Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الشعراء 26:142 – الشعراء 26:199

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الشعراء 26:142
  2. الشعراء 26:143
  3. الشعراء 26:144
  4. الشعراء 26:145
  5. الشعراء 26:146
  6. الشعراء 26:147
  7. الشعراء 26:148
  8. الشعراء 26:149
  9. الشعراء 26:150
  10. الشعراء 26:151
  11. الشعراء 26:152
  12. الشعراء 26:153
  13. الشعراء 26:154
  14. الشعراء 26:155
  15. الشعراء 26:156
  16. الشعراء 26:157
  17. الشعراء 26:158
  18. الشعراء 26:159
  19. الشعراء 26:160
  20. الشعراء 26:161
  21. الشعراء 26:162
  22. الشعراء 26:163
  23. الشعراء 26:164
  24. الشعراء 26:165
  25. الشعراء 26:166
  26. الشعراء 26:167
  27. الشعراء 26:168
  28. الشعراء 26:169
  29. الشعراء 26:170
  30. الشعراء 26:171
  31. الشعراء 26:172
  32. الشعراء 26:173
  33. الشعراء 26:174
  34. الشعراء 26:175
  35. الشعراء 26:176
  36. الشعراء 26:177
  37. الشعراء 26:178
  38. الشعراء 26:179
  39. الشعراء 26:180
  40. الشعراء 26:181
  41. الشعراء 26:182
  42. الشعراء 26:183
  43. الشعراء 26:184
  44. الشعراء 26:185
  45. الشعراء 26:186
  46. الشعراء 26:187
  47. الشعراء 26:188
  48. الشعراء 26:189
  49. الشعراء 26:190
  50. الشعراء 26:191
  51. الشعراء 26:192
  52. الشعراء 26:193
  53. الشعراء 26:194
  54. الشعراء 26:195
  55. الشعراء 26:196
  56. الشعراء 26:197
  57. الشعراء 26:198
  58. الشعراء 26:199

الشعراء 26:142

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:143

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:144

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:145

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:146

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:147

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:148

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:149

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:150

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:151

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:152

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:153

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:154

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:155

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:156

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:157

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:158

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:159

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ فِي﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿ولا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (أتُتْرَكُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارًا لِأنْ يُتْرَكُوا مُخَلَّدِينَ في نَعِيمِهِمْ لا يَزُولُونَ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ إيّاهم وما يَتَنَعَّمُونَ فِيهِ مِنَ الجَنّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأمْنِ والدَّعَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَخْوِيفٌ لَهم، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ إنْ كَفَرْتُمْ في النِّعَمِ عَلى مَعاصِيكم ؟ وقِيلَ: أتُتْرَكُونَ ؟ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ أيَتْرُكُكم رَبُّكم ؟ (فِيما هاهُنا) أيْ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا (آمِنِينَ) لا تَخافُونَ بَطْشَهُ. انْتَهى. وما مَوْصُولَةٌ، وهاهُنا إشارَةٌ إلى المَكانِ الحاضِرِ القَرِيبِ، أيْ في الَّذِي اسْتَقَرَّ في مَكانِكم هَذا مِنَ النَّعِيمِ. وفي جَنّاتٍ: بَدَلٌ مِن ما هاهُنا، أجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ، كَما أجْمَلَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ثُمَّ فَصَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وكانَتْ أرْضُ ثَمُودَ كَثِيرَةَ البَساتِينِ والماءِ والنَّخْلِ. والهَضِيمُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا أيْنَعَ وبَلَغَ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: الرَّخْصُ اللَّطِيفُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي رُطَبُهُ بِغَيْرِ نَوًى. وقالَ الضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُذَنَّبُ. وقِيلَ: النَّضِيجُ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: الرُّطَبُ المُتَفَتِّتُ. وقِيلَ: الحُمّاضُ الطَّلْعُ، ويُقارِبُ قِشْرَتَهُ مِنَ الجانِبَيْنِ مِن قَوْلِهِمْ: خَصْرٌ هَضِيمٌ. وقِيلَ: العِذْقُ المُتَدَلِّي. وقِيلَ: الجُمّارُ الرِّخْوُ. وجاءَ قَوْلُهُ: (ونَخْلٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (في جَنّاتٍ) وإنْ كانَتِ الجَنَّةُ تَتَناوَلُ النَّخْلَ أوَّلَ شَيْءٍ، ويُطْلِقُونَ الجَنَّةَ، ولا يُرِيدُونَ بِها إلّا النَّخْلَ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أرادَ هُنا النَّخْلَ. والسُّحُقُ جَمْعُ سَحُوقٍ، وهي الَّتِي ذَهَبَتْ بِجَرْدَتِها صَعَدًا فَطالَتْ. فَأفْرَدَ (ونَخْلٍ) بِالذِّكْرِ بَعْدَ انْدِراجِهِ في لَفْظِ جَنّاتٍ، تَنْبِيهًا عَلى انْفِرادِهِ عَنْ شَجَرِ الجَنَّةِ بِفَضْلِهِ. أوْ أرادَ ”بِجَنّاتٍ“ غَيْرَ النَّخْلِ مِنَ الشَّجَرِ، لِأنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ”ونَخْلٍ“، ذَكَّرَهم - تَعالى - في أنْ وهَبَ لَهم أجْوَدَ النَّخْلِ وأيْنَعَهُ، لِأنَّ الإناثَ ولّادَةٌ التَّمْرَ، وطَلْعُها فِيهِ لُطْفٌ، والهَضِيمُ: اللَّطِيفُ الضّامِرُ، والبَرْنِيُّ ألْطَفُ مِن طَلْعِ اللَّوْنِ. ويَحْتَمِلُ اللُّطْفَ في الطَّلْعِ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الحِمْلِ، فَإنَّهُ مَتى كَثُرَ لَطُفَ فَكانَ هَضِيمًا، وإذا (p-٣٥)قَلَّ الحِمْلُ جاءَ التَّمْرُ فاخِرًا. ولَمّا كانَتْ مَنابِتُ النَّخْلِ جَيِّدَةً، وكانَ السَّقْيُ لَها كَثِيرًا، وسَلِمَتْ مِنَ العاهَةِ، كَبِرُ الحِمْلِ بِلُطْفِ الحَبِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ وكَسْرِ الحاءِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، وعِيسى، والحَسَنُ: بِفَتْحِها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وعَنْهُ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ إشْباعًا. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ. وعَنْ أبِي حَيْوَةَ، والحَسَنِ أيْضًا: بِالياءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: فارِهِينَ بِألِفٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ ومُجاهِدٌ: مُتَفَرِّهِينَ، اسْمُ فاعِلٍ مِن تَفَرَّهَ، والمَعْنى: نَشِطِينَ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بِمَعْنى مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ مُبالِغِينَ في اسْتِجادَةِ المَغاراتِ لِيَحْفَظُوا أمْوالَهم فِيها. وقالَ قَتادَةُ: آمِنِينَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُتَجَبِّرِينَ. وقالَ خُصَيْفٌ: مُعْجَبِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ناعِمِينَ. وقالَ الضَّحّاكُ: كَيِّسِينَ. وقالَ أبُو صالِحٍ: حاذِقِينَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: قادِرِينَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَرِحِينَ. وظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ الغالِبَ عَلى قَوْمِ هُودٍ: اللَّذّاتُ الخَيالِيَّةُ مِن طَلَبِ الِاسْتِعْلاءِ والبَقاءِ والتَّفَرُّدِ والتَّجَبُّرِ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ: اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبُ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ الحَصِينَةِ. ﴿ولا تُطِيعُوا﴾ خِطابُ الجُمْهُورِ قَوْمِهِ. والمُسْرِفُونَ: هم كُبَراؤُهم وأعْلامُهم في الكُفْرِ والإضْلالِ، وكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ. ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ ثَمُودَ. وقِيلَ: في الأرْضِ كُلِّها، لِأنَّ بِمَعاصِيهِمُ امْتِناعَ الغَيْثِ. ولَمّا كانُوا ”يُفْسِدُونَ“ دَلالَتُهُ دَلالَةُ المُطْلَقِ، أتى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الصَّلاحَ، وهو نَفْيٌ لِمُطْلَقِ الصَّلاحِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ الصَّلاحِ كائِنًا ما كانَ، فَلا يَحْصُلُ مِنهم صَلاحٌ ألْبَتَّةَ. والمُسَحَّرُ: الَّذِي سُحِرَ كَثِيرًا حَتّى غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ. وقِيلَ: مِنَ السَّحْرِ، وهو الرِّئَةُ، أيْ أنْتَ بَشَرٌ لا تَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ. ويُضْعِفُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم بَعْدُ: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إذْ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها، والأصْلُ التَّأْسِيسُ. ومَثَّلْنا: أيْ في الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ، فَلا اخْتِصاصَ لَكَ بِالرِّسالَةِ. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قالَ آتِي بِها، قالُوا: ما هي ؟ (قالَ هَذِهِ ناقَةُ. . .) رُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ناقَةً عُشَراءَ تَخْرُجُ مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ تَلِدُ سَقْبًا. فَقَعَدَ صالِحٌ يَتَفَكَّرُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وسَلْ رَبَّكَ النّاقَةَ، فَفَعَلَ؛ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ وبَرَكَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُتِجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ. وتَقَدَّمَ في الأعْرافِ طَرَفٌ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ والنّاقَةِ، والشِّرْبُ: النَّصِيبُ المَشْرُوبُ مِنَ الماءِ نَحْوُ السَّقْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شُرْبٌ، بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما، وظاهِرُ هَذا العَذابِ أنَّهُ في الدُّنْيا، وكَذا وقَعَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ لِحُلُولِ العَذابِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِهِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ الوَقْتَ إذا عَظُمَ بِسَبَبِ العَذابِ، كانَ مَوْقِعُ العَذابِ مِنَ العِظَمِ أشَدَّ. ونُسِبَ العَقْرُ إلى جَمِيعِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَرْضَوُا المَرْأةَ في خِدْرِها والصِّبْيانَ، فَرَضُوا جَمِيعًا. ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ لا نَدَمَ تَوْبَةٍ، بَلْ نَدَمَ خَوْفٍ أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ عاجِلًا، وذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ في غَيْرِ وقْتِ التَّوْبَةِ. أصْبَحُوا وقَدْ تَغَيَّرَتْ ألْوانُهم حَسْبَما كانَ أخْبَرَهم بِهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ العَذابُ صَيْحَةً خَمَدَتْ لَها أبْدانُهم، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهم، وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وصُبَّ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ. وقِيلَ: كانَتْ نَدامَتُهم عَلى تَرْكِ عَقْرِ الوَلَدِ، وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ. و”أل“ في: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ لِلْعَهْدِ في العَذابِ السّابِقِ، عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ.

الشعراء 26:160

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:161

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:162

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:163

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:164

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:165

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:166

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:167

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:168

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:169

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:170

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:171

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:172

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:173

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:174

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:175

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٣٦)”أتَأْتُونَ“: اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ؛ (والذُّكْرانَ): جَمْعُ ذَكَرٍ، مُقابِلُ الأُنْثى. والإتْيانُ: كِنايَةٌ عَنْ وطْءِ الرِّجالِ، وقَدْ سَمّاهُ - تَعالى - بِالفاحِشَةِ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] هو مَخْصُوصٌ بِذُكْرانِ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: مَخْصُوصٌ بِالغُرَباءِ. ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ﴾ ظاهِرٌ في كَوْنِهِمْ لا يَأْتُونَ النِّساءَ، إمّا البَتَّةَ، وإمّا غَلَبَةً. ﴿ما خَلَقَ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ بِشَرْطِها. ﴿مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الإناثِ. ومِن إمّا لِلتَّبْيِينِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ﴾ وإمّا لِلتَّبْعِيضِ: أيِ العُضْوُ المَخْلُوقُ لِلْوَطْءِ، وهو الفَرْجُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ. فَإنْ كانَ ما خَلَقَ لا يُرادُ بِهِ العُضْوُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ آخَرَ، أيْ وتَذَرُونَ إتْيانَ فَرُوجِ ما خَلَقَ. ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أيْ مُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الظُّلْمِ، وهو إضْرابٌ بِمَعْنى الِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، لا أنَّهُ إبْطالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ أفْعالِهِمْ، واعْتِداؤُهم إمّا في المَعاصِي الَّتِي هَذِهِ المَعْصِيَةُ مِن جُمْلَتِها، أوْ مِن حَيْثُ ارْتِكابُ هَذِهِ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. وجاءَ تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الخِطابِ تَعْظِيمًا لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهم هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ، كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلْتَ كَذا، أيْ لا غَيْرُكَ. ولَمّا نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، وهو النَّفْيُ مِن بَلَدِهِ الَّذِي نَشَأ فِيهِ، أيْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَنْ دَعْواكَ النُّبُوَّةَ، وعَنِ الإنْكارِ عَلَيْنا فِيما نَأْتِيهِ مِنَ الذُّكْرانِ، لَنَنْفِيَنَّكَ كَما نَفَيْنا مَن نَهانا قَبْلَكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ عَلى أنَّهُ سَبَقَ مَن نَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَوْهُ بِسَبَبِ النَّهْيِ، أوْ مِنَ المُخْرَجِينَ بِسَبَبٍ غَيْرِ هَذا السَّبَبِ، كَأنَّهُ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ نَفَوْهُ، سَواءٌ كانَ الخِلافُ في هَذا الفِعْلِ الخاصِّ، أمْ في غَيْرِهِ. ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ أيْ لِلْفاحِشَةِ الَّتِي أنْتُمْ تَعْمَلُونَها. و”لِعَمَلِكم“ يَتَعَلَّقُ إمّا بِالقالِينَ، وإنْ كانَ فِيهِ ”أل“، لِأنَّهُ يَسُوغُ في المَجْرُوراتِ والظُّرُوفِ ما لا يَسُوغُ في غَيْرِها، لِاتِّساعِ العَرَبِ في تَقْدِيمِها، حَيْثُ لا يَتَقَدَّمُ غَيْرُها؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”القالِينَ“ تَقْدِيرُهُ إنِّي قالٍ لِعَمَلِكم، وإمّا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ أيْ لِعَمَلِكم أعْنِي مِنَ القالِينَ، وكَوْنُهُ بَعْضَ ”القالِينَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُبْغِضُ هَذا الفِعْلَ ناسٌ غَيْرُهُ هو بَعْضُهم، ونَبَّهَ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْبُغْضِ حَتّى يُبْغِضَهُ النّاسُ. ”ومِنَ القالِينَ“ أبْلَغُ مِن ”قالٍ“ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ النّاسَ يُبْغِضُونَهُ، ولِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ مَعْدُودٌ مِمَّنْ يُبْغِضُهُ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ مِنَ العُلَماءِ، أبْلَغُ مِن: زَيْدٌ عالِمٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ شَهادَةٌ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: القَلْيُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ، كَأنَّهُ بَغَضَ فَقَلى الفُؤادَ والكَبِدَ. انْتَهى. ولا يَكُونُ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ. وقَلا مِنَ الطَّبْخِ؛ والشَّيِّ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ لِاخْتِلافِ التَّرْكِيبِ. فَمادَّةُ قَلا مِنَ الشَّيِّ مِن ذَواتِ الواوِ، وتَقُولُ: قَلَوْتُ اللَّحْمَ فَهو مَقْلُوٌّ. ومادَّةُ قَلى مِنَ البُغْضِ مِن ذَواتِ الياءِ، قَلَيْتُ الرَّجُلَ، فَهو مَقْلِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ بِمَقْلِـيِّ الخِـلالِ ولا قَـالِ ولَمّا تَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ، أخْبَرَهم بِبُغْضِ عَمَلِهِمْ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن عُقُوبَةِ ما يَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً لِأهْلِهِ بِالعِصْمَةِ مِن أنْ يَقَعَ واحِدٌ مِنهم في مِثْلِ فِعْلِ قَوْمِهِ. ودَلَّ دُعاؤُهُ بِالتَّنْجِيَةِ لِأهْلِهِ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَتْ زَوْجَتُهُ مُنْدَرِجَةً في الأهْلِ، وكانَ ظاهِرُ دُعائِهِ دُخُولَها في التَّنْجِيَةِ، وكانَتْ كافِرَةً اسْتُثْنِيَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ودَلَّ قَوْلُهُ: عَجُوزًا، عَلى أنَّها قَدْ عَسِيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا. ومِنَ الغابِرِينَ صِفَةٌ، أيْ مِنَ الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ بَيْتِها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. (p-٣٧)وقالَ قَتادَةُ: مِنَ الباقِينَ في العَذابِ النّازِلِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في غَبَرَ، وأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى بَقِيَ، وهو المَشْهُورُ، وبِمَعْنى مَضى. ونَجاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ أمَرَهُ - تَعالى - بِالرِّحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ كافِرَةً تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ، فَأصابَها حَجَرٌ، فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ. قالَ قَتادَةُ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلى شُذّاذِ القَوْمِ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم. وقالَ قَتادَةُ: أتْبَعَ الِائْتِفاكَ مَطَرًا مِنَ الحِجارَةِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم. وقالَ مُقاتِلٌ: خَسَفَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ، وأرْسَلَ الحِجارَةَ إلى مَن كانَ خارِجًا مِنَ القِرْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها مُؤْمِنٌ إلّا بَيْتُ لُوطٍ.

الشعراء 26:176

﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ: ”لَيْكَةَ“ هُنا، وفي ﴿ص﴾ [ص: ١] بِغَيْرِ لامٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ”الأيْكَةِ“، بِلامِ التَّعْرِيفِ. فَأمّا قِراءَةُ الفَتْحِ، فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: أنَّ لَيْكَةَ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ، والأيْكَةُ: البِلادُ كُلُّها، كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ في الحِجْرِ و﴿ق﴾ [ق: ١] ”الأيْكَةِ“، وفي الشُّعَراءِ و﴿ص﴾ [ص: ١] ”لَيْكَةَ“، واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدُ عَلى ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. انْتَهى. وقَدْ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وتَبِعَهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ووَهَّمُوا القُرّاءَ وقالُوا: حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الَّذِي كَتَبَ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ عَلى اللَّفْظِ في مَن نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وأسْقَطَ الهَمْزَةَ، فَتَوَهَّمَ أنَّ اللّامَ مِن بِنْيَةِ الكَلِمَةِ فَفَتَحَ الياءَ، وكانَ الصَّوابُ أنْ يُجِيزَ، ثُمَّ مادَّةُ ل ي ك لَمْ يُوجَدْ مِنها تَرْكِيبٌ، فَهي مادَّةٌ مُهْمَلَةٌ. كَما أهْمَلُوا مادَّةَ خ ذ ج مَنقُوطًا، وهَذِهِ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، يَعْتَقِدُونَ أنَّ بَعْضَ القِراءَةِ بِالرَّأْيِ لا بِالرِّوايَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ لا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيها، ويَقْرُبُ إنْكارُها مِنَ الرِّدَّةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ. أمّا نافِعٌ، فَقَرَأ عَلى سَبْعِينَ مِنَ التّابِعِينَ، وهم عَرَبٌ فُصَحاءُ، ثُمَّ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ قاطِبَةً. وأمّا ابْنُ كَثِيرٍ، فَقَرَأ عَلى سادَةِ التّابِعِينَ مِمَّنْ كانَ بِمَكَّةَ، كَمُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِ إمامُ البَصْرَةِ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وسَألَهُ بَعْضُ العُلَماءِ: أقَرَأْتَ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، خَتَمْتُ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ بَعْدَما خَتَمْتُ عَلى مُجاهِدٍ، وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ أعْلَمَ مِن مُجاهِدٍ بِاللُّغَةِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَبِيرٌ - يَعْنِي خِلافًا. وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَهو إمامُ أهْلِ الشّامِ، وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ، قَدْ سَبَقَ اللَّحْنَ، أخَذَ عَنْ عُثْمانَ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ وغَيْرِهِما. فَهَذِهِ أمْصارٌ ثَلاثَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلى (p-٣٨)هَذِهِ القِراءَةِ الحَرَمانِ مَكَّةُ والمَدِينَةُ والشّامُ، وأمّا كَوْنُ هَذِهِ المادَّةِ مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ كانَتِ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالِفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ، فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ. وتَقَدَّمَ مَدْلُولُ الأيْكَةِ في الحِجْرِ، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أهْلِ مَدْيَنَ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] . ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الأيْكَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ هُنا: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ﴾ . ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أصْحابُ مَدْيَنَ، وعَنْ غَيْرِهِ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أهْلُ البادِيَةِ، وأصْحابَ مَدْيَنَ هُمُ الحاضِرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: ”أنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ، أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ، وهو الواجِبُ، ونَهاهم عَنِ الإخْسارِ، وهو التَّطْفِيفُ، ولَمْ يَذْكِرِ الزِّيادَةَ عَلى الواجِبِ، لِأنَّ النُّفُوسَ قَدْ تَشِحُّ بِذَلِكَ فَمَن فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ، ومَن تَرَكَهُ فَلا حَرَجَ“ . وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القِسْطاسِ في سُورَةِ الإسْراءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كانَ مِنَ القِسْطِ، وهو العَدْلُ، وجُعِلَتِ العَيْنُ مُكَرَّرَةً، فَوَزْنُهُ فِعْلاءُ، وإلّا فَهو رُباعِيٌّ. انْتَهى. ولَوْ تَكَرَّرَ ما يُماثِلُ العَيْنَ في النُّطْقِ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا رُباعِيًّا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُبالَغَةٌ مِنَ القِسْطِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وزِنُوا) هو أمْرٌ بِالوَزْنِ، إذْ عادَلَ قَوْلَهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ فَشَمِلَ ما يُكالُ وما يُوزَنُ مِمّا هو مُعْتادٌ فِيهِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ عَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ.

الشعراء 26:177

﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ: ”لَيْكَةَ“ هُنا، وفي ﴿ص﴾ [ص: ١] بِغَيْرِ لامٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ”الأيْكَةِ“، بِلامِ التَّعْرِيفِ. فَأمّا قِراءَةُ الفَتْحِ، فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: أنَّ لَيْكَةَ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ، والأيْكَةُ: البِلادُ كُلُّها، كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ في الحِجْرِ و﴿ق﴾ [ق: ١] ”الأيْكَةِ“، وفي الشُّعَراءِ و﴿ص﴾ [ص: ١] ”لَيْكَةَ“، واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدُ عَلى ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. انْتَهى. وقَدْ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وتَبِعَهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ووَهَّمُوا القُرّاءَ وقالُوا: حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الَّذِي كَتَبَ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ عَلى اللَّفْظِ في مَن نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وأسْقَطَ الهَمْزَةَ، فَتَوَهَّمَ أنَّ اللّامَ مِن بِنْيَةِ الكَلِمَةِ فَفَتَحَ الياءَ، وكانَ الصَّوابُ أنْ يُجِيزَ، ثُمَّ مادَّةُ ل ي ك لَمْ يُوجَدْ مِنها تَرْكِيبٌ، فَهي مادَّةٌ مُهْمَلَةٌ. كَما أهْمَلُوا مادَّةَ خ ذ ج مَنقُوطًا، وهَذِهِ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، يَعْتَقِدُونَ أنَّ بَعْضَ القِراءَةِ بِالرَّأْيِ لا بِالرِّوايَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ لا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيها، ويَقْرُبُ إنْكارُها مِنَ الرِّدَّةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ. أمّا نافِعٌ، فَقَرَأ عَلى سَبْعِينَ مِنَ التّابِعِينَ، وهم عَرَبٌ فُصَحاءُ، ثُمَّ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ قاطِبَةً. وأمّا ابْنُ كَثِيرٍ، فَقَرَأ عَلى سادَةِ التّابِعِينَ مِمَّنْ كانَ بِمَكَّةَ، كَمُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِ إمامُ البَصْرَةِ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وسَألَهُ بَعْضُ العُلَماءِ: أقَرَأْتَ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، خَتَمْتُ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ بَعْدَما خَتَمْتُ عَلى مُجاهِدٍ، وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ أعْلَمَ مِن مُجاهِدٍ بِاللُّغَةِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَبِيرٌ - يَعْنِي خِلافًا. وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَهو إمامُ أهْلِ الشّامِ، وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ، قَدْ سَبَقَ اللَّحْنَ، أخَذَ عَنْ عُثْمانَ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ وغَيْرِهِما. فَهَذِهِ أمْصارٌ ثَلاثَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلى (p-٣٨)هَذِهِ القِراءَةِ الحَرَمانِ مَكَّةُ والمَدِينَةُ والشّامُ، وأمّا كَوْنُ هَذِهِ المادَّةِ مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ كانَتِ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالِفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ، فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ. وتَقَدَّمَ مَدْلُولُ الأيْكَةِ في الحِجْرِ، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أهْلِ مَدْيَنَ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] . ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الأيْكَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ هُنا: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ﴾ . ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أصْحابُ مَدْيَنَ، وعَنْ غَيْرِهِ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أهْلُ البادِيَةِ، وأصْحابَ مَدْيَنَ هُمُ الحاضِرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: ”أنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ، أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ، وهو الواجِبُ، ونَهاهم عَنِ الإخْسارِ، وهو التَّطْفِيفُ، ولَمْ يَذْكِرِ الزِّيادَةَ عَلى الواجِبِ، لِأنَّ النُّفُوسَ قَدْ تَشِحُّ بِذَلِكَ فَمَن فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ، ومَن تَرَكَهُ فَلا حَرَجَ“ . وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القِسْطاسِ في سُورَةِ الإسْراءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كانَ مِنَ القِسْطِ، وهو العَدْلُ، وجُعِلَتِ العَيْنُ مُكَرَّرَةً، فَوَزْنُهُ فِعْلاءُ، وإلّا فَهو رُباعِيٌّ. انْتَهى. ولَوْ تَكَرَّرَ ما يُماثِلُ العَيْنَ في النُّطْقِ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا رُباعِيًّا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُبالَغَةٌ مِنَ القِسْطِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وزِنُوا) هو أمْرٌ بِالوَزْنِ، إذْ عادَلَ قَوْلَهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ فَشَمِلَ ما يُكالُ وما يُوزَنُ مِمّا هو مُعْتادٌ فِيهِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ عَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ.

الشعراء 26:178

﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ: ”لَيْكَةَ“ هُنا، وفي ﴿ص﴾ [ص: ١] بِغَيْرِ لامٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ”الأيْكَةِ“، بِلامِ التَّعْرِيفِ. فَأمّا قِراءَةُ الفَتْحِ، فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: أنَّ لَيْكَةَ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ، والأيْكَةُ: البِلادُ كُلُّها، كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ في الحِجْرِ و﴿ق﴾ [ق: ١] ”الأيْكَةِ“، وفي الشُّعَراءِ و﴿ص﴾ [ص: ١] ”لَيْكَةَ“، واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدُ عَلى ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. انْتَهى. وقَدْ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وتَبِعَهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ووَهَّمُوا القُرّاءَ وقالُوا: حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الَّذِي كَتَبَ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ عَلى اللَّفْظِ في مَن نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وأسْقَطَ الهَمْزَةَ، فَتَوَهَّمَ أنَّ اللّامَ مِن بِنْيَةِ الكَلِمَةِ فَفَتَحَ الياءَ، وكانَ الصَّوابُ أنْ يُجِيزَ، ثُمَّ مادَّةُ ل ي ك لَمْ يُوجَدْ مِنها تَرْكِيبٌ، فَهي مادَّةٌ مُهْمَلَةٌ. كَما أهْمَلُوا مادَّةَ خ ذ ج مَنقُوطًا، وهَذِهِ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، يَعْتَقِدُونَ أنَّ بَعْضَ القِراءَةِ بِالرَّأْيِ لا بِالرِّوايَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ لا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيها، ويَقْرُبُ إنْكارُها مِنَ الرِّدَّةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ. أمّا نافِعٌ، فَقَرَأ عَلى سَبْعِينَ مِنَ التّابِعِينَ، وهم عَرَبٌ فُصَحاءُ، ثُمَّ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ قاطِبَةً. وأمّا ابْنُ كَثِيرٍ، فَقَرَأ عَلى سادَةِ التّابِعِينَ مِمَّنْ كانَ بِمَكَّةَ، كَمُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِ إمامُ البَصْرَةِ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وسَألَهُ بَعْضُ العُلَماءِ: أقَرَأْتَ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، خَتَمْتُ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ بَعْدَما خَتَمْتُ عَلى مُجاهِدٍ، وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ أعْلَمَ مِن مُجاهِدٍ بِاللُّغَةِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَبِيرٌ - يَعْنِي خِلافًا. وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَهو إمامُ أهْلِ الشّامِ، وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ، قَدْ سَبَقَ اللَّحْنَ، أخَذَ عَنْ عُثْمانَ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ وغَيْرِهِما. فَهَذِهِ أمْصارٌ ثَلاثَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلى (p-٣٨)هَذِهِ القِراءَةِ الحَرَمانِ مَكَّةُ والمَدِينَةُ والشّامُ، وأمّا كَوْنُ هَذِهِ المادَّةِ مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ كانَتِ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالِفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ، فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ. وتَقَدَّمَ مَدْلُولُ الأيْكَةِ في الحِجْرِ، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أهْلِ مَدْيَنَ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] . ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الأيْكَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ هُنا: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ﴾ . ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أصْحابُ مَدْيَنَ، وعَنْ غَيْرِهِ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أهْلُ البادِيَةِ، وأصْحابَ مَدْيَنَ هُمُ الحاضِرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: ”أنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ، أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ، وهو الواجِبُ، ونَهاهم عَنِ الإخْسارِ، وهو التَّطْفِيفُ، ولَمْ يَذْكِرِ الزِّيادَةَ عَلى الواجِبِ، لِأنَّ النُّفُوسَ قَدْ تَشِحُّ بِذَلِكَ فَمَن فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ، ومَن تَرَكَهُ فَلا حَرَجَ“ . وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القِسْطاسِ في سُورَةِ الإسْراءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كانَ مِنَ القِسْطِ، وهو العَدْلُ، وجُعِلَتِ العَيْنُ مُكَرَّرَةً، فَوَزْنُهُ فِعْلاءُ، وإلّا فَهو رُباعِيٌّ. انْتَهى. ولَوْ تَكَرَّرَ ما يُماثِلُ العَيْنَ في النُّطْقِ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا رُباعِيًّا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُبالَغَةٌ مِنَ القِسْطِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وزِنُوا) هو أمْرٌ بِالوَزْنِ، إذْ عادَلَ قَوْلَهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ فَشَمِلَ ما يُكالُ وما يُوزَنُ مِمّا هو مُعْتادٌ فِيهِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ عَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ.

الشعراء 26:179

﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ: ”لَيْكَةَ“ هُنا، وفي ﴿ص﴾ [ص: ١] بِغَيْرِ لامٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ”الأيْكَةِ“، بِلامِ التَّعْرِيفِ. فَأمّا قِراءَةُ الفَتْحِ، فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: أنَّ لَيْكَةَ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ، والأيْكَةُ: البِلادُ كُلُّها، كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ في الحِجْرِ و﴿ق﴾ [ق: ١] ”الأيْكَةِ“، وفي الشُّعَراءِ و﴿ص﴾ [ص: ١] ”لَيْكَةَ“، واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدُ عَلى ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. انْتَهى. وقَدْ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وتَبِعَهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ووَهَّمُوا القُرّاءَ وقالُوا: حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الَّذِي كَتَبَ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ عَلى اللَّفْظِ في مَن نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وأسْقَطَ الهَمْزَةَ، فَتَوَهَّمَ أنَّ اللّامَ مِن بِنْيَةِ الكَلِمَةِ فَفَتَحَ الياءَ، وكانَ الصَّوابُ أنْ يُجِيزَ، ثُمَّ مادَّةُ ل ي ك لَمْ يُوجَدْ مِنها تَرْكِيبٌ، فَهي مادَّةٌ مُهْمَلَةٌ. كَما أهْمَلُوا مادَّةَ خ ذ ج مَنقُوطًا، وهَذِهِ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، يَعْتَقِدُونَ أنَّ بَعْضَ القِراءَةِ بِالرَّأْيِ لا بِالرِّوايَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ لا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيها، ويَقْرُبُ إنْكارُها مِنَ الرِّدَّةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ. أمّا نافِعٌ، فَقَرَأ عَلى سَبْعِينَ مِنَ التّابِعِينَ، وهم عَرَبٌ فُصَحاءُ، ثُمَّ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ قاطِبَةً. وأمّا ابْنُ كَثِيرٍ، فَقَرَأ عَلى سادَةِ التّابِعِينَ مِمَّنْ كانَ بِمَكَّةَ، كَمُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِ إمامُ البَصْرَةِ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وسَألَهُ بَعْضُ العُلَماءِ: أقَرَأْتَ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، خَتَمْتُ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ بَعْدَما خَتَمْتُ عَلى مُجاهِدٍ، وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ أعْلَمَ مِن مُجاهِدٍ بِاللُّغَةِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَبِيرٌ - يَعْنِي خِلافًا. وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَهو إمامُ أهْلِ الشّامِ، وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ، قَدْ سَبَقَ اللَّحْنَ، أخَذَ عَنْ عُثْمانَ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ وغَيْرِهِما. فَهَذِهِ أمْصارٌ ثَلاثَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلى (p-٣٨)هَذِهِ القِراءَةِ الحَرَمانِ مَكَّةُ والمَدِينَةُ والشّامُ، وأمّا كَوْنُ هَذِهِ المادَّةِ مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ كانَتِ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالِفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ، فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ. وتَقَدَّمَ مَدْلُولُ الأيْكَةِ في الحِجْرِ، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أهْلِ مَدْيَنَ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] . ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الأيْكَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ هُنا: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ﴾ . ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أصْحابُ مَدْيَنَ، وعَنْ غَيْرِهِ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أهْلُ البادِيَةِ، وأصْحابَ مَدْيَنَ هُمُ الحاضِرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: ”أنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ، أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ، وهو الواجِبُ، ونَهاهم عَنِ الإخْسارِ، وهو التَّطْفِيفُ، ولَمْ يَذْكِرِ الزِّيادَةَ عَلى الواجِبِ، لِأنَّ النُّفُوسَ قَدْ تَشِحُّ بِذَلِكَ فَمَن فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ، ومَن تَرَكَهُ فَلا حَرَجَ“ . وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القِسْطاسِ في سُورَةِ الإسْراءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كانَ مِنَ القِسْطِ، وهو العَدْلُ، وجُعِلَتِ العَيْنُ مُكَرَّرَةً، فَوَزْنُهُ فِعْلاءُ، وإلّا فَهو رُباعِيٌّ. انْتَهى. ولَوْ تَكَرَّرَ ما يُماثِلُ العَيْنَ في النُّطْقِ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا رُباعِيًّا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُبالَغَةٌ مِنَ القِسْطِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وزِنُوا) هو أمْرٌ بِالوَزْنِ، إذْ عادَلَ قَوْلَهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ فَشَمِلَ ما يُكالُ وما يُوزَنُ مِمّا هو مُعْتادٌ فِيهِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ عَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ.

الشعراء 26:180

﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ: ”لَيْكَةَ“ هُنا، وفي ﴿ص﴾ [ص: ١] بِغَيْرِ لامٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ”الأيْكَةِ“، بِلامِ التَّعْرِيفِ. فَأمّا قِراءَةُ الفَتْحِ، فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: أنَّ لَيْكَةَ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ، والأيْكَةُ: البِلادُ كُلُّها، كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ في الحِجْرِ و﴿ق﴾ [ق: ١] ”الأيْكَةِ“، وفي الشُّعَراءِ و﴿ص﴾ [ص: ١] ”لَيْكَةَ“، واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدُ عَلى ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. انْتَهى. وقَدْ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وتَبِعَهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ووَهَّمُوا القُرّاءَ وقالُوا: حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الَّذِي كَتَبَ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ عَلى اللَّفْظِ في مَن نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وأسْقَطَ الهَمْزَةَ، فَتَوَهَّمَ أنَّ اللّامَ مِن بِنْيَةِ الكَلِمَةِ فَفَتَحَ الياءَ، وكانَ الصَّوابُ أنْ يُجِيزَ، ثُمَّ مادَّةُ ل ي ك لَمْ يُوجَدْ مِنها تَرْكِيبٌ، فَهي مادَّةٌ مُهْمَلَةٌ. كَما أهْمَلُوا مادَّةَ خ ذ ج مَنقُوطًا، وهَذِهِ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، يَعْتَقِدُونَ أنَّ بَعْضَ القِراءَةِ بِالرَّأْيِ لا بِالرِّوايَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ لا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيها، ويَقْرُبُ إنْكارُها مِنَ الرِّدَّةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ. أمّا نافِعٌ، فَقَرَأ عَلى سَبْعِينَ مِنَ التّابِعِينَ، وهم عَرَبٌ فُصَحاءُ، ثُمَّ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ قاطِبَةً. وأمّا ابْنُ كَثِيرٍ، فَقَرَأ عَلى سادَةِ التّابِعِينَ مِمَّنْ كانَ بِمَكَّةَ، كَمُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِ إمامُ البَصْرَةِ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وسَألَهُ بَعْضُ العُلَماءِ: أقَرَأْتَ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، خَتَمْتُ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ بَعْدَما خَتَمْتُ عَلى مُجاهِدٍ، وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ أعْلَمَ مِن مُجاهِدٍ بِاللُّغَةِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَبِيرٌ - يَعْنِي خِلافًا. وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَهو إمامُ أهْلِ الشّامِ، وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ، قَدْ سَبَقَ اللَّحْنَ، أخَذَ عَنْ عُثْمانَ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ وغَيْرِهِما. فَهَذِهِ أمْصارٌ ثَلاثَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلى (p-٣٨)هَذِهِ القِراءَةِ الحَرَمانِ مَكَّةُ والمَدِينَةُ والشّامُ، وأمّا كَوْنُ هَذِهِ المادَّةِ مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ كانَتِ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالِفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ، فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ. وتَقَدَّمَ مَدْلُولُ الأيْكَةِ في الحِجْرِ، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أهْلِ مَدْيَنَ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] . ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الأيْكَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ هُنا: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ﴾ . ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أصْحابُ مَدْيَنَ، وعَنْ غَيْرِهِ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أهْلُ البادِيَةِ، وأصْحابَ مَدْيَنَ هُمُ الحاضِرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: ”أنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ، أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ، وهو الواجِبُ، ونَهاهم عَنِ الإخْسارِ، وهو التَّطْفِيفُ، ولَمْ يَذْكِرِ الزِّيادَةَ عَلى الواجِبِ، لِأنَّ النُّفُوسَ قَدْ تَشِحُّ بِذَلِكَ فَمَن فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ، ومَن تَرَكَهُ فَلا حَرَجَ“ . وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القِسْطاسِ في سُورَةِ الإسْراءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كانَ مِنَ القِسْطِ، وهو العَدْلُ، وجُعِلَتِ العَيْنُ مُكَرَّرَةً، فَوَزْنُهُ فِعْلاءُ، وإلّا فَهو رُباعِيٌّ. انْتَهى. ولَوْ تَكَرَّرَ ما يُماثِلُ العَيْنَ في النُّطْقِ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا رُباعِيًّا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُبالَغَةٌ مِنَ القِسْطِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وزِنُوا) هو أمْرٌ بِالوَزْنِ، إذْ عادَلَ قَوْلَهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ فَشَمِلَ ما يُكالُ وما يُوزَنُ مِمّا هو مُعْتادٌ فِيهِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ عَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ.

الشعراء 26:181

﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ: ”لَيْكَةَ“ هُنا، وفي ﴿ص﴾ [ص: ١] بِغَيْرِ لامٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ”الأيْكَةِ“، بِلامِ التَّعْرِيفِ. فَأمّا قِراءَةُ الفَتْحِ، فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: أنَّ لَيْكَةَ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ، والأيْكَةُ: البِلادُ كُلُّها، كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ في الحِجْرِ و﴿ق﴾ [ق: ١] ”الأيْكَةِ“، وفي الشُّعَراءِ و﴿ص﴾ [ص: ١] ”لَيْكَةَ“، واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدُ عَلى ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. انْتَهى. وقَدْ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وتَبِعَهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ووَهَّمُوا القُرّاءَ وقالُوا: حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الَّذِي كَتَبَ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ عَلى اللَّفْظِ في مَن نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وأسْقَطَ الهَمْزَةَ، فَتَوَهَّمَ أنَّ اللّامَ مِن بِنْيَةِ الكَلِمَةِ فَفَتَحَ الياءَ، وكانَ الصَّوابُ أنْ يُجِيزَ، ثُمَّ مادَّةُ ل ي ك لَمْ يُوجَدْ مِنها تَرْكِيبٌ، فَهي مادَّةٌ مُهْمَلَةٌ. كَما أهْمَلُوا مادَّةَ خ ذ ج مَنقُوطًا، وهَذِهِ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، يَعْتَقِدُونَ أنَّ بَعْضَ القِراءَةِ بِالرَّأْيِ لا بِالرِّوايَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ لا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيها، ويَقْرُبُ إنْكارُها مِنَ الرِّدَّةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ. أمّا نافِعٌ، فَقَرَأ عَلى سَبْعِينَ مِنَ التّابِعِينَ، وهم عَرَبٌ فُصَحاءُ، ثُمَّ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ قاطِبَةً. وأمّا ابْنُ كَثِيرٍ، فَقَرَأ عَلى سادَةِ التّابِعِينَ مِمَّنْ كانَ بِمَكَّةَ، كَمُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِ إمامُ البَصْرَةِ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وسَألَهُ بَعْضُ العُلَماءِ: أقَرَأْتَ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، خَتَمْتُ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ بَعْدَما خَتَمْتُ عَلى مُجاهِدٍ، وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ أعْلَمَ مِن مُجاهِدٍ بِاللُّغَةِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَبِيرٌ - يَعْنِي خِلافًا. وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَهو إمامُ أهْلِ الشّامِ، وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ، قَدْ سَبَقَ اللَّحْنَ، أخَذَ عَنْ عُثْمانَ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ وغَيْرِهِما. فَهَذِهِ أمْصارٌ ثَلاثَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلى (p-٣٨)هَذِهِ القِراءَةِ الحَرَمانِ مَكَّةُ والمَدِينَةُ والشّامُ، وأمّا كَوْنُ هَذِهِ المادَّةِ مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ كانَتِ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالِفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ، فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ. وتَقَدَّمَ مَدْلُولُ الأيْكَةِ في الحِجْرِ، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أهْلِ مَدْيَنَ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] . ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الأيْكَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ هُنا: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ﴾ . ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أصْحابُ مَدْيَنَ، وعَنْ غَيْرِهِ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أهْلُ البادِيَةِ، وأصْحابَ مَدْيَنَ هُمُ الحاضِرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: ”أنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ، أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ، وهو الواجِبُ، ونَهاهم عَنِ الإخْسارِ، وهو التَّطْفِيفُ، ولَمْ يَذْكِرِ الزِّيادَةَ عَلى الواجِبِ، لِأنَّ النُّفُوسَ قَدْ تَشِحُّ بِذَلِكَ فَمَن فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ، ومَن تَرَكَهُ فَلا حَرَجَ“ . وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القِسْطاسِ في سُورَةِ الإسْراءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كانَ مِنَ القِسْطِ، وهو العَدْلُ، وجُعِلَتِ العَيْنُ مُكَرَّرَةً، فَوَزْنُهُ فِعْلاءُ، وإلّا فَهو رُباعِيٌّ. انْتَهى. ولَوْ تَكَرَّرَ ما يُماثِلُ العَيْنَ في النُّطْقِ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا رُباعِيًّا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُبالَغَةٌ مِنَ القِسْطِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وزِنُوا) هو أمْرٌ بِالوَزْنِ، إذْ عادَلَ قَوْلَهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ فَشَمِلَ ما يُكالُ وما يُوزَنُ مِمّا هو مُعْتادٌ فِيهِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ عَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ.

الشعراء 26:182

﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . قَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ: ”لَيْكَةَ“ هُنا، وفي ﴿ص﴾ [ص: ١] بِغَيْرِ لامٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ”الأيْكَةِ“، بِلامِ التَّعْرِيفِ. فَأمّا قِراءَةُ الفَتْحِ، فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وجَدْنا في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: أنَّ لَيْكَةَ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ، والأيْكَةُ: البِلادُ كُلُّها، كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ في الحِجْرِ و﴿ق﴾ [ق: ١] ”الأيْكَةِ“، وفي الشُّعَراءِ و﴿ص﴾ [ص: ١] ”لَيْكَةَ“، واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدُ عَلى ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ. انْتَهى. وقَدْ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وتَبِعَهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ووَهَّمُوا القُرّاءَ وقالُوا: حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الَّذِي كَتَبَ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ عَلى اللَّفْظِ في مَن نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وأسْقَطَ الهَمْزَةَ، فَتَوَهَّمَ أنَّ اللّامَ مِن بِنْيَةِ الكَلِمَةِ فَفَتَحَ الياءَ، وكانَ الصَّوابُ أنْ يُجِيزَ، ثُمَّ مادَّةُ ل ي ك لَمْ يُوجَدْ مِنها تَرْكِيبٌ، فَهي مادَّةٌ مُهْمَلَةٌ. كَما أهْمَلُوا مادَّةَ خ ذ ج مَنقُوطًا، وهَذِهِ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، يَعْتَقِدُونَ أنَّ بَعْضَ القِراءَةِ بِالرَّأْيِ لا بِالرِّوايَةِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ لا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيها، ويَقْرُبُ إنْكارُها مِنَ الرِّدَّةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ. أمّا نافِعٌ، فَقَرَأ عَلى سَبْعِينَ مِنَ التّابِعِينَ، وهم عَرَبٌ فُصَحاءُ، ثُمَّ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ قاطِبَةً. وأمّا ابْنُ كَثِيرٍ، فَقَرَأ عَلى سادَةِ التّابِعِينَ مِمَّنْ كانَ بِمَكَّةَ، كَمُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، وقَدْ قَرَأ عَلَيْهِ إمامُ البَصْرَةِ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وسَألَهُ بَعْضُ العُلَماءِ: أقَرَأْتَ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، خَتَمْتُ عَلى ابْنِ كَثِيرٍ بَعْدَما خَتَمْتُ عَلى مُجاهِدٍ، وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ أعْلَمَ مِن مُجاهِدٍ بِاللُّغَةِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَبِيرٌ - يَعْنِي خِلافًا. وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَهو إمامُ أهْلِ الشّامِ، وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ، قَدْ سَبَقَ اللَّحْنَ، أخَذَ عَنْ عُثْمانَ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ وغَيْرِهِما. فَهَذِهِ أمْصارٌ ثَلاثَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلى (p-٣٨)هَذِهِ القِراءَةِ الحَرَمانِ مَكَّةُ والمَدِينَةُ والشّامُ، وأمّا كَوْنُ هَذِهِ المادَّةِ مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ كانَتِ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالِفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ، فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ. وتَقَدَّمَ مَدْلُولُ الأيْكَةِ في الحِجْرِ، وكانَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أهْلِ مَدْيَنَ، فَلِذَلِكَ جاءَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] . ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الأيْكَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ هُنا: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ﴾ . ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أصْحابُ مَدْيَنَ، وعَنْ غَيْرِهِ، أنَّ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم أهْلُ البادِيَةِ، وأصْحابَ مَدْيَنَ هُمُ الحاضِرَةُ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: ”أنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ، أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ، وهو الواجِبُ، ونَهاهم عَنِ الإخْسارِ، وهو التَّطْفِيفُ، ولَمْ يَذْكِرِ الزِّيادَةَ عَلى الواجِبِ، لِأنَّ النُّفُوسَ قَدْ تَشِحُّ بِذَلِكَ فَمَن فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ، ومَن تَرَكَهُ فَلا حَرَجَ“ . وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القِسْطاسِ في سُورَةِ الإسْراءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كانَ مِنَ القِسْطِ، وهو العَدْلُ، وجُعِلَتِ العَيْنُ مُكَرَّرَةً، فَوَزْنُهُ فِعْلاءُ، وإلّا فَهو رُباعِيٌّ. انْتَهى. ولَوْ تَكَرَّرَ ما يُماثِلُ العَيْنَ في النُّطْقِ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا رُباعِيًّا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مُبالَغَةٌ مِنَ القِسْطِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (وزِنُوا) هو أمْرٌ بِالوَزْنِ، إذْ عادَلَ قَوْلَهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ فَشَمِلَ ما يُكالُ وما يُوزَنُ مِمّا هو مُعْتادٌ فِيهِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ عَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ.

الشعراء 26:183

﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ والَّتِي تَلِيها تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِتَقْوى اللَّهِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى مَن أوَجَدَهم وأوْجَدَ مَن قَبْلَهم، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أوْجَدَهم قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَهم ويُهْلِكَهم. وعَطَفَ عَلَيْهِمْ ﴿والجِبِلَّةَ﴾ إيذانًا بِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُصَيِّرُكم إلى ما صارَ إلَيْهِ أوَّلُوكم، فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والجِبِلَّةَ“ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وشَدِّ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَصِينٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّها والشَّدِّ لِلّامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”والجِبْلَةَ“، بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، وفي نُسْخَةٍ عَنْهُ: فَتْحُ الجِيمِ وسُكُونُ الباءِ، وهي مِن جُبِلُوا عَلى كَذا، أيْ خُلِقُوا. قِيلَ: وتَشْدِيدُ اللّامِ في القِراءَتَيْنِ في بِناءَيْنِ لِلْمُبالِغَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الجِبِلَّةُ: عَشَرَةُ آلافٍ. (وما أنْتَ) جاءَ هُنا بِالواوِ، وفي قِصَّةِ هُودٍ: (ما أنْتَ) بِغَيْرِ واوٍ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ، كِلاهُما مُخالِفٌ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهم، التَّسْحِيرُ والبَشَرِيَّةُ، وأنَّ الرَّسُولَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَحَّرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَشَرًا، وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قَرَّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا. انْتَهى. ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمِنَ“ هي الفارِقَةُ، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، فَـ ”إنْ“ عِنْدَهم نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في نَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ إسْقاطَ كِسَفٍ، مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ صادِقًا، فادْفَعِ الَّذِي أرْسَلَكَ أنْ يُسْقِطَ عَلَيْنا كِسَفًا، أيْ قِطْعَةً، أوْ قِطَعًا عَلى حَسَبِ التَّسْكِينِ والتَّحْرِيكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ، نَحْوَ: قِطَعٍ وشِذَرٍ. وقِيلَ: الكِسَفُ والكِسْفَةُ، كالرِّيعِ والرِّيعَةُ، وهي القِطْعَةُ وكِسْفَةٌ: قِطْعَةٌ، والسَّماءُ: السَّحابُ أوِ المِظَلَّةُ. ودَلَّ طَلَبُهم ذَلِكَ عَلى التَّصْمِيمِ عَلى الجُحُودِ والتَّكْذِيبِ. ولَمّا طَلَبُوا مِنهُ ما طَلَبُوا، أحالَ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِكم، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العِقابِ، فَهو يُعاقِبُكم بِما شاءَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهو نَحْوٌ مِمّا اقْتَرَحُوا. ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ كَيْفِيَّةَ عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، حَتّى إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وذَكَرَ في حَدِيثِها تَطْوِيلاتٍ. فَرَوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا، فابْتُلُوا بِحَرٍّ عَظِيمٍ يَأْخُذُ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ، فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ، فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرْدًا ونَسِيمًا، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فَأمْطَرَتْ (p-٣٩)عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم. وكَرَّرَ ما كَرَّرَ في أوائِلِ هَذِهِ القَصَصِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ لا اخْتِلافَ فِيها، وهي الدُّعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ ورَفْضِ ما سِواهُ، وأنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُشْتَرِكُونَ في ذَلِكَ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ، وتِلْكَ عادَةُ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةً بِعَيْنِها، إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها ما كَرَّرَ ؟ (قُلْتُ): كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ، وفِيها مِنَ الِاعْتِبارِ مِثْلُ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ، إلى أنْ تُفْتَتَحَ بِمِثْلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا اخْتُتِمَتْ بِهِ، ولِأنَّ التَّكْرِيرَ تَقْرِيرٌ لِلْمَعانِي في النُّفُوسِ، وتَثْبِيتٌ لَها في الصُّدُورِ، ولِأنَّ هَذِهِ القَصَصَ طُرِقَتْ بِهَذا آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَأُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ.

الشعراء 26:184

﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ والَّتِي تَلِيها تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِتَقْوى اللَّهِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى مَن أوَجَدَهم وأوْجَدَ مَن قَبْلَهم، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أوْجَدَهم قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَهم ويُهْلِكَهم. وعَطَفَ عَلَيْهِمْ ﴿والجِبِلَّةَ﴾ إيذانًا بِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُصَيِّرُكم إلى ما صارَ إلَيْهِ أوَّلُوكم، فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والجِبِلَّةَ“ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وشَدِّ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَصِينٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّها والشَّدِّ لِلّامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”والجِبْلَةَ“، بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، وفي نُسْخَةٍ عَنْهُ: فَتْحُ الجِيمِ وسُكُونُ الباءِ، وهي مِن جُبِلُوا عَلى كَذا، أيْ خُلِقُوا. قِيلَ: وتَشْدِيدُ اللّامِ في القِراءَتَيْنِ في بِناءَيْنِ لِلْمُبالِغَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الجِبِلَّةُ: عَشَرَةُ آلافٍ. (وما أنْتَ) جاءَ هُنا بِالواوِ، وفي قِصَّةِ هُودٍ: (ما أنْتَ) بِغَيْرِ واوٍ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ، كِلاهُما مُخالِفٌ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهم، التَّسْحِيرُ والبَشَرِيَّةُ، وأنَّ الرَّسُولَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَحَّرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَشَرًا، وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قَرَّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا. انْتَهى. ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمِنَ“ هي الفارِقَةُ، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، فَـ ”إنْ“ عِنْدَهم نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في نَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ إسْقاطَ كِسَفٍ، مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ صادِقًا، فادْفَعِ الَّذِي أرْسَلَكَ أنْ يُسْقِطَ عَلَيْنا كِسَفًا، أيْ قِطْعَةً، أوْ قِطَعًا عَلى حَسَبِ التَّسْكِينِ والتَّحْرِيكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ، نَحْوَ: قِطَعٍ وشِذَرٍ. وقِيلَ: الكِسَفُ والكِسْفَةُ، كالرِّيعِ والرِّيعَةُ، وهي القِطْعَةُ وكِسْفَةٌ: قِطْعَةٌ، والسَّماءُ: السَّحابُ أوِ المِظَلَّةُ. ودَلَّ طَلَبُهم ذَلِكَ عَلى التَّصْمِيمِ عَلى الجُحُودِ والتَّكْذِيبِ. ولَمّا طَلَبُوا مِنهُ ما طَلَبُوا، أحالَ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِكم، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العِقابِ، فَهو يُعاقِبُكم بِما شاءَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهو نَحْوٌ مِمّا اقْتَرَحُوا. ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ كَيْفِيَّةَ عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، حَتّى إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وذَكَرَ في حَدِيثِها تَطْوِيلاتٍ. فَرَوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا، فابْتُلُوا بِحَرٍّ عَظِيمٍ يَأْخُذُ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ، فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ، فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرْدًا ونَسِيمًا، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فَأمْطَرَتْ (p-٣٩)عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم. وكَرَّرَ ما كَرَّرَ في أوائِلِ هَذِهِ القَصَصِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ لا اخْتِلافَ فِيها، وهي الدُّعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ ورَفْضِ ما سِواهُ، وأنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُشْتَرِكُونَ في ذَلِكَ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ، وتِلْكَ عادَةُ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةً بِعَيْنِها، إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها ما كَرَّرَ ؟ (قُلْتُ): كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ، وفِيها مِنَ الِاعْتِبارِ مِثْلُ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ، إلى أنْ تُفْتَتَحَ بِمِثْلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا اخْتُتِمَتْ بِهِ، ولِأنَّ التَّكْرِيرَ تَقْرِيرٌ لِلْمَعانِي في النُّفُوسِ، وتَثْبِيتٌ لَها في الصُّدُورِ، ولِأنَّ هَذِهِ القَصَصَ طُرِقَتْ بِهَذا آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَأُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ.

الشعراء 26:185

﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ والَّتِي تَلِيها تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِتَقْوى اللَّهِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى مَن أوَجَدَهم وأوْجَدَ مَن قَبْلَهم، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أوْجَدَهم قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَهم ويُهْلِكَهم. وعَطَفَ عَلَيْهِمْ ﴿والجِبِلَّةَ﴾ إيذانًا بِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُصَيِّرُكم إلى ما صارَ إلَيْهِ أوَّلُوكم، فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والجِبِلَّةَ“ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وشَدِّ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَصِينٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّها والشَّدِّ لِلّامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”والجِبْلَةَ“، بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، وفي نُسْخَةٍ عَنْهُ: فَتْحُ الجِيمِ وسُكُونُ الباءِ، وهي مِن جُبِلُوا عَلى كَذا، أيْ خُلِقُوا. قِيلَ: وتَشْدِيدُ اللّامِ في القِراءَتَيْنِ في بِناءَيْنِ لِلْمُبالِغَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الجِبِلَّةُ: عَشَرَةُ آلافٍ. (وما أنْتَ) جاءَ هُنا بِالواوِ، وفي قِصَّةِ هُودٍ: (ما أنْتَ) بِغَيْرِ واوٍ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ، كِلاهُما مُخالِفٌ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهم، التَّسْحِيرُ والبَشَرِيَّةُ، وأنَّ الرَّسُولَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَحَّرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَشَرًا، وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قَرَّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا. انْتَهى. ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمِنَ“ هي الفارِقَةُ، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، فَـ ”إنْ“ عِنْدَهم نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في نَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ إسْقاطَ كِسَفٍ، مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ صادِقًا، فادْفَعِ الَّذِي أرْسَلَكَ أنْ يُسْقِطَ عَلَيْنا كِسَفًا، أيْ قِطْعَةً، أوْ قِطَعًا عَلى حَسَبِ التَّسْكِينِ والتَّحْرِيكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ، نَحْوَ: قِطَعٍ وشِذَرٍ. وقِيلَ: الكِسَفُ والكِسْفَةُ، كالرِّيعِ والرِّيعَةُ، وهي القِطْعَةُ وكِسْفَةٌ: قِطْعَةٌ، والسَّماءُ: السَّحابُ أوِ المِظَلَّةُ. ودَلَّ طَلَبُهم ذَلِكَ عَلى التَّصْمِيمِ عَلى الجُحُودِ والتَّكْذِيبِ. ولَمّا طَلَبُوا مِنهُ ما طَلَبُوا، أحالَ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِكم، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العِقابِ، فَهو يُعاقِبُكم بِما شاءَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهو نَحْوٌ مِمّا اقْتَرَحُوا. ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ كَيْفِيَّةَ عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، حَتّى إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وذَكَرَ في حَدِيثِها تَطْوِيلاتٍ. فَرَوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا، فابْتُلُوا بِحَرٍّ عَظِيمٍ يَأْخُذُ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ، فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ، فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرْدًا ونَسِيمًا، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فَأمْطَرَتْ (p-٣٩)عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم. وكَرَّرَ ما كَرَّرَ في أوائِلِ هَذِهِ القَصَصِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ لا اخْتِلافَ فِيها، وهي الدُّعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ ورَفْضِ ما سِواهُ، وأنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُشْتَرِكُونَ في ذَلِكَ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ، وتِلْكَ عادَةُ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةً بِعَيْنِها، إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها ما كَرَّرَ ؟ (قُلْتُ): كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ، وفِيها مِنَ الِاعْتِبارِ مِثْلُ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ، إلى أنْ تُفْتَتَحَ بِمِثْلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا اخْتُتِمَتْ بِهِ، ولِأنَّ التَّكْرِيرَ تَقْرِيرٌ لِلْمَعانِي في النُّفُوسِ، وتَثْبِيتٌ لَها في الصُّدُورِ، ولِأنَّ هَذِهِ القَصَصَ طُرِقَتْ بِهَذا آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَأُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ.

الشعراء 26:186

﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ والَّتِي تَلِيها تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِتَقْوى اللَّهِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى مَن أوَجَدَهم وأوْجَدَ مَن قَبْلَهم، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أوْجَدَهم قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَهم ويُهْلِكَهم. وعَطَفَ عَلَيْهِمْ ﴿والجِبِلَّةَ﴾ إيذانًا بِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُصَيِّرُكم إلى ما صارَ إلَيْهِ أوَّلُوكم، فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والجِبِلَّةَ“ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وشَدِّ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَصِينٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّها والشَّدِّ لِلّامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”والجِبْلَةَ“، بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، وفي نُسْخَةٍ عَنْهُ: فَتْحُ الجِيمِ وسُكُونُ الباءِ، وهي مِن جُبِلُوا عَلى كَذا، أيْ خُلِقُوا. قِيلَ: وتَشْدِيدُ اللّامِ في القِراءَتَيْنِ في بِناءَيْنِ لِلْمُبالِغَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الجِبِلَّةُ: عَشَرَةُ آلافٍ. (وما أنْتَ) جاءَ هُنا بِالواوِ، وفي قِصَّةِ هُودٍ: (ما أنْتَ) بِغَيْرِ واوٍ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ، كِلاهُما مُخالِفٌ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهم، التَّسْحِيرُ والبَشَرِيَّةُ، وأنَّ الرَّسُولَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَحَّرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَشَرًا، وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قَرَّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا. انْتَهى. ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمِنَ“ هي الفارِقَةُ، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، فَـ ”إنْ“ عِنْدَهم نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في نَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ إسْقاطَ كِسَفٍ، مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ صادِقًا، فادْفَعِ الَّذِي أرْسَلَكَ أنْ يُسْقِطَ عَلَيْنا كِسَفًا، أيْ قِطْعَةً، أوْ قِطَعًا عَلى حَسَبِ التَّسْكِينِ والتَّحْرِيكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ، نَحْوَ: قِطَعٍ وشِذَرٍ. وقِيلَ: الكِسَفُ والكِسْفَةُ، كالرِّيعِ والرِّيعَةُ، وهي القِطْعَةُ وكِسْفَةٌ: قِطْعَةٌ، والسَّماءُ: السَّحابُ أوِ المِظَلَّةُ. ودَلَّ طَلَبُهم ذَلِكَ عَلى التَّصْمِيمِ عَلى الجُحُودِ والتَّكْذِيبِ. ولَمّا طَلَبُوا مِنهُ ما طَلَبُوا، أحالَ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِكم، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العِقابِ، فَهو يُعاقِبُكم بِما شاءَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهو نَحْوٌ مِمّا اقْتَرَحُوا. ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ كَيْفِيَّةَ عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، حَتّى إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وذَكَرَ في حَدِيثِها تَطْوِيلاتٍ. فَرَوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا، فابْتُلُوا بِحَرٍّ عَظِيمٍ يَأْخُذُ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ، فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ، فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرْدًا ونَسِيمًا، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فَأمْطَرَتْ (p-٣٩)عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم. وكَرَّرَ ما كَرَّرَ في أوائِلِ هَذِهِ القَصَصِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ لا اخْتِلافَ فِيها، وهي الدُّعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ ورَفْضِ ما سِواهُ، وأنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُشْتَرِكُونَ في ذَلِكَ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ، وتِلْكَ عادَةُ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةً بِعَيْنِها، إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها ما كَرَّرَ ؟ (قُلْتُ): كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ، وفِيها مِنَ الِاعْتِبارِ مِثْلُ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ، إلى أنْ تُفْتَتَحَ بِمِثْلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا اخْتُتِمَتْ بِهِ، ولِأنَّ التَّكْرِيرَ تَقْرِيرٌ لِلْمَعانِي في النُّفُوسِ، وتَثْبِيتٌ لَها في الصُّدُورِ، ولِأنَّ هَذِهِ القَصَصَ طُرِقَتْ بِهَذا آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَأُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ.

الشعراء 26:187

﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ والَّتِي تَلِيها تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِتَقْوى اللَّهِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى مَن أوَجَدَهم وأوْجَدَ مَن قَبْلَهم، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أوْجَدَهم قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَهم ويُهْلِكَهم. وعَطَفَ عَلَيْهِمْ ﴿والجِبِلَّةَ﴾ إيذانًا بِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُصَيِّرُكم إلى ما صارَ إلَيْهِ أوَّلُوكم، فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والجِبِلَّةَ“ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وشَدِّ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَصِينٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّها والشَّدِّ لِلّامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”والجِبْلَةَ“، بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، وفي نُسْخَةٍ عَنْهُ: فَتْحُ الجِيمِ وسُكُونُ الباءِ، وهي مِن جُبِلُوا عَلى كَذا، أيْ خُلِقُوا. قِيلَ: وتَشْدِيدُ اللّامِ في القِراءَتَيْنِ في بِناءَيْنِ لِلْمُبالِغَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الجِبِلَّةُ: عَشَرَةُ آلافٍ. (وما أنْتَ) جاءَ هُنا بِالواوِ، وفي قِصَّةِ هُودٍ: (ما أنْتَ) بِغَيْرِ واوٍ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ، كِلاهُما مُخالِفٌ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهم، التَّسْحِيرُ والبَشَرِيَّةُ، وأنَّ الرَّسُولَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَحَّرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَشَرًا، وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قَرَّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا. انْتَهى. ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمِنَ“ هي الفارِقَةُ، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، فَـ ”إنْ“ عِنْدَهم نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في نَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ إسْقاطَ كِسَفٍ، مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ صادِقًا، فادْفَعِ الَّذِي أرْسَلَكَ أنْ يُسْقِطَ عَلَيْنا كِسَفًا، أيْ قِطْعَةً، أوْ قِطَعًا عَلى حَسَبِ التَّسْكِينِ والتَّحْرِيكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ، نَحْوَ: قِطَعٍ وشِذَرٍ. وقِيلَ: الكِسَفُ والكِسْفَةُ، كالرِّيعِ والرِّيعَةُ، وهي القِطْعَةُ وكِسْفَةٌ: قِطْعَةٌ، والسَّماءُ: السَّحابُ أوِ المِظَلَّةُ. ودَلَّ طَلَبُهم ذَلِكَ عَلى التَّصْمِيمِ عَلى الجُحُودِ والتَّكْذِيبِ. ولَمّا طَلَبُوا مِنهُ ما طَلَبُوا، أحالَ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِكم، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العِقابِ، فَهو يُعاقِبُكم بِما شاءَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهو نَحْوٌ مِمّا اقْتَرَحُوا. ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ كَيْفِيَّةَ عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، حَتّى إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وذَكَرَ في حَدِيثِها تَطْوِيلاتٍ. فَرَوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا، فابْتُلُوا بِحَرٍّ عَظِيمٍ يَأْخُذُ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ، فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ، فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرْدًا ونَسِيمًا، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فَأمْطَرَتْ (p-٣٩)عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم. وكَرَّرَ ما كَرَّرَ في أوائِلِ هَذِهِ القَصَصِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ لا اخْتِلافَ فِيها، وهي الدُّعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ ورَفْضِ ما سِواهُ، وأنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُشْتَرِكُونَ في ذَلِكَ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ، وتِلْكَ عادَةُ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةً بِعَيْنِها، إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها ما كَرَّرَ ؟ (قُلْتُ): كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ، وفِيها مِنَ الِاعْتِبارِ مِثْلُ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ، إلى أنْ تُفْتَتَحَ بِمِثْلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا اخْتُتِمَتْ بِهِ، ولِأنَّ التَّكْرِيرَ تَقْرِيرٌ لِلْمَعانِي في النُّفُوسِ، وتَثْبِيتٌ لَها في الصُّدُورِ، ولِأنَّ هَذِهِ القَصَصَ طُرِقَتْ بِهَذا آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَأُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ.

الشعراء 26:188

﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ والَّتِي تَلِيها تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِتَقْوى اللَّهِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى مَن أوَجَدَهم وأوْجَدَ مَن قَبْلَهم، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أوْجَدَهم قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَهم ويُهْلِكَهم. وعَطَفَ عَلَيْهِمْ ﴿والجِبِلَّةَ﴾ إيذانًا بِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُصَيِّرُكم إلى ما صارَ إلَيْهِ أوَّلُوكم، فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والجِبِلَّةَ“ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وشَدِّ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَصِينٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّها والشَّدِّ لِلّامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”والجِبْلَةَ“، بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، وفي نُسْخَةٍ عَنْهُ: فَتْحُ الجِيمِ وسُكُونُ الباءِ، وهي مِن جُبِلُوا عَلى كَذا، أيْ خُلِقُوا. قِيلَ: وتَشْدِيدُ اللّامِ في القِراءَتَيْنِ في بِناءَيْنِ لِلْمُبالِغَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الجِبِلَّةُ: عَشَرَةُ آلافٍ. (وما أنْتَ) جاءَ هُنا بِالواوِ، وفي قِصَّةِ هُودٍ: (ما أنْتَ) بِغَيْرِ واوٍ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ، كِلاهُما مُخالِفٌ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهم، التَّسْحِيرُ والبَشَرِيَّةُ، وأنَّ الرَّسُولَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَحَّرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَشَرًا، وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قَرَّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا. انْتَهى. ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمِنَ“ هي الفارِقَةُ، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، فَـ ”إنْ“ عِنْدَهم نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في نَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ إسْقاطَ كِسَفٍ، مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ صادِقًا، فادْفَعِ الَّذِي أرْسَلَكَ أنْ يُسْقِطَ عَلَيْنا كِسَفًا، أيْ قِطْعَةً، أوْ قِطَعًا عَلى حَسَبِ التَّسْكِينِ والتَّحْرِيكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ، نَحْوَ: قِطَعٍ وشِذَرٍ. وقِيلَ: الكِسَفُ والكِسْفَةُ، كالرِّيعِ والرِّيعَةُ، وهي القِطْعَةُ وكِسْفَةٌ: قِطْعَةٌ، والسَّماءُ: السَّحابُ أوِ المِظَلَّةُ. ودَلَّ طَلَبُهم ذَلِكَ عَلى التَّصْمِيمِ عَلى الجُحُودِ والتَّكْذِيبِ. ولَمّا طَلَبُوا مِنهُ ما طَلَبُوا، أحالَ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِكم، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العِقابِ، فَهو يُعاقِبُكم بِما شاءَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهو نَحْوٌ مِمّا اقْتَرَحُوا. ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ كَيْفِيَّةَ عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، حَتّى إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وذَكَرَ في حَدِيثِها تَطْوِيلاتٍ. فَرَوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا، فابْتُلُوا بِحَرٍّ عَظِيمٍ يَأْخُذُ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ، فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ، فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرْدًا ونَسِيمًا، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فَأمْطَرَتْ (p-٣٩)عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم. وكَرَّرَ ما كَرَّرَ في أوائِلِ هَذِهِ القَصَصِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ لا اخْتِلافَ فِيها، وهي الدُّعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ ورَفْضِ ما سِواهُ، وأنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُشْتَرِكُونَ في ذَلِكَ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ، وتِلْكَ عادَةُ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةً بِعَيْنِها، إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها ما كَرَّرَ ؟ (قُلْتُ): كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ، وفِيها مِنَ الِاعْتِبارِ مِثْلُ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ، إلى أنْ تُفْتَتَحَ بِمِثْلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا اخْتُتِمَتْ بِهِ، ولِأنَّ التَّكْرِيرَ تَقْرِيرٌ لِلْمَعانِي في النُّفُوسِ، وتَثْبِيتٌ لَها في الصُّدُورِ، ولِأنَّ هَذِهِ القَصَصَ طُرِقَتْ بِهَذا آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَأُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ.

الشعراء 26:189

﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ والَّتِي تَلِيها تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِتَقْوى اللَّهِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى مَن أوَجَدَهم وأوْجَدَ مَن قَبْلَهم، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أوْجَدَهم قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَهم ويُهْلِكَهم. وعَطَفَ عَلَيْهِمْ ﴿والجِبِلَّةَ﴾ إيذانًا بِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُصَيِّرُكم إلى ما صارَ إلَيْهِ أوَّلُوكم، فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والجِبِلَّةَ“ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وشَدِّ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَصِينٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّها والشَّدِّ لِلّامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”والجِبْلَةَ“، بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، وفي نُسْخَةٍ عَنْهُ: فَتْحُ الجِيمِ وسُكُونُ الباءِ، وهي مِن جُبِلُوا عَلى كَذا، أيْ خُلِقُوا. قِيلَ: وتَشْدِيدُ اللّامِ في القِراءَتَيْنِ في بِناءَيْنِ لِلْمُبالِغَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الجِبِلَّةُ: عَشَرَةُ آلافٍ. (وما أنْتَ) جاءَ هُنا بِالواوِ، وفي قِصَّةِ هُودٍ: (ما أنْتَ) بِغَيْرِ واوٍ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ، كِلاهُما مُخالِفٌ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهم، التَّسْحِيرُ والبَشَرِيَّةُ، وأنَّ الرَّسُولَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَحَّرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَشَرًا، وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قَرَّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا. انْتَهى. ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمِنَ“ هي الفارِقَةُ، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، فَـ ”إنْ“ عِنْدَهم نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في نَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ إسْقاطَ كِسَفٍ، مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ صادِقًا، فادْفَعِ الَّذِي أرْسَلَكَ أنْ يُسْقِطَ عَلَيْنا كِسَفًا، أيْ قِطْعَةً، أوْ قِطَعًا عَلى حَسَبِ التَّسْكِينِ والتَّحْرِيكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ، نَحْوَ: قِطَعٍ وشِذَرٍ. وقِيلَ: الكِسَفُ والكِسْفَةُ، كالرِّيعِ والرِّيعَةُ، وهي القِطْعَةُ وكِسْفَةٌ: قِطْعَةٌ، والسَّماءُ: السَّحابُ أوِ المِظَلَّةُ. ودَلَّ طَلَبُهم ذَلِكَ عَلى التَّصْمِيمِ عَلى الجُحُودِ والتَّكْذِيبِ. ولَمّا طَلَبُوا مِنهُ ما طَلَبُوا، أحالَ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِكم، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العِقابِ، فَهو يُعاقِبُكم بِما شاءَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهو نَحْوٌ مِمّا اقْتَرَحُوا. ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ كَيْفِيَّةَ عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، حَتّى إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وذَكَرَ في حَدِيثِها تَطْوِيلاتٍ. فَرَوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا، فابْتُلُوا بِحَرٍّ عَظِيمٍ يَأْخُذُ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ، فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ، فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرْدًا ونَسِيمًا، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فَأمْطَرَتْ (p-٣٩)عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم. وكَرَّرَ ما كَرَّرَ في أوائِلِ هَذِهِ القَصَصِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ لا اخْتِلافَ فِيها، وهي الدُّعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ ورَفْضِ ما سِواهُ، وأنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُشْتَرِكُونَ في ذَلِكَ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ، وتِلْكَ عادَةُ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةً بِعَيْنِها، إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها ما كَرَّرَ ؟ (قُلْتُ): كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ، وفِيها مِنَ الِاعْتِبارِ مِثْلُ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ، إلى أنْ تُفْتَتَحَ بِمِثْلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا اخْتُتِمَتْ بِهِ، ولِأنَّ التَّكْرِيرَ تَقْرِيرٌ لِلْمَعانِي في النُّفُوسِ، وتَثْبِيتٌ لَها في الصُّدُورِ، ولِأنَّ هَذِهِ القَصَصَ طُرِقَتْ بِهَذا آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَأُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ.

الشعراء 26:190

﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ والَّتِي تَلِيها تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِتَقْوى اللَّهِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى مَن أوَجَدَهم وأوْجَدَ مَن قَبْلَهم، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أوْجَدَهم قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَهم ويُهْلِكَهم. وعَطَفَ عَلَيْهِمْ ﴿والجِبِلَّةَ﴾ إيذانًا بِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُصَيِّرُكم إلى ما صارَ إلَيْهِ أوَّلُوكم، فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والجِبِلَّةَ“ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وشَدِّ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَصِينٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّها والشَّدِّ لِلّامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”والجِبْلَةَ“، بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، وفي نُسْخَةٍ عَنْهُ: فَتْحُ الجِيمِ وسُكُونُ الباءِ، وهي مِن جُبِلُوا عَلى كَذا، أيْ خُلِقُوا. قِيلَ: وتَشْدِيدُ اللّامِ في القِراءَتَيْنِ في بِناءَيْنِ لِلْمُبالِغَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الجِبِلَّةُ: عَشَرَةُ آلافٍ. (وما أنْتَ) جاءَ هُنا بِالواوِ، وفي قِصَّةِ هُودٍ: (ما أنْتَ) بِغَيْرِ واوٍ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ، كِلاهُما مُخالِفٌ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهم، التَّسْحِيرُ والبَشَرِيَّةُ، وأنَّ الرَّسُولَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَحَّرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَشَرًا، وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قَرَّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا. انْتَهى. ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمِنَ“ هي الفارِقَةُ، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، فَـ ”إنْ“ عِنْدَهم نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في نَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ إسْقاطَ كِسَفٍ، مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ صادِقًا، فادْفَعِ الَّذِي أرْسَلَكَ أنْ يُسْقِطَ عَلَيْنا كِسَفًا، أيْ قِطْعَةً، أوْ قِطَعًا عَلى حَسَبِ التَّسْكِينِ والتَّحْرِيكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ، نَحْوَ: قِطَعٍ وشِذَرٍ. وقِيلَ: الكِسَفُ والكِسْفَةُ، كالرِّيعِ والرِّيعَةُ، وهي القِطْعَةُ وكِسْفَةٌ: قِطْعَةٌ، والسَّماءُ: السَّحابُ أوِ المِظَلَّةُ. ودَلَّ طَلَبُهم ذَلِكَ عَلى التَّصْمِيمِ عَلى الجُحُودِ والتَّكْذِيبِ. ولَمّا طَلَبُوا مِنهُ ما طَلَبُوا، أحالَ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِكم، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العِقابِ، فَهو يُعاقِبُكم بِما شاءَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهو نَحْوٌ مِمّا اقْتَرَحُوا. ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ كَيْفِيَّةَ عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، حَتّى إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وذَكَرَ في حَدِيثِها تَطْوِيلاتٍ. فَرَوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا، فابْتُلُوا بِحَرٍّ عَظِيمٍ يَأْخُذُ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ، فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ، فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرْدًا ونَسِيمًا، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فَأمْطَرَتْ (p-٣٩)عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم. وكَرَّرَ ما كَرَّرَ في أوائِلِ هَذِهِ القَصَصِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ لا اخْتِلافَ فِيها، وهي الدُّعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ ورَفْضِ ما سِواهُ، وأنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُشْتَرِكُونَ في ذَلِكَ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ، وتِلْكَ عادَةُ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةً بِعَيْنِها، إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها ما كَرَّرَ ؟ (قُلْتُ): كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ، وفِيها مِنَ الِاعْتِبارِ مِثْلُ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ، إلى أنْ تُفْتَتَحَ بِمِثْلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا اخْتُتِمَتْ بِهِ، ولِأنَّ التَّكْرِيرَ تَقْرِيرٌ لِلْمَعانِي في النُّفُوسِ، وتَثْبِيتٌ لَها في الصُّدُورِ، ولِأنَّ هَذِهِ القَصَصَ طُرِقَتْ بِهَذا آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَأُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ.

الشعراء 26:191

﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ الجُمْلَةُ والَّتِي تَلِيها تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما. ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِتَقْوى اللَّهِ، أمَرَهم ثانِيًا بِتَقْوى مَن أوَجَدَهم وأوْجَدَ مَن قَبْلَهم، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أوْجَدَهم قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَهم ويُهْلِكَهم. وعَطَفَ عَلَيْهِمْ ﴿والجِبِلَّةَ﴾ إيذانًا بِذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُصَيِّرُكم إلى ما صارَ إلَيْهِ أوَّلُوكم، فاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”والجِبِلَّةَ“ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وشَدِّ اللّامِ. وقَرَأ أبُو حَصِينٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّها والشَّدِّ لِلّامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”والجِبْلَةَ“، بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، وفي نُسْخَةٍ عَنْهُ: فَتْحُ الجِيمِ وسُكُونُ الباءِ، وهي مِن جُبِلُوا عَلى كَذا، أيْ خُلِقُوا. قِيلَ: وتَشْدِيدُ اللّامِ في القِراءَتَيْنِ في بِناءَيْنِ لِلْمُبالِغَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الجِبِلَّةُ: عَشَرَةُ آلافٍ. (وما أنْتَ) جاءَ هُنا بِالواوِ، وفي قِصَّةِ هُودٍ: (ما أنْتَ) بِغَيْرِ واوٍ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ، كِلاهُما مُخالِفٌ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهم، التَّسْحِيرُ والبَشَرِيَّةُ، وأنَّ الرَّسُولَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَحَّرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَشَرًا، وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قَرَّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا. انْتَهى. ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في ”لَمِنَ“ هي الفارِقَةُ، خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، فَـ ”إنْ“ عِنْدَهم نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في نَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ. ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ إسْقاطَ كِسَفٍ، مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ صادِقًا، فادْفَعِ الَّذِي أرْسَلَكَ أنْ يُسْقِطَ عَلَيْنا كِسَفًا، أيْ قِطْعَةً، أوْ قِطَعًا عَلى حَسَبِ التَّسْكِينِ والتَّحْرِيكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ، نَحْوَ: قِطَعٍ وشِذَرٍ. وقِيلَ: الكِسَفُ والكِسْفَةُ، كالرِّيعِ والرِّيعَةُ، وهي القِطْعَةُ وكِسْفَةٌ: قِطْعَةٌ، والسَّماءُ: السَّحابُ أوِ المِظَلَّةُ. ودَلَّ طَلَبُهم ذَلِكَ عَلى التَّصْمِيمِ عَلى الجُحُودِ والتَّكْذِيبِ. ولَمّا طَلَبُوا مِنهُ ما طَلَبُوا، أحالَ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ هو العالِمُ بِأعْمالِكم، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العِقابِ، فَهو يُعاقِبُكم بِما شاءَ. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهو نَحْوٌ مِمّا اقْتَرَحُوا. ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ كَيْفِيَّةَ عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، حَتّى إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وذَكَرَ في حَدِيثِها تَطْوِيلاتٍ. فَرَوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا، فابْتُلُوا بِحَرٍّ عَظِيمٍ يَأْخُذُ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ، فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ، فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرْدًا ونَسِيمًا، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فَأمْطَرَتْ (p-٣٩)عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم. وكَرَّرَ ما كَرَّرَ في أوائِلِ هَذِهِ القَصَصِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ لا اخْتِلافَ فِيها، وهي الدُّعاءُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ ورَفْضِ ما سِواهُ، وأنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُشْتَرِكُونَ في ذَلِكَ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ، وتِلْكَ عادَةُ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةً بِعَيْنِها، إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها ما كَرَّرَ ؟ (قُلْتُ): كُلُّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ، وفِيها مِنَ الِاعْتِبارِ مِثْلُ ما في غَيْرِها. فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ، إلى أنْ تُفْتَتَحَ بِمِثْلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها، وأنْ تُخْتَتَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا اخْتُتِمَتْ بِهِ، ولِأنَّ التَّكْرِيرَ تَقْرِيرٌ لِلْمَعانِي في النُّفُوسِ، وتَثْبِيتٌ لَها في الصُّدُورِ، ولِأنَّ هَذِهِ القَصَصَ طُرِقَتْ بِهَذا آذانٌ وُقْرٌ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ، وقُلُوبٌ غُلْفٌ عَنْ تَدَبُّرِهِ، فَأُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ.

الشعراء 26:192

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ . (p-٤٠)الضَّمِيرُ في: (وإنَّهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، بَلْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ عادَ أيْضًا إلى ما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الذِّكْرِ، لِيَتَناسَبَ المُفْتَتَحُ والمُخْتَتَمُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ مَرْفُوعانِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّشْدِيدِ ونَصْبِهِما. والرُّوحُ هُنا: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الرُّوحُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] . انْتَهى. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ و(لِتَكُونَ) بِـ ”نَزَلَ“، وخَصَّ القَلْبَ، والمَعْنى عَلَيْكَ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الوَعْيِ والتَّثْبِيتِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلى قَلْبِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَحْفُوظٌ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ ولا التَّغْيِيرُ، ولِيَكُونَ عِلَّةً في التَّنْزِيلِ أوِ النُّزُولِ اقْتَصَرَ عَلَيْها، لِأنَّ ذَلِكَ أزْجَرُ لِلسّامِعِ، وإنْ كانَ القُرْآنُ نَزَلَ لِلْإنْذارِ والتَّبْشِيرِ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِلِسانٍ) بِـ ”نَزَلَ“، فَكانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو القَوْلُ الصَّحِيحُ: وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَّوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعِجْلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ. ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (لِتَكُونَ) وتَمَسَّكَ بِهَذا مَن رَأى النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْمَعُ أحْيانًا مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، يَتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ، وهو مَرْدُودٌ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِلِسانٍ) إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ -؛ وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”نَزَلَ“، فَيَكُونَ المَعْنى: نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ لِتُنْذِرَ بِهِ، لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ، لَتَجافَوْا عَنْهُ أصْلًا، وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ ؟ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ. وفي هَذا الوَجْهِ، إنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ، تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ. ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا، لَكانَ نازلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها ولا تَعِيها، وقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عارِفًا بِعِدَّةِ لُغاتٍ، فَإذا كُلِّمَ بِلُغَتِها الَّتِي لُقِّنَها أوَّلًا ونَشَأ عَلَيْها وتَطَبَّعَ بِها، لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ إلّا إلى مَعانِي تِلْكَ الكَلِمِ يَتَلَقّاها بِقَلْبِهِ، ولا يَكادُ يَفْطَنُ لِلْألْفاظِ كَيْفَ جَرَتْ. وإنْ كُلِّمَ بِغَيْرِ تِلْكَ اللُّغَةِ، وإنْ كانَ ماهِرًا بِمَعْرِفَتِها، كانَ نَظَرُهُ أوَّلًا في ألْفاظِها، ثُمَّ في مَعانِيها. فَهَذا تَقْرِيرٌ أنَّهُ نَزَلَ عَلى قَلْبِهِ لِنُزُولِهِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. انْتَهى. وفِيهِ تَطْوِيلٌ. وإنَّهُ، أيِ القُرْآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ، مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ مُشارٌ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ مَعانِيَهُ فِيها، وبِهِ يُحْتَجُّ لِأبِي حَنِيفَةَ في جَوازِ القِراءَةِ بِالفارِسِيَّةِ في الصَّلاةِ، عَلى (p-٤١)أنَّ القُرْآنَ قُرْآنٌ إذا تُرْجِمَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ لِكَوْنِ مَعانِيهِ فِيها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ إنَّ ذِكْرَهُ ورِسالَتَهُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، يَكُونُ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، وكَذَلِكَ قِيلَ في أنْ يُعْلِمَهُ، أيْ أنْ يُعْلِمَ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِشَيْءٍ واحِدٍ أوْضَحُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: لَفي زُبْرِ، بِسُكُونِ الباءِ، والأصْلُ الضَّمُّ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرَهُ كَوْنُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، أيْ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلامَةٌ عَلى صِحَّتِهِ عِلْمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ ؟ إذْ كانَتْ قُرَيْشٌ تَرْجِعُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ويَسْألُونَهم عَنْها ويَقُولُونَ: هم أصْحابُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وقَدْ تَهَوَّدَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ، لِاعْتِقادِهِمْ في صِحَّةِ دِينِهِمْ. وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا نَعْتَهُ، وخَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةً. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ. ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ونَحْوُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنهم أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ تَعالى: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ [القصص: ٥٣] الآيَةَ. وقِيلَ: عُلَماؤُهم مَن أسْلَمَ مِنهم ومَن لَمْ يُسْلِمْ. وقِيلَ: أنْبِياؤُهم، حَيْثُ نَبَّهُوا عَلَيْهِ وأخْبَرُوا بِصِفَتِهِ وزَمانِهِ ومَكانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتُ (آيَةً) بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ الإعْرابِ تَوَسَّطَ خَبَرُ يَكُنْ، و﴿أنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الِاسْمُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والجَحْدَرِيُّ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةٌ“: بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا، وأنْ يَعْلَمَهُ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، وقَدْ خُرِّجَ لَها وجْهٌ آخَرُ لِيُتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ: في تَكُنْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، و”آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ“ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ ”لَهم آيَةً“ جُمْلَةُ الشَّأْنِ، و”أنْ يَعْلَمَهُ“ بَدَلًا مِن ”آيَةً“ . انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةً“ بِالنَّصْبِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ثُمَّ (لَمْ تَكُنْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] بِالنَّصْبِ، إلّا أنْ قالُوا، وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ: ؎فَمَضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً مِنهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقْدامُها ودَلَّ ذَلِكَ إمّا عَلى تَأْنِيثِ الِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإمّا لِتَأْوِيلِ ”أنْ يَعْلَمَهُ“ بِالمَعْرِفَةِ، وتَأْوِيلِ (إلّا أنْ قالُوا) بِالمَقالَةِ، وتَأْوِيلِ الإقْدامِ بِالإقْدامَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ”أنْ تَعْلَمَهُ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎قالَتْ بَنُو عامِرٍ خالُوا بَنِي أسَدٍ ∗∗∗ يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرّارًا لِأقْوامِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ: ”عُلَمَؤُا“ بِواوٍ بَيْنَ المِيمِ والألِفِ. قِيلَ: عَلى لُغَةِ مَن يُمِيلُ ألِفَ ”عُلَمَؤُا“ إلى الواوِ، كَما كَتَبُوا ”الصَّلَوةَ والزَّكَوةَ والرِّبَوا“ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأعْجَمِي الَّذِي لا يُفْصِحُ، وفي لِسانِهِ عُجْمَةٌ واسْتِعْجامٌ، والأعْجَمِيُّ مِثْلُهُ إلّا أنَّ فِيهِ لِزِيادَةِ ياءِ النِّسْبَةِ زِيادَةَ تَوْكِيدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمَ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيَّ النَّسَبِ يُقالُ لَهُ أعْجَمُ، وذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» . وأسْنَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: ”جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما كانُوا يُؤْمِنُونَ“ . والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نِسْبَتُهُ في العَجَمِ، وإنْ كانَ أفْصَحَ النّاسِ. انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ: ﴿الأعْجَمِينَ﴾ جَمْعُ أعْجَمَ عَلى التَّخْفِيفِ، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ. قِيلَ: والمَعْنى ولَوْ نَزَّلْناهُ بِلُغَةِ العَجَمِ عَلى رَجُلٍ أعْجَمِيٍّ فَقَرَأهُ عَلى العَرَبِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، حَيْثُ لَمْ يَفْهَمُوهُ، واسْتَنْكَفُوا مِنَ اتِّباعِهِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَّلْنا القُرْآنَ (p-٤٢)عَلى بَعْضِ العَجَمِ مِنَ الدَّوابِّ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا، لِعِنادِهِمْ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] الآيَةَ، وجُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ، لِأنَّهُ وُصِفَ بِالإنْزالِ عَلَيْهِ والقِراءَةِ، وهو فِعْلُ العُقَلاءِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ البَهائِمِ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ تُؤْمِنِ البَهائِمُ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ لِأنَّهم: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] انْتَهى. ولَمّا بَيَّنَ بِما تَقَدَّمَ، مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وأنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وكانَ في ذَلِكَ دَلِيلانِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تُجْدِي فِيهِمُ الدَّلائِلُ. ألا تَرى نُزُولَهُ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ، وسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وأدْرَكُوا إعْجازَهُ وتَصْدِيقَ كُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ لَهُ، ومَعَ ذَلِكَ جَحَدُوا وسَمَّوْهُ تارَةً شِعْرًا وتارَةً سِحْرًا ؟ ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، لَكَفَرُوا بِهِ وتَمَحَّلُوا بِجُحُودِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الأعْجَمِينَ جَمْعُ أعْجَمَ أوْ أعْجَمِيٍّ، عَلى حَذْفِ ياءِ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرِينَ، وواحِدُهم أشْعَرِيٌّ. وقالَ ابْنُ الجَهْمِ: قالَ الكُمَيْتُ: ؎ولَوْ جَهَّزْتُ قافِيَةً شَرُودًا ∗∗∗ لَقَدْ دَخَلَتْ بُيُوتَ الأشْعَرَيْنا انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: ”الأعْجَمِيِّينَ“، بِياءِ النَّسَبِ: جَمْعُ أعْجَمِيٍّ. والضَّمِيرُ في ﴿سَلَكْناهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ. قِيلَ: وهو القُرْآنُ، وقالَهُ الرُّمّانِيُّ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ، وهو الإدْخالُ والتَّمْكِينُ والتَّفْهِيمُ لِمَعانِيهِ. ﴿سَلَكْناهُ﴾ أدْخَلْناهُ ومَكَّنّاهُ في ﴿قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ . والمَعْنى: ما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ السَّلْكِ مِن كَوْنِهِمْ فَهِمُوهُ وأدْرَكُوهُ، ولَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا عِنادًا وجُحُودًا وكُفْرًا بِهِ، أيْ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ، كَما وضَعْناهُ فِيها. فَكَيْفَ ما يُرامُ إيمانُهم بِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ؟ وأعْماهم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والجُحُودِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: أدْخَلْناهُ فِيها، فَعَرَفُوا مَعانِيَهُ، وعَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وقالَ يَحْيَـى بْنُ سَلّامٍ: الضَّمِيرُ في سَلَكْناهُ يَعُودُ عَلى التَّكْذِيبِ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ. انْتَهى. ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَلَكْناهُ، أيِ القَسْوَةَ، وأسْنَدَ السَّلْكَ - تَعالى - إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُوجِدُ الأشْياءِ حَقِيقَةً، وهو الهادِي وخالِقُ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ أسْنَدَ السَّلْكَ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ إلى ذاتِهِ ؟ (قُلْتُ): أرادَ بِهِ الدَّلالَةَ عَلى تَمَكُّنِهِ مُكَذَّبًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمْكِينِ وأثْبَتَهُ، فَجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ أمْرٍ قَدْ جُبِلُوا عَلَيْهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: هو مَجْبُولٌ عَلى الشُّحِّ ؟ يُرِيدُونَ تَمَكُّنَ الشُّحِّ فِيهِ، لِأنَّ الأُمُورَ الخِلْقِيَّةَ أثْبَتُ مِنَ العارِضَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أسْنَدَ تَرْكَ الإيمانِ بِهِ إلَيْهِمْ عَلى عَقِبِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ والتَّشْبِيهِ بَيْنَ السَّلْكَيْنِ، يَقْتَضِي تَغايُرَ مَن حَلَّ بِهِ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ في قُلُوبِ قُرَيْشٍ، سَلَكْناهُ في قُلُوبِ مَن أجْرَمَ، لِاشْتِراكِهِما في عِلَّةِ السَّلْكِ وهو الإجْرامُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ بِهِمْ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ إنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ، أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، وكَشْفُ الغَيْبِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ (قُلْتُ): مَوْقِعُهُ مِنهُ مَوْقِعُ المُوَضِّحِ والمُلَخِّصِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِثَباتِهِ، مُكَذَّبًا مَجْحُودًا في قُلُوبِهِمْ، فَأُتْبِعَ بِما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ وجُحُودِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ. انْتَهى. ورُؤْيَتُهُمُ العَذابَ، قِيلَ: في الدُّنْيا، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ بِياءٍ، أيِ العَذابُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أنَّثَ عَلى مَعْنى العَذابِ لِأنَّهُ العُقُوبَةُ، أيْ فَتَأْتِيَهُمُ العُقُوبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ: أتَتْهُ (p-٤٣)كِتابِي، فَلَمّا سُئِلَ قالَ: أوْ لَيْسَ بِصَحِيفَةٍ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَأْتِيَهم بِالتّاءِ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: أنَّثَ العَذابَ لِاشْتِمالِهِ عَلى السّاعَةِ، فاكْتَسى مِنها التَّأْنِيثَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَذابَ القِيامَةِ تَكْذِيبًا بِها، فَلِذَلِكَ أُنِّثَ. ولا يَكْتَسِي المُذَكَّرُ مِنَ المُؤَنَّثِ تَأْنِيثًا إلّا إنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ نَحْوَ: اجْتَمَعَتْ أهْلُ اليَمامَةِ، وقُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ، وشَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”بَغَتَةً“، بِفَتْحِ الغَيْنِ، ”فَتَأْتِيَهِمْ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] (قُلْتُ): لَيْسَ المَعْنى يُرادُ بِرُؤْيَةِ العَذابِ ومُفاجَأتِهِ وسُؤالِ النَّظِرَةِ فِيهِ الوُجُودُ، وإنَّما المَعْنى تَرَتُّبُها في الشِّدَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ حَتّى تَكُونَ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ مِمّا هو أشَدُّ مِنها، وهو لُحُوقُهُ بِهِمْ مُفاجَأةً مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ، وهو سُؤالُهُمُ النَّظِرَةَ. ومِثْلُ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنْ أسَأْتَ مَقَتَكَ الصّالِحُونَ، فَمَقَتَكَ اللَّهُ، فَإنَّكَ لا تَقْصِدُ بِهَذا التَّرْتِيبِ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ يُوجَدُ عَقِيبَ مَقْتِ الصّالِحِينَ، وإنَّما قَصْدُكَ إلى تَرْتِيبِ شِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُسِيءِ، وأنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ الإساءَةِ مَقْتُ الصّالِحِينَ. فَما هو أشَدُّ مِن مَقْتِهِمْ ؟ وهو مَقْتُ اللَّهِ. ويُرى، ثُمَّ يَقَعُ هَذا في هَذا الأُسْلُوبِ، فَيَحِلُّ مَوْقِعَهُ. انْتَهى. (فَيَقُولُوا) أيْ كُلُّ أُمَّةٍ مُعَذَّبَةٍ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَّمَنِّي مِنهم والرَّغْبَةِ حَيْثُ لا تَنْفَعُ الرَّغْبَةُ. ثُمَّ رَجَعَ لَفْظُ الآيَةِ إلى تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللَّهِ في طَلَبِهِمْ سُقُوطَ السَّماءِ كِسَفًا وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ: أيْنَ ما تَعِدُنا بِهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِإنْكارِهِ وتَهَكُّمٌ، ومَعْناهُ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ - مِن جِنْسِ ما هو فِيهِ اليَوْمَ - مِنَ النَّظِرَةِ والإمْهالِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ إلَيْها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ تَوْبِيخٍ، يُوَبَّخُونَ بِهِ عِنْدَ اسْتِنْظارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ويَسْتَعْجِلُونَ هَذا عَلى الوَجْهِ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ووَجْهٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إمّا كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طَوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ. فَقالَ عَزَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؟ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتَّكالًا عَلىَ الأمَلِ الطَّوِيلِ ؟ ثُمَّ قالَ: وهَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمَتُّعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ، فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ، ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ ؟ انْتَهى. وقِيلَ: أتْبَعَ قَوْلَهُ: ”فَتَأْتِيَهِمْ بَغْتَةً“ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةِ. ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ إلَيْهِ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا. وقِيلَ: يَطْلُبُونَ الرَّجْعَةَ حِين يَبْغَتُهم عَذابُ السّاعَةِ، فَلا يُجابُونَ إلَيْها.

الشعراء 26:193

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ . (p-٤٠)الضَّمِيرُ في: (وإنَّهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، بَلْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ عادَ أيْضًا إلى ما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الذِّكْرِ، لِيَتَناسَبَ المُفْتَتَحُ والمُخْتَتَمُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ مَرْفُوعانِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّشْدِيدِ ونَصْبِهِما. والرُّوحُ هُنا: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الرُّوحُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] . انْتَهى. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ و(لِتَكُونَ) بِـ ”نَزَلَ“، وخَصَّ القَلْبَ، والمَعْنى عَلَيْكَ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الوَعْيِ والتَّثْبِيتِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلى قَلْبِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَحْفُوظٌ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ ولا التَّغْيِيرُ، ولِيَكُونَ عِلَّةً في التَّنْزِيلِ أوِ النُّزُولِ اقْتَصَرَ عَلَيْها، لِأنَّ ذَلِكَ أزْجَرُ لِلسّامِعِ، وإنْ كانَ القُرْآنُ نَزَلَ لِلْإنْذارِ والتَّبْشِيرِ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِلِسانٍ) بِـ ”نَزَلَ“، فَكانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو القَوْلُ الصَّحِيحُ: وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَّوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعِجْلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ. ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (لِتَكُونَ) وتَمَسَّكَ بِهَذا مَن رَأى النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْمَعُ أحْيانًا مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، يَتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ، وهو مَرْدُودٌ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِلِسانٍ) إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ -؛ وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”نَزَلَ“، فَيَكُونَ المَعْنى: نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ لِتُنْذِرَ بِهِ، لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ، لَتَجافَوْا عَنْهُ أصْلًا، وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ ؟ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ. وفي هَذا الوَجْهِ، إنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ، تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ. ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا، لَكانَ نازلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها ولا تَعِيها، وقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عارِفًا بِعِدَّةِ لُغاتٍ، فَإذا كُلِّمَ بِلُغَتِها الَّتِي لُقِّنَها أوَّلًا ونَشَأ عَلَيْها وتَطَبَّعَ بِها، لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ إلّا إلى مَعانِي تِلْكَ الكَلِمِ يَتَلَقّاها بِقَلْبِهِ، ولا يَكادُ يَفْطَنُ لِلْألْفاظِ كَيْفَ جَرَتْ. وإنْ كُلِّمَ بِغَيْرِ تِلْكَ اللُّغَةِ، وإنْ كانَ ماهِرًا بِمَعْرِفَتِها، كانَ نَظَرُهُ أوَّلًا في ألْفاظِها، ثُمَّ في مَعانِيها. فَهَذا تَقْرِيرٌ أنَّهُ نَزَلَ عَلى قَلْبِهِ لِنُزُولِهِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. انْتَهى. وفِيهِ تَطْوِيلٌ. وإنَّهُ، أيِ القُرْآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ، مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ مُشارٌ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ مَعانِيَهُ فِيها، وبِهِ يُحْتَجُّ لِأبِي حَنِيفَةَ في جَوازِ القِراءَةِ بِالفارِسِيَّةِ في الصَّلاةِ، عَلى (p-٤١)أنَّ القُرْآنَ قُرْآنٌ إذا تُرْجِمَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ لِكَوْنِ مَعانِيهِ فِيها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ إنَّ ذِكْرَهُ ورِسالَتَهُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، يَكُونُ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، وكَذَلِكَ قِيلَ في أنْ يُعْلِمَهُ، أيْ أنْ يُعْلِمَ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِشَيْءٍ واحِدٍ أوْضَحُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: لَفي زُبْرِ، بِسُكُونِ الباءِ، والأصْلُ الضَّمُّ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرَهُ كَوْنُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، أيْ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلامَةٌ عَلى صِحَّتِهِ عِلْمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ ؟ إذْ كانَتْ قُرَيْشٌ تَرْجِعُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ويَسْألُونَهم عَنْها ويَقُولُونَ: هم أصْحابُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وقَدْ تَهَوَّدَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ، لِاعْتِقادِهِمْ في صِحَّةِ دِينِهِمْ. وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا نَعْتَهُ، وخَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةً. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ. ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ونَحْوُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنهم أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ تَعالى: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ [القصص: ٥٣] الآيَةَ. وقِيلَ: عُلَماؤُهم مَن أسْلَمَ مِنهم ومَن لَمْ يُسْلِمْ. وقِيلَ: أنْبِياؤُهم، حَيْثُ نَبَّهُوا عَلَيْهِ وأخْبَرُوا بِصِفَتِهِ وزَمانِهِ ومَكانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتُ (آيَةً) بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ الإعْرابِ تَوَسَّطَ خَبَرُ يَكُنْ، و﴿أنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الِاسْمُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والجَحْدَرِيُّ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةٌ“: بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا، وأنْ يَعْلَمَهُ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، وقَدْ خُرِّجَ لَها وجْهٌ آخَرُ لِيُتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ: في تَكُنْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، و”آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ“ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ ”لَهم آيَةً“ جُمْلَةُ الشَّأْنِ، و”أنْ يَعْلَمَهُ“ بَدَلًا مِن ”آيَةً“ . انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةً“ بِالنَّصْبِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ثُمَّ (لَمْ تَكُنْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] بِالنَّصْبِ، إلّا أنْ قالُوا، وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ: ؎فَمَضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً مِنهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقْدامُها ودَلَّ ذَلِكَ إمّا عَلى تَأْنِيثِ الِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإمّا لِتَأْوِيلِ ”أنْ يَعْلَمَهُ“ بِالمَعْرِفَةِ، وتَأْوِيلِ (إلّا أنْ قالُوا) بِالمَقالَةِ، وتَأْوِيلِ الإقْدامِ بِالإقْدامَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ”أنْ تَعْلَمَهُ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎قالَتْ بَنُو عامِرٍ خالُوا بَنِي أسَدٍ ∗∗∗ يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرّارًا لِأقْوامِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ: ”عُلَمَؤُا“ بِواوٍ بَيْنَ المِيمِ والألِفِ. قِيلَ: عَلى لُغَةِ مَن يُمِيلُ ألِفَ ”عُلَمَؤُا“ إلى الواوِ، كَما كَتَبُوا ”الصَّلَوةَ والزَّكَوةَ والرِّبَوا“ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأعْجَمِي الَّذِي لا يُفْصِحُ، وفي لِسانِهِ عُجْمَةٌ واسْتِعْجامٌ، والأعْجَمِيُّ مِثْلُهُ إلّا أنَّ فِيهِ لِزِيادَةِ ياءِ النِّسْبَةِ زِيادَةَ تَوْكِيدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمَ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيَّ النَّسَبِ يُقالُ لَهُ أعْجَمُ، وذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» . وأسْنَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: ”جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما كانُوا يُؤْمِنُونَ“ . والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نِسْبَتُهُ في العَجَمِ، وإنْ كانَ أفْصَحَ النّاسِ. انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ: ﴿الأعْجَمِينَ﴾ جَمْعُ أعْجَمَ عَلى التَّخْفِيفِ، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ. قِيلَ: والمَعْنى ولَوْ نَزَّلْناهُ بِلُغَةِ العَجَمِ عَلى رَجُلٍ أعْجَمِيٍّ فَقَرَأهُ عَلى العَرَبِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، حَيْثُ لَمْ يَفْهَمُوهُ، واسْتَنْكَفُوا مِنَ اتِّباعِهِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَّلْنا القُرْآنَ (p-٤٢)عَلى بَعْضِ العَجَمِ مِنَ الدَّوابِّ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا، لِعِنادِهِمْ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] الآيَةَ، وجُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ، لِأنَّهُ وُصِفَ بِالإنْزالِ عَلَيْهِ والقِراءَةِ، وهو فِعْلُ العُقَلاءِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ البَهائِمِ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ تُؤْمِنِ البَهائِمُ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ لِأنَّهم: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] انْتَهى. ولَمّا بَيَّنَ بِما تَقَدَّمَ، مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وأنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وكانَ في ذَلِكَ دَلِيلانِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تُجْدِي فِيهِمُ الدَّلائِلُ. ألا تَرى نُزُولَهُ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ، وسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وأدْرَكُوا إعْجازَهُ وتَصْدِيقَ كُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ لَهُ، ومَعَ ذَلِكَ جَحَدُوا وسَمَّوْهُ تارَةً شِعْرًا وتارَةً سِحْرًا ؟ ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، لَكَفَرُوا بِهِ وتَمَحَّلُوا بِجُحُودِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الأعْجَمِينَ جَمْعُ أعْجَمَ أوْ أعْجَمِيٍّ، عَلى حَذْفِ ياءِ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرِينَ، وواحِدُهم أشْعَرِيٌّ. وقالَ ابْنُ الجَهْمِ: قالَ الكُمَيْتُ: ؎ولَوْ جَهَّزْتُ قافِيَةً شَرُودًا ∗∗∗ لَقَدْ دَخَلَتْ بُيُوتَ الأشْعَرَيْنا انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: ”الأعْجَمِيِّينَ“، بِياءِ النَّسَبِ: جَمْعُ أعْجَمِيٍّ. والضَّمِيرُ في ﴿سَلَكْناهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ. قِيلَ: وهو القُرْآنُ، وقالَهُ الرُّمّانِيُّ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ، وهو الإدْخالُ والتَّمْكِينُ والتَّفْهِيمُ لِمَعانِيهِ. ﴿سَلَكْناهُ﴾ أدْخَلْناهُ ومَكَّنّاهُ في ﴿قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ . والمَعْنى: ما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ السَّلْكِ مِن كَوْنِهِمْ فَهِمُوهُ وأدْرَكُوهُ، ولَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا عِنادًا وجُحُودًا وكُفْرًا بِهِ، أيْ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ، كَما وضَعْناهُ فِيها. فَكَيْفَ ما يُرامُ إيمانُهم بِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ؟ وأعْماهم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والجُحُودِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: أدْخَلْناهُ فِيها، فَعَرَفُوا مَعانِيَهُ، وعَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وقالَ يَحْيَـى بْنُ سَلّامٍ: الضَّمِيرُ في سَلَكْناهُ يَعُودُ عَلى التَّكْذِيبِ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ. انْتَهى. ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَلَكْناهُ، أيِ القَسْوَةَ، وأسْنَدَ السَّلْكَ - تَعالى - إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُوجِدُ الأشْياءِ حَقِيقَةً، وهو الهادِي وخالِقُ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ أسْنَدَ السَّلْكَ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ إلى ذاتِهِ ؟ (قُلْتُ): أرادَ بِهِ الدَّلالَةَ عَلى تَمَكُّنِهِ مُكَذَّبًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمْكِينِ وأثْبَتَهُ، فَجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ أمْرٍ قَدْ جُبِلُوا عَلَيْهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: هو مَجْبُولٌ عَلى الشُّحِّ ؟ يُرِيدُونَ تَمَكُّنَ الشُّحِّ فِيهِ، لِأنَّ الأُمُورَ الخِلْقِيَّةَ أثْبَتُ مِنَ العارِضَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أسْنَدَ تَرْكَ الإيمانِ بِهِ إلَيْهِمْ عَلى عَقِبِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ والتَّشْبِيهِ بَيْنَ السَّلْكَيْنِ، يَقْتَضِي تَغايُرَ مَن حَلَّ بِهِ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ في قُلُوبِ قُرَيْشٍ، سَلَكْناهُ في قُلُوبِ مَن أجْرَمَ، لِاشْتِراكِهِما في عِلَّةِ السَّلْكِ وهو الإجْرامُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ بِهِمْ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ إنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ، أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، وكَشْفُ الغَيْبِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ (قُلْتُ): مَوْقِعُهُ مِنهُ مَوْقِعُ المُوَضِّحِ والمُلَخِّصِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِثَباتِهِ، مُكَذَّبًا مَجْحُودًا في قُلُوبِهِمْ، فَأُتْبِعَ بِما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ وجُحُودِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ. انْتَهى. ورُؤْيَتُهُمُ العَذابَ، قِيلَ: في الدُّنْيا، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ بِياءٍ، أيِ العَذابُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أنَّثَ عَلى مَعْنى العَذابِ لِأنَّهُ العُقُوبَةُ، أيْ فَتَأْتِيَهُمُ العُقُوبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ: أتَتْهُ (p-٤٣)كِتابِي، فَلَمّا سُئِلَ قالَ: أوْ لَيْسَ بِصَحِيفَةٍ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَأْتِيَهم بِالتّاءِ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: أنَّثَ العَذابَ لِاشْتِمالِهِ عَلى السّاعَةِ، فاكْتَسى مِنها التَّأْنِيثَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَذابَ القِيامَةِ تَكْذِيبًا بِها، فَلِذَلِكَ أُنِّثَ. ولا يَكْتَسِي المُذَكَّرُ مِنَ المُؤَنَّثِ تَأْنِيثًا إلّا إنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ نَحْوَ: اجْتَمَعَتْ أهْلُ اليَمامَةِ، وقُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ، وشَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”بَغَتَةً“، بِفَتْحِ الغَيْنِ، ”فَتَأْتِيَهِمْ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] (قُلْتُ): لَيْسَ المَعْنى يُرادُ بِرُؤْيَةِ العَذابِ ومُفاجَأتِهِ وسُؤالِ النَّظِرَةِ فِيهِ الوُجُودُ، وإنَّما المَعْنى تَرَتُّبُها في الشِّدَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ حَتّى تَكُونَ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ مِمّا هو أشَدُّ مِنها، وهو لُحُوقُهُ بِهِمْ مُفاجَأةً مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ، وهو سُؤالُهُمُ النَّظِرَةَ. ومِثْلُ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنْ أسَأْتَ مَقَتَكَ الصّالِحُونَ، فَمَقَتَكَ اللَّهُ، فَإنَّكَ لا تَقْصِدُ بِهَذا التَّرْتِيبِ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ يُوجَدُ عَقِيبَ مَقْتِ الصّالِحِينَ، وإنَّما قَصْدُكَ إلى تَرْتِيبِ شِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُسِيءِ، وأنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ الإساءَةِ مَقْتُ الصّالِحِينَ. فَما هو أشَدُّ مِن مَقْتِهِمْ ؟ وهو مَقْتُ اللَّهِ. ويُرى، ثُمَّ يَقَعُ هَذا في هَذا الأُسْلُوبِ، فَيَحِلُّ مَوْقِعَهُ. انْتَهى. (فَيَقُولُوا) أيْ كُلُّ أُمَّةٍ مُعَذَّبَةٍ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَّمَنِّي مِنهم والرَّغْبَةِ حَيْثُ لا تَنْفَعُ الرَّغْبَةُ. ثُمَّ رَجَعَ لَفْظُ الآيَةِ إلى تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللَّهِ في طَلَبِهِمْ سُقُوطَ السَّماءِ كِسَفًا وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ: أيْنَ ما تَعِدُنا بِهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِإنْكارِهِ وتَهَكُّمٌ، ومَعْناهُ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ - مِن جِنْسِ ما هو فِيهِ اليَوْمَ - مِنَ النَّظِرَةِ والإمْهالِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ إلَيْها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ تَوْبِيخٍ، يُوَبَّخُونَ بِهِ عِنْدَ اسْتِنْظارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ويَسْتَعْجِلُونَ هَذا عَلى الوَجْهِ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ووَجْهٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إمّا كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طَوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ. فَقالَ عَزَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؟ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتَّكالًا عَلىَ الأمَلِ الطَّوِيلِ ؟ ثُمَّ قالَ: وهَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمَتُّعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ، فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ، ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ ؟ انْتَهى. وقِيلَ: أتْبَعَ قَوْلَهُ: ”فَتَأْتِيَهِمْ بَغْتَةً“ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةِ. ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ إلَيْهِ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا. وقِيلَ: يَطْلُبُونَ الرَّجْعَةَ حِين يَبْغَتُهم عَذابُ السّاعَةِ، فَلا يُجابُونَ إلَيْها.

الشعراء 26:194

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ . (p-٤٠)الضَّمِيرُ في: (وإنَّهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، بَلْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ عادَ أيْضًا إلى ما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الذِّكْرِ، لِيَتَناسَبَ المُفْتَتَحُ والمُخْتَتَمُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ مَرْفُوعانِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّشْدِيدِ ونَصْبِهِما. والرُّوحُ هُنا: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الرُّوحُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] . انْتَهى. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ و(لِتَكُونَ) بِـ ”نَزَلَ“، وخَصَّ القَلْبَ، والمَعْنى عَلَيْكَ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الوَعْيِ والتَّثْبِيتِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلى قَلْبِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَحْفُوظٌ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ ولا التَّغْيِيرُ، ولِيَكُونَ عِلَّةً في التَّنْزِيلِ أوِ النُّزُولِ اقْتَصَرَ عَلَيْها، لِأنَّ ذَلِكَ أزْجَرُ لِلسّامِعِ، وإنْ كانَ القُرْآنُ نَزَلَ لِلْإنْذارِ والتَّبْشِيرِ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِلِسانٍ) بِـ ”نَزَلَ“، فَكانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو القَوْلُ الصَّحِيحُ: وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَّوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعِجْلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ. ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (لِتَكُونَ) وتَمَسَّكَ بِهَذا مَن رَأى النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْمَعُ أحْيانًا مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، يَتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ، وهو مَرْدُودٌ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِلِسانٍ) إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ -؛ وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”نَزَلَ“، فَيَكُونَ المَعْنى: نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ لِتُنْذِرَ بِهِ، لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ، لَتَجافَوْا عَنْهُ أصْلًا، وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ ؟ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ. وفي هَذا الوَجْهِ، إنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ، تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ. ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا، لَكانَ نازلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها ولا تَعِيها، وقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عارِفًا بِعِدَّةِ لُغاتٍ، فَإذا كُلِّمَ بِلُغَتِها الَّتِي لُقِّنَها أوَّلًا ونَشَأ عَلَيْها وتَطَبَّعَ بِها، لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ إلّا إلى مَعانِي تِلْكَ الكَلِمِ يَتَلَقّاها بِقَلْبِهِ، ولا يَكادُ يَفْطَنُ لِلْألْفاظِ كَيْفَ جَرَتْ. وإنْ كُلِّمَ بِغَيْرِ تِلْكَ اللُّغَةِ، وإنْ كانَ ماهِرًا بِمَعْرِفَتِها، كانَ نَظَرُهُ أوَّلًا في ألْفاظِها، ثُمَّ في مَعانِيها. فَهَذا تَقْرِيرٌ أنَّهُ نَزَلَ عَلى قَلْبِهِ لِنُزُولِهِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. انْتَهى. وفِيهِ تَطْوِيلٌ. وإنَّهُ، أيِ القُرْآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ، مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ مُشارٌ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ مَعانِيَهُ فِيها، وبِهِ يُحْتَجُّ لِأبِي حَنِيفَةَ في جَوازِ القِراءَةِ بِالفارِسِيَّةِ في الصَّلاةِ، عَلى (p-٤١)أنَّ القُرْآنَ قُرْآنٌ إذا تُرْجِمَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ لِكَوْنِ مَعانِيهِ فِيها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ إنَّ ذِكْرَهُ ورِسالَتَهُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، يَكُونُ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، وكَذَلِكَ قِيلَ في أنْ يُعْلِمَهُ، أيْ أنْ يُعْلِمَ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِشَيْءٍ واحِدٍ أوْضَحُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: لَفي زُبْرِ، بِسُكُونِ الباءِ، والأصْلُ الضَّمُّ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرَهُ كَوْنُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، أيْ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلامَةٌ عَلى صِحَّتِهِ عِلْمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ ؟ إذْ كانَتْ قُرَيْشٌ تَرْجِعُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ويَسْألُونَهم عَنْها ويَقُولُونَ: هم أصْحابُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وقَدْ تَهَوَّدَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ، لِاعْتِقادِهِمْ في صِحَّةِ دِينِهِمْ. وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا نَعْتَهُ، وخَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةً. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ. ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ونَحْوُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنهم أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ تَعالى: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ [القصص: ٥٣] الآيَةَ. وقِيلَ: عُلَماؤُهم مَن أسْلَمَ مِنهم ومَن لَمْ يُسْلِمْ. وقِيلَ: أنْبِياؤُهم، حَيْثُ نَبَّهُوا عَلَيْهِ وأخْبَرُوا بِصِفَتِهِ وزَمانِهِ ومَكانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتُ (آيَةً) بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ الإعْرابِ تَوَسَّطَ خَبَرُ يَكُنْ، و﴿أنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الِاسْمُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والجَحْدَرِيُّ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةٌ“: بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا، وأنْ يَعْلَمَهُ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، وقَدْ خُرِّجَ لَها وجْهٌ آخَرُ لِيُتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ: في تَكُنْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، و”آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ“ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ ”لَهم آيَةً“ جُمْلَةُ الشَّأْنِ، و”أنْ يَعْلَمَهُ“ بَدَلًا مِن ”آيَةً“ . انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةً“ بِالنَّصْبِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ثُمَّ (لَمْ تَكُنْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] بِالنَّصْبِ، إلّا أنْ قالُوا، وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ: ؎فَمَضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً مِنهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقْدامُها ودَلَّ ذَلِكَ إمّا عَلى تَأْنِيثِ الِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإمّا لِتَأْوِيلِ ”أنْ يَعْلَمَهُ“ بِالمَعْرِفَةِ، وتَأْوِيلِ (إلّا أنْ قالُوا) بِالمَقالَةِ، وتَأْوِيلِ الإقْدامِ بِالإقْدامَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ”أنْ تَعْلَمَهُ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎قالَتْ بَنُو عامِرٍ خالُوا بَنِي أسَدٍ ∗∗∗ يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرّارًا لِأقْوامِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ: ”عُلَمَؤُا“ بِواوٍ بَيْنَ المِيمِ والألِفِ. قِيلَ: عَلى لُغَةِ مَن يُمِيلُ ألِفَ ”عُلَمَؤُا“ إلى الواوِ، كَما كَتَبُوا ”الصَّلَوةَ والزَّكَوةَ والرِّبَوا“ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأعْجَمِي الَّذِي لا يُفْصِحُ، وفي لِسانِهِ عُجْمَةٌ واسْتِعْجامٌ، والأعْجَمِيُّ مِثْلُهُ إلّا أنَّ فِيهِ لِزِيادَةِ ياءِ النِّسْبَةِ زِيادَةَ تَوْكِيدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمَ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيَّ النَّسَبِ يُقالُ لَهُ أعْجَمُ، وذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» . وأسْنَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: ”جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما كانُوا يُؤْمِنُونَ“ . والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نِسْبَتُهُ في العَجَمِ، وإنْ كانَ أفْصَحَ النّاسِ. انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ: ﴿الأعْجَمِينَ﴾ جَمْعُ أعْجَمَ عَلى التَّخْفِيفِ، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ. قِيلَ: والمَعْنى ولَوْ نَزَّلْناهُ بِلُغَةِ العَجَمِ عَلى رَجُلٍ أعْجَمِيٍّ فَقَرَأهُ عَلى العَرَبِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، حَيْثُ لَمْ يَفْهَمُوهُ، واسْتَنْكَفُوا مِنَ اتِّباعِهِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَّلْنا القُرْآنَ (p-٤٢)عَلى بَعْضِ العَجَمِ مِنَ الدَّوابِّ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا، لِعِنادِهِمْ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] الآيَةَ، وجُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ، لِأنَّهُ وُصِفَ بِالإنْزالِ عَلَيْهِ والقِراءَةِ، وهو فِعْلُ العُقَلاءِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ البَهائِمِ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ تُؤْمِنِ البَهائِمُ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ لِأنَّهم: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] انْتَهى. ولَمّا بَيَّنَ بِما تَقَدَّمَ، مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وأنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وكانَ في ذَلِكَ دَلِيلانِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تُجْدِي فِيهِمُ الدَّلائِلُ. ألا تَرى نُزُولَهُ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ، وسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وأدْرَكُوا إعْجازَهُ وتَصْدِيقَ كُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ لَهُ، ومَعَ ذَلِكَ جَحَدُوا وسَمَّوْهُ تارَةً شِعْرًا وتارَةً سِحْرًا ؟ ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، لَكَفَرُوا بِهِ وتَمَحَّلُوا بِجُحُودِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الأعْجَمِينَ جَمْعُ أعْجَمَ أوْ أعْجَمِيٍّ، عَلى حَذْفِ ياءِ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرِينَ، وواحِدُهم أشْعَرِيٌّ. وقالَ ابْنُ الجَهْمِ: قالَ الكُمَيْتُ: ؎ولَوْ جَهَّزْتُ قافِيَةً شَرُودًا ∗∗∗ لَقَدْ دَخَلَتْ بُيُوتَ الأشْعَرَيْنا انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: ”الأعْجَمِيِّينَ“، بِياءِ النَّسَبِ: جَمْعُ أعْجَمِيٍّ. والضَّمِيرُ في ﴿سَلَكْناهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ. قِيلَ: وهو القُرْآنُ، وقالَهُ الرُّمّانِيُّ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ، وهو الإدْخالُ والتَّمْكِينُ والتَّفْهِيمُ لِمَعانِيهِ. ﴿سَلَكْناهُ﴾ أدْخَلْناهُ ومَكَّنّاهُ في ﴿قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ . والمَعْنى: ما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ السَّلْكِ مِن كَوْنِهِمْ فَهِمُوهُ وأدْرَكُوهُ، ولَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا عِنادًا وجُحُودًا وكُفْرًا بِهِ، أيْ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ، كَما وضَعْناهُ فِيها. فَكَيْفَ ما يُرامُ إيمانُهم بِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ؟ وأعْماهم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والجُحُودِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: أدْخَلْناهُ فِيها، فَعَرَفُوا مَعانِيَهُ، وعَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وقالَ يَحْيَـى بْنُ سَلّامٍ: الضَّمِيرُ في سَلَكْناهُ يَعُودُ عَلى التَّكْذِيبِ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ. انْتَهى. ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَلَكْناهُ، أيِ القَسْوَةَ، وأسْنَدَ السَّلْكَ - تَعالى - إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُوجِدُ الأشْياءِ حَقِيقَةً، وهو الهادِي وخالِقُ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ أسْنَدَ السَّلْكَ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ إلى ذاتِهِ ؟ (قُلْتُ): أرادَ بِهِ الدَّلالَةَ عَلى تَمَكُّنِهِ مُكَذَّبًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمْكِينِ وأثْبَتَهُ، فَجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ أمْرٍ قَدْ جُبِلُوا عَلَيْهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: هو مَجْبُولٌ عَلى الشُّحِّ ؟ يُرِيدُونَ تَمَكُّنَ الشُّحِّ فِيهِ، لِأنَّ الأُمُورَ الخِلْقِيَّةَ أثْبَتُ مِنَ العارِضَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أسْنَدَ تَرْكَ الإيمانِ بِهِ إلَيْهِمْ عَلى عَقِبِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ والتَّشْبِيهِ بَيْنَ السَّلْكَيْنِ، يَقْتَضِي تَغايُرَ مَن حَلَّ بِهِ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ في قُلُوبِ قُرَيْشٍ، سَلَكْناهُ في قُلُوبِ مَن أجْرَمَ، لِاشْتِراكِهِما في عِلَّةِ السَّلْكِ وهو الإجْرامُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ بِهِمْ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ إنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ، أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، وكَشْفُ الغَيْبِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ (قُلْتُ): مَوْقِعُهُ مِنهُ مَوْقِعُ المُوَضِّحِ والمُلَخِّصِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِثَباتِهِ، مُكَذَّبًا مَجْحُودًا في قُلُوبِهِمْ، فَأُتْبِعَ بِما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ وجُحُودِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ. انْتَهى. ورُؤْيَتُهُمُ العَذابَ، قِيلَ: في الدُّنْيا، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ بِياءٍ، أيِ العَذابُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أنَّثَ عَلى مَعْنى العَذابِ لِأنَّهُ العُقُوبَةُ، أيْ فَتَأْتِيَهُمُ العُقُوبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ: أتَتْهُ (p-٤٣)كِتابِي، فَلَمّا سُئِلَ قالَ: أوْ لَيْسَ بِصَحِيفَةٍ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَأْتِيَهم بِالتّاءِ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: أنَّثَ العَذابَ لِاشْتِمالِهِ عَلى السّاعَةِ، فاكْتَسى مِنها التَّأْنِيثَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَذابَ القِيامَةِ تَكْذِيبًا بِها، فَلِذَلِكَ أُنِّثَ. ولا يَكْتَسِي المُذَكَّرُ مِنَ المُؤَنَّثِ تَأْنِيثًا إلّا إنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ نَحْوَ: اجْتَمَعَتْ أهْلُ اليَمامَةِ، وقُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ، وشَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”بَغَتَةً“، بِفَتْحِ الغَيْنِ، ”فَتَأْتِيَهِمْ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] (قُلْتُ): لَيْسَ المَعْنى يُرادُ بِرُؤْيَةِ العَذابِ ومُفاجَأتِهِ وسُؤالِ النَّظِرَةِ فِيهِ الوُجُودُ، وإنَّما المَعْنى تَرَتُّبُها في الشِّدَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ حَتّى تَكُونَ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ مِمّا هو أشَدُّ مِنها، وهو لُحُوقُهُ بِهِمْ مُفاجَأةً مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ، وهو سُؤالُهُمُ النَّظِرَةَ. ومِثْلُ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنْ أسَأْتَ مَقَتَكَ الصّالِحُونَ، فَمَقَتَكَ اللَّهُ، فَإنَّكَ لا تَقْصِدُ بِهَذا التَّرْتِيبِ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ يُوجَدُ عَقِيبَ مَقْتِ الصّالِحِينَ، وإنَّما قَصْدُكَ إلى تَرْتِيبِ شِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُسِيءِ، وأنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ الإساءَةِ مَقْتُ الصّالِحِينَ. فَما هو أشَدُّ مِن مَقْتِهِمْ ؟ وهو مَقْتُ اللَّهِ. ويُرى، ثُمَّ يَقَعُ هَذا في هَذا الأُسْلُوبِ، فَيَحِلُّ مَوْقِعَهُ. انْتَهى. (فَيَقُولُوا) أيْ كُلُّ أُمَّةٍ مُعَذَّبَةٍ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَّمَنِّي مِنهم والرَّغْبَةِ حَيْثُ لا تَنْفَعُ الرَّغْبَةُ. ثُمَّ رَجَعَ لَفْظُ الآيَةِ إلى تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللَّهِ في طَلَبِهِمْ سُقُوطَ السَّماءِ كِسَفًا وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ: أيْنَ ما تَعِدُنا بِهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِإنْكارِهِ وتَهَكُّمٌ، ومَعْناهُ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ - مِن جِنْسِ ما هو فِيهِ اليَوْمَ - مِنَ النَّظِرَةِ والإمْهالِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ إلَيْها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ تَوْبِيخٍ، يُوَبَّخُونَ بِهِ عِنْدَ اسْتِنْظارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ويَسْتَعْجِلُونَ هَذا عَلى الوَجْهِ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ووَجْهٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إمّا كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طَوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ. فَقالَ عَزَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؟ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتَّكالًا عَلىَ الأمَلِ الطَّوِيلِ ؟ ثُمَّ قالَ: وهَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمَتُّعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ، فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ، ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ ؟ انْتَهى. وقِيلَ: أتْبَعَ قَوْلَهُ: ”فَتَأْتِيَهِمْ بَغْتَةً“ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةِ. ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ إلَيْهِ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا. وقِيلَ: يَطْلُبُونَ الرَّجْعَةَ حِين يَبْغَتُهم عَذابُ السّاعَةِ، فَلا يُجابُونَ إلَيْها.

الشعراء 26:195

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ . (p-٤٠)الضَّمِيرُ في: (وإنَّهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، بَلْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ عادَ أيْضًا إلى ما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الذِّكْرِ، لِيَتَناسَبَ المُفْتَتَحُ والمُخْتَتَمُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ مَرْفُوعانِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّشْدِيدِ ونَصْبِهِما. والرُّوحُ هُنا: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الرُّوحُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] . انْتَهى. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ و(لِتَكُونَ) بِـ ”نَزَلَ“، وخَصَّ القَلْبَ، والمَعْنى عَلَيْكَ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الوَعْيِ والتَّثْبِيتِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلى قَلْبِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَحْفُوظٌ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ ولا التَّغْيِيرُ، ولِيَكُونَ عِلَّةً في التَّنْزِيلِ أوِ النُّزُولِ اقْتَصَرَ عَلَيْها، لِأنَّ ذَلِكَ أزْجَرُ لِلسّامِعِ، وإنْ كانَ القُرْآنُ نَزَلَ لِلْإنْذارِ والتَّبْشِيرِ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِلِسانٍ) بِـ ”نَزَلَ“، فَكانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو القَوْلُ الصَّحِيحُ: وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَّوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعِجْلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ. ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (لِتَكُونَ) وتَمَسَّكَ بِهَذا مَن رَأى النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْمَعُ أحْيانًا مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، يَتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ، وهو مَرْدُودٌ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِلِسانٍ) إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ -؛ وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”نَزَلَ“، فَيَكُونَ المَعْنى: نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ لِتُنْذِرَ بِهِ، لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ، لَتَجافَوْا عَنْهُ أصْلًا، وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ ؟ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ. وفي هَذا الوَجْهِ، إنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ، تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ. ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا، لَكانَ نازلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها ولا تَعِيها، وقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عارِفًا بِعِدَّةِ لُغاتٍ، فَإذا كُلِّمَ بِلُغَتِها الَّتِي لُقِّنَها أوَّلًا ونَشَأ عَلَيْها وتَطَبَّعَ بِها، لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ إلّا إلى مَعانِي تِلْكَ الكَلِمِ يَتَلَقّاها بِقَلْبِهِ، ولا يَكادُ يَفْطَنُ لِلْألْفاظِ كَيْفَ جَرَتْ. وإنْ كُلِّمَ بِغَيْرِ تِلْكَ اللُّغَةِ، وإنْ كانَ ماهِرًا بِمَعْرِفَتِها، كانَ نَظَرُهُ أوَّلًا في ألْفاظِها، ثُمَّ في مَعانِيها. فَهَذا تَقْرِيرٌ أنَّهُ نَزَلَ عَلى قَلْبِهِ لِنُزُولِهِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. انْتَهى. وفِيهِ تَطْوِيلٌ. وإنَّهُ، أيِ القُرْآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ، مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ مُشارٌ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ مَعانِيَهُ فِيها، وبِهِ يُحْتَجُّ لِأبِي حَنِيفَةَ في جَوازِ القِراءَةِ بِالفارِسِيَّةِ في الصَّلاةِ، عَلى (p-٤١)أنَّ القُرْآنَ قُرْآنٌ إذا تُرْجِمَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ لِكَوْنِ مَعانِيهِ فِيها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ إنَّ ذِكْرَهُ ورِسالَتَهُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، يَكُونُ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، وكَذَلِكَ قِيلَ في أنْ يُعْلِمَهُ، أيْ أنْ يُعْلِمَ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِشَيْءٍ واحِدٍ أوْضَحُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: لَفي زُبْرِ، بِسُكُونِ الباءِ، والأصْلُ الضَّمُّ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرَهُ كَوْنُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، أيْ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلامَةٌ عَلى صِحَّتِهِ عِلْمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ ؟ إذْ كانَتْ قُرَيْشٌ تَرْجِعُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ويَسْألُونَهم عَنْها ويَقُولُونَ: هم أصْحابُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وقَدْ تَهَوَّدَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ، لِاعْتِقادِهِمْ في صِحَّةِ دِينِهِمْ. وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا نَعْتَهُ، وخَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةً. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ. ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ونَحْوُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنهم أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ تَعالى: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ [القصص: ٥٣] الآيَةَ. وقِيلَ: عُلَماؤُهم مَن أسْلَمَ مِنهم ومَن لَمْ يُسْلِمْ. وقِيلَ: أنْبِياؤُهم، حَيْثُ نَبَّهُوا عَلَيْهِ وأخْبَرُوا بِصِفَتِهِ وزَمانِهِ ومَكانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتُ (آيَةً) بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ الإعْرابِ تَوَسَّطَ خَبَرُ يَكُنْ، و﴿أنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الِاسْمُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والجَحْدَرِيُّ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةٌ“: بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا، وأنْ يَعْلَمَهُ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، وقَدْ خُرِّجَ لَها وجْهٌ آخَرُ لِيُتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ: في تَكُنْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، و”آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ“ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ ”لَهم آيَةً“ جُمْلَةُ الشَّأْنِ، و”أنْ يَعْلَمَهُ“ بَدَلًا مِن ”آيَةً“ . انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةً“ بِالنَّصْبِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ثُمَّ (لَمْ تَكُنْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] بِالنَّصْبِ، إلّا أنْ قالُوا، وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ: ؎فَمَضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً مِنهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقْدامُها ودَلَّ ذَلِكَ إمّا عَلى تَأْنِيثِ الِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإمّا لِتَأْوِيلِ ”أنْ يَعْلَمَهُ“ بِالمَعْرِفَةِ، وتَأْوِيلِ (إلّا أنْ قالُوا) بِالمَقالَةِ، وتَأْوِيلِ الإقْدامِ بِالإقْدامَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ”أنْ تَعْلَمَهُ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎قالَتْ بَنُو عامِرٍ خالُوا بَنِي أسَدٍ ∗∗∗ يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرّارًا لِأقْوامِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ: ”عُلَمَؤُا“ بِواوٍ بَيْنَ المِيمِ والألِفِ. قِيلَ: عَلى لُغَةِ مَن يُمِيلُ ألِفَ ”عُلَمَؤُا“ إلى الواوِ، كَما كَتَبُوا ”الصَّلَوةَ والزَّكَوةَ والرِّبَوا“ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأعْجَمِي الَّذِي لا يُفْصِحُ، وفي لِسانِهِ عُجْمَةٌ واسْتِعْجامٌ، والأعْجَمِيُّ مِثْلُهُ إلّا أنَّ فِيهِ لِزِيادَةِ ياءِ النِّسْبَةِ زِيادَةَ تَوْكِيدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمَ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيَّ النَّسَبِ يُقالُ لَهُ أعْجَمُ، وذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» . وأسْنَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: ”جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما كانُوا يُؤْمِنُونَ“ . والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نِسْبَتُهُ في العَجَمِ، وإنْ كانَ أفْصَحَ النّاسِ. انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ: ﴿الأعْجَمِينَ﴾ جَمْعُ أعْجَمَ عَلى التَّخْفِيفِ، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ. قِيلَ: والمَعْنى ولَوْ نَزَّلْناهُ بِلُغَةِ العَجَمِ عَلى رَجُلٍ أعْجَمِيٍّ فَقَرَأهُ عَلى العَرَبِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، حَيْثُ لَمْ يَفْهَمُوهُ، واسْتَنْكَفُوا مِنَ اتِّباعِهِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَّلْنا القُرْآنَ (p-٤٢)عَلى بَعْضِ العَجَمِ مِنَ الدَّوابِّ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا، لِعِنادِهِمْ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] الآيَةَ، وجُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ، لِأنَّهُ وُصِفَ بِالإنْزالِ عَلَيْهِ والقِراءَةِ، وهو فِعْلُ العُقَلاءِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ البَهائِمِ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ تُؤْمِنِ البَهائِمُ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ لِأنَّهم: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] انْتَهى. ولَمّا بَيَّنَ بِما تَقَدَّمَ، مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وأنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وكانَ في ذَلِكَ دَلِيلانِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تُجْدِي فِيهِمُ الدَّلائِلُ. ألا تَرى نُزُولَهُ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ، وسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وأدْرَكُوا إعْجازَهُ وتَصْدِيقَ كُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ لَهُ، ومَعَ ذَلِكَ جَحَدُوا وسَمَّوْهُ تارَةً شِعْرًا وتارَةً سِحْرًا ؟ ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، لَكَفَرُوا بِهِ وتَمَحَّلُوا بِجُحُودِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الأعْجَمِينَ جَمْعُ أعْجَمَ أوْ أعْجَمِيٍّ، عَلى حَذْفِ ياءِ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرِينَ، وواحِدُهم أشْعَرِيٌّ. وقالَ ابْنُ الجَهْمِ: قالَ الكُمَيْتُ: ؎ولَوْ جَهَّزْتُ قافِيَةً شَرُودًا ∗∗∗ لَقَدْ دَخَلَتْ بُيُوتَ الأشْعَرَيْنا انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: ”الأعْجَمِيِّينَ“، بِياءِ النَّسَبِ: جَمْعُ أعْجَمِيٍّ. والضَّمِيرُ في ﴿سَلَكْناهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ. قِيلَ: وهو القُرْآنُ، وقالَهُ الرُّمّانِيُّ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ، وهو الإدْخالُ والتَّمْكِينُ والتَّفْهِيمُ لِمَعانِيهِ. ﴿سَلَكْناهُ﴾ أدْخَلْناهُ ومَكَّنّاهُ في ﴿قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ . والمَعْنى: ما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ السَّلْكِ مِن كَوْنِهِمْ فَهِمُوهُ وأدْرَكُوهُ، ولَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا عِنادًا وجُحُودًا وكُفْرًا بِهِ، أيْ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ، كَما وضَعْناهُ فِيها. فَكَيْفَ ما يُرامُ إيمانُهم بِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ؟ وأعْماهم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والجُحُودِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: أدْخَلْناهُ فِيها، فَعَرَفُوا مَعانِيَهُ، وعَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وقالَ يَحْيَـى بْنُ سَلّامٍ: الضَّمِيرُ في سَلَكْناهُ يَعُودُ عَلى التَّكْذِيبِ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ. انْتَهى. ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَلَكْناهُ، أيِ القَسْوَةَ، وأسْنَدَ السَّلْكَ - تَعالى - إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُوجِدُ الأشْياءِ حَقِيقَةً، وهو الهادِي وخالِقُ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ أسْنَدَ السَّلْكَ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ إلى ذاتِهِ ؟ (قُلْتُ): أرادَ بِهِ الدَّلالَةَ عَلى تَمَكُّنِهِ مُكَذَّبًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمْكِينِ وأثْبَتَهُ، فَجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ أمْرٍ قَدْ جُبِلُوا عَلَيْهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: هو مَجْبُولٌ عَلى الشُّحِّ ؟ يُرِيدُونَ تَمَكُّنَ الشُّحِّ فِيهِ، لِأنَّ الأُمُورَ الخِلْقِيَّةَ أثْبَتُ مِنَ العارِضَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أسْنَدَ تَرْكَ الإيمانِ بِهِ إلَيْهِمْ عَلى عَقِبِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ والتَّشْبِيهِ بَيْنَ السَّلْكَيْنِ، يَقْتَضِي تَغايُرَ مَن حَلَّ بِهِ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ في قُلُوبِ قُرَيْشٍ، سَلَكْناهُ في قُلُوبِ مَن أجْرَمَ، لِاشْتِراكِهِما في عِلَّةِ السَّلْكِ وهو الإجْرامُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ بِهِمْ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ إنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ، أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، وكَشْفُ الغَيْبِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ (قُلْتُ): مَوْقِعُهُ مِنهُ مَوْقِعُ المُوَضِّحِ والمُلَخِّصِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِثَباتِهِ، مُكَذَّبًا مَجْحُودًا في قُلُوبِهِمْ، فَأُتْبِعَ بِما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ وجُحُودِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ. انْتَهى. ورُؤْيَتُهُمُ العَذابَ، قِيلَ: في الدُّنْيا، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ بِياءٍ، أيِ العَذابُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أنَّثَ عَلى مَعْنى العَذابِ لِأنَّهُ العُقُوبَةُ، أيْ فَتَأْتِيَهُمُ العُقُوبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ: أتَتْهُ (p-٤٣)كِتابِي، فَلَمّا سُئِلَ قالَ: أوْ لَيْسَ بِصَحِيفَةٍ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَأْتِيَهم بِالتّاءِ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: أنَّثَ العَذابَ لِاشْتِمالِهِ عَلى السّاعَةِ، فاكْتَسى مِنها التَّأْنِيثَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَذابَ القِيامَةِ تَكْذِيبًا بِها، فَلِذَلِكَ أُنِّثَ. ولا يَكْتَسِي المُذَكَّرُ مِنَ المُؤَنَّثِ تَأْنِيثًا إلّا إنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ نَحْوَ: اجْتَمَعَتْ أهْلُ اليَمامَةِ، وقُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ، وشَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”بَغَتَةً“، بِفَتْحِ الغَيْنِ، ”فَتَأْتِيَهِمْ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] (قُلْتُ): لَيْسَ المَعْنى يُرادُ بِرُؤْيَةِ العَذابِ ومُفاجَأتِهِ وسُؤالِ النَّظِرَةِ فِيهِ الوُجُودُ، وإنَّما المَعْنى تَرَتُّبُها في الشِّدَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ حَتّى تَكُونَ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ مِمّا هو أشَدُّ مِنها، وهو لُحُوقُهُ بِهِمْ مُفاجَأةً مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ، وهو سُؤالُهُمُ النَّظِرَةَ. ومِثْلُ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنْ أسَأْتَ مَقَتَكَ الصّالِحُونَ، فَمَقَتَكَ اللَّهُ، فَإنَّكَ لا تَقْصِدُ بِهَذا التَّرْتِيبِ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ يُوجَدُ عَقِيبَ مَقْتِ الصّالِحِينَ، وإنَّما قَصْدُكَ إلى تَرْتِيبِ شِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُسِيءِ، وأنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ الإساءَةِ مَقْتُ الصّالِحِينَ. فَما هو أشَدُّ مِن مَقْتِهِمْ ؟ وهو مَقْتُ اللَّهِ. ويُرى، ثُمَّ يَقَعُ هَذا في هَذا الأُسْلُوبِ، فَيَحِلُّ مَوْقِعَهُ. انْتَهى. (فَيَقُولُوا) أيْ كُلُّ أُمَّةٍ مُعَذَّبَةٍ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَّمَنِّي مِنهم والرَّغْبَةِ حَيْثُ لا تَنْفَعُ الرَّغْبَةُ. ثُمَّ رَجَعَ لَفْظُ الآيَةِ إلى تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللَّهِ في طَلَبِهِمْ سُقُوطَ السَّماءِ كِسَفًا وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ: أيْنَ ما تَعِدُنا بِهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِإنْكارِهِ وتَهَكُّمٌ، ومَعْناهُ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ - مِن جِنْسِ ما هو فِيهِ اليَوْمَ - مِنَ النَّظِرَةِ والإمْهالِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ إلَيْها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ تَوْبِيخٍ، يُوَبَّخُونَ بِهِ عِنْدَ اسْتِنْظارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ويَسْتَعْجِلُونَ هَذا عَلى الوَجْهِ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ووَجْهٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إمّا كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طَوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ. فَقالَ عَزَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؟ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتَّكالًا عَلىَ الأمَلِ الطَّوِيلِ ؟ ثُمَّ قالَ: وهَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمَتُّعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ، فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ، ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ ؟ انْتَهى. وقِيلَ: أتْبَعَ قَوْلَهُ: ”فَتَأْتِيَهِمْ بَغْتَةً“ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةِ. ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ إلَيْهِ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا. وقِيلَ: يَطْلُبُونَ الرَّجْعَةَ حِين يَبْغَتُهم عَذابُ السّاعَةِ، فَلا يُجابُونَ إلَيْها.

الشعراء 26:196

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ . (p-٤٠)الضَّمِيرُ في: (وإنَّهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، بَلْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ عادَ أيْضًا إلى ما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الذِّكْرِ، لِيَتَناسَبَ المُفْتَتَحُ والمُخْتَتَمُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ مَرْفُوعانِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّشْدِيدِ ونَصْبِهِما. والرُّوحُ هُنا: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الرُّوحُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] . انْتَهى. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ و(لِتَكُونَ) بِـ ”نَزَلَ“، وخَصَّ القَلْبَ، والمَعْنى عَلَيْكَ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الوَعْيِ والتَّثْبِيتِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلى قَلْبِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَحْفُوظٌ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ ولا التَّغْيِيرُ، ولِيَكُونَ عِلَّةً في التَّنْزِيلِ أوِ النُّزُولِ اقْتَصَرَ عَلَيْها، لِأنَّ ذَلِكَ أزْجَرُ لِلسّامِعِ، وإنْ كانَ القُرْآنُ نَزَلَ لِلْإنْذارِ والتَّبْشِيرِ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِلِسانٍ) بِـ ”نَزَلَ“، فَكانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو القَوْلُ الصَّحِيحُ: وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَّوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعِجْلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ. ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (لِتَكُونَ) وتَمَسَّكَ بِهَذا مَن رَأى النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْمَعُ أحْيانًا مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، يَتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ، وهو مَرْدُودٌ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِلِسانٍ) إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ -؛ وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”نَزَلَ“، فَيَكُونَ المَعْنى: نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ لِتُنْذِرَ بِهِ، لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ، لَتَجافَوْا عَنْهُ أصْلًا، وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ ؟ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ. وفي هَذا الوَجْهِ، إنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ، تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ. ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا، لَكانَ نازلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها ولا تَعِيها، وقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عارِفًا بِعِدَّةِ لُغاتٍ، فَإذا كُلِّمَ بِلُغَتِها الَّتِي لُقِّنَها أوَّلًا ونَشَأ عَلَيْها وتَطَبَّعَ بِها، لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ إلّا إلى مَعانِي تِلْكَ الكَلِمِ يَتَلَقّاها بِقَلْبِهِ، ولا يَكادُ يَفْطَنُ لِلْألْفاظِ كَيْفَ جَرَتْ. وإنْ كُلِّمَ بِغَيْرِ تِلْكَ اللُّغَةِ، وإنْ كانَ ماهِرًا بِمَعْرِفَتِها، كانَ نَظَرُهُ أوَّلًا في ألْفاظِها، ثُمَّ في مَعانِيها. فَهَذا تَقْرِيرٌ أنَّهُ نَزَلَ عَلى قَلْبِهِ لِنُزُولِهِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. انْتَهى. وفِيهِ تَطْوِيلٌ. وإنَّهُ، أيِ القُرْآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ، مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ مُشارٌ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ مَعانِيَهُ فِيها، وبِهِ يُحْتَجُّ لِأبِي حَنِيفَةَ في جَوازِ القِراءَةِ بِالفارِسِيَّةِ في الصَّلاةِ، عَلى (p-٤١)أنَّ القُرْآنَ قُرْآنٌ إذا تُرْجِمَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ لِكَوْنِ مَعانِيهِ فِيها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ إنَّ ذِكْرَهُ ورِسالَتَهُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، يَكُونُ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، وكَذَلِكَ قِيلَ في أنْ يُعْلِمَهُ، أيْ أنْ يُعْلِمَ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِشَيْءٍ واحِدٍ أوْضَحُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: لَفي زُبْرِ، بِسُكُونِ الباءِ، والأصْلُ الضَّمُّ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرَهُ كَوْنُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، أيْ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلامَةٌ عَلى صِحَّتِهِ عِلْمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ ؟ إذْ كانَتْ قُرَيْشٌ تَرْجِعُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ويَسْألُونَهم عَنْها ويَقُولُونَ: هم أصْحابُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وقَدْ تَهَوَّدَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ، لِاعْتِقادِهِمْ في صِحَّةِ دِينِهِمْ. وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا نَعْتَهُ، وخَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةً. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ. ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ونَحْوُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنهم أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ تَعالى: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ [القصص: ٥٣] الآيَةَ. وقِيلَ: عُلَماؤُهم مَن أسْلَمَ مِنهم ومَن لَمْ يُسْلِمْ. وقِيلَ: أنْبِياؤُهم، حَيْثُ نَبَّهُوا عَلَيْهِ وأخْبَرُوا بِصِفَتِهِ وزَمانِهِ ومَكانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتُ (آيَةً) بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ الإعْرابِ تَوَسَّطَ خَبَرُ يَكُنْ، و﴿أنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الِاسْمُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والجَحْدَرِيُّ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةٌ“: بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا، وأنْ يَعْلَمَهُ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، وقَدْ خُرِّجَ لَها وجْهٌ آخَرُ لِيُتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ: في تَكُنْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، و”آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ“ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ ”لَهم آيَةً“ جُمْلَةُ الشَّأْنِ، و”أنْ يَعْلَمَهُ“ بَدَلًا مِن ”آيَةً“ . انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةً“ بِالنَّصْبِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ثُمَّ (لَمْ تَكُنْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] بِالنَّصْبِ، إلّا أنْ قالُوا، وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ: ؎فَمَضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً مِنهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقْدامُها ودَلَّ ذَلِكَ إمّا عَلى تَأْنِيثِ الِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإمّا لِتَأْوِيلِ ”أنْ يَعْلَمَهُ“ بِالمَعْرِفَةِ، وتَأْوِيلِ (إلّا أنْ قالُوا) بِالمَقالَةِ، وتَأْوِيلِ الإقْدامِ بِالإقْدامَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ”أنْ تَعْلَمَهُ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎قالَتْ بَنُو عامِرٍ خالُوا بَنِي أسَدٍ ∗∗∗ يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرّارًا لِأقْوامِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ: ”عُلَمَؤُا“ بِواوٍ بَيْنَ المِيمِ والألِفِ. قِيلَ: عَلى لُغَةِ مَن يُمِيلُ ألِفَ ”عُلَمَؤُا“ إلى الواوِ، كَما كَتَبُوا ”الصَّلَوةَ والزَّكَوةَ والرِّبَوا“ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأعْجَمِي الَّذِي لا يُفْصِحُ، وفي لِسانِهِ عُجْمَةٌ واسْتِعْجامٌ، والأعْجَمِيُّ مِثْلُهُ إلّا أنَّ فِيهِ لِزِيادَةِ ياءِ النِّسْبَةِ زِيادَةَ تَوْكِيدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمَ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيَّ النَّسَبِ يُقالُ لَهُ أعْجَمُ، وذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» . وأسْنَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: ”جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما كانُوا يُؤْمِنُونَ“ . والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نِسْبَتُهُ في العَجَمِ، وإنْ كانَ أفْصَحَ النّاسِ. انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ: ﴿الأعْجَمِينَ﴾ جَمْعُ أعْجَمَ عَلى التَّخْفِيفِ، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ. قِيلَ: والمَعْنى ولَوْ نَزَّلْناهُ بِلُغَةِ العَجَمِ عَلى رَجُلٍ أعْجَمِيٍّ فَقَرَأهُ عَلى العَرَبِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، حَيْثُ لَمْ يَفْهَمُوهُ، واسْتَنْكَفُوا مِنَ اتِّباعِهِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَّلْنا القُرْآنَ (p-٤٢)عَلى بَعْضِ العَجَمِ مِنَ الدَّوابِّ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا، لِعِنادِهِمْ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] الآيَةَ، وجُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ، لِأنَّهُ وُصِفَ بِالإنْزالِ عَلَيْهِ والقِراءَةِ، وهو فِعْلُ العُقَلاءِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ البَهائِمِ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ تُؤْمِنِ البَهائِمُ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ لِأنَّهم: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] انْتَهى. ولَمّا بَيَّنَ بِما تَقَدَّمَ، مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وأنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وكانَ في ذَلِكَ دَلِيلانِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تُجْدِي فِيهِمُ الدَّلائِلُ. ألا تَرى نُزُولَهُ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ، وسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وأدْرَكُوا إعْجازَهُ وتَصْدِيقَ كُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ لَهُ، ومَعَ ذَلِكَ جَحَدُوا وسَمَّوْهُ تارَةً شِعْرًا وتارَةً سِحْرًا ؟ ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، لَكَفَرُوا بِهِ وتَمَحَّلُوا بِجُحُودِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الأعْجَمِينَ جَمْعُ أعْجَمَ أوْ أعْجَمِيٍّ، عَلى حَذْفِ ياءِ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرِينَ، وواحِدُهم أشْعَرِيٌّ. وقالَ ابْنُ الجَهْمِ: قالَ الكُمَيْتُ: ؎ولَوْ جَهَّزْتُ قافِيَةً شَرُودًا ∗∗∗ لَقَدْ دَخَلَتْ بُيُوتَ الأشْعَرَيْنا انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: ”الأعْجَمِيِّينَ“، بِياءِ النَّسَبِ: جَمْعُ أعْجَمِيٍّ. والضَّمِيرُ في ﴿سَلَكْناهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ. قِيلَ: وهو القُرْآنُ، وقالَهُ الرُّمّانِيُّ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ، وهو الإدْخالُ والتَّمْكِينُ والتَّفْهِيمُ لِمَعانِيهِ. ﴿سَلَكْناهُ﴾ أدْخَلْناهُ ومَكَّنّاهُ في ﴿قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ . والمَعْنى: ما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ السَّلْكِ مِن كَوْنِهِمْ فَهِمُوهُ وأدْرَكُوهُ، ولَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا عِنادًا وجُحُودًا وكُفْرًا بِهِ، أيْ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ، كَما وضَعْناهُ فِيها. فَكَيْفَ ما يُرامُ إيمانُهم بِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ؟ وأعْماهم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والجُحُودِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: أدْخَلْناهُ فِيها، فَعَرَفُوا مَعانِيَهُ، وعَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وقالَ يَحْيَـى بْنُ سَلّامٍ: الضَّمِيرُ في سَلَكْناهُ يَعُودُ عَلى التَّكْذِيبِ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ. انْتَهى. ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَلَكْناهُ، أيِ القَسْوَةَ، وأسْنَدَ السَّلْكَ - تَعالى - إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُوجِدُ الأشْياءِ حَقِيقَةً، وهو الهادِي وخالِقُ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ أسْنَدَ السَّلْكَ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ إلى ذاتِهِ ؟ (قُلْتُ): أرادَ بِهِ الدَّلالَةَ عَلى تَمَكُّنِهِ مُكَذَّبًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمْكِينِ وأثْبَتَهُ، فَجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ أمْرٍ قَدْ جُبِلُوا عَلَيْهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: هو مَجْبُولٌ عَلى الشُّحِّ ؟ يُرِيدُونَ تَمَكُّنَ الشُّحِّ فِيهِ، لِأنَّ الأُمُورَ الخِلْقِيَّةَ أثْبَتُ مِنَ العارِضَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أسْنَدَ تَرْكَ الإيمانِ بِهِ إلَيْهِمْ عَلى عَقِبِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ والتَّشْبِيهِ بَيْنَ السَّلْكَيْنِ، يَقْتَضِي تَغايُرَ مَن حَلَّ بِهِ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ في قُلُوبِ قُرَيْشٍ، سَلَكْناهُ في قُلُوبِ مَن أجْرَمَ، لِاشْتِراكِهِما في عِلَّةِ السَّلْكِ وهو الإجْرامُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ بِهِمْ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ إنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ، أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، وكَشْفُ الغَيْبِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ (قُلْتُ): مَوْقِعُهُ مِنهُ مَوْقِعُ المُوَضِّحِ والمُلَخِّصِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِثَباتِهِ، مُكَذَّبًا مَجْحُودًا في قُلُوبِهِمْ، فَأُتْبِعَ بِما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ وجُحُودِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ. انْتَهى. ورُؤْيَتُهُمُ العَذابَ، قِيلَ: في الدُّنْيا، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ بِياءٍ، أيِ العَذابُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أنَّثَ عَلى مَعْنى العَذابِ لِأنَّهُ العُقُوبَةُ، أيْ فَتَأْتِيَهُمُ العُقُوبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ: أتَتْهُ (p-٤٣)كِتابِي، فَلَمّا سُئِلَ قالَ: أوْ لَيْسَ بِصَحِيفَةٍ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَأْتِيَهم بِالتّاءِ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: أنَّثَ العَذابَ لِاشْتِمالِهِ عَلى السّاعَةِ، فاكْتَسى مِنها التَّأْنِيثَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَذابَ القِيامَةِ تَكْذِيبًا بِها، فَلِذَلِكَ أُنِّثَ. ولا يَكْتَسِي المُذَكَّرُ مِنَ المُؤَنَّثِ تَأْنِيثًا إلّا إنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ نَحْوَ: اجْتَمَعَتْ أهْلُ اليَمامَةِ، وقُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ، وشَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”بَغَتَةً“، بِفَتْحِ الغَيْنِ، ”فَتَأْتِيَهِمْ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] (قُلْتُ): لَيْسَ المَعْنى يُرادُ بِرُؤْيَةِ العَذابِ ومُفاجَأتِهِ وسُؤالِ النَّظِرَةِ فِيهِ الوُجُودُ، وإنَّما المَعْنى تَرَتُّبُها في الشِّدَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ حَتّى تَكُونَ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ مِمّا هو أشَدُّ مِنها، وهو لُحُوقُهُ بِهِمْ مُفاجَأةً مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ، وهو سُؤالُهُمُ النَّظِرَةَ. ومِثْلُ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنْ أسَأْتَ مَقَتَكَ الصّالِحُونَ، فَمَقَتَكَ اللَّهُ، فَإنَّكَ لا تَقْصِدُ بِهَذا التَّرْتِيبِ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ يُوجَدُ عَقِيبَ مَقْتِ الصّالِحِينَ، وإنَّما قَصْدُكَ إلى تَرْتِيبِ شِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُسِيءِ، وأنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ الإساءَةِ مَقْتُ الصّالِحِينَ. فَما هو أشَدُّ مِن مَقْتِهِمْ ؟ وهو مَقْتُ اللَّهِ. ويُرى، ثُمَّ يَقَعُ هَذا في هَذا الأُسْلُوبِ، فَيَحِلُّ مَوْقِعَهُ. انْتَهى. (فَيَقُولُوا) أيْ كُلُّ أُمَّةٍ مُعَذَّبَةٍ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَّمَنِّي مِنهم والرَّغْبَةِ حَيْثُ لا تَنْفَعُ الرَّغْبَةُ. ثُمَّ رَجَعَ لَفْظُ الآيَةِ إلى تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللَّهِ في طَلَبِهِمْ سُقُوطَ السَّماءِ كِسَفًا وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ: أيْنَ ما تَعِدُنا بِهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِإنْكارِهِ وتَهَكُّمٌ، ومَعْناهُ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ - مِن جِنْسِ ما هو فِيهِ اليَوْمَ - مِنَ النَّظِرَةِ والإمْهالِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ إلَيْها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ تَوْبِيخٍ، يُوَبَّخُونَ بِهِ عِنْدَ اسْتِنْظارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ويَسْتَعْجِلُونَ هَذا عَلى الوَجْهِ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ووَجْهٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إمّا كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طَوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ. فَقالَ عَزَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؟ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتَّكالًا عَلىَ الأمَلِ الطَّوِيلِ ؟ ثُمَّ قالَ: وهَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمَتُّعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ، فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ، ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ ؟ انْتَهى. وقِيلَ: أتْبَعَ قَوْلَهُ: ”فَتَأْتِيَهِمْ بَغْتَةً“ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةِ. ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ إلَيْهِ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا. وقِيلَ: يَطْلُبُونَ الرَّجْعَةَ حِين يَبْغَتُهم عَذابُ السّاعَةِ، فَلا يُجابُونَ إلَيْها.

الشعراء 26:197

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ . (p-٤٠)الضَّمِيرُ في: (وإنَّهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، بَلْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ عادَ أيْضًا إلى ما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الذِّكْرِ، لِيَتَناسَبَ المُفْتَتَحُ والمُخْتَتَمُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ مَرْفُوعانِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّشْدِيدِ ونَصْبِهِما. والرُّوحُ هُنا: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الرُّوحُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] . انْتَهى. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ و(لِتَكُونَ) بِـ ”نَزَلَ“، وخَصَّ القَلْبَ، والمَعْنى عَلَيْكَ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الوَعْيِ والتَّثْبِيتِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلى قَلْبِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَحْفُوظٌ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ ولا التَّغْيِيرُ، ولِيَكُونَ عِلَّةً في التَّنْزِيلِ أوِ النُّزُولِ اقْتَصَرَ عَلَيْها، لِأنَّ ذَلِكَ أزْجَرُ لِلسّامِعِ، وإنْ كانَ القُرْآنُ نَزَلَ لِلْإنْذارِ والتَّبْشِيرِ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِلِسانٍ) بِـ ”نَزَلَ“، فَكانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو القَوْلُ الصَّحِيحُ: وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَّوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعِجْلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ. ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (لِتَكُونَ) وتَمَسَّكَ بِهَذا مَن رَأى النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْمَعُ أحْيانًا مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، يَتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ، وهو مَرْدُودٌ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِلِسانٍ) إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ -؛ وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”نَزَلَ“، فَيَكُونَ المَعْنى: نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ لِتُنْذِرَ بِهِ، لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ، لَتَجافَوْا عَنْهُ أصْلًا، وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ ؟ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ. وفي هَذا الوَجْهِ، إنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ، تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ. ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا، لَكانَ نازلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها ولا تَعِيها، وقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عارِفًا بِعِدَّةِ لُغاتٍ، فَإذا كُلِّمَ بِلُغَتِها الَّتِي لُقِّنَها أوَّلًا ونَشَأ عَلَيْها وتَطَبَّعَ بِها، لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ إلّا إلى مَعانِي تِلْكَ الكَلِمِ يَتَلَقّاها بِقَلْبِهِ، ولا يَكادُ يَفْطَنُ لِلْألْفاظِ كَيْفَ جَرَتْ. وإنْ كُلِّمَ بِغَيْرِ تِلْكَ اللُّغَةِ، وإنْ كانَ ماهِرًا بِمَعْرِفَتِها، كانَ نَظَرُهُ أوَّلًا في ألْفاظِها، ثُمَّ في مَعانِيها. فَهَذا تَقْرِيرٌ أنَّهُ نَزَلَ عَلى قَلْبِهِ لِنُزُولِهِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. انْتَهى. وفِيهِ تَطْوِيلٌ. وإنَّهُ، أيِ القُرْآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ، مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ مُشارٌ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ مَعانِيَهُ فِيها، وبِهِ يُحْتَجُّ لِأبِي حَنِيفَةَ في جَوازِ القِراءَةِ بِالفارِسِيَّةِ في الصَّلاةِ، عَلى (p-٤١)أنَّ القُرْآنَ قُرْآنٌ إذا تُرْجِمَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ لِكَوْنِ مَعانِيهِ فِيها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ إنَّ ذِكْرَهُ ورِسالَتَهُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، يَكُونُ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، وكَذَلِكَ قِيلَ في أنْ يُعْلِمَهُ، أيْ أنْ يُعْلِمَ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِشَيْءٍ واحِدٍ أوْضَحُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: لَفي زُبْرِ، بِسُكُونِ الباءِ، والأصْلُ الضَّمُّ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرَهُ كَوْنُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، أيْ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلامَةٌ عَلى صِحَّتِهِ عِلْمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ ؟ إذْ كانَتْ قُرَيْشٌ تَرْجِعُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ويَسْألُونَهم عَنْها ويَقُولُونَ: هم أصْحابُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وقَدْ تَهَوَّدَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ، لِاعْتِقادِهِمْ في صِحَّةِ دِينِهِمْ. وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا نَعْتَهُ، وخَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةً. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ. ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ونَحْوُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنهم أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ تَعالى: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ [القصص: ٥٣] الآيَةَ. وقِيلَ: عُلَماؤُهم مَن أسْلَمَ مِنهم ومَن لَمْ يُسْلِمْ. وقِيلَ: أنْبِياؤُهم، حَيْثُ نَبَّهُوا عَلَيْهِ وأخْبَرُوا بِصِفَتِهِ وزَمانِهِ ومَكانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتُ (آيَةً) بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ الإعْرابِ تَوَسَّطَ خَبَرُ يَكُنْ، و﴿أنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الِاسْمُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والجَحْدَرِيُّ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةٌ“: بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا، وأنْ يَعْلَمَهُ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، وقَدْ خُرِّجَ لَها وجْهٌ آخَرُ لِيُتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ: في تَكُنْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، و”آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ“ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ ”لَهم آيَةً“ جُمْلَةُ الشَّأْنِ، و”أنْ يَعْلَمَهُ“ بَدَلًا مِن ”آيَةً“ . انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةً“ بِالنَّصْبِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ثُمَّ (لَمْ تَكُنْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] بِالنَّصْبِ، إلّا أنْ قالُوا، وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ: ؎فَمَضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً مِنهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقْدامُها ودَلَّ ذَلِكَ إمّا عَلى تَأْنِيثِ الِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإمّا لِتَأْوِيلِ ”أنْ يَعْلَمَهُ“ بِالمَعْرِفَةِ، وتَأْوِيلِ (إلّا أنْ قالُوا) بِالمَقالَةِ، وتَأْوِيلِ الإقْدامِ بِالإقْدامَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ”أنْ تَعْلَمَهُ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎قالَتْ بَنُو عامِرٍ خالُوا بَنِي أسَدٍ ∗∗∗ يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرّارًا لِأقْوامِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ: ”عُلَمَؤُا“ بِواوٍ بَيْنَ المِيمِ والألِفِ. قِيلَ: عَلى لُغَةِ مَن يُمِيلُ ألِفَ ”عُلَمَؤُا“ إلى الواوِ، كَما كَتَبُوا ”الصَّلَوةَ والزَّكَوةَ والرِّبَوا“ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأعْجَمِي الَّذِي لا يُفْصِحُ، وفي لِسانِهِ عُجْمَةٌ واسْتِعْجامٌ، والأعْجَمِيُّ مِثْلُهُ إلّا أنَّ فِيهِ لِزِيادَةِ ياءِ النِّسْبَةِ زِيادَةَ تَوْكِيدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمَ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيَّ النَّسَبِ يُقالُ لَهُ أعْجَمُ، وذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» . وأسْنَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: ”جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما كانُوا يُؤْمِنُونَ“ . والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نِسْبَتُهُ في العَجَمِ، وإنْ كانَ أفْصَحَ النّاسِ. انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ: ﴿الأعْجَمِينَ﴾ جَمْعُ أعْجَمَ عَلى التَّخْفِيفِ، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ. قِيلَ: والمَعْنى ولَوْ نَزَّلْناهُ بِلُغَةِ العَجَمِ عَلى رَجُلٍ أعْجَمِيٍّ فَقَرَأهُ عَلى العَرَبِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، حَيْثُ لَمْ يَفْهَمُوهُ، واسْتَنْكَفُوا مِنَ اتِّباعِهِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَّلْنا القُرْآنَ (p-٤٢)عَلى بَعْضِ العَجَمِ مِنَ الدَّوابِّ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا، لِعِنادِهِمْ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] الآيَةَ، وجُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ، لِأنَّهُ وُصِفَ بِالإنْزالِ عَلَيْهِ والقِراءَةِ، وهو فِعْلُ العُقَلاءِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ البَهائِمِ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ تُؤْمِنِ البَهائِمُ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ لِأنَّهم: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] انْتَهى. ولَمّا بَيَّنَ بِما تَقَدَّمَ، مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وأنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وكانَ في ذَلِكَ دَلِيلانِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تُجْدِي فِيهِمُ الدَّلائِلُ. ألا تَرى نُزُولَهُ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ، وسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وأدْرَكُوا إعْجازَهُ وتَصْدِيقَ كُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ لَهُ، ومَعَ ذَلِكَ جَحَدُوا وسَمَّوْهُ تارَةً شِعْرًا وتارَةً سِحْرًا ؟ ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، لَكَفَرُوا بِهِ وتَمَحَّلُوا بِجُحُودِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الأعْجَمِينَ جَمْعُ أعْجَمَ أوْ أعْجَمِيٍّ، عَلى حَذْفِ ياءِ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرِينَ، وواحِدُهم أشْعَرِيٌّ. وقالَ ابْنُ الجَهْمِ: قالَ الكُمَيْتُ: ؎ولَوْ جَهَّزْتُ قافِيَةً شَرُودًا ∗∗∗ لَقَدْ دَخَلَتْ بُيُوتَ الأشْعَرَيْنا انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: ”الأعْجَمِيِّينَ“، بِياءِ النَّسَبِ: جَمْعُ أعْجَمِيٍّ. والضَّمِيرُ في ﴿سَلَكْناهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ. قِيلَ: وهو القُرْآنُ، وقالَهُ الرُّمّانِيُّ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ، وهو الإدْخالُ والتَّمْكِينُ والتَّفْهِيمُ لِمَعانِيهِ. ﴿سَلَكْناهُ﴾ أدْخَلْناهُ ومَكَّنّاهُ في ﴿قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ . والمَعْنى: ما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ السَّلْكِ مِن كَوْنِهِمْ فَهِمُوهُ وأدْرَكُوهُ، ولَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا عِنادًا وجُحُودًا وكُفْرًا بِهِ، أيْ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ، كَما وضَعْناهُ فِيها. فَكَيْفَ ما يُرامُ إيمانُهم بِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ؟ وأعْماهم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والجُحُودِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: أدْخَلْناهُ فِيها، فَعَرَفُوا مَعانِيَهُ، وعَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وقالَ يَحْيَـى بْنُ سَلّامٍ: الضَّمِيرُ في سَلَكْناهُ يَعُودُ عَلى التَّكْذِيبِ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ. انْتَهى. ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَلَكْناهُ، أيِ القَسْوَةَ، وأسْنَدَ السَّلْكَ - تَعالى - إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُوجِدُ الأشْياءِ حَقِيقَةً، وهو الهادِي وخالِقُ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ أسْنَدَ السَّلْكَ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ إلى ذاتِهِ ؟ (قُلْتُ): أرادَ بِهِ الدَّلالَةَ عَلى تَمَكُّنِهِ مُكَذَّبًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمْكِينِ وأثْبَتَهُ، فَجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ أمْرٍ قَدْ جُبِلُوا عَلَيْهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: هو مَجْبُولٌ عَلى الشُّحِّ ؟ يُرِيدُونَ تَمَكُّنَ الشُّحِّ فِيهِ، لِأنَّ الأُمُورَ الخِلْقِيَّةَ أثْبَتُ مِنَ العارِضَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أسْنَدَ تَرْكَ الإيمانِ بِهِ إلَيْهِمْ عَلى عَقِبِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ والتَّشْبِيهِ بَيْنَ السَّلْكَيْنِ، يَقْتَضِي تَغايُرَ مَن حَلَّ بِهِ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ في قُلُوبِ قُرَيْشٍ، سَلَكْناهُ في قُلُوبِ مَن أجْرَمَ، لِاشْتِراكِهِما في عِلَّةِ السَّلْكِ وهو الإجْرامُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ بِهِمْ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ إنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ، أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، وكَشْفُ الغَيْبِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ (قُلْتُ): مَوْقِعُهُ مِنهُ مَوْقِعُ المُوَضِّحِ والمُلَخِّصِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِثَباتِهِ، مُكَذَّبًا مَجْحُودًا في قُلُوبِهِمْ، فَأُتْبِعَ بِما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ وجُحُودِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ. انْتَهى. ورُؤْيَتُهُمُ العَذابَ، قِيلَ: في الدُّنْيا، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ بِياءٍ، أيِ العَذابُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أنَّثَ عَلى مَعْنى العَذابِ لِأنَّهُ العُقُوبَةُ، أيْ فَتَأْتِيَهُمُ العُقُوبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ: أتَتْهُ (p-٤٣)كِتابِي، فَلَمّا سُئِلَ قالَ: أوْ لَيْسَ بِصَحِيفَةٍ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَأْتِيَهم بِالتّاءِ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: أنَّثَ العَذابَ لِاشْتِمالِهِ عَلى السّاعَةِ، فاكْتَسى مِنها التَّأْنِيثَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَذابَ القِيامَةِ تَكْذِيبًا بِها، فَلِذَلِكَ أُنِّثَ. ولا يَكْتَسِي المُذَكَّرُ مِنَ المُؤَنَّثِ تَأْنِيثًا إلّا إنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ نَحْوَ: اجْتَمَعَتْ أهْلُ اليَمامَةِ، وقُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ، وشَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”بَغَتَةً“، بِفَتْحِ الغَيْنِ، ”فَتَأْتِيَهِمْ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] (قُلْتُ): لَيْسَ المَعْنى يُرادُ بِرُؤْيَةِ العَذابِ ومُفاجَأتِهِ وسُؤالِ النَّظِرَةِ فِيهِ الوُجُودُ، وإنَّما المَعْنى تَرَتُّبُها في الشِّدَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ حَتّى تَكُونَ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ مِمّا هو أشَدُّ مِنها، وهو لُحُوقُهُ بِهِمْ مُفاجَأةً مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ، وهو سُؤالُهُمُ النَّظِرَةَ. ومِثْلُ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنْ أسَأْتَ مَقَتَكَ الصّالِحُونَ، فَمَقَتَكَ اللَّهُ، فَإنَّكَ لا تَقْصِدُ بِهَذا التَّرْتِيبِ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ يُوجَدُ عَقِيبَ مَقْتِ الصّالِحِينَ، وإنَّما قَصْدُكَ إلى تَرْتِيبِ شِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُسِيءِ، وأنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ الإساءَةِ مَقْتُ الصّالِحِينَ. فَما هو أشَدُّ مِن مَقْتِهِمْ ؟ وهو مَقْتُ اللَّهِ. ويُرى، ثُمَّ يَقَعُ هَذا في هَذا الأُسْلُوبِ، فَيَحِلُّ مَوْقِعَهُ. انْتَهى. (فَيَقُولُوا) أيْ كُلُّ أُمَّةٍ مُعَذَّبَةٍ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَّمَنِّي مِنهم والرَّغْبَةِ حَيْثُ لا تَنْفَعُ الرَّغْبَةُ. ثُمَّ رَجَعَ لَفْظُ الآيَةِ إلى تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللَّهِ في طَلَبِهِمْ سُقُوطَ السَّماءِ كِسَفًا وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ: أيْنَ ما تَعِدُنا بِهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِإنْكارِهِ وتَهَكُّمٌ، ومَعْناهُ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ - مِن جِنْسِ ما هو فِيهِ اليَوْمَ - مِنَ النَّظِرَةِ والإمْهالِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ إلَيْها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ تَوْبِيخٍ، يُوَبَّخُونَ بِهِ عِنْدَ اسْتِنْظارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ويَسْتَعْجِلُونَ هَذا عَلى الوَجْهِ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ووَجْهٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إمّا كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طَوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ. فَقالَ عَزَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؟ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتَّكالًا عَلىَ الأمَلِ الطَّوِيلِ ؟ ثُمَّ قالَ: وهَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمَتُّعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ، فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ، ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ ؟ انْتَهى. وقِيلَ: أتْبَعَ قَوْلَهُ: ”فَتَأْتِيَهِمْ بَغْتَةً“ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةِ. ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ إلَيْهِ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا. وقِيلَ: يَطْلُبُونَ الرَّجْعَةَ حِين يَبْغَتُهم عَذابُ السّاعَةِ، فَلا يُجابُونَ إلَيْها.

الشعراء 26:198

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ . (p-٤٠)الضَّمِيرُ في: (وإنَّهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، بَلْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ عادَ أيْضًا إلى ما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الذِّكْرِ، لِيَتَناسَبَ المُفْتَتَحُ والمُخْتَتَمُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ مَرْفُوعانِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّشْدِيدِ ونَصْبِهِما. والرُّوحُ هُنا: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الرُّوحُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] . انْتَهى. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ و(لِتَكُونَ) بِـ ”نَزَلَ“، وخَصَّ القَلْبَ، والمَعْنى عَلَيْكَ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الوَعْيِ والتَّثْبِيتِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلى قَلْبِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَحْفُوظٌ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ ولا التَّغْيِيرُ، ولِيَكُونَ عِلَّةً في التَّنْزِيلِ أوِ النُّزُولِ اقْتَصَرَ عَلَيْها، لِأنَّ ذَلِكَ أزْجَرُ لِلسّامِعِ، وإنْ كانَ القُرْآنُ نَزَلَ لِلْإنْذارِ والتَّبْشِيرِ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِلِسانٍ) بِـ ”نَزَلَ“، فَكانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو القَوْلُ الصَّحِيحُ: وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَّوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعِجْلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ. ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (لِتَكُونَ) وتَمَسَّكَ بِهَذا مَن رَأى النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْمَعُ أحْيانًا مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، يَتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ، وهو مَرْدُودٌ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِلِسانٍ) إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ -؛ وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”نَزَلَ“، فَيَكُونَ المَعْنى: نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ لِتُنْذِرَ بِهِ، لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ، لَتَجافَوْا عَنْهُ أصْلًا، وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ ؟ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ. وفي هَذا الوَجْهِ، إنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ، تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ. ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا، لَكانَ نازلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها ولا تَعِيها، وقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عارِفًا بِعِدَّةِ لُغاتٍ، فَإذا كُلِّمَ بِلُغَتِها الَّتِي لُقِّنَها أوَّلًا ونَشَأ عَلَيْها وتَطَبَّعَ بِها، لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ إلّا إلى مَعانِي تِلْكَ الكَلِمِ يَتَلَقّاها بِقَلْبِهِ، ولا يَكادُ يَفْطَنُ لِلْألْفاظِ كَيْفَ جَرَتْ. وإنْ كُلِّمَ بِغَيْرِ تِلْكَ اللُّغَةِ، وإنْ كانَ ماهِرًا بِمَعْرِفَتِها، كانَ نَظَرُهُ أوَّلًا في ألْفاظِها، ثُمَّ في مَعانِيها. فَهَذا تَقْرِيرٌ أنَّهُ نَزَلَ عَلى قَلْبِهِ لِنُزُولِهِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. انْتَهى. وفِيهِ تَطْوِيلٌ. وإنَّهُ، أيِ القُرْآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ، مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ مُشارٌ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ مَعانِيَهُ فِيها، وبِهِ يُحْتَجُّ لِأبِي حَنِيفَةَ في جَوازِ القِراءَةِ بِالفارِسِيَّةِ في الصَّلاةِ، عَلى (p-٤١)أنَّ القُرْآنَ قُرْآنٌ إذا تُرْجِمَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ لِكَوْنِ مَعانِيهِ فِيها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ إنَّ ذِكْرَهُ ورِسالَتَهُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، يَكُونُ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، وكَذَلِكَ قِيلَ في أنْ يُعْلِمَهُ، أيْ أنْ يُعْلِمَ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِشَيْءٍ واحِدٍ أوْضَحُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: لَفي زُبْرِ، بِسُكُونِ الباءِ، والأصْلُ الضَّمُّ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرَهُ كَوْنُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، أيْ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلامَةٌ عَلى صِحَّتِهِ عِلْمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ ؟ إذْ كانَتْ قُرَيْشٌ تَرْجِعُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ويَسْألُونَهم عَنْها ويَقُولُونَ: هم أصْحابُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وقَدْ تَهَوَّدَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ، لِاعْتِقادِهِمْ في صِحَّةِ دِينِهِمْ. وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا نَعْتَهُ، وخَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةً. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ. ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ونَحْوُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنهم أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ تَعالى: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ [القصص: ٥٣] الآيَةَ. وقِيلَ: عُلَماؤُهم مَن أسْلَمَ مِنهم ومَن لَمْ يُسْلِمْ. وقِيلَ: أنْبِياؤُهم، حَيْثُ نَبَّهُوا عَلَيْهِ وأخْبَرُوا بِصِفَتِهِ وزَمانِهِ ومَكانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتُ (آيَةً) بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ الإعْرابِ تَوَسَّطَ خَبَرُ يَكُنْ، و﴿أنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الِاسْمُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والجَحْدَرِيُّ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةٌ“: بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا، وأنْ يَعْلَمَهُ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، وقَدْ خُرِّجَ لَها وجْهٌ آخَرُ لِيُتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ: في تَكُنْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، و”آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ“ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ ”لَهم آيَةً“ جُمْلَةُ الشَّأْنِ، و”أنْ يَعْلَمَهُ“ بَدَلًا مِن ”آيَةً“ . انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةً“ بِالنَّصْبِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ثُمَّ (لَمْ تَكُنْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] بِالنَّصْبِ، إلّا أنْ قالُوا، وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ: ؎فَمَضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً مِنهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقْدامُها ودَلَّ ذَلِكَ إمّا عَلى تَأْنِيثِ الِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإمّا لِتَأْوِيلِ ”أنْ يَعْلَمَهُ“ بِالمَعْرِفَةِ، وتَأْوِيلِ (إلّا أنْ قالُوا) بِالمَقالَةِ، وتَأْوِيلِ الإقْدامِ بِالإقْدامَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ”أنْ تَعْلَمَهُ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎قالَتْ بَنُو عامِرٍ خالُوا بَنِي أسَدٍ ∗∗∗ يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرّارًا لِأقْوامِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ: ”عُلَمَؤُا“ بِواوٍ بَيْنَ المِيمِ والألِفِ. قِيلَ: عَلى لُغَةِ مَن يُمِيلُ ألِفَ ”عُلَمَؤُا“ إلى الواوِ، كَما كَتَبُوا ”الصَّلَوةَ والزَّكَوةَ والرِّبَوا“ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأعْجَمِي الَّذِي لا يُفْصِحُ، وفي لِسانِهِ عُجْمَةٌ واسْتِعْجامٌ، والأعْجَمِيُّ مِثْلُهُ إلّا أنَّ فِيهِ لِزِيادَةِ ياءِ النِّسْبَةِ زِيادَةَ تَوْكِيدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمَ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيَّ النَّسَبِ يُقالُ لَهُ أعْجَمُ، وذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» . وأسْنَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: ”جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما كانُوا يُؤْمِنُونَ“ . والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نِسْبَتُهُ في العَجَمِ، وإنْ كانَ أفْصَحَ النّاسِ. انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ: ﴿الأعْجَمِينَ﴾ جَمْعُ أعْجَمَ عَلى التَّخْفِيفِ، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ. قِيلَ: والمَعْنى ولَوْ نَزَّلْناهُ بِلُغَةِ العَجَمِ عَلى رَجُلٍ أعْجَمِيٍّ فَقَرَأهُ عَلى العَرَبِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، حَيْثُ لَمْ يَفْهَمُوهُ، واسْتَنْكَفُوا مِنَ اتِّباعِهِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَّلْنا القُرْآنَ (p-٤٢)عَلى بَعْضِ العَجَمِ مِنَ الدَّوابِّ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا، لِعِنادِهِمْ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] الآيَةَ، وجُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ، لِأنَّهُ وُصِفَ بِالإنْزالِ عَلَيْهِ والقِراءَةِ، وهو فِعْلُ العُقَلاءِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ البَهائِمِ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ تُؤْمِنِ البَهائِمُ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ لِأنَّهم: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] انْتَهى. ولَمّا بَيَّنَ بِما تَقَدَّمَ، مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وأنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وكانَ في ذَلِكَ دَلِيلانِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تُجْدِي فِيهِمُ الدَّلائِلُ. ألا تَرى نُزُولَهُ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ، وسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وأدْرَكُوا إعْجازَهُ وتَصْدِيقَ كُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ لَهُ، ومَعَ ذَلِكَ جَحَدُوا وسَمَّوْهُ تارَةً شِعْرًا وتارَةً سِحْرًا ؟ ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، لَكَفَرُوا بِهِ وتَمَحَّلُوا بِجُحُودِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الأعْجَمِينَ جَمْعُ أعْجَمَ أوْ أعْجَمِيٍّ، عَلى حَذْفِ ياءِ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرِينَ، وواحِدُهم أشْعَرِيٌّ. وقالَ ابْنُ الجَهْمِ: قالَ الكُمَيْتُ: ؎ولَوْ جَهَّزْتُ قافِيَةً شَرُودًا ∗∗∗ لَقَدْ دَخَلَتْ بُيُوتَ الأشْعَرَيْنا انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: ”الأعْجَمِيِّينَ“، بِياءِ النَّسَبِ: جَمْعُ أعْجَمِيٍّ. والضَّمِيرُ في ﴿سَلَكْناهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ. قِيلَ: وهو القُرْآنُ، وقالَهُ الرُّمّانِيُّ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ، وهو الإدْخالُ والتَّمْكِينُ والتَّفْهِيمُ لِمَعانِيهِ. ﴿سَلَكْناهُ﴾ أدْخَلْناهُ ومَكَّنّاهُ في ﴿قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ . والمَعْنى: ما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ السَّلْكِ مِن كَوْنِهِمْ فَهِمُوهُ وأدْرَكُوهُ، ولَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا عِنادًا وجُحُودًا وكُفْرًا بِهِ، أيْ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ، كَما وضَعْناهُ فِيها. فَكَيْفَ ما يُرامُ إيمانُهم بِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ؟ وأعْماهم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والجُحُودِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: أدْخَلْناهُ فِيها، فَعَرَفُوا مَعانِيَهُ، وعَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وقالَ يَحْيَـى بْنُ سَلّامٍ: الضَّمِيرُ في سَلَكْناهُ يَعُودُ عَلى التَّكْذِيبِ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ. انْتَهى. ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَلَكْناهُ، أيِ القَسْوَةَ، وأسْنَدَ السَّلْكَ - تَعالى - إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُوجِدُ الأشْياءِ حَقِيقَةً، وهو الهادِي وخالِقُ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ أسْنَدَ السَّلْكَ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ إلى ذاتِهِ ؟ (قُلْتُ): أرادَ بِهِ الدَّلالَةَ عَلى تَمَكُّنِهِ مُكَذَّبًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمْكِينِ وأثْبَتَهُ، فَجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ أمْرٍ قَدْ جُبِلُوا عَلَيْهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: هو مَجْبُولٌ عَلى الشُّحِّ ؟ يُرِيدُونَ تَمَكُّنَ الشُّحِّ فِيهِ، لِأنَّ الأُمُورَ الخِلْقِيَّةَ أثْبَتُ مِنَ العارِضَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أسْنَدَ تَرْكَ الإيمانِ بِهِ إلَيْهِمْ عَلى عَقِبِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ والتَّشْبِيهِ بَيْنَ السَّلْكَيْنِ، يَقْتَضِي تَغايُرَ مَن حَلَّ بِهِ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ في قُلُوبِ قُرَيْشٍ، سَلَكْناهُ في قُلُوبِ مَن أجْرَمَ، لِاشْتِراكِهِما في عِلَّةِ السَّلْكِ وهو الإجْرامُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ بِهِمْ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ إنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ، أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، وكَشْفُ الغَيْبِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ (قُلْتُ): مَوْقِعُهُ مِنهُ مَوْقِعُ المُوَضِّحِ والمُلَخِّصِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِثَباتِهِ، مُكَذَّبًا مَجْحُودًا في قُلُوبِهِمْ، فَأُتْبِعَ بِما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ وجُحُودِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ. انْتَهى. ورُؤْيَتُهُمُ العَذابَ، قِيلَ: في الدُّنْيا، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ بِياءٍ، أيِ العَذابُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أنَّثَ عَلى مَعْنى العَذابِ لِأنَّهُ العُقُوبَةُ، أيْ فَتَأْتِيَهُمُ العُقُوبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ: أتَتْهُ (p-٤٣)كِتابِي، فَلَمّا سُئِلَ قالَ: أوْ لَيْسَ بِصَحِيفَةٍ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَأْتِيَهم بِالتّاءِ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: أنَّثَ العَذابَ لِاشْتِمالِهِ عَلى السّاعَةِ، فاكْتَسى مِنها التَّأْنِيثَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَذابَ القِيامَةِ تَكْذِيبًا بِها، فَلِذَلِكَ أُنِّثَ. ولا يَكْتَسِي المُذَكَّرُ مِنَ المُؤَنَّثِ تَأْنِيثًا إلّا إنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ نَحْوَ: اجْتَمَعَتْ أهْلُ اليَمامَةِ، وقُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ، وشَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”بَغَتَةً“، بِفَتْحِ الغَيْنِ، ”فَتَأْتِيَهِمْ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] (قُلْتُ): لَيْسَ المَعْنى يُرادُ بِرُؤْيَةِ العَذابِ ومُفاجَأتِهِ وسُؤالِ النَّظِرَةِ فِيهِ الوُجُودُ، وإنَّما المَعْنى تَرَتُّبُها في الشِّدَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ حَتّى تَكُونَ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ مِمّا هو أشَدُّ مِنها، وهو لُحُوقُهُ بِهِمْ مُفاجَأةً مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ، وهو سُؤالُهُمُ النَّظِرَةَ. ومِثْلُ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنْ أسَأْتَ مَقَتَكَ الصّالِحُونَ، فَمَقَتَكَ اللَّهُ، فَإنَّكَ لا تَقْصِدُ بِهَذا التَّرْتِيبِ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ يُوجَدُ عَقِيبَ مَقْتِ الصّالِحِينَ، وإنَّما قَصْدُكَ إلى تَرْتِيبِ شِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُسِيءِ، وأنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ الإساءَةِ مَقْتُ الصّالِحِينَ. فَما هو أشَدُّ مِن مَقْتِهِمْ ؟ وهو مَقْتُ اللَّهِ. ويُرى، ثُمَّ يَقَعُ هَذا في هَذا الأُسْلُوبِ، فَيَحِلُّ مَوْقِعَهُ. انْتَهى. (فَيَقُولُوا) أيْ كُلُّ أُمَّةٍ مُعَذَّبَةٍ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَّمَنِّي مِنهم والرَّغْبَةِ حَيْثُ لا تَنْفَعُ الرَّغْبَةُ. ثُمَّ رَجَعَ لَفْظُ الآيَةِ إلى تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللَّهِ في طَلَبِهِمْ سُقُوطَ السَّماءِ كِسَفًا وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ: أيْنَ ما تَعِدُنا بِهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِإنْكارِهِ وتَهَكُّمٌ، ومَعْناهُ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ - مِن جِنْسِ ما هو فِيهِ اليَوْمَ - مِنَ النَّظِرَةِ والإمْهالِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ إلَيْها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ تَوْبِيخٍ، يُوَبَّخُونَ بِهِ عِنْدَ اسْتِنْظارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ويَسْتَعْجِلُونَ هَذا عَلى الوَجْهِ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ووَجْهٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إمّا كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طَوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ. فَقالَ عَزَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؟ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتَّكالًا عَلىَ الأمَلِ الطَّوِيلِ ؟ ثُمَّ قالَ: وهَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمَتُّعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ، فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ، ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ ؟ انْتَهى. وقِيلَ: أتْبَعَ قَوْلَهُ: ”فَتَأْتِيَهِمْ بَغْتَةً“ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةِ. ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ إلَيْهِ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا. وقِيلَ: يَطْلُبُونَ الرَّجْعَةَ حِين يَبْغَتُهم عَذابُ السّاعَةِ، فَلا يُجابُونَ إلَيْها.

الشعراء 26:199

﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ . (p-٤٠)الضَّمِيرُ في: (وإنَّهُ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، بَلْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَأنَّهُ عادَ أيْضًا إلى ما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنَ الذِّكْرِ، لِيَتَناسَبَ المُفْتَتَحُ والمُخْتَتَمُ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ: (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ مَرْفُوعانِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالتَّشْدِيدِ ونَصْبِهِما. والرُّوحُ هُنا: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الرُّوحُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] . انْتَهى. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ و(لِتَكُونَ) بِـ ”نَزَلَ“، وخَصَّ القَلْبَ، والمَعْنى عَلَيْكَ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الوَعْيِ والتَّثْبِيتِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلى قَلْبِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَحْفُوظٌ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ ولا التَّغْيِيرُ، ولِيَكُونَ عِلَّةً في التَّنْزِيلِ أوِ النُّزُولِ اقْتَصَرَ عَلَيْها، لِأنَّ ذَلِكَ أزْجَرُ لِلسّامِعِ، وإنْ كانَ القُرْآنُ نَزَلَ لِلْإنْذارِ والتَّبْشِيرِ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِلِسانٍ) بِـ ”نَزَلَ“، فَكانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو القَوْلُ الصَّحِيحُ: وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَّوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعِجْلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ. ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (لِتَكُونَ) وتَمَسَّكَ بِهَذا مَن رَأى النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْمَعُ أحْيانًا مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، يَتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ، وهو مَرْدُودٌ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِلِسانٍ) إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، وإسْماعِيلُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ -؛ وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”نَزَلَ“، فَيَكُونَ المَعْنى: نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ لِتُنْذِرَ بِهِ، لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ، لَتَجافَوْا عَنْهُ أصْلًا، وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ ؟ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ. وفي هَذا الوَجْهِ، إنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ، تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ. ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا، لَكانَ نازلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها ولا تَعِيها، وقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عارِفًا بِعِدَّةِ لُغاتٍ، فَإذا كُلِّمَ بِلُغَتِها الَّتِي لُقِّنَها أوَّلًا ونَشَأ عَلَيْها وتَطَبَّعَ بِها، لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ إلّا إلى مَعانِي تِلْكَ الكَلِمِ يَتَلَقّاها بِقَلْبِهِ، ولا يَكادُ يَفْطَنُ لِلْألْفاظِ كَيْفَ جَرَتْ. وإنْ كُلِّمَ بِغَيْرِ تِلْكَ اللُّغَةِ، وإنْ كانَ ماهِرًا بِمَعْرِفَتِها، كانَ نَظَرُهُ أوَّلًا في ألْفاظِها، ثُمَّ في مَعانِيها. فَهَذا تَقْرِيرٌ أنَّهُ نَزَلَ عَلى قَلْبِهِ لِنُزُولِهِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. انْتَهى. وفِيهِ تَطْوِيلٌ. وإنَّهُ، أيِ القُرْآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ، مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ مُشارٌ إلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ مَعانِيَهُ فِيها، وبِهِ يُحْتَجُّ لِأبِي حَنِيفَةَ في جَوازِ القِراءَةِ بِالفارِسِيَّةِ في الصَّلاةِ، عَلى (p-٤١)أنَّ القُرْآنَ قُرْآنٌ إذا تُرْجِمَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ لِكَوْنِ مَعانِيهِ فِيها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ إنَّ ذِكْرَهُ ورِسالَتَهُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، يَكُونُ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، وكَذَلِكَ قِيلَ في أنْ يُعْلِمَهُ، أيْ أنْ يُعْلِمَ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَناسُقُ الضَّمائِرِ لِشَيْءٍ واحِدٍ أوْضَحُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: لَفي زُبْرِ، بِسُكُونِ الباءِ، والأصْلُ الضَّمُّ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرَهُ كَوْنُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، أيْ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلامَةٌ عَلى صِحَّتِهِ عِلْمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ ؟ إذْ كانَتْ قُرَيْشٌ تَرْجِعُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ويَسْألُونَهم عَنْها ويَقُولُونَ: هم أصْحابُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وقَدْ تَهَوَّدَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ، لِاعْتِقادِهِمْ في صِحَّةِ دِينِهِمْ. وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا نَعْتَهُ، وخَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةً. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ. ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ونَحْوُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنهم أسْلَمُوا ونَصُّوا عَلى مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ذُكِرَ فِيها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ تَعالى: ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ [القصص: ٥٣] الآيَةَ. وقِيلَ: عُلَماؤُهم مَن أسْلَمَ مِنهم ومَن لَمْ يُسْلِمْ. وقِيلَ: أنْبِياؤُهم، حَيْثُ نَبَّهُوا عَلَيْهِ وأخْبَرُوا بِصِفَتِهِ وزَمانِهِ ومَكانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ﴾ بِالياءِ مِن تَحْتُ (آيَةً) بِالنَّصْبِ، وهي قِراءَةٌ واضِحَةُ الإعْرابِ تَوَسَّطَ خَبَرُ يَكُنْ، و﴿أنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الِاسْمُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والجَحْدَرِيُّ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةٌ“: بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَتْ ”آيَةٌ“ اسْمًا، وأنْ يَعْلَمَهُ خَبَرًا، ولَيْسَتْ كالأُولى لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ اسْمًا والمَعْرِفَةِ خَبَرًا، وقَدْ خُرِّجَ لَها وجْهٌ آخَرُ لِيُتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ: في تَكُنْ ضَمِيرُ القِصَّةِ، و”آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ“ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ ”لَهم آيَةً“ جُمْلَةُ الشَّأْنِ، و”أنْ يَعْلَمَهُ“ بَدَلًا مِن ”آيَةً“ . انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكُنْ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، ”آيَةً“ بِالنَّصْبِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ثُمَّ (لَمْ تَكُنْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] بِالنَّصْبِ، إلّا أنْ قالُوا، وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ: ؎فَمَضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً مِنهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقْدامُها ودَلَّ ذَلِكَ إمّا عَلى تَأْنِيثِ الِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإمّا لِتَأْوِيلِ ”أنْ يَعْلَمَهُ“ بِالمَعْرِفَةِ، وتَأْوِيلِ (إلّا أنْ قالُوا) بِالمَقالَةِ، وتَأْوِيلِ الإقْدامِ بِالإقْدامَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ”أنْ تَعْلَمَهُ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎قالَتْ بَنُو عامِرٍ خالُوا بَنِي أسَدٍ ∗∗∗ يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرّارًا لِأقْوامِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ: ”عُلَمَؤُا“ بِواوٍ بَيْنَ المِيمِ والألِفِ. قِيلَ: عَلى لُغَةِ مَن يُمِيلُ ألِفَ ”عُلَمَؤُا“ إلى الواوِ، كَما كَتَبُوا ”الصَّلَوةَ والزَّكَوةَ والرِّبَوا“ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأعْجَمِي الَّذِي لا يُفْصِحُ، وفي لِسانِهِ عُجْمَةٌ واسْتِعْجامٌ، والأعْجَمِيُّ مِثْلُهُ إلّا أنَّ فِيهِ لِزِيادَةِ ياءِ النِّسْبَةِ زِيادَةَ تَوْكِيدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمَ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيَّ النَّسَبِ يُقالُ لَهُ أعْجَمُ، وذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ» . وأسْنَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: ”جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما كانُوا يُؤْمِنُونَ“ . والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نِسْبَتُهُ في العَجَمِ، وإنْ كانَ أفْصَحَ النّاسِ. انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ: ﴿الأعْجَمِينَ﴾ جَمْعُ أعْجَمَ عَلى التَّخْفِيفِ، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ. قِيلَ: والمَعْنى ولَوْ نَزَّلْناهُ بِلُغَةِ العَجَمِ عَلى رَجُلٍ أعْجَمِيٍّ فَقَرَأهُ عَلى العَرَبِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، حَيْثُ لَمْ يَفْهَمُوهُ، واسْتَنْكَفُوا مِنَ اتِّباعِهِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَّلْنا القُرْآنَ (p-٤٢)عَلى بَعْضِ العَجَمِ مِنَ الدَّوابِّ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا، لِعِنادِهِمْ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] الآيَةَ، وجُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ، لِأنَّهُ وُصِفَ بِالإنْزالِ عَلَيْهِ والقِراءَةِ، وهو فِعْلُ العُقَلاءِ. وقِيلَ: ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ البَهائِمِ، فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ تُؤْمِنِ البَهائِمُ، كَذَلِكَ هَؤُلاءِ لِأنَّهم: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] انْتَهى. ولَمّا بَيَّنَ بِما تَقَدَّمَ، مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وأنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وكانَ في ذَلِكَ دَلِيلانِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لا تُجْدِي فِيهِمُ الدَّلائِلُ. ألا تَرى نُزُولَهُ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ، وسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ وأدْرَكُوا إعْجازَهُ وتَصْدِيقَ كُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ لَهُ، ومَعَ ذَلِكَ جَحَدُوا وسَمَّوْهُ تارَةً شِعْرًا وتارَةً سِحْرًا ؟ ولَوْ نَزَلَ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ، لَكَفَرُوا بِهِ وتَمَحَّلُوا بِجُحُودِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: الأعْجَمِينَ جَمْعُ أعْجَمَ أوْ أعْجَمِيٍّ، عَلى حَذْفِ ياءِ النَّسَبِ، كَما قالُوا: الأشْعَرِينَ، وواحِدُهم أشْعَرِيٌّ. وقالَ ابْنُ الجَهْمِ: قالَ الكُمَيْتُ: ؎ولَوْ جَهَّزْتُ قافِيَةً شَرُودًا ∗∗∗ لَقَدْ دَخَلَتْ بُيُوتَ الأشْعَرَيْنا انْتَهى. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مِقْسَمٍ: ”الأعْجَمِيِّينَ“، بِياءِ النَّسَبِ: جَمْعُ أعْجَمِيٍّ. والضَّمِيرُ في ﴿سَلَكْناهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ. قِيلَ: وهو القُرْآنُ، وقالَهُ الرُّمّانِيُّ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ، وهو الإدْخالُ والتَّمْكِينُ والتَّفْهِيمُ لِمَعانِيهِ. ﴿سَلَكْناهُ﴾ أدْخَلْناهُ ومَكَّنّاهُ في ﴿قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ . والمَعْنى: ما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ السَّلْكِ مِن كَوْنِهِمْ فَهِمُوهُ وأدْرَكُوهُ، ولَمْ يَزِدْهم ذَلِكَ إلّا عِنادًا وجُحُودًا وكُفْرًا بِهِ، أيْ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ وهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ، كَما وضَعْناهُ فِيها. فَكَيْفَ ما يُرامُ إيمانُهم بِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ؟ وأعْماهم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والجُحُودِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: أدْخَلْناهُ فِيها، فَعَرَفُوا مَعانِيَهُ، وعَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وقالَ يَحْيَـى بْنُ سَلّامٍ: الضَّمِيرُ في سَلَكْناهُ يَعُودُ عَلى التَّكْذِيبِ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ. انْتَهى. ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . انْتَهى. وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَلَكْناهُ، أيِ القَسْوَةَ، وأسْنَدَ السَّلْكَ - تَعالى - إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُوجِدُ الأشْياءِ حَقِيقَةً، وهو الهادِي وخالِقُ الضَّلالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ أسْنَدَ السَّلْكَ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ إلى ذاتِهِ ؟ (قُلْتُ): أرادَ بِهِ الدَّلالَةَ عَلى تَمَكُّنِهِ مُكَذَّبًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمْكِينِ وأثْبَتَهُ، فَجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ أمْرٍ قَدْ جُبِلُوا عَلَيْهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: هو مَجْبُولٌ عَلى الشُّحِّ ؟ يُرِيدُونَ تَمَكُّنَ الشُّحِّ فِيهِ، لِأنَّ الأُمُورَ الخِلْقِيَّةَ أثْبَتُ مِنَ العارِضَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أسْنَدَ تَرْكَ الإيمانِ بِهِ إلَيْهِمْ عَلى عَقِبِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِهِ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ والتَّشْبِيهِ بَيْنَ السَّلْكَيْنِ، يَقْتَضِي تَغايُرَ مَن حَلَّ بِهِ. والمَعْنى: مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ في قُلُوبِ قُرَيْشٍ، سَلَكْناهُ في قُلُوبِ مَن أجْرَمَ، لِاشْتِراكِهِما في عِلَّةِ السَّلْكِ وهو الإجْرامُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ بِهِمْ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ إنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ، أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، وكَشْفُ الغَيْبِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَوْقِعُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ؟ (قُلْتُ): مَوْقِعُهُ مِنهُ مَوْقِعُ المُوَضِّحِ والمُلَخِّصِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِثَباتِهِ، مُكَذَّبًا مَجْحُودًا في قُلُوبِهِمْ، فَأُتْبِعَ بِما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ وجُحُودِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ. انْتَهى. ورُؤْيَتُهُمُ العَذابَ، قِيلَ: في الدُّنْيا، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ بِياءٍ، أيِ العَذابُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أنَّثَ عَلى مَعْنى العَذابِ لِأنَّهُ العُقُوبَةُ، أيْ فَتَأْتِيَهُمُ العُقُوبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ: أتَتْهُ (p-٤٣)كِتابِي، فَلَمّا سُئِلَ قالَ: أوْ لَيْسَ بِصَحِيفَةٍ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَأْتِيَهم بِالتّاءِ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: أنَّثَ العَذابَ لِاشْتِمالِهِ عَلى السّاعَةِ، فاكْتَسى مِنها التَّأْنِيثَ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْألُونَ عَذابَ القِيامَةِ تَكْذِيبًا بِها، فَلِذَلِكَ أُنِّثَ. ولا يَكْتَسِي المُذَكَّرُ مِنَ المُؤَنَّثِ تَأْنِيثًا إلّا إنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ نَحْوَ: اجْتَمَعَتْ أهْلُ اليَمامَةِ، وقُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ، وشَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”بَغَتَةً“، بِفَتْحِ الغَيْنِ، ”فَتَأْتِيَهِمْ“ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، يَعْنِي السّاعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] (قُلْتُ): لَيْسَ المَعْنى يُرادُ بِرُؤْيَةِ العَذابِ ومُفاجَأتِهِ وسُؤالِ النَّظِرَةِ فِيهِ الوُجُودُ، وإنَّما المَعْنى تَرَتُّبُها في الشِّدَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ حَتّى تَكُونَ رُؤْيَتُهُمُ العَذابَ مِمّا هو أشَدُّ مِنها، وهو لُحُوقُهُ بِهِمْ مُفاجَأةً مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ، وهو سُؤالُهُمُ النَّظِرَةَ. ومِثْلُ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنْ أسَأْتَ مَقَتَكَ الصّالِحُونَ، فَمَقَتَكَ اللَّهُ، فَإنَّكَ لا تَقْصِدُ بِهَذا التَّرْتِيبِ أنَّ مَقْتَ اللَّهِ يُوجَدُ عَقِيبَ مَقْتِ الصّالِحِينَ، وإنَّما قَصْدُكَ إلى تَرْتِيبِ شِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُسِيءِ، وأنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ الإساءَةِ مَقْتُ الصّالِحِينَ. فَما هو أشَدُّ مِن مَقْتِهِمْ ؟ وهو مَقْتُ اللَّهِ. ويُرى، ثُمَّ يَقَعُ هَذا في هَذا الأُسْلُوبِ، فَيَحِلُّ مَوْقِعَهُ. انْتَهى. (فَيَقُولُوا) أيْ كُلُّ أُمَّةٍ مُعَذَّبَةٍ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَّمَنِّي مِنهم والرَّغْبَةِ حَيْثُ لا تَنْفَعُ الرَّغْبَةُ. ثُمَّ رَجَعَ لَفْظُ الآيَةِ إلى تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللَّهِ في طَلَبِهِمْ سُقُوطَ السَّماءِ كِسَفًا وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ: أيْنَ ما تَعِدُنا بِهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم بِإنْكارِهِ وتَهَكُّمٌ، ومَعْناهُ: كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ العَذابَ مَن هو مُعَرَّضٌ لِعَذابٍ يَسْألُ فِيهِ - مِن جِنْسِ ما هو فِيهِ اليَوْمَ - مِنَ النَّظِرَةِ والإمْهالِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُ إلَيْها. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ تَوْبِيخٍ، يُوَبَّخُونَ بِهِ عِنْدَ اسْتِنْظارِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ويَسْتَعْجِلُونَ هَذا عَلى الوَجْهِ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ووَجْهٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ، وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إمّا كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ، وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طَوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ. فَقالَ عَزَّ وعَلا: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؟ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتَّكالًا عَلىَ الأمَلِ الطَّوِيلِ ؟ ثُمَّ قالَ: وهَبْ أنَّ الأمْرَ كَما يَعْتَقِدُونَ مِن تَمَتُّعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ، فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ، ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ ؟ انْتَهى. وقِيلَ: أتْبَعَ قَوْلَهُ: ”فَتَأْتِيَهِمْ بَغْتَةً“ بِما يَكُونُ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَسْرَةِ. ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ كَما يَسْتَغِيثُ إلَيْهِ المَرْءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الخَلاصِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ أنْ لا مَلْجَأ، لَكِنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِرْواحًا. وقِيلَ: يَطْلُبُونَ الرَّجْعَةَ حِين يَبْغَتُهم عَذابُ السّاعَةِ، فَلا يُجابُونَ إلَيْها.