Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — النور 24:51 – الفرقان 25:6

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. النور 24:51
  2. النور 24:52
  3. النور 24:53
  4. النور 24:54
  5. النور 24:55
  6. النور 24:56
  7. النور 24:57
  8. النور 24:58
  9. النور 24:59
  10. النور 24:60
  11. النور 24:61
  12. النور 24:62
  13. النور 24:63
  14. النور 24:64
  15. الفرقان 25:1
  16. الفرقان 25:2
  17. الفرقان 25:3
  18. الفرقان 25:4
  19. الفرقان 25:5
  20. الفرقان 25:6

النور 24:51

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-٤٦٧)نَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ في المُنافِقِينَ بِسَبَبِ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما إلى الرَّسُولِ ﷺ ودَعا هو إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَنَزَلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذَمِّ قَوْمٍ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ عَقائِدِهِمْ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) . ﴿وما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ فَيَنْتَفِي عَنْ جَمِيعِهِمُ الإيمانُ، أوْ إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي فَيَكُونُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إيمانًا إنَّما كانَ ادِّعاءً بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ بِالقَلْبِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ هو عَنِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، يُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ، ومِنهُ: ؎ومَنهَلٍ مِنَ الفَلا في أوْسَطِهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطا وفَرَطِهْ أرادَ قَبْلَ فَرْطِ القَطا، انْتَهى. أيْ قَبْلَ تَقَدُّمِ القَطا إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيُحْكَمَ) في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(إذا) الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. جَوابُ (إذا) الأُولى الشَّرْطِيَّةِ، وهَذا أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الجَوابَ لا يَعْمَلُ في إذا الشَّرْطِيَّةِ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ إذا الفُجائِيَّةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقَدْ أُحْكِمَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوا. والضَّمِيرُ في: (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَتَعَلَّقَ: (إلَيْهِ) بِمُذْعِنِينَ، قالَ: لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْرِعِينَ في الطّاعَةِ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِتَقَدُّمِ صِلَتِهِ ودَلالَتِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وفِيما رَجَّحَ تَهْيِئَةَ العامِلِ لِلْعَمَلِ وقَطْعَهُ عَنِ العَمَلِ، وهو مِمّا يَضْعُفُ، والمَعْنى أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ يَزْوَرُّونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ؛ لِئَلّا تَنْزِعَهُ مِنهم بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ، وإنْ ثَبَتَ لَهُمُ الحَقُّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعَ إلَيْكَ كُلُّهم ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ. ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ﴾، (أمْ) هُنا مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلِ ارْتابُوا بَلْ أيَخافُونَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَوْبِيخٍ؛ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ ويُذَمُّ، أوْ مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، وهو بَلِيغٌ جِدًّا فَمِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَسْتَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا ∗∗∗ عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ ومِنَ المُبالَغَةِ في المَدْحِ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وقَسَّمَ تَعالى جِهاتِ صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ، فَقالَ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ وعَدَمُ إخْلاصٍ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ أيْ عَرَضَتْ لَهُمُ الرِّيبَةُ والشَّكُّ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْلِصِينَ. ﴿أمْ يَخافُونَ﴾ أيْ يَعْرِضُ لَهُمُ الخَوْفُ مِنَ الحَيْفِ في الحُكُومَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم. ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِبَلْ إنَّهم: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . وقَرَأ (p-٤٦٨)عَلِيٌّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ (إنَّما كانَ قَوْلُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى؛ لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَّعْرِيفِ، و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أوْغَلُ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. وكانَ هَذا مِن قَبِيلِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦]، انْتَهى. ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها إذا كانَتا مَعْرِفَتَيْنِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في جَعْلِ ما شِئْتَ مِنهُما الِاسْمَ والآخَرَ الخَبَرَ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ في ذَلِكَ ولا اخْتِيارٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ (لِيُحْكَمَ بَيْنَهم)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ (لِيُحْكَمَ) هو أيِ الحُكْمُ، والمَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ (بَيْنَهم) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: جَمَعَ بَيْنَهُما وألَّفَ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبإ: ٥٤] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فِيمَن قَرَأ (بَيْنَكم) مَنصُوبًا أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمُ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ في الآيَةِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيْ قَوْلَ الرَّسُولِ، (وأطَعْنا) أيْ أمْرَهُ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقِهِ﴾ بِالإشْباعِ والِاخْتِلاسِ والإسْكانِ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ، أجْرى خَبَرَ كانَ المُنْفَصِلَ مُجْرى المُتَّصِلِ، فَكَما يُسَكَّنُ عَلِمَ فَيُقالُ عَلْمَ كَذَلِكَ سُكِّنَ ويَتَّقْهِ؛ لِأنَّهُ تَقِهِ كَعَلِمَ، وكَما قالَ السّالِمُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا يُرِيدُ اشْتَرِ لَنا. ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فَرائِضِهِ، (ورَسُولَهُ) في سُنَنِهِ، و﴿يَخْشى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ. ولَمّا بَلَغَ المُنافِقِينَ ما أنْزَلَ تَعالى فِيهِمْ أتَوْا إلى الرَّسُولِ ﷺ وأقْسَمُوا إلى آخِرِهِ أيْ: (لَيَخْرُجُنَّ) عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، و﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهادِ (لَيَخْرُجُنَّ) إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في الأنْعامِ. ونَهاهم تَعالى عَنْ قَسَمِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ حَقًّا. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: مَعْلُومَةٌ لا شَكَّ فِيها ولا يُرْتابُ، كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُطابِقِ باطِنُهم لِظاهِرِهِمْ، لا أيْمانٌ تُقْسِمُوا بِها بِأفْواهِكم وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها، أوْ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعانِيَ. أحَدُها: النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ إذْ قَدْ عَرَفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكم، وفي هَذا الوَجْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم، هو المَطْلُوبُ مِنكم. والرّابِعُ: لا تَقْنَعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمَةِ طاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ، وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهْيَعٌ لائِحٌ، انْتَهى. و(طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ أمْثَلُ وأوْلى، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُنا أوِ المَطْلُوبُ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: ولَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أطِيعُوا طاعَةً، انْتَهى. وقَدَّراهُ بِالنَّصْبِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ، وتَقْدِيرُ بَعْضِهِمُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ ولْتَكُنْ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ الفِعْلُ ويَبْقى الفاعِلُ، إلّا إذا كانَ ثَمَّ مُشْعِرٌ بِهِ، نَحْوُ (رِجالٌ) بَعْدَ (يُسَبَّحُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، أوْ يُجابُ بِهِ نَفْيٌ نَحْوُ: بَلى زَيْدٌ لِمَن قالَ: ما جاءَ أحَدٌ. أوِ اسْتِفْهامٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بَلى خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ أيْ أتاها خالِدٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِكم فَفاضِحُكم. والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ. ولَمّا بَكَّتَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ؛ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، وهو أمْرٌ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾، أيْ: عَلى الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ وهو التَّبْلِيغُ (p-٤٦٩)ومُكافَحَةُ النّاسِ بِالرِّسالَةِ وإعْمالُ الجُهْدِ في إنْذارِهِمْ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. ثُمَّ عَلَّقَ هِدايَتَهم عَلى طاعَتِهِ فَلا يَقَعُ إلّا بِطاعَتِهِ، ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في المائِدَةِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهم، فَنَزَلَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ بَعْضُهم: ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ، فَقالَ ﷺ: ”لا تُغَبِّرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَعْدُ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، و(مِن) لِلْبَيانِ، أيِ: الَّذِينَ هم أنْتُمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم خُلَفاءَ. وقَوْلُهُ: (في الأرْضِ)، هي البِلادُ الَّتِي تُجاوِرُهم، وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، ثُمَّ افْتَتَحُوا بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم، واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا. وفي الصَّحِيحِ: «زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ دُونَ اتِّساعِهِ في الجَنُوبِ والشَّمالِ. (قُلْتُ): ولا سِيَّما في عَصْرِنا هَذا بِإسْلامِ مُعْظَمِ العالَمِ في المَشْرِقِ كَقَبائِلِ التُّرْكِ، وفي المَغْرِبِ كَبِلادِ السُّودانِ التَّكْرُورِ والحَبَشَةِ وبِلادِ الهِنْدِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ هَلاكِ الجَبابِرَةِ. وقِيلَ: هو ما كانَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَ الغالِبَ عَلى الأرْضِ المُؤْمِنُونَ. وقُرِئَ: ﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. واللّامُ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأقْسَمَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ أجْرى وعْدَ اللَّهِ لِتَحَقُّقِهِ مُجْرى القَسَمِ، فَجُووِبَ بِما يُجاوَبُ بِهِ القَسَمُ. وعَلى التَّقْدِيرِ حُذِفَ القَسَمُ بِكَوْنِ مَعْمُولِ (وعَدَ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافَكم وتَمْكِينَ دِينِكم. ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ؛ لِأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ. وقالَ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ» انْتَهى. ويَنْدَرِجُ مَن جَرى مَجْراهم في العَدْلِ مَنِ اسْتُخْلِفَ مِن قُرَيْشٍ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الأُمَوِيِّينَ، والمُهْتَدِينَ بِاللَّهِ في العَبّاسِيِّينَ. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهُ ويُوَطِّدُهُ بِإظْهارِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. و﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ جَلِيلَةٌ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في تَمْكِينِ هَذا الدِّينِ الغايَةَ القُصْوى، مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الفُتُوحِ والعُلُومِ الَّتِي فاقُوا فِيها جَمِيعَ العالَمِ، مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمانِ هَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وآمَنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانُوا آمِنِينَ، كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ فَقالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةَ لا نَفْسَ الفِعْلِ وحْدَهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ وعْدِهِمْ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و(لَيُبَدِّلَنَّهم) (لا يُشْرِكُونَ) بَدَلٌ مِن ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ حالٌ (p-٤٧٠)مِنَ الفاعِلِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ مُوَحِّدِينَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى أُطْلِقَ الكُفْرُ كانَ مُقابِلَ الإسْلامِ والإيمانِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُفْرَ هَذِهِ النِّعَمِ إذا وقَعَتْ ويَكُونُ الفِسْقُ عَلى هَذا غَيْرَ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ. قِيلَ: ظَهَرَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ يُرِيدُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وأقِيمُوا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ويُحَسِّنُهُ الخِطابُ في (مِنكم) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ؛ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ تَوْكِيدًا لِوُجُوبِها، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ (لا تَحْسَبَنَّ) أيُّها المُخاطَبُ، ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ، وقالُوا: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، والتَّقْدِيرُ لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ، والرَّسُولُ لا يَنْدَرِجُ في حاسِبٍ، وقالُوا: يَكُونُ ضَمِيرُ الفاعِلِ لِلرَّسُولِ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ التّاءِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصْرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخَطِّئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبَنَّ، ومِمَّنْ قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: هو ضَعِيفٌ، وأجازَهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، تَقْدِيرُهُ أنْفُسَهم. و(مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الثّانِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ . وقالَ الكُوفِيُّونَ: (مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الأوَّلُ. و(في الأرْضِ) الثّانِي، قِيلَ: وهو خَطَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ (في الأرْضِ) تَعَلُّقُهُ بِمُعْجِزِينَ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُتَّبِعًا قَوْلَ الكُوفِيِّينَ. فَقالَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، انْتَهى. وقالَ أيْضًا: يَكُونُ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكانَ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، انْتَهى. وقَدْ رَدَدْنا هَذا التَّخْرِيجَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا)، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ الفاعِلَ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ هَذا مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، فَلا يَتَقَدَّرُ لا يَحْسَبَنَّهم؛ إذْ لا يَجُوزُ ظَنَّهُ زَيْدٌ قائِمًا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ زَيْدٍ بِظَنَّهُ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾، والمُرادُ بِهِمُ المُقْسِمُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمُ، انْتَهى. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ومَأْواهُمُ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ انْتَهى. واسْتُبْعِدَ العَطْفُ مِن حَيْثُ إنَّ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ نَهْيٌ، ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَلَمْ يُناسِبْ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِتَبايُنِهِما، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، فَتَأوَّلَ جُمْلَةَ النَّهْيِ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ حَتّى تَقَعَ المُناسَبَةُ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ، وهو (p-٤٧١)مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

النور 24:52

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-٤٦٧)نَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ في المُنافِقِينَ بِسَبَبِ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما إلى الرَّسُولِ ﷺ ودَعا هو إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَنَزَلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذَمِّ قَوْمٍ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ عَقائِدِهِمْ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) . ﴿وما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ فَيَنْتَفِي عَنْ جَمِيعِهِمُ الإيمانُ، أوْ إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي فَيَكُونُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إيمانًا إنَّما كانَ ادِّعاءً بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ بِالقَلْبِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ هو عَنِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، يُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ، ومِنهُ: ؎ومَنهَلٍ مِنَ الفَلا في أوْسَطِهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطا وفَرَطِهْ أرادَ قَبْلَ فَرْطِ القَطا، انْتَهى. أيْ قَبْلَ تَقَدُّمِ القَطا إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيُحْكَمَ) في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(إذا) الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. جَوابُ (إذا) الأُولى الشَّرْطِيَّةِ، وهَذا أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الجَوابَ لا يَعْمَلُ في إذا الشَّرْطِيَّةِ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ إذا الفُجائِيَّةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقَدْ أُحْكِمَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوا. والضَّمِيرُ في: (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَتَعَلَّقَ: (إلَيْهِ) بِمُذْعِنِينَ، قالَ: لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْرِعِينَ في الطّاعَةِ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِتَقَدُّمِ صِلَتِهِ ودَلالَتِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وفِيما رَجَّحَ تَهْيِئَةَ العامِلِ لِلْعَمَلِ وقَطْعَهُ عَنِ العَمَلِ، وهو مِمّا يَضْعُفُ، والمَعْنى أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ يَزْوَرُّونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ؛ لِئَلّا تَنْزِعَهُ مِنهم بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ، وإنْ ثَبَتَ لَهُمُ الحَقُّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعَ إلَيْكَ كُلُّهم ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ. ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ﴾، (أمْ) هُنا مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلِ ارْتابُوا بَلْ أيَخافُونَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَوْبِيخٍ؛ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ ويُذَمُّ، أوْ مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، وهو بَلِيغٌ جِدًّا فَمِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَسْتَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا ∗∗∗ عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ ومِنَ المُبالَغَةِ في المَدْحِ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وقَسَّمَ تَعالى جِهاتِ صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ، فَقالَ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ وعَدَمُ إخْلاصٍ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ أيْ عَرَضَتْ لَهُمُ الرِّيبَةُ والشَّكُّ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْلِصِينَ. ﴿أمْ يَخافُونَ﴾ أيْ يَعْرِضُ لَهُمُ الخَوْفُ مِنَ الحَيْفِ في الحُكُومَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم. ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِبَلْ إنَّهم: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . وقَرَأ (p-٤٦٨)عَلِيٌّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ (إنَّما كانَ قَوْلُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى؛ لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَّعْرِيفِ، و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أوْغَلُ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. وكانَ هَذا مِن قَبِيلِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦]، انْتَهى. ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها إذا كانَتا مَعْرِفَتَيْنِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في جَعْلِ ما شِئْتَ مِنهُما الِاسْمَ والآخَرَ الخَبَرَ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ في ذَلِكَ ولا اخْتِيارٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ (لِيُحْكَمَ بَيْنَهم)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ (لِيُحْكَمَ) هو أيِ الحُكْمُ، والمَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ (بَيْنَهم) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: جَمَعَ بَيْنَهُما وألَّفَ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبإ: ٥٤] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فِيمَن قَرَأ (بَيْنَكم) مَنصُوبًا أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمُ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ في الآيَةِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيْ قَوْلَ الرَّسُولِ، (وأطَعْنا) أيْ أمْرَهُ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقِهِ﴾ بِالإشْباعِ والِاخْتِلاسِ والإسْكانِ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ، أجْرى خَبَرَ كانَ المُنْفَصِلَ مُجْرى المُتَّصِلِ، فَكَما يُسَكَّنُ عَلِمَ فَيُقالُ عَلْمَ كَذَلِكَ سُكِّنَ ويَتَّقْهِ؛ لِأنَّهُ تَقِهِ كَعَلِمَ، وكَما قالَ السّالِمُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا يُرِيدُ اشْتَرِ لَنا. ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فَرائِضِهِ، (ورَسُولَهُ) في سُنَنِهِ، و﴿يَخْشى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ. ولَمّا بَلَغَ المُنافِقِينَ ما أنْزَلَ تَعالى فِيهِمْ أتَوْا إلى الرَّسُولِ ﷺ وأقْسَمُوا إلى آخِرِهِ أيْ: (لَيَخْرُجُنَّ) عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، و﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهادِ (لَيَخْرُجُنَّ) إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في الأنْعامِ. ونَهاهم تَعالى عَنْ قَسَمِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ حَقًّا. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: مَعْلُومَةٌ لا شَكَّ فِيها ولا يُرْتابُ، كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُطابِقِ باطِنُهم لِظاهِرِهِمْ، لا أيْمانٌ تُقْسِمُوا بِها بِأفْواهِكم وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها، أوْ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعانِيَ. أحَدُها: النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ إذْ قَدْ عَرَفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكم، وفي هَذا الوَجْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم، هو المَطْلُوبُ مِنكم. والرّابِعُ: لا تَقْنَعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمَةِ طاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ، وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهْيَعٌ لائِحٌ، انْتَهى. و(طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ أمْثَلُ وأوْلى، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُنا أوِ المَطْلُوبُ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: ولَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أطِيعُوا طاعَةً، انْتَهى. وقَدَّراهُ بِالنَّصْبِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ، وتَقْدِيرُ بَعْضِهِمُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ ولْتَكُنْ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ الفِعْلُ ويَبْقى الفاعِلُ، إلّا إذا كانَ ثَمَّ مُشْعِرٌ بِهِ، نَحْوُ (رِجالٌ) بَعْدَ (يُسَبَّحُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، أوْ يُجابُ بِهِ نَفْيٌ نَحْوُ: بَلى زَيْدٌ لِمَن قالَ: ما جاءَ أحَدٌ. أوِ اسْتِفْهامٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بَلى خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ أيْ أتاها خالِدٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِكم فَفاضِحُكم. والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ. ولَمّا بَكَّتَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ؛ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، وهو أمْرٌ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾، أيْ: عَلى الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ وهو التَّبْلِيغُ (p-٤٦٩)ومُكافَحَةُ النّاسِ بِالرِّسالَةِ وإعْمالُ الجُهْدِ في إنْذارِهِمْ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. ثُمَّ عَلَّقَ هِدايَتَهم عَلى طاعَتِهِ فَلا يَقَعُ إلّا بِطاعَتِهِ، ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في المائِدَةِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهم، فَنَزَلَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ بَعْضُهم: ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ، فَقالَ ﷺ: ”لا تُغَبِّرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَعْدُ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، و(مِن) لِلْبَيانِ، أيِ: الَّذِينَ هم أنْتُمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم خُلَفاءَ. وقَوْلُهُ: (في الأرْضِ)، هي البِلادُ الَّتِي تُجاوِرُهم، وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، ثُمَّ افْتَتَحُوا بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم، واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا. وفي الصَّحِيحِ: «زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ دُونَ اتِّساعِهِ في الجَنُوبِ والشَّمالِ. (قُلْتُ): ولا سِيَّما في عَصْرِنا هَذا بِإسْلامِ مُعْظَمِ العالَمِ في المَشْرِقِ كَقَبائِلِ التُّرْكِ، وفي المَغْرِبِ كَبِلادِ السُّودانِ التَّكْرُورِ والحَبَشَةِ وبِلادِ الهِنْدِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ هَلاكِ الجَبابِرَةِ. وقِيلَ: هو ما كانَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَ الغالِبَ عَلى الأرْضِ المُؤْمِنُونَ. وقُرِئَ: ﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. واللّامُ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأقْسَمَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ أجْرى وعْدَ اللَّهِ لِتَحَقُّقِهِ مُجْرى القَسَمِ، فَجُووِبَ بِما يُجاوَبُ بِهِ القَسَمُ. وعَلى التَّقْدِيرِ حُذِفَ القَسَمُ بِكَوْنِ مَعْمُولِ (وعَدَ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافَكم وتَمْكِينَ دِينِكم. ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ؛ لِأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ. وقالَ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ» انْتَهى. ويَنْدَرِجُ مَن جَرى مَجْراهم في العَدْلِ مَنِ اسْتُخْلِفَ مِن قُرَيْشٍ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الأُمَوِيِّينَ، والمُهْتَدِينَ بِاللَّهِ في العَبّاسِيِّينَ. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهُ ويُوَطِّدُهُ بِإظْهارِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. و﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ جَلِيلَةٌ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في تَمْكِينِ هَذا الدِّينِ الغايَةَ القُصْوى، مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الفُتُوحِ والعُلُومِ الَّتِي فاقُوا فِيها جَمِيعَ العالَمِ، مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمانِ هَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وآمَنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانُوا آمِنِينَ، كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ فَقالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةَ لا نَفْسَ الفِعْلِ وحْدَهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ وعْدِهِمْ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و(لَيُبَدِّلَنَّهم) (لا يُشْرِكُونَ) بَدَلٌ مِن ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ حالٌ (p-٤٧٠)مِنَ الفاعِلِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ مُوَحِّدِينَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى أُطْلِقَ الكُفْرُ كانَ مُقابِلَ الإسْلامِ والإيمانِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُفْرَ هَذِهِ النِّعَمِ إذا وقَعَتْ ويَكُونُ الفِسْقُ عَلى هَذا غَيْرَ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ. قِيلَ: ظَهَرَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ يُرِيدُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وأقِيمُوا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ويُحَسِّنُهُ الخِطابُ في (مِنكم) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ؛ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ تَوْكِيدًا لِوُجُوبِها، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ (لا تَحْسَبَنَّ) أيُّها المُخاطَبُ، ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ، وقالُوا: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، والتَّقْدِيرُ لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ، والرَّسُولُ لا يَنْدَرِجُ في حاسِبٍ، وقالُوا: يَكُونُ ضَمِيرُ الفاعِلِ لِلرَّسُولِ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ التّاءِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصْرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخَطِّئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبَنَّ، ومِمَّنْ قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: هو ضَعِيفٌ، وأجازَهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، تَقْدِيرُهُ أنْفُسَهم. و(مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الثّانِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ . وقالَ الكُوفِيُّونَ: (مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الأوَّلُ. و(في الأرْضِ) الثّانِي، قِيلَ: وهو خَطَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ (في الأرْضِ) تَعَلُّقُهُ بِمُعْجِزِينَ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُتَّبِعًا قَوْلَ الكُوفِيِّينَ. فَقالَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، انْتَهى. وقالَ أيْضًا: يَكُونُ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكانَ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، انْتَهى. وقَدْ رَدَدْنا هَذا التَّخْرِيجَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا)، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ الفاعِلَ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ هَذا مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، فَلا يَتَقَدَّرُ لا يَحْسَبَنَّهم؛ إذْ لا يَجُوزُ ظَنَّهُ زَيْدٌ قائِمًا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ زَيْدٍ بِظَنَّهُ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾، والمُرادُ بِهِمُ المُقْسِمُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمُ، انْتَهى. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ومَأْواهُمُ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ انْتَهى. واسْتُبْعِدَ العَطْفُ مِن حَيْثُ إنَّ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ نَهْيٌ، ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَلَمْ يُناسِبْ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِتَبايُنِهِما، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، فَتَأوَّلَ جُمْلَةَ النَّهْيِ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ حَتّى تَقَعَ المُناسَبَةُ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ، وهو (p-٤٧١)مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

النور 24:53

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-٤٦٧)نَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ في المُنافِقِينَ بِسَبَبِ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما إلى الرَّسُولِ ﷺ ودَعا هو إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَنَزَلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذَمِّ قَوْمٍ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ عَقائِدِهِمْ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) . ﴿وما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ فَيَنْتَفِي عَنْ جَمِيعِهِمُ الإيمانُ، أوْ إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي فَيَكُونُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إيمانًا إنَّما كانَ ادِّعاءً بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ بِالقَلْبِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ هو عَنِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، يُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ، ومِنهُ: ؎ومَنهَلٍ مِنَ الفَلا في أوْسَطِهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطا وفَرَطِهْ أرادَ قَبْلَ فَرْطِ القَطا، انْتَهى. أيْ قَبْلَ تَقَدُّمِ القَطا إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيُحْكَمَ) في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(إذا) الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. جَوابُ (إذا) الأُولى الشَّرْطِيَّةِ، وهَذا أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الجَوابَ لا يَعْمَلُ في إذا الشَّرْطِيَّةِ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ إذا الفُجائِيَّةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقَدْ أُحْكِمَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوا. والضَّمِيرُ في: (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَتَعَلَّقَ: (إلَيْهِ) بِمُذْعِنِينَ، قالَ: لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْرِعِينَ في الطّاعَةِ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِتَقَدُّمِ صِلَتِهِ ودَلالَتِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وفِيما رَجَّحَ تَهْيِئَةَ العامِلِ لِلْعَمَلِ وقَطْعَهُ عَنِ العَمَلِ، وهو مِمّا يَضْعُفُ، والمَعْنى أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ يَزْوَرُّونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ؛ لِئَلّا تَنْزِعَهُ مِنهم بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ، وإنْ ثَبَتَ لَهُمُ الحَقُّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعَ إلَيْكَ كُلُّهم ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ. ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ﴾، (أمْ) هُنا مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلِ ارْتابُوا بَلْ أيَخافُونَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَوْبِيخٍ؛ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ ويُذَمُّ، أوْ مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، وهو بَلِيغٌ جِدًّا فَمِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَسْتَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا ∗∗∗ عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ ومِنَ المُبالَغَةِ في المَدْحِ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وقَسَّمَ تَعالى جِهاتِ صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ، فَقالَ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ وعَدَمُ إخْلاصٍ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ أيْ عَرَضَتْ لَهُمُ الرِّيبَةُ والشَّكُّ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْلِصِينَ. ﴿أمْ يَخافُونَ﴾ أيْ يَعْرِضُ لَهُمُ الخَوْفُ مِنَ الحَيْفِ في الحُكُومَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم. ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِبَلْ إنَّهم: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . وقَرَأ (p-٤٦٨)عَلِيٌّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ (إنَّما كانَ قَوْلُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى؛ لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَّعْرِيفِ، و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أوْغَلُ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. وكانَ هَذا مِن قَبِيلِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦]، انْتَهى. ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها إذا كانَتا مَعْرِفَتَيْنِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في جَعْلِ ما شِئْتَ مِنهُما الِاسْمَ والآخَرَ الخَبَرَ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ في ذَلِكَ ولا اخْتِيارٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ (لِيُحْكَمَ بَيْنَهم)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ (لِيُحْكَمَ) هو أيِ الحُكْمُ، والمَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ (بَيْنَهم) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: جَمَعَ بَيْنَهُما وألَّفَ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبإ: ٥٤] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فِيمَن قَرَأ (بَيْنَكم) مَنصُوبًا أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمُ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ في الآيَةِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيْ قَوْلَ الرَّسُولِ، (وأطَعْنا) أيْ أمْرَهُ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقِهِ﴾ بِالإشْباعِ والِاخْتِلاسِ والإسْكانِ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ، أجْرى خَبَرَ كانَ المُنْفَصِلَ مُجْرى المُتَّصِلِ، فَكَما يُسَكَّنُ عَلِمَ فَيُقالُ عَلْمَ كَذَلِكَ سُكِّنَ ويَتَّقْهِ؛ لِأنَّهُ تَقِهِ كَعَلِمَ، وكَما قالَ السّالِمُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا يُرِيدُ اشْتَرِ لَنا. ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فَرائِضِهِ، (ورَسُولَهُ) في سُنَنِهِ، و﴿يَخْشى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ. ولَمّا بَلَغَ المُنافِقِينَ ما أنْزَلَ تَعالى فِيهِمْ أتَوْا إلى الرَّسُولِ ﷺ وأقْسَمُوا إلى آخِرِهِ أيْ: (لَيَخْرُجُنَّ) عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، و﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهادِ (لَيَخْرُجُنَّ) إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في الأنْعامِ. ونَهاهم تَعالى عَنْ قَسَمِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ حَقًّا. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: مَعْلُومَةٌ لا شَكَّ فِيها ولا يُرْتابُ، كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُطابِقِ باطِنُهم لِظاهِرِهِمْ، لا أيْمانٌ تُقْسِمُوا بِها بِأفْواهِكم وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها، أوْ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعانِيَ. أحَدُها: النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ إذْ قَدْ عَرَفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكم، وفي هَذا الوَجْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم، هو المَطْلُوبُ مِنكم. والرّابِعُ: لا تَقْنَعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمَةِ طاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ، وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهْيَعٌ لائِحٌ، انْتَهى. و(طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ أمْثَلُ وأوْلى، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُنا أوِ المَطْلُوبُ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: ولَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أطِيعُوا طاعَةً، انْتَهى. وقَدَّراهُ بِالنَّصْبِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ، وتَقْدِيرُ بَعْضِهِمُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ ولْتَكُنْ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ الفِعْلُ ويَبْقى الفاعِلُ، إلّا إذا كانَ ثَمَّ مُشْعِرٌ بِهِ، نَحْوُ (رِجالٌ) بَعْدَ (يُسَبَّحُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، أوْ يُجابُ بِهِ نَفْيٌ نَحْوُ: بَلى زَيْدٌ لِمَن قالَ: ما جاءَ أحَدٌ. أوِ اسْتِفْهامٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بَلى خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ أيْ أتاها خالِدٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِكم فَفاضِحُكم. والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ. ولَمّا بَكَّتَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ؛ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، وهو أمْرٌ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾، أيْ: عَلى الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ وهو التَّبْلِيغُ (p-٤٦٩)ومُكافَحَةُ النّاسِ بِالرِّسالَةِ وإعْمالُ الجُهْدِ في إنْذارِهِمْ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. ثُمَّ عَلَّقَ هِدايَتَهم عَلى طاعَتِهِ فَلا يَقَعُ إلّا بِطاعَتِهِ، ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في المائِدَةِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهم، فَنَزَلَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ بَعْضُهم: ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ، فَقالَ ﷺ: ”لا تُغَبِّرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَعْدُ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، و(مِن) لِلْبَيانِ، أيِ: الَّذِينَ هم أنْتُمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم خُلَفاءَ. وقَوْلُهُ: (في الأرْضِ)، هي البِلادُ الَّتِي تُجاوِرُهم، وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، ثُمَّ افْتَتَحُوا بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم، واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا. وفي الصَّحِيحِ: «زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ دُونَ اتِّساعِهِ في الجَنُوبِ والشَّمالِ. (قُلْتُ): ولا سِيَّما في عَصْرِنا هَذا بِإسْلامِ مُعْظَمِ العالَمِ في المَشْرِقِ كَقَبائِلِ التُّرْكِ، وفي المَغْرِبِ كَبِلادِ السُّودانِ التَّكْرُورِ والحَبَشَةِ وبِلادِ الهِنْدِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ هَلاكِ الجَبابِرَةِ. وقِيلَ: هو ما كانَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَ الغالِبَ عَلى الأرْضِ المُؤْمِنُونَ. وقُرِئَ: ﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. واللّامُ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأقْسَمَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ أجْرى وعْدَ اللَّهِ لِتَحَقُّقِهِ مُجْرى القَسَمِ، فَجُووِبَ بِما يُجاوَبُ بِهِ القَسَمُ. وعَلى التَّقْدِيرِ حُذِفَ القَسَمُ بِكَوْنِ مَعْمُولِ (وعَدَ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافَكم وتَمْكِينَ دِينِكم. ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ؛ لِأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ. وقالَ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ» انْتَهى. ويَنْدَرِجُ مَن جَرى مَجْراهم في العَدْلِ مَنِ اسْتُخْلِفَ مِن قُرَيْشٍ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الأُمَوِيِّينَ، والمُهْتَدِينَ بِاللَّهِ في العَبّاسِيِّينَ. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهُ ويُوَطِّدُهُ بِإظْهارِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. و﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ جَلِيلَةٌ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في تَمْكِينِ هَذا الدِّينِ الغايَةَ القُصْوى، مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الفُتُوحِ والعُلُومِ الَّتِي فاقُوا فِيها جَمِيعَ العالَمِ، مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمانِ هَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وآمَنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانُوا آمِنِينَ، كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ فَقالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةَ لا نَفْسَ الفِعْلِ وحْدَهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ وعْدِهِمْ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و(لَيُبَدِّلَنَّهم) (لا يُشْرِكُونَ) بَدَلٌ مِن ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ حالٌ (p-٤٧٠)مِنَ الفاعِلِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ مُوَحِّدِينَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى أُطْلِقَ الكُفْرُ كانَ مُقابِلَ الإسْلامِ والإيمانِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُفْرَ هَذِهِ النِّعَمِ إذا وقَعَتْ ويَكُونُ الفِسْقُ عَلى هَذا غَيْرَ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ. قِيلَ: ظَهَرَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ يُرِيدُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وأقِيمُوا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ويُحَسِّنُهُ الخِطابُ في (مِنكم) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ؛ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ تَوْكِيدًا لِوُجُوبِها، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ (لا تَحْسَبَنَّ) أيُّها المُخاطَبُ، ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ، وقالُوا: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، والتَّقْدِيرُ لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ، والرَّسُولُ لا يَنْدَرِجُ في حاسِبٍ، وقالُوا: يَكُونُ ضَمِيرُ الفاعِلِ لِلرَّسُولِ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ التّاءِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصْرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخَطِّئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبَنَّ، ومِمَّنْ قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: هو ضَعِيفٌ، وأجازَهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، تَقْدِيرُهُ أنْفُسَهم. و(مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الثّانِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ . وقالَ الكُوفِيُّونَ: (مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الأوَّلُ. و(في الأرْضِ) الثّانِي، قِيلَ: وهو خَطَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ (في الأرْضِ) تَعَلُّقُهُ بِمُعْجِزِينَ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُتَّبِعًا قَوْلَ الكُوفِيِّينَ. فَقالَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، انْتَهى. وقالَ أيْضًا: يَكُونُ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكانَ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، انْتَهى. وقَدْ رَدَدْنا هَذا التَّخْرِيجَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا)، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ الفاعِلَ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ هَذا مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، فَلا يَتَقَدَّرُ لا يَحْسَبَنَّهم؛ إذْ لا يَجُوزُ ظَنَّهُ زَيْدٌ قائِمًا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ زَيْدٍ بِظَنَّهُ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾، والمُرادُ بِهِمُ المُقْسِمُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمُ، انْتَهى. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ومَأْواهُمُ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ انْتَهى. واسْتُبْعِدَ العَطْفُ مِن حَيْثُ إنَّ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ نَهْيٌ، ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَلَمْ يُناسِبْ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِتَبايُنِهِما، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، فَتَأوَّلَ جُمْلَةَ النَّهْيِ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ حَتّى تَقَعَ المُناسَبَةُ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ، وهو (p-٤٧١)مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

النور 24:54

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-٤٦٧)نَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ في المُنافِقِينَ بِسَبَبِ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما إلى الرَّسُولِ ﷺ ودَعا هو إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَنَزَلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذَمِّ قَوْمٍ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ عَقائِدِهِمْ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) . ﴿وما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ فَيَنْتَفِي عَنْ جَمِيعِهِمُ الإيمانُ، أوْ إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي فَيَكُونُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إيمانًا إنَّما كانَ ادِّعاءً بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ بِالقَلْبِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ هو عَنِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، يُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ، ومِنهُ: ؎ومَنهَلٍ مِنَ الفَلا في أوْسَطِهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطا وفَرَطِهْ أرادَ قَبْلَ فَرْطِ القَطا، انْتَهى. أيْ قَبْلَ تَقَدُّمِ القَطا إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيُحْكَمَ) في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(إذا) الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. جَوابُ (إذا) الأُولى الشَّرْطِيَّةِ، وهَذا أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الجَوابَ لا يَعْمَلُ في إذا الشَّرْطِيَّةِ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ إذا الفُجائِيَّةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقَدْ أُحْكِمَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوا. والضَّمِيرُ في: (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَتَعَلَّقَ: (إلَيْهِ) بِمُذْعِنِينَ، قالَ: لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْرِعِينَ في الطّاعَةِ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِتَقَدُّمِ صِلَتِهِ ودَلالَتِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وفِيما رَجَّحَ تَهْيِئَةَ العامِلِ لِلْعَمَلِ وقَطْعَهُ عَنِ العَمَلِ، وهو مِمّا يَضْعُفُ، والمَعْنى أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ يَزْوَرُّونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ؛ لِئَلّا تَنْزِعَهُ مِنهم بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ، وإنْ ثَبَتَ لَهُمُ الحَقُّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعَ إلَيْكَ كُلُّهم ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ. ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ﴾، (أمْ) هُنا مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلِ ارْتابُوا بَلْ أيَخافُونَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَوْبِيخٍ؛ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ ويُذَمُّ، أوْ مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، وهو بَلِيغٌ جِدًّا فَمِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَسْتَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا ∗∗∗ عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ ومِنَ المُبالَغَةِ في المَدْحِ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وقَسَّمَ تَعالى جِهاتِ صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ، فَقالَ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ وعَدَمُ إخْلاصٍ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ أيْ عَرَضَتْ لَهُمُ الرِّيبَةُ والشَّكُّ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْلِصِينَ. ﴿أمْ يَخافُونَ﴾ أيْ يَعْرِضُ لَهُمُ الخَوْفُ مِنَ الحَيْفِ في الحُكُومَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم. ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِبَلْ إنَّهم: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . وقَرَأ (p-٤٦٨)عَلِيٌّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ (إنَّما كانَ قَوْلُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى؛ لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَّعْرِيفِ، و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أوْغَلُ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. وكانَ هَذا مِن قَبِيلِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦]، انْتَهى. ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها إذا كانَتا مَعْرِفَتَيْنِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في جَعْلِ ما شِئْتَ مِنهُما الِاسْمَ والآخَرَ الخَبَرَ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ في ذَلِكَ ولا اخْتِيارٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ (لِيُحْكَمَ بَيْنَهم)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ (لِيُحْكَمَ) هو أيِ الحُكْمُ، والمَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ (بَيْنَهم) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: جَمَعَ بَيْنَهُما وألَّفَ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبإ: ٥٤] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فِيمَن قَرَأ (بَيْنَكم) مَنصُوبًا أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمُ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ في الآيَةِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيْ قَوْلَ الرَّسُولِ، (وأطَعْنا) أيْ أمْرَهُ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقِهِ﴾ بِالإشْباعِ والِاخْتِلاسِ والإسْكانِ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ، أجْرى خَبَرَ كانَ المُنْفَصِلَ مُجْرى المُتَّصِلِ، فَكَما يُسَكَّنُ عَلِمَ فَيُقالُ عَلْمَ كَذَلِكَ سُكِّنَ ويَتَّقْهِ؛ لِأنَّهُ تَقِهِ كَعَلِمَ، وكَما قالَ السّالِمُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا يُرِيدُ اشْتَرِ لَنا. ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فَرائِضِهِ، (ورَسُولَهُ) في سُنَنِهِ، و﴿يَخْشى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ. ولَمّا بَلَغَ المُنافِقِينَ ما أنْزَلَ تَعالى فِيهِمْ أتَوْا إلى الرَّسُولِ ﷺ وأقْسَمُوا إلى آخِرِهِ أيْ: (لَيَخْرُجُنَّ) عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، و﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهادِ (لَيَخْرُجُنَّ) إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في الأنْعامِ. ونَهاهم تَعالى عَنْ قَسَمِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ حَقًّا. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: مَعْلُومَةٌ لا شَكَّ فِيها ولا يُرْتابُ، كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُطابِقِ باطِنُهم لِظاهِرِهِمْ، لا أيْمانٌ تُقْسِمُوا بِها بِأفْواهِكم وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها، أوْ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعانِيَ. أحَدُها: النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ إذْ قَدْ عَرَفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكم، وفي هَذا الوَجْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم، هو المَطْلُوبُ مِنكم. والرّابِعُ: لا تَقْنَعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمَةِ طاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ، وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهْيَعٌ لائِحٌ، انْتَهى. و(طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ أمْثَلُ وأوْلى، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُنا أوِ المَطْلُوبُ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: ولَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أطِيعُوا طاعَةً، انْتَهى. وقَدَّراهُ بِالنَّصْبِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ، وتَقْدِيرُ بَعْضِهِمُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ ولْتَكُنْ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ الفِعْلُ ويَبْقى الفاعِلُ، إلّا إذا كانَ ثَمَّ مُشْعِرٌ بِهِ، نَحْوُ (رِجالٌ) بَعْدَ (يُسَبَّحُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، أوْ يُجابُ بِهِ نَفْيٌ نَحْوُ: بَلى زَيْدٌ لِمَن قالَ: ما جاءَ أحَدٌ. أوِ اسْتِفْهامٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بَلى خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ أيْ أتاها خالِدٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِكم فَفاضِحُكم. والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ. ولَمّا بَكَّتَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ؛ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، وهو أمْرٌ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾، أيْ: عَلى الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ وهو التَّبْلِيغُ (p-٤٦٩)ومُكافَحَةُ النّاسِ بِالرِّسالَةِ وإعْمالُ الجُهْدِ في إنْذارِهِمْ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. ثُمَّ عَلَّقَ هِدايَتَهم عَلى طاعَتِهِ فَلا يَقَعُ إلّا بِطاعَتِهِ، ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في المائِدَةِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهم، فَنَزَلَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ بَعْضُهم: ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ، فَقالَ ﷺ: ”لا تُغَبِّرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَعْدُ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، و(مِن) لِلْبَيانِ، أيِ: الَّذِينَ هم أنْتُمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم خُلَفاءَ. وقَوْلُهُ: (في الأرْضِ)، هي البِلادُ الَّتِي تُجاوِرُهم، وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، ثُمَّ افْتَتَحُوا بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم، واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا. وفي الصَّحِيحِ: «زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ دُونَ اتِّساعِهِ في الجَنُوبِ والشَّمالِ. (قُلْتُ): ولا سِيَّما في عَصْرِنا هَذا بِإسْلامِ مُعْظَمِ العالَمِ في المَشْرِقِ كَقَبائِلِ التُّرْكِ، وفي المَغْرِبِ كَبِلادِ السُّودانِ التَّكْرُورِ والحَبَشَةِ وبِلادِ الهِنْدِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ هَلاكِ الجَبابِرَةِ. وقِيلَ: هو ما كانَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَ الغالِبَ عَلى الأرْضِ المُؤْمِنُونَ. وقُرِئَ: ﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. واللّامُ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأقْسَمَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ أجْرى وعْدَ اللَّهِ لِتَحَقُّقِهِ مُجْرى القَسَمِ، فَجُووِبَ بِما يُجاوَبُ بِهِ القَسَمُ. وعَلى التَّقْدِيرِ حُذِفَ القَسَمُ بِكَوْنِ مَعْمُولِ (وعَدَ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافَكم وتَمْكِينَ دِينِكم. ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ؛ لِأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ. وقالَ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ» انْتَهى. ويَنْدَرِجُ مَن جَرى مَجْراهم في العَدْلِ مَنِ اسْتُخْلِفَ مِن قُرَيْشٍ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الأُمَوِيِّينَ، والمُهْتَدِينَ بِاللَّهِ في العَبّاسِيِّينَ. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهُ ويُوَطِّدُهُ بِإظْهارِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. و﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ جَلِيلَةٌ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في تَمْكِينِ هَذا الدِّينِ الغايَةَ القُصْوى، مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الفُتُوحِ والعُلُومِ الَّتِي فاقُوا فِيها جَمِيعَ العالَمِ، مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمانِ هَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وآمَنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانُوا آمِنِينَ، كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ فَقالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةَ لا نَفْسَ الفِعْلِ وحْدَهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ وعْدِهِمْ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و(لَيُبَدِّلَنَّهم) (لا يُشْرِكُونَ) بَدَلٌ مِن ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ حالٌ (p-٤٧٠)مِنَ الفاعِلِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ مُوَحِّدِينَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى أُطْلِقَ الكُفْرُ كانَ مُقابِلَ الإسْلامِ والإيمانِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُفْرَ هَذِهِ النِّعَمِ إذا وقَعَتْ ويَكُونُ الفِسْقُ عَلى هَذا غَيْرَ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ. قِيلَ: ظَهَرَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ يُرِيدُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وأقِيمُوا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ويُحَسِّنُهُ الخِطابُ في (مِنكم) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ؛ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ تَوْكِيدًا لِوُجُوبِها، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ (لا تَحْسَبَنَّ) أيُّها المُخاطَبُ، ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ، وقالُوا: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، والتَّقْدِيرُ لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ، والرَّسُولُ لا يَنْدَرِجُ في حاسِبٍ، وقالُوا: يَكُونُ ضَمِيرُ الفاعِلِ لِلرَّسُولِ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ التّاءِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصْرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخَطِّئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبَنَّ، ومِمَّنْ قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: هو ضَعِيفٌ، وأجازَهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، تَقْدِيرُهُ أنْفُسَهم. و(مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الثّانِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ . وقالَ الكُوفِيُّونَ: (مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الأوَّلُ. و(في الأرْضِ) الثّانِي، قِيلَ: وهو خَطَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ (في الأرْضِ) تَعَلُّقُهُ بِمُعْجِزِينَ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُتَّبِعًا قَوْلَ الكُوفِيِّينَ. فَقالَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، انْتَهى. وقالَ أيْضًا: يَكُونُ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكانَ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، انْتَهى. وقَدْ رَدَدْنا هَذا التَّخْرِيجَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا)، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ الفاعِلَ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ هَذا مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، فَلا يَتَقَدَّرُ لا يَحْسَبَنَّهم؛ إذْ لا يَجُوزُ ظَنَّهُ زَيْدٌ قائِمًا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ زَيْدٍ بِظَنَّهُ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾، والمُرادُ بِهِمُ المُقْسِمُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمُ، انْتَهى. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ومَأْواهُمُ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ انْتَهى. واسْتُبْعِدَ العَطْفُ مِن حَيْثُ إنَّ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ نَهْيٌ، ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَلَمْ يُناسِبْ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِتَبايُنِهِما، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، فَتَأوَّلَ جُمْلَةَ النَّهْيِ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ حَتّى تَقَعَ المُناسَبَةُ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ، وهو (p-٤٧١)مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

النور 24:55

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-٤٦٧)نَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ في المُنافِقِينَ بِسَبَبِ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما إلى الرَّسُولِ ﷺ ودَعا هو إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَنَزَلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذَمِّ قَوْمٍ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ عَقائِدِهِمْ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) . ﴿وما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ فَيَنْتَفِي عَنْ جَمِيعِهِمُ الإيمانُ، أوْ إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي فَيَكُونُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إيمانًا إنَّما كانَ ادِّعاءً بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ بِالقَلْبِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ هو عَنِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، يُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ، ومِنهُ: ؎ومَنهَلٍ مِنَ الفَلا في أوْسَطِهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطا وفَرَطِهْ أرادَ قَبْلَ فَرْطِ القَطا، انْتَهى. أيْ قَبْلَ تَقَدُّمِ القَطا إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيُحْكَمَ) في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(إذا) الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. جَوابُ (إذا) الأُولى الشَّرْطِيَّةِ، وهَذا أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الجَوابَ لا يَعْمَلُ في إذا الشَّرْطِيَّةِ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ إذا الفُجائِيَّةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقَدْ أُحْكِمَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوا. والضَّمِيرُ في: (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَتَعَلَّقَ: (إلَيْهِ) بِمُذْعِنِينَ، قالَ: لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْرِعِينَ في الطّاعَةِ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِتَقَدُّمِ صِلَتِهِ ودَلالَتِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وفِيما رَجَّحَ تَهْيِئَةَ العامِلِ لِلْعَمَلِ وقَطْعَهُ عَنِ العَمَلِ، وهو مِمّا يَضْعُفُ، والمَعْنى أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ يَزْوَرُّونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ؛ لِئَلّا تَنْزِعَهُ مِنهم بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ، وإنْ ثَبَتَ لَهُمُ الحَقُّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعَ إلَيْكَ كُلُّهم ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ. ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ﴾، (أمْ) هُنا مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلِ ارْتابُوا بَلْ أيَخافُونَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَوْبِيخٍ؛ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ ويُذَمُّ، أوْ مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، وهو بَلِيغٌ جِدًّا فَمِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَسْتَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا ∗∗∗ عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ ومِنَ المُبالَغَةِ في المَدْحِ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وقَسَّمَ تَعالى جِهاتِ صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ، فَقالَ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ وعَدَمُ إخْلاصٍ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ أيْ عَرَضَتْ لَهُمُ الرِّيبَةُ والشَّكُّ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْلِصِينَ. ﴿أمْ يَخافُونَ﴾ أيْ يَعْرِضُ لَهُمُ الخَوْفُ مِنَ الحَيْفِ في الحُكُومَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم. ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِبَلْ إنَّهم: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . وقَرَأ (p-٤٦٨)عَلِيٌّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ (إنَّما كانَ قَوْلُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى؛ لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَّعْرِيفِ، و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أوْغَلُ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. وكانَ هَذا مِن قَبِيلِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦]، انْتَهى. ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها إذا كانَتا مَعْرِفَتَيْنِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في جَعْلِ ما شِئْتَ مِنهُما الِاسْمَ والآخَرَ الخَبَرَ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ في ذَلِكَ ولا اخْتِيارٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ (لِيُحْكَمَ بَيْنَهم)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ (لِيُحْكَمَ) هو أيِ الحُكْمُ، والمَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ (بَيْنَهم) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: جَمَعَ بَيْنَهُما وألَّفَ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبإ: ٥٤] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فِيمَن قَرَأ (بَيْنَكم) مَنصُوبًا أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمُ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ في الآيَةِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيْ قَوْلَ الرَّسُولِ، (وأطَعْنا) أيْ أمْرَهُ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقِهِ﴾ بِالإشْباعِ والِاخْتِلاسِ والإسْكانِ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ، أجْرى خَبَرَ كانَ المُنْفَصِلَ مُجْرى المُتَّصِلِ، فَكَما يُسَكَّنُ عَلِمَ فَيُقالُ عَلْمَ كَذَلِكَ سُكِّنَ ويَتَّقْهِ؛ لِأنَّهُ تَقِهِ كَعَلِمَ، وكَما قالَ السّالِمُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا يُرِيدُ اشْتَرِ لَنا. ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فَرائِضِهِ، (ورَسُولَهُ) في سُنَنِهِ، و﴿يَخْشى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ. ولَمّا بَلَغَ المُنافِقِينَ ما أنْزَلَ تَعالى فِيهِمْ أتَوْا إلى الرَّسُولِ ﷺ وأقْسَمُوا إلى آخِرِهِ أيْ: (لَيَخْرُجُنَّ) عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، و﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهادِ (لَيَخْرُجُنَّ) إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في الأنْعامِ. ونَهاهم تَعالى عَنْ قَسَمِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ حَقًّا. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: مَعْلُومَةٌ لا شَكَّ فِيها ولا يُرْتابُ، كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُطابِقِ باطِنُهم لِظاهِرِهِمْ، لا أيْمانٌ تُقْسِمُوا بِها بِأفْواهِكم وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها، أوْ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعانِيَ. أحَدُها: النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ إذْ قَدْ عَرَفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكم، وفي هَذا الوَجْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم، هو المَطْلُوبُ مِنكم. والرّابِعُ: لا تَقْنَعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمَةِ طاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ، وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهْيَعٌ لائِحٌ، انْتَهى. و(طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ أمْثَلُ وأوْلى، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُنا أوِ المَطْلُوبُ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: ولَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أطِيعُوا طاعَةً، انْتَهى. وقَدَّراهُ بِالنَّصْبِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ، وتَقْدِيرُ بَعْضِهِمُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ ولْتَكُنْ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ الفِعْلُ ويَبْقى الفاعِلُ، إلّا إذا كانَ ثَمَّ مُشْعِرٌ بِهِ، نَحْوُ (رِجالٌ) بَعْدَ (يُسَبَّحُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، أوْ يُجابُ بِهِ نَفْيٌ نَحْوُ: بَلى زَيْدٌ لِمَن قالَ: ما جاءَ أحَدٌ. أوِ اسْتِفْهامٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بَلى خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ أيْ أتاها خالِدٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِكم فَفاضِحُكم. والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ. ولَمّا بَكَّتَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ؛ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، وهو أمْرٌ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾، أيْ: عَلى الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ وهو التَّبْلِيغُ (p-٤٦٩)ومُكافَحَةُ النّاسِ بِالرِّسالَةِ وإعْمالُ الجُهْدِ في إنْذارِهِمْ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. ثُمَّ عَلَّقَ هِدايَتَهم عَلى طاعَتِهِ فَلا يَقَعُ إلّا بِطاعَتِهِ، ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في المائِدَةِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهم، فَنَزَلَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ بَعْضُهم: ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ، فَقالَ ﷺ: ”لا تُغَبِّرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَعْدُ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، و(مِن) لِلْبَيانِ، أيِ: الَّذِينَ هم أنْتُمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم خُلَفاءَ. وقَوْلُهُ: (في الأرْضِ)، هي البِلادُ الَّتِي تُجاوِرُهم، وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، ثُمَّ افْتَتَحُوا بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم، واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا. وفي الصَّحِيحِ: «زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ دُونَ اتِّساعِهِ في الجَنُوبِ والشَّمالِ. (قُلْتُ): ولا سِيَّما في عَصْرِنا هَذا بِإسْلامِ مُعْظَمِ العالَمِ في المَشْرِقِ كَقَبائِلِ التُّرْكِ، وفي المَغْرِبِ كَبِلادِ السُّودانِ التَّكْرُورِ والحَبَشَةِ وبِلادِ الهِنْدِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ هَلاكِ الجَبابِرَةِ. وقِيلَ: هو ما كانَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَ الغالِبَ عَلى الأرْضِ المُؤْمِنُونَ. وقُرِئَ: ﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. واللّامُ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأقْسَمَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ أجْرى وعْدَ اللَّهِ لِتَحَقُّقِهِ مُجْرى القَسَمِ، فَجُووِبَ بِما يُجاوَبُ بِهِ القَسَمُ. وعَلى التَّقْدِيرِ حُذِفَ القَسَمُ بِكَوْنِ مَعْمُولِ (وعَدَ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافَكم وتَمْكِينَ دِينِكم. ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ؛ لِأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ. وقالَ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ» انْتَهى. ويَنْدَرِجُ مَن جَرى مَجْراهم في العَدْلِ مَنِ اسْتُخْلِفَ مِن قُرَيْشٍ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الأُمَوِيِّينَ، والمُهْتَدِينَ بِاللَّهِ في العَبّاسِيِّينَ. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهُ ويُوَطِّدُهُ بِإظْهارِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. و﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ جَلِيلَةٌ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في تَمْكِينِ هَذا الدِّينِ الغايَةَ القُصْوى، مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الفُتُوحِ والعُلُومِ الَّتِي فاقُوا فِيها جَمِيعَ العالَمِ، مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمانِ هَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وآمَنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانُوا آمِنِينَ، كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ فَقالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةَ لا نَفْسَ الفِعْلِ وحْدَهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ وعْدِهِمْ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و(لَيُبَدِّلَنَّهم) (لا يُشْرِكُونَ) بَدَلٌ مِن ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ حالٌ (p-٤٧٠)مِنَ الفاعِلِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ مُوَحِّدِينَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى أُطْلِقَ الكُفْرُ كانَ مُقابِلَ الإسْلامِ والإيمانِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُفْرَ هَذِهِ النِّعَمِ إذا وقَعَتْ ويَكُونُ الفِسْقُ عَلى هَذا غَيْرَ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ. قِيلَ: ظَهَرَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ يُرِيدُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وأقِيمُوا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ويُحَسِّنُهُ الخِطابُ في (مِنكم) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ؛ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ تَوْكِيدًا لِوُجُوبِها، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ (لا تَحْسَبَنَّ) أيُّها المُخاطَبُ، ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ، وقالُوا: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، والتَّقْدِيرُ لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ، والرَّسُولُ لا يَنْدَرِجُ في حاسِبٍ، وقالُوا: يَكُونُ ضَمِيرُ الفاعِلِ لِلرَّسُولِ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ التّاءِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصْرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخَطِّئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبَنَّ، ومِمَّنْ قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: هو ضَعِيفٌ، وأجازَهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، تَقْدِيرُهُ أنْفُسَهم. و(مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الثّانِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ . وقالَ الكُوفِيُّونَ: (مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الأوَّلُ. و(في الأرْضِ) الثّانِي، قِيلَ: وهو خَطَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ (في الأرْضِ) تَعَلُّقُهُ بِمُعْجِزِينَ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُتَّبِعًا قَوْلَ الكُوفِيِّينَ. فَقالَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، انْتَهى. وقالَ أيْضًا: يَكُونُ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكانَ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، انْتَهى. وقَدْ رَدَدْنا هَذا التَّخْرِيجَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا)، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ الفاعِلَ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ هَذا مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، فَلا يَتَقَدَّرُ لا يَحْسَبَنَّهم؛ إذْ لا يَجُوزُ ظَنَّهُ زَيْدٌ قائِمًا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ زَيْدٍ بِظَنَّهُ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾، والمُرادُ بِهِمُ المُقْسِمُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمُ، انْتَهى. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ومَأْواهُمُ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ انْتَهى. واسْتُبْعِدَ العَطْفُ مِن حَيْثُ إنَّ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ نَهْيٌ، ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَلَمْ يُناسِبْ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِتَبايُنِهِما، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، فَتَأوَّلَ جُمْلَةَ النَّهْيِ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ حَتّى تَقَعَ المُناسَبَةُ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ، وهو (p-٤٧١)مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

النور 24:56

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-٤٦٧)نَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ في المُنافِقِينَ بِسَبَبِ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما إلى الرَّسُولِ ﷺ ودَعا هو إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَنَزَلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذَمِّ قَوْمٍ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ عَقائِدِهِمْ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) . ﴿وما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ فَيَنْتَفِي عَنْ جَمِيعِهِمُ الإيمانُ، أوْ إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي فَيَكُونُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إيمانًا إنَّما كانَ ادِّعاءً بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ بِالقَلْبِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ هو عَنِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، يُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ، ومِنهُ: ؎ومَنهَلٍ مِنَ الفَلا في أوْسَطِهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطا وفَرَطِهْ أرادَ قَبْلَ فَرْطِ القَطا، انْتَهى. أيْ قَبْلَ تَقَدُّمِ القَطا إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيُحْكَمَ) في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(إذا) الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. جَوابُ (إذا) الأُولى الشَّرْطِيَّةِ، وهَذا أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الجَوابَ لا يَعْمَلُ في إذا الشَّرْطِيَّةِ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ إذا الفُجائِيَّةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقَدْ أُحْكِمَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوا. والضَّمِيرُ في: (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَتَعَلَّقَ: (إلَيْهِ) بِمُذْعِنِينَ، قالَ: لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْرِعِينَ في الطّاعَةِ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِتَقَدُّمِ صِلَتِهِ ودَلالَتِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وفِيما رَجَّحَ تَهْيِئَةَ العامِلِ لِلْعَمَلِ وقَطْعَهُ عَنِ العَمَلِ، وهو مِمّا يَضْعُفُ، والمَعْنى أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ يَزْوَرُّونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ؛ لِئَلّا تَنْزِعَهُ مِنهم بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ، وإنْ ثَبَتَ لَهُمُ الحَقُّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعَ إلَيْكَ كُلُّهم ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ. ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ﴾، (أمْ) هُنا مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلِ ارْتابُوا بَلْ أيَخافُونَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَوْبِيخٍ؛ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ ويُذَمُّ، أوْ مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، وهو بَلِيغٌ جِدًّا فَمِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَسْتَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا ∗∗∗ عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ ومِنَ المُبالَغَةِ في المَدْحِ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وقَسَّمَ تَعالى جِهاتِ صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ، فَقالَ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ وعَدَمُ إخْلاصٍ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ أيْ عَرَضَتْ لَهُمُ الرِّيبَةُ والشَّكُّ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْلِصِينَ. ﴿أمْ يَخافُونَ﴾ أيْ يَعْرِضُ لَهُمُ الخَوْفُ مِنَ الحَيْفِ في الحُكُومَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم. ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِبَلْ إنَّهم: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . وقَرَأ (p-٤٦٨)عَلِيٌّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ (إنَّما كانَ قَوْلُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى؛ لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَّعْرِيفِ، و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أوْغَلُ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. وكانَ هَذا مِن قَبِيلِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦]، انْتَهى. ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها إذا كانَتا مَعْرِفَتَيْنِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في جَعْلِ ما شِئْتَ مِنهُما الِاسْمَ والآخَرَ الخَبَرَ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ في ذَلِكَ ولا اخْتِيارٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ (لِيُحْكَمَ بَيْنَهم)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ (لِيُحْكَمَ) هو أيِ الحُكْمُ، والمَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ (بَيْنَهم) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: جَمَعَ بَيْنَهُما وألَّفَ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبإ: ٥٤] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فِيمَن قَرَأ (بَيْنَكم) مَنصُوبًا أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمُ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ في الآيَةِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيْ قَوْلَ الرَّسُولِ، (وأطَعْنا) أيْ أمْرَهُ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقِهِ﴾ بِالإشْباعِ والِاخْتِلاسِ والإسْكانِ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ، أجْرى خَبَرَ كانَ المُنْفَصِلَ مُجْرى المُتَّصِلِ، فَكَما يُسَكَّنُ عَلِمَ فَيُقالُ عَلْمَ كَذَلِكَ سُكِّنَ ويَتَّقْهِ؛ لِأنَّهُ تَقِهِ كَعَلِمَ، وكَما قالَ السّالِمُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا يُرِيدُ اشْتَرِ لَنا. ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فَرائِضِهِ، (ورَسُولَهُ) في سُنَنِهِ، و﴿يَخْشى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ. ولَمّا بَلَغَ المُنافِقِينَ ما أنْزَلَ تَعالى فِيهِمْ أتَوْا إلى الرَّسُولِ ﷺ وأقْسَمُوا إلى آخِرِهِ أيْ: (لَيَخْرُجُنَّ) عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، و﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهادِ (لَيَخْرُجُنَّ) إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في الأنْعامِ. ونَهاهم تَعالى عَنْ قَسَمِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ حَقًّا. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: مَعْلُومَةٌ لا شَكَّ فِيها ولا يُرْتابُ، كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُطابِقِ باطِنُهم لِظاهِرِهِمْ، لا أيْمانٌ تُقْسِمُوا بِها بِأفْواهِكم وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها، أوْ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعانِيَ. أحَدُها: النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ إذْ قَدْ عَرَفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكم، وفي هَذا الوَجْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم، هو المَطْلُوبُ مِنكم. والرّابِعُ: لا تَقْنَعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمَةِ طاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ، وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهْيَعٌ لائِحٌ، انْتَهى. و(طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ أمْثَلُ وأوْلى، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُنا أوِ المَطْلُوبُ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: ولَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أطِيعُوا طاعَةً، انْتَهى. وقَدَّراهُ بِالنَّصْبِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ، وتَقْدِيرُ بَعْضِهِمُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ ولْتَكُنْ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ الفِعْلُ ويَبْقى الفاعِلُ، إلّا إذا كانَ ثَمَّ مُشْعِرٌ بِهِ، نَحْوُ (رِجالٌ) بَعْدَ (يُسَبَّحُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، أوْ يُجابُ بِهِ نَفْيٌ نَحْوُ: بَلى زَيْدٌ لِمَن قالَ: ما جاءَ أحَدٌ. أوِ اسْتِفْهامٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بَلى خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ أيْ أتاها خالِدٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِكم فَفاضِحُكم. والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ. ولَمّا بَكَّتَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ؛ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، وهو أمْرٌ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾، أيْ: عَلى الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ وهو التَّبْلِيغُ (p-٤٦٩)ومُكافَحَةُ النّاسِ بِالرِّسالَةِ وإعْمالُ الجُهْدِ في إنْذارِهِمْ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. ثُمَّ عَلَّقَ هِدايَتَهم عَلى طاعَتِهِ فَلا يَقَعُ إلّا بِطاعَتِهِ، ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في المائِدَةِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهم، فَنَزَلَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ بَعْضُهم: ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ، فَقالَ ﷺ: ”لا تُغَبِّرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَعْدُ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، و(مِن) لِلْبَيانِ، أيِ: الَّذِينَ هم أنْتُمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم خُلَفاءَ. وقَوْلُهُ: (في الأرْضِ)، هي البِلادُ الَّتِي تُجاوِرُهم، وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، ثُمَّ افْتَتَحُوا بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم، واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا. وفي الصَّحِيحِ: «زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ دُونَ اتِّساعِهِ في الجَنُوبِ والشَّمالِ. (قُلْتُ): ولا سِيَّما في عَصْرِنا هَذا بِإسْلامِ مُعْظَمِ العالَمِ في المَشْرِقِ كَقَبائِلِ التُّرْكِ، وفي المَغْرِبِ كَبِلادِ السُّودانِ التَّكْرُورِ والحَبَشَةِ وبِلادِ الهِنْدِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ هَلاكِ الجَبابِرَةِ. وقِيلَ: هو ما كانَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَ الغالِبَ عَلى الأرْضِ المُؤْمِنُونَ. وقُرِئَ: ﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. واللّامُ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأقْسَمَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ أجْرى وعْدَ اللَّهِ لِتَحَقُّقِهِ مُجْرى القَسَمِ، فَجُووِبَ بِما يُجاوَبُ بِهِ القَسَمُ. وعَلى التَّقْدِيرِ حُذِفَ القَسَمُ بِكَوْنِ مَعْمُولِ (وعَدَ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافَكم وتَمْكِينَ دِينِكم. ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ؛ لِأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ. وقالَ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ» انْتَهى. ويَنْدَرِجُ مَن جَرى مَجْراهم في العَدْلِ مَنِ اسْتُخْلِفَ مِن قُرَيْشٍ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الأُمَوِيِّينَ، والمُهْتَدِينَ بِاللَّهِ في العَبّاسِيِّينَ. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهُ ويُوَطِّدُهُ بِإظْهارِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. و﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ جَلِيلَةٌ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في تَمْكِينِ هَذا الدِّينِ الغايَةَ القُصْوى، مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الفُتُوحِ والعُلُومِ الَّتِي فاقُوا فِيها جَمِيعَ العالَمِ، مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمانِ هَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وآمَنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانُوا آمِنِينَ، كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ فَقالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةَ لا نَفْسَ الفِعْلِ وحْدَهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ وعْدِهِمْ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و(لَيُبَدِّلَنَّهم) (لا يُشْرِكُونَ) بَدَلٌ مِن ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ حالٌ (p-٤٧٠)مِنَ الفاعِلِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ مُوَحِّدِينَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى أُطْلِقَ الكُفْرُ كانَ مُقابِلَ الإسْلامِ والإيمانِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُفْرَ هَذِهِ النِّعَمِ إذا وقَعَتْ ويَكُونُ الفِسْقُ عَلى هَذا غَيْرَ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ. قِيلَ: ظَهَرَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ يُرِيدُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وأقِيمُوا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ويُحَسِّنُهُ الخِطابُ في (مِنكم) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ؛ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ تَوْكِيدًا لِوُجُوبِها، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ (لا تَحْسَبَنَّ) أيُّها المُخاطَبُ، ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ، وقالُوا: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، والتَّقْدِيرُ لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ، والرَّسُولُ لا يَنْدَرِجُ في حاسِبٍ، وقالُوا: يَكُونُ ضَمِيرُ الفاعِلِ لِلرَّسُولِ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ التّاءِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصْرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخَطِّئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبَنَّ، ومِمَّنْ قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: هو ضَعِيفٌ، وأجازَهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، تَقْدِيرُهُ أنْفُسَهم. و(مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الثّانِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ . وقالَ الكُوفِيُّونَ: (مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الأوَّلُ. و(في الأرْضِ) الثّانِي، قِيلَ: وهو خَطَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ (في الأرْضِ) تَعَلُّقُهُ بِمُعْجِزِينَ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُتَّبِعًا قَوْلَ الكُوفِيِّينَ. فَقالَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، انْتَهى. وقالَ أيْضًا: يَكُونُ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكانَ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، انْتَهى. وقَدْ رَدَدْنا هَذا التَّخْرِيجَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا)، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ الفاعِلَ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ هَذا مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، فَلا يَتَقَدَّرُ لا يَحْسَبَنَّهم؛ إذْ لا يَجُوزُ ظَنَّهُ زَيْدٌ قائِمًا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ زَيْدٍ بِظَنَّهُ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾، والمُرادُ بِهِمُ المُقْسِمُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمُ، انْتَهى. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ومَأْواهُمُ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ انْتَهى. واسْتُبْعِدَ العَطْفُ مِن حَيْثُ إنَّ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ نَهْيٌ، ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَلَمْ يُناسِبْ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِتَبايُنِهِما، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، فَتَأوَّلَ جُمْلَةَ النَّهْيِ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ حَتّى تَقَعَ المُناسَبَةُ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ، وهو (p-٤٧١)مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

النور 24:57

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (p-٤٦٧)نَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ في المُنافِقِينَ بِسَبَبِ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، دَعاهُ يَهُودِيٌّ في خُصُومَةٍ بَيْنَهُما إلى الرَّسُولِ ﷺ ودَعا هو إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَنَزَلَتْ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذَمِّ قَوْمٍ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ عَقائِدِهِمْ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) . ﴿وما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ فَيَنْتَفِي عَنْ جَمِيعِهِمُ الإيمانُ، أوْ إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي فَيَكُونُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إيمانًا إنَّما كانَ ادِّعاءً بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ بِالقَلْبِ. وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)؛ لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ هو عَنِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ، يُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ، ومِنهُ: ؎ومَنهَلٍ مِنَ الفَلا في أوْسَطِهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطا وفَرَطِهْ أرادَ قَبْلَ فَرْطِ القَطا، انْتَهى. أيْ قَبْلَ تَقَدُّمِ القَطا إلَيْهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيُحْكَمَ) في المَوْضِعَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و(إذا) الثّانِيَةُ لِلْفُجاءَةِ. جَوابُ (إذا) الأُولى الشَّرْطِيَّةِ، وهَذا أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الجَوابَ لا يَعْمَلُ في إذا الشَّرْطِيَّةِ خِلافًا لِلْأكْثَرِينَ مِنَ النُّحاةِ؛ لِأنَّ إذا الفُجائِيَّةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقَدْ أُحْكِمَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. والظّاهِرُ أنَّ (إلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوا. والضَّمِيرُ في: (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَتَعَلَّقَ: (إلَيْهِ) بِمُذْعِنِينَ، قالَ: لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْرِعِينَ في الطّاعَةِ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِتَقَدُّمِ صِلَتِهِ ودَلالَتِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ ذَلِكَ وفِيما رَجَّحَ تَهْيِئَةَ العامِلِ لِلْعَمَلِ وقَطْعَهُ عَنِ العَمَلِ، وهو مِمّا يَضْعُفُ، والمَعْنى أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ يَزْوَرُّونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ؛ لِئَلّا تَنْزِعَهُ مِنهم بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ، وإنْ ثَبَتَ لَهُمُ الحَقُّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعَ إلَيْكَ كُلُّهم ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ. ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ﴾، (أمْ) هُنا مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلِ ارْتابُوا بَلْ أيَخافُونَ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَوْبِيخٍ؛ لِيُقِرُّوا بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ ويُذَمُّ، أوْ مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، وهو بَلِيغٌ جِدًّا فَمِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَسْتَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَعاهَدُوا ∗∗∗ عَلى اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالِفِ الدَّهْرِ ومِنَ المُبالَغَةِ في المَدْحِ. قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وقَسَّمَ تَعالى جِهاتِ صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ، فَقالَ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نِفاقٌ وعَدَمُ إخْلاصٍ. ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ أيْ عَرَضَتْ لَهُمُ الرِّيبَةُ والشَّكُّ في نُبُوَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْلِصِينَ. ﴿أمْ يَخافُونَ﴾ أيْ يَعْرِضُ لَهُمُ الخَوْفُ مِنَ الحَيْفِ في الحُكُومَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم. ثُمَّ اسْتَدْرَكَ بِبَلْ إنَّهم: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . وقَرَأ (p-٤٦٨)عَلِيٌّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ (إنَّما كانَ قَوْلُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى؛ لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَّعْرِيفِ، و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أوْغَلُ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ. وكانَ هَذا مِن قَبِيلِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ﴿ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦]، انْتَهى. ونَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها إذا كانَتا مَعْرِفَتَيْنِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في جَعْلِ ما شِئْتَ مِنهُما الِاسْمَ والآخَرَ الخَبَرَ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ في ذَلِكَ ولا اخْتِيارٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ (لِيُحْكَمَ بَيْنَهم)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ (لِيُحْكَمَ) هو أيِ الحُكْمُ، والمَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ (بَيْنَهم) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: جَمَعَ بَيْنَهُما وألَّفَ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبإ: ٥٤] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُهُ ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فِيمَن قَرَأ (بَيْنَكم) مَنصُوبًا أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكُمُ، انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ في الآيَةِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ. ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيْ قَوْلَ الرَّسُولِ، (وأطَعْنا) أيْ أمْرَهُ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقِهِ﴾ بِالإشْباعِ والِاخْتِلاسِ والإسْكانِ. وقُرِئَ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ، أجْرى خَبَرَ كانَ المُنْفَصِلَ مُجْرى المُتَّصِلِ، فَكَما يُسَكَّنُ عَلِمَ فَيُقالُ عَلْمَ كَذَلِكَ سُكِّنَ ويَتَّقْهِ؛ لِأنَّهُ تَقِهِ كَعَلِمَ، وكَما قالَ السّالِمُ: ؎قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا يُرِيدُ اشْتَرِ لَنا. ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فَرائِضِهِ، (ورَسُولَهُ) في سُنَنِهِ، و﴿يَخْشى اللَّهَ﴾ [فاطر: ٢٨] عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ﴿ويَتَّقْهِ﴾ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ. ولَمّا بَلَغَ المُنافِقِينَ ما أنْزَلَ تَعالى فِيهِمْ أتَوْا إلى الرَّسُولِ ﷺ وأقْسَمُوا إلى آخِرِهِ أيْ: (لَيَخْرُجُنَّ) عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، و﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ بِالجِهادِ (لَيَخْرُجُنَّ) إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في الأنْعامِ. ونَهاهم تَعالى عَنْ قَسَمِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ حَقًّا. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: مَعْلُومَةٌ لا شَكَّ فِيها ولا يُرْتابُ، كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُطابِقِ باطِنُهم لِظاهِرِهِمْ، لا أيْمانٌ تُقْسِمُوا بِها بِأفْواهِكم وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها، أوْ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالقَوْلِ دُونَ الفِعْلِ، أوْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعانِيَ. أحَدُها: النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ إذْ قَدْ عَرَفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ. والثّانِي: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكم، وفي هَذا الوَجْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم، هو المَطْلُوبُ مِنكم. والرّابِعُ: لا تَقْنَعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمَةِ طاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ، وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهْيَعٌ لائِحٌ، انْتَهى. و(طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ، و﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ أمْثَلُ وأوْلى، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرُنا أوِ المَطْلُوبُ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: ولَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، وذَلِكَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أطِيعُوا طاعَةً، انْتَهى. وقَدَّراهُ بِالنَّصْبِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ، وتَقْدِيرُ بَعْضِهِمُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ ولْتَكُنْ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ الفِعْلُ ويَبْقى الفاعِلُ، إلّا إذا كانَ ثَمَّ مُشْعِرٌ بِهِ، نَحْوُ (رِجالٌ) بَعْدَ (يُسَبَّحُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، أوْ يُجابُ بِهِ نَفْيٌ نَحْوُ: بَلى زَيْدٌ لِمَن قالَ: ما جاءَ أحَدٌ. أوِ اسْتِفْهامٌ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎ألا هَلْ أتى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بَلى خالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْهُ العَوائِقُ أيْ أتاها خالِدٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِكم فَفاضِحُكم. والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ. ولَمّا بَكَّتَهم بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سَرائِرِهِمْ تَلَطَّفَ بِهِمْ؛ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، وهو أمْرٌ عامٌّ لِلْمُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾، أيْ: عَلى الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ وهو التَّبْلِيغُ (p-٤٦٩)ومُكافَحَةُ النّاسِ بِالرِّسالَةِ وإعْمالُ الجُهْدِ في إنْذارِهِمْ. ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. ثُمَّ عَلَّقَ هِدايَتَهم عَلى طاعَتِهِ فَلا يَقَعُ إلّا بِطاعَتِهِ، ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في المائِدَةِ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهم، فَنَزَلَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ بَعْضُهم: ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ، فَقالَ ﷺ: ”لا تُغَبِّرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَعْدُ وعَدَهُ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، و(مِن) لِلْبَيانِ، أيِ: الَّذِينَ هم أنْتُمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم خُلَفاءَ. وقَوْلُهُ: (في الأرْضِ)، هي البِلادُ الَّتِي تُجاوِرُهم، وهي جَزِيرَةُ العَرَبِ، ثُمَّ افْتَتَحُوا بِلادَ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم، واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا. وفي الصَّحِيحِ: «زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولِذَلِكَ اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ دُونَ اتِّساعِهِ في الجَنُوبِ والشَّمالِ. (قُلْتُ): ولا سِيَّما في عَصْرِنا هَذا بِإسْلامِ مُعْظَمِ العالَمِ في المَشْرِقِ كَقَبائِلِ التُّرْكِ، وفي المَغْرِبِ كَبِلادِ السُّودانِ التَّكْرُورِ والحَبَشَةِ وبِلادِ الهِنْدِ. ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشّامَ بَعْدَ هَلاكِ الجَبابِرَةِ. وقِيلَ: هو ما كانَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وكانَ الغالِبَ عَلى الأرْضِ المُؤْمِنُونَ. وقُرِئَ: ﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. واللّامُ في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وأقْسَمَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أوْ أجْرى وعْدَ اللَّهِ لِتَحَقُّقِهِ مُجْرى القَسَمِ، فَجُووِبَ بِما يُجاوَبُ بِهِ القَسَمُ. وعَلى التَّقْدِيرِ حُذِفَ القَسَمُ بِكَوْنِ مَعْمُولِ (وعَدَ) مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ اسْتِخْلافَكم وتَمْكِينَ دِينِكم. ودَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ؛ لِأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ. وقالَ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ» انْتَهى. ويَنْدَرِجُ مَن جَرى مَجْراهم في العَدْلِ مَنِ اسْتُخْلِفَ مِن قُرَيْشٍ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ الأُمَوِيِّينَ، والمُهْتَدِينَ بِاللَّهِ في العَبّاسِيِّينَ. ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ﴾ أيْ: يُثَبِّتُهُ ويُوَطِّدُهُ بِإظْهارِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ. و﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ جَلِيلَةٌ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في تَمْكِينِ هَذا الدِّينِ الغايَةَ القُصْوى، مِمّا أظْهَرَ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الفُتُوحِ والعُلُومِ الَّتِي فاقُوا فِيها جَمِيعَ العالَمِ، مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمانِ هَذِهِ المِلَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ، والحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّخْفِيفِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وضَعُوا السِّلاحَ وآمَنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانُوا آمِنِينَ، كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ وكَفَرُوا بِالنِّعْمَةِ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ فَغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ فَقالَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةَ لا نَفْسَ الفِعْلِ وحْدَهُ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ: هم ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ وعْدِهِمْ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ قَبْلَهُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ مِن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، و(لَيُبَدِّلَنَّهم) (لا يُشْرِكُونَ) بَدَلٌ مِن ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أوْ حالٌ (p-٤٧٠)مِنَ الفاعِلِ في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ مُوَحِّدِينَ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّهُ مَتى أُطْلِقَ الكُفْرُ كانَ مُقابِلَ الإسْلامِ والإيمانِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ، قالَ: كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كُفْرَ هَذِهِ النِّعَمِ إذا وقَعَتْ ويَكُونُ الفِسْقُ عَلى هَذا غَيْرَ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ. قِيلَ: ظَهَرَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ يُرِيدُ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وأقِيمُوا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ويُحَسِّنُهُ الخِطابُ في (مِنكم) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ؛ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ تَوْكِيدًا لِوُجُوبِها، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ (لا تَحْسَبَنَّ) أيُّها المُخاطَبُ، ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ الرَّسُولُ، وقالُوا: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، والتَّقْدِيرُ لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ، والرَّسُولُ لا يَنْدَرِجُ في حاسِبٍ، وقالُوا: يَكُونُ ضَمِيرُ الفاعِلِ لِلرَّسُولِ؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ في قِراءَةِ التّاءِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصْرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخَطِّئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبَنَّ، ومِمَّنْ قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ، انْتَهى. وقالَ الفَرّاءُ: هو ضَعِيفٌ، وأجازَهُ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، تَقْدِيرُهُ أنْفُسَهم. و(مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الثّانِي. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ . وقالَ الكُوفِيُّونَ: (مُعْجِزِينَ) المَفْعُولُ الأوَّلُ. و(في الأرْضِ) الثّانِي، قِيلَ: وهو خَطَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ (في الأرْضِ) تَعَلُّقُهُ بِمُعْجِزِينَ، فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا. وخَرَّجَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُتَّبِعًا قَوْلَ الكُوفِيِّينَ. فَقالَ ﴿مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ هُما المَفْعُولانِ، والمَعْنى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، انْتَهى. وقالَ أيْضًا: يَكُونُ الأصْلُ: لا يَحْسَبَنَّهُمُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، وكانَ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثّالِثِ، انْتَهى. وقَدْ رَدَدْنا هَذا التَّخْرِيجَ في آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا)، في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجَعَلَ الفاعِلَ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ لَيْسَ هَذا مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها، فَلا يَتَقَدَّرُ لا يَحْسَبَنَّهم؛ إذْ لا يَجُوزُ ظَنَّهُ زَيْدٌ قائِمًا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِ زَيْدٍ بِظَنَّهُ. ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ عَلى ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾، والمُرادُ بِهِمُ المُقْسِمُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمُ، انْتَهى. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ومَأْواهُمُ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ بَلْ هم مَقْهُورُونَ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ انْتَهى. واسْتُبْعِدَ العَطْفُ مِن حَيْثُ إنَّ ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ نَهْيٌ، ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَلَمْ يُناسِبْ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ؛ لِتَبايُنِهِما، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ. ولَمّا أحَسَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ، فَتَأوَّلَ جُمْلَةَ النَّهْيِ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ حَتّى تَقَعَ المُناسَبَةُ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ، وهو (p-٤٧١)مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

النور 24:58

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ «رُوِيَ أنْ عُمَرَ بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: مُدْلِجٌ، وكانَ نائِمًا فَدَقَّ عَلَيْهِ البابَ ودَخَلَ، فاسْتَيْقَظَ (p-٤٧٢)وجَلَسَ فانْكَشَفَ مِنهُ شَيْءٌ، فَقالَ عُمَرُ: ودِدْتُ أنَّ اللَّهَ نَهى أبْناءَنا ونِساءَنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ إلى الرَّسُولِ فَوَجَدَ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ نَزَلَتْ فَخَرَّ ساجِدًا» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في أسْماءَ بِنْتِ أبِي مَرْثَدٍ، قِيلَ: دَخَلَ عَلَيْها غُلامٌ لَها كَبِيرٌ في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ خَدَمَنا وغِلْمانَنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا حالًا نَكْرَهُها. ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ أمْرٌ، والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى الوُجُوبِ، والجُمْهُورُ عَلى النَّدْبِ. وقِيلَ: بِنَسْخِ ذَلِكَ؛ إذْ صارَ لِلْبُيُوتِ أبْوابٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيَّبِ، والظّاهِرُ عُمُومُ ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ في العَبِيدِ والإماءِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ وآخَرُونَ: العَبِيدُ دُونَ الإماءِ، وقالَ السُّلَمِيُّ: الإماءُ دُونَ العَبِيدِ. ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ عامٌّ في الأطْفالِ عَبِيدًا كانُوا أوْ أحْرارًا. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةٍ وطَلْحَةُ: (الحُلْمَ) بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. وقِيلَ: (مِنكُمُ) أيْ: مِنَ الأحْرارِ ذُكُورًا كانُوا أوْ إناثًا. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ ثَلاثَ اسْتِئْذاناتٍ؛ لِأنَّكَ إذا ضَرَبْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا ثَلاثَ ضَرَباتٍ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «الِاسْتِئْذانُ ثَلاثٌ»، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ مَعْنى: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ ثَلاثُ أوْقاتٍ، وجَعَلُوا ما بَعْدَهُ مِن ذِكْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾، ولا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ تَبْقى ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ عَلى مَدْلُولِها. ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ القِيامِ مِنَ المَضاجِعِ، وطَرْحِ ما يَنامُ فِيهِ مِنَ الثِّيابِ ولُبْسِ ثِيابِ اليَقَظَةِ، وقَدْ يَنْكَشِفُ النّائِمُ. ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ وضْعِ الثِّيابِ لِلْقائِلَةِ؛ لِأنَّ النَّهارَ إذْ ذاكَ يَشْتَدُّ حَرُّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. ومِن في ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ: حِينَ ذَلِكَ هو الظَّهِيرَةُ، قالَ: أوْ بِمَعْنى مِن أجْلِ حَرِّ الظَّهِيرَةِ، و(حِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿مِن قَبْلِ﴾، ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ التَّجَرُّدِ مِن ثِيابِ اليَقَظَةِ والِالتِحافِ بِثِيابِ النَّوْمِ، ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ سَمّى كُلَّ واحِدٍ مِنها عَوْرَةً؛ لِأنَّ النّاسَ يَخْتَلُّ تَسَتُّرُهم وتَحَفُّظُهم فِيها، والعَوْرَةُ الخَلَلُ، ومِنهُ أعْوَرَ الفارِسُ وأعْوَرَ المَكانُ، والأعْوَرُ المُخْتَلُّ العَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ثَلاثَ) بِالنَّصْبِ، قالُوا: بَدَلٌ مِن ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾، وقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ أوْقاتَ ثَلاثِ عَوْراتٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما يَصِحُّ يَعْنِي البَدَلَ بِتَقْدِيرِ أوْقاتِ عَوْراتٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ أيْ: هُنَّ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾، وقَرَأ الأعْمَشُ (عَوَراتٍ) بِفَتْحِ الواوِ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ وبَنِي تَمِيمٍ وعَلى رَفْعِ (ثَلاثُ) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَكُونُ (لَيْسَ عَلَيْكم) الجُمْلَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الوَصْفِ، والمَعْنى هُنَّ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ، وإذا نَصَبْتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحَلٌّ وكانَ كَلامًا مُقَرِّرًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأحْوالِ خاصَّةً. ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أيْ: بَعْدَ اسْتِئْذانِهِمْ فِيهِنَّ حُذِفَ الفاعِلُ وحَرْفُ الجَرِّ بِفي بَعْدَ اسْتِئْذانِهِنَّ ثُمَّ حُذِفَ المَصْدَرُ، وقِيلَ: (لَيْسَ) عَلى العَبِيدِ والإماءِ ومَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ في الدُّخُولِ (عَلَيْكم) بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ (جُناحٌ) بَعْدَ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثِ. ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يَمْضُونَ ويَجِيئُونَ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ هم ﴿طَوّافُونَ﴾ أيِ: المَمالِيكُ والصِّغارُ ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَدْخُلُونَ عَلَيْكم في المَنازِلِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً بِغَيْرِ إذْنٍ إلّا في تِلْكَ الأوْقاتِ. وجَوَّزُوا في ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، لَكِنَّ الجَرَّ قَدَّرُوهُ طائِفٌ عَلى بَعْضٍ، وهو كَوْنٌ مَخْصُوصٌ؛ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحُذِفَ لِأنَّ ﴿طَوّافُونَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَطُوفُ بَعْضُكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بَعْضُكم) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿طَوّافُونَ﴾، لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ إنْ أرادَ بَدَلًا مِن ﴿طَوّافُونَ﴾ نَفْسِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم (بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) وهَذا مَعْنًى لا يَصِحُّ. وإنْ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿طَوّافُونَ﴾ فَلا يَصِحُّ أيْضًا إنْ قُدِّرَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ غَيْبَةٍ لِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ هم؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم يَطُوفُ (بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) (p-٤٧٣)وهُوَ لا يَصِحُّ. فَإنْ جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ أنْتُمْ يَطُوفُ ﴿عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ فَيَدْفَعُهُ أنَّ قَوْلَهُ: (عَلَيْكم) بَدَلٌ عَلى أنَّهم هُمُ المَطُوفُ عَلَيْهِمْ، وأنْتُمْ طَوّافُونَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طائِفُونَ فَتَعارَضا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (طَوّافِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (عَلَيْهِمْ) . وقالَ الحَسَنُ: إذا باتَ الرَّجُلُ خادِمُهُ مَعَهُ فَلا اسْتِئْذانَ عَلَيْهِ، ولا في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ. ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ﴾ أيْ: مِن أوْلادِكم وأقْرِبائِكم، ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ أيْ في كُلِّ الأوْقاتِ فَإنَّهم قَبْلَ البُلُوغِ كانُوا يَسْتَأْذِنُونَ في ثَلاثِ الأوْقاتِ. ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي البالِغِينَ. وقِيلَ: الكِبارُ مِن أوْلادِ الرَّجُلِ وأقْرِبائِهِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الِابْنَ والأخَ البالِغَيْنِ كالأجْنَبِيِّ في ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا هُنا فِيما بِهِ البُلُوغُ، وهي مَسْألَةٌ تُذْكَرُ في الفِقْهِ. كَذَلِكَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنِ اسْتِئْذانِ المَمالِيكِ وغَيْرِ البُلَّغِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى النِّساءَ بِالتَّحَفُّظِ مِنَ الرِّجالِ ومِنَ الأطْفالِ غَيْرِ البُلَّغِ في الأوْقاتِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ كَشْفِ عَوْرَتِهِنَّ، اسْتُثْنِيَ (القَواعِدُ مِنَ النِّساءِ) اللّاتِي كَبُرْنَ وقَعَدْنَ عَنِ المَيْلِ إلَيْهِنَّ والِافْتِتانِ بِهِنَّ، فَقالَ: ﴿والقَواعِدُ﴾، وهو جَمْعُ قاعِدٍ مِن صِفاتِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: امْرَأةٌ قاعِدٌ قَعَدَتْ عَنِ الحَيْضِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّينَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُنَّ بَعْدَ الكِبَرِ يُكْثِرْنَ القُعُودَ. وقالَ رَبِيعَةُ لِقُعُودِهِنَّ عَنِ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ فَأيِسْنَ ولَمْ يَبْقَ لَهُنَّ طَمَعٌ في الأزْواجِ. وقِيلَ: قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والحَبَلِ. و﴿ثِيابَهُنَّ﴾ الجِلْبابُ والرِّداءُ والقِناعُ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ والمُلاءُ الَّذِي فَوْقَ الثِّيابِ أوِ الخُمُرُ أوِ الرِّداءُ والخِمارُ أقْوالٌ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ إذا كَبُرَتْ: امْرَأةٌ واضِعٌ، أيْ: وضَعَتْ خِمارَها. ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مُتَظاهِراتٍ بِالزِّينَةِ لِيُنْظَرَ إلَيْهِنَّ، وحَقِيقَةُ التَّبَرُّجِ إظْهارُ ما يَجِبُ إخْفاؤُهُ أوْ غَيْرُ قاصِداتِ التَّبَرُّجِ بِالوَضْعِ، ورُبَّ عَجُوزٍ يَبْدُو مِنها الحِرْصُ عَلى أنْ يَظْهَرَ بِها جَمالٌ. ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ عَنْ وضْعِ الثِّيابِ ويَتَسَتَّرْنَ كالشَّبابِ أفْضَلُ لَهُنَّ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُ كُلُّ قائِلٍ، (عَلِيمٌ) بِالمَقاصِدِ. وفي ذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ تَوَعُّدٌ وتَحْذِيرٌ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُواكَلَةِ الأعْمى؛ لِأنَّهُ لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعامِ الطَّيِّبِ، والأعْرَجِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ المُزاحَمَةَ عَلى الطَّعامِ، والمَرِيضِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اسْتِيفاءَ الطَّعامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ قِيلَ: وتَحَرَّجُوا عَنْ أكْلِ طَعامِ القَراباتِ فَنَزَلَتْ مُبِيحَةً جَمِيعَ هَذِهِ المَطاعِمِ، ومُبَيِّنَةً أنَّ تِلْكَ إنَّما هي في التَّعَدِّي والقِمارِ وما يَأْكُلُهُ المُؤْمِنُ مِن مالِ مَن يَكْرَهُ أهْلَهُ أوْ بِصَفْقَةٍ فاسِدَةٍ ونَحْوِهِ. وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا إذا نَهَضُوا إلى الغَزْوِ وخَلَّفُوا أهْلَ العُذْرِ في مَنازِلِهِمْ وأمْوالِهِمْ، تَحَرَّجُوا مِن أكْلِ مالِ الغائِبِ، فَنَزَلَتْ مُبِيحَةً لَهم ما تَمَسُّ إلَيْهِ حاجَتُهم مِن مالِ الغائِبِ إذا كانَ الغائِبُ قَدْ بَنى عَلى ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الرَّجُلُ إذا ذَهَبَ بِأهْلِ العُذْرِ إلى بَيْتِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا ذَهَبَ بِهِمْ إلى بُيُوتِ قَراباتِهِ، فَتَحَرَّجَ أهْلُ الأعْذارِ مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ ومَن بِالمَدِينَةِ قَبْلَ البَعْثِ تَجْتَنِبُ الأكْلَ مَعَ أهْلِ هَذِهِ الأعْذارِ، فَبَعْضُهم تَقَذُّرًا لِمَكانِ جَوَلانِ يَدِ الأعْمى، ولِانْبِساطِ الجِلْسَةِ مَعَ الأعْرَجِ، ولِرائِحَةِ المَرِيضِ وهي أخْلاقٌ جاهِلِيَّةٌ وكِبْرٌ، فَنَزَلَتْ واسْتُبْعِدَ هَذا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا السَّبَبَ لَكانَ التَّرْكِيبُ لَيْسَ عَلَيْكم حَرَجٌ أنْ تَأْكُلُوا مَعَهم، ولَمْ يَكُنْ ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ (عَلى) في مَعْنى في أيْ في مُواكَلَةِ الأعْمى، وهَذا بِعِيدٌ جِدًّا. وفي كِتابِ الزَّهْراوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الأعْذارِ تَحَرَّجُوا في الأكْلِ مَعَ النّاسِ مِن أجْلِ عُذْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها يَكُونُ نَفْيُ الحَرَجِ عَنْ أهْلِ العُذْرِ ومَن بَعْدَهم في المَطاعِمِ. وقالَ الحَسَنُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ الحَرَجُ المَنفِيُّ عَنْ أهْلِ العُذْرِ هو في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ وغَيْرِهِ مِمّا رُخِّصَ لَهم فِيهِ، والحَرَجُ المَنفِيُّ عَمَّنْ بَعْدَهم في الأكْلِ مِمّا ذُكِرَ وهو مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ إذْ مُتَعَلِّقُ الحَرَجَيْنِ مُخْتَلِفٌ. وإنْ كانا قَدِ اجْتَمَعا في انْتِفاءِ الحَرَجِ. وهَذا القَوْلُ (p-٤٧٤)هُوَ الظّاهِرُ. ولَمْ يَذْكُرْ بُيُوتَ الأوْلادِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ (بُيُوتِكم)؛ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ بَعْضُهُ وحُكْمُهُ حُكْمُ نَفْسِهِ، وبَيْتُهُ بَيْتُهُ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ المَرْءُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ» . ومَعْنى: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ . مِنَ البُيُوتِ الَّتِي فِيها أزْواجُكم وعِيالُكم، والوَلَدُ أقْرَبُ مِن عَدَدٍ مِنَ القَراباتِ فَإذا كانَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ هو القُرابَةَ كانَ الَّذِي هو أقْرَبُ مِنهم أوْلى. وقَرَأ طَلْحَةُ إمَّهاتِكم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو وكِيلُ الرَّجُلِ أنْ يَتَناوَلَ مِنَ التَّمْرِ ويَشْرَبَ مِنَ اللَّبَنِ. وقالَ قَتادَةُ: العَبْدُ؛ لِأنَّ مالَهُ لَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: خَزائِنُ بُيُوتِكم إذا مَلَكْتُمْ مَفاتِيحَها. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الزَّمْنى مَلَكُوا التَّصَرُّفَ في البُيُوتِ الَّتِي سُلِّمَتْ إلَيْهِمْ مَفاتِيحُها. وقِيلَ: ولِيُّ اليَتِيمِ يَتَناوَلُ مِن مالِهِ بِقَدْرِ ما قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، ومَفاتِحُهُ بِيَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَلَكْتُمْ﴾، بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ خَفِيفَةً. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ مُشَدَّدَةً، والجُمْهُورُ (مَفاتِحَهُ) جَمْعَ مِفْتَحٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ (مَفاتِيحَهُ) جَمْعَ مِفْتاحٍ، وقَتادَةُ، وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: (مِفْتاحَهُ) مُفْرَدًا. ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الصّادِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الدّالِ، حَكاهُ حُمَيْدٌ الخَزّازُ، قَرَنَ اللَّهُ الصَّدِيقَ بِالقَرابَةِ المَحْضَةِ. قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: مَن أحَبُّ إلَيْكَ أخُوكَ أمْ صَدِيقُكَ ؟ فَقالَ: لا أُحِبُّ أخِي إلّا إذا كانَ صَدِيقِي. وقالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِقَتادَةَ: ألا أشْرَبُ مِن هَذا الحَبِّ ؟ قالَ: أنْتَ لِي صَدِيقٌ؛ فَما هَذا الِاسْتِئْذانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّدِيقُ أوْكَدُ مِنَ القَرابَةِ ألا تَرى اسْتِغاثَةَ الجَهَنَّمِيِّينَ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ولَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ والأُمَّهاتِ، ومَعْنى: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أوْ بُيُوتِ أصْدِقائِكم، والصَّدِيقُ يَكُونُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كالخَلِيطِ والقَطِينِ، وقَدْ أكَلَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِ الحَسَنِ مِن بَيْتِهِ وهو غائِبٌ، فَجاءَ فَسُرَّ بِذَلِكَ، وقالَ: هَكَذا وجَدْناهم يَعْنِي كُبَراءَ الصَّحابَةِ، وكانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ بَيْتَ صَدِيقِهِ فَيَأْخُذُ مِن كِيسِهِ فَيُعْتِقُ جارِيَتَهُ الَّتِي مَكَّنَتْهُ مِن ذَلِكَ. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: مِن عِظَمِ حُرْمَةِ الصَّدِيقِ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ مِنَ الأُنْسِ والثِّقَةِ والِانْبِساطِ وتَرْكِ الحِشْمَةِ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ والأبِ والِابْنِ والأخِ. وقالَ هِشامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ: نِلْتُ ما نِلْتُ حَتّى الخِلافَةَ وأعْوَزَنِي صَدِيقٌ لا أحْتَشِمُ مِنهُ. وقالَ أهْلُ العِلْمِ: إذا دَلَّ ظاهِرُ الحالِ عَلى رِضا المالِكِ قامَ ذَلِكَ مَقامَ الإذْنِ الصَّرِيحِ. وانْتَصَبَ ﴿جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ عَلى الحالِ أيْ مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ. قالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في حَيٍّ مِن كِنانَةَ تَحَرَّجُوا أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وحْدَهُ، فَرُبَّما قَعَدُوا لِطَعامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يَجِدُ مَن يُؤاكِلُهُ حَتّى يُمْسِيَ فَيُضْطَرُّ إلى الأكْلِ وحْدَهُ. وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ: ؎إذا ما صَنَعْتِ الزّادَ فالتَمِسِي لَهُ أكِيلًا فَإنِّي لَسْتُ آكِلَهُ وحْدِي وقالَ عِكْرِمَةُ: في قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ لا يَأْكُلُونَ إلّا مَعَهُ. وقِيلَ في قَوْمٍ تَحَرَّجُوا أنْ يَأْكُلُوا جَمِيعًا مَخافَةَ أنْ يَزِيدَ أحَدُهم عَلى الآخَرِ في الأكْلِ. وقِيلَ ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ هو إذا دَعاكَ إلى ولِيمَةٍ فَحَسْبُ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «ألا إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ» وبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ ماشِيَةَ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ» وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] الآيَةَ. ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ: المَساجِدُ، فَسَلِّمُوا عَلى مَن فِيها، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ قالَ: السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم، يَعْنِي المَلائِكَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ. وقالَ جابِرٌ، وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: البُيُوتُ المَسْكُونَةُ، وقالُوا يَدْخُلُ فِيها غَيْرُ المَسْكُونَةِ، فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: بُيُوتًا خالِيَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، عَلى أهْلِ دِينِكم. وقالَ قَتادَةُ: عَلى أهالِيكم في بُيُوتِ أنْفُسِكم. وقِيلَ: بُيُوتُ الكُفّارِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ (p-٤٧٥)مِن هَذِهِ البُيُوتِ لِتَأْكُلُوا، فابْدَأُوا بِالسَّلامِ عَلى أهْلِها الَّذِينَ هم فِيها مِنكم دِينًا وقَرابَةً. و﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، أيْ: ثابِتَةً بِأمْرِهِ مَشْرُوعَةً مِن لَدُنْهُ، أوْ لِأنَّ التَّسْلِيمَ والتَّحِيَّةَ طَلَبٌ لِلسَّلامَةِ وحَياةٌ لِلْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ والطِّيبِ؛ لِأنَّها دَعْوَةُ مُؤْمِنٍ لِمُؤْمِنٍ يُرْجى بِها مِنَ اللَّهِ زِيادَةُ وطِيبُ الرِّزْقِ، انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: (مُبارَكَةً) بِالأجْرِ. وقِيلَ: بُورِكَ فِيها بِالثَّوابِ. وقالَ الضَّحّاكُ: في السَّلامِ عَشْرُ حَسَناتٍ، ومَعَ الرَّحْمَةِ عِشْرُونَ، ومَعَ البَرَكاتِ ثَلاثُونَ. وانْتَصَبَ (تَحِيَّةً) بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَلِّمُوا﴾؛ لِأنَّ مَعْناهُ فَحَيُّوا كَقَوْلِكَ: قَعَدْتُ جُلُوسًا.

النور 24:59

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ «رُوِيَ أنْ عُمَرَ بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: مُدْلِجٌ، وكانَ نائِمًا فَدَقَّ عَلَيْهِ البابَ ودَخَلَ، فاسْتَيْقَظَ (p-٤٧٢)وجَلَسَ فانْكَشَفَ مِنهُ شَيْءٌ، فَقالَ عُمَرُ: ودِدْتُ أنَّ اللَّهَ نَهى أبْناءَنا ونِساءَنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ إلى الرَّسُولِ فَوَجَدَ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ نَزَلَتْ فَخَرَّ ساجِدًا» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في أسْماءَ بِنْتِ أبِي مَرْثَدٍ، قِيلَ: دَخَلَ عَلَيْها غُلامٌ لَها كَبِيرٌ في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ خَدَمَنا وغِلْمانَنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا حالًا نَكْرَهُها. ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ أمْرٌ، والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى الوُجُوبِ، والجُمْهُورُ عَلى النَّدْبِ. وقِيلَ: بِنَسْخِ ذَلِكَ؛ إذْ صارَ لِلْبُيُوتِ أبْوابٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيَّبِ، والظّاهِرُ عُمُومُ ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ في العَبِيدِ والإماءِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ وآخَرُونَ: العَبِيدُ دُونَ الإماءِ، وقالَ السُّلَمِيُّ: الإماءُ دُونَ العَبِيدِ. ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ عامٌّ في الأطْفالِ عَبِيدًا كانُوا أوْ أحْرارًا. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةٍ وطَلْحَةُ: (الحُلْمَ) بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. وقِيلَ: (مِنكُمُ) أيْ: مِنَ الأحْرارِ ذُكُورًا كانُوا أوْ إناثًا. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ ثَلاثَ اسْتِئْذاناتٍ؛ لِأنَّكَ إذا ضَرَبْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا ثَلاثَ ضَرَباتٍ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «الِاسْتِئْذانُ ثَلاثٌ»، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ مَعْنى: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ ثَلاثُ أوْقاتٍ، وجَعَلُوا ما بَعْدَهُ مِن ذِكْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾، ولا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ تَبْقى ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ عَلى مَدْلُولِها. ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ القِيامِ مِنَ المَضاجِعِ، وطَرْحِ ما يَنامُ فِيهِ مِنَ الثِّيابِ ولُبْسِ ثِيابِ اليَقَظَةِ، وقَدْ يَنْكَشِفُ النّائِمُ. ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ وضْعِ الثِّيابِ لِلْقائِلَةِ؛ لِأنَّ النَّهارَ إذْ ذاكَ يَشْتَدُّ حَرُّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. ومِن في ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ: حِينَ ذَلِكَ هو الظَّهِيرَةُ، قالَ: أوْ بِمَعْنى مِن أجْلِ حَرِّ الظَّهِيرَةِ، و(حِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿مِن قَبْلِ﴾، ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ التَّجَرُّدِ مِن ثِيابِ اليَقَظَةِ والِالتِحافِ بِثِيابِ النَّوْمِ، ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ سَمّى كُلَّ واحِدٍ مِنها عَوْرَةً؛ لِأنَّ النّاسَ يَخْتَلُّ تَسَتُّرُهم وتَحَفُّظُهم فِيها، والعَوْرَةُ الخَلَلُ، ومِنهُ أعْوَرَ الفارِسُ وأعْوَرَ المَكانُ، والأعْوَرُ المُخْتَلُّ العَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ثَلاثَ) بِالنَّصْبِ، قالُوا: بَدَلٌ مِن ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾، وقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ أوْقاتَ ثَلاثِ عَوْراتٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما يَصِحُّ يَعْنِي البَدَلَ بِتَقْدِيرِ أوْقاتِ عَوْراتٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ أيْ: هُنَّ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾، وقَرَأ الأعْمَشُ (عَوَراتٍ) بِفَتْحِ الواوِ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ وبَنِي تَمِيمٍ وعَلى رَفْعِ (ثَلاثُ) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَكُونُ (لَيْسَ عَلَيْكم) الجُمْلَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الوَصْفِ، والمَعْنى هُنَّ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ، وإذا نَصَبْتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحَلٌّ وكانَ كَلامًا مُقَرِّرًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأحْوالِ خاصَّةً. ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أيْ: بَعْدَ اسْتِئْذانِهِمْ فِيهِنَّ حُذِفَ الفاعِلُ وحَرْفُ الجَرِّ بِفي بَعْدَ اسْتِئْذانِهِنَّ ثُمَّ حُذِفَ المَصْدَرُ، وقِيلَ: (لَيْسَ) عَلى العَبِيدِ والإماءِ ومَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ في الدُّخُولِ (عَلَيْكم) بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ (جُناحٌ) بَعْدَ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثِ. ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يَمْضُونَ ويَجِيئُونَ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ هم ﴿طَوّافُونَ﴾ أيِ: المَمالِيكُ والصِّغارُ ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَدْخُلُونَ عَلَيْكم في المَنازِلِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً بِغَيْرِ إذْنٍ إلّا في تِلْكَ الأوْقاتِ. وجَوَّزُوا في ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، لَكِنَّ الجَرَّ قَدَّرُوهُ طائِفٌ عَلى بَعْضٍ، وهو كَوْنٌ مَخْصُوصٌ؛ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحُذِفَ لِأنَّ ﴿طَوّافُونَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَطُوفُ بَعْضُكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بَعْضُكم) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿طَوّافُونَ﴾، لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ إنْ أرادَ بَدَلًا مِن ﴿طَوّافُونَ﴾ نَفْسِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم (بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) وهَذا مَعْنًى لا يَصِحُّ. وإنْ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿طَوّافُونَ﴾ فَلا يَصِحُّ أيْضًا إنْ قُدِّرَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ غَيْبَةٍ لِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ هم؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم يَطُوفُ (بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) (p-٤٧٣)وهُوَ لا يَصِحُّ. فَإنْ جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ أنْتُمْ يَطُوفُ ﴿عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ فَيَدْفَعُهُ أنَّ قَوْلَهُ: (عَلَيْكم) بَدَلٌ عَلى أنَّهم هُمُ المَطُوفُ عَلَيْهِمْ، وأنْتُمْ طَوّافُونَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طائِفُونَ فَتَعارَضا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (طَوّافِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (عَلَيْهِمْ) . وقالَ الحَسَنُ: إذا باتَ الرَّجُلُ خادِمُهُ مَعَهُ فَلا اسْتِئْذانَ عَلَيْهِ، ولا في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ. ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ﴾ أيْ: مِن أوْلادِكم وأقْرِبائِكم، ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ أيْ في كُلِّ الأوْقاتِ فَإنَّهم قَبْلَ البُلُوغِ كانُوا يَسْتَأْذِنُونَ في ثَلاثِ الأوْقاتِ. ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي البالِغِينَ. وقِيلَ: الكِبارُ مِن أوْلادِ الرَّجُلِ وأقْرِبائِهِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الِابْنَ والأخَ البالِغَيْنِ كالأجْنَبِيِّ في ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا هُنا فِيما بِهِ البُلُوغُ، وهي مَسْألَةٌ تُذْكَرُ في الفِقْهِ. كَذَلِكَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنِ اسْتِئْذانِ المَمالِيكِ وغَيْرِ البُلَّغِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى النِّساءَ بِالتَّحَفُّظِ مِنَ الرِّجالِ ومِنَ الأطْفالِ غَيْرِ البُلَّغِ في الأوْقاتِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ كَشْفِ عَوْرَتِهِنَّ، اسْتُثْنِيَ (القَواعِدُ مِنَ النِّساءِ) اللّاتِي كَبُرْنَ وقَعَدْنَ عَنِ المَيْلِ إلَيْهِنَّ والِافْتِتانِ بِهِنَّ، فَقالَ: ﴿والقَواعِدُ﴾، وهو جَمْعُ قاعِدٍ مِن صِفاتِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: امْرَأةٌ قاعِدٌ قَعَدَتْ عَنِ الحَيْضِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّينَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُنَّ بَعْدَ الكِبَرِ يُكْثِرْنَ القُعُودَ. وقالَ رَبِيعَةُ لِقُعُودِهِنَّ عَنِ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ فَأيِسْنَ ولَمْ يَبْقَ لَهُنَّ طَمَعٌ في الأزْواجِ. وقِيلَ: قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والحَبَلِ. و﴿ثِيابَهُنَّ﴾ الجِلْبابُ والرِّداءُ والقِناعُ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ والمُلاءُ الَّذِي فَوْقَ الثِّيابِ أوِ الخُمُرُ أوِ الرِّداءُ والخِمارُ أقْوالٌ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ إذا كَبُرَتْ: امْرَأةٌ واضِعٌ، أيْ: وضَعَتْ خِمارَها. ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مُتَظاهِراتٍ بِالزِّينَةِ لِيُنْظَرَ إلَيْهِنَّ، وحَقِيقَةُ التَّبَرُّجِ إظْهارُ ما يَجِبُ إخْفاؤُهُ أوْ غَيْرُ قاصِداتِ التَّبَرُّجِ بِالوَضْعِ، ورُبَّ عَجُوزٍ يَبْدُو مِنها الحِرْصُ عَلى أنْ يَظْهَرَ بِها جَمالٌ. ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ عَنْ وضْعِ الثِّيابِ ويَتَسَتَّرْنَ كالشَّبابِ أفْضَلُ لَهُنَّ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُ كُلُّ قائِلٍ، (عَلِيمٌ) بِالمَقاصِدِ. وفي ذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ تَوَعُّدٌ وتَحْذِيرٌ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُواكَلَةِ الأعْمى؛ لِأنَّهُ لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعامِ الطَّيِّبِ، والأعْرَجِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ المُزاحَمَةَ عَلى الطَّعامِ، والمَرِيضِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اسْتِيفاءَ الطَّعامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ قِيلَ: وتَحَرَّجُوا عَنْ أكْلِ طَعامِ القَراباتِ فَنَزَلَتْ مُبِيحَةً جَمِيعَ هَذِهِ المَطاعِمِ، ومُبَيِّنَةً أنَّ تِلْكَ إنَّما هي في التَّعَدِّي والقِمارِ وما يَأْكُلُهُ المُؤْمِنُ مِن مالِ مَن يَكْرَهُ أهْلَهُ أوْ بِصَفْقَةٍ فاسِدَةٍ ونَحْوِهِ. وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا إذا نَهَضُوا إلى الغَزْوِ وخَلَّفُوا أهْلَ العُذْرِ في مَنازِلِهِمْ وأمْوالِهِمْ، تَحَرَّجُوا مِن أكْلِ مالِ الغائِبِ، فَنَزَلَتْ مُبِيحَةً لَهم ما تَمَسُّ إلَيْهِ حاجَتُهم مِن مالِ الغائِبِ إذا كانَ الغائِبُ قَدْ بَنى عَلى ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الرَّجُلُ إذا ذَهَبَ بِأهْلِ العُذْرِ إلى بَيْتِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا ذَهَبَ بِهِمْ إلى بُيُوتِ قَراباتِهِ، فَتَحَرَّجَ أهْلُ الأعْذارِ مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ ومَن بِالمَدِينَةِ قَبْلَ البَعْثِ تَجْتَنِبُ الأكْلَ مَعَ أهْلِ هَذِهِ الأعْذارِ، فَبَعْضُهم تَقَذُّرًا لِمَكانِ جَوَلانِ يَدِ الأعْمى، ولِانْبِساطِ الجِلْسَةِ مَعَ الأعْرَجِ، ولِرائِحَةِ المَرِيضِ وهي أخْلاقٌ جاهِلِيَّةٌ وكِبْرٌ، فَنَزَلَتْ واسْتُبْعِدَ هَذا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا السَّبَبَ لَكانَ التَّرْكِيبُ لَيْسَ عَلَيْكم حَرَجٌ أنْ تَأْكُلُوا مَعَهم، ولَمْ يَكُنْ ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ (عَلى) في مَعْنى في أيْ في مُواكَلَةِ الأعْمى، وهَذا بِعِيدٌ جِدًّا. وفي كِتابِ الزَّهْراوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الأعْذارِ تَحَرَّجُوا في الأكْلِ مَعَ النّاسِ مِن أجْلِ عُذْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها يَكُونُ نَفْيُ الحَرَجِ عَنْ أهْلِ العُذْرِ ومَن بَعْدَهم في المَطاعِمِ. وقالَ الحَسَنُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ الحَرَجُ المَنفِيُّ عَنْ أهْلِ العُذْرِ هو في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ وغَيْرِهِ مِمّا رُخِّصَ لَهم فِيهِ، والحَرَجُ المَنفِيُّ عَمَّنْ بَعْدَهم في الأكْلِ مِمّا ذُكِرَ وهو مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ إذْ مُتَعَلِّقُ الحَرَجَيْنِ مُخْتَلِفٌ. وإنْ كانا قَدِ اجْتَمَعا في انْتِفاءِ الحَرَجِ. وهَذا القَوْلُ (p-٤٧٤)هُوَ الظّاهِرُ. ولَمْ يَذْكُرْ بُيُوتَ الأوْلادِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ (بُيُوتِكم)؛ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ بَعْضُهُ وحُكْمُهُ حُكْمُ نَفْسِهِ، وبَيْتُهُ بَيْتُهُ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ المَرْءُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ» . ومَعْنى: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ . مِنَ البُيُوتِ الَّتِي فِيها أزْواجُكم وعِيالُكم، والوَلَدُ أقْرَبُ مِن عَدَدٍ مِنَ القَراباتِ فَإذا كانَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ هو القُرابَةَ كانَ الَّذِي هو أقْرَبُ مِنهم أوْلى. وقَرَأ طَلْحَةُ إمَّهاتِكم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو وكِيلُ الرَّجُلِ أنْ يَتَناوَلَ مِنَ التَّمْرِ ويَشْرَبَ مِنَ اللَّبَنِ. وقالَ قَتادَةُ: العَبْدُ؛ لِأنَّ مالَهُ لَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: خَزائِنُ بُيُوتِكم إذا مَلَكْتُمْ مَفاتِيحَها. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الزَّمْنى مَلَكُوا التَّصَرُّفَ في البُيُوتِ الَّتِي سُلِّمَتْ إلَيْهِمْ مَفاتِيحُها. وقِيلَ: ولِيُّ اليَتِيمِ يَتَناوَلُ مِن مالِهِ بِقَدْرِ ما قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، ومَفاتِحُهُ بِيَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَلَكْتُمْ﴾، بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ خَفِيفَةً. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ مُشَدَّدَةً، والجُمْهُورُ (مَفاتِحَهُ) جَمْعَ مِفْتَحٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ (مَفاتِيحَهُ) جَمْعَ مِفْتاحٍ، وقَتادَةُ، وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: (مِفْتاحَهُ) مُفْرَدًا. ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الصّادِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الدّالِ، حَكاهُ حُمَيْدٌ الخَزّازُ، قَرَنَ اللَّهُ الصَّدِيقَ بِالقَرابَةِ المَحْضَةِ. قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: مَن أحَبُّ إلَيْكَ أخُوكَ أمْ صَدِيقُكَ ؟ فَقالَ: لا أُحِبُّ أخِي إلّا إذا كانَ صَدِيقِي. وقالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِقَتادَةَ: ألا أشْرَبُ مِن هَذا الحَبِّ ؟ قالَ: أنْتَ لِي صَدِيقٌ؛ فَما هَذا الِاسْتِئْذانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّدِيقُ أوْكَدُ مِنَ القَرابَةِ ألا تَرى اسْتِغاثَةَ الجَهَنَّمِيِّينَ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ولَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ والأُمَّهاتِ، ومَعْنى: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أوْ بُيُوتِ أصْدِقائِكم، والصَّدِيقُ يَكُونُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كالخَلِيطِ والقَطِينِ، وقَدْ أكَلَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِ الحَسَنِ مِن بَيْتِهِ وهو غائِبٌ، فَجاءَ فَسُرَّ بِذَلِكَ، وقالَ: هَكَذا وجَدْناهم يَعْنِي كُبَراءَ الصَّحابَةِ، وكانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ بَيْتَ صَدِيقِهِ فَيَأْخُذُ مِن كِيسِهِ فَيُعْتِقُ جارِيَتَهُ الَّتِي مَكَّنَتْهُ مِن ذَلِكَ. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: مِن عِظَمِ حُرْمَةِ الصَّدِيقِ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ مِنَ الأُنْسِ والثِّقَةِ والِانْبِساطِ وتَرْكِ الحِشْمَةِ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ والأبِ والِابْنِ والأخِ. وقالَ هِشامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ: نِلْتُ ما نِلْتُ حَتّى الخِلافَةَ وأعْوَزَنِي صَدِيقٌ لا أحْتَشِمُ مِنهُ. وقالَ أهْلُ العِلْمِ: إذا دَلَّ ظاهِرُ الحالِ عَلى رِضا المالِكِ قامَ ذَلِكَ مَقامَ الإذْنِ الصَّرِيحِ. وانْتَصَبَ ﴿جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ عَلى الحالِ أيْ مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ. قالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في حَيٍّ مِن كِنانَةَ تَحَرَّجُوا أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وحْدَهُ، فَرُبَّما قَعَدُوا لِطَعامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يَجِدُ مَن يُؤاكِلُهُ حَتّى يُمْسِيَ فَيُضْطَرُّ إلى الأكْلِ وحْدَهُ. وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ: ؎إذا ما صَنَعْتِ الزّادَ فالتَمِسِي لَهُ أكِيلًا فَإنِّي لَسْتُ آكِلَهُ وحْدِي وقالَ عِكْرِمَةُ: في قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ لا يَأْكُلُونَ إلّا مَعَهُ. وقِيلَ في قَوْمٍ تَحَرَّجُوا أنْ يَأْكُلُوا جَمِيعًا مَخافَةَ أنْ يَزِيدَ أحَدُهم عَلى الآخَرِ في الأكْلِ. وقِيلَ ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ هو إذا دَعاكَ إلى ولِيمَةٍ فَحَسْبُ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «ألا إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ» وبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ ماشِيَةَ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ» وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] الآيَةَ. ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ: المَساجِدُ، فَسَلِّمُوا عَلى مَن فِيها، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ قالَ: السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم، يَعْنِي المَلائِكَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ. وقالَ جابِرٌ، وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: البُيُوتُ المَسْكُونَةُ، وقالُوا يَدْخُلُ فِيها غَيْرُ المَسْكُونَةِ، فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: بُيُوتًا خالِيَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، عَلى أهْلِ دِينِكم. وقالَ قَتادَةُ: عَلى أهالِيكم في بُيُوتِ أنْفُسِكم. وقِيلَ: بُيُوتُ الكُفّارِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ (p-٤٧٥)مِن هَذِهِ البُيُوتِ لِتَأْكُلُوا، فابْدَأُوا بِالسَّلامِ عَلى أهْلِها الَّذِينَ هم فِيها مِنكم دِينًا وقَرابَةً. و﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، أيْ: ثابِتَةً بِأمْرِهِ مَشْرُوعَةً مِن لَدُنْهُ، أوْ لِأنَّ التَّسْلِيمَ والتَّحِيَّةَ طَلَبٌ لِلسَّلامَةِ وحَياةٌ لِلْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ والطِّيبِ؛ لِأنَّها دَعْوَةُ مُؤْمِنٍ لِمُؤْمِنٍ يُرْجى بِها مِنَ اللَّهِ زِيادَةُ وطِيبُ الرِّزْقِ، انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: (مُبارَكَةً) بِالأجْرِ. وقِيلَ: بُورِكَ فِيها بِالثَّوابِ. وقالَ الضَّحّاكُ: في السَّلامِ عَشْرُ حَسَناتٍ، ومَعَ الرَّحْمَةِ عِشْرُونَ، ومَعَ البَرَكاتِ ثَلاثُونَ. وانْتَصَبَ (تَحِيَّةً) بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَلِّمُوا﴾؛ لِأنَّ مَعْناهُ فَحَيُّوا كَقَوْلِكَ: قَعَدْتُ جُلُوسًا.

النور 24:60

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ «رُوِيَ أنْ عُمَرَ بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: مُدْلِجٌ، وكانَ نائِمًا فَدَقَّ عَلَيْهِ البابَ ودَخَلَ، فاسْتَيْقَظَ (p-٤٧٢)وجَلَسَ فانْكَشَفَ مِنهُ شَيْءٌ، فَقالَ عُمَرُ: ودِدْتُ أنَّ اللَّهَ نَهى أبْناءَنا ونِساءَنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ إلى الرَّسُولِ فَوَجَدَ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ نَزَلَتْ فَخَرَّ ساجِدًا» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في أسْماءَ بِنْتِ أبِي مَرْثَدٍ، قِيلَ: دَخَلَ عَلَيْها غُلامٌ لَها كَبِيرٌ في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ خَدَمَنا وغِلْمانَنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا حالًا نَكْرَهُها. ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ أمْرٌ، والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى الوُجُوبِ، والجُمْهُورُ عَلى النَّدْبِ. وقِيلَ: بِنَسْخِ ذَلِكَ؛ إذْ صارَ لِلْبُيُوتِ أبْوابٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيَّبِ، والظّاهِرُ عُمُومُ ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ في العَبِيدِ والإماءِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ وآخَرُونَ: العَبِيدُ دُونَ الإماءِ، وقالَ السُّلَمِيُّ: الإماءُ دُونَ العَبِيدِ. ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ عامٌّ في الأطْفالِ عَبِيدًا كانُوا أوْ أحْرارًا. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةٍ وطَلْحَةُ: (الحُلْمَ) بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. وقِيلَ: (مِنكُمُ) أيْ: مِنَ الأحْرارِ ذُكُورًا كانُوا أوْ إناثًا. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ ثَلاثَ اسْتِئْذاناتٍ؛ لِأنَّكَ إذا ضَرَبْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا ثَلاثَ ضَرَباتٍ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «الِاسْتِئْذانُ ثَلاثٌ»، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ مَعْنى: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ ثَلاثُ أوْقاتٍ، وجَعَلُوا ما بَعْدَهُ مِن ذِكْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾، ولا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ تَبْقى ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ عَلى مَدْلُولِها. ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ القِيامِ مِنَ المَضاجِعِ، وطَرْحِ ما يَنامُ فِيهِ مِنَ الثِّيابِ ولُبْسِ ثِيابِ اليَقَظَةِ، وقَدْ يَنْكَشِفُ النّائِمُ. ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ وضْعِ الثِّيابِ لِلْقائِلَةِ؛ لِأنَّ النَّهارَ إذْ ذاكَ يَشْتَدُّ حَرُّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. ومِن في ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ: حِينَ ذَلِكَ هو الظَّهِيرَةُ، قالَ: أوْ بِمَعْنى مِن أجْلِ حَرِّ الظَّهِيرَةِ، و(حِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿مِن قَبْلِ﴾، ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ التَّجَرُّدِ مِن ثِيابِ اليَقَظَةِ والِالتِحافِ بِثِيابِ النَّوْمِ، ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ سَمّى كُلَّ واحِدٍ مِنها عَوْرَةً؛ لِأنَّ النّاسَ يَخْتَلُّ تَسَتُّرُهم وتَحَفُّظُهم فِيها، والعَوْرَةُ الخَلَلُ، ومِنهُ أعْوَرَ الفارِسُ وأعْوَرَ المَكانُ، والأعْوَرُ المُخْتَلُّ العَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ثَلاثَ) بِالنَّصْبِ، قالُوا: بَدَلٌ مِن ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾، وقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ أوْقاتَ ثَلاثِ عَوْراتٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما يَصِحُّ يَعْنِي البَدَلَ بِتَقْدِيرِ أوْقاتِ عَوْراتٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ أيْ: هُنَّ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾، وقَرَأ الأعْمَشُ (عَوَراتٍ) بِفَتْحِ الواوِ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ وبَنِي تَمِيمٍ وعَلى رَفْعِ (ثَلاثُ) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَكُونُ (لَيْسَ عَلَيْكم) الجُمْلَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الوَصْفِ، والمَعْنى هُنَّ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ، وإذا نَصَبْتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحَلٌّ وكانَ كَلامًا مُقَرِّرًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأحْوالِ خاصَّةً. ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أيْ: بَعْدَ اسْتِئْذانِهِمْ فِيهِنَّ حُذِفَ الفاعِلُ وحَرْفُ الجَرِّ بِفي بَعْدَ اسْتِئْذانِهِنَّ ثُمَّ حُذِفَ المَصْدَرُ، وقِيلَ: (لَيْسَ) عَلى العَبِيدِ والإماءِ ومَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ في الدُّخُولِ (عَلَيْكم) بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ (جُناحٌ) بَعْدَ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثِ. ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يَمْضُونَ ويَجِيئُونَ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ هم ﴿طَوّافُونَ﴾ أيِ: المَمالِيكُ والصِّغارُ ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَدْخُلُونَ عَلَيْكم في المَنازِلِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً بِغَيْرِ إذْنٍ إلّا في تِلْكَ الأوْقاتِ. وجَوَّزُوا في ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، لَكِنَّ الجَرَّ قَدَّرُوهُ طائِفٌ عَلى بَعْضٍ، وهو كَوْنٌ مَخْصُوصٌ؛ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحُذِفَ لِأنَّ ﴿طَوّافُونَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَطُوفُ بَعْضُكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بَعْضُكم) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿طَوّافُونَ﴾، لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ إنْ أرادَ بَدَلًا مِن ﴿طَوّافُونَ﴾ نَفْسِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم (بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) وهَذا مَعْنًى لا يَصِحُّ. وإنْ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿طَوّافُونَ﴾ فَلا يَصِحُّ أيْضًا إنْ قُدِّرَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ غَيْبَةٍ لِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ هم؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم يَطُوفُ (بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) (p-٤٧٣)وهُوَ لا يَصِحُّ. فَإنْ جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ أنْتُمْ يَطُوفُ ﴿عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ فَيَدْفَعُهُ أنَّ قَوْلَهُ: (عَلَيْكم) بَدَلٌ عَلى أنَّهم هُمُ المَطُوفُ عَلَيْهِمْ، وأنْتُمْ طَوّافُونَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طائِفُونَ فَتَعارَضا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (طَوّافِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (عَلَيْهِمْ) . وقالَ الحَسَنُ: إذا باتَ الرَّجُلُ خادِمُهُ مَعَهُ فَلا اسْتِئْذانَ عَلَيْهِ، ولا في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ. ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ﴾ أيْ: مِن أوْلادِكم وأقْرِبائِكم، ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ أيْ في كُلِّ الأوْقاتِ فَإنَّهم قَبْلَ البُلُوغِ كانُوا يَسْتَأْذِنُونَ في ثَلاثِ الأوْقاتِ. ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي البالِغِينَ. وقِيلَ: الكِبارُ مِن أوْلادِ الرَّجُلِ وأقْرِبائِهِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الِابْنَ والأخَ البالِغَيْنِ كالأجْنَبِيِّ في ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا هُنا فِيما بِهِ البُلُوغُ، وهي مَسْألَةٌ تُذْكَرُ في الفِقْهِ. كَذَلِكَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنِ اسْتِئْذانِ المَمالِيكِ وغَيْرِ البُلَّغِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى النِّساءَ بِالتَّحَفُّظِ مِنَ الرِّجالِ ومِنَ الأطْفالِ غَيْرِ البُلَّغِ في الأوْقاتِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ كَشْفِ عَوْرَتِهِنَّ، اسْتُثْنِيَ (القَواعِدُ مِنَ النِّساءِ) اللّاتِي كَبُرْنَ وقَعَدْنَ عَنِ المَيْلِ إلَيْهِنَّ والِافْتِتانِ بِهِنَّ، فَقالَ: ﴿والقَواعِدُ﴾، وهو جَمْعُ قاعِدٍ مِن صِفاتِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: امْرَأةٌ قاعِدٌ قَعَدَتْ عَنِ الحَيْضِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّينَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُنَّ بَعْدَ الكِبَرِ يُكْثِرْنَ القُعُودَ. وقالَ رَبِيعَةُ لِقُعُودِهِنَّ عَنِ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ فَأيِسْنَ ولَمْ يَبْقَ لَهُنَّ طَمَعٌ في الأزْواجِ. وقِيلَ: قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والحَبَلِ. و﴿ثِيابَهُنَّ﴾ الجِلْبابُ والرِّداءُ والقِناعُ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ والمُلاءُ الَّذِي فَوْقَ الثِّيابِ أوِ الخُمُرُ أوِ الرِّداءُ والخِمارُ أقْوالٌ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ إذا كَبُرَتْ: امْرَأةٌ واضِعٌ، أيْ: وضَعَتْ خِمارَها. ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مُتَظاهِراتٍ بِالزِّينَةِ لِيُنْظَرَ إلَيْهِنَّ، وحَقِيقَةُ التَّبَرُّجِ إظْهارُ ما يَجِبُ إخْفاؤُهُ أوْ غَيْرُ قاصِداتِ التَّبَرُّجِ بِالوَضْعِ، ورُبَّ عَجُوزٍ يَبْدُو مِنها الحِرْصُ عَلى أنْ يَظْهَرَ بِها جَمالٌ. ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ عَنْ وضْعِ الثِّيابِ ويَتَسَتَّرْنَ كالشَّبابِ أفْضَلُ لَهُنَّ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُ كُلُّ قائِلٍ، (عَلِيمٌ) بِالمَقاصِدِ. وفي ذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ تَوَعُّدٌ وتَحْذِيرٌ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُواكَلَةِ الأعْمى؛ لِأنَّهُ لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعامِ الطَّيِّبِ، والأعْرَجِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ المُزاحَمَةَ عَلى الطَّعامِ، والمَرِيضِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اسْتِيفاءَ الطَّعامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ قِيلَ: وتَحَرَّجُوا عَنْ أكْلِ طَعامِ القَراباتِ فَنَزَلَتْ مُبِيحَةً جَمِيعَ هَذِهِ المَطاعِمِ، ومُبَيِّنَةً أنَّ تِلْكَ إنَّما هي في التَّعَدِّي والقِمارِ وما يَأْكُلُهُ المُؤْمِنُ مِن مالِ مَن يَكْرَهُ أهْلَهُ أوْ بِصَفْقَةٍ فاسِدَةٍ ونَحْوِهِ. وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا إذا نَهَضُوا إلى الغَزْوِ وخَلَّفُوا أهْلَ العُذْرِ في مَنازِلِهِمْ وأمْوالِهِمْ، تَحَرَّجُوا مِن أكْلِ مالِ الغائِبِ، فَنَزَلَتْ مُبِيحَةً لَهم ما تَمَسُّ إلَيْهِ حاجَتُهم مِن مالِ الغائِبِ إذا كانَ الغائِبُ قَدْ بَنى عَلى ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الرَّجُلُ إذا ذَهَبَ بِأهْلِ العُذْرِ إلى بَيْتِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا ذَهَبَ بِهِمْ إلى بُيُوتِ قَراباتِهِ، فَتَحَرَّجَ أهْلُ الأعْذارِ مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ ومَن بِالمَدِينَةِ قَبْلَ البَعْثِ تَجْتَنِبُ الأكْلَ مَعَ أهْلِ هَذِهِ الأعْذارِ، فَبَعْضُهم تَقَذُّرًا لِمَكانِ جَوَلانِ يَدِ الأعْمى، ولِانْبِساطِ الجِلْسَةِ مَعَ الأعْرَجِ، ولِرائِحَةِ المَرِيضِ وهي أخْلاقٌ جاهِلِيَّةٌ وكِبْرٌ، فَنَزَلَتْ واسْتُبْعِدَ هَذا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا السَّبَبَ لَكانَ التَّرْكِيبُ لَيْسَ عَلَيْكم حَرَجٌ أنْ تَأْكُلُوا مَعَهم، ولَمْ يَكُنْ ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ (عَلى) في مَعْنى في أيْ في مُواكَلَةِ الأعْمى، وهَذا بِعِيدٌ جِدًّا. وفي كِتابِ الزَّهْراوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الأعْذارِ تَحَرَّجُوا في الأكْلِ مَعَ النّاسِ مِن أجْلِ عُذْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها يَكُونُ نَفْيُ الحَرَجِ عَنْ أهْلِ العُذْرِ ومَن بَعْدَهم في المَطاعِمِ. وقالَ الحَسَنُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ الحَرَجُ المَنفِيُّ عَنْ أهْلِ العُذْرِ هو في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ وغَيْرِهِ مِمّا رُخِّصَ لَهم فِيهِ، والحَرَجُ المَنفِيُّ عَمَّنْ بَعْدَهم في الأكْلِ مِمّا ذُكِرَ وهو مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ إذْ مُتَعَلِّقُ الحَرَجَيْنِ مُخْتَلِفٌ. وإنْ كانا قَدِ اجْتَمَعا في انْتِفاءِ الحَرَجِ. وهَذا القَوْلُ (p-٤٧٤)هُوَ الظّاهِرُ. ولَمْ يَذْكُرْ بُيُوتَ الأوْلادِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ (بُيُوتِكم)؛ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ بَعْضُهُ وحُكْمُهُ حُكْمُ نَفْسِهِ، وبَيْتُهُ بَيْتُهُ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ المَرْءُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ» . ومَعْنى: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ . مِنَ البُيُوتِ الَّتِي فِيها أزْواجُكم وعِيالُكم، والوَلَدُ أقْرَبُ مِن عَدَدٍ مِنَ القَراباتِ فَإذا كانَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ هو القُرابَةَ كانَ الَّذِي هو أقْرَبُ مِنهم أوْلى. وقَرَأ طَلْحَةُ إمَّهاتِكم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو وكِيلُ الرَّجُلِ أنْ يَتَناوَلَ مِنَ التَّمْرِ ويَشْرَبَ مِنَ اللَّبَنِ. وقالَ قَتادَةُ: العَبْدُ؛ لِأنَّ مالَهُ لَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: خَزائِنُ بُيُوتِكم إذا مَلَكْتُمْ مَفاتِيحَها. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الزَّمْنى مَلَكُوا التَّصَرُّفَ في البُيُوتِ الَّتِي سُلِّمَتْ إلَيْهِمْ مَفاتِيحُها. وقِيلَ: ولِيُّ اليَتِيمِ يَتَناوَلُ مِن مالِهِ بِقَدْرِ ما قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، ومَفاتِحُهُ بِيَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَلَكْتُمْ﴾، بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ خَفِيفَةً. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ مُشَدَّدَةً، والجُمْهُورُ (مَفاتِحَهُ) جَمْعَ مِفْتَحٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ (مَفاتِيحَهُ) جَمْعَ مِفْتاحٍ، وقَتادَةُ، وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: (مِفْتاحَهُ) مُفْرَدًا. ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الصّادِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الدّالِ، حَكاهُ حُمَيْدٌ الخَزّازُ، قَرَنَ اللَّهُ الصَّدِيقَ بِالقَرابَةِ المَحْضَةِ. قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: مَن أحَبُّ إلَيْكَ أخُوكَ أمْ صَدِيقُكَ ؟ فَقالَ: لا أُحِبُّ أخِي إلّا إذا كانَ صَدِيقِي. وقالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِقَتادَةَ: ألا أشْرَبُ مِن هَذا الحَبِّ ؟ قالَ: أنْتَ لِي صَدِيقٌ؛ فَما هَذا الِاسْتِئْذانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّدِيقُ أوْكَدُ مِنَ القَرابَةِ ألا تَرى اسْتِغاثَةَ الجَهَنَّمِيِّينَ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ولَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ والأُمَّهاتِ، ومَعْنى: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أوْ بُيُوتِ أصْدِقائِكم، والصَّدِيقُ يَكُونُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كالخَلِيطِ والقَطِينِ، وقَدْ أكَلَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِ الحَسَنِ مِن بَيْتِهِ وهو غائِبٌ، فَجاءَ فَسُرَّ بِذَلِكَ، وقالَ: هَكَذا وجَدْناهم يَعْنِي كُبَراءَ الصَّحابَةِ، وكانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ بَيْتَ صَدِيقِهِ فَيَأْخُذُ مِن كِيسِهِ فَيُعْتِقُ جارِيَتَهُ الَّتِي مَكَّنَتْهُ مِن ذَلِكَ. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: مِن عِظَمِ حُرْمَةِ الصَّدِيقِ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ مِنَ الأُنْسِ والثِّقَةِ والِانْبِساطِ وتَرْكِ الحِشْمَةِ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ والأبِ والِابْنِ والأخِ. وقالَ هِشامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ: نِلْتُ ما نِلْتُ حَتّى الخِلافَةَ وأعْوَزَنِي صَدِيقٌ لا أحْتَشِمُ مِنهُ. وقالَ أهْلُ العِلْمِ: إذا دَلَّ ظاهِرُ الحالِ عَلى رِضا المالِكِ قامَ ذَلِكَ مَقامَ الإذْنِ الصَّرِيحِ. وانْتَصَبَ ﴿جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ عَلى الحالِ أيْ مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ. قالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في حَيٍّ مِن كِنانَةَ تَحَرَّجُوا أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وحْدَهُ، فَرُبَّما قَعَدُوا لِطَعامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يَجِدُ مَن يُؤاكِلُهُ حَتّى يُمْسِيَ فَيُضْطَرُّ إلى الأكْلِ وحْدَهُ. وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ: ؎إذا ما صَنَعْتِ الزّادَ فالتَمِسِي لَهُ أكِيلًا فَإنِّي لَسْتُ آكِلَهُ وحْدِي وقالَ عِكْرِمَةُ: في قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ لا يَأْكُلُونَ إلّا مَعَهُ. وقِيلَ في قَوْمٍ تَحَرَّجُوا أنْ يَأْكُلُوا جَمِيعًا مَخافَةَ أنْ يَزِيدَ أحَدُهم عَلى الآخَرِ في الأكْلِ. وقِيلَ ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ هو إذا دَعاكَ إلى ولِيمَةٍ فَحَسْبُ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «ألا إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ» وبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ ماشِيَةَ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ» وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] الآيَةَ. ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ: المَساجِدُ، فَسَلِّمُوا عَلى مَن فِيها، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ قالَ: السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم، يَعْنِي المَلائِكَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ. وقالَ جابِرٌ، وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: البُيُوتُ المَسْكُونَةُ، وقالُوا يَدْخُلُ فِيها غَيْرُ المَسْكُونَةِ، فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: بُيُوتًا خالِيَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، عَلى أهْلِ دِينِكم. وقالَ قَتادَةُ: عَلى أهالِيكم في بُيُوتِ أنْفُسِكم. وقِيلَ: بُيُوتُ الكُفّارِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ (p-٤٧٥)مِن هَذِهِ البُيُوتِ لِتَأْكُلُوا، فابْدَأُوا بِالسَّلامِ عَلى أهْلِها الَّذِينَ هم فِيها مِنكم دِينًا وقَرابَةً. و﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، أيْ: ثابِتَةً بِأمْرِهِ مَشْرُوعَةً مِن لَدُنْهُ، أوْ لِأنَّ التَّسْلِيمَ والتَّحِيَّةَ طَلَبٌ لِلسَّلامَةِ وحَياةٌ لِلْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ والطِّيبِ؛ لِأنَّها دَعْوَةُ مُؤْمِنٍ لِمُؤْمِنٍ يُرْجى بِها مِنَ اللَّهِ زِيادَةُ وطِيبُ الرِّزْقِ، انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: (مُبارَكَةً) بِالأجْرِ. وقِيلَ: بُورِكَ فِيها بِالثَّوابِ. وقالَ الضَّحّاكُ: في السَّلامِ عَشْرُ حَسَناتٍ، ومَعَ الرَّحْمَةِ عِشْرُونَ، ومَعَ البَرَكاتِ ثَلاثُونَ. وانْتَصَبَ (تَحِيَّةً) بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَلِّمُوا﴾؛ لِأنَّ مَعْناهُ فَحَيُّوا كَقَوْلِكَ: قَعَدْتُ جُلُوسًا.

النور 24:61

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ «رُوِيَ أنْ عُمَرَ بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: مُدْلِجٌ، وكانَ نائِمًا فَدَقَّ عَلَيْهِ البابَ ودَخَلَ، فاسْتَيْقَظَ (p-٤٧٢)وجَلَسَ فانْكَشَفَ مِنهُ شَيْءٌ، فَقالَ عُمَرُ: ودِدْتُ أنَّ اللَّهَ نَهى أبْناءَنا ونِساءَنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ إلى الرَّسُولِ فَوَجَدَ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ نَزَلَتْ فَخَرَّ ساجِدًا» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في أسْماءَ بِنْتِ أبِي مَرْثَدٍ، قِيلَ: دَخَلَ عَلَيْها غُلامٌ لَها كَبِيرٌ في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ خَدَمَنا وغِلْمانَنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا حالًا نَكْرَهُها. ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ أمْرٌ، والظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى الوُجُوبِ، والجُمْهُورُ عَلى النَّدْبِ. وقِيلَ: بِنَسْخِ ذَلِكَ؛ إذْ صارَ لِلْبُيُوتِ أبْوابٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ المُسَيَّبِ، والظّاهِرُ عُمُومُ ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ في العَبِيدِ والإماءِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ وآخَرُونَ: العَبِيدُ دُونَ الإماءِ، وقالَ السُّلَمِيُّ: الإماءُ دُونَ العَبِيدِ. ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ عامٌّ في الأطْفالِ عَبِيدًا كانُوا أوْ أحْرارًا. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةٍ وطَلْحَةُ: (الحُلْمَ) بِسُكُونِ اللّامِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. وقِيلَ: (مِنكُمُ) أيْ: مِنَ الأحْرارِ ذُكُورًا كانُوا أوْ إناثًا. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ ثَلاثَ اسْتِئْذاناتٍ؛ لِأنَّكَ إذا ضَرَبْتَ ثَلاثَ مَرّاتٍ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا ثَلاثَ ضَرَباتٍ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «الِاسْتِئْذانُ ثَلاثٌ»، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ مَعْنى: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ ثَلاثُ أوْقاتٍ، وجَعَلُوا ما بَعْدَهُ مِن ذِكْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾، ولا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ تَبْقى ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ عَلى مَدْلُولِها. ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ القِيامِ مِنَ المَضاجِعِ، وطَرْحِ ما يَنامُ فِيهِ مِنَ الثِّيابِ ولُبْسِ ثِيابِ اليَقَظَةِ، وقَدْ يَنْكَشِفُ النّائِمُ. ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ وضْعِ الثِّيابِ لِلْقائِلَةِ؛ لِأنَّ النَّهارَ إذْ ذاكَ يَشْتَدُّ حَرُّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. ومِن في ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ: حِينَ ذَلِكَ هو الظَّهِيرَةُ، قالَ: أوْ بِمَعْنى مِن أجْلِ حَرِّ الظَّهِيرَةِ، و(حِينَ) مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿مِن قَبْلِ﴾، ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾؛ لِأنَّهُ وقْتُ التَّجَرُّدِ مِن ثِيابِ اليَقَظَةِ والِالتِحافِ بِثِيابِ النَّوْمِ، ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ سَمّى كُلَّ واحِدٍ مِنها عَوْرَةً؛ لِأنَّ النّاسَ يَخْتَلُّ تَسَتُّرُهم وتَحَفُّظُهم فِيها، والعَوْرَةُ الخَلَلُ، ومِنهُ أعْوَرَ الفارِسُ وأعْوَرَ المَكانُ، والأعْوَرُ المُخْتَلُّ العَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ثَلاثَ) بِالنَّصْبِ، قالُوا: بَدَلٌ مِن ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾، وقَدَّرَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ أوْقاتَ ثَلاثِ عَوْراتٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما يَصِحُّ يَعْنِي البَدَلَ بِتَقْدِيرِ أوْقاتِ عَوْراتٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ أيْ: هُنَّ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾، وقَرَأ الأعْمَشُ (عَوَراتٍ) بِفَتْحِ الواوِ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ وبَنِي تَمِيمٍ وعَلى رَفْعِ (ثَلاثُ) . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَكُونُ (لَيْسَ عَلَيْكم) الجُمْلَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الوَصْفِ، والمَعْنى هُنَّ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ، وإذا نَصَبْتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحَلٌّ وكانَ كَلامًا مُقَرِّرًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأحْوالِ خاصَّةً. ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أيْ: بَعْدَ اسْتِئْذانِهِمْ فِيهِنَّ حُذِفَ الفاعِلُ وحَرْفُ الجَرِّ بِفي بَعْدَ اسْتِئْذانِهِنَّ ثُمَّ حُذِفَ المَصْدَرُ، وقِيلَ: (لَيْسَ) عَلى العَبِيدِ والإماءِ ومَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ في الدُّخُولِ (عَلَيْكم) بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ (جُناحٌ) بَعْدَ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثِ. ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يَمْضُونَ ويَجِيئُونَ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ هم ﴿طَوّافُونَ﴾ أيِ: المَمالِيكُ والصِّغارُ ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَدْخُلُونَ عَلَيْكم في المَنازِلِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً بِغَيْرِ إذْنٍ إلّا في تِلْكَ الأوْقاتِ. وجَوَّزُوا في ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، لَكِنَّ الجَرَّ قَدَّرُوهُ طائِفٌ عَلى بَعْضٍ، وهو كَوْنٌ مَخْصُوصٌ؛ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحُذِفَ لِأنَّ ﴿طَوّافُونَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يَطُوفُ بَعْضُكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بَعْضُكم) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿طَوّافُونَ﴾، لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ إنْ أرادَ بَدَلًا مِن ﴿طَوّافُونَ﴾ نَفْسِهِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم (بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) وهَذا مَعْنًى لا يَصِحُّ. وإنْ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿طَوّافُونَ﴾ فَلا يَصِحُّ أيْضًا إنْ قُدِّرَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ غَيْبَةٍ لِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ هم؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم يَطُوفُ (بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) (p-٤٧٣)وهُوَ لا يَصِحُّ. فَإنْ جَعَلْتَ التَّقْدِيرَ أنْتُمْ يَطُوفُ ﴿عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ فَيَدْفَعُهُ أنَّ قَوْلَهُ: (عَلَيْكم) بَدَلٌ عَلى أنَّهم هُمُ المَطُوفُ عَلَيْهِمْ، وأنْتُمْ طَوّافُونَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طائِفُونَ فَتَعارَضا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (طَوّافِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (عَلَيْهِمْ) . وقالَ الحَسَنُ: إذا باتَ الرَّجُلُ خادِمُهُ مَعَهُ فَلا اسْتِئْذانَ عَلَيْهِ، ولا في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ. ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ﴾ أيْ: مِن أوْلادِكم وأقْرِبائِكم، ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ أيْ في كُلِّ الأوْقاتِ فَإنَّهم قَبْلَ البُلُوغِ كانُوا يَسْتَأْذِنُونَ في ثَلاثِ الأوْقاتِ. ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي البالِغِينَ. وقِيلَ: الكِبارُ مِن أوْلادِ الرَّجُلِ وأقْرِبائِهِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الِابْنَ والأخَ البالِغَيْنِ كالأجْنَبِيِّ في ذَلِكَ وتَكَلَّمُوا هُنا فِيما بِهِ البُلُوغُ، وهي مَسْألَةٌ تُذْكَرُ في الفِقْهِ. كَذَلِكَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنِ اسْتِئْذانِ المَمالِيكِ وغَيْرِ البُلَّغِ. ولَمّا أمَرَ تَعالى النِّساءَ بِالتَّحَفُّظِ مِنَ الرِّجالِ ومِنَ الأطْفالِ غَيْرِ البُلَّغِ في الأوْقاتِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ كَشْفِ عَوْرَتِهِنَّ، اسْتُثْنِيَ (القَواعِدُ مِنَ النِّساءِ) اللّاتِي كَبُرْنَ وقَعَدْنَ عَنِ المَيْلِ إلَيْهِنَّ والِافْتِتانِ بِهِنَّ، فَقالَ: ﴿والقَواعِدُ﴾، وهو جَمْعُ قاعِدٍ مِن صِفاتِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: امْرَأةٌ قاعِدٌ قَعَدَتْ عَنِ الحَيْضِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّينَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُنَّ بَعْدَ الكِبَرِ يُكْثِرْنَ القُعُودَ. وقالَ رَبِيعَةُ لِقُعُودِهِنَّ عَنِ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ فَأيِسْنَ ولَمْ يَبْقَ لَهُنَّ طَمَعٌ في الأزْواجِ. وقِيلَ: قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والحَبَلِ. و﴿ثِيابَهُنَّ﴾ الجِلْبابُ والرِّداءُ والقِناعُ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ والمُلاءُ الَّذِي فَوْقَ الثِّيابِ أوِ الخُمُرُ أوِ الرِّداءُ والخِمارُ أقْوالٌ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ إذا كَبُرَتْ: امْرَأةٌ واضِعٌ، أيْ: وضَعَتْ خِمارَها. ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مُتَظاهِراتٍ بِالزِّينَةِ لِيُنْظَرَ إلَيْهِنَّ، وحَقِيقَةُ التَّبَرُّجِ إظْهارُ ما يَجِبُ إخْفاؤُهُ أوْ غَيْرُ قاصِداتِ التَّبَرُّجِ بِالوَضْعِ، ورُبَّ عَجُوزٍ يَبْدُو مِنها الحِرْصُ عَلى أنْ يَظْهَرَ بِها جَمالٌ. ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ عَنْ وضْعِ الثِّيابِ ويَتَسَتَّرْنَ كالشَّبابِ أفْضَلُ لَهُنَّ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُ كُلُّ قائِلٍ، (عَلِيمٌ) بِالمَقاصِدِ. وفي ذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ تَوَعُّدٌ وتَحْذِيرٌ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُواكَلَةِ الأعْمى؛ لِأنَّهُ لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعامِ الطَّيِّبِ، والأعْرَجِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ المُزاحَمَةَ عَلى الطَّعامِ، والمَرِيضِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اسْتِيفاءَ الطَّعامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ قِيلَ: وتَحَرَّجُوا عَنْ أكْلِ طَعامِ القَراباتِ فَنَزَلَتْ مُبِيحَةً جَمِيعَ هَذِهِ المَطاعِمِ، ومُبَيِّنَةً أنَّ تِلْكَ إنَّما هي في التَّعَدِّي والقِمارِ وما يَأْكُلُهُ المُؤْمِنُ مِن مالِ مَن يَكْرَهُ أهْلَهُ أوْ بِصَفْقَةٍ فاسِدَةٍ ونَحْوِهِ. وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنُ المُسَيَّبِ: كانُوا إذا نَهَضُوا إلى الغَزْوِ وخَلَّفُوا أهْلَ العُذْرِ في مَنازِلِهِمْ وأمْوالِهِمْ، تَحَرَّجُوا مِن أكْلِ مالِ الغائِبِ، فَنَزَلَتْ مُبِيحَةً لَهم ما تَمَسُّ إلَيْهِ حاجَتُهم مِن مالِ الغائِبِ إذا كانَ الغائِبُ قَدْ بَنى عَلى ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الرَّجُلُ إذا ذَهَبَ بِأهْلِ العُذْرِ إلى بَيْتِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا ذَهَبَ بِهِمْ إلى بُيُوتِ قَراباتِهِ، فَتَحَرَّجَ أهْلُ الأعْذارِ مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ ومَن بِالمَدِينَةِ قَبْلَ البَعْثِ تَجْتَنِبُ الأكْلَ مَعَ أهْلِ هَذِهِ الأعْذارِ، فَبَعْضُهم تَقَذُّرًا لِمَكانِ جَوَلانِ يَدِ الأعْمى، ولِانْبِساطِ الجِلْسَةِ مَعَ الأعْرَجِ، ولِرائِحَةِ المَرِيضِ وهي أخْلاقٌ جاهِلِيَّةٌ وكِبْرٌ، فَنَزَلَتْ واسْتُبْعِدَ هَذا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا السَّبَبَ لَكانَ التَّرْكِيبُ لَيْسَ عَلَيْكم حَرَجٌ أنْ تَأْكُلُوا مَعَهم، ولَمْ يَكُنْ ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ (عَلى) في مَعْنى في أيْ في مُواكَلَةِ الأعْمى، وهَذا بِعِيدٌ جِدًّا. وفي كِتابِ الزَّهْراوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الأعْذارِ تَحَرَّجُوا في الأكْلِ مَعَ النّاسِ مِن أجْلِ عُذْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها يَكُونُ نَفْيُ الحَرَجِ عَنْ أهْلِ العُذْرِ ومَن بَعْدَهم في المَطاعِمِ. وقالَ الحَسَنُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ الحَرَجُ المَنفِيُّ عَنْ أهْلِ العُذْرِ هو في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ وغَيْرِهِ مِمّا رُخِّصَ لَهم فِيهِ، والحَرَجُ المَنفِيُّ عَمَّنْ بَعْدَهم في الأكْلِ مِمّا ذُكِرَ وهو مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ إذْ مُتَعَلِّقُ الحَرَجَيْنِ مُخْتَلِفٌ. وإنْ كانا قَدِ اجْتَمَعا في انْتِفاءِ الحَرَجِ. وهَذا القَوْلُ (p-٤٧٤)هُوَ الظّاهِرُ. ولَمْ يَذْكُرْ بُيُوتَ الأوْلادِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ (بُيُوتِكم)؛ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ بَعْضُهُ وحُكْمُهُ حُكْمُ نَفْسِهِ، وبَيْتُهُ بَيْتُهُ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ المَرْءُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ» . ومَعْنى: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ . مِنَ البُيُوتِ الَّتِي فِيها أزْواجُكم وعِيالُكم، والوَلَدُ أقْرَبُ مِن عَدَدٍ مِنَ القَراباتِ فَإذا كانَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ هو القُرابَةَ كانَ الَّذِي هو أقْرَبُ مِنهم أوْلى. وقَرَأ طَلْحَةُ إمَّهاتِكم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو وكِيلُ الرَّجُلِ أنْ يَتَناوَلَ مِنَ التَّمْرِ ويَشْرَبَ مِنَ اللَّبَنِ. وقالَ قَتادَةُ: العَبْدُ؛ لِأنَّ مالَهُ لَكَ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: خَزائِنُ بُيُوتِكم إذا مَلَكْتُمْ مَفاتِيحَها. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الزَّمْنى مَلَكُوا التَّصَرُّفَ في البُيُوتِ الَّتِي سُلِّمَتْ إلَيْهِمْ مَفاتِيحُها. وقِيلَ: ولِيُّ اليَتِيمِ يَتَناوَلُ مِن مالِهِ بِقَدْرِ ما قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، ومَفاتِحُهُ بِيَدِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مَلَكْتُمْ﴾، بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ خَفِيفَةً. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ مُشَدَّدَةً، والجُمْهُورُ (مَفاتِحَهُ) جَمْعَ مِفْتَحٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ (مَفاتِيحَهُ) جَمْعَ مِفْتاحٍ، وقَتادَةُ، وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: (مِفْتاحَهُ) مُفْرَدًا. ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الصّادِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الدّالِ، حَكاهُ حُمَيْدٌ الخَزّازُ، قَرَنَ اللَّهُ الصَّدِيقَ بِالقَرابَةِ المَحْضَةِ. قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: مَن أحَبُّ إلَيْكَ أخُوكَ أمْ صَدِيقُكَ ؟ فَقالَ: لا أُحِبُّ أخِي إلّا إذا كانَ صَدِيقِي. وقالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِقَتادَةَ: ألا أشْرَبُ مِن هَذا الحَبِّ ؟ قالَ: أنْتَ لِي صَدِيقٌ؛ فَما هَذا الِاسْتِئْذانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّدِيقُ أوْكَدُ مِنَ القَرابَةِ ألا تَرى اسْتِغاثَةَ الجَهَنَّمِيِّينَ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ولَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ والأُمَّهاتِ، ومَعْنى: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أوْ بُيُوتِ أصْدِقائِكم، والصَّدِيقُ يَكُونُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كالخَلِيطِ والقَطِينِ، وقَدْ أكَلَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِ الحَسَنِ مِن بَيْتِهِ وهو غائِبٌ، فَجاءَ فَسُرَّ بِذَلِكَ، وقالَ: هَكَذا وجَدْناهم يَعْنِي كُبَراءَ الصَّحابَةِ، وكانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ بَيْتَ صَدِيقِهِ فَيَأْخُذُ مِن كِيسِهِ فَيُعْتِقُ جارِيَتَهُ الَّتِي مَكَّنَتْهُ مِن ذَلِكَ. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: مِن عِظَمِ حُرْمَةِ الصَّدِيقِ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ مِنَ الأُنْسِ والثِّقَةِ والِانْبِساطِ وتَرْكِ الحِشْمَةِ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ والأبِ والِابْنِ والأخِ. وقالَ هِشامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ: نِلْتُ ما نِلْتُ حَتّى الخِلافَةَ وأعْوَزَنِي صَدِيقٌ لا أحْتَشِمُ مِنهُ. وقالَ أهْلُ العِلْمِ: إذا دَلَّ ظاهِرُ الحالِ عَلى رِضا المالِكِ قامَ ذَلِكَ مَقامَ الإذْنِ الصَّرِيحِ. وانْتَصَبَ ﴿جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ عَلى الحالِ أيْ مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ. قالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في حَيٍّ مِن كِنانَةَ تَحَرَّجُوا أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وحْدَهُ، فَرُبَّما قَعَدُوا لِطَعامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يَجِدُ مَن يُؤاكِلُهُ حَتّى يُمْسِيَ فَيُضْطَرُّ إلى الأكْلِ وحْدَهُ. وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ: ؎إذا ما صَنَعْتِ الزّادَ فالتَمِسِي لَهُ أكِيلًا فَإنِّي لَسْتُ آكِلَهُ وحْدِي وقالَ عِكْرِمَةُ: في قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ لا يَأْكُلُونَ إلّا مَعَهُ. وقِيلَ في قَوْمٍ تَحَرَّجُوا أنْ يَأْكُلُوا جَمِيعًا مَخافَةَ أنْ يَزِيدَ أحَدُهم عَلى الآخَرِ في الأكْلِ. وقِيلَ ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ هو إذا دَعاكَ إلى ولِيمَةٍ فَحَسْبُ. وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «ألا إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ» وبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ ماشِيَةَ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ» وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] الآيَةَ. ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ: المَساجِدُ، فَسَلِّمُوا عَلى مَن فِيها، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ قالَ: السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكم، يَعْنِي المَلائِكَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ. وقالَ جابِرٌ، وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: البُيُوتُ المَسْكُونَةُ، وقالُوا يَدْخُلُ فِيها غَيْرُ المَسْكُونَةِ، فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: بُيُوتًا خالِيَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، عَلى أهْلِ دِينِكم. وقالَ قَتادَةُ: عَلى أهالِيكم في بُيُوتِ أنْفُسِكم. وقِيلَ: بُيُوتُ الكُفّارِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ (p-٤٧٥)مِن هَذِهِ البُيُوتِ لِتَأْكُلُوا، فابْدَأُوا بِالسَّلامِ عَلى أهْلِها الَّذِينَ هم فِيها مِنكم دِينًا وقَرابَةً. و﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، أيْ: ثابِتَةً بِأمْرِهِ مَشْرُوعَةً مِن لَدُنْهُ، أوْ لِأنَّ التَّسْلِيمَ والتَّحِيَّةَ طَلَبٌ لِلسَّلامَةِ وحَياةٌ لِلْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ والطِّيبِ؛ لِأنَّها دَعْوَةُ مُؤْمِنٍ لِمُؤْمِنٍ يُرْجى بِها مِنَ اللَّهِ زِيادَةُ وطِيبُ الرِّزْقِ، انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: (مُبارَكَةً) بِالأجْرِ. وقِيلَ: بُورِكَ فِيها بِالثَّوابِ. وقالَ الضَّحّاكُ: في السَّلامِ عَشْرُ حَسَناتٍ، ومَعَ الرَّحْمَةِ عِشْرُونَ، ومَعَ البَرَكاتِ ثَلاثُونَ. وانْتَصَبَ (تَحِيَّةً) بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَلِّمُوا﴾؛ لِأنَّ مَعْناهُ فَحَيُّوا كَقَوْلِكَ: قَعَدْتُ جُلُوسًا.

النور 24:62

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لَمّا افْتَتَحَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها﴾ [النور: ١]، وذَكَرَ أنْواعًا مِنَ الأوامِرِ والحُدُودِ مِمّا أنْزَلَهُ عَلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتَتَمَها بِما يَجِبُ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أُمَّتِهِ مِنَ التَّتابُعِ والتَّشايُعِ، عَلى ما فِيهِ مَصْلَحَةُ الإسْلامِ ومِن طَلَبِ اسْتِئْذانِهِ إنْ عَرَضَ لِأحَدٍ مِنهم عارِضٌ، ومِن تَوْقِيرِهِ في دُعائِهِمْ إيّاهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُرِيَهم عَظِيمَ الجِنايَةِ في ذَهابِ الذّاهِبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ إذْنِهِ. ﴿إذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ فَجَعَلَ تَرْكَ ذَهابِهِمْ ﴿حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ثالِثَ الإيمانِ بِاللَّهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ ﷺ، وجَعَلَهُما كالتَّسْبِيبِ لَهُ والنَّشاطِ لِذِكْرِهِ. وذَلِكَ مَعَ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِإنَّما، وارْتِفاعُ المُؤْمِنِينَ مُبْتَدَأٌ ومُخْبَرٌ عَنْهُ بِمَوْصُولٍ أحاطَتْ صِلَتُهُ بِذِكْرِ الإيمانَيْنِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما يَزِيدُهُ تَوْكِيدًا وتَسْدِيدًا بِحَيْثُ أعادَهُ عَلى أُسْلُوبٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، وضَمَّنَهُ شَيْئًا آخَرَ، وهو أنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِئْذانَ كالمِصْداقِ لِصِحَّةِ الإيمانَيْنِ، وعَرَّضَ بِحالِ الماضِينَ وتَسَلُّلِهِمْ لِواذًا. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى (p-٤٧٦)يَسْتَأْذِنُوهُ ويَأْذَنَ لَهم؛ ألا تَراهُ كَيْفَ عَلَّقَ الأمْرَ بَعْدَ وُجُودِ اسْتِئْذانِهِمْ بِمَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ لِمَنِ اسْتَصْوَبَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ، والأمْرُ الجامِعُ: الَّذِي يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ، فَوُصِفَ بِالجَمْعِ عَلى المَجازِ، وذَلِكَ نَحْوُ مُقابَلَةِ عَدُوٍّ وتَشاوُرٍ في أمْرِهِمْ أوْ تَضامٍّ لِإرْهابِ مُخالِفٍ، أوْ ما يَنْتِجُ في حِلْفٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. والأمْرُ الَّذِي يَعُمُّ بِضَرَرِهِ أوْ بِنَفْعِهِ وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ أنَّهُ خَطْبٌ جَلِيلٌ لا بُدَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مِن ذَوِي رَأْيٍ وقُوَّةٍ، يُظاهِرُونَهُ عَلَيْهِ ويُعاوِنُونَهُ ويَسْتَضِيءُ بِآرائِهِمْ ومَعارِفِهِمْ وتَجارِبِهِمْ في كَفاءَتِهِ، فَمُفارَقَةُ أحَدِهِمْ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ مِمّا يَشُقُّ عَلى قَلْبِهِ ويُشَعِّثُ عَلَيْهِ رَأْيَهُ. فَمِن ثَمَّ غَلَّظَ عَلَيْهِمْ، وضَيَّقَ الأمْرَ في الِاسْتِئْذانِ مَعَ العُذْرِ المَبْسُوطِ ومَساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ واعْتِراضِ ما يُهِمُّهم ويَعْنِيهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾، وذِكْرُ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُسْتَأْذِنِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأحْسَنَ الأفْضَلَ أنْ لا يُحَدِّثُوا أنْفُسَهم بِالذَّهابِ ولا يَسْتَأْذِنُوا فِيهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَفْرِ الخَنْدَقِ، وكانَ قَوْمٌ يَتَسَلَّلُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ لِذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ النّاسُ مَعَ أئِمَّتِهِمْ ومُقَدَّمِيهِمْ في الدِّينِ والعِلْمِ، يُظاهِرُونَهم ولا يَخْذُلُونَهم في نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ، ولا يَتَفَرَّقُونَ عَنْهم، والأمْرُ في الإذْنِ مُفَوَّضٌ إلى الإمامِ إنْ شاءَ أذِنَ وإنْ شاءَ لَمْ يَأْذَنْ، عَلى حَسَبِ ما اقْتَضاهُ رَأْيُهُ، انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ ويَجْرِي هَذا المَجْرى إمامُ الإمْرَةِ إذا كانَ النّاسُ مَعَهُ مُجْتَمِعِينَ لِمُراعاةِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ فَلا يَذْهَبُ أحَدٌ مِنهم عَنِ المَجْمَعِ إلّا بِإذْنٍ مِنهُ؛ إذْ قَدْ يَكُونُ لَهُ رَأْيٌ في حُضُورِ ذَلِكَ الذّاهِبِ. وقالَ مَكْحُولٌ والزُّهْرِيُّ: الجُمُعَةُ مِنَ الأمْرِ الجامِعِ، فَإذا عَرَضَ لِلْحاضِرِ ما يَمْنَعُهُ الحُضُورَ مِن سَبْقِ رُعافٍ فَلْيَسْتَأْذِنْ حَتّى يَذْهَبَ عَنْهُ سُوءُ الظَّنِّ بِهِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانُوا يَسْتَأْذِنُونَ الإمامَ عَلى المِنبَرِ، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ قالَ زِيادٌ: مَن جَعَلَ يَدَهُ عَلى أنْفِهِ فَلْيَخْرُجْ دُونَ إذْنٍ، وقَدْ كانَ هَذا بِالمَدِينَةِ حَتّى إنَّ سُهَيْلَ بْنَ أبِي صالِحٍ رَعَفَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فاسْتَأْذَنَ الإمامَ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: هو كُلُّ صَلاةٍ فِيها خُطْبَةٌ: كالجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والِاسْتِسْقاءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: في الجِهادِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الِاجْتِماعُ في طاعَةِ اللَّهِ. قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿فائْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾، أُرِيدَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ عَلى (أمْرٍ جَمِيعٍ) . ﴿لا تَجْعَلُوا﴾ خِطابٌ لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ التَّداعِي بِالأسْماءِ عَلى عادَةِ البَداوَةِ، أُمِرُوا بِتَوْقِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ نَحْوَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، ألا تَرى إلى بَعْضِ جُفاةِ مَن أسْلَمَ كانَ يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ إشارَةً إلى جَوازِ ذَلِكَ مَعَ بَعْضِهِمُ لِبَعْضٍ إذْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ في دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا مَن دَعاهُ لا مَن دَعا غَيْرَهُ. وكانُوا يَقُولُونَ: يا أبا القاسِمِ، يا مُحَمَّدُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: نَهاهم عَنِ الإبْطاءِ والتَّأخُّرِ إذا دَعاهم، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ والقَفّالُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾، وهَذا القَوْلُ مُوافِقٌ لِمَساقِ الآيَةِ ونَظْمِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا احْتاجَ إلى اجْتِماعِكم عِنْدَهُ لِأمْرٍ فَدَعاكم فَلا تَتَفَرَّقُوا عَنْهُ إلّا بِإذْنِهِ، ولا تَقِيسُوا دُعاءَهُ عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ورُجُوعِكم عَنِ المَجْمَعِ بِغَيْرِ إذْنِ الدّاعِي، انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ أيْضًا: ويُحْتَمَلُ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ رَبَّهُ مِثْلَ ما يَدْعُو صَغِيرُكم كَبِيرَكم وفَقِيرُكم غَنِيَّكم؛ يَسْألُهُ حاجَةً فَرُبَّما أجابَهُ ورُبَّما رَدَّهُ، وإنَّ دَعَواتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَسْمُوعَةٌ مُسْتَجابَةٌ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما هو لا تَحْسَبُوا دُعاءَ الرَّسُولِ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، أيْ: دُعاؤُهُ عَلَيْكم مُجابٌ فاحْذَرُوهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَفْظُ الآيَةِ يَدْفَعُ هَذا المَعْنى، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ (نَبِيِّكم)، بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وباءٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ مُشَدَّدَةٍ، بَدَلَ قَوْلِهِ: (بَيْنَكم) ظَرْفًا، قِراءَةُ الجُمْهُورِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى البَدَلِ مِنَ (الرَّسُولِ) فَإنَّما صارَ بَدَلًا؛ لِاخْتِلافِ تَعْرِيفِهِما بِاللّامِ مَعَ الإضافَةِ، يَعْنِي أنَّ الرَّسُولَ مَعْرِفَةٌ بِاللّامِ ونَبِيَّكم مَعْرِفَةٌ بِالإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ، فَهو في رُتْبَةِ العَلَمِ، فَهو أكْثَرُ (p-٤٧٧)تَعْرِيفًا مِن ذِي اللّامِ، فَلا يَصِحُّ النَّعْتُ بِهِ عَلى المَذْهَبِ المَشْهُورِ؛ لِأنَّ النَّعْتَ يَكُونُ دُونَ المَنعُوتِ أوْ مُساوِيًا لَهُ في التَّعْرِيفِ. ثُمَّ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِكَوْنِهِما مَعْرِفَتَيْنِ، انْتَهى. وكَأنَّهُ مُناقِضٌ لِما قَرَّرَ مِنِ اخْتِيارِهِ البَدَلَ، ويَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ النَّعْتُ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ قَدْ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ كالبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ؛ إذْ ما جاءَ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ مِن لَفْظِ الرَّسُولِ إنَّما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَساوَيا في التَّعْرِيفِ. ومَعْنى ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ يَنْصَرِفُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا عَنِ الجَماعَةِ في خُفْيَةٍ، ولِواذُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ أيْ هَذا يَلُوذُ بِهَذا وهَذا بِذاكَ بِحَيْثُ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دارَ اسْتِتارًا مِنَ الرَّسُولِ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿لِواذًا﴾ فِرارًا مِنَ الجِهادِ. وقِيلَ: في حَفْرِ الخَنْدَقِ يَنْصَرِفُ المُنافِقُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ ويَسْتَأْذِنُ المُؤْمِنُونَ إذا عَرَضَتْ لَهم حاجَةٌ. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿لِواذًا﴾ خِلافًا. وقالَ أيْضًا ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ مِنَ الصَّفِّ في القِتالِ، وقِيلَ: ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى كِتابِهِ وعَلى ذِكْرِهِ. وانْتَصَبَ ﴿لِواذًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُتَلاوِذِينَ، و﴿لِواذًا﴾ مَصْدَرُ لاوَذَ، صَحَّتِ العَيْنُ في الفِعْلِ فَصَحَّتْ في المَصْدَرِ، ولَوْ كانَ مَصْدَرَ لاذَ لَكانَ لِياذًا كَقامَ قِيامًا. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ (لَواذًا) بِفَتْحِ اللّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ لاذَ، ولَمْ يُقْبَلْ لِأنَّهُ لا كَسْرَةَ قَبْلَ الواوِ فَهو كَطافَ طَوافًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ لاوَذَ، وكانَتْ فَتْحَةُ اللّامِ لِأجْلِ فَتْحَةِ الواوِ، وخالَفَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ تَقُولُ: خالَفْتُ أمْرَ زَيْدٍ، وبِإلى تَقُولُ: خالَفْتُ إلى كَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿عَنْ أمْرِهِ﴾ ضَمَّنَ خالَفَ مَعْنى صَدَّ وأعْرَضَ فَعَدّاهُ بِعَنْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ يَقَعُ خِلافُهم بَعْدَ أمْرِهِ كَما تَقُولُ كانَ المَطَرُ عَنْ رِيحِ و(عَنْ) هي لِما عَدا الشَّيْءَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: (عَنْ) زائِدَةٌ، أيْ: أمْرَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالحَذَرِ لِلْوُجُوبِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وأنَّ الضَّمِيرَ في (أمْرِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ. وقِيلَ عَلى الرَّسُولِ. وقُرِئَ ”يُخَلِّفُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ، أيْ: يُخَلِّفُونَ أنْفُسَهم بَعْدَ أمْرِهِ، والفِتْنَةُ القَتْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ بَلاءٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ كُفْرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ، أوْ إسْباغُ النِّعَمِ اسْتِدْراجًا، قالَهُ الجَرّاحُ، أوْ قَسْوَةُ القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، قالَهُ الجُنَيْدُ، أوْ طَبْعٌ عَلى القُلُوبِ، قالَهُ بَعْضُهم. وهَذِهِ الأقْوالُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ، وهي في الدُّنْيا. أوْ (عَذابٌ ألِيمٌ) . قِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: هو القَتْلُ في الدُّنْيا. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، هَذا كالدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلَيْهِما، وعَلى المُكَلَّفِ فِيما يُعامِلُهُ بِهِ مِنَ المُجازاةِ مِن ثَوابِهِ وعِقابِهِ. ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخَلَ (قَدْ) لِيُؤَكِّدَ عِلْمَهُ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ المُخالَفَةِ عَنِ الدِّينِ والنِّفاقِ، ويَرْجِعُ تَوْكِيدُ العِلْمِ إلى تَوْكِيدِ الوَعِيدِ، وذَلِكَ أنَّ قَدْ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ كانَتْ بِمَعْنى رُبَّما، فَوافَقَتْ رُبَّما في خُرُوجِها إلى مَعْنى التَّنْكِيرِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ؎فَإنْ يُمْسِ مَهْجُورَ الفِناءِ فَرُبَّما أقامَ بِهِ بَعْدَ الوُفُودِ وُفُودُ ونَحْوٌ مَن ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أخِي ثِقَةٍ لا يُهْلِكُ الخَمْرُ مالَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ . انْتَهى. وكَوْنُ قَدْ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ أفادَتِ التَّكْثِيرَ قَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنَّما التَّكْثِيرُ مَفْهُومٌ مِن سِياقَةِ الكَلامِ في المَدْحِ، والصَّحِيحُ في رُبَّ أنَّها لِتَقْلِيلِ الشَّيْءِ أوْ تَقْلِيلِ نَظِيرِهِ، فَإنْ فُهِمَ تَكْثِيرٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن رُبَّ ولا قَدْ إنَّما هو مِن سِياقَةِ الكَلامِ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُرْجَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو عَمْرٍو مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والتَفَتَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في (أنْتُمْ) إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (يُرْجَعُونَ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ خِطابًا عامًّا، ويَكُونَ (يُرْجَعُونَ) لِلْمُنافِقِينَ. والظّاهِرُ عَطْفُ (ويَوْمَ) عَلى ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ فَنَصْبُهُ نَصْبُ المَفْعُولِ. قالَ ابْنُ (p-٤٧٨)عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ والعِلْمُ الظّاهِرُ لَكم أوْ نَحْوُ هَذا يَوْمَ فَيَكُونُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ. * * (مُفْرَداتُ سُورَةِ الفُرْقانِ) الهَباءُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: مِثْلُ الغُبارِ، يَدْخُلُ الكُوَّةَ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الهَبْوَةُ والهَباءُ التُّرابُ الدَّقِيقُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ مِنهُ إذا ارْتَفَعَ هَبا يَهْبُو هَبْوًا، وأهْبَيْتُهُ أنا إهْباءً. وقِيلَ: هو الشَّرَرُ الطّائِرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ. النَّثْرُ: التَّفْرِيقُ. العَضُّ: وقْعُ الأسْنانِ عَلى المَعْضُوضِ بِقُوَّةٍ وفِعْلُهُ عَلى وزْنِ فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، وحَكى الكِسائِيُّ عَضَضْتُ بِفَتْحِ عَيْنِ الكَلِمَةِ. فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِ مَن يَعْقِلُ. الجُمْلَةُ مِنَ الكَلامِ هو المُجْتَمِعُ غَيْرُ المُفَرَّقِ. التَّرْتِيلُ سَرْدُ اللَّفْظِ بَعْدَ اللَّفْظِ يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُما زَمَنٌ يَسِيرٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ مُرَتَّلٌ، أيْ: مُفَلَّجُ الأسْنانِ. السُّباتُ: الرّاحَةُ، ومِنهُ يَوْمُ السَّبْتِ لِما جَرَتِ العادَةُ مِنَ الِاسْتِراحَةِ فِيهِ، ويُقالُ لِلْعَلِيلِ إذا اسْتَراحَ مِن تَعَبِ العِلَّةِ مَسْبُوتٌ، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السُّباتُ المَوْتُ والمَسْبُوتُ المَيِّتُ؛ لِأنَّهُ مَقْطُوعُ الحَياةِ. مَرَجَ: قالَ ابْنُ عَرَفَةَ خَلَطَ، ومَرَجَ الأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ. وقِيلَ: مَرَجَ وأمْرَجَ: أجْرى، ومَرَجَ لُغَةُ الحِجازِ، وأمْرَجَ لُغَةُ نَجْدٍ. العَذْبُ: الحُلْوُ. والفُراتُ البالِغُ في الحَلاوَةِ. المِلْحُ: المالِحُ. والأُجاجُ البالِغُ في المُلُوحَةِ. وقِيلَ: المُرُّ. وقِيلَ: الحارُّ. الصِّهْرُ، قالَ الخَلِيلُ: لا يُقالُ لِأهْلِ بَيْتِ المَرْأةِ إلّا أصْهارٌ، ولِأهْلِ بَيْتِ الرَّجُلِ إلّا أخْتانٌ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُهم أصْهارًا كُلَّهم. السِّراجُ: الشَّمْسُ. الهَوْنُ: الرِّفْقُ واللِّينُ. الغُرْفَةُ: العُلِّيَّةُ، وكُلُّ بِناءٍ عالٍ فَهو غُرْفَةٌ. عَبَأ مِنَ العِبْءِ، وهو الثَّقِيلُ، يُقالُ: عَبَأْتُ الجَيْشَ، بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، هَيَّأْتُهُ لِلْقِتالِ، ويُقالُ: ما عَبَأْتُ بِهِ، أيْ: ما اعْتَدَدْتُ بِهِ، كَقَوْلِكَ: ما اكْتَرَثْتُ بِهِ.

النور 24:63

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لَمّا افْتَتَحَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها﴾ [النور: ١]، وذَكَرَ أنْواعًا مِنَ الأوامِرِ والحُدُودِ مِمّا أنْزَلَهُ عَلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتَتَمَها بِما يَجِبُ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أُمَّتِهِ مِنَ التَّتابُعِ والتَّشايُعِ، عَلى ما فِيهِ مَصْلَحَةُ الإسْلامِ ومِن طَلَبِ اسْتِئْذانِهِ إنْ عَرَضَ لِأحَدٍ مِنهم عارِضٌ، ومِن تَوْقِيرِهِ في دُعائِهِمْ إيّاهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُرِيَهم عَظِيمَ الجِنايَةِ في ذَهابِ الذّاهِبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ إذْنِهِ. ﴿إذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ فَجَعَلَ تَرْكَ ذَهابِهِمْ ﴿حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ثالِثَ الإيمانِ بِاللَّهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ ﷺ، وجَعَلَهُما كالتَّسْبِيبِ لَهُ والنَّشاطِ لِذِكْرِهِ. وذَلِكَ مَعَ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِإنَّما، وارْتِفاعُ المُؤْمِنِينَ مُبْتَدَأٌ ومُخْبَرٌ عَنْهُ بِمَوْصُولٍ أحاطَتْ صِلَتُهُ بِذِكْرِ الإيمانَيْنِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما يَزِيدُهُ تَوْكِيدًا وتَسْدِيدًا بِحَيْثُ أعادَهُ عَلى أُسْلُوبٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، وضَمَّنَهُ شَيْئًا آخَرَ، وهو أنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِئْذانَ كالمِصْداقِ لِصِحَّةِ الإيمانَيْنِ، وعَرَّضَ بِحالِ الماضِينَ وتَسَلُّلِهِمْ لِواذًا. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى (p-٤٧٦)يَسْتَأْذِنُوهُ ويَأْذَنَ لَهم؛ ألا تَراهُ كَيْفَ عَلَّقَ الأمْرَ بَعْدَ وُجُودِ اسْتِئْذانِهِمْ بِمَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ لِمَنِ اسْتَصْوَبَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ، والأمْرُ الجامِعُ: الَّذِي يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ، فَوُصِفَ بِالجَمْعِ عَلى المَجازِ، وذَلِكَ نَحْوُ مُقابَلَةِ عَدُوٍّ وتَشاوُرٍ في أمْرِهِمْ أوْ تَضامٍّ لِإرْهابِ مُخالِفٍ، أوْ ما يَنْتِجُ في حِلْفٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. والأمْرُ الَّذِي يَعُمُّ بِضَرَرِهِ أوْ بِنَفْعِهِ وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ أنَّهُ خَطْبٌ جَلِيلٌ لا بُدَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مِن ذَوِي رَأْيٍ وقُوَّةٍ، يُظاهِرُونَهُ عَلَيْهِ ويُعاوِنُونَهُ ويَسْتَضِيءُ بِآرائِهِمْ ومَعارِفِهِمْ وتَجارِبِهِمْ في كَفاءَتِهِ، فَمُفارَقَةُ أحَدِهِمْ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ مِمّا يَشُقُّ عَلى قَلْبِهِ ويُشَعِّثُ عَلَيْهِ رَأْيَهُ. فَمِن ثَمَّ غَلَّظَ عَلَيْهِمْ، وضَيَّقَ الأمْرَ في الِاسْتِئْذانِ مَعَ العُذْرِ المَبْسُوطِ ومَساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ واعْتِراضِ ما يُهِمُّهم ويَعْنِيهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾، وذِكْرُ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُسْتَأْذِنِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأحْسَنَ الأفْضَلَ أنْ لا يُحَدِّثُوا أنْفُسَهم بِالذَّهابِ ولا يَسْتَأْذِنُوا فِيهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَفْرِ الخَنْدَقِ، وكانَ قَوْمٌ يَتَسَلَّلُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ لِذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ النّاسُ مَعَ أئِمَّتِهِمْ ومُقَدَّمِيهِمْ في الدِّينِ والعِلْمِ، يُظاهِرُونَهم ولا يَخْذُلُونَهم في نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ، ولا يَتَفَرَّقُونَ عَنْهم، والأمْرُ في الإذْنِ مُفَوَّضٌ إلى الإمامِ إنْ شاءَ أذِنَ وإنْ شاءَ لَمْ يَأْذَنْ، عَلى حَسَبِ ما اقْتَضاهُ رَأْيُهُ، انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ ويَجْرِي هَذا المَجْرى إمامُ الإمْرَةِ إذا كانَ النّاسُ مَعَهُ مُجْتَمِعِينَ لِمُراعاةِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ فَلا يَذْهَبُ أحَدٌ مِنهم عَنِ المَجْمَعِ إلّا بِإذْنٍ مِنهُ؛ إذْ قَدْ يَكُونُ لَهُ رَأْيٌ في حُضُورِ ذَلِكَ الذّاهِبِ. وقالَ مَكْحُولٌ والزُّهْرِيُّ: الجُمُعَةُ مِنَ الأمْرِ الجامِعِ، فَإذا عَرَضَ لِلْحاضِرِ ما يَمْنَعُهُ الحُضُورَ مِن سَبْقِ رُعافٍ فَلْيَسْتَأْذِنْ حَتّى يَذْهَبَ عَنْهُ سُوءُ الظَّنِّ بِهِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانُوا يَسْتَأْذِنُونَ الإمامَ عَلى المِنبَرِ، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ قالَ زِيادٌ: مَن جَعَلَ يَدَهُ عَلى أنْفِهِ فَلْيَخْرُجْ دُونَ إذْنٍ، وقَدْ كانَ هَذا بِالمَدِينَةِ حَتّى إنَّ سُهَيْلَ بْنَ أبِي صالِحٍ رَعَفَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فاسْتَأْذَنَ الإمامَ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: هو كُلُّ صَلاةٍ فِيها خُطْبَةٌ: كالجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والِاسْتِسْقاءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: في الجِهادِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الِاجْتِماعُ في طاعَةِ اللَّهِ. قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿فائْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾، أُرِيدَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ عَلى (أمْرٍ جَمِيعٍ) . ﴿لا تَجْعَلُوا﴾ خِطابٌ لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ التَّداعِي بِالأسْماءِ عَلى عادَةِ البَداوَةِ، أُمِرُوا بِتَوْقِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ نَحْوَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، ألا تَرى إلى بَعْضِ جُفاةِ مَن أسْلَمَ كانَ يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ إشارَةً إلى جَوازِ ذَلِكَ مَعَ بَعْضِهِمُ لِبَعْضٍ إذْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ في دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا مَن دَعاهُ لا مَن دَعا غَيْرَهُ. وكانُوا يَقُولُونَ: يا أبا القاسِمِ، يا مُحَمَّدُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: نَهاهم عَنِ الإبْطاءِ والتَّأخُّرِ إذا دَعاهم، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ والقَفّالُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾، وهَذا القَوْلُ مُوافِقٌ لِمَساقِ الآيَةِ ونَظْمِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا احْتاجَ إلى اجْتِماعِكم عِنْدَهُ لِأمْرٍ فَدَعاكم فَلا تَتَفَرَّقُوا عَنْهُ إلّا بِإذْنِهِ، ولا تَقِيسُوا دُعاءَهُ عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ورُجُوعِكم عَنِ المَجْمَعِ بِغَيْرِ إذْنِ الدّاعِي، انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ أيْضًا: ويُحْتَمَلُ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ رَبَّهُ مِثْلَ ما يَدْعُو صَغِيرُكم كَبِيرَكم وفَقِيرُكم غَنِيَّكم؛ يَسْألُهُ حاجَةً فَرُبَّما أجابَهُ ورُبَّما رَدَّهُ، وإنَّ دَعَواتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَسْمُوعَةٌ مُسْتَجابَةٌ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما هو لا تَحْسَبُوا دُعاءَ الرَّسُولِ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، أيْ: دُعاؤُهُ عَلَيْكم مُجابٌ فاحْذَرُوهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَفْظُ الآيَةِ يَدْفَعُ هَذا المَعْنى، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ (نَبِيِّكم)، بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وباءٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ مُشَدَّدَةٍ، بَدَلَ قَوْلِهِ: (بَيْنَكم) ظَرْفًا، قِراءَةُ الجُمْهُورِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى البَدَلِ مِنَ (الرَّسُولِ) فَإنَّما صارَ بَدَلًا؛ لِاخْتِلافِ تَعْرِيفِهِما بِاللّامِ مَعَ الإضافَةِ، يَعْنِي أنَّ الرَّسُولَ مَعْرِفَةٌ بِاللّامِ ونَبِيَّكم مَعْرِفَةٌ بِالإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ، فَهو في رُتْبَةِ العَلَمِ، فَهو أكْثَرُ (p-٤٧٧)تَعْرِيفًا مِن ذِي اللّامِ، فَلا يَصِحُّ النَّعْتُ بِهِ عَلى المَذْهَبِ المَشْهُورِ؛ لِأنَّ النَّعْتَ يَكُونُ دُونَ المَنعُوتِ أوْ مُساوِيًا لَهُ في التَّعْرِيفِ. ثُمَّ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِكَوْنِهِما مَعْرِفَتَيْنِ، انْتَهى. وكَأنَّهُ مُناقِضٌ لِما قَرَّرَ مِنِ اخْتِيارِهِ البَدَلَ، ويَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ النَّعْتُ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ قَدْ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ كالبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ؛ إذْ ما جاءَ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ مِن لَفْظِ الرَّسُولِ إنَّما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَساوَيا في التَّعْرِيفِ. ومَعْنى ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ يَنْصَرِفُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا عَنِ الجَماعَةِ في خُفْيَةٍ، ولِواذُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ أيْ هَذا يَلُوذُ بِهَذا وهَذا بِذاكَ بِحَيْثُ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دارَ اسْتِتارًا مِنَ الرَّسُولِ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿لِواذًا﴾ فِرارًا مِنَ الجِهادِ. وقِيلَ: في حَفْرِ الخَنْدَقِ يَنْصَرِفُ المُنافِقُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ ويَسْتَأْذِنُ المُؤْمِنُونَ إذا عَرَضَتْ لَهم حاجَةٌ. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿لِواذًا﴾ خِلافًا. وقالَ أيْضًا ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ مِنَ الصَّفِّ في القِتالِ، وقِيلَ: ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى كِتابِهِ وعَلى ذِكْرِهِ. وانْتَصَبَ ﴿لِواذًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُتَلاوِذِينَ، و﴿لِواذًا﴾ مَصْدَرُ لاوَذَ، صَحَّتِ العَيْنُ في الفِعْلِ فَصَحَّتْ في المَصْدَرِ، ولَوْ كانَ مَصْدَرَ لاذَ لَكانَ لِياذًا كَقامَ قِيامًا. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ (لَواذًا) بِفَتْحِ اللّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ لاذَ، ولَمْ يُقْبَلْ لِأنَّهُ لا كَسْرَةَ قَبْلَ الواوِ فَهو كَطافَ طَوافًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ لاوَذَ، وكانَتْ فَتْحَةُ اللّامِ لِأجْلِ فَتْحَةِ الواوِ، وخالَفَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ تَقُولُ: خالَفْتُ أمْرَ زَيْدٍ، وبِإلى تَقُولُ: خالَفْتُ إلى كَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿عَنْ أمْرِهِ﴾ ضَمَّنَ خالَفَ مَعْنى صَدَّ وأعْرَضَ فَعَدّاهُ بِعَنْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ يَقَعُ خِلافُهم بَعْدَ أمْرِهِ كَما تَقُولُ كانَ المَطَرُ عَنْ رِيحِ و(عَنْ) هي لِما عَدا الشَّيْءَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: (عَنْ) زائِدَةٌ، أيْ: أمْرَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالحَذَرِ لِلْوُجُوبِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وأنَّ الضَّمِيرَ في (أمْرِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ. وقِيلَ عَلى الرَّسُولِ. وقُرِئَ ”يُخَلِّفُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ، أيْ: يُخَلِّفُونَ أنْفُسَهم بَعْدَ أمْرِهِ، والفِتْنَةُ القَتْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ بَلاءٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ كُفْرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ، أوْ إسْباغُ النِّعَمِ اسْتِدْراجًا، قالَهُ الجَرّاحُ، أوْ قَسْوَةُ القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، قالَهُ الجُنَيْدُ، أوْ طَبْعٌ عَلى القُلُوبِ، قالَهُ بَعْضُهم. وهَذِهِ الأقْوالُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ، وهي في الدُّنْيا. أوْ (عَذابٌ ألِيمٌ) . قِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: هو القَتْلُ في الدُّنْيا. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، هَذا كالدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلَيْهِما، وعَلى المُكَلَّفِ فِيما يُعامِلُهُ بِهِ مِنَ المُجازاةِ مِن ثَوابِهِ وعِقابِهِ. ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخَلَ (قَدْ) لِيُؤَكِّدَ عِلْمَهُ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ المُخالَفَةِ عَنِ الدِّينِ والنِّفاقِ، ويَرْجِعُ تَوْكِيدُ العِلْمِ إلى تَوْكِيدِ الوَعِيدِ، وذَلِكَ أنَّ قَدْ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ كانَتْ بِمَعْنى رُبَّما، فَوافَقَتْ رُبَّما في خُرُوجِها إلى مَعْنى التَّنْكِيرِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ؎فَإنْ يُمْسِ مَهْجُورَ الفِناءِ فَرُبَّما أقامَ بِهِ بَعْدَ الوُفُودِ وُفُودُ ونَحْوٌ مَن ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أخِي ثِقَةٍ لا يُهْلِكُ الخَمْرُ مالَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ . انْتَهى. وكَوْنُ قَدْ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ أفادَتِ التَّكْثِيرَ قَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنَّما التَّكْثِيرُ مَفْهُومٌ مِن سِياقَةِ الكَلامِ في المَدْحِ، والصَّحِيحُ في رُبَّ أنَّها لِتَقْلِيلِ الشَّيْءِ أوْ تَقْلِيلِ نَظِيرِهِ، فَإنْ فُهِمَ تَكْثِيرٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن رُبَّ ولا قَدْ إنَّما هو مِن سِياقَةِ الكَلامِ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُرْجَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو عَمْرٍو مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والتَفَتَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في (أنْتُمْ) إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (يُرْجَعُونَ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ خِطابًا عامًّا، ويَكُونَ (يُرْجَعُونَ) لِلْمُنافِقِينَ. والظّاهِرُ عَطْفُ (ويَوْمَ) عَلى ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ فَنَصْبُهُ نَصْبُ المَفْعُولِ. قالَ ابْنُ (p-٤٧٨)عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ والعِلْمُ الظّاهِرُ لَكم أوْ نَحْوُ هَذا يَوْمَ فَيَكُونُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ. * * (مُفْرَداتُ سُورَةِ الفُرْقانِ) الهَباءُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: مِثْلُ الغُبارِ، يَدْخُلُ الكُوَّةَ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الهَبْوَةُ والهَباءُ التُّرابُ الدَّقِيقُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ مِنهُ إذا ارْتَفَعَ هَبا يَهْبُو هَبْوًا، وأهْبَيْتُهُ أنا إهْباءً. وقِيلَ: هو الشَّرَرُ الطّائِرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ. النَّثْرُ: التَّفْرِيقُ. العَضُّ: وقْعُ الأسْنانِ عَلى المَعْضُوضِ بِقُوَّةٍ وفِعْلُهُ عَلى وزْنِ فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، وحَكى الكِسائِيُّ عَضَضْتُ بِفَتْحِ عَيْنِ الكَلِمَةِ. فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِ مَن يَعْقِلُ. الجُمْلَةُ مِنَ الكَلامِ هو المُجْتَمِعُ غَيْرُ المُفَرَّقِ. التَّرْتِيلُ سَرْدُ اللَّفْظِ بَعْدَ اللَّفْظِ يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُما زَمَنٌ يَسِيرٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ مُرَتَّلٌ، أيْ: مُفَلَّجُ الأسْنانِ. السُّباتُ: الرّاحَةُ، ومِنهُ يَوْمُ السَّبْتِ لِما جَرَتِ العادَةُ مِنَ الِاسْتِراحَةِ فِيهِ، ويُقالُ لِلْعَلِيلِ إذا اسْتَراحَ مِن تَعَبِ العِلَّةِ مَسْبُوتٌ، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السُّباتُ المَوْتُ والمَسْبُوتُ المَيِّتُ؛ لِأنَّهُ مَقْطُوعُ الحَياةِ. مَرَجَ: قالَ ابْنُ عَرَفَةَ خَلَطَ، ومَرَجَ الأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ. وقِيلَ: مَرَجَ وأمْرَجَ: أجْرى، ومَرَجَ لُغَةُ الحِجازِ، وأمْرَجَ لُغَةُ نَجْدٍ. العَذْبُ: الحُلْوُ. والفُراتُ البالِغُ في الحَلاوَةِ. المِلْحُ: المالِحُ. والأُجاجُ البالِغُ في المُلُوحَةِ. وقِيلَ: المُرُّ. وقِيلَ: الحارُّ. الصِّهْرُ، قالَ الخَلِيلُ: لا يُقالُ لِأهْلِ بَيْتِ المَرْأةِ إلّا أصْهارٌ، ولِأهْلِ بَيْتِ الرَّجُلِ إلّا أخْتانٌ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُهم أصْهارًا كُلَّهم. السِّراجُ: الشَّمْسُ. الهَوْنُ: الرِّفْقُ واللِّينُ. الغُرْفَةُ: العُلِّيَّةُ، وكُلُّ بِناءٍ عالٍ فَهو غُرْفَةٌ. عَبَأ مِنَ العِبْءِ، وهو الثَّقِيلُ، يُقالُ: عَبَأْتُ الجَيْشَ، بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، هَيَّأْتُهُ لِلْقِتالِ، ويُقالُ: ما عَبَأْتُ بِهِ، أيْ: ما اعْتَدَدْتُ بِهِ، كَقَوْلِكَ: ما اكْتَرَثْتُ بِهِ.

النور 24:64

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لَمّا افْتَتَحَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها﴾ [النور: ١]، وذَكَرَ أنْواعًا مِنَ الأوامِرِ والحُدُودِ مِمّا أنْزَلَهُ عَلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتَتَمَها بِما يَجِبُ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أُمَّتِهِ مِنَ التَّتابُعِ والتَّشايُعِ، عَلى ما فِيهِ مَصْلَحَةُ الإسْلامِ ومِن طَلَبِ اسْتِئْذانِهِ إنْ عَرَضَ لِأحَدٍ مِنهم عارِضٌ، ومِن تَوْقِيرِهِ في دُعائِهِمْ إيّاهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُرِيَهم عَظِيمَ الجِنايَةِ في ذَهابِ الذّاهِبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ إذْنِهِ. ﴿إذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ فَجَعَلَ تَرْكَ ذَهابِهِمْ ﴿حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ثالِثَ الإيمانِ بِاللَّهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ ﷺ، وجَعَلَهُما كالتَّسْبِيبِ لَهُ والنَّشاطِ لِذِكْرِهِ. وذَلِكَ مَعَ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِإنَّما، وارْتِفاعُ المُؤْمِنِينَ مُبْتَدَأٌ ومُخْبَرٌ عَنْهُ بِمَوْصُولٍ أحاطَتْ صِلَتُهُ بِذِكْرِ الإيمانَيْنِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما يَزِيدُهُ تَوْكِيدًا وتَسْدِيدًا بِحَيْثُ أعادَهُ عَلى أُسْلُوبٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، وضَمَّنَهُ شَيْئًا آخَرَ، وهو أنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِئْذانَ كالمِصْداقِ لِصِحَّةِ الإيمانَيْنِ، وعَرَّضَ بِحالِ الماضِينَ وتَسَلُّلِهِمْ لِواذًا. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى (p-٤٧٦)يَسْتَأْذِنُوهُ ويَأْذَنَ لَهم؛ ألا تَراهُ كَيْفَ عَلَّقَ الأمْرَ بَعْدَ وُجُودِ اسْتِئْذانِهِمْ بِمَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ لِمَنِ اسْتَصْوَبَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ، والأمْرُ الجامِعُ: الَّذِي يُجْمَعُ لَهُ النّاسُ، فَوُصِفَ بِالجَمْعِ عَلى المَجازِ، وذَلِكَ نَحْوُ مُقابَلَةِ عَدُوٍّ وتَشاوُرٍ في أمْرِهِمْ أوْ تَضامٍّ لِإرْهابِ مُخالِفٍ، أوْ ما يَنْتِجُ في حِلْفٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. والأمْرُ الَّذِي يَعُمُّ بِضَرَرِهِ أوْ بِنَفْعِهِ وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ أنَّهُ خَطْبٌ جَلِيلٌ لا بُدَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مِن ذَوِي رَأْيٍ وقُوَّةٍ، يُظاهِرُونَهُ عَلَيْهِ ويُعاوِنُونَهُ ويَسْتَضِيءُ بِآرائِهِمْ ومَعارِفِهِمْ وتَجارِبِهِمْ في كَفاءَتِهِ، فَمُفارَقَةُ أحَدِهِمْ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ مِمّا يَشُقُّ عَلى قَلْبِهِ ويُشَعِّثُ عَلَيْهِ رَأْيَهُ. فَمِن ثَمَّ غَلَّظَ عَلَيْهِمْ، وضَيَّقَ الأمْرَ في الِاسْتِئْذانِ مَعَ العُذْرِ المَبْسُوطِ ومَساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ واعْتِراضِ ما يُهِمُّهم ويَعْنِيهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾، وذِكْرُ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُسْتَأْذِنِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأحْسَنَ الأفْضَلَ أنْ لا يُحَدِّثُوا أنْفُسَهم بِالذَّهابِ ولا يَسْتَأْذِنُوا فِيهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَفْرِ الخَنْدَقِ، وكانَ قَوْمٌ يَتَسَلَّلُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ لِذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ النّاسُ مَعَ أئِمَّتِهِمْ ومُقَدَّمِيهِمْ في الدِّينِ والعِلْمِ، يُظاهِرُونَهم ولا يَخْذُلُونَهم في نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ، ولا يَتَفَرَّقُونَ عَنْهم، والأمْرُ في الإذْنِ مُفَوَّضٌ إلى الإمامِ إنْ شاءَ أذِنَ وإنْ شاءَ لَمْ يَأْذَنْ، عَلى حَسَبِ ما اقْتَضاهُ رَأْيُهُ، انْتَهى. وهو تَفْسِيرٌ حَسَنٌ ويَجْرِي هَذا المَجْرى إمامُ الإمْرَةِ إذا كانَ النّاسُ مَعَهُ مُجْتَمِعِينَ لِمُراعاةِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ فَلا يَذْهَبُ أحَدٌ مِنهم عَنِ المَجْمَعِ إلّا بِإذْنٍ مِنهُ؛ إذْ قَدْ يَكُونُ لَهُ رَأْيٌ في حُضُورِ ذَلِكَ الذّاهِبِ. وقالَ مَكْحُولٌ والزُّهْرِيُّ: الجُمُعَةُ مِنَ الأمْرِ الجامِعِ، فَإذا عَرَضَ لِلْحاضِرِ ما يَمْنَعُهُ الحُضُورَ مِن سَبْقِ رُعافٍ فَلْيَسْتَأْذِنْ حَتّى يَذْهَبَ عَنْهُ سُوءُ الظَّنِّ بِهِ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانُوا يَسْتَأْذِنُونَ الإمامَ عَلى المِنبَرِ، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ قالَ زِيادٌ: مَن جَعَلَ يَدَهُ عَلى أنْفِهِ فَلْيَخْرُجْ دُونَ إذْنٍ، وقَدْ كانَ هَذا بِالمَدِينَةِ حَتّى إنَّ سُهَيْلَ بْنَ أبِي صالِحٍ رَعَفَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فاسْتَأْذَنَ الإمامَ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: هو كُلُّ صَلاةٍ فِيها خُطْبَةٌ: كالجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والِاسْتِسْقاءِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: في الجِهادِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الِاجْتِماعُ في طاعَةِ اللَّهِ. قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿فائْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾، أُرِيدَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ عَلى (أمْرٍ جَمِيعٍ) . ﴿لا تَجْعَلُوا﴾ خِطابٌ لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ التَّداعِي بِالأسْماءِ عَلى عادَةِ البَداوَةِ، أُمِرُوا بِتَوْقِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ نَحْوَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، ألا تَرى إلى بَعْضِ جُفاةِ مَن أسْلَمَ كانَ يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ إشارَةً إلى جَوازِ ذَلِكَ مَعَ بَعْضِهِمُ لِبَعْضٍ إذْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ في دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا مَن دَعاهُ لا مَن دَعا غَيْرَهُ. وكانُوا يَقُولُونَ: يا أبا القاسِمِ، يا مُحَمَّدُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ: نَهاهم عَنِ الإبْطاءِ والتَّأخُّرِ إذا دَعاهم، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ والقَفّالُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾، وهَذا القَوْلُ مُوافِقٌ لِمَساقِ الآيَةِ ونَظْمِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا احْتاجَ إلى اجْتِماعِكم عِنْدَهُ لِأمْرٍ فَدَعاكم فَلا تَتَفَرَّقُوا عَنْهُ إلّا بِإذْنِهِ، ولا تَقِيسُوا دُعاءَهُ عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ورُجُوعِكم عَنِ المَجْمَعِ بِغَيْرِ إذْنِ الدّاعِي، انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. وقالَ أيْضًا: ويُحْتَمَلُ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ رَبَّهُ مِثْلَ ما يَدْعُو صَغِيرُكم كَبِيرَكم وفَقِيرُكم غَنِيَّكم؛ يَسْألُهُ حاجَةً فَرُبَّما أجابَهُ ورُبَّما رَدَّهُ، وإنَّ دَعَواتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَسْمُوعَةٌ مُسْتَجابَةٌ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما هو لا تَحْسَبُوا دُعاءَ الرَّسُولِ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، أيْ: دُعاؤُهُ عَلَيْكم مُجابٌ فاحْذَرُوهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَفْظُ الآيَةِ يَدْفَعُ هَذا المَعْنى، انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ (نَبِيِّكم)، بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وباءٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ مُشَدَّدَةٍ، بَدَلَ قَوْلِهِ: (بَيْنَكم) ظَرْفًا، قِراءَةُ الجُمْهُورِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى البَدَلِ مِنَ (الرَّسُولِ) فَإنَّما صارَ بَدَلًا؛ لِاخْتِلافِ تَعْرِيفِهِما بِاللّامِ مَعَ الإضافَةِ، يَعْنِي أنَّ الرَّسُولَ مَعْرِفَةٌ بِاللّامِ ونَبِيَّكم مَعْرِفَةٌ بِالإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ، فَهو في رُتْبَةِ العَلَمِ، فَهو أكْثَرُ (p-٤٧٧)تَعْرِيفًا مِن ذِي اللّامِ، فَلا يَصِحُّ النَّعْتُ بِهِ عَلى المَذْهَبِ المَشْهُورِ؛ لِأنَّ النَّعْتَ يَكُونُ دُونَ المَنعُوتِ أوْ مُساوِيًا لَهُ في التَّعْرِيفِ. ثُمَّ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِكَوْنِهِما مَعْرِفَتَيْنِ، انْتَهى. وكَأنَّهُ مُناقِضٌ لِما قَرَّرَ مِنِ اخْتِيارِهِ البَدَلَ، ويَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ النَّعْتُ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ قَدْ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ كالبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ؛ إذْ ما جاءَ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ مِن لَفْظِ الرَّسُولِ إنَّما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَساوَيا في التَّعْرِيفِ. ومَعْنى ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ يَنْصَرِفُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا عَنِ الجَماعَةِ في خُفْيَةٍ، ولِواذُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ أيْ هَذا يَلُوذُ بِهَذا وهَذا بِذاكَ بِحَيْثُ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دارَ اسْتِتارًا مِنَ الرَّسُولِ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿لِواذًا﴾ فِرارًا مِنَ الجِهادِ. وقِيلَ: في حَفْرِ الخَنْدَقِ يَنْصَرِفُ المُنافِقُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ ويَسْتَأْذِنُ المُؤْمِنُونَ إذا عَرَضَتْ لَهم حاجَةٌ. وقالَ مُجاهِدٌ ﴿لِواذًا﴾ خِلافًا. وقالَ أيْضًا ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ مِنَ الصَّفِّ في القِتالِ، وقِيلَ: ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى كِتابِهِ وعَلى ذِكْرِهِ. وانْتَصَبَ ﴿لِواذًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُتَلاوِذِينَ، و﴿لِواذًا﴾ مَصْدَرُ لاوَذَ، صَحَّتِ العَيْنُ في الفِعْلِ فَصَحَّتْ في المَصْدَرِ، ولَوْ كانَ مَصْدَرَ لاذَ لَكانَ لِياذًا كَقامَ قِيامًا. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ (لَواذًا) بِفَتْحِ اللّامِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ لاذَ، ولَمْ يُقْبَلْ لِأنَّهُ لا كَسْرَةَ قَبْلَ الواوِ فَهو كَطافَ طَوافًا. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ لاوَذَ، وكانَتْ فَتْحَةُ اللّامِ لِأجْلِ فَتْحَةِ الواوِ، وخالَفَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ تَقُولُ: خالَفْتُ أمْرَ زَيْدٍ، وبِإلى تَقُولُ: خالَفْتُ إلى كَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿عَنْ أمْرِهِ﴾ ضَمَّنَ خالَفَ مَعْنى صَدَّ وأعْرَضَ فَعَدّاهُ بِعَنْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ يَقَعُ خِلافُهم بَعْدَ أمْرِهِ كَما تَقُولُ كانَ المَطَرُ عَنْ رِيحِ و(عَنْ) هي لِما عَدا الشَّيْءَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: (عَنْ) زائِدَةٌ، أيْ: أمْرَهُ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالحَذَرِ لِلْوُجُوبِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وأنَّ الضَّمِيرَ في (أمْرِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ. وقِيلَ عَلى الرَّسُولِ. وقُرِئَ ”يُخَلِّفُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ، أيْ: يُخَلِّفُونَ أنْفُسَهم بَعْدَ أمْرِهِ، والفِتْنَةُ القَتْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ بَلاءٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ كُفْرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ، أوْ إسْباغُ النِّعَمِ اسْتِدْراجًا، قالَهُ الجَرّاحُ، أوْ قَسْوَةُ القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، قالَهُ الجُنَيْدُ، أوْ طَبْعٌ عَلى القُلُوبِ، قالَهُ بَعْضُهم. وهَذِهِ الأقْوالُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ، وهي في الدُّنْيا. أوْ (عَذابٌ ألِيمٌ) . قِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ. وقِيلَ: هو القَتْلُ في الدُّنْيا. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، هَذا كالدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلَيْهِما، وعَلى المُكَلَّفِ فِيما يُعامِلُهُ بِهِ مِنَ المُجازاةِ مِن ثَوابِهِ وعِقابِهِ. ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أدْخَلَ (قَدْ) لِيُؤَكِّدَ عِلْمَهُ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ المُخالَفَةِ عَنِ الدِّينِ والنِّفاقِ، ويَرْجِعُ تَوْكِيدُ العِلْمِ إلى تَوْكِيدِ الوَعِيدِ، وذَلِكَ أنَّ قَدْ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ كانَتْ بِمَعْنى رُبَّما، فَوافَقَتْ رُبَّما في خُرُوجِها إلى مَعْنى التَّنْكِيرِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ؎فَإنْ يُمْسِ مَهْجُورَ الفِناءِ فَرُبَّما أقامَ بِهِ بَعْدَ الوُفُودِ وُفُودُ ونَحْوٌ مَن ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أخِي ثِقَةٍ لا يُهْلِكُ الخَمْرُ مالَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ . انْتَهى. وكَوْنُ قَدْ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ أفادَتِ التَّكْثِيرَ قَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنَّما التَّكْثِيرُ مَفْهُومٌ مِن سِياقَةِ الكَلامِ في المَدْحِ، والصَّحِيحُ في رُبَّ أنَّها لِتَقْلِيلِ الشَّيْءِ أوْ تَقْلِيلِ نَظِيرِهِ، فَإنْ فُهِمَ تَكْثِيرٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن رُبَّ ولا قَدْ إنَّما هو مِن سِياقَةِ الكَلامِ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُرْجَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو عَمْرٍو مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. والتَفَتَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في (أنْتُمْ) إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (يُرْجَعُونَ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ خِطابًا عامًّا، ويَكُونَ (يُرْجَعُونَ) لِلْمُنافِقِينَ. والظّاهِرُ عَطْفُ (ويَوْمَ) عَلى ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ فَنَصْبُهُ نَصْبُ المَفْعُولِ. قالَ ابْنُ (p-٤٧٨)عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ والعِلْمُ الظّاهِرُ لَكم أوْ نَحْوُ هَذا يَوْمَ فَيَكُونُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ. * * (مُفْرَداتُ سُورَةِ الفُرْقانِ) الهَباءُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: مِثْلُ الغُبارِ، يَدْخُلُ الكُوَّةَ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الهَبْوَةُ والهَباءُ التُّرابُ الدَّقِيقُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ مِنهُ إذا ارْتَفَعَ هَبا يَهْبُو هَبْوًا، وأهْبَيْتُهُ أنا إهْباءً. وقِيلَ: هو الشَّرَرُ الطّائِرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ. النَّثْرُ: التَّفْرِيقُ. العَضُّ: وقْعُ الأسْنانِ عَلى المَعْضُوضِ بِقُوَّةٍ وفِعْلُهُ عَلى وزْنِ فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، وحَكى الكِسائِيُّ عَضَضْتُ بِفَتْحِ عَيْنِ الكَلِمَةِ. فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِ مَن يَعْقِلُ. الجُمْلَةُ مِنَ الكَلامِ هو المُجْتَمِعُ غَيْرُ المُفَرَّقِ. التَّرْتِيلُ سَرْدُ اللَّفْظِ بَعْدَ اللَّفْظِ يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُما زَمَنٌ يَسِيرٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ مُرَتَّلٌ، أيْ: مُفَلَّجُ الأسْنانِ. السُّباتُ: الرّاحَةُ، ومِنهُ يَوْمُ السَّبْتِ لِما جَرَتِ العادَةُ مِنَ الِاسْتِراحَةِ فِيهِ، ويُقالُ لِلْعَلِيلِ إذا اسْتَراحَ مِن تَعَبِ العِلَّةِ مَسْبُوتٌ، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السُّباتُ المَوْتُ والمَسْبُوتُ المَيِّتُ؛ لِأنَّهُ مَقْطُوعُ الحَياةِ. مَرَجَ: قالَ ابْنُ عَرَفَةَ خَلَطَ، ومَرَجَ الأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ. وقِيلَ: مَرَجَ وأمْرَجَ: أجْرى، ومَرَجَ لُغَةُ الحِجازِ، وأمْرَجَ لُغَةُ نَجْدٍ. العَذْبُ: الحُلْوُ. والفُراتُ البالِغُ في الحَلاوَةِ. المِلْحُ: المالِحُ. والأُجاجُ البالِغُ في المُلُوحَةِ. وقِيلَ: المُرُّ. وقِيلَ: الحارُّ. الصِّهْرُ، قالَ الخَلِيلُ: لا يُقالُ لِأهْلِ بَيْتِ المَرْأةِ إلّا أصْهارٌ، ولِأهْلِ بَيْتِ الرَّجُلِ إلّا أخْتانٌ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُهم أصْهارًا كُلَّهم. السِّراجُ: الشَّمْسُ. الهَوْنُ: الرِّفْقُ واللِّينُ. الغُرْفَةُ: العُلِّيَّةُ، وكُلُّ بِناءٍ عالٍ فَهو غُرْفَةٌ. عَبَأ مِنَ العِبْءِ، وهو الثَّقِيلُ، يُقالُ: عَبَأْتُ الجَيْشَ، بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، هَيَّأْتُهُ لِلْقِتالِ، ويُقالُ: ما عَبَأْتُ بِهِ، أيْ: ما اعْتَدَدْتُ بِهِ، كَقَوْلِكَ: ما اكْتَرَثْتُ بِهِ.

الفرقان 25:1

سُورَةُ الفُرْقانِ ﷽ (p-٤٧٩)﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ (p-٤٨٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقالَ الضَّحّاكُ مَدَنِيَّةٌ إلّا مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: (ولا نُشُورًا)، فَهو مَكِّيٌّ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وُجُوبَ مُبايَعَةِ المُؤْمِنِينَ لِلرَّسُولِ، وأنَّهم إذا كانُوا مَعَهُ في أمْرٍ مُهِمٍّ تَوَقَّفَ انْفِصالُ واحِدٍ مِنهم عَلى إذْنِهِ، وحَذَّرَ مَن يُخالِفُ أمْرَهُ، وذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما هم عَلَيْهِ ومُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ غايَةً في التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، ناسَبَ أنْ يَفْتَتِحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ في صِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ، كَثِيرُ الخَيْرِ، ومِن خَيْرِهِ أنَّهُ (نَزَّلَ الفُرْقانَ) عَلى رَسُولِهِ مُنْذِرًا لَهم، فَكانَ في ذَلِكَ إطْماعٌ في خَيْرِهِ وتَحْذِيرِهِ مِن عِقابِهِ. و(تَبارَكَ) تَفاعَلَ مُطاوِعُ بارَكَ وهو فِعْلٌ لا يَتَصَرَّفُ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ تَعالى، فَلا يَجِيءُ مِنهُ مُضارِعٌ ولا اسْمُ فاعِلٍ ولا مَصْدَرٌ. وقالَ الطِّرِمّاحُ: ؎تَبارَكْتَ لا مُعْطٍ لِشَيْءٍ مَنَعْتَهُ ولَيْسَ لِما أعْطَيْتَ يا رَبِّ مانِعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَزَلْ ولا يَزُولُ. وقالَ الخَلِيلُ: تَمَجَّدَ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعَظَّمَ. وحَكى الأصْمَعِيُّ تَبارَكْتُ عَلَيْكم مِن قَوْلِ عَرَبِيٍّ صَعِدَ رابِيَةً فَقالَ لِأصْحابِهِ ذَلِكَ، أيْ تَعالَيْتُ وارْتَفَعْتُ. فَفي هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ صِفَةَ ذاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: هو مِنَ البَرَكَةِ، وهو التَّزايُدُ في الخَيْرِ مِن قِبَلِهِ، فالمَعْنى زادَ خَيْرُهُ وعَطاؤُهُ وكَثُرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ وجاءَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى (الَّذِي)، وهم وإنْ كانُوا لا يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ فَقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى إعْجازِهِ، فَصارَتِ الصِّلَةُ مَعْلُومَةً بِحَسَبِ الدَّلِيلِ، وإنْ كانُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ. وتَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ لِمَ سُمِّيَ القُرْآنُ فُرْقانًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلى عَبْدِهِ)، وهو الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلى عِبادِهِ أيِ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، كَما قالَ (لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم)، (وما أُنْزِلَ إلَيْنا)، ويَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وبِعَبْدِهِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]، والضَّمِيرُ في (لِيَكُونَ) . قالَ ابْنُ زَيْدٍ: عائِدٌ عَلى (عَبْدِهِ) ويَتَرَجَّحُ بِأنَّهُ العُمْدَةُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلُ، وهو مِن وصْفِهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] . والظّاهِرُ أنَّ (نَذِيرًا) بِمَعْنى مُنْذِرٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ومِنهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] . و(لِلْعالَمِينَ) عامٌّ لِلْإنْسِ والجِنِّ، مِمَّنْ عاصَرَهُ أوْ جاءَ بَعْدَهُ، وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ الحَدِيثِ المُتَواتِرِ وظَواهِرِ الآياتِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ (لِلْعالَمِينَ) لِلْجِنِّ والإنْسِ، وهو تَفْسِيرٌ (لِلْعالَمِينَ) . ولَمّا سَبَقَ في أواخِرِ السُّورَةِ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٦٤]، فَكانَ إخْبارًا بِأنَّ ما فِيهِما مِلْكٌ لَهُ، أخْبَرَ هُنا أنَّهُ لَهُ مُلْكُهُما أيْ قَهْرُهُما وقَهْرُ ما فِيهِما، فاجْتَمَعَ لَهُ المِلْكُ والمُلْكُ لَهُما ولِما فِيهِما، و(الَّذِي) مَقْطُوعٌ لِلْمَدْحِ رَفْعًا أوْ نَصْبًا أوْ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ (الَّذِي نَزَّلَ)، وما بَعْدَ (نَزَّلَ) مِن تَمامِ الصِّلَةِ ومُتَعَلِّقٌ بِهِ فَلا يُعَدُّ فاصِلًا بَيْنَ النَّعْتِ أوِ البَدَلِ ومَتْبُوعِهِ. (ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا) الظّاهِرُ نُفْيُ الِاتِّخاذِ، أيْ: لَمْ يُنْزِلْ أحَدًا مَنزِلَةَ الوَلَدِ. وقِيلَ: المَعْنى لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، بِمَعْنى قَوْلِهِ: لَمْ يَلِدْ لِأنَّ التَّوالُدَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ. وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وعَلى النَّصارى واليَهُودِ النّاسِبِينَ لِلَّهِ الوَلَدَ. ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ورَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا. ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ في خَلْقِ الذَّواتِ وأفْعالِها. قِيلَ: وفي (p-٤٨١)الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، مِمّا يَصِحُّ خَلْقُهُ لِتَخْرُجَ عَنْهُ ذاتُهُ وصِفاتُهُ القَدِيمَةُ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: أكْرَمْتُ كُلَّ رَجُلٍ لا يَدْخُلُ هو في العُمُومِ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ في عُمُومِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ذاتُهُ تَعالى ولا صِفاتُهُ القَدِيمَةُ. (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) إنْ كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، فَكَيْفَ جاءَ (فَقَدَّرَهُ) إذْ يَصِيرُ المَعْنى وقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ يُقَدِّرُهُ (تَقْدِيرًا) . فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّهُ أحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إحْداثًا مُراعًى فِيهِ التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ، فَقَدَّرَهُ وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، أوْ سُمِّيَ إحْداثُ اللَّهِ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ لا يُحْدِثُ شَيْئًا لِحِكْمَتِهِ إلّا عَلى وجْهِ التَّقْدِيرِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ. فَإذا قِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ كَذا، فَهو بِمَنزِلَةِ إحْداثِ اللَّهِ وأوْجَدَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى وجْهِ الِاشْتِقاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ في إيجادِهِ مُتَفاوِتًا. وقِيلَ: فَجَعَلَ لَهُ غايَةً ومُنْتَهًى، ومَعْناهُ (فَقَدَّرَهُ) لِلْبَقاءِ إلى أمَدٍ مَعْلُومٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ الأشْياءِ هو حَدُّها بِالأمْكِنَةِ والأزْمانِ والمَقادِيرِ والمَصْلَحَةِ والإتْقانِ، انْتَهى. ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ الضَّمِيرُ في (واتَّخَذُوا) عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ﴾، دَلالَةً عَلى ذَلِكَ لَمْ يُنْفَ إلّا وقَدْ قِيلَ بِهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: الواوُ ضَمِيرٌ لِلْكُفّارِ وهم مُنْدَرِجُونَ في قَوْلِهِ: (لِلْعالَمِينَ) . وقِيلَ: لَفْظُ (نَذِيرًا) يُنْبِئُ عَنْهم؛ لِأنَّهُمُ المُنْذَرُونَ ويَنْدَرِجُ في (واتَّخَذُوا) كُلُّ مَنِ ادَّعى إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعُبّادِ الأوْثانِ وعُبّادِ الكَواكِبِ. وقالَ القاضِي: يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ النَّصارى؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً عَلى الجَمْعِ. والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّ لِعُبّادِها كَثْرَةً، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما قالَ؛ لِأنَّ (واتَّخَذُوا) جَمْعٌ و(آلِهَةٌ) جَمْعٌ، وإذا قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ تَقابَلَ الفَرْدُ بِالفَرْدِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُقابَلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ فَيَنْدَرِجُ مَعْبُودُ النَّصارى في لَفْظِ (آلِهَةً) . ثُمَّ وصَفَ الآلِهَةَ بِانْتِفاءِ إنْشائِهِمْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إشارَةً إلى انْتِفاءِ القُدْرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ ذاتًا أوْ مَصْنُوعُونَ بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، وهَذا أبْلَغُ في الخَساسَةِ، ونِسْبَةُ الخَلْقِ لِلْبَشَرِ تَجُوزُ. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلْقُ بِمَعْنى الِافْتِعالِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، والمَعْنى أنَّهم آثَرُوا عَلى عِبادَتِهِ عِبادَةَ آلِهَةٍ لا عَجْزَ أبْيَنُ مِن عَجْزِهِمْ، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ ولا أفْعالِ العِبادِ حَيْثُ لا يَفْتَعِلُونَ شَيْئًا وهم يُفْتَعَلُونَ؛ لِأنَّ عَبَدَتَهم يَصْنَعُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ. ﴿ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ﴾ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْها ولا جَلْبَ نَفْعٍ إلَيْها وهم يَسْتَطِيعُونَ، وإذا عَجَزُوا عَنِ الِافْتِعالِ ودَفْعِ الضَّرَرِ وجَلْبِ النَّفْعِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ العِبادُ كانُوا عَنِ المَوْتِ والحَياةِ والنُّشُورِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ أعْجَزَ. (وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأتْباعُهُ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ. ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ ألْقَوْا أخْبارَ الأُمَمِ إلَيْهِ. وقِيلَ: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وكانُوا كِتابِيِّينَ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ أسْلَمُوا وكانَ الرَّسُولُ يَتَعَهَّدُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشارُوا إلى قَوْمٍ عَبِيدٍ كانُوا لِلْعَرَبِ مِنَ الفُرْسِ أبُو فُكَيْهَةَ مَوْلى الحَضْرَمِيِّينَ. وجَبْرٌ ويَسارٌ وعَدّاسٌ وغَيْرُهم. وقالَ الضَّحّاكُ: عَنَوْا أبا فُكَيْهَةَ الرُّومِيَّ. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنَوْا بِقَوْمٍ آخَرِينَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ آخَرَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الأوَّلِ، انْتَهى. وما قالَهُ لا يَلْزَمُ لِلِاشْتِراكِ في جِنْسِ الإنْسانِ، ولا يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ في الوَصْفِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] فَقَدِ اشْتَرَكَتا في مُطْلَقِ الفِئَةِ، واخْتَلَفَتا في الوَصْفِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَقَدْ جاءُوا) عائِدٌ عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ورَدُوا ظُلْمًا، كَما تَقُولُ: جِئْتُ المَكانَ فَيَكُونُ جاءَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ؛ قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ الجارُّ أيْ بِظُلْمٍ (p-٤٨٢)وزُورٍ ويَصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا جاءَ يُسْتَعْمَلُ بِهَذَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ، وظُلْمُهم أنْ جَعَلُوا العَرَبِيَّ يَتَلَقَّنُ مِنَ العَجَمِيِّ كَلامًا عَرَبِيًّا أعْجَزَ بِفَصاحَتِهِ جَمِيعَ فُصَحاءِ العَرَبِ، والزُّورُ أنْ بَهَتُوهُ بِنِسْبَةِ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ، والضَّمِيرُ في (وقالُوا) لِلْكُفّارِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ﴿اكْتَتَبَها﴾ أيْ: جَمَعَها، مِن قَوْلِهِمْ: كَتَبَ الشَّيْءَ، أيْ: جَمَعَهُ، أوْ مِنَ الكِتابَةِ، أيْ: كَتَبَها بِيَدِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَذِبِهِمْ عَلَيْهِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكْتُبُ، ويَكُونُ كاسْتَكَبَّ الماءَ واصْطَبَّهُ أيْ سَكَبَهُ وصَبَّهُ. ويَكُونُ لَفْظُ افْتَعَلَ مُشْعِرًا بِالتَّكَلُّفِ والِاعْتِمالِ، أوْ بِمَعْنى أمَرَ أنْ يُكْتَبَ، كَقَوْلِهِمُ احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُلْقى عَلَيْهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى المُتَحَفِّظِ كَصُورَةِ الإمْلاءِ عَلى الكاتِبِ. و﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أوْ هَذِهِ (أساطِيرُ)، و(اكْتَتَبَها) خَبَرٌ ثانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أساطِيرُ) مُبْتَدَأً و(اكْتَتَبَها) الخَبَرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (اكْتَتَبَها) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقِراءَةُ طَلْحَةَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى (اكْتَتَبَها) كاتِبٌ لَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ بِيَدِهِ وذَلِكَ مِن تَمامِ إعْجازِهِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ فَأفْضى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو إيّاهُ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا بَعْدَ أنْ كانَ بارِزًا مَنصُوبًا، وبَقِيَ ضَمِيرُ الأساطِيرِ عَلى حالِهِ، فَصارَ (اكْتَتَبَها) كَما تَرى، انْتَهى. وهو مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ (اكْتَتَبَها) لَهُ كاتِبٌ وُصِلَ فِيهِ اكْتَتَبَ لِمَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما: مُسَرَّحٌ وهو ضَمِيرُ الأساطِيرِ، والآخَرُ: مُقَيَّدٌ وهو ضَمِيرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ اتُّسِعَ في الفِعْلِ فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، فَإذا بُنِيَ هَذا الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ إنَّما يَنُوبُ عَنِ الفاعِلِ المَفْعُولُ المُسَرَّحُ لَفْظًا وتَقْدِيرًا لا المُسَرَّحُ لَفْظًا المُقَيَّدُ تَقْدِيرًا، فَعَلى هَذا كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ اكْتَتَبَتْهُ لا (اكْتَتَبَها) وعَلى هَذا الَّذِي قُلْناهُ جاءَ السَّماعُ عَنِ العَرَبِ في هَذا النَّوْعِ، الَّذِي أحَدُ المَفْعُولَيْنِ فِيهِ مُسَرَّحٌ لَفْظًا وتَقْدِيرًا، والآخَرُ مُسَرَّحٌ لَفْظًا لا تَقْدِيرًا. قالَ الشّاعِرُ - وهو الفَرَزْدَقُ -: ؎ومِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالَ سَماحَةً ∗∗∗ وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزُّعازِعُ ولَوْ جاءَ عَلى ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَجاءَ التَّرْكِيبُ: ومِنّا الَّذِي اخُتِيرَهُ الرِّجالَ؛ لِأنَّ اخْتارَ تَعَدّى إلى الرِّجالِ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ إذْ تَقْدِيرُهُ اخْتِيرَ مِنَ الرِّجالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الكُفّارِ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - يُكَذِّبُهم وإنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فَتَحْتَ الهَمْزَةَ في (اكْتَتَبَها) لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎أفْرَحُ إنْ أُرْزَأ الكِرامُ وأنْ ∗∗∗ آخُذَ ذَوْدًا شَصايِصًا نَبَلا وحُقَّ لِلْحَسَنِ أنْ يَقِفَ عَلى الأوَّلِينَ. والظّاهِرُ تَقْيِيدُ الإمْلاءِ بِوَقْتِ انْتِشارِ النّاسِ وحِينِ الإيواءِ إلى مَساكِنِهِمْ، وهُما البُكْرَةُ والأصِيلُ، أوْ يَكُونانِ عِبارَةً عَنِ الدَّيْمُومَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى ”فَهي تُتْلى“ بِالتّاءِ بَدَلَ المِيمِ. ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ كُلَّ سِرٍّ خَفِيٍّ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذا وهو وصْفُهُ تَعالى بِالعِلْمِ؛ لِأنَّ هَذا القُرْآنَ لَمْ يَكُنْ لِيَصْدُرَ إلّا مِن عَلّامٍ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِن إعْجازِ التَّرْكِيبِ الَّذِي لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِن أحَدٍ، ولَوِ اسْتَعانَ بِالعالَمِ كُلِّهِمْ ولِاشْتِمالِهِ عَلى مَصالِحِ العالَمِ وعَلى أنْواعِ العُلُومِ، واكْتَفى بِعِلْمِ السِّرِّ؛ لِأنَّ ما سِواهُ أوْلى أنْ يَتَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِهِ، أوْ (يَعْلَمُ) ما تُسِرُّونَ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ مَعَ عِلْمِكم بِبُطْلِ ما تَقُولُونَ فَهو مُجازِيكم، ﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ إطْماعٌ في أنَّهم إذا تابُوا غَفَرَ لَهم ما فَرَطَ مِن كُفْرِهِمْ ورَحِمَهم. أوْ (غَفُورًا رَحِيمًا) في كَوْنِهِ أمْهَلَكم ولَمْ يُعاجِلْكم عَلى ما اسْتَوْجَبْتُمُوهُ مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ (p-٤٨٣)مُكابَرَتِكم، أوْ لَمّا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى العِقابِ أعْقَبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعاقِبَ. (وقالُوا) الضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وكانُوا قَدْ جَمَعَهم والرَّسُولَ مَجْلِسٌ مَشْهُورٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيَرِ فَقالَ عُتْبَةُ وغَيْرُهُ: إنْ كُنْتَ تُحِبُّ الرِّئاسَةَ ولَّيْناكَ عَلَيْنا، أوِ المالَ جَمَعْنا لَكَ، فَلَمّا أبى عَلَيْهِمُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: ما لَكَ وأنْتَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ تَأْكُلُ الطَّعامَ، وتَقِفُ بِالأسْواقِ لِالتِماسِ الرِّزْقِ؛ سَلْ رَبَّكَ أنْ يُنْزِلَ مَعَكَ مَلَكًا يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقِيَ إلَيْكَ كَنْزًا تُنْفِقُ مِنهُ، أوْ يَرُدَّ لَكَ جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا وتُزالَ الجِبالُ، ويَكُونَ مَكانَها جَنّاتٌ تَطَّرِدُ فِيها المِياهُ، وأشاعُوا هَذِهِ المُحاجَّةَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ لامُ الجَرِّ مَفْصُولَةً مِن (هَذا)، وهَذا اسْتِفْهامٌ يَصْحَبُهُ اسْتِهْزاءٌ، أيْ: (مالِ هَذا) الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولٌ أنْكَرُوا عَلَيْهِ ما هو عادَةٌ لِلرُّسُلِ، كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، أيْ: حالُهُ كَحالِنا، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأكْلِ والتَّعَيُّشِ، ثُمَّ قالُوا: وهَبْ أنَّهُ بَشَرٌ فَهَلّا أُرْفِدَ بِمَلَكٍ يُنْذِرُ مَعَهُ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّماءِ يَسْتَظْهِرُ بِهِ ولا يَحْتاجُ إلى تَحْصِيلِ المَعاشِ. ثُمَّ اقْتَنَعُوا بِأنْ يَكُونَ لَهُ بُسْتانٌ يَأْكُلُ مِنهُ ويَرْتَزِقُ كالمَياسِيرِ. وقُرِئَ ”فَتَكُونُ“ بِالرَّفْعِ، حَكاهُ أبُو مُعاذٍ عَطْفًا عَلى (أُنْزِلَ)؛ لِأنَّ (أُنْزِلَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهو ماضٍ وقَعَ مَوْقِعَ المُضارِعِ، أيْ: هَلّا يَنْزِلُ إلَيْهِ مَلَكٌ، أوْ هو جَوابُ التَّحْضِيضِ عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو يَكُونُ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ. وقَوْلُهُ: (أوْ يُلْقى) (أوْ) يَكُونُ عُطِفَ عَلى (أُنْزِلَ) أيْ لَوْلا يَنْزِلُ، فَيَكُونُ المَطْلُوبُ أحَدَ هَذِهِ الأُمُورِ أوْ مَجْمُوعَها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ القائِلِينَ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ في (أوْ يُلْقى) ولا في (أوْ تَكُونُ) عَطْفًا عَلى (فَيَكُونَ)؛ لِأنَّهُما في حُكْمِ المَطْلُوبِ بِالتَّحْضِيضِ لا في حُكْمِ الجَوابِ لِقَوْلِهِ: (لَوْلا أُنْزِلَ) . وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ: ”أوْ يَكُونُ“ بِالياءِ مِن تَحْتُ. وقَرَأ (يَأْكُلُ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيِ: الرَّسُولُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِنُونِ الجَمْعِ، أيْ: يَأْكُلُونَ هم مِن ذَلِكَ البُسْتانِ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ في دُنْياهم ومَعاشِهِمْ. (وقالَ الظّالِمُونَ) أيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ فِيما قالُوهُ، انْتَهى. وتَرْكِيبُهُ وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ لَيْسَ تَرْكِيبًا سائِغًا، بَلِ التَّرْكِيبُ العَرَبِيُّ أنْ يَقُولَ: وأرادَهم بِأعْيانِهِمْ بِالظّالِمِينَ (مَسْحُورًا) غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ السِّحْرُ وهَذا أظْهَرُ، أوْ ذا سَحْرٍ وهو الرِّئَةُ، أوْ يُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ، أيْ: يُغَذّى، أوْ أُصِيبَ سَحْرُهُ كَما تَقُولُ رَأسْتُهُ أصَبْتُ رَأْسَهُ. وقِيلَ: (مَسْحُورًا) ساحِرًا عَنَوْا بِهِ أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم لا مَلَكٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في الإسْراءِ وبِهَذَيْنِ القَوْلَيْنِ قِيلَ: والقائِلُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ ومَن تابَعَهم. ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: قالُوا فِيكَ تِلْكَ الأقْوالَ واخْتَرَعُوا لَكَ تِلْكَ الصِّفاتِ والأحْوالَ النّادِرَةَ مِن نُبُوَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ إنْسانٍ ومَلَكٍ، وإلْقاءِ كَنْزٍ عَلَيْكَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ ضُلّالًا لا يَجِدُونَ قَوْلًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ، أيْ: فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا لَهُ. وقِيلَ: (ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ) بِالمَسْحُورِ والكاهِنِ والشّاعِرِ وغَيْرِهِ، (فَضَلُّوا) أخْطَئُوا الطَّرِيقَ فَلا يَجِدُونَ سَبِيلَ هِدايَةٍ ولا يُطِيقُونَهُ؛ لِالتِباسِهِمْ بِضِدِّهِ مِنَ الضَّلالِ. وقِيلَ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى حُجَّةٍ وبُرْهانٍ عَلى ما يَقُولُونَ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: هو بَلِيغٌ فَصِيحٌ يَتَقَوَّلُ القُرْآنَ مِن نَفْسِهِ ويَفْتَرِيهِ، ومَرَّةً: مَجْنُونٌ، ومَرَّةً: ساحِرٌ، ومَرَّةً: مَسْحُورٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَبَّهَ لَكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ الأشْباهَ بِقَوْلِهِمْ هو مَسْحُورٌ فَضَلُّوا بِذَلِكَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا إلى الحَقِّ الَّذِي بَعَثَكَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَجِدُونَ مَخْرَجًا يُخْرِجُهم عَنِ الأمْثالِ الَّتِي (ضَرَبُوا لَكَ) . ومَعْناهُ أنَّهم (ضَرَبُوا لَكَ) هَذِهِ لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى تَكْذِيبِكَ، (فَضَلُّوا) عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ وعَنْ بُلُوغِ ما أرادُوا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ (انْظُرْ كَيْفَ) (p-٤٨٤)اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها؛ لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ، لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ سَبِيلًا، إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ فِيما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَسْتَطِيعُونَ في أمْرِكَ حِيلَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: (سَبِيلًا) إلى الطَّعْنِ. ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ ما قالُوا قِيلَ: فِيما يُرْوى إنْ شِئْتَ أنْ نُعْطِيَكَ خَزائِنَ الدُّنْيا ومَفاتِيحَها، ولَمْ يُعْطَ ذَلِكَ أحَدٌ قَبْلَكَ ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِناقِصِكَ في الآخِرَةِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعْناهُ لَكَ في الآخِرَةِ فَقالَ: يُجْمَعُ لِي ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَنَزَلَ: (تَبارَكَ الَّذِي) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (تَبارَكَ): أيْ تَكاثَرَ خَيْرًا (الَّذِي إنْ شاءَ) وهَبَ لَكَ في الدُّنْيا (خَيْرًا) مِمّا قالُوا، وهو أنْ يَجْعَلَ لَكَ مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ مِنَ الجَنّاتِ والقُصُورِ، انْتَهى. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) الظّاهِرُ أنَّهُ إلى ما ذَكَرَهُ الكُفّارُ مِنَ الجَنَّةِ والكَنْزِ في الدُّنْيا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. ويَبْعُدُ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى أكْلِهِ الطَّعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَعْلَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا لَوْ شاءَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ ودَخَلَتْ (إنْ) عَلى المَشِيئَةِ تَنْبِيهًا أنَّهُ لا يُنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. والأوَّلُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِ الكُفّارِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، انْتَهى. ولا يَرُدُّهُ؛ لِأنَّ المَعْنى بِهِ مُتَمَكِّنٌ وهو عَطْفٌ عَلى ما حُكِيَ عَنْهم يَقُولُ: بَلْ أتى بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، وهو تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَجْعَلْ) بِالجَزْمِ، قالُوا عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ جَعَلَ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أُدْغِمَتْ لامُهُ في لامِ (لَكَ)، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو، والَّذِي قَرَأ بِالجَزْمِ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو، ولَيْسَ مِن مَذْهَبِ الثَّلاثَةِ إدْغامُ المِثْلَيْنِ إذا تَحَرَّكَ أوَّلُهُما، إنَّما هو مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو كَما ذَكَرْنا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وحُمَيْدٌ وأبُو بَكْرٍ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، بِالرَّفْعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والِاسْتِئْنافُ ووَجْهُهُ العَطْفُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (جَعَلَ)؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو مَوْضِعُ اسْتِئْنافٍ. ألا تَرى أنَّ الجُمَلَ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ قَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ ؟ وقالَ الحَوْفِيُّ: مَن رَفَعَ جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا مَنقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وبِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (ويَجْعَلُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (جَعَلَ)؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا وقَعَ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الجَزْمُ والرَّفْعُ، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ: لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ: إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الرَّفْعُ، لَيْسَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ؛ إذْ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وأنَّ هَذا المُضارِعَ المَرْفُوعَ النِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ، ولِكَوْنِ الجَوابِ مَحْذُوفًا لا يَكُونُ فِعْلُ الشَّرْطِ إلّا بِصِيغَةِ الماضِي. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ وأنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، وذَهَبَ غَيْرُ هَؤُلاءِ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ، ولَيْسَ عَلى حَذْفِ الفاءِ ولا عَلى التَّقْدِيمِ، ولَمّا لَمْ يَظْهَرْ لِأداةِ الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ في فِعْلِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ ماضِيَ اللَّفْظِ ضَعُفَ عَنِ العَمَلِ في فِعْلِ الجَوابِ فَلَمْ تَعْمَلْ فِيهِ، وبَقِيَ مَرْفُوعًا، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ فَصِيحٌ وأنَّهُ جائِزٌ في الكَلامِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: هو ضَرُورَةٌ إذْ لَمْ يَجِئْ إلّا في الشِّعْرِ، وهو عَلى إضْمارِ الفاءِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ (ويَجْعَلَ) بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي عَلى جَوابِ الشَّرْطِ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، انْتَهى. ونَظِيرُ هَذِهِ القِراءاتِ الثَّلاثِ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٤٨٥) ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذْ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ يُرْوى بِجَزْمِ نَأْخُذُ ورَفْعِهِ ونَصْبِهِ. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، قالَ الكَرْمانِيُّ: المَعْنى ما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ أكْلُكَ الطَّعامَ ولا مَشْيُكَ في السُّوقِ، بَلْ مَنَعَهم تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقِيلَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً بَلِ الحامِلُ عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما يَلِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، فَكَيْفَ يَلْتَفِتُونَ إلى هَذا الجَوابِ، وكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِتَعْجِيلِ مِثْلِ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ؟ ! انْتَهى. وبَلْ لِتَرْكِ اللَّفْظِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَعْناهُ وأخْذٍ في لَفْظٍ آخَرَ. (وأعْتَدْنا) جَعَلْناهُ مُعَدًّا. (سَعِيرًا) نارًا كَبِيرَةَ الإيقادِ. وعَنِ الحَسَنِ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (إذا رَأتْهم)، قِيلَ: هو حَقِيقَةٌ وإنَّ لِجَهَنَّمَ عَيْنَيْنِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أثَرٌ فَإنْ صَحَّ كانَ هو القَوْلَ الصَّحِيحَ. وإلّا كانَ مَجازًا، أيْ صارَتْ مِنهم بِقَدْرِ ما يَرى الرّائِي مِنَ البُعْدِ كَقَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى أيْ تَتَناظَرُ وتَتَقابَلُ، ومِنهُ: لا تَتَراءى ناراهُما. وقالَ قَوْمٌ: النّارُ اسْمٌ لِحَيَوانٍ نارِيٍّ يَتَكَلَّمُ ويَرى ويَسْمَعُ ويَتَغَيَّرُ ويَزْفِرُ؛ حَكاهُ الكَرْمانِيُّ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: رَأتْهم خَزَنَتُها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، قِيلَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وقِيلَ: مِائَةُ سَنَةٍ. وقِيلَ: سَنَةٌ. (سَمِعُوا لَها) صَوْتَ تَغَيُّظٍ؛ لِأنَّ التَّغَيُّظَ لا يُسْمَعُ، وإذا كانَ عَلى حَذْفِ المُضافِ كانَ المَعْنى تَغَيَّظُوا وزَفَرُوا غَضَبًا عَلى الكُفّارِ وشَهْوَةً لِلِانْتِقامِ مِنهم. وقِيلَ: (سَمِعُوا) صَوْتَ لَهِيبِها واشْتِعالِها، وقِيلَ: هو مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَيا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وهَذا مُخَرَّجٌ عَلى تَخْرِيجَيْنِ أحَدُهُما الحَذْفُ، أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا. والثّانِي: تَضْمِينٌ ضَمَّنَ مُتَقَلِّدًا مَعْنى مُتَسَلِّحًا فَكَذَلِكَ الآيَةُ، أيْ: (سَمِعُوا لَها) ورَأوْا ﴿تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ وعادَ كُلُّ واحِدٍ إلى ما يُناسِبُهُ. أوْ ضَمَّنَ (سَمِعُوا) مَعْنى أدْرَكُوا فَيَشْمَلُ التَّغَيُّظَ والزَّفِيرَ. وانْتَصَبَ (مَكانًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ في مَكانٍ ضَيِّقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ ضِيقَ الزَّجِّ في الرُّمْحِ مُقَرَّنِينَ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالسَّلاسِلِ. وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ضَيِّقًا) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو شَيْبَةَ صاحِبُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مُقَرَّنُونَ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، والوَجْهُ قِراءَةُ النّاسِ ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ووَجْهُها أنْ يَرْتَفِعَ عَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ: (أُلْقُوا) بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ، ونُصِبَ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ دُعاءُ الثُّبُورِ، وهي الهَلاكُ، فَيَقُولُونَ: واثُبُوراهُ ! أيْ يُقالُ: يا ثُبُورُ فَهَذا أوانُكَ. وقِيلَ: المَدْعُوُّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ دَعَوْا مَن لا يُجِيبُهم قائِلِينَ ثُبِرْنا ثُبُورًا. والثُّبُورُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الوَيْلُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى: ؎إذْ يُجارِي الشَّيْطانَ في سِنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ (لا تَدْعُوا اليَوْمَ) يُقالُ لَهم: (لا تَدْعُوا)، أوْ هم أحَقُّ أنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ، أيْ: لا تَقْتَصِرُوا عَلى حُزْنٍ واحِدٍ بَلِ احْزَنُوا حُزْنًا كَثِيرًا، وكَثْرَتُهُ إمّا لِدَيْمُومَةِ العَذابِ فَهو مُتَجِدِّدٌ دائِمًا، وإمّا لِأنَّهُ أنْواعٌ وكُلُّ نَوْعٍ يَكُونُ مِنهُ ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ (ثَبُورًا) بِفَتْحِ الثّاءِ في ثَلاثَتِها، وفَعُولٌ بِفَتْحِ الفاءِ في المَصادِرِ قَلِيلٌ، نَحْوُ البَتُولِ. وحَكى عَلِيُّ بْنُ عِيسى: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا الأمْرِ، أيْ: ما صَرَفَكَ. كَأنَّهم دَعَوْا بِما فَعَلُوا فَقالُوا: واصَرْفاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ! كَما تَقُولُ: وانَدامَتاهُ ! . رُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما يُنادِي بِذَلِكَ إبْلِيسُ، يَقُولُ: واثُبُوراهُ ! حَتّى يُكْسى حُلَّةً مِن جَهَنَّمَ يَضَعُها عَلى جَبِينِهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ، ثُمَّ يَتْبَعُهُ في القَوْلِ أتْباعُهُ، فَيَقُولُ لَهم خُزّانُ جَهَنَّمَ: (لا تَدْعُوا) الآيَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ خَطَلٍ وأصْحابِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ (p-٤٨٦)بِذَلِكَ إلى النّارِ وأحْوالِ أهْلِها. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والكَنْزِ في قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والقُصُورِ المَجْعُولَةِ في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ المَشِيئَةِ، و(خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ تَدُلُّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ، بَلْ هي عَلى ما جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ في بَيانِ فَضْلِ الشَّيْءِ وخُصُوصِيَّتِهِ بِالفَضْلِ دُونَ مُقابِلِهِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وكَقَوْلِ العَرَبِ: الشَّقاءُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ السَّعادَةُ. وكَقَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا؛ جازَ فِيهِ مَجِيءُ لَفْظِهِ لِلتَّفْضِيلِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ المُوقِفَ جائِزٌ لَهُ أنْ يُوقِفَ مُحاوِرَهُ عَلى ما شاءَ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ بِالصَّوابِ أوْ بِالخَطَأِ، وإنَّما مَنَعَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لِأنَّ فِيهِ مُخالَفَةً، وأمّا إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَذَلِكَ سائِغٌ، انْتَهى. وما ذَكَرَهُ يُخالِفُهُ قَوْلُهُ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وقَوْلُهُ ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣] فَإنَّ هَذا خَبَرٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُهم: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ إلّا إنْ تَقَيَّدَ الخَبَرُ بِأنَّهُ إذا كانَ واضِحًا الحُكْمُ فِيهِ لِلسّامِعِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِجُ في ذِهْنِهِ ولا يَتَرَدَّدُ أيُّهُما أفْضَلُ فَإنَّهُ يَجُوزُ. وضَمِيرُ (الَّتِي) مَحْذُوفٌ، أيْ: وعَدَها، وضَمِيرُ (ما يَشاءُونَ) كَذَلِكَ، أيْ: ما يَشاءُونَهُ، وفي قَوْلِهِ: ما يَشاءُونَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُصُولَ المُراداتِ بِأسْرِها لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ. وشَمَلَ قَوْلُهُ: (جَزاءً ومَصِيرًا) الثَّوابَ ومَحَلَّهُ كَما قالَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]، وفي ضِدِّهِ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]؛ لِأنَّهُ بِطِيبِ المَكانِ يَتَضاعَفُ النَّعِيمُ، كَما أنَّهُ بِرَداءَتِهِ يَتَضاعَفُ العَذابُ (وعْدًا)، أيْ: مَوْعُودًا، (مَسْئُولًا) سَألَتْهُ المَلائِكَةُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨]؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والنّاسُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿وعْدًا مَسْئُولًا﴾ أيْ: واجِبًا، يُقالُ لَأُعْطِيَنَّكَ ألْفًا وعْدًا مَسْئُولًا، أيْ: واجِبًا وإنْ لَمْ يُسْألْ. قِيلَ: وما قالَهُ الفَرّاءُ مُحالٌ، انْتَهى. ولَيْسَ مُحالًا؛ إذْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ هَذا الوَعْدُ الَّذِي وعَدْتَهُ أوْ بِصَدَدِ أنْ يُسْألَ، أيْ: مِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مَسْئُولًا. و(عَلى رَبِّكَ)، أيْ: بِسَبَبِ الوَعْدِ صارَ لا بُدَّ مْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ ذَلِكَ مَوْعُودًا واجِبًا عَلى رَبِّكَ إنْجازُهُ حَقِيقًا أنْ يُسْألَ ويُطْلَبَ لِأنَّهُ جَزاءٌ وأجْرٌ مُسْتَحَقٌّ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.

الفرقان 25:2

سُورَةُ الفُرْقانِ ﷽ (p-٤٧٩)﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ (p-٤٨٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقالَ الضَّحّاكُ مَدَنِيَّةٌ إلّا مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: (ولا نُشُورًا)، فَهو مَكِّيٌّ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وُجُوبَ مُبايَعَةِ المُؤْمِنِينَ لِلرَّسُولِ، وأنَّهم إذا كانُوا مَعَهُ في أمْرٍ مُهِمٍّ تَوَقَّفَ انْفِصالُ واحِدٍ مِنهم عَلى إذْنِهِ، وحَذَّرَ مَن يُخالِفُ أمْرَهُ، وذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما هم عَلَيْهِ ومُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ غايَةً في التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، ناسَبَ أنْ يَفْتَتِحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ في صِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ، كَثِيرُ الخَيْرِ، ومِن خَيْرِهِ أنَّهُ (نَزَّلَ الفُرْقانَ) عَلى رَسُولِهِ مُنْذِرًا لَهم، فَكانَ في ذَلِكَ إطْماعٌ في خَيْرِهِ وتَحْذِيرِهِ مِن عِقابِهِ. و(تَبارَكَ) تَفاعَلَ مُطاوِعُ بارَكَ وهو فِعْلٌ لا يَتَصَرَّفُ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ تَعالى، فَلا يَجِيءُ مِنهُ مُضارِعٌ ولا اسْمُ فاعِلٍ ولا مَصْدَرٌ. وقالَ الطِّرِمّاحُ: ؎تَبارَكْتَ لا مُعْطٍ لِشَيْءٍ مَنَعْتَهُ ولَيْسَ لِما أعْطَيْتَ يا رَبِّ مانِعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَزَلْ ولا يَزُولُ. وقالَ الخَلِيلُ: تَمَجَّدَ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعَظَّمَ. وحَكى الأصْمَعِيُّ تَبارَكْتُ عَلَيْكم مِن قَوْلِ عَرَبِيٍّ صَعِدَ رابِيَةً فَقالَ لِأصْحابِهِ ذَلِكَ، أيْ تَعالَيْتُ وارْتَفَعْتُ. فَفي هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ صِفَةَ ذاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: هو مِنَ البَرَكَةِ، وهو التَّزايُدُ في الخَيْرِ مِن قِبَلِهِ، فالمَعْنى زادَ خَيْرُهُ وعَطاؤُهُ وكَثُرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ وجاءَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى (الَّذِي)، وهم وإنْ كانُوا لا يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ فَقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى إعْجازِهِ، فَصارَتِ الصِّلَةُ مَعْلُومَةً بِحَسَبِ الدَّلِيلِ، وإنْ كانُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ. وتَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ لِمَ سُمِّيَ القُرْآنُ فُرْقانًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلى عَبْدِهِ)، وهو الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلى عِبادِهِ أيِ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، كَما قالَ (لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم)، (وما أُنْزِلَ إلَيْنا)، ويَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وبِعَبْدِهِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]، والضَّمِيرُ في (لِيَكُونَ) . قالَ ابْنُ زَيْدٍ: عائِدٌ عَلى (عَبْدِهِ) ويَتَرَجَّحُ بِأنَّهُ العُمْدَةُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلُ، وهو مِن وصْفِهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] . والظّاهِرُ أنَّ (نَذِيرًا) بِمَعْنى مُنْذِرٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ومِنهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] . و(لِلْعالَمِينَ) عامٌّ لِلْإنْسِ والجِنِّ، مِمَّنْ عاصَرَهُ أوْ جاءَ بَعْدَهُ، وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ الحَدِيثِ المُتَواتِرِ وظَواهِرِ الآياتِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ (لِلْعالَمِينَ) لِلْجِنِّ والإنْسِ، وهو تَفْسِيرٌ (لِلْعالَمِينَ) . ولَمّا سَبَقَ في أواخِرِ السُّورَةِ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٦٤]، فَكانَ إخْبارًا بِأنَّ ما فِيهِما مِلْكٌ لَهُ، أخْبَرَ هُنا أنَّهُ لَهُ مُلْكُهُما أيْ قَهْرُهُما وقَهْرُ ما فِيهِما، فاجْتَمَعَ لَهُ المِلْكُ والمُلْكُ لَهُما ولِما فِيهِما، و(الَّذِي) مَقْطُوعٌ لِلْمَدْحِ رَفْعًا أوْ نَصْبًا أوْ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ (الَّذِي نَزَّلَ)، وما بَعْدَ (نَزَّلَ) مِن تَمامِ الصِّلَةِ ومُتَعَلِّقٌ بِهِ فَلا يُعَدُّ فاصِلًا بَيْنَ النَّعْتِ أوِ البَدَلِ ومَتْبُوعِهِ. (ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا) الظّاهِرُ نُفْيُ الِاتِّخاذِ، أيْ: لَمْ يُنْزِلْ أحَدًا مَنزِلَةَ الوَلَدِ. وقِيلَ: المَعْنى لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، بِمَعْنى قَوْلِهِ: لَمْ يَلِدْ لِأنَّ التَّوالُدَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ. وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وعَلى النَّصارى واليَهُودِ النّاسِبِينَ لِلَّهِ الوَلَدَ. ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ورَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا. ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ في خَلْقِ الذَّواتِ وأفْعالِها. قِيلَ: وفي (p-٤٨١)الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، مِمّا يَصِحُّ خَلْقُهُ لِتَخْرُجَ عَنْهُ ذاتُهُ وصِفاتُهُ القَدِيمَةُ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: أكْرَمْتُ كُلَّ رَجُلٍ لا يَدْخُلُ هو في العُمُومِ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ في عُمُومِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ذاتُهُ تَعالى ولا صِفاتُهُ القَدِيمَةُ. (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) إنْ كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، فَكَيْفَ جاءَ (فَقَدَّرَهُ) إذْ يَصِيرُ المَعْنى وقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ يُقَدِّرُهُ (تَقْدِيرًا) . فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّهُ أحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إحْداثًا مُراعًى فِيهِ التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ، فَقَدَّرَهُ وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، أوْ سُمِّيَ إحْداثُ اللَّهِ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ لا يُحْدِثُ شَيْئًا لِحِكْمَتِهِ إلّا عَلى وجْهِ التَّقْدِيرِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ. فَإذا قِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ كَذا، فَهو بِمَنزِلَةِ إحْداثِ اللَّهِ وأوْجَدَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى وجْهِ الِاشْتِقاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ في إيجادِهِ مُتَفاوِتًا. وقِيلَ: فَجَعَلَ لَهُ غايَةً ومُنْتَهًى، ومَعْناهُ (فَقَدَّرَهُ) لِلْبَقاءِ إلى أمَدٍ مَعْلُومٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ الأشْياءِ هو حَدُّها بِالأمْكِنَةِ والأزْمانِ والمَقادِيرِ والمَصْلَحَةِ والإتْقانِ، انْتَهى. ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ الضَّمِيرُ في (واتَّخَذُوا) عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ﴾، دَلالَةً عَلى ذَلِكَ لَمْ يُنْفَ إلّا وقَدْ قِيلَ بِهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: الواوُ ضَمِيرٌ لِلْكُفّارِ وهم مُنْدَرِجُونَ في قَوْلِهِ: (لِلْعالَمِينَ) . وقِيلَ: لَفْظُ (نَذِيرًا) يُنْبِئُ عَنْهم؛ لِأنَّهُمُ المُنْذَرُونَ ويَنْدَرِجُ في (واتَّخَذُوا) كُلُّ مَنِ ادَّعى إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعُبّادِ الأوْثانِ وعُبّادِ الكَواكِبِ. وقالَ القاضِي: يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ النَّصارى؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً عَلى الجَمْعِ. والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّ لِعُبّادِها كَثْرَةً، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما قالَ؛ لِأنَّ (واتَّخَذُوا) جَمْعٌ و(آلِهَةٌ) جَمْعٌ، وإذا قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ تَقابَلَ الفَرْدُ بِالفَرْدِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُقابَلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ فَيَنْدَرِجُ مَعْبُودُ النَّصارى في لَفْظِ (آلِهَةً) . ثُمَّ وصَفَ الآلِهَةَ بِانْتِفاءِ إنْشائِهِمْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إشارَةً إلى انْتِفاءِ القُدْرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ ذاتًا أوْ مَصْنُوعُونَ بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، وهَذا أبْلَغُ في الخَساسَةِ، ونِسْبَةُ الخَلْقِ لِلْبَشَرِ تَجُوزُ. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلْقُ بِمَعْنى الِافْتِعالِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، والمَعْنى أنَّهم آثَرُوا عَلى عِبادَتِهِ عِبادَةَ آلِهَةٍ لا عَجْزَ أبْيَنُ مِن عَجْزِهِمْ، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ ولا أفْعالِ العِبادِ حَيْثُ لا يَفْتَعِلُونَ شَيْئًا وهم يُفْتَعَلُونَ؛ لِأنَّ عَبَدَتَهم يَصْنَعُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ. ﴿ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ﴾ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْها ولا جَلْبَ نَفْعٍ إلَيْها وهم يَسْتَطِيعُونَ، وإذا عَجَزُوا عَنِ الِافْتِعالِ ودَفْعِ الضَّرَرِ وجَلْبِ النَّفْعِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ العِبادُ كانُوا عَنِ المَوْتِ والحَياةِ والنُّشُورِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ أعْجَزَ. (وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأتْباعُهُ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ. ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ ألْقَوْا أخْبارَ الأُمَمِ إلَيْهِ. وقِيلَ: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وكانُوا كِتابِيِّينَ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ أسْلَمُوا وكانَ الرَّسُولُ يَتَعَهَّدُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشارُوا إلى قَوْمٍ عَبِيدٍ كانُوا لِلْعَرَبِ مِنَ الفُرْسِ أبُو فُكَيْهَةَ مَوْلى الحَضْرَمِيِّينَ. وجَبْرٌ ويَسارٌ وعَدّاسٌ وغَيْرُهم. وقالَ الضَّحّاكُ: عَنَوْا أبا فُكَيْهَةَ الرُّومِيَّ. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنَوْا بِقَوْمٍ آخَرِينَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ آخَرَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الأوَّلِ، انْتَهى. وما قالَهُ لا يَلْزَمُ لِلِاشْتِراكِ في جِنْسِ الإنْسانِ، ولا يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ في الوَصْفِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] فَقَدِ اشْتَرَكَتا في مُطْلَقِ الفِئَةِ، واخْتَلَفَتا في الوَصْفِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَقَدْ جاءُوا) عائِدٌ عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ورَدُوا ظُلْمًا، كَما تَقُولُ: جِئْتُ المَكانَ فَيَكُونُ جاءَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ؛ قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ الجارُّ أيْ بِظُلْمٍ (p-٤٨٢)وزُورٍ ويَصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا جاءَ يُسْتَعْمَلُ بِهَذَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ، وظُلْمُهم أنْ جَعَلُوا العَرَبِيَّ يَتَلَقَّنُ مِنَ العَجَمِيِّ كَلامًا عَرَبِيًّا أعْجَزَ بِفَصاحَتِهِ جَمِيعَ فُصَحاءِ العَرَبِ، والزُّورُ أنْ بَهَتُوهُ بِنِسْبَةِ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ، والضَّمِيرُ في (وقالُوا) لِلْكُفّارِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ﴿اكْتَتَبَها﴾ أيْ: جَمَعَها، مِن قَوْلِهِمْ: كَتَبَ الشَّيْءَ، أيْ: جَمَعَهُ، أوْ مِنَ الكِتابَةِ، أيْ: كَتَبَها بِيَدِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَذِبِهِمْ عَلَيْهِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكْتُبُ، ويَكُونُ كاسْتَكَبَّ الماءَ واصْطَبَّهُ أيْ سَكَبَهُ وصَبَّهُ. ويَكُونُ لَفْظُ افْتَعَلَ مُشْعِرًا بِالتَّكَلُّفِ والِاعْتِمالِ، أوْ بِمَعْنى أمَرَ أنْ يُكْتَبَ، كَقَوْلِهِمُ احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُلْقى عَلَيْهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى المُتَحَفِّظِ كَصُورَةِ الإمْلاءِ عَلى الكاتِبِ. و﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أوْ هَذِهِ (أساطِيرُ)، و(اكْتَتَبَها) خَبَرٌ ثانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أساطِيرُ) مُبْتَدَأً و(اكْتَتَبَها) الخَبَرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (اكْتَتَبَها) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقِراءَةُ طَلْحَةَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى (اكْتَتَبَها) كاتِبٌ لَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ بِيَدِهِ وذَلِكَ مِن تَمامِ إعْجازِهِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ فَأفْضى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو إيّاهُ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا بَعْدَ أنْ كانَ بارِزًا مَنصُوبًا، وبَقِيَ ضَمِيرُ الأساطِيرِ عَلى حالِهِ، فَصارَ (اكْتَتَبَها) كَما تَرى، انْتَهى. وهو مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ (اكْتَتَبَها) لَهُ كاتِبٌ وُصِلَ فِيهِ اكْتَتَبَ لِمَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما: مُسَرَّحٌ وهو ضَمِيرُ الأساطِيرِ، والآخَرُ: مُقَيَّدٌ وهو ضَمِيرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ اتُّسِعَ في الفِعْلِ فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، فَإذا بُنِيَ هَذا الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ إنَّما يَنُوبُ عَنِ الفاعِلِ المَفْعُولُ المُسَرَّحُ لَفْظًا وتَقْدِيرًا لا المُسَرَّحُ لَفْظًا المُقَيَّدُ تَقْدِيرًا، فَعَلى هَذا كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ اكْتَتَبَتْهُ لا (اكْتَتَبَها) وعَلى هَذا الَّذِي قُلْناهُ جاءَ السَّماعُ عَنِ العَرَبِ في هَذا النَّوْعِ، الَّذِي أحَدُ المَفْعُولَيْنِ فِيهِ مُسَرَّحٌ لَفْظًا وتَقْدِيرًا، والآخَرُ مُسَرَّحٌ لَفْظًا لا تَقْدِيرًا. قالَ الشّاعِرُ - وهو الفَرَزْدَقُ -: ؎ومِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالَ سَماحَةً ∗∗∗ وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزُّعازِعُ ولَوْ جاءَ عَلى ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَجاءَ التَّرْكِيبُ: ومِنّا الَّذِي اخُتِيرَهُ الرِّجالَ؛ لِأنَّ اخْتارَ تَعَدّى إلى الرِّجالِ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ إذْ تَقْدِيرُهُ اخْتِيرَ مِنَ الرِّجالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الكُفّارِ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - يُكَذِّبُهم وإنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فَتَحْتَ الهَمْزَةَ في (اكْتَتَبَها) لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎أفْرَحُ إنْ أُرْزَأ الكِرامُ وأنْ ∗∗∗ آخُذَ ذَوْدًا شَصايِصًا نَبَلا وحُقَّ لِلْحَسَنِ أنْ يَقِفَ عَلى الأوَّلِينَ. والظّاهِرُ تَقْيِيدُ الإمْلاءِ بِوَقْتِ انْتِشارِ النّاسِ وحِينِ الإيواءِ إلى مَساكِنِهِمْ، وهُما البُكْرَةُ والأصِيلُ، أوْ يَكُونانِ عِبارَةً عَنِ الدَّيْمُومَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى ”فَهي تُتْلى“ بِالتّاءِ بَدَلَ المِيمِ. ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ كُلَّ سِرٍّ خَفِيٍّ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذا وهو وصْفُهُ تَعالى بِالعِلْمِ؛ لِأنَّ هَذا القُرْآنَ لَمْ يَكُنْ لِيَصْدُرَ إلّا مِن عَلّامٍ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِن إعْجازِ التَّرْكِيبِ الَّذِي لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِن أحَدٍ، ولَوِ اسْتَعانَ بِالعالَمِ كُلِّهِمْ ولِاشْتِمالِهِ عَلى مَصالِحِ العالَمِ وعَلى أنْواعِ العُلُومِ، واكْتَفى بِعِلْمِ السِّرِّ؛ لِأنَّ ما سِواهُ أوْلى أنْ يَتَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِهِ، أوْ (يَعْلَمُ) ما تُسِرُّونَ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ مَعَ عِلْمِكم بِبُطْلِ ما تَقُولُونَ فَهو مُجازِيكم، ﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ إطْماعٌ في أنَّهم إذا تابُوا غَفَرَ لَهم ما فَرَطَ مِن كُفْرِهِمْ ورَحِمَهم. أوْ (غَفُورًا رَحِيمًا) في كَوْنِهِ أمْهَلَكم ولَمْ يُعاجِلْكم عَلى ما اسْتَوْجَبْتُمُوهُ مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ (p-٤٨٣)مُكابَرَتِكم، أوْ لَمّا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى العِقابِ أعْقَبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعاقِبَ. (وقالُوا) الضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وكانُوا قَدْ جَمَعَهم والرَّسُولَ مَجْلِسٌ مَشْهُورٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيَرِ فَقالَ عُتْبَةُ وغَيْرُهُ: إنْ كُنْتَ تُحِبُّ الرِّئاسَةَ ولَّيْناكَ عَلَيْنا، أوِ المالَ جَمَعْنا لَكَ، فَلَمّا أبى عَلَيْهِمُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: ما لَكَ وأنْتَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ تَأْكُلُ الطَّعامَ، وتَقِفُ بِالأسْواقِ لِالتِماسِ الرِّزْقِ؛ سَلْ رَبَّكَ أنْ يُنْزِلَ مَعَكَ مَلَكًا يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقِيَ إلَيْكَ كَنْزًا تُنْفِقُ مِنهُ، أوْ يَرُدَّ لَكَ جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا وتُزالَ الجِبالُ، ويَكُونَ مَكانَها جَنّاتٌ تَطَّرِدُ فِيها المِياهُ، وأشاعُوا هَذِهِ المُحاجَّةَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ لامُ الجَرِّ مَفْصُولَةً مِن (هَذا)، وهَذا اسْتِفْهامٌ يَصْحَبُهُ اسْتِهْزاءٌ، أيْ: (مالِ هَذا) الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولٌ أنْكَرُوا عَلَيْهِ ما هو عادَةٌ لِلرُّسُلِ، كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، أيْ: حالُهُ كَحالِنا، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأكْلِ والتَّعَيُّشِ، ثُمَّ قالُوا: وهَبْ أنَّهُ بَشَرٌ فَهَلّا أُرْفِدَ بِمَلَكٍ يُنْذِرُ مَعَهُ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّماءِ يَسْتَظْهِرُ بِهِ ولا يَحْتاجُ إلى تَحْصِيلِ المَعاشِ. ثُمَّ اقْتَنَعُوا بِأنْ يَكُونَ لَهُ بُسْتانٌ يَأْكُلُ مِنهُ ويَرْتَزِقُ كالمَياسِيرِ. وقُرِئَ ”فَتَكُونُ“ بِالرَّفْعِ، حَكاهُ أبُو مُعاذٍ عَطْفًا عَلى (أُنْزِلَ)؛ لِأنَّ (أُنْزِلَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهو ماضٍ وقَعَ مَوْقِعَ المُضارِعِ، أيْ: هَلّا يَنْزِلُ إلَيْهِ مَلَكٌ، أوْ هو جَوابُ التَّحْضِيضِ عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو يَكُونُ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ. وقَوْلُهُ: (أوْ يُلْقى) (أوْ) يَكُونُ عُطِفَ عَلى (أُنْزِلَ) أيْ لَوْلا يَنْزِلُ، فَيَكُونُ المَطْلُوبُ أحَدَ هَذِهِ الأُمُورِ أوْ مَجْمُوعَها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ القائِلِينَ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ في (أوْ يُلْقى) ولا في (أوْ تَكُونُ) عَطْفًا عَلى (فَيَكُونَ)؛ لِأنَّهُما في حُكْمِ المَطْلُوبِ بِالتَّحْضِيضِ لا في حُكْمِ الجَوابِ لِقَوْلِهِ: (لَوْلا أُنْزِلَ) . وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ: ”أوْ يَكُونُ“ بِالياءِ مِن تَحْتُ. وقَرَأ (يَأْكُلُ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيِ: الرَّسُولُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِنُونِ الجَمْعِ، أيْ: يَأْكُلُونَ هم مِن ذَلِكَ البُسْتانِ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ في دُنْياهم ومَعاشِهِمْ. (وقالَ الظّالِمُونَ) أيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ فِيما قالُوهُ، انْتَهى. وتَرْكِيبُهُ وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ لَيْسَ تَرْكِيبًا سائِغًا، بَلِ التَّرْكِيبُ العَرَبِيُّ أنْ يَقُولَ: وأرادَهم بِأعْيانِهِمْ بِالظّالِمِينَ (مَسْحُورًا) غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ السِّحْرُ وهَذا أظْهَرُ، أوْ ذا سَحْرٍ وهو الرِّئَةُ، أوْ يُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ، أيْ: يُغَذّى، أوْ أُصِيبَ سَحْرُهُ كَما تَقُولُ رَأسْتُهُ أصَبْتُ رَأْسَهُ. وقِيلَ: (مَسْحُورًا) ساحِرًا عَنَوْا بِهِ أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم لا مَلَكٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في الإسْراءِ وبِهَذَيْنِ القَوْلَيْنِ قِيلَ: والقائِلُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ ومَن تابَعَهم. ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: قالُوا فِيكَ تِلْكَ الأقْوالَ واخْتَرَعُوا لَكَ تِلْكَ الصِّفاتِ والأحْوالَ النّادِرَةَ مِن نُبُوَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ إنْسانٍ ومَلَكٍ، وإلْقاءِ كَنْزٍ عَلَيْكَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ ضُلّالًا لا يَجِدُونَ قَوْلًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ، أيْ: فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا لَهُ. وقِيلَ: (ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ) بِالمَسْحُورِ والكاهِنِ والشّاعِرِ وغَيْرِهِ، (فَضَلُّوا) أخْطَئُوا الطَّرِيقَ فَلا يَجِدُونَ سَبِيلَ هِدايَةٍ ولا يُطِيقُونَهُ؛ لِالتِباسِهِمْ بِضِدِّهِ مِنَ الضَّلالِ. وقِيلَ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى حُجَّةٍ وبُرْهانٍ عَلى ما يَقُولُونَ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: هو بَلِيغٌ فَصِيحٌ يَتَقَوَّلُ القُرْآنَ مِن نَفْسِهِ ويَفْتَرِيهِ، ومَرَّةً: مَجْنُونٌ، ومَرَّةً: ساحِرٌ، ومَرَّةً: مَسْحُورٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَبَّهَ لَكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ الأشْباهَ بِقَوْلِهِمْ هو مَسْحُورٌ فَضَلُّوا بِذَلِكَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا إلى الحَقِّ الَّذِي بَعَثَكَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَجِدُونَ مَخْرَجًا يُخْرِجُهم عَنِ الأمْثالِ الَّتِي (ضَرَبُوا لَكَ) . ومَعْناهُ أنَّهم (ضَرَبُوا لَكَ) هَذِهِ لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى تَكْذِيبِكَ، (فَضَلُّوا) عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ وعَنْ بُلُوغِ ما أرادُوا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ (انْظُرْ كَيْفَ) (p-٤٨٤)اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها؛ لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ، لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ سَبِيلًا، إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ فِيما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَسْتَطِيعُونَ في أمْرِكَ حِيلَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: (سَبِيلًا) إلى الطَّعْنِ. ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ ما قالُوا قِيلَ: فِيما يُرْوى إنْ شِئْتَ أنْ نُعْطِيَكَ خَزائِنَ الدُّنْيا ومَفاتِيحَها، ولَمْ يُعْطَ ذَلِكَ أحَدٌ قَبْلَكَ ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِناقِصِكَ في الآخِرَةِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعْناهُ لَكَ في الآخِرَةِ فَقالَ: يُجْمَعُ لِي ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَنَزَلَ: (تَبارَكَ الَّذِي) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (تَبارَكَ): أيْ تَكاثَرَ خَيْرًا (الَّذِي إنْ شاءَ) وهَبَ لَكَ في الدُّنْيا (خَيْرًا) مِمّا قالُوا، وهو أنْ يَجْعَلَ لَكَ مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ مِنَ الجَنّاتِ والقُصُورِ، انْتَهى. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) الظّاهِرُ أنَّهُ إلى ما ذَكَرَهُ الكُفّارُ مِنَ الجَنَّةِ والكَنْزِ في الدُّنْيا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. ويَبْعُدُ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى أكْلِهِ الطَّعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَعْلَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا لَوْ شاءَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ ودَخَلَتْ (إنْ) عَلى المَشِيئَةِ تَنْبِيهًا أنَّهُ لا يُنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. والأوَّلُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِ الكُفّارِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، انْتَهى. ولا يَرُدُّهُ؛ لِأنَّ المَعْنى بِهِ مُتَمَكِّنٌ وهو عَطْفٌ عَلى ما حُكِيَ عَنْهم يَقُولُ: بَلْ أتى بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، وهو تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَجْعَلْ) بِالجَزْمِ، قالُوا عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ جَعَلَ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أُدْغِمَتْ لامُهُ في لامِ (لَكَ)، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو، والَّذِي قَرَأ بِالجَزْمِ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو، ولَيْسَ مِن مَذْهَبِ الثَّلاثَةِ إدْغامُ المِثْلَيْنِ إذا تَحَرَّكَ أوَّلُهُما، إنَّما هو مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو كَما ذَكَرْنا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وحُمَيْدٌ وأبُو بَكْرٍ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، بِالرَّفْعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والِاسْتِئْنافُ ووَجْهُهُ العَطْفُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (جَعَلَ)؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو مَوْضِعُ اسْتِئْنافٍ. ألا تَرى أنَّ الجُمَلَ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ قَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ ؟ وقالَ الحَوْفِيُّ: مَن رَفَعَ جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا مَنقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وبِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (ويَجْعَلُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (جَعَلَ)؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا وقَعَ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الجَزْمُ والرَّفْعُ، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ: لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ: إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الرَّفْعُ، لَيْسَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ؛ إذْ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وأنَّ هَذا المُضارِعَ المَرْفُوعَ النِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ، ولِكَوْنِ الجَوابِ مَحْذُوفًا لا يَكُونُ فِعْلُ الشَّرْطِ إلّا بِصِيغَةِ الماضِي. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ وأنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، وذَهَبَ غَيْرُ هَؤُلاءِ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ، ولَيْسَ عَلى حَذْفِ الفاءِ ولا عَلى التَّقْدِيمِ، ولَمّا لَمْ يَظْهَرْ لِأداةِ الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ في فِعْلِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ ماضِيَ اللَّفْظِ ضَعُفَ عَنِ العَمَلِ في فِعْلِ الجَوابِ فَلَمْ تَعْمَلْ فِيهِ، وبَقِيَ مَرْفُوعًا، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ فَصِيحٌ وأنَّهُ جائِزٌ في الكَلامِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: هو ضَرُورَةٌ إذْ لَمْ يَجِئْ إلّا في الشِّعْرِ، وهو عَلى إضْمارِ الفاءِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ (ويَجْعَلَ) بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي عَلى جَوابِ الشَّرْطِ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، انْتَهى. ونَظِيرُ هَذِهِ القِراءاتِ الثَّلاثِ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٤٨٥) ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذْ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ يُرْوى بِجَزْمِ نَأْخُذُ ورَفْعِهِ ونَصْبِهِ. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، قالَ الكَرْمانِيُّ: المَعْنى ما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ أكْلُكَ الطَّعامَ ولا مَشْيُكَ في السُّوقِ، بَلْ مَنَعَهم تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقِيلَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً بَلِ الحامِلُ عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما يَلِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، فَكَيْفَ يَلْتَفِتُونَ إلى هَذا الجَوابِ، وكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِتَعْجِيلِ مِثْلِ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ؟ ! انْتَهى. وبَلْ لِتَرْكِ اللَّفْظِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَعْناهُ وأخْذٍ في لَفْظٍ آخَرَ. (وأعْتَدْنا) جَعَلْناهُ مُعَدًّا. (سَعِيرًا) نارًا كَبِيرَةَ الإيقادِ. وعَنِ الحَسَنِ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (إذا رَأتْهم)، قِيلَ: هو حَقِيقَةٌ وإنَّ لِجَهَنَّمَ عَيْنَيْنِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أثَرٌ فَإنْ صَحَّ كانَ هو القَوْلَ الصَّحِيحَ. وإلّا كانَ مَجازًا، أيْ صارَتْ مِنهم بِقَدْرِ ما يَرى الرّائِي مِنَ البُعْدِ كَقَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى أيْ تَتَناظَرُ وتَتَقابَلُ، ومِنهُ: لا تَتَراءى ناراهُما. وقالَ قَوْمٌ: النّارُ اسْمٌ لِحَيَوانٍ نارِيٍّ يَتَكَلَّمُ ويَرى ويَسْمَعُ ويَتَغَيَّرُ ويَزْفِرُ؛ حَكاهُ الكَرْمانِيُّ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: رَأتْهم خَزَنَتُها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، قِيلَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وقِيلَ: مِائَةُ سَنَةٍ. وقِيلَ: سَنَةٌ. (سَمِعُوا لَها) صَوْتَ تَغَيُّظٍ؛ لِأنَّ التَّغَيُّظَ لا يُسْمَعُ، وإذا كانَ عَلى حَذْفِ المُضافِ كانَ المَعْنى تَغَيَّظُوا وزَفَرُوا غَضَبًا عَلى الكُفّارِ وشَهْوَةً لِلِانْتِقامِ مِنهم. وقِيلَ: (سَمِعُوا) صَوْتَ لَهِيبِها واشْتِعالِها، وقِيلَ: هو مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَيا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وهَذا مُخَرَّجٌ عَلى تَخْرِيجَيْنِ أحَدُهُما الحَذْفُ، أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا. والثّانِي: تَضْمِينٌ ضَمَّنَ مُتَقَلِّدًا مَعْنى مُتَسَلِّحًا فَكَذَلِكَ الآيَةُ، أيْ: (سَمِعُوا لَها) ورَأوْا ﴿تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ وعادَ كُلُّ واحِدٍ إلى ما يُناسِبُهُ. أوْ ضَمَّنَ (سَمِعُوا) مَعْنى أدْرَكُوا فَيَشْمَلُ التَّغَيُّظَ والزَّفِيرَ. وانْتَصَبَ (مَكانًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ في مَكانٍ ضَيِّقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ ضِيقَ الزَّجِّ في الرُّمْحِ مُقَرَّنِينَ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالسَّلاسِلِ. وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ضَيِّقًا) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو شَيْبَةَ صاحِبُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مُقَرَّنُونَ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، والوَجْهُ قِراءَةُ النّاسِ ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ووَجْهُها أنْ يَرْتَفِعَ عَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ: (أُلْقُوا) بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ، ونُصِبَ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ دُعاءُ الثُّبُورِ، وهي الهَلاكُ، فَيَقُولُونَ: واثُبُوراهُ ! أيْ يُقالُ: يا ثُبُورُ فَهَذا أوانُكَ. وقِيلَ: المَدْعُوُّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ دَعَوْا مَن لا يُجِيبُهم قائِلِينَ ثُبِرْنا ثُبُورًا. والثُّبُورُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الوَيْلُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى: ؎إذْ يُجارِي الشَّيْطانَ في سِنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ (لا تَدْعُوا اليَوْمَ) يُقالُ لَهم: (لا تَدْعُوا)، أوْ هم أحَقُّ أنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ، أيْ: لا تَقْتَصِرُوا عَلى حُزْنٍ واحِدٍ بَلِ احْزَنُوا حُزْنًا كَثِيرًا، وكَثْرَتُهُ إمّا لِدَيْمُومَةِ العَذابِ فَهو مُتَجِدِّدٌ دائِمًا، وإمّا لِأنَّهُ أنْواعٌ وكُلُّ نَوْعٍ يَكُونُ مِنهُ ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ (ثَبُورًا) بِفَتْحِ الثّاءِ في ثَلاثَتِها، وفَعُولٌ بِفَتْحِ الفاءِ في المَصادِرِ قَلِيلٌ، نَحْوُ البَتُولِ. وحَكى عَلِيُّ بْنُ عِيسى: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا الأمْرِ، أيْ: ما صَرَفَكَ. كَأنَّهم دَعَوْا بِما فَعَلُوا فَقالُوا: واصَرْفاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ! كَما تَقُولُ: وانَدامَتاهُ ! . رُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما يُنادِي بِذَلِكَ إبْلِيسُ، يَقُولُ: واثُبُوراهُ ! حَتّى يُكْسى حُلَّةً مِن جَهَنَّمَ يَضَعُها عَلى جَبِينِهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ، ثُمَّ يَتْبَعُهُ في القَوْلِ أتْباعُهُ، فَيَقُولُ لَهم خُزّانُ جَهَنَّمَ: (لا تَدْعُوا) الآيَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ خَطَلٍ وأصْحابِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ (p-٤٨٦)بِذَلِكَ إلى النّارِ وأحْوالِ أهْلِها. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والكَنْزِ في قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والقُصُورِ المَجْعُولَةِ في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ المَشِيئَةِ، و(خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ تَدُلُّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ، بَلْ هي عَلى ما جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ في بَيانِ فَضْلِ الشَّيْءِ وخُصُوصِيَّتِهِ بِالفَضْلِ دُونَ مُقابِلِهِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وكَقَوْلِ العَرَبِ: الشَّقاءُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ السَّعادَةُ. وكَقَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا؛ جازَ فِيهِ مَجِيءُ لَفْظِهِ لِلتَّفْضِيلِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ المُوقِفَ جائِزٌ لَهُ أنْ يُوقِفَ مُحاوِرَهُ عَلى ما شاءَ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ بِالصَّوابِ أوْ بِالخَطَأِ، وإنَّما مَنَعَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لِأنَّ فِيهِ مُخالَفَةً، وأمّا إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَذَلِكَ سائِغٌ، انْتَهى. وما ذَكَرَهُ يُخالِفُهُ قَوْلُهُ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وقَوْلُهُ ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣] فَإنَّ هَذا خَبَرٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُهم: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ إلّا إنْ تَقَيَّدَ الخَبَرُ بِأنَّهُ إذا كانَ واضِحًا الحُكْمُ فِيهِ لِلسّامِعِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِجُ في ذِهْنِهِ ولا يَتَرَدَّدُ أيُّهُما أفْضَلُ فَإنَّهُ يَجُوزُ. وضَمِيرُ (الَّتِي) مَحْذُوفٌ، أيْ: وعَدَها، وضَمِيرُ (ما يَشاءُونَ) كَذَلِكَ، أيْ: ما يَشاءُونَهُ، وفي قَوْلِهِ: ما يَشاءُونَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُصُولَ المُراداتِ بِأسْرِها لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ. وشَمَلَ قَوْلُهُ: (جَزاءً ومَصِيرًا) الثَّوابَ ومَحَلَّهُ كَما قالَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]، وفي ضِدِّهِ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]؛ لِأنَّهُ بِطِيبِ المَكانِ يَتَضاعَفُ النَّعِيمُ، كَما أنَّهُ بِرَداءَتِهِ يَتَضاعَفُ العَذابُ (وعْدًا)، أيْ: مَوْعُودًا، (مَسْئُولًا) سَألَتْهُ المَلائِكَةُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨]؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والنّاسُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿وعْدًا مَسْئُولًا﴾ أيْ: واجِبًا، يُقالُ لَأُعْطِيَنَّكَ ألْفًا وعْدًا مَسْئُولًا، أيْ: واجِبًا وإنْ لَمْ يُسْألْ. قِيلَ: وما قالَهُ الفَرّاءُ مُحالٌ، انْتَهى. ولَيْسَ مُحالًا؛ إذْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ هَذا الوَعْدُ الَّذِي وعَدْتَهُ أوْ بِصَدَدِ أنْ يُسْألَ، أيْ: مِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مَسْئُولًا. و(عَلى رَبِّكَ)، أيْ: بِسَبَبِ الوَعْدِ صارَ لا بُدَّ مْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ ذَلِكَ مَوْعُودًا واجِبًا عَلى رَبِّكَ إنْجازُهُ حَقِيقًا أنْ يُسْألَ ويُطْلَبَ لِأنَّهُ جَزاءٌ وأجْرٌ مُسْتَحَقٌّ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.

الفرقان 25:3

سُورَةُ الفُرْقانِ ﷽ (p-٤٧٩)﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ (p-٤٨٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقالَ الضَّحّاكُ مَدَنِيَّةٌ إلّا مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: (ولا نُشُورًا)، فَهو مَكِّيٌّ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وُجُوبَ مُبايَعَةِ المُؤْمِنِينَ لِلرَّسُولِ، وأنَّهم إذا كانُوا مَعَهُ في أمْرٍ مُهِمٍّ تَوَقَّفَ انْفِصالُ واحِدٍ مِنهم عَلى إذْنِهِ، وحَذَّرَ مَن يُخالِفُ أمْرَهُ، وذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما هم عَلَيْهِ ومُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ غايَةً في التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، ناسَبَ أنْ يَفْتَتِحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ في صِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ، كَثِيرُ الخَيْرِ، ومِن خَيْرِهِ أنَّهُ (نَزَّلَ الفُرْقانَ) عَلى رَسُولِهِ مُنْذِرًا لَهم، فَكانَ في ذَلِكَ إطْماعٌ في خَيْرِهِ وتَحْذِيرِهِ مِن عِقابِهِ. و(تَبارَكَ) تَفاعَلَ مُطاوِعُ بارَكَ وهو فِعْلٌ لا يَتَصَرَّفُ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ تَعالى، فَلا يَجِيءُ مِنهُ مُضارِعٌ ولا اسْمُ فاعِلٍ ولا مَصْدَرٌ. وقالَ الطِّرِمّاحُ: ؎تَبارَكْتَ لا مُعْطٍ لِشَيْءٍ مَنَعْتَهُ ولَيْسَ لِما أعْطَيْتَ يا رَبِّ مانِعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَزَلْ ولا يَزُولُ. وقالَ الخَلِيلُ: تَمَجَّدَ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعَظَّمَ. وحَكى الأصْمَعِيُّ تَبارَكْتُ عَلَيْكم مِن قَوْلِ عَرَبِيٍّ صَعِدَ رابِيَةً فَقالَ لِأصْحابِهِ ذَلِكَ، أيْ تَعالَيْتُ وارْتَفَعْتُ. فَفي هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ صِفَةَ ذاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: هو مِنَ البَرَكَةِ، وهو التَّزايُدُ في الخَيْرِ مِن قِبَلِهِ، فالمَعْنى زادَ خَيْرُهُ وعَطاؤُهُ وكَثُرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ وجاءَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى (الَّذِي)، وهم وإنْ كانُوا لا يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ فَقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى إعْجازِهِ، فَصارَتِ الصِّلَةُ مَعْلُومَةً بِحَسَبِ الدَّلِيلِ، وإنْ كانُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ. وتَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ لِمَ سُمِّيَ القُرْآنُ فُرْقانًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلى عَبْدِهِ)، وهو الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلى عِبادِهِ أيِ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، كَما قالَ (لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم)، (وما أُنْزِلَ إلَيْنا)، ويَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وبِعَبْدِهِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]، والضَّمِيرُ في (لِيَكُونَ) . قالَ ابْنُ زَيْدٍ: عائِدٌ عَلى (عَبْدِهِ) ويَتَرَجَّحُ بِأنَّهُ العُمْدَةُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلُ، وهو مِن وصْفِهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] . والظّاهِرُ أنَّ (نَذِيرًا) بِمَعْنى مُنْذِرٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ومِنهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] . و(لِلْعالَمِينَ) عامٌّ لِلْإنْسِ والجِنِّ، مِمَّنْ عاصَرَهُ أوْ جاءَ بَعْدَهُ، وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ الحَدِيثِ المُتَواتِرِ وظَواهِرِ الآياتِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ (لِلْعالَمِينَ) لِلْجِنِّ والإنْسِ، وهو تَفْسِيرٌ (لِلْعالَمِينَ) . ولَمّا سَبَقَ في أواخِرِ السُّورَةِ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٦٤]، فَكانَ إخْبارًا بِأنَّ ما فِيهِما مِلْكٌ لَهُ، أخْبَرَ هُنا أنَّهُ لَهُ مُلْكُهُما أيْ قَهْرُهُما وقَهْرُ ما فِيهِما، فاجْتَمَعَ لَهُ المِلْكُ والمُلْكُ لَهُما ولِما فِيهِما، و(الَّذِي) مَقْطُوعٌ لِلْمَدْحِ رَفْعًا أوْ نَصْبًا أوْ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ (الَّذِي نَزَّلَ)، وما بَعْدَ (نَزَّلَ) مِن تَمامِ الصِّلَةِ ومُتَعَلِّقٌ بِهِ فَلا يُعَدُّ فاصِلًا بَيْنَ النَّعْتِ أوِ البَدَلِ ومَتْبُوعِهِ. (ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا) الظّاهِرُ نُفْيُ الِاتِّخاذِ، أيْ: لَمْ يُنْزِلْ أحَدًا مَنزِلَةَ الوَلَدِ. وقِيلَ: المَعْنى لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، بِمَعْنى قَوْلِهِ: لَمْ يَلِدْ لِأنَّ التَّوالُدَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ. وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وعَلى النَّصارى واليَهُودِ النّاسِبِينَ لِلَّهِ الوَلَدَ. ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ورَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا. ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ في خَلْقِ الذَّواتِ وأفْعالِها. قِيلَ: وفي (p-٤٨١)الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، مِمّا يَصِحُّ خَلْقُهُ لِتَخْرُجَ عَنْهُ ذاتُهُ وصِفاتُهُ القَدِيمَةُ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: أكْرَمْتُ كُلَّ رَجُلٍ لا يَدْخُلُ هو في العُمُومِ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ في عُمُومِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ذاتُهُ تَعالى ولا صِفاتُهُ القَدِيمَةُ. (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) إنْ كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، فَكَيْفَ جاءَ (فَقَدَّرَهُ) إذْ يَصِيرُ المَعْنى وقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ يُقَدِّرُهُ (تَقْدِيرًا) . فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّهُ أحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إحْداثًا مُراعًى فِيهِ التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ، فَقَدَّرَهُ وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، أوْ سُمِّيَ إحْداثُ اللَّهِ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ لا يُحْدِثُ شَيْئًا لِحِكْمَتِهِ إلّا عَلى وجْهِ التَّقْدِيرِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ. فَإذا قِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ كَذا، فَهو بِمَنزِلَةِ إحْداثِ اللَّهِ وأوْجَدَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى وجْهِ الِاشْتِقاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ في إيجادِهِ مُتَفاوِتًا. وقِيلَ: فَجَعَلَ لَهُ غايَةً ومُنْتَهًى، ومَعْناهُ (فَقَدَّرَهُ) لِلْبَقاءِ إلى أمَدٍ مَعْلُومٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ الأشْياءِ هو حَدُّها بِالأمْكِنَةِ والأزْمانِ والمَقادِيرِ والمَصْلَحَةِ والإتْقانِ، انْتَهى. ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ الضَّمِيرُ في (واتَّخَذُوا) عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ﴾، دَلالَةً عَلى ذَلِكَ لَمْ يُنْفَ إلّا وقَدْ قِيلَ بِهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: الواوُ ضَمِيرٌ لِلْكُفّارِ وهم مُنْدَرِجُونَ في قَوْلِهِ: (لِلْعالَمِينَ) . وقِيلَ: لَفْظُ (نَذِيرًا) يُنْبِئُ عَنْهم؛ لِأنَّهُمُ المُنْذَرُونَ ويَنْدَرِجُ في (واتَّخَذُوا) كُلُّ مَنِ ادَّعى إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعُبّادِ الأوْثانِ وعُبّادِ الكَواكِبِ. وقالَ القاضِي: يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ النَّصارى؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً عَلى الجَمْعِ. والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّ لِعُبّادِها كَثْرَةً، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما قالَ؛ لِأنَّ (واتَّخَذُوا) جَمْعٌ و(آلِهَةٌ) جَمْعٌ، وإذا قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ تَقابَلَ الفَرْدُ بِالفَرْدِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُقابَلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ فَيَنْدَرِجُ مَعْبُودُ النَّصارى في لَفْظِ (آلِهَةً) . ثُمَّ وصَفَ الآلِهَةَ بِانْتِفاءِ إنْشائِهِمْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إشارَةً إلى انْتِفاءِ القُدْرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ ذاتًا أوْ مَصْنُوعُونَ بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، وهَذا أبْلَغُ في الخَساسَةِ، ونِسْبَةُ الخَلْقِ لِلْبَشَرِ تَجُوزُ. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلْقُ بِمَعْنى الِافْتِعالِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، والمَعْنى أنَّهم آثَرُوا عَلى عِبادَتِهِ عِبادَةَ آلِهَةٍ لا عَجْزَ أبْيَنُ مِن عَجْزِهِمْ، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ ولا أفْعالِ العِبادِ حَيْثُ لا يَفْتَعِلُونَ شَيْئًا وهم يُفْتَعَلُونَ؛ لِأنَّ عَبَدَتَهم يَصْنَعُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ. ﴿ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ﴾ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْها ولا جَلْبَ نَفْعٍ إلَيْها وهم يَسْتَطِيعُونَ، وإذا عَجَزُوا عَنِ الِافْتِعالِ ودَفْعِ الضَّرَرِ وجَلْبِ النَّفْعِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ العِبادُ كانُوا عَنِ المَوْتِ والحَياةِ والنُّشُورِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ أعْجَزَ. (وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأتْباعُهُ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ. ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ ألْقَوْا أخْبارَ الأُمَمِ إلَيْهِ. وقِيلَ: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وكانُوا كِتابِيِّينَ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ أسْلَمُوا وكانَ الرَّسُولُ يَتَعَهَّدُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشارُوا إلى قَوْمٍ عَبِيدٍ كانُوا لِلْعَرَبِ مِنَ الفُرْسِ أبُو فُكَيْهَةَ مَوْلى الحَضْرَمِيِّينَ. وجَبْرٌ ويَسارٌ وعَدّاسٌ وغَيْرُهم. وقالَ الضَّحّاكُ: عَنَوْا أبا فُكَيْهَةَ الرُّومِيَّ. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنَوْا بِقَوْمٍ آخَرِينَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ آخَرَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الأوَّلِ، انْتَهى. وما قالَهُ لا يَلْزَمُ لِلِاشْتِراكِ في جِنْسِ الإنْسانِ، ولا يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ في الوَصْفِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] فَقَدِ اشْتَرَكَتا في مُطْلَقِ الفِئَةِ، واخْتَلَفَتا في الوَصْفِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَقَدْ جاءُوا) عائِدٌ عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ورَدُوا ظُلْمًا، كَما تَقُولُ: جِئْتُ المَكانَ فَيَكُونُ جاءَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ؛ قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ الجارُّ أيْ بِظُلْمٍ (p-٤٨٢)وزُورٍ ويَصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا جاءَ يُسْتَعْمَلُ بِهَذَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ، وظُلْمُهم أنْ جَعَلُوا العَرَبِيَّ يَتَلَقَّنُ مِنَ العَجَمِيِّ كَلامًا عَرَبِيًّا أعْجَزَ بِفَصاحَتِهِ جَمِيعَ فُصَحاءِ العَرَبِ، والزُّورُ أنْ بَهَتُوهُ بِنِسْبَةِ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ، والضَّمِيرُ في (وقالُوا) لِلْكُفّارِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ﴿اكْتَتَبَها﴾ أيْ: جَمَعَها، مِن قَوْلِهِمْ: كَتَبَ الشَّيْءَ، أيْ: جَمَعَهُ، أوْ مِنَ الكِتابَةِ، أيْ: كَتَبَها بِيَدِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَذِبِهِمْ عَلَيْهِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكْتُبُ، ويَكُونُ كاسْتَكَبَّ الماءَ واصْطَبَّهُ أيْ سَكَبَهُ وصَبَّهُ. ويَكُونُ لَفْظُ افْتَعَلَ مُشْعِرًا بِالتَّكَلُّفِ والِاعْتِمالِ، أوْ بِمَعْنى أمَرَ أنْ يُكْتَبَ، كَقَوْلِهِمُ احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُلْقى عَلَيْهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى المُتَحَفِّظِ كَصُورَةِ الإمْلاءِ عَلى الكاتِبِ. و﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أوْ هَذِهِ (أساطِيرُ)، و(اكْتَتَبَها) خَبَرٌ ثانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أساطِيرُ) مُبْتَدَأً و(اكْتَتَبَها) الخَبَرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (اكْتَتَبَها) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقِراءَةُ طَلْحَةَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى (اكْتَتَبَها) كاتِبٌ لَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ بِيَدِهِ وذَلِكَ مِن تَمامِ إعْجازِهِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ فَأفْضى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو إيّاهُ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا بَعْدَ أنْ كانَ بارِزًا مَنصُوبًا، وبَقِيَ ضَمِيرُ الأساطِيرِ عَلى حالِهِ، فَصارَ (اكْتَتَبَها) كَما تَرى، انْتَهى. وهو مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ (اكْتَتَبَها) لَهُ كاتِبٌ وُصِلَ فِيهِ اكْتَتَبَ لِمَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما: مُسَرَّحٌ وهو ضَمِيرُ الأساطِيرِ، والآخَرُ: مُقَيَّدٌ وهو ضَمِيرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ اتُّسِعَ في الفِعْلِ فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، فَإذا بُنِيَ هَذا الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ إنَّما يَنُوبُ عَنِ الفاعِلِ المَفْعُولُ المُسَرَّحُ لَفْظًا وتَقْدِيرًا لا المُسَرَّحُ لَفْظًا المُقَيَّدُ تَقْدِيرًا، فَعَلى هَذا كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ اكْتَتَبَتْهُ لا (اكْتَتَبَها) وعَلى هَذا الَّذِي قُلْناهُ جاءَ السَّماعُ عَنِ العَرَبِ في هَذا النَّوْعِ، الَّذِي أحَدُ المَفْعُولَيْنِ فِيهِ مُسَرَّحٌ لَفْظًا وتَقْدِيرًا، والآخَرُ مُسَرَّحٌ لَفْظًا لا تَقْدِيرًا. قالَ الشّاعِرُ - وهو الفَرَزْدَقُ -: ؎ومِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالَ سَماحَةً ∗∗∗ وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزُّعازِعُ ولَوْ جاءَ عَلى ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَجاءَ التَّرْكِيبُ: ومِنّا الَّذِي اخُتِيرَهُ الرِّجالَ؛ لِأنَّ اخْتارَ تَعَدّى إلى الرِّجالِ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ إذْ تَقْدِيرُهُ اخْتِيرَ مِنَ الرِّجالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الكُفّارِ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - يُكَذِّبُهم وإنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فَتَحْتَ الهَمْزَةَ في (اكْتَتَبَها) لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎أفْرَحُ إنْ أُرْزَأ الكِرامُ وأنْ ∗∗∗ آخُذَ ذَوْدًا شَصايِصًا نَبَلا وحُقَّ لِلْحَسَنِ أنْ يَقِفَ عَلى الأوَّلِينَ. والظّاهِرُ تَقْيِيدُ الإمْلاءِ بِوَقْتِ انْتِشارِ النّاسِ وحِينِ الإيواءِ إلى مَساكِنِهِمْ، وهُما البُكْرَةُ والأصِيلُ، أوْ يَكُونانِ عِبارَةً عَنِ الدَّيْمُومَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى ”فَهي تُتْلى“ بِالتّاءِ بَدَلَ المِيمِ. ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ كُلَّ سِرٍّ خَفِيٍّ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذا وهو وصْفُهُ تَعالى بِالعِلْمِ؛ لِأنَّ هَذا القُرْآنَ لَمْ يَكُنْ لِيَصْدُرَ إلّا مِن عَلّامٍ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِن إعْجازِ التَّرْكِيبِ الَّذِي لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِن أحَدٍ، ولَوِ اسْتَعانَ بِالعالَمِ كُلِّهِمْ ولِاشْتِمالِهِ عَلى مَصالِحِ العالَمِ وعَلى أنْواعِ العُلُومِ، واكْتَفى بِعِلْمِ السِّرِّ؛ لِأنَّ ما سِواهُ أوْلى أنْ يَتَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِهِ، أوْ (يَعْلَمُ) ما تُسِرُّونَ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ مَعَ عِلْمِكم بِبُطْلِ ما تَقُولُونَ فَهو مُجازِيكم، ﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ إطْماعٌ في أنَّهم إذا تابُوا غَفَرَ لَهم ما فَرَطَ مِن كُفْرِهِمْ ورَحِمَهم. أوْ (غَفُورًا رَحِيمًا) في كَوْنِهِ أمْهَلَكم ولَمْ يُعاجِلْكم عَلى ما اسْتَوْجَبْتُمُوهُ مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ (p-٤٨٣)مُكابَرَتِكم، أوْ لَمّا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى العِقابِ أعْقَبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعاقِبَ. (وقالُوا) الضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وكانُوا قَدْ جَمَعَهم والرَّسُولَ مَجْلِسٌ مَشْهُورٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيَرِ فَقالَ عُتْبَةُ وغَيْرُهُ: إنْ كُنْتَ تُحِبُّ الرِّئاسَةَ ولَّيْناكَ عَلَيْنا، أوِ المالَ جَمَعْنا لَكَ، فَلَمّا أبى عَلَيْهِمُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: ما لَكَ وأنْتَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ تَأْكُلُ الطَّعامَ، وتَقِفُ بِالأسْواقِ لِالتِماسِ الرِّزْقِ؛ سَلْ رَبَّكَ أنْ يُنْزِلَ مَعَكَ مَلَكًا يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقِيَ إلَيْكَ كَنْزًا تُنْفِقُ مِنهُ، أوْ يَرُدَّ لَكَ جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا وتُزالَ الجِبالُ، ويَكُونَ مَكانَها جَنّاتٌ تَطَّرِدُ فِيها المِياهُ، وأشاعُوا هَذِهِ المُحاجَّةَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ لامُ الجَرِّ مَفْصُولَةً مِن (هَذا)، وهَذا اسْتِفْهامٌ يَصْحَبُهُ اسْتِهْزاءٌ، أيْ: (مالِ هَذا) الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولٌ أنْكَرُوا عَلَيْهِ ما هو عادَةٌ لِلرُّسُلِ، كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، أيْ: حالُهُ كَحالِنا، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأكْلِ والتَّعَيُّشِ، ثُمَّ قالُوا: وهَبْ أنَّهُ بَشَرٌ فَهَلّا أُرْفِدَ بِمَلَكٍ يُنْذِرُ مَعَهُ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّماءِ يَسْتَظْهِرُ بِهِ ولا يَحْتاجُ إلى تَحْصِيلِ المَعاشِ. ثُمَّ اقْتَنَعُوا بِأنْ يَكُونَ لَهُ بُسْتانٌ يَأْكُلُ مِنهُ ويَرْتَزِقُ كالمَياسِيرِ. وقُرِئَ ”فَتَكُونُ“ بِالرَّفْعِ، حَكاهُ أبُو مُعاذٍ عَطْفًا عَلى (أُنْزِلَ)؛ لِأنَّ (أُنْزِلَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهو ماضٍ وقَعَ مَوْقِعَ المُضارِعِ، أيْ: هَلّا يَنْزِلُ إلَيْهِ مَلَكٌ، أوْ هو جَوابُ التَّحْضِيضِ عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو يَكُونُ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ. وقَوْلُهُ: (أوْ يُلْقى) (أوْ) يَكُونُ عُطِفَ عَلى (أُنْزِلَ) أيْ لَوْلا يَنْزِلُ، فَيَكُونُ المَطْلُوبُ أحَدَ هَذِهِ الأُمُورِ أوْ مَجْمُوعَها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ القائِلِينَ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ في (أوْ يُلْقى) ولا في (أوْ تَكُونُ) عَطْفًا عَلى (فَيَكُونَ)؛ لِأنَّهُما في حُكْمِ المَطْلُوبِ بِالتَّحْضِيضِ لا في حُكْمِ الجَوابِ لِقَوْلِهِ: (لَوْلا أُنْزِلَ) . وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ: ”أوْ يَكُونُ“ بِالياءِ مِن تَحْتُ. وقَرَأ (يَأْكُلُ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيِ: الرَّسُولُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِنُونِ الجَمْعِ، أيْ: يَأْكُلُونَ هم مِن ذَلِكَ البُسْتانِ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ في دُنْياهم ومَعاشِهِمْ. (وقالَ الظّالِمُونَ) أيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ فِيما قالُوهُ، انْتَهى. وتَرْكِيبُهُ وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ لَيْسَ تَرْكِيبًا سائِغًا، بَلِ التَّرْكِيبُ العَرَبِيُّ أنْ يَقُولَ: وأرادَهم بِأعْيانِهِمْ بِالظّالِمِينَ (مَسْحُورًا) غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ السِّحْرُ وهَذا أظْهَرُ، أوْ ذا سَحْرٍ وهو الرِّئَةُ، أوْ يُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ، أيْ: يُغَذّى، أوْ أُصِيبَ سَحْرُهُ كَما تَقُولُ رَأسْتُهُ أصَبْتُ رَأْسَهُ. وقِيلَ: (مَسْحُورًا) ساحِرًا عَنَوْا بِهِ أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم لا مَلَكٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في الإسْراءِ وبِهَذَيْنِ القَوْلَيْنِ قِيلَ: والقائِلُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ ومَن تابَعَهم. ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: قالُوا فِيكَ تِلْكَ الأقْوالَ واخْتَرَعُوا لَكَ تِلْكَ الصِّفاتِ والأحْوالَ النّادِرَةَ مِن نُبُوَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ إنْسانٍ ومَلَكٍ، وإلْقاءِ كَنْزٍ عَلَيْكَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ ضُلّالًا لا يَجِدُونَ قَوْلًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ، أيْ: فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا لَهُ. وقِيلَ: (ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ) بِالمَسْحُورِ والكاهِنِ والشّاعِرِ وغَيْرِهِ، (فَضَلُّوا) أخْطَئُوا الطَّرِيقَ فَلا يَجِدُونَ سَبِيلَ هِدايَةٍ ولا يُطِيقُونَهُ؛ لِالتِباسِهِمْ بِضِدِّهِ مِنَ الضَّلالِ. وقِيلَ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى حُجَّةٍ وبُرْهانٍ عَلى ما يَقُولُونَ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: هو بَلِيغٌ فَصِيحٌ يَتَقَوَّلُ القُرْآنَ مِن نَفْسِهِ ويَفْتَرِيهِ، ومَرَّةً: مَجْنُونٌ، ومَرَّةً: ساحِرٌ، ومَرَّةً: مَسْحُورٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَبَّهَ لَكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ الأشْباهَ بِقَوْلِهِمْ هو مَسْحُورٌ فَضَلُّوا بِذَلِكَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا إلى الحَقِّ الَّذِي بَعَثَكَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَجِدُونَ مَخْرَجًا يُخْرِجُهم عَنِ الأمْثالِ الَّتِي (ضَرَبُوا لَكَ) . ومَعْناهُ أنَّهم (ضَرَبُوا لَكَ) هَذِهِ لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى تَكْذِيبِكَ، (فَضَلُّوا) عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ وعَنْ بُلُوغِ ما أرادُوا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ (انْظُرْ كَيْفَ) (p-٤٨٤)اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها؛ لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ، لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ سَبِيلًا، إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ فِيما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَسْتَطِيعُونَ في أمْرِكَ حِيلَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: (سَبِيلًا) إلى الطَّعْنِ. ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ ما قالُوا قِيلَ: فِيما يُرْوى إنْ شِئْتَ أنْ نُعْطِيَكَ خَزائِنَ الدُّنْيا ومَفاتِيحَها، ولَمْ يُعْطَ ذَلِكَ أحَدٌ قَبْلَكَ ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِناقِصِكَ في الآخِرَةِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعْناهُ لَكَ في الآخِرَةِ فَقالَ: يُجْمَعُ لِي ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَنَزَلَ: (تَبارَكَ الَّذِي) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (تَبارَكَ): أيْ تَكاثَرَ خَيْرًا (الَّذِي إنْ شاءَ) وهَبَ لَكَ في الدُّنْيا (خَيْرًا) مِمّا قالُوا، وهو أنْ يَجْعَلَ لَكَ مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ مِنَ الجَنّاتِ والقُصُورِ، انْتَهى. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) الظّاهِرُ أنَّهُ إلى ما ذَكَرَهُ الكُفّارُ مِنَ الجَنَّةِ والكَنْزِ في الدُّنْيا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. ويَبْعُدُ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى أكْلِهِ الطَّعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَعْلَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا لَوْ شاءَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ ودَخَلَتْ (إنْ) عَلى المَشِيئَةِ تَنْبِيهًا أنَّهُ لا يُنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. والأوَّلُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِ الكُفّارِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، انْتَهى. ولا يَرُدُّهُ؛ لِأنَّ المَعْنى بِهِ مُتَمَكِّنٌ وهو عَطْفٌ عَلى ما حُكِيَ عَنْهم يَقُولُ: بَلْ أتى بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، وهو تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَجْعَلْ) بِالجَزْمِ، قالُوا عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ جَعَلَ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أُدْغِمَتْ لامُهُ في لامِ (لَكَ)، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو، والَّذِي قَرَأ بِالجَزْمِ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو، ولَيْسَ مِن مَذْهَبِ الثَّلاثَةِ إدْغامُ المِثْلَيْنِ إذا تَحَرَّكَ أوَّلُهُما، إنَّما هو مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو كَما ذَكَرْنا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وحُمَيْدٌ وأبُو بَكْرٍ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، بِالرَّفْعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والِاسْتِئْنافُ ووَجْهُهُ العَطْفُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (جَعَلَ)؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو مَوْضِعُ اسْتِئْنافٍ. ألا تَرى أنَّ الجُمَلَ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ قَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ ؟ وقالَ الحَوْفِيُّ: مَن رَفَعَ جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا مَنقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وبِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (ويَجْعَلُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (جَعَلَ)؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا وقَعَ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الجَزْمُ والرَّفْعُ، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ: لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ: إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الرَّفْعُ، لَيْسَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ؛ إذْ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وأنَّ هَذا المُضارِعَ المَرْفُوعَ النِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ، ولِكَوْنِ الجَوابِ مَحْذُوفًا لا يَكُونُ فِعْلُ الشَّرْطِ إلّا بِصِيغَةِ الماضِي. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ وأنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، وذَهَبَ غَيْرُ هَؤُلاءِ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ، ولَيْسَ عَلى حَذْفِ الفاءِ ولا عَلى التَّقْدِيمِ، ولَمّا لَمْ يَظْهَرْ لِأداةِ الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ في فِعْلِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ ماضِيَ اللَّفْظِ ضَعُفَ عَنِ العَمَلِ في فِعْلِ الجَوابِ فَلَمْ تَعْمَلْ فِيهِ، وبَقِيَ مَرْفُوعًا، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ فَصِيحٌ وأنَّهُ جائِزٌ في الكَلامِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: هو ضَرُورَةٌ إذْ لَمْ يَجِئْ إلّا في الشِّعْرِ، وهو عَلى إضْمارِ الفاءِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ (ويَجْعَلَ) بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي عَلى جَوابِ الشَّرْطِ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، انْتَهى. ونَظِيرُ هَذِهِ القِراءاتِ الثَّلاثِ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٤٨٥) ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذْ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ يُرْوى بِجَزْمِ نَأْخُذُ ورَفْعِهِ ونَصْبِهِ. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، قالَ الكَرْمانِيُّ: المَعْنى ما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ أكْلُكَ الطَّعامَ ولا مَشْيُكَ في السُّوقِ، بَلْ مَنَعَهم تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقِيلَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً بَلِ الحامِلُ عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما يَلِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، فَكَيْفَ يَلْتَفِتُونَ إلى هَذا الجَوابِ، وكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِتَعْجِيلِ مِثْلِ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ؟ ! انْتَهى. وبَلْ لِتَرْكِ اللَّفْظِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَعْناهُ وأخْذٍ في لَفْظٍ آخَرَ. (وأعْتَدْنا) جَعَلْناهُ مُعَدًّا. (سَعِيرًا) نارًا كَبِيرَةَ الإيقادِ. وعَنِ الحَسَنِ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (إذا رَأتْهم)، قِيلَ: هو حَقِيقَةٌ وإنَّ لِجَهَنَّمَ عَيْنَيْنِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أثَرٌ فَإنْ صَحَّ كانَ هو القَوْلَ الصَّحِيحَ. وإلّا كانَ مَجازًا، أيْ صارَتْ مِنهم بِقَدْرِ ما يَرى الرّائِي مِنَ البُعْدِ كَقَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى أيْ تَتَناظَرُ وتَتَقابَلُ، ومِنهُ: لا تَتَراءى ناراهُما. وقالَ قَوْمٌ: النّارُ اسْمٌ لِحَيَوانٍ نارِيٍّ يَتَكَلَّمُ ويَرى ويَسْمَعُ ويَتَغَيَّرُ ويَزْفِرُ؛ حَكاهُ الكَرْمانِيُّ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: رَأتْهم خَزَنَتُها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، قِيلَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وقِيلَ: مِائَةُ سَنَةٍ. وقِيلَ: سَنَةٌ. (سَمِعُوا لَها) صَوْتَ تَغَيُّظٍ؛ لِأنَّ التَّغَيُّظَ لا يُسْمَعُ، وإذا كانَ عَلى حَذْفِ المُضافِ كانَ المَعْنى تَغَيَّظُوا وزَفَرُوا غَضَبًا عَلى الكُفّارِ وشَهْوَةً لِلِانْتِقامِ مِنهم. وقِيلَ: (سَمِعُوا) صَوْتَ لَهِيبِها واشْتِعالِها، وقِيلَ: هو مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَيا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وهَذا مُخَرَّجٌ عَلى تَخْرِيجَيْنِ أحَدُهُما الحَذْفُ، أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا. والثّانِي: تَضْمِينٌ ضَمَّنَ مُتَقَلِّدًا مَعْنى مُتَسَلِّحًا فَكَذَلِكَ الآيَةُ، أيْ: (سَمِعُوا لَها) ورَأوْا ﴿تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ وعادَ كُلُّ واحِدٍ إلى ما يُناسِبُهُ. أوْ ضَمَّنَ (سَمِعُوا) مَعْنى أدْرَكُوا فَيَشْمَلُ التَّغَيُّظَ والزَّفِيرَ. وانْتَصَبَ (مَكانًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ في مَكانٍ ضَيِّقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ ضِيقَ الزَّجِّ في الرُّمْحِ مُقَرَّنِينَ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالسَّلاسِلِ. وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ضَيِّقًا) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو شَيْبَةَ صاحِبُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مُقَرَّنُونَ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، والوَجْهُ قِراءَةُ النّاسِ ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ووَجْهُها أنْ يَرْتَفِعَ عَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ: (أُلْقُوا) بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ، ونُصِبَ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ دُعاءُ الثُّبُورِ، وهي الهَلاكُ، فَيَقُولُونَ: واثُبُوراهُ ! أيْ يُقالُ: يا ثُبُورُ فَهَذا أوانُكَ. وقِيلَ: المَدْعُوُّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ دَعَوْا مَن لا يُجِيبُهم قائِلِينَ ثُبِرْنا ثُبُورًا. والثُّبُورُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الوَيْلُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى: ؎إذْ يُجارِي الشَّيْطانَ في سِنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ (لا تَدْعُوا اليَوْمَ) يُقالُ لَهم: (لا تَدْعُوا)، أوْ هم أحَقُّ أنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ، أيْ: لا تَقْتَصِرُوا عَلى حُزْنٍ واحِدٍ بَلِ احْزَنُوا حُزْنًا كَثِيرًا، وكَثْرَتُهُ إمّا لِدَيْمُومَةِ العَذابِ فَهو مُتَجِدِّدٌ دائِمًا، وإمّا لِأنَّهُ أنْواعٌ وكُلُّ نَوْعٍ يَكُونُ مِنهُ ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ (ثَبُورًا) بِفَتْحِ الثّاءِ في ثَلاثَتِها، وفَعُولٌ بِفَتْحِ الفاءِ في المَصادِرِ قَلِيلٌ، نَحْوُ البَتُولِ. وحَكى عَلِيُّ بْنُ عِيسى: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا الأمْرِ، أيْ: ما صَرَفَكَ. كَأنَّهم دَعَوْا بِما فَعَلُوا فَقالُوا: واصَرْفاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ! كَما تَقُولُ: وانَدامَتاهُ ! . رُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما يُنادِي بِذَلِكَ إبْلِيسُ، يَقُولُ: واثُبُوراهُ ! حَتّى يُكْسى حُلَّةً مِن جَهَنَّمَ يَضَعُها عَلى جَبِينِهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ، ثُمَّ يَتْبَعُهُ في القَوْلِ أتْباعُهُ، فَيَقُولُ لَهم خُزّانُ جَهَنَّمَ: (لا تَدْعُوا) الآيَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ خَطَلٍ وأصْحابِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ (p-٤٨٦)بِذَلِكَ إلى النّارِ وأحْوالِ أهْلِها. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والكَنْزِ في قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والقُصُورِ المَجْعُولَةِ في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ المَشِيئَةِ، و(خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ تَدُلُّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ، بَلْ هي عَلى ما جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ في بَيانِ فَضْلِ الشَّيْءِ وخُصُوصِيَّتِهِ بِالفَضْلِ دُونَ مُقابِلِهِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وكَقَوْلِ العَرَبِ: الشَّقاءُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ السَّعادَةُ. وكَقَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا؛ جازَ فِيهِ مَجِيءُ لَفْظِهِ لِلتَّفْضِيلِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ المُوقِفَ جائِزٌ لَهُ أنْ يُوقِفَ مُحاوِرَهُ عَلى ما شاءَ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ بِالصَّوابِ أوْ بِالخَطَأِ، وإنَّما مَنَعَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لِأنَّ فِيهِ مُخالَفَةً، وأمّا إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَذَلِكَ سائِغٌ، انْتَهى. وما ذَكَرَهُ يُخالِفُهُ قَوْلُهُ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وقَوْلُهُ ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣] فَإنَّ هَذا خَبَرٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُهم: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ إلّا إنْ تَقَيَّدَ الخَبَرُ بِأنَّهُ إذا كانَ واضِحًا الحُكْمُ فِيهِ لِلسّامِعِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِجُ في ذِهْنِهِ ولا يَتَرَدَّدُ أيُّهُما أفْضَلُ فَإنَّهُ يَجُوزُ. وضَمِيرُ (الَّتِي) مَحْذُوفٌ، أيْ: وعَدَها، وضَمِيرُ (ما يَشاءُونَ) كَذَلِكَ، أيْ: ما يَشاءُونَهُ، وفي قَوْلِهِ: ما يَشاءُونَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُصُولَ المُراداتِ بِأسْرِها لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ. وشَمَلَ قَوْلُهُ: (جَزاءً ومَصِيرًا) الثَّوابَ ومَحَلَّهُ كَما قالَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]، وفي ضِدِّهِ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]؛ لِأنَّهُ بِطِيبِ المَكانِ يَتَضاعَفُ النَّعِيمُ، كَما أنَّهُ بِرَداءَتِهِ يَتَضاعَفُ العَذابُ (وعْدًا)، أيْ: مَوْعُودًا، (مَسْئُولًا) سَألَتْهُ المَلائِكَةُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨]؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والنّاسُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿وعْدًا مَسْئُولًا﴾ أيْ: واجِبًا، يُقالُ لَأُعْطِيَنَّكَ ألْفًا وعْدًا مَسْئُولًا، أيْ: واجِبًا وإنْ لَمْ يُسْألْ. قِيلَ: وما قالَهُ الفَرّاءُ مُحالٌ، انْتَهى. ولَيْسَ مُحالًا؛ إذْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ هَذا الوَعْدُ الَّذِي وعَدْتَهُ أوْ بِصَدَدِ أنْ يُسْألَ، أيْ: مِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مَسْئُولًا. و(عَلى رَبِّكَ)، أيْ: بِسَبَبِ الوَعْدِ صارَ لا بُدَّ مْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ ذَلِكَ مَوْعُودًا واجِبًا عَلى رَبِّكَ إنْجازُهُ حَقِيقًا أنْ يُسْألَ ويُطْلَبَ لِأنَّهُ جَزاءٌ وأجْرٌ مُسْتَحَقٌّ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.

الفرقان 25:4

سُورَةُ الفُرْقانِ ﷽ (p-٤٧٩)﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ (p-٤٨٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقالَ الضَّحّاكُ مَدَنِيَّةٌ إلّا مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: (ولا نُشُورًا)، فَهو مَكِّيٌّ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وُجُوبَ مُبايَعَةِ المُؤْمِنِينَ لِلرَّسُولِ، وأنَّهم إذا كانُوا مَعَهُ في أمْرٍ مُهِمٍّ تَوَقَّفَ انْفِصالُ واحِدٍ مِنهم عَلى إذْنِهِ، وحَذَّرَ مَن يُخالِفُ أمْرَهُ، وذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما هم عَلَيْهِ ومُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ غايَةً في التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، ناسَبَ أنْ يَفْتَتِحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ في صِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ، كَثِيرُ الخَيْرِ، ومِن خَيْرِهِ أنَّهُ (نَزَّلَ الفُرْقانَ) عَلى رَسُولِهِ مُنْذِرًا لَهم، فَكانَ في ذَلِكَ إطْماعٌ في خَيْرِهِ وتَحْذِيرِهِ مِن عِقابِهِ. و(تَبارَكَ) تَفاعَلَ مُطاوِعُ بارَكَ وهو فِعْلٌ لا يَتَصَرَّفُ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ تَعالى، فَلا يَجِيءُ مِنهُ مُضارِعٌ ولا اسْمُ فاعِلٍ ولا مَصْدَرٌ. وقالَ الطِّرِمّاحُ: ؎تَبارَكْتَ لا مُعْطٍ لِشَيْءٍ مَنَعْتَهُ ولَيْسَ لِما أعْطَيْتَ يا رَبِّ مانِعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَزَلْ ولا يَزُولُ. وقالَ الخَلِيلُ: تَمَجَّدَ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعَظَّمَ. وحَكى الأصْمَعِيُّ تَبارَكْتُ عَلَيْكم مِن قَوْلِ عَرَبِيٍّ صَعِدَ رابِيَةً فَقالَ لِأصْحابِهِ ذَلِكَ، أيْ تَعالَيْتُ وارْتَفَعْتُ. فَفي هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ صِفَةَ ذاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: هو مِنَ البَرَكَةِ، وهو التَّزايُدُ في الخَيْرِ مِن قِبَلِهِ، فالمَعْنى زادَ خَيْرُهُ وعَطاؤُهُ وكَثُرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ وجاءَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى (الَّذِي)، وهم وإنْ كانُوا لا يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ فَقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى إعْجازِهِ، فَصارَتِ الصِّلَةُ مَعْلُومَةً بِحَسَبِ الدَّلِيلِ، وإنْ كانُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ. وتَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ لِمَ سُمِّيَ القُرْآنُ فُرْقانًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلى عَبْدِهِ)، وهو الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلى عِبادِهِ أيِ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، كَما قالَ (لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم)، (وما أُنْزِلَ إلَيْنا)، ويَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وبِعَبْدِهِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]، والضَّمِيرُ في (لِيَكُونَ) . قالَ ابْنُ زَيْدٍ: عائِدٌ عَلى (عَبْدِهِ) ويَتَرَجَّحُ بِأنَّهُ العُمْدَةُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلُ، وهو مِن وصْفِهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] . والظّاهِرُ أنَّ (نَذِيرًا) بِمَعْنى مُنْذِرٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ومِنهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] . و(لِلْعالَمِينَ) عامٌّ لِلْإنْسِ والجِنِّ، مِمَّنْ عاصَرَهُ أوْ جاءَ بَعْدَهُ، وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ الحَدِيثِ المُتَواتِرِ وظَواهِرِ الآياتِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ (لِلْعالَمِينَ) لِلْجِنِّ والإنْسِ، وهو تَفْسِيرٌ (لِلْعالَمِينَ) . ولَمّا سَبَقَ في أواخِرِ السُّورَةِ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٦٤]، فَكانَ إخْبارًا بِأنَّ ما فِيهِما مِلْكٌ لَهُ، أخْبَرَ هُنا أنَّهُ لَهُ مُلْكُهُما أيْ قَهْرُهُما وقَهْرُ ما فِيهِما، فاجْتَمَعَ لَهُ المِلْكُ والمُلْكُ لَهُما ولِما فِيهِما، و(الَّذِي) مَقْطُوعٌ لِلْمَدْحِ رَفْعًا أوْ نَصْبًا أوْ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ (الَّذِي نَزَّلَ)، وما بَعْدَ (نَزَّلَ) مِن تَمامِ الصِّلَةِ ومُتَعَلِّقٌ بِهِ فَلا يُعَدُّ فاصِلًا بَيْنَ النَّعْتِ أوِ البَدَلِ ومَتْبُوعِهِ. (ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا) الظّاهِرُ نُفْيُ الِاتِّخاذِ، أيْ: لَمْ يُنْزِلْ أحَدًا مَنزِلَةَ الوَلَدِ. وقِيلَ: المَعْنى لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، بِمَعْنى قَوْلِهِ: لَمْ يَلِدْ لِأنَّ التَّوالُدَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ. وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وعَلى النَّصارى واليَهُودِ النّاسِبِينَ لِلَّهِ الوَلَدَ. ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ورَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا. ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ في خَلْقِ الذَّواتِ وأفْعالِها. قِيلَ: وفي (p-٤٨١)الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، مِمّا يَصِحُّ خَلْقُهُ لِتَخْرُجَ عَنْهُ ذاتُهُ وصِفاتُهُ القَدِيمَةُ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: أكْرَمْتُ كُلَّ رَجُلٍ لا يَدْخُلُ هو في العُمُومِ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ في عُمُومِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ذاتُهُ تَعالى ولا صِفاتُهُ القَدِيمَةُ. (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) إنْ كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، فَكَيْفَ جاءَ (فَقَدَّرَهُ) إذْ يَصِيرُ المَعْنى وقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ يُقَدِّرُهُ (تَقْدِيرًا) . فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّهُ أحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إحْداثًا مُراعًى فِيهِ التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ، فَقَدَّرَهُ وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، أوْ سُمِّيَ إحْداثُ اللَّهِ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ لا يُحْدِثُ شَيْئًا لِحِكْمَتِهِ إلّا عَلى وجْهِ التَّقْدِيرِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ. فَإذا قِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ كَذا، فَهو بِمَنزِلَةِ إحْداثِ اللَّهِ وأوْجَدَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى وجْهِ الِاشْتِقاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ في إيجادِهِ مُتَفاوِتًا. وقِيلَ: فَجَعَلَ لَهُ غايَةً ومُنْتَهًى، ومَعْناهُ (فَقَدَّرَهُ) لِلْبَقاءِ إلى أمَدٍ مَعْلُومٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ الأشْياءِ هو حَدُّها بِالأمْكِنَةِ والأزْمانِ والمَقادِيرِ والمَصْلَحَةِ والإتْقانِ، انْتَهى. ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ الضَّمِيرُ في (واتَّخَذُوا) عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ﴾، دَلالَةً عَلى ذَلِكَ لَمْ يُنْفَ إلّا وقَدْ قِيلَ بِهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: الواوُ ضَمِيرٌ لِلْكُفّارِ وهم مُنْدَرِجُونَ في قَوْلِهِ: (لِلْعالَمِينَ) . وقِيلَ: لَفْظُ (نَذِيرًا) يُنْبِئُ عَنْهم؛ لِأنَّهُمُ المُنْذَرُونَ ويَنْدَرِجُ في (واتَّخَذُوا) كُلُّ مَنِ ادَّعى إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعُبّادِ الأوْثانِ وعُبّادِ الكَواكِبِ. وقالَ القاضِي: يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ النَّصارى؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً عَلى الجَمْعِ. والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّ لِعُبّادِها كَثْرَةً، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما قالَ؛ لِأنَّ (واتَّخَذُوا) جَمْعٌ و(آلِهَةٌ) جَمْعٌ، وإذا قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ تَقابَلَ الفَرْدُ بِالفَرْدِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُقابَلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ فَيَنْدَرِجُ مَعْبُودُ النَّصارى في لَفْظِ (آلِهَةً) . ثُمَّ وصَفَ الآلِهَةَ بِانْتِفاءِ إنْشائِهِمْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إشارَةً إلى انْتِفاءِ القُدْرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ ذاتًا أوْ مَصْنُوعُونَ بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، وهَذا أبْلَغُ في الخَساسَةِ، ونِسْبَةُ الخَلْقِ لِلْبَشَرِ تَجُوزُ. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلْقُ بِمَعْنى الِافْتِعالِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، والمَعْنى أنَّهم آثَرُوا عَلى عِبادَتِهِ عِبادَةَ آلِهَةٍ لا عَجْزَ أبْيَنُ مِن عَجْزِهِمْ، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ ولا أفْعالِ العِبادِ حَيْثُ لا يَفْتَعِلُونَ شَيْئًا وهم يُفْتَعَلُونَ؛ لِأنَّ عَبَدَتَهم يَصْنَعُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ. ﴿ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ﴾ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْها ولا جَلْبَ نَفْعٍ إلَيْها وهم يَسْتَطِيعُونَ، وإذا عَجَزُوا عَنِ الِافْتِعالِ ودَفْعِ الضَّرَرِ وجَلْبِ النَّفْعِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ العِبادُ كانُوا عَنِ المَوْتِ والحَياةِ والنُّشُورِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ أعْجَزَ. (وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأتْباعُهُ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ. ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ ألْقَوْا أخْبارَ الأُمَمِ إلَيْهِ. وقِيلَ: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وكانُوا كِتابِيِّينَ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ أسْلَمُوا وكانَ الرَّسُولُ يَتَعَهَّدُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشارُوا إلى قَوْمٍ عَبِيدٍ كانُوا لِلْعَرَبِ مِنَ الفُرْسِ أبُو فُكَيْهَةَ مَوْلى الحَضْرَمِيِّينَ. وجَبْرٌ ويَسارٌ وعَدّاسٌ وغَيْرُهم. وقالَ الضَّحّاكُ: عَنَوْا أبا فُكَيْهَةَ الرُّومِيَّ. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنَوْا بِقَوْمٍ آخَرِينَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ آخَرَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الأوَّلِ، انْتَهى. وما قالَهُ لا يَلْزَمُ لِلِاشْتِراكِ في جِنْسِ الإنْسانِ، ولا يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ في الوَصْفِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] فَقَدِ اشْتَرَكَتا في مُطْلَقِ الفِئَةِ، واخْتَلَفَتا في الوَصْفِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَقَدْ جاءُوا) عائِدٌ عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ورَدُوا ظُلْمًا، كَما تَقُولُ: جِئْتُ المَكانَ فَيَكُونُ جاءَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ؛ قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ الجارُّ أيْ بِظُلْمٍ (p-٤٨٢)وزُورٍ ويَصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا جاءَ يُسْتَعْمَلُ بِهَذَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ، وظُلْمُهم أنْ جَعَلُوا العَرَبِيَّ يَتَلَقَّنُ مِنَ العَجَمِيِّ كَلامًا عَرَبِيًّا أعْجَزَ بِفَصاحَتِهِ جَمِيعَ فُصَحاءِ العَرَبِ، والزُّورُ أنْ بَهَتُوهُ بِنِسْبَةِ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ، والضَّمِيرُ في (وقالُوا) لِلْكُفّارِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ﴿اكْتَتَبَها﴾ أيْ: جَمَعَها، مِن قَوْلِهِمْ: كَتَبَ الشَّيْءَ، أيْ: جَمَعَهُ، أوْ مِنَ الكِتابَةِ، أيْ: كَتَبَها بِيَدِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَذِبِهِمْ عَلَيْهِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكْتُبُ، ويَكُونُ كاسْتَكَبَّ الماءَ واصْطَبَّهُ أيْ سَكَبَهُ وصَبَّهُ. ويَكُونُ لَفْظُ افْتَعَلَ مُشْعِرًا بِالتَّكَلُّفِ والِاعْتِمالِ، أوْ بِمَعْنى أمَرَ أنْ يُكْتَبَ، كَقَوْلِهِمُ احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُلْقى عَلَيْهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى المُتَحَفِّظِ كَصُورَةِ الإمْلاءِ عَلى الكاتِبِ. و﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أوْ هَذِهِ (أساطِيرُ)، و(اكْتَتَبَها) خَبَرٌ ثانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أساطِيرُ) مُبْتَدَأً و(اكْتَتَبَها) الخَبَرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (اكْتَتَبَها) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقِراءَةُ طَلْحَةَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى (اكْتَتَبَها) كاتِبٌ لَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ بِيَدِهِ وذَلِكَ مِن تَمامِ إعْجازِهِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ فَأفْضى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو إيّاهُ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا بَعْدَ أنْ كانَ بارِزًا مَنصُوبًا، وبَقِيَ ضَمِيرُ الأساطِيرِ عَلى حالِهِ، فَصارَ (اكْتَتَبَها) كَما تَرى، انْتَهى. وهو مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ (اكْتَتَبَها) لَهُ كاتِبٌ وُصِلَ فِيهِ اكْتَتَبَ لِمَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما: مُسَرَّحٌ وهو ضَمِيرُ الأساطِيرِ، والآخَرُ: مُقَيَّدٌ وهو ضَمِيرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ اتُّسِعَ في الفِعْلِ فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، فَإذا بُنِيَ هَذا الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ إنَّما يَنُوبُ عَنِ الفاعِلِ المَفْعُولُ المُسَرَّحُ لَفْظًا وتَقْدِيرًا لا المُسَرَّحُ لَفْظًا المُقَيَّدُ تَقْدِيرًا، فَعَلى هَذا كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ اكْتَتَبَتْهُ لا (اكْتَتَبَها) وعَلى هَذا الَّذِي قُلْناهُ جاءَ السَّماعُ عَنِ العَرَبِ في هَذا النَّوْعِ، الَّذِي أحَدُ المَفْعُولَيْنِ فِيهِ مُسَرَّحٌ لَفْظًا وتَقْدِيرًا، والآخَرُ مُسَرَّحٌ لَفْظًا لا تَقْدِيرًا. قالَ الشّاعِرُ - وهو الفَرَزْدَقُ -: ؎ومِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالَ سَماحَةً ∗∗∗ وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزُّعازِعُ ولَوْ جاءَ عَلى ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَجاءَ التَّرْكِيبُ: ومِنّا الَّذِي اخُتِيرَهُ الرِّجالَ؛ لِأنَّ اخْتارَ تَعَدّى إلى الرِّجالِ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ إذْ تَقْدِيرُهُ اخْتِيرَ مِنَ الرِّجالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الكُفّارِ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - يُكَذِّبُهم وإنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فَتَحْتَ الهَمْزَةَ في (اكْتَتَبَها) لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎أفْرَحُ إنْ أُرْزَأ الكِرامُ وأنْ ∗∗∗ آخُذَ ذَوْدًا شَصايِصًا نَبَلا وحُقَّ لِلْحَسَنِ أنْ يَقِفَ عَلى الأوَّلِينَ. والظّاهِرُ تَقْيِيدُ الإمْلاءِ بِوَقْتِ انْتِشارِ النّاسِ وحِينِ الإيواءِ إلى مَساكِنِهِمْ، وهُما البُكْرَةُ والأصِيلُ، أوْ يَكُونانِ عِبارَةً عَنِ الدَّيْمُومَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى ”فَهي تُتْلى“ بِالتّاءِ بَدَلَ المِيمِ. ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ كُلَّ سِرٍّ خَفِيٍّ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذا وهو وصْفُهُ تَعالى بِالعِلْمِ؛ لِأنَّ هَذا القُرْآنَ لَمْ يَكُنْ لِيَصْدُرَ إلّا مِن عَلّامٍ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِن إعْجازِ التَّرْكِيبِ الَّذِي لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِن أحَدٍ، ولَوِ اسْتَعانَ بِالعالَمِ كُلِّهِمْ ولِاشْتِمالِهِ عَلى مَصالِحِ العالَمِ وعَلى أنْواعِ العُلُومِ، واكْتَفى بِعِلْمِ السِّرِّ؛ لِأنَّ ما سِواهُ أوْلى أنْ يَتَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِهِ، أوْ (يَعْلَمُ) ما تُسِرُّونَ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ مَعَ عِلْمِكم بِبُطْلِ ما تَقُولُونَ فَهو مُجازِيكم، ﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ إطْماعٌ في أنَّهم إذا تابُوا غَفَرَ لَهم ما فَرَطَ مِن كُفْرِهِمْ ورَحِمَهم. أوْ (غَفُورًا رَحِيمًا) في كَوْنِهِ أمْهَلَكم ولَمْ يُعاجِلْكم عَلى ما اسْتَوْجَبْتُمُوهُ مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ (p-٤٨٣)مُكابَرَتِكم، أوْ لَمّا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى العِقابِ أعْقَبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعاقِبَ. (وقالُوا) الضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وكانُوا قَدْ جَمَعَهم والرَّسُولَ مَجْلِسٌ مَشْهُورٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيَرِ فَقالَ عُتْبَةُ وغَيْرُهُ: إنْ كُنْتَ تُحِبُّ الرِّئاسَةَ ولَّيْناكَ عَلَيْنا، أوِ المالَ جَمَعْنا لَكَ، فَلَمّا أبى عَلَيْهِمُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: ما لَكَ وأنْتَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ تَأْكُلُ الطَّعامَ، وتَقِفُ بِالأسْواقِ لِالتِماسِ الرِّزْقِ؛ سَلْ رَبَّكَ أنْ يُنْزِلَ مَعَكَ مَلَكًا يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقِيَ إلَيْكَ كَنْزًا تُنْفِقُ مِنهُ، أوْ يَرُدَّ لَكَ جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا وتُزالَ الجِبالُ، ويَكُونَ مَكانَها جَنّاتٌ تَطَّرِدُ فِيها المِياهُ، وأشاعُوا هَذِهِ المُحاجَّةَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ لامُ الجَرِّ مَفْصُولَةً مِن (هَذا)، وهَذا اسْتِفْهامٌ يَصْحَبُهُ اسْتِهْزاءٌ، أيْ: (مالِ هَذا) الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولٌ أنْكَرُوا عَلَيْهِ ما هو عادَةٌ لِلرُّسُلِ، كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، أيْ: حالُهُ كَحالِنا، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأكْلِ والتَّعَيُّشِ، ثُمَّ قالُوا: وهَبْ أنَّهُ بَشَرٌ فَهَلّا أُرْفِدَ بِمَلَكٍ يُنْذِرُ مَعَهُ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّماءِ يَسْتَظْهِرُ بِهِ ولا يَحْتاجُ إلى تَحْصِيلِ المَعاشِ. ثُمَّ اقْتَنَعُوا بِأنْ يَكُونَ لَهُ بُسْتانٌ يَأْكُلُ مِنهُ ويَرْتَزِقُ كالمَياسِيرِ. وقُرِئَ ”فَتَكُونُ“ بِالرَّفْعِ، حَكاهُ أبُو مُعاذٍ عَطْفًا عَلى (أُنْزِلَ)؛ لِأنَّ (أُنْزِلَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهو ماضٍ وقَعَ مَوْقِعَ المُضارِعِ، أيْ: هَلّا يَنْزِلُ إلَيْهِ مَلَكٌ، أوْ هو جَوابُ التَّحْضِيضِ عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو يَكُونُ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ. وقَوْلُهُ: (أوْ يُلْقى) (أوْ) يَكُونُ عُطِفَ عَلى (أُنْزِلَ) أيْ لَوْلا يَنْزِلُ، فَيَكُونُ المَطْلُوبُ أحَدَ هَذِهِ الأُمُورِ أوْ مَجْمُوعَها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ القائِلِينَ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ في (أوْ يُلْقى) ولا في (أوْ تَكُونُ) عَطْفًا عَلى (فَيَكُونَ)؛ لِأنَّهُما في حُكْمِ المَطْلُوبِ بِالتَّحْضِيضِ لا في حُكْمِ الجَوابِ لِقَوْلِهِ: (لَوْلا أُنْزِلَ) . وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ: ”أوْ يَكُونُ“ بِالياءِ مِن تَحْتُ. وقَرَأ (يَأْكُلُ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيِ: الرَّسُولُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِنُونِ الجَمْعِ، أيْ: يَأْكُلُونَ هم مِن ذَلِكَ البُسْتانِ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ في دُنْياهم ومَعاشِهِمْ. (وقالَ الظّالِمُونَ) أيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ فِيما قالُوهُ، انْتَهى. وتَرْكِيبُهُ وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ لَيْسَ تَرْكِيبًا سائِغًا، بَلِ التَّرْكِيبُ العَرَبِيُّ أنْ يَقُولَ: وأرادَهم بِأعْيانِهِمْ بِالظّالِمِينَ (مَسْحُورًا) غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ السِّحْرُ وهَذا أظْهَرُ، أوْ ذا سَحْرٍ وهو الرِّئَةُ، أوْ يُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ، أيْ: يُغَذّى، أوْ أُصِيبَ سَحْرُهُ كَما تَقُولُ رَأسْتُهُ أصَبْتُ رَأْسَهُ. وقِيلَ: (مَسْحُورًا) ساحِرًا عَنَوْا بِهِ أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم لا مَلَكٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في الإسْراءِ وبِهَذَيْنِ القَوْلَيْنِ قِيلَ: والقائِلُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ ومَن تابَعَهم. ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: قالُوا فِيكَ تِلْكَ الأقْوالَ واخْتَرَعُوا لَكَ تِلْكَ الصِّفاتِ والأحْوالَ النّادِرَةَ مِن نُبُوَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ إنْسانٍ ومَلَكٍ، وإلْقاءِ كَنْزٍ عَلَيْكَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ ضُلّالًا لا يَجِدُونَ قَوْلًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ، أيْ: فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا لَهُ. وقِيلَ: (ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ) بِالمَسْحُورِ والكاهِنِ والشّاعِرِ وغَيْرِهِ، (فَضَلُّوا) أخْطَئُوا الطَّرِيقَ فَلا يَجِدُونَ سَبِيلَ هِدايَةٍ ولا يُطِيقُونَهُ؛ لِالتِباسِهِمْ بِضِدِّهِ مِنَ الضَّلالِ. وقِيلَ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى حُجَّةٍ وبُرْهانٍ عَلى ما يَقُولُونَ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: هو بَلِيغٌ فَصِيحٌ يَتَقَوَّلُ القُرْآنَ مِن نَفْسِهِ ويَفْتَرِيهِ، ومَرَّةً: مَجْنُونٌ، ومَرَّةً: ساحِرٌ، ومَرَّةً: مَسْحُورٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَبَّهَ لَكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ الأشْباهَ بِقَوْلِهِمْ هو مَسْحُورٌ فَضَلُّوا بِذَلِكَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا إلى الحَقِّ الَّذِي بَعَثَكَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَجِدُونَ مَخْرَجًا يُخْرِجُهم عَنِ الأمْثالِ الَّتِي (ضَرَبُوا لَكَ) . ومَعْناهُ أنَّهم (ضَرَبُوا لَكَ) هَذِهِ لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى تَكْذِيبِكَ، (فَضَلُّوا) عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ وعَنْ بُلُوغِ ما أرادُوا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ (انْظُرْ كَيْفَ) (p-٤٨٤)اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها؛ لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ، لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ سَبِيلًا، إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ فِيما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَسْتَطِيعُونَ في أمْرِكَ حِيلَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: (سَبِيلًا) إلى الطَّعْنِ. ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ ما قالُوا قِيلَ: فِيما يُرْوى إنْ شِئْتَ أنْ نُعْطِيَكَ خَزائِنَ الدُّنْيا ومَفاتِيحَها، ولَمْ يُعْطَ ذَلِكَ أحَدٌ قَبْلَكَ ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِناقِصِكَ في الآخِرَةِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعْناهُ لَكَ في الآخِرَةِ فَقالَ: يُجْمَعُ لِي ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَنَزَلَ: (تَبارَكَ الَّذِي) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (تَبارَكَ): أيْ تَكاثَرَ خَيْرًا (الَّذِي إنْ شاءَ) وهَبَ لَكَ في الدُّنْيا (خَيْرًا) مِمّا قالُوا، وهو أنْ يَجْعَلَ لَكَ مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ مِنَ الجَنّاتِ والقُصُورِ، انْتَهى. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) الظّاهِرُ أنَّهُ إلى ما ذَكَرَهُ الكُفّارُ مِنَ الجَنَّةِ والكَنْزِ في الدُّنْيا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. ويَبْعُدُ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى أكْلِهِ الطَّعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَعْلَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا لَوْ شاءَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ ودَخَلَتْ (إنْ) عَلى المَشِيئَةِ تَنْبِيهًا أنَّهُ لا يُنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. والأوَّلُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِ الكُفّارِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، انْتَهى. ولا يَرُدُّهُ؛ لِأنَّ المَعْنى بِهِ مُتَمَكِّنٌ وهو عَطْفٌ عَلى ما حُكِيَ عَنْهم يَقُولُ: بَلْ أتى بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، وهو تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَجْعَلْ) بِالجَزْمِ، قالُوا عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ جَعَلَ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أُدْغِمَتْ لامُهُ في لامِ (لَكَ)، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو، والَّذِي قَرَأ بِالجَزْمِ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو، ولَيْسَ مِن مَذْهَبِ الثَّلاثَةِ إدْغامُ المِثْلَيْنِ إذا تَحَرَّكَ أوَّلُهُما، إنَّما هو مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو كَما ذَكَرْنا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وحُمَيْدٌ وأبُو بَكْرٍ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، بِالرَّفْعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والِاسْتِئْنافُ ووَجْهُهُ العَطْفُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (جَعَلَ)؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو مَوْضِعُ اسْتِئْنافٍ. ألا تَرى أنَّ الجُمَلَ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ قَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ ؟ وقالَ الحَوْفِيُّ: مَن رَفَعَ جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا مَنقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وبِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (ويَجْعَلُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (جَعَلَ)؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا وقَعَ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الجَزْمُ والرَّفْعُ، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ: لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ: إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الرَّفْعُ، لَيْسَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ؛ إذْ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وأنَّ هَذا المُضارِعَ المَرْفُوعَ النِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ، ولِكَوْنِ الجَوابِ مَحْذُوفًا لا يَكُونُ فِعْلُ الشَّرْطِ إلّا بِصِيغَةِ الماضِي. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ وأنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، وذَهَبَ غَيْرُ هَؤُلاءِ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ، ولَيْسَ عَلى حَذْفِ الفاءِ ولا عَلى التَّقْدِيمِ، ولَمّا لَمْ يَظْهَرْ لِأداةِ الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ في فِعْلِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ ماضِيَ اللَّفْظِ ضَعُفَ عَنِ العَمَلِ في فِعْلِ الجَوابِ فَلَمْ تَعْمَلْ فِيهِ، وبَقِيَ مَرْفُوعًا، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ فَصِيحٌ وأنَّهُ جائِزٌ في الكَلامِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: هو ضَرُورَةٌ إذْ لَمْ يَجِئْ إلّا في الشِّعْرِ، وهو عَلى إضْمارِ الفاءِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ (ويَجْعَلَ) بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي عَلى جَوابِ الشَّرْطِ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، انْتَهى. ونَظِيرُ هَذِهِ القِراءاتِ الثَّلاثِ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٤٨٥) ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذْ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ يُرْوى بِجَزْمِ نَأْخُذُ ورَفْعِهِ ونَصْبِهِ. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، قالَ الكَرْمانِيُّ: المَعْنى ما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ أكْلُكَ الطَّعامَ ولا مَشْيُكَ في السُّوقِ، بَلْ مَنَعَهم تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقِيلَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً بَلِ الحامِلُ عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما يَلِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، فَكَيْفَ يَلْتَفِتُونَ إلى هَذا الجَوابِ، وكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِتَعْجِيلِ مِثْلِ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ؟ ! انْتَهى. وبَلْ لِتَرْكِ اللَّفْظِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَعْناهُ وأخْذٍ في لَفْظٍ آخَرَ. (وأعْتَدْنا) جَعَلْناهُ مُعَدًّا. (سَعِيرًا) نارًا كَبِيرَةَ الإيقادِ. وعَنِ الحَسَنِ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (إذا رَأتْهم)، قِيلَ: هو حَقِيقَةٌ وإنَّ لِجَهَنَّمَ عَيْنَيْنِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أثَرٌ فَإنْ صَحَّ كانَ هو القَوْلَ الصَّحِيحَ. وإلّا كانَ مَجازًا، أيْ صارَتْ مِنهم بِقَدْرِ ما يَرى الرّائِي مِنَ البُعْدِ كَقَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى أيْ تَتَناظَرُ وتَتَقابَلُ، ومِنهُ: لا تَتَراءى ناراهُما. وقالَ قَوْمٌ: النّارُ اسْمٌ لِحَيَوانٍ نارِيٍّ يَتَكَلَّمُ ويَرى ويَسْمَعُ ويَتَغَيَّرُ ويَزْفِرُ؛ حَكاهُ الكَرْمانِيُّ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: رَأتْهم خَزَنَتُها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، قِيلَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وقِيلَ: مِائَةُ سَنَةٍ. وقِيلَ: سَنَةٌ. (سَمِعُوا لَها) صَوْتَ تَغَيُّظٍ؛ لِأنَّ التَّغَيُّظَ لا يُسْمَعُ، وإذا كانَ عَلى حَذْفِ المُضافِ كانَ المَعْنى تَغَيَّظُوا وزَفَرُوا غَضَبًا عَلى الكُفّارِ وشَهْوَةً لِلِانْتِقامِ مِنهم. وقِيلَ: (سَمِعُوا) صَوْتَ لَهِيبِها واشْتِعالِها، وقِيلَ: هو مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَيا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وهَذا مُخَرَّجٌ عَلى تَخْرِيجَيْنِ أحَدُهُما الحَذْفُ، أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا. والثّانِي: تَضْمِينٌ ضَمَّنَ مُتَقَلِّدًا مَعْنى مُتَسَلِّحًا فَكَذَلِكَ الآيَةُ، أيْ: (سَمِعُوا لَها) ورَأوْا ﴿تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ وعادَ كُلُّ واحِدٍ إلى ما يُناسِبُهُ. أوْ ضَمَّنَ (سَمِعُوا) مَعْنى أدْرَكُوا فَيَشْمَلُ التَّغَيُّظَ والزَّفِيرَ. وانْتَصَبَ (مَكانًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ في مَكانٍ ضَيِّقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ ضِيقَ الزَّجِّ في الرُّمْحِ مُقَرَّنِينَ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالسَّلاسِلِ. وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ضَيِّقًا) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو شَيْبَةَ صاحِبُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مُقَرَّنُونَ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، والوَجْهُ قِراءَةُ النّاسِ ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ووَجْهُها أنْ يَرْتَفِعَ عَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ: (أُلْقُوا) بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ، ونُصِبَ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ دُعاءُ الثُّبُورِ، وهي الهَلاكُ، فَيَقُولُونَ: واثُبُوراهُ ! أيْ يُقالُ: يا ثُبُورُ فَهَذا أوانُكَ. وقِيلَ: المَدْعُوُّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ دَعَوْا مَن لا يُجِيبُهم قائِلِينَ ثُبِرْنا ثُبُورًا. والثُّبُورُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الوَيْلُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى: ؎إذْ يُجارِي الشَّيْطانَ في سِنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ (لا تَدْعُوا اليَوْمَ) يُقالُ لَهم: (لا تَدْعُوا)، أوْ هم أحَقُّ أنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ، أيْ: لا تَقْتَصِرُوا عَلى حُزْنٍ واحِدٍ بَلِ احْزَنُوا حُزْنًا كَثِيرًا، وكَثْرَتُهُ إمّا لِدَيْمُومَةِ العَذابِ فَهو مُتَجِدِّدٌ دائِمًا، وإمّا لِأنَّهُ أنْواعٌ وكُلُّ نَوْعٍ يَكُونُ مِنهُ ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ (ثَبُورًا) بِفَتْحِ الثّاءِ في ثَلاثَتِها، وفَعُولٌ بِفَتْحِ الفاءِ في المَصادِرِ قَلِيلٌ، نَحْوُ البَتُولِ. وحَكى عَلِيُّ بْنُ عِيسى: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا الأمْرِ، أيْ: ما صَرَفَكَ. كَأنَّهم دَعَوْا بِما فَعَلُوا فَقالُوا: واصَرْفاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ! كَما تَقُولُ: وانَدامَتاهُ ! . رُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما يُنادِي بِذَلِكَ إبْلِيسُ، يَقُولُ: واثُبُوراهُ ! حَتّى يُكْسى حُلَّةً مِن جَهَنَّمَ يَضَعُها عَلى جَبِينِهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ، ثُمَّ يَتْبَعُهُ في القَوْلِ أتْباعُهُ، فَيَقُولُ لَهم خُزّانُ جَهَنَّمَ: (لا تَدْعُوا) الآيَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ خَطَلٍ وأصْحابِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ (p-٤٨٦)بِذَلِكَ إلى النّارِ وأحْوالِ أهْلِها. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والكَنْزِ في قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والقُصُورِ المَجْعُولَةِ في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ المَشِيئَةِ، و(خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ تَدُلُّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ، بَلْ هي عَلى ما جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ في بَيانِ فَضْلِ الشَّيْءِ وخُصُوصِيَّتِهِ بِالفَضْلِ دُونَ مُقابِلِهِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وكَقَوْلِ العَرَبِ: الشَّقاءُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ السَّعادَةُ. وكَقَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا؛ جازَ فِيهِ مَجِيءُ لَفْظِهِ لِلتَّفْضِيلِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ المُوقِفَ جائِزٌ لَهُ أنْ يُوقِفَ مُحاوِرَهُ عَلى ما شاءَ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ بِالصَّوابِ أوْ بِالخَطَأِ، وإنَّما مَنَعَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لِأنَّ فِيهِ مُخالَفَةً، وأمّا إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَذَلِكَ سائِغٌ، انْتَهى. وما ذَكَرَهُ يُخالِفُهُ قَوْلُهُ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وقَوْلُهُ ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣] فَإنَّ هَذا خَبَرٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُهم: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ إلّا إنْ تَقَيَّدَ الخَبَرُ بِأنَّهُ إذا كانَ واضِحًا الحُكْمُ فِيهِ لِلسّامِعِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِجُ في ذِهْنِهِ ولا يَتَرَدَّدُ أيُّهُما أفْضَلُ فَإنَّهُ يَجُوزُ. وضَمِيرُ (الَّتِي) مَحْذُوفٌ، أيْ: وعَدَها، وضَمِيرُ (ما يَشاءُونَ) كَذَلِكَ، أيْ: ما يَشاءُونَهُ، وفي قَوْلِهِ: ما يَشاءُونَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُصُولَ المُراداتِ بِأسْرِها لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ. وشَمَلَ قَوْلُهُ: (جَزاءً ومَصِيرًا) الثَّوابَ ومَحَلَّهُ كَما قالَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]، وفي ضِدِّهِ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]؛ لِأنَّهُ بِطِيبِ المَكانِ يَتَضاعَفُ النَّعِيمُ، كَما أنَّهُ بِرَداءَتِهِ يَتَضاعَفُ العَذابُ (وعْدًا)، أيْ: مَوْعُودًا، (مَسْئُولًا) سَألَتْهُ المَلائِكَةُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨]؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والنّاسُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿وعْدًا مَسْئُولًا﴾ أيْ: واجِبًا، يُقالُ لَأُعْطِيَنَّكَ ألْفًا وعْدًا مَسْئُولًا، أيْ: واجِبًا وإنْ لَمْ يُسْألْ. قِيلَ: وما قالَهُ الفَرّاءُ مُحالٌ، انْتَهى. ولَيْسَ مُحالًا؛ إذْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ هَذا الوَعْدُ الَّذِي وعَدْتَهُ أوْ بِصَدَدِ أنْ يُسْألَ، أيْ: مِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مَسْئُولًا. و(عَلى رَبِّكَ)، أيْ: بِسَبَبِ الوَعْدِ صارَ لا بُدَّ مْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ ذَلِكَ مَوْعُودًا واجِبًا عَلى رَبِّكَ إنْجازُهُ حَقِيقًا أنْ يُسْألَ ويُطْلَبَ لِأنَّهُ جَزاءٌ وأجْرٌ مُسْتَحَقٌّ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.

الفرقان 25:5

سُورَةُ الفُرْقانِ ﷽ (p-٤٧٩)﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ (p-٤٨٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقالَ الضَّحّاكُ مَدَنِيَّةٌ إلّا مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: (ولا نُشُورًا)، فَهو مَكِّيٌّ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وُجُوبَ مُبايَعَةِ المُؤْمِنِينَ لِلرَّسُولِ، وأنَّهم إذا كانُوا مَعَهُ في أمْرٍ مُهِمٍّ تَوَقَّفَ انْفِصالُ واحِدٍ مِنهم عَلى إذْنِهِ، وحَذَّرَ مَن يُخالِفُ أمْرَهُ، وذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما هم عَلَيْهِ ومُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ غايَةً في التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، ناسَبَ أنْ يَفْتَتِحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ في صِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ، كَثِيرُ الخَيْرِ، ومِن خَيْرِهِ أنَّهُ (نَزَّلَ الفُرْقانَ) عَلى رَسُولِهِ مُنْذِرًا لَهم، فَكانَ في ذَلِكَ إطْماعٌ في خَيْرِهِ وتَحْذِيرِهِ مِن عِقابِهِ. و(تَبارَكَ) تَفاعَلَ مُطاوِعُ بارَكَ وهو فِعْلٌ لا يَتَصَرَّفُ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ تَعالى، فَلا يَجِيءُ مِنهُ مُضارِعٌ ولا اسْمُ فاعِلٍ ولا مَصْدَرٌ. وقالَ الطِّرِمّاحُ: ؎تَبارَكْتَ لا مُعْطٍ لِشَيْءٍ مَنَعْتَهُ ولَيْسَ لِما أعْطَيْتَ يا رَبِّ مانِعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَزَلْ ولا يَزُولُ. وقالَ الخَلِيلُ: تَمَجَّدَ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعَظَّمَ. وحَكى الأصْمَعِيُّ تَبارَكْتُ عَلَيْكم مِن قَوْلِ عَرَبِيٍّ صَعِدَ رابِيَةً فَقالَ لِأصْحابِهِ ذَلِكَ، أيْ تَعالَيْتُ وارْتَفَعْتُ. فَفي هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ صِفَةَ ذاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: هو مِنَ البَرَكَةِ، وهو التَّزايُدُ في الخَيْرِ مِن قِبَلِهِ، فالمَعْنى زادَ خَيْرُهُ وعَطاؤُهُ وكَثُرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ وجاءَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى (الَّذِي)، وهم وإنْ كانُوا لا يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ فَقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى إعْجازِهِ، فَصارَتِ الصِّلَةُ مَعْلُومَةً بِحَسَبِ الدَّلِيلِ، وإنْ كانُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ. وتَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ لِمَ سُمِّيَ القُرْآنُ فُرْقانًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلى عَبْدِهِ)، وهو الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلى عِبادِهِ أيِ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، كَما قالَ (لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم)، (وما أُنْزِلَ إلَيْنا)، ويَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وبِعَبْدِهِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]، والضَّمِيرُ في (لِيَكُونَ) . قالَ ابْنُ زَيْدٍ: عائِدٌ عَلى (عَبْدِهِ) ويَتَرَجَّحُ بِأنَّهُ العُمْدَةُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلُ، وهو مِن وصْفِهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] . والظّاهِرُ أنَّ (نَذِيرًا) بِمَعْنى مُنْذِرٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ومِنهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] . و(لِلْعالَمِينَ) عامٌّ لِلْإنْسِ والجِنِّ، مِمَّنْ عاصَرَهُ أوْ جاءَ بَعْدَهُ، وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ الحَدِيثِ المُتَواتِرِ وظَواهِرِ الآياتِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ (لِلْعالَمِينَ) لِلْجِنِّ والإنْسِ، وهو تَفْسِيرٌ (لِلْعالَمِينَ) . ولَمّا سَبَقَ في أواخِرِ السُّورَةِ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٦٤]، فَكانَ إخْبارًا بِأنَّ ما فِيهِما مِلْكٌ لَهُ، أخْبَرَ هُنا أنَّهُ لَهُ مُلْكُهُما أيْ قَهْرُهُما وقَهْرُ ما فِيهِما، فاجْتَمَعَ لَهُ المِلْكُ والمُلْكُ لَهُما ولِما فِيهِما، و(الَّذِي) مَقْطُوعٌ لِلْمَدْحِ رَفْعًا أوْ نَصْبًا أوْ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ (الَّذِي نَزَّلَ)، وما بَعْدَ (نَزَّلَ) مِن تَمامِ الصِّلَةِ ومُتَعَلِّقٌ بِهِ فَلا يُعَدُّ فاصِلًا بَيْنَ النَّعْتِ أوِ البَدَلِ ومَتْبُوعِهِ. (ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا) الظّاهِرُ نُفْيُ الِاتِّخاذِ، أيْ: لَمْ يُنْزِلْ أحَدًا مَنزِلَةَ الوَلَدِ. وقِيلَ: المَعْنى لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، بِمَعْنى قَوْلِهِ: لَمْ يَلِدْ لِأنَّ التَّوالُدَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ. وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وعَلى النَّصارى واليَهُودِ النّاسِبِينَ لِلَّهِ الوَلَدَ. ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ورَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا. ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ في خَلْقِ الذَّواتِ وأفْعالِها. قِيلَ: وفي (p-٤٨١)الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، مِمّا يَصِحُّ خَلْقُهُ لِتَخْرُجَ عَنْهُ ذاتُهُ وصِفاتُهُ القَدِيمَةُ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: أكْرَمْتُ كُلَّ رَجُلٍ لا يَدْخُلُ هو في العُمُومِ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ في عُمُومِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ذاتُهُ تَعالى ولا صِفاتُهُ القَدِيمَةُ. (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) إنْ كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، فَكَيْفَ جاءَ (فَقَدَّرَهُ) إذْ يَصِيرُ المَعْنى وقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ يُقَدِّرُهُ (تَقْدِيرًا) . فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّهُ أحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إحْداثًا مُراعًى فِيهِ التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ، فَقَدَّرَهُ وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، أوْ سُمِّيَ إحْداثُ اللَّهِ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ لا يُحْدِثُ شَيْئًا لِحِكْمَتِهِ إلّا عَلى وجْهِ التَّقْدِيرِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ. فَإذا قِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ كَذا، فَهو بِمَنزِلَةِ إحْداثِ اللَّهِ وأوْجَدَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى وجْهِ الِاشْتِقاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ في إيجادِهِ مُتَفاوِتًا. وقِيلَ: فَجَعَلَ لَهُ غايَةً ومُنْتَهًى، ومَعْناهُ (فَقَدَّرَهُ) لِلْبَقاءِ إلى أمَدٍ مَعْلُومٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ الأشْياءِ هو حَدُّها بِالأمْكِنَةِ والأزْمانِ والمَقادِيرِ والمَصْلَحَةِ والإتْقانِ، انْتَهى. ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ الضَّمِيرُ في (واتَّخَذُوا) عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ﴾، دَلالَةً عَلى ذَلِكَ لَمْ يُنْفَ إلّا وقَدْ قِيلَ بِهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: الواوُ ضَمِيرٌ لِلْكُفّارِ وهم مُنْدَرِجُونَ في قَوْلِهِ: (لِلْعالَمِينَ) . وقِيلَ: لَفْظُ (نَذِيرًا) يُنْبِئُ عَنْهم؛ لِأنَّهُمُ المُنْذَرُونَ ويَنْدَرِجُ في (واتَّخَذُوا) كُلُّ مَنِ ادَّعى إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعُبّادِ الأوْثانِ وعُبّادِ الكَواكِبِ. وقالَ القاضِي: يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ النَّصارى؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً عَلى الجَمْعِ. والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّ لِعُبّادِها كَثْرَةً، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما قالَ؛ لِأنَّ (واتَّخَذُوا) جَمْعٌ و(آلِهَةٌ) جَمْعٌ، وإذا قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ تَقابَلَ الفَرْدُ بِالفَرْدِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُقابَلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ فَيَنْدَرِجُ مَعْبُودُ النَّصارى في لَفْظِ (آلِهَةً) . ثُمَّ وصَفَ الآلِهَةَ بِانْتِفاءِ إنْشائِهِمْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إشارَةً إلى انْتِفاءِ القُدْرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ ذاتًا أوْ مَصْنُوعُونَ بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، وهَذا أبْلَغُ في الخَساسَةِ، ونِسْبَةُ الخَلْقِ لِلْبَشَرِ تَجُوزُ. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلْقُ بِمَعْنى الِافْتِعالِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، والمَعْنى أنَّهم آثَرُوا عَلى عِبادَتِهِ عِبادَةَ آلِهَةٍ لا عَجْزَ أبْيَنُ مِن عَجْزِهِمْ، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ ولا أفْعالِ العِبادِ حَيْثُ لا يَفْتَعِلُونَ شَيْئًا وهم يُفْتَعَلُونَ؛ لِأنَّ عَبَدَتَهم يَصْنَعُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ. ﴿ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ﴾ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْها ولا جَلْبَ نَفْعٍ إلَيْها وهم يَسْتَطِيعُونَ، وإذا عَجَزُوا عَنِ الِافْتِعالِ ودَفْعِ الضَّرَرِ وجَلْبِ النَّفْعِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ العِبادُ كانُوا عَنِ المَوْتِ والحَياةِ والنُّشُورِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ أعْجَزَ. (وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأتْباعُهُ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ. ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ ألْقَوْا أخْبارَ الأُمَمِ إلَيْهِ. وقِيلَ: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وكانُوا كِتابِيِّينَ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ أسْلَمُوا وكانَ الرَّسُولُ يَتَعَهَّدُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشارُوا إلى قَوْمٍ عَبِيدٍ كانُوا لِلْعَرَبِ مِنَ الفُرْسِ أبُو فُكَيْهَةَ مَوْلى الحَضْرَمِيِّينَ. وجَبْرٌ ويَسارٌ وعَدّاسٌ وغَيْرُهم. وقالَ الضَّحّاكُ: عَنَوْا أبا فُكَيْهَةَ الرُّومِيَّ. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنَوْا بِقَوْمٍ آخَرِينَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ آخَرَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الأوَّلِ، انْتَهى. وما قالَهُ لا يَلْزَمُ لِلِاشْتِراكِ في جِنْسِ الإنْسانِ، ولا يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ في الوَصْفِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] فَقَدِ اشْتَرَكَتا في مُطْلَقِ الفِئَةِ، واخْتَلَفَتا في الوَصْفِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَقَدْ جاءُوا) عائِدٌ عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ورَدُوا ظُلْمًا، كَما تَقُولُ: جِئْتُ المَكانَ فَيَكُونُ جاءَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ؛ قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ الجارُّ أيْ بِظُلْمٍ (p-٤٨٢)وزُورٍ ويَصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا جاءَ يُسْتَعْمَلُ بِهَذَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ، وظُلْمُهم أنْ جَعَلُوا العَرَبِيَّ يَتَلَقَّنُ مِنَ العَجَمِيِّ كَلامًا عَرَبِيًّا أعْجَزَ بِفَصاحَتِهِ جَمِيعَ فُصَحاءِ العَرَبِ، والزُّورُ أنْ بَهَتُوهُ بِنِسْبَةِ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ، والضَّمِيرُ في (وقالُوا) لِلْكُفّارِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ﴿اكْتَتَبَها﴾ أيْ: جَمَعَها، مِن قَوْلِهِمْ: كَتَبَ الشَّيْءَ، أيْ: جَمَعَهُ، أوْ مِنَ الكِتابَةِ، أيْ: كَتَبَها بِيَدِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَذِبِهِمْ عَلَيْهِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكْتُبُ، ويَكُونُ كاسْتَكَبَّ الماءَ واصْطَبَّهُ أيْ سَكَبَهُ وصَبَّهُ. ويَكُونُ لَفْظُ افْتَعَلَ مُشْعِرًا بِالتَّكَلُّفِ والِاعْتِمالِ، أوْ بِمَعْنى أمَرَ أنْ يُكْتَبَ، كَقَوْلِهِمُ احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُلْقى عَلَيْهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى المُتَحَفِّظِ كَصُورَةِ الإمْلاءِ عَلى الكاتِبِ. و﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أوْ هَذِهِ (أساطِيرُ)، و(اكْتَتَبَها) خَبَرٌ ثانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أساطِيرُ) مُبْتَدَأً و(اكْتَتَبَها) الخَبَرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (اكْتَتَبَها) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقِراءَةُ طَلْحَةَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى (اكْتَتَبَها) كاتِبٌ لَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ بِيَدِهِ وذَلِكَ مِن تَمامِ إعْجازِهِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ فَأفْضى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو إيّاهُ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا بَعْدَ أنْ كانَ بارِزًا مَنصُوبًا، وبَقِيَ ضَمِيرُ الأساطِيرِ عَلى حالِهِ، فَصارَ (اكْتَتَبَها) كَما تَرى، انْتَهى. وهو مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ (اكْتَتَبَها) لَهُ كاتِبٌ وُصِلَ فِيهِ اكْتَتَبَ لِمَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما: مُسَرَّحٌ وهو ضَمِيرُ الأساطِيرِ، والآخَرُ: مُقَيَّدٌ وهو ضَمِيرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ اتُّسِعَ في الفِعْلِ فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، فَإذا بُنِيَ هَذا الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ إنَّما يَنُوبُ عَنِ الفاعِلِ المَفْعُولُ المُسَرَّحُ لَفْظًا وتَقْدِيرًا لا المُسَرَّحُ لَفْظًا المُقَيَّدُ تَقْدِيرًا، فَعَلى هَذا كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ اكْتَتَبَتْهُ لا (اكْتَتَبَها) وعَلى هَذا الَّذِي قُلْناهُ جاءَ السَّماعُ عَنِ العَرَبِ في هَذا النَّوْعِ، الَّذِي أحَدُ المَفْعُولَيْنِ فِيهِ مُسَرَّحٌ لَفْظًا وتَقْدِيرًا، والآخَرُ مُسَرَّحٌ لَفْظًا لا تَقْدِيرًا. قالَ الشّاعِرُ - وهو الفَرَزْدَقُ -: ؎ومِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالَ سَماحَةً ∗∗∗ وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزُّعازِعُ ولَوْ جاءَ عَلى ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَجاءَ التَّرْكِيبُ: ومِنّا الَّذِي اخُتِيرَهُ الرِّجالَ؛ لِأنَّ اخْتارَ تَعَدّى إلى الرِّجالِ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ إذْ تَقْدِيرُهُ اخْتِيرَ مِنَ الرِّجالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الكُفّارِ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - يُكَذِّبُهم وإنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فَتَحْتَ الهَمْزَةَ في (اكْتَتَبَها) لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎أفْرَحُ إنْ أُرْزَأ الكِرامُ وأنْ ∗∗∗ آخُذَ ذَوْدًا شَصايِصًا نَبَلا وحُقَّ لِلْحَسَنِ أنْ يَقِفَ عَلى الأوَّلِينَ. والظّاهِرُ تَقْيِيدُ الإمْلاءِ بِوَقْتِ انْتِشارِ النّاسِ وحِينِ الإيواءِ إلى مَساكِنِهِمْ، وهُما البُكْرَةُ والأصِيلُ، أوْ يَكُونانِ عِبارَةً عَنِ الدَّيْمُومَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى ”فَهي تُتْلى“ بِالتّاءِ بَدَلَ المِيمِ. ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ كُلَّ سِرٍّ خَفِيٍّ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذا وهو وصْفُهُ تَعالى بِالعِلْمِ؛ لِأنَّ هَذا القُرْآنَ لَمْ يَكُنْ لِيَصْدُرَ إلّا مِن عَلّامٍ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِن إعْجازِ التَّرْكِيبِ الَّذِي لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِن أحَدٍ، ولَوِ اسْتَعانَ بِالعالَمِ كُلِّهِمْ ولِاشْتِمالِهِ عَلى مَصالِحِ العالَمِ وعَلى أنْواعِ العُلُومِ، واكْتَفى بِعِلْمِ السِّرِّ؛ لِأنَّ ما سِواهُ أوْلى أنْ يَتَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِهِ، أوْ (يَعْلَمُ) ما تُسِرُّونَ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ مَعَ عِلْمِكم بِبُطْلِ ما تَقُولُونَ فَهو مُجازِيكم، ﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ إطْماعٌ في أنَّهم إذا تابُوا غَفَرَ لَهم ما فَرَطَ مِن كُفْرِهِمْ ورَحِمَهم. أوْ (غَفُورًا رَحِيمًا) في كَوْنِهِ أمْهَلَكم ولَمْ يُعاجِلْكم عَلى ما اسْتَوْجَبْتُمُوهُ مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ (p-٤٨٣)مُكابَرَتِكم، أوْ لَمّا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى العِقابِ أعْقَبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعاقِبَ. (وقالُوا) الضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وكانُوا قَدْ جَمَعَهم والرَّسُولَ مَجْلِسٌ مَشْهُورٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيَرِ فَقالَ عُتْبَةُ وغَيْرُهُ: إنْ كُنْتَ تُحِبُّ الرِّئاسَةَ ولَّيْناكَ عَلَيْنا، أوِ المالَ جَمَعْنا لَكَ، فَلَمّا أبى عَلَيْهِمُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: ما لَكَ وأنْتَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ تَأْكُلُ الطَّعامَ، وتَقِفُ بِالأسْواقِ لِالتِماسِ الرِّزْقِ؛ سَلْ رَبَّكَ أنْ يُنْزِلَ مَعَكَ مَلَكًا يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقِيَ إلَيْكَ كَنْزًا تُنْفِقُ مِنهُ، أوْ يَرُدَّ لَكَ جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا وتُزالَ الجِبالُ، ويَكُونَ مَكانَها جَنّاتٌ تَطَّرِدُ فِيها المِياهُ، وأشاعُوا هَذِهِ المُحاجَّةَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ لامُ الجَرِّ مَفْصُولَةً مِن (هَذا)، وهَذا اسْتِفْهامٌ يَصْحَبُهُ اسْتِهْزاءٌ، أيْ: (مالِ هَذا) الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولٌ أنْكَرُوا عَلَيْهِ ما هو عادَةٌ لِلرُّسُلِ، كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، أيْ: حالُهُ كَحالِنا، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأكْلِ والتَّعَيُّشِ، ثُمَّ قالُوا: وهَبْ أنَّهُ بَشَرٌ فَهَلّا أُرْفِدَ بِمَلَكٍ يُنْذِرُ مَعَهُ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّماءِ يَسْتَظْهِرُ بِهِ ولا يَحْتاجُ إلى تَحْصِيلِ المَعاشِ. ثُمَّ اقْتَنَعُوا بِأنْ يَكُونَ لَهُ بُسْتانٌ يَأْكُلُ مِنهُ ويَرْتَزِقُ كالمَياسِيرِ. وقُرِئَ ”فَتَكُونُ“ بِالرَّفْعِ، حَكاهُ أبُو مُعاذٍ عَطْفًا عَلى (أُنْزِلَ)؛ لِأنَّ (أُنْزِلَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهو ماضٍ وقَعَ مَوْقِعَ المُضارِعِ، أيْ: هَلّا يَنْزِلُ إلَيْهِ مَلَكٌ، أوْ هو جَوابُ التَّحْضِيضِ عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو يَكُونُ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ. وقَوْلُهُ: (أوْ يُلْقى) (أوْ) يَكُونُ عُطِفَ عَلى (أُنْزِلَ) أيْ لَوْلا يَنْزِلُ، فَيَكُونُ المَطْلُوبُ أحَدَ هَذِهِ الأُمُورِ أوْ مَجْمُوعَها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ القائِلِينَ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ في (أوْ يُلْقى) ولا في (أوْ تَكُونُ) عَطْفًا عَلى (فَيَكُونَ)؛ لِأنَّهُما في حُكْمِ المَطْلُوبِ بِالتَّحْضِيضِ لا في حُكْمِ الجَوابِ لِقَوْلِهِ: (لَوْلا أُنْزِلَ) . وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ: ”أوْ يَكُونُ“ بِالياءِ مِن تَحْتُ. وقَرَأ (يَأْكُلُ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيِ: الرَّسُولُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِنُونِ الجَمْعِ، أيْ: يَأْكُلُونَ هم مِن ذَلِكَ البُسْتانِ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ في دُنْياهم ومَعاشِهِمْ. (وقالَ الظّالِمُونَ) أيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ فِيما قالُوهُ، انْتَهى. وتَرْكِيبُهُ وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ لَيْسَ تَرْكِيبًا سائِغًا، بَلِ التَّرْكِيبُ العَرَبِيُّ أنْ يَقُولَ: وأرادَهم بِأعْيانِهِمْ بِالظّالِمِينَ (مَسْحُورًا) غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ السِّحْرُ وهَذا أظْهَرُ، أوْ ذا سَحْرٍ وهو الرِّئَةُ، أوْ يُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ، أيْ: يُغَذّى، أوْ أُصِيبَ سَحْرُهُ كَما تَقُولُ رَأسْتُهُ أصَبْتُ رَأْسَهُ. وقِيلَ: (مَسْحُورًا) ساحِرًا عَنَوْا بِهِ أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم لا مَلَكٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في الإسْراءِ وبِهَذَيْنِ القَوْلَيْنِ قِيلَ: والقائِلُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ ومَن تابَعَهم. ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: قالُوا فِيكَ تِلْكَ الأقْوالَ واخْتَرَعُوا لَكَ تِلْكَ الصِّفاتِ والأحْوالَ النّادِرَةَ مِن نُبُوَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ إنْسانٍ ومَلَكٍ، وإلْقاءِ كَنْزٍ عَلَيْكَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ ضُلّالًا لا يَجِدُونَ قَوْلًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ، أيْ: فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا لَهُ. وقِيلَ: (ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ) بِالمَسْحُورِ والكاهِنِ والشّاعِرِ وغَيْرِهِ، (فَضَلُّوا) أخْطَئُوا الطَّرِيقَ فَلا يَجِدُونَ سَبِيلَ هِدايَةٍ ولا يُطِيقُونَهُ؛ لِالتِباسِهِمْ بِضِدِّهِ مِنَ الضَّلالِ. وقِيلَ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى حُجَّةٍ وبُرْهانٍ عَلى ما يَقُولُونَ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: هو بَلِيغٌ فَصِيحٌ يَتَقَوَّلُ القُرْآنَ مِن نَفْسِهِ ويَفْتَرِيهِ، ومَرَّةً: مَجْنُونٌ، ومَرَّةً: ساحِرٌ، ومَرَّةً: مَسْحُورٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَبَّهَ لَكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ الأشْباهَ بِقَوْلِهِمْ هو مَسْحُورٌ فَضَلُّوا بِذَلِكَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا إلى الحَقِّ الَّذِي بَعَثَكَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَجِدُونَ مَخْرَجًا يُخْرِجُهم عَنِ الأمْثالِ الَّتِي (ضَرَبُوا لَكَ) . ومَعْناهُ أنَّهم (ضَرَبُوا لَكَ) هَذِهِ لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى تَكْذِيبِكَ، (فَضَلُّوا) عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ وعَنْ بُلُوغِ ما أرادُوا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ (انْظُرْ كَيْفَ) (p-٤٨٤)اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها؛ لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ، لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ سَبِيلًا، إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ فِيما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَسْتَطِيعُونَ في أمْرِكَ حِيلَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: (سَبِيلًا) إلى الطَّعْنِ. ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ ما قالُوا قِيلَ: فِيما يُرْوى إنْ شِئْتَ أنْ نُعْطِيَكَ خَزائِنَ الدُّنْيا ومَفاتِيحَها، ولَمْ يُعْطَ ذَلِكَ أحَدٌ قَبْلَكَ ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِناقِصِكَ في الآخِرَةِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعْناهُ لَكَ في الآخِرَةِ فَقالَ: يُجْمَعُ لِي ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَنَزَلَ: (تَبارَكَ الَّذِي) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (تَبارَكَ): أيْ تَكاثَرَ خَيْرًا (الَّذِي إنْ شاءَ) وهَبَ لَكَ في الدُّنْيا (خَيْرًا) مِمّا قالُوا، وهو أنْ يَجْعَلَ لَكَ مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ مِنَ الجَنّاتِ والقُصُورِ، انْتَهى. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) الظّاهِرُ أنَّهُ إلى ما ذَكَرَهُ الكُفّارُ مِنَ الجَنَّةِ والكَنْزِ في الدُّنْيا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. ويَبْعُدُ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى أكْلِهِ الطَّعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَعْلَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا لَوْ شاءَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ ودَخَلَتْ (إنْ) عَلى المَشِيئَةِ تَنْبِيهًا أنَّهُ لا يُنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. والأوَّلُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِ الكُفّارِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، انْتَهى. ولا يَرُدُّهُ؛ لِأنَّ المَعْنى بِهِ مُتَمَكِّنٌ وهو عَطْفٌ عَلى ما حُكِيَ عَنْهم يَقُولُ: بَلْ أتى بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، وهو تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَجْعَلْ) بِالجَزْمِ، قالُوا عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ جَعَلَ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أُدْغِمَتْ لامُهُ في لامِ (لَكَ)، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو، والَّذِي قَرَأ بِالجَزْمِ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو، ولَيْسَ مِن مَذْهَبِ الثَّلاثَةِ إدْغامُ المِثْلَيْنِ إذا تَحَرَّكَ أوَّلُهُما، إنَّما هو مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو كَما ذَكَرْنا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وحُمَيْدٌ وأبُو بَكْرٍ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، بِالرَّفْعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والِاسْتِئْنافُ ووَجْهُهُ العَطْفُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (جَعَلَ)؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو مَوْضِعُ اسْتِئْنافٍ. ألا تَرى أنَّ الجُمَلَ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ قَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ ؟ وقالَ الحَوْفِيُّ: مَن رَفَعَ جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا مَنقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وبِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (ويَجْعَلُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (جَعَلَ)؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا وقَعَ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الجَزْمُ والرَّفْعُ، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ: لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ: إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الرَّفْعُ، لَيْسَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ؛ إذْ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وأنَّ هَذا المُضارِعَ المَرْفُوعَ النِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ، ولِكَوْنِ الجَوابِ مَحْذُوفًا لا يَكُونُ فِعْلُ الشَّرْطِ إلّا بِصِيغَةِ الماضِي. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ وأنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، وذَهَبَ غَيْرُ هَؤُلاءِ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ، ولَيْسَ عَلى حَذْفِ الفاءِ ولا عَلى التَّقْدِيمِ، ولَمّا لَمْ يَظْهَرْ لِأداةِ الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ في فِعْلِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ ماضِيَ اللَّفْظِ ضَعُفَ عَنِ العَمَلِ في فِعْلِ الجَوابِ فَلَمْ تَعْمَلْ فِيهِ، وبَقِيَ مَرْفُوعًا، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ فَصِيحٌ وأنَّهُ جائِزٌ في الكَلامِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: هو ضَرُورَةٌ إذْ لَمْ يَجِئْ إلّا في الشِّعْرِ، وهو عَلى إضْمارِ الفاءِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ (ويَجْعَلَ) بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي عَلى جَوابِ الشَّرْطِ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، انْتَهى. ونَظِيرُ هَذِهِ القِراءاتِ الثَّلاثِ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٤٨٥) ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذْ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ يُرْوى بِجَزْمِ نَأْخُذُ ورَفْعِهِ ونَصْبِهِ. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، قالَ الكَرْمانِيُّ: المَعْنى ما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ أكْلُكَ الطَّعامَ ولا مَشْيُكَ في السُّوقِ، بَلْ مَنَعَهم تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقِيلَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً بَلِ الحامِلُ عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما يَلِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، فَكَيْفَ يَلْتَفِتُونَ إلى هَذا الجَوابِ، وكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِتَعْجِيلِ مِثْلِ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ؟ ! انْتَهى. وبَلْ لِتَرْكِ اللَّفْظِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَعْناهُ وأخْذٍ في لَفْظٍ آخَرَ. (وأعْتَدْنا) جَعَلْناهُ مُعَدًّا. (سَعِيرًا) نارًا كَبِيرَةَ الإيقادِ. وعَنِ الحَسَنِ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (إذا رَأتْهم)، قِيلَ: هو حَقِيقَةٌ وإنَّ لِجَهَنَّمَ عَيْنَيْنِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أثَرٌ فَإنْ صَحَّ كانَ هو القَوْلَ الصَّحِيحَ. وإلّا كانَ مَجازًا، أيْ صارَتْ مِنهم بِقَدْرِ ما يَرى الرّائِي مِنَ البُعْدِ كَقَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى أيْ تَتَناظَرُ وتَتَقابَلُ، ومِنهُ: لا تَتَراءى ناراهُما. وقالَ قَوْمٌ: النّارُ اسْمٌ لِحَيَوانٍ نارِيٍّ يَتَكَلَّمُ ويَرى ويَسْمَعُ ويَتَغَيَّرُ ويَزْفِرُ؛ حَكاهُ الكَرْمانِيُّ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: رَأتْهم خَزَنَتُها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، قِيلَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وقِيلَ: مِائَةُ سَنَةٍ. وقِيلَ: سَنَةٌ. (سَمِعُوا لَها) صَوْتَ تَغَيُّظٍ؛ لِأنَّ التَّغَيُّظَ لا يُسْمَعُ، وإذا كانَ عَلى حَذْفِ المُضافِ كانَ المَعْنى تَغَيَّظُوا وزَفَرُوا غَضَبًا عَلى الكُفّارِ وشَهْوَةً لِلِانْتِقامِ مِنهم. وقِيلَ: (سَمِعُوا) صَوْتَ لَهِيبِها واشْتِعالِها، وقِيلَ: هو مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَيا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وهَذا مُخَرَّجٌ عَلى تَخْرِيجَيْنِ أحَدُهُما الحَذْفُ، أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا. والثّانِي: تَضْمِينٌ ضَمَّنَ مُتَقَلِّدًا مَعْنى مُتَسَلِّحًا فَكَذَلِكَ الآيَةُ، أيْ: (سَمِعُوا لَها) ورَأوْا ﴿تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ وعادَ كُلُّ واحِدٍ إلى ما يُناسِبُهُ. أوْ ضَمَّنَ (سَمِعُوا) مَعْنى أدْرَكُوا فَيَشْمَلُ التَّغَيُّظَ والزَّفِيرَ. وانْتَصَبَ (مَكانًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ في مَكانٍ ضَيِّقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ ضِيقَ الزَّجِّ في الرُّمْحِ مُقَرَّنِينَ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالسَّلاسِلِ. وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ضَيِّقًا) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو شَيْبَةَ صاحِبُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مُقَرَّنُونَ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، والوَجْهُ قِراءَةُ النّاسِ ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ووَجْهُها أنْ يَرْتَفِعَ عَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ: (أُلْقُوا) بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ، ونُصِبَ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ دُعاءُ الثُّبُورِ، وهي الهَلاكُ، فَيَقُولُونَ: واثُبُوراهُ ! أيْ يُقالُ: يا ثُبُورُ فَهَذا أوانُكَ. وقِيلَ: المَدْعُوُّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ دَعَوْا مَن لا يُجِيبُهم قائِلِينَ ثُبِرْنا ثُبُورًا. والثُّبُورُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الوَيْلُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى: ؎إذْ يُجارِي الشَّيْطانَ في سِنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ (لا تَدْعُوا اليَوْمَ) يُقالُ لَهم: (لا تَدْعُوا)، أوْ هم أحَقُّ أنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ، أيْ: لا تَقْتَصِرُوا عَلى حُزْنٍ واحِدٍ بَلِ احْزَنُوا حُزْنًا كَثِيرًا، وكَثْرَتُهُ إمّا لِدَيْمُومَةِ العَذابِ فَهو مُتَجِدِّدٌ دائِمًا، وإمّا لِأنَّهُ أنْواعٌ وكُلُّ نَوْعٍ يَكُونُ مِنهُ ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ (ثَبُورًا) بِفَتْحِ الثّاءِ في ثَلاثَتِها، وفَعُولٌ بِفَتْحِ الفاءِ في المَصادِرِ قَلِيلٌ، نَحْوُ البَتُولِ. وحَكى عَلِيُّ بْنُ عِيسى: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا الأمْرِ، أيْ: ما صَرَفَكَ. كَأنَّهم دَعَوْا بِما فَعَلُوا فَقالُوا: واصَرْفاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ! كَما تَقُولُ: وانَدامَتاهُ ! . رُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما يُنادِي بِذَلِكَ إبْلِيسُ، يَقُولُ: واثُبُوراهُ ! حَتّى يُكْسى حُلَّةً مِن جَهَنَّمَ يَضَعُها عَلى جَبِينِهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ، ثُمَّ يَتْبَعُهُ في القَوْلِ أتْباعُهُ، فَيَقُولُ لَهم خُزّانُ جَهَنَّمَ: (لا تَدْعُوا) الآيَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ خَطَلٍ وأصْحابِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ (p-٤٨٦)بِذَلِكَ إلى النّارِ وأحْوالِ أهْلِها. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والكَنْزِ في قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والقُصُورِ المَجْعُولَةِ في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ المَشِيئَةِ، و(خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ تَدُلُّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ، بَلْ هي عَلى ما جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ في بَيانِ فَضْلِ الشَّيْءِ وخُصُوصِيَّتِهِ بِالفَضْلِ دُونَ مُقابِلِهِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وكَقَوْلِ العَرَبِ: الشَّقاءُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ السَّعادَةُ. وكَقَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا؛ جازَ فِيهِ مَجِيءُ لَفْظِهِ لِلتَّفْضِيلِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ المُوقِفَ جائِزٌ لَهُ أنْ يُوقِفَ مُحاوِرَهُ عَلى ما شاءَ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ بِالصَّوابِ أوْ بِالخَطَأِ، وإنَّما مَنَعَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لِأنَّ فِيهِ مُخالَفَةً، وأمّا إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَذَلِكَ سائِغٌ، انْتَهى. وما ذَكَرَهُ يُخالِفُهُ قَوْلُهُ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وقَوْلُهُ ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣] فَإنَّ هَذا خَبَرٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُهم: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ إلّا إنْ تَقَيَّدَ الخَبَرُ بِأنَّهُ إذا كانَ واضِحًا الحُكْمُ فِيهِ لِلسّامِعِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِجُ في ذِهْنِهِ ولا يَتَرَدَّدُ أيُّهُما أفْضَلُ فَإنَّهُ يَجُوزُ. وضَمِيرُ (الَّتِي) مَحْذُوفٌ، أيْ: وعَدَها، وضَمِيرُ (ما يَشاءُونَ) كَذَلِكَ، أيْ: ما يَشاءُونَهُ، وفي قَوْلِهِ: ما يَشاءُونَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُصُولَ المُراداتِ بِأسْرِها لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ. وشَمَلَ قَوْلُهُ: (جَزاءً ومَصِيرًا) الثَّوابَ ومَحَلَّهُ كَما قالَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]، وفي ضِدِّهِ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]؛ لِأنَّهُ بِطِيبِ المَكانِ يَتَضاعَفُ النَّعِيمُ، كَما أنَّهُ بِرَداءَتِهِ يَتَضاعَفُ العَذابُ (وعْدًا)، أيْ: مَوْعُودًا، (مَسْئُولًا) سَألَتْهُ المَلائِكَةُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨]؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والنّاسُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿وعْدًا مَسْئُولًا﴾ أيْ: واجِبًا، يُقالُ لَأُعْطِيَنَّكَ ألْفًا وعْدًا مَسْئُولًا، أيْ: واجِبًا وإنْ لَمْ يُسْألْ. قِيلَ: وما قالَهُ الفَرّاءُ مُحالٌ، انْتَهى. ولَيْسَ مُحالًا؛ إذْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ هَذا الوَعْدُ الَّذِي وعَدْتَهُ أوْ بِصَدَدِ أنْ يُسْألَ، أيْ: مِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مَسْئُولًا. و(عَلى رَبِّكَ)، أيْ: بِسَبَبِ الوَعْدِ صارَ لا بُدَّ مْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ ذَلِكَ مَوْعُودًا واجِبًا عَلى رَبِّكَ إنْجازُهُ حَقِيقًا أنْ يُسْألَ ويُطْلَبَ لِأنَّهُ جَزاءٌ وأجْرٌ مُسْتَحَقٌّ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.

الفرقان 25:6

سُورَةُ الفُرْقانِ ﷽ (p-٤٧٩)﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ (p-٤٨٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقالَ الضَّحّاكُ مَدَنِيَّةٌ إلّا مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: (ولا نُشُورًا)، فَهو مَكِّيٌّ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وُجُوبَ مُبايَعَةِ المُؤْمِنِينَ لِلرَّسُولِ، وأنَّهم إذا كانُوا مَعَهُ في أمْرٍ مُهِمٍّ تَوَقَّفَ انْفِصالُ واحِدٍ مِنهم عَلى إذْنِهِ، وحَذَّرَ مَن يُخالِفُ أمْرَهُ، وذَكَرَ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما هم عَلَيْهِ ومُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ غايَةً في التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، ناسَبَ أنْ يَفْتَتِحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ في صِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ، كَثِيرُ الخَيْرِ، ومِن خَيْرِهِ أنَّهُ (نَزَّلَ الفُرْقانَ) عَلى رَسُولِهِ مُنْذِرًا لَهم، فَكانَ في ذَلِكَ إطْماعٌ في خَيْرِهِ وتَحْذِيرِهِ مِن عِقابِهِ. و(تَبارَكَ) تَفاعَلَ مُطاوِعُ بارَكَ وهو فِعْلٌ لا يَتَصَرَّفُ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ تَعالى، فَلا يَجِيءُ مِنهُ مُضارِعٌ ولا اسْمُ فاعِلٍ ولا مَصْدَرٌ. وقالَ الطِّرِمّاحُ: ؎تَبارَكْتَ لا مُعْطٍ لِشَيْءٍ مَنَعْتَهُ ولَيْسَ لِما أعْطَيْتَ يا رَبِّ مانِعُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَزَلْ ولا يَزُولُ. وقالَ الخَلِيلُ: تَمَجَّدَ. وقالَ الضَّحّاكُ: تَعَظَّمَ. وحَكى الأصْمَعِيُّ تَبارَكْتُ عَلَيْكم مِن قَوْلِ عَرَبِيٍّ صَعِدَ رابِيَةً فَقالَ لِأصْحابِهِ ذَلِكَ، أيْ تَعالَيْتُ وارْتَفَعْتُ. فَفي هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ صِفَةَ ذاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: هو مِنَ البَرَكَةِ، وهو التَّزايُدُ في الخَيْرِ مِن قِبَلِهِ، فالمَعْنى زادَ خَيْرُهُ وعَطاؤُهُ وكَثُرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ وجاءَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى (الَّذِي)، وهم وإنْ كانُوا لا يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ فَقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى إعْجازِهِ، فَصارَتِ الصِّلَةُ مَعْلُومَةً بِحَسَبِ الدَّلِيلِ، وإنْ كانُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ. وتَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ لِمَ سُمِّيَ القُرْآنُ فُرْقانًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلى عَبْدِهِ)، وهو الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلى عِبادِهِ أيِ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، كَما قالَ (لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم)، (وما أُنْزِلَ إلَيْنا)، ويَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالقُرْآنِ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وبِعَبْدِهِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]، والضَّمِيرُ في (لِيَكُونَ) . قالَ ابْنُ زَيْدٍ: عائِدٌ عَلى (عَبْدِهِ) ويَتَرَجَّحُ بِأنَّهُ العُمْدَةُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلُ، وهو مِن وصْفِهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] . والظّاهِرُ أنَّ (نَذِيرًا) بِمَعْنى مُنْذِرٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ كالنَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ومِنهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] . و(لِلْعالَمِينَ) عامٌّ لِلْإنْسِ والجِنِّ، مِمَّنْ عاصَرَهُ أوْ جاءَ بَعْدَهُ، وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ الحَدِيثِ المُتَواتِرِ وظَواهِرِ الآياتِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ (لِلْعالَمِينَ) لِلْجِنِّ والإنْسِ، وهو تَفْسِيرٌ (لِلْعالَمِينَ) . ولَمّا سَبَقَ في أواخِرِ السُّورَةِ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٦٤]، فَكانَ إخْبارًا بِأنَّ ما فِيهِما مِلْكٌ لَهُ، أخْبَرَ هُنا أنَّهُ لَهُ مُلْكُهُما أيْ قَهْرُهُما وقَهْرُ ما فِيهِما، فاجْتَمَعَ لَهُ المِلْكُ والمُلْكُ لَهُما ولِما فِيهِما، و(الَّذِي) مَقْطُوعٌ لِلْمَدْحِ رَفْعًا أوْ نَصْبًا أوْ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ (الَّذِي نَزَّلَ)، وما بَعْدَ (نَزَّلَ) مِن تَمامِ الصِّلَةِ ومُتَعَلِّقٌ بِهِ فَلا يُعَدُّ فاصِلًا بَيْنَ النَّعْتِ أوِ البَدَلِ ومَتْبُوعِهِ. (ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا) الظّاهِرُ نُفْيُ الِاتِّخاذِ، أيْ: لَمْ يُنْزِلْ أحَدًا مَنزِلَةَ الوَلَدِ. وقِيلَ: المَعْنى لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، بِمَعْنى قَوْلِهِ: لَمْ يَلِدْ لِأنَّ التَّوالُدَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ. وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وعَلى النَّصارى واليَهُودِ النّاسِبِينَ لِلَّهِ الوَلَدَ. ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ورَدٌّ عَلى مَن جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا. ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ في خَلْقِ الذَّواتِ وأفْعالِها. قِيلَ: وفي (p-٤٨١)الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، مِمّا يَصِحُّ خَلْقُهُ لِتَخْرُجَ عَنْهُ ذاتُهُ وصِفاتُهُ القَدِيمَةُ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: أكْرَمْتُ كُلَّ رَجُلٍ لا يَدْخُلُ هو في العُمُومِ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ في عُمُومِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ذاتُهُ تَعالى ولا صِفاتُهُ القَدِيمَةُ. (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) إنْ كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، فَكَيْفَ جاءَ (فَقَدَّرَهُ) إذْ يَصِيرُ المَعْنى وقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ يُقَدِّرُهُ (تَقْدِيرًا) . فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّهُ أحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إحْداثًا مُراعًى فِيهِ التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ، فَقَدَّرَهُ وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، أوْ سُمِّيَ إحْداثُ اللَّهِ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ لا يُحْدِثُ شَيْئًا لِحِكْمَتِهِ إلّا عَلى وجْهِ التَّقْدِيرِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ. فَإذا قِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ كَذا، فَهو بِمَنزِلَةِ إحْداثِ اللَّهِ وأوْجَدَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى وجْهِ الِاشْتِقاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ في إيجادِهِ مُتَفاوِتًا. وقِيلَ: فَجَعَلَ لَهُ غايَةً ومُنْتَهًى، ومَعْناهُ (فَقَدَّرَهُ) لِلْبَقاءِ إلى أمَدٍ مَعْلُومٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ الأشْياءِ هو حَدُّها بِالأمْكِنَةِ والأزْمانِ والمَقادِيرِ والمَصْلَحَةِ والإتْقانِ، انْتَهى. ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ الضَّمِيرُ في (واتَّخَذُوا) عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ﴾، دَلالَةً عَلى ذَلِكَ لَمْ يُنْفَ إلّا وقَدْ قِيلَ بِهِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: الواوُ ضَمِيرٌ لِلْكُفّارِ وهم مُنْدَرِجُونَ في قَوْلِهِ: (لِلْعالَمِينَ) . وقِيلَ: لَفْظُ (نَذِيرًا) يُنْبِئُ عَنْهم؛ لِأنَّهُمُ المُنْذَرُونَ ويَنْدَرِجُ في (واتَّخَذُوا) كُلُّ مَنِ ادَّعى إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعُبّادِ الأوْثانِ وعُبّادِ الكَواكِبِ. وقالَ القاضِي: يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ النَّصارى؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً عَلى الجَمْعِ. والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّ لِعُبّادِها كَثْرَةً، انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ما قالَ؛ لِأنَّ (واتَّخَذُوا) جَمْعٌ و(آلِهَةٌ) جَمْعٌ، وإذا قُوبِلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ تَقابَلَ الفَرْدُ بِالفَرْدِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُقابَلَ الجَمْعُ بِالجَمْعِ فَيَنْدَرِجُ مَعْبُودُ النَّصارى في لَفْظِ (آلِهَةً) . ثُمَّ وصَفَ الآلِهَةَ بِانْتِفاءِ إنْشائِهِمْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إشارَةً إلى انْتِفاءِ القُدْرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ ذاتًا أوْ مَصْنُوعُونَ بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، وهَذا أبْلَغُ في الخَساسَةِ، ونِسْبَةُ الخَلْقِ لِلْبَشَرِ تَجُوزُ. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ ∗∗∗ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخَلْقُ بِمَعْنى الِافْتِعالِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، والمَعْنى أنَّهم آثَرُوا عَلى عِبادَتِهِ عِبادَةَ آلِهَةٍ لا عَجْزَ أبْيَنُ مِن عَجْزِهِمْ، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ ولا أفْعالِ العِبادِ حَيْثُ لا يَفْتَعِلُونَ شَيْئًا وهم يُفْتَعَلُونَ؛ لِأنَّ عَبَدَتَهم يَصْنَعُونَهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ. ﴿ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ﴾ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْها ولا جَلْبَ نَفْعٍ إلَيْها وهم يَسْتَطِيعُونَ، وإذا عَجَزُوا عَنِ الِافْتِعالِ ودَفْعِ الضَّرَرِ وجَلْبِ النَّفْعِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ العِبادُ كانُوا عَنِ المَوْتِ والحَياةِ والنُّشُورِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ أعْجَزَ. (وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأتْباعُهُ، والإفْكُ أسْوَأُ الكَذِبِ. ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ ألْقَوْا أخْبارَ الأُمَمِ إلَيْهِ. وقِيلَ: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ، وكانُوا كِتابِيِّينَ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ أسْلَمُوا وكانَ الرَّسُولُ يَتَعَهَّدُهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشارُوا إلى قَوْمٍ عَبِيدٍ كانُوا لِلْعَرَبِ مِنَ الفُرْسِ أبُو فُكَيْهَةَ مَوْلى الحَضْرَمِيِّينَ. وجَبْرٌ ويَسارٌ وعَدّاسٌ وغَيْرُهم. وقالَ الضَّحّاكُ: عَنَوْا أبا فُكَيْهَةَ الرُّومِيَّ. وقالَ المُبَرِّدُ: عَنَوْا بِقَوْمٍ آخَرِينَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ آخَرَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الأوَّلِ، انْتَهى. وما قالَهُ لا يَلْزَمُ لِلِاشْتِراكِ في جِنْسِ الإنْسانِ، ولا يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ في الوَصْفِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] فَقَدِ اشْتَرَكَتا في مُطْلَقِ الفِئَةِ، واخْتَلَفَتا في الوَصْفِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (فَقَدْ جاءُوا) عائِدٌ عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والمَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ورَدُوا ظُلْمًا، كَما تَقُولُ: جِئْتُ المَكانَ فَيَكُونُ جاءَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ؛ قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ الجارُّ أيْ بِظُلْمٍ (p-٤٨٢)وزُورٍ ويَصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذا جاءَ يُسْتَعْمَلُ بِهَذَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ، وظُلْمُهم أنْ جَعَلُوا العَرَبِيَّ يَتَلَقَّنُ مِنَ العَجَمِيِّ كَلامًا عَرَبِيًّا أعْجَزَ بِفَصاحَتِهِ جَمِيعَ فُصَحاءِ العَرَبِ، والزُّورُ أنْ بَهَتُوهُ بِنِسْبَةِ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، وهو مِن كَلامِ الكُفّارِ، والضَّمِيرُ في (وقالُوا) لِلْكُفّارِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ﴿اكْتَتَبَها﴾ أيْ: جَمَعَها، مِن قَوْلِهِمْ: كَتَبَ الشَّيْءَ، أيْ: جَمَعَهُ، أوْ مِنَ الكِتابَةِ، أيْ: كَتَبَها بِيَدِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَذِبِهِمْ عَلَيْهِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكْتُبُ، ويَكُونُ كاسْتَكَبَّ الماءَ واصْطَبَّهُ أيْ سَكَبَهُ وصَبَّهُ. ويَكُونُ لَفْظُ افْتَعَلَ مُشْعِرًا بِالتَّكَلُّفِ والِاعْتِمالِ، أوْ بِمَعْنى أمَرَ أنْ يُكْتَبَ، كَقَوْلِهِمُ احْتَجَمَ وافْتَصَدَ إذا أمَرَ بِذَلِكَ. ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: تُلْقى عَلَيْهِ لِيَحْفَظَها؛ لِأنَّ صُورَةَ الإلْقاءِ عَلى المُتَحَفِّظِ كَصُورَةِ الإمْلاءِ عَلى الكاتِبِ. و﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أوْ هَذِهِ (أساطِيرُ)، و(اكْتَتَبَها) خَبَرٌ ثانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أساطِيرُ) مُبْتَدَأً و(اكْتَتَبَها) الخَبَرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (اكْتَتَبَها) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقِراءَةُ طَلْحَةَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى (اكْتَتَبَها) كاتِبٌ لَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ بِيَدِهِ وذَلِكَ مِن تَمامِ إعْجازِهِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ فَأفْضى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو إيّاهُ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا بَعْدَ أنْ كانَ بارِزًا مَنصُوبًا، وبَقِيَ ضَمِيرُ الأساطِيرِ عَلى حالِهِ، فَصارَ (اكْتَتَبَها) كَما تَرى، انْتَهى. وهو مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ (اكْتَتَبَها) لَهُ كاتِبٌ وُصِلَ فِيهِ اكْتَتَبَ لِمَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما: مُسَرَّحٌ وهو ضَمِيرُ الأساطِيرِ، والآخَرُ: مُقَيَّدٌ وهو ضَمِيرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ اتُّسِعَ في الفِعْلِ فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ فَصارَ (اكْتَتَبَها) إيّاهُ كاتِبٌ، فَإذا بُنِيَ هَذا الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ إنَّما يَنُوبُ عَنِ الفاعِلِ المَفْعُولُ المُسَرَّحُ لَفْظًا وتَقْدِيرًا لا المُسَرَّحُ لَفْظًا المُقَيَّدُ تَقْدِيرًا، فَعَلى هَذا كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ اكْتَتَبَتْهُ لا (اكْتَتَبَها) وعَلى هَذا الَّذِي قُلْناهُ جاءَ السَّماعُ عَنِ العَرَبِ في هَذا النَّوْعِ، الَّذِي أحَدُ المَفْعُولَيْنِ فِيهِ مُسَرَّحٌ لَفْظًا وتَقْدِيرًا، والآخَرُ مُسَرَّحٌ لَفْظًا لا تَقْدِيرًا. قالَ الشّاعِرُ - وهو الفَرَزْدَقُ -: ؎ومِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالَ سَماحَةً ∗∗∗ وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزُّعازِعُ ولَوْ جاءَ عَلى ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَجاءَ التَّرْكِيبُ: ومِنّا الَّذِي اخُتِيرَهُ الرِّجالَ؛ لِأنَّ اخْتارَ تَعَدّى إلى الرِّجالِ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ؛ إذْ تَقْدِيرُهُ اخْتِيرَ مِنَ الرِّجالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الكُفّارِ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - يُكَذِّبُهم وإنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوْ فَتَحْتَ الهَمْزَةَ في (اكْتَتَبَها) لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في مَعْنى الإنْكارِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎أفْرَحُ إنْ أُرْزَأ الكِرامُ وأنْ ∗∗∗ آخُذَ ذَوْدًا شَصايِصًا نَبَلا وحُقَّ لِلْحَسَنِ أنْ يَقِفَ عَلى الأوَّلِينَ. والظّاهِرُ تَقْيِيدُ الإمْلاءِ بِوَقْتِ انْتِشارِ النّاسِ وحِينِ الإيواءِ إلى مَساكِنِهِمْ، وهُما البُكْرَةُ والأصِيلُ، أوْ يَكُونانِ عِبارَةً عَنِ الدَّيْمُومَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى ”فَهي تُتْلى“ بِالتّاءِ بَدَلَ المِيمِ. ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ كُلَّ سِرٍّ خَفِيٍّ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذا وهو وصْفُهُ تَعالى بِالعِلْمِ؛ لِأنَّ هَذا القُرْآنَ لَمْ يَكُنْ لِيَصْدُرَ إلّا مِن عَلّامٍ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ لِما احْتَوى عَلَيْهِ مِن إعْجازِ التَّرْكِيبِ الَّذِي لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِن أحَدٍ، ولَوِ اسْتَعانَ بِالعالَمِ كُلِّهِمْ ولِاشْتِمالِهِ عَلى مَصالِحِ العالَمِ وعَلى أنْواعِ العُلُومِ، واكْتَفى بِعِلْمِ السِّرِّ؛ لِأنَّ ما سِواهُ أوْلى أنْ يَتَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِهِ، أوْ (يَعْلَمُ) ما تُسِرُّونَ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ مَعَ عِلْمِكم بِبُطْلِ ما تَقُولُونَ فَهو مُجازِيكم، ﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ إطْماعٌ في أنَّهم إذا تابُوا غَفَرَ لَهم ما فَرَطَ مِن كُفْرِهِمْ ورَحِمَهم. أوْ (غَفُورًا رَحِيمًا) في كَوْنِهِ أمْهَلَكم ولَمْ يُعاجِلْكم عَلى ما اسْتَوْجَبْتُمُوهُ مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ (p-٤٨٣)مُكابَرَتِكم، أوْ لَمّا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى العِقابِ أعْقَبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعاقِبَ. (وقالُوا) الضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وكانُوا قَدْ جَمَعَهم والرَّسُولَ مَجْلِسٌ مَشْهُورٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيَرِ فَقالَ عُتْبَةُ وغَيْرُهُ: إنْ كُنْتَ تُحِبُّ الرِّئاسَةَ ولَّيْناكَ عَلَيْنا، أوِ المالَ جَمَعْنا لَكَ، فَلَمّا أبى عَلَيْهِمُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: ما لَكَ وأنْتَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ تَأْكُلُ الطَّعامَ، وتَقِفُ بِالأسْواقِ لِالتِماسِ الرِّزْقِ؛ سَلْ رَبَّكَ أنْ يُنْزِلَ مَعَكَ مَلَكًا يُنْذِرُ مَعَكَ، أوْ يُلْقِيَ إلَيْكَ كَنْزًا تُنْفِقُ مِنهُ، أوْ يَرُدَّ لَكَ جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا وتُزالَ الجِبالُ، ويَكُونَ مَكانَها جَنّاتٌ تَطَّرِدُ فِيها المِياهُ، وأشاعُوا هَذِهِ المُحاجَّةَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ لامُ الجَرِّ مَفْصُولَةً مِن (هَذا)، وهَذا اسْتِفْهامٌ يَصْحَبُهُ اسْتِهْزاءٌ، أيْ: (مالِ هَذا) الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولٌ أنْكَرُوا عَلَيْهِ ما هو عادَةٌ لِلرُّسُلِ، كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، أيْ: حالُهُ كَحالِنا، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأكْلِ والتَّعَيُّشِ، ثُمَّ قالُوا: وهَبْ أنَّهُ بَشَرٌ فَهَلّا أُرْفِدَ بِمَلَكٍ يُنْذِرُ مَعَهُ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّماءِ يَسْتَظْهِرُ بِهِ ولا يَحْتاجُ إلى تَحْصِيلِ المَعاشِ. ثُمَّ اقْتَنَعُوا بِأنْ يَكُونَ لَهُ بُسْتانٌ يَأْكُلُ مِنهُ ويَرْتَزِقُ كالمَياسِيرِ. وقُرِئَ ”فَتَكُونُ“ بِالرَّفْعِ، حَكاهُ أبُو مُعاذٍ عَطْفًا عَلى (أُنْزِلَ)؛ لِأنَّ (أُنْزِلَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهو ماضٍ وقَعَ مَوْقِعَ المُضارِعِ، أيْ: هَلّا يَنْزِلُ إلَيْهِ مَلَكٌ، أوْ هو جَوابُ التَّحْضِيضِ عَلى إضْمارِ هو، أيْ: فَهو يَكُونُ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ. وقَوْلُهُ: (أوْ يُلْقى) (أوْ) يَكُونُ عُطِفَ عَلى (أُنْزِلَ) أيْ لَوْلا يَنْزِلُ، فَيَكُونُ المَطْلُوبُ أحَدَ هَذِهِ الأُمُورِ أوْ مَجْمُوعَها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ القائِلِينَ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ في (أوْ يُلْقى) ولا في (أوْ تَكُونُ) عَطْفًا عَلى (فَيَكُونَ)؛ لِأنَّهُما في حُكْمِ المَطْلُوبِ بِالتَّحْضِيضِ لا في حُكْمِ الجَوابِ لِقَوْلِهِ: (لَوْلا أُنْزِلَ) . وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْمَشُ: ”أوْ يَكُونُ“ بِالياءِ مِن تَحْتُ. وقَرَأ (يَأْكُلُ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيِ: الرَّسُولُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ بِنُونِ الجَمْعِ، أيْ: يَأْكُلُونَ هم مِن ذَلِكَ البُسْتانِ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ في دُنْياهم ومَعاشِهِمْ. (وقالَ الظّالِمُونَ) أيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيُسَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ فِيما قالُوهُ، انْتَهى. وتَرْكِيبُهُ وأرادَ بِالظّالِمِينَ إيّاهم بِأعْيانِهِمْ لَيْسَ تَرْكِيبًا سائِغًا، بَلِ التَّرْكِيبُ العَرَبِيُّ أنْ يَقُولَ: وأرادَهم بِأعْيانِهِمْ بِالظّالِمِينَ (مَسْحُورًا) غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ السِّحْرُ وهَذا أظْهَرُ، أوْ ذا سَحْرٍ وهو الرِّئَةُ، أوْ يُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ، أيْ: يُغَذّى، أوْ أُصِيبَ سَحْرُهُ كَما تَقُولُ رَأسْتُهُ أصَبْتُ رَأْسَهُ. وقِيلَ: (مَسْحُورًا) ساحِرًا عَنَوْا بِهِ أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم لا مَلَكٌ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في الإسْراءِ وبِهَذَيْنِ القَوْلَيْنِ قِيلَ: والقائِلُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ ونَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ ومَن تابَعَهم. ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ أيْ: قالُوا فِيكَ تِلْكَ الأقْوالَ واخْتَرَعُوا لَكَ تِلْكَ الصِّفاتِ والأحْوالَ النّادِرَةَ مِن نُبُوَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ إنْسانٍ ومَلَكٍ، وإلْقاءِ كَنْزٍ عَلَيْكَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ ضُلّالًا لا يَجِدُونَ قَوْلًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ، أيْ: فَضَلُّوا عَنِ الحَقِّ فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا لَهُ. وقِيلَ: (ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ) بِالمَسْحُورِ والكاهِنِ والشّاعِرِ وغَيْرِهِ، (فَضَلُّوا) أخْطَئُوا الطَّرِيقَ فَلا يَجِدُونَ سَبِيلَ هِدايَةٍ ولا يُطِيقُونَهُ؛ لِالتِباسِهِمْ بِضِدِّهِ مِنَ الضَّلالِ. وقِيلَ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى حُجَّةٍ وبُرْهانٍ عَلى ما يَقُولُونَ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: هو بَلِيغٌ فَصِيحٌ يَتَقَوَّلُ القُرْآنَ مِن نَفْسِهِ ويَفْتَرِيهِ، ومَرَّةً: مَجْنُونٌ، ومَرَّةً: ساحِرٌ، ومَرَّةً: مَسْحُورٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَبَّهَ لَكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ الأشْباهَ بِقَوْلِهِمْ هو مَسْحُورٌ فَضَلُّوا بِذَلِكَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا إلى الحَقِّ الَّذِي بَعَثَكَ بِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَجِدُونَ مَخْرَجًا يُخْرِجُهم عَنِ الأمْثالِ الَّتِي (ضَرَبُوا لَكَ) . ومَعْناهُ أنَّهم (ضَرَبُوا لَكَ) هَذِهِ لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى تَكْذِيبِكَ، (فَضَلُّوا) عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ وعَنْ بُلُوغِ ما أرادُوا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ (انْظُرْ كَيْفَ) (p-٤٨٤)اشْتَغَلَ القَوْمُ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها؛ لِأجْلِ أنَّهم لَمّا ضَلُّوا وأرادُوا القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ، لَمْ يَجِدُوا إلى القَدْحِ سَبِيلًا، إذِ الطَّعْنُ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ فِيما يَقْدَحُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي ادَّعاها لا بِهَذا الجِنْسِ مِنَ القَوْلِ. وقالَ الفَرّاءُ: لا يَسْتَطِيعُونَ في أمْرِكَ حِيلَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: (سَبِيلًا) إلى الطَّعْنِ. ولَمّا قالَ المُشْرِكُونَ ما قالُوا قِيلَ: فِيما يُرْوى إنْ شِئْتَ أنْ نُعْطِيَكَ خَزائِنَ الدُّنْيا ومَفاتِيحَها، ولَمْ يُعْطَ ذَلِكَ أحَدٌ قَبْلَكَ ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِناقِصِكَ في الآخِرَةِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعْناهُ لَكَ في الآخِرَةِ فَقالَ: يُجْمَعُ لِي ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَنَزَلَ: (تَبارَكَ الَّذِي) . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: عَرَضَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: بَلْ شُبْعَةٌ وثَلاثُ جَوْعاتٍ، وذَلِكَ أكْثَرُ لِذِكْرِي ومَسْألَتِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (تَبارَكَ): أيْ تَكاثَرَ خَيْرًا (الَّذِي إنْ شاءَ) وهَبَ لَكَ في الدُّنْيا (خَيْرًا) مِمّا قالُوا، وهو أنْ يَجْعَلَ لَكَ مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ مِنَ الجَنّاتِ والقُصُورِ، انْتَهى. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) الظّاهِرُ أنَّهُ إلى ما ذَكَرَهُ الكُفّارُ مِنَ الجَنَّةِ والكَنْزِ في الدُّنْيا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ. ويَبْعُدُ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى أكْلِهِ الطَّعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَعْلَ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا لَوْ شاءَهُ اللَّهُ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ ودَخَلَتْ (إنْ) عَلى المَشِيئَةِ تَنْبِيهًا أنَّهُ لا يُنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ، وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ عَلى اللَّهِ حَقٌّ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. والأوَّلُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِ الكُفّارِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، انْتَهى. ولا يَرُدُّهُ؛ لِأنَّ المَعْنى بِهِ مُتَمَكِّنٌ وهو عَطْفٌ عَلى ما حُكِيَ عَنْهم يَقُولُ: بَلْ أتى بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، وهو تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَجْعَلْ) بِالجَزْمِ، قالُوا عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ جَعَلَ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أُدْغِمَتْ لامُهُ في لامِ (لَكَ)، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو، والَّذِي قَرَأ بِالجَزْمِ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو، ولَيْسَ مِن مَذْهَبِ الثَّلاثَةِ إدْغامُ المِثْلَيْنِ إذا تَحَرَّكَ أوَّلُهُما، إنَّما هو مِن مَذْهَبِ أبِي عَمْرٍو كَما ذَكَرْنا. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وحُمَيْدٌ وأبُو بَكْرٍ ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، بِالرَّفْعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والِاسْتِئْنافُ ووَجْهُهُ العَطْفُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (جَعَلَ)؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو مَوْضِعُ اسْتِئْنافٍ. ألا تَرى أنَّ الجُمَلَ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ قَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ ؟ وقالَ الحَوْفِيُّ: مَن رَفَعَ جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا مَنقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وبِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ (ويَجْعَلُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (جَعَلَ)؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا وقَعَ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الجَزْمُ والرَّفْعُ، كَقَوْلِهِ: ؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ: لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ: إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الرَّفْعُ، لَيْسَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ؛ إذْ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وأنَّ هَذا المُضارِعَ المَرْفُوعَ النِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ، ولِكَوْنِ الجَوابِ مَحْذُوفًا لا يَكُونُ فِعْلُ الشَّرْطِ إلّا بِصِيغَةِ الماضِي. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والمُبَرِّدُ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ وأنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، وذَهَبَ غَيْرُ هَؤُلاءِ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ، ولَيْسَ عَلى حَذْفِ الفاءِ ولا عَلى التَّقْدِيمِ، ولَمّا لَمْ يَظْهَرْ لِأداةِ الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ في فِعْلِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ ماضِيَ اللَّفْظِ ضَعُفَ عَنِ العَمَلِ في فِعْلِ الجَوابِ فَلَمْ تَعْمَلْ فِيهِ، وبَقِيَ مَرْفُوعًا، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ فَصِيحٌ وأنَّهُ جائِزٌ في الكَلامِ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: هو ضَرُورَةٌ إذْ لَمْ يَجِئْ إلّا في الشِّعْرِ، وهو عَلى إضْمارِ الفاءِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ (ويَجْعَلَ) بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي عَلى جَوابِ الشَّرْطِ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، انْتَهى. ونَظِيرُ هَذِهِ القِراءاتِ الثَّلاثِ قَوْلُ النّابِغَةِ:(p-٤٨٥) ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ؎ونَأْخُذْ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ يُرْوى بِجَزْمِ نَأْخُذُ ورَفْعِهِ ونَصْبِهِ. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، قالَ الكَرْمانِيُّ: المَعْنى ما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ أكْلُكَ الطَّعامَ ولا مَشْيُكَ في السُّوقِ، بَلْ مَنَعَهم تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ. وقِيلَ: لَيْسَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ شُبْهَةً بَلِ الحامِلُ عَلى تَكْذِيبِكَ تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ اسْتِثْقالًا لِلِاسْتِعْدادِ لَها. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما يَلِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾، فَكَيْفَ يَلْتَفِتُونَ إلى هَذا الجَوابِ، وكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِتَعْجِيلِ مِثْلِ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ؟ ! انْتَهى. وبَلْ لِتَرْكِ اللَّفْظِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِمَعْناهُ وأخْذٍ في لَفْظٍ آخَرَ. (وأعْتَدْنا) جَعَلْناهُ مُعَدًّا. (سَعِيرًا) نارًا كَبِيرَةَ الإيقادِ. وعَنِ الحَسَنِ: اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. (إذا رَأتْهم)، قِيلَ: هو حَقِيقَةٌ وإنَّ لِجَهَنَّمَ عَيْنَيْنِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أثَرٌ فَإنْ صَحَّ كانَ هو القَوْلَ الصَّحِيحَ. وإلّا كانَ مَجازًا، أيْ صارَتْ مِنهم بِقَدْرِ ما يَرى الرّائِي مِنَ البُعْدِ كَقَوْلِهِمْ: دُورُهم تَتَراءى أيْ تَتَناظَرُ وتَتَقابَلُ، ومِنهُ: لا تَتَراءى ناراهُما. وقالَ قَوْمٌ: النّارُ اسْمٌ لِحَيَوانٍ نارِيٍّ يَتَكَلَّمُ ويَرى ويَسْمَعُ ويَتَغَيَّرُ ويَزْفِرُ؛ حَكاهُ الكَرْمانِيُّ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: رَأتْهم خَزَنَتُها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، قِيلَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وقِيلَ: مِائَةُ سَنَةٍ. وقِيلَ: سَنَةٌ. (سَمِعُوا لَها) صَوْتَ تَغَيُّظٍ؛ لِأنَّ التَّغَيُّظَ لا يُسْمَعُ، وإذا كانَ عَلى حَذْفِ المُضافِ كانَ المَعْنى تَغَيَّظُوا وزَفَرُوا غَضَبًا عَلى الكُفّارِ وشَهْوَةً لِلِانْتِقامِ مِنهم. وقِيلَ: (سَمِعُوا) صَوْتَ لَهِيبِها واشْتِعالِها، وقِيلَ: هو مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَيا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وهَذا مُخَرَّجٌ عَلى تَخْرِيجَيْنِ أحَدُهُما الحَذْفُ، أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا. والثّانِي: تَضْمِينٌ ضَمَّنَ مُتَقَلِّدًا مَعْنى مُتَسَلِّحًا فَكَذَلِكَ الآيَةُ، أيْ: (سَمِعُوا لَها) ورَأوْا ﴿تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ وعادَ كُلُّ واحِدٍ إلى ما يُناسِبُهُ. أوْ ضَمَّنَ (سَمِعُوا) مَعْنى أدْرَكُوا فَيَشْمَلُ التَّغَيُّظَ والزَّفِيرَ. وانْتَصَبَ (مَكانًا) عَلى الظَّرْفِ أيْ في مَكانٍ ضَيِّقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ ضِيقَ الزَّجِّ في الرُّمْحِ مُقَرَّنِينَ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالسَّلاسِلِ. وقِيلَ: يُقْرَنُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ شَيْطانُهُ في سِلْسِلَةٍ وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ضَيِّقًا) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو شَيْبَةَ صاحِبُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مُقَرَّنُونَ بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، والوَجْهُ قِراءَةُ النّاسِ ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ووَجْهُها أنْ يَرْتَفِعَ عَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ: (أُلْقُوا) بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ، ونُصِبَ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ دُعاءُ الثُّبُورِ، وهي الهَلاكُ، فَيَقُولُونَ: واثُبُوراهُ ! أيْ يُقالُ: يا ثُبُورُ فَهَذا أوانُكَ. وقِيلَ: المَدْعُوُّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ دَعَوْا مَن لا يُجِيبُهم قائِلِينَ ثُبِرْنا ثُبُورًا. والثُّبُورُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الوَيْلُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى: ؎إذْ يُجارِي الشَّيْطانَ في سِنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ (لا تَدْعُوا اليَوْمَ) يُقالُ لَهم: (لا تَدْعُوا)، أوْ هم أحَقُّ أنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ، أيْ: لا تَقْتَصِرُوا عَلى حُزْنٍ واحِدٍ بَلِ احْزَنُوا حُزْنًا كَثِيرًا، وكَثْرَتُهُ إمّا لِدَيْمُومَةِ العَذابِ فَهو مُتَجِدِّدٌ دائِمًا، وإمّا لِأنَّهُ أنْواعٌ وكُلُّ نَوْعٍ يَكُونُ مِنهُ ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ (ثَبُورًا) بِفَتْحِ الثّاءِ في ثَلاثَتِها، وفَعُولٌ بِفَتْحِ الفاءِ في المَصادِرِ قَلِيلٌ، نَحْوُ البَتُولِ. وحَكى عَلِيُّ بْنُ عِيسى: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا الأمْرِ، أيْ: ما صَرَفَكَ. كَأنَّهم دَعَوْا بِما فَعَلُوا فَقالُوا: واصَرْفاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ! كَما تَقُولُ: وانَدامَتاهُ ! . رُوِيَ أنَّ أوَّلَ ما يُنادِي بِذَلِكَ إبْلِيسُ، يَقُولُ: واثُبُوراهُ ! حَتّى يُكْسى حُلَّةً مِن جَهَنَّمَ يَضَعُها عَلى جَبِينِهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ، ثُمَّ يَتْبَعُهُ في القَوْلِ أتْباعُهُ، فَيَقُولُ لَهم خُزّانُ جَهَنَّمَ: (لا تَدْعُوا) الآيَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ خَطَلٍ وأصْحابِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ (p-٤٨٦)بِذَلِكَ إلى النّارِ وأحْوالِ أهْلِها. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والكَنْزِ في قَوْلِهِمْ. وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والقُصُورِ المَجْعُولَةِ في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ المَشِيئَةِ، و(خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ تَدُلُّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ، بَلْ هي عَلى ما جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ في بَيانِ فَضْلِ الشَّيْءِ وخُصُوصِيَّتِهِ بِالفَضْلِ دُونَ مُقابِلِهِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وكَقَوْلِ العَرَبِ: الشَّقاءُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ السَّعادَةُ. وكَقَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وهَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا؛ جازَ فِيهِ مَجِيءُ لَفْظِهِ لِلتَّفْضِيلِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ المُوقِفَ جائِزٌ لَهُ أنْ يُوقِفَ مُحاوِرَهُ عَلى ما شاءَ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ بِالصَّوابِ أوْ بِالخَطَأِ، وإنَّما مَنَعَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لِأنَّ فِيهِ مُخالَفَةً، وأمّا إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَذَلِكَ سائِغٌ، انْتَهى. وما ذَكَرَهُ يُخالِفُهُ قَوْلُهُ: ؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ وقَوْلُهُ ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣] فَإنَّ هَذا خَبَرٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُهم: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ إلّا إنْ تَقَيَّدَ الخَبَرُ بِأنَّهُ إذا كانَ واضِحًا الحُكْمُ فِيهِ لِلسّامِعِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِجُ في ذِهْنِهِ ولا يَتَرَدَّدُ أيُّهُما أفْضَلُ فَإنَّهُ يَجُوزُ. وضَمِيرُ (الَّتِي) مَحْذُوفٌ، أيْ: وعَدَها، وضَمِيرُ (ما يَشاءُونَ) كَذَلِكَ، أيْ: ما يَشاءُونَهُ، وفي قَوْلِهِ: ما يَشاءُونَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُصُولَ المُراداتِ بِأسْرِها لا تَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ. وشَمَلَ قَوْلُهُ: (جَزاءً ومَصِيرًا) الثَّوابَ ومَحَلَّهُ كَما قالَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]، وفي ضِدِّهِ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]؛ لِأنَّهُ بِطِيبِ المَكانِ يَتَضاعَفُ النَّعِيمُ، كَما أنَّهُ بِرَداءَتِهِ يَتَضاعَفُ العَذابُ (وعْدًا)، أيْ: مَوْعُودًا، (مَسْئُولًا) سَألَتْهُ المَلائِكَةُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨]؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، والنّاسُ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الفَرّاءُ: ﴿وعْدًا مَسْئُولًا﴾ أيْ: واجِبًا، يُقالُ لَأُعْطِيَنَّكَ ألْفًا وعْدًا مَسْئُولًا، أيْ: واجِبًا وإنْ لَمْ يُسْألْ. قِيلَ: وما قالَهُ الفَرّاءُ مُحالٌ، انْتَهى. ولَيْسَ مُحالًا؛ إذْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ هَذا الوَعْدُ الَّذِي وعَدْتَهُ أوْ بِصَدَدِ أنْ يُسْألَ، أيْ: مِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مَسْئُولًا. و(عَلى رَبِّكَ)، أيْ: بِسَبَبِ الوَعْدِ صارَ لا بُدَّ مْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ ذَلِكَ مَوْعُودًا واجِبًا عَلى رَبِّكَ إنْجازُهُ حَقِيقًا أنْ يُسْألَ ويُطْلَبَ لِأنَّهُ جَزاءٌ وأجْرٌ مُسْتَحَقٌّ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.