ خُرُوجَ الوَدْقِ مِن خَلَلِ السَّحابِ والوَدْقُ: مَصْدَرُ ودَقَ السَّحابُ يَدِقُ ودْقًا، ومِنهُ اسْتَوْدَقْتُ الفَرَسَ. البَرْدُ: مَعْرُوفٌ، وهو قِطَعٌ مُتَجَمِّدَةٌ يَذُوبُ مِنهُ ماءٌ بِالحَرارَةِ. السَّنا: مَقْصُورٌ مِن ذَواتِ الواوِ وهُوالضَّوْءُ. قالَ الشّاعِرُ: يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحُ راهِبٍ يُقالُ: سَنا يَسْنُو سَنًا، والسَّنا أيْضًا نَبْتٌ يُتَداوى بِهِ، والسَّناءُ بِالمَدِّ الرِّفْعَةُ والعُلُوُّ قالَ: وسَنَ كَسَنَقَ سَناءً وسَنًا، أذْعَنَ لِلشَّيْءِ: انْقادَ لَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإذْعانُ: الإسْراعُ مَعَ الطّاعَةِ. الحَيْفُ: المَيْلُ في الحُكْمِ، يُقالُ: حافَ في قَضِيَّتِهِ، أيْ: جارَ. اللِّواذُ: الرَّوَغانُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ في خُفْيَةٍ. * * ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ (p-٤٤٥)«جاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أكُونُ في بَيْتِي عَلى حالٍ لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي عَلَيْها أحَدٌ، فَلا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا﴾»، الآيَةَ. «فَقالَ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ نُزُولِها: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ الخاناتِ والمَساكِنَ الَّتِي لَيْسَ فِيها ساكِنٌ، فَنَزَلَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾»، الآيَةَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّ أهْلَ الإفْكِ إنَّما وجَدُوا السَّبِيلَ إلى بُهْتانِهِمْ مِن حَيْثُ اتَّفَقَتِ الخَلْوَةُ، فَصارَتْ كَأنَّها طَرِيقٌ لِلتُّهْمَةِ، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يَدْخُلَ المَرْءُ بَيْتَ غَيْرِهِ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والسَّلامِ؛ لِأنَّ في الدُّخُولِ لا عَلى هَذا الوَجْهِ وُقُوعَ التُّهْمَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ المَضَرَّةِ ما لا خَفاءَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَدْخُلَ بَيْتَ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ ولا سَلامٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، ويُرْوى «أنْ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أأسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي ؟ قالَ: ”نَعَمْ“، قالَ: لَيْسَ لَها خادِمٌ غَيْرِي؛ أأسْتَأْذِنُ عَلَيْها كُلَّما دَخَلْتُ ؟ قالَ: ”أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً“ قالَ الرَّجُلُ: لا»، قالَ: وغَيّا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ بِالِاسْتِئْناسِ والسَّلامِ عَلى أهْلِ تِلْكَ البُيُوتِ، والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِئْناسَ هو خِلافُ الِاسْتِيحاشِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَطْرُقُ بابَ غَيْرِهِ لا يَدْرِي أيُؤْذَنُ لَهُ أمْ لا، فَهو كالمُسْتَوْحِشِ مِن جَفاءِ الحالِ إذا أُذِنَ لَهُ اسْتَأْنَسَ، فالمَعْنى حَتّى يُؤْذَنَ لَكم كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهَذا مِن بابِ الكِناياتِ والإرْدافِ؛ لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِئْناسِ يُرْدَفُ الإذْنَ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الإذْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ مَعْناهُ تَسْتَأْذِنُوا، ومَن رَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ خَطَأٌ أوْ وهْمٌ مِنَ الكاتِبِ، وأنَّهُ قَرَأ حَتّى تَسْتَأْذِنُوا، فَهو طاعِنٌ في الإسْلامِ مُلْحِدٌ في الدِّينِ، وابْنُ عَبّاسٍ بَرِيءٌ مِن هَذا القَوْلِ. و﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ (p-٤٤٦)مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى بِيِّنَةُ الوَجْهِ في كَلامِ العَرَبِ. «وقَدْ قالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أسْتَأْنِسُ يا رَسُولَ اللَّهِ وعُمَرُ واقِفٌ عَلى بابِ الغُرْفَةِ،» الحَدِيثَ المَشْهُورَ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ الأُنْسَ بِهِ. وقِيلَ: هو مِنَ الِاسْتِئْناسِ الَّذِي هو الِاسْتِعْلامُ والِاسْتِكْشافُ، اسْتِفْعالٌ مِن أنِسَ الشَّيْءَ إذا أبْصَرَهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا، والمَعْنى حَتّى تَسْتَعْلِمُوا وتَسْتَكْشِفُوا الحالَ هَلْ يُرادُ دُخُولُكم أمْ لا، ومِنهُ اسْتَأْنِسْ هَلْ تَرى أحَدًا واسْتَأْنَسْتُ فَلَمْ أرَ أحَدًا، أيْ تَعَرَّفْتُ واسْتَعْلَمْتُ، ومِنهُ بَيْتُ النّابِغَةِ: ؎كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا يَوْمَ الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وحِدِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الأُنْسِ، وهو أنْ يَتَعَرَّفَ هَلْ ثَمَّ إنْسانٌ. «وعَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الِاسْتِئْناسُ ؟ قالَ: ”يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِالتَّسْبِيحَةِ والتَّكْبِيرَةِ يَتَنَحْنَحُ يُؤْذِنُ أهْلَ البَيْتِ، والتَّسْلِيمُ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكم“» . وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ الرَّجُلُ مِنهم إذا دَخَلَ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ: حُيِّيتُمْ صَباحًا وحُيِّيتُمْ مَساءً، ثُمَّ يَدْخُلُ، فَرُبَّما أصابَ الرَّجُلَ مَعَ امْرَأتِهِ في لِحافٍ واحِدٍ، فَصَدَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وعَلَّمَ الأحْسَنَ الأكْمَلَ. وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ في ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ إلى أنَّهُ بِمَعْنى حَتّى تُؤْنِسُوا أهْلَ البَيْتِ مِن أنْفُسِكم بِالتَّنَحْنُحِ والِاسْتِئْذانِ ونَحْوِهِ، وتُؤْنِسُوا أنْفُسَكم بِأنْ تَعْلَمُوا أنْ قَدْ شُعِرَ بِكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَصْرِيفُ الفِعْلِ يَأْبى أنْ يَكُونَ مِن آنَسَ، انْتَهى. وقالَ عَطاءٌ: الِاسْتِئْذانُ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، والظّاهِرُ مُطْلَقُ الِاسْتِئْذانِ فَيَكْفِي فِيهِ المَرَّةُ الواحِدَةُ. وفي الحَدِيثِ: «الِاسْتِئْذانُ ثَلاثٌ» يَعْنِي كَمالَهُ. «فَإنْ أُذِنَ لَهُ وإلّا فَلْيَرْجِعْ، ولا يَزِيدُ عَلى ثَلاثٍ إلّا أنْ يُحَقِّقَ أنَّ مَن في البَيْتِ لَمْ يَسْمَعْ» . والظّاهِرُ تَقْدِيمُ الِاسْتِئْذانِ عَلى السَّلامِ. «وفِي حَدِيثِ أبِي داوُدَ: قُلِ السَّلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟» والواوُ في ﴿وتُسَلِّمُوا﴾ لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَشَرَعَ النِّداءَ بِالسَّلامِ عَلى الإذْنِ لِما في السَّلامِ مِنَ التَّفاؤُلِ بِالسَّلامَةِ. (ذَلِكم) إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾، و(تُسَلِّمُوا) أيْ (ذَلِكم) الِاسْتِئْناسُ والتَّسْلِيمُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ شَرَعْنا ذَلِكَ ونَبَّهْناكم عَلى ما فِيهِ مَصْلَحَتُكم مِنَ السَّتْرِ وعَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى ما تَكْرَهُونَ الِاطِّلاعَ عَلَيْهِ. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ اعْتِناءً بِمَصالِحِكم. ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ أيْ يَأْذَنُ لَكم فَلا تُقْدِمُوا عَلى الدُّخُولِ في مِلْكِ غَيْرِكم، ﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إذْ قَدْ يَكُونُ لِرَبِّ البَيْتِ فِيهِ ما لا يُحِبُّ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ. ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ وهَذا عائِدٌ إلى مَنِ اسْتَأْذَنَ في دُخُولِ بَيْتِ غَيْرِهِ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، سَواءٌ كانَ فِيهِ مَن يَأْذَنُ أمْ لَمْ يَكُنْ، أيْ: لا تُلِحُّوا في طَلَبِ الإذْنِ ولا في الوُقُوفِ عَلى البابِ مُنْتَظِرِينَ. ﴿هُوَ أزْكى﴾ أيِ الرُّجُوعُ أطْهَرُ لَكم وأنْمى خَيْرًا؛ لِما فِيهِ مِن سَلامَةِ الصَّدْرِ والبُعْدِ عَنِ الرِّيبَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ تَعالى ﴿بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أيْ بِما تَأْتُونَ وما تَذَرُوَنَ مِمّا خُوطِبْتُمْ بِهِ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، وفي ذَلِكَ تَوَعُّدٌ لِأهْلِ التَّجَسُّسِ عَلى البُيُوتِ وطَلَبِ الدُّخُولِ عَلى غَيْرِهِ والنَّظَرِ لِما لا يَحِلُّ. ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَثْنى مِنَ البُيُوتِ الَّتِي يَجِبُ الِاسْتِئْذانُ عَلى داخِلِها ما لَيْسَ بِمَسْكُونٍ مِنها، نَحْوَ الفَنادِقِ - وهي الخاناتُ - والرُّبُطُ وحَوانِيتُ البَيّاعِينَ، والمَتاعُ المَنفَعَةُ كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ وإيواءِ الرِّحالِ والسِّلَعِ والشِّراءِ والبَيْعِ، انْتَهى. وما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ البُيُوتِ كَما ذَكَرَ، هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْن عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ، ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى في البُيُوتِ المَسْكُونَةِ والمَمْلُوكَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، وهَذا الآيَةُ الثّانِيَةُ هي في البُيُوتِ المُباحَةِ، وقَدْ مَثَّلَ العُلَماءُ لِهَذِهِ البُيُوتِ أمْثِلَةً. فَقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ: هي في الفَنادِقِ الَّتِي في طُرُقِ المُسافِرِينَ. قالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْكُنُها أحَدٌ بَلْ هي مَوْقُوفَةٌ يَأْوِي إلَيْها كُلُّ ابْنِ سَبِيلٍ. و﴿فِيها مَتاعٌ﴾ لَهم أيِ اسْتِمْتاعٌ بِمَنفَعَتِها، ومَثَّلَ عَطاءٌ بِالخِرَبِ الَّتِي تُدْخَلُ لِلتَّبَرُّزِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والشَّعْبِيُّ: هي حَوانِيتُ (p-٤٤٧)القَيْسارِيَةِ والسُّوقِ. قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا: هي دُورُ مَكَّةَ، وهَذا لا يَسُوغُ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ دُورَ مَكَّةَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، وأنَّ النّاسَ فِيها شُرَكاءُ، وأنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ وعِيدٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ البُيُوتَ غَيْرَ المَسْكُونَةِ مِن أهْلِ الرِّيَبِ. و(مِن) في ﴿مِن أبْصارِهِمْ﴾ عِنْدَ الأخْفَشِ زائِدَةٌ، أيْ يَغُضُّوا أبْصارَهم عَمّا يَحْرُمُ، وعِنْدَ غَيْرِهِ لِلتَّبْعِيضِ؛ وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ نَظْرَةٍ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ وإنَّما يَغُضُّ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -: لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإنَّ الأُولى لَكَ ولَيْسَتْ لَكَ الثّانِيَةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، انْتَهى. ولَمْ يَتَقَدَّمْ مُبْهَمٌ فَتَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، عَلى أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ ”مِن“ لَيْسَ مِن مَوْضُوعاتِها أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ. ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أيْ مِنَ الزِّنا ومِنَ التَّكَشُّفِ. ودَخَلَتْ (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن أبْصارِهِمْ﴾ دُونَ الفَرْجِ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ أمْرَ النَّظَرِ أوْسَعُ؛ ألا تَرى أنَّ الزَّوْجَةَ يَنْظُرُ زَوْجُها إلى مَحاسِنِها مِنَ الشَّعْرِ والصَّدْرِ والعَضُدِ والسّاقِ والقَدَمِ، وكَذَلِكَ الجارِيَةُ المُسْتَعْرَضَةُ، ويَنْظُرُ مِنَ الأجْنَبِيَّةِ إلى وجْهِها وكَفَّيْها، وأمّا أمْرُ الفَرْجِ فَمُضَيَّقٌ. وعَنْ أبِي العالِيَةِ وابْنِ زَيْدٍ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن حِفْظِ الفَرْجِ فَهو مِنَ الزِّنا إلّا هَذا فَهو مِنَ الِاسْتِتارِ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ بَلْ حِفْظُ الفَرْجِ يَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ. (ذَلِكَ) أيْ غَضُّ البَصَرِ وحِفْظُ الفَرْجِ أطْهَرُ لَهم. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ مِن إحالَةِ النَّظَرِ وانْكِشافِ العَوْراتِ، فَيُجازِي عَلى ذَلِكَ. وقَدَّمَ غَضَّ البَصَرِ عَلى حِفْظِ الفَرْجِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنا ورائِدُ الفُجُورِ، والبَلْوى فِيهِ أشَدُّ وأكْثَرُ، لا يَكادُ يُقْدَرُ عَلى الِاحْتِرازِ مِنهُ، وهو البابُ الأكْبَرُ إلى القَلْبِ وأعْمَرُ طُرُقِ الحَواسِّ إلَيْهِ، ويَكْثُرُ السُّقُوطُ مِن جِهَتِهِ. وقالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: ؎وما الحُبُّ إلّا نَظْرَةٌ إثْرَ نَظْرَةٍ ∗∗∗ تَزِيدُ نُمُوًّا إنْ تَزِدْهُ لَجاجًا ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حُكْمَ المُؤْمِناتِ في تَساوِيهِنَّ مَعَ الرِّجالِ في الغَضِّ مِنَ الأبْصارِ وفي الحِفْظِ لِلْفُرُوجِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، واسْتَثْنى ما ظَهَرَ مِنَ الزِّينَةِ، والزِّينَةُ ما تَتَزَيَّنُ بِهِ المَرْأةُ مِن حُلِيٍّ أوْ كُحْلٍ أوْ خِضابٍ، فَما كانَ ظاهِرًا مِنها كالخاتَمِ والفَتْخَةِ والكُحْلِ والخِضابِ فَلا بَأْسَ بِإبْدائِهِ لِلْأجانِبِ، وما خَفِيَ مِنها كالسُّوارِ والخَلْخالِ والدُّمْلُجِ والقِلادَةِ والإكْلِيلِ والوِشاحِ والقُرْطِ فَلا تُبْدِيهِ إلّا لِمَنِ اسْتُثْنِيَ. وذَكَرَ الزِّينَةَ دُونَ مَواضِعِها مُبالَغَةً في الأمْرِ بِالتَّصَوُّنِ والتَّسَتُّرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الزِّيَنَ واقِعَةٌ عَلى مَواضِعَ مِنَ الجَسَدِ لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْها لِغَيْرِ هَؤُلاءِ، وهي السّاقُ والعَضُدُ والعُنُقُ والرَّأْسُ والصَّدْرُ والآذانُ، فَنَهى عَنْ إبْداءِ الزِّيَنِ نَفْسِها؛ لِيُعْلَمَ أنَّ النَّظَرَ لا يَحِلُّ إلَيْها لِمُلابَسَتِها تِلْكَ المَواقِعَ بِدَلِيلِ النَّظَرِ إلَيْها غَيْرَ مُلابِسَةٍ لَها، وسُومِحَ في الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ؛ لِأنَّ سَتْرَها فِيهِ حَرَجٌ، فَإنَّ المَرْأةَ لا تَجِدُ بُدًّا مِن مُزاوَلَةِ الأشْياءِ بِيَدِها ومِنَ الحاجَةِ إلى كَشْفِ وجْهِها، خُصُوصًا في الشَّهادَةِ والمُحاكَمَةِ والنِّكاحِ، وتُضْطَرُّ إلى المَشْيِ في الطُّرُقاتِ وظُهُورِ قَدَمَيْها خاصَّةً الفَقِيراتُ مِنهُنَّ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ يَعْنِي إلّا ما جَرَتِ العادَةُ والجِبِلَّةُ عَلى ظُهُورِهِ، والأصْلُ فِيهِ الظُّهُورُ وسُومِحَ في الزِّينَةِ الخَفِيفَةِ. أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ لِما كانُوا مُخْتَصِّينَ بِهِ مِنَ الحاجَةِ المُضْطَرَّةِ إلى مُداخَلَتِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ، ولِقِلَّةِ تَوَقُّعِ الفِتْنَةِ مِن جِهاتِهِمْ؛ ولِما في الطِّباعِ مِنَ النُّفْرَةِ عَنْ مُماسَّةِ القَرائِبِ، وتَحْتاجُ المَرْأةُ إلى صُحْبَتِهِمْ في الأسْفارِ لِلنُّزُولِ والرُّكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ هو الثِّيابُ، ونَصَّ عَلى ذَلِكَ أحْمَدُ قالَ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ الثِّيابُ، وقالَ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وفُسِّرَتِ الزِّينَةُ بِالثِّيابِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكُحْلُ والخاتَمُ. وقالَ الحَسَنُ في جَماعَةٍ: الوَجْهُ والكَفّانِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الوَجْهُ والكُحْلُ والخاتَمُ والخِضابُ والسُّوارُ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: الخاتَمُ والسِّوارُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكُحْلُ والخاتَمُ فَقَطْ. وقالَ (p-٤٤٨)المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: هُما والسِّوارُ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: الخاتَمُ والسِّوارُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الزِّينَةُ تَقَعُ عَلى مَحاسِنِ الخَلْقِ الَّتِي فَعَلَها اللَّهُ وعَلى ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِن فَضْلِ لِباسٍ، فَنَهاهُنَّ اللَّهُ عَنْ إبْداءِ ذَلِكَ لِمَن لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، واسْتَثْنى ما لا يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ في بَعْضِ الأوْقاتِ كالوَجْهِ والأطْرافِ عَلى غَيْرِ التَّلَذُّذِ. وأنْكَرَ بَعْضُهم إطْلاقَ الزِّينَةِ عَلى الخِلْقَةِ، والأقْرَبُ دُخُولُهُ في الزِّينَةِ، وأيُّ زِينَةٍ أحْسَنُ مِن خَلْقِ العُضْوِ في غايَةِ الِاعْتِدالِ والحُسْنِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الزِّينَةَ ما يَعُمُّ الخِلْقَةَ وغَيْرَها، مَنَعَهُنَّ مِن إظْهارِ مَحاسِنِ خَلْقِهِنَّ فَأوْجَبَ سَتْرَها بِالخِمارِ. وقَدْ يُقالُ لَمّا كانَ الغالِبُ مِنَ الوَجْهِ والكَفَّيْنِ ظُهُورُها عادَةً وعِبادَةً في الصَّلاةِ والحَجِّ: حَسُنَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ راجِعًا إلَيْهِما، وفي السُّنَنِ لِأبِي داوُدَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«يا أسْماءُ، إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا: وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفَّيْهِ» . وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ: إذا كانَتْ جَمِيلَةً وخِيفَ مِن وجْهِها وكَفَّيْها الفِتْنَةُ فَعَلَيْها سَتْرُ ذَلِكَ، وكانَ النِّساءُ يُغَطِّينَ رُءُوسَهُنَّ بِالأخْمِرَةِ ويُسْدِلْنَها مِن وراءِ الظَّهْرِ فَيَبْقى النَّحْرُ والعُنُقُ والأُذُنانِ لا سِتْرَ عَلَيْهِنَّ، وضَمَّنَ ﴿ولْيَضْرِبْنَ﴾ مَعْنى ولْيُلْقِينَ ولْيَضَعْنَ، فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ بِيَدِي عَلى الحائِطِ إذا وضَعْتَها عَلَيْهِ. وقَرَأ عَيّاشٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ﴿ولِيَضْرِبْنَ﴾ بِكَسْرِ اللّامِ، وطَلْحَةُ: ﴿بِخُمْرِهِنَّ﴾ بِسُكُونِ المِيمِ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وهِشامٌ: ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾ بِضَمِّ الجِيمِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ الجِيمِ. وبَدَأ تَعالى بِالأزْواجِ؛ لِأنَّ اطِّلاعَهم يَقَعُ عَلى أعْظَمَ مِنَ الزِّينَةِ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَحارِمِ وسَوّى بَيْنَهم في إبْداءِ الزِّينَةِ، ولَكِنْ تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم في الحُرْمَةِ بِحَسَبِ ما في نُفُوسِ البَشَرِ، فالأبُ والأخُ لَيْسَ كابْنِ الزَّوْجِ فَقَدْ يُبْدى لِلْأبِ ما لا يُبْدى لِابْنِ الزَّوْجِ. ولَمْ يَذْكُرْ تَعالى هُنا العَمَّ ولا الخالَ. وقالَ الحَسَنُ: هُما كَسائِرِ المَحارِمِ في جَوازِ النَّظَرِ، قالَ: لِأنَّ الآيَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِيها الرَّضاعُ وهو كالنَّسَبِ، وقالَ في سُورَةِ الأحْزابِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]، ولَمْ يَذْكُرْ فِيها البُعُولَةَ وذَكَرَهم هُنا، والإضافَةُ في: (نِسائِهِنَّ) إلى المُؤْمِناتِ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِنَّ مِنَ النِّساءِ مِن مُسْلِمَةٍ وكافِرَةٍ، كِتابِيَّةٍ ومُشْرِكَةٍ، مِنَ اللَّواتِي يَكُنَّ في صُحْبَةِ المُؤْمِناتِ وخِدْمَتِهِنَّ، وأكْثَرُ السَّلَفِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ مَخْصُوصٌ بِمَن كانَ عَلى دِينِهِنَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ لِلْمُسْلِمَةِ أنْ تَتَجَرَّدَ بَيْنَ نِساءِ أهْلِ الذِّمَّةِ، ولا تُبْدِيَ لِلْكافِرَةِ إلّا ما تُبْدِي لِلْأجانِبِ، إلّا أنْ تَكُونَ أمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾، وكَتَبَ عُمَرُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ أنِ امْنَعْ نِساءَ أهْلِ الذِّمَّةِ مِن دُخُولِ الحَمّامِ مَعَ المُؤْمِناتِ. والظّاهِرُ العُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾، فَيَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ، فَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أنْ يَنْظُرَ مِن سَيِّدَتِهِ ما يَنْظُرُ أُولَئِكَ المُسْتَثْنَوْنَ، وهو مَذْهَبُ عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ. وعَنْ مُجاهِدٍ: كانَ أُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ لا يَحْتَجِبْنَ عَنْ مُكاتَبِهِنَّ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، ورُوِيَ أنَّ عائِشَةَ كانَتْ تَمْتَشِطُ وعَبْدُها يَنْظُرُ إلَيْها. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ مِثْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ سِيرِينَ: لا يَنْظُرُ العَبْدُ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وفي الحَدِيثِ: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلاثٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» والعَبْدُ لَيْسَ بِذِي مَحْرَمٍ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا يَغُرَّنَّكم آيَةُ النُّورِ، فَإنَّ المُرادَ بِها الإماءُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ عَبْدَ المَرْأةِ بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّ مِنها خَصِيًّا كانَ أوْ فَحْلًا. وعَنْ مَيْسُونَ بِنْتِ بَحْدَلٍ الكِلابِيَّةِ: إنَّ مُعاوِيَةَ دَخَلَ عَلَيْها ومَعَهُ خَصِيٌّ فَتَقَنَّعَتْ مِنهُ، فَقالَ: هو خَصِيٌّ فَقالَتْ: يا مُعاوِيَةُ، أتَرى المُثْلَةَ تُحَلِّلُ ما حَرَّمَ اللَّهُ. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لا يَحِلُّ إمْساكُ الخِصْيانِ واسْتِخْدامُهم وبَيْعُهم وشِراؤُهم، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ إمْساكُهم. انْتَهى. والإرْبَةُ الحاجَةُ إلى الوَطْءِ؛ لِأنَّهم بُلْهٌ لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن أمْرِ النِّساءِ، ويَتَّبِعُونَ لِأنَّهم يُصِيبُونَ مِن فَضْلِ الطَّعامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْخُلُ في هَذِهِ (p-٤٤٩)الصِّفَةِ المَجْنُونُ والمَعْتُوهُ والمُخَنَّثُ والشَّيْخُ الفانِي والزَّمِنُ المَوْقُوذُ بِزَمانَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاسْتِثْناءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ عَلى النَّعْتِ، وعَطَفَ ﴿أوِ الطِّفْلِ﴾ عَلى ﴿مِنَ الرِّجالِ﴾، قَسَّمَ التّابِعِينَ غَيْرَ أُولِي الحاجَةِ لِلْوَطْءِ إلى قِسْمَيْنِ: رِجالٌ وأطْفالٌ، والمُفْرَدُ المَحْكِيُّ بِألْ يَكُونُ لِلْجِنْسِ فَيَعُمُّ، ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصُّفْرُ والدِّرْهَمُ البِيضُ، يُرِيدُ الدَّنانِيرَ والدَّراهِمَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أوِ الأطْفالِ. والطِّفْلُ ما لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ، وفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ (أوِ الأطْفالِ) جَمْعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وضَعَ الواحِدَ مَوْضِعَ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ الجِنْسَ ويُبَيِّنُ ما بَعْدَهُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ ونَحْوُهُ ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، انْتَهى. ووَضْعُ المُفْرَدِ مَوْضِعَ الجَمْعِ لا يَنْقاسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وإنَّما قَوْلُهُ: (الطِّفْلِ) مِن بابِ المُفْرَدِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ فَيَعُمُّ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ والتِّلاوَةُ، ﴿“ ثُمَّ يُخْرِجُكم ”﴾ [غافر: ٦٧] بِثُمَّ لا بِالواوِ. وقَوْلُهُ ونَحْوُهُ لَيْسَ نَحْوَهُ؛ لِأنَّ هَذا مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ و(طِفْلًا) نَكِرَةٌ، ولا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ (طِفْلًا) هُنا عَلى الجَمْعِ الَّذِي لا يَقِيسُهُ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ثُمَّ يُخْرِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنكم، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]، أيْ: لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ. وكَما تَقُولُ: بَنُو فُلانٍ يُشْبِعُهم رَغِيفٌ، أيْ: يُشْبِعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم رَغِيفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ إمّا مِن قَوْلِهِمْ ظَهَرَ عَلى الشَّيْءِ إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ، أيْ: لا يَعْرِفُونَ ما العَوْرَةُ ولا يُمَيِّزُونَ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها، وإمّا مِن ظَهَرَ عَلى فُلانٍ إذا قَوِيَ عَلَيْهِ وظَهَرَ عَلى القِرْنِ أخَذَهُ. ومِنهُ ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] أيْ: غالِبِينَ قادِرِينَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى لَمْ يَبْلُغُوا أوانَ القُدْرَةِ عَلى الوَطْءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَوْراتِ) بِسُكُونِ الواوِ، وهي لُغَةُ أكْثَرِ العَرَبِ لا يُحَرِّكُونَ الواوَ والياءَ في نَحْوِ هَذا الجَمْعِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَحْرِيكُ واوِ (عَوَراتِ) بِالفَتْحِ. والمَشْهُورُ في كُتُبِ النَّحْوِ أنَّ تَحْرِيكَ الواوِ والياءِ في مِثْلِ هَذا الجَمْعِ هو لُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ. ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ في كِتابِ“ شَواذِّ القِراءاتِ " أنَّ ابْنَ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشَ قَرَأ (عَوَراتِ) بِالفَتْحِ. قالَ: وسَمِعْنا ابْنَ مُجاهِدٍ يَقُولُ: هو لَحْنٌ وإنَّما جَعَلَهُ لَحْنًا وخَطَأً مِن قِبَلِ الرِّوايَةِ وإلّا فَلَهُ مَذْهَبٌ في العَرَبِيَّةِ بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: رَوَضاتٌ وجُوَراتٌ وعَوَراتٌ، وسائِرُ العَرَبِ بِالإسْكانِ. وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ عَلى تَخْفِيفِ ذَلِكَ إلّا هُذَيْلًا فَتُثْقِلُ ما كانَ مِن هَذا النَّوْعِ مِن ذَواتِ الياءِ والواوِ. وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎أبُو بَيَضاتٍ رائِحٌ مُتَأوِّبٌ ∗∗∗ رَفِيقٌ بِمَسْحِ المَنكِبَيْنِ سَبُوحُ ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ كانَتِ المَرْأةُ تَضْرِبُ الأرْضَ بِرِجْلِها لِيَتَقَعْقَعَ خَلْخالُها فَيُعْلَمَ أنَّها ذاتُ خَلْخالٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو قَرْعُ الخَلْخالِ بِالإجْراءِ وتَحْرِيكُ الخَلاخِلِ عِنْدَ الرِّجالِ. وزَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أنَّ امْرَأةً اتَّخَذَتْ خَلْخالًا مِن فِضَّةٍ، واتَّخَذَتْ جَزْعًا فَجَعَلَتْهُ في ساقِها، فَمَرَّتْ عَلى القَوْمِ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِها الأرْضَ فَوَقَعَ الخَلْخالُ عَلى الجَزْعِ، فَصَوَّتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: وسَماعُ صَوْتِ ذِي الزِّينَةِ أشَدُّ تَحْرِيكًا لِلشَّهْوَةِ مِن إبْدائِها، انْتَهى. وقالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ ما مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى نَهاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَرْأةَ إذا مَرَّتْ عَلى الرِّجالِ قَدْ لا يُلْتَفَتُ إلَيْها ولا يُشْعَرُ بِها: وهي تَكْرَهُ أنْ لا يُنْظَرَ إلَيْها، فَإذا فَعَلْنَ ذَلِكَ نَبَّهْنَ عَلى أنْفُسِهِنَّ، وذَلِكَ بِحُبِّهِنَّ في تَعَلُّقِ الرِّجالِ بِهِنَّ، وهَذا مِن خَفايا الإعْلامِ بِحالِهِنَّ. وقالَ مَكِّيٌّ: لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ آيَةٌ أكْثَرُ ضَمائِرَ مِن هَذِهِ، جَمَعَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ ضَمِيرًا لِلْمُؤْمِناتِ مِن مَخْفُوضٍ ومَرْفُوعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما نَهى عَنْ إظْهارِ صَوْتِ الحُلِيِّ بَعْدَ ما نَهى عَنْ إظْهارِ الحُلِيِّ، عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنْ إظْهارِ مَواقِعِ الحُلِيِّ أبْلَغُ. ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا سَبَقَتْ أوامِرُ مِنهُ تَعالى ومَناهٍ، وكانَ الإنْسانُ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى مُراعاتِها دائِمًا، وإنْ ضَبَطَ (p-٤٥٠)نَفْسَهُ واجْتَهَدَ، فَلا بُدَّ مِن تَقْصِيرٍ أمَرَ بِالتَّوْبَةِ وبِتَرَجِّي الفَلّاحِ إذا تابُوا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (تُوبُوا) مِمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ لَعَلَّكم تَسْعَدُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (أيُّهُ المُؤْمِنُونَ) و(يا أيُّهُ السّاحِرُ) يا (أيُّهُ الثَّقَلانِ) بِضَمِّ الهاءِ، ووَجْهُهُ أنَّها كانَتْ مَفْتُوحَةً لِوُقُوعِها قَبْلَ الألِفِ، فَلَمّا سَقَطَتِ الألِفُ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ اتَّبَعَتْ حَرَكَتُها حَرَكَةَ ما قَبْلَها، وضَمُّ ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ بَعْدَ أيٍّ لُغَةٌ لِبَنِي مالِكٍ رَهْطِ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، ووَقَفَ بَعْضُهم بِسُكُونِ الهاءِ؛ لِأنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِلا ألِفٍ بَعْدَها ووَقَفَ بَعْضُهم بِالألِفِ.

النور 24:32

﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَتْ أوامِرُ ونَواهٍ في غَضِّ البَصَرِ وحِفْظِ الفَرْجِ وإخْفاءِ الزِّينَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ المُوجِبُ لِلطُّمُوحِ مِنَ الرِّجالِ إلى النِّساءِ ومِنَ النِّساءِ إلى الرِّجالِ، هو عَدَمَ التَّزَوُّجِ غالِبًا؛ لِأنَّ في تَكالِيفِ النِّكاحِ وما يَجِبُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ ما يَشْغَلُ أمَرَ تَعالى بِإنْكاحِ الأيامى، وهُمُ الَّذِينَ لا أزْواجَ لَهم مِنَ الصِّنْفَيْنِ حَتّى يَشْتَغِلَ كُلٌّ مِنهُما بِما يَلْزَمُهُ، فَلا يَلْتَفِتُ إلى غَيْرِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا﴾ لِلْوُجُوبِ، وبِهِ قالَ أهْلُ الظّاهِرِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ هُنا لِلنَّدْبِ، ولَمْ يَخْلُ عَصْرٌ مِنَ (p-٤٥١)الأعْصارِ مِن وُجُودِ ﴿الأيامى﴾ ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ، ولا أمَرَ الأوْلِياءَ بِالنِّكاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿الأيامى﴾ واليَتامى، أصْلُهُما أيائِمُ ويَتائِمُ فَقُلِبا، انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ قالَ أبُو عُمَرَ: وأيامى مَقْلُوبُ أيائِمَ، وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَ أنَّ أيِّمًا ويَتِيمًا جُمِعا عَلى أيامى ويَتامى شُذُوذًا يُحْفَظُ، ووَزْنُهُ فَعالى، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. قالَ سِيبَوَيْهِ في أواخِرِ هَذا بابُ تَكْسِيرِكَ ما كانَ مِنَ الصِّفاتِ. وقالُوا: وجٍ ووَجْيا كَما قالُوا: زَمِنٌ وزَمْنى، فَأجْرَوْهُ عَلى المَعْنى، كَما قالُوا: يَتِيمُ ويَتامى وأيِّمٌ وأيامى فَأجْرَوْهُ مَجْرى رَجاعى، انْتَهى. وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ الأيِّمُ مَن لا زَوْجَ لَهُ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى. وفي شَرْحِ كِتابِ سِيبَوَيْهِ لِأبِي بَكْرٍ الخَفّافِ: الأيِّمُ الَّتِي لا زَوْجَ لَها، وأصْلُهُ في الَّتِي كانَتْ مُتَزَوِّجَةً فَفَقَدَتْ زَوْجَها بَرُزْءٍ طَرَأ عَلَيْها فَهو مِنَ البَلايا، ثُمَّ قِيلَ في البِكْرِ مَجازًا؛ لِأنَّها لا زَوْجَ لَها، انْتَهى. (مِنكم) خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أمَرَ تَعالى بِإنْكاحِ مَن تَأيَّمَ مِنَ الأحْرارِ والحَرائِرِ، ومَن فِيهِ صَلاحٌ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، وانْدَرَجَ المُؤَنَّثُ في المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: (والصّالِحِينَ) وخَصَّ الصّالِحِينَ لِيُحَصِّنَ لَهم دِينَهم ويَحْفَظَ عَلَيْهِمْ صَلاحَهم، ولِأنَّ: (الصّالِحِينَ) مِنَ الأرِقّاءِ هُمُ الَّذِينَ يُشْفِقُ مَوالِيهِمْ عَلَيْهِمْ ويُنْزِلُونَهم مَنزِلَةَ الأوْلادِ في الأثَرَةِ والمَوَدَّةِ، فَكانُوا مَظِنَّةً لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ وتَقَبُّلِ الوَصِيَّةِ فِيهِمْ، والمُفْسِدُونَ مِنهم حالُهم عِنْدَ مَوالِيهِمْ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. وقِيلَ: مَعْنى (والصّالِحِينَ) أيْ لِلنِّكاحِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ مِن عَبِيدِكم، بِالياءِ مَكانَ الألِفِ وفَتْحِ العَيْنِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في المَمالِيكِ. و﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ هَذا مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] . ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ أيْ ذُو غِنًى وسَعَةٍ، يَبْسُطُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ. (عَلَيْهِمْ) بِحاجاتِ النّاسِ، فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ ما قُدِّرَ مِنَ الرِّزْقِ. ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ﴾ أيْ لِيَجْتَهِدْ في العِفَّةِ وصَوْنِ النَّفْسِ، وهو اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى طَلَبَ العِفَّةَ مِن نَفْسِهِ وحَمَلَها عَلَيْها، وجاءَ الفَكُّ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ولا يُعْلَمُ أحَدٌ قَرَأ و(لْيَسْتَعِفَّ) بِالإدْغامِ. ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ . قِيلَ النِّكاحُ هُنا اسْمُ ما يُمْهَرُ ويُنْفَقُ في الزَّواجِ، كاللِّحافِ واللِّباسِ لِما يُلْتَحَفُ بِهِ ويُلْبَسُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾؛ فالمَأْمُورُ بِالِاسْتِعْفافِ هو مَن عَدِمَ المالَ الَّذِي يَتَزَوَّجُ بِهِ ويَقُومُ بِمَصالِحِ الزَّوْجِيَّةِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرُ نَدْبٍ؛ لِقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . ومَعْنى ﴿لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أيْ: لا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، فالمَعْنى أنَّهُ أمَرَ بِالِاسْتِعْفافِ كُلَّ مَن تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النِّكاحُ ولا يَجِدُهُ بِأيِّ وجْهِ تَعَذُّرٍ، ثُمَّ أغْلَبُ المَوانِعِ عَنِ النِّكاحِ عَدَمُ المالِ، و﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ﴾ تَرْجِئَةٌ لِلْمُسْتَعْفِفِينَ وتَقْدِمَةٌ لِلْوَعْدِ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، فالمَعْنى لِيَكُونَ انْتِظارُ ذَلِكَ وتَأْمِيلُهُ لُطْفًا في اسْتِعْفافِهِمْ ورَبْطًا عَلى قُلُوبِهِمْ، وما أحْسَنَ ما تَرَتَّبَتْ هَذِهِ الأوامِرُ؛ حَيْثُ أمَرَ أوَّلًا بِما يَعْصِمُ عَنِ الفِتْنَةِ ويُبْعِدُ عَنْ مُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ؛ وهو غَضُّ البَصَرِ، ثُمَّ بِالنِّكاحِ الَّذِي يُحَصَّنُ بِهِ الدِّينُ ويَقَعُ بِهِ الِاسْتِغْناءُ بِالحَلالِ عَنِ الحَرامِ، ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ وعَزْفِها عَنِ الطُّمُوحِ إلى الشَّهْوَةِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ النِّكاحِ إلى أنْ يُرْزَقَ القُدْرَةَ عَلَيْهِ، انْتَهى. وهو مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو حَسَنٌ، ولَمّا بَعَثَ السَّيِّدَ عَلى تَزْوِيجِ الصّالِحِينَ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، رَغَّبَهم في أنْ يُكاتِبُوهم إذا طَلَبُوا ذَلِكَ؛ لِيَصِيرُوا أحْرارًا فَيَتَصَرَّفُونَ في أنْفُسِهِمْ. ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ أيِ المُكاتَبَةَ كالعِتابِ والمُعاتَبَةِ. ﴿مِمّا مَلَكَتْ﴾ يَعُمُّ المَمالِيكَ الذُّكُورَ والإناثَ. و(الَّذِينَ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ، والفاءُ دَخَلَتْ في الخَبَرِ لِما تَضَمَّنَ المَوْصُولُ مِن مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا كَما تَقُولُ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ زَيْدًا فاضْرِبْ، وزَيْدًا اضْرِبْ، فَإذا دَخَلَتِ الفاءُ كانَ التَّقْدِيرُ بِنِيَّةِ فاضْرِبْ زَيْدًا، فالفاءُ في جَوابِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا يُوَضَّحُ في النَّحْوِ بِأكْثَرَ مِن هَذا. قالَ الأزْهَرِيُّ: وسُمِّيَ هَذا العَقْدُ مُكاتَبَةً لِما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ عَلى السَّيِّدِ مِنَ العِتْقِ إذا أدّى ما تَراضَيا عَلَيْهِ مِنَ المالِ، وما (p-٤٥٢)يُكْتَبُ لِلسَّيِّدِ عَلى العَبْدِ مِنَ النُّجُومِ الَّتِي يُؤَدِّيها، والظّاهِرُ وُجُوبُ المُكاتَبَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ وهَذا مَذْهَبُ عَطاءٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ سِيرِينَ، وداوُدَ، وظاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ؛ لِأنَّهُ قالَ لِأنَسٍ حِينَ سَألَ سِيرِينُ الكِتابَةَ فَتَلَكَّأ أنَسٌ كاتَبَهُ: أوْ لَأضْرِبَنَّكَ بِالدِّرَّةِ، وذَهَبَ مالِكٌ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ أمْرُ نَدْبٍ وصِيغَتُها كاتَبْتُكَ عَلى كَذا، ويُعَيِّنُ ما كاتَبَهُ عَلَيْهِ، وظاهِرُ الأمْرِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ تَنْجِيمٌ ولا حُلُولٌ بَلْ يَكُونُ حالًّا ومُؤَجَّلًا ومُنَجَّمًا وغَيْرَ مُنَجَّمٍ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ عَلى أقَلَّ مِن ثَلاثَةِ أنْجُمٍ. وقالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: يَجُوزُ عَلى نَجْمٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ: إذا كاتَبَ عَلى مالٍ مُعَجَّلٍ كانَ عِتْقًا عَلى مالٍ ولَمْ تَكُنْ كِتابَةً، وأجازَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ الكِتابَةَ الحالِيَّةَ وسَمّاها قِطاعَةً. والخَيْرُ المالُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ والضَّحّاكُ، أوِ الحِيلَةُ الَّتِي تَقْتَضِي الكَسْبَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ الدِّينُ؛ قالَهُ الحَسَنُ، أوْ إقامَةُ الصَّلاةِ؛ قالَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ، أوِ الصِّدْقُ والوَفاءُ والأمانَةُ؛ قالَهُ الحَسَنُ وإبْراهِيمُ، أوْ إرادَةُ خَيْرٍ بِالكِتابَةِ؛ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: الأمانَةُ والقُوَّةُ عَلى الكَسْبِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الِاسْتِعْمالِ أنَّهُ الدِّينُ يَقُولُ: فُلانٌ فِيهِ خَيْرٌ فَلا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ إلّا الصَّلاحُ، والأمْرُ بِالكِتابَةِ مُقَيَّدٌ بِهَذا الشَّرْطِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خَيْرًا لَمْ تَكُنِ الكِتابَةُ مَطْلُوبَةً بِقَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾، والظّاهِرُ في (وآتُوهم) أنَّهُ أمْرٌ لِلْمُكاتِبِينَ، وكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ وجُمْهُورُ العُلَماءِ، واخْتَلَفُوا: هَلْ هو عَلى الوُجُوبِ أوْ عَلى النَّدْبِ ؟ واسْتَحْسَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ أنْ يَكُونَ ثُلُثَ الكِتابَةِ، وعَلِيٌّ رُبْعَها، وقَتادَةُ عُشْرَها. وقالَ عُمَرُ: مِن أوَّلِ نُجُومِهِ مُبادَرَةً إلى الخَيْرِ. وقالَ مالِكٌ: مِن آخِرِ نَجْمٍ. وقالَ بُرَيْدَةُ والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ والمُقاتِلانِ: أمَرَ النّاسَ جَمِيعًا بِمُواساةِ المَكاتَبِ وإعانَتِهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الخِطابُ لِوُلاةِ الأُمُورِ أنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن مالِ الصَّدَقَةِ حَقَّهم، وهو الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ [التوبة: ٦٠] . وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لَوْ كانَ المُرادُ بِالإيتاءِ الحَطَّ لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العِبارَةُ العَرَبِيَّةُ ضَعُوا عَنْهم أوْ قاصُّوهم، فَلَمّا قالَ: (وآتُوهم) دَلَّ عَلى أنَّهُ مِنَ الزَّكاةِ؛ إذْ هي مُناوَلَةٌ وإعْطاءٌ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ أمْرٌ بِإعْطاءٍ، وما أُطْلِقَ عَلَيْهِ الإعْطاءُ كانَ سَبِيلَهُ الصَّدَقَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾، هو ما ثَبَتَ مِلْكُهُ لِلْمالِكِ أمَرَ بِإخْراجِ بَعْضِهِ، ومالُ الكِتابَةِ لَيْسَ بَدَيْنٍ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ عَلى عَبْدِهِ، والمَوْلى لا يَثْبُتُ لَهُ عَلى عَبْدِهِ دَيْنٌ صَحِيحٌ، وأيْضًا ما آتاهُ اللَّهُ هو الَّذِي يَحْصُلُ في يَدِهِ ويَمْلِكُهُ وما يُسْقِطُهُ عَقِيبَ العَقْدِ لا يَحْصُلُ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ، فَلا يَسْتَحِقُّ الصِّفَةَ بِأنَّهُ مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاهُ. ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ جارِيَةً لِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، يُقالُ لَها مُسَيْكَةُ، وأُخْرى يُقالُ لَها أُمَيْمَةُ، كانَ يُكْرِهُهُما عَلى الزِّنا، فَشَكَيا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» - فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: «كانَتْ لَهُ سِتٌّ: مُعاذَةُ، ومُسَيْكَةُ، وأُمَيْمَةُ، وعَمْرَةُ، وأرْوى، وقُتَيْلَةُ، جاءَتْهُ إحْداهُنَّ ذاتَ يَوْمٍ بِدِينارٍ وأُخْرى بِبُرْدٍ، فَقالَ لَهُما: ارْجِعا فازْنِيا، فَقالَتا: واللَّهِ لا نَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَدْ جاءَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ وحَرَّمَ الزِّنا، فَأتَتا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وشَكَتا» فَنَزَلَتْ، والفَتاةُ المَمْلُوكَةُ، وهَذا خِطابٌ لِلْجَمِيعِ، ويُؤَكِّدُ أنْ يَكُونَ (وآتُوهم) خِطابًا لِلْجَمِيعِ، والنَّهْيُ عَنِ الإكْراهِ عَلى الزِّنا مَشْرُوطٌ بِإرادَةِ التَّعَفُّفِ مِنهُنَّ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ الإكْراهُ إلّا مَعَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، أمّا إذا كانَتْ مُرِيدَةً لِلزِّنا فَإنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الإكْراهُ. وكَلِمَةُ (إنْ) وإيثارُها عَلى إذا إيذانٌ بِأنَّ المُسافِحاتِ كُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ بِرَغْبَةٍ وطَواعِيَةٍ مِنهُنَّ، وأنَّ ما وُجِدَ مِن مُعاذَةَ ومُسَيْكَةَ مِن خَبَرِ الشّاذِّ النّادِرِ. وقَدْ ذَهَبَ هَذا النَّظَرُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ بَعْضُهم: ﴿إنْ أرَدْنَ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وفَصْلٌ كَثِيرٌ، وأيْضًا فالأيامى يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ، فَكانَ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَكانَ التَّرْكِيبُ: إنْ أرادُوا تَحَصُّنًا فَيُغَلَّبُ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ. وقالَ بَعْضُهم: هَذا الشَّرْطُ مُلْغًى. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هَذا شَرْطٌ (p-٤٥٣)فِي الظّاهِرِ، ولَيْسَ بِشَرْطٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، ومَعَ أنَّهُ وإنْ كانَ لَمْ يَعْلَمْ خَيْرًا صَحَّتِ الكِتابَةُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: جاءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ لِتَفْحِيشِ الإكْراهِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ: لِأنَّها نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ فَوَقَعَ النَّهْيُ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، انْتَهى. و﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هو ما يَكْسِبْنَهُ بِالزِّنا. وقَوْلُهُ: (فَإنَّ اللَّهَ) جَوابٌ لِلشَّرْطِ. والصَّحِيحُ أنَّ التَّقْدِيرَ (غَفُورٌ رَحِيمٌ) لَهم، لِيَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مِنَ الَّذِينَ) هو اسْمُ الشَّرْطِ، ويَكُونَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِالتَّوْبَةِ. ولَمّا غَفَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ عَنْ هَذا الحُكْمِ قَدَّرُوا (فَإنَّ اللَّهَ) (غَفُورٌ رَحِيمٌ) لَهُنَّ، أيْ: لِلْمُكْرَهاتِ، فَعَرِيَتْ جُمْلَةُ جَوابِ الشَّرْطِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ. وقَدْ ضَعَّفَ ما قُلْناهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ، فَقالَ: فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُنَّ؛ لِأنَّ الإكْراهَ يُزِيلُ الإثْمَ والعُقُوبَةَ مِنَ المُكْرَهِ فِيما فَعَلَ، والثّانِي: فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِلْمُكْرَهِ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لا حاجَةَ لِهَذا الإضْمارِ. وعَلى الثّانِي يُحْتاجُ إلَيْهِ، انْتَهى. وكَلامُهم كَلامُ مَن لَمْ يُمْعِنْ في لِسانِ العَرَبِ. (فَإنْ قُلْتَ): قَوْلُهُ ﴿إكْراهِهِنَّ﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَعَ المَصْدَرِ مَحْذُوفٌ، والمَحْذُوفُ كالمَلْفُوظِ، والتَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ إكْراهِهِمْ إيّاهُنَّ، والرَّبْطُ يَحْصُلُ بِهَذا المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ فَلْتُجِزِ المَسْألَةَ، (قُلْتُ): لَمْ يَعُدُّوا في الرَّوابِطِ الفاعِلَ المَحْذُوفَ، تَقُولُ: هِنْدٌ عَجِبْتُ مَن ضَرْبِها زَيْدًا فَتَجُوزُ المَسْألَةُ، ولَوْ قُلْتَ هِنْدٌ عَجِبْتُ مِن ضَرْبٍ زَيْدًا لَمْ تَجُزْ. ولَمّا قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في أحَدِ تَقْدِيراتِهِ لَهُنَّ أوْرَدَ سُؤالًا فَقالَ (فَإنْ قُلْتَ): لا حاجَةَ إلى تَعْلِيقِ المَغْفِرَةِ بِهِنَّ؛ لِأنَّ المُكْرَهَةَ عَلى الزِّنا بِخِلافِ المُكْرَهِ عَلَيْهِ في أنَّها غَيْرُ آثِمَةٍ (قُلْتُ): لَعَلَّ الإكْراهَ كانَ دُونَ ما اعْتَبَرَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِن إكْراهٍ بِقَتْلٍ أوْ بِما يُخافُ مِنهُ التَّلَفُ أوْ ذَهابُ العُضْوِ مِن ضَرْبٍ عَنِيفٍ وغَيْرِهِ، حَتّى يَسْلَمَ مِنَ الإثْمِ، ورُبَّما قَصَّرَتْ عَنِ الحَدِّ الَّذِي تُعْذَرُ فِيهِ فَتَكُونُ آثِمَةً، انْتَهى. وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ مَبْنِيّانِ عَلى تَقْدِيرِ لَهُنَّ. وقَرَأ (مُبَيَّناتٍ) بِفَتْحِ الياءِ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ، أيْ: بَيَّنَ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ وأوْضَحَ آياتٍ تَضَمَّنَتْ أحْكامًا وحُدُودًا وفَرائِضَ، فَتِلْكَ الآياتُ هي المُبَيَّنَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُبَيِّنًا فِيها، ثُمَّ اتَّسَعَ فَيَكُونُ المُبَيِّنُ في الحَقِيقَةِ غَيْرَها. وهي ظَرْفٌ لِلْمُبِينِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِكَسْرِ الياءِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً أيْ: (مُبَيِّناتٍ) غَيْرَها مِنَ الأحْكامِ والحُدُودِ، فَأسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْها مَجازًا، وإمّا أنْ تَكُونَ لا تَتَعَدّى، أيْ: بَيِّناتٌ في نَفْسِها لا تَحْتاجُ إلى مُوَضِّحٍ بَلْ هي واضِحَةٌ؛ لِقَوْلِهِمْ في المَثَلِ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. أيْ: قَدْ ظَهَرَ ووَضَحَ. وقَوْلُهُ (ومَثَلًا) مَعْطُوفٌ عَلى (آياتٍ)، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى (ومَثَلًا) مِن أمْثالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أيْ: قِصَّةً غَرِيبَةً مِن قِصَصِهِمْ، كَقِصَّةِ يُوسُفَ ومَرْيَمَ في بَراءَتِهِما، لِبَراءَةِ مَن رُمِيَتْ بِحَدِيثِ الإفْكِ، لِيَنْظُرُوا قُدْرَةَ اللَّهِ في خَلْقِهِ وصُنْعِهِ فِيهِ فَيَعْتَبِرُوا. وقالَ الضَّحّاكُ: والمُرادُ بِالمَثَلِ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن إقامَةِ الحُدُودِ، فَأنْزَلَ في القُرْآنِ مِثْلَهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: أيْ شَبَهًا مِن حالِهِمْ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، أيْ: بَيَّنّا لَكم ما أحْلَلْنا بِهِمْ مِنَ العَذابِ لِتَمَرُّدِهِمْ، فَجَعَلْنا ذَلِكَ مَثَلًا لَكم لِتَعْلَمُوا أنَّكم إذا شارَكْتُمُوهم في المَعْصِيَةِ كُنْتُمْ مِثْلَهم في اسْتِحْقاقِ العِقابِ. ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: ما وعَظَ في الآياتِ والمَثَلِ، مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢] ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٢] ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ [النور: ١٧] وخَصَّ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالمَوْعِظَةِ.

النور 24:33

﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَتْ أوامِرُ ونَواهٍ في غَضِّ البَصَرِ وحِفْظِ الفَرْجِ وإخْفاءِ الزِّينَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ المُوجِبُ لِلطُّمُوحِ مِنَ الرِّجالِ إلى النِّساءِ ومِنَ النِّساءِ إلى الرِّجالِ، هو عَدَمَ التَّزَوُّجِ غالِبًا؛ لِأنَّ في تَكالِيفِ النِّكاحِ وما يَجِبُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ ما يَشْغَلُ أمَرَ تَعالى بِإنْكاحِ الأيامى، وهُمُ الَّذِينَ لا أزْواجَ لَهم مِنَ الصِّنْفَيْنِ حَتّى يَشْتَغِلَ كُلٌّ مِنهُما بِما يَلْزَمُهُ، فَلا يَلْتَفِتُ إلى غَيْرِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا﴾ لِلْوُجُوبِ، وبِهِ قالَ أهْلُ الظّاهِرِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ هُنا لِلنَّدْبِ، ولَمْ يَخْلُ عَصْرٌ مِنَ (p-٤٥١)الأعْصارِ مِن وُجُودِ ﴿الأيامى﴾ ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ، ولا أمَرَ الأوْلِياءَ بِالنِّكاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿الأيامى﴾ واليَتامى، أصْلُهُما أيائِمُ ويَتائِمُ فَقُلِبا، انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ قالَ أبُو عُمَرَ: وأيامى مَقْلُوبُ أيائِمَ، وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَ أنَّ أيِّمًا ويَتِيمًا جُمِعا عَلى أيامى ويَتامى شُذُوذًا يُحْفَظُ، ووَزْنُهُ فَعالى، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. قالَ سِيبَوَيْهِ في أواخِرِ هَذا بابُ تَكْسِيرِكَ ما كانَ مِنَ الصِّفاتِ. وقالُوا: وجٍ ووَجْيا كَما قالُوا: زَمِنٌ وزَمْنى، فَأجْرَوْهُ عَلى المَعْنى، كَما قالُوا: يَتِيمُ ويَتامى وأيِّمٌ وأيامى فَأجْرَوْهُ مَجْرى رَجاعى، انْتَهى. وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ الأيِّمُ مَن لا زَوْجَ لَهُ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى. وفي شَرْحِ كِتابِ سِيبَوَيْهِ لِأبِي بَكْرٍ الخَفّافِ: الأيِّمُ الَّتِي لا زَوْجَ لَها، وأصْلُهُ في الَّتِي كانَتْ مُتَزَوِّجَةً فَفَقَدَتْ زَوْجَها بَرُزْءٍ طَرَأ عَلَيْها فَهو مِنَ البَلايا، ثُمَّ قِيلَ في البِكْرِ مَجازًا؛ لِأنَّها لا زَوْجَ لَها، انْتَهى. (مِنكم) خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أمَرَ تَعالى بِإنْكاحِ مَن تَأيَّمَ مِنَ الأحْرارِ والحَرائِرِ، ومَن فِيهِ صَلاحٌ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، وانْدَرَجَ المُؤَنَّثُ في المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: (والصّالِحِينَ) وخَصَّ الصّالِحِينَ لِيُحَصِّنَ لَهم دِينَهم ويَحْفَظَ عَلَيْهِمْ صَلاحَهم، ولِأنَّ: (الصّالِحِينَ) مِنَ الأرِقّاءِ هُمُ الَّذِينَ يُشْفِقُ مَوالِيهِمْ عَلَيْهِمْ ويُنْزِلُونَهم مَنزِلَةَ الأوْلادِ في الأثَرَةِ والمَوَدَّةِ، فَكانُوا مَظِنَّةً لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ وتَقَبُّلِ الوَصِيَّةِ فِيهِمْ، والمُفْسِدُونَ مِنهم حالُهم عِنْدَ مَوالِيهِمْ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. وقِيلَ: مَعْنى (والصّالِحِينَ) أيْ لِلنِّكاحِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ مِن عَبِيدِكم، بِالياءِ مَكانَ الألِفِ وفَتْحِ العَيْنِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في المَمالِيكِ. و﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ هَذا مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] . ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ أيْ ذُو غِنًى وسَعَةٍ، يَبْسُطُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ. (عَلَيْهِمْ) بِحاجاتِ النّاسِ، فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ ما قُدِّرَ مِنَ الرِّزْقِ. ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ﴾ أيْ لِيَجْتَهِدْ في العِفَّةِ وصَوْنِ النَّفْسِ، وهو اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى طَلَبَ العِفَّةَ مِن نَفْسِهِ وحَمَلَها عَلَيْها، وجاءَ الفَكُّ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ولا يُعْلَمُ أحَدٌ قَرَأ و(لْيَسْتَعِفَّ) بِالإدْغامِ. ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ . قِيلَ النِّكاحُ هُنا اسْمُ ما يُمْهَرُ ويُنْفَقُ في الزَّواجِ، كاللِّحافِ واللِّباسِ لِما يُلْتَحَفُ بِهِ ويُلْبَسُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾؛ فالمَأْمُورُ بِالِاسْتِعْفافِ هو مَن عَدِمَ المالَ الَّذِي يَتَزَوَّجُ بِهِ ويَقُومُ بِمَصالِحِ الزَّوْجِيَّةِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرُ نَدْبٍ؛ لِقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . ومَعْنى ﴿لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أيْ: لا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، فالمَعْنى أنَّهُ أمَرَ بِالِاسْتِعْفافِ كُلَّ مَن تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النِّكاحُ ولا يَجِدُهُ بِأيِّ وجْهِ تَعَذُّرٍ، ثُمَّ أغْلَبُ المَوانِعِ عَنِ النِّكاحِ عَدَمُ المالِ، و﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ﴾ تَرْجِئَةٌ لِلْمُسْتَعْفِفِينَ وتَقْدِمَةٌ لِلْوَعْدِ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، فالمَعْنى لِيَكُونَ انْتِظارُ ذَلِكَ وتَأْمِيلُهُ لُطْفًا في اسْتِعْفافِهِمْ ورَبْطًا عَلى قُلُوبِهِمْ، وما أحْسَنَ ما تَرَتَّبَتْ هَذِهِ الأوامِرُ؛ حَيْثُ أمَرَ أوَّلًا بِما يَعْصِمُ عَنِ الفِتْنَةِ ويُبْعِدُ عَنْ مُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ؛ وهو غَضُّ البَصَرِ، ثُمَّ بِالنِّكاحِ الَّذِي يُحَصَّنُ بِهِ الدِّينُ ويَقَعُ بِهِ الِاسْتِغْناءُ بِالحَلالِ عَنِ الحَرامِ، ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ وعَزْفِها عَنِ الطُّمُوحِ إلى الشَّهْوَةِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ النِّكاحِ إلى أنْ يُرْزَقَ القُدْرَةَ عَلَيْهِ، انْتَهى. وهو مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو حَسَنٌ، ولَمّا بَعَثَ السَّيِّدَ عَلى تَزْوِيجِ الصّالِحِينَ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، رَغَّبَهم في أنْ يُكاتِبُوهم إذا طَلَبُوا ذَلِكَ؛ لِيَصِيرُوا أحْرارًا فَيَتَصَرَّفُونَ في أنْفُسِهِمْ. ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ أيِ المُكاتَبَةَ كالعِتابِ والمُعاتَبَةِ. ﴿مِمّا مَلَكَتْ﴾ يَعُمُّ المَمالِيكَ الذُّكُورَ والإناثَ. و(الَّذِينَ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ، والفاءُ دَخَلَتْ في الخَبَرِ لِما تَضَمَّنَ المَوْصُولُ مِن مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا كَما تَقُولُ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ زَيْدًا فاضْرِبْ، وزَيْدًا اضْرِبْ، فَإذا دَخَلَتِ الفاءُ كانَ التَّقْدِيرُ بِنِيَّةِ فاضْرِبْ زَيْدًا، فالفاءُ في جَوابِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا يُوَضَّحُ في النَّحْوِ بِأكْثَرَ مِن هَذا. قالَ الأزْهَرِيُّ: وسُمِّيَ هَذا العَقْدُ مُكاتَبَةً لِما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ عَلى السَّيِّدِ مِنَ العِتْقِ إذا أدّى ما تَراضَيا عَلَيْهِ مِنَ المالِ، وما (p-٤٥٢)يُكْتَبُ لِلسَّيِّدِ عَلى العَبْدِ مِنَ النُّجُومِ الَّتِي يُؤَدِّيها، والظّاهِرُ وُجُوبُ المُكاتَبَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ وهَذا مَذْهَبُ عَطاءٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ سِيرِينَ، وداوُدَ، وظاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ؛ لِأنَّهُ قالَ لِأنَسٍ حِينَ سَألَ سِيرِينُ الكِتابَةَ فَتَلَكَّأ أنَسٌ كاتَبَهُ: أوْ لَأضْرِبَنَّكَ بِالدِّرَّةِ، وذَهَبَ مالِكٌ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ أمْرُ نَدْبٍ وصِيغَتُها كاتَبْتُكَ عَلى كَذا، ويُعَيِّنُ ما كاتَبَهُ عَلَيْهِ، وظاهِرُ الأمْرِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ تَنْجِيمٌ ولا حُلُولٌ بَلْ يَكُونُ حالًّا ومُؤَجَّلًا ومُنَجَّمًا وغَيْرَ مُنَجَّمٍ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ عَلى أقَلَّ مِن ثَلاثَةِ أنْجُمٍ. وقالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: يَجُوزُ عَلى نَجْمٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ: إذا كاتَبَ عَلى مالٍ مُعَجَّلٍ كانَ عِتْقًا عَلى مالٍ ولَمْ تَكُنْ كِتابَةً، وأجازَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ الكِتابَةَ الحالِيَّةَ وسَمّاها قِطاعَةً. والخَيْرُ المالُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ والضَّحّاكُ، أوِ الحِيلَةُ الَّتِي تَقْتَضِي الكَسْبَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ الدِّينُ؛ قالَهُ الحَسَنُ، أوْ إقامَةُ الصَّلاةِ؛ قالَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ، أوِ الصِّدْقُ والوَفاءُ والأمانَةُ؛ قالَهُ الحَسَنُ وإبْراهِيمُ، أوْ إرادَةُ خَيْرٍ بِالكِتابَةِ؛ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: الأمانَةُ والقُوَّةُ عَلى الكَسْبِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الِاسْتِعْمالِ أنَّهُ الدِّينُ يَقُولُ: فُلانٌ فِيهِ خَيْرٌ فَلا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ إلّا الصَّلاحُ، والأمْرُ بِالكِتابَةِ مُقَيَّدٌ بِهَذا الشَّرْطِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خَيْرًا لَمْ تَكُنِ الكِتابَةُ مَطْلُوبَةً بِقَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾، والظّاهِرُ في (وآتُوهم) أنَّهُ أمْرٌ لِلْمُكاتِبِينَ، وكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ وجُمْهُورُ العُلَماءِ، واخْتَلَفُوا: هَلْ هو عَلى الوُجُوبِ أوْ عَلى النَّدْبِ ؟ واسْتَحْسَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ أنْ يَكُونَ ثُلُثَ الكِتابَةِ، وعَلِيٌّ رُبْعَها، وقَتادَةُ عُشْرَها. وقالَ عُمَرُ: مِن أوَّلِ نُجُومِهِ مُبادَرَةً إلى الخَيْرِ. وقالَ مالِكٌ: مِن آخِرِ نَجْمٍ. وقالَ بُرَيْدَةُ والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ والمُقاتِلانِ: أمَرَ النّاسَ جَمِيعًا بِمُواساةِ المَكاتَبِ وإعانَتِهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الخِطابُ لِوُلاةِ الأُمُورِ أنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن مالِ الصَّدَقَةِ حَقَّهم، وهو الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ [التوبة: ٦٠] . وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لَوْ كانَ المُرادُ بِالإيتاءِ الحَطَّ لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العِبارَةُ العَرَبِيَّةُ ضَعُوا عَنْهم أوْ قاصُّوهم، فَلَمّا قالَ: (وآتُوهم) دَلَّ عَلى أنَّهُ مِنَ الزَّكاةِ؛ إذْ هي مُناوَلَةٌ وإعْطاءٌ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ أمْرٌ بِإعْطاءٍ، وما أُطْلِقَ عَلَيْهِ الإعْطاءُ كانَ سَبِيلَهُ الصَّدَقَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾، هو ما ثَبَتَ مِلْكُهُ لِلْمالِكِ أمَرَ بِإخْراجِ بَعْضِهِ، ومالُ الكِتابَةِ لَيْسَ بَدَيْنٍ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ عَلى عَبْدِهِ، والمَوْلى لا يَثْبُتُ لَهُ عَلى عَبْدِهِ دَيْنٌ صَحِيحٌ، وأيْضًا ما آتاهُ اللَّهُ هو الَّذِي يَحْصُلُ في يَدِهِ ويَمْلِكُهُ وما يُسْقِطُهُ عَقِيبَ العَقْدِ لا يَحْصُلُ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ، فَلا يَسْتَحِقُّ الصِّفَةَ بِأنَّهُ مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاهُ. ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ جارِيَةً لِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، يُقالُ لَها مُسَيْكَةُ، وأُخْرى يُقالُ لَها أُمَيْمَةُ، كانَ يُكْرِهُهُما عَلى الزِّنا، فَشَكَيا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» - فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: «كانَتْ لَهُ سِتٌّ: مُعاذَةُ، ومُسَيْكَةُ، وأُمَيْمَةُ، وعَمْرَةُ، وأرْوى، وقُتَيْلَةُ، جاءَتْهُ إحْداهُنَّ ذاتَ يَوْمٍ بِدِينارٍ وأُخْرى بِبُرْدٍ، فَقالَ لَهُما: ارْجِعا فازْنِيا، فَقالَتا: واللَّهِ لا نَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَدْ جاءَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ وحَرَّمَ الزِّنا، فَأتَتا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وشَكَتا» فَنَزَلَتْ، والفَتاةُ المَمْلُوكَةُ، وهَذا خِطابٌ لِلْجَمِيعِ، ويُؤَكِّدُ أنْ يَكُونَ (وآتُوهم) خِطابًا لِلْجَمِيعِ، والنَّهْيُ عَنِ الإكْراهِ عَلى الزِّنا مَشْرُوطٌ بِإرادَةِ التَّعَفُّفِ مِنهُنَّ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ الإكْراهُ إلّا مَعَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، أمّا إذا كانَتْ مُرِيدَةً لِلزِّنا فَإنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الإكْراهُ. وكَلِمَةُ (إنْ) وإيثارُها عَلى إذا إيذانٌ بِأنَّ المُسافِحاتِ كُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ بِرَغْبَةٍ وطَواعِيَةٍ مِنهُنَّ، وأنَّ ما وُجِدَ مِن مُعاذَةَ ومُسَيْكَةَ مِن خَبَرِ الشّاذِّ النّادِرِ. وقَدْ ذَهَبَ هَذا النَّظَرُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ بَعْضُهم: ﴿إنْ أرَدْنَ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وفَصْلٌ كَثِيرٌ، وأيْضًا فالأيامى يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ، فَكانَ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَكانَ التَّرْكِيبُ: إنْ أرادُوا تَحَصُّنًا فَيُغَلَّبُ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ. وقالَ بَعْضُهم: هَذا الشَّرْطُ مُلْغًى. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هَذا شَرْطٌ (p-٤٥٣)فِي الظّاهِرِ، ولَيْسَ بِشَرْطٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، ومَعَ أنَّهُ وإنْ كانَ لَمْ يَعْلَمْ خَيْرًا صَحَّتِ الكِتابَةُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: جاءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ لِتَفْحِيشِ الإكْراهِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ: لِأنَّها نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ فَوَقَعَ النَّهْيُ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، انْتَهى. و﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هو ما يَكْسِبْنَهُ بِالزِّنا. وقَوْلُهُ: (فَإنَّ اللَّهَ) جَوابٌ لِلشَّرْطِ. والصَّحِيحُ أنَّ التَّقْدِيرَ (غَفُورٌ رَحِيمٌ) لَهم، لِيَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مِنَ الَّذِينَ) هو اسْمُ الشَّرْطِ، ويَكُونَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِالتَّوْبَةِ. ولَمّا غَفَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ عَنْ هَذا الحُكْمِ قَدَّرُوا (فَإنَّ اللَّهَ) (غَفُورٌ رَحِيمٌ) لَهُنَّ، أيْ: لِلْمُكْرَهاتِ، فَعَرِيَتْ جُمْلَةُ جَوابِ الشَّرْطِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ. وقَدْ ضَعَّفَ ما قُلْناهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ، فَقالَ: فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُنَّ؛ لِأنَّ الإكْراهَ يُزِيلُ الإثْمَ والعُقُوبَةَ مِنَ المُكْرَهِ فِيما فَعَلَ، والثّانِي: فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِلْمُكْرَهِ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لا حاجَةَ لِهَذا الإضْمارِ. وعَلى الثّانِي يُحْتاجُ إلَيْهِ، انْتَهى. وكَلامُهم كَلامُ مَن لَمْ يُمْعِنْ في لِسانِ العَرَبِ. (فَإنْ قُلْتَ): قَوْلُهُ ﴿إكْراهِهِنَّ﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَعَ المَصْدَرِ مَحْذُوفٌ، والمَحْذُوفُ كالمَلْفُوظِ، والتَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ إكْراهِهِمْ إيّاهُنَّ، والرَّبْطُ يَحْصُلُ بِهَذا المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ فَلْتُجِزِ المَسْألَةَ، (قُلْتُ): لَمْ يَعُدُّوا في الرَّوابِطِ الفاعِلَ المَحْذُوفَ، تَقُولُ: هِنْدٌ عَجِبْتُ مَن ضَرْبِها زَيْدًا فَتَجُوزُ المَسْألَةُ، ولَوْ قُلْتَ هِنْدٌ عَجِبْتُ مِن ضَرْبٍ زَيْدًا لَمْ تَجُزْ. ولَمّا قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في أحَدِ تَقْدِيراتِهِ لَهُنَّ أوْرَدَ سُؤالًا فَقالَ (فَإنْ قُلْتَ): لا حاجَةَ إلى تَعْلِيقِ المَغْفِرَةِ بِهِنَّ؛ لِأنَّ المُكْرَهَةَ عَلى الزِّنا بِخِلافِ المُكْرَهِ عَلَيْهِ في أنَّها غَيْرُ آثِمَةٍ (قُلْتُ): لَعَلَّ الإكْراهَ كانَ دُونَ ما اعْتَبَرَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِن إكْراهٍ بِقَتْلٍ أوْ بِما يُخافُ مِنهُ التَّلَفُ أوْ ذَهابُ العُضْوِ مِن ضَرْبٍ عَنِيفٍ وغَيْرِهِ، حَتّى يَسْلَمَ مِنَ الإثْمِ، ورُبَّما قَصَّرَتْ عَنِ الحَدِّ الَّذِي تُعْذَرُ فِيهِ فَتَكُونُ آثِمَةً، انْتَهى. وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ مَبْنِيّانِ عَلى تَقْدِيرِ لَهُنَّ. وقَرَأ (مُبَيَّناتٍ) بِفَتْحِ الياءِ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ، أيْ: بَيَّنَ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ وأوْضَحَ آياتٍ تَضَمَّنَتْ أحْكامًا وحُدُودًا وفَرائِضَ، فَتِلْكَ الآياتُ هي المُبَيَّنَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُبَيِّنًا فِيها، ثُمَّ اتَّسَعَ فَيَكُونُ المُبَيِّنُ في الحَقِيقَةِ غَيْرَها. وهي ظَرْفٌ لِلْمُبِينِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِكَسْرِ الياءِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً أيْ: (مُبَيِّناتٍ) غَيْرَها مِنَ الأحْكامِ والحُدُودِ، فَأسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْها مَجازًا، وإمّا أنْ تَكُونَ لا تَتَعَدّى، أيْ: بَيِّناتٌ في نَفْسِها لا تَحْتاجُ إلى مُوَضِّحٍ بَلْ هي واضِحَةٌ؛ لِقَوْلِهِمْ في المَثَلِ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. أيْ: قَدْ ظَهَرَ ووَضَحَ. وقَوْلُهُ (ومَثَلًا) مَعْطُوفٌ عَلى (آياتٍ)، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى (ومَثَلًا) مِن أمْثالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أيْ: قِصَّةً غَرِيبَةً مِن قِصَصِهِمْ، كَقِصَّةِ يُوسُفَ ومَرْيَمَ في بَراءَتِهِما، لِبَراءَةِ مَن رُمِيَتْ بِحَدِيثِ الإفْكِ، لِيَنْظُرُوا قُدْرَةَ اللَّهِ في خَلْقِهِ وصُنْعِهِ فِيهِ فَيَعْتَبِرُوا. وقالَ الضَّحّاكُ: والمُرادُ بِالمَثَلِ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن إقامَةِ الحُدُودِ، فَأنْزَلَ في القُرْآنِ مِثْلَهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: أيْ شَبَهًا مِن حالِهِمْ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، أيْ: بَيَّنّا لَكم ما أحْلَلْنا بِهِمْ مِنَ العَذابِ لِتَمَرُّدِهِمْ، فَجَعَلْنا ذَلِكَ مَثَلًا لَكم لِتَعْلَمُوا أنَّكم إذا شارَكْتُمُوهم في المَعْصِيَةِ كُنْتُمْ مِثْلَهم في اسْتِحْقاقِ العِقابِ. ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: ما وعَظَ في الآياتِ والمَثَلِ، مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢] ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٢] ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ [النور: ١٧] وخَصَّ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالمَوْعِظَةِ.

النور 24:34

﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَتْ أوامِرُ ونَواهٍ في غَضِّ البَصَرِ وحِفْظِ الفَرْجِ وإخْفاءِ الزِّينَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ المُوجِبُ لِلطُّمُوحِ مِنَ الرِّجالِ إلى النِّساءِ ومِنَ النِّساءِ إلى الرِّجالِ، هو عَدَمَ التَّزَوُّجِ غالِبًا؛ لِأنَّ في تَكالِيفِ النِّكاحِ وما يَجِبُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ ما يَشْغَلُ أمَرَ تَعالى بِإنْكاحِ الأيامى، وهُمُ الَّذِينَ لا أزْواجَ لَهم مِنَ الصِّنْفَيْنِ حَتّى يَشْتَغِلَ كُلٌّ مِنهُما بِما يَلْزَمُهُ، فَلا يَلْتَفِتُ إلى غَيْرِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا﴾ لِلْوُجُوبِ، وبِهِ قالَ أهْلُ الظّاهِرِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ هُنا لِلنَّدْبِ، ولَمْ يَخْلُ عَصْرٌ مِنَ (p-٤٥١)الأعْصارِ مِن وُجُودِ ﴿الأيامى﴾ ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ، ولا أمَرَ الأوْلِياءَ بِالنِّكاحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿الأيامى﴾ واليَتامى، أصْلُهُما أيائِمُ ويَتائِمُ فَقُلِبا، انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ قالَ أبُو عُمَرَ: وأيامى مَقْلُوبُ أيائِمَ، وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَ أنَّ أيِّمًا ويَتِيمًا جُمِعا عَلى أيامى ويَتامى شُذُوذًا يُحْفَظُ، ووَزْنُهُ فَعالى، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. قالَ سِيبَوَيْهِ في أواخِرِ هَذا بابُ تَكْسِيرِكَ ما كانَ مِنَ الصِّفاتِ. وقالُوا: وجٍ ووَجْيا كَما قالُوا: زَمِنٌ وزَمْنى، فَأجْرَوْهُ عَلى المَعْنى، كَما قالُوا: يَتِيمُ ويَتامى وأيِّمٌ وأيامى فَأجْرَوْهُ مَجْرى رَجاعى، انْتَهى. وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ الأيِّمُ مَن لا زَوْجَ لَهُ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى. وفي شَرْحِ كِتابِ سِيبَوَيْهِ لِأبِي بَكْرٍ الخَفّافِ: الأيِّمُ الَّتِي لا زَوْجَ لَها، وأصْلُهُ في الَّتِي كانَتْ مُتَزَوِّجَةً فَفَقَدَتْ زَوْجَها بَرُزْءٍ طَرَأ عَلَيْها فَهو مِنَ البَلايا، ثُمَّ قِيلَ في البِكْرِ مَجازًا؛ لِأنَّها لا زَوْجَ لَها، انْتَهى. (مِنكم) خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أمَرَ تَعالى بِإنْكاحِ مَن تَأيَّمَ مِنَ الأحْرارِ والحَرائِرِ، ومَن فِيهِ صَلاحٌ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، وانْدَرَجَ المُؤَنَّثُ في المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ: (والصّالِحِينَ) وخَصَّ الصّالِحِينَ لِيُحَصِّنَ لَهم دِينَهم ويَحْفَظَ عَلَيْهِمْ صَلاحَهم، ولِأنَّ: (الصّالِحِينَ) مِنَ الأرِقّاءِ هُمُ الَّذِينَ يُشْفِقُ مَوالِيهِمْ عَلَيْهِمْ ويُنْزِلُونَهم مَنزِلَةَ الأوْلادِ في الأثَرَةِ والمَوَدَّةِ، فَكانُوا مَظِنَّةً لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ وتَقَبُّلِ الوَصِيَّةِ فِيهِمْ، والمُفْسِدُونَ مِنهم حالُهم عِنْدَ مَوالِيهِمْ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. وقِيلَ: مَعْنى (والصّالِحِينَ) أيْ لِلنِّكاحِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ مِن عَبِيدِكم، بِالياءِ مَكانَ الألِفِ وفَتْحِ العَيْنِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في المَمالِيكِ. و﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ هَذا مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] . ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ أيْ ذُو غِنًى وسَعَةٍ، يَبْسُطُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ. (عَلَيْهِمْ) بِحاجاتِ النّاسِ، فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ ما قُدِّرَ مِنَ الرِّزْقِ. ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ﴾ أيْ لِيَجْتَهِدْ في العِفَّةِ وصَوْنِ النَّفْسِ، وهو اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى طَلَبَ العِفَّةَ مِن نَفْسِهِ وحَمَلَها عَلَيْها، وجاءَ الفَكُّ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، ولا يُعْلَمُ أحَدٌ قَرَأ و(لْيَسْتَعِفَّ) بِالإدْغامِ. ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ . قِيلَ النِّكاحُ هُنا اسْمُ ما يُمْهَرُ ويُنْفَقُ في الزَّواجِ، كاللِّحافِ واللِّباسِ لِما يُلْتَحَفُ بِهِ ويُلْبَسُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾؛ فالمَأْمُورُ بِالِاسْتِعْفافِ هو مَن عَدِمَ المالَ الَّذِي يَتَزَوَّجُ بِهِ ويَقُومُ بِمَصالِحِ الزَّوْجِيَّةِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرُ نَدْبٍ؛ لِقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . ومَعْنى ﴿لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أيْ: لا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، فالمَعْنى أنَّهُ أمَرَ بِالِاسْتِعْفافِ كُلَّ مَن تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النِّكاحُ ولا يَجِدُهُ بِأيِّ وجْهِ تَعَذُّرٍ، ثُمَّ أغْلَبُ المَوانِعِ عَنِ النِّكاحِ عَدَمُ المالِ، و﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ﴾ تَرْجِئَةٌ لِلْمُسْتَعْفِفِينَ وتَقْدِمَةٌ لِلْوَعْدِ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، فالمَعْنى لِيَكُونَ انْتِظارُ ذَلِكَ وتَأْمِيلُهُ لُطْفًا في اسْتِعْفافِهِمْ ورَبْطًا عَلى قُلُوبِهِمْ، وما أحْسَنَ ما تَرَتَّبَتْ هَذِهِ الأوامِرُ؛ حَيْثُ أمَرَ أوَّلًا بِما يَعْصِمُ عَنِ الفِتْنَةِ ويُبْعِدُ عَنْ مُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ؛ وهو غَضُّ البَصَرِ، ثُمَّ بِالنِّكاحِ الَّذِي يُحَصَّنُ بِهِ الدِّينُ ويَقَعُ بِهِ الِاسْتِغْناءُ بِالحَلالِ عَنِ الحَرامِ، ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ وعَزْفِها عَنِ الطُّمُوحِ إلى الشَّهْوَةِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ النِّكاحِ إلى أنْ يُرْزَقَ القُدْرَةَ عَلَيْهِ، انْتَهى. وهو مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو حَسَنٌ، ولَمّا بَعَثَ السَّيِّدَ عَلى تَزْوِيجِ الصّالِحِينَ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، رَغَّبَهم في أنْ يُكاتِبُوهم إذا طَلَبُوا ذَلِكَ؛ لِيَصِيرُوا أحْرارًا فَيَتَصَرَّفُونَ في أنْفُسِهِمْ. ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ أيِ المُكاتَبَةَ كالعِتابِ والمُعاتَبَةِ. ﴿مِمّا مَلَكَتْ﴾ يَعُمُّ المَمالِيكَ الذُّكُورَ والإناثَ. و(الَّذِينَ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ، والفاءُ دَخَلَتْ في الخَبَرِ لِما تَضَمَّنَ المَوْصُولُ مِن مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا كَما تَقُولُ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ زَيْدًا فاضْرِبْ، وزَيْدًا اضْرِبْ، فَإذا دَخَلَتِ الفاءُ كانَ التَّقْدِيرُ بِنِيَّةِ فاضْرِبْ زَيْدًا، فالفاءُ في جَوابِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا يُوَضَّحُ في النَّحْوِ بِأكْثَرَ مِن هَذا. قالَ الأزْهَرِيُّ: وسُمِّيَ هَذا العَقْدُ مُكاتَبَةً لِما يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ عَلى السَّيِّدِ مِنَ العِتْقِ إذا أدّى ما تَراضَيا عَلَيْهِ مِنَ المالِ، وما (p-٤٥٢)يُكْتَبُ لِلسَّيِّدِ عَلى العَبْدِ مِنَ النُّجُومِ الَّتِي يُؤَدِّيها، والظّاهِرُ وُجُوبُ المُكاتَبَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ وهَذا مَذْهَبُ عَطاءٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ سِيرِينَ، وداوُدَ، وظاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ؛ لِأنَّهُ قالَ لِأنَسٍ حِينَ سَألَ سِيرِينُ الكِتابَةَ فَتَلَكَّأ أنَسٌ كاتَبَهُ: أوْ لَأضْرِبَنَّكَ بِالدِّرَّةِ، وذَهَبَ مالِكٌ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ أمْرُ نَدْبٍ وصِيغَتُها كاتَبْتُكَ عَلى كَذا، ويُعَيِّنُ ما كاتَبَهُ عَلَيْهِ، وظاهِرُ الأمْرِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ تَنْجِيمٌ ولا حُلُولٌ بَلْ يَكُونُ حالًّا ومُؤَجَّلًا ومُنَجَّمًا وغَيْرَ مُنَجَّمٍ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ عَلى أقَلَّ مِن ثَلاثَةِ أنْجُمٍ. وقالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: يَجُوزُ عَلى نَجْمٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ: إذا كاتَبَ عَلى مالٍ مُعَجَّلٍ كانَ عِتْقًا عَلى مالٍ ولَمْ تَكُنْ كِتابَةً، وأجازَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ الكِتابَةَ الحالِيَّةَ وسَمّاها قِطاعَةً. والخَيْرُ المالُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ والضَّحّاكُ، أوِ الحِيلَةُ الَّتِي تَقْتَضِي الكَسْبَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ الدِّينُ؛ قالَهُ الحَسَنُ، أوْ إقامَةُ الصَّلاةِ؛ قالَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ، أوِ الصِّدْقُ والوَفاءُ والأمانَةُ؛ قالَهُ الحَسَنُ وإبْراهِيمُ، أوْ إرادَةُ خَيْرٍ بِالكِتابَةِ؛ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: الأمانَةُ والقُوَّةُ عَلى الكَسْبِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الِاسْتِعْمالِ أنَّهُ الدِّينُ يَقُولُ: فُلانٌ فِيهِ خَيْرٌ فَلا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ إلّا الصَّلاحُ، والأمْرُ بِالكِتابَةِ مُقَيَّدٌ بِهَذا الشَّرْطِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خَيْرًا لَمْ تَكُنِ الكِتابَةُ مَطْلُوبَةً بِقَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾، والظّاهِرُ في (وآتُوهم) أنَّهُ أمْرٌ لِلْمُكاتِبِينَ، وكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ وجُمْهُورُ العُلَماءِ، واخْتَلَفُوا: هَلْ هو عَلى الوُجُوبِ أوْ عَلى النَّدْبِ ؟ واسْتَحْسَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ أنْ يَكُونَ ثُلُثَ الكِتابَةِ، وعَلِيٌّ رُبْعَها، وقَتادَةُ عُشْرَها. وقالَ عُمَرُ: مِن أوَّلِ نُجُومِهِ مُبادَرَةً إلى الخَيْرِ. وقالَ مالِكٌ: مِن آخِرِ نَجْمٍ. وقالَ بُرَيْدَةُ والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ والمُقاتِلانِ: أمَرَ النّاسَ جَمِيعًا بِمُواساةِ المَكاتَبِ وإعانَتِهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الخِطابُ لِوُلاةِ الأُمُورِ أنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن مالِ الصَّدَقَةِ حَقَّهم، وهو الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ [التوبة: ٦٠] . وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لَوْ كانَ المُرادُ بِالإيتاءِ الحَطَّ لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العِبارَةُ العَرَبِيَّةُ ضَعُوا عَنْهم أوْ قاصُّوهم، فَلَمّا قالَ: (وآتُوهم) دَلَّ عَلى أنَّهُ مِنَ الزَّكاةِ؛ إذْ هي مُناوَلَةٌ وإعْطاءٌ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّهُ أمْرٌ بِإعْطاءٍ، وما أُطْلِقَ عَلَيْهِ الإعْطاءُ كانَ سَبِيلَهُ الصَّدَقَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾، هو ما ثَبَتَ مِلْكُهُ لِلْمالِكِ أمَرَ بِإخْراجِ بَعْضِهِ، ومالُ الكِتابَةِ لَيْسَ بَدَيْنٍ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ عَلى عَبْدِهِ، والمَوْلى لا يَثْبُتُ لَهُ عَلى عَبْدِهِ دَيْنٌ صَحِيحٌ، وأيْضًا ما آتاهُ اللَّهُ هو الَّذِي يَحْصُلُ في يَدِهِ ويَمْلِكُهُ وما يُسْقِطُهُ عَقِيبَ العَقْدِ لا يَحْصُلُ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ، فَلا يَسْتَحِقُّ الصِّفَةَ بِأنَّهُ مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاهُ. ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ جارِيَةً لِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، يُقالُ لَها مُسَيْكَةُ، وأُخْرى يُقالُ لَها أُمَيْمَةُ، كانَ يُكْرِهُهُما عَلى الزِّنا، فَشَكَيا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» - فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: «كانَتْ لَهُ سِتٌّ: مُعاذَةُ، ومُسَيْكَةُ، وأُمَيْمَةُ، وعَمْرَةُ، وأرْوى، وقُتَيْلَةُ، جاءَتْهُ إحْداهُنَّ ذاتَ يَوْمٍ بِدِينارٍ وأُخْرى بِبُرْدٍ، فَقالَ لَهُما: ارْجِعا فازْنِيا، فَقالَتا: واللَّهِ لا نَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَدْ جاءَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ وحَرَّمَ الزِّنا، فَأتَتا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وشَكَتا» فَنَزَلَتْ، والفَتاةُ المَمْلُوكَةُ، وهَذا خِطابٌ لِلْجَمِيعِ، ويُؤَكِّدُ أنْ يَكُونَ (وآتُوهم) خِطابًا لِلْجَمِيعِ، والنَّهْيُ عَنِ الإكْراهِ عَلى الزِّنا مَشْرُوطٌ بِإرادَةِ التَّعَفُّفِ مِنهُنَّ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ الإكْراهُ إلّا مَعَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، أمّا إذا كانَتْ مُرِيدَةً لِلزِّنا فَإنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الإكْراهُ. وكَلِمَةُ (إنْ) وإيثارُها عَلى إذا إيذانٌ بِأنَّ المُسافِحاتِ كُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ بِرَغْبَةٍ وطَواعِيَةٍ مِنهُنَّ، وأنَّ ما وُجِدَ مِن مُعاذَةَ ومُسَيْكَةَ مِن خَبَرِ الشّاذِّ النّادِرِ. وقَدْ ذَهَبَ هَذا النَّظَرُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ بَعْضُهم: ﴿إنْ أرَدْنَ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وفَصْلٌ كَثِيرٌ، وأيْضًا فالأيامى يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ، فَكانَ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَكانَ التَّرْكِيبُ: إنْ أرادُوا تَحَصُّنًا فَيُغَلَّبُ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ. وقالَ بَعْضُهم: هَذا الشَّرْطُ مُلْغًى. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هَذا شَرْطٌ (p-٤٥٣)فِي الظّاهِرِ، ولَيْسَ بِشَرْطٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، ومَعَ أنَّهُ وإنْ كانَ لَمْ يَعْلَمْ خَيْرًا صَحَّتِ الكِتابَةُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: جاءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ لِتَفْحِيشِ الإكْراهِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ: لِأنَّها نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ فَوَقَعَ النَّهْيُ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، انْتَهى. و﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هو ما يَكْسِبْنَهُ بِالزِّنا. وقَوْلُهُ: (فَإنَّ اللَّهَ) جَوابٌ لِلشَّرْطِ. والصَّحِيحُ أنَّ التَّقْدِيرَ (غَفُورٌ رَحِيمٌ) لَهم، لِيَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى (مِنَ الَّذِينَ) هو اسْمُ الشَّرْطِ، ويَكُونَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِالتَّوْبَةِ. ولَمّا غَفَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ عَنْ هَذا الحُكْمِ قَدَّرُوا (فَإنَّ اللَّهَ) (غَفُورٌ رَحِيمٌ) لَهُنَّ، أيْ: لِلْمُكْرَهاتِ، فَعَرِيَتْ جُمْلَةُ جَوابِ الشَّرْطِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ. وقَدْ ضَعَّفَ ما قُلْناهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ، فَقالَ: فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُنَّ؛ لِأنَّ الإكْراهَ يُزِيلُ الإثْمَ والعُقُوبَةَ مِنَ المُكْرَهِ فِيما فَعَلَ، والثّانِي: فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِلْمُكْرَهِ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لا حاجَةَ لِهَذا الإضْمارِ. وعَلى الثّانِي يُحْتاجُ إلَيْهِ، انْتَهى. وكَلامُهم كَلامُ مَن لَمْ يُمْعِنْ في لِسانِ العَرَبِ. (فَإنْ قُلْتَ): قَوْلُهُ ﴿إكْراهِهِنَّ﴾ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَعَ المَصْدَرِ مَحْذُوفٌ، والمَحْذُوفُ كالمَلْفُوظِ، والتَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ إكْراهِهِمْ إيّاهُنَّ، والرَّبْطُ يَحْصُلُ بِهَذا المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ فَلْتُجِزِ المَسْألَةَ، (قُلْتُ): لَمْ يَعُدُّوا في الرَّوابِطِ الفاعِلَ المَحْذُوفَ، تَقُولُ: هِنْدٌ عَجِبْتُ مَن ضَرْبِها زَيْدًا فَتَجُوزُ المَسْألَةُ، ولَوْ قُلْتَ هِنْدٌ عَجِبْتُ مِن ضَرْبٍ زَيْدًا لَمْ تَجُزْ. ولَمّا قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في أحَدِ تَقْدِيراتِهِ لَهُنَّ أوْرَدَ سُؤالًا فَقالَ (فَإنْ قُلْتَ): لا حاجَةَ إلى تَعْلِيقِ المَغْفِرَةِ بِهِنَّ؛ لِأنَّ المُكْرَهَةَ عَلى الزِّنا بِخِلافِ المُكْرَهِ عَلَيْهِ في أنَّها غَيْرُ آثِمَةٍ (قُلْتُ): لَعَلَّ الإكْراهَ كانَ دُونَ ما اعْتَبَرَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِن إكْراهٍ بِقَتْلٍ أوْ بِما يُخافُ مِنهُ التَّلَفُ أوْ ذَهابُ العُضْوِ مِن ضَرْبٍ عَنِيفٍ وغَيْرِهِ، حَتّى يَسْلَمَ مِنَ الإثْمِ، ورُبَّما قَصَّرَتْ عَنِ الحَدِّ الَّذِي تُعْذَرُ فِيهِ فَتَكُونُ آثِمَةً، انْتَهى. وهَذا السُّؤالُ والجَوابُ مَبْنِيّانِ عَلى تَقْدِيرِ لَهُنَّ. وقَرَأ (مُبَيَّناتٍ) بِفَتْحِ الياءِ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ، أيْ: بَيَّنَ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ وأوْضَحَ آياتٍ تَضَمَّنَتْ أحْكامًا وحُدُودًا وفَرائِضَ، فَتِلْكَ الآياتُ هي المُبَيَّنَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُبَيِّنًا فِيها، ثُمَّ اتَّسَعَ فَيَكُونُ المُبَيِّنُ في الحَقِيقَةِ غَيْرَها. وهي ظَرْفٌ لِلْمُبِينِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِكَسْرِ الياءِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً أيْ: (مُبَيِّناتٍ) غَيْرَها مِنَ الأحْكامِ والحُدُودِ، فَأسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْها مَجازًا، وإمّا أنْ تَكُونَ لا تَتَعَدّى، أيْ: بَيِّناتٌ في نَفْسِها لا تَحْتاجُ إلى مُوَضِّحٍ بَلْ هي واضِحَةٌ؛ لِقَوْلِهِمْ في المَثَلِ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ. أيْ: قَدْ ظَهَرَ ووَضَحَ. وقَوْلُهُ (ومَثَلًا) مَعْطُوفٌ عَلى (آياتٍ)، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى (ومَثَلًا) مِن أمْثالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أيْ: قِصَّةً غَرِيبَةً مِن قِصَصِهِمْ، كَقِصَّةِ يُوسُفَ ومَرْيَمَ في بَراءَتِهِما، لِبَراءَةِ مَن رُمِيَتْ بِحَدِيثِ الإفْكِ، لِيَنْظُرُوا قُدْرَةَ اللَّهِ في خَلْقِهِ وصُنْعِهِ فِيهِ فَيَعْتَبِرُوا. وقالَ الضَّحّاكُ: والمُرادُ بِالمَثَلِ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن إقامَةِ الحُدُودِ، فَأنْزَلَ في القُرْآنِ مِثْلَهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: أيْ شَبَهًا مِن حالِهِمْ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، أيْ: بَيَّنّا لَكم ما أحْلَلْنا بِهِمْ مِنَ العَذابِ لِتَمَرُّدِهِمْ، فَجَعَلْنا ذَلِكَ مَثَلًا لَكم لِتَعْلَمُوا أنَّكم إذا شارَكْتُمُوهم في المَعْصِيَةِ كُنْتُمْ مِثْلَهم في اسْتِحْقاقِ العِقابِ. ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: ما وعَظَ في الآياتِ والمَثَلِ، مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢] ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٢] ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ [النور: ١٧] وخَصَّ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالمَوْعِظَةِ.

النور 24:35

(p-٤٥٤)﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ النُّورُ في كَلامِ العَرَبِ الضَّوْءُ المُدْرَكُ بِالبَصَرِ، فَإسْنادُهُ إلى (p-٤٥٥)اللَّهِ تَعالى مَجازٌ، كَما تَقُولُ زَيْدٌ كَرَمٌ وجُودٌ، وإسْنادُهُ عَلى اعْتِبارَيْنِ: إمّا عَلى أنَّهُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُنَوِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وعَبْدِ العَزِيزِ المَكِّيِّ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وثابِتِ بْنِ أبِي حَفْصَةَ، والقَوْرَصِيِّ، ومَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: (نَوَّرَ) فِعْلًا ماضِيًا، و(الأرْضَ) بِالنَّصْبِ. وإمّا عَلى حَذْفٍ؛ أيْ ذُو نُورٍ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ نُورًا عَلى سَبِيلِ المَدْحِ، كَما قالُوا: فُلانٌ شَمْسُ البِلادِ ونُورُ القَبائِلِ وقَمَرُها، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِها. قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ وقالَ: ؎قَمَرُ القَبائِلِ خالِدُ بْنُ يَزِيدِ وقالَ: ؎إذا سارَ عَبْدُ اللَّهِ مِن مَرْوَ لَيْلَةً ∗∗∗ فَقَدْ سارَ مِنها بَدْرُها وجَمالُها ويُرْوى: نُورُها، وأضافَ النُّورَ إلى (السَّماواتِ والأرْضِ)؛ لِلدَّلالَةِ عَلى سِعَةِ إشْراقِهِ وفُشُوِّ إضاءَتِهِ حَتّى يُضِيءَ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ، أوْ يُرادُ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ وأنَّهم يَسْتَضِيئُونَ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿نُورُ السَّماواتِ﴾ أيْ هادِي أهْلِ السَّماواتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُدَبِّرُ أُمُورِ السَّماواتِ. وقالَ الحَسَنُ: مُنَوِّرُ السَّماواتِ. وقالَ أُبَيٌّ: اللَّهُ بِهِ نُورُ السَّماواتِ أوْ مِنهُ نُورُ السَّماواتِ، أيْ ضِياؤُها. وقالَ أبُو العالِيَةِ: مُزَيِّنُ السَّماواتِ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، ومُزَيِّنُ الأرْضِ بِالأنْبِياءِ والعُلَماءِ. وقِيلَ: المُنَزِّهُ مِن كُلِّ عَيْبٍ امْرَأةً نَوارِ بَرِيئَةً مِنَ الرِّيبَةِ والفَحْشاءِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هو الَّذِي يَرى ويُرى بِهِ مَجازٌ وُصِفَ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُرى ويَرى بِسَبَبِهِ مَخْلُوقاتِهِ؛ لِأنَّهُ خَلَقَها وأوْجَدَها. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. واخْتَلَفُوا في هَذا القَوْلِ: ما المُرادُ بِالنُّورِ المُضافِ إلَيْهِ تَعالى ؟ فَقِيلَ: الآياتُ البَيِّناتُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ [النور: ٣٤]، وقِيلَ: الإيمانُ المَقْذُوفُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: النُّورُ هُنا هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: النُّورُ هُنا المُؤْمِنُ. وقالَ كَعْبٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: الضَّمِيرُ في (نُورِهِ) عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ. وقالَ أُبَيٌّ: هو عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، وفي قِراءَتِهِ مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ. ورُوِيَ أيْضًا فِيها مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى القُرْآنِ والإيمانِ، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عادَ فِيها الضَّمِيرُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ونَقَلْتُ المَعْنى المَقْصُودَ بِالآيَةِ بِخِلافِ عَوْدِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ قالَ مَكِّيٌّ يُوقَفُ عَلى: (والأرْضِ) في تِلْكَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ. واخْتَلَفُوا في هَذا التَّشْبِيهِ: أهْوَ تَشْبِيهُ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةٍ لا يُقْصَدُ فِيها إلى تَشْبِيهِ جُزْءٍ بِجُزْءٍ ومُقابَلَةِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، أوْ مِمّا قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ أيْ: مَثَلُ نُورِ اللَّهِ الَّذِي هو هُداهُ وإتْقانُهُ صَنْعَةَ كُلِّ مَخْلُوقٍ وبَراهِينُهُ السّاطِعَةُ عَلى الجُمْلَةِ، كَهَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ النُّورِ الَّذِي تَتَّخِذُونَهُ أنْتُمْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي أبْلَغُ صِفاتِ النُّورِ الَّذِي بَيْنَ أيْدِي النّاسِ، أيْ مَثَلُ نُورِ اللَّهِ في الوُضُوحِ كَهَذا الَّذِي هو مُنْتَهاكم أيُّها البَشَرُ. وقِيلَ: هو مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَصَّلِ المُقابَلِ جُزْءًا بِجُزْءٍ، وقَرَّرُوهُ عَلى تِلْكَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ أيْ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في مُحَمَّدٍ، أوْ في المُؤْمِنِ، أوْ في القُرْآنِ والإيمانِ، ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ فالمِشْكاةُ هو الرَّسُولُ أوْ صَدْرُهُ، و﴿المِصْباحُ﴾ هو النُّبُوَّةُ وما يَتَّصِلُ بِها مِن عِلْمِهِ وهُداهُ، و﴿الزُّجاجَةُ﴾ قَلْبُهُ. والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ الوَحْيُ والمَلائِكَةُ رُسُلُ اللَّهِ إلَيْهِ، وشَبَّهَ الفَصْلَ بِهِ بِالزَّيْتِ، وهو الحُجَجُ والبَراهِينُ والآياتُ الَّتِي تَضَمَّنَها الوَحْيُ، وعَلى قَوْلِ المُؤْمِنِ فالمِشْكاةُ صَدْرُهُ، و﴿المِصْباحُ﴾ الإيْمانُ والعِلْمُ. و﴿الزُّجاجَةُ﴾ قَلْبُهُ، والشَّجَرَةُ القُرْآنُ، وزَيْتُها هو الحُجَجُ والحِكْمَةُ الَّتِي تَضَمَّنَها. قالَ أُبَيٌّ: فَهو عَلى أحْسَنِ الحالِ يَمْشِي في النّاسِ كالرَّجُلِ الحَيِّ يَمْشِي في قُبُورِ الأمْواتِ، وعَلى قَوْلِ الإيمانِ والقُرْآنِ أيْ مَثَلُ الإيمانِ والقُرْآنِ في صَدْرِ المُؤْمِنِ في قَلْبِهِ ﴿كَمِشْكاةٍ﴾، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ في مُقابَلَةِ التَّشْبِيهِ كالأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ المِشْكاةَ لَيْسَتْ تُقابِلُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ صِفَةُ (نُورِهِ) لَعَجِيبَةُ الشَّأْنِ في الإضاءَةِ (p-٤٥٦)﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ كَصِفَةِ مِشْكاةٍ، انْتَهى. ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مَثَلُ نُورِ مِشْكاةٍ، وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ أنَّ المِشْكاةَ هي الكُوَّةُ غَيْرُ النّافِذَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ عِياضٍ والجُمْهُورِ. وقالَ أبُو مُوسى: المِشْكاةُ الحَدِيدَةُ والرَّصاصَةُ الَّتِي تَكَوَّنَ فِيها الفَتِيلُ في جَوْفِ الزُّجاجَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المِشْكاةُ العَمُودُ الَّذِي يَكُونُ المِصْباحُ عَلى رَأْسِهِ، وقالَ أيْضًا الحَدائِدُ الَّتِي تُعَلَّقُ فِيها القَنادِيلُ. ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ أيْ سِراجٌ ضَخْمٌ، والظّاهِرُ أنَّ الزُّجاجَةَ ظَرْفٌ لِلْمِصْباحِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في زُجاجٍ شامِيٍّ، وكانَ عِنْدَهُ أصْفى الزُّجاجِ هو الشّامِيُّ، ولَمْ يُقَيَّدْ في الآيَةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: ﴿فِي زِجاجَةٍ الزِّجاجَةُ﴾ بِكَسْرِ الزّايِ فِيهِما، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ مُجاهِدٍ بِفَتْحِها. (كَأنَّها) أيْ كَأنَّ الزُّجاجَةَ لِصَفاءِ جَوْهَرِها وذاتِها، وهو أبْلَغُ في الإنارَةِ، ولِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِن نُورِ المِصْباحِ. ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، قالَ الضَّحّاكُ: هو الزُّهَرَةُ شَبَّهَ الزُّجاجَةَ في زُهْرَتِها بِأحَدِ الدَّرارِيِّ مِنَ الكَواكِبِ المَشاهِيرِ، وهي المُشْتَرِي، والزُّهَرَةُ، والمِرِّيخُ، وسُهَيْلٌ، ونَحْوُ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بِضَمِّ الدّالِّ وتَشْدِيدِ الرّاءِ والياءِ، والظّاهِرُ نِسْبَةُ الكَوْكَبِ إلى الدُّرِّ لِبَياضِهِ وصَفائِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ فَأُبْدِلَ وأُدْغِمَ. وقَرَأ قَتادَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما فَتَحا الدّالَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ وأبِي رَجاءٍ وابْنِ المُسَيَّبِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الدّالَ. وقَرَأ حَمْزَةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الدَّفْعِ، أيْ يَدْفَعُ بَعْضُها بَعْضًا، أوْ يَدْفَعُ ضَوْءُها خَفاءَها ووَزْنُها فُعِّيلٌ. قِيلَ: ولا يُوجَدُ فُعِّيلٌ إلّا قَوْلُهم مُرِّيقٌ لِلْعُصْفُرِ ودُرِّيءٌ في هَذِهِ القِراءَةِ. قِيلَ: وسُرِّيَّةٌ إذا قِيلَ إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّرُورِ، وأُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضَعَّفاتِ الياءُ فَأُدْغِمَتْ فِيها ياءُ فُعِّيلٍ، وسُمِعَ أيْضًا مُرِّيخٌ لِلَّذِي في داخِلِ القَرْنِ اليابِسِ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها. وقِيلَ: مِنهُ عُلِّيَّةٌ. وقِيلَ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ ووَزْنُهُ في الأصْلِ فُعُّولٌ كَسُبُّوحٍ، فاسْتُثْقِلَ الضَّمُّ فَرُدَّ إلى الكَسْرِ، وكَذا قِيلَ في سُرَّتِهِ ودُرَّتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الدّالَ، وهو بِناءٌ كَثِيرٌ في الأسْماءِ نَحْوُ سِكِّينٍ، وفي الأوْصافِ سِكِّيرٌ. وقَرَأ قَتادَةُ أيْضًا وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ المُسَيَّبِ وأبُو رَجاءٍ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ والأعْمَشُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الدّالِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: وهَذا عَزِيزٌ لَمْ يُحْفَظْ مِنهُ إلّا السَّكِّينَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وشَدِّ الكافِ، انْتَهى. وفي الأبْنِيَةِ حَكى الأخْفَشُ كَوْكَبٌ دَرِّيءٌ، مِن دَرَأْتُهُ ودَرِّيَّةٌ وعَلَيْكَ بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، عَنْ أبِي زَيْدٍ. وحَكى الفَرّاءُ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ الأخَوانِ، وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: (تُوقَدُ) بِضَمِّ التّاءِ أيِ: ﴿الزُّجاجَةُ﴾ مُضارِعُ أُوقِدَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (تَوَقَّدَ) بِفَتْحِ الأرْبَعَةِ، فِعْلًا ماضِيًا أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾ . والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وسَلامٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِضَمِّ الدّالِ مُضارِعُ (تَوَقَّدُ)، وأصْلُهُ تَتَوَقَّدُ أيِ ﴿الزُّجاجَةُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وُقِّدَ بِغَيْرِ تاءٍ، وشَدَّدَ القافَ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًّا أيْ: وُقِّدَ المِصْباحُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وقَتادَةُ وسَلامٌ أيْضًا كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ. وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وأصْلُهُ يَتَوَقَّدُ أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾ إلّا أنَّ حَذْفَ الياءِ في يَتَوَقَّدُ مَقِيسٌ؛ لِدَلالَةِ ما أُبْقِيَ عَلى ما حُذِفَ. وفي ﴿يُوقَدُ﴾ شاذٌّ جِدًّا؛ لِأنَّ الياءَ الباقِيَةَ لا تَدُلُّ عَلى التّاءِ المَحْذُوفَةِ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ القِياسِ وهو حَمْلُهُ عَلى يَعِدُ إذْ حُمِلَ يَعِدُ وتَعِدُ وأعِدُ في حَذْفِ الواوِ كَذَلِكَ، هَذا لَمّا حَذَفُوا مِن تَتَوَقَّدُ بِالتّاءَيْنِ حَذَفُوا التّاءَ مَعَ الياءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ اجْتِماعُ التّاءِ والياءِ مُسْتَثْقَلًا. ﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ أيْ مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ، وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ. ﴿مُبارَكَةٍ﴾ كَثِيرَةِ المَنافِعِ أوْ لِأنَّها تَنْبُتُ في الأرْضِ الَّتِي بارَكَ فِيها لِلْعالَمِينَ. وقِيلَ: بارَكَ فِيها (p-٤٥٧)لِلْعالَمِينَ. وقِيلَ: بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والزَّيْتُونُ مِن أعْظَمِ الشَّجَرِ ثَمَرًا ونَماءً واطِّرادَ أفْنانٍ ونَضارَةَ أفْنانٍ. وقالَ أبُو طالِبٍ: ؎بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما ∗∗∗ بُورِكَ نَضْرُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ . قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي مِن شَجَرِ الشّامِ، فَهي لَيْسَتْ مِن شَرْقِ الأرْضِ ولا مِن غَرْبِها؛ لِأنَّ شَجَرَ الشّامِ أفْضَلُ الشَّجَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هي في مُنْكَشَفٍ مِنَ الأرْضِ تُصِيبُها الشَّمْسُ طُولَ النَّهارِ تَسْتَدِيرُ عَلَيْها، فَلَيْسَتْ خالِصَةً لِلشَّرْقِ فَتُسَمّى شَرْقِيَّةً، ولا لِلْغَرْبِ فَتُسَمّى غَرْبِيَّةً، وقالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ ولَيْسَتْ مِن شَجَرِ الدُّنْيا؛ إذْ لَوْ كانَتْ في الدُّنْيا لَكانَتْ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها في دَرَجَةٍ أحاطَتْ بِها فَلَيْسَتْ مُنْكَشِفَةً لا مِن جِهَةِ الشَّرْقِ ولا مِن جِهَةِ الغَرْبِ، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّها إذا كانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَسَدَ جَناها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّها في وسَطِ الشَّجَرِ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ طالِعَةً ولا غارِبَةً، بَلْ تُصِيبُها بِالغَداةِ والعَشِيِّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مِن شَجَرِ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الشَّجَرَةُ مَثَلٌ، أيْ إنَّها مِلَّةُ إبْراهِيمَ لَيْسَتْ بِيَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ. وقِيلَ: مِلَّةُ الإسْلامِ لَيْسَتْ بِشَدِيدَةٍ ولا لَيِّنَةٍ. وقِيلَ: لا مَضْحًى ولا مَفْيَأةً، ولَكِنَّ الشَّمْسَ والظِّلَّ يَتَعاقَبانِ عَلَيْها، وذَلِكَ أجْوَدُ لِحَمْلِها وأصْفى لِدُهْنِها. و﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بَدَلٌ مِن (شَجَرَةٍ)، وجَوَّزَ بَعْضُهم فِيهِ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، ولا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ عِنْدَهم لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ أنَّهُ يَكُونُ في النَّكِراتِ. و﴿لا شَرْقِيَّةٍ﴾ (ولا) عَلى ﴿غَرْبِيَّةٍ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالخَفْضِ صِفَةً لِزَيْتُونَةٍ. وقَرَأ الضَّحّاكُ بِالرَّفْعِ أيْ: لا هي شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ مُبالَغَةٌ في صَفاءِ الزَّيْتِ وأنَّهُ لِإشْراقِهِ وجَوْدَتِهِ يَكادُ يُضِيءُ مِن غَيْرِ نارٍ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ حالِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ في كُلِّ حالٍ، ولَوْ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي تَقْتَضِي أنَّهُ لا يُضِيءُ لِانْتِفاءِ مَسِّ النّارِ لَهُ، وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ هَذا العَطْفَ إنَّما يَأْتِي مُرَتَّبًا لِما كانَ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ؛ لِامْتِناعِ التَّرْتِيبِ في العادَةِ ولِلِاسْتِقْصاءِ حَتّى يَدْخُلَ ما لا يُقَدَّرُ دُخُولُهُ فِيما قَبْلَهُ، نَحْوُ: ”أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ“ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَمْسَسْهُ﴾ بِالتّاءِ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِالياءِ مِن تَحْتُ، وحَسَّنَهُ الفَصْلُ وأنَّ تَأْنِيثَ النّارِ مَجازِيٌّ، وهو مُؤَنَّثٌ بِغَيْرِ عَلامَةٍ. ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أيْ مُتَضاعِفٌ تَعاوَنَ عَلَيْهِ المِشْكاةُ والزُّجاجَةُ والمِصْباحُ والزَّيْتُ، فَلَمْ يَبْقَ مِمّا يُقَوِّي النُّورَ ويَزِيدُهُ إشْراقًا شَيْءٌ؛ لِأنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ ضَيِّقٍ كانَ أجْمَعَ لِنُورِهِ بِخِلافِ المَكانِ المُتَّسِعِ، فَإنَّهُ يَنْشُرُ النُّورَ، والقِنْدِيلُ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ النُّورِ، وكَذَلِكَ الزَّيْتُ وصَفاؤُهُ، وهُنا تَمَّ المِثالُ. ثُمَّ قالَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ لِهُداهُ والإيمانِ مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ ويَصْطَفِيهِ لَها. ومَن فَسَّرَ النُّورَ في ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ بِالنُّبُوَّةِ قَدَّرَ يَهْدِي اللَّهُ إلى نُبُوَّتِهِ. وقِيلَ: إلى الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَضْرِبُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لِيَقَعَ لَهُمُ العِبْرَةُ والنَّظَرُ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، ثُمَّ ذَكَرَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ، فَهو يَضَعُ هُداهُ عِنْدَ مَن يَشاءُ. ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بَيُوقَدُ؛ قالَهُ الرُّمّانِيُّ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ كَمِشْكاةٍ في بُيُوتٍ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ في بَعْضِ بُيُوتِ اللَّهِ، وهي المَساجِدُ. وقالَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ كَما تَرى في المَسْجِدِ نُورَ المِشْكاةِ الَّتِي مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتَ، انْتَهى. وقَوْلُهُ كَأنَّهُ إلى آخِرِهِ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمِصْباحٍ أيْ مِصْباحٌ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾؛ قالَهُ بَعْضُهم، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِزُجاجَةٍ؛ قالَهُ بَعْضُهم، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ لا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: (عَلِيمٌ) . وقِيلَ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُسْتَأْنَفٌ، والعامِلُ فِيهِ (يُسَبِّحُ) حَكاهُ أبُو حاتِمٍ وجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَقالَ: وقَدْ ذَكَرَ تَعَلُّقَهُ (p-٤٥٨)بِـ ﴿كَمِشْكاةٍ﴾، قالَ: أوْ بِما بَعْدَهُ وهو: (يُسَبِّحُ) أيْ: (يُسَبِّحُ لَهُ) رِجالٌ في بُيُوتٍ، وفِيها تَكْرِيرٌ كَقَوْلِكَ زَيْدٌ في الدّارِ جالِسٌ فِيها، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ سَبَّحُوا في بُيُوتٍ، انْتَهى. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: (عَلِيمٌ)، والَّذِي أخْتارُهُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ بِقَوْلِهِ: (يُسَبِّحُ) وإنَّ ارْتِباطَ هَذِهِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَهْدِي لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ذَكَرَ حالَ مَن حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ لِذَلِكَ النُّورِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ أشْرَفَ عِبادَتِهِمُ القَلْبِيَّةِ، وهو تَنْزِيهُهُمُ اللَّهَ عَنِ النَّقائِصِ وإظْهارُ ذَلِكَ بِالتَّلَفُّظِ بِهِ في مَساجِدِ الجَماعاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ سائِرَ أوْصافِهِمْ مِنِ التِزامِ ذِكْرِ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وخَوْفِهِمْ ما يَكُونُ في البَعْثِ. ولِذَلِكَ جاءَ مُقابِلُ المُؤْمِنِينَ وهُمُ الكُفّارُ في قَوْلِهِ: (والَّذِينَ كَفَرُوا) وكَأنَّهُ لَمّا ذُكِرَتِ الهِدايَةُ لِلنُّورِ جاءَ في التَّقْسِيمِ لِقابِلِ الهِدايَةِ وعَدَمِ قابِلِها، فَبُدِئَ بِالمُؤْمِنِ وما تَأثَّرَ بِهِ مِن أنْواعِ الهُدى ثُمَّ ذَكَرَ الكافِرَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ أُرِيدَ بِهِ مَدْلُولُهُ مِنَ الجَمْعِيَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: أُرِيدَ بِهِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وسُمِّيَ بُيُوتًا مِن حَيْثُ فِيهِ مَواضِعُ يَتَحَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، ويُؤْثَرُ أنَّ عادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ في وقِيدِهِ في غايَةِ التَّهَمُّمِ، والزَّيْتُ مَخْتُومٌ عَلى ظُرُوفِهِ، وقَدْ صُنِعَ صَنْعَةً وقُدِّسَ حَتّى لا يَجْرِيَ الوَقِيدُ بِغَيْرِهِ، فَكانَ أضْوَأ بُيُوتِ الأرْضِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُطْلَقٌ، فَيَصْدُقُ عَلى المَساجِدِ والبُيُوتِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الصَّلاةُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بُيُوتُ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: هي المَساجِدُ الَّتِي مِن عادَتِها أنْ تُنَوَّرَ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ المَصابِيحِ. وقِيلَ: الكَعْبَةُ وبَيْتُ المَقْدِسِ ومَسْجِدُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَسْجِدُ قُباءٍ. وقِيلَ: بُيُوتُ الأنْبِياءِ. ويُقَوِّي أنَّها المَساجِدُ قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ وإذْنُهُ تَعالى وأمْرُهُ بِأنْ: ﴿تُرْفَعَ﴾ أيْ يَعْظُمَ قَدْرُها؛ قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: تُبْنى وتُعَلّى مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] . وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ تَطْهُرَ مِنَ الأنْجاسِ والمَعاصِي. وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ أيْ تُرْفَعَ فِيها الحَوائِجُ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ الأصْواتُ بِذِكْرِ اللَّهِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ. ﴿ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾، ظاهِرُهُ مُطْلَقُ الذِّكْرِ، فَيَعُمُّ كُلَّ ذِكْرٍ عُمُومَ البَدَلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَوْحِيدُهُ وهو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وعَنْهُ: يُتْلى فِيها كِتابُهُ. وقِيلَ: أسْماؤُهُ الحُسْنى. وقِيلَ: يُصَلّى فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُسَبِّحُ) بِكَسْرِ الباءِ وبِالياءِ مِن تَحْتُ، وابْنُ وثّابٍ وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ والبُحْتُرِيُّ عَنْ حَفْصٍ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والمِنهالُ عَنْ يَعْقُوبَ والمُفَضَّلِ وأبانَ، بِفَتْحِها، وبِالياءِ مِن تَحْتُ وأحَدُ المَجْرُوراتِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والأوْلى الَّذِي يَلِي الفِعْلَ؛ لِأنَّ طَلَبَ الفِعْلِ لِلْمَرْفُوعِ أقْوى مِن طَلَبِهِ لِلْمَنصُوبِ الفَضْلَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: تُسَبَّحُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ وفَتْحِ الباءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُها أنْ تُسْنَدَ إلى أوْقاتِ الغُدُوِّ والآصالِ عَلى زِيادَةِ الباءِ، وتُجْعَلَ الأوْقاتُ مُسَبَّحَةً والمُرادُ رَبُّها كَصِيدَ عَلَيْهِ يَوْمانِ، والمُرادُ وحْشُهُما، انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ضَمِيرَ التَّسْبِيحَةِ الدّالَّ عَلَيْهِ ﴿تُسَبَّحُ﴾ [الإسراء: ٤٤]، أيْ: تُسَبَّحُ لَهُ هي، أيِ: التَّسْبِيحَةُ، كَما قالُوا: (لِيُجْزى قَوْمًا) في قِراءَةِ مَن بَناهُ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لِيُجْزى هو، أيِ: الجَزاءُ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: والإيصالِ وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وارْتَفَعَ (رِجالٌ) عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: (يُسَبِّحُ) أوْ يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ. واخْتُلِفَ في اقْتِياسِ هَذا، فَعَلى اقْتِياسِهِ نَحْوُ ضَرَبَتْ هِنْدَ زَيْدٌ، أيْ: ضَرَبَها زَيْدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: المُسَبِّحُ رِجالٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ الغُدُوِّ والآصالِ والمُرادِ بِهِما. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وصْفَ المُسَبِّحِينَ بِأنَّهم لِمُراقَبَتِهِمْ أمْرَ اللَّهِ وطَلَبِهِمْ رِضاهُ لا يَشْتَغِلُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لا تِجارَةَ لَهم ولا بَيْعَ فَيُلْهِيَهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. والثّانِي: (p-٤٥٩)أنَّهم ذَوُو تِجارَةٍ وبَيْعٍ، ولَكِنْ لا يَشْغَلُهم ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَمّا فُرِضَ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ مُغايَرَةُ التِّجارَةِ والبَيْعِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ تِجارَةً مِن إطْلاقِ العامِّ ويُرادُ بِهِ الخاصُّ، فَأرادَ بِالتِّجارَةِ الشِّراءَ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِالبَيْعِ، أوْ يُرادُ تِجارَةُ الجَلَبِ، ويُقالُ: تَجَرَ فُلانٌ في كَذا إذا جَلَبَهُ، وبِالبَيْعِ البَيْعَ بِالأسْواقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ولا بَيْعٌ﴾ مِن ذِكْرِ خاصٍّ بَعْدَ عامٍّ؛ لِأنَّ التِّجارَةَ هي البَيْعُ والشِّراءُ طَلَبًا لِلرِّبْحِ. ونَبَّهَ عَلى هَذا الخاصِّ؛ لِأنَّهُ في الإلْهاءِ أدْخَلُ مِن قِبَلِ أنِ التّاجِرَ إذا اتَّجَهَتْ لَهُ بَيْعَةٌ رابِحَةٌ، وهي طِلْبَتُهُ الكُلِّيَّةُ مِن صِناعَتِهِ ألْهَتْهُ ما لا يُلْهِيهِ شَيْءٌ يُتَوَقَّعُ فِيهِ الرِّبْحُ؛ لِأنَّ هَذا يَقِينٌ وذاكَ مَظْنُونٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التّاءُ في إقامَةٍ عِوَضٌ مِنَ العَيْنِ السّاقِطَةِ لِلْإعْلالِ، والأصْلُ إقْوامٌ، فَلَمّا أُضِيفَتْ أُقِيمَتِ الإضافَةُ مُقامَ حَرْفِ التَّعْوِيضِ فَأُسْقِطَتْ، ونَحْوُهُ: وأخْلَفُوكَ عِدا الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا، انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ مِن أنَّ التّاءَ سَقَطَتْ لِأجْلِ الإضافَةِ هو مَذْهَبُ الفَرّاءِ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ التّاءَ مِن نَحْوِ هَذا لا تَسْقُطُ لِلْإضافَةِ، وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ﴿وإقامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] في الأنْبِياءِ، وصَدْرُ البَيْتِ الَّذِي أنْشَدَ عَجُزَهُ قَوْلُهُ: ؎إنَّ الخَلِيطُ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا، وقَدْ تَأوَّلَ خالِدُ بْنُ كُلْثُومٍ قَوْلَهُ عِدا الأمْرِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ عُدْوَةٍ، والعُدْوَةُ النّاحِيَةُ، كَأنَّ الشّاعِرَ أرادَ نَواحِيَ الأمْرِ وجَوانِبَهُ. ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ تَضْطَرِبُ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، فَتَقَلُّبُها هو قَلَقُها واضْطِرابُها، فَتَتَقَلَّبُ مِن طَمَعٍ في النَّجاةِ إلى طَمَعٍ، ومِن حَذَرِ هَلاكٍ إلى هَلاكٍ. وهَذا المَعْنى تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في الحُرُوبِ كَقَوْلِهِ: ؎بَلْ كانَ قَلْبُكَ في جَناحَيْ طائِرِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في يَوْمِ القِيامَةِ بَلْ بَعْدَهُ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ تَقَلُّبَها ظُهُورُ الحَقِّ لَها، أيْ: فَتَتَقَلَّبُ عَنْ مُعْتَقَداتِ الضَّلالِ إلى اعْتِقادِ الحَقِّ عَلى وجْهِهِ، فَتَفْقَهُ القُلُوبُ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْبُوعًا عَلَيْها، وتُبْصِرُ الأبْصارُ بَعْدَ أنْ كانَتْ عُمْيًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: تَقَلَّبُ بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ. واللّامُ في (لِيَجْزِيَهم) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ (لِيَجْزِيَهم)، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِيُسَبِّحُ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يُسَبِّحُونَ ويَخافُونَ (لِيَجْزِيَهم)، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (يَخافُونَ) صِفَةٌ لِرِجالٍ، كَما أنَّ ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ كَذَلِكَ. (أحْسَنَ) هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ثَوابَ أحْسَنِ ما عَمِلُوا، أوْ (أحْسَنَ) جَزاءِ ما عَمِلُوا. ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أعْمالُهم، فَأهْلُ الجَنَّةِ أبَدًا في مَزِيدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لِيَجْزِيَهم) ثَوابَهم مُضاعَفًا، (ويَزِيدَهم) عَلى الثَّوابِ تَفْضِيلًا، وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] المَثُوبَةُ الحُسْنى، وزِيادَةٌ عَلَيْها مِنَ التَّفَضُّلِ وعَطاءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إمّا تَفَضُّلٌ وإمّا ثَوابٌ وإمّا عِوَضٌ. ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، فَأمّا الثَّوابُ فَلَهُ حَسَناتٌ لِكَوْنِهِ عَلى حَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ عَلى حَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ.

النور 24:36

(p-٤٥٤)﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ النُّورُ في كَلامِ العَرَبِ الضَّوْءُ المُدْرَكُ بِالبَصَرِ، فَإسْنادُهُ إلى (p-٤٥٥)اللَّهِ تَعالى مَجازٌ، كَما تَقُولُ زَيْدٌ كَرَمٌ وجُودٌ، وإسْنادُهُ عَلى اعْتِبارَيْنِ: إمّا عَلى أنَّهُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُنَوِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وعَبْدِ العَزِيزِ المَكِّيِّ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وثابِتِ بْنِ أبِي حَفْصَةَ، والقَوْرَصِيِّ، ومَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: (نَوَّرَ) فِعْلًا ماضِيًا، و(الأرْضَ) بِالنَّصْبِ. وإمّا عَلى حَذْفٍ؛ أيْ ذُو نُورٍ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ نُورًا عَلى سَبِيلِ المَدْحِ، كَما قالُوا: فُلانٌ شَمْسُ البِلادِ ونُورُ القَبائِلِ وقَمَرُها، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِها. قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ وقالَ: ؎قَمَرُ القَبائِلِ خالِدُ بْنُ يَزِيدِ وقالَ: ؎إذا سارَ عَبْدُ اللَّهِ مِن مَرْوَ لَيْلَةً ∗∗∗ فَقَدْ سارَ مِنها بَدْرُها وجَمالُها ويُرْوى: نُورُها، وأضافَ النُّورَ إلى (السَّماواتِ والأرْضِ)؛ لِلدَّلالَةِ عَلى سِعَةِ إشْراقِهِ وفُشُوِّ إضاءَتِهِ حَتّى يُضِيءَ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ، أوْ يُرادُ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ وأنَّهم يَسْتَضِيئُونَ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿نُورُ السَّماواتِ﴾ أيْ هادِي أهْلِ السَّماواتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُدَبِّرُ أُمُورِ السَّماواتِ. وقالَ الحَسَنُ: مُنَوِّرُ السَّماواتِ. وقالَ أُبَيٌّ: اللَّهُ بِهِ نُورُ السَّماواتِ أوْ مِنهُ نُورُ السَّماواتِ، أيْ ضِياؤُها. وقالَ أبُو العالِيَةِ: مُزَيِّنُ السَّماواتِ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، ومُزَيِّنُ الأرْضِ بِالأنْبِياءِ والعُلَماءِ. وقِيلَ: المُنَزِّهُ مِن كُلِّ عَيْبٍ امْرَأةً نَوارِ بَرِيئَةً مِنَ الرِّيبَةِ والفَحْشاءِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هو الَّذِي يَرى ويُرى بِهِ مَجازٌ وُصِفَ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُرى ويَرى بِسَبَبِهِ مَخْلُوقاتِهِ؛ لِأنَّهُ خَلَقَها وأوْجَدَها. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. واخْتَلَفُوا في هَذا القَوْلِ: ما المُرادُ بِالنُّورِ المُضافِ إلَيْهِ تَعالى ؟ فَقِيلَ: الآياتُ البَيِّناتُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ [النور: ٣٤]، وقِيلَ: الإيمانُ المَقْذُوفُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: النُّورُ هُنا هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: النُّورُ هُنا المُؤْمِنُ. وقالَ كَعْبٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: الضَّمِيرُ في (نُورِهِ) عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ. وقالَ أُبَيٌّ: هو عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، وفي قِراءَتِهِ مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ. ورُوِيَ أيْضًا فِيها مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى القُرْآنِ والإيمانِ، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عادَ فِيها الضَّمِيرُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ونَقَلْتُ المَعْنى المَقْصُودَ بِالآيَةِ بِخِلافِ عَوْدِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ قالَ مَكِّيٌّ يُوقَفُ عَلى: (والأرْضِ) في تِلْكَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ. واخْتَلَفُوا في هَذا التَّشْبِيهِ: أهْوَ تَشْبِيهُ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةٍ لا يُقْصَدُ فِيها إلى تَشْبِيهِ جُزْءٍ بِجُزْءٍ ومُقابَلَةِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، أوْ مِمّا قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ أيْ: مَثَلُ نُورِ اللَّهِ الَّذِي هو هُداهُ وإتْقانُهُ صَنْعَةَ كُلِّ مَخْلُوقٍ وبَراهِينُهُ السّاطِعَةُ عَلى الجُمْلَةِ، كَهَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ النُّورِ الَّذِي تَتَّخِذُونَهُ أنْتُمْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي أبْلَغُ صِفاتِ النُّورِ الَّذِي بَيْنَ أيْدِي النّاسِ، أيْ مَثَلُ نُورِ اللَّهِ في الوُضُوحِ كَهَذا الَّذِي هو مُنْتَهاكم أيُّها البَشَرُ. وقِيلَ: هو مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَصَّلِ المُقابَلِ جُزْءًا بِجُزْءٍ، وقَرَّرُوهُ عَلى تِلْكَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ أيْ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في مُحَمَّدٍ، أوْ في المُؤْمِنِ، أوْ في القُرْآنِ والإيمانِ، ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ فالمِشْكاةُ هو الرَّسُولُ أوْ صَدْرُهُ، و﴿المِصْباحُ﴾ هو النُّبُوَّةُ وما يَتَّصِلُ بِها مِن عِلْمِهِ وهُداهُ، و﴿الزُّجاجَةُ﴾ قَلْبُهُ. والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ الوَحْيُ والمَلائِكَةُ رُسُلُ اللَّهِ إلَيْهِ، وشَبَّهَ الفَصْلَ بِهِ بِالزَّيْتِ، وهو الحُجَجُ والبَراهِينُ والآياتُ الَّتِي تَضَمَّنَها الوَحْيُ، وعَلى قَوْلِ المُؤْمِنِ فالمِشْكاةُ صَدْرُهُ، و﴿المِصْباحُ﴾ الإيْمانُ والعِلْمُ. و﴿الزُّجاجَةُ﴾ قَلْبُهُ، والشَّجَرَةُ القُرْآنُ، وزَيْتُها هو الحُجَجُ والحِكْمَةُ الَّتِي تَضَمَّنَها. قالَ أُبَيٌّ: فَهو عَلى أحْسَنِ الحالِ يَمْشِي في النّاسِ كالرَّجُلِ الحَيِّ يَمْشِي في قُبُورِ الأمْواتِ، وعَلى قَوْلِ الإيمانِ والقُرْآنِ أيْ مَثَلُ الإيمانِ والقُرْآنِ في صَدْرِ المُؤْمِنِ في قَلْبِهِ ﴿كَمِشْكاةٍ﴾، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ في مُقابَلَةِ التَّشْبِيهِ كالأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ المِشْكاةَ لَيْسَتْ تُقابِلُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ صِفَةُ (نُورِهِ) لَعَجِيبَةُ الشَّأْنِ في الإضاءَةِ (p-٤٥٦)﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ كَصِفَةِ مِشْكاةٍ، انْتَهى. ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مَثَلُ نُورِ مِشْكاةٍ، وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ أنَّ المِشْكاةَ هي الكُوَّةُ غَيْرُ النّافِذَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ عِياضٍ والجُمْهُورِ. وقالَ أبُو مُوسى: المِشْكاةُ الحَدِيدَةُ والرَّصاصَةُ الَّتِي تَكَوَّنَ فِيها الفَتِيلُ في جَوْفِ الزُّجاجَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المِشْكاةُ العَمُودُ الَّذِي يَكُونُ المِصْباحُ عَلى رَأْسِهِ، وقالَ أيْضًا الحَدائِدُ الَّتِي تُعَلَّقُ فِيها القَنادِيلُ. ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ أيْ سِراجٌ ضَخْمٌ، والظّاهِرُ أنَّ الزُّجاجَةَ ظَرْفٌ لِلْمِصْباحِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في زُجاجٍ شامِيٍّ، وكانَ عِنْدَهُ أصْفى الزُّجاجِ هو الشّامِيُّ، ولَمْ يُقَيَّدْ في الآيَةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: ﴿فِي زِجاجَةٍ الزِّجاجَةُ﴾ بِكَسْرِ الزّايِ فِيهِما، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ مُجاهِدٍ بِفَتْحِها. (كَأنَّها) أيْ كَأنَّ الزُّجاجَةَ لِصَفاءِ جَوْهَرِها وذاتِها، وهو أبْلَغُ في الإنارَةِ، ولِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِن نُورِ المِصْباحِ. ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، قالَ الضَّحّاكُ: هو الزُّهَرَةُ شَبَّهَ الزُّجاجَةَ في زُهْرَتِها بِأحَدِ الدَّرارِيِّ مِنَ الكَواكِبِ المَشاهِيرِ، وهي المُشْتَرِي، والزُّهَرَةُ، والمِرِّيخُ، وسُهَيْلٌ، ونَحْوُ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بِضَمِّ الدّالِّ وتَشْدِيدِ الرّاءِ والياءِ، والظّاهِرُ نِسْبَةُ الكَوْكَبِ إلى الدُّرِّ لِبَياضِهِ وصَفائِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ فَأُبْدِلَ وأُدْغِمَ. وقَرَأ قَتادَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما فَتَحا الدّالَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ وأبِي رَجاءٍ وابْنِ المُسَيَّبِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الدّالَ. وقَرَأ حَمْزَةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الدَّفْعِ، أيْ يَدْفَعُ بَعْضُها بَعْضًا، أوْ يَدْفَعُ ضَوْءُها خَفاءَها ووَزْنُها فُعِّيلٌ. قِيلَ: ولا يُوجَدُ فُعِّيلٌ إلّا قَوْلُهم مُرِّيقٌ لِلْعُصْفُرِ ودُرِّيءٌ في هَذِهِ القِراءَةِ. قِيلَ: وسُرِّيَّةٌ إذا قِيلَ إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّرُورِ، وأُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضَعَّفاتِ الياءُ فَأُدْغِمَتْ فِيها ياءُ فُعِّيلٍ، وسُمِعَ أيْضًا مُرِّيخٌ لِلَّذِي في داخِلِ القَرْنِ اليابِسِ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها. وقِيلَ: مِنهُ عُلِّيَّةٌ. وقِيلَ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ ووَزْنُهُ في الأصْلِ فُعُّولٌ كَسُبُّوحٍ، فاسْتُثْقِلَ الضَّمُّ فَرُدَّ إلى الكَسْرِ، وكَذا قِيلَ في سُرَّتِهِ ودُرَّتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الدّالَ، وهو بِناءٌ كَثِيرٌ في الأسْماءِ نَحْوُ سِكِّينٍ، وفي الأوْصافِ سِكِّيرٌ. وقَرَأ قَتادَةُ أيْضًا وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ المُسَيَّبِ وأبُو رَجاءٍ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ والأعْمَشُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الدّالِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: وهَذا عَزِيزٌ لَمْ يُحْفَظْ مِنهُ إلّا السَّكِّينَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وشَدِّ الكافِ، انْتَهى. وفي الأبْنِيَةِ حَكى الأخْفَشُ كَوْكَبٌ دَرِّيءٌ، مِن دَرَأْتُهُ ودَرِّيَّةٌ وعَلَيْكَ بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، عَنْ أبِي زَيْدٍ. وحَكى الفَرّاءُ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ الأخَوانِ، وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: (تُوقَدُ) بِضَمِّ التّاءِ أيِ: ﴿الزُّجاجَةُ﴾ مُضارِعُ أُوقِدَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (تَوَقَّدَ) بِفَتْحِ الأرْبَعَةِ، فِعْلًا ماضِيًا أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾ . والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وسَلامٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِضَمِّ الدّالِ مُضارِعُ (تَوَقَّدُ)، وأصْلُهُ تَتَوَقَّدُ أيِ ﴿الزُّجاجَةُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وُقِّدَ بِغَيْرِ تاءٍ، وشَدَّدَ القافَ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًّا أيْ: وُقِّدَ المِصْباحُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وقَتادَةُ وسَلامٌ أيْضًا كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ. وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وأصْلُهُ يَتَوَقَّدُ أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾ إلّا أنَّ حَذْفَ الياءِ في يَتَوَقَّدُ مَقِيسٌ؛ لِدَلالَةِ ما أُبْقِيَ عَلى ما حُذِفَ. وفي ﴿يُوقَدُ﴾ شاذٌّ جِدًّا؛ لِأنَّ الياءَ الباقِيَةَ لا تَدُلُّ عَلى التّاءِ المَحْذُوفَةِ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ القِياسِ وهو حَمْلُهُ عَلى يَعِدُ إذْ حُمِلَ يَعِدُ وتَعِدُ وأعِدُ في حَذْفِ الواوِ كَذَلِكَ، هَذا لَمّا حَذَفُوا مِن تَتَوَقَّدُ بِالتّاءَيْنِ حَذَفُوا التّاءَ مَعَ الياءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ اجْتِماعُ التّاءِ والياءِ مُسْتَثْقَلًا. ﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ أيْ مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ، وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ. ﴿مُبارَكَةٍ﴾ كَثِيرَةِ المَنافِعِ أوْ لِأنَّها تَنْبُتُ في الأرْضِ الَّتِي بارَكَ فِيها لِلْعالَمِينَ. وقِيلَ: بارَكَ فِيها (p-٤٥٧)لِلْعالَمِينَ. وقِيلَ: بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والزَّيْتُونُ مِن أعْظَمِ الشَّجَرِ ثَمَرًا ونَماءً واطِّرادَ أفْنانٍ ونَضارَةَ أفْنانٍ. وقالَ أبُو طالِبٍ: ؎بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما ∗∗∗ بُورِكَ نَضْرُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ . قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي مِن شَجَرِ الشّامِ، فَهي لَيْسَتْ مِن شَرْقِ الأرْضِ ولا مِن غَرْبِها؛ لِأنَّ شَجَرَ الشّامِ أفْضَلُ الشَّجَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هي في مُنْكَشَفٍ مِنَ الأرْضِ تُصِيبُها الشَّمْسُ طُولَ النَّهارِ تَسْتَدِيرُ عَلَيْها، فَلَيْسَتْ خالِصَةً لِلشَّرْقِ فَتُسَمّى شَرْقِيَّةً، ولا لِلْغَرْبِ فَتُسَمّى غَرْبِيَّةً، وقالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ ولَيْسَتْ مِن شَجَرِ الدُّنْيا؛ إذْ لَوْ كانَتْ في الدُّنْيا لَكانَتْ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها في دَرَجَةٍ أحاطَتْ بِها فَلَيْسَتْ مُنْكَشِفَةً لا مِن جِهَةِ الشَّرْقِ ولا مِن جِهَةِ الغَرْبِ، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّها إذا كانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَسَدَ جَناها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّها في وسَطِ الشَّجَرِ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ طالِعَةً ولا غارِبَةً، بَلْ تُصِيبُها بِالغَداةِ والعَشِيِّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مِن شَجَرِ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الشَّجَرَةُ مَثَلٌ، أيْ إنَّها مِلَّةُ إبْراهِيمَ لَيْسَتْ بِيَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ. وقِيلَ: مِلَّةُ الإسْلامِ لَيْسَتْ بِشَدِيدَةٍ ولا لَيِّنَةٍ. وقِيلَ: لا مَضْحًى ولا مَفْيَأةً، ولَكِنَّ الشَّمْسَ والظِّلَّ يَتَعاقَبانِ عَلَيْها، وذَلِكَ أجْوَدُ لِحَمْلِها وأصْفى لِدُهْنِها. و﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بَدَلٌ مِن (شَجَرَةٍ)، وجَوَّزَ بَعْضُهم فِيهِ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، ولا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ عِنْدَهم لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ أنَّهُ يَكُونُ في النَّكِراتِ. و﴿لا شَرْقِيَّةٍ﴾ (ولا) عَلى ﴿غَرْبِيَّةٍ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالخَفْضِ صِفَةً لِزَيْتُونَةٍ. وقَرَأ الضَّحّاكُ بِالرَّفْعِ أيْ: لا هي شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ مُبالَغَةٌ في صَفاءِ الزَّيْتِ وأنَّهُ لِإشْراقِهِ وجَوْدَتِهِ يَكادُ يُضِيءُ مِن غَيْرِ نارٍ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ حالِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ في كُلِّ حالٍ، ولَوْ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي تَقْتَضِي أنَّهُ لا يُضِيءُ لِانْتِفاءِ مَسِّ النّارِ لَهُ، وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ هَذا العَطْفَ إنَّما يَأْتِي مُرَتَّبًا لِما كانَ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ؛ لِامْتِناعِ التَّرْتِيبِ في العادَةِ ولِلِاسْتِقْصاءِ حَتّى يَدْخُلَ ما لا يُقَدَّرُ دُخُولُهُ فِيما قَبْلَهُ، نَحْوُ: ”أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ“ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَمْسَسْهُ﴾ بِالتّاءِ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِالياءِ مِن تَحْتُ، وحَسَّنَهُ الفَصْلُ وأنَّ تَأْنِيثَ النّارِ مَجازِيٌّ، وهو مُؤَنَّثٌ بِغَيْرِ عَلامَةٍ. ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أيْ مُتَضاعِفٌ تَعاوَنَ عَلَيْهِ المِشْكاةُ والزُّجاجَةُ والمِصْباحُ والزَّيْتُ، فَلَمْ يَبْقَ مِمّا يُقَوِّي النُّورَ ويَزِيدُهُ إشْراقًا شَيْءٌ؛ لِأنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ ضَيِّقٍ كانَ أجْمَعَ لِنُورِهِ بِخِلافِ المَكانِ المُتَّسِعِ، فَإنَّهُ يَنْشُرُ النُّورَ، والقِنْدِيلُ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ النُّورِ، وكَذَلِكَ الزَّيْتُ وصَفاؤُهُ، وهُنا تَمَّ المِثالُ. ثُمَّ قالَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ لِهُداهُ والإيمانِ مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ ويَصْطَفِيهِ لَها. ومَن فَسَّرَ النُّورَ في ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ بِالنُّبُوَّةِ قَدَّرَ يَهْدِي اللَّهُ إلى نُبُوَّتِهِ. وقِيلَ: إلى الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَضْرِبُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لِيَقَعَ لَهُمُ العِبْرَةُ والنَّظَرُ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، ثُمَّ ذَكَرَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ، فَهو يَضَعُ هُداهُ عِنْدَ مَن يَشاءُ. ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بَيُوقَدُ؛ قالَهُ الرُّمّانِيُّ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ كَمِشْكاةٍ في بُيُوتٍ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ في بَعْضِ بُيُوتِ اللَّهِ، وهي المَساجِدُ. وقالَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ كَما تَرى في المَسْجِدِ نُورَ المِشْكاةِ الَّتِي مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتَ، انْتَهى. وقَوْلُهُ كَأنَّهُ إلى آخِرِهِ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمِصْباحٍ أيْ مِصْباحٌ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾؛ قالَهُ بَعْضُهم، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِزُجاجَةٍ؛ قالَهُ بَعْضُهم، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ لا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: (عَلِيمٌ) . وقِيلَ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُسْتَأْنَفٌ، والعامِلُ فِيهِ (يُسَبِّحُ) حَكاهُ أبُو حاتِمٍ وجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَقالَ: وقَدْ ذَكَرَ تَعَلُّقَهُ (p-٤٥٨)بِـ ﴿كَمِشْكاةٍ﴾، قالَ: أوْ بِما بَعْدَهُ وهو: (يُسَبِّحُ) أيْ: (يُسَبِّحُ لَهُ) رِجالٌ في بُيُوتٍ، وفِيها تَكْرِيرٌ كَقَوْلِكَ زَيْدٌ في الدّارِ جالِسٌ فِيها، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ سَبَّحُوا في بُيُوتٍ، انْتَهى. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: (عَلِيمٌ)، والَّذِي أخْتارُهُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ بِقَوْلِهِ: (يُسَبِّحُ) وإنَّ ارْتِباطَ هَذِهِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَهْدِي لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ذَكَرَ حالَ مَن حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ لِذَلِكَ النُّورِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ أشْرَفَ عِبادَتِهِمُ القَلْبِيَّةِ، وهو تَنْزِيهُهُمُ اللَّهَ عَنِ النَّقائِصِ وإظْهارُ ذَلِكَ بِالتَّلَفُّظِ بِهِ في مَساجِدِ الجَماعاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ سائِرَ أوْصافِهِمْ مِنِ التِزامِ ذِكْرِ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وخَوْفِهِمْ ما يَكُونُ في البَعْثِ. ولِذَلِكَ جاءَ مُقابِلُ المُؤْمِنِينَ وهُمُ الكُفّارُ في قَوْلِهِ: (والَّذِينَ كَفَرُوا) وكَأنَّهُ لَمّا ذُكِرَتِ الهِدايَةُ لِلنُّورِ جاءَ في التَّقْسِيمِ لِقابِلِ الهِدايَةِ وعَدَمِ قابِلِها، فَبُدِئَ بِالمُؤْمِنِ وما تَأثَّرَ بِهِ مِن أنْواعِ الهُدى ثُمَّ ذَكَرَ الكافِرَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ أُرِيدَ بِهِ مَدْلُولُهُ مِنَ الجَمْعِيَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: أُرِيدَ بِهِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وسُمِّيَ بُيُوتًا مِن حَيْثُ فِيهِ مَواضِعُ يَتَحَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، ويُؤْثَرُ أنَّ عادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ في وقِيدِهِ في غايَةِ التَّهَمُّمِ، والزَّيْتُ مَخْتُومٌ عَلى ظُرُوفِهِ، وقَدْ صُنِعَ صَنْعَةً وقُدِّسَ حَتّى لا يَجْرِيَ الوَقِيدُ بِغَيْرِهِ، فَكانَ أضْوَأ بُيُوتِ الأرْضِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُطْلَقٌ، فَيَصْدُقُ عَلى المَساجِدِ والبُيُوتِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الصَّلاةُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بُيُوتُ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: هي المَساجِدُ الَّتِي مِن عادَتِها أنْ تُنَوَّرَ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ المَصابِيحِ. وقِيلَ: الكَعْبَةُ وبَيْتُ المَقْدِسِ ومَسْجِدُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَسْجِدُ قُباءٍ. وقِيلَ: بُيُوتُ الأنْبِياءِ. ويُقَوِّي أنَّها المَساجِدُ قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ وإذْنُهُ تَعالى وأمْرُهُ بِأنْ: ﴿تُرْفَعَ﴾ أيْ يَعْظُمَ قَدْرُها؛ قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: تُبْنى وتُعَلّى مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] . وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ تَطْهُرَ مِنَ الأنْجاسِ والمَعاصِي. وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ أيْ تُرْفَعَ فِيها الحَوائِجُ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ الأصْواتُ بِذِكْرِ اللَّهِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ. ﴿ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾، ظاهِرُهُ مُطْلَقُ الذِّكْرِ، فَيَعُمُّ كُلَّ ذِكْرٍ عُمُومَ البَدَلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَوْحِيدُهُ وهو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وعَنْهُ: يُتْلى فِيها كِتابُهُ. وقِيلَ: أسْماؤُهُ الحُسْنى. وقِيلَ: يُصَلّى فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُسَبِّحُ) بِكَسْرِ الباءِ وبِالياءِ مِن تَحْتُ، وابْنُ وثّابٍ وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ والبُحْتُرِيُّ عَنْ حَفْصٍ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والمِنهالُ عَنْ يَعْقُوبَ والمُفَضَّلِ وأبانَ، بِفَتْحِها، وبِالياءِ مِن تَحْتُ وأحَدُ المَجْرُوراتِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والأوْلى الَّذِي يَلِي الفِعْلَ؛ لِأنَّ طَلَبَ الفِعْلِ لِلْمَرْفُوعِ أقْوى مِن طَلَبِهِ لِلْمَنصُوبِ الفَضْلَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: تُسَبَّحُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ وفَتْحِ الباءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُها أنْ تُسْنَدَ إلى أوْقاتِ الغُدُوِّ والآصالِ عَلى زِيادَةِ الباءِ، وتُجْعَلَ الأوْقاتُ مُسَبَّحَةً والمُرادُ رَبُّها كَصِيدَ عَلَيْهِ يَوْمانِ، والمُرادُ وحْشُهُما، انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ضَمِيرَ التَّسْبِيحَةِ الدّالَّ عَلَيْهِ ﴿تُسَبَّحُ﴾ [الإسراء: ٤٤]، أيْ: تُسَبَّحُ لَهُ هي، أيِ: التَّسْبِيحَةُ، كَما قالُوا: (لِيُجْزى قَوْمًا) في قِراءَةِ مَن بَناهُ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لِيُجْزى هو، أيِ: الجَزاءُ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: والإيصالِ وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وارْتَفَعَ (رِجالٌ) عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: (يُسَبِّحُ) أوْ يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ. واخْتُلِفَ في اقْتِياسِ هَذا، فَعَلى اقْتِياسِهِ نَحْوُ ضَرَبَتْ هِنْدَ زَيْدٌ، أيْ: ضَرَبَها زَيْدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: المُسَبِّحُ رِجالٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ الغُدُوِّ والآصالِ والمُرادِ بِهِما. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وصْفَ المُسَبِّحِينَ بِأنَّهم لِمُراقَبَتِهِمْ أمْرَ اللَّهِ وطَلَبِهِمْ رِضاهُ لا يَشْتَغِلُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لا تِجارَةَ لَهم ولا بَيْعَ فَيُلْهِيَهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. والثّانِي: (p-٤٥٩)أنَّهم ذَوُو تِجارَةٍ وبَيْعٍ، ولَكِنْ لا يَشْغَلُهم ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَمّا فُرِضَ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ مُغايَرَةُ التِّجارَةِ والبَيْعِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ تِجارَةً مِن إطْلاقِ العامِّ ويُرادُ بِهِ الخاصُّ، فَأرادَ بِالتِّجارَةِ الشِّراءَ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِالبَيْعِ، أوْ يُرادُ تِجارَةُ الجَلَبِ، ويُقالُ: تَجَرَ فُلانٌ في كَذا إذا جَلَبَهُ، وبِالبَيْعِ البَيْعَ بِالأسْواقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ولا بَيْعٌ﴾ مِن ذِكْرِ خاصٍّ بَعْدَ عامٍّ؛ لِأنَّ التِّجارَةَ هي البَيْعُ والشِّراءُ طَلَبًا لِلرِّبْحِ. ونَبَّهَ عَلى هَذا الخاصِّ؛ لِأنَّهُ في الإلْهاءِ أدْخَلُ مِن قِبَلِ أنِ التّاجِرَ إذا اتَّجَهَتْ لَهُ بَيْعَةٌ رابِحَةٌ، وهي طِلْبَتُهُ الكُلِّيَّةُ مِن صِناعَتِهِ ألْهَتْهُ ما لا يُلْهِيهِ شَيْءٌ يُتَوَقَّعُ فِيهِ الرِّبْحُ؛ لِأنَّ هَذا يَقِينٌ وذاكَ مَظْنُونٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التّاءُ في إقامَةٍ عِوَضٌ مِنَ العَيْنِ السّاقِطَةِ لِلْإعْلالِ، والأصْلُ إقْوامٌ، فَلَمّا أُضِيفَتْ أُقِيمَتِ الإضافَةُ مُقامَ حَرْفِ التَّعْوِيضِ فَأُسْقِطَتْ، ونَحْوُهُ: وأخْلَفُوكَ عِدا الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا، انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ مِن أنَّ التّاءَ سَقَطَتْ لِأجْلِ الإضافَةِ هو مَذْهَبُ الفَرّاءِ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ التّاءَ مِن نَحْوِ هَذا لا تَسْقُطُ لِلْإضافَةِ، وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ﴿وإقامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] في الأنْبِياءِ، وصَدْرُ البَيْتِ الَّذِي أنْشَدَ عَجُزَهُ قَوْلُهُ: ؎إنَّ الخَلِيطُ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا، وقَدْ تَأوَّلَ خالِدُ بْنُ كُلْثُومٍ قَوْلَهُ عِدا الأمْرِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ عُدْوَةٍ، والعُدْوَةُ النّاحِيَةُ، كَأنَّ الشّاعِرَ أرادَ نَواحِيَ الأمْرِ وجَوانِبَهُ. ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ تَضْطَرِبُ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، فَتَقَلُّبُها هو قَلَقُها واضْطِرابُها، فَتَتَقَلَّبُ مِن طَمَعٍ في النَّجاةِ إلى طَمَعٍ، ومِن حَذَرِ هَلاكٍ إلى هَلاكٍ. وهَذا المَعْنى تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في الحُرُوبِ كَقَوْلِهِ: ؎بَلْ كانَ قَلْبُكَ في جَناحَيْ طائِرِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في يَوْمِ القِيامَةِ بَلْ بَعْدَهُ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ تَقَلُّبَها ظُهُورُ الحَقِّ لَها، أيْ: فَتَتَقَلَّبُ عَنْ مُعْتَقَداتِ الضَّلالِ إلى اعْتِقادِ الحَقِّ عَلى وجْهِهِ، فَتَفْقَهُ القُلُوبُ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْبُوعًا عَلَيْها، وتُبْصِرُ الأبْصارُ بَعْدَ أنْ كانَتْ عُمْيًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: تَقَلَّبُ بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ. واللّامُ في (لِيَجْزِيَهم) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ (لِيَجْزِيَهم)، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِيُسَبِّحُ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يُسَبِّحُونَ ويَخافُونَ (لِيَجْزِيَهم)، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (يَخافُونَ) صِفَةٌ لِرِجالٍ، كَما أنَّ ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ كَذَلِكَ. (أحْسَنَ) هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ثَوابَ أحْسَنِ ما عَمِلُوا، أوْ (أحْسَنَ) جَزاءِ ما عَمِلُوا. ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أعْمالُهم، فَأهْلُ الجَنَّةِ أبَدًا في مَزِيدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لِيَجْزِيَهم) ثَوابَهم مُضاعَفًا، (ويَزِيدَهم) عَلى الثَّوابِ تَفْضِيلًا، وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] المَثُوبَةُ الحُسْنى، وزِيادَةٌ عَلَيْها مِنَ التَّفَضُّلِ وعَطاءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إمّا تَفَضُّلٌ وإمّا ثَوابٌ وإمّا عِوَضٌ. ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، فَأمّا الثَّوابُ فَلَهُ حَسَناتٌ لِكَوْنِهِ عَلى حَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ عَلى حَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ.

النور 24:37

(p-٤٥٤)﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ النُّورُ في كَلامِ العَرَبِ الضَّوْءُ المُدْرَكُ بِالبَصَرِ، فَإسْنادُهُ إلى (p-٤٥٥)اللَّهِ تَعالى مَجازٌ، كَما تَقُولُ زَيْدٌ كَرَمٌ وجُودٌ، وإسْنادُهُ عَلى اعْتِبارَيْنِ: إمّا عَلى أنَّهُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُنَوِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وعَبْدِ العَزِيزِ المَكِّيِّ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وثابِتِ بْنِ أبِي حَفْصَةَ، والقَوْرَصِيِّ، ومَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: (نَوَّرَ) فِعْلًا ماضِيًا، و(الأرْضَ) بِالنَّصْبِ. وإمّا عَلى حَذْفٍ؛ أيْ ذُو نُورٍ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ نُورًا عَلى سَبِيلِ المَدْحِ، كَما قالُوا: فُلانٌ شَمْسُ البِلادِ ونُورُ القَبائِلِ وقَمَرُها، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِها. قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ وقالَ: ؎قَمَرُ القَبائِلِ خالِدُ بْنُ يَزِيدِ وقالَ: ؎إذا سارَ عَبْدُ اللَّهِ مِن مَرْوَ لَيْلَةً ∗∗∗ فَقَدْ سارَ مِنها بَدْرُها وجَمالُها ويُرْوى: نُورُها، وأضافَ النُّورَ إلى (السَّماواتِ والأرْضِ)؛ لِلدَّلالَةِ عَلى سِعَةِ إشْراقِهِ وفُشُوِّ إضاءَتِهِ حَتّى يُضِيءَ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ، أوْ يُرادُ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ وأنَّهم يَسْتَضِيئُونَ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿نُورُ السَّماواتِ﴾ أيْ هادِي أهْلِ السَّماواتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُدَبِّرُ أُمُورِ السَّماواتِ. وقالَ الحَسَنُ: مُنَوِّرُ السَّماواتِ. وقالَ أُبَيٌّ: اللَّهُ بِهِ نُورُ السَّماواتِ أوْ مِنهُ نُورُ السَّماواتِ، أيْ ضِياؤُها. وقالَ أبُو العالِيَةِ: مُزَيِّنُ السَّماواتِ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، ومُزَيِّنُ الأرْضِ بِالأنْبِياءِ والعُلَماءِ. وقِيلَ: المُنَزِّهُ مِن كُلِّ عَيْبٍ امْرَأةً نَوارِ بَرِيئَةً مِنَ الرِّيبَةِ والفَحْشاءِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هو الَّذِي يَرى ويُرى بِهِ مَجازٌ وُصِفَ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُرى ويَرى بِسَبَبِهِ مَخْلُوقاتِهِ؛ لِأنَّهُ خَلَقَها وأوْجَدَها. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. واخْتَلَفُوا في هَذا القَوْلِ: ما المُرادُ بِالنُّورِ المُضافِ إلَيْهِ تَعالى ؟ فَقِيلَ: الآياتُ البَيِّناتُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ [النور: ٣٤]، وقِيلَ: الإيمانُ المَقْذُوفُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: النُّورُ هُنا هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: النُّورُ هُنا المُؤْمِنُ. وقالَ كَعْبٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: الضَّمِيرُ في (نُورِهِ) عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ. وقالَ أُبَيٌّ: هو عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، وفي قِراءَتِهِ مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ. ورُوِيَ أيْضًا فِيها مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى القُرْآنِ والإيمانِ، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عادَ فِيها الضَّمِيرُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ونَقَلْتُ المَعْنى المَقْصُودَ بِالآيَةِ بِخِلافِ عَوْدِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ قالَ مَكِّيٌّ يُوقَفُ عَلى: (والأرْضِ) في تِلْكَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ. واخْتَلَفُوا في هَذا التَّشْبِيهِ: أهْوَ تَشْبِيهُ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةٍ لا يُقْصَدُ فِيها إلى تَشْبِيهِ جُزْءٍ بِجُزْءٍ ومُقابَلَةِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، أوْ مِمّا قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ أيْ: مَثَلُ نُورِ اللَّهِ الَّذِي هو هُداهُ وإتْقانُهُ صَنْعَةَ كُلِّ مَخْلُوقٍ وبَراهِينُهُ السّاطِعَةُ عَلى الجُمْلَةِ، كَهَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ النُّورِ الَّذِي تَتَّخِذُونَهُ أنْتُمْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي أبْلَغُ صِفاتِ النُّورِ الَّذِي بَيْنَ أيْدِي النّاسِ، أيْ مَثَلُ نُورِ اللَّهِ في الوُضُوحِ كَهَذا الَّذِي هو مُنْتَهاكم أيُّها البَشَرُ. وقِيلَ: هو مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَصَّلِ المُقابَلِ جُزْءًا بِجُزْءٍ، وقَرَّرُوهُ عَلى تِلْكَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ أيْ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في مُحَمَّدٍ، أوْ في المُؤْمِنِ، أوْ في القُرْآنِ والإيمانِ، ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ فالمِشْكاةُ هو الرَّسُولُ أوْ صَدْرُهُ، و﴿المِصْباحُ﴾ هو النُّبُوَّةُ وما يَتَّصِلُ بِها مِن عِلْمِهِ وهُداهُ، و﴿الزُّجاجَةُ﴾ قَلْبُهُ. والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ الوَحْيُ والمَلائِكَةُ رُسُلُ اللَّهِ إلَيْهِ، وشَبَّهَ الفَصْلَ بِهِ بِالزَّيْتِ، وهو الحُجَجُ والبَراهِينُ والآياتُ الَّتِي تَضَمَّنَها الوَحْيُ، وعَلى قَوْلِ المُؤْمِنِ فالمِشْكاةُ صَدْرُهُ، و﴿المِصْباحُ﴾ الإيْمانُ والعِلْمُ. و﴿الزُّجاجَةُ﴾ قَلْبُهُ، والشَّجَرَةُ القُرْآنُ، وزَيْتُها هو الحُجَجُ والحِكْمَةُ الَّتِي تَضَمَّنَها. قالَ أُبَيٌّ: فَهو عَلى أحْسَنِ الحالِ يَمْشِي في النّاسِ كالرَّجُلِ الحَيِّ يَمْشِي في قُبُورِ الأمْواتِ، وعَلى قَوْلِ الإيمانِ والقُرْآنِ أيْ مَثَلُ الإيمانِ والقُرْآنِ في صَدْرِ المُؤْمِنِ في قَلْبِهِ ﴿كَمِشْكاةٍ﴾، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ في مُقابَلَةِ التَّشْبِيهِ كالأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ المِشْكاةَ لَيْسَتْ تُقابِلُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ صِفَةُ (نُورِهِ) لَعَجِيبَةُ الشَّأْنِ في الإضاءَةِ (p-٤٥٦)﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ كَصِفَةِ مِشْكاةٍ، انْتَهى. ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مَثَلُ نُورِ مِشْكاةٍ، وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ أنَّ المِشْكاةَ هي الكُوَّةُ غَيْرُ النّافِذَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ عِياضٍ والجُمْهُورِ. وقالَ أبُو مُوسى: المِشْكاةُ الحَدِيدَةُ والرَّصاصَةُ الَّتِي تَكَوَّنَ فِيها الفَتِيلُ في جَوْفِ الزُّجاجَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المِشْكاةُ العَمُودُ الَّذِي يَكُونُ المِصْباحُ عَلى رَأْسِهِ، وقالَ أيْضًا الحَدائِدُ الَّتِي تُعَلَّقُ فِيها القَنادِيلُ. ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ أيْ سِراجٌ ضَخْمٌ، والظّاهِرُ أنَّ الزُّجاجَةَ ظَرْفٌ لِلْمِصْباحِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في زُجاجٍ شامِيٍّ، وكانَ عِنْدَهُ أصْفى الزُّجاجِ هو الشّامِيُّ، ولَمْ يُقَيَّدْ في الآيَةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: ﴿فِي زِجاجَةٍ الزِّجاجَةُ﴾ بِكَسْرِ الزّايِ فِيهِما، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ مُجاهِدٍ بِفَتْحِها. (كَأنَّها) أيْ كَأنَّ الزُّجاجَةَ لِصَفاءِ جَوْهَرِها وذاتِها، وهو أبْلَغُ في الإنارَةِ، ولِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِن نُورِ المِصْباحِ. ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، قالَ الضَّحّاكُ: هو الزُّهَرَةُ شَبَّهَ الزُّجاجَةَ في زُهْرَتِها بِأحَدِ الدَّرارِيِّ مِنَ الكَواكِبِ المَشاهِيرِ، وهي المُشْتَرِي، والزُّهَرَةُ، والمِرِّيخُ، وسُهَيْلٌ، ونَحْوُ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بِضَمِّ الدّالِّ وتَشْدِيدِ الرّاءِ والياءِ، والظّاهِرُ نِسْبَةُ الكَوْكَبِ إلى الدُّرِّ لِبَياضِهِ وصَفائِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ فَأُبْدِلَ وأُدْغِمَ. وقَرَأ قَتادَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما فَتَحا الدّالَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ وأبِي رَجاءٍ وابْنِ المُسَيَّبِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الدّالَ. وقَرَأ حَمْزَةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الدَّفْعِ، أيْ يَدْفَعُ بَعْضُها بَعْضًا، أوْ يَدْفَعُ ضَوْءُها خَفاءَها ووَزْنُها فُعِّيلٌ. قِيلَ: ولا يُوجَدُ فُعِّيلٌ إلّا قَوْلُهم مُرِّيقٌ لِلْعُصْفُرِ ودُرِّيءٌ في هَذِهِ القِراءَةِ. قِيلَ: وسُرِّيَّةٌ إذا قِيلَ إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّرُورِ، وأُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضَعَّفاتِ الياءُ فَأُدْغِمَتْ فِيها ياءُ فُعِّيلٍ، وسُمِعَ أيْضًا مُرِّيخٌ لِلَّذِي في داخِلِ القَرْنِ اليابِسِ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها. وقِيلَ: مِنهُ عُلِّيَّةٌ. وقِيلَ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ ووَزْنُهُ في الأصْلِ فُعُّولٌ كَسُبُّوحٍ، فاسْتُثْقِلَ الضَّمُّ فَرُدَّ إلى الكَسْرِ، وكَذا قِيلَ في سُرَّتِهِ ودُرَّتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الدّالَ، وهو بِناءٌ كَثِيرٌ في الأسْماءِ نَحْوُ سِكِّينٍ، وفي الأوْصافِ سِكِّيرٌ. وقَرَأ قَتادَةُ أيْضًا وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ المُسَيَّبِ وأبُو رَجاءٍ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ والأعْمَشُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الدّالِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: وهَذا عَزِيزٌ لَمْ يُحْفَظْ مِنهُ إلّا السَّكِّينَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وشَدِّ الكافِ، انْتَهى. وفي الأبْنِيَةِ حَكى الأخْفَشُ كَوْكَبٌ دَرِّيءٌ، مِن دَرَأْتُهُ ودَرِّيَّةٌ وعَلَيْكَ بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، عَنْ أبِي زَيْدٍ. وحَكى الفَرّاءُ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ الأخَوانِ، وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: (تُوقَدُ) بِضَمِّ التّاءِ أيِ: ﴿الزُّجاجَةُ﴾ مُضارِعُ أُوقِدَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (تَوَقَّدَ) بِفَتْحِ الأرْبَعَةِ، فِعْلًا ماضِيًا أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾ . والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وسَلامٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِضَمِّ الدّالِ مُضارِعُ (تَوَقَّدُ)، وأصْلُهُ تَتَوَقَّدُ أيِ ﴿الزُّجاجَةُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وُقِّدَ بِغَيْرِ تاءٍ، وشَدَّدَ القافَ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًّا أيْ: وُقِّدَ المِصْباحُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وقَتادَةُ وسَلامٌ أيْضًا كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ. وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وأصْلُهُ يَتَوَقَّدُ أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾ إلّا أنَّ حَذْفَ الياءِ في يَتَوَقَّدُ مَقِيسٌ؛ لِدَلالَةِ ما أُبْقِيَ عَلى ما حُذِفَ. وفي ﴿يُوقَدُ﴾ شاذٌّ جِدًّا؛ لِأنَّ الياءَ الباقِيَةَ لا تَدُلُّ عَلى التّاءِ المَحْذُوفَةِ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ القِياسِ وهو حَمْلُهُ عَلى يَعِدُ إذْ حُمِلَ يَعِدُ وتَعِدُ وأعِدُ في حَذْفِ الواوِ كَذَلِكَ، هَذا لَمّا حَذَفُوا مِن تَتَوَقَّدُ بِالتّاءَيْنِ حَذَفُوا التّاءَ مَعَ الياءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ اجْتِماعُ التّاءِ والياءِ مُسْتَثْقَلًا. ﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ أيْ مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ، وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ. ﴿مُبارَكَةٍ﴾ كَثِيرَةِ المَنافِعِ أوْ لِأنَّها تَنْبُتُ في الأرْضِ الَّتِي بارَكَ فِيها لِلْعالَمِينَ. وقِيلَ: بارَكَ فِيها (p-٤٥٧)لِلْعالَمِينَ. وقِيلَ: بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والزَّيْتُونُ مِن أعْظَمِ الشَّجَرِ ثَمَرًا ونَماءً واطِّرادَ أفْنانٍ ونَضارَةَ أفْنانٍ. وقالَ أبُو طالِبٍ: ؎بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما ∗∗∗ بُورِكَ نَضْرُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ . قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي مِن شَجَرِ الشّامِ، فَهي لَيْسَتْ مِن شَرْقِ الأرْضِ ولا مِن غَرْبِها؛ لِأنَّ شَجَرَ الشّامِ أفْضَلُ الشَّجَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هي في مُنْكَشَفٍ مِنَ الأرْضِ تُصِيبُها الشَّمْسُ طُولَ النَّهارِ تَسْتَدِيرُ عَلَيْها، فَلَيْسَتْ خالِصَةً لِلشَّرْقِ فَتُسَمّى شَرْقِيَّةً، ولا لِلْغَرْبِ فَتُسَمّى غَرْبِيَّةً، وقالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ ولَيْسَتْ مِن شَجَرِ الدُّنْيا؛ إذْ لَوْ كانَتْ في الدُّنْيا لَكانَتْ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها في دَرَجَةٍ أحاطَتْ بِها فَلَيْسَتْ مُنْكَشِفَةً لا مِن جِهَةِ الشَّرْقِ ولا مِن جِهَةِ الغَرْبِ، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّها إذا كانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَسَدَ جَناها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّها في وسَطِ الشَّجَرِ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ طالِعَةً ولا غارِبَةً، بَلْ تُصِيبُها بِالغَداةِ والعَشِيِّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مِن شَجَرِ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الشَّجَرَةُ مَثَلٌ، أيْ إنَّها مِلَّةُ إبْراهِيمَ لَيْسَتْ بِيَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ. وقِيلَ: مِلَّةُ الإسْلامِ لَيْسَتْ بِشَدِيدَةٍ ولا لَيِّنَةٍ. وقِيلَ: لا مَضْحًى ولا مَفْيَأةً، ولَكِنَّ الشَّمْسَ والظِّلَّ يَتَعاقَبانِ عَلَيْها، وذَلِكَ أجْوَدُ لِحَمْلِها وأصْفى لِدُهْنِها. و﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بَدَلٌ مِن (شَجَرَةٍ)، وجَوَّزَ بَعْضُهم فِيهِ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، ولا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ عِنْدَهم لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ أنَّهُ يَكُونُ في النَّكِراتِ. و﴿لا شَرْقِيَّةٍ﴾ (ولا) عَلى ﴿غَرْبِيَّةٍ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالخَفْضِ صِفَةً لِزَيْتُونَةٍ. وقَرَأ الضَّحّاكُ بِالرَّفْعِ أيْ: لا هي شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ مُبالَغَةٌ في صَفاءِ الزَّيْتِ وأنَّهُ لِإشْراقِهِ وجَوْدَتِهِ يَكادُ يُضِيءُ مِن غَيْرِ نارٍ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ حالِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ في كُلِّ حالٍ، ولَوْ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي تَقْتَضِي أنَّهُ لا يُضِيءُ لِانْتِفاءِ مَسِّ النّارِ لَهُ، وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ هَذا العَطْفَ إنَّما يَأْتِي مُرَتَّبًا لِما كانَ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ؛ لِامْتِناعِ التَّرْتِيبِ في العادَةِ ولِلِاسْتِقْصاءِ حَتّى يَدْخُلَ ما لا يُقَدَّرُ دُخُولُهُ فِيما قَبْلَهُ، نَحْوُ: ”أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ“ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَمْسَسْهُ﴾ بِالتّاءِ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِالياءِ مِن تَحْتُ، وحَسَّنَهُ الفَصْلُ وأنَّ تَأْنِيثَ النّارِ مَجازِيٌّ، وهو مُؤَنَّثٌ بِغَيْرِ عَلامَةٍ. ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أيْ مُتَضاعِفٌ تَعاوَنَ عَلَيْهِ المِشْكاةُ والزُّجاجَةُ والمِصْباحُ والزَّيْتُ، فَلَمْ يَبْقَ مِمّا يُقَوِّي النُّورَ ويَزِيدُهُ إشْراقًا شَيْءٌ؛ لِأنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ ضَيِّقٍ كانَ أجْمَعَ لِنُورِهِ بِخِلافِ المَكانِ المُتَّسِعِ، فَإنَّهُ يَنْشُرُ النُّورَ، والقِنْدِيلُ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ النُّورِ، وكَذَلِكَ الزَّيْتُ وصَفاؤُهُ، وهُنا تَمَّ المِثالُ. ثُمَّ قالَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ لِهُداهُ والإيمانِ مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ ويَصْطَفِيهِ لَها. ومَن فَسَّرَ النُّورَ في ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ بِالنُّبُوَّةِ قَدَّرَ يَهْدِي اللَّهُ إلى نُبُوَّتِهِ. وقِيلَ: إلى الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَضْرِبُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لِيَقَعَ لَهُمُ العِبْرَةُ والنَّظَرُ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، ثُمَّ ذَكَرَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ، فَهو يَضَعُ هُداهُ عِنْدَ مَن يَشاءُ. ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بَيُوقَدُ؛ قالَهُ الرُّمّانِيُّ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ كَمِشْكاةٍ في بُيُوتٍ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ في بَعْضِ بُيُوتِ اللَّهِ، وهي المَساجِدُ. وقالَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ كَما تَرى في المَسْجِدِ نُورَ المِشْكاةِ الَّتِي مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتَ، انْتَهى. وقَوْلُهُ كَأنَّهُ إلى آخِرِهِ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمِصْباحٍ أيْ مِصْباحٌ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾؛ قالَهُ بَعْضُهم، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِزُجاجَةٍ؛ قالَهُ بَعْضُهم، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ لا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: (عَلِيمٌ) . وقِيلَ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُسْتَأْنَفٌ، والعامِلُ فِيهِ (يُسَبِّحُ) حَكاهُ أبُو حاتِمٍ وجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَقالَ: وقَدْ ذَكَرَ تَعَلُّقَهُ (p-٤٥٨)بِـ ﴿كَمِشْكاةٍ﴾، قالَ: أوْ بِما بَعْدَهُ وهو: (يُسَبِّحُ) أيْ: (يُسَبِّحُ لَهُ) رِجالٌ في بُيُوتٍ، وفِيها تَكْرِيرٌ كَقَوْلِكَ زَيْدٌ في الدّارِ جالِسٌ فِيها، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ سَبَّحُوا في بُيُوتٍ، انْتَهى. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: (عَلِيمٌ)، والَّذِي أخْتارُهُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ بِقَوْلِهِ: (يُسَبِّحُ) وإنَّ ارْتِباطَ هَذِهِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَهْدِي لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ذَكَرَ حالَ مَن حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ لِذَلِكَ النُّورِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ أشْرَفَ عِبادَتِهِمُ القَلْبِيَّةِ، وهو تَنْزِيهُهُمُ اللَّهَ عَنِ النَّقائِصِ وإظْهارُ ذَلِكَ بِالتَّلَفُّظِ بِهِ في مَساجِدِ الجَماعاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ سائِرَ أوْصافِهِمْ مِنِ التِزامِ ذِكْرِ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وخَوْفِهِمْ ما يَكُونُ في البَعْثِ. ولِذَلِكَ جاءَ مُقابِلُ المُؤْمِنِينَ وهُمُ الكُفّارُ في قَوْلِهِ: (والَّذِينَ كَفَرُوا) وكَأنَّهُ لَمّا ذُكِرَتِ الهِدايَةُ لِلنُّورِ جاءَ في التَّقْسِيمِ لِقابِلِ الهِدايَةِ وعَدَمِ قابِلِها، فَبُدِئَ بِالمُؤْمِنِ وما تَأثَّرَ بِهِ مِن أنْواعِ الهُدى ثُمَّ ذَكَرَ الكافِرَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ أُرِيدَ بِهِ مَدْلُولُهُ مِنَ الجَمْعِيَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: أُرِيدَ بِهِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وسُمِّيَ بُيُوتًا مِن حَيْثُ فِيهِ مَواضِعُ يَتَحَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، ويُؤْثَرُ أنَّ عادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ في وقِيدِهِ في غايَةِ التَّهَمُّمِ، والزَّيْتُ مَخْتُومٌ عَلى ظُرُوفِهِ، وقَدْ صُنِعَ صَنْعَةً وقُدِّسَ حَتّى لا يَجْرِيَ الوَقِيدُ بِغَيْرِهِ، فَكانَ أضْوَأ بُيُوتِ الأرْضِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُطْلَقٌ، فَيَصْدُقُ عَلى المَساجِدِ والبُيُوتِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الصَّلاةُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بُيُوتُ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: هي المَساجِدُ الَّتِي مِن عادَتِها أنْ تُنَوَّرَ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ المَصابِيحِ. وقِيلَ: الكَعْبَةُ وبَيْتُ المَقْدِسِ ومَسْجِدُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَسْجِدُ قُباءٍ. وقِيلَ: بُيُوتُ الأنْبِياءِ. ويُقَوِّي أنَّها المَساجِدُ قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ وإذْنُهُ تَعالى وأمْرُهُ بِأنْ: ﴿تُرْفَعَ﴾ أيْ يَعْظُمَ قَدْرُها؛ قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: تُبْنى وتُعَلّى مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] . وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ تَطْهُرَ مِنَ الأنْجاسِ والمَعاصِي. وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ أيْ تُرْفَعَ فِيها الحَوائِجُ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ الأصْواتُ بِذِكْرِ اللَّهِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ. ﴿ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾، ظاهِرُهُ مُطْلَقُ الذِّكْرِ، فَيَعُمُّ كُلَّ ذِكْرٍ عُمُومَ البَدَلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَوْحِيدُهُ وهو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وعَنْهُ: يُتْلى فِيها كِتابُهُ. وقِيلَ: أسْماؤُهُ الحُسْنى. وقِيلَ: يُصَلّى فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُسَبِّحُ) بِكَسْرِ الباءِ وبِالياءِ مِن تَحْتُ، وابْنُ وثّابٍ وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ والبُحْتُرِيُّ عَنْ حَفْصٍ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والمِنهالُ عَنْ يَعْقُوبَ والمُفَضَّلِ وأبانَ، بِفَتْحِها، وبِالياءِ مِن تَحْتُ وأحَدُ المَجْرُوراتِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والأوْلى الَّذِي يَلِي الفِعْلَ؛ لِأنَّ طَلَبَ الفِعْلِ لِلْمَرْفُوعِ أقْوى مِن طَلَبِهِ لِلْمَنصُوبِ الفَضْلَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: تُسَبَّحُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ وفَتْحِ الباءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُها أنْ تُسْنَدَ إلى أوْقاتِ الغُدُوِّ والآصالِ عَلى زِيادَةِ الباءِ، وتُجْعَلَ الأوْقاتُ مُسَبَّحَةً والمُرادُ رَبُّها كَصِيدَ عَلَيْهِ يَوْمانِ، والمُرادُ وحْشُهُما، انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ضَمِيرَ التَّسْبِيحَةِ الدّالَّ عَلَيْهِ ﴿تُسَبَّحُ﴾ [الإسراء: ٤٤]، أيْ: تُسَبَّحُ لَهُ هي، أيِ: التَّسْبِيحَةُ، كَما قالُوا: (لِيُجْزى قَوْمًا) في قِراءَةِ مَن بَناهُ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لِيُجْزى هو، أيِ: الجَزاءُ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: والإيصالِ وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وارْتَفَعَ (رِجالٌ) عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: (يُسَبِّحُ) أوْ يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ. واخْتُلِفَ في اقْتِياسِ هَذا، فَعَلى اقْتِياسِهِ نَحْوُ ضَرَبَتْ هِنْدَ زَيْدٌ، أيْ: ضَرَبَها زَيْدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: المُسَبِّحُ رِجالٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ الغُدُوِّ والآصالِ والمُرادِ بِهِما. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وصْفَ المُسَبِّحِينَ بِأنَّهم لِمُراقَبَتِهِمْ أمْرَ اللَّهِ وطَلَبِهِمْ رِضاهُ لا يَشْتَغِلُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لا تِجارَةَ لَهم ولا بَيْعَ فَيُلْهِيَهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. والثّانِي: (p-٤٥٩)أنَّهم ذَوُو تِجارَةٍ وبَيْعٍ، ولَكِنْ لا يَشْغَلُهم ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَمّا فُرِضَ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ مُغايَرَةُ التِّجارَةِ والبَيْعِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ تِجارَةً مِن إطْلاقِ العامِّ ويُرادُ بِهِ الخاصُّ، فَأرادَ بِالتِّجارَةِ الشِّراءَ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِالبَيْعِ، أوْ يُرادُ تِجارَةُ الجَلَبِ، ويُقالُ: تَجَرَ فُلانٌ في كَذا إذا جَلَبَهُ، وبِالبَيْعِ البَيْعَ بِالأسْواقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ولا بَيْعٌ﴾ مِن ذِكْرِ خاصٍّ بَعْدَ عامٍّ؛ لِأنَّ التِّجارَةَ هي البَيْعُ والشِّراءُ طَلَبًا لِلرِّبْحِ. ونَبَّهَ عَلى هَذا الخاصِّ؛ لِأنَّهُ في الإلْهاءِ أدْخَلُ مِن قِبَلِ أنِ التّاجِرَ إذا اتَّجَهَتْ لَهُ بَيْعَةٌ رابِحَةٌ، وهي طِلْبَتُهُ الكُلِّيَّةُ مِن صِناعَتِهِ ألْهَتْهُ ما لا يُلْهِيهِ شَيْءٌ يُتَوَقَّعُ فِيهِ الرِّبْحُ؛ لِأنَّ هَذا يَقِينٌ وذاكَ مَظْنُونٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التّاءُ في إقامَةٍ عِوَضٌ مِنَ العَيْنِ السّاقِطَةِ لِلْإعْلالِ، والأصْلُ إقْوامٌ، فَلَمّا أُضِيفَتْ أُقِيمَتِ الإضافَةُ مُقامَ حَرْفِ التَّعْوِيضِ فَأُسْقِطَتْ، ونَحْوُهُ: وأخْلَفُوكَ عِدا الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا، انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ مِن أنَّ التّاءَ سَقَطَتْ لِأجْلِ الإضافَةِ هو مَذْهَبُ الفَرّاءِ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ التّاءَ مِن نَحْوِ هَذا لا تَسْقُطُ لِلْإضافَةِ، وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ﴿وإقامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] في الأنْبِياءِ، وصَدْرُ البَيْتِ الَّذِي أنْشَدَ عَجُزَهُ قَوْلُهُ: ؎إنَّ الخَلِيطُ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا، وقَدْ تَأوَّلَ خالِدُ بْنُ كُلْثُومٍ قَوْلَهُ عِدا الأمْرِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ عُدْوَةٍ، والعُدْوَةُ النّاحِيَةُ، كَأنَّ الشّاعِرَ أرادَ نَواحِيَ الأمْرِ وجَوانِبَهُ. ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ تَضْطَرِبُ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، فَتَقَلُّبُها هو قَلَقُها واضْطِرابُها، فَتَتَقَلَّبُ مِن طَمَعٍ في النَّجاةِ إلى طَمَعٍ، ومِن حَذَرِ هَلاكٍ إلى هَلاكٍ. وهَذا المَعْنى تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في الحُرُوبِ كَقَوْلِهِ: ؎بَلْ كانَ قَلْبُكَ في جَناحَيْ طائِرِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في يَوْمِ القِيامَةِ بَلْ بَعْدَهُ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ تَقَلُّبَها ظُهُورُ الحَقِّ لَها، أيْ: فَتَتَقَلَّبُ عَنْ مُعْتَقَداتِ الضَّلالِ إلى اعْتِقادِ الحَقِّ عَلى وجْهِهِ، فَتَفْقَهُ القُلُوبُ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْبُوعًا عَلَيْها، وتُبْصِرُ الأبْصارُ بَعْدَ أنْ كانَتْ عُمْيًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: تَقَلَّبُ بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ. واللّامُ في (لِيَجْزِيَهم) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ (لِيَجْزِيَهم)، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِيُسَبِّحُ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يُسَبِّحُونَ ويَخافُونَ (لِيَجْزِيَهم)، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (يَخافُونَ) صِفَةٌ لِرِجالٍ، كَما أنَّ ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ كَذَلِكَ. (أحْسَنَ) هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ثَوابَ أحْسَنِ ما عَمِلُوا، أوْ (أحْسَنَ) جَزاءِ ما عَمِلُوا. ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أعْمالُهم، فَأهْلُ الجَنَّةِ أبَدًا في مَزِيدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لِيَجْزِيَهم) ثَوابَهم مُضاعَفًا، (ويَزِيدَهم) عَلى الثَّوابِ تَفْضِيلًا، وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] المَثُوبَةُ الحُسْنى، وزِيادَةٌ عَلَيْها مِنَ التَّفَضُّلِ وعَطاءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إمّا تَفَضُّلٌ وإمّا ثَوابٌ وإمّا عِوَضٌ. ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، فَأمّا الثَّوابُ فَلَهُ حَسَناتٌ لِكَوْنِهِ عَلى حَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ عَلى حَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ.

النور 24:38

(p-٤٥٤)﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ النُّورُ في كَلامِ العَرَبِ الضَّوْءُ المُدْرَكُ بِالبَصَرِ، فَإسْنادُهُ إلى (p-٤٥٥)اللَّهِ تَعالى مَجازٌ، كَما تَقُولُ زَيْدٌ كَرَمٌ وجُودٌ، وإسْنادُهُ عَلى اعْتِبارَيْنِ: إمّا عَلى أنَّهُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُنَوِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وعَبْدِ العَزِيزِ المَكِّيِّ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وثابِتِ بْنِ أبِي حَفْصَةَ، والقَوْرَصِيِّ، ومَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: (نَوَّرَ) فِعْلًا ماضِيًا، و(الأرْضَ) بِالنَّصْبِ. وإمّا عَلى حَذْفٍ؛ أيْ ذُو نُورٍ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ نُورًا عَلى سَبِيلِ المَدْحِ، كَما قالُوا: فُلانٌ شَمْسُ البِلادِ ونُورُ القَبائِلِ وقَمَرُها، وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ وأشْعارِها. قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ وقالَ: ؎قَمَرُ القَبائِلِ خالِدُ بْنُ يَزِيدِ وقالَ: ؎إذا سارَ عَبْدُ اللَّهِ مِن مَرْوَ لَيْلَةً ∗∗∗ فَقَدْ سارَ مِنها بَدْرُها وجَمالُها ويُرْوى: نُورُها، وأضافَ النُّورَ إلى (السَّماواتِ والأرْضِ)؛ لِلدَّلالَةِ عَلى سِعَةِ إشْراقِهِ وفُشُوِّ إضاءَتِهِ حَتّى يُضِيءَ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ، أوْ يُرادُ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ وأنَّهم يَسْتَضِيئُونَ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿نُورُ السَّماواتِ﴾ أيْ هادِي أهْلِ السَّماواتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُدَبِّرُ أُمُورِ السَّماواتِ. وقالَ الحَسَنُ: مُنَوِّرُ السَّماواتِ. وقالَ أُبَيٌّ: اللَّهُ بِهِ نُورُ السَّماواتِ أوْ مِنهُ نُورُ السَّماواتِ، أيْ ضِياؤُها. وقالَ أبُو العالِيَةِ: مُزَيِّنُ السَّماواتِ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، ومُزَيِّنُ الأرْضِ بِالأنْبِياءِ والعُلَماءِ. وقِيلَ: المُنَزِّهُ مِن كُلِّ عَيْبٍ امْرَأةً نَوارِ بَرِيئَةً مِنَ الرِّيبَةِ والفَحْشاءِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: هو الَّذِي يَرى ويُرى بِهِ مَجازٌ وُصِفَ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّهُ يُرى ويَرى بِسَبَبِهِ مَخْلُوقاتِهِ؛ لِأنَّهُ خَلَقَها وأوْجَدَها. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. واخْتَلَفُوا في هَذا القَوْلِ: ما المُرادُ بِالنُّورِ المُضافِ إلَيْهِ تَعالى ؟ فَقِيلَ: الآياتُ البَيِّناتُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ [النور: ٣٤]، وقِيلَ: الإيمانُ المَقْذُوفُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: النُّورُ هُنا هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: النُّورُ هُنا المُؤْمِنُ. وقالَ كَعْبٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: الضَّمِيرُ في (نُورِهِ) عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ. وقالَ أُبَيٌّ: هو عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، وفي قِراءَتِهِ مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ. ورُوِيَ أيْضًا فِيها مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى القُرْآنِ والإيمانِ، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عادَ فِيها الضَّمِيرُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، ونَقَلْتُ المَعْنى المَقْصُودَ بِالآيَةِ بِخِلافِ عَوْدِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ قالَ مَكِّيٌّ يُوقَفُ عَلى: (والأرْضِ) في تِلْكَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ. واخْتَلَفُوا في هَذا التَّشْبِيهِ: أهْوَ تَشْبِيهُ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةٍ لا يُقْصَدُ فِيها إلى تَشْبِيهِ جُزْءٍ بِجُزْءٍ ومُقابَلَةِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، أوْ مِمّا قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ أيْ: مَثَلُ نُورِ اللَّهِ الَّذِي هو هُداهُ وإتْقانُهُ صَنْعَةَ كُلِّ مَخْلُوقٍ وبَراهِينُهُ السّاطِعَةُ عَلى الجُمْلَةِ، كَهَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ النُّورِ الَّذِي تَتَّخِذُونَهُ أنْتُمْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي أبْلَغُ صِفاتِ النُّورِ الَّذِي بَيْنَ أيْدِي النّاسِ، أيْ مَثَلُ نُورِ اللَّهِ في الوُضُوحِ كَهَذا الَّذِي هو مُنْتَهاكم أيُّها البَشَرُ. وقِيلَ: هو مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَصَّلِ المُقابَلِ جُزْءًا بِجُزْءٍ، وقَرَّرُوهُ عَلى تِلْكَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ أيْ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في مُحَمَّدٍ، أوْ في المُؤْمِنِ، أوْ في القُرْآنِ والإيمانِ، ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ فالمِشْكاةُ هو الرَّسُولُ أوْ صَدْرُهُ، و﴿المِصْباحُ﴾ هو النُّبُوَّةُ وما يَتَّصِلُ بِها مِن عِلْمِهِ وهُداهُ، و﴿الزُّجاجَةُ﴾ قَلْبُهُ. والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ الوَحْيُ والمَلائِكَةُ رُسُلُ اللَّهِ إلَيْهِ، وشَبَّهَ الفَصْلَ بِهِ بِالزَّيْتِ، وهو الحُجَجُ والبَراهِينُ والآياتُ الَّتِي تَضَمَّنَها الوَحْيُ، وعَلى قَوْلِ المُؤْمِنِ فالمِشْكاةُ صَدْرُهُ، و﴿المِصْباحُ﴾ الإيْمانُ والعِلْمُ. و﴿الزُّجاجَةُ﴾ قَلْبُهُ، والشَّجَرَةُ القُرْآنُ، وزَيْتُها هو الحُجَجُ والحِكْمَةُ الَّتِي تَضَمَّنَها. قالَ أُبَيٌّ: فَهو عَلى أحْسَنِ الحالِ يَمْشِي في النّاسِ كالرَّجُلِ الحَيِّ يَمْشِي في قُبُورِ الأمْواتِ، وعَلى قَوْلِ الإيمانِ والقُرْآنِ أيْ مَثَلُ الإيمانِ والقُرْآنِ في صَدْرِ المُؤْمِنِ في قَلْبِهِ ﴿كَمِشْكاةٍ﴾، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ في مُقابَلَةِ التَّشْبِيهِ كالأوَّلَيْنِ؛ لِأنَّ المِشْكاةَ لَيْسَتْ تُقابِلُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ صِفَةُ (نُورِهِ) لَعَجِيبَةُ الشَّأْنِ في الإضاءَةِ (p-٤٥٦)﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ كَصِفَةِ مِشْكاةٍ، انْتَهى. ويَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مَثَلُ نُورِ مِشْكاةٍ، وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ أنَّ المِشْكاةَ هي الكُوَّةُ غَيْرُ النّافِذَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ عِياضٍ والجُمْهُورِ. وقالَ أبُو مُوسى: المِشْكاةُ الحَدِيدَةُ والرَّصاصَةُ الَّتِي تَكَوَّنَ فِيها الفَتِيلُ في جَوْفِ الزُّجاجَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المِشْكاةُ العَمُودُ الَّذِي يَكُونُ المِصْباحُ عَلى رَأْسِهِ، وقالَ أيْضًا الحَدائِدُ الَّتِي تُعَلَّقُ فِيها القَنادِيلُ. ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ أيْ سِراجٌ ضَخْمٌ، والظّاهِرُ أنَّ الزُّجاجَةَ ظَرْفٌ لِلْمِصْباحِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في زُجاجٍ شامِيٍّ، وكانَ عِنْدَهُ أصْفى الزُّجاجِ هو الشّامِيُّ، ولَمْ يُقَيَّدْ في الآيَةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: ﴿فِي زِجاجَةٍ الزِّجاجَةُ﴾ بِكَسْرِ الزّايِ فِيهِما، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ مُجاهِدٍ بِفَتْحِها. (كَأنَّها) أيْ كَأنَّ الزُّجاجَةَ لِصَفاءِ جَوْهَرِها وذاتِها، وهو أبْلَغُ في الإنارَةِ، ولِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِن نُورِ المِصْباحِ. ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، قالَ الضَّحّاكُ: هو الزُّهَرَةُ شَبَّهَ الزُّجاجَةَ في زُهْرَتِها بِأحَدِ الدَّرارِيِّ مِنَ الكَواكِبِ المَشاهِيرِ، وهي المُشْتَرِي، والزُّهَرَةُ، والمِرِّيخُ، وسُهَيْلٌ، ونَحْوُ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وابْنُ كَثِيرٍ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بِضَمِّ الدّالِّ وتَشْدِيدِ الرّاءِ والياءِ، والظّاهِرُ نِسْبَةُ الكَوْكَبِ إلى الدُّرِّ لِبَياضِهِ وصَفائِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ فَأُبْدِلَ وأُدْغِمَ. وقَرَأ قَتادَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما فَتَحا الدّالَ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ وأبِي رَجاءٍ وابْنِ المُسَيَّبِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الدّالَ. وقَرَأ حَمْزَةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الدَّفْعِ، أيْ يَدْفَعُ بَعْضُها بَعْضًا، أوْ يَدْفَعُ ضَوْءُها خَفاءَها ووَزْنُها فُعِّيلٌ. قِيلَ: ولا يُوجَدُ فُعِّيلٌ إلّا قَوْلُهم مُرِّيقٌ لِلْعُصْفُرِ ودُرِّيءٌ في هَذِهِ القِراءَةِ. قِيلَ: وسُرِّيَّةٌ إذا قِيلَ إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّرُورِ، وأُبْدِلَ مِن أحَدِ المُضَعَّفاتِ الياءُ فَأُدْغِمَتْ فِيها ياءُ فُعِّيلٍ، وسُمِعَ أيْضًا مُرِّيخٌ لِلَّذِي في داخِلِ القَرْنِ اليابِسِ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها. وقِيلَ: مِنهُ عُلِّيَّةٌ. وقِيلَ: ﴿دُرِّيٌّ﴾ ووَزْنُهُ في الأصْلِ فُعُّولٌ كَسُبُّوحٍ، فاسْتُثْقِلَ الضَّمُّ فَرُدَّ إلى الكَسْرِ، وكَذا قِيلَ في سُرَّتِهِ ودُرَّتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الدّالَ، وهو بِناءٌ كَثِيرٌ في الأسْماءِ نَحْوُ سِكِّينٍ، وفي الأوْصافِ سِكِّيرٌ. وقَرَأ قَتادَةُ أيْضًا وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ المُسَيَّبِ وأبُو رَجاءٍ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ والأعْمَشُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِفَتْحِ الدّالِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: وهَذا عَزِيزٌ لَمْ يُحْفَظْ مِنهُ إلّا السَّكِّينَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وشَدِّ الكافِ، انْتَهى. وفي الأبْنِيَةِ حَكى الأخْفَشُ كَوْكَبٌ دَرِّيءٌ، مِن دَرَأْتُهُ ودَرِّيَّةٌ وعَلَيْكَ بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، عَنْ أبِي زَيْدٍ. وحَكى الفَرّاءُ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأ الأخَوانِ، وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، والأعْمَشُ: (تُوقَدُ) بِضَمِّ التّاءِ أيِ: ﴿الزُّجاجَةُ﴾ مُضارِعُ أُوقِدَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (تَوَقَّدَ) بِفَتْحِ الأرْبَعَةِ، فِعْلًا ماضِيًا أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾ . والحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وسَلامٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِضَمِّ الدّالِ مُضارِعُ (تَوَقَّدُ)، وأصْلُهُ تَتَوَقَّدُ أيِ ﴿الزُّجاجَةُ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وُقِّدَ بِغَيْرِ تاءٍ، وشَدَّدَ القافَ جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًّا أيْ: وُقِّدَ المِصْباحُ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وقَتادَةُ وسَلامٌ أيْضًا كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ. وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وأصْلُهُ يَتَوَقَّدُ أيِ: ﴿المِصْباحُ﴾ إلّا أنَّ حَذْفَ الياءِ في يَتَوَقَّدُ مَقِيسٌ؛ لِدَلالَةِ ما أُبْقِيَ عَلى ما حُذِفَ. وفي ﴿يُوقَدُ﴾ شاذٌّ جِدًّا؛ لِأنَّ الياءَ الباقِيَةَ لا تَدُلُّ عَلى التّاءِ المَحْذُوفَةِ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ القِياسِ وهو حَمْلُهُ عَلى يَعِدُ إذْ حُمِلَ يَعِدُ وتَعِدُ وأعِدُ في حَذْفِ الواوِ كَذَلِكَ، هَذا لَمّا حَذَفُوا مِن تَتَوَقَّدُ بِالتّاءَيْنِ حَذَفُوا التّاءَ مَعَ الياءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ اجْتِماعُ التّاءِ والياءِ مُسْتَثْقَلًا. ﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ أيْ مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ، وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ. ﴿مُبارَكَةٍ﴾ كَثِيرَةِ المَنافِعِ أوْ لِأنَّها تَنْبُتُ في الأرْضِ الَّتِي بارَكَ فِيها لِلْعالَمِينَ. وقِيلَ: بارَكَ فِيها (p-٤٥٧)لِلْعالَمِينَ. وقِيلَ: بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والزَّيْتُونُ مِن أعْظَمِ الشَّجَرِ ثَمَرًا ونَماءً واطِّرادَ أفْنانٍ ونَضارَةَ أفْنانٍ. وقالَ أبُو طالِبٍ: ؎بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما ∗∗∗ بُورِكَ نَضْرُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ . قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي مِن شَجَرِ الشّامِ، فَهي لَيْسَتْ مِن شَرْقِ الأرْضِ ولا مِن غَرْبِها؛ لِأنَّ شَجَرَ الشّامِ أفْضَلُ الشَّجَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: هي في مُنْكَشَفٍ مِنَ الأرْضِ تُصِيبُها الشَّمْسُ طُولَ النَّهارِ تَسْتَدِيرُ عَلَيْها، فَلَيْسَتْ خالِصَةً لِلشَّرْقِ فَتُسَمّى شَرْقِيَّةً، ولا لِلْغَرْبِ فَتُسَمّى غَرْبِيَّةً، وقالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ ولَيْسَتْ مِن شَجَرِ الدُّنْيا؛ إذْ لَوْ كانَتْ في الدُّنْيا لَكانَتْ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها في دَرَجَةٍ أحاطَتْ بِها فَلَيْسَتْ مُنْكَشِفَةً لا مِن جِهَةِ الشَّرْقِ ولا مِن جِهَةِ الغَرْبِ، وهَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّها إذا كانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَسَدَ جَناها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّها في وسَطِ الشَّجَرِ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ طالِعَةً ولا غارِبَةً، بَلْ تُصِيبُها بِالغَداةِ والعَشِيِّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مِن شَجَرِ الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الشَّجَرَةُ مَثَلٌ، أيْ إنَّها مِلَّةُ إبْراهِيمَ لَيْسَتْ بِيَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ. وقِيلَ: مِلَّةُ الإسْلامِ لَيْسَتْ بِشَدِيدَةٍ ولا لَيِّنَةٍ. وقِيلَ: لا مَضْحًى ولا مَفْيَأةً، ولَكِنَّ الشَّمْسَ والظِّلَّ يَتَعاقَبانِ عَلَيْها، وذَلِكَ أجْوَدُ لِحَمْلِها وأصْفى لِدُهْنِها. و﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بَدَلٌ مِن (شَجَرَةٍ)، وجَوَّزَ بَعْضُهم فِيهِ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، ولا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ عِنْدَهم لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ أنَّهُ يَكُونُ في النَّكِراتِ. و﴿لا شَرْقِيَّةٍ﴾ (ولا) عَلى ﴿غَرْبِيَّةٍ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالخَفْضِ صِفَةً لِزَيْتُونَةٍ. وقَرَأ الضَّحّاكُ بِالرَّفْعِ أيْ: لا هي شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ مُبالَغَةٌ في صَفاءِ الزَّيْتِ وأنَّهُ لِإشْراقِهِ وجَوْدَتِهِ يَكادُ يُضِيءُ مِن غَيْرِ نارٍ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ حالِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ في كُلِّ حالٍ، ولَوْ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي تَقْتَضِي أنَّهُ لا يُضِيءُ لِانْتِفاءِ مَسِّ النّارِ لَهُ، وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ هَذا العَطْفَ إنَّما يَأْتِي مُرَتَّبًا لِما كانَ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ؛ لِامْتِناعِ التَّرْتِيبِ في العادَةِ ولِلِاسْتِقْصاءِ حَتّى يَدْخُلَ ما لا يُقَدَّرُ دُخُولُهُ فِيما قَبْلَهُ، نَحْوُ: ”أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ“ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَمْسَسْهُ﴾ بِالتّاءِ، وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بِالياءِ مِن تَحْتُ، وحَسَّنَهُ الفَصْلُ وأنَّ تَأْنِيثَ النّارِ مَجازِيٌّ، وهو مُؤَنَّثٌ بِغَيْرِ عَلامَةٍ. ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أيْ مُتَضاعِفٌ تَعاوَنَ عَلَيْهِ المِشْكاةُ والزُّجاجَةُ والمِصْباحُ والزَّيْتُ، فَلَمْ يَبْقَ مِمّا يُقَوِّي النُّورَ ويَزِيدُهُ إشْراقًا شَيْءٌ؛ لِأنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ ضَيِّقٍ كانَ أجْمَعَ لِنُورِهِ بِخِلافِ المَكانِ المُتَّسِعِ، فَإنَّهُ يَنْشُرُ النُّورَ، والقِنْدِيلُ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ النُّورِ، وكَذَلِكَ الزَّيْتُ وصَفاؤُهُ، وهُنا تَمَّ المِثالُ. ثُمَّ قالَ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ لِهُداهُ والإيمانِ مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ ويَصْطَفِيهِ لَها. ومَن فَسَّرَ النُّورَ في ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ بِالنُّبُوَّةِ قَدَّرَ يَهْدِي اللَّهُ إلى نُبُوَّتِهِ. وقِيلَ: إلى الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يَضْرِبُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لِيَقَعَ لَهُمُ العِبْرَةُ والنَّظَرُ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، ثُمَّ ذَكَرَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ، فَهو يَضَعُ هُداهُ عِنْدَ مَن يَشاءُ. ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بَيُوقَدُ؛ قالَهُ الرُّمّانِيُّ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أيْ كَمِشْكاةٍ في بُيُوتٍ؛ قالَهُ الحَوْفِيُّ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ في بَعْضِ بُيُوتِ اللَّهِ، وهي المَساجِدُ. وقالَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ كَما تَرى في المَسْجِدِ نُورَ المِشْكاةِ الَّتِي مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتَ، انْتَهى. وقَوْلُهُ كَأنَّهُ إلى آخِرِهِ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمِصْباحٍ أيْ مِصْباحٌ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾؛ قالَهُ بَعْضُهم، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِزُجاجَةٍ؛ قالَهُ بَعْضُهم، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ لا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: (عَلِيمٌ) . وقِيلَ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُسْتَأْنَفٌ، والعامِلُ فِيهِ (يُسَبِّحُ) حَكاهُ أبُو حاتِمٍ وجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَقالَ: وقَدْ ذَكَرَ تَعَلُّقَهُ (p-٤٥٨)بِـ ﴿كَمِشْكاةٍ﴾، قالَ: أوْ بِما بَعْدَهُ وهو: (يُسَبِّحُ) أيْ: (يُسَبِّحُ لَهُ) رِجالٌ في بُيُوتٍ، وفِيها تَكْرِيرٌ كَقَوْلِكَ زَيْدٌ في الدّارِ جالِسٌ فِيها، أوْ بِمَحْذُوفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ [النمل: ١٢] أيْ سَبَّحُوا في بُيُوتٍ، انْتَهى. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: (عَلِيمٌ)، والَّذِي أخْتارُهُ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ بِقَوْلِهِ: (يُسَبِّحُ) وإنَّ ارْتِباطَ هَذِهِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَهْدِي لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ذَكَرَ حالَ مَن حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ لِذَلِكَ النُّورِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ أشْرَفَ عِبادَتِهِمُ القَلْبِيَّةِ، وهو تَنْزِيهُهُمُ اللَّهَ عَنِ النَّقائِصِ وإظْهارُ ذَلِكَ بِالتَّلَفُّظِ بِهِ في مَساجِدِ الجَماعاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ سائِرَ أوْصافِهِمْ مِنِ التِزامِ ذِكْرِ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وخَوْفِهِمْ ما يَكُونُ في البَعْثِ. ولِذَلِكَ جاءَ مُقابِلُ المُؤْمِنِينَ وهُمُ الكُفّارُ في قَوْلِهِ: (والَّذِينَ كَفَرُوا) وكَأنَّهُ لَمّا ذُكِرَتِ الهِدايَةُ لِلنُّورِ جاءَ في التَّقْسِيمِ لِقابِلِ الهِدايَةِ وعَدَمِ قابِلِها، فَبُدِئَ بِالمُؤْمِنِ وما تَأثَّرَ بِهِ مِن أنْواعِ الهُدى ثُمَّ ذَكَرَ الكافِرَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ أُرِيدَ بِهِ مَدْلُولُهُ مِنَ الجَمْعِيَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: أُرِيدَ بِهِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وسُمِّيَ بُيُوتًا مِن حَيْثُ فِيهِ مَواضِعُ يَتَحَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، ويُؤْثَرُ أنَّ عادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ في وقِيدِهِ في غايَةِ التَّهَمُّمِ، والزَّيْتُ مَخْتُومٌ عَلى ظُرُوفِهِ، وقَدْ صُنِعَ صَنْعَةً وقُدِّسَ حَتّى لا يَجْرِيَ الوَقِيدُ بِغَيْرِهِ، فَكانَ أضْوَأ بُيُوتِ الأرْضِ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ مُطْلَقٌ، فَيَصْدُقُ عَلى المَساجِدِ والبُيُوتِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الصَّلاةُ والعِلْمُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بُيُوتُ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ أيْضًا ومُجاهِدٌ: هي المَساجِدُ الَّتِي مِن عادَتِها أنْ تُنَوَّرَ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ المَصابِيحِ. وقِيلَ: الكَعْبَةُ وبَيْتُ المَقْدِسِ ومَسْجِدُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَسْجِدُ قُباءٍ. وقِيلَ: بُيُوتُ الأنْبِياءِ. ويُقَوِّي أنَّها المَساجِدُ قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ وإذْنُهُ تَعالى وأمْرُهُ بِأنْ: ﴿تُرْفَعَ﴾ أيْ يَعْظُمَ قَدْرُها؛ قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: تُبْنى وتُعَلّى مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] . وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ تَطْهُرَ مِنَ الأنْجاسِ والمَعاصِي. وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ أيْ تُرْفَعَ فِيها الحَوائِجُ إلى اللَّهِ. وقِيلَ: ﴿تُرْفَعَ﴾ الأصْواتُ بِذِكْرِ اللَّهِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ. ﴿ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾، ظاهِرُهُ مُطْلَقُ الذِّكْرِ، فَيَعُمُّ كُلَّ ذِكْرٍ عُمُومَ البَدَلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَوْحِيدُهُ وهو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وعَنْهُ: يُتْلى فِيها كِتابُهُ. وقِيلَ: أسْماؤُهُ الحُسْنى. وقِيلَ: يُصَلّى فِيها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُسَبِّحُ) بِكَسْرِ الباءِ وبِالياءِ مِن تَحْتُ، وابْنُ وثّابٍ وأبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ والبُحْتُرِيُّ عَنْ حَفْصٍ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والمِنهالُ عَنْ يَعْقُوبَ والمُفَضَّلِ وأبانَ، بِفَتْحِها، وبِالياءِ مِن تَحْتُ وأحَدُ المَجْرُوراتِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والأوْلى الَّذِي يَلِي الفِعْلَ؛ لِأنَّ طَلَبَ الفِعْلِ لِلْمَرْفُوعِ أقْوى مِن طَلَبِهِ لِلْمَنصُوبِ الفَضْلَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: تُسَبَّحُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ وفَتْحِ الباءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُها أنْ تُسْنَدَ إلى أوْقاتِ الغُدُوِّ والآصالِ عَلى زِيادَةِ الباءِ، وتُجْعَلَ الأوْقاتُ مُسَبَّحَةً والمُرادُ رَبُّها كَصِيدَ عَلَيْهِ يَوْمانِ، والمُرادُ وحْشُهُما، انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ضَمِيرَ التَّسْبِيحَةِ الدّالَّ عَلَيْهِ ﴿تُسَبَّحُ﴾ [الإسراء: ٤٤]، أيْ: تُسَبَّحُ لَهُ هي، أيِ: التَّسْبِيحَةُ، كَما قالُوا: (لِيُجْزى قَوْمًا) في قِراءَةِ مَن بَناهُ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لِيُجْزى هو، أيِ: الجَزاءُ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: والإيصالِ وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وارْتَفَعَ (رِجالٌ) عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: (يُسَبِّحُ) أوْ يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ. واخْتُلِفَ في اقْتِياسِ هَذا، فَعَلى اقْتِياسِهِ نَحْوُ ضَرَبَتْ هِنْدَ زَيْدٌ، أيْ: ضَرَبَها زَيْدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: المُسَبِّحُ رِجالٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ الغُدُوِّ والآصالِ والمُرادِ بِهِما. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وصْفَ المُسَبِّحِينَ بِأنَّهم لِمُراقَبَتِهِمْ أمْرَ اللَّهِ وطَلَبِهِمْ رِضاهُ لا يَشْتَغِلُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، واحْتَمَلَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لا تِجارَةَ لَهم ولا بَيْعَ فَيُلْهِيَهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ. والثّانِي: (p-٤٥٩)أنَّهم ذَوُو تِجارَةٍ وبَيْعٍ، ولَكِنْ لا يَشْغَلُهم ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَمّا فُرِضَ عَلَيْهِمْ، والظّاهِرُ مُغايَرَةُ التِّجارَةِ والبَيْعِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ تِجارَةً مِن إطْلاقِ العامِّ ويُرادُ بِهِ الخاصُّ، فَأرادَ بِالتِّجارَةِ الشِّراءَ، ولِذَلِكَ قابَلَهُ بِالبَيْعِ، أوْ يُرادُ تِجارَةُ الجَلَبِ، ويُقالُ: تَجَرَ فُلانٌ في كَذا إذا جَلَبَهُ، وبِالبَيْعِ البَيْعَ بِالأسْواقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ولا بَيْعٌ﴾ مِن ذِكْرِ خاصٍّ بَعْدَ عامٍّ؛ لِأنَّ التِّجارَةَ هي البَيْعُ والشِّراءُ طَلَبًا لِلرِّبْحِ. ونَبَّهَ عَلى هَذا الخاصِّ؛ لِأنَّهُ في الإلْهاءِ أدْخَلُ مِن قِبَلِ أنِ التّاجِرَ إذا اتَّجَهَتْ لَهُ بَيْعَةٌ رابِحَةٌ، وهي طِلْبَتُهُ الكُلِّيَّةُ مِن صِناعَتِهِ ألْهَتْهُ ما لا يُلْهِيهِ شَيْءٌ يُتَوَقَّعُ فِيهِ الرِّبْحُ؛ لِأنَّ هَذا يَقِينٌ وذاكَ مَظْنُونٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التّاءُ في إقامَةٍ عِوَضٌ مِنَ العَيْنِ السّاقِطَةِ لِلْإعْلالِ، والأصْلُ إقْوامٌ، فَلَمّا أُضِيفَتْ أُقِيمَتِ الإضافَةُ مُقامَ حَرْفِ التَّعْوِيضِ فَأُسْقِطَتْ، ونَحْوُهُ: وأخْلَفُوكَ عِدا الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا، انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ مِن أنَّ التّاءَ سَقَطَتْ لِأجْلِ الإضافَةِ هو مَذْهَبُ الفَرّاءِ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ التّاءَ مِن نَحْوِ هَذا لا تَسْقُطُ لِلْإضافَةِ، وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ﴿وإقامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] في الأنْبِياءِ، وصَدْرُ البَيْتِ الَّذِي أنْشَدَ عَجُزَهُ قَوْلُهُ: ؎إنَّ الخَلِيطُ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا، وقَدْ تَأوَّلَ خالِدُ بْنُ كُلْثُومٍ قَوْلَهُ عِدا الأمْرِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ عُدْوَةٍ، والعُدْوَةُ النّاحِيَةُ، كَأنَّ الشّاعِرَ أرادَ نَواحِيَ الأمْرِ وجَوانِبَهُ. ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ تَضْطَرِبُ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، فَتَقَلُّبُها هو قَلَقُها واضْطِرابُها، فَتَتَقَلَّبُ مِن طَمَعٍ في النَّجاةِ إلى طَمَعٍ، ومِن حَذَرِ هَلاكٍ إلى هَلاكٍ. وهَذا المَعْنى تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في الحُرُوبِ كَقَوْلِهِ: ؎بَلْ كانَ قَلْبُكَ في جَناحَيْ طائِرِ ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في يَوْمِ القِيامَةِ بَلْ بَعْدَهُ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ تَقَلُّبَها ظُهُورُ الحَقِّ لَها، أيْ: فَتَتَقَلَّبُ عَنْ مُعْتَقَداتِ الضَّلالِ إلى اعْتِقادِ الحَقِّ عَلى وجْهِهِ، فَتَفْقَهُ القُلُوبُ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْبُوعًا عَلَيْها، وتُبْصِرُ الأبْصارُ بَعْدَ أنْ كانَتْ عُمْيًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: تَقَلَّبُ بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ. واللّامُ في (لِيَجْزِيَهم) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ (لِيَجْزِيَهم)، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِيُسَبِّحُ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى يُسَبِّحُونَ ويَخافُونَ (لِيَجْزِيَهم)، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (يَخافُونَ) صِفَةٌ لِرِجالٍ، كَما أنَّ ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ كَذَلِكَ. (أحْسَنَ) هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ثَوابَ أحْسَنِ ما عَمِلُوا، أوْ (أحْسَنَ) جَزاءِ ما عَمِلُوا. ﴿ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أعْمالُهم، فَأهْلُ الجَنَّةِ أبَدًا في مَزِيدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (لِيَجْزِيَهم) ثَوابَهم مُضاعَفًا، (ويَزِيدَهم) عَلى الثَّوابِ تَفْضِيلًا، وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] المَثُوبَةُ الحُسْنى، وزِيادَةٌ عَلَيْها مِنَ التَّفَضُّلِ وعَطاءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إمّا تَفَضُّلٌ وإمّا ثَوابٌ وإمّا عِوَضٌ. ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، فَأمّا الثَّوابُ فَلَهُ حَسَناتٌ لِكَوْنِهِ عَلى حَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ، انْتَهى. وفي قَوْلِهِ عَلى حَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ.

النور 24:39

(p-٤٦٠)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَةَ الإيمانِ والمُؤْمِنِينَ وتَنْوِيرَهُ قُلُوبَهم ووَصْفَهم بِما وصَفَهم مِنَ الأعْمالِ النّافِعَةِ في الآخِرَةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُقابِلِهِمُ الكَفَرَةِ وأعْمالِهِمْ، فَمَثَّلَ لَهم ولِأعْمالِهِمْ مَثَلَيْنِ: أحَدُهُما: يَقْتَضِي بُطْلانَ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ وأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِها. والثّانِي: يَقْتَضِي حالَها في الدُّنْيا مِنِ ارْتِباكِها في الضَّلالِ والظُّلْمَةِ، شَبَّهَ أوَّلًا أعْمالَهم في اضْمِحْلالِها وفُقْدانِ ثَمَرَتِها بِسَرابٍ في مَكانٍ مُنْخَفِضٍ ظَنَّهُ العَطْشانُ ماءً، فَقَصَدَهُ وأتْعَبَ نَفْسَهُ في الوُصُولِ إلَيْهِ. ﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾ أيْ جاءَ مَوْضِعَهُ الَّذِي تَخَيَّلَهُ فِيهِ ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أيْ فَقَدَهُ؛ لِأنَّهُ مَعَ الدُّنُوِّ لا يَرى شَيْئًا. كَذَلِكَ الكافِرُ يَظُنُّ أنَّ عَمَلَهُ في الدُّنْيا نافِعُهُ حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ عَمَلُهُ بَلْ صارَ وبالًا عَلَيْهِ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: بِقِيعاتٍ بِتاءٍ مَمْطُوطَةٍ جَمْعُ قِيعَةٍ، كَدِيماتٍ وقِيماتٍ في دِيمَةٍ وقِيمَةٍ، وعَنْهُ أيْضًا بِتاءٍ شَكْلِ الهاءِ ويَقِفُ عَلَيْها بِالهاءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ قِيعَةٍ، ووَقَفَ بِالهاءِ عَلى لُغَةِ طَيِّئٍ كَما قالُوا البَناهُ والأخَواهُ في الوَقْفِ عَلى البَناتِ والأخَواتِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ قِيعَةً كالعامَّةِ أيْ كالقِراءَةِ العامَّةِ، لَكِنَّهُ أشْبَعَ الفَتْحَةَ فَتَوَلَّدَتْ مِنها الألِفُ مِثْلَ مُخْرَنْبِقٌ لِيَنْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهم بِقِيعاتٍ، بِتاءٍ مَمْدُودَةٍ، كَرَجُلٍ عِزْهاةٍ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنَّهُ جَعَلَهُ مِثْلَ سَعْلَةٍ وسَعْلاةٍ ولَيْلَةٍ ولَيْلاةٍ، والقِيعَةُ مُفْرَدٌ مُرادِفٌ لِلْقاعِ، أوْ جَمْعُ قاعٍ كَنارٍ ونِيرَةٍ، فَتَكُونُ عَلى هَذا قِراءَةُ قِيعاتٍ جَمْعَ صِحَّةٍ تَناوَلَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ مِثْلَ رِجالاتِ قُرَيْشٍ وجِمالاتٍ صُفْرٍ. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُما (الظَّمّانُ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى المِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ هو مِن صِفاتِ السَّرابِ ولا يَعْنِي إلّا مُطْلَقَ الظَّمْآنِ لا الكافِرَ الظَّمْآنَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ ما يَعْمَلُهُ مَن لا يَعْتَقِدُ الإيمانَ ولا يَتَّبِعُ الحَقَّ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي يَحْسَبُها أنْ تَنْفَعَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وتُنْجِيَهُ مِن عَذابِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يَخِيبُ في العاقِبَةِ أمَلُهُ ويَلْقى خِلافَ ما قَدَّرَ بِسَرابٍ يَراهُ الكافِرُ بِالسّاهِرَةِ، وقَدْ غَلَبَهُ عَطَشُ يَوْمِ القِيامَةِ فَيَحْسَبُهُ ماءً، فَيَأْتِيهِ فَلا يَجِدُ ما رَجاهُ ويَجِدُ زَبانِيَةَ اللَّهِ عِنْدَهُ، يَأْخُذُونَهُ ويَعْتِلُونَهُ ويَسْقُونَهُ الحَمِيمَ والغَسّاقَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ، كانَ قَدْ تَعَبَّدَ ولَبِسَ المُسُوحَ والتَمَسَ الدِّينَ في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ كَفَرَ في الإسْلامِ، انْتَهى. فَجَعَلَ الظَّمْآنَ هو الكافِرَ حَتّى تَطَّرِدَ الضَّمائِرُ في (جاءَهُ) و﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ (ووَجَدَ) و(عِنْدَهُ) و﴿فَوَفّاهُ﴾ لِشَخْصٍ واحِدٍ، وغَيْرُهُ غايَرَ بَيْنَ الضَّمائِرِ، فالضَّمِيرُ في: (جاءَهُ) و﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ لِلظَّمْآنِ. وفي (ووَجَدَ) لِلْكافِرِ الَّذِي ضَرَبَ لَهُ مَثَلًا بِالظَّمْآنِ، أيْ ووَجَدَ هَذا (p-٤٦١)الكافِرُ وعْدَ اللَّهِ بِالجَزاءِ عَلى عَمَلِهِ بِالمِرْصادِ، ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ عَمَلَهُ الَّذِي جازاهُ عَلَيْهِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ أُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في (ووَجَدَ) بَعْدَ تَقَدُّمِ الجَمْعِ حَمْلًا عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في: (جاءَهُ) عَلى السَّرابِ. ثُمَّ في الكَلامِ مَتْرُوكٌ كَثِيرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: وكَذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ يَظُنُّ عَمَلَهُ نافِعًا ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، ويَحْتَمِلُ الضَّمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أعْمالُهم)، ويَكُونُ تَمامُ المَثَلِ في قَوْلِهِ: (ماءً)، ويَسْتَغْنِي الكَلامُ عَنْ مَتْرُوكٍ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، لَكِنْ يَكُونُ في المَثَلِ إيجازٌ واقْتِضابٌ؛ لِوُضُوحِ المَعْنى المُرادِ بِهِ. ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أيْ بِالمُجازاةِ، والضَّمِيرُ في: (عِنْدَهُ) عائِدٌ عَلى العَمَلِ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ أعْمالَهم في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِها بِسَرابٍ صِفَتُهُ كَذا، وأنَّ الضَّمائِرَ فِيما بَعْدَ ﴿الظَّمْآنُ﴾ لَهُ. والمَعْنى في ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أيْ: (ووَجَدَ) مَقْدُورَ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن هَلاكٍ بِالظَّمَأِ، (عِنْدَهُ) أيْ عِنْدَ مَوْضِعِ السَّرابِ، ﴿فَوَفّاهُ﴾ ما كُتِبَ لَهُ مِن ذَلِكَ. وهو المَحْسُوبُ لَهُ، واللَّهُ مُعَجِّلٌ حِسابَهُ لا يُؤَخِّرُهُ عَنْهُ؛ فَيَكُونُ الكَلامُ مُتَناسِقًا آخِذًا بَعْضُهُ بِعُنُقِ بَعْضٍ. وذَلِكَ بِاتِّصالِ الضَّمائِرِ لِشَيْءٍ واحِدٍ، ويَكُونُ هَذا التَّشْبِيهُ مُطابِقًا لِأعْمالِهِمْ مِن حَيْثُ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوها نافِعَةً، فَلَمْ تَنْفَعْهم وحَصَلَ لَهُمُ الهَلاكُ بِإثْرِ ما حُوسِبُوا. وأمّا في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَإنَّهُ وإنْ جَعَلَ الضَّمائِرَ لِلظَّمْآنِ لَكِنَّهُ جَعَلَ الظَّمْآنَ هو الكافِرَ، وهو تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ كَما قالَ. وشَبَّهَ الماءَ بَعْدَ الجَهْدِ بِالماءِ. وأمّا في قَوْلِ غَيْرِهِ: فَفِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ؛ إذْ غايَرَ بَيْنَ الضَّمائِرِ وانْقَطَعَ تَرْصِيفُ الكَلامِ بِجَعْلِ بَعْضِهِ مُفْلِتًا مِن بَعْضٍ. ﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ هَذا التَّشْبِيهُ الثّانِي لِأعْمالِهِمْ، فالأوَّلُ فِيما يَئُولُ إلَيْهِ أعْمالُهم في الآخِرَةِ، وهَذا الثّانِي فِيما هم عَلَيْهِ في حالِ الدُّنْيا. وبَدَأ بِالتَّشْبِيهِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ آكَدُ في الإخْبارِ؛ لِما فِيهِ مِن ذِكْرِ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ العِقابِ الدّائِمِ والعَذابِ السَّرْمَدِيِّ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِهَذا التَّمْثِيلِ الَّذِي نَبَّهَهم عَلى ما هي أعْمالُهم عَلَيْهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الإيمانِ ويُفَكِّرُونَ في نُورِ اللَّهِ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ والظّاهِرُ أنَّهُ تَشْبِيهٌ لِأعْمالِهِمْ وضَلالِهِمْ بِالظُّلُماتِ المُتَكاثِفَةِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّقْدِيرُ: أوْ كَذِي ظُلُماتٍ، قالَ: ودَلَّ عَلى هَذا المُضافِ قَوْلُهُ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾؛ فالكِنايَةُ تَعُودُ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ، فالتَّشْبِيهُ وقَعَ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ لِلْكافِرِ لا لِلْأعْمالِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُتَخَيَّلُ في تَقْرِيرِ كَلامِهِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أوْ هم كَذِي ظُلُماتٍ، فَيَكُونُ التَّشْبِيهُ الأوَّلُ لِأعْمالِهِمْ، والثّانِي لَهم في حالِ ضَلالِهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: في التَّقْدِيرِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أوْ كَأعْمالِ ذِي ظُلُماتٍ، فَيُقَدَّرُ ذِي ظُلُماتٍ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾ إلَيْهِ، ويُقَدَّرُ أعْمالٌ لِيَصِحَّ تَشْبِيهُ أعْمالِ الكُفّارِ بِأعْمالِ صاحِبِ الظُّلْمَةِ؛ إذْ لا مَعْنى لِتَشْبِيهِ العَمَلِ بِصاحِبِ الظُّلُماتِ. والثّانِي: لا حَذْفَ فِيهِ، والمَعْنى أنَّهُ شَبَّهَ أعْمالَ الكُفّارِ بِالظُّلْمَةِ في حَيْلُولَتِها بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ ما يَهْتَدِي إلَيْهِ، فَأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾ فَيَعُودُ إلى مَذْكُورٍ حُذِفَ اعْتِمادًا عَلى المَعْنى تَقْدِيرُهُ إذا أخْرَجَ مَن فِيها يَدَهُ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: الآيَةُ الأُولى في ذِكْرِ أعْمالِ الكُفّارِ. والثّانِيَةُ في ذِكْرِ كُفْرِهِمْ، ونَسَّقَ الكُفْرَ عَلى أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّ الكُفْرَ أيْضًا مِن أعْمالِهِمْ، وقَدْ قالَ تَعالى: ”﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]“ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَيَكُونُ التَّمْثِيلُ قَدْ وقَعَ لِأعْمالِهِمْ بِكُفْرِ الكافِرِ، و(أعْمالُهم) مِنها كُفْرُهم، فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ أعْمالَهم بِالظُّلُماتِ، والعَطْفُ بِأوْ هُنا؛ لِأنَّهُ قَصَدَ التَّنْوِيعَ والتَّفْصِيلَ لا أنَّ (أوْ) لِلشَّكِّ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: (أوْ) لِلتَّخْيِيرِ عَلى تَقْدِيرِ شَبِّهْ أعْمالَ الكُفّارِ بِأيِّهِما شِئْتَ. وقَرَأ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ ﴿أوَ كَظُلُماتٍ﴾ بِفَتْحِ الواوِ، جَعَلَها واوَ عَطْفٍ تَقَدَّمَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ الَّتِي لِتَقْرِيرِ التَّشْبِيهِ الخالِي عَنْ مَحْضِ الِاسْتِفْهامِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿يَغْشاهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾، أيْ: يَغْشى ذَلِكَ البَحْرَ، أيْ: يُغَطِّي بَعْضُهُ بَعْضًا، بِمَعْنى أنْ تَجِيءَ مَوْجَةٌ تَتْبَعُها أُخْرى فَهو مُتَلاطِمٌ لا يَسْكُنُ، وأخْوَفُ (p-٤٦٢)ما يَكُونُ إذا تَوالَتْ أمْواجُهُ، وفَوْقَ هَذا المَوْجِ (سَحابٌ)، وهو أعْظَمُ لِلْخَوْفِ لِإخْفائِهِ النُّجُومَ الَّتِي يُهْتَدى بِها، ولِلرِّيحِ والمَطَرِ النّاشِئَيْنِ مَعَ السَّحابِ. ومَن قَدَّرَ أوْ كَذِي ظُلُماتٍ أعادَ الضَّمِيرَ في ﴿يَغْشاهُ﴾ عَلى ذِي المَحْذُوفِ، أيْ: يَغْشى صاحِبَ الظُّلُماتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَحابٌ) بِالتَّنْوِينِ (ظُلُماتٌ) بِالرَّفْعِ، عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ أوْ تِلْكَ (ظُلُماتٌ)، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً، و﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في مَوْضِعِ خَبَرِ (ظُلُماتٌ) . والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِعَدَمِ المُسَوِّغِ فِيهِ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، إلّا إنْ قُدِّرَتْ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ ظُلُماتٌ كَثِيرَةٌ أوْ عَظِيمَةٌ ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ . وقَرَأ البَزِّيُّ ﴿سَحابُ ظُلُماتٍ﴾ بِالإضافَةِ. وقَرَأ قُنْبُلٌ (سَحابٌ) بِالتَّنْوِينِ (ظُلُماتٍ) بِالجَرِّ بَدَلًا مِن (ظُلُماتٍ)، و﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكَظُلُماتٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ عَلى رَفْعِ (ظُلُماتٌ) أنْ يَكُونَ (بَعْضُها) بَدَلًا مِنها، وهو لا يَجُوزُ مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ - واللَّهُ أعْلَمُ - الإخْبارُ بِأنَّها ظُلُماتٌ، وأنَّ بَعْضَ تِلْكَ الظُّلُماتِ فَوْقَ بَعْضٍ، أيْ هي ظُلُماتٌ مُتَراكِمَةٌ، ولَيْسَ عَلى الإخْبارِ بِأنَّ بَعْضَ ظُلُماتٍ فَوْقَ بَعْضٍ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِأنَّ تِلْكَ الظُّلُماتِ السّابِقَةَ ظُلُماتٌ مُتَراكِمَةٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في كادَ إذا دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ نَفْيٍ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، والمَعْنى هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ الرُّؤْيَةِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ انْتِفاءُ الرُّؤْيَةِ ضَرُورَةً، وقَوْلُ مَنِ اعْتَقَدَ زِيادَةَ ﴿يَكَدْ﴾ أوْ أنَّهُ يَراها بَعْدَ عُسْرٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، والزِّيادَةُ قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ، وأنَّهُ لَمْ يَرَها إلّا بَعْدَ الجَهْدِ، قَوْلُ المُبَرِّدِ والفَرّاءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما مَعْناهُ: إذا كانَ الفِعْلُ بَعْدَ كادَ مَنفِيًّا دَلَّ عَلى ثُبُوتِهِ، نَحْوُ كادَ زَيْدٌ لا يَقُومُ، أوْ مُثْبَتًا دَلَّ عَلى نَفْيِهِ كادَ زَيْدٌ يَقُومُ، وإذا تَقَدَّمَ النَّفْيُ عَلى كادَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنفِيًّا، تَقُولُ: المَفْلُوجُ لا يَكادُ يَسْكُنُ، فَهَذا تَضَمَّنَ نَفْيَ السُّكُونِ. وتَقُولُ: رَجُلٌ مُنْصَرِفٌ لا يَكادُ يَسْكُنُ، فَهَذا تَضَمَّنَ إيجابَ السُّكُونِ بَعْدَ جَهْدٍ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ الثّانِيَ هو تَشْبِيهُ أعْمالِ الكُفّارِ بِهَذِهِ الظُّلُماتِ المُتَكاثِفَةِ مِن غَيْرِ مُقابَلَةٍ في المَعْنى بِأجْزائِهِ لِأجْزاءِ المُشَبَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وشَبَّهَها يَعْنِي أعْمالَهُ في ظُلْمَتِها وسَوادِها لَكَوْنِها باطِلَةً، وفي خُلُوِّها عَنْ نُورِ الحَقِّ بِظُلُماتٍ مُتَراكِمَةٍ مِن لُجَجِ البَحْرِ والأمْواجِ والسَّحابِ، ومِنهم مَن لاحَظَ التَّقابُلَ، فَقالَ: الظُّلُماتُ الأعْمالُ الفاسِدَةُ والمُعْتَقَداتُ الباطِلَةُ. والبَحْرُ اللُّجِّيُّ صَدْرُ الكافِرِ وقَلْبُهُ، والمَوْجُ الضَّلالُ والجَهالَةُ الَّتِي غَمَرَتْ قَلْبَهُ والفِكَرُ المُعْوَجَّةُ، والسَّحابُ شَهْوَتُهُ في الكُفْرِ وإعْراضُهُ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الفَرّاءُ: هَذا مَثَلٌ لِقَلْبِ الكافِرِ، أيْ أنَّهُ يَعْقِلُ ولا يُبْصِرُ. وقِيلَ: الظُّلُماتُ أعْمالُهُ، والبَحْرُ هَواهُ. القِيعانُ القَرِيبُ الغَرَقِ فِيهِ، الكَثِيرُ الخَطَرِ، والمَوْجُ ما يَغْشى قَلْبَهُ مِن جَهْلٍ وغَفْلَةٍ، والمَوْجُ الثّانِي ما يَغْشاهُ مِن شَكٍّ وشُبْهَةٍ، والسَّحابُ ما يَغْشاهُ مِن شِرْكٍ وحَيْرَةٍ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الِاهْتِداءِ عَلى عَكْسِ ما في مِثْلِ نُورِ الدِّينِ، انْتَهى. والتَّفْسِيرُ بِمُقابَلَةِ الأجْزاءِ شَبِيهٌ بِتَفْسِيرِ الباطِنِيَّةِ، وعُدُولٌ عَنْ مَنهَجِ كَلامِ العَرَبِ. ولَمّا شَبَّهَ أعْمالَ الكُفّارِ بِالظُّلُماتِ المُتَراكِمَةِ وذَكَرَ أنَّهُ لا يَكادُ يَرى اليَدَ مِن شِدَّةِ الظُّلْمَةِ، قالَ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾، أيْ: مَن لَمْ يُنَوِّرْ قَلْبَهُ بِنُورِ الإيمانِ ويَهْدِهِ إلَيْهِ فَهو في ظُلْمَةٍ، ولا نُورَ لَهُ، ولا يَهْتَدِي أبَدًا. وهَذا النُّورُ هو في الدُّنْيا. وقِيلَ: هو في الآخِرَةِ، أيْ مَن لَمْ يُنَوِّرْهُ اللَّهُ بِعَفْوِهِ ويَرْحَمْهُ بِرَحْمَتِهِ فَلا رَحْمَةَ لَهُ، وكَوْنُهُ في الدُّنْيا ألْيَقُ بِلَفْظِ الآيَةِ، وأيْضًا فَذَلِكَ مُتَلازِمٌ؛ لِأنَّ نُورَ الآخِرَةِ هو لِمَن نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن لَمْ يُولِهِ نُورَ تَوْفِيقِهِ وعِصْمَتِهِ ولُطْفِهِ فَهو في ظُلْمَةِ الباطِلِ، لا نُورَ لَهُ. وهَذا الكَلامُ مَجْراهُ مَجْرى الكِناياتِ؛ لِأنَّ الألْطافَ إنَّما تَرْدُفُ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، أوْ كَوْنُهُما مُرْتَقَبَيْنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقَوْلِهِ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، (p-٤٦٣)انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.

النور 24:40

(p-٤٦٠)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَةَ الإيمانِ والمُؤْمِنِينَ وتَنْوِيرَهُ قُلُوبَهم ووَصْفَهم بِما وصَفَهم مِنَ الأعْمالِ النّافِعَةِ في الآخِرَةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُقابِلِهِمُ الكَفَرَةِ وأعْمالِهِمْ، فَمَثَّلَ لَهم ولِأعْمالِهِمْ مَثَلَيْنِ: أحَدُهُما: يَقْتَضِي بُطْلانَ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ وأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِها. والثّانِي: يَقْتَضِي حالَها في الدُّنْيا مِنِ ارْتِباكِها في الضَّلالِ والظُّلْمَةِ، شَبَّهَ أوَّلًا أعْمالَهم في اضْمِحْلالِها وفُقْدانِ ثَمَرَتِها بِسَرابٍ في مَكانٍ مُنْخَفِضٍ ظَنَّهُ العَطْشانُ ماءً، فَقَصَدَهُ وأتْعَبَ نَفْسَهُ في الوُصُولِ إلَيْهِ. ﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾ أيْ جاءَ مَوْضِعَهُ الَّذِي تَخَيَّلَهُ فِيهِ ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أيْ فَقَدَهُ؛ لِأنَّهُ مَعَ الدُّنُوِّ لا يَرى شَيْئًا. كَذَلِكَ الكافِرُ يَظُنُّ أنَّ عَمَلَهُ في الدُّنْيا نافِعُهُ حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ عَمَلُهُ بَلْ صارَ وبالًا عَلَيْهِ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: بِقِيعاتٍ بِتاءٍ مَمْطُوطَةٍ جَمْعُ قِيعَةٍ، كَدِيماتٍ وقِيماتٍ في دِيمَةٍ وقِيمَةٍ، وعَنْهُ أيْضًا بِتاءٍ شَكْلِ الهاءِ ويَقِفُ عَلَيْها بِالهاءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ قِيعَةٍ، ووَقَفَ بِالهاءِ عَلى لُغَةِ طَيِّئٍ كَما قالُوا البَناهُ والأخَواهُ في الوَقْفِ عَلى البَناتِ والأخَواتِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ قِيعَةً كالعامَّةِ أيْ كالقِراءَةِ العامَّةِ، لَكِنَّهُ أشْبَعَ الفَتْحَةَ فَتَوَلَّدَتْ مِنها الألِفُ مِثْلَ مُخْرَنْبِقٌ لِيَنْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهم بِقِيعاتٍ، بِتاءٍ مَمْدُودَةٍ، كَرَجُلٍ عِزْهاةٍ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنَّهُ جَعَلَهُ مِثْلَ سَعْلَةٍ وسَعْلاةٍ ولَيْلَةٍ ولَيْلاةٍ، والقِيعَةُ مُفْرَدٌ مُرادِفٌ لِلْقاعِ، أوْ جَمْعُ قاعٍ كَنارٍ ونِيرَةٍ، فَتَكُونُ عَلى هَذا قِراءَةُ قِيعاتٍ جَمْعَ صِحَّةٍ تَناوَلَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ مِثْلَ رِجالاتِ قُرَيْشٍ وجِمالاتٍ صُفْرٍ. وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُما (الظَّمّانُ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى المِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ هو مِن صِفاتِ السَّرابِ ولا يَعْنِي إلّا مُطْلَقَ الظَّمْآنِ لا الكافِرَ الظَّمْآنَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ ما يَعْمَلُهُ مَن لا يَعْتَقِدُ الإيمانَ ولا يَتَّبِعُ الحَقَّ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي يَحْسَبُها أنْ تَنْفَعَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وتُنْجِيَهُ مِن عَذابِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يَخِيبُ في العاقِبَةِ أمَلُهُ ويَلْقى خِلافَ ما قَدَّرَ بِسَرابٍ يَراهُ الكافِرُ بِالسّاهِرَةِ، وقَدْ غَلَبَهُ عَطَشُ يَوْمِ القِيامَةِ فَيَحْسَبُهُ ماءً، فَيَأْتِيهِ فَلا يَجِدُ ما رَجاهُ ويَجِدُ زَبانِيَةَ اللَّهِ عِنْدَهُ، يَأْخُذُونَهُ ويَعْتِلُونَهُ ويَسْقُونَهُ الحَمِيمَ والغَسّاقَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ، كانَ قَدْ تَعَبَّدَ ولَبِسَ المُسُوحَ والتَمَسَ الدِّينَ في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ كَفَرَ في الإسْلامِ، انْتَهى. فَجَعَلَ الظَّمْآنَ هو الكافِرَ حَتّى تَطَّرِدَ الضَّمائِرُ في (جاءَهُ) و﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ (ووَجَدَ) و(عِنْدَهُ) و﴿فَوَفّاهُ﴾ لِشَخْصٍ واحِدٍ، وغَيْرُهُ غايَرَ بَيْنَ الضَّمائِرِ، فالضَّمِيرُ في: (جاءَهُ) و﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ لِلظَّمْآنِ. وفي (ووَجَدَ) لِلْكافِرِ الَّذِي ضَرَبَ لَهُ مَثَلًا بِالظَّمْآنِ، أيْ ووَجَدَ هَذا (p-٤٦١)الكافِرُ وعْدَ اللَّهِ بِالجَزاءِ عَلى عَمَلِهِ بِالمِرْصادِ، ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ عَمَلَهُ الَّذِي جازاهُ عَلَيْهِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ أُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في (ووَجَدَ) بَعْدَ تَقَدُّمِ الجَمْعِ حَمْلًا عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في: (جاءَهُ) عَلى السَّرابِ. ثُمَّ في الكَلامِ مَتْرُوكٌ كَثِيرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: وكَذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ يَظُنُّ عَمَلَهُ نافِعًا ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، ويَحْتَمِلُ الضَّمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أعْمالُهم)، ويَكُونُ تَمامُ المَثَلِ في قَوْلِهِ: (ماءً)، ويَسْتَغْنِي الكَلامُ عَنْ مَتْرُوكٍ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، لَكِنْ يَكُونُ في المَثَلِ إيجازٌ واقْتِضابٌ؛ لِوُضُوحِ المَعْنى المُرادِ بِهِ. ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أيْ بِالمُجازاةِ، والضَّمِيرُ في: (عِنْدَهُ) عائِدٌ عَلى العَمَلِ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ أعْمالَهم في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِها بِسَرابٍ صِفَتُهُ كَذا، وأنَّ الضَّمائِرَ فِيما بَعْدَ ﴿الظَّمْآنُ﴾ لَهُ. والمَعْنى في ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أيْ: (ووَجَدَ) مَقْدُورَ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن هَلاكٍ بِالظَّمَأِ، (عِنْدَهُ) أيْ عِنْدَ مَوْضِعِ السَّرابِ، ﴿فَوَفّاهُ﴾ ما كُتِبَ لَهُ مِن ذَلِكَ. وهو المَحْسُوبُ لَهُ، واللَّهُ مُعَجِّلٌ حِسابَهُ لا يُؤَخِّرُهُ عَنْهُ؛ فَيَكُونُ الكَلامُ مُتَناسِقًا آخِذًا بَعْضُهُ بِعُنُقِ بَعْضٍ. وذَلِكَ بِاتِّصالِ الضَّمائِرِ لِشَيْءٍ واحِدٍ، ويَكُونُ هَذا التَّشْبِيهُ مُطابِقًا لِأعْمالِهِمْ مِن حَيْثُ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوها نافِعَةً، فَلَمْ تَنْفَعْهم وحَصَلَ لَهُمُ الهَلاكُ بِإثْرِ ما حُوسِبُوا. وأمّا في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَإنَّهُ وإنْ جَعَلَ الضَّمائِرَ لِلظَّمْآنِ لَكِنَّهُ جَعَلَ الظَّمْآنَ هو الكافِرَ، وهو تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ كَما قالَ. وشَبَّهَ الماءَ بَعْدَ الجَهْدِ بِالماءِ. وأمّا في قَوْلِ غَيْرِهِ: فَفِيهِ تَفْكِيكُ الكَلامِ؛ إذْ غايَرَ بَيْنَ الضَّمائِرِ وانْقَطَعَ تَرْصِيفُ الكَلامِ بِجَعْلِ بَعْضِهِ مُفْلِتًا مِن بَعْضٍ. ﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ هَذا التَّشْبِيهُ الثّانِي لِأعْمالِهِمْ، فالأوَّلُ فِيما يَئُولُ إلَيْهِ أعْمالُهم في الآخِرَةِ، وهَذا الثّانِي فِيما هم عَلَيْهِ في حالِ الدُّنْيا. وبَدَأ بِالتَّشْبِيهِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ آكَدُ في الإخْبارِ؛ لِما فِيهِ مِن ذِكْرِ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ العِقابِ الدّائِمِ والعَذابِ السَّرْمَدِيِّ. ثُمَّ أتْبَعَهُ بِهَذا التَّمْثِيلِ الَّذِي نَبَّهَهم عَلى ما هي أعْمالُهم عَلَيْهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الإيمانِ ويُفَكِّرُونَ في نُورِ اللَّهِ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ والظّاهِرُ أنَّهُ تَشْبِيهٌ لِأعْمالِهِمْ وضَلالِهِمْ بِالظُّلُماتِ المُتَكاثِفَةِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّقْدِيرُ: أوْ كَذِي ظُلُماتٍ، قالَ: ودَلَّ عَلى هَذا المُضافِ قَوْلُهُ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾؛ فالكِنايَةُ تَعُودُ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ، فالتَّشْبِيهُ وقَعَ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ لِلْكافِرِ لا لِلْأعْمالِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُتَخَيَّلُ في تَقْرِيرِ كَلامِهِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أوْ هم كَذِي ظُلُماتٍ، فَيَكُونُ التَّشْبِيهُ الأوَّلُ لِأعْمالِهِمْ، والثّانِي لَهم في حالِ ضَلالِهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: في التَّقْدِيرِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أوْ كَأعْمالِ ذِي ظُلُماتٍ، فَيُقَدَّرُ ذِي ظُلُماتٍ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾ إلَيْهِ، ويُقَدَّرُ أعْمالٌ لِيَصِحَّ تَشْبِيهُ أعْمالِ الكُفّارِ بِأعْمالِ صاحِبِ الظُّلْمَةِ؛ إذْ لا مَعْنى لِتَشْبِيهِ العَمَلِ بِصاحِبِ الظُّلُماتِ. والثّانِي: لا حَذْفَ فِيهِ، والمَعْنى أنَّهُ شَبَّهَ أعْمالَ الكُفّارِ بِالظُّلْمَةِ في حَيْلُولَتِها بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ ما يَهْتَدِي إلَيْهِ، فَأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾ فَيَعُودُ إلى مَذْكُورٍ حُذِفَ اعْتِمادًا عَلى المَعْنى تَقْدِيرُهُ إذا أخْرَجَ مَن فِيها يَدَهُ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: الآيَةُ الأُولى في ذِكْرِ أعْمالِ الكُفّارِ. والثّانِيَةُ في ذِكْرِ كُفْرِهِمْ، ونَسَّقَ الكُفْرَ عَلى أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّ الكُفْرَ أيْضًا مِن أعْمالِهِمْ، وقَدْ قالَ تَعالى: ”﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]“ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَيَكُونُ التَّمْثِيلُ قَدْ وقَعَ لِأعْمالِهِمْ بِكُفْرِ الكافِرِ، و(أعْمالُهم) مِنها كُفْرُهم، فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ أعْمالَهم بِالظُّلُماتِ، والعَطْفُ بِأوْ هُنا؛ لِأنَّهُ قَصَدَ التَّنْوِيعَ والتَّفْصِيلَ لا أنَّ (أوْ) لِلشَّكِّ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: (أوْ) لِلتَّخْيِيرِ عَلى تَقْدِيرِ شَبِّهْ أعْمالَ الكُفّارِ بِأيِّهِما شِئْتَ. وقَرَأ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ ﴿أوَ كَظُلُماتٍ﴾ بِفَتْحِ الواوِ، جَعَلَها واوَ عَطْفٍ تَقَدَّمَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ الَّتِي لِتَقْرِيرِ التَّشْبِيهِ الخالِي عَنْ مَحْضِ الِاسْتِفْهامِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿يَغْشاهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾، أيْ: يَغْشى ذَلِكَ البَحْرَ، أيْ: يُغَطِّي بَعْضُهُ بَعْضًا، بِمَعْنى أنْ تَجِيءَ مَوْجَةٌ تَتْبَعُها أُخْرى فَهو مُتَلاطِمٌ لا يَسْكُنُ، وأخْوَفُ (p-٤٦٢)ما يَكُونُ إذا تَوالَتْ أمْواجُهُ، وفَوْقَ هَذا المَوْجِ (سَحابٌ)، وهو أعْظَمُ لِلْخَوْفِ لِإخْفائِهِ النُّجُومَ الَّتِي يُهْتَدى بِها، ولِلرِّيحِ والمَطَرِ النّاشِئَيْنِ مَعَ السَّحابِ. ومَن قَدَّرَ أوْ كَذِي ظُلُماتٍ أعادَ الضَّمِيرَ في ﴿يَغْشاهُ﴾ عَلى ذِي المَحْذُوفِ، أيْ: يَغْشى صاحِبَ الظُّلُماتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَحابٌ) بِالتَّنْوِينِ (ظُلُماتٌ) بِالرَّفْعِ، عَلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ أوْ تِلْكَ (ظُلُماتٌ)، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً، و﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ في مَوْضِعِ خَبَرِ (ظُلُماتٌ) . والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِعَدَمِ المُسَوِّغِ فِيهِ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، إلّا إنْ قُدِّرَتْ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ ظُلُماتٌ كَثِيرَةٌ أوْ عَظِيمَةٌ ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ . وقَرَأ البَزِّيُّ ﴿سَحابُ ظُلُماتٍ﴾ بِالإضافَةِ. وقَرَأ قُنْبُلٌ (سَحابٌ) بِالتَّنْوِينِ (ظُلُماتٍ) بِالجَرِّ بَدَلًا مِن (ظُلُماتٍ)، و﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكَظُلُماتٍ. قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ عَلى رَفْعِ (ظُلُماتٌ) أنْ يَكُونَ (بَعْضُها) بَدَلًا مِنها، وهو لا يَجُوزُ مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ - واللَّهُ أعْلَمُ - الإخْبارُ بِأنَّها ظُلُماتٌ، وأنَّ بَعْضَ تِلْكَ الظُّلُماتِ فَوْقَ بَعْضٍ، أيْ هي ظُلُماتٌ مُتَراكِمَةٌ، ولَيْسَ عَلى الإخْبارِ بِأنَّ بَعْضَ ظُلُماتٍ فَوْقَ بَعْضٍ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِأنَّ تِلْكَ الظُّلُماتِ السّابِقَةَ ظُلُماتٌ مُتَراكِمَةٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في كادَ إذا دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ نَفْيٍ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، والمَعْنى هُنا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ الرُّؤْيَةِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ انْتِفاءُ الرُّؤْيَةِ ضَرُورَةً، وقَوْلُ مَنِ اعْتَقَدَ زِيادَةَ ﴿يَكَدْ﴾ أوْ أنَّهُ يَراها بَعْدَ عُسْرٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، والزِّيادَةُ قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ، وأنَّهُ لَمْ يَرَها إلّا بَعْدَ الجَهْدِ، قَوْلُ المُبَرِّدِ والفَرّاءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما مَعْناهُ: إذا كانَ الفِعْلُ بَعْدَ كادَ مَنفِيًّا دَلَّ عَلى ثُبُوتِهِ، نَحْوُ كادَ زَيْدٌ لا يَقُومُ، أوْ مُثْبَتًا دَلَّ عَلى نَفْيِهِ كادَ زَيْدٌ يَقُومُ، وإذا تَقَدَّمَ النَّفْيُ عَلى كادَ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَنفِيًّا، تَقُولُ: المَفْلُوجُ لا يَكادُ يَسْكُنُ، فَهَذا تَضَمَّنَ نَفْيَ السُّكُونِ. وتَقُولُ: رَجُلٌ مُنْصَرِفٌ لا يَكادُ يَسْكُنُ، فَهَذا تَضَمَّنَ إيجابَ السُّكُونِ بَعْدَ جَهْدٍ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ الثّانِيَ هو تَشْبِيهُ أعْمالِ الكُفّارِ بِهَذِهِ الظُّلُماتِ المُتَكاثِفَةِ مِن غَيْرِ مُقابَلَةٍ في المَعْنى بِأجْزائِهِ لِأجْزاءِ المُشَبَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وشَبَّهَها يَعْنِي أعْمالَهُ في ظُلْمَتِها وسَوادِها لَكَوْنِها باطِلَةً، وفي خُلُوِّها عَنْ نُورِ الحَقِّ بِظُلُماتٍ مُتَراكِمَةٍ مِن لُجَجِ البَحْرِ والأمْواجِ والسَّحابِ، ومِنهم مَن لاحَظَ التَّقابُلَ، فَقالَ: الظُّلُماتُ الأعْمالُ الفاسِدَةُ والمُعْتَقَداتُ الباطِلَةُ. والبَحْرُ اللُّجِّيُّ صَدْرُ الكافِرِ وقَلْبُهُ، والمَوْجُ الضَّلالُ والجَهالَةُ الَّتِي غَمَرَتْ قَلْبَهُ والفِكَرُ المُعْوَجَّةُ، والسَّحابُ شَهْوَتُهُ في الكُفْرِ وإعْراضُهُ عَنِ الإيمانِ. وقالَ الفَرّاءُ: هَذا مَثَلٌ لِقَلْبِ الكافِرِ، أيْ أنَّهُ يَعْقِلُ ولا يُبْصِرُ. وقِيلَ: الظُّلُماتُ أعْمالُهُ، والبَحْرُ هَواهُ. القِيعانُ القَرِيبُ الغَرَقِ فِيهِ، الكَثِيرُ الخَطَرِ، والمَوْجُ ما يَغْشى قَلْبَهُ مِن جَهْلٍ وغَفْلَةٍ، والمَوْجُ الثّانِي ما يَغْشاهُ مِن شَكٍّ وشُبْهَةٍ، والسَّحابُ ما يَغْشاهُ مِن شِرْكٍ وحَيْرَةٍ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الِاهْتِداءِ عَلى عَكْسِ ما في مِثْلِ نُورِ الدِّينِ، انْتَهى. والتَّفْسِيرُ بِمُقابَلَةِ الأجْزاءِ شَبِيهٌ بِتَفْسِيرِ الباطِنِيَّةِ، وعُدُولٌ عَنْ مَنهَجِ كَلامِ العَرَبِ. ولَمّا شَبَّهَ أعْمالَ الكُفّارِ بِالظُّلُماتِ المُتَراكِمَةِ وذَكَرَ أنَّهُ لا يَكادُ يَرى اليَدَ مِن شِدَّةِ الظُّلْمَةِ، قالَ: ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾، أيْ: مَن لَمْ يُنَوِّرْ قَلْبَهُ بِنُورِ الإيمانِ ويَهْدِهِ إلَيْهِ فَهو في ظُلْمَةٍ، ولا نُورَ لَهُ، ولا يَهْتَدِي أبَدًا. وهَذا النُّورُ هو في الدُّنْيا. وقِيلَ: هو في الآخِرَةِ، أيْ مَن لَمْ يُنَوِّرْهُ اللَّهُ بِعَفْوِهِ ويَرْحَمْهُ بِرَحْمَتِهِ فَلا رَحْمَةَ لَهُ، وكَوْنُهُ في الدُّنْيا ألْيَقُ بِلَفْظِ الآيَةِ، وأيْضًا فَذَلِكَ مُتَلازِمٌ؛ لِأنَّ نُورَ الآخِرَةِ هو لِمَن نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ في الدُّنْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن لَمْ يُولِهِ نُورَ تَوْفِيقِهِ وعِصْمَتِهِ ولُطْفِهِ فَهو في ظُلْمَةِ الباطِلِ، لا نُورَ لَهُ. وهَذا الكَلامُ مَجْراهُ مَجْرى الكِناياتِ؛ لِأنَّ الألْطافَ إنَّما تَرْدُفُ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، أوْ كَوْنُهُما مُرْتَقَبَيْنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقَوْلِهِ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، (p-٤٦٣)انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.

النور 24:41

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَثَلَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وأنَّ الإيمانَ والضَّلالَ أمْرُهُما راجِعٌ إلَيْهِ، أعْقَبَ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، والظّاهِرُ حَمْلُ التَّسْبِيحِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتَخْصِيصُ (مَن) في قَوْلِهِ: ”ومَن في الأرْضِ“ بِالمُطِيعِ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الثَّقَلَيْنِ. وقِيلَ: (مَن) عامٌّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ غَلَبَ مَن يَعْقِلُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، فَأُدْرِجُ ما لا يَعْقِلُ فِيهِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ دَلالَتُهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ مَوْصُوفًا بِنُعُوتِ الكَمالِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ التَّعْظِيمُ، فَمِن ذِي الدِّينِ بِالنُّطْقِ والصَّلاةِ، ومِن غَيْرِهِمْ مِن مُكَلَّفٍ وجَمادٍ بِالدَّلالَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُما، وهو التَّعْظِيمُ. وقالَ سُفْيانُ: تَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ بِطاعَتِهِ وانْقِيادِهِ. ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ أيْ: صَفَّتْ أجْنِحَتَها في الهَواءِ لِلطَّيَرانِ، وإنَّما خَصَّ الطَّيْرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها تَكُونُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ إذا طارَتْ فَهي خارِجَةٌ مِن جُمْلَةِ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالَةَ طَيَرانِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والطَّيْرُ) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (مَن)، و(صافّاتٍ) نُصِبَ عَلى الحالِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (والطَّيْرَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وخارِجَةُ، عَنْ نافِعٍ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٌ﴾ بِرَفْعِهِما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ يُسَبِّحْنَ. قِيلَ: وتَسْبِيحُ الطَّيْرِ حَقِيقِيٌّ؛ قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَ اللَّهُ الطَّيْرَ دُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ كَما ألْهَمَها سائِرَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي لا يَكادُ العُقَلاءُ يَهْتَدُونَ إلَيْها. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: هو تَجَوُّزٌ إنَّما تَسْبِيحُهُ ظُهُورُ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَهو لِذَلِكَ يَدْعُو إلى التَّسْبِيحِ. (كُلٌّ) أيْ كُلٌّ مِمَّنْ ذَكَرَ، فَيَشْمَلُ الطَّيْرَ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ المُسْتَكِنَّ في: (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ عائِدٌ عَلى (كُلٌّ)، وقالَهُ الحَسَنُ قالَ: فَهو مُثابِرٌ عَلَيْهِما يُؤَدِّيهِما. وقالَ الزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِـ (كُلٌّ) . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) لِـ (كُلٌّ)، وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِلَّهِ، أيْ: صَلاةَ اللَّهِ وتَسْبِيحَهُ اللَّذَيْنِ أمَرَ بِهِما وهَدى إلَيْهِما، فَهَذِهِ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّلاةُ لِلْبَشَرِ (p-٤٦٤)والتَّسْبِيحُ لِما عَداهم. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وسَلّامٌ وهارُونُ، عَنْ أبِي عُمَرَ: (وتَفْعَلُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ، وفِيهِ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. و﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إخْبارٌ بِأنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَحْتَ مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ بِما يَشاءُ تَصَرُّفَ القاهِرِ الغالِبِ. وإلَيْهِ (المَصِيرُ) أيْ إلى جَزائِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ وتَخْوِيفٌ. ولَمّا ذَكَرَ انْقِيادَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرِ إلَيْهِ - تَعالى -، وذَكَرَ مِلْكَهُ لِهَذا العالَمِ وصَيْرُورَتَهم إلَيْهِ، أكَّدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ عَجِيبٍ مِن أفْعالِهِ، مُشْعِرٍ بِانْتِقالٍ مِن حالٍ إلى حالٍ. وكانَ عَقِبَ قَوْلِهِ: ”وإلَيْهِ المَصِيرُ“ فَأعْلَمَ بِانْتِقالٍ إلى المَعادِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى تَصَرُّفِهِ في نَقْلِ الأشْياءِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومَعْنى (يُزْجِي) يَسُوقُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويُسْتَعْمَلُ في سَوْقِ الثَّقِيلِ بِرِفْقٍ كالسَّحابِ والإبِلِ، والسَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ سَحابَةٌ، والمَعْنى يَسُوقُ سَحابَةً إلى سَحابَةٍ. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أيْ بَيْنَ أجْزائِهِ؛ لِأنَّهُ سَحابَةٌ تَتَّصِلُ بِسَحابَةٍ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُلْتَئِمًا بِتَأْلِيفِ بَعْضٍ إلى بَعْضٍ. وقَرَأ ورْشٌ: (يُوَلِّفُ)، بِالواوِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وهو الأصْلُ. (فَيَجْعَلُهُ رُكامًا) أيْ مُتَكاثِفًا، يَجْعَلُ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، وانْعِصارَهُ بِذَلِكَ، ﴿مِن خِلالِهِ﴾ أيْ فُتُوقِهِ ومَخارِجِهِ الَّتِي حَدَثَتْ بِالتَّراكُمِ والِانْعِصارِ. والخِلالُ: قِيلَ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ وجَبَلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُعاذٌ العَنْبَرِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو والزَّعْفَرانِيِّ: (مِن خَلَلِهِ)، بِالإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّ في السَّماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، خَلَقَها اللَّهُ كَما خَلَقَ في الأرْضِ جِبالًا مِن حَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿جِبالٍ﴾ مَجازٌ عَنِ الكَثْرَةِ لا أنَّ في السَّماءِ جِبالًا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَمْلِكُ جِبالًا مِن ذَهَبٍ، وعِنْدَهُ جِبالٌ مِنَ العِلْمِ؛ يُرِيدُ الكَثْرَةَ. قِيلَ: أوْ هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ. والسَّماءُ السَّحابُ، أيْ (مِنَ السَّماءِ) الَّتِي هي جِبالٌ أيْ كَجِبالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ، فَجَعَلَ السَّماءَ هو السَّحابَ المُرْتَفِعَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُمُوِّهِ وارْتِفاعِهِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: المُرادُ بِالسَّماءِ الجِسْمُ الأزْرَقُ المَخْصُوصُ، وهو المُتَبادَرُ لِلذِّهْنِ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ الجِبالَ في الكَثْرَةِ مَجازًا قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎إذا مُتُّ عَنْ ذِكْرِ القَوافِي فَلَنْ تَرى لَها شاعِرًا مِنِّي أطَبَّ وأشْعَرا ؎وأكْثَرَ بَيْتًا شاعِرًا ضُرِبَتْ لَهُ ∗∗∗ بُطُونُ جِبالِ الشِّعْرِ حَتّى تَيَسَّرا واتَّفَقُوا عَلى أنَّ (مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ. وأمّا ﴿مِن جِبالٍ﴾ . فَقالَ الحَوْفِيُّ: هي بَدَلٌ مِنَ (السَّماءِ)، ثُمَّ قالَ: وهي لِلتَّبْعِيضِ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ فِيما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وإذا كانَتِ الثّانِيَةُ بَدَلًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مِثْلُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لَوْ قُلْتَ: خَرَجْتُ مِن بَغْدادَ مِنَ الكَرْخِ لَزِمَ أنْ يَكُونا مَعًا لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: هي لِلتَّبْعِيضِ فَيَكُونُ عَلى قَوْلِهِما في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ (يُنَزِّلُ) . قالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ، انْتَهى. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ جِبالٍ فِيها الَّتِي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّلُ بَرَدٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ البَرَدِ بَرَدٌ فَمَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) ﴿مِن جِبالٍ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ إلّا ولِأنَّ لِلِابْتِداءِ والأخِيرَةُ لِلتَّبْعِيضِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُنَزِّلُ البَرَدَ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها، انْتَهى. فَيَكُونُ ﴿مِن جِبالٍ﴾ بَدَلًا (مِنَ السَّماءِ) . وقِيلَ: (مِن) الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ زائِدَتانِ؛ وقالَهُ الأخْفَشُ، وهُما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالًا فِيها، أيْ: في السَّماءِ بَرَدًا، وبَرَدًا بَدَلٌ، أيْ: بَرَدَ جِبالٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما زائِدَتانِ أيْ جِبالًا فِيها بَرَدٌ لا حَصى فِيها ولا حَجَرٌ، أيْ يَجْتَمِعُ البَرَدُ فَيَصِيرُ كالجِبالِ عَلى التَّهْوِيلِ فَبَرَدٌ مُبْتَدَأٌ وفِيها خَبَرُهُ. والضَّمِيرُ في: (فِيها) عائِدٌ عَلى الجِبالِ أوْ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتُمِدَ بِكَوْنِهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ. وقِيلَ: (مِن) الأُولى والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّالِثَةُ زائِدَةٌ أيْ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالِ السَّماءِ بَرَدًا. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ بَرَدٌ فِيها، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمٌ في يَدِي مِن حَدِيدٍ، أيْ خاتَمُ حَدِيدٍ في يَدِي، وإنَّما جِئْتَ في هَذا وفي الآيَةِ بِمِن لَمّا فَرَّقْتَ؛ ولِأنَّكَ إذا (p-٤٦٥)قُلْتَ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ كانَ المَعْنى واحِدًا، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ، كَما كانَ (مِن) في ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] صِفَةً لِخاتَمٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَكُونُ مَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) هو ﴿مِن جِبالٍ﴾، وإذا كانَتِ الجِبالُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُنَزَّلُ بَرَدًا. والظّاهِرُ إعادَةُ الضَّمِيرِ في (بِهِ) عَلى البَرَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ الوَدْقُ والبَرَدُ، وجَرى في ذَلِكَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ. وكَأنَّهُ قالَ: فَيُصِيبُ بِذَلِكَ، والمَطَرُ هو أعَمُّ وأغْلَبُ في الإصابَةِ، والصَّرْفُ أبْلَغُ في المَنفَعَةِ والِامْتِنانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَنا﴾ مَقْصُورًا ﴿بَرْقِهِ﴾ مُفْرَدًا. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (سَناءَ) مَمْدُودًا ﴿بُرَقِهِ﴾ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الرّاءِ، جَمْعُ بُرْقَةٍ بِضَمِّ الباءِ، وهي المِقْدارُ مِنَ البَرْقِ كالغُرْفَةِ واللُّقْمَةِ، وعَنْهُ بِضَمِّ الباءِ والرّاءِ أتْبَعَ حَرَكَةَ الرّاءِ لِحَرَكَةِ الباءِ كَما أُتْبِعَتْ في (ظُلُماتٌ)، وأصْلُها السُّكُونُ. والسَّناءُ بِالمَدِّ ارْتِفاعُ الشَّأْنِ كَأنَّهُ شَبَّهَ المَحْسُوسَ مِنَ البَرْقِ؛ لِارْتِفاعِهِ في الهَواءِ بِغَيْرِ المَحْسُوسِ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ ذَلِكَ صَيِّبٌ لا يُحِسُّ بِهِ بَصَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَذْهَبُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿يُذْهِبُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وذَهَبُ الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ إلى تَخْطِئَةِ أبِي جَعْفَرٍ في هَذِهِ القِراءَةِ قالا: لِأنَّ الياءَ تُعاقِبُ الهَمْزَةَ، ولَيْسَ بِصَوابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَقْرَأ إلّا بِما رُوِيَ. وقَدْ أخَذَ القِراءَةَ عَنْ ساداتِ التّابِعِينَ الآخِذِينَ عَنْ جِلَّةِ الصَّحابَةِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، ولَمْ يَنْفَرِدْ بِها أبُو جَعْفَرٍ بَلْ قَرَأهُ شَيْبَةُ كَذَلِكَ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى زِيادَةِ الباءِ أيْ يُذْهِبُ الأبْصارَ. وعَلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى مِن، والمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ يُذْهِبُ النُّورَ مِنَ الأبْصارِ، كَما قالَ: ؎شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ يُرِيدُ مِن بَرَدٍ. وتَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتانِ، أحَدُهُما بَعْدَ الآخَرِ، أوْ زِيادَةُ هَذا وعَكْسُهُ، أوْ يُغَيِّرُ النَّهارَ بِظُلْمَةِ السَّحابِ مَرَّةً وضَوْءِ الشَّمْسِ أُخْرى، ويُغَيِّرُ اللَّيْلَ بِاشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ مَرَّةً وضَوْءِ القَمَرِ أُخْرى، أوْ بِاخْتِلافِ ما يُقَدَّرُ فِيهِما مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ والشِّدَّةِ والنِّعْمَةِ والأمْنِ ومُقابِلاتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، إنَّ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، مِن تَسْبِيحٍ مِن ذِكْرٍ وتَسْخِيرِ السَّحابِ، وما يُحْدِثُهُ تَعالى فِيهِ مِن أفْعالِهِ حَتّى يُنْزِلَ المَطَرَ فَيُقَسِّمَ رَحْمَتَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وإراءَتِهِمُ البَرْقَ في السَّحابِ الَّذِي يَكادُ يَخْطَفُ الأبْصارَ ويُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. (لَعِبْرَةً) أيِ اتِّعاظًا. وخُصَّ أُولُو الأبْصارِ بِالِاتِّعاظِ؛ لِأنَّ البَصَرَ والبَصِيرَةَ إذا اسْتُعْمِلا وصَلا إلى إدْراكِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] . وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلَقَ) فِعْلًا ماضِيًا. (كُلَّ) نَصْبٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ خالِقُ اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ إلى (كُلِّ) . والدّابَّةُ: ما يُحَرِّكُ أمامَهُ قَدَمًا ويَدْخُلُ فِيهِ الطَّيْرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ والحُوتُ، وفي الحَدِيثِ: ”دابَّةٌ مِنَ البَحْرِ مِثْلُ الظَّرِبِ“ . وانْدَرَجَ في ﴿كُلَّ دابَّةٍ﴾ المُمَيِّزُ وغَيْرُهُ، فَسَهُلَ التَّفْصِيلُ بِمَنِ الَّتِي لِمَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ إذا كانَ مُنْدَرِجًا في العامِّ، فَحَكَمَ لَهُ بِحُكْمِهِ كَأنَّ الدَّوابَّ كُلَّهم مُمَيِّزُونَ. والظّاهِرُ أنَّ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَ. و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيِ ابْتَدَأ خَلْقَها مِنَ الماءِ. فَقِيلَ: لَمّا كانَ غالِبُ الحَيَوانِ مَخْلُوقًا مِنَ الماءِ لِتَوَلُّدِهِ مِنَ النُّطْفَةِ أوْ لِكَوْنِهِ لا يَعِيشُ إلّا بِالماءِ، أطْلَقَ لَفْظَ (كُلَّ)؛ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ العامِّ، ويَخْرُجُ عَمّا خُلِقَ مِن ماءٍ ما خُلِقَ مِن نُورٍ وهُمُ المَلائِكَةُ، ومِن نارٍ وهُمُ الجِنُّ، ومِن تُرابٍ وهو آدَمُ. وخُلِقَ عِيسى مِنَ الرُّوحِ وكَثِيرٌ مِنَ الحَيَوانِ لا يَتَوَلَّدُ مِن نُطْفَةٍ. وقِيلَ (كُلَّ دابَّةٍ) عَلى العُمُومِ في هَذِهِ الأشْياءِ كُلِّها، وإنَّ أصْلَ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الماءُ، فَرُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ مِن ذَلِكَ الماءِ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ أصْلِ الخِلْقَةِ، وكانَ الأصْلُ الأوَّلُ هو الماءَ قالَ: ﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ . وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَ، وإنَّما هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ دابَّةٍ، فالمَعْنى الإخْبارُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ، أيْ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعالى. ونُكِّرَ الماءُ هُنا وعُرِّفَ في ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]؛ لِأنَّ المَعْنى هُنا (p-٤٦٦)﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ مِن نَوْعٍ مِنَ الماءِ مُخْتَصٍّ بِهَذِهِ الدّابَّةِ، أوْ (مِن ماءٍ) مَخْصُوصٍ وهو النُّطْفَةُ، ثُمَّ خالَفَ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ مِنَ النُّطْفَةِ هَوامَّ وبَهائِمَ وناسٍ، كَما قالَ: (تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ)، وهُنا قَصَدَ أنَّ أجْناسَ الحَيَوانِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو جِنْسُ الماءِ، وذَلِكَ أنَّهُ هو الأصْلُ وإنْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَها وبَيْنَهُ وسائِطُ، كَما قِيلَ: إنَّ أصْلَ النُّورِ والنّارِ والتُّرابِ الماءُ. وسُمِّيَ الزَّحْفُ عَلى البَطْنِ مَشْيًا؛ لِمُشاكَلَتِهِ ما بَعْدَهُ مِن ذِكْرِ الماشِينَ أوِ اسْتِعارَةً، كَما قالُوا: قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ وما يَتَمَشّى لِفُلانٍ أمْرٌ، كَما اسْتَعارُوا المُشَفَّرَ لِلشَّفَةِ والشَّفَةَ لِلْجَحْفَلَةِ. والماشِي ﴿عَلى بَطْنِهِ﴾ الحَيّاتُ والحُوتُ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الدُّودِ وغَيْرِهِ. و﴿عَلى رِجْلَيْنِ﴾ الإنْسانُ والطَّيْرُ والأرْبَعُ لِسائِرِ حَيَوانِ الأرْضِ مِنَ البَهائِمِ وغَيْرِها، فَإنْ وُجِدَ مَن لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ. فَقِيلَ: اعْتِمادُهُ إنَّما هو عَلى أرْبَعٍ ولا يَفْتَقِرُ في مَشْيِهِ إلى جَمِيعِها، وقَدَّمَ ما هو أعْرَفُ في القُدْرَةِ وأعْجَبُ، وهو الماشِي بِغَيْرِ آلَةٍ مَشْيَ مَن لَهُ رِجْلٌ وقَوائِمُ، ثُمَّ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ ثُمَّ الماشِي عَلى أرْبَعٍ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ، فَعَمَّ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ جَمِيعَ الحَيَوانِ لَكِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ قُرْآنًا، ولَعَلَّهُ ما أوْرَدَهُ مَوْرِدَ قُرْآنٍ بَلْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ: كالعَنْكَبُوتِ، والعَقْرَبِ، والرُّتَيْلاءِ، وذِي أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ رِجْلًا، وتُسَمّى الأُذُنَ وهَذا النَّوْعُ لِنُدُورِهِ لَمْ يُذْكَرْ. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَةُ خَلْقِهِ أنْشَأهُ واخْتَرَعَهُ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى كَثْرَةِ الحَيَوانِ وأنَّها كَما اخْتَلَفَتْ بِكَيْفِيَّةِ المَشْيِ اخْتَلَفَتْ بِأُمُورٍ أُخَرَ.

النور 24:42

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَثَلَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وأنَّ الإيمانَ والضَّلالَ أمْرُهُما راجِعٌ إلَيْهِ، أعْقَبَ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، والظّاهِرُ حَمْلُ التَّسْبِيحِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتَخْصِيصُ (مَن) في قَوْلِهِ: ”ومَن في الأرْضِ“ بِالمُطِيعِ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الثَّقَلَيْنِ. وقِيلَ: (مَن) عامٌّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ غَلَبَ مَن يَعْقِلُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، فَأُدْرِجُ ما لا يَعْقِلُ فِيهِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ دَلالَتُهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ مَوْصُوفًا بِنُعُوتِ الكَمالِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ التَّعْظِيمُ، فَمِن ذِي الدِّينِ بِالنُّطْقِ والصَّلاةِ، ومِن غَيْرِهِمْ مِن مُكَلَّفٍ وجَمادٍ بِالدَّلالَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُما، وهو التَّعْظِيمُ. وقالَ سُفْيانُ: تَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ بِطاعَتِهِ وانْقِيادِهِ. ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ أيْ: صَفَّتْ أجْنِحَتَها في الهَواءِ لِلطَّيَرانِ، وإنَّما خَصَّ الطَّيْرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها تَكُونُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ إذا طارَتْ فَهي خارِجَةٌ مِن جُمْلَةِ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالَةَ طَيَرانِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والطَّيْرُ) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (مَن)، و(صافّاتٍ) نُصِبَ عَلى الحالِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (والطَّيْرَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وخارِجَةُ، عَنْ نافِعٍ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٌ﴾ بِرَفْعِهِما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ يُسَبِّحْنَ. قِيلَ: وتَسْبِيحُ الطَّيْرِ حَقِيقِيٌّ؛ قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَ اللَّهُ الطَّيْرَ دُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ كَما ألْهَمَها سائِرَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي لا يَكادُ العُقَلاءُ يَهْتَدُونَ إلَيْها. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: هو تَجَوُّزٌ إنَّما تَسْبِيحُهُ ظُهُورُ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَهو لِذَلِكَ يَدْعُو إلى التَّسْبِيحِ. (كُلٌّ) أيْ كُلٌّ مِمَّنْ ذَكَرَ، فَيَشْمَلُ الطَّيْرَ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ المُسْتَكِنَّ في: (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ عائِدٌ عَلى (كُلٌّ)، وقالَهُ الحَسَنُ قالَ: فَهو مُثابِرٌ عَلَيْهِما يُؤَدِّيهِما. وقالَ الزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِـ (كُلٌّ) . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) لِـ (كُلٌّ)، وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِلَّهِ، أيْ: صَلاةَ اللَّهِ وتَسْبِيحَهُ اللَّذَيْنِ أمَرَ بِهِما وهَدى إلَيْهِما، فَهَذِهِ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّلاةُ لِلْبَشَرِ (p-٤٦٤)والتَّسْبِيحُ لِما عَداهم. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وسَلّامٌ وهارُونُ، عَنْ أبِي عُمَرَ: (وتَفْعَلُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ، وفِيهِ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. و﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إخْبارٌ بِأنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَحْتَ مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ بِما يَشاءُ تَصَرُّفَ القاهِرِ الغالِبِ. وإلَيْهِ (المَصِيرُ) أيْ إلى جَزائِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ وتَخْوِيفٌ. ولَمّا ذَكَرَ انْقِيادَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرِ إلَيْهِ - تَعالى -، وذَكَرَ مِلْكَهُ لِهَذا العالَمِ وصَيْرُورَتَهم إلَيْهِ، أكَّدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ عَجِيبٍ مِن أفْعالِهِ، مُشْعِرٍ بِانْتِقالٍ مِن حالٍ إلى حالٍ. وكانَ عَقِبَ قَوْلِهِ: ”وإلَيْهِ المَصِيرُ“ فَأعْلَمَ بِانْتِقالٍ إلى المَعادِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى تَصَرُّفِهِ في نَقْلِ الأشْياءِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومَعْنى (يُزْجِي) يَسُوقُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويُسْتَعْمَلُ في سَوْقِ الثَّقِيلِ بِرِفْقٍ كالسَّحابِ والإبِلِ، والسَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ سَحابَةٌ، والمَعْنى يَسُوقُ سَحابَةً إلى سَحابَةٍ. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أيْ بَيْنَ أجْزائِهِ؛ لِأنَّهُ سَحابَةٌ تَتَّصِلُ بِسَحابَةٍ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُلْتَئِمًا بِتَأْلِيفِ بَعْضٍ إلى بَعْضٍ. وقَرَأ ورْشٌ: (يُوَلِّفُ)، بِالواوِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وهو الأصْلُ. (فَيَجْعَلُهُ رُكامًا) أيْ مُتَكاثِفًا، يَجْعَلُ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، وانْعِصارَهُ بِذَلِكَ، ﴿مِن خِلالِهِ﴾ أيْ فُتُوقِهِ ومَخارِجِهِ الَّتِي حَدَثَتْ بِالتَّراكُمِ والِانْعِصارِ. والخِلالُ: قِيلَ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ وجَبَلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُعاذٌ العَنْبَرِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو والزَّعْفَرانِيِّ: (مِن خَلَلِهِ)، بِالإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّ في السَّماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، خَلَقَها اللَّهُ كَما خَلَقَ في الأرْضِ جِبالًا مِن حَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿جِبالٍ﴾ مَجازٌ عَنِ الكَثْرَةِ لا أنَّ في السَّماءِ جِبالًا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَمْلِكُ جِبالًا مِن ذَهَبٍ، وعِنْدَهُ جِبالٌ مِنَ العِلْمِ؛ يُرِيدُ الكَثْرَةَ. قِيلَ: أوْ هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ. والسَّماءُ السَّحابُ، أيْ (مِنَ السَّماءِ) الَّتِي هي جِبالٌ أيْ كَجِبالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ، فَجَعَلَ السَّماءَ هو السَّحابَ المُرْتَفِعَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُمُوِّهِ وارْتِفاعِهِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: المُرادُ بِالسَّماءِ الجِسْمُ الأزْرَقُ المَخْصُوصُ، وهو المُتَبادَرُ لِلذِّهْنِ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ الجِبالَ في الكَثْرَةِ مَجازًا قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎إذا مُتُّ عَنْ ذِكْرِ القَوافِي فَلَنْ تَرى لَها شاعِرًا مِنِّي أطَبَّ وأشْعَرا ؎وأكْثَرَ بَيْتًا شاعِرًا ضُرِبَتْ لَهُ ∗∗∗ بُطُونُ جِبالِ الشِّعْرِ حَتّى تَيَسَّرا واتَّفَقُوا عَلى أنَّ (مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ. وأمّا ﴿مِن جِبالٍ﴾ . فَقالَ الحَوْفِيُّ: هي بَدَلٌ مِنَ (السَّماءِ)، ثُمَّ قالَ: وهي لِلتَّبْعِيضِ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ فِيما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وإذا كانَتِ الثّانِيَةُ بَدَلًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مِثْلُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لَوْ قُلْتَ: خَرَجْتُ مِن بَغْدادَ مِنَ الكَرْخِ لَزِمَ أنْ يَكُونا مَعًا لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: هي لِلتَّبْعِيضِ فَيَكُونُ عَلى قَوْلِهِما في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ (يُنَزِّلُ) . قالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ، انْتَهى. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ جِبالٍ فِيها الَّتِي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّلُ بَرَدٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ البَرَدِ بَرَدٌ فَمَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) ﴿مِن جِبالٍ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ إلّا ولِأنَّ لِلِابْتِداءِ والأخِيرَةُ لِلتَّبْعِيضِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُنَزِّلُ البَرَدَ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها، انْتَهى. فَيَكُونُ ﴿مِن جِبالٍ﴾ بَدَلًا (مِنَ السَّماءِ) . وقِيلَ: (مِن) الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ زائِدَتانِ؛ وقالَهُ الأخْفَشُ، وهُما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالًا فِيها، أيْ: في السَّماءِ بَرَدًا، وبَرَدًا بَدَلٌ، أيْ: بَرَدَ جِبالٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما زائِدَتانِ أيْ جِبالًا فِيها بَرَدٌ لا حَصى فِيها ولا حَجَرٌ، أيْ يَجْتَمِعُ البَرَدُ فَيَصِيرُ كالجِبالِ عَلى التَّهْوِيلِ فَبَرَدٌ مُبْتَدَأٌ وفِيها خَبَرُهُ. والضَّمِيرُ في: (فِيها) عائِدٌ عَلى الجِبالِ أوْ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتُمِدَ بِكَوْنِهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ. وقِيلَ: (مِن) الأُولى والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّالِثَةُ زائِدَةٌ أيْ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالِ السَّماءِ بَرَدًا. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ بَرَدٌ فِيها، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمٌ في يَدِي مِن حَدِيدٍ، أيْ خاتَمُ حَدِيدٍ في يَدِي، وإنَّما جِئْتَ في هَذا وفي الآيَةِ بِمِن لَمّا فَرَّقْتَ؛ ولِأنَّكَ إذا (p-٤٦٥)قُلْتَ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ كانَ المَعْنى واحِدًا، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ، كَما كانَ (مِن) في ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] صِفَةً لِخاتَمٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَكُونُ مَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) هو ﴿مِن جِبالٍ﴾، وإذا كانَتِ الجِبالُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُنَزَّلُ بَرَدًا. والظّاهِرُ إعادَةُ الضَّمِيرِ في (بِهِ) عَلى البَرَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ الوَدْقُ والبَرَدُ، وجَرى في ذَلِكَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ. وكَأنَّهُ قالَ: فَيُصِيبُ بِذَلِكَ، والمَطَرُ هو أعَمُّ وأغْلَبُ في الإصابَةِ، والصَّرْفُ أبْلَغُ في المَنفَعَةِ والِامْتِنانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَنا﴾ مَقْصُورًا ﴿بَرْقِهِ﴾ مُفْرَدًا. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (سَناءَ) مَمْدُودًا ﴿بُرَقِهِ﴾ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الرّاءِ، جَمْعُ بُرْقَةٍ بِضَمِّ الباءِ، وهي المِقْدارُ مِنَ البَرْقِ كالغُرْفَةِ واللُّقْمَةِ، وعَنْهُ بِضَمِّ الباءِ والرّاءِ أتْبَعَ حَرَكَةَ الرّاءِ لِحَرَكَةِ الباءِ كَما أُتْبِعَتْ في (ظُلُماتٌ)، وأصْلُها السُّكُونُ. والسَّناءُ بِالمَدِّ ارْتِفاعُ الشَّأْنِ كَأنَّهُ شَبَّهَ المَحْسُوسَ مِنَ البَرْقِ؛ لِارْتِفاعِهِ في الهَواءِ بِغَيْرِ المَحْسُوسِ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ ذَلِكَ صَيِّبٌ لا يُحِسُّ بِهِ بَصَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَذْهَبُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿يُذْهِبُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وذَهَبُ الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ إلى تَخْطِئَةِ أبِي جَعْفَرٍ في هَذِهِ القِراءَةِ قالا: لِأنَّ الياءَ تُعاقِبُ الهَمْزَةَ، ولَيْسَ بِصَوابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَقْرَأ إلّا بِما رُوِيَ. وقَدْ أخَذَ القِراءَةَ عَنْ ساداتِ التّابِعِينَ الآخِذِينَ عَنْ جِلَّةِ الصَّحابَةِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، ولَمْ يَنْفَرِدْ بِها أبُو جَعْفَرٍ بَلْ قَرَأهُ شَيْبَةُ كَذَلِكَ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى زِيادَةِ الباءِ أيْ يُذْهِبُ الأبْصارَ. وعَلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى مِن، والمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ يُذْهِبُ النُّورَ مِنَ الأبْصارِ، كَما قالَ: ؎شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ يُرِيدُ مِن بَرَدٍ. وتَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتانِ، أحَدُهُما بَعْدَ الآخَرِ، أوْ زِيادَةُ هَذا وعَكْسُهُ، أوْ يُغَيِّرُ النَّهارَ بِظُلْمَةِ السَّحابِ مَرَّةً وضَوْءِ الشَّمْسِ أُخْرى، ويُغَيِّرُ اللَّيْلَ بِاشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ مَرَّةً وضَوْءِ القَمَرِ أُخْرى، أوْ بِاخْتِلافِ ما يُقَدَّرُ فِيهِما مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ والشِّدَّةِ والنِّعْمَةِ والأمْنِ ومُقابِلاتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، إنَّ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، مِن تَسْبِيحٍ مِن ذِكْرٍ وتَسْخِيرِ السَّحابِ، وما يُحْدِثُهُ تَعالى فِيهِ مِن أفْعالِهِ حَتّى يُنْزِلَ المَطَرَ فَيُقَسِّمَ رَحْمَتَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وإراءَتِهِمُ البَرْقَ في السَّحابِ الَّذِي يَكادُ يَخْطَفُ الأبْصارَ ويُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. (لَعِبْرَةً) أيِ اتِّعاظًا. وخُصَّ أُولُو الأبْصارِ بِالِاتِّعاظِ؛ لِأنَّ البَصَرَ والبَصِيرَةَ إذا اسْتُعْمِلا وصَلا إلى إدْراكِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] . وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلَقَ) فِعْلًا ماضِيًا. (كُلَّ) نَصْبٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ خالِقُ اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ إلى (كُلِّ) . والدّابَّةُ: ما يُحَرِّكُ أمامَهُ قَدَمًا ويَدْخُلُ فِيهِ الطَّيْرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ والحُوتُ، وفي الحَدِيثِ: ”دابَّةٌ مِنَ البَحْرِ مِثْلُ الظَّرِبِ“ . وانْدَرَجَ في ﴿كُلَّ دابَّةٍ﴾ المُمَيِّزُ وغَيْرُهُ، فَسَهُلَ التَّفْصِيلُ بِمَنِ الَّتِي لِمَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ إذا كانَ مُنْدَرِجًا في العامِّ، فَحَكَمَ لَهُ بِحُكْمِهِ كَأنَّ الدَّوابَّ كُلَّهم مُمَيِّزُونَ. والظّاهِرُ أنَّ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَ. و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيِ ابْتَدَأ خَلْقَها مِنَ الماءِ. فَقِيلَ: لَمّا كانَ غالِبُ الحَيَوانِ مَخْلُوقًا مِنَ الماءِ لِتَوَلُّدِهِ مِنَ النُّطْفَةِ أوْ لِكَوْنِهِ لا يَعِيشُ إلّا بِالماءِ، أطْلَقَ لَفْظَ (كُلَّ)؛ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ العامِّ، ويَخْرُجُ عَمّا خُلِقَ مِن ماءٍ ما خُلِقَ مِن نُورٍ وهُمُ المَلائِكَةُ، ومِن نارٍ وهُمُ الجِنُّ، ومِن تُرابٍ وهو آدَمُ. وخُلِقَ عِيسى مِنَ الرُّوحِ وكَثِيرٌ مِنَ الحَيَوانِ لا يَتَوَلَّدُ مِن نُطْفَةٍ. وقِيلَ (كُلَّ دابَّةٍ) عَلى العُمُومِ في هَذِهِ الأشْياءِ كُلِّها، وإنَّ أصْلَ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الماءُ، فَرُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ مِن ذَلِكَ الماءِ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ أصْلِ الخِلْقَةِ، وكانَ الأصْلُ الأوَّلُ هو الماءَ قالَ: ﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ . وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَ، وإنَّما هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ دابَّةٍ، فالمَعْنى الإخْبارُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ، أيْ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعالى. ونُكِّرَ الماءُ هُنا وعُرِّفَ في ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]؛ لِأنَّ المَعْنى هُنا (p-٤٦٦)﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ مِن نَوْعٍ مِنَ الماءِ مُخْتَصٍّ بِهَذِهِ الدّابَّةِ، أوْ (مِن ماءٍ) مَخْصُوصٍ وهو النُّطْفَةُ، ثُمَّ خالَفَ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ مِنَ النُّطْفَةِ هَوامَّ وبَهائِمَ وناسٍ، كَما قالَ: (تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ)، وهُنا قَصَدَ أنَّ أجْناسَ الحَيَوانِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو جِنْسُ الماءِ، وذَلِكَ أنَّهُ هو الأصْلُ وإنْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَها وبَيْنَهُ وسائِطُ، كَما قِيلَ: إنَّ أصْلَ النُّورِ والنّارِ والتُّرابِ الماءُ. وسُمِّيَ الزَّحْفُ عَلى البَطْنِ مَشْيًا؛ لِمُشاكَلَتِهِ ما بَعْدَهُ مِن ذِكْرِ الماشِينَ أوِ اسْتِعارَةً، كَما قالُوا: قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ وما يَتَمَشّى لِفُلانٍ أمْرٌ، كَما اسْتَعارُوا المُشَفَّرَ لِلشَّفَةِ والشَّفَةَ لِلْجَحْفَلَةِ. والماشِي ﴿عَلى بَطْنِهِ﴾ الحَيّاتُ والحُوتُ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الدُّودِ وغَيْرِهِ. و﴿عَلى رِجْلَيْنِ﴾ الإنْسانُ والطَّيْرُ والأرْبَعُ لِسائِرِ حَيَوانِ الأرْضِ مِنَ البَهائِمِ وغَيْرِها، فَإنْ وُجِدَ مَن لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ. فَقِيلَ: اعْتِمادُهُ إنَّما هو عَلى أرْبَعٍ ولا يَفْتَقِرُ في مَشْيِهِ إلى جَمِيعِها، وقَدَّمَ ما هو أعْرَفُ في القُدْرَةِ وأعْجَبُ، وهو الماشِي بِغَيْرِ آلَةٍ مَشْيَ مَن لَهُ رِجْلٌ وقَوائِمُ، ثُمَّ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ ثُمَّ الماشِي عَلى أرْبَعٍ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ، فَعَمَّ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ جَمِيعَ الحَيَوانِ لَكِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ قُرْآنًا، ولَعَلَّهُ ما أوْرَدَهُ مَوْرِدَ قُرْآنٍ بَلْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ: كالعَنْكَبُوتِ، والعَقْرَبِ، والرُّتَيْلاءِ، وذِي أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ رِجْلًا، وتُسَمّى الأُذُنَ وهَذا النَّوْعُ لِنُدُورِهِ لَمْ يُذْكَرْ. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَةُ خَلْقِهِ أنْشَأهُ واخْتَرَعَهُ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى كَثْرَةِ الحَيَوانِ وأنَّها كَما اخْتَلَفَتْ بِكَيْفِيَّةِ المَشْيِ اخْتَلَفَتْ بِأُمُورٍ أُخَرَ.

النور 24:43

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَثَلَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وأنَّ الإيمانَ والضَّلالَ أمْرُهُما راجِعٌ إلَيْهِ، أعْقَبَ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، والظّاهِرُ حَمْلُ التَّسْبِيحِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتَخْصِيصُ (مَن) في قَوْلِهِ: ”ومَن في الأرْضِ“ بِالمُطِيعِ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الثَّقَلَيْنِ. وقِيلَ: (مَن) عامٌّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ غَلَبَ مَن يَعْقِلُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، فَأُدْرِجُ ما لا يَعْقِلُ فِيهِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ دَلالَتُهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ مَوْصُوفًا بِنُعُوتِ الكَمالِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ التَّعْظِيمُ، فَمِن ذِي الدِّينِ بِالنُّطْقِ والصَّلاةِ، ومِن غَيْرِهِمْ مِن مُكَلَّفٍ وجَمادٍ بِالدَّلالَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُما، وهو التَّعْظِيمُ. وقالَ سُفْيانُ: تَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ بِطاعَتِهِ وانْقِيادِهِ. ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ أيْ: صَفَّتْ أجْنِحَتَها في الهَواءِ لِلطَّيَرانِ، وإنَّما خَصَّ الطَّيْرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها تَكُونُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ إذا طارَتْ فَهي خارِجَةٌ مِن جُمْلَةِ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالَةَ طَيَرانِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والطَّيْرُ) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (مَن)، و(صافّاتٍ) نُصِبَ عَلى الحالِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (والطَّيْرَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وخارِجَةُ، عَنْ نافِعٍ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٌ﴾ بِرَفْعِهِما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ يُسَبِّحْنَ. قِيلَ: وتَسْبِيحُ الطَّيْرِ حَقِيقِيٌّ؛ قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَ اللَّهُ الطَّيْرَ دُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ كَما ألْهَمَها سائِرَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي لا يَكادُ العُقَلاءُ يَهْتَدُونَ إلَيْها. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: هو تَجَوُّزٌ إنَّما تَسْبِيحُهُ ظُهُورُ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَهو لِذَلِكَ يَدْعُو إلى التَّسْبِيحِ. (كُلٌّ) أيْ كُلٌّ مِمَّنْ ذَكَرَ، فَيَشْمَلُ الطَّيْرَ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ المُسْتَكِنَّ في: (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ عائِدٌ عَلى (كُلٌّ)، وقالَهُ الحَسَنُ قالَ: فَهو مُثابِرٌ عَلَيْهِما يُؤَدِّيهِما. وقالَ الزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِـ (كُلٌّ) . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) لِـ (كُلٌّ)، وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِلَّهِ، أيْ: صَلاةَ اللَّهِ وتَسْبِيحَهُ اللَّذَيْنِ أمَرَ بِهِما وهَدى إلَيْهِما، فَهَذِهِ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّلاةُ لِلْبَشَرِ (p-٤٦٤)والتَّسْبِيحُ لِما عَداهم. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وسَلّامٌ وهارُونُ، عَنْ أبِي عُمَرَ: (وتَفْعَلُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ، وفِيهِ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. و﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إخْبارٌ بِأنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَحْتَ مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ بِما يَشاءُ تَصَرُّفَ القاهِرِ الغالِبِ. وإلَيْهِ (المَصِيرُ) أيْ إلى جَزائِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ وتَخْوِيفٌ. ولَمّا ذَكَرَ انْقِيادَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرِ إلَيْهِ - تَعالى -، وذَكَرَ مِلْكَهُ لِهَذا العالَمِ وصَيْرُورَتَهم إلَيْهِ، أكَّدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ عَجِيبٍ مِن أفْعالِهِ، مُشْعِرٍ بِانْتِقالٍ مِن حالٍ إلى حالٍ. وكانَ عَقِبَ قَوْلِهِ: ”وإلَيْهِ المَصِيرُ“ فَأعْلَمَ بِانْتِقالٍ إلى المَعادِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى تَصَرُّفِهِ في نَقْلِ الأشْياءِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومَعْنى (يُزْجِي) يَسُوقُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويُسْتَعْمَلُ في سَوْقِ الثَّقِيلِ بِرِفْقٍ كالسَّحابِ والإبِلِ، والسَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ سَحابَةٌ، والمَعْنى يَسُوقُ سَحابَةً إلى سَحابَةٍ. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أيْ بَيْنَ أجْزائِهِ؛ لِأنَّهُ سَحابَةٌ تَتَّصِلُ بِسَحابَةٍ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُلْتَئِمًا بِتَأْلِيفِ بَعْضٍ إلى بَعْضٍ. وقَرَأ ورْشٌ: (يُوَلِّفُ)، بِالواوِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وهو الأصْلُ. (فَيَجْعَلُهُ رُكامًا) أيْ مُتَكاثِفًا، يَجْعَلُ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، وانْعِصارَهُ بِذَلِكَ، ﴿مِن خِلالِهِ﴾ أيْ فُتُوقِهِ ومَخارِجِهِ الَّتِي حَدَثَتْ بِالتَّراكُمِ والِانْعِصارِ. والخِلالُ: قِيلَ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ وجَبَلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُعاذٌ العَنْبَرِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو والزَّعْفَرانِيِّ: (مِن خَلَلِهِ)، بِالإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّ في السَّماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، خَلَقَها اللَّهُ كَما خَلَقَ في الأرْضِ جِبالًا مِن حَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿جِبالٍ﴾ مَجازٌ عَنِ الكَثْرَةِ لا أنَّ في السَّماءِ جِبالًا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَمْلِكُ جِبالًا مِن ذَهَبٍ، وعِنْدَهُ جِبالٌ مِنَ العِلْمِ؛ يُرِيدُ الكَثْرَةَ. قِيلَ: أوْ هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ. والسَّماءُ السَّحابُ، أيْ (مِنَ السَّماءِ) الَّتِي هي جِبالٌ أيْ كَجِبالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ، فَجَعَلَ السَّماءَ هو السَّحابَ المُرْتَفِعَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُمُوِّهِ وارْتِفاعِهِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: المُرادُ بِالسَّماءِ الجِسْمُ الأزْرَقُ المَخْصُوصُ، وهو المُتَبادَرُ لِلذِّهْنِ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ الجِبالَ في الكَثْرَةِ مَجازًا قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎إذا مُتُّ عَنْ ذِكْرِ القَوافِي فَلَنْ تَرى لَها شاعِرًا مِنِّي أطَبَّ وأشْعَرا ؎وأكْثَرَ بَيْتًا شاعِرًا ضُرِبَتْ لَهُ ∗∗∗ بُطُونُ جِبالِ الشِّعْرِ حَتّى تَيَسَّرا واتَّفَقُوا عَلى أنَّ (مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ. وأمّا ﴿مِن جِبالٍ﴾ . فَقالَ الحَوْفِيُّ: هي بَدَلٌ مِنَ (السَّماءِ)، ثُمَّ قالَ: وهي لِلتَّبْعِيضِ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ فِيما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وإذا كانَتِ الثّانِيَةُ بَدَلًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مِثْلُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لَوْ قُلْتَ: خَرَجْتُ مِن بَغْدادَ مِنَ الكَرْخِ لَزِمَ أنْ يَكُونا مَعًا لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: هي لِلتَّبْعِيضِ فَيَكُونُ عَلى قَوْلِهِما في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ (يُنَزِّلُ) . قالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ، انْتَهى. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ جِبالٍ فِيها الَّتِي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّلُ بَرَدٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ البَرَدِ بَرَدٌ فَمَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) ﴿مِن جِبالٍ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ إلّا ولِأنَّ لِلِابْتِداءِ والأخِيرَةُ لِلتَّبْعِيضِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُنَزِّلُ البَرَدَ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها، انْتَهى. فَيَكُونُ ﴿مِن جِبالٍ﴾ بَدَلًا (مِنَ السَّماءِ) . وقِيلَ: (مِن) الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ زائِدَتانِ؛ وقالَهُ الأخْفَشُ، وهُما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالًا فِيها، أيْ: في السَّماءِ بَرَدًا، وبَرَدًا بَدَلٌ، أيْ: بَرَدَ جِبالٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما زائِدَتانِ أيْ جِبالًا فِيها بَرَدٌ لا حَصى فِيها ولا حَجَرٌ، أيْ يَجْتَمِعُ البَرَدُ فَيَصِيرُ كالجِبالِ عَلى التَّهْوِيلِ فَبَرَدٌ مُبْتَدَأٌ وفِيها خَبَرُهُ. والضَّمِيرُ في: (فِيها) عائِدٌ عَلى الجِبالِ أوْ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتُمِدَ بِكَوْنِهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ. وقِيلَ: (مِن) الأُولى والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّالِثَةُ زائِدَةٌ أيْ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالِ السَّماءِ بَرَدًا. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ بَرَدٌ فِيها، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمٌ في يَدِي مِن حَدِيدٍ، أيْ خاتَمُ حَدِيدٍ في يَدِي، وإنَّما جِئْتَ في هَذا وفي الآيَةِ بِمِن لَمّا فَرَّقْتَ؛ ولِأنَّكَ إذا (p-٤٦٥)قُلْتَ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ كانَ المَعْنى واحِدًا، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ، كَما كانَ (مِن) في ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] صِفَةً لِخاتَمٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَكُونُ مَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) هو ﴿مِن جِبالٍ﴾، وإذا كانَتِ الجِبالُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُنَزَّلُ بَرَدًا. والظّاهِرُ إعادَةُ الضَّمِيرِ في (بِهِ) عَلى البَرَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ الوَدْقُ والبَرَدُ، وجَرى في ذَلِكَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ. وكَأنَّهُ قالَ: فَيُصِيبُ بِذَلِكَ، والمَطَرُ هو أعَمُّ وأغْلَبُ في الإصابَةِ، والصَّرْفُ أبْلَغُ في المَنفَعَةِ والِامْتِنانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَنا﴾ مَقْصُورًا ﴿بَرْقِهِ﴾ مُفْرَدًا. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (سَناءَ) مَمْدُودًا ﴿بُرَقِهِ﴾ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الرّاءِ، جَمْعُ بُرْقَةٍ بِضَمِّ الباءِ، وهي المِقْدارُ مِنَ البَرْقِ كالغُرْفَةِ واللُّقْمَةِ، وعَنْهُ بِضَمِّ الباءِ والرّاءِ أتْبَعَ حَرَكَةَ الرّاءِ لِحَرَكَةِ الباءِ كَما أُتْبِعَتْ في (ظُلُماتٌ)، وأصْلُها السُّكُونُ. والسَّناءُ بِالمَدِّ ارْتِفاعُ الشَّأْنِ كَأنَّهُ شَبَّهَ المَحْسُوسَ مِنَ البَرْقِ؛ لِارْتِفاعِهِ في الهَواءِ بِغَيْرِ المَحْسُوسِ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ ذَلِكَ صَيِّبٌ لا يُحِسُّ بِهِ بَصَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَذْهَبُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿يُذْهِبُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وذَهَبُ الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ إلى تَخْطِئَةِ أبِي جَعْفَرٍ في هَذِهِ القِراءَةِ قالا: لِأنَّ الياءَ تُعاقِبُ الهَمْزَةَ، ولَيْسَ بِصَوابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَقْرَأ إلّا بِما رُوِيَ. وقَدْ أخَذَ القِراءَةَ عَنْ ساداتِ التّابِعِينَ الآخِذِينَ عَنْ جِلَّةِ الصَّحابَةِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، ولَمْ يَنْفَرِدْ بِها أبُو جَعْفَرٍ بَلْ قَرَأهُ شَيْبَةُ كَذَلِكَ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى زِيادَةِ الباءِ أيْ يُذْهِبُ الأبْصارَ. وعَلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى مِن، والمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ يُذْهِبُ النُّورَ مِنَ الأبْصارِ، كَما قالَ: ؎شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ يُرِيدُ مِن بَرَدٍ. وتَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتانِ، أحَدُهُما بَعْدَ الآخَرِ، أوْ زِيادَةُ هَذا وعَكْسُهُ، أوْ يُغَيِّرُ النَّهارَ بِظُلْمَةِ السَّحابِ مَرَّةً وضَوْءِ الشَّمْسِ أُخْرى، ويُغَيِّرُ اللَّيْلَ بِاشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ مَرَّةً وضَوْءِ القَمَرِ أُخْرى، أوْ بِاخْتِلافِ ما يُقَدَّرُ فِيهِما مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ والشِّدَّةِ والنِّعْمَةِ والأمْنِ ومُقابِلاتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، إنَّ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، مِن تَسْبِيحٍ مِن ذِكْرٍ وتَسْخِيرِ السَّحابِ، وما يُحْدِثُهُ تَعالى فِيهِ مِن أفْعالِهِ حَتّى يُنْزِلَ المَطَرَ فَيُقَسِّمَ رَحْمَتَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وإراءَتِهِمُ البَرْقَ في السَّحابِ الَّذِي يَكادُ يَخْطَفُ الأبْصارَ ويُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. (لَعِبْرَةً) أيِ اتِّعاظًا. وخُصَّ أُولُو الأبْصارِ بِالِاتِّعاظِ؛ لِأنَّ البَصَرَ والبَصِيرَةَ إذا اسْتُعْمِلا وصَلا إلى إدْراكِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] . وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلَقَ) فِعْلًا ماضِيًا. (كُلَّ) نَصْبٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ خالِقُ اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ إلى (كُلِّ) . والدّابَّةُ: ما يُحَرِّكُ أمامَهُ قَدَمًا ويَدْخُلُ فِيهِ الطَّيْرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ والحُوتُ، وفي الحَدِيثِ: ”دابَّةٌ مِنَ البَحْرِ مِثْلُ الظَّرِبِ“ . وانْدَرَجَ في ﴿كُلَّ دابَّةٍ﴾ المُمَيِّزُ وغَيْرُهُ، فَسَهُلَ التَّفْصِيلُ بِمَنِ الَّتِي لِمَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ إذا كانَ مُنْدَرِجًا في العامِّ، فَحَكَمَ لَهُ بِحُكْمِهِ كَأنَّ الدَّوابَّ كُلَّهم مُمَيِّزُونَ. والظّاهِرُ أنَّ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَ. و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيِ ابْتَدَأ خَلْقَها مِنَ الماءِ. فَقِيلَ: لَمّا كانَ غالِبُ الحَيَوانِ مَخْلُوقًا مِنَ الماءِ لِتَوَلُّدِهِ مِنَ النُّطْفَةِ أوْ لِكَوْنِهِ لا يَعِيشُ إلّا بِالماءِ، أطْلَقَ لَفْظَ (كُلَّ)؛ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ العامِّ، ويَخْرُجُ عَمّا خُلِقَ مِن ماءٍ ما خُلِقَ مِن نُورٍ وهُمُ المَلائِكَةُ، ومِن نارٍ وهُمُ الجِنُّ، ومِن تُرابٍ وهو آدَمُ. وخُلِقَ عِيسى مِنَ الرُّوحِ وكَثِيرٌ مِنَ الحَيَوانِ لا يَتَوَلَّدُ مِن نُطْفَةٍ. وقِيلَ (كُلَّ دابَّةٍ) عَلى العُمُومِ في هَذِهِ الأشْياءِ كُلِّها، وإنَّ أصْلَ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الماءُ، فَرُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ مِن ذَلِكَ الماءِ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ أصْلِ الخِلْقَةِ، وكانَ الأصْلُ الأوَّلُ هو الماءَ قالَ: ﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ . وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَ، وإنَّما هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ دابَّةٍ، فالمَعْنى الإخْبارُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ، أيْ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعالى. ونُكِّرَ الماءُ هُنا وعُرِّفَ في ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]؛ لِأنَّ المَعْنى هُنا (p-٤٦٦)﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ مِن نَوْعٍ مِنَ الماءِ مُخْتَصٍّ بِهَذِهِ الدّابَّةِ، أوْ (مِن ماءٍ) مَخْصُوصٍ وهو النُّطْفَةُ، ثُمَّ خالَفَ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ مِنَ النُّطْفَةِ هَوامَّ وبَهائِمَ وناسٍ، كَما قالَ: (تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ)، وهُنا قَصَدَ أنَّ أجْناسَ الحَيَوانِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو جِنْسُ الماءِ، وذَلِكَ أنَّهُ هو الأصْلُ وإنْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَها وبَيْنَهُ وسائِطُ، كَما قِيلَ: إنَّ أصْلَ النُّورِ والنّارِ والتُّرابِ الماءُ. وسُمِّيَ الزَّحْفُ عَلى البَطْنِ مَشْيًا؛ لِمُشاكَلَتِهِ ما بَعْدَهُ مِن ذِكْرِ الماشِينَ أوِ اسْتِعارَةً، كَما قالُوا: قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ وما يَتَمَشّى لِفُلانٍ أمْرٌ، كَما اسْتَعارُوا المُشَفَّرَ لِلشَّفَةِ والشَّفَةَ لِلْجَحْفَلَةِ. والماشِي ﴿عَلى بَطْنِهِ﴾ الحَيّاتُ والحُوتُ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الدُّودِ وغَيْرِهِ. و﴿عَلى رِجْلَيْنِ﴾ الإنْسانُ والطَّيْرُ والأرْبَعُ لِسائِرِ حَيَوانِ الأرْضِ مِنَ البَهائِمِ وغَيْرِها، فَإنْ وُجِدَ مَن لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ. فَقِيلَ: اعْتِمادُهُ إنَّما هو عَلى أرْبَعٍ ولا يَفْتَقِرُ في مَشْيِهِ إلى جَمِيعِها، وقَدَّمَ ما هو أعْرَفُ في القُدْرَةِ وأعْجَبُ، وهو الماشِي بِغَيْرِ آلَةٍ مَشْيَ مَن لَهُ رِجْلٌ وقَوائِمُ، ثُمَّ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ ثُمَّ الماشِي عَلى أرْبَعٍ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ، فَعَمَّ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ جَمِيعَ الحَيَوانِ لَكِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ قُرْآنًا، ولَعَلَّهُ ما أوْرَدَهُ مَوْرِدَ قُرْآنٍ بَلْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ: كالعَنْكَبُوتِ، والعَقْرَبِ، والرُّتَيْلاءِ، وذِي أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ رِجْلًا، وتُسَمّى الأُذُنَ وهَذا النَّوْعُ لِنُدُورِهِ لَمْ يُذْكَرْ. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَةُ خَلْقِهِ أنْشَأهُ واخْتَرَعَهُ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى كَثْرَةِ الحَيَوانِ وأنَّها كَما اخْتَلَفَتْ بِكَيْفِيَّةِ المَشْيِ اخْتَلَفَتْ بِأُمُورٍ أُخَرَ.

النور 24:44

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَثَلَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وأنَّ الإيمانَ والضَّلالَ أمْرُهُما راجِعٌ إلَيْهِ، أعْقَبَ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، والظّاهِرُ حَمْلُ التَّسْبِيحِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتَخْصِيصُ (مَن) في قَوْلِهِ: ”ومَن في الأرْضِ“ بِالمُطِيعِ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الثَّقَلَيْنِ. وقِيلَ: (مَن) عامٌّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ غَلَبَ مَن يَعْقِلُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، فَأُدْرِجُ ما لا يَعْقِلُ فِيهِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ دَلالَتُهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ مَوْصُوفًا بِنُعُوتِ الكَمالِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ التَّعْظِيمُ، فَمِن ذِي الدِّينِ بِالنُّطْقِ والصَّلاةِ، ومِن غَيْرِهِمْ مِن مُكَلَّفٍ وجَمادٍ بِالدَّلالَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُما، وهو التَّعْظِيمُ. وقالَ سُفْيانُ: تَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ بِطاعَتِهِ وانْقِيادِهِ. ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ أيْ: صَفَّتْ أجْنِحَتَها في الهَواءِ لِلطَّيَرانِ، وإنَّما خَصَّ الطَّيْرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها تَكُونُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ إذا طارَتْ فَهي خارِجَةٌ مِن جُمْلَةِ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالَةَ طَيَرانِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والطَّيْرُ) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (مَن)، و(صافّاتٍ) نُصِبَ عَلى الحالِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (والطَّيْرَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وخارِجَةُ، عَنْ نافِعٍ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٌ﴾ بِرَفْعِهِما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ يُسَبِّحْنَ. قِيلَ: وتَسْبِيحُ الطَّيْرِ حَقِيقِيٌّ؛ قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَ اللَّهُ الطَّيْرَ دُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ كَما ألْهَمَها سائِرَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي لا يَكادُ العُقَلاءُ يَهْتَدُونَ إلَيْها. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: هو تَجَوُّزٌ إنَّما تَسْبِيحُهُ ظُهُورُ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَهو لِذَلِكَ يَدْعُو إلى التَّسْبِيحِ. (كُلٌّ) أيْ كُلٌّ مِمَّنْ ذَكَرَ، فَيَشْمَلُ الطَّيْرَ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ المُسْتَكِنَّ في: (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ عائِدٌ عَلى (كُلٌّ)، وقالَهُ الحَسَنُ قالَ: فَهو مُثابِرٌ عَلَيْهِما يُؤَدِّيهِما. وقالَ الزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِـ (كُلٌّ) . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) لِـ (كُلٌّ)، وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِلَّهِ، أيْ: صَلاةَ اللَّهِ وتَسْبِيحَهُ اللَّذَيْنِ أمَرَ بِهِما وهَدى إلَيْهِما، فَهَذِهِ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّلاةُ لِلْبَشَرِ (p-٤٦٤)والتَّسْبِيحُ لِما عَداهم. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وسَلّامٌ وهارُونُ، عَنْ أبِي عُمَرَ: (وتَفْعَلُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ، وفِيهِ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. و﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إخْبارٌ بِأنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَحْتَ مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ بِما يَشاءُ تَصَرُّفَ القاهِرِ الغالِبِ. وإلَيْهِ (المَصِيرُ) أيْ إلى جَزائِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ وتَخْوِيفٌ. ولَمّا ذَكَرَ انْقِيادَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرِ إلَيْهِ - تَعالى -، وذَكَرَ مِلْكَهُ لِهَذا العالَمِ وصَيْرُورَتَهم إلَيْهِ، أكَّدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ عَجِيبٍ مِن أفْعالِهِ، مُشْعِرٍ بِانْتِقالٍ مِن حالٍ إلى حالٍ. وكانَ عَقِبَ قَوْلِهِ: ”وإلَيْهِ المَصِيرُ“ فَأعْلَمَ بِانْتِقالٍ إلى المَعادِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى تَصَرُّفِهِ في نَقْلِ الأشْياءِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومَعْنى (يُزْجِي) يَسُوقُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويُسْتَعْمَلُ في سَوْقِ الثَّقِيلِ بِرِفْقٍ كالسَّحابِ والإبِلِ، والسَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ سَحابَةٌ، والمَعْنى يَسُوقُ سَحابَةً إلى سَحابَةٍ. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أيْ بَيْنَ أجْزائِهِ؛ لِأنَّهُ سَحابَةٌ تَتَّصِلُ بِسَحابَةٍ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُلْتَئِمًا بِتَأْلِيفِ بَعْضٍ إلى بَعْضٍ. وقَرَأ ورْشٌ: (يُوَلِّفُ)، بِالواوِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وهو الأصْلُ. (فَيَجْعَلُهُ رُكامًا) أيْ مُتَكاثِفًا، يَجْعَلُ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، وانْعِصارَهُ بِذَلِكَ، ﴿مِن خِلالِهِ﴾ أيْ فُتُوقِهِ ومَخارِجِهِ الَّتِي حَدَثَتْ بِالتَّراكُمِ والِانْعِصارِ. والخِلالُ: قِيلَ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ وجَبَلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُعاذٌ العَنْبَرِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو والزَّعْفَرانِيِّ: (مِن خَلَلِهِ)، بِالإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّ في السَّماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، خَلَقَها اللَّهُ كَما خَلَقَ في الأرْضِ جِبالًا مِن حَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿جِبالٍ﴾ مَجازٌ عَنِ الكَثْرَةِ لا أنَّ في السَّماءِ جِبالًا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَمْلِكُ جِبالًا مِن ذَهَبٍ، وعِنْدَهُ جِبالٌ مِنَ العِلْمِ؛ يُرِيدُ الكَثْرَةَ. قِيلَ: أوْ هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ. والسَّماءُ السَّحابُ، أيْ (مِنَ السَّماءِ) الَّتِي هي جِبالٌ أيْ كَجِبالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ، فَجَعَلَ السَّماءَ هو السَّحابَ المُرْتَفِعَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُمُوِّهِ وارْتِفاعِهِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: المُرادُ بِالسَّماءِ الجِسْمُ الأزْرَقُ المَخْصُوصُ، وهو المُتَبادَرُ لِلذِّهْنِ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ الجِبالَ في الكَثْرَةِ مَجازًا قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎إذا مُتُّ عَنْ ذِكْرِ القَوافِي فَلَنْ تَرى لَها شاعِرًا مِنِّي أطَبَّ وأشْعَرا ؎وأكْثَرَ بَيْتًا شاعِرًا ضُرِبَتْ لَهُ ∗∗∗ بُطُونُ جِبالِ الشِّعْرِ حَتّى تَيَسَّرا واتَّفَقُوا عَلى أنَّ (مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ. وأمّا ﴿مِن جِبالٍ﴾ . فَقالَ الحَوْفِيُّ: هي بَدَلٌ مِنَ (السَّماءِ)، ثُمَّ قالَ: وهي لِلتَّبْعِيضِ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ فِيما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وإذا كانَتِ الثّانِيَةُ بَدَلًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مِثْلُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لَوْ قُلْتَ: خَرَجْتُ مِن بَغْدادَ مِنَ الكَرْخِ لَزِمَ أنْ يَكُونا مَعًا لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: هي لِلتَّبْعِيضِ فَيَكُونُ عَلى قَوْلِهِما في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ (يُنَزِّلُ) . قالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ، انْتَهى. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ جِبالٍ فِيها الَّتِي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّلُ بَرَدٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ البَرَدِ بَرَدٌ فَمَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) ﴿مِن جِبالٍ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ إلّا ولِأنَّ لِلِابْتِداءِ والأخِيرَةُ لِلتَّبْعِيضِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُنَزِّلُ البَرَدَ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها، انْتَهى. فَيَكُونُ ﴿مِن جِبالٍ﴾ بَدَلًا (مِنَ السَّماءِ) . وقِيلَ: (مِن) الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ زائِدَتانِ؛ وقالَهُ الأخْفَشُ، وهُما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالًا فِيها، أيْ: في السَّماءِ بَرَدًا، وبَرَدًا بَدَلٌ، أيْ: بَرَدَ جِبالٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما زائِدَتانِ أيْ جِبالًا فِيها بَرَدٌ لا حَصى فِيها ولا حَجَرٌ، أيْ يَجْتَمِعُ البَرَدُ فَيَصِيرُ كالجِبالِ عَلى التَّهْوِيلِ فَبَرَدٌ مُبْتَدَأٌ وفِيها خَبَرُهُ. والضَّمِيرُ في: (فِيها) عائِدٌ عَلى الجِبالِ أوْ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتُمِدَ بِكَوْنِهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ. وقِيلَ: (مِن) الأُولى والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّالِثَةُ زائِدَةٌ أيْ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالِ السَّماءِ بَرَدًا. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ بَرَدٌ فِيها، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمٌ في يَدِي مِن حَدِيدٍ، أيْ خاتَمُ حَدِيدٍ في يَدِي، وإنَّما جِئْتَ في هَذا وفي الآيَةِ بِمِن لَمّا فَرَّقْتَ؛ ولِأنَّكَ إذا (p-٤٦٥)قُلْتَ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ كانَ المَعْنى واحِدًا، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ، كَما كانَ (مِن) في ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] صِفَةً لِخاتَمٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَكُونُ مَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) هو ﴿مِن جِبالٍ﴾، وإذا كانَتِ الجِبالُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُنَزَّلُ بَرَدًا. والظّاهِرُ إعادَةُ الضَّمِيرِ في (بِهِ) عَلى البَرَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ الوَدْقُ والبَرَدُ، وجَرى في ذَلِكَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ. وكَأنَّهُ قالَ: فَيُصِيبُ بِذَلِكَ، والمَطَرُ هو أعَمُّ وأغْلَبُ في الإصابَةِ، والصَّرْفُ أبْلَغُ في المَنفَعَةِ والِامْتِنانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَنا﴾ مَقْصُورًا ﴿بَرْقِهِ﴾ مُفْرَدًا. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (سَناءَ) مَمْدُودًا ﴿بُرَقِهِ﴾ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الرّاءِ، جَمْعُ بُرْقَةٍ بِضَمِّ الباءِ، وهي المِقْدارُ مِنَ البَرْقِ كالغُرْفَةِ واللُّقْمَةِ، وعَنْهُ بِضَمِّ الباءِ والرّاءِ أتْبَعَ حَرَكَةَ الرّاءِ لِحَرَكَةِ الباءِ كَما أُتْبِعَتْ في (ظُلُماتٌ)، وأصْلُها السُّكُونُ. والسَّناءُ بِالمَدِّ ارْتِفاعُ الشَّأْنِ كَأنَّهُ شَبَّهَ المَحْسُوسَ مِنَ البَرْقِ؛ لِارْتِفاعِهِ في الهَواءِ بِغَيْرِ المَحْسُوسِ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ ذَلِكَ صَيِّبٌ لا يُحِسُّ بِهِ بَصَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَذْهَبُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿يُذْهِبُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وذَهَبُ الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ إلى تَخْطِئَةِ أبِي جَعْفَرٍ في هَذِهِ القِراءَةِ قالا: لِأنَّ الياءَ تُعاقِبُ الهَمْزَةَ، ولَيْسَ بِصَوابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَقْرَأ إلّا بِما رُوِيَ. وقَدْ أخَذَ القِراءَةَ عَنْ ساداتِ التّابِعِينَ الآخِذِينَ عَنْ جِلَّةِ الصَّحابَةِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، ولَمْ يَنْفَرِدْ بِها أبُو جَعْفَرٍ بَلْ قَرَأهُ شَيْبَةُ كَذَلِكَ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى زِيادَةِ الباءِ أيْ يُذْهِبُ الأبْصارَ. وعَلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى مِن، والمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ يُذْهِبُ النُّورَ مِنَ الأبْصارِ، كَما قالَ: ؎شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ يُرِيدُ مِن بَرَدٍ. وتَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتانِ، أحَدُهُما بَعْدَ الآخَرِ، أوْ زِيادَةُ هَذا وعَكْسُهُ، أوْ يُغَيِّرُ النَّهارَ بِظُلْمَةِ السَّحابِ مَرَّةً وضَوْءِ الشَّمْسِ أُخْرى، ويُغَيِّرُ اللَّيْلَ بِاشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ مَرَّةً وضَوْءِ القَمَرِ أُخْرى، أوْ بِاخْتِلافِ ما يُقَدَّرُ فِيهِما مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ والشِّدَّةِ والنِّعْمَةِ والأمْنِ ومُقابِلاتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، إنَّ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، مِن تَسْبِيحٍ مِن ذِكْرٍ وتَسْخِيرِ السَّحابِ، وما يُحْدِثُهُ تَعالى فِيهِ مِن أفْعالِهِ حَتّى يُنْزِلَ المَطَرَ فَيُقَسِّمَ رَحْمَتَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وإراءَتِهِمُ البَرْقَ في السَّحابِ الَّذِي يَكادُ يَخْطَفُ الأبْصارَ ويُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. (لَعِبْرَةً) أيِ اتِّعاظًا. وخُصَّ أُولُو الأبْصارِ بِالِاتِّعاظِ؛ لِأنَّ البَصَرَ والبَصِيرَةَ إذا اسْتُعْمِلا وصَلا إلى إدْراكِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] . وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلَقَ) فِعْلًا ماضِيًا. (كُلَّ) نَصْبٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ خالِقُ اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ إلى (كُلِّ) . والدّابَّةُ: ما يُحَرِّكُ أمامَهُ قَدَمًا ويَدْخُلُ فِيهِ الطَّيْرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ والحُوتُ، وفي الحَدِيثِ: ”دابَّةٌ مِنَ البَحْرِ مِثْلُ الظَّرِبِ“ . وانْدَرَجَ في ﴿كُلَّ دابَّةٍ﴾ المُمَيِّزُ وغَيْرُهُ، فَسَهُلَ التَّفْصِيلُ بِمَنِ الَّتِي لِمَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ إذا كانَ مُنْدَرِجًا في العامِّ، فَحَكَمَ لَهُ بِحُكْمِهِ كَأنَّ الدَّوابَّ كُلَّهم مُمَيِّزُونَ. والظّاهِرُ أنَّ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَ. و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيِ ابْتَدَأ خَلْقَها مِنَ الماءِ. فَقِيلَ: لَمّا كانَ غالِبُ الحَيَوانِ مَخْلُوقًا مِنَ الماءِ لِتَوَلُّدِهِ مِنَ النُّطْفَةِ أوْ لِكَوْنِهِ لا يَعِيشُ إلّا بِالماءِ، أطْلَقَ لَفْظَ (كُلَّ)؛ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ العامِّ، ويَخْرُجُ عَمّا خُلِقَ مِن ماءٍ ما خُلِقَ مِن نُورٍ وهُمُ المَلائِكَةُ، ومِن نارٍ وهُمُ الجِنُّ، ومِن تُرابٍ وهو آدَمُ. وخُلِقَ عِيسى مِنَ الرُّوحِ وكَثِيرٌ مِنَ الحَيَوانِ لا يَتَوَلَّدُ مِن نُطْفَةٍ. وقِيلَ (كُلَّ دابَّةٍ) عَلى العُمُومِ في هَذِهِ الأشْياءِ كُلِّها، وإنَّ أصْلَ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الماءُ، فَرُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ مِن ذَلِكَ الماءِ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ أصْلِ الخِلْقَةِ، وكانَ الأصْلُ الأوَّلُ هو الماءَ قالَ: ﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ . وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَ، وإنَّما هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ دابَّةٍ، فالمَعْنى الإخْبارُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ، أيْ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعالى. ونُكِّرَ الماءُ هُنا وعُرِّفَ في ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]؛ لِأنَّ المَعْنى هُنا (p-٤٦٦)﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ مِن نَوْعٍ مِنَ الماءِ مُخْتَصٍّ بِهَذِهِ الدّابَّةِ، أوْ (مِن ماءٍ) مَخْصُوصٍ وهو النُّطْفَةُ، ثُمَّ خالَفَ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ مِنَ النُّطْفَةِ هَوامَّ وبَهائِمَ وناسٍ، كَما قالَ: (تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ)، وهُنا قَصَدَ أنَّ أجْناسَ الحَيَوانِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو جِنْسُ الماءِ، وذَلِكَ أنَّهُ هو الأصْلُ وإنْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَها وبَيْنَهُ وسائِطُ، كَما قِيلَ: إنَّ أصْلَ النُّورِ والنّارِ والتُّرابِ الماءُ. وسُمِّيَ الزَّحْفُ عَلى البَطْنِ مَشْيًا؛ لِمُشاكَلَتِهِ ما بَعْدَهُ مِن ذِكْرِ الماشِينَ أوِ اسْتِعارَةً، كَما قالُوا: قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ وما يَتَمَشّى لِفُلانٍ أمْرٌ، كَما اسْتَعارُوا المُشَفَّرَ لِلشَّفَةِ والشَّفَةَ لِلْجَحْفَلَةِ. والماشِي ﴿عَلى بَطْنِهِ﴾ الحَيّاتُ والحُوتُ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الدُّودِ وغَيْرِهِ. و﴿عَلى رِجْلَيْنِ﴾ الإنْسانُ والطَّيْرُ والأرْبَعُ لِسائِرِ حَيَوانِ الأرْضِ مِنَ البَهائِمِ وغَيْرِها، فَإنْ وُجِدَ مَن لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ. فَقِيلَ: اعْتِمادُهُ إنَّما هو عَلى أرْبَعٍ ولا يَفْتَقِرُ في مَشْيِهِ إلى جَمِيعِها، وقَدَّمَ ما هو أعْرَفُ في القُدْرَةِ وأعْجَبُ، وهو الماشِي بِغَيْرِ آلَةٍ مَشْيَ مَن لَهُ رِجْلٌ وقَوائِمُ، ثُمَّ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ ثُمَّ الماشِي عَلى أرْبَعٍ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ، فَعَمَّ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ جَمِيعَ الحَيَوانِ لَكِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ قُرْآنًا، ولَعَلَّهُ ما أوْرَدَهُ مَوْرِدَ قُرْآنٍ بَلْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ: كالعَنْكَبُوتِ، والعَقْرَبِ، والرُّتَيْلاءِ، وذِي أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ رِجْلًا، وتُسَمّى الأُذُنَ وهَذا النَّوْعُ لِنُدُورِهِ لَمْ يُذْكَرْ. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَةُ خَلْقِهِ أنْشَأهُ واخْتَرَعَهُ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى كَثْرَةِ الحَيَوانِ وأنَّها كَما اخْتَلَفَتْ بِكَيْفِيَّةِ المَشْيِ اخْتَلَفَتْ بِأُمُورٍ أُخَرَ.

النور 24:45

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَثَلَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وأنَّ الإيمانَ والضَّلالَ أمْرُهُما راجِعٌ إلَيْهِ، أعْقَبَ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، والظّاهِرُ حَمْلُ التَّسْبِيحِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتَخْصِيصُ (مَن) في قَوْلِهِ: ”ومَن في الأرْضِ“ بِالمُطِيعِ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الثَّقَلَيْنِ. وقِيلَ: (مَن) عامٌّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ غَلَبَ مَن يَعْقِلُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، فَأُدْرِجُ ما لا يَعْقِلُ فِيهِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ دَلالَتُهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ مَوْصُوفًا بِنُعُوتِ الكَمالِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ التَّعْظِيمُ، فَمِن ذِي الدِّينِ بِالنُّطْقِ والصَّلاةِ، ومِن غَيْرِهِمْ مِن مُكَلَّفٍ وجَمادٍ بِالدَّلالَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُما، وهو التَّعْظِيمُ. وقالَ سُفْيانُ: تَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ بِطاعَتِهِ وانْقِيادِهِ. ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ أيْ: صَفَّتْ أجْنِحَتَها في الهَواءِ لِلطَّيَرانِ، وإنَّما خَصَّ الطَّيْرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها تَكُونُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ إذا طارَتْ فَهي خارِجَةٌ مِن جُمْلَةِ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالَةَ طَيَرانِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والطَّيْرُ) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (مَن)، و(صافّاتٍ) نُصِبَ عَلى الحالِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (والطَّيْرَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وخارِجَةُ، عَنْ نافِعٍ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٌ﴾ بِرَفْعِهِما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ يُسَبِّحْنَ. قِيلَ: وتَسْبِيحُ الطَّيْرِ حَقِيقِيٌّ؛ قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَ اللَّهُ الطَّيْرَ دُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ كَما ألْهَمَها سائِرَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي لا يَكادُ العُقَلاءُ يَهْتَدُونَ إلَيْها. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: هو تَجَوُّزٌ إنَّما تَسْبِيحُهُ ظُهُورُ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَهو لِذَلِكَ يَدْعُو إلى التَّسْبِيحِ. (كُلٌّ) أيْ كُلٌّ مِمَّنْ ذَكَرَ، فَيَشْمَلُ الطَّيْرَ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ المُسْتَكِنَّ في: (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ عائِدٌ عَلى (كُلٌّ)، وقالَهُ الحَسَنُ قالَ: فَهو مُثابِرٌ عَلَيْهِما يُؤَدِّيهِما. وقالَ الزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِـ (كُلٌّ) . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) لِـ (كُلٌّ)، وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِلَّهِ، أيْ: صَلاةَ اللَّهِ وتَسْبِيحَهُ اللَّذَيْنِ أمَرَ بِهِما وهَدى إلَيْهِما، فَهَذِهِ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّلاةُ لِلْبَشَرِ (p-٤٦٤)والتَّسْبِيحُ لِما عَداهم. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وسَلّامٌ وهارُونُ، عَنْ أبِي عُمَرَ: (وتَفْعَلُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ، وفِيهِ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. و﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إخْبارٌ بِأنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَحْتَ مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ بِما يَشاءُ تَصَرُّفَ القاهِرِ الغالِبِ. وإلَيْهِ (المَصِيرُ) أيْ إلى جَزائِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ وتَخْوِيفٌ. ولَمّا ذَكَرَ انْقِيادَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرِ إلَيْهِ - تَعالى -، وذَكَرَ مِلْكَهُ لِهَذا العالَمِ وصَيْرُورَتَهم إلَيْهِ، أكَّدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ عَجِيبٍ مِن أفْعالِهِ، مُشْعِرٍ بِانْتِقالٍ مِن حالٍ إلى حالٍ. وكانَ عَقِبَ قَوْلِهِ: ”وإلَيْهِ المَصِيرُ“ فَأعْلَمَ بِانْتِقالٍ إلى المَعادِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى تَصَرُّفِهِ في نَقْلِ الأشْياءِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومَعْنى (يُزْجِي) يَسُوقُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويُسْتَعْمَلُ في سَوْقِ الثَّقِيلِ بِرِفْقٍ كالسَّحابِ والإبِلِ، والسَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ سَحابَةٌ، والمَعْنى يَسُوقُ سَحابَةً إلى سَحابَةٍ. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أيْ بَيْنَ أجْزائِهِ؛ لِأنَّهُ سَحابَةٌ تَتَّصِلُ بِسَحابَةٍ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُلْتَئِمًا بِتَأْلِيفِ بَعْضٍ إلى بَعْضٍ. وقَرَأ ورْشٌ: (يُوَلِّفُ)، بِالواوِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وهو الأصْلُ. (فَيَجْعَلُهُ رُكامًا) أيْ مُتَكاثِفًا، يَجْعَلُ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، وانْعِصارَهُ بِذَلِكَ، ﴿مِن خِلالِهِ﴾ أيْ فُتُوقِهِ ومَخارِجِهِ الَّتِي حَدَثَتْ بِالتَّراكُمِ والِانْعِصارِ. والخِلالُ: قِيلَ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ وجَبَلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُعاذٌ العَنْبَرِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو والزَّعْفَرانِيِّ: (مِن خَلَلِهِ)، بِالإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّ في السَّماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، خَلَقَها اللَّهُ كَما خَلَقَ في الأرْضِ جِبالًا مِن حَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿جِبالٍ﴾ مَجازٌ عَنِ الكَثْرَةِ لا أنَّ في السَّماءِ جِبالًا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَمْلِكُ جِبالًا مِن ذَهَبٍ، وعِنْدَهُ جِبالٌ مِنَ العِلْمِ؛ يُرِيدُ الكَثْرَةَ. قِيلَ: أوْ هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ. والسَّماءُ السَّحابُ، أيْ (مِنَ السَّماءِ) الَّتِي هي جِبالٌ أيْ كَجِبالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ، فَجَعَلَ السَّماءَ هو السَّحابَ المُرْتَفِعَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُمُوِّهِ وارْتِفاعِهِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: المُرادُ بِالسَّماءِ الجِسْمُ الأزْرَقُ المَخْصُوصُ، وهو المُتَبادَرُ لِلذِّهْنِ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ الجِبالَ في الكَثْرَةِ مَجازًا قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎إذا مُتُّ عَنْ ذِكْرِ القَوافِي فَلَنْ تَرى لَها شاعِرًا مِنِّي أطَبَّ وأشْعَرا ؎وأكْثَرَ بَيْتًا شاعِرًا ضُرِبَتْ لَهُ ∗∗∗ بُطُونُ جِبالِ الشِّعْرِ حَتّى تَيَسَّرا واتَّفَقُوا عَلى أنَّ (مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ. وأمّا ﴿مِن جِبالٍ﴾ . فَقالَ الحَوْفِيُّ: هي بَدَلٌ مِنَ (السَّماءِ)، ثُمَّ قالَ: وهي لِلتَّبْعِيضِ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ فِيما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وإذا كانَتِ الثّانِيَةُ بَدَلًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مِثْلُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لَوْ قُلْتَ: خَرَجْتُ مِن بَغْدادَ مِنَ الكَرْخِ لَزِمَ أنْ يَكُونا مَعًا لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: هي لِلتَّبْعِيضِ فَيَكُونُ عَلى قَوْلِهِما في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ (يُنَزِّلُ) . قالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ، انْتَهى. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ جِبالٍ فِيها الَّتِي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّلُ بَرَدٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ البَرَدِ بَرَدٌ فَمَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) ﴿مِن جِبالٍ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ إلّا ولِأنَّ لِلِابْتِداءِ والأخِيرَةُ لِلتَّبْعِيضِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُنَزِّلُ البَرَدَ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها، انْتَهى. فَيَكُونُ ﴿مِن جِبالٍ﴾ بَدَلًا (مِنَ السَّماءِ) . وقِيلَ: (مِن) الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ زائِدَتانِ؛ وقالَهُ الأخْفَشُ، وهُما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالًا فِيها، أيْ: في السَّماءِ بَرَدًا، وبَرَدًا بَدَلٌ، أيْ: بَرَدَ جِبالٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما زائِدَتانِ أيْ جِبالًا فِيها بَرَدٌ لا حَصى فِيها ولا حَجَرٌ، أيْ يَجْتَمِعُ البَرَدُ فَيَصِيرُ كالجِبالِ عَلى التَّهْوِيلِ فَبَرَدٌ مُبْتَدَأٌ وفِيها خَبَرُهُ. والضَّمِيرُ في: (فِيها) عائِدٌ عَلى الجِبالِ أوْ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتُمِدَ بِكَوْنِهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ. وقِيلَ: (مِن) الأُولى والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّالِثَةُ زائِدَةٌ أيْ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالِ السَّماءِ بَرَدًا. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ بَرَدٌ فِيها، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمٌ في يَدِي مِن حَدِيدٍ، أيْ خاتَمُ حَدِيدٍ في يَدِي، وإنَّما جِئْتَ في هَذا وفي الآيَةِ بِمِن لَمّا فَرَّقْتَ؛ ولِأنَّكَ إذا (p-٤٦٥)قُلْتَ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ كانَ المَعْنى واحِدًا، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ، كَما كانَ (مِن) في ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] صِفَةً لِخاتَمٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَكُونُ مَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) هو ﴿مِن جِبالٍ﴾، وإذا كانَتِ الجِبالُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُنَزَّلُ بَرَدًا. والظّاهِرُ إعادَةُ الضَّمِيرِ في (بِهِ) عَلى البَرَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ الوَدْقُ والبَرَدُ، وجَرى في ذَلِكَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ. وكَأنَّهُ قالَ: فَيُصِيبُ بِذَلِكَ، والمَطَرُ هو أعَمُّ وأغْلَبُ في الإصابَةِ، والصَّرْفُ أبْلَغُ في المَنفَعَةِ والِامْتِنانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَنا﴾ مَقْصُورًا ﴿بَرْقِهِ﴾ مُفْرَدًا. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (سَناءَ) مَمْدُودًا ﴿بُرَقِهِ﴾ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الرّاءِ، جَمْعُ بُرْقَةٍ بِضَمِّ الباءِ، وهي المِقْدارُ مِنَ البَرْقِ كالغُرْفَةِ واللُّقْمَةِ، وعَنْهُ بِضَمِّ الباءِ والرّاءِ أتْبَعَ حَرَكَةَ الرّاءِ لِحَرَكَةِ الباءِ كَما أُتْبِعَتْ في (ظُلُماتٌ)، وأصْلُها السُّكُونُ. والسَّناءُ بِالمَدِّ ارْتِفاعُ الشَّأْنِ كَأنَّهُ شَبَّهَ المَحْسُوسَ مِنَ البَرْقِ؛ لِارْتِفاعِهِ في الهَواءِ بِغَيْرِ المَحْسُوسِ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ ذَلِكَ صَيِّبٌ لا يُحِسُّ بِهِ بَصَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَذْهَبُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿يُذْهِبُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وذَهَبُ الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ إلى تَخْطِئَةِ أبِي جَعْفَرٍ في هَذِهِ القِراءَةِ قالا: لِأنَّ الياءَ تُعاقِبُ الهَمْزَةَ، ولَيْسَ بِصَوابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَقْرَأ إلّا بِما رُوِيَ. وقَدْ أخَذَ القِراءَةَ عَنْ ساداتِ التّابِعِينَ الآخِذِينَ عَنْ جِلَّةِ الصَّحابَةِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، ولَمْ يَنْفَرِدْ بِها أبُو جَعْفَرٍ بَلْ قَرَأهُ شَيْبَةُ كَذَلِكَ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى زِيادَةِ الباءِ أيْ يُذْهِبُ الأبْصارَ. وعَلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى مِن، والمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ يُذْهِبُ النُّورَ مِنَ الأبْصارِ، كَما قالَ: ؎شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ يُرِيدُ مِن بَرَدٍ. وتَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتانِ، أحَدُهُما بَعْدَ الآخَرِ، أوْ زِيادَةُ هَذا وعَكْسُهُ، أوْ يُغَيِّرُ النَّهارَ بِظُلْمَةِ السَّحابِ مَرَّةً وضَوْءِ الشَّمْسِ أُخْرى، ويُغَيِّرُ اللَّيْلَ بِاشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ مَرَّةً وضَوْءِ القَمَرِ أُخْرى، أوْ بِاخْتِلافِ ما يُقَدَّرُ فِيهِما مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ والشِّدَّةِ والنِّعْمَةِ والأمْنِ ومُقابِلاتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، إنَّ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، مِن تَسْبِيحٍ مِن ذِكْرٍ وتَسْخِيرِ السَّحابِ، وما يُحْدِثُهُ تَعالى فِيهِ مِن أفْعالِهِ حَتّى يُنْزِلَ المَطَرَ فَيُقَسِّمَ رَحْمَتَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وإراءَتِهِمُ البَرْقَ في السَّحابِ الَّذِي يَكادُ يَخْطَفُ الأبْصارَ ويُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. (لَعِبْرَةً) أيِ اتِّعاظًا. وخُصَّ أُولُو الأبْصارِ بِالِاتِّعاظِ؛ لِأنَّ البَصَرَ والبَصِيرَةَ إذا اسْتُعْمِلا وصَلا إلى إدْراكِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] . وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلَقَ) فِعْلًا ماضِيًا. (كُلَّ) نَصْبٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ خالِقُ اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ إلى (كُلِّ) . والدّابَّةُ: ما يُحَرِّكُ أمامَهُ قَدَمًا ويَدْخُلُ فِيهِ الطَّيْرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ والحُوتُ، وفي الحَدِيثِ: ”دابَّةٌ مِنَ البَحْرِ مِثْلُ الظَّرِبِ“ . وانْدَرَجَ في ﴿كُلَّ دابَّةٍ﴾ المُمَيِّزُ وغَيْرُهُ، فَسَهُلَ التَّفْصِيلُ بِمَنِ الَّتِي لِمَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ إذا كانَ مُنْدَرِجًا في العامِّ، فَحَكَمَ لَهُ بِحُكْمِهِ كَأنَّ الدَّوابَّ كُلَّهم مُمَيِّزُونَ. والظّاهِرُ أنَّ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَ. و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيِ ابْتَدَأ خَلْقَها مِنَ الماءِ. فَقِيلَ: لَمّا كانَ غالِبُ الحَيَوانِ مَخْلُوقًا مِنَ الماءِ لِتَوَلُّدِهِ مِنَ النُّطْفَةِ أوْ لِكَوْنِهِ لا يَعِيشُ إلّا بِالماءِ، أطْلَقَ لَفْظَ (كُلَّ)؛ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ العامِّ، ويَخْرُجُ عَمّا خُلِقَ مِن ماءٍ ما خُلِقَ مِن نُورٍ وهُمُ المَلائِكَةُ، ومِن نارٍ وهُمُ الجِنُّ، ومِن تُرابٍ وهو آدَمُ. وخُلِقَ عِيسى مِنَ الرُّوحِ وكَثِيرٌ مِنَ الحَيَوانِ لا يَتَوَلَّدُ مِن نُطْفَةٍ. وقِيلَ (كُلَّ دابَّةٍ) عَلى العُمُومِ في هَذِهِ الأشْياءِ كُلِّها، وإنَّ أصْلَ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الماءُ، فَرُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ مِن ذَلِكَ الماءِ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ أصْلِ الخِلْقَةِ، وكانَ الأصْلُ الأوَّلُ هو الماءَ قالَ: ﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ . وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَ، وإنَّما هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ دابَّةٍ، فالمَعْنى الإخْبارُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ، أيْ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعالى. ونُكِّرَ الماءُ هُنا وعُرِّفَ في ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]؛ لِأنَّ المَعْنى هُنا (p-٤٦٦)﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ مِن نَوْعٍ مِنَ الماءِ مُخْتَصٍّ بِهَذِهِ الدّابَّةِ، أوْ (مِن ماءٍ) مَخْصُوصٍ وهو النُّطْفَةُ، ثُمَّ خالَفَ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ مِنَ النُّطْفَةِ هَوامَّ وبَهائِمَ وناسٍ، كَما قالَ: (تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ)، وهُنا قَصَدَ أنَّ أجْناسَ الحَيَوانِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو جِنْسُ الماءِ، وذَلِكَ أنَّهُ هو الأصْلُ وإنْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَها وبَيْنَهُ وسائِطُ، كَما قِيلَ: إنَّ أصْلَ النُّورِ والنّارِ والتُّرابِ الماءُ. وسُمِّيَ الزَّحْفُ عَلى البَطْنِ مَشْيًا؛ لِمُشاكَلَتِهِ ما بَعْدَهُ مِن ذِكْرِ الماشِينَ أوِ اسْتِعارَةً، كَما قالُوا: قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ وما يَتَمَشّى لِفُلانٍ أمْرٌ، كَما اسْتَعارُوا المُشَفَّرَ لِلشَّفَةِ والشَّفَةَ لِلْجَحْفَلَةِ. والماشِي ﴿عَلى بَطْنِهِ﴾ الحَيّاتُ والحُوتُ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الدُّودِ وغَيْرِهِ. و﴿عَلى رِجْلَيْنِ﴾ الإنْسانُ والطَّيْرُ والأرْبَعُ لِسائِرِ حَيَوانِ الأرْضِ مِنَ البَهائِمِ وغَيْرِها، فَإنْ وُجِدَ مَن لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ. فَقِيلَ: اعْتِمادُهُ إنَّما هو عَلى أرْبَعٍ ولا يَفْتَقِرُ في مَشْيِهِ إلى جَمِيعِها، وقَدَّمَ ما هو أعْرَفُ في القُدْرَةِ وأعْجَبُ، وهو الماشِي بِغَيْرِ آلَةٍ مَشْيَ مَن لَهُ رِجْلٌ وقَوائِمُ، ثُمَّ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ ثُمَّ الماشِي عَلى أرْبَعٍ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ، فَعَمَّ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ جَمِيعَ الحَيَوانِ لَكِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ قُرْآنًا، ولَعَلَّهُ ما أوْرَدَهُ مَوْرِدَ قُرْآنٍ بَلْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ: كالعَنْكَبُوتِ، والعَقْرَبِ، والرُّتَيْلاءِ، وذِي أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ رِجْلًا، وتُسَمّى الأُذُنَ وهَذا النَّوْعُ لِنُدُورِهِ لَمْ يُذْكَرْ. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَةُ خَلْقِهِ أنْشَأهُ واخْتَرَعَهُ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى كَثْرَةِ الحَيَوانِ وأنَّها كَما اخْتَلَفَتْ بِكَيْفِيَّةِ المَشْيِ اخْتَلَفَتْ بِأُمُورٍ أُخَرَ.

النور 24:46

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَثَلَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وأنَّ الإيمانَ والضَّلالَ أمْرُهُما راجِعٌ إلَيْهِ، أعْقَبَ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، والظّاهِرُ حَمْلُ التَّسْبِيحِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وتَخْصِيصُ (مَن) في قَوْلِهِ: ”ومَن في الأرْضِ“ بِالمُطِيعِ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الثَّقَلَيْنِ. وقِيلَ: (مَن) عامٌّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ غَلَبَ مَن يَعْقِلُ عَلى ما لا يَعْقِلُ، فَأُدْرِجُ ما لا يَعْقِلُ فِيهِ ويَكُونُ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ دَلالَتُهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ مَوْصُوفًا بِنُعُوتِ الكَمالِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ التَّعْظِيمُ، فَمِن ذِي الدِّينِ بِالنُّطْقِ والصَّلاةِ، ومِن غَيْرِهِمْ مِن مُكَلَّفٍ وجَمادٍ بِالدَّلالَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُما، وهو التَّعْظِيمُ. وقالَ سُفْيانُ: تَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ بِطاعَتِهِ وانْقِيادِهِ. ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ أيْ: صَفَّتْ أجْنِحَتَها في الهَواءِ لِلطَّيَرانِ، وإنَّما خَصَّ الطَّيْرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها تَكُونُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ إذا طارَتْ فَهي خارِجَةٌ مِن جُمْلَةِ ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالَةَ طَيَرانِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والطَّيْرُ) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى (مَن)، و(صافّاتٍ) نُصِبَ عَلى الحالِ. وقَرَأ الأعْرَجُ: (والطَّيْرَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وخارِجَةُ، عَنْ نافِعٍ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٌ﴾ بِرَفْعِهِما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ يُسَبِّحْنَ. قِيلَ: وتَسْبِيحُ الطَّيْرِ حَقِيقِيٌّ؛ قالَهُ الجُمْهُورُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَ اللَّهُ الطَّيْرَ دُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ كَما ألْهَمَها سائِرَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي لا يَكادُ العُقَلاءُ يَهْتَدُونَ إلَيْها. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: هو تَجَوُّزٌ إنَّما تَسْبِيحُهُ ظُهُورُ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَهو لِذَلِكَ يَدْعُو إلى التَّسْبِيحِ. (كُلٌّ) أيْ كُلٌّ مِمَّنْ ذَكَرَ، فَيَشْمَلُ الطَّيْرَ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ المُسْتَكِنَّ في: (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ عائِدٌ عَلى (كُلٌّ)، وقالَهُ الحَسَنُ قالَ: فَهو مُثابِرٌ عَلَيْهِما يُؤَدِّيهِما. وقالَ الزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِـ (كُلٌّ) . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (عَلِمَ) لِـ (كُلٌّ)، وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِلَّهِ، أيْ: صَلاةَ اللَّهِ وتَسْبِيحَهُ اللَّذَيْنِ أمَرَ بِهِما وهَدى إلَيْهِما، فَهَذِهِ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّلاةُ لِلْبَشَرِ (p-٤٦٤)والتَّسْبِيحُ لِما عَداهم. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وسَلّامٌ وهارُونُ، عَنْ أبِي عُمَرَ: (وتَفْعَلُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ، وفِيهِ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. و﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إخْبارٌ بِأنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَحْتَ مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ بِما يَشاءُ تَصَرُّفَ القاهِرِ الغالِبِ. وإلَيْهِ (المَصِيرُ) أيْ إلى جَزائِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ. وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ وتَخْوِيفٌ. ولَمّا ذَكَرَ انْقِيادَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرِ إلَيْهِ - تَعالى -، وذَكَرَ مِلْكَهُ لِهَذا العالَمِ وصَيْرُورَتَهم إلَيْهِ، أكَّدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ عَجِيبٍ مِن أفْعالِهِ، مُشْعِرٍ بِانْتِقالٍ مِن حالٍ إلى حالٍ. وكانَ عَقِبَ قَوْلِهِ: ”وإلَيْهِ المَصِيرُ“ فَأعْلَمَ بِانْتِقالٍ إلى المَعادِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى تَصَرُّفِهِ في نَقْلِ الأشْياءِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومَعْنى (يُزْجِي) يَسُوقُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويُسْتَعْمَلُ في سَوْقِ الثَّقِيلِ بِرِفْقٍ كالسَّحابِ والإبِلِ، والسَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ سَحابَةٌ، والمَعْنى يَسُوقُ سَحابَةً إلى سَحابَةٍ. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أيْ بَيْنَ أجْزائِهِ؛ لِأنَّهُ سَحابَةٌ تَتَّصِلُ بِسَحابَةٍ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُلْتَئِمًا بِتَأْلِيفِ بَعْضٍ إلى بَعْضٍ. وقَرَأ ورْشٌ: (يُوَلِّفُ)، بِالواوِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وهو الأصْلُ. (فَيَجْعَلُهُ رُكامًا) أيْ مُتَكاثِفًا، يَجْعَلُ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، وانْعِصارَهُ بِذَلِكَ، ﴿مِن خِلالِهِ﴾ أيْ فُتُوقِهِ ومَخارِجِهِ الَّتِي حَدَثَتْ بِالتَّراكُمِ والِانْعِصارِ. والخِلالُ: قِيلَ مُفْرَدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ وجَبَلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُعاذٌ العَنْبَرِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو والزَّعْفَرانِيِّ: (مِن خَلَلِهِ)، بِالإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّ في السَّماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، خَلَقَها اللَّهُ كَما خَلَقَ في الأرْضِ جِبالًا مِن حَجَرٍ. وقِيلَ: ﴿جِبالٍ﴾ مَجازٌ عَنِ الكَثْرَةِ لا أنَّ في السَّماءِ جِبالًا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَمْلِكُ جِبالًا مِن ذَهَبٍ، وعِنْدَهُ جِبالٌ مِنَ العِلْمِ؛ يُرِيدُ الكَثْرَةَ. قِيلَ: أوْ هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ. والسَّماءُ السَّحابُ، أيْ (مِنَ السَّماءِ) الَّتِي هي جِبالٌ أيْ كَجِبالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أيْ كَنارٍ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ، فَجَعَلَ السَّماءَ هو السَّحابَ المُرْتَفِعَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُمُوِّهِ وارْتِفاعِهِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: المُرادُ بِالسَّماءِ الجِسْمُ الأزْرَقُ المَخْصُوصُ، وهو المُتَبادَرُ لِلذِّهْنِ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ الجِبالَ في الكَثْرَةِ مَجازًا قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: ؎إذا مُتُّ عَنْ ذِكْرِ القَوافِي فَلَنْ تَرى لَها شاعِرًا مِنِّي أطَبَّ وأشْعَرا ؎وأكْثَرَ بَيْتًا شاعِرًا ضُرِبَتْ لَهُ ∗∗∗ بُطُونُ جِبالِ الشِّعْرِ حَتّى تَيَسَّرا واتَّفَقُوا عَلى أنَّ (مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ. وأمّا ﴿مِن جِبالٍ﴾ . فَقالَ الحَوْفِيُّ: هي بَدَلٌ مِنَ (السَّماءِ)، ثُمَّ قالَ: وهي لِلتَّبْعِيضِ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ فِيما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وإذا كانَتِ الثّانِيَةُ بَدَلًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مِثْلُها لِابْتِداءِ الغايَةِ، لَوْ قُلْتَ: خَرَجْتُ مِن بَغْدادَ مِنَ الكَرْخِ لَزِمَ أنْ يَكُونا مَعًا لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: هي لِلتَّبْعِيضِ فَيَكُونُ عَلى قَوْلِهِما في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ (يُنَزِّلُ) . قالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ، انْتَهى. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ جِبالٍ فِيها الَّتِي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّلُ بَرَدٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ البَرَدِ بَرَدٌ فَمَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) ﴿مِن جِبالٍ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ إلّا ولِأنَّ لِلِابْتِداءِ والأخِيرَةُ لِلتَّبْعِيضِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُنَزِّلُ البَرَدَ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها، انْتَهى. فَيَكُونُ ﴿مِن جِبالٍ﴾ بَدَلًا (مِنَ السَّماءِ) . وقِيلَ: (مِن) الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ زائِدَتانِ؛ وقالَهُ الأخْفَشُ، وهُما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالًا فِيها، أيْ: في السَّماءِ بَرَدًا، وبَرَدًا بَدَلٌ، أيْ: بَرَدَ جِبالٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما زائِدَتانِ أيْ جِبالًا فِيها بَرَدٌ لا حَصى فِيها ولا حَجَرٌ، أيْ يَجْتَمِعُ البَرَدُ فَيَصِيرُ كالجِبالِ عَلى التَّهْوِيلِ فَبَرَدٌ مُبْتَدَأٌ وفِيها خَبَرُهُ. والضَّمِيرُ في: (فِيها) عائِدٌ عَلى الجِبالِ أوْ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتُمِدَ بِكَوْنِهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ. وقِيلَ: (مِن) الأُولى والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّالِثَةُ زائِدَةٌ أيْ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالِ السَّماءِ بَرَدًا. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ بَرَدٌ فِيها، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمٌ في يَدِي مِن حَدِيدٍ، أيْ خاتَمُ حَدِيدٍ في يَدِي، وإنَّما جِئْتَ في هَذا وفي الآيَةِ بِمِن لَمّا فَرَّقْتَ؛ ولِأنَّكَ إذا (p-٤٦٥)قُلْتَ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ كانَ المَعْنى واحِدًا، انْتَهى. فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِجِبالٍ، كَما كانَ (مِن) في ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] صِفَةً لِخاتَمٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَكُونُ مَفْعُولُ (يُنَزِّلُ) هو ﴿مِن جِبالٍ﴾، وإذا كانَتِ الجِبالُ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُنَزَّلُ بَرَدًا. والظّاهِرُ إعادَةُ الضَّمِيرِ في (بِهِ) عَلى البَرَدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ الوَدْقُ والبَرَدُ، وجَرى في ذَلِكَ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ. وكَأنَّهُ قالَ: فَيُصِيبُ بِذَلِكَ، والمَطَرُ هو أعَمُّ وأغْلَبُ في الإصابَةِ، والصَّرْفُ أبْلَغُ في المَنفَعَةِ والِامْتِنانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَنا﴾ مَقْصُورًا ﴿بَرْقِهِ﴾ مُفْرَدًا. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (سَناءَ) مَمْدُودًا ﴿بُرَقِهِ﴾ بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الرّاءِ، جَمْعُ بُرْقَةٍ بِضَمِّ الباءِ، وهي المِقْدارُ مِنَ البَرْقِ كالغُرْفَةِ واللُّقْمَةِ، وعَنْهُ بِضَمِّ الباءِ والرّاءِ أتْبَعَ حَرَكَةَ الرّاءِ لِحَرَكَةِ الباءِ كَما أُتْبِعَتْ في (ظُلُماتٌ)، وأصْلُها السُّكُونُ. والسَّناءُ بِالمَدِّ ارْتِفاعُ الشَّأْنِ كَأنَّهُ شَبَّهَ المَحْسُوسَ مِنَ البَرْقِ؛ لِارْتِفاعِهِ في الهَواءِ بِغَيْرِ المَحْسُوسِ مِنَ الإنْسانِ، فَإنَّ ذَلِكَ صَيِّبٌ لا يُحِسُّ بِهِ بَصَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَذْهَبُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿يُذْهِبُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ. وذَهَبُ الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ إلى تَخْطِئَةِ أبِي جَعْفَرٍ في هَذِهِ القِراءَةِ قالا: لِأنَّ الياءَ تُعاقِبُ الهَمْزَةَ، ولَيْسَ بِصَوابٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَقْرَأ إلّا بِما رُوِيَ. وقَدْ أخَذَ القِراءَةَ عَنْ ساداتِ التّابِعِينَ الآخِذِينَ عَنْ جِلَّةِ الصَّحابَةِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، ولَمْ يَنْفَرِدْ بِها أبُو جَعْفَرٍ بَلْ قَرَأهُ شَيْبَةُ كَذَلِكَ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى زِيادَةِ الباءِ أيْ يُذْهِبُ الأبْصارَ. وعَلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى مِن، والمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ يُذْهِبُ النُّورَ مِنَ الأبْصارِ، كَما قالَ: ؎شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ يُرِيدُ مِن بَرَدٍ. وتَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتانِ، أحَدُهُما بَعْدَ الآخَرِ، أوْ زِيادَةُ هَذا وعَكْسُهُ، أوْ يُغَيِّرُ النَّهارَ بِظُلْمَةِ السَّحابِ مَرَّةً وضَوْءِ الشَّمْسِ أُخْرى، ويُغَيِّرُ اللَّيْلَ بِاشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ مَرَّةً وضَوْءِ القَمَرِ أُخْرى، أوْ بِاخْتِلافِ ما يُقَدَّرُ فِيهِما مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ والشِّدَّةِ والنِّعْمَةِ والأمْنِ ومُقابِلاتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، إنَّ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، مِن تَسْبِيحٍ مِن ذِكْرٍ وتَسْخِيرِ السَّحابِ، وما يُحْدِثُهُ تَعالى فِيهِ مِن أفْعالِهِ حَتّى يُنْزِلَ المَطَرَ فَيُقَسِّمَ رَحْمَتَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وإراءَتِهِمُ البَرْقَ في السَّحابِ الَّذِي يَكادُ يَخْطَفُ الأبْصارَ ويُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. (لَعِبْرَةً) أيِ اتِّعاظًا. وخُصَّ أُولُو الأبْصارِ بِالِاتِّعاظِ؛ لِأنَّ البَصَرَ والبَصِيرَةَ إذا اسْتُعْمِلا وصَلا إلى إدْراكِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] . وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلَقَ) فِعْلًا ماضِيًا. (كُلَّ) نَصْبٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ خالِقُ اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ إلى (كُلِّ) . والدّابَّةُ: ما يُحَرِّكُ أمامَهُ قَدَمًا ويَدْخُلُ فِيهِ الطَّيْرُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ والحُوتُ، وفي الحَدِيثِ: ”دابَّةٌ مِنَ البَحْرِ مِثْلُ الظَّرِبِ“ . وانْدَرَجَ في ﴿كُلَّ دابَّةٍ﴾ المُمَيِّزُ وغَيْرُهُ، فَسَهُلَ التَّفْصِيلُ بِمَنِ الَّتِي لِمَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ إذا كانَ مُنْدَرِجًا في العامِّ، فَحَكَمَ لَهُ بِحُكْمِهِ كَأنَّ الدَّوابَّ كُلَّهم مُمَيِّزُونَ. والظّاهِرُ أنَّ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقَ. و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيِ ابْتَدَأ خَلْقَها مِنَ الماءِ. فَقِيلَ: لَمّا كانَ غالِبُ الحَيَوانِ مَخْلُوقًا مِنَ الماءِ لِتَوَلُّدِهِ مِنَ النُّطْفَةِ أوْ لِكَوْنِهِ لا يَعِيشُ إلّا بِالماءِ، أطْلَقَ لَفْظَ (كُلَّ)؛ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ العامِّ، ويَخْرُجُ عَمّا خُلِقَ مِن ماءٍ ما خُلِقَ مِن نُورٍ وهُمُ المَلائِكَةُ، ومِن نارٍ وهُمُ الجِنُّ، ومِن تُرابٍ وهو آدَمُ. وخُلِقَ عِيسى مِنَ الرُّوحِ وكَثِيرٌ مِنَ الحَيَوانِ لا يَتَوَلَّدُ مِن نُطْفَةٍ. وقِيلَ (كُلَّ دابَّةٍ) عَلى العُمُومِ في هَذِهِ الأشْياءِ كُلِّها، وإنَّ أصْلَ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الماءُ، فَرُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ مِن ذَلِكَ الماءِ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ أصْلِ الخِلْقَةِ، وكانَ الأصْلُ الأوَّلُ هو الماءَ قالَ: ﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ . وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ (مِن ماءٍ) مُتَعَلِّقًا بِخَلَقَ، وإنَّما هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكُلِّ دابَّةٍ، فالمَعْنى الإخْبارُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ، أيْ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الماءِ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعالى. ونُكِّرَ الماءُ هُنا وعُرِّفَ في ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]؛ لِأنَّ المَعْنى هُنا (p-٤٦٦)﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ مِن نَوْعٍ مِنَ الماءِ مُخْتَصٍّ بِهَذِهِ الدّابَّةِ، أوْ (مِن ماءٍ) مَخْصُوصٍ وهو النُّطْفَةُ، ثُمَّ خالَفَ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ مِنَ النُّطْفَةِ هَوامَّ وبَهائِمَ وناسٍ، كَما قالَ: (تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ)، وهُنا قَصَدَ أنَّ أجْناسَ الحَيَوانِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو جِنْسُ الماءِ، وذَلِكَ أنَّهُ هو الأصْلُ وإنْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَها وبَيْنَهُ وسائِطُ، كَما قِيلَ: إنَّ أصْلَ النُّورِ والنّارِ والتُّرابِ الماءُ. وسُمِّيَ الزَّحْفُ عَلى البَطْنِ مَشْيًا؛ لِمُشاكَلَتِهِ ما بَعْدَهُ مِن ذِكْرِ الماشِينَ أوِ اسْتِعارَةً، كَما قالُوا: قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ وما يَتَمَشّى لِفُلانٍ أمْرٌ، كَما اسْتَعارُوا المُشَفَّرَ لِلشَّفَةِ والشَّفَةَ لِلْجَحْفَلَةِ. والماشِي ﴿عَلى بَطْنِهِ﴾ الحَيّاتُ والحُوتُ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الدُّودِ وغَيْرِهِ. و﴿عَلى رِجْلَيْنِ﴾ الإنْسانُ والطَّيْرُ والأرْبَعُ لِسائِرِ حَيَوانِ الأرْضِ مِنَ البَهائِمِ وغَيْرِها، فَإنْ وُجِدَ مَن لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ. فَقِيلَ: اعْتِمادُهُ إنَّما هو عَلى أرْبَعٍ ولا يَفْتَقِرُ في مَشْيِهِ إلى جَمِيعِها، وقَدَّمَ ما هو أعْرَفُ في القُدْرَةِ وأعْجَبُ، وهو الماشِي بِغَيْرِ آلَةٍ مَشْيَ مَن لَهُ رِجْلٌ وقَوائِمُ، ثُمَّ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ ثُمَّ الماشِي عَلى أرْبَعٍ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ، فَعَمَّ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ جَمِيعَ الحَيَوانِ لَكِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ قُرْآنًا، ولَعَلَّهُ ما أوْرَدَهُ مَوْرِدَ قُرْآنٍ بَلْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ: كالعَنْكَبُوتِ، والعَقْرَبِ، والرُّتَيْلاءِ، وذِي أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ رِجْلًا، وتُسَمّى الأُذُنَ وهَذا النَّوْعُ لِنُدُورِهِ لَمْ يُذْكَرْ. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَةُ خَلْقِهِ أنْشَأهُ واخْتَرَعَهُ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى كَثْرَةِ الحَيَوانِ وأنَّها كَما اخْتَلَفَتْ بِكَيْفِيَّةِ المَشْيِ اخْتَلَفَتْ بِأُمُورٍ أُخَرَ.

النور 24:47

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-٤٦٧)نَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ في المُنافِقِينَ بِسَبَبِ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما إلى الرَّسُولِ ﷺ ودَعا هو إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَنَزَلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذَمِّ قَوْمٍ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ عَقائِدِهِمْ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) . ﴿وما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ فَيَنْتَفِي عَنْ جَمِيعِهِمُ الإيمانُ، أوْ إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي فَيَكُونُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إيمانًا إنَّما كانَ ادِّعاءً بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ بِالقَلْبِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ هو عَنِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، يُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ، ومِنهُ: ؎ومَنهَلٍ مِنَ الفَلا في أوْسَطِهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطا وفَرَطِهْ أرادَ قَبْلَ فَرْطِ القَطا، انْتَهى. أيْ قَبْلَ تَقَدُّمِ القَطا إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيُحْكَمَ) في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(إذا) الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. جَوابُ (إذا) الأُولى الشَّرْطِيَّةِ، وهَذا أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الجَوابَ لا يَعْمَلُ في إذا الشَّرْطِيَّةِ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ إذا الفُجائِيَّةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقَدْ أُحْكِمَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوا. والضَّمِيرُ في: (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَتَعَلَّقَ: (إلَيْهِ) بِمُذْعِنِينَ، قالَ: لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْرِعِينَ في الطّاعَةِ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِتَقَدُّمِ صِلَتِهِ ودَلالَتِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وفِيما رَجَّحَ تَهْيِئَةَ العامِلِ لِلْعَمَلِ وقَطْعَهُ عَنِ العَمَلِ، وهو مِمّا يَضْعُفُ، والمَعْنى أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ يَزْوَرُّونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ؛ لِئَلّا تَنْزِعَهُ مِنهم بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ، وإنْ ثَبَتَ لَهُمُ الحَقُّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعَ إلَيْكَ كُلُّهم ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ. ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ﴾، (أمْ) هُنا مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلِ ارْتابُوا بَلْ أيَخافُونَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَوْبِيخٍ؛ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ ويُذَمُّ، أوْ مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، وهو بَلِيغٌ جِدًّا فَمِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَسْتَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا ∗∗∗ عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ ومِنَ المُبالَغَةِ في المَدْحِ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وقَسَّمَ تَعالى جِهاتِ صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ، فَقالَ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ وعَدَمُ إخْلاصٍ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ أيْ عَرَضَتْ لَهُمُ الرِّيبَةُ والشَّكُّ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْلِصِينَ. ﴿أمْ يَخافُونَ﴾ أيْ يَعْرِضُ لَهُمُ الخَوْفُ مِنَ الحَيْفِ في الحُكُومَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم. ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِبَلْ إنَّهم: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . وقَرَأ (p-٤٦٨)عَلِيٌّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ (إنَّما كانَ قَوْلُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى؛ لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَّعْرِيفِ، و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أوْغَلُ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. وكانَ هَذا مِن قَبِيلِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦]، انْتَهى. ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها إذا كانَتا مَعْرِفَتَيْنِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في جَعْلِ ما شِئْتَ مِنهُما الِاسْمَ والآخَرَ الخَبَرَ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ في ذَلِكَ ولا اخْتِيارٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ (لِيُحْكَمَ بَيْنَهم)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ (لِيُحْكَمَ) هو أيِ الحُكْمُ، والمَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ (بَيْنَهم) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: جَمَعَ بَيْنَهُما وألَّفَ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبإ: ٥٤] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فِيمَن قَرَأ (بَيْنَكم) مَنصُوبًا أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمُ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ في الآيَةِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيْ قَوْلَ الرَّسُولِ، (وأطَعْنا) أيْ أمْرَهُ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقِهِ﴾ بِالإشْباعِ والِاخْتِلاسِ والإسْكانِ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ، أجْرى خَبَرَ كانَ المُنْفَصِلَ مُجْرى المُتَّصِلِ، فَكَما يُسَكَّنُ عَلِمَ فَيُقالُ عَلْمَ كَذَلِكَ سُكِّنَ ويَتَّقْهِ؛ لِأنَّهُ تَقِهِ كَعَلِمَ، وكَما قالَ السّالِمُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا يُرِيدُ اشْتَرِ لَنا. ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فَرائِضِهِ، (ورَسُولَهُ) في سُنَنِهِ، و﴿يَخْشى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ. ولَمّا بَلَغَ المُنافِقِينَ ما أنْزَلَ تَعالى فِيهِمْ أتَوْا إلى الرَّسُولِ ﷺ وأقْسَمُوا إلى آخِرِهِ أيْ: (لَيَخْرُجُنَّ) عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، و﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهادِ (لَيَخْرُجُنَّ) إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في الأنْعامِ. ونَهاهم تَعالى عَنْ قَسَمِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ حَقًّا. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: مَعْلُومَةٌ لا شَكَّ فِيها ولا يُرْتابُ، كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُطابِقِ باطِنُهم لِظاهِرِهِمْ، لا أيْمانٌ تُقْسِمُوا بِها بِأفْواهِكم وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها، أوْ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعانِيَ. أحَدُها: النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ إذْ قَدْ عَرَفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكم، وفي هَذا الوَجْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم، هو المَطْلُوبُ مِنكم. والرّابِعُ: لا تَقْنَعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمَةِ طاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ، وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهْيَعٌ لائِحٌ، انْتَهى. و(طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ أمْثَلُ وأوْلى، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُنا أوِ المَطْلُوبُ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: ولَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أطِيعُوا طاعَةً، انْتَهى. وقَدَّراهُ بِالنَّصْبِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ، وتَقْدِيرُ بَعْضِهِمُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ ولْتَكُنْ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ الفِعْلُ ويَبْقى الفاعِلُ، إلّا إذا كانَ ثَمَّ مُشْعِرٌ بِهِ، نَحْوُ (رِجالٌ) بَعْدَ (يُسَبَّحُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، أوْ يُجابُ بِهِ نَفْيٌ نَحْوُ: بَلى زَيْدٌ لِمَن قالَ: ما جاءَ أحَدٌ. أوِ اسْتِفْهامٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بَلى خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ أيْ أتاها خالِدٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِكم فَفاضِحُكم. والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ. ولَمّا بَكَّتَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ؛ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، وهو أمْرٌ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾، أيْ: عَلى الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ وهو التَّبْلِيغُ (p-٤٦٩)ومُكافَحَةُ النّاسِ بِالرِّسالَةِ وإعْمالُ الجُهْدِ في إنْذارِهِمْ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. ثُمَّ عَلَّقَ هِدايَتَهم عَلى طاعَتِهِ فَلا يَقَعُ إلّا بِطاعَتِهِ، ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في المائِدَةِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهم، فَنَزَلَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ بَعْضُهم: ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ، فَقالَ ﷺ: ”لا تُغَبِّرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَعْدُ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، و(مِن) لِلْبَيانِ، أيِ: الَّذِينَ هم أنْتُمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم خُلَفاءَ. وقَوْلُهُ: (في الأرْضِ)، هي البِلادُ الَّتِي تُجاوِرُهم، وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، ثُمَّ افْتَتَحُوا بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم، واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا. وفي الصَّحِيحِ: «زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ دُونَ اتِّساعِهِ في الجَنُوبِ والشَّمالِ. (قُلْتُ): ولا سِيَّما في عَصْرِنا هَذا بِإسْلامِ مُعْظَمِ العالَمِ في المَشْرِقِ كَقَبائِلِ التُّرْكِ، وفي المَغْرِبِ كَبِلادِ السُّودانِ التَّكْرُورِ والحَبَشَةِ وبِلادِ الهِنْدِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ هَلاكِ الجَبابِرَةِ. وقِيلَ: هو ما كانَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَ الغالِبَ عَلى الأرْضِ المُؤْمِنُونَ. وقُرِئَ: ﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. واللّامُ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأقْسَمَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ أجْرى وعْدَ اللَّهِ لِتَحَقُّقِهِ مُجْرى القَسَمِ، فَجُووِبَ بِما يُجاوَبُ بِهِ القَسَمُ. وعَلى التَّقْدِيرِ حُذِفَ القَسَمُ بِكَوْنِ مَعْمُولِ (وعَدَ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافَكم وتَمْكِينَ دِينِكم. ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ؛ لِأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ. وقالَ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ» انْتَهى. ويَنْدَرِجُ مَن جَرى مَجْراهم في العَدْلِ مَنِ اسْتُخْلِفَ مِن قُرَيْشٍ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الأُمَوِيِّينَ، والمُهْتَدِينَ بِاللَّهِ في العَبّاسِيِّينَ. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهُ ويُوَطِّدُهُ بِإظْهارِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. و﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ جَلِيلَةٌ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في تَمْكِينِ هَذا الدِّينِ الغايَةَ القُصْوى، مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الفُتُوحِ والعُلُومِ الَّتِي فاقُوا فِيها جَمِيعَ العالَمِ، مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمانِ هَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وآمَنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانُوا آمِنِينَ، كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ فَقالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةَ لا نَفْسَ الفِعْلِ وحْدَهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ وعْدِهِمْ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و(لَيُبَدِّلَنَّهم) (لا يُشْرِكُونَ) بَدَلٌ مِن ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ حالٌ (p-٤٧٠)مِنَ الفاعِلِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ مُوَحِّدِينَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى أُطْلِقَ الكُفْرُ كانَ مُقابِلَ الإسْلامِ والإيمانِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُفْرَ هَذِهِ النِّعَمِ إذا وقَعَتْ ويَكُونُ الفِسْقُ عَلى هَذا غَيْرَ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ. قِيلَ: ظَهَرَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ يُرِيدُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وأقِيمُوا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ويُحَسِّنُهُ الخِطابُ في (مِنكم) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ؛ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ تَوْكِيدًا لِوُجُوبِها، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ (لا تَحْسَبَنَّ) أيُّها المُخاطَبُ، ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ، وقالُوا: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، والتَّقْدِيرُ لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ، والرَّسُولُ لا يَنْدَرِجُ في حاسِبٍ، وقالُوا: يَكُونُ ضَمِيرُ الفاعِلِ لِلرَّسُولِ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ التّاءِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصْرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخَطِّئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبَنَّ، ومِمَّنْ قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: هو ضَعِيفٌ، وأجازَهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، تَقْدِيرُهُ أنْفُسَهم. و(مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الثّانِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ . وقالَ الكُوفِيُّونَ: (مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الأوَّلُ. و(في الأرْضِ) الثّانِي، قِيلَ: وهو خَطَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ (في الأرْضِ) تَعَلُّقُهُ بِمُعْجِزِينَ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُتَّبِعًا قَوْلَ الكُوفِيِّينَ. فَقالَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، انْتَهى. وقالَ أيْضًا: يَكُونُ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكانَ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، انْتَهى. وقَدْ رَدَدْنا هَذا التَّخْرِيجَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا)، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ الفاعِلَ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ هَذا مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، فَلا يَتَقَدَّرُ لا يَحْسَبَنَّهم؛ إذْ لا يَجُوزُ ظَنَّهُ زَيْدٌ قائِمًا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ زَيْدٍ بِظَنَّهُ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾، والمُرادُ بِهِمُ المُقْسِمُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمُ، انْتَهى. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ومَأْواهُمُ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ انْتَهى. واسْتُبْعِدَ العَطْفُ مِن حَيْثُ إنَّ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ نَهْيٌ، ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَلَمْ يُناسِبْ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِتَبايُنِهِما، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، فَتَأوَّلَ جُمْلَةَ النَّهْيِ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ حَتّى تَقَعَ المُناسَبَةُ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ، وهو (p-٤٧١)مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

النور 24:48

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-٤٦٧)نَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ في المُنافِقِينَ بِسَبَبِ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما إلى الرَّسُولِ ﷺ ودَعا هو إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَنَزَلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذَمِّ قَوْمٍ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ عَقائِدِهِمْ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) . ﴿وما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ فَيَنْتَفِي عَنْ جَمِيعِهِمُ الإيمانُ، أوْ إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي فَيَكُونُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إيمانًا إنَّما كانَ ادِّعاءً بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ بِالقَلْبِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ هو عَنِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، يُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ، ومِنهُ: ؎ومَنهَلٍ مِنَ الفَلا في أوْسَطِهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطا وفَرَطِهْ أرادَ قَبْلَ فَرْطِ القَطا، انْتَهى. أيْ قَبْلَ تَقَدُّمِ القَطا إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيُحْكَمَ) في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(إذا) الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. جَوابُ (إذا) الأُولى الشَّرْطِيَّةِ، وهَذا أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الجَوابَ لا يَعْمَلُ في إذا الشَّرْطِيَّةِ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ إذا الفُجائِيَّةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقَدْ أُحْكِمَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوا. والضَّمِيرُ في: (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَتَعَلَّقَ: (إلَيْهِ) بِمُذْعِنِينَ، قالَ: لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْرِعِينَ في الطّاعَةِ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِتَقَدُّمِ صِلَتِهِ ودَلالَتِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وفِيما رَجَّحَ تَهْيِئَةَ العامِلِ لِلْعَمَلِ وقَطْعَهُ عَنِ العَمَلِ، وهو مِمّا يَضْعُفُ، والمَعْنى أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ يَزْوَرُّونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ؛ لِئَلّا تَنْزِعَهُ مِنهم بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ، وإنْ ثَبَتَ لَهُمُ الحَقُّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعَ إلَيْكَ كُلُّهم ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ. ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ﴾، (أمْ) هُنا مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلِ ارْتابُوا بَلْ أيَخافُونَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَوْبِيخٍ؛ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ ويُذَمُّ، أوْ مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، وهو بَلِيغٌ جِدًّا فَمِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَسْتَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا ∗∗∗ عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ ومِنَ المُبالَغَةِ في المَدْحِ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وقَسَّمَ تَعالى جِهاتِ صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ، فَقالَ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ وعَدَمُ إخْلاصٍ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ أيْ عَرَضَتْ لَهُمُ الرِّيبَةُ والشَّكُّ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْلِصِينَ. ﴿أمْ يَخافُونَ﴾ أيْ يَعْرِضُ لَهُمُ الخَوْفُ مِنَ الحَيْفِ في الحُكُومَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم. ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِبَلْ إنَّهم: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . وقَرَأ (p-٤٦٨)عَلِيٌّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ (إنَّما كانَ قَوْلُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى؛ لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَّعْرِيفِ، و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أوْغَلُ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. وكانَ هَذا مِن قَبِيلِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦]، انْتَهى. ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها إذا كانَتا مَعْرِفَتَيْنِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في جَعْلِ ما شِئْتَ مِنهُما الِاسْمَ والآخَرَ الخَبَرَ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ في ذَلِكَ ولا اخْتِيارٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ (لِيُحْكَمَ بَيْنَهم)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ (لِيُحْكَمَ) هو أيِ الحُكْمُ، والمَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ (بَيْنَهم) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: جَمَعَ بَيْنَهُما وألَّفَ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبإ: ٥٤] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فِيمَن قَرَأ (بَيْنَكم) مَنصُوبًا أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمُ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ في الآيَةِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيْ قَوْلَ الرَّسُولِ، (وأطَعْنا) أيْ أمْرَهُ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقِهِ﴾ بِالإشْباعِ والِاخْتِلاسِ والإسْكانِ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ، أجْرى خَبَرَ كانَ المُنْفَصِلَ مُجْرى المُتَّصِلِ، فَكَما يُسَكَّنُ عَلِمَ فَيُقالُ عَلْمَ كَذَلِكَ سُكِّنَ ويَتَّقْهِ؛ لِأنَّهُ تَقِهِ كَعَلِمَ، وكَما قالَ السّالِمُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا يُرِيدُ اشْتَرِ لَنا. ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فَرائِضِهِ، (ورَسُولَهُ) في سُنَنِهِ، و﴿يَخْشى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ. ولَمّا بَلَغَ المُنافِقِينَ ما أنْزَلَ تَعالى فِيهِمْ أتَوْا إلى الرَّسُولِ ﷺ وأقْسَمُوا إلى آخِرِهِ أيْ: (لَيَخْرُجُنَّ) عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، و﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهادِ (لَيَخْرُجُنَّ) إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في الأنْعامِ. ونَهاهم تَعالى عَنْ قَسَمِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ حَقًّا. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: مَعْلُومَةٌ لا شَكَّ فِيها ولا يُرْتابُ، كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُطابِقِ باطِنُهم لِظاهِرِهِمْ، لا أيْمانٌ تُقْسِمُوا بِها بِأفْواهِكم وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها، أوْ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعانِيَ. أحَدُها: النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ إذْ قَدْ عَرَفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكم، وفي هَذا الوَجْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم، هو المَطْلُوبُ مِنكم. والرّابِعُ: لا تَقْنَعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمَةِ طاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ، وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهْيَعٌ لائِحٌ، انْتَهى. و(طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ أمْثَلُ وأوْلى، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُنا أوِ المَطْلُوبُ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: ولَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أطِيعُوا طاعَةً، انْتَهى. وقَدَّراهُ بِالنَّصْبِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ، وتَقْدِيرُ بَعْضِهِمُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ ولْتَكُنْ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ الفِعْلُ ويَبْقى الفاعِلُ، إلّا إذا كانَ ثَمَّ مُشْعِرٌ بِهِ، نَحْوُ (رِجالٌ) بَعْدَ (يُسَبَّحُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، أوْ يُجابُ بِهِ نَفْيٌ نَحْوُ: بَلى زَيْدٌ لِمَن قالَ: ما جاءَ أحَدٌ. أوِ اسْتِفْهامٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بَلى خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ أيْ أتاها خالِدٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِكم فَفاضِحُكم. والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ. ولَمّا بَكَّتَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ؛ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، وهو أمْرٌ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾، أيْ: عَلى الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ وهو التَّبْلِيغُ (p-٤٦٩)ومُكافَحَةُ النّاسِ بِالرِّسالَةِ وإعْمالُ الجُهْدِ في إنْذارِهِمْ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. ثُمَّ عَلَّقَ هِدايَتَهم عَلى طاعَتِهِ فَلا يَقَعُ إلّا بِطاعَتِهِ، ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في المائِدَةِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهم، فَنَزَلَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ بَعْضُهم: ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ، فَقالَ ﷺ: ”لا تُغَبِّرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَعْدُ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، و(مِن) لِلْبَيانِ، أيِ: الَّذِينَ هم أنْتُمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم خُلَفاءَ. وقَوْلُهُ: (في الأرْضِ)، هي البِلادُ الَّتِي تُجاوِرُهم، وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، ثُمَّ افْتَتَحُوا بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم، واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا. وفي الصَّحِيحِ: «زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ دُونَ اتِّساعِهِ في الجَنُوبِ والشَّمالِ. (قُلْتُ): ولا سِيَّما في عَصْرِنا هَذا بِإسْلامِ مُعْظَمِ العالَمِ في المَشْرِقِ كَقَبائِلِ التُّرْكِ، وفي المَغْرِبِ كَبِلادِ السُّودانِ التَّكْرُورِ والحَبَشَةِ وبِلادِ الهِنْدِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ هَلاكِ الجَبابِرَةِ. وقِيلَ: هو ما كانَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَ الغالِبَ عَلى الأرْضِ المُؤْمِنُونَ. وقُرِئَ: ﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. واللّامُ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأقْسَمَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ أجْرى وعْدَ اللَّهِ لِتَحَقُّقِهِ مُجْرى القَسَمِ، فَجُووِبَ بِما يُجاوَبُ بِهِ القَسَمُ. وعَلى التَّقْدِيرِ حُذِفَ القَسَمُ بِكَوْنِ مَعْمُولِ (وعَدَ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافَكم وتَمْكِينَ دِينِكم. ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ؛ لِأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ. وقالَ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ» انْتَهى. ويَنْدَرِجُ مَن جَرى مَجْراهم في العَدْلِ مَنِ اسْتُخْلِفَ مِن قُرَيْشٍ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الأُمَوِيِّينَ، والمُهْتَدِينَ بِاللَّهِ في العَبّاسِيِّينَ. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهُ ويُوَطِّدُهُ بِإظْهارِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. و﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ جَلِيلَةٌ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في تَمْكِينِ هَذا الدِّينِ الغايَةَ القُصْوى، مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الفُتُوحِ والعُلُومِ الَّتِي فاقُوا فِيها جَمِيعَ العالَمِ، مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمانِ هَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وآمَنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانُوا آمِنِينَ، كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ فَقالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةَ لا نَفْسَ الفِعْلِ وحْدَهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ وعْدِهِمْ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و(لَيُبَدِّلَنَّهم) (لا يُشْرِكُونَ) بَدَلٌ مِن ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ حالٌ (p-٤٧٠)مِنَ الفاعِلِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ مُوَحِّدِينَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى أُطْلِقَ الكُفْرُ كانَ مُقابِلَ الإسْلامِ والإيمانِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُفْرَ هَذِهِ النِّعَمِ إذا وقَعَتْ ويَكُونُ الفِسْقُ عَلى هَذا غَيْرَ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ. قِيلَ: ظَهَرَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ يُرِيدُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وأقِيمُوا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ويُحَسِّنُهُ الخِطابُ في (مِنكم) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ؛ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ تَوْكِيدًا لِوُجُوبِها، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ (لا تَحْسَبَنَّ) أيُّها المُخاطَبُ، ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ، وقالُوا: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، والتَّقْدِيرُ لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ، والرَّسُولُ لا يَنْدَرِجُ في حاسِبٍ، وقالُوا: يَكُونُ ضَمِيرُ الفاعِلِ لِلرَّسُولِ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ التّاءِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصْرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخَطِّئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبَنَّ، ومِمَّنْ قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: هو ضَعِيفٌ، وأجازَهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، تَقْدِيرُهُ أنْفُسَهم. و(مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الثّانِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ . وقالَ الكُوفِيُّونَ: (مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الأوَّلُ. و(في الأرْضِ) الثّانِي، قِيلَ: وهو خَطَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ (في الأرْضِ) تَعَلُّقُهُ بِمُعْجِزِينَ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُتَّبِعًا قَوْلَ الكُوفِيِّينَ. فَقالَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، انْتَهى. وقالَ أيْضًا: يَكُونُ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكانَ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، انْتَهى. وقَدْ رَدَدْنا هَذا التَّخْرِيجَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا)، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ الفاعِلَ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ هَذا مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، فَلا يَتَقَدَّرُ لا يَحْسَبَنَّهم؛ إذْ لا يَجُوزُ ظَنَّهُ زَيْدٌ قائِمًا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ زَيْدٍ بِظَنَّهُ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾، والمُرادُ بِهِمُ المُقْسِمُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمُ، انْتَهى. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ومَأْواهُمُ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ انْتَهى. واسْتُبْعِدَ العَطْفُ مِن حَيْثُ إنَّ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ نَهْيٌ، ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَلَمْ يُناسِبْ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِتَبايُنِهِما، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، فَتَأوَّلَ جُمْلَةَ النَّهْيِ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ حَتّى تَقَعَ المُناسَبَةُ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ، وهو (p-٤٧١)مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

النور 24:49

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-٤٦٧)نَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ في المُنافِقِينَ بِسَبَبِ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما إلى الرَّسُولِ ﷺ ودَعا هو إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَنَزَلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذَمِّ قَوْمٍ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ عَقائِدِهِمْ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) . ﴿وما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ فَيَنْتَفِي عَنْ جَمِيعِهِمُ الإيمانُ، أوْ إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي فَيَكُونُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إيمانًا إنَّما كانَ ادِّعاءً بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ بِالقَلْبِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ هو عَنِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، يُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ، ومِنهُ: ؎ومَنهَلٍ مِنَ الفَلا في أوْسَطِهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطا وفَرَطِهْ أرادَ قَبْلَ فَرْطِ القَطا، انْتَهى. أيْ قَبْلَ تَقَدُّمِ القَطا إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيُحْكَمَ) في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(إذا) الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. جَوابُ (إذا) الأُولى الشَّرْطِيَّةِ، وهَذا أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الجَوابَ لا يَعْمَلُ في إذا الشَّرْطِيَّةِ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ إذا الفُجائِيَّةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقَدْ أُحْكِمَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوا. والضَّمِيرُ في: (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَتَعَلَّقَ: (إلَيْهِ) بِمُذْعِنِينَ، قالَ: لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْرِعِينَ في الطّاعَةِ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِتَقَدُّمِ صِلَتِهِ ودَلالَتِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وفِيما رَجَّحَ تَهْيِئَةَ العامِلِ لِلْعَمَلِ وقَطْعَهُ عَنِ العَمَلِ، وهو مِمّا يَضْعُفُ، والمَعْنى أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ يَزْوَرُّونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ؛ لِئَلّا تَنْزِعَهُ مِنهم بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ، وإنْ ثَبَتَ لَهُمُ الحَقُّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعَ إلَيْكَ كُلُّهم ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ. ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ﴾، (أمْ) هُنا مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلِ ارْتابُوا بَلْ أيَخافُونَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَوْبِيخٍ؛ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ ويُذَمُّ، أوْ مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، وهو بَلِيغٌ جِدًّا فَمِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَسْتَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا ∗∗∗ عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ ومِنَ المُبالَغَةِ في المَدْحِ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وقَسَّمَ تَعالى جِهاتِ صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ، فَقالَ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ وعَدَمُ إخْلاصٍ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ أيْ عَرَضَتْ لَهُمُ الرِّيبَةُ والشَّكُّ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْلِصِينَ. ﴿أمْ يَخافُونَ﴾ أيْ يَعْرِضُ لَهُمُ الخَوْفُ مِنَ الحَيْفِ في الحُكُومَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم. ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِبَلْ إنَّهم: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . وقَرَأ (p-٤٦٨)عَلِيٌّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ (إنَّما كانَ قَوْلُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى؛ لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَّعْرِيفِ، و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أوْغَلُ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. وكانَ هَذا مِن قَبِيلِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦]، انْتَهى. ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها إذا كانَتا مَعْرِفَتَيْنِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في جَعْلِ ما شِئْتَ مِنهُما الِاسْمَ والآخَرَ الخَبَرَ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ في ذَلِكَ ولا اخْتِيارٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ (لِيُحْكَمَ بَيْنَهم)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ (لِيُحْكَمَ) هو أيِ الحُكْمُ، والمَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ (بَيْنَهم) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: جَمَعَ بَيْنَهُما وألَّفَ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبإ: ٥٤] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فِيمَن قَرَأ (بَيْنَكم) مَنصُوبًا أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمُ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ في الآيَةِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيْ قَوْلَ الرَّسُولِ، (وأطَعْنا) أيْ أمْرَهُ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقِهِ﴾ بِالإشْباعِ والِاخْتِلاسِ والإسْكانِ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ، أجْرى خَبَرَ كانَ المُنْفَصِلَ مُجْرى المُتَّصِلِ، فَكَما يُسَكَّنُ عَلِمَ فَيُقالُ عَلْمَ كَذَلِكَ سُكِّنَ ويَتَّقْهِ؛ لِأنَّهُ تَقِهِ كَعَلِمَ، وكَما قالَ السّالِمُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا يُرِيدُ اشْتَرِ لَنا. ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فَرائِضِهِ، (ورَسُولَهُ) في سُنَنِهِ، و﴿يَخْشى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ. ولَمّا بَلَغَ المُنافِقِينَ ما أنْزَلَ تَعالى فِيهِمْ أتَوْا إلى الرَّسُولِ ﷺ وأقْسَمُوا إلى آخِرِهِ أيْ: (لَيَخْرُجُنَّ) عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، و﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهادِ (لَيَخْرُجُنَّ) إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في الأنْعامِ. ونَهاهم تَعالى عَنْ قَسَمِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ حَقًّا. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: مَعْلُومَةٌ لا شَكَّ فِيها ولا يُرْتابُ، كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُطابِقِ باطِنُهم لِظاهِرِهِمْ، لا أيْمانٌ تُقْسِمُوا بِها بِأفْواهِكم وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها، أوْ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعانِيَ. أحَدُها: النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ إذْ قَدْ عَرَفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكم، وفي هَذا الوَجْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم، هو المَطْلُوبُ مِنكم. والرّابِعُ: لا تَقْنَعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمَةِ طاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ، وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهْيَعٌ لائِحٌ، انْتَهى. و(طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ أمْثَلُ وأوْلى، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُنا أوِ المَطْلُوبُ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: ولَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أطِيعُوا طاعَةً، انْتَهى. وقَدَّراهُ بِالنَّصْبِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ، وتَقْدِيرُ بَعْضِهِمُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ ولْتَكُنْ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ الفِعْلُ ويَبْقى الفاعِلُ، إلّا إذا كانَ ثَمَّ مُشْعِرٌ بِهِ، نَحْوُ (رِجالٌ) بَعْدَ (يُسَبَّحُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، أوْ يُجابُ بِهِ نَفْيٌ نَحْوُ: بَلى زَيْدٌ لِمَن قالَ: ما جاءَ أحَدٌ. أوِ اسْتِفْهامٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بَلى خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ أيْ أتاها خالِدٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِكم فَفاضِحُكم. والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ. ولَمّا بَكَّتَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ؛ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، وهو أمْرٌ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾، أيْ: عَلى الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ وهو التَّبْلِيغُ (p-٤٦٩)ومُكافَحَةُ النّاسِ بِالرِّسالَةِ وإعْمالُ الجُهْدِ في إنْذارِهِمْ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. ثُمَّ عَلَّقَ هِدايَتَهم عَلى طاعَتِهِ فَلا يَقَعُ إلّا بِطاعَتِهِ، ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في المائِدَةِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهم، فَنَزَلَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ بَعْضُهم: ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ، فَقالَ ﷺ: ”لا تُغَبِّرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَعْدُ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، و(مِن) لِلْبَيانِ، أيِ: الَّذِينَ هم أنْتُمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم خُلَفاءَ. وقَوْلُهُ: (في الأرْضِ)، هي البِلادُ الَّتِي تُجاوِرُهم، وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، ثُمَّ افْتَتَحُوا بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم، واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا. وفي الصَّحِيحِ: «زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ دُونَ اتِّساعِهِ في الجَنُوبِ والشَّمالِ. (قُلْتُ): ولا سِيَّما في عَصْرِنا هَذا بِإسْلامِ مُعْظَمِ العالَمِ في المَشْرِقِ كَقَبائِلِ التُّرْكِ، وفي المَغْرِبِ كَبِلادِ السُّودانِ التَّكْرُورِ والحَبَشَةِ وبِلادِ الهِنْدِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ هَلاكِ الجَبابِرَةِ. وقِيلَ: هو ما كانَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَ الغالِبَ عَلى الأرْضِ المُؤْمِنُونَ. وقُرِئَ: ﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. واللّامُ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأقْسَمَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ أجْرى وعْدَ اللَّهِ لِتَحَقُّقِهِ مُجْرى القَسَمِ، فَجُووِبَ بِما يُجاوَبُ بِهِ القَسَمُ. وعَلى التَّقْدِيرِ حُذِفَ القَسَمُ بِكَوْنِ مَعْمُولِ (وعَدَ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافَكم وتَمْكِينَ دِينِكم. ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ؛ لِأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ. وقالَ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ» انْتَهى. ويَنْدَرِجُ مَن جَرى مَجْراهم في العَدْلِ مَنِ اسْتُخْلِفَ مِن قُرَيْشٍ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الأُمَوِيِّينَ، والمُهْتَدِينَ بِاللَّهِ في العَبّاسِيِّينَ. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهُ ويُوَطِّدُهُ بِإظْهارِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. و﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ جَلِيلَةٌ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في تَمْكِينِ هَذا الدِّينِ الغايَةَ القُصْوى، مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الفُتُوحِ والعُلُومِ الَّتِي فاقُوا فِيها جَمِيعَ العالَمِ، مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمانِ هَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وآمَنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانُوا آمِنِينَ، كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ فَقالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةَ لا نَفْسَ الفِعْلِ وحْدَهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ وعْدِهِمْ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و(لَيُبَدِّلَنَّهم) (لا يُشْرِكُونَ) بَدَلٌ مِن ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ حالٌ (p-٤٧٠)مِنَ الفاعِلِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ مُوَحِّدِينَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى أُطْلِقَ الكُفْرُ كانَ مُقابِلَ الإسْلامِ والإيمانِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُفْرَ هَذِهِ النِّعَمِ إذا وقَعَتْ ويَكُونُ الفِسْقُ عَلى هَذا غَيْرَ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ. قِيلَ: ظَهَرَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ يُرِيدُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وأقِيمُوا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ويُحَسِّنُهُ الخِطابُ في (مِنكم) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ؛ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ تَوْكِيدًا لِوُجُوبِها، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ (لا تَحْسَبَنَّ) أيُّها المُخاطَبُ، ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ، وقالُوا: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، والتَّقْدِيرُ لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ، والرَّسُولُ لا يَنْدَرِجُ في حاسِبٍ، وقالُوا: يَكُونُ ضَمِيرُ الفاعِلِ لِلرَّسُولِ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ التّاءِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصْرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخَطِّئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبَنَّ، ومِمَّنْ قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: هو ضَعِيفٌ، وأجازَهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، تَقْدِيرُهُ أنْفُسَهم. و(مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الثّانِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ . وقالَ الكُوفِيُّونَ: (مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الأوَّلُ. و(في الأرْضِ) الثّانِي، قِيلَ: وهو خَطَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ (في الأرْضِ) تَعَلُّقُهُ بِمُعْجِزِينَ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُتَّبِعًا قَوْلَ الكُوفِيِّينَ. فَقالَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، انْتَهى. وقالَ أيْضًا: يَكُونُ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكانَ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، انْتَهى. وقَدْ رَدَدْنا هَذا التَّخْرِيجَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا)، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ الفاعِلَ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ هَذا مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، فَلا يَتَقَدَّرُ لا يَحْسَبَنَّهم؛ إذْ لا يَجُوزُ ظَنَّهُ زَيْدٌ قائِمًا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ زَيْدٍ بِظَنَّهُ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾، والمُرادُ بِهِمُ المُقْسِمُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمُ، انْتَهى. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ومَأْواهُمُ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ انْتَهى. واسْتُبْعِدَ العَطْفُ مِن حَيْثُ إنَّ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ نَهْيٌ، ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَلَمْ يُناسِبْ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِتَبايُنِهِما، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، فَتَأوَّلَ جُمْلَةَ النَّهْيِ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ حَتّى تَقَعَ المُناسَبَةُ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ، وهو (p-٤٧١)مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

النور 24:50

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-٤٦٧)نَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ في المُنافِقِينَ بِسَبَبِ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما إلى الرَّسُولِ ﷺ ودَعا هو إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَنَزَلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذَمِّ قَوْمٍ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ عَقائِدِهِمْ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) . ﴿وما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ فَيَنْتَفِي عَنْ جَمِيعِهِمُ الإيمانُ، أوْ إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي فَيَكُونُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إيمانًا إنَّما كانَ ادِّعاءً بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ بِالقَلْبِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ هو عَنِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، يُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ، ومِنهُ: ؎ومَنهَلٍ مِنَ الفَلا في أوْسَطِهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطا وفَرَطِهْ أرادَ قَبْلَ فَرْطِ القَطا، انْتَهى. أيْ قَبْلَ تَقَدُّمِ القَطا إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيُحْكَمَ) في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(إذا) الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. جَوابُ (إذا) الأُولى الشَّرْطِيَّةِ، وهَذا أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الجَوابَ لا يَعْمَلُ في إذا الشَّرْطِيَّةِ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ إذا الفُجائِيَّةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقَدْ أُحْكِمَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوا. والضَّمِيرُ في: (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَتَعَلَّقَ: (إلَيْهِ) بِمُذْعِنِينَ، قالَ: لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْرِعِينَ في الطّاعَةِ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِتَقَدُّمِ صِلَتِهِ ودَلالَتِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وفِيما رَجَّحَ تَهْيِئَةَ العامِلِ لِلْعَمَلِ وقَطْعَهُ عَنِ العَمَلِ، وهو مِمّا يَضْعُفُ، والمَعْنى أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ يَزْوَرُّونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ؛ لِئَلّا تَنْزِعَهُ مِنهم بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ، وإنْ ثَبَتَ لَهُمُ الحَقُّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعَ إلَيْكَ كُلُّهم ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ. ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ﴾، (أمْ) هُنا مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلِ ارْتابُوا بَلْ أيَخافُونَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَوْبِيخٍ؛ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ ويُذَمُّ، أوْ مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، وهو بَلِيغٌ جِدًّا فَمِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَسْتَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا ∗∗∗ عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ ومِنَ المُبالَغَةِ في المَدْحِ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وقَسَّمَ تَعالى جِهاتِ صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ، فَقالَ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ وعَدَمُ إخْلاصٍ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ أيْ عَرَضَتْ لَهُمُ الرِّيبَةُ والشَّكُّ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْلِصِينَ. ﴿أمْ يَخافُونَ﴾ أيْ يَعْرِضُ لَهُمُ الخَوْفُ مِنَ الحَيْفِ في الحُكُومَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم. ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِبَلْ إنَّهم: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . وقَرَأ (p-٤٦٨)عَلِيٌّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ (إنَّما كانَ قَوْلُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى؛ لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَّعْرِيفِ، و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أوْغَلُ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. وكانَ هَذا مِن قَبِيلِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦]، انْتَهى. ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها إذا كانَتا مَعْرِفَتَيْنِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في جَعْلِ ما شِئْتَ مِنهُما الِاسْمَ والآخَرَ الخَبَرَ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ في ذَلِكَ ولا اخْتِيارٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ (لِيُحْكَمَ بَيْنَهم)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ (لِيُحْكَمَ) هو أيِ الحُكْمُ، والمَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ (بَيْنَهم) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: جَمَعَ بَيْنَهُما وألَّفَ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبإ: ٥٤] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فِيمَن قَرَأ (بَيْنَكم) مَنصُوبًا أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمُ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ في الآيَةِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيْ قَوْلَ الرَّسُولِ، (وأطَعْنا) أيْ أمْرَهُ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقِهِ﴾ بِالإشْباعِ والِاخْتِلاسِ والإسْكانِ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ، أجْرى خَبَرَ كانَ المُنْفَصِلَ مُجْرى المُتَّصِلِ، فَكَما يُسَكَّنُ عَلِمَ فَيُقالُ عَلْمَ كَذَلِكَ سُكِّنَ ويَتَّقْهِ؛ لِأنَّهُ تَقِهِ كَعَلِمَ، وكَما قالَ السّالِمُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا يُرِيدُ اشْتَرِ لَنا. ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فَرائِضِهِ، (ورَسُولَهُ) في سُنَنِهِ، و﴿يَخْشى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ. ولَمّا بَلَغَ المُنافِقِينَ ما أنْزَلَ تَعالى فِيهِمْ أتَوْا إلى الرَّسُولِ ﷺ وأقْسَمُوا إلى آخِرِهِ أيْ: (لَيَخْرُجُنَّ) عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، و﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهادِ (لَيَخْرُجُنَّ) إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في الأنْعامِ. ونَهاهم تَعالى عَنْ قَسَمِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ حَقًّا. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: مَعْلُومَةٌ لا شَكَّ فِيها ولا يُرْتابُ، كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُطابِقِ باطِنُهم لِظاهِرِهِمْ، لا أيْمانٌ تُقْسِمُوا بِها بِأفْواهِكم وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها، أوْ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعانِيَ. أحَدُها: النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ إذْ قَدْ عَرَفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكم، وفي هَذا الوَجْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم، هو المَطْلُوبُ مِنكم. والرّابِعُ: لا تَقْنَعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمَةِ طاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ، وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهْيَعٌ لائِحٌ، انْتَهى. و(طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ أمْثَلُ وأوْلى، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُنا أوِ المَطْلُوبُ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: ولَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أطِيعُوا طاعَةً، انْتَهى. وقَدَّراهُ بِالنَّصْبِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ، وتَقْدِيرُ بَعْضِهِمُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ ولْتَكُنْ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ الفِعْلُ ويَبْقى الفاعِلُ، إلّا إذا كانَ ثَمَّ مُشْعِرٌ بِهِ، نَحْوُ (رِجالٌ) بَعْدَ (يُسَبَّحُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، أوْ يُجابُ بِهِ نَفْيٌ نَحْوُ: بَلى زَيْدٌ لِمَن قالَ: ما جاءَ أحَدٌ. أوِ اسْتِفْهامٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بَلى خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ أيْ أتاها خالِدٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِكم فَفاضِحُكم. والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ. ولَمّا بَكَّتَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ؛ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، وهو أمْرٌ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾، أيْ: عَلى الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ وهو التَّبْلِيغُ (p-٤٦٩)ومُكافَحَةُ النّاسِ بِالرِّسالَةِ وإعْمالُ الجُهْدِ في إنْذارِهِمْ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. ثُمَّ عَلَّقَ هِدايَتَهم عَلى طاعَتِهِ فَلا يَقَعُ إلّا بِطاعَتِهِ، ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في المائِدَةِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهم، فَنَزَلَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ بَعْضُهم: ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ، فَقالَ ﷺ: ”لا تُغَبِّرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَعْدُ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، و(مِن) لِلْبَيانِ، أيِ: الَّذِينَ هم أنْتُمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم خُلَفاءَ. وقَوْلُهُ: (في الأرْضِ)، هي البِلادُ الَّتِي تُجاوِرُهم، وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، ثُمَّ افْتَتَحُوا بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم، واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا. وفي الصَّحِيحِ: «زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ دُونَ اتِّساعِهِ في الجَنُوبِ والشَّمالِ. (قُلْتُ): ولا سِيَّما في عَصْرِنا هَذا بِإسْلامِ مُعْظَمِ العالَمِ في المَشْرِقِ كَقَبائِلِ التُّرْكِ، وفي المَغْرِبِ كَبِلادِ السُّودانِ التَّكْرُورِ والحَبَشَةِ وبِلادِ الهِنْدِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ هَلاكِ الجَبابِرَةِ. وقِيلَ: هو ما كانَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَ الغالِبَ عَلى الأرْضِ المُؤْمِنُونَ. وقُرِئَ: ﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. واللّامُ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأقْسَمَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ أجْرى وعْدَ اللَّهِ لِتَحَقُّقِهِ مُجْرى القَسَمِ، فَجُووِبَ بِما يُجاوَبُ بِهِ القَسَمُ. وعَلى التَّقْدِيرِ حُذِفَ القَسَمُ بِكَوْنِ مَعْمُولِ (وعَدَ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافَكم وتَمْكِينَ دِينِكم. ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ؛ لِأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ. وقالَ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ» انْتَهى. ويَنْدَرِجُ مَن جَرى مَجْراهم في العَدْلِ مَنِ اسْتُخْلِفَ مِن قُرَيْشٍ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الأُمَوِيِّينَ، والمُهْتَدِينَ بِاللَّهِ في العَبّاسِيِّينَ. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهُ ويُوَطِّدُهُ بِإظْهارِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. و﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ جَلِيلَةٌ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في تَمْكِينِ هَذا الدِّينِ الغايَةَ القُصْوى، مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الفُتُوحِ والعُلُومِ الَّتِي فاقُوا فِيها جَمِيعَ العالَمِ، مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمانِ هَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وآمَنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانُوا آمِنِينَ، كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ فَقالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةَ لا نَفْسَ الفِعْلِ وحْدَهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ وعْدِهِمْ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و(لَيُبَدِّلَنَّهم) (لا يُشْرِكُونَ) بَدَلٌ مِن ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ حالٌ (p-٤٧٠)مِنَ الفاعِلِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ مُوَحِّدِينَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى أُطْلِقَ الكُفْرُ كانَ مُقابِلَ الإسْلامِ والإيمانِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُفْرَ هَذِهِ النِّعَمِ إذا وقَعَتْ ويَكُونُ الفِسْقُ عَلى هَذا غَيْرَ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ. قِيلَ: ظَهَرَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ يُرِيدُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وأقِيمُوا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ويُحَسِّنُهُ الخِطابُ في (مِنكم) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ؛ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ تَوْكِيدًا لِوُجُوبِها، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ (لا تَحْسَبَنَّ) أيُّها المُخاطَبُ، ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ، وقالُوا: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، والتَّقْدِيرُ لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ، والرَّسُولُ لا يَنْدَرِجُ في حاسِبٍ، وقالُوا: يَكُونُ ضَمِيرُ الفاعِلِ لِلرَّسُولِ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ التّاءِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصْرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخَطِّئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبَنَّ، ومِمَّنْ قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: هو ضَعِيفٌ، وأجازَهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، تَقْدِيرُهُ أنْفُسَهم. و(مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الثّانِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ . وقالَ الكُوفِيُّونَ: (مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الأوَّلُ. و(في الأرْضِ) الثّانِي، قِيلَ: وهو خَطَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ (في الأرْضِ) تَعَلُّقُهُ بِمُعْجِزِينَ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُتَّبِعًا قَوْلَ الكُوفِيِّينَ. فَقالَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، انْتَهى. وقالَ أيْضًا: يَكُونُ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكانَ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، انْتَهى. وقَدْ رَدَدْنا هَذا التَّخْرِيجَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا)، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ الفاعِلَ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ هَذا مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، فَلا يَتَقَدَّرُ لا يَحْسَبَنَّهم؛ إذْ لا يَجُوزُ ظَنَّهُ زَيْدٌ قائِمًا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ زَيْدٍ بِظَنَّهُ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾، والمُرادُ بِهِمُ المُقْسِمُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمُ، انْتَهى. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ومَأْواهُمُ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ انْتَهى. واسْتُبْعِدَ العَطْفُ مِن حَيْثُ إنَّ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ نَهْيٌ، ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَلَمْ يُناسِبْ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِتَبايُنِهِما، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، فَتَأوَّلَ جُمْلَةَ النَّهْيِ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ حَتّى تَقَعَ المُناسَبَةُ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ، وهو (p-٤٧١)مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.