Al-Bahr Al-Muhit — الشعراء 26:88 – الشعراء 26:141
المحتويات
- الشعراء 26:88
- الشعراء 26:89
- الشعراء 26:90
- الشعراء 26:91
- الشعراء 26:92
- الشعراء 26:93
- الشعراء 26:94
- الشعراء 26:95
- الشعراء 26:96
- الشعراء 26:97
- الشعراء 26:98
- الشعراء 26:99
- الشعراء 26:100
- الشعراء 26:101
- الشعراء 26:102
- الشعراء 26:103
- الشعراء 26:104
- الشعراء 26:105
- الشعراء 26:106
- الشعراء 26:107
- الشعراء 26:108
- الشعراء 26:109
- الشعراء 26:110
- الشعراء 26:111
- الشعراء 26:112
- الشعراء 26:113
- الشعراء 26:114
- الشعراء 26:115
- الشعراء 26:116
- الشعراء 26:117
- الشعراء 26:118
- الشعراء 26:119
- الشعراء 26:120
- الشعراء 26:121
- الشعراء 26:122
- الشعراء 26:123
- الشعراء 26:124
- الشعراء 26:125
- الشعراء 26:126
- الشعراء 26:127
- الشعراء 26:128
- الشعراء 26:129
- الشعراء 26:130
- الشعراء 26:131
- الشعراء 26:132
- الشعراء 26:133
- الشعراء 26:134
- الشعراء 26:135
- الشعراء 26:136
- الشعراء 26:137
- الشعراء 26:138
- الشعراء 26:139
- الشعراء 26:140
- الشعراء 26:141
الشعراء 26:88
(أوْ يَنْفَعُونَكم بِتَقَرُّبِكم إلَيْهِمْ ودُعائِكم إيّاهم أوْ يَضُرُّونَ) بِتَرْكِ عِبادَتِكم إيّاهم، فَإذا لَمْ يَنْفَعُوا ولَمْ يَضُرُّوا، فَما مَعْنى عِبادَتِكم لَها ؟ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا﴾ [الشعراء: ٧٤] هَذِهِ حَيْدَةٌ عَنْ جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهم لَوْ قالُوا: يَسْمَعُونَنا ويَنْفَعُونَنا ويَضُرُّونَنا، فَضَحُوا أنْفُسَهم بِالكَذِبِ الَّذِي لا يُمْتَرى فِيهِ، ولَوْ قالُوا: يَسْمَعُونَنا ولا يَضُرُّونَنا، أسْجَلُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالخَطَأِ المَحْضِ، فَعَدَلُوا إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ لِآبائِهِمْ في عِبادَتِها مِن غَيْرِ بُرْهانٍ ولا حُجَّةٍ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”يَفْعَلُونَ“، أيْ يَفْعَلُونَ في عِبادَتِهِمْ تِلْكَ الأصْنامَ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ، وهو عِبادَتُهم؛ والحَيْدَةُ عَنِ الجَوابِ مِن عَلاماتِ انْقِطاعِ الحُجَّةِ. وبَلْ هُنا إضْرابٌ عَنْ جَوابِهِ لَمّا سَألَ وأخَذَ في شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَسْألْهم عَنْهُ انْقِطاعًا وإقْرارًا بِالعَجْزِ.
﴿وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ وصَفَهم بِالأقْدَمِينَ دَلالَةً عَلى تَقادُمِ عِبادَةِ الأصْنامِ فِيهِمْ، وإذْ كانُوا قَدْ عَبَدُوها في زَمانِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَزَمانِ مَن بَعْدَهُ ؟ وعَدُوٌّ: يَكُونُ لِلْمُفْرَدِ والجَمْعِ، كَما قالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] قِيلَ: شُبِّهَ بِالمَصْدَرِ، كالقَبُولِ والوَلُوعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالَ: (p-٢٤)عَدُوٌّ لِي، تَصَوُّرًا لِلْمَسْألَةِ في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى: أيْ فَكَّرْتُ في أمْرِي، فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ، فاجْتَنَبْتُها وآثَرْتُ عِبادَةً مَنِ الخَيْرُ كُلُّهُ مِنهُ، وأراهم بِذَلِكَ أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ أوَّلًا، وبَنى عَلَيْها تَدْبِيرَ أمْرِهِ، لِيَنْظُرُوا ويَقُولُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، وما أرادَ لَنا إلّا ما أرادَ لِرُوحِهِ، لِيَكُونَ أدْنى لَهم إلى القَبُولِ، وأبْعَثَ عَلى الِاسْتِماعِ مِنهُ. ولَوْ قالَ: فَإنَّهُ عَدُوٌّ لَكم، لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ المَثابَةِ، ولِأنَّهُ دَخَلَ في بابٍ مِنَ التَّعْرِيضِ، وقَدْ يُبْلِغُ التَّعْرِيضُ لِلْمَنصُوحِ ما لا يُبْلِغُ التَّصْرِيحُ، لِأنَّهُ رُبَّما يَتَأمَّلُ فِيهِ، فَرُبَّما قادَهُ التَّأْمِيلُ إلى التَّقَبُّلِ. ومِنهُ ما يُحْكى عَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا واجَهَهُ بِشَيْءٍ فَقالَ: لَوْ كُنْتُ بِحَيْثُ أنْتَ لاحْتَجْتُ إلى أدَبٍ؛ وسَمِعَ رَجُلٌ ناسًا يَتَحَدَّثُونَ عَنِ الحِجْرِ فَقالَ: ما هو بَيْتِي ولا بَيْتُكم. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَكْثِيرٌ عَلى عادَتِهِ، وذَهابُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: (فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي) مِنَ المَقْلُوبِ والأصْلُ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم، لِأنَّ الأصْنامَ لا تُعادِي لِكَوْنِها جَمادًا، وإنَّما هو عاداها لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَهَذا مَعْنى العَداوَةِ، ولِأنَّ المُغْرِيَ عَلى عَداوَتِها عَدُوُّ الإنْسانِ، وهو الشَّيْطانُ. وقِيلَ: لِأنَّهُ - تَعالى - يُحْيِـي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَبْتَرِءُوا مِن عَبَدَتِهِمْ، ويُوَبِّخُوهم. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفٍ، أيْ: فَإنَّ عُبّادَهم عَدُوٌّ لِي. والظّاهِرُ إقْرارُ الِاسْتِثْناءِ في مَوْضِعِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ، فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، وإلّا: بِمَعْنى دُونَ وسِوى. انْتَهى. فَجَعَلَهُ مُسْتَثْنًى مِمّا بَعْدَ ”كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ“، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِصِحَّةِ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وجَعَلَهُ جَماعَةٌ - مِنهُمِ الفَرّاءُ واتَّبَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ، لِأنَّهم فَهِمُوا مِن قَوْلِهِ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنَّهُمُ الأصْنامُ. وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، وأجازُوا في (الَّذِي خَلَقَنِي) النَّصْبَ عَلى الصِّفَةِ لِرَبِّ العالَمِينَ، أوْ بِإضْمارِ، أعْنِي، والرَّفْعُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الَّذِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِي خَلَقَنِي) رَفْعًا بِالِابْتِداءِ ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ الَّذِي، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ. انْتَهى. ولَيْسَ ”الَّذِي“ هُنا فِيهِ مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ لِأنَّهُ خاصٌّ، ولا يُتَخَيَّلُ فِيهِ العُمُومُ، فَلَيْسَ نَظِيرَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وأيْضًا لَيْسَ الفِعْلُ الَّذِي هو خَلَقَ لا يُمْكِنُ فِيهِ تَحَدُّدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى إبْراهِيمَ.
وتابَعَ أبُو البَقاءِ الحَوْفِيُّ في إعْرابِهِ هَذا، لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ. فَإنْ كانَ أرادَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ، وإنْ لَمْ يُرِدْهُ، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عَلى زِيادَةِ الفاءِ، عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في نَحْوِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ؛ الَّذِي خَلَقَنِي بِقُدْرَتِهِ فَهو يَهْدِينِ إلى طاعَتِهِ. وقِيلَ: إلى جَنَّتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَهو يَهْدِينِ، يُرِيدُ أنَّهُ حِينَ أتَمَّ خَلْقَهُ، ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَقَّبَ هِدايَتَهُ المُتَّصِلَةَ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ إلى ما يُصْلِحُهُ ويُعِينُهُ، وإلّا فَمَن هَداهُ إلى أنْ يَغْتَذِيَ بِالدَّمِ في البَطْنِ امْتِصاصًا ؟ ومَن هَداهُ إلى مَعْرِفَةِ الثَّدْيِ عِنْدَ الوِلادَةِ ؟ وإلى مَعْرِفَةِ مَكانِهِ ؟ ومَن هَداهُ لِكَيْفِيَّةِ الِارْتِضاعِ ؟ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هِداياتِ المَعاشِ والمَعادِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ الطَّعامُ المَعْرُوفُ المَعْهُودُ، والسَّقْيُ المَعْهُودُ، وفِيهِ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الرِّزْقِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: يُطْعِمُنِي بِلا طَعامٍ، ويَسْقِينِي بِلا شَرابٍ، كَما جاءَ إنِّي أبَيْتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي ولَمّا كانَ الخَلْقُ لا يُمْكِنُ أنْ يَدَّعِيَهُ أحَدٌ لَمْ يُؤَكِّدْ فِيهِ بِهو، فَلَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ الَّذِي هو خَلَقَنِي، ولَمّا كانَتِ الهِدايَةُ قَدْ يُمْكِنُ ادِّعاؤُها. والإطْعامُ والسَّقْيُ كَذَلِكَ أكَّدَ بِهو في قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي﴾ وذَكَرَ بَعْدَ نِعْمَةِ الخَلْقِ والهِدايَةِ ما تَدُومُ بِهِ الحَياةُ ويَسْتَمِرُّ بِهِ نِظامُ الخَلْقِ، وهو الغِذاءُ والشُّرْبِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَلَبَةِ إحْدى الكَيْفِيّاتِ عَلى الأُخْرى بِزِيادَةِ الغِذاءِ أوْ (p-٢٥)نُقْصانِهِ، فَيَحْدُثُ بِذَلِكَ مَرَضٌ ذَكَرَ نِعْمَتَهُ، بِإزالَةِ ما حَدَثَ مِنَ السَّقَمِ، وأضافَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: وإذا أمْرَضَنِي، وإنْ كانَ - تَعالى - هو الفاعِلُ لِذَلِكَ، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَدَّدَ نِعَمَ اللَّهِ - تَعالى - عَلَيْهِ، والشِّفاءُ مَحْبُوبٌ والمَرَضُ مَكْرُوهٌ. ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَرَضُ مِنها، لَمْ يُضِفْهُ إلى اللَّهِ. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ؛ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ: وإذا مَرِضْتُ بِالذُّنُوبِ شَفانِي بِالتَّوْبَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالَ: مَرِضْتُ دُونَ أمْرَضَنِي، لِأنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ومِن ثَمَّ قالَ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لَأكْثَرِ المَوْتى: ما سَبَبُ آجالِكم ؟ لَقالُوا: التُخَمُ، ولَمّا كانَ الشِّفاءُ قَدْ يُعْزى إلى الطَّبِيبِ، وإلى الدَّواءِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ كَما قالَ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] أكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أيِ الَّذِي هو يَهْدِينِ ويُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ هو اللَّهُ لا غَيْرُهُ.
ولَمّا كانَتِ الإماتَةُ بَعْدَ البَعْثِ، لا يُمْكِنُ إسْنادُها إلّا إلى اللَّهِ، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَوْكِيدٍ، ودَعْوى نُمْرُوذَ الإماتَةَ والإحْياءَ هي مِنهُ عَلى سَبِيلِ المَخْرَفَةِ والقِحَةِ، وكَذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَأْكِيدٍ في: ﴿والَّذِي أطْمَعُ﴾ . وأثْبَتَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ياءَ المُتَكَلِّمِ في يَهْدِينِي وما بَعْدَهُ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ. والطَّمَعُ عِبارَةٌ عَنِ الرَّجاءِ، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ جازِمًا بِالمَغْفِرَةِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَجْزِمِ القَوْلَ بِالمَغْفِرَةِ، وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِأُمَمِهِمْ، ولِيَكُونَ لُطْفًا بِهِمْ في اجْتِنابِ المَعاصِي والحَذَرِ مِنها، وطَلَبِ المَغْفِرَةِ مِمّا يَفْرُطُ مِنهم. انْتَهى. ورَدَّهُ الرّازِيُّ قالَ: ”لِأنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ. . . .“، ونَطَقَ بِكَلِمَةٍ لا أذْكُرُها، وبَعْدَها ”عَلى نَفْسِهِ لِأجْلِ تَعْلِيمِ الأُمَّةِ“، وهو باطِلٌ قَطْعًا. وقالَ الجُبّائِيُّ: أرادَ بِهِ سائِرَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ ولا يَقْطَعُونَ. ورَدَّهُ الرّازِيُّ بِأنْ جَعَلَ كَلامَ الواحِدِ مِن كَلامِ غَيْرِهِ، مِمّا يُبْطِلُ نَظْمَ الكَلامِ. وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِالطَّمَعِ اليَقِينُ. وقالَ الرّازِيُّ: لا يَسْتَقِيمُ هَذا إلّا عَلى مَذْهَبِنا، حَيْثُ قُلْنا: إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وإنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْقَفَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَفْسَهُ عَلى الطَّمَعِ في المَغْفِرَةِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِ مَعَ مَنزِلَتِهِ وخَلَّتِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِيئَتِي عَلى الإفْرادِ، والحَسَنُ: خَطايايَ عَلى الجَمْعِ، وذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّها قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] و﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] و”هي أُخْتِي“ في سارَّةَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالخَطِيئَةِ اسْمَ الجِنْسِ، قَدَّرَها في كُلِّ أمْرِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أظْهَرُ عِنْدِي، لِأنَّ تِلْكَ الثَّلاثَ قَدْ خَرَّجَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى المَعارِيضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ ما يَنْدُرُ مِنهُ في بَعْضِ الصَّغائِرِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعْصُومُونَ مُخْتارُونَ عَلى العالَمِينَ، وهي قَوْلُهُ. . . . وذَكَرَ الثَّلاثَةَ، ثُمَّ قالَ وما هي إلّا مَعارِيضُ، كَلامٌ وتَخَيُّلاتٌ لِلْكَفَرَةِ، ولَيْسَتْ بِخَطايا يُطْلَبُ لَها الِاسْتِغْفارُ. (فَإنْ قُلْتَ): إذا لَمْ يَنْدُرْ مِنهم إلّا الصَّغائِرُ، وهي تَقَعُ مُكَفَّرَةً، فَما لَهُ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ خَطِيئَةً أوْ خَطايا، وطَمِعَ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ؟ (قُلْتُ: الجَوابُ) ما سَبَقَ، أنَّ اسْتِغْفارَ الأنْبِياءِ تَواضُعٌ مِنهم لِرَبِّهِمْ وهَضْمٌ لِأنْفُسِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أطْمَعُ، ولَمْ يَجْزِمِ القَوْلَ. انْتَهى. و(يَوْمَ الدِّينِ) ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ يَغْفِرُ، والغُفْرانُ، وإنْ كانَ في الدُّنْيا، فَأثَرُهُ لا يَتَبَيَّنُ إلّا يَوْمَ الجَزاءِ، وهو في الدُّنْيا لا يُعْلَمُ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ - تَعالى. وضَعَّفَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ حَمْلَ الخَطِيئَةِ عَلى تِلْكَ الثَّلاثِ، لِأنَّ نِسْبَةَ ما لا يُطابِقُ إلى إبْراهِيمَ غَيْرُ جائِزٍ، وحَمَلَهُ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ قالَ: لِأنَّهُ إنْ طابَقَ في هَذا المَوْضِعِ زالَ الإشْكالُ، وإنْ لَمْ يُطابِقْ رَجَعَ حاصِلُ الجَوابِ إلى إلْحاقِ المَعْصِيَةِ بِهِ، لِأجْلِ تَنْزِيهِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ. قالَ: والجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وقَدْ يُسَمّى خَطَأً. فَإنَّ مَن باعَ جَوْهَرَةً تُساوِي ألْفًا بِدِينارٍ، قِيلَ: أخْطَأ، وتَرْكُ الأوْلى عَلى الأنْبِياءِ جائِزٌ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ وتَبْدِيلِ ألْفاظٍ لِلْأدَبِ بِما يُناسِبُ مَقامَ النُّبُوَّةِ.
وقَدَّمَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الثَّناءَ عَلى اللَّهِ - تَعالى، وذَكَرَهُ بِالأوْصافِ الحَسَنَةِ بَيْنَ يَدَيْ طَلِبَتِهِ ومَسْألَتِهِ، ثُمَّ سَألَهُ - تَعالى - فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى المَسْألَةِ مِنَ المُهِمّاتِ. (p-٢٦)والظّاهِرُ أنَّ الحُكْمَ هو الفَصْلُ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ. وقِيلَ: الحُكْمُ: الحِكْمَةُ والنُّبُوَّةُ، لِأنَّها حاصِلَةٌ تَتْلُو طَلَبَ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ذُو حِكْمَةٍ وذُو حُكْمٍ بَيْنَ النّاسِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّها حاصِلَةٌ، فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتْ مَطْلُوبَةً، إمّا عَيْنُ الحاصِلَةِ أوْ غَيْرُها. والأوَّلُ مُحالٌ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يُمْنَعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ النُّبُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِالخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ فَسَّرَ الحُكْمَ بِالحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ، قالَ: ودُعاؤُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مِثْلِ هَذا هو في التَّثَبُّتِ والدَّوامِ. وإلْحاقُهُ بِالصّالِحِينَ: تَوْفِيقُهُ لِعَمَلٍ يَنْتَظِمُهُ في جُمْلَتِهِمْ، أوْ يَجْمَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في الجَنَّةِ. وقَدْ أجابَهُ - تَعالى ٠ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] .
قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِأنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، لِأنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ، والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، وكَما أنَّ الرُّوحَ أشْرَفُ مِنَ البَدَنِ، كَذَلِكَ العِلْمُ أفْضَلُ مِنَ الإصْلاحِ. انْتَهى. ولِسانُ الصِّدْقِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو الثَّناءُ وتَخْلِيدُ المَكانَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكَذَلِكَ أجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ، فَكُلُّ مِلَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ، وهو عَلى الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ . قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتِ الدَّعْوَةُ في مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ، إلّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يُعْطِيهِ إلّا بِتَحَكُّمٍ عَلى اللَّفْظِ. انْتَهى. ولَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا، طَلَبَ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ، لِأنَّهُ الَّذِي يُقَسَّمُ في الدُّنْيا شَبَّهَ غَنِيمَةَ الدُّنْيا بِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] .
ولَمّا فَرَغَ مِن مَطالِبِ الدُّنْيا والآخِرَةِ لِنَفْسِهِ، طَلَبَ لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ، وهو أصْلُهُ الَّذِي كانَ ناشِئًا عَنْهُ، وهو أبُوهُ، فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ وطَلَبُهُ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطٌ بِالإسْلامِ، وطَلَبُ المَشْرُوطِ يَتَضَمَّنُ طَلَبَ الشَّرْطِ، فَحاصِلُهُ: أنَّهُ دَعا بِالإسْلامِ. وكانَ وعْدُهُ ذَلِكَ يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ [التوبة: ١١٤] أيِ المُوافاةُ عَلى الكُفْرِ تَبَرَّأ مِنهُ. وقِيلَ: كانَ قالَ لَهُ إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نُمْرُوذَ ظاهِرًا، تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافُ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، ولِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ . فَلَوْلا اعْتِقادُهُ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ ما قالَ ذَلِكَ.
﴿ولا تُخْزِنِي﴾ إمّا مِنَ الخِزْيِ، وهو الهَوانُ، وإمّا مِنَ الخِزايَةِ، وهي الحَياءُ. والضَّمِيرُ في (يُبْعَثُونَ) ضَمِيرُ العِبادِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، أوْ ضَمِيرُ (الضّالِّينَ) ويَكُونُ مِن جُمْلَةِ الِاسْتِغْفارِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: يَوْمَ يُبْعَثُ الضّالُّونَ. وأتى فِيهِمْ: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ) بَدَلًا مِن: ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ .
﴿مالٌ ولا بَنُونَ﴾ أيْ كَما يَنْفَعُ في الدُّنْيا يَفْدِيهِ مالُهُ ويَذُبُّ عَنْهُ بَنُوهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالبَنِينَ جَمِيعُ الأعْوانِ. وقِيلَ: المَعْنى يَوْمَ لا يَنْفَعُ إعْلاقٌ بِالدُّنْيا ومَحاسِنِها، فَقَصَدَ مِن ذَلِكَ الذِّكْرَ العَظِيمَ والأكْثَرَ؛ لِأنَّ المالَ والبَنِينَ هي زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا. والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَنْفَعُهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا، ولا بُدَّ لَكَ مَعَ ذَلِكَ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ، وهو الحالُ المُرادُ بِها السَّلامَةُ، ولَيْسَتْ مِن جِنْسِ المالِ والبَنِينَ حَتّى يَئُولَ المَعْنى إلى أنَّ المالَ والبَنِينَ لا يَنْفَعانِ، وإنَّما يَنْفَعُ سَلامَةُ القَلْبِ، ولَوْ لَمْ يُقَدَّرِ المُضافُ لَمْ يَتَحَصَّلْ لِلِاسْتِثْناءِ مَعْنًى. انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما ذُكِرَ، إذْ قَدَّرْناهُ، لَكِنْ ﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وقَدْ جَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في أوَّلِ تَوْجِيهٍ مُتَّصِلًا بِتَأْوِيلٍ، قالَ: إلّا مَن أتى اللَّهَ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وهو مِن قَوْلِهِ:
؎تَحِيَّــةُ بَيْنِهِــمْ ضَــرْبٌ وجِيــعٌ
وما ثَوابُهُ إلّا السَّيْفُ.
ومِثالُهُ أنْ يُقالَ: هَلْ لِزَيْدٍ (p-٢٧)مالٌ وبَنُونَ ؟ فَيَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ، وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ. وإنْ شِئْتَ حَمَلْتَ الكَلامَ عَلى المَعْنى، وجَعَلْتَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ، كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ. انْتَهى. وجَعَلَهُ بَعْضُهُمُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، فَمَن مَفْعُولٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَإنَّهُ يَنْفَعُهُ مالُهُ المَصْرُوفُ في وُجُوهِ البِرِّ، وبَنُوهُ الصُّلَحاءُ، إذْ كانَ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ، وأرْشَدَ بَنِيهِ إلى الدِّينِ، وعَلَّمَهُمُ الشَّرائِعَ وسَلامَةَ القَلْبِ - خُلُوصَهُ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وعِلَقِ الدُّنْيا المَتْرُوكَةِ وإنْ كانَتْ مُباحَةً كالمالِ والبَنِينَ. وقالَ سُفْيانُ: هو الَّذِي يَلْقى رَبَّهُ ولَيْسَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ غَيْرَهُ، وهَذا يَقْتَضِي عُمُومَهُ اللَّفْظُ، ولَكِنَّ السَّلِيمَ مِنَ الشِّرْكِ هو الأعَمُّ. وقالَ الجُنَيْدُ: بِقَلْبٍ لَدِيغٍ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، والسَّلِيمُ: اللَّدِيغُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ وصَدَقَ.
الشعراء 26:89
(أوْ يَنْفَعُونَكم بِتَقَرُّبِكم إلَيْهِمْ ودُعائِكم إيّاهم أوْ يَضُرُّونَ) بِتَرْكِ عِبادَتِكم إيّاهم، فَإذا لَمْ يَنْفَعُوا ولَمْ يَضُرُّوا، فَما مَعْنى عِبادَتِكم لَها ؟ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا﴾ [الشعراء: ٧٤] هَذِهِ حَيْدَةٌ عَنْ جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهم لَوْ قالُوا: يَسْمَعُونَنا ويَنْفَعُونَنا ويَضُرُّونَنا، فَضَحُوا أنْفُسَهم بِالكَذِبِ الَّذِي لا يُمْتَرى فِيهِ، ولَوْ قالُوا: يَسْمَعُونَنا ولا يَضُرُّونَنا، أسْجَلُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالخَطَأِ المَحْضِ، فَعَدَلُوا إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ لِآبائِهِمْ في عِبادَتِها مِن غَيْرِ بُرْهانٍ ولا حُجَّةٍ. والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”يَفْعَلُونَ“، أيْ يَفْعَلُونَ في عِبادَتِهِمْ تِلْكَ الأصْنامَ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ، وهو عِبادَتُهم؛ والحَيْدَةُ عَنِ الجَوابِ مِن عَلاماتِ انْقِطاعِ الحُجَّةِ. وبَلْ هُنا إضْرابٌ عَنْ جَوابِهِ لَمّا سَألَ وأخَذَ في شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَسْألْهم عَنْهُ انْقِطاعًا وإقْرارًا بِالعَجْزِ.
﴿وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ وصَفَهم بِالأقْدَمِينَ دَلالَةً عَلى تَقادُمِ عِبادَةِ الأصْنامِ فِيهِمْ، وإذْ كانُوا قَدْ عَبَدُوها في زَمانِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَزَمانِ مَن بَعْدَهُ ؟ وعَدُوٌّ: يَكُونُ لِلْمُفْرَدِ والجَمْعِ، كَما قالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] قِيلَ: شُبِّهَ بِالمَصْدَرِ، كالقَبُولِ والوَلُوعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالَ: (p-٢٤)عَدُوٌّ لِي، تَصَوُّرًا لِلْمَسْألَةِ في نَفْسِهِ عَلى مَعْنى: أيْ فَكَّرْتُ في أمْرِي، فَرَأيْتُ عِبادَتِي لَها عِبادَةً لِلْعَدُوِّ، فاجْتَنَبْتُها وآثَرْتُ عِبادَةً مَنِ الخَيْرُ كُلُّهُ مِنهُ، وأراهم بِذَلِكَ أنَّها نَصِيحَةٌ نَصَحَ بِها نَفْسَهُ أوَّلًا، وبَنى عَلَيْها تَدْبِيرَ أمْرِهِ، لِيَنْظُرُوا ويَقُولُوا: ما نَصَحَنا إبْراهِيمُ إلّا بِما نَصَحَ بِهِ نَفْسَهُ، وما أرادَ لَنا إلّا ما أرادَ لِرُوحِهِ، لِيَكُونَ أدْنى لَهم إلى القَبُولِ، وأبْعَثَ عَلى الِاسْتِماعِ مِنهُ. ولَوْ قالَ: فَإنَّهُ عَدُوٌّ لَكم، لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ المَثابَةِ، ولِأنَّهُ دَخَلَ في بابٍ مِنَ التَّعْرِيضِ، وقَدْ يُبْلِغُ التَّعْرِيضُ لِلْمَنصُوحِ ما لا يُبْلِغُ التَّصْرِيحُ، لِأنَّهُ رُبَّما يَتَأمَّلُ فِيهِ، فَرُبَّما قادَهُ التَّأْمِيلُ إلى التَّقَبُّلِ. ومِنهُ ما يُحْكى عَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا واجَهَهُ بِشَيْءٍ فَقالَ: لَوْ كُنْتُ بِحَيْثُ أنْتَ لاحْتَجْتُ إلى أدَبٍ؛ وسَمِعَ رَجُلٌ ناسًا يَتَحَدَّثُونَ عَنِ الحِجْرِ فَقالَ: ما هو بَيْتِي ولا بَيْتُكم. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَكْثِيرٌ عَلى عادَتِهِ، وذَهابُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: (فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي) مِنَ المَقْلُوبِ والأصْلُ: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم، لِأنَّ الأصْنامَ لا تُعادِي لِكَوْنِها جَمادًا، وإنَّما هو عاداها لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] فَهَذا مَعْنى العَداوَةِ، ولِأنَّ المُغْرِيَ عَلى عَداوَتِها عَدُوُّ الإنْسانِ، وهو الشَّيْطانُ. وقِيلَ: لِأنَّهُ - تَعالى - يُحْيِـي ما عَبَدُوهُ مِنَ الأصْنامِ حَتّى يَبْتَرِءُوا مِن عَبَدَتِهِمْ، ويُوَبِّخُوهم. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفٍ، أيْ: فَإنَّ عُبّادَهم عَدُوٌّ لِي. والظّاهِرُ إقْرارُ الِاسْتِثْناءِ في مَوْضِعِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ، فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، وإلّا: بِمَعْنى دُونَ وسِوى. انْتَهى. فَجَعَلَهُ مُسْتَثْنًى مِمّا بَعْدَ ”كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ“، ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ لِصِحَّةِ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وجَعَلَهُ جَماعَةٌ - مِنهُمِ الفَرّاءُ واتَّبَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ، لِأنَّهم فَهِمُوا مِن قَوْلِهِ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنَّهُمُ الأصْنامُ. وأجازَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، وأجازُوا في (الَّذِي خَلَقَنِي) النَّصْبَ عَلى الصِّفَةِ لِرَبِّ العالَمِينَ، أوْ بِإضْمارِ، أعْنِي، والرَّفْعُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الَّذِي. وقالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِي خَلَقَنِي) رَفْعًا بِالِابْتِداءِ ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ الَّذِي، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ. انْتَهى. ولَيْسَ ”الَّذِي“ هُنا فِيهِ مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ لِأنَّهُ خاصٌّ، ولا يُتَخَيَّلُ فِيهِ العُمُومُ، فَلَيْسَ نَظِيرَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وأيْضًا لَيْسَ الفِعْلُ الَّذِي هو خَلَقَ لا يُمْكِنُ فِيهِ تَحَدُّدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى إبْراهِيمَ.
وتابَعَ أبُو البَقاءِ الحَوْفِيُّ في إعْرابِهِ هَذا، لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ. فَإنْ كانَ أرادَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما ذَكَرْناهُ، وإنْ لَمْ يُرِدْهُ، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عَلى زِيادَةِ الفاءِ، عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في نَحْوِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ؛ الَّذِي خَلَقَنِي بِقُدْرَتِهِ فَهو يَهْدِينِ إلى طاعَتِهِ. وقِيلَ: إلى جَنَّتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَهو يَهْدِينِ، يُرِيدُ أنَّهُ حِينَ أتَمَّ خَلْقَهُ، ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَقَّبَ هِدايَتَهُ المُتَّصِلَةَ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ إلى ما يُصْلِحُهُ ويُعِينُهُ، وإلّا فَمَن هَداهُ إلى أنْ يَغْتَذِيَ بِالدَّمِ في البَطْنِ امْتِصاصًا ؟ ومَن هَداهُ إلى مَعْرِفَةِ الثَّدْيِ عِنْدَ الوِلادَةِ ؟ وإلى مَعْرِفَةِ مَكانِهِ ؟ ومَن هَداهُ لِكَيْفِيَّةِ الِارْتِضاعِ ؟ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هِداياتِ المَعاشِ والمَعادِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ الطَّعامُ المَعْرُوفُ المَعْهُودُ، والسَّقْيُ المَعْهُودُ، وفِيهِ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الرِّزْقِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: يُطْعِمُنِي بِلا طَعامٍ، ويَسْقِينِي بِلا شَرابٍ، كَما جاءَ إنِّي أبَيْتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي ولَمّا كانَ الخَلْقُ لا يُمْكِنُ أنْ يَدَّعِيَهُ أحَدٌ لَمْ يُؤَكِّدْ فِيهِ بِهو، فَلَمْ يَكُنِ التَّرْكِيبُ الَّذِي هو خَلَقَنِي، ولَمّا كانَتِ الهِدايَةُ قَدْ يُمْكِنُ ادِّعاؤُها. والإطْعامُ والسَّقْيُ كَذَلِكَ أكَّدَ بِهو في قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي﴾ وذَكَرَ بَعْدَ نِعْمَةِ الخَلْقِ والهِدايَةِ ما تَدُومُ بِهِ الحَياةُ ويَسْتَمِرُّ بِهِ نِظامُ الخَلْقِ، وهو الغِذاءُ والشُّرْبِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَلَبَةِ إحْدى الكَيْفِيّاتِ عَلى الأُخْرى بِزِيادَةِ الغِذاءِ أوْ (p-٢٥)نُقْصانِهِ، فَيَحْدُثُ بِذَلِكَ مَرَضٌ ذَكَرَ نِعْمَتَهُ، بِإزالَةِ ما حَدَثَ مِنَ السَّقَمِ، وأضافَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ: وإذا أمْرَضَنِي، وإنْ كانَ - تَعالى - هو الفاعِلُ لِذَلِكَ، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَدَّدَ نِعَمَ اللَّهِ - تَعالى - عَلَيْهِ، والشِّفاءُ مَحْبُوبٌ والمَرَضُ مَكْرُوهٌ. ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَرَضُ مِنها، لَمْ يُضِفْهُ إلى اللَّهِ. وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ؛ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ: وإذا مَرِضْتُ بِالذُّنُوبِ شَفانِي بِالتَّوْبَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالَ: مَرِضْتُ دُونَ أمْرَضَنِي، لِأنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ومِن ثَمَّ قالَ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لَأكْثَرِ المَوْتى: ما سَبَبُ آجالِكم ؟ لَقالُوا: التُخَمُ، ولَمّا كانَ الشِّفاءُ قَدْ يُعْزى إلى الطَّبِيبِ، وإلى الدَّواءِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ كَما قالَ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] أكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أيِ الَّذِي هو يَهْدِينِ ويُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ هو اللَّهُ لا غَيْرُهُ.
ولَمّا كانَتِ الإماتَةُ بَعْدَ البَعْثِ، لا يُمْكِنُ إسْنادُها إلّا إلى اللَّهِ، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَوْكِيدٍ، ودَعْوى نُمْرُوذَ الإماتَةَ والإحْياءَ هي مِنهُ عَلى سَبِيلِ المَخْرَفَةِ والقِحَةِ، وكَذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَأْكِيدٍ في: ﴿والَّذِي أطْمَعُ﴾ . وأثْبَتَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ياءَ المُتَكَلِّمِ في يَهْدِينِي وما بَعْدَهُ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ. والطَّمَعُ عِبارَةٌ عَنِ الرَّجاءِ، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ جازِمًا بِالمَغْفِرَةِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَجْزِمِ القَوْلَ بِالمَغْفِرَةِ، وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِأُمَمِهِمْ، ولِيَكُونَ لُطْفًا بِهِمْ في اجْتِنابِ المَعاصِي والحَذَرِ مِنها، وطَلَبِ المَغْفِرَةِ مِمّا يَفْرُطُ مِنهم. انْتَهى. ورَدَّهُ الرّازِيُّ قالَ: ”لِأنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ. . . .“، ونَطَقَ بِكَلِمَةٍ لا أذْكُرُها، وبَعْدَها ”عَلى نَفْسِهِ لِأجْلِ تَعْلِيمِ الأُمَّةِ“، وهو باطِلٌ قَطْعًا. وقالَ الجُبّائِيُّ: أرادَ بِهِ سائِرَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ ولا يَقْطَعُونَ. ورَدَّهُ الرّازِيُّ بِأنْ جَعَلَ كَلامَ الواحِدِ مِن كَلامِ غَيْرِهِ، مِمّا يُبْطِلُ نَظْمَ الكَلامِ. وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِالطَّمَعِ اليَقِينُ. وقالَ الرّازِيُّ: لا يَسْتَقِيمُ هَذا إلّا عَلى مَذْهَبِنا، حَيْثُ قُلْنا: إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وإنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْقَفَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَفْسَهُ عَلى الطَّمَعِ في المَغْفِرَةِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِ مَعَ مَنزِلَتِهِ وخَلَّتِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِيئَتِي عَلى الإفْرادِ، والحَسَنُ: خَطايايَ عَلى الجَمْعِ، وذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّها قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] و﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] و”هي أُخْتِي“ في سارَّةَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالخَطِيئَةِ اسْمَ الجِنْسِ، قَدَّرَها في كُلِّ أمْرِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أظْهَرُ عِنْدِي، لِأنَّ تِلْكَ الثَّلاثَ قَدْ خَرَّجَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى المَعارِيضِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ ما يَنْدُرُ مِنهُ في بَعْضِ الصَّغائِرِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعْصُومُونَ مُخْتارُونَ عَلى العالَمِينَ، وهي قَوْلُهُ. . . . وذَكَرَ الثَّلاثَةَ، ثُمَّ قالَ وما هي إلّا مَعارِيضُ، كَلامٌ وتَخَيُّلاتٌ لِلْكَفَرَةِ، ولَيْسَتْ بِخَطايا يُطْلَبُ لَها الِاسْتِغْفارُ. (فَإنْ قُلْتَ): إذا لَمْ يَنْدُرْ مِنهم إلّا الصَّغائِرُ، وهي تَقَعُ مُكَفَّرَةً، فَما لَهُ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ خَطِيئَةً أوْ خَطايا، وطَمِعَ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ؟ (قُلْتُ: الجَوابُ) ما سَبَقَ، أنَّ اسْتِغْفارَ الأنْبِياءِ تَواضُعٌ مِنهم لِرَبِّهِمْ وهَضْمٌ لِأنْفُسِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أطْمَعُ، ولَمْ يَجْزِمِ القَوْلَ. انْتَهى. و(يَوْمَ الدِّينِ) ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ يَغْفِرُ، والغُفْرانُ، وإنْ كانَ في الدُّنْيا، فَأثَرُهُ لا يَتَبَيَّنُ إلّا يَوْمَ الجَزاءِ، وهو في الدُّنْيا لا يُعْلَمُ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ - تَعالى. وضَعَّفَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ حَمْلَ الخَطِيئَةِ عَلى تِلْكَ الثَّلاثِ، لِأنَّ نِسْبَةَ ما لا يُطابِقُ إلى إبْراهِيمَ غَيْرُ جائِزٍ، وحَمَلَهُ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ قالَ: لِأنَّهُ إنْ طابَقَ في هَذا المَوْضِعِ زالَ الإشْكالُ، وإنْ لَمْ يُطابِقْ رَجَعَ حاصِلُ الجَوابِ إلى إلْحاقِ المَعْصِيَةِ بِهِ، لِأجْلِ تَنْزِيهِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ. قالَ: والجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وقَدْ يُسَمّى خَطَأً. فَإنَّ مَن باعَ جَوْهَرَةً تُساوِي ألْفًا بِدِينارٍ، قِيلَ: أخْطَأ، وتَرْكُ الأوْلى عَلى الأنْبِياءِ جائِزٌ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ وتَبْدِيلِ ألْفاظٍ لِلْأدَبِ بِما يُناسِبُ مَقامَ النُّبُوَّةِ.
وقَدَّمَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الثَّناءَ عَلى اللَّهِ - تَعالى، وذَكَرَهُ بِالأوْصافِ الحَسَنَةِ بَيْنَ يَدَيْ طَلِبَتِهِ ومَسْألَتِهِ، ثُمَّ سَألَهُ - تَعالى - فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الثَّناءِ عَلى المَسْألَةِ مِنَ المُهِمّاتِ. (p-٢٦)والظّاهِرُ أنَّ الحُكْمَ هو الفَصْلُ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ. وقِيلَ: الحُكْمُ: الحِكْمَةُ والنُّبُوَّةُ، لِأنَّها حاصِلَةٌ تَتْلُو طَلَبَ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ذُو حِكْمَةٍ وذُو حُكْمٍ بَيْنَ النّاسِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُكْمِ بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّها حاصِلَةٌ، فَلَوْ طَلَبَ النُّبُوَّةَ لَكانَتْ مَطْلُوبَةً، إمّا عَيْنُ الحاصِلَةِ أوْ غَيْرُها. والأوَّلُ مُحالٌ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، والثّانِي مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يُمْنَعُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ، بَلِ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ ما هو كَمالُ النُّبُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِالخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ فَسَّرَ الحُكْمَ بِالحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ، قالَ: ودُعاؤُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مِثْلِ هَذا هو في التَّثَبُّتِ والدَّوامِ. وإلْحاقُهُ بِالصّالِحِينَ: تَوْفِيقُهُ لِعَمَلٍ يَنْتَظِمُهُ في جُمْلَتِهِمْ، أوْ يَجْمَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في الجَنَّةِ. وقَدْ أجابَهُ - تَعالى ٠ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] .
قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وإنَّما قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ لِأنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، لِأنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ، والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، وكَما أنَّ الرُّوحَ أشْرَفُ مِنَ البَدَنِ، كَذَلِكَ العِلْمُ أفْضَلُ مِنَ الإصْلاحِ. انْتَهى. ولِسانُ الصِّدْقِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو الثَّناءُ وتَخْلِيدُ المَكانَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وكَذَلِكَ أجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ، فَكُلُّ مِلَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ، وهو عَلى الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ . قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: مَعْنى سُؤالِهِ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَّمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ، فَأُجِيبَتِ الدَّعْوَةُ في مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ، إلّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يُعْطِيهِ إلّا بِتَحَكُّمٍ عَلى اللَّفْظِ. انْتَهى. ولَمّا طَلَبَ سَعادَةَ الدُّنْيا، طَلَبَ سَعادَةَ الآخِرَةِ، وهي جَنَّةُ النَّعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُوَرَّثُ، لِأنَّهُ الَّذِي يُقَسَّمُ في الدُّنْيا شَبَّهَ غَنِيمَةَ الدُّنْيا بِغَنِيمَةِ الآخِرَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] .
ولَمّا فَرَغَ مِن مَطالِبِ الدُّنْيا والآخِرَةِ لِنَفْسِهِ، طَلَبَ لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ، وهو أصْلُهُ الَّذِي كانَ ناشِئًا عَنْهُ، وهو أبُوهُ، فَقالَ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي﴾ وطَلَبُهُ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطٌ بِالإسْلامِ، وطَلَبُ المَشْرُوطِ يَتَضَمَّنُ طَلَبَ الشَّرْطِ، فَحاصِلُهُ: أنَّهُ دَعا بِالإسْلامِ. وكانَ وعْدُهُ ذَلِكَ يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ [التوبة: ١١٤] أيِ المُوافاةُ عَلى الكُفْرِ تَبَرَّأ مِنهُ. وقِيلَ: كانَ قالَ لَهُ إنَّهُ عَلى دِينِهِ باطِنًا وعَلى دِينِ نُمْرُوذَ ظاهِرًا، تَقِيَّةً وخَوْفًا، فَدَعا لَهُ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلافُ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، ولِذَلِكَ قالَ في دُعائِهِ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ . فَلَوْلا اعْتِقادُهُ أنَّهُ في الحالِ لَيْسَ بِضالٍّ ما قالَ ذَلِكَ.
﴿ولا تُخْزِنِي﴾ إمّا مِنَ الخِزْيِ، وهو الهَوانُ، وإمّا مِنَ الخِزايَةِ، وهي الحَياءُ. والضَّمِيرُ في (يُبْعَثُونَ) ضَمِيرُ العِبادِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، أوْ ضَمِيرُ (الضّالِّينَ) ويَكُونُ مِن جُمْلَةِ الِاسْتِغْفارِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: يَوْمَ يُبْعَثُ الضّالُّونَ. وأتى فِيهِمْ: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ) بَدَلًا مِن: ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ .
﴿مالٌ ولا بَنُونَ﴾ أيْ كَما يَنْفَعُ في الدُّنْيا يَفْدِيهِ مالُهُ ويَذُبُّ عَنْهُ بَنُوهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالبَنِينَ جَمِيعُ الأعْوانِ. وقِيلَ: المَعْنى يَوْمَ لا يَنْفَعُ إعْلاقٌ بِالدُّنْيا ومَحاسِنِها، فَقَصَدَ مِن ذَلِكَ الذِّكْرَ العَظِيمَ والأكْثَرَ؛ لِأنَّ المالَ والبَنِينَ هي زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا. والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَنْفَعُهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا، ولا بُدَّ لَكَ مَعَ ذَلِكَ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ، وهو الحالُ المُرادُ بِها السَّلامَةُ، ولَيْسَتْ مِن جِنْسِ المالِ والبَنِينَ حَتّى يَئُولَ المَعْنى إلى أنَّ المالَ والبَنِينَ لا يَنْفَعانِ، وإنَّما يَنْفَعُ سَلامَةُ القَلْبِ، ولَوْ لَمْ يُقَدَّرِ المُضافُ لَمْ يَتَحَصَّلْ لِلِاسْتِثْناءِ مَعْنًى. انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما ذُكِرَ، إذْ قَدَّرْناهُ، لَكِنْ ﴿مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وقَدْ جَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في أوَّلِ تَوْجِيهٍ مُتَّصِلًا بِتَأْوِيلٍ، قالَ: إلّا مَن أتى اللَّهَ: إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وهو مِن قَوْلِهِ:
؎تَحِيَّــةُ بَيْنِهِــمْ ضَــرْبٌ وجِيــعٌ
وما ثَوابُهُ إلّا السَّيْفُ.
ومِثالُهُ أنْ يُقالَ: هَلْ لِزَيْدٍ (p-٢٧)مالٌ وبَنُونَ ؟ فَيَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ، وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ لَهُ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ. وإنْ شِئْتَ حَمَلْتَ الكَلامَ عَلى المَعْنى، وجَعَلْتَ المالَ والبَنِينَ في مَعْنى الغِنى، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، لِأنَّ غِنى الرَّجُلِ في دِينِهِ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ، كَما أنَّ غِناهُ في دُنْياهُ بِمالِهِ وبَنِيهِ. انْتَهى. وجَعَلَهُ بَعْضُهُمُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، فَمَن مَفْعُولٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ أحَدًا إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَإنَّهُ يَنْفَعُهُ مالُهُ المَصْرُوفُ في وُجُوهِ البِرِّ، وبَنُوهُ الصُّلَحاءُ، إذْ كانَ أنْفَقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ، وأرْشَدَ بَنِيهِ إلى الدِّينِ، وعَلَّمَهُمُ الشَّرائِعَ وسَلامَةَ القَلْبِ - خُلُوصَهُ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وعِلَقِ الدُّنْيا المَتْرُوكَةِ وإنْ كانَتْ مُباحَةً كالمالِ والبَنِينَ. وقالَ سُفْيانُ: هو الَّذِي يَلْقى رَبَّهُ ولَيْسَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ غَيْرَهُ، وهَذا يَقْتَضِي عُمُومَهُ اللَّفْظُ، ولَكِنَّ السَّلِيمَ مِنَ الشِّرْكِ هو الأعَمُّ. وقالَ الجُنَيْدُ: بِقَلْبٍ لَدِيغٍ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، والسَّلِيمُ: اللَّدِيغُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ وصَدَقَ.
الشعراء 26:90
﴿وأزْلَفَتِ الجَنَّةُ﴾ قُرِّبَتْ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَغْتَبِطُوا بِحَشْرِهِمْ إلَيْها.
﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ أُظْهِرَتْ وكُشِفَتْ بِحَيْثُ كانَتْ بِمَرْأًى مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ﴾ [الملك: ٢٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. هَلْ يَنْفَعُونَكم بِنَصْرِهِمْ إيّاكم، أوْ يَنْتَصِرُونَ هم فَيَنْفَعُونَ أنْفُسَهم بِحِمايَتِها، إذْ هم وأنْتُمْ وقُودُ النّارِ ؟ وقَرَأ الأعْمَشُ: فَبُرِّزَتْ بِالفاءِ، جَعَلَ تَبْرِيزَ الجَحِيمِ بَعْدَ تَقْرِيبِ الجَنَّةِ يَعْقُبُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظُهُورُهُ قَبْلَ الآخَرِ، وهو مِن تَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ عَلى العَذابِ، وهو حَسَنٌ، لَوْ أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ بِالواوِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: (وبَرَزَتْ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ؛ (الجَحِيمُ) بِالرَّفْعِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها اتِّساعًا. ولَمّا وبَّخَهم وقَرَّعَهم، أخْبَرَ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجِيءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَفْظِ الماضِي في أتى وأُزْلِفَتْ وبُرِّزَتْ. وقِيلَ: (فَكُبْكِبُوا) لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ. والضَّمِيرُ في: ”فَكُبْكِبُوا“ عائِدٌ عَلى الأصْنامِ، أُجْرِيَتْ مَجْرى مَن يَعْقِلُ. قالَ الكِرْمانِيُّ: فَكُبْكِبُوا: قُذِفُوا فِيها. وقِيلَ: جُمِعُوا. وقِيلَ: هُدِرُوا. وقِيلَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وقِيلَ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ يَنْكَبُّونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها. (والغاوُونَ) هُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، والغاوُونَ: الشَّياطِينُ. (وجُنُودُ إبْلِيسَ) قَبِيلَةٌ، وكُلُّ مَن تَبِعَهُ فَهو جُنْدٌ لَهُ وعَوْنٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، والغاوُونَ: سائِرُ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هُمُ القادَةُ والسَّفِلَةُ، قالُوا: أيْ عُبّادُ الأصْنامِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ، والمَقُولُ جُمْلَةُ القَسَمِ ومُتَعَلَّقُهُ، والخِطابُ في (نُسَوِّيكم) لِلْأصْنامِ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللَّهِ - تَعالى - الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهم. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ، إنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّ ”إنْ“ هُنا نافِيَةٌ، واللّامَ في ”لَفي“ بِمَعْنى إلّا، فَلَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا أنَّ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنَّ اللّامَ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.
الشعراء 26:91
﴿وأزْلَفَتِ الجَنَّةُ﴾ قُرِّبَتْ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَغْتَبِطُوا بِحَشْرِهِمْ إلَيْها.
﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ أُظْهِرَتْ وكُشِفَتْ بِحَيْثُ كانَتْ بِمَرْأًى مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ﴾ [الملك: ٢٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. هَلْ يَنْفَعُونَكم بِنَصْرِهِمْ إيّاكم، أوْ يَنْتَصِرُونَ هم فَيَنْفَعُونَ أنْفُسَهم بِحِمايَتِها، إذْ هم وأنْتُمْ وقُودُ النّارِ ؟ وقَرَأ الأعْمَشُ: فَبُرِّزَتْ بِالفاءِ، جَعَلَ تَبْرِيزَ الجَحِيمِ بَعْدَ تَقْرِيبِ الجَنَّةِ يَعْقُبُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظُهُورُهُ قَبْلَ الآخَرِ، وهو مِن تَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ عَلى العَذابِ، وهو حَسَنٌ، لَوْ أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ بِالواوِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: (وبَرَزَتْ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ؛ (الجَحِيمُ) بِالرَّفْعِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها اتِّساعًا. ولَمّا وبَّخَهم وقَرَّعَهم، أخْبَرَ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجِيءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَفْظِ الماضِي في أتى وأُزْلِفَتْ وبُرِّزَتْ. وقِيلَ: (فَكُبْكِبُوا) لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ. والضَّمِيرُ في: ”فَكُبْكِبُوا“ عائِدٌ عَلى الأصْنامِ، أُجْرِيَتْ مَجْرى مَن يَعْقِلُ. قالَ الكِرْمانِيُّ: فَكُبْكِبُوا: قُذِفُوا فِيها. وقِيلَ: جُمِعُوا. وقِيلَ: هُدِرُوا. وقِيلَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وقِيلَ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ يَنْكَبُّونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها. (والغاوُونَ) هُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، والغاوُونَ: الشَّياطِينُ. (وجُنُودُ إبْلِيسَ) قَبِيلَةٌ، وكُلُّ مَن تَبِعَهُ فَهو جُنْدٌ لَهُ وعَوْنٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، والغاوُونَ: سائِرُ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هُمُ القادَةُ والسَّفِلَةُ، قالُوا: أيْ عُبّادُ الأصْنامِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ، والمَقُولُ جُمْلَةُ القَسَمِ ومُتَعَلَّقُهُ، والخِطابُ في (نُسَوِّيكم) لِلْأصْنامِ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللَّهِ - تَعالى - الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهم. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ، إنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّ ”إنْ“ هُنا نافِيَةٌ، واللّامَ في ”لَفي“ بِمَعْنى إلّا، فَلَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا أنَّ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنَّ اللّامَ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.
الشعراء 26:92
﴿وأزْلَفَتِ الجَنَّةُ﴾ قُرِّبَتْ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَغْتَبِطُوا بِحَشْرِهِمْ إلَيْها.
﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ أُظْهِرَتْ وكُشِفَتْ بِحَيْثُ كانَتْ بِمَرْأًى مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ﴾ [الملك: ٢٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. هَلْ يَنْفَعُونَكم بِنَصْرِهِمْ إيّاكم، أوْ يَنْتَصِرُونَ هم فَيَنْفَعُونَ أنْفُسَهم بِحِمايَتِها، إذْ هم وأنْتُمْ وقُودُ النّارِ ؟ وقَرَأ الأعْمَشُ: فَبُرِّزَتْ بِالفاءِ، جَعَلَ تَبْرِيزَ الجَحِيمِ بَعْدَ تَقْرِيبِ الجَنَّةِ يَعْقُبُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظُهُورُهُ قَبْلَ الآخَرِ، وهو مِن تَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ عَلى العَذابِ، وهو حَسَنٌ، لَوْ أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ بِالواوِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: (وبَرَزَتْ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ؛ (الجَحِيمُ) بِالرَّفْعِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها اتِّساعًا. ولَمّا وبَّخَهم وقَرَّعَهم، أخْبَرَ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجِيءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَفْظِ الماضِي في أتى وأُزْلِفَتْ وبُرِّزَتْ. وقِيلَ: (فَكُبْكِبُوا) لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ. والضَّمِيرُ في: ”فَكُبْكِبُوا“ عائِدٌ عَلى الأصْنامِ، أُجْرِيَتْ مَجْرى مَن يَعْقِلُ. قالَ الكِرْمانِيُّ: فَكُبْكِبُوا: قُذِفُوا فِيها. وقِيلَ: جُمِعُوا. وقِيلَ: هُدِرُوا. وقِيلَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وقِيلَ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ يَنْكَبُّونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها. (والغاوُونَ) هُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، والغاوُونَ: الشَّياطِينُ. (وجُنُودُ إبْلِيسَ) قَبِيلَةٌ، وكُلُّ مَن تَبِعَهُ فَهو جُنْدٌ لَهُ وعَوْنٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، والغاوُونَ: سائِرُ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هُمُ القادَةُ والسَّفِلَةُ، قالُوا: أيْ عُبّادُ الأصْنامِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ، والمَقُولُ جُمْلَةُ القَسَمِ ومُتَعَلَّقُهُ، والخِطابُ في (نُسَوِّيكم) لِلْأصْنامِ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللَّهِ - تَعالى - الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهم. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ، إنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّ ”إنْ“ هُنا نافِيَةٌ، واللّامَ في ”لَفي“ بِمَعْنى إلّا، فَلَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا أنَّ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنَّ اللّامَ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.
الشعراء 26:93
﴿وأزْلَفَتِ الجَنَّةُ﴾ قُرِّبَتْ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَغْتَبِطُوا بِحَشْرِهِمْ إلَيْها.
﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ أُظْهِرَتْ وكُشِفَتْ بِحَيْثُ كانَتْ بِمَرْأًى مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ﴾ [الملك: ٢٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. هَلْ يَنْفَعُونَكم بِنَصْرِهِمْ إيّاكم، أوْ يَنْتَصِرُونَ هم فَيَنْفَعُونَ أنْفُسَهم بِحِمايَتِها، إذْ هم وأنْتُمْ وقُودُ النّارِ ؟ وقَرَأ الأعْمَشُ: فَبُرِّزَتْ بِالفاءِ، جَعَلَ تَبْرِيزَ الجَحِيمِ بَعْدَ تَقْرِيبِ الجَنَّةِ يَعْقُبُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظُهُورُهُ قَبْلَ الآخَرِ، وهو مِن تَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ عَلى العَذابِ، وهو حَسَنٌ، لَوْ أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ بِالواوِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: (وبَرَزَتْ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ؛ (الجَحِيمُ) بِالرَّفْعِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها اتِّساعًا. ولَمّا وبَّخَهم وقَرَّعَهم، أخْبَرَ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجِيءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَفْظِ الماضِي في أتى وأُزْلِفَتْ وبُرِّزَتْ. وقِيلَ: (فَكُبْكِبُوا) لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ. والضَّمِيرُ في: ”فَكُبْكِبُوا“ عائِدٌ عَلى الأصْنامِ، أُجْرِيَتْ مَجْرى مَن يَعْقِلُ. قالَ الكِرْمانِيُّ: فَكُبْكِبُوا: قُذِفُوا فِيها. وقِيلَ: جُمِعُوا. وقِيلَ: هُدِرُوا. وقِيلَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وقِيلَ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ يَنْكَبُّونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها. (والغاوُونَ) هُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، والغاوُونَ: الشَّياطِينُ. (وجُنُودُ إبْلِيسَ) قَبِيلَةٌ، وكُلُّ مَن تَبِعَهُ فَهو جُنْدٌ لَهُ وعَوْنٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، والغاوُونَ: سائِرُ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هُمُ القادَةُ والسَّفِلَةُ، قالُوا: أيْ عُبّادُ الأصْنامِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ، والمَقُولُ جُمْلَةُ القَسَمِ ومُتَعَلَّقُهُ، والخِطابُ في (نُسَوِّيكم) لِلْأصْنامِ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللَّهِ - تَعالى - الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهم. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ، إنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّ ”إنْ“ هُنا نافِيَةٌ، واللّامَ في ”لَفي“ بِمَعْنى إلّا، فَلَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا أنَّ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنَّ اللّامَ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.
الشعراء 26:94
﴿وأزْلَفَتِ الجَنَّةُ﴾ قُرِّبَتْ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَغْتَبِطُوا بِحَشْرِهِمْ إلَيْها.
﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ أُظْهِرَتْ وكُشِفَتْ بِحَيْثُ كانَتْ بِمَرْأًى مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ﴾ [الملك: ٢٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. هَلْ يَنْفَعُونَكم بِنَصْرِهِمْ إيّاكم، أوْ يَنْتَصِرُونَ هم فَيَنْفَعُونَ أنْفُسَهم بِحِمايَتِها، إذْ هم وأنْتُمْ وقُودُ النّارِ ؟ وقَرَأ الأعْمَشُ: فَبُرِّزَتْ بِالفاءِ، جَعَلَ تَبْرِيزَ الجَحِيمِ بَعْدَ تَقْرِيبِ الجَنَّةِ يَعْقُبُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظُهُورُهُ قَبْلَ الآخَرِ، وهو مِن تَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ عَلى العَذابِ، وهو حَسَنٌ، لَوْ أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ بِالواوِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: (وبَرَزَتْ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ؛ (الجَحِيمُ) بِالرَّفْعِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها اتِّساعًا. ولَمّا وبَّخَهم وقَرَّعَهم، أخْبَرَ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجِيءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَفْظِ الماضِي في أتى وأُزْلِفَتْ وبُرِّزَتْ. وقِيلَ: (فَكُبْكِبُوا) لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ. والضَّمِيرُ في: ”فَكُبْكِبُوا“ عائِدٌ عَلى الأصْنامِ، أُجْرِيَتْ مَجْرى مَن يَعْقِلُ. قالَ الكِرْمانِيُّ: فَكُبْكِبُوا: قُذِفُوا فِيها. وقِيلَ: جُمِعُوا. وقِيلَ: هُدِرُوا. وقِيلَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وقِيلَ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ يَنْكَبُّونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها. (والغاوُونَ) هُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، والغاوُونَ: الشَّياطِينُ. (وجُنُودُ إبْلِيسَ) قَبِيلَةٌ، وكُلُّ مَن تَبِعَهُ فَهو جُنْدٌ لَهُ وعَوْنٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، والغاوُونَ: سائِرُ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هُمُ القادَةُ والسَّفِلَةُ، قالُوا: أيْ عُبّادُ الأصْنامِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ، والمَقُولُ جُمْلَةُ القَسَمِ ومُتَعَلَّقُهُ، والخِطابُ في (نُسَوِّيكم) لِلْأصْنامِ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللَّهِ - تَعالى - الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهم. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ، إنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّ ”إنْ“ هُنا نافِيَةٌ، واللّامَ في ”لَفي“ بِمَعْنى إلّا، فَلَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا أنَّ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنَّ اللّامَ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.
الشعراء 26:95
﴿وأزْلَفَتِ الجَنَّةُ﴾ قُرِّبَتْ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَغْتَبِطُوا بِحَشْرِهِمْ إلَيْها.
﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ أُظْهِرَتْ وكُشِفَتْ بِحَيْثُ كانَتْ بِمَرْأًى مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ﴾ [الملك: ٢٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. هَلْ يَنْفَعُونَكم بِنَصْرِهِمْ إيّاكم، أوْ يَنْتَصِرُونَ هم فَيَنْفَعُونَ أنْفُسَهم بِحِمايَتِها، إذْ هم وأنْتُمْ وقُودُ النّارِ ؟ وقَرَأ الأعْمَشُ: فَبُرِّزَتْ بِالفاءِ، جَعَلَ تَبْرِيزَ الجَحِيمِ بَعْدَ تَقْرِيبِ الجَنَّةِ يَعْقُبُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظُهُورُهُ قَبْلَ الآخَرِ، وهو مِن تَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ عَلى العَذابِ، وهو حَسَنٌ، لَوْ أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ بِالواوِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: (وبَرَزَتْ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ؛ (الجَحِيمُ) بِالرَّفْعِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها اتِّساعًا. ولَمّا وبَّخَهم وقَرَّعَهم، أخْبَرَ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجِيءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَفْظِ الماضِي في أتى وأُزْلِفَتْ وبُرِّزَتْ. وقِيلَ: (فَكُبْكِبُوا) لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ. والضَّمِيرُ في: ”فَكُبْكِبُوا“ عائِدٌ عَلى الأصْنامِ، أُجْرِيَتْ مَجْرى مَن يَعْقِلُ. قالَ الكِرْمانِيُّ: فَكُبْكِبُوا: قُذِفُوا فِيها. وقِيلَ: جُمِعُوا. وقِيلَ: هُدِرُوا. وقِيلَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وقِيلَ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ يَنْكَبُّونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها. (والغاوُونَ) هُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، والغاوُونَ: الشَّياطِينُ. (وجُنُودُ إبْلِيسَ) قَبِيلَةٌ، وكُلُّ مَن تَبِعَهُ فَهو جُنْدٌ لَهُ وعَوْنٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، والغاوُونَ: سائِرُ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هُمُ القادَةُ والسَّفِلَةُ، قالُوا: أيْ عُبّادُ الأصْنامِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ، والمَقُولُ جُمْلَةُ القَسَمِ ومُتَعَلَّقُهُ، والخِطابُ في (نُسَوِّيكم) لِلْأصْنامِ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللَّهِ - تَعالى - الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهم. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ، إنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّ ”إنْ“ هُنا نافِيَةٌ، واللّامَ في ”لَفي“ بِمَعْنى إلّا، فَلَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا أنَّ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنَّ اللّامَ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.
الشعراء 26:96
﴿وأزْلَفَتِ الجَنَّةُ﴾ قُرِّبَتْ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَغْتَبِطُوا بِحَشْرِهِمْ إلَيْها.
﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ أُظْهِرَتْ وكُشِفَتْ بِحَيْثُ كانَتْ بِمَرْأًى مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ﴾ [الملك: ٢٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. هَلْ يَنْفَعُونَكم بِنَصْرِهِمْ إيّاكم، أوْ يَنْتَصِرُونَ هم فَيَنْفَعُونَ أنْفُسَهم بِحِمايَتِها، إذْ هم وأنْتُمْ وقُودُ النّارِ ؟ وقَرَأ الأعْمَشُ: فَبُرِّزَتْ بِالفاءِ، جَعَلَ تَبْرِيزَ الجَحِيمِ بَعْدَ تَقْرِيبِ الجَنَّةِ يَعْقُبُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظُهُورُهُ قَبْلَ الآخَرِ، وهو مِن تَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ عَلى العَذابِ، وهو حَسَنٌ، لَوْ أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ بِالواوِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: (وبَرَزَتْ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ؛ (الجَحِيمُ) بِالرَّفْعِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها اتِّساعًا. ولَمّا وبَّخَهم وقَرَّعَهم، أخْبَرَ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجِيءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَفْظِ الماضِي في أتى وأُزْلِفَتْ وبُرِّزَتْ. وقِيلَ: (فَكُبْكِبُوا) لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ. والضَّمِيرُ في: ”فَكُبْكِبُوا“ عائِدٌ عَلى الأصْنامِ، أُجْرِيَتْ مَجْرى مَن يَعْقِلُ. قالَ الكِرْمانِيُّ: فَكُبْكِبُوا: قُذِفُوا فِيها. وقِيلَ: جُمِعُوا. وقِيلَ: هُدِرُوا. وقِيلَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وقِيلَ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ يَنْكَبُّونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها. (والغاوُونَ) هُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، والغاوُونَ: الشَّياطِينُ. (وجُنُودُ إبْلِيسَ) قَبِيلَةٌ، وكُلُّ مَن تَبِعَهُ فَهو جُنْدٌ لَهُ وعَوْنٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، والغاوُونَ: سائِرُ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هُمُ القادَةُ والسَّفِلَةُ، قالُوا: أيْ عُبّادُ الأصْنامِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ، والمَقُولُ جُمْلَةُ القَسَمِ ومُتَعَلَّقُهُ، والخِطابُ في (نُسَوِّيكم) لِلْأصْنامِ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللَّهِ - تَعالى - الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهم. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ، إنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّ ”إنْ“ هُنا نافِيَةٌ، واللّامَ في ”لَفي“ بِمَعْنى إلّا، فَلَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا أنَّ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنَّ اللّامَ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.
الشعراء 26:97
﴿وأزْلَفَتِ الجَنَّةُ﴾ قُرِّبَتْ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَغْتَبِطُوا بِحَشْرِهِمْ إلَيْها.
﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ أُظْهِرَتْ وكُشِفَتْ بِحَيْثُ كانَتْ بِمَرْأًى مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ﴾ [الملك: ٢٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. هَلْ يَنْفَعُونَكم بِنَصْرِهِمْ إيّاكم، أوْ يَنْتَصِرُونَ هم فَيَنْفَعُونَ أنْفُسَهم بِحِمايَتِها، إذْ هم وأنْتُمْ وقُودُ النّارِ ؟ وقَرَأ الأعْمَشُ: فَبُرِّزَتْ بِالفاءِ، جَعَلَ تَبْرِيزَ الجَحِيمِ بَعْدَ تَقْرِيبِ الجَنَّةِ يَعْقُبُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظُهُورُهُ قَبْلَ الآخَرِ، وهو مِن تَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ عَلى العَذابِ، وهو حَسَنٌ، لَوْ أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ بِالواوِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: (وبَرَزَتْ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ؛ (الجَحِيمُ) بِالرَّفْعِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها اتِّساعًا. ولَمّا وبَّخَهم وقَرَّعَهم، أخْبَرَ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجِيءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَفْظِ الماضِي في أتى وأُزْلِفَتْ وبُرِّزَتْ. وقِيلَ: (فَكُبْكِبُوا) لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ. والضَّمِيرُ في: ”فَكُبْكِبُوا“ عائِدٌ عَلى الأصْنامِ، أُجْرِيَتْ مَجْرى مَن يَعْقِلُ. قالَ الكِرْمانِيُّ: فَكُبْكِبُوا: قُذِفُوا فِيها. وقِيلَ: جُمِعُوا. وقِيلَ: هُدِرُوا. وقِيلَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وقِيلَ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ يَنْكَبُّونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها. (والغاوُونَ) هُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، والغاوُونَ: الشَّياطِينُ. (وجُنُودُ إبْلِيسَ) قَبِيلَةٌ، وكُلُّ مَن تَبِعَهُ فَهو جُنْدٌ لَهُ وعَوْنٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، والغاوُونَ: سائِرُ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هُمُ القادَةُ والسَّفِلَةُ، قالُوا: أيْ عُبّادُ الأصْنامِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ، والمَقُولُ جُمْلَةُ القَسَمِ ومُتَعَلَّقُهُ، والخِطابُ في (نُسَوِّيكم) لِلْأصْنامِ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللَّهِ - تَعالى - الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهم. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ، إنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّ ”إنْ“ هُنا نافِيَةٌ، واللّامَ في ”لَفي“ بِمَعْنى إلّا، فَلَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا أنَّ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنَّ اللّامَ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.
الشعراء 26:98
﴿وأزْلَفَتِ الجَنَّةُ﴾ قُرِّبَتْ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَغْتَبِطُوا بِحَشْرِهِمْ إلَيْها.
﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾ أُظْهِرَتْ وكُشِفَتْ بِحَيْثُ كانَتْ بِمَرْأًى مِنهم كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ﴾ [الملك: ٢٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. هَلْ يَنْفَعُونَكم بِنَصْرِهِمْ إيّاكم، أوْ يَنْتَصِرُونَ هم فَيَنْفَعُونَ أنْفُسَهم بِحِمايَتِها، إذْ هم وأنْتُمْ وقُودُ النّارِ ؟ وقَرَأ الأعْمَشُ: فَبُرِّزَتْ بِالفاءِ، جَعَلَ تَبْرِيزَ الجَحِيمِ بَعْدَ تَقْرِيبِ الجَنَّةِ يَعْقُبُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظُهُورُهُ قَبْلَ الآخَرِ، وهو مِن تَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ عَلى العَذابِ، وهو حَسَنٌ، لَوْ أنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ بِالواوِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: (وبَرَزَتْ) بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ؛ (الجَحِيمُ) بِالرَّفْعِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها اتِّساعًا. ولَمّا وبَّخَهم وقَرَّعَهم، أخْبَرَ عَنْ حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وجِيءَ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِلَفْظِ الماضِي في أتى وأُزْلِفَتْ وبُرِّزَتْ. وقِيلَ: (فَكُبْكِبُوا) لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ. والضَّمِيرُ في: ”فَكُبْكِبُوا“ عائِدٌ عَلى الأصْنامِ، أُجْرِيَتْ مَجْرى مَن يَعْقِلُ. قالَ الكِرْمانِيُّ: فَكُبْكِبُوا: قُذِفُوا فِيها. وقِيلَ: جُمِعُوا. وقِيلَ: هُدِرُوا. وقِيلَ: نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وقِيلَ: أُلْقُوا في جَهَنَّمَ يَنْكَبُّونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها. (والغاوُونَ) هُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، والغاوُونَ: الشَّياطِينُ. (وجُنُودُ إبْلِيسَ) قَبِيلَةٌ، وكُلُّ مَن تَبِعَهُ فَهو جُنْدٌ لَهُ وعَوْنٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، والغاوُونَ: سائِرُ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هُمُ القادَةُ والسَّفِلَةُ، قالُوا: أيْ عُبّادُ الأصْنامِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ، والمَقُولُ جُمْلَةُ القَسَمِ ومُتَعَلَّقُهُ، والخِطابُ في (نُسَوِّيكم) لِلْأصْنامِ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللَّهِ - تَعالى - الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهم. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إنْ كُنّا إلّا ضالِّينَ، إنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ أنَّ ”إنْ“ هُنا نافِيَةٌ، واللّامَ في ”لَفي“ بِمَعْنى إلّا، فَلَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا أنَّ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنَّ اللّامَ هي الدّاخِلَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ.
الشعراء 26:99
﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ أيْ أصْحابُ الجَرائِمِ والمَعاصِي العِظامِ والجُرْأةِ، وهم ساداتُهم ذَوُو المَكانَةِ في الدُّنْيا والِاسْتِتْباعِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] . وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الأوَّلُونَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ. وقِيلَ: المُجْرِمُونَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: مَن دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ وأنْواعَ المَعاصِي. وحِينَ رَأوْا شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والعُلَماءِ نافِعَةً في أهْلِ الإيمانِ، وشَفاعَةَ الصَّدِيقِ في صَدِيقِهِ خاصَّةً، قالُوا عَلى جِهَةِ التَّلَهُّفِ والتَّأسُّفِ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: شافِعِينَ مِن (p-٢٨)المَلائِكَةِ وصَدِيقٍ مِنَ النّاسِ. ولَفْظَةُ الشَّفِيعِ تَقْتَضِي رِفْعَةَ مَكانَةٍ عِنْدَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ، ولَفْظَةُ الصَّدِيقِ تَقْتَضِي شِدَّةَ مُساهَمَةٍ ونُصْرَةٍ، وهو فَعِيلٌ مِن صَدَقَ الوِدَّ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ونَفْيُ الشُّفَعاءِ والصَّدِيقِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِوُجُودِهِمْ إذْ ذاكَ، وهم مَوْجُودُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ تَشْفَعُ المَلائِكَةُ وتَتَصادَقُ المُؤْمِنُونَ، كَما قالَ: ”﴿الأخِلّاءُ يَوْمئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]“، أوْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ في مَعْبُوداتِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ لَهم أصْدِقاءَ مِنَ الإنْسِ والشَّياطِينِ، فَقَصَدُوا بِنَفْيِهِمْ نَفْيَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ النَّفْعِ، لِأنَّ ما لا يَنْفَعُ، حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْدُومِ، فَصارَ المَعْنى: فَما لَنا مَن نَفْعِ مَن كُنّا نَعْتَقِدُ أنَّهم شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، وجَمَعَ الشُّفَعاءَ لِكَثْرَتِهِمْ في العادَةِ. ألا تَرى أنَّهُ يَشْفَعُ فِيمَن وقَعَ في ورْطَةٍ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأُفْرِدُ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، وأُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ ؟ إذْ يُقالُ: هم صَدِيقٌ، أيْ أصْدِقاءُ، كَما يُقالُ: هم عَدُوٌّ، أيْ أعْداءٌ. والظّاهِرُ أنْ لَوْ هُنا أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي، و”فَنَكُونَ“ الجَوابُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ. وقِيلَ: هي الخالِصَةُ لِلدَّلالَةِ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (فَنَكُونَ) مَعْطُوفًا عَلى ”كَرَّةً“، أيْ فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، أيْ لَكانَ لَنا شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، أوْ لَخَلَصْنا مِنَ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمَلَ كُلَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِ إبْراهِيمَ، أخْبَرَ بِما أعْلَمَهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وما يَكُونُ فِيها مِن حالِ قَوْمِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ هي عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَعَلَّقَ بِصِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ أعْرَبَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ بَدَلًا مِن ”يَوْمَ يَبْعَثُونَ“، وعَلى هَذا لا يَتَأتّى هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن تَفْكِيكِ الكَلامِ، وجَعْلِ بَعْضِهِ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ، وبَعْضِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ العامِلَ في البَدَلِ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ فِعْلٌ آخَرُ مِن لَفْظِ الأوَّلِ، أوِ الأوَّلُ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولا تُخْزِنِي يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً“ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُحاوَرَتِهِ لِقَوْمِهِ. ”﴿وما كانَ أكْثَرُهُمْ﴾“: أيْ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ. بَيَّنَ - تَعالى - أنَّ أكْثَرَ قَوْمِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي ذَلِكَ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ في تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشعراء 26:100
﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ أيْ أصْحابُ الجَرائِمِ والمَعاصِي العِظامِ والجُرْأةِ، وهم ساداتُهم ذَوُو المَكانَةِ في الدُّنْيا والِاسْتِتْباعِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] . وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الأوَّلُونَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ. وقِيلَ: المُجْرِمُونَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: مَن دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ وأنْواعَ المَعاصِي. وحِينَ رَأوْا شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والعُلَماءِ نافِعَةً في أهْلِ الإيمانِ، وشَفاعَةَ الصَّدِيقِ في صَدِيقِهِ خاصَّةً، قالُوا عَلى جِهَةِ التَّلَهُّفِ والتَّأسُّفِ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: شافِعِينَ مِن (p-٢٨)المَلائِكَةِ وصَدِيقٍ مِنَ النّاسِ. ولَفْظَةُ الشَّفِيعِ تَقْتَضِي رِفْعَةَ مَكانَةٍ عِنْدَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ، ولَفْظَةُ الصَّدِيقِ تَقْتَضِي شِدَّةَ مُساهَمَةٍ ونُصْرَةٍ، وهو فَعِيلٌ مِن صَدَقَ الوِدَّ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ونَفْيُ الشُّفَعاءِ والصَّدِيقِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِوُجُودِهِمْ إذْ ذاكَ، وهم مَوْجُودُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ تَشْفَعُ المَلائِكَةُ وتَتَصادَقُ المُؤْمِنُونَ، كَما قالَ: ”﴿الأخِلّاءُ يَوْمئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]“، أوْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ في مَعْبُوداتِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ لَهم أصْدِقاءَ مِنَ الإنْسِ والشَّياطِينِ، فَقَصَدُوا بِنَفْيِهِمْ نَفْيَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ النَّفْعِ، لِأنَّ ما لا يَنْفَعُ، حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْدُومِ، فَصارَ المَعْنى: فَما لَنا مَن نَفْعِ مَن كُنّا نَعْتَقِدُ أنَّهم شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، وجَمَعَ الشُّفَعاءَ لِكَثْرَتِهِمْ في العادَةِ. ألا تَرى أنَّهُ يَشْفَعُ فِيمَن وقَعَ في ورْطَةٍ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأُفْرِدُ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، وأُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ ؟ إذْ يُقالُ: هم صَدِيقٌ، أيْ أصْدِقاءُ، كَما يُقالُ: هم عَدُوٌّ، أيْ أعْداءٌ. والظّاهِرُ أنْ لَوْ هُنا أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي، و”فَنَكُونَ“ الجَوابُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ. وقِيلَ: هي الخالِصَةُ لِلدَّلالَةِ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (فَنَكُونَ) مَعْطُوفًا عَلى ”كَرَّةً“، أيْ فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، أيْ لَكانَ لَنا شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، أوْ لَخَلَصْنا مِنَ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمَلَ كُلَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِ إبْراهِيمَ، أخْبَرَ بِما أعْلَمَهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وما يَكُونُ فِيها مِن حالِ قَوْمِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ هي عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَعَلَّقَ بِصِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ أعْرَبَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ بَدَلًا مِن ”يَوْمَ يَبْعَثُونَ“، وعَلى هَذا لا يَتَأتّى هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن تَفْكِيكِ الكَلامِ، وجَعْلِ بَعْضِهِ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ، وبَعْضِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ العامِلَ في البَدَلِ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ فِعْلٌ آخَرُ مِن لَفْظِ الأوَّلِ، أوِ الأوَّلُ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولا تُخْزِنِي يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً“ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُحاوَرَتِهِ لِقَوْمِهِ. ”﴿وما كانَ أكْثَرُهُمْ﴾“: أيْ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ. بَيَّنَ - تَعالى - أنَّ أكْثَرَ قَوْمِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي ذَلِكَ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ في تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشعراء 26:101
﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ أيْ أصْحابُ الجَرائِمِ والمَعاصِي العِظامِ والجُرْأةِ، وهم ساداتُهم ذَوُو المَكانَةِ في الدُّنْيا والِاسْتِتْباعِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] . وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الأوَّلُونَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ. وقِيلَ: المُجْرِمُونَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: مَن دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ وأنْواعَ المَعاصِي. وحِينَ رَأوْا شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والعُلَماءِ نافِعَةً في أهْلِ الإيمانِ، وشَفاعَةَ الصَّدِيقِ في صَدِيقِهِ خاصَّةً، قالُوا عَلى جِهَةِ التَّلَهُّفِ والتَّأسُّفِ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: شافِعِينَ مِن (p-٢٨)المَلائِكَةِ وصَدِيقٍ مِنَ النّاسِ. ولَفْظَةُ الشَّفِيعِ تَقْتَضِي رِفْعَةَ مَكانَةٍ عِنْدَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ، ولَفْظَةُ الصَّدِيقِ تَقْتَضِي شِدَّةَ مُساهَمَةٍ ونُصْرَةٍ، وهو فَعِيلٌ مِن صَدَقَ الوِدَّ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ونَفْيُ الشُّفَعاءِ والصَّدِيقِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِوُجُودِهِمْ إذْ ذاكَ، وهم مَوْجُودُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ تَشْفَعُ المَلائِكَةُ وتَتَصادَقُ المُؤْمِنُونَ، كَما قالَ: ”﴿الأخِلّاءُ يَوْمئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]“، أوْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ في مَعْبُوداتِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ لَهم أصْدِقاءَ مِنَ الإنْسِ والشَّياطِينِ، فَقَصَدُوا بِنَفْيِهِمْ نَفْيَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ النَّفْعِ، لِأنَّ ما لا يَنْفَعُ، حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْدُومِ، فَصارَ المَعْنى: فَما لَنا مَن نَفْعِ مَن كُنّا نَعْتَقِدُ أنَّهم شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، وجَمَعَ الشُّفَعاءَ لِكَثْرَتِهِمْ في العادَةِ. ألا تَرى أنَّهُ يَشْفَعُ فِيمَن وقَعَ في ورْطَةٍ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأُفْرِدُ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، وأُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ ؟ إذْ يُقالُ: هم صَدِيقٌ، أيْ أصْدِقاءُ، كَما يُقالُ: هم عَدُوٌّ، أيْ أعْداءٌ. والظّاهِرُ أنْ لَوْ هُنا أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي، و”فَنَكُونَ“ الجَوابُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ. وقِيلَ: هي الخالِصَةُ لِلدَّلالَةِ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (فَنَكُونَ) مَعْطُوفًا عَلى ”كَرَّةً“، أيْ فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، أيْ لَكانَ لَنا شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، أوْ لَخَلَصْنا مِنَ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمَلَ كُلَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِ إبْراهِيمَ، أخْبَرَ بِما أعْلَمَهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وما يَكُونُ فِيها مِن حالِ قَوْمِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ هي عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَعَلَّقَ بِصِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ أعْرَبَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ بَدَلًا مِن ”يَوْمَ يَبْعَثُونَ“، وعَلى هَذا لا يَتَأتّى هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن تَفْكِيكِ الكَلامِ، وجَعْلِ بَعْضِهِ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ، وبَعْضِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ العامِلَ في البَدَلِ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ فِعْلٌ آخَرُ مِن لَفْظِ الأوَّلِ، أوِ الأوَّلُ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولا تُخْزِنِي يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً“ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُحاوَرَتِهِ لِقَوْمِهِ. ”﴿وما كانَ أكْثَرُهُمْ﴾“: أيْ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ. بَيَّنَ - تَعالى - أنَّ أكْثَرَ قَوْمِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي ذَلِكَ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ في تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشعراء 26:102
﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ أيْ أصْحابُ الجَرائِمِ والمَعاصِي العِظامِ والجُرْأةِ، وهم ساداتُهم ذَوُو المَكانَةِ في الدُّنْيا والِاسْتِتْباعِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] . وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الأوَّلُونَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ. وقِيلَ: المُجْرِمُونَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: مَن دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ وأنْواعَ المَعاصِي. وحِينَ رَأوْا شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والعُلَماءِ نافِعَةً في أهْلِ الإيمانِ، وشَفاعَةَ الصَّدِيقِ في صَدِيقِهِ خاصَّةً، قالُوا عَلى جِهَةِ التَّلَهُّفِ والتَّأسُّفِ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: شافِعِينَ مِن (p-٢٨)المَلائِكَةِ وصَدِيقٍ مِنَ النّاسِ. ولَفْظَةُ الشَّفِيعِ تَقْتَضِي رِفْعَةَ مَكانَةٍ عِنْدَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ، ولَفْظَةُ الصَّدِيقِ تَقْتَضِي شِدَّةَ مُساهَمَةٍ ونُصْرَةٍ، وهو فَعِيلٌ مِن صَدَقَ الوِدَّ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ونَفْيُ الشُّفَعاءِ والصَّدِيقِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِوُجُودِهِمْ إذْ ذاكَ، وهم مَوْجُودُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ تَشْفَعُ المَلائِكَةُ وتَتَصادَقُ المُؤْمِنُونَ، كَما قالَ: ”﴿الأخِلّاءُ يَوْمئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]“، أوْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ في مَعْبُوداتِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ لَهم أصْدِقاءَ مِنَ الإنْسِ والشَّياطِينِ، فَقَصَدُوا بِنَفْيِهِمْ نَفْيَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ النَّفْعِ، لِأنَّ ما لا يَنْفَعُ، حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْدُومِ، فَصارَ المَعْنى: فَما لَنا مَن نَفْعِ مَن كُنّا نَعْتَقِدُ أنَّهم شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، وجَمَعَ الشُّفَعاءَ لِكَثْرَتِهِمْ في العادَةِ. ألا تَرى أنَّهُ يَشْفَعُ فِيمَن وقَعَ في ورْطَةٍ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأُفْرِدُ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، وأُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ ؟ إذْ يُقالُ: هم صَدِيقٌ، أيْ أصْدِقاءُ، كَما يُقالُ: هم عَدُوٌّ، أيْ أعْداءٌ. والظّاهِرُ أنْ لَوْ هُنا أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي، و”فَنَكُونَ“ الجَوابُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ. وقِيلَ: هي الخالِصَةُ لِلدَّلالَةِ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (فَنَكُونَ) مَعْطُوفًا عَلى ”كَرَّةً“، أيْ فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، أيْ لَكانَ لَنا شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، أوْ لَخَلَصْنا مِنَ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمَلَ كُلَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِ إبْراهِيمَ، أخْبَرَ بِما أعْلَمَهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وما يَكُونُ فِيها مِن حالِ قَوْمِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ هي عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَعَلَّقَ بِصِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ أعْرَبَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ بَدَلًا مِن ”يَوْمَ يَبْعَثُونَ“، وعَلى هَذا لا يَتَأتّى هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن تَفْكِيكِ الكَلامِ، وجَعْلِ بَعْضِهِ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ، وبَعْضِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ العامِلَ في البَدَلِ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ فِعْلٌ آخَرُ مِن لَفْظِ الأوَّلِ، أوِ الأوَّلُ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولا تُخْزِنِي يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً“ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُحاوَرَتِهِ لِقَوْمِهِ. ”﴿وما كانَ أكْثَرُهُمْ﴾“: أيْ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ. بَيَّنَ - تَعالى - أنَّ أكْثَرَ قَوْمِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي ذَلِكَ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ في تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشعراء 26:103
﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ أيْ أصْحابُ الجَرائِمِ والمَعاصِي العِظامِ والجُرْأةِ، وهم ساداتُهم ذَوُو المَكانَةِ في الدُّنْيا والِاسْتِتْباعِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] . وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الأوَّلُونَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ. وقِيلَ: المُجْرِمُونَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: مَن دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ وأنْواعَ المَعاصِي. وحِينَ رَأوْا شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والعُلَماءِ نافِعَةً في أهْلِ الإيمانِ، وشَفاعَةَ الصَّدِيقِ في صَدِيقِهِ خاصَّةً، قالُوا عَلى جِهَةِ التَّلَهُّفِ والتَّأسُّفِ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: شافِعِينَ مِن (p-٢٨)المَلائِكَةِ وصَدِيقٍ مِنَ النّاسِ. ولَفْظَةُ الشَّفِيعِ تَقْتَضِي رِفْعَةَ مَكانَةٍ عِنْدَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ، ولَفْظَةُ الصَّدِيقِ تَقْتَضِي شِدَّةَ مُساهَمَةٍ ونُصْرَةٍ، وهو فَعِيلٌ مِن صَدَقَ الوِدَّ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ونَفْيُ الشُّفَعاءِ والصَّدِيقِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِوُجُودِهِمْ إذْ ذاكَ، وهم مَوْجُودُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ تَشْفَعُ المَلائِكَةُ وتَتَصادَقُ المُؤْمِنُونَ، كَما قالَ: ”﴿الأخِلّاءُ يَوْمئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]“، أوْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ في مَعْبُوداتِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ لَهم أصْدِقاءَ مِنَ الإنْسِ والشَّياطِينِ، فَقَصَدُوا بِنَفْيِهِمْ نَفْيَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ النَّفْعِ، لِأنَّ ما لا يَنْفَعُ، حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْدُومِ، فَصارَ المَعْنى: فَما لَنا مَن نَفْعِ مَن كُنّا نَعْتَقِدُ أنَّهم شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، وجَمَعَ الشُّفَعاءَ لِكَثْرَتِهِمْ في العادَةِ. ألا تَرى أنَّهُ يَشْفَعُ فِيمَن وقَعَ في ورْطَةٍ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأُفْرِدُ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، وأُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ ؟ إذْ يُقالُ: هم صَدِيقٌ، أيْ أصْدِقاءُ، كَما يُقالُ: هم عَدُوٌّ، أيْ أعْداءٌ. والظّاهِرُ أنْ لَوْ هُنا أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي، و”فَنَكُونَ“ الجَوابُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ. وقِيلَ: هي الخالِصَةُ لِلدَّلالَةِ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (فَنَكُونَ) مَعْطُوفًا عَلى ”كَرَّةً“، أيْ فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، أيْ لَكانَ لَنا شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، أوْ لَخَلَصْنا مِنَ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمَلَ كُلَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِ إبْراهِيمَ، أخْبَرَ بِما أعْلَمَهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وما يَكُونُ فِيها مِن حالِ قَوْمِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ هي عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَعَلَّقَ بِصِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ أعْرَبَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ بَدَلًا مِن ”يَوْمَ يَبْعَثُونَ“، وعَلى هَذا لا يَتَأتّى هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن تَفْكِيكِ الكَلامِ، وجَعْلِ بَعْضِهِ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ، وبَعْضِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ العامِلَ في البَدَلِ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ فِعْلٌ آخَرُ مِن لَفْظِ الأوَّلِ، أوِ الأوَّلُ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولا تُخْزِنِي يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً“ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُحاوَرَتِهِ لِقَوْمِهِ. ”﴿وما كانَ أكْثَرُهُمْ﴾“: أيْ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ. بَيَّنَ - تَعالى - أنَّ أكْثَرَ قَوْمِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي ذَلِكَ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ في تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشعراء 26:104
﴿وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ أيْ أصْحابُ الجَرائِمِ والمَعاصِي العِظامِ والجُرْأةِ، وهم ساداتُهم ذَوُو المَكانَةِ في الدُّنْيا والِاسْتِتْباعِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] . وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الأوَّلُونَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ. وقِيلَ: المُجْرِمُونَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: مَن دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ وأنْواعَ المَعاصِي. وحِينَ رَأوْا شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والعُلَماءِ نافِعَةً في أهْلِ الإيمانِ، وشَفاعَةَ الصَّدِيقِ في صَدِيقِهِ خاصَّةً، قالُوا عَلى جِهَةِ التَّلَهُّفِ والتَّأسُّفِ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ . وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: شافِعِينَ مِن (p-٢٨)المَلائِكَةِ وصَدِيقٍ مِنَ النّاسِ. ولَفْظَةُ الشَّفِيعِ تَقْتَضِي رِفْعَةَ مَكانَةٍ عِنْدَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ، ولَفْظَةُ الصَّدِيقِ تَقْتَضِي شِدَّةَ مُساهَمَةٍ ونُصْرَةٍ، وهو فَعِيلٌ مِن صَدَقَ الوِدَّ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ، ونَفْيُ الشُّفَعاءِ والصَّدِيقِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِوُجُودِهِمْ إذْ ذاكَ، وهم مَوْجُودُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ تَشْفَعُ المَلائِكَةُ وتَتَصادَقُ المُؤْمِنُونَ، كَما قالَ: ”﴿الأخِلّاءُ يَوْمئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]“، أوْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ في مَعْبُوداتِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ لَهم أصْدِقاءَ مِنَ الإنْسِ والشَّياطِينِ، فَقَصَدُوا بِنَفْيِهِمْ نَفْيَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ النَّفْعِ، لِأنَّ ما لا يَنْفَعُ، حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْدُومِ، فَصارَ المَعْنى: فَما لَنا مَن نَفْعِ مَن كُنّا نَعْتَقِدُ أنَّهم شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، وجَمَعَ الشُّفَعاءَ لِكَثْرَتِهِمْ في العادَةِ. ألا تَرى أنَّهُ يَشْفَعُ فِيمَن وقَعَ في ورْطَةٍ مَن لا يَعْرِفُهُ، وأُفْرِدُ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، وأُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ ؟ إذْ يُقالُ: هم صَدِيقٌ، أيْ أصْدِقاءُ، كَما يُقالُ: هم عَدُوٌّ، أيْ أعْداءٌ. والظّاهِرُ أنْ لَوْ هُنا أُشْرِبَتْ مَعْنى التَّمَنِّي، و”فَنَكُونَ“ الجَوابُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ. وقِيلَ: هي الخالِصَةُ لِلدَّلالَةِ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (فَنَكُونَ) مَعْطُوفًا عَلى ”كَرَّةً“، أيْ فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، أيْ لَكانَ لَنا شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، أوْ لَخَلَصْنا مِنَ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمَلَ كُلَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِ إبْراهِيمَ، أخْبَرَ بِما أعْلَمَهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وما يَكُونُ فِيها مِن حالِ قَوْمِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ هي عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَعَلَّقَ بِصِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ في دُعائِهِ أنْ لا يُخْزى فِيهِ. انْتَهى. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ أعْرَبَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ بَدَلًا مِن ”يَوْمَ يَبْعَثُونَ“، وعَلى هَذا لا يَتَأتّى هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن تَفْكِيكِ الكَلامِ، وجَعْلِ بَعْضِهِ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ، وبَعْضِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ العامِلَ في البَدَلِ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ فِعْلٌ آخَرُ مِن لَفْظِ الأوَّلِ، أوِ الأوَّلُ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولا تُخْزِنِي يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً“ إلى قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُحاوَرَتِهِ لِقَوْمِهِ. ”﴿وما كانَ أكْثَرُهُمْ﴾“: أيْ أكْثَرُ قَوْمِ إبْراهِيمَ. بَيَّنَ - تَعالى - أنَّ أكْثَرَ قَوْمِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي ذَلِكَ مَسْلاةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ في تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الشعراء 26:105
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)
؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ
الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ
ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .
القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.
﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
الشعراء 26:106
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)
؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ
الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ
ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .
القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.
﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
الشعراء 26:107
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)
؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ
الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ
ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .
القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.
﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
الشعراء 26:108
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)
؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ
الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ
ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .
القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.
﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
الشعراء 26:109
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)
؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ
الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ
ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .
القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.
﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
الشعراء 26:110
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)
؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ
الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ
ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .
القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.
﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
الشعراء 26:111
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)
؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ
الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ
ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .
القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.
﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
الشعراء 26:112
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)
؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ
الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ
ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .
القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.
﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
الشعراء 26:113
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)
؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ
الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ
ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .
القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.
﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
الشعراء 26:114
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)
؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ
الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ
ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .
القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.
﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
الشعراء 26:115
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧] ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٣١] ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤٠] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٤٣] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٤] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٥] ﴿أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٥٠] ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧] ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٥٩] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٦٢] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٣] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٤] ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩] ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠] ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٤] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٧٥] ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٠] ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤] ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥] ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦] ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٨] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٩١] ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٣] ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤] ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٦] ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٩] ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٧] ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢٢٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
(p-٢٩)المَشْحُونُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يُحْمَلُ، يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، الرِّيعُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها: جَمْعُ رِيعَةٍ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الطَّرِيقُ. قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ بْنِ عِلْسٍ يَصِفُ ظُعُنًا:(p-٣٠)
؎فِي الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها ∗∗∗ رِيعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ
الطَّلْعُ: الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ التَّمْرِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكِمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّلْعَةُ: هي الَّتِي تَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ، كَنَصْلِ السَّيْفِ في جَوْفِهِ. شَمارِيخُ القِنْوِ، والقِنْوُ: اسْمٌ لِلْخارِجِ مِنَ الجِذْعِ، كَما هو بِعُرْجُونِهِ. الفَراهَةُ: جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَّيْءِ وقُوَّتُهُ وكَمالُهُ في نَوْعِهِ. وقِيلَ: الكَيْسُ والنَّشاطُ. القالِي: المُبْغِضُ، قَلى يَقْلِي ويَقْلى، ومَجِيئُهُ عَلى يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ شاذٌّ. الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ المُتَجَسِّدُ الغَلِيظُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجَبَلِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ ∗∗∗ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهِ
ويُقالُ: بِسُكُونِ الباءِ مُثَلَّثُ الجِيمِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: الجَبْلُ والجِبْلُ والجُبْلُ، لُغاتٌ، وهو الجَمْعُ الكَثِيرُ العَدَدِ مِنَ النّاسِ. انْتَهى. هامَ: ذَهَبَ عَلى وجْهِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حادَ عَنِ القَصْدِ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨] ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٢] .
القَوْمُ: مُؤَنَّثٌ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ، ويُصَغَّرُ قُوَيْمَةٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ . ولَمّا كانَ مَدْلُولُهُ أفْرادًا ذُكُورًا عُقَلاءَ، عادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، كَما يَعُودُ عَلى جَمْعِ المُذَكَّرِ العاقِلِ. وقِيلَ: قَوْمٌ مُذَكَّرٌ، وأُنِّثَ لِأنَّهُ في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، وإنْ كانَ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واحِدًا في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإخْوَةُ نُوحٍ قِيلَ: في النَّسَبِ. وقِيلَ: في المُجانَسَةِ، كَقَوْلِهِ: يا أخا تَمِيمٍ؛ تُرِيدُ يا واحِدَ أُمَّتِهِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
ومُتَعَلِّقُ التَّقْوى مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ عَذابَ اللَّهِ وعِقابَهُ عَلى شِرْكِكم ؟ وقِيلَ: ألا تَتَّقُونَ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ فَتَتْرُكُوا عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ، وأمانَتُهُ كَوْنُهُ مَشْهُورًا في قَوْمِهِ بِذَلِكَ، أوْ مُؤْتَمَنًا عَلى أداءِ رِسالَةِ اللَّهِ ؟ ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمْ بِرِفْقٍ تَقْوى اللَّهِ فَقالَ: (ألا تَتَّقُونَ) انْتَقَلَ مِنَ العَرْضِ إلى الأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ في نُصْحِي لَكم، وفِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ.
﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى دُعائِي إلى اللَّهِ والأمْرِ بِتَقْواهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”عَلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى النُّصْحِ، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ شَيْئًا مِن أمْوالِكم. وقَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبٌ لِطاعَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ، لِيُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ ويُقَرِّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، وإنِ اخْتَلَفَ (p-٣١)التَّعْلِيلُ، جُعِلَ الأوَّلُ مَعْلُولًا لِأمانَتِهِ، والثّانِي لِانْتِفاءِ أخْذِ الأجْرِ. ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُوا في أمْرِ رِسالَتِهِ، ولا تَفَكَّرُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ونُشِّئُوا مِن حُبِّ الرِّئاسَةِ، وهي الَّتِي تُطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. فَشَرَعَ أشْرافُهم في تَنْقِيصِ مُتَّبِعِيهِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ لَهُ، كَوْنُهُ اتَّبَعَهُ الأرْذَلُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ كَيْفَ نُؤْمِنُ وقَدِ اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، فَنَتَساوى مَعَهم في اتِّباعِكَ ؟ وكَذا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ. والضُّعَفاءُ أكْثَرُ اسْتِجابَةً مِنَ الرُّؤَساءِ، لِأنَّ أذْهانَهم لَيْسَتْ مَمْلُوءَةً بِزَخارِفِ الدُّنْيا، فَهم أدْرَكُ لِلْحَقِّ وأقْبَلُ لَهُ مِنَ الرُّؤَساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: واتَّبَعَكَ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعْدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ: ”واتْباعُكَ“ جَمْعُ تابِعٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ. وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَرَمٍ وأبْرامٍ والواوُ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلْحالِ. وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”أنُؤْمِنُ لَكَ“ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ ”لَكَ“ قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وعَنِ اليَمانِيِّ ”واتْباعِكَ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ. والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ. قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ ونِساؤُهُ وكَنائِنُهُ وبَنُو بَنِيهِ، فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الرَّذالَةُ دَناءَةَ المَكاسِبِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الرَّذالَةِ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وأرادُوا بِذَلِكَ تَنْقِيصَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ضُعَفاءَ النّاسِ هم أتْباعُ الرُّسُلِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ. وهَذا الَّذِي أجابُوا بِهِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى، ولا شَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ نِسْبَةُ الرَّذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ، بِتَهْجِينِ أفْعالِهِمْ لا النَّظَرِ إلى صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وما عِلْمِي﴾ الآيَةَ، لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ لَيْسَ في نَظَرِي، وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: لا أطْلُبُ العِلْمَ بِما عَمِلُوهُ، إنَّما عَلَيَّ أنْ أدْعُوَهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما عِلْمِي، وأيُّ شَيْءٍ عِلْمِي، والمُرادُ انْتِفاءُ عِلْمِهِ بِإخْلاصِ أعْمالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سَرائِرِهِمْ؛ وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهم قَدْ طَعَنُوا في اسْتِرْذالِهِمْ في إيمانِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا هَوًى وبَدِيهَةً، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بادِئَ الرَّأْيِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعالى لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُفَسَّرُ قَوْلُهم: الأرْذَلُونَ، بِما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهُ مِن سُوءِ الأعْمالِ وفَسادِ العَقائِدِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما هو الرُّذالَةُ عِنْدَهم. ثُمَّ بَنى جَوابَهُ عَلى ذَلِكَ فَيَقُولُ: ما عَلَيَّ إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، دُونَ التَّفْتِيشِ عَلى أسْرارِهِمْ والشَّقِّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وإنْ كانَ لَهم شَيْءٌ، فاللَّهُ مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، وما أنا إلّا مُنْذِرٌ لا مُحاسِبٌ، ولا مُجازٍ، لَوْ تَشْعُرُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ، فَتَنْساقُونَ مَعَ الجَهْلِ حَيْثُ سَيَّرَكُمُ. وقُصِدَ بِذَلِكَ رَدُّ اعْتِقادِكم، وإنْكارُ أنْ يُسَمّى المُؤْمِنُ رَذْلًا، وإنْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأوْضَعَهم نَسَبًا. فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وما عِلْمِي ما أنا فِيهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِعِلْمِي. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارِ خَبَرٍ حَتّى تَصِيرَ جُمْلَةً ولَمّا كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالحِسابِ ولا بِالبَعْثِ، أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِأنَّ المَعادَ حَقٌّ، والحِسابَ حَقٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَشْعُرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ.
﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ هَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ فَأجابَهم بِذَلِكَ، كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَطْرُدَ مَن آمَنُ مِنَ الضُّعَفاءِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أيْ لا أطْرُدُهم عَنِّي لِاتِّباعِ شَهَواتِكم والطَّمَعِ في إيمانِكم. ( ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما (p-٣٢)جِئْتَ بِهِ بِالبُرْهانِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. ولَمّا اعْتَلُّوا في تَرْكِ إيمانِهِمْ بِإيمانِ مَن هو دُونَهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ تَثْلُجَ صُدُورُهم لِلْإيمانِ، إذِ اتِّباعُ الحَقِّ لا يَأْنَفُ مِنهُ أحَدٌ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، أخَذُوا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ.
الشعراء 26:116
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ﴾ عَنْ تَقْبِيحِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وادِّعائِكَ الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ أيْ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِالشَّتْمِ وأيِسَ إذْ ذاكَ مِن فَلاحِهِمْ، فَنادى رَبَّهُ - وهو أعْلَمُ بِحالِهِ - إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَدُعائِي لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم آذَوْنِي، ولَكِنْ لِأجْلِ دِينِكَ. (فافْتَحْ) أيْ فاحْكم. ودَعا لِنَفْسِهِ ولِمَن آمَنَ بِهِ بِالنَّجاةِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِقَوْمِهِ، أيْ: (ونَجِّنِي) مِمّا يَحِلُّ بِهِمْ. وقِيلَ: ونَجِّنِي مِن عَمَلِهِمْ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ العُقُوبَةِ. والفُلْكُ واحِدٌ وجَمْعٌ، وغالِبُ اسْتِعْمالِهِ جَمْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ) فَحَيْثُ أتى في غَيْرِ فاصِلَةٍ، اسْتُعْمِلَ جَمْعًا، وحَيْثُ كانَ فاصِلَةً، اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، كَهَذا المَوْضِعِ. والَّذِي في سُورَةِ يس، وتَقَدَّمَ الخِلافُ إذا كانَ مَدْلُولُهُ جَمْعًا، أهُوَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، أمِ اسْمُ جَمْعٍ ؟ والمَشْحُونُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُوقَرُ، وقالَ عَطاءٌ: المُثْقَلُ.
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ بَعْدَ نَجاةِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.
الشعراء 26:117
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ﴾ عَنْ تَقْبِيحِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وادِّعائِكَ الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ أيْ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِالشَّتْمِ وأيِسَ إذْ ذاكَ مِن فَلاحِهِمْ، فَنادى رَبَّهُ - وهو أعْلَمُ بِحالِهِ - إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَدُعائِي لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم آذَوْنِي، ولَكِنْ لِأجْلِ دِينِكَ. (فافْتَحْ) أيْ فاحْكم. ودَعا لِنَفْسِهِ ولِمَن آمَنَ بِهِ بِالنَّجاةِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِقَوْمِهِ، أيْ: (ونَجِّنِي) مِمّا يَحِلُّ بِهِمْ. وقِيلَ: ونَجِّنِي مِن عَمَلِهِمْ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ العُقُوبَةِ. والفُلْكُ واحِدٌ وجَمْعٌ، وغالِبُ اسْتِعْمالِهِ جَمْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ) فَحَيْثُ أتى في غَيْرِ فاصِلَةٍ، اسْتُعْمِلَ جَمْعًا، وحَيْثُ كانَ فاصِلَةً، اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، كَهَذا المَوْضِعِ. والَّذِي في سُورَةِ يس، وتَقَدَّمَ الخِلافُ إذا كانَ مَدْلُولُهُ جَمْعًا، أهُوَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، أمِ اسْمُ جَمْعٍ ؟ والمَشْحُونُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُوقَرُ، وقالَ عَطاءٌ: المُثْقَلُ.
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ بَعْدَ نَجاةِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.
الشعراء 26:118
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ﴾ عَنْ تَقْبِيحِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وادِّعائِكَ الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ أيْ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِالشَّتْمِ وأيِسَ إذْ ذاكَ مِن فَلاحِهِمْ، فَنادى رَبَّهُ - وهو أعْلَمُ بِحالِهِ - إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَدُعائِي لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم آذَوْنِي، ولَكِنْ لِأجْلِ دِينِكَ. (فافْتَحْ) أيْ فاحْكم. ودَعا لِنَفْسِهِ ولِمَن آمَنَ بِهِ بِالنَّجاةِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِقَوْمِهِ، أيْ: (ونَجِّنِي) مِمّا يَحِلُّ بِهِمْ. وقِيلَ: ونَجِّنِي مِن عَمَلِهِمْ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ العُقُوبَةِ. والفُلْكُ واحِدٌ وجَمْعٌ، وغالِبُ اسْتِعْمالِهِ جَمْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ) فَحَيْثُ أتى في غَيْرِ فاصِلَةٍ، اسْتُعْمِلَ جَمْعًا، وحَيْثُ كانَ فاصِلَةً، اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، كَهَذا المَوْضِعِ. والَّذِي في سُورَةِ يس، وتَقَدَّمَ الخِلافُ إذا كانَ مَدْلُولُهُ جَمْعًا، أهُوَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، أمِ اسْمُ جَمْعٍ ؟ والمَشْحُونُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُوقَرُ، وقالَ عَطاءٌ: المُثْقَلُ.
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ بَعْدَ نَجاةِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.
الشعراء 26:119
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ﴾ عَنْ تَقْبِيحِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وادِّعائِكَ الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ أيْ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِالشَّتْمِ وأيِسَ إذْ ذاكَ مِن فَلاحِهِمْ، فَنادى رَبَّهُ - وهو أعْلَمُ بِحالِهِ - إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَدُعائِي لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم آذَوْنِي، ولَكِنْ لِأجْلِ دِينِكَ. (فافْتَحْ) أيْ فاحْكم. ودَعا لِنَفْسِهِ ولِمَن آمَنَ بِهِ بِالنَّجاةِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِقَوْمِهِ، أيْ: (ونَجِّنِي) مِمّا يَحِلُّ بِهِمْ. وقِيلَ: ونَجِّنِي مِن عَمَلِهِمْ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ العُقُوبَةِ. والفُلْكُ واحِدٌ وجَمْعٌ، وغالِبُ اسْتِعْمالِهِ جَمْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ) فَحَيْثُ أتى في غَيْرِ فاصِلَةٍ، اسْتُعْمِلَ جَمْعًا، وحَيْثُ كانَ فاصِلَةً، اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، كَهَذا المَوْضِعِ. والَّذِي في سُورَةِ يس، وتَقَدَّمَ الخِلافُ إذا كانَ مَدْلُولُهُ جَمْعًا، أهُوَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، أمِ اسْمُ جَمْعٍ ؟ والمَشْحُونُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُوقَرُ، وقالَ عَطاءٌ: المُثْقَلُ.
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ بَعْدَ نَجاةِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.
الشعراء 26:120
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ﴾ عَنْ تَقْبِيحِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وادِّعائِكَ الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ أيْ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِالشَّتْمِ وأيِسَ إذْ ذاكَ مِن فَلاحِهِمْ، فَنادى رَبَّهُ - وهو أعْلَمُ بِحالِهِ - إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَدُعائِي لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم آذَوْنِي، ولَكِنْ لِأجْلِ دِينِكَ. (فافْتَحْ) أيْ فاحْكم. ودَعا لِنَفْسِهِ ولِمَن آمَنَ بِهِ بِالنَّجاةِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِقَوْمِهِ، أيْ: (ونَجِّنِي) مِمّا يَحِلُّ بِهِمْ. وقِيلَ: ونَجِّنِي مِن عَمَلِهِمْ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ العُقُوبَةِ. والفُلْكُ واحِدٌ وجَمْعٌ، وغالِبُ اسْتِعْمالِهِ جَمْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ) فَحَيْثُ أتى في غَيْرِ فاصِلَةٍ، اسْتُعْمِلَ جَمْعًا، وحَيْثُ كانَ فاصِلَةً، اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، كَهَذا المَوْضِعِ. والَّذِي في سُورَةِ يس، وتَقَدَّمَ الخِلافُ إذا كانَ مَدْلُولُهُ جَمْعًا، أهُوَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، أمِ اسْمُ جَمْعٍ ؟ والمَشْحُونُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُوقَرُ، وقالَ عَطاءٌ: المُثْقَلُ.
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ بَعْدَ نَجاةِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.
الشعراء 26:121
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ﴾ عَنْ تَقْبِيحِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وادِّعائِكَ الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ أيْ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِالشَّتْمِ وأيِسَ إذْ ذاكَ مِن فَلاحِهِمْ، فَنادى رَبَّهُ - وهو أعْلَمُ بِحالِهِ - إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَدُعائِي لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم آذَوْنِي، ولَكِنْ لِأجْلِ دِينِكَ. (فافْتَحْ) أيْ فاحْكم. ودَعا لِنَفْسِهِ ولِمَن آمَنَ بِهِ بِالنَّجاةِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِقَوْمِهِ، أيْ: (ونَجِّنِي) مِمّا يَحِلُّ بِهِمْ. وقِيلَ: ونَجِّنِي مِن عَمَلِهِمْ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ العُقُوبَةِ. والفُلْكُ واحِدٌ وجَمْعٌ، وغالِبُ اسْتِعْمالِهِ جَمْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ) فَحَيْثُ أتى في غَيْرِ فاصِلَةٍ، اسْتُعْمِلَ جَمْعًا، وحَيْثُ كانَ فاصِلَةً، اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، كَهَذا المَوْضِعِ. والَّذِي في سُورَةِ يس، وتَقَدَّمَ الخِلافُ إذا كانَ مَدْلُولُهُ جَمْعًا، أهُوَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، أمِ اسْمُ جَمْعٍ ؟ والمَشْحُونُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُوقَرُ، وقالَ عَطاءٌ: المُثْقَلُ.
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ بَعْدَ نَجاةِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.
الشعراء 26:122
﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ﴾ عَنْ تَقْبِيحِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وادِّعائِكَ الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ أيْ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِالشَّتْمِ وأيِسَ إذْ ذاكَ مِن فَلاحِهِمْ، فَنادى رَبَّهُ - وهو أعْلَمُ بِحالِهِ - إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَدُعائِي لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم آذَوْنِي، ولَكِنْ لِأجْلِ دِينِكَ. (فافْتَحْ) أيْ فاحْكم. ودَعا لِنَفْسِهِ ولِمَن آمَنَ بِهِ بِالنَّجاةِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِقَوْمِهِ، أيْ: (ونَجِّنِي) مِمّا يَحِلُّ بِهِمْ. وقِيلَ: ونَجِّنِي مِن عَمَلِهِمْ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ العُقُوبَةِ. والفُلْكُ واحِدٌ وجَمْعٌ، وغالِبُ اسْتِعْمالِهِ جَمْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ) فَحَيْثُ أتى في غَيْرِ فاصِلَةٍ، اسْتُعْمِلَ جَمْعًا، وحَيْثُ كانَ فاصِلَةً، اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، كَهَذا المَوْضِعِ. والَّذِي في سُورَةِ يس، وتَقَدَّمَ الخِلافُ إذا كانَ مَدْلُولُهُ جَمْعًا، أهُوَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، أمِ اسْمُ جَمْعٍ ؟ والمَشْحُونُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُوقَرُ، وقالَ عَطاءٌ: المُثْقَلُ.
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ بَعْدَ نَجاةِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.
الشعراء 26:123
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:124
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:125
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:126
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:127
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:128
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:129
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:130
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:131
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:132
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:133
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:134
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:135
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:136
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:137
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:138
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:139
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:140
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
كانَ أخاهم مِنَ النَّسَبِ، وكانَ تاجِرًا جَمِيلًا، أشْبَهَ الخَلْقِ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ثَمُودَ مِائَةُ سَنَةٍ. وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، أمْرَعَ البِلادِ، فَجَعَلَها اللَّهُ مَفاوِزَ ورِمالًا. أمَرَهم أوَّلًا بِما أمَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَأْسُ الزُّقاقِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَجٌّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: عُيُونٌ فِيها الماءُ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَبَلٌ. وقِيلَ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِيعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (آيَةً) عَلَمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: أبْراجَ الحَمامِ. وقالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورَ الطِّوالَ. وقِيلَ: بَيْتَ عِشارٍ. وقِيلَ: نادِيًا لِلتَّصَلُّفِ. وقِيلَ: أعْلامًا طِوالًا لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، عَبَثُوا بِها لِأنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ. وقِيلَ: عَلامَةً يَجْتَمِعُ إلَيْها مَن يَعْبَثُ بِالمارِّ في الطَّرِيقِ. وفي قَوْلِهِ إنْكارٌ لِلْبِناءِ عَلى صُورَةِ العَبَثِ، كَما يَفْعَلُ المُتْرَفُونَ في الدُّنْيا. والمَصانِعُ: جَمْعُ مَصْنَعَةٍ. قِيلَ: وهي البِناءُ عَلى الماءِ. وقِيلَ: القُصُورُ المَشِيدَةُ المُحْكَمَةُ. وقِيلَ: الحُصُونُ. وقالَ قَتادَةُ: بِرَكُ الماءِ. وقِيلَ: بُرُوجُ الحَمامِ. وقِيلَ: المَنازِلُ. واتَّخَذَ هُنا بِمَعْنى عَمِلَ، أيْ ويَعْمَلُونَ مَصانِعَ، أيْ تَبْنُونَ. وقالَلَبِيدٌ:
؎وتَبْقى جِبَـالٌ بَعْـدَنَـا ومَصَـانِعُ
﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ لَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وكَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْبِناءِ والِاتِّخاذِ، أيِ الحامِلُ لَكم عَلى ذَلِكَ هو الرَّجاءُ لِلْخُلُودِ، ولا خُلُودَ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: كَيْ تَخْلُدُونَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، فَلِذَلِكَ بَنَيْتُمْ واتَّخَذْتُمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ: وكَوْنُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ. وقُرِئَ: كَأنَّكم خالِدُونَ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٣)
؎وهَلْ يَنْعَمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ
وإذا بَطَشْتُمْ: أيْ أرَدْتُمُ البَطْشَ، وحُمِلَ عَلى الإرادَةِ لِئَلّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وجَوابُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎مَتَـى تَبْعَثُوهَـا تَبْعَثُوهَـا ذَمِيمَـةً
أيْ مَتى أرَدْتُمْ بَعْثَها. قالَ الحَسَنُ: بادَرُوا تَعْذِيبَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ ولا فِكْرٍ في العَواقِبِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَّطَواتُ المُفْرِطَةُ والبَوادِرُ. فَبِناءُ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ تَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ رَجاءَ الخُلُودِ يَدُلُّ عَلى البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ، وحُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. ولَمّا نَبَّهَهم ووَبَّخَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَةِ نَبِيِّهِ. ثُمَّ أمَرَهم ثالِثًا بِالتَّقْوى تَنْبِيهًا لَهم عَلى إحْسانِهِ - تَعالى - إلَيْهِمْ، وسُبُوغِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ. وأبْرَزَ صِلَةَ (الَّذِي) مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، تَنْبِيهًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى الطّاعَةِ والتَّقْوى، إذْ شُكْرُ المُحْسِنِ واجِبٌ، وطاعَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ، ومُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأنَّ مَن أمَدَّ بِالإحْسانِ هو قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وعَلى تَعْذِيبِ مَن لَمْ يَتَّقِهِ، إذْ هَذا الإمْدادُ لَيْسَ مِن جِهَتِكم، وإنَّما هو مِن تَفَضُّلِهِ - تَعالى - عَلَيْكم بِحَيْثُ أتْبَعَكم إحْسانَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ولَمّا أتى بِذِكْرِ ما أمَدَّهم بِهِ مُجْمَلًا مُحالًا عَلى عِلْمِهِمْ، أتى بِهِ مُفَصَّلًا. فَبَدَأ بِالأنْعامِ، وهي الَّتِي تَحْصُلُ بِها الرِّئاسَةُ في الدُّنْيا، والقُوَّةُ عَلى مَن عاداهم، والغِنى هو السَّبَبُ في حُصُولِ الذُّرِّيَّةِ غالِبًا لِوَجْدِهِ. وبِحُصُولِ القُوَّةِ أيْضًا بِالبَنِينَ، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم بِالأنْعامِ، ولِأنَّهم يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ في حِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها. وأتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَساتِينِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ، إذِ الإمْدادُ بِذَلِكَ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ.
(وبِأنْعامٍ): ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (بِما تَعْمَلُونَ) وأُعِيدَ العامِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكُمْ﴾ [يس: ٢٠] . والأكْثَرُونَ لا يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذا بَدَلًا وإنَّما هو عِنْدَهم مِن تَكْرارِ الجُمَلِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، ويُسَمّى التَّتْبِيعَ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يُعادَ عِنْدَهُمُ العامِلُ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ دُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ، ثُمَّ حَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ، وأبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَوْفِ لا عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، إذْ كانَ راجِيًا لِإيمانِهِمْ، فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ وعْظُكَ وعَدَمُهُ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ وعْظًا، إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّةَ ما جاءَ بِهِ، وأنَّهُ كاذِبٌ فِيما ادَّعاهُ، وقَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما خَوَّفَهم بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَظْتَ، بِإظْهارِ الظّاءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ: إدْغامُ الظّاءِ في التّاءِ. وبِالإدْغامِ، قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، إلّا أنَّ الأعْمَشَ زادَ ضَمِيرَ المَفْعُولِ فَقَرَأ: أوَعَظْتَنا. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إخْفاءً، لِأنَّ الظّاءَ مَجْهُورَةٌ مُطْبِقَةٌ، والتّاءُ مَهْمُوسَةٌ مُنْفَتِحَةٌ، فالظّاءُ أقْوى مِنَ التّاءِ، والإدْغامُ إنَّما يَحْسُنُ في المُتَماثِلَيْنِ، أوْ في المُتَقارِبَيْنِ، إذا كانَ الأوَّلُ أنْقَصَ مِنَ الثّانِي. وأمّا إدْغامُ الأقْوى في الأضْعَفِ، فَلا يَحْسُنُ. عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ مِن ذَلِكَ أشْياءُ في القُرْآنِ بِنَقْلِ الثِّقاتِ، فَوَجَبَ قَبُولُها، وإنْ كانَ غَيْرُها هو أفْصَحُ وأقْيَسُ.
وعادَلَ ﴿أوَعَظْتَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ وإنْ كانَ قَدْ يُعادِلُهُ: أمْ لَمْ تَعِظْ. كَما قالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١] لِأجْلِ الفاصِلَةِ، كَما عادَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ أمْ صَمَتُّمْ، وكَثِيرًا ما يَحْسُنُ مَعَ الفَواصِلِ ما لا يَحْسُنُ دُونَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، يَعْنِي بَيْنَ ما جاءَ في الآيَةِ وهي: أمْ لَمْ تَعِظْ، قالَ: لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ: أمْ لَمْ تَعِظْ. ولَمّا لَمْ يُبالُوا بِما أمَرَهم بِهِ، وبِما ذَكَّرَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ وتَخْوِيفِهِ الِانْتِقامَ مِنهم، أجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ، فَهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنْ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ وتَدَّعِيهِ (p-٣٤)إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكَذَبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مَناهِجِهِمْ. ورَوى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةُ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ ولا بَعْثَ ولا تَعْذِيبَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ؛ وأبُو قِلابَةَ، والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ ذَيْنِكَ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ في ”خُلُقُ“ .
الشعراء 26:141
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
(أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا
أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ.
وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ.
﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ.
﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ.
﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا.
﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.