Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — النمل 27:47 – النمل 27:67

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. النمل 27:47
  2. النمل 27:48
  3. النمل 27:49
  4. النمل 27:50
  5. النمل 27:51
  6. النمل 27:52
  7. النمل 27:53
  8. النمل 27:54
  9. النمل 27:55
  10. النمل 27:56
  11. النمل 27:57
  12. النمل 27:58
  13. النمل 27:59
  14. النمل 27:60
  15. النمل 27:61
  16. النمل 27:62
  17. النمل 27:63
  18. النمل 27:64
  19. النمل 27:65
  20. النمل 27:66
  21. النمل 27:67

النمل 27:47

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمْ مَن يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] ﴿أمْ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١] ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] . (p-٨١)والحَدِيقَةُ: البُسْتانُ، كانَ عَلَيْهِ جِدارٌ أوْ لَمْ يَكُنْ. الحاجِزُ: الفاصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. الفَوْجُ: الجَماعَةُ. الجُمُودُ: سُكُونُ الشَّيْءِ وعَدَمُ حَرَكَتِهِ. الإتْقانُ: الإتْيانُ بِالشَّيْءِ عَلى أحْسَنِ حالاتِهِ مِنَ الكَمالِ والإحْكامِ في الخَلْقِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِ العَرَبِ: تَقِنُوا أرْضَهم إذا أرْسَلُوا فِيها الماءَ الخاثِرَ بِالتُّرابِ فَتَجُودُ، والتِّقْنِ: ما رُمِيَ بِهِ الماءُ في الغَدِيرِ، وهو الَّذِي يَجِيءُ بِهِ الماءُ مِنَ الخُثُورَةِ. كَبَبْتُ الرَّجُلَ: ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . (p-٨٢)ثَمُودُ هي عادٌ الأُولى، وصالِحٌ أخُوهم في النَّسَبِ. لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وداوُدَ وسُلَيْمانَ، وهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ذَكَرَ قِصَّةَ مَن هو مِنَ العَرَبِ، يُذَكِّرُ بِها قُرَيْشًا والعَرَبَ، ويُنَبِّهُهم أنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ مِنَ العَرَبِ كانَ يَدْعُو إلى إفْرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالعِبادَةِ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم في عِبادَةِ الأصْنامِ عَلى ضَلالَةٍ، وأنَّ شَأْنَ الأنْبِياءِ عَرَبَهم وعَجَمَهم هو الدُّعاءُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، و”أنْ“ في: ﴿أنِ اعْبُدُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ ﴿أرْسَلْنا﴾ تَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِأنِ اعْبُدُوا، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي فَفي مَوْضِعِها خِلافٌ، أهْوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أمْ في مَوْضِعِ جَرٍّ ؟ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَإذا هُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿ثَمُودَ﴾ وأنَّ قَوْمَهُ انْقَسَمُوا فَرِيقَيْنِ: مُؤْمِنًا وكافِرًا، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنُ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ بِالفَرِيقَيْنِ: صالِحٌ وقَوْمُهُ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ. انْتَهى. فَجَعَلَ الفَرِيقَ الواحِدَ هو صالِحٌ، والفَرِيقَ الآخَرَ قَوْمَهُ، وإذا هُنا هي الفُجائِيَّةُ، وعَطَفَ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ لا المُهْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: أنَّهم بادَرُوا بِالِاخْتِصامِ، مُتَعَقِّبًا دُعاءَ صالِحٍ إيّاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ. وجاءَ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ الفَرِيقانِ مَن آمَنَ ومَن كَفَرَ، فالجَمْعِيَّةُ حاصِلَةٌ في كُلِّ فَرِيقٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ فَرِيقَ المُؤْمِنِ جَمْعٌ قَوْلُهُ: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] فَقالَ: آمَنتُمْ، وهو ضَمِيرُ الجَمْعِ. وإنْ كانَ الفَرِيقُ المُؤْمِنُ هو صالِحٌ وحْدَهُ، فَإنَّهُ قَدِ انْضَمَّ إلى قَوْمِهِ، والمَجْمُوعُ جَمْعٌ، وأُوثِرَ يَخْتَصِمُونَ عَلى يَخْتَصِمانِ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ التَّثْنِيَةِ جائِزًا فَصِيحًا؛ لِأنَّهُ مَقْطَعُ فَصْلٍ، واخْتِصاصُهم دَعْوى كُلِّ فَرِيقٍ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَخاصُمَهم في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ تَلَطَّفَ صالِحٌ بِقَوْمِهِ ورَفَقَ بِهِمْ في الخِطابِ فَقالَ مُنادِيًا لَهم عَلى جِهَةِ التَّحَنُّنِ عَلَيْهِمْ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ بِوُقُوعِ ما يَسُوءُكم قَبْلَ الحالَةِ الحَسَنَةِ، وهي رَحْمَةُ اللَّهِ. وكانَ قَدْ قالَ لَهم في حَدِيثِ النّاقَةِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] فَقالُوا لَهُ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] . وقِيلَ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِوُقُوعِ المَعاصِي مِنكم قَبْلَ الطّاعَةِ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى اسْتِعْجالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَتا مُتَوَقَّعَتَيْنِ إحْداهُما قَبْلَ الأُخْرى ؟ (قُلْتُ): كانُوا يَقُولُونَ بِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُنا صالِحٌ، إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ، تُبْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، مُقَدِّرِينَ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنْ لَمْ تَقَعْ، فَنَحْنُ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، فَخاطَبَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ. انْتَهى. ثُمَّ حَضَّهم عَلى ما فِيهِ دَرْءُ السَّيِّئَةِ عَنْهم، وهو الإيمانُ واسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الكُفْرِ، وناطَ ذَلِكَ بِتَرَجِّي الرَّحْمَةِ، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى اسْتِغْفارِهِمْ. وكانَ في التَّحْضِيضِ تَنْبِيهٌ عَلى الخَطَأِ مِنهم في اسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ، وتَجْهِيلٌ لَهم في اعْتِقادِهِمْ. ولَمّا لاطَفَهم في الخِطابِ أغْلَظُوا لَهُ وقالُوا: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ وبِالَّذِينِ آمَنُوا مَعَكَ. ودَلَّ هَذا العَطْفُ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ كانُوا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿وبِمَن مَعَكَ﴾ وكانُوا قَدْ قَحِطُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى التَّطَيُّرِ في سُورَةِ الأعْرافِ، جَعَلُوا سَبَبَ قَحْطِهِمْ هو ذاتُ صالِحٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ حَظُّكم في الحَقِيقَةِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هو عِنْدَ اللَّهِ وبِقَضائِهِ، إنْ شاءَ رَزَقَكم، وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ عَمَلُكم مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَمِنهُ نَزَلَ بِكم ما نَزَلَ عُقُوبَةً لَكم وفِتْنَةً، ومِنهُ ”طائِرُكم مَعَكم“، وكُلُّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ”. وقُرِئَ: تَطَيَّرْنا بِكَ عَلى الأصْلِ، ومَعْنى تَطَيَّرَ بِهِ: تَشاءَمَ بِهِ، وتَطَيَّرَ (p-٨٣)مِنهُ: نَفَرَ عَنْهُ. انْتَهى. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِحالِهِمْ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ تُخْتَبَرُونَ، أوْ تُعَذَّبُونَ، أوْ يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ إلَيْكُمُ الطِّيَرَةَ، أوْ تُفْتَنُونَ بِشَهَواتِهِ: أيْ تَشْفَعُونَ بِها، كَما يُقالُ: فُتِنَ فُلانٌ بِفُلانٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎داءٌ قَدِيمٌ في بَنِي آدَمَ فِتْنَةٌ إنْسانٍ بِإنْسانِ وهَذِهِ أقْوالٌ يَحْتَمِلُها لَفْظُ تُفْتَنُونَ، وجاءَ تُفْتَنُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى مُراعاةِ أنْتُمْ، وهو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ. ويَجُوزُ يُفْتَنُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُراعاةِ لَفْظِ“ قَوْمٌ ”، وهو قَلِيلٌ. تَقُولُ العَرَبُ: أنْتَ رَجُلٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، بِتاءِ الخِطابِ وبِياءِ الغَيْبَةِ. والمَدِينَةُ مُجْتَمَعُ ثَمُودَ وقَرْيَتُهم، وهي الحِجْرُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أسْماءَ التِّسْعَةِ، وفي بَعْضِها اخْتِلافٌ، ورَأْسُهم: قُدارُ بْنُ سالِفٍ، وأسْماؤُهم لا تَنْضَبِطُ بِشَكْلٍ ولا تَتَعَيَّنُ، فَلِذَلِكَ ضَرَبْنا صَفْحًا عَنْ ذِكْرِها، وكانُوا عُظَماءَ القَرْيَةِ وأغْنِياءَها وفُسّاقَها. والرَّهْطُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، والنَّفَرُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى التِّسْعَةِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المَعْنى: تِسْعَةُ رِجالٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جازَ تَمْيِيزُ التِّسْعَةِ بِالرَّهْطِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِسْعَةُ أنْفُسٍ. انْتَهى. وتَقْدِيرُ غَيْرِهِ: تِسْعَةُ رِجالٍ هو الأوْلى؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أضافَ إلى أنْفُسٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: تِسْعُ أنْفُسٍ، عَلى تَأْنِيثِ النَّفْسِ، إذِ الفَصِيحُ فِيها التَّأْنِيثُ. ألا تَراهم عَدُّوا مِنَ الشُّذُوذِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ثَلاثَـةُ أنْفُسٍ وثَـلاثُ ذَوْدٍ فَأدْخَلَ التّاءَ في ثَلاثَةٍ؛ وكانَ الفَصِيحُ أنْ يَقُولَ: ثَلاثُ أنْفُسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ، إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ، لِاخْتِلافِ صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ، لا لِاخْتِلافِ أجْناسِهِمْ. انْتَهى. قِيلَ: والرَّهْطُ اسْمُ الجَماعَةِ، وكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ، مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم رَهْطٌ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ التَّرْهِيطِ، وهو تَعْظِيمُ اللُّقَمِ وشِدَّةُ الأكْلِ. انْتَهى. ورَهْطٌ: اسْمُ جَمْعٍ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ فَصْلَهُ بِمِن هو الفَصِيحُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] . واخْتَلَفُوا في جَوازِ إضافَةِ العَدَدِ إلَيْهِ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وما ورَدَ مِنَ الإضافَةِ إلَيْهِ فَهو عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُقالُ: ثَلاثُ غَنَمٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ويَنْقاسُ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وفَصَلَ قَوْمٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَمْعِ لِلْقَلِيلِ، كَرَهْطٍ ونَفَرٍ وذَوْدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، أوْ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ يُسْتَعْمَلُ لَهُما، فَلا تَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ المازِنِيِّ، وقَدْ أطَلْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . و﴿يُفْسِدُونَ﴾ صِفَةٌ“ لِتِسْعَةِ رَهْطٍ ”، والمَعْنى: أنَّهم يُفْسِدُونَ الفَسادَ العَظِيمَ الَّذِي لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الإصْلاحِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾؛ لِأنَّ بَعْضَ مَن يَقَعُ مِنهُ إفْسادٌ قَدْ يَقَعُ مِنهُ إصْلاحٌ في بَعْضِ الأحْيانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ تَقاسَمُوا ”، وابْنُ أبِي لَيْلى: تَقَسَّمُوا، بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وكِلاهُما مِنَ القَسَمِ والتَّقاسُمِ والتَّقْسِيمِ، كالتَّظاهُرِ والتَّظْهِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿تَقاسَمُوا﴾ فِعْلُ أمْرٍ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أشارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالحَلِفِ عَلى تَبْيِيتِ صالِحٍ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَقاسَمُوا فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:“ تَقاسَمُوا ”يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا وخَبَرًا عَلى مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا: مُتَقاسِمِينَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: وخَبَرًا، فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الخَبَرَ هو أحَدُ قِسْمَيِ الكَلامِ، إذْ هو مُنْقَسِمٌ إلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، وجَمِيعُ مَعانِيهِ إذا حَقَّقْتَ راجِعَةٌ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ. وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ وقُرِئَ“ لَنُبَيِّتَنَّهُ ”بِالياءِ والتّاءِ والنُّونِ، فَتَقاسَمُوا مَعَ النُّونِ والتّاءِ يَصِحُّ فِيهِ الوَجْهانِ، يَعْنِي فِيهِ: أيْ في تَقاسَمُوا بِاللَّهِ، والوَجْهانِ هُما الأمْرُ والخَبَرُ عِنْدَهُ. قالَ: ومَعَ الياءِ لا يَصِحُّ إلّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا. انْتَهى. والتَّقْيِيدُ بِالحالِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ نِسْبَةِ التَّقْيِيدِ، لا مِن نِسْبَةِ الكَلامِ الَّتِي هي الإسْنادُ، فَإذا أُطْلِقَ عَلَيْها الخَبَرُ، كانَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ حالًا لَجازَ أنْ (p-٨٤)تُسْتَعْمَلُ خَبَرًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهم في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَهُ صِلَةً أنَّها خَبَرِيَّةٌ هو مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ صِلَةً، لَجازَ أنْ تُسْتَعْمَلَ خَبَرًا، وهَذا شَيْءٌ فِيهِ غُمُوضٌ، ولا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ، فَقَدْ كَثُرَ وُقُوعُ الماضِي حالًا بِغَيْرِ قَدْ كَثْرَةً يَنْبَغِي القِياسُ عَلَيْها. وعَلى هَذا الإعْرابِ، احْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِتَقاسَمُوا الَّذِي هو حالٌ، فَهو مِن صِلَتِهِ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ. والمَقُولِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ وما بَعْدَهُ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ هو وما بَعْدَهُ هو المَقُولَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِتاءِ خِطابِ الجَمْعِ؛ ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِياءِ الغَيْبَةِ، والفِعْلانِ مُسْنَدانِ لِلْجَمْعِ؛ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ في الأوَّلِ مُسْنَدًا لِلْجَمْعِ، أيْ“ لَيُبَيِّتُنَّهُ ”، أيْ قَوْمٌ مِنّا، وبِالنُّونِ في الثّانِي، أيْ جَمِيعُنا ما يَقُولُ لِوَلِيِّهِ، والبَياتُ: مُباغِتَةُ العَدُوِّ. وعَنِ الإسْكَنْدَرِ أنَّهُ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِالبَياتِ فَقالَ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُلُوكِ اسْتِراقُ الظَّفَرِ، ووَلِيُّهُ: طالِبُ ثَأْرِهِ إذا قُتِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُهْلَكَ، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مِن أهْلَكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: مَهْلِكَ، بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وأبُو بَكْرٍ: بِفَتْحِهِما. فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والزَّمانَ والمَكانَ، أيْ ما شَهِدْنا إهْلاكَ أهْلِهِ، أوْ زَمانَ إهْلاكِهِمْ، أوْ مَكانَ إهْلاكِهِمْ. ويَلْزَمُ مِن هَذَيْنِ أنَّهم إذا لَمْ يَشْهَدُوا الزَّمانَ ولا المَكانَ أنْ لا يَشْهَدُوا الإهْلاكَ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فالقِياسُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ والمَكانِ، أيْ ما شَهِدْنا زَمانَ هَلاكِهِمْ ولا مَكانَهُ. والثّالِثَةُ: تَقْتَضِي القِياسَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ ما شَهِدْنا هَلاكَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذَكَرُوا القِراءاتِ الثَّلاثَةَ، قالَ: ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والزَّمانُ والمَكانُ. انْتَهى. والظّاهِرُ في الكَلامِ حَذْفُ مَعْطُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ومَهْلِكَهُ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿لِنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ وما رُوِيَ أنَّهم كانُوا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا المَعْطُوفِ جائِزٌ في الفَصِيحِ، كَقَوْلِهِ:“ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ”، أيْ والبَرْدَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حُجُرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، ويَكُونُ قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ كَذِبًا في الإخْبارِ، أوْهَمُوا قَوْمَهم أنَّهم إذا قَتَلُوهُ وأهْلَهُ سِرًّا، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ أحَدٌ، وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، أنَّهم صادِقُونَ وهم كاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَكُونُونَ صادِقِينَ وقَدْ جَحَدُوا ما فَعَلُوا فَأتَوْا بِالخَبَرِ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ عَنْهُ ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا إذا بَيَّتُوا صالِحًا وبَيَّتُوا أهْلَهُ، فَجَمَعُوا بَيْنَ البَياتَيْنِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ فَذَكَرُوا أحَدَهُما كانُوا صادِقِينَ، فَإنَّهم فَعَلُوا البَياتَيْنِ جَمِيعًا لا أحَدَهُما. وفي هَذا دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ (p-٨٥)قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ الشَّرْعَ ونَواهِيَهُ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ. ألا تَرى أنَّهم قَصَدُوا قَتْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، ولَمْ يَرَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ حَتّى سَوَّوْا الصِّدْقَ في أنْفُسِهِمْ حِيلَةً يَنْقُصُونَ بِها عَنِ الكَذِبِ ؟ انْتَهى. والعَجَبُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَيْفَ يَتَحَيَّلُ هَذِهِ الحِيَلَ في جَعْلِ إخْبارِهِمْ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ إخْبارًا بِالصِّدْقِ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وعَقَرُوا النّاقَةَ الَّتِي كانَتْ مِن أعْظَمِ الآياتِ، وأقْدَمُوا عَلى قَتْلِ نَبِيٍّ وأهْلِهِ ؟ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ، وهو يَتْلُو في كِتابِ اللَّهِ كَذِبَهم عَلى أنْبِيائِهِمْ. ونَصَّ اللَّهُ ذَلِكَ، وكَذِبُهم عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وهو قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقَوْلُ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] وإنَّما هَذا مِنهُ تَحْرِيفٌ لِكَلامِ اللَّهِ - تَعالى -، حَتّى يَنْصُرَ مَذْهَبَهُ في قَوْلِهِ: إنَّ الكَذِبَ قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ، ويَتَحَيَّلُ لَهم هَذا التَّحَيُّلَ حَتّى يَجْعَلَهم صادِقِينَ في إخْبارِهِمْ. وهَذا الرَّجُلُ، وإنْ كانَ أُوتِيَ مِن عِلْمِ القُرْآنِ أوْفَرَ حَظٍّ، وجَمَعَ بَيْنَ اخْتِراعِ المَعْنى وبَراعَةِ اللَّفْظِ. فَفي كِتابِهِ في التَّفْسِيرِ أشْياءٌ مُنْتَقَدَةٌ، وكُنْتُ قَرِيبًا مِن تَسْطِيرِ هَذِهِ الأحْرُفِ قَدْ نَظَمْتُ قَصِيدًا في شَغْلِ الإنْسانِ نَفْسِهِ بِكِتابِ اللَّهِ، واسْتَطْرَدْتُ إلى مَدْحِ كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَذَكَرْتُ شَيْئًا مِن مَحاسِنِهِ، ثُمَّ نَبَّهْتُ عَلى ما فِيهِ مِمّا يَجِبُ تَجَنُّبُهُ، ورَأيْتُ إثْباتَ ذَلِكَ هُنا لِيَنْتَفِعَ بِذَلِكَ مَن يَقِفُ عَلى كِتابِي هَذا ويَتَنَبَّهُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ القَبائِحِ (فَقُلْتُ) بَعْدَ ذِكْرِ ما مَدَحْتُهُ بِهِ: ؎ولَكِنَّهُ فِيهِ مَجالٌ لِناقِدٍ ∗∗∗ وزَلّاتُ سُوءٍ قَدْ أخَذْنَ المَخانِقا ؎فَيُثْبِتُ مَوْضُوعَ الأحادِيثِ جاهِلًا ∗∗∗ ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقا ؎ويَشْتُمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضِلَّةً ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا ؎ويُسْهِبُ في المَعْنى الوَجِيزِ دَلالَةً ∗∗∗ بِتَكْثِيرِ ألْفاظٍ تُسَمّى الشَّقاشِقا ؎يُقَوِّلُ فِيها اللَّهَ ما لَيْسَ قائِلًا ∗∗∗ وكانَ مُحِبًّا في الخَطابَةِ وامِقًا ؎ويُخْطِئُ في تَرْكِيبِهِ لِكَلامِهِ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِما قَدْ رَكَّبُوهُ مُوافِقًا ؎ويَنْسُبُ إبْداءَ المَعانِي لِنَفْسِهِ ∗∗∗ لِيُوهِمَ أغْمارًا وإنْ كانَ سارِقًا ؎ويُخْطِئُ في فَهْمِ القُرْآنِ لِأنَّهُ ∗∗∗ يُجَوِّزُ إعْرابًا أبى أنْ يُطابِقا ؎وكَمْ بَيْنَ مَن يُؤْتى البَيانَ سَلِيقَةً ∗∗∗ وآخَرَ عاناهُ فَما هو لاحِقا ؎ويَحْتالُ لِلْألْفاظِ حَتّى يُدِيرَها ∗∗∗ لِمَذْهَبِ سُوءٍ فِيهِ أصْبَحَ مارِقا ؎فَيا خُسْرَهُ شَيْخًا تَخَرَّقَ صِيتُهُ ∗∗∗ مَغارِبَ تَخْرِيقِ الصَّبا ومَشارِقا ؎لَئِنْ لَمْ تَدارَكْهُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ ∗∗∗ لَسَوْفَ يُرى لِلْكافِرِينَ مُرافِقا ومَكْرُهم: ما أخْفَوْهُ مِن تَدْبِيرِ الفَتْكِ بِصالِحٍ وأهْلِهِ. ومَكْرُ اللَّهِ: إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، ومَكْرُهم: إيهامُهم أنَّهم مُسافِرُونَ واخْتِفاؤُهم في غارٍ. قِيلَ: أوْ شِعْبٍ، أوْ عَزْمُهم عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَلِفِهِمْ أنَّهم ما حَضَرُوا ذَلِكَ. ومَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ: إطْباقُ صَخْرَةٍ عَلى فَمِ الغارِ والشِّعْبِ وإهْلاكُهم فِيهِ، أوْ رَمْيُ المَلائِكَةِ إيّاهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَ الرّامِيَ حِينَ شَهَرُوا أسْيافَهم بِاللَّيْلِ لِيَقْتُلُوهُ، قَوْلانِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَيَخْرُجُ عَنْهُ، فَذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ في حَقِّهِمْ. ورُوِيَ أنَّ صالِحًا، بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ، أخْبَرَهم بِمَجِيءِ العَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فاتَّفَقَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةُ عَلى قَتْلِ صالِحٍ وأهْلِهِ لَيْلًا وقالُوا: إنْ كانَ كاذِبًا في وعِيدِهِ، كُنّا قَدْ أوْقَعْنا بِهِ ما يَسْتَحِقُّ؛ وإنْ كانَ صادِقًا، كُنّا قَدْ عَجَّلْناهُ قَبْلَنا وشَفَيْنا نُفُوسَنا. واخْتَفَوْا في غارٍ، وأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وأهْلَكَ قَوْمَهم، ولَمْ يَشْعُرْ كُلُّ فَرِيقٍ بِهَلاكِ الآخَرِ. والظّاهِرُ أنَّ“ كَيْفَ ”خَبَرُ كانَ، و“ عاقِبَةُ ”الِاسْمِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِانْظُرْ، وهي مُعَلَّقَةٌ، وقَرَأ (p-٨٦)الجُمْهُورُ:“ إنّا ”بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والكُوفِيُّونَ: بِفَتْحِها، فَـ“ أنّا ”بَدَلٌ مِن“ عاقِبَةُ ”، أوْ خَبَرٌ لِكانَ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي، أيِ العاقِبَةُ تَدْمِيرُهم. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِأنّا، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كانَ) تامَّةً و﴿عاقِبَةُ﴾ فاعِلٌ بِها، وأنْ تَكُونَ زائِدَةً وعاقِبَةُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿كَيْفَ﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: أنْ دَمَّرْناهم، وهي“ أنِ ”الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، ويَجُوزَ فِيها الأوْجُهُ الجائِزَةُ في“ أنّا ”- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وحَكى أبُو البَقاءِ: أنَّ بَعْضَهم أجازَ في“ أنّا دَمَّرْناهم ”في قِراءَةِ مَن فَتَحَ الهَمْزَةَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن كَيْفَ، قالَ: وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ، لِأنَّ البَدَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ يَلْزَمُ فِيهِ إعادَةُ حَرْفِهِ، كَقَوْلِهِ: كَيْفَ زِيدٌ، أصَحِيحٌ أمْ مَرِيضٌ ؟ ولَمّا أمَرَ - تَعالى - بِالنَّظَرِ فِيما جَرى لَهم مِنَ الهَلاكِ في أنْفُسِهِمْ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى مَنازِلِهِمْ وكَيْفَ خَلَتْ مِنهم، وخَرابُ البُيُوتِ وخُلُوُّها مِن أهْلِها، حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ مِمّا يُعاقَبُ بِهِ الظَّلَمَةُ؛ إذْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ. وفي التَّوْراةِ: ابْنُ آدَمَ لا تَظْلِمْ يُخْرَبْ بَيْتُكَ، وهو إشارَةٌ إلى هَلاكِ الظّالِمِ؛ إذْ خَرابُ بَيْتِهِ مُتَعَقِّبٌ هَلاكَهُ، وهَذِهِ البُيُوتُ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ، عامَ تَبُوكَ: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ»، الحَدِيثَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ خاوِيَةً ”، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: خاوِيَةٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ هي خاوِيَةٌ، قالَ: أوْ عَلى الخَبَرِ عَنْ تِلْكَ، وبُيُوتُهم بَدَلٌ، أوْ عَلى خَبَرٍ ثانٍ، و“ خاوِيَةٌ " خَبَرِيَّةٌ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو الكُفْرُ، وهو مِن خُلُوِّ البَطْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خاوِيَةٌ، أيْ ساقِطٌ أعْلاها عَلى أسْفَلِها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في فِعْلِنا بِثَمُودَ، وهو اسْتِئْصالُنا لَهم بِالتَّدْمِيرِ، وخَلاءِ مَساكِنِهِمْ مِنهم، وبُيُوتُهم هي بَوادِي القُرى بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِصالِحٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِالكُفّارِ، وكانَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أرْبَعَةُ آلافٍ، خَرَجَ بِهِمْ صالِحٌ إلى حَضْرَمَوْتَ، وسُمِّيَتْ حَضْرَمَوْتَ لِأنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَخَلَها ماتَ بِها، وبَنى المُؤْمِنُونَ بِها مَدِينَةً يُقالُ لَها: حاضُورا. وأمّا الهالِكُونَ فَخَرَجَ بِأبْدانِهِمْ خُراجٌ مِثْلُ الحِمَّصِ، احْمَرَّ في اليَوْمِ الأوَّلِ، ثُمَّ اصْفَرَّ في الثّانِي، ثُمَّ اسْوَدَّ في الثّالِثِ، وكانَ عَقْرُ النّاقَةِ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وهَلَكُوا يَوْمَ الأحَدِ. قالَ مُقاتِلٌ: تَفَتَّقَتْ تِلْكَ الخُراجاتُ، وصاحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِمْ صَيْحَةً فَخَمَدُوا.

النمل 27:48

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمْ مَن يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] ﴿أمْ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١] ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] . (p-٨١)والحَدِيقَةُ: البُسْتانُ، كانَ عَلَيْهِ جِدارٌ أوْ لَمْ يَكُنْ. الحاجِزُ: الفاصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. الفَوْجُ: الجَماعَةُ. الجُمُودُ: سُكُونُ الشَّيْءِ وعَدَمُ حَرَكَتِهِ. الإتْقانُ: الإتْيانُ بِالشَّيْءِ عَلى أحْسَنِ حالاتِهِ مِنَ الكَمالِ والإحْكامِ في الخَلْقِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِ العَرَبِ: تَقِنُوا أرْضَهم إذا أرْسَلُوا فِيها الماءَ الخاثِرَ بِالتُّرابِ فَتَجُودُ، والتِّقْنِ: ما رُمِيَ بِهِ الماءُ في الغَدِيرِ، وهو الَّذِي يَجِيءُ بِهِ الماءُ مِنَ الخُثُورَةِ. كَبَبْتُ الرَّجُلَ: ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . (p-٨٢)ثَمُودُ هي عادٌ الأُولى، وصالِحٌ أخُوهم في النَّسَبِ. لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وداوُدَ وسُلَيْمانَ، وهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ذَكَرَ قِصَّةَ مَن هو مِنَ العَرَبِ، يُذَكِّرُ بِها قُرَيْشًا والعَرَبَ، ويُنَبِّهُهم أنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ مِنَ العَرَبِ كانَ يَدْعُو إلى إفْرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالعِبادَةِ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم في عِبادَةِ الأصْنامِ عَلى ضَلالَةٍ، وأنَّ شَأْنَ الأنْبِياءِ عَرَبَهم وعَجَمَهم هو الدُّعاءُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، و”أنْ“ في: ﴿أنِ اعْبُدُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ ﴿أرْسَلْنا﴾ تَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِأنِ اعْبُدُوا، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي فَفي مَوْضِعِها خِلافٌ، أهْوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أمْ في مَوْضِعِ جَرٍّ ؟ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَإذا هُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿ثَمُودَ﴾ وأنَّ قَوْمَهُ انْقَسَمُوا فَرِيقَيْنِ: مُؤْمِنًا وكافِرًا، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنُ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ بِالفَرِيقَيْنِ: صالِحٌ وقَوْمُهُ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ. انْتَهى. فَجَعَلَ الفَرِيقَ الواحِدَ هو صالِحٌ، والفَرِيقَ الآخَرَ قَوْمَهُ، وإذا هُنا هي الفُجائِيَّةُ، وعَطَفَ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ لا المُهْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: أنَّهم بادَرُوا بِالِاخْتِصامِ، مُتَعَقِّبًا دُعاءَ صالِحٍ إيّاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ. وجاءَ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ الفَرِيقانِ مَن آمَنَ ومَن كَفَرَ، فالجَمْعِيَّةُ حاصِلَةٌ في كُلِّ فَرِيقٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ فَرِيقَ المُؤْمِنِ جَمْعٌ قَوْلُهُ: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] فَقالَ: آمَنتُمْ، وهو ضَمِيرُ الجَمْعِ. وإنْ كانَ الفَرِيقُ المُؤْمِنُ هو صالِحٌ وحْدَهُ، فَإنَّهُ قَدِ انْضَمَّ إلى قَوْمِهِ، والمَجْمُوعُ جَمْعٌ، وأُوثِرَ يَخْتَصِمُونَ عَلى يَخْتَصِمانِ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ التَّثْنِيَةِ جائِزًا فَصِيحًا؛ لِأنَّهُ مَقْطَعُ فَصْلٍ، واخْتِصاصُهم دَعْوى كُلِّ فَرِيقٍ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَخاصُمَهم في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ تَلَطَّفَ صالِحٌ بِقَوْمِهِ ورَفَقَ بِهِمْ في الخِطابِ فَقالَ مُنادِيًا لَهم عَلى جِهَةِ التَّحَنُّنِ عَلَيْهِمْ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ بِوُقُوعِ ما يَسُوءُكم قَبْلَ الحالَةِ الحَسَنَةِ، وهي رَحْمَةُ اللَّهِ. وكانَ قَدْ قالَ لَهم في حَدِيثِ النّاقَةِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] فَقالُوا لَهُ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] . وقِيلَ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِوُقُوعِ المَعاصِي مِنكم قَبْلَ الطّاعَةِ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى اسْتِعْجالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَتا مُتَوَقَّعَتَيْنِ إحْداهُما قَبْلَ الأُخْرى ؟ (قُلْتُ): كانُوا يَقُولُونَ بِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُنا صالِحٌ، إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ، تُبْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، مُقَدِّرِينَ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنْ لَمْ تَقَعْ، فَنَحْنُ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، فَخاطَبَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ. انْتَهى. ثُمَّ حَضَّهم عَلى ما فِيهِ دَرْءُ السَّيِّئَةِ عَنْهم، وهو الإيمانُ واسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الكُفْرِ، وناطَ ذَلِكَ بِتَرَجِّي الرَّحْمَةِ، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى اسْتِغْفارِهِمْ. وكانَ في التَّحْضِيضِ تَنْبِيهٌ عَلى الخَطَأِ مِنهم في اسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ، وتَجْهِيلٌ لَهم في اعْتِقادِهِمْ. ولَمّا لاطَفَهم في الخِطابِ أغْلَظُوا لَهُ وقالُوا: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ وبِالَّذِينِ آمَنُوا مَعَكَ. ودَلَّ هَذا العَطْفُ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ كانُوا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿وبِمَن مَعَكَ﴾ وكانُوا قَدْ قَحِطُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى التَّطَيُّرِ في سُورَةِ الأعْرافِ، جَعَلُوا سَبَبَ قَحْطِهِمْ هو ذاتُ صالِحٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ حَظُّكم في الحَقِيقَةِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هو عِنْدَ اللَّهِ وبِقَضائِهِ، إنْ شاءَ رَزَقَكم، وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ عَمَلُكم مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَمِنهُ نَزَلَ بِكم ما نَزَلَ عُقُوبَةً لَكم وفِتْنَةً، ومِنهُ ”طائِرُكم مَعَكم“، وكُلُّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ”. وقُرِئَ: تَطَيَّرْنا بِكَ عَلى الأصْلِ، ومَعْنى تَطَيَّرَ بِهِ: تَشاءَمَ بِهِ، وتَطَيَّرَ (p-٨٣)مِنهُ: نَفَرَ عَنْهُ. انْتَهى. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِحالِهِمْ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ تُخْتَبَرُونَ، أوْ تُعَذَّبُونَ، أوْ يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ إلَيْكُمُ الطِّيَرَةَ، أوْ تُفْتَنُونَ بِشَهَواتِهِ: أيْ تَشْفَعُونَ بِها، كَما يُقالُ: فُتِنَ فُلانٌ بِفُلانٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎داءٌ قَدِيمٌ في بَنِي آدَمَ فِتْنَةٌ إنْسانٍ بِإنْسانِ وهَذِهِ أقْوالٌ يَحْتَمِلُها لَفْظُ تُفْتَنُونَ، وجاءَ تُفْتَنُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى مُراعاةِ أنْتُمْ، وهو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ. ويَجُوزُ يُفْتَنُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُراعاةِ لَفْظِ“ قَوْمٌ ”، وهو قَلِيلٌ. تَقُولُ العَرَبُ: أنْتَ رَجُلٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، بِتاءِ الخِطابِ وبِياءِ الغَيْبَةِ. والمَدِينَةُ مُجْتَمَعُ ثَمُودَ وقَرْيَتُهم، وهي الحِجْرُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أسْماءَ التِّسْعَةِ، وفي بَعْضِها اخْتِلافٌ، ورَأْسُهم: قُدارُ بْنُ سالِفٍ، وأسْماؤُهم لا تَنْضَبِطُ بِشَكْلٍ ولا تَتَعَيَّنُ، فَلِذَلِكَ ضَرَبْنا صَفْحًا عَنْ ذِكْرِها، وكانُوا عُظَماءَ القَرْيَةِ وأغْنِياءَها وفُسّاقَها. والرَّهْطُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، والنَّفَرُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى التِّسْعَةِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المَعْنى: تِسْعَةُ رِجالٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جازَ تَمْيِيزُ التِّسْعَةِ بِالرَّهْطِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِسْعَةُ أنْفُسٍ. انْتَهى. وتَقْدِيرُ غَيْرِهِ: تِسْعَةُ رِجالٍ هو الأوْلى؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أضافَ إلى أنْفُسٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: تِسْعُ أنْفُسٍ، عَلى تَأْنِيثِ النَّفْسِ، إذِ الفَصِيحُ فِيها التَّأْنِيثُ. ألا تَراهم عَدُّوا مِنَ الشُّذُوذِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ثَلاثَـةُ أنْفُسٍ وثَـلاثُ ذَوْدٍ فَأدْخَلَ التّاءَ في ثَلاثَةٍ؛ وكانَ الفَصِيحُ أنْ يَقُولَ: ثَلاثُ أنْفُسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ، إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ، لِاخْتِلافِ صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ، لا لِاخْتِلافِ أجْناسِهِمْ. انْتَهى. قِيلَ: والرَّهْطُ اسْمُ الجَماعَةِ، وكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ، مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم رَهْطٌ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ التَّرْهِيطِ، وهو تَعْظِيمُ اللُّقَمِ وشِدَّةُ الأكْلِ. انْتَهى. ورَهْطٌ: اسْمُ جَمْعٍ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ فَصْلَهُ بِمِن هو الفَصِيحُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] . واخْتَلَفُوا في جَوازِ إضافَةِ العَدَدِ إلَيْهِ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وما ورَدَ مِنَ الإضافَةِ إلَيْهِ فَهو عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُقالُ: ثَلاثُ غَنَمٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ويَنْقاسُ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وفَصَلَ قَوْمٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَمْعِ لِلْقَلِيلِ، كَرَهْطٍ ونَفَرٍ وذَوْدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، أوْ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ يُسْتَعْمَلُ لَهُما، فَلا تَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ المازِنِيِّ، وقَدْ أطَلْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . و﴿يُفْسِدُونَ﴾ صِفَةٌ“ لِتِسْعَةِ رَهْطٍ ”، والمَعْنى: أنَّهم يُفْسِدُونَ الفَسادَ العَظِيمَ الَّذِي لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الإصْلاحِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾؛ لِأنَّ بَعْضَ مَن يَقَعُ مِنهُ إفْسادٌ قَدْ يَقَعُ مِنهُ إصْلاحٌ في بَعْضِ الأحْيانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ تَقاسَمُوا ”، وابْنُ أبِي لَيْلى: تَقَسَّمُوا، بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وكِلاهُما مِنَ القَسَمِ والتَّقاسُمِ والتَّقْسِيمِ، كالتَّظاهُرِ والتَّظْهِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿تَقاسَمُوا﴾ فِعْلُ أمْرٍ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أشارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالحَلِفِ عَلى تَبْيِيتِ صالِحٍ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَقاسَمُوا فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:“ تَقاسَمُوا ”يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا وخَبَرًا عَلى مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا: مُتَقاسِمِينَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: وخَبَرًا، فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الخَبَرَ هو أحَدُ قِسْمَيِ الكَلامِ، إذْ هو مُنْقَسِمٌ إلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، وجَمِيعُ مَعانِيهِ إذا حَقَّقْتَ راجِعَةٌ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ. وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ وقُرِئَ“ لَنُبَيِّتَنَّهُ ”بِالياءِ والتّاءِ والنُّونِ، فَتَقاسَمُوا مَعَ النُّونِ والتّاءِ يَصِحُّ فِيهِ الوَجْهانِ، يَعْنِي فِيهِ: أيْ في تَقاسَمُوا بِاللَّهِ، والوَجْهانِ هُما الأمْرُ والخَبَرُ عِنْدَهُ. قالَ: ومَعَ الياءِ لا يَصِحُّ إلّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا. انْتَهى. والتَّقْيِيدُ بِالحالِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ نِسْبَةِ التَّقْيِيدِ، لا مِن نِسْبَةِ الكَلامِ الَّتِي هي الإسْنادُ، فَإذا أُطْلِقَ عَلَيْها الخَبَرُ، كانَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ حالًا لَجازَ أنْ (p-٨٤)تُسْتَعْمَلُ خَبَرًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهم في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَهُ صِلَةً أنَّها خَبَرِيَّةٌ هو مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ صِلَةً، لَجازَ أنْ تُسْتَعْمَلَ خَبَرًا، وهَذا شَيْءٌ فِيهِ غُمُوضٌ، ولا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ، فَقَدْ كَثُرَ وُقُوعُ الماضِي حالًا بِغَيْرِ قَدْ كَثْرَةً يَنْبَغِي القِياسُ عَلَيْها. وعَلى هَذا الإعْرابِ، احْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِتَقاسَمُوا الَّذِي هو حالٌ، فَهو مِن صِلَتِهِ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ. والمَقُولِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ وما بَعْدَهُ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ هو وما بَعْدَهُ هو المَقُولَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِتاءِ خِطابِ الجَمْعِ؛ ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِياءِ الغَيْبَةِ، والفِعْلانِ مُسْنَدانِ لِلْجَمْعِ؛ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ في الأوَّلِ مُسْنَدًا لِلْجَمْعِ، أيْ“ لَيُبَيِّتُنَّهُ ”، أيْ قَوْمٌ مِنّا، وبِالنُّونِ في الثّانِي، أيْ جَمِيعُنا ما يَقُولُ لِوَلِيِّهِ، والبَياتُ: مُباغِتَةُ العَدُوِّ. وعَنِ الإسْكَنْدَرِ أنَّهُ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِالبَياتِ فَقالَ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُلُوكِ اسْتِراقُ الظَّفَرِ، ووَلِيُّهُ: طالِبُ ثَأْرِهِ إذا قُتِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُهْلَكَ، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مِن أهْلَكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: مَهْلِكَ، بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وأبُو بَكْرٍ: بِفَتْحِهِما. فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والزَّمانَ والمَكانَ، أيْ ما شَهِدْنا إهْلاكَ أهْلِهِ، أوْ زَمانَ إهْلاكِهِمْ، أوْ مَكانَ إهْلاكِهِمْ. ويَلْزَمُ مِن هَذَيْنِ أنَّهم إذا لَمْ يَشْهَدُوا الزَّمانَ ولا المَكانَ أنْ لا يَشْهَدُوا الإهْلاكَ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فالقِياسُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ والمَكانِ، أيْ ما شَهِدْنا زَمانَ هَلاكِهِمْ ولا مَكانَهُ. والثّالِثَةُ: تَقْتَضِي القِياسَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ ما شَهِدْنا هَلاكَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذَكَرُوا القِراءاتِ الثَّلاثَةَ، قالَ: ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والزَّمانُ والمَكانُ. انْتَهى. والظّاهِرُ في الكَلامِ حَذْفُ مَعْطُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ومَهْلِكَهُ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿لِنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ وما رُوِيَ أنَّهم كانُوا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا المَعْطُوفِ جائِزٌ في الفَصِيحِ، كَقَوْلِهِ:“ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ”، أيْ والبَرْدَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حُجُرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، ويَكُونُ قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ كَذِبًا في الإخْبارِ، أوْهَمُوا قَوْمَهم أنَّهم إذا قَتَلُوهُ وأهْلَهُ سِرًّا، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ أحَدٌ، وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، أنَّهم صادِقُونَ وهم كاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَكُونُونَ صادِقِينَ وقَدْ جَحَدُوا ما فَعَلُوا فَأتَوْا بِالخَبَرِ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ عَنْهُ ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا إذا بَيَّتُوا صالِحًا وبَيَّتُوا أهْلَهُ، فَجَمَعُوا بَيْنَ البَياتَيْنِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ فَذَكَرُوا أحَدَهُما كانُوا صادِقِينَ، فَإنَّهم فَعَلُوا البَياتَيْنِ جَمِيعًا لا أحَدَهُما. وفي هَذا دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ (p-٨٥)قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ الشَّرْعَ ونَواهِيَهُ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ. ألا تَرى أنَّهم قَصَدُوا قَتْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، ولَمْ يَرَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ حَتّى سَوَّوْا الصِّدْقَ في أنْفُسِهِمْ حِيلَةً يَنْقُصُونَ بِها عَنِ الكَذِبِ ؟ انْتَهى. والعَجَبُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَيْفَ يَتَحَيَّلُ هَذِهِ الحِيَلَ في جَعْلِ إخْبارِهِمْ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ إخْبارًا بِالصِّدْقِ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وعَقَرُوا النّاقَةَ الَّتِي كانَتْ مِن أعْظَمِ الآياتِ، وأقْدَمُوا عَلى قَتْلِ نَبِيٍّ وأهْلِهِ ؟ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ، وهو يَتْلُو في كِتابِ اللَّهِ كَذِبَهم عَلى أنْبِيائِهِمْ. ونَصَّ اللَّهُ ذَلِكَ، وكَذِبُهم عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وهو قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقَوْلُ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] وإنَّما هَذا مِنهُ تَحْرِيفٌ لِكَلامِ اللَّهِ - تَعالى -، حَتّى يَنْصُرَ مَذْهَبَهُ في قَوْلِهِ: إنَّ الكَذِبَ قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ، ويَتَحَيَّلُ لَهم هَذا التَّحَيُّلَ حَتّى يَجْعَلَهم صادِقِينَ في إخْبارِهِمْ. وهَذا الرَّجُلُ، وإنْ كانَ أُوتِيَ مِن عِلْمِ القُرْآنِ أوْفَرَ حَظٍّ، وجَمَعَ بَيْنَ اخْتِراعِ المَعْنى وبَراعَةِ اللَّفْظِ. فَفي كِتابِهِ في التَّفْسِيرِ أشْياءٌ مُنْتَقَدَةٌ، وكُنْتُ قَرِيبًا مِن تَسْطِيرِ هَذِهِ الأحْرُفِ قَدْ نَظَمْتُ قَصِيدًا في شَغْلِ الإنْسانِ نَفْسِهِ بِكِتابِ اللَّهِ، واسْتَطْرَدْتُ إلى مَدْحِ كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَذَكَرْتُ شَيْئًا مِن مَحاسِنِهِ، ثُمَّ نَبَّهْتُ عَلى ما فِيهِ مِمّا يَجِبُ تَجَنُّبُهُ، ورَأيْتُ إثْباتَ ذَلِكَ هُنا لِيَنْتَفِعَ بِذَلِكَ مَن يَقِفُ عَلى كِتابِي هَذا ويَتَنَبَّهُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ القَبائِحِ (فَقُلْتُ) بَعْدَ ذِكْرِ ما مَدَحْتُهُ بِهِ: ؎ولَكِنَّهُ فِيهِ مَجالٌ لِناقِدٍ ∗∗∗ وزَلّاتُ سُوءٍ قَدْ أخَذْنَ المَخانِقا ؎فَيُثْبِتُ مَوْضُوعَ الأحادِيثِ جاهِلًا ∗∗∗ ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقا ؎ويَشْتُمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضِلَّةً ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا ؎ويُسْهِبُ في المَعْنى الوَجِيزِ دَلالَةً ∗∗∗ بِتَكْثِيرِ ألْفاظٍ تُسَمّى الشَّقاشِقا ؎يُقَوِّلُ فِيها اللَّهَ ما لَيْسَ قائِلًا ∗∗∗ وكانَ مُحِبًّا في الخَطابَةِ وامِقًا ؎ويُخْطِئُ في تَرْكِيبِهِ لِكَلامِهِ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِما قَدْ رَكَّبُوهُ مُوافِقًا ؎ويَنْسُبُ إبْداءَ المَعانِي لِنَفْسِهِ ∗∗∗ لِيُوهِمَ أغْمارًا وإنْ كانَ سارِقًا ؎ويُخْطِئُ في فَهْمِ القُرْآنِ لِأنَّهُ ∗∗∗ يُجَوِّزُ إعْرابًا أبى أنْ يُطابِقا ؎وكَمْ بَيْنَ مَن يُؤْتى البَيانَ سَلِيقَةً ∗∗∗ وآخَرَ عاناهُ فَما هو لاحِقا ؎ويَحْتالُ لِلْألْفاظِ حَتّى يُدِيرَها ∗∗∗ لِمَذْهَبِ سُوءٍ فِيهِ أصْبَحَ مارِقا ؎فَيا خُسْرَهُ شَيْخًا تَخَرَّقَ صِيتُهُ ∗∗∗ مَغارِبَ تَخْرِيقِ الصَّبا ومَشارِقا ؎لَئِنْ لَمْ تَدارَكْهُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ ∗∗∗ لَسَوْفَ يُرى لِلْكافِرِينَ مُرافِقا ومَكْرُهم: ما أخْفَوْهُ مِن تَدْبِيرِ الفَتْكِ بِصالِحٍ وأهْلِهِ. ومَكْرُ اللَّهِ: إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، ومَكْرُهم: إيهامُهم أنَّهم مُسافِرُونَ واخْتِفاؤُهم في غارٍ. قِيلَ: أوْ شِعْبٍ، أوْ عَزْمُهم عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَلِفِهِمْ أنَّهم ما حَضَرُوا ذَلِكَ. ومَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ: إطْباقُ صَخْرَةٍ عَلى فَمِ الغارِ والشِّعْبِ وإهْلاكُهم فِيهِ، أوْ رَمْيُ المَلائِكَةِ إيّاهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَ الرّامِيَ حِينَ شَهَرُوا أسْيافَهم بِاللَّيْلِ لِيَقْتُلُوهُ، قَوْلانِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَيَخْرُجُ عَنْهُ، فَذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ في حَقِّهِمْ. ورُوِيَ أنَّ صالِحًا، بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ، أخْبَرَهم بِمَجِيءِ العَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فاتَّفَقَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةُ عَلى قَتْلِ صالِحٍ وأهْلِهِ لَيْلًا وقالُوا: إنْ كانَ كاذِبًا في وعِيدِهِ، كُنّا قَدْ أوْقَعْنا بِهِ ما يَسْتَحِقُّ؛ وإنْ كانَ صادِقًا، كُنّا قَدْ عَجَّلْناهُ قَبْلَنا وشَفَيْنا نُفُوسَنا. واخْتَفَوْا في غارٍ، وأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وأهْلَكَ قَوْمَهم، ولَمْ يَشْعُرْ كُلُّ فَرِيقٍ بِهَلاكِ الآخَرِ. والظّاهِرُ أنَّ“ كَيْفَ ”خَبَرُ كانَ، و“ عاقِبَةُ ”الِاسْمِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِانْظُرْ، وهي مُعَلَّقَةٌ، وقَرَأ (p-٨٦)الجُمْهُورُ:“ إنّا ”بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والكُوفِيُّونَ: بِفَتْحِها، فَـ“ أنّا ”بَدَلٌ مِن“ عاقِبَةُ ”، أوْ خَبَرٌ لِكانَ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي، أيِ العاقِبَةُ تَدْمِيرُهم. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِأنّا، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كانَ) تامَّةً و﴿عاقِبَةُ﴾ فاعِلٌ بِها، وأنْ تَكُونَ زائِدَةً وعاقِبَةُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿كَيْفَ﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: أنْ دَمَّرْناهم، وهي“ أنِ ”الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، ويَجُوزَ فِيها الأوْجُهُ الجائِزَةُ في“ أنّا ”- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وحَكى أبُو البَقاءِ: أنَّ بَعْضَهم أجازَ في“ أنّا دَمَّرْناهم ”في قِراءَةِ مَن فَتَحَ الهَمْزَةَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن كَيْفَ، قالَ: وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ، لِأنَّ البَدَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ يَلْزَمُ فِيهِ إعادَةُ حَرْفِهِ، كَقَوْلِهِ: كَيْفَ زِيدٌ، أصَحِيحٌ أمْ مَرِيضٌ ؟ ولَمّا أمَرَ - تَعالى - بِالنَّظَرِ فِيما جَرى لَهم مِنَ الهَلاكِ في أنْفُسِهِمْ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى مَنازِلِهِمْ وكَيْفَ خَلَتْ مِنهم، وخَرابُ البُيُوتِ وخُلُوُّها مِن أهْلِها، حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ مِمّا يُعاقَبُ بِهِ الظَّلَمَةُ؛ إذْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ. وفي التَّوْراةِ: ابْنُ آدَمَ لا تَظْلِمْ يُخْرَبْ بَيْتُكَ، وهو إشارَةٌ إلى هَلاكِ الظّالِمِ؛ إذْ خَرابُ بَيْتِهِ مُتَعَقِّبٌ هَلاكَهُ، وهَذِهِ البُيُوتُ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ، عامَ تَبُوكَ: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ»، الحَدِيثَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ خاوِيَةً ”، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: خاوِيَةٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ هي خاوِيَةٌ، قالَ: أوْ عَلى الخَبَرِ عَنْ تِلْكَ، وبُيُوتُهم بَدَلٌ، أوْ عَلى خَبَرٍ ثانٍ، و“ خاوِيَةٌ " خَبَرِيَّةٌ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو الكُفْرُ، وهو مِن خُلُوِّ البَطْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خاوِيَةٌ، أيْ ساقِطٌ أعْلاها عَلى أسْفَلِها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في فِعْلِنا بِثَمُودَ، وهو اسْتِئْصالُنا لَهم بِالتَّدْمِيرِ، وخَلاءِ مَساكِنِهِمْ مِنهم، وبُيُوتُهم هي بَوادِي القُرى بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِصالِحٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِالكُفّارِ، وكانَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أرْبَعَةُ آلافٍ، خَرَجَ بِهِمْ صالِحٌ إلى حَضْرَمَوْتَ، وسُمِّيَتْ حَضْرَمَوْتَ لِأنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَخَلَها ماتَ بِها، وبَنى المُؤْمِنُونَ بِها مَدِينَةً يُقالُ لَها: حاضُورا. وأمّا الهالِكُونَ فَخَرَجَ بِأبْدانِهِمْ خُراجٌ مِثْلُ الحِمَّصِ، احْمَرَّ في اليَوْمِ الأوَّلِ، ثُمَّ اصْفَرَّ في الثّانِي، ثُمَّ اسْوَدَّ في الثّالِثِ، وكانَ عَقْرُ النّاقَةِ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وهَلَكُوا يَوْمَ الأحَدِ. قالَ مُقاتِلٌ: تَفَتَّقَتْ تِلْكَ الخُراجاتُ، وصاحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِمْ صَيْحَةً فَخَمَدُوا.

النمل 27:49

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمْ مَن يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] ﴿أمْ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١] ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] . (p-٨١)والحَدِيقَةُ: البُسْتانُ، كانَ عَلَيْهِ جِدارٌ أوْ لَمْ يَكُنْ. الحاجِزُ: الفاصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. الفَوْجُ: الجَماعَةُ. الجُمُودُ: سُكُونُ الشَّيْءِ وعَدَمُ حَرَكَتِهِ. الإتْقانُ: الإتْيانُ بِالشَّيْءِ عَلى أحْسَنِ حالاتِهِ مِنَ الكَمالِ والإحْكامِ في الخَلْقِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِ العَرَبِ: تَقِنُوا أرْضَهم إذا أرْسَلُوا فِيها الماءَ الخاثِرَ بِالتُّرابِ فَتَجُودُ، والتِّقْنِ: ما رُمِيَ بِهِ الماءُ في الغَدِيرِ، وهو الَّذِي يَجِيءُ بِهِ الماءُ مِنَ الخُثُورَةِ. كَبَبْتُ الرَّجُلَ: ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . (p-٨٢)ثَمُودُ هي عادٌ الأُولى، وصالِحٌ أخُوهم في النَّسَبِ. لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وداوُدَ وسُلَيْمانَ، وهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ذَكَرَ قِصَّةَ مَن هو مِنَ العَرَبِ، يُذَكِّرُ بِها قُرَيْشًا والعَرَبَ، ويُنَبِّهُهم أنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ مِنَ العَرَبِ كانَ يَدْعُو إلى إفْرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالعِبادَةِ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم في عِبادَةِ الأصْنامِ عَلى ضَلالَةٍ، وأنَّ شَأْنَ الأنْبِياءِ عَرَبَهم وعَجَمَهم هو الدُّعاءُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، و”أنْ“ في: ﴿أنِ اعْبُدُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ ﴿أرْسَلْنا﴾ تَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِأنِ اعْبُدُوا، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي فَفي مَوْضِعِها خِلافٌ، أهْوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أمْ في مَوْضِعِ جَرٍّ ؟ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَإذا هُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿ثَمُودَ﴾ وأنَّ قَوْمَهُ انْقَسَمُوا فَرِيقَيْنِ: مُؤْمِنًا وكافِرًا، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنُ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ بِالفَرِيقَيْنِ: صالِحٌ وقَوْمُهُ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ. انْتَهى. فَجَعَلَ الفَرِيقَ الواحِدَ هو صالِحٌ، والفَرِيقَ الآخَرَ قَوْمَهُ، وإذا هُنا هي الفُجائِيَّةُ، وعَطَفَ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ لا المُهْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: أنَّهم بادَرُوا بِالِاخْتِصامِ، مُتَعَقِّبًا دُعاءَ صالِحٍ إيّاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ. وجاءَ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ الفَرِيقانِ مَن آمَنَ ومَن كَفَرَ، فالجَمْعِيَّةُ حاصِلَةٌ في كُلِّ فَرِيقٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ فَرِيقَ المُؤْمِنِ جَمْعٌ قَوْلُهُ: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] فَقالَ: آمَنتُمْ، وهو ضَمِيرُ الجَمْعِ. وإنْ كانَ الفَرِيقُ المُؤْمِنُ هو صالِحٌ وحْدَهُ، فَإنَّهُ قَدِ انْضَمَّ إلى قَوْمِهِ، والمَجْمُوعُ جَمْعٌ، وأُوثِرَ يَخْتَصِمُونَ عَلى يَخْتَصِمانِ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ التَّثْنِيَةِ جائِزًا فَصِيحًا؛ لِأنَّهُ مَقْطَعُ فَصْلٍ، واخْتِصاصُهم دَعْوى كُلِّ فَرِيقٍ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَخاصُمَهم في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ تَلَطَّفَ صالِحٌ بِقَوْمِهِ ورَفَقَ بِهِمْ في الخِطابِ فَقالَ مُنادِيًا لَهم عَلى جِهَةِ التَّحَنُّنِ عَلَيْهِمْ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ بِوُقُوعِ ما يَسُوءُكم قَبْلَ الحالَةِ الحَسَنَةِ، وهي رَحْمَةُ اللَّهِ. وكانَ قَدْ قالَ لَهم في حَدِيثِ النّاقَةِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] فَقالُوا لَهُ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] . وقِيلَ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِوُقُوعِ المَعاصِي مِنكم قَبْلَ الطّاعَةِ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى اسْتِعْجالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَتا مُتَوَقَّعَتَيْنِ إحْداهُما قَبْلَ الأُخْرى ؟ (قُلْتُ): كانُوا يَقُولُونَ بِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُنا صالِحٌ، إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ، تُبْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، مُقَدِّرِينَ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنْ لَمْ تَقَعْ، فَنَحْنُ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، فَخاطَبَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ. انْتَهى. ثُمَّ حَضَّهم عَلى ما فِيهِ دَرْءُ السَّيِّئَةِ عَنْهم، وهو الإيمانُ واسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الكُفْرِ، وناطَ ذَلِكَ بِتَرَجِّي الرَّحْمَةِ، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى اسْتِغْفارِهِمْ. وكانَ في التَّحْضِيضِ تَنْبِيهٌ عَلى الخَطَأِ مِنهم في اسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ، وتَجْهِيلٌ لَهم في اعْتِقادِهِمْ. ولَمّا لاطَفَهم في الخِطابِ أغْلَظُوا لَهُ وقالُوا: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ وبِالَّذِينِ آمَنُوا مَعَكَ. ودَلَّ هَذا العَطْفُ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ كانُوا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿وبِمَن مَعَكَ﴾ وكانُوا قَدْ قَحِطُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى التَّطَيُّرِ في سُورَةِ الأعْرافِ، جَعَلُوا سَبَبَ قَحْطِهِمْ هو ذاتُ صالِحٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ حَظُّكم في الحَقِيقَةِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هو عِنْدَ اللَّهِ وبِقَضائِهِ، إنْ شاءَ رَزَقَكم، وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ عَمَلُكم مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَمِنهُ نَزَلَ بِكم ما نَزَلَ عُقُوبَةً لَكم وفِتْنَةً، ومِنهُ ”طائِرُكم مَعَكم“، وكُلُّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ”. وقُرِئَ: تَطَيَّرْنا بِكَ عَلى الأصْلِ، ومَعْنى تَطَيَّرَ بِهِ: تَشاءَمَ بِهِ، وتَطَيَّرَ (p-٨٣)مِنهُ: نَفَرَ عَنْهُ. انْتَهى. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِحالِهِمْ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ تُخْتَبَرُونَ، أوْ تُعَذَّبُونَ، أوْ يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ إلَيْكُمُ الطِّيَرَةَ، أوْ تُفْتَنُونَ بِشَهَواتِهِ: أيْ تَشْفَعُونَ بِها، كَما يُقالُ: فُتِنَ فُلانٌ بِفُلانٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎داءٌ قَدِيمٌ في بَنِي آدَمَ فِتْنَةٌ إنْسانٍ بِإنْسانِ وهَذِهِ أقْوالٌ يَحْتَمِلُها لَفْظُ تُفْتَنُونَ، وجاءَ تُفْتَنُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى مُراعاةِ أنْتُمْ، وهو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ. ويَجُوزُ يُفْتَنُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُراعاةِ لَفْظِ“ قَوْمٌ ”، وهو قَلِيلٌ. تَقُولُ العَرَبُ: أنْتَ رَجُلٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، بِتاءِ الخِطابِ وبِياءِ الغَيْبَةِ. والمَدِينَةُ مُجْتَمَعُ ثَمُودَ وقَرْيَتُهم، وهي الحِجْرُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أسْماءَ التِّسْعَةِ، وفي بَعْضِها اخْتِلافٌ، ورَأْسُهم: قُدارُ بْنُ سالِفٍ، وأسْماؤُهم لا تَنْضَبِطُ بِشَكْلٍ ولا تَتَعَيَّنُ، فَلِذَلِكَ ضَرَبْنا صَفْحًا عَنْ ذِكْرِها، وكانُوا عُظَماءَ القَرْيَةِ وأغْنِياءَها وفُسّاقَها. والرَّهْطُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، والنَّفَرُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى التِّسْعَةِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المَعْنى: تِسْعَةُ رِجالٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جازَ تَمْيِيزُ التِّسْعَةِ بِالرَّهْطِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِسْعَةُ أنْفُسٍ. انْتَهى. وتَقْدِيرُ غَيْرِهِ: تِسْعَةُ رِجالٍ هو الأوْلى؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أضافَ إلى أنْفُسٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: تِسْعُ أنْفُسٍ، عَلى تَأْنِيثِ النَّفْسِ، إذِ الفَصِيحُ فِيها التَّأْنِيثُ. ألا تَراهم عَدُّوا مِنَ الشُّذُوذِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ثَلاثَـةُ أنْفُسٍ وثَـلاثُ ذَوْدٍ فَأدْخَلَ التّاءَ في ثَلاثَةٍ؛ وكانَ الفَصِيحُ أنْ يَقُولَ: ثَلاثُ أنْفُسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ، إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ، لِاخْتِلافِ صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ، لا لِاخْتِلافِ أجْناسِهِمْ. انْتَهى. قِيلَ: والرَّهْطُ اسْمُ الجَماعَةِ، وكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ، مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم رَهْطٌ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ التَّرْهِيطِ، وهو تَعْظِيمُ اللُّقَمِ وشِدَّةُ الأكْلِ. انْتَهى. ورَهْطٌ: اسْمُ جَمْعٍ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ فَصْلَهُ بِمِن هو الفَصِيحُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] . واخْتَلَفُوا في جَوازِ إضافَةِ العَدَدِ إلَيْهِ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وما ورَدَ مِنَ الإضافَةِ إلَيْهِ فَهو عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُقالُ: ثَلاثُ غَنَمٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ويَنْقاسُ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وفَصَلَ قَوْمٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَمْعِ لِلْقَلِيلِ، كَرَهْطٍ ونَفَرٍ وذَوْدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، أوْ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ يُسْتَعْمَلُ لَهُما، فَلا تَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ المازِنِيِّ، وقَدْ أطَلْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . و﴿يُفْسِدُونَ﴾ صِفَةٌ“ لِتِسْعَةِ رَهْطٍ ”، والمَعْنى: أنَّهم يُفْسِدُونَ الفَسادَ العَظِيمَ الَّذِي لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الإصْلاحِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾؛ لِأنَّ بَعْضَ مَن يَقَعُ مِنهُ إفْسادٌ قَدْ يَقَعُ مِنهُ إصْلاحٌ في بَعْضِ الأحْيانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ تَقاسَمُوا ”، وابْنُ أبِي لَيْلى: تَقَسَّمُوا، بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وكِلاهُما مِنَ القَسَمِ والتَّقاسُمِ والتَّقْسِيمِ، كالتَّظاهُرِ والتَّظْهِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿تَقاسَمُوا﴾ فِعْلُ أمْرٍ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أشارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالحَلِفِ عَلى تَبْيِيتِ صالِحٍ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَقاسَمُوا فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:“ تَقاسَمُوا ”يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا وخَبَرًا عَلى مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا: مُتَقاسِمِينَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: وخَبَرًا، فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الخَبَرَ هو أحَدُ قِسْمَيِ الكَلامِ، إذْ هو مُنْقَسِمٌ إلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، وجَمِيعُ مَعانِيهِ إذا حَقَّقْتَ راجِعَةٌ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ. وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ وقُرِئَ“ لَنُبَيِّتَنَّهُ ”بِالياءِ والتّاءِ والنُّونِ، فَتَقاسَمُوا مَعَ النُّونِ والتّاءِ يَصِحُّ فِيهِ الوَجْهانِ، يَعْنِي فِيهِ: أيْ في تَقاسَمُوا بِاللَّهِ، والوَجْهانِ هُما الأمْرُ والخَبَرُ عِنْدَهُ. قالَ: ومَعَ الياءِ لا يَصِحُّ إلّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا. انْتَهى. والتَّقْيِيدُ بِالحالِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ نِسْبَةِ التَّقْيِيدِ، لا مِن نِسْبَةِ الكَلامِ الَّتِي هي الإسْنادُ، فَإذا أُطْلِقَ عَلَيْها الخَبَرُ، كانَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ حالًا لَجازَ أنْ (p-٨٤)تُسْتَعْمَلُ خَبَرًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهم في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَهُ صِلَةً أنَّها خَبَرِيَّةٌ هو مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ صِلَةً، لَجازَ أنْ تُسْتَعْمَلَ خَبَرًا، وهَذا شَيْءٌ فِيهِ غُمُوضٌ، ولا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ، فَقَدْ كَثُرَ وُقُوعُ الماضِي حالًا بِغَيْرِ قَدْ كَثْرَةً يَنْبَغِي القِياسُ عَلَيْها. وعَلى هَذا الإعْرابِ، احْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِتَقاسَمُوا الَّذِي هو حالٌ، فَهو مِن صِلَتِهِ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ. والمَقُولِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ وما بَعْدَهُ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ هو وما بَعْدَهُ هو المَقُولَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِتاءِ خِطابِ الجَمْعِ؛ ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِياءِ الغَيْبَةِ، والفِعْلانِ مُسْنَدانِ لِلْجَمْعِ؛ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ في الأوَّلِ مُسْنَدًا لِلْجَمْعِ، أيْ“ لَيُبَيِّتُنَّهُ ”، أيْ قَوْمٌ مِنّا، وبِالنُّونِ في الثّانِي، أيْ جَمِيعُنا ما يَقُولُ لِوَلِيِّهِ، والبَياتُ: مُباغِتَةُ العَدُوِّ. وعَنِ الإسْكَنْدَرِ أنَّهُ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِالبَياتِ فَقالَ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُلُوكِ اسْتِراقُ الظَّفَرِ، ووَلِيُّهُ: طالِبُ ثَأْرِهِ إذا قُتِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُهْلَكَ، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مِن أهْلَكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: مَهْلِكَ، بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وأبُو بَكْرٍ: بِفَتْحِهِما. فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والزَّمانَ والمَكانَ، أيْ ما شَهِدْنا إهْلاكَ أهْلِهِ، أوْ زَمانَ إهْلاكِهِمْ، أوْ مَكانَ إهْلاكِهِمْ. ويَلْزَمُ مِن هَذَيْنِ أنَّهم إذا لَمْ يَشْهَدُوا الزَّمانَ ولا المَكانَ أنْ لا يَشْهَدُوا الإهْلاكَ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فالقِياسُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ والمَكانِ، أيْ ما شَهِدْنا زَمانَ هَلاكِهِمْ ولا مَكانَهُ. والثّالِثَةُ: تَقْتَضِي القِياسَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ ما شَهِدْنا هَلاكَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذَكَرُوا القِراءاتِ الثَّلاثَةَ، قالَ: ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والزَّمانُ والمَكانُ. انْتَهى. والظّاهِرُ في الكَلامِ حَذْفُ مَعْطُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ومَهْلِكَهُ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿لِنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ وما رُوِيَ أنَّهم كانُوا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا المَعْطُوفِ جائِزٌ في الفَصِيحِ، كَقَوْلِهِ:“ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ”، أيْ والبَرْدَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حُجُرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، ويَكُونُ قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ كَذِبًا في الإخْبارِ، أوْهَمُوا قَوْمَهم أنَّهم إذا قَتَلُوهُ وأهْلَهُ سِرًّا، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ أحَدٌ، وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، أنَّهم صادِقُونَ وهم كاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَكُونُونَ صادِقِينَ وقَدْ جَحَدُوا ما فَعَلُوا فَأتَوْا بِالخَبَرِ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ عَنْهُ ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا إذا بَيَّتُوا صالِحًا وبَيَّتُوا أهْلَهُ، فَجَمَعُوا بَيْنَ البَياتَيْنِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ فَذَكَرُوا أحَدَهُما كانُوا صادِقِينَ، فَإنَّهم فَعَلُوا البَياتَيْنِ جَمِيعًا لا أحَدَهُما. وفي هَذا دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ (p-٨٥)قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ الشَّرْعَ ونَواهِيَهُ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ. ألا تَرى أنَّهم قَصَدُوا قَتْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، ولَمْ يَرَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ حَتّى سَوَّوْا الصِّدْقَ في أنْفُسِهِمْ حِيلَةً يَنْقُصُونَ بِها عَنِ الكَذِبِ ؟ انْتَهى. والعَجَبُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَيْفَ يَتَحَيَّلُ هَذِهِ الحِيَلَ في جَعْلِ إخْبارِهِمْ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ إخْبارًا بِالصِّدْقِ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وعَقَرُوا النّاقَةَ الَّتِي كانَتْ مِن أعْظَمِ الآياتِ، وأقْدَمُوا عَلى قَتْلِ نَبِيٍّ وأهْلِهِ ؟ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ، وهو يَتْلُو في كِتابِ اللَّهِ كَذِبَهم عَلى أنْبِيائِهِمْ. ونَصَّ اللَّهُ ذَلِكَ، وكَذِبُهم عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وهو قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقَوْلُ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] وإنَّما هَذا مِنهُ تَحْرِيفٌ لِكَلامِ اللَّهِ - تَعالى -، حَتّى يَنْصُرَ مَذْهَبَهُ في قَوْلِهِ: إنَّ الكَذِبَ قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ، ويَتَحَيَّلُ لَهم هَذا التَّحَيُّلَ حَتّى يَجْعَلَهم صادِقِينَ في إخْبارِهِمْ. وهَذا الرَّجُلُ، وإنْ كانَ أُوتِيَ مِن عِلْمِ القُرْآنِ أوْفَرَ حَظٍّ، وجَمَعَ بَيْنَ اخْتِراعِ المَعْنى وبَراعَةِ اللَّفْظِ. فَفي كِتابِهِ في التَّفْسِيرِ أشْياءٌ مُنْتَقَدَةٌ، وكُنْتُ قَرِيبًا مِن تَسْطِيرِ هَذِهِ الأحْرُفِ قَدْ نَظَمْتُ قَصِيدًا في شَغْلِ الإنْسانِ نَفْسِهِ بِكِتابِ اللَّهِ، واسْتَطْرَدْتُ إلى مَدْحِ كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَذَكَرْتُ شَيْئًا مِن مَحاسِنِهِ، ثُمَّ نَبَّهْتُ عَلى ما فِيهِ مِمّا يَجِبُ تَجَنُّبُهُ، ورَأيْتُ إثْباتَ ذَلِكَ هُنا لِيَنْتَفِعَ بِذَلِكَ مَن يَقِفُ عَلى كِتابِي هَذا ويَتَنَبَّهُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ القَبائِحِ (فَقُلْتُ) بَعْدَ ذِكْرِ ما مَدَحْتُهُ بِهِ: ؎ولَكِنَّهُ فِيهِ مَجالٌ لِناقِدٍ ∗∗∗ وزَلّاتُ سُوءٍ قَدْ أخَذْنَ المَخانِقا ؎فَيُثْبِتُ مَوْضُوعَ الأحادِيثِ جاهِلًا ∗∗∗ ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقا ؎ويَشْتُمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضِلَّةً ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا ؎ويُسْهِبُ في المَعْنى الوَجِيزِ دَلالَةً ∗∗∗ بِتَكْثِيرِ ألْفاظٍ تُسَمّى الشَّقاشِقا ؎يُقَوِّلُ فِيها اللَّهَ ما لَيْسَ قائِلًا ∗∗∗ وكانَ مُحِبًّا في الخَطابَةِ وامِقًا ؎ويُخْطِئُ في تَرْكِيبِهِ لِكَلامِهِ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِما قَدْ رَكَّبُوهُ مُوافِقًا ؎ويَنْسُبُ إبْداءَ المَعانِي لِنَفْسِهِ ∗∗∗ لِيُوهِمَ أغْمارًا وإنْ كانَ سارِقًا ؎ويُخْطِئُ في فَهْمِ القُرْآنِ لِأنَّهُ ∗∗∗ يُجَوِّزُ إعْرابًا أبى أنْ يُطابِقا ؎وكَمْ بَيْنَ مَن يُؤْتى البَيانَ سَلِيقَةً ∗∗∗ وآخَرَ عاناهُ فَما هو لاحِقا ؎ويَحْتالُ لِلْألْفاظِ حَتّى يُدِيرَها ∗∗∗ لِمَذْهَبِ سُوءٍ فِيهِ أصْبَحَ مارِقا ؎فَيا خُسْرَهُ شَيْخًا تَخَرَّقَ صِيتُهُ ∗∗∗ مَغارِبَ تَخْرِيقِ الصَّبا ومَشارِقا ؎لَئِنْ لَمْ تَدارَكْهُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ ∗∗∗ لَسَوْفَ يُرى لِلْكافِرِينَ مُرافِقا ومَكْرُهم: ما أخْفَوْهُ مِن تَدْبِيرِ الفَتْكِ بِصالِحٍ وأهْلِهِ. ومَكْرُ اللَّهِ: إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، ومَكْرُهم: إيهامُهم أنَّهم مُسافِرُونَ واخْتِفاؤُهم في غارٍ. قِيلَ: أوْ شِعْبٍ، أوْ عَزْمُهم عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَلِفِهِمْ أنَّهم ما حَضَرُوا ذَلِكَ. ومَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ: إطْباقُ صَخْرَةٍ عَلى فَمِ الغارِ والشِّعْبِ وإهْلاكُهم فِيهِ، أوْ رَمْيُ المَلائِكَةِ إيّاهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَ الرّامِيَ حِينَ شَهَرُوا أسْيافَهم بِاللَّيْلِ لِيَقْتُلُوهُ، قَوْلانِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَيَخْرُجُ عَنْهُ، فَذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ في حَقِّهِمْ. ورُوِيَ أنَّ صالِحًا، بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ، أخْبَرَهم بِمَجِيءِ العَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فاتَّفَقَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةُ عَلى قَتْلِ صالِحٍ وأهْلِهِ لَيْلًا وقالُوا: إنْ كانَ كاذِبًا في وعِيدِهِ، كُنّا قَدْ أوْقَعْنا بِهِ ما يَسْتَحِقُّ؛ وإنْ كانَ صادِقًا، كُنّا قَدْ عَجَّلْناهُ قَبْلَنا وشَفَيْنا نُفُوسَنا. واخْتَفَوْا في غارٍ، وأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وأهْلَكَ قَوْمَهم، ولَمْ يَشْعُرْ كُلُّ فَرِيقٍ بِهَلاكِ الآخَرِ. والظّاهِرُ أنَّ“ كَيْفَ ”خَبَرُ كانَ، و“ عاقِبَةُ ”الِاسْمِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِانْظُرْ، وهي مُعَلَّقَةٌ، وقَرَأ (p-٨٦)الجُمْهُورُ:“ إنّا ”بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والكُوفِيُّونَ: بِفَتْحِها، فَـ“ أنّا ”بَدَلٌ مِن“ عاقِبَةُ ”، أوْ خَبَرٌ لِكانَ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي، أيِ العاقِبَةُ تَدْمِيرُهم. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِأنّا، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كانَ) تامَّةً و﴿عاقِبَةُ﴾ فاعِلٌ بِها، وأنْ تَكُونَ زائِدَةً وعاقِبَةُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿كَيْفَ﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: أنْ دَمَّرْناهم، وهي“ أنِ ”الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، ويَجُوزَ فِيها الأوْجُهُ الجائِزَةُ في“ أنّا ”- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وحَكى أبُو البَقاءِ: أنَّ بَعْضَهم أجازَ في“ أنّا دَمَّرْناهم ”في قِراءَةِ مَن فَتَحَ الهَمْزَةَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن كَيْفَ، قالَ: وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ، لِأنَّ البَدَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ يَلْزَمُ فِيهِ إعادَةُ حَرْفِهِ، كَقَوْلِهِ: كَيْفَ زِيدٌ، أصَحِيحٌ أمْ مَرِيضٌ ؟ ولَمّا أمَرَ - تَعالى - بِالنَّظَرِ فِيما جَرى لَهم مِنَ الهَلاكِ في أنْفُسِهِمْ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى مَنازِلِهِمْ وكَيْفَ خَلَتْ مِنهم، وخَرابُ البُيُوتِ وخُلُوُّها مِن أهْلِها، حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ مِمّا يُعاقَبُ بِهِ الظَّلَمَةُ؛ إذْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ. وفي التَّوْراةِ: ابْنُ آدَمَ لا تَظْلِمْ يُخْرَبْ بَيْتُكَ، وهو إشارَةٌ إلى هَلاكِ الظّالِمِ؛ إذْ خَرابُ بَيْتِهِ مُتَعَقِّبٌ هَلاكَهُ، وهَذِهِ البُيُوتُ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ، عامَ تَبُوكَ: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ»، الحَدِيثَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ خاوِيَةً ”، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: خاوِيَةٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ هي خاوِيَةٌ، قالَ: أوْ عَلى الخَبَرِ عَنْ تِلْكَ، وبُيُوتُهم بَدَلٌ، أوْ عَلى خَبَرٍ ثانٍ، و“ خاوِيَةٌ " خَبَرِيَّةٌ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو الكُفْرُ، وهو مِن خُلُوِّ البَطْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خاوِيَةٌ، أيْ ساقِطٌ أعْلاها عَلى أسْفَلِها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في فِعْلِنا بِثَمُودَ، وهو اسْتِئْصالُنا لَهم بِالتَّدْمِيرِ، وخَلاءِ مَساكِنِهِمْ مِنهم، وبُيُوتُهم هي بَوادِي القُرى بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِصالِحٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِالكُفّارِ، وكانَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أرْبَعَةُ آلافٍ، خَرَجَ بِهِمْ صالِحٌ إلى حَضْرَمَوْتَ، وسُمِّيَتْ حَضْرَمَوْتَ لِأنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَخَلَها ماتَ بِها، وبَنى المُؤْمِنُونَ بِها مَدِينَةً يُقالُ لَها: حاضُورا. وأمّا الهالِكُونَ فَخَرَجَ بِأبْدانِهِمْ خُراجٌ مِثْلُ الحِمَّصِ، احْمَرَّ في اليَوْمِ الأوَّلِ، ثُمَّ اصْفَرَّ في الثّانِي، ثُمَّ اسْوَدَّ في الثّالِثِ، وكانَ عَقْرُ النّاقَةِ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وهَلَكُوا يَوْمَ الأحَدِ. قالَ مُقاتِلٌ: تَفَتَّقَتْ تِلْكَ الخُراجاتُ، وصاحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِمْ صَيْحَةً فَخَمَدُوا.

النمل 27:50

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمْ مَن يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] ﴿أمْ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١] ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] . (p-٨١)والحَدِيقَةُ: البُسْتانُ، كانَ عَلَيْهِ جِدارٌ أوْ لَمْ يَكُنْ. الحاجِزُ: الفاصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. الفَوْجُ: الجَماعَةُ. الجُمُودُ: سُكُونُ الشَّيْءِ وعَدَمُ حَرَكَتِهِ. الإتْقانُ: الإتْيانُ بِالشَّيْءِ عَلى أحْسَنِ حالاتِهِ مِنَ الكَمالِ والإحْكامِ في الخَلْقِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِ العَرَبِ: تَقِنُوا أرْضَهم إذا أرْسَلُوا فِيها الماءَ الخاثِرَ بِالتُّرابِ فَتَجُودُ، والتِّقْنِ: ما رُمِيَ بِهِ الماءُ في الغَدِيرِ، وهو الَّذِي يَجِيءُ بِهِ الماءُ مِنَ الخُثُورَةِ. كَبَبْتُ الرَّجُلَ: ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . (p-٨٢)ثَمُودُ هي عادٌ الأُولى، وصالِحٌ أخُوهم في النَّسَبِ. لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وداوُدَ وسُلَيْمانَ، وهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ذَكَرَ قِصَّةَ مَن هو مِنَ العَرَبِ، يُذَكِّرُ بِها قُرَيْشًا والعَرَبَ، ويُنَبِّهُهم أنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ مِنَ العَرَبِ كانَ يَدْعُو إلى إفْرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالعِبادَةِ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم في عِبادَةِ الأصْنامِ عَلى ضَلالَةٍ، وأنَّ شَأْنَ الأنْبِياءِ عَرَبَهم وعَجَمَهم هو الدُّعاءُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، و”أنْ“ في: ﴿أنِ اعْبُدُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ ﴿أرْسَلْنا﴾ تَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِأنِ اعْبُدُوا، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي فَفي مَوْضِعِها خِلافٌ، أهْوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أمْ في مَوْضِعِ جَرٍّ ؟ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَإذا هُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿ثَمُودَ﴾ وأنَّ قَوْمَهُ انْقَسَمُوا فَرِيقَيْنِ: مُؤْمِنًا وكافِرًا، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنُ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ بِالفَرِيقَيْنِ: صالِحٌ وقَوْمُهُ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ. انْتَهى. فَجَعَلَ الفَرِيقَ الواحِدَ هو صالِحٌ، والفَرِيقَ الآخَرَ قَوْمَهُ، وإذا هُنا هي الفُجائِيَّةُ، وعَطَفَ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ لا المُهْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: أنَّهم بادَرُوا بِالِاخْتِصامِ، مُتَعَقِّبًا دُعاءَ صالِحٍ إيّاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ. وجاءَ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ الفَرِيقانِ مَن آمَنَ ومَن كَفَرَ، فالجَمْعِيَّةُ حاصِلَةٌ في كُلِّ فَرِيقٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ فَرِيقَ المُؤْمِنِ جَمْعٌ قَوْلُهُ: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] فَقالَ: آمَنتُمْ، وهو ضَمِيرُ الجَمْعِ. وإنْ كانَ الفَرِيقُ المُؤْمِنُ هو صالِحٌ وحْدَهُ، فَإنَّهُ قَدِ انْضَمَّ إلى قَوْمِهِ، والمَجْمُوعُ جَمْعٌ، وأُوثِرَ يَخْتَصِمُونَ عَلى يَخْتَصِمانِ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ التَّثْنِيَةِ جائِزًا فَصِيحًا؛ لِأنَّهُ مَقْطَعُ فَصْلٍ، واخْتِصاصُهم دَعْوى كُلِّ فَرِيقٍ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَخاصُمَهم في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ تَلَطَّفَ صالِحٌ بِقَوْمِهِ ورَفَقَ بِهِمْ في الخِطابِ فَقالَ مُنادِيًا لَهم عَلى جِهَةِ التَّحَنُّنِ عَلَيْهِمْ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ بِوُقُوعِ ما يَسُوءُكم قَبْلَ الحالَةِ الحَسَنَةِ، وهي رَحْمَةُ اللَّهِ. وكانَ قَدْ قالَ لَهم في حَدِيثِ النّاقَةِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] فَقالُوا لَهُ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] . وقِيلَ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِوُقُوعِ المَعاصِي مِنكم قَبْلَ الطّاعَةِ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى اسْتِعْجالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَتا مُتَوَقَّعَتَيْنِ إحْداهُما قَبْلَ الأُخْرى ؟ (قُلْتُ): كانُوا يَقُولُونَ بِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُنا صالِحٌ، إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ، تُبْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، مُقَدِّرِينَ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنْ لَمْ تَقَعْ، فَنَحْنُ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، فَخاطَبَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ. انْتَهى. ثُمَّ حَضَّهم عَلى ما فِيهِ دَرْءُ السَّيِّئَةِ عَنْهم، وهو الإيمانُ واسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الكُفْرِ، وناطَ ذَلِكَ بِتَرَجِّي الرَّحْمَةِ، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى اسْتِغْفارِهِمْ. وكانَ في التَّحْضِيضِ تَنْبِيهٌ عَلى الخَطَأِ مِنهم في اسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ، وتَجْهِيلٌ لَهم في اعْتِقادِهِمْ. ولَمّا لاطَفَهم في الخِطابِ أغْلَظُوا لَهُ وقالُوا: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ وبِالَّذِينِ آمَنُوا مَعَكَ. ودَلَّ هَذا العَطْفُ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ كانُوا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿وبِمَن مَعَكَ﴾ وكانُوا قَدْ قَحِطُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى التَّطَيُّرِ في سُورَةِ الأعْرافِ، جَعَلُوا سَبَبَ قَحْطِهِمْ هو ذاتُ صالِحٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ حَظُّكم في الحَقِيقَةِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هو عِنْدَ اللَّهِ وبِقَضائِهِ، إنْ شاءَ رَزَقَكم، وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ عَمَلُكم مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَمِنهُ نَزَلَ بِكم ما نَزَلَ عُقُوبَةً لَكم وفِتْنَةً، ومِنهُ ”طائِرُكم مَعَكم“، وكُلُّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ”. وقُرِئَ: تَطَيَّرْنا بِكَ عَلى الأصْلِ، ومَعْنى تَطَيَّرَ بِهِ: تَشاءَمَ بِهِ، وتَطَيَّرَ (p-٨٣)مِنهُ: نَفَرَ عَنْهُ. انْتَهى. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِحالِهِمْ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ تُخْتَبَرُونَ، أوْ تُعَذَّبُونَ، أوْ يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ إلَيْكُمُ الطِّيَرَةَ، أوْ تُفْتَنُونَ بِشَهَواتِهِ: أيْ تَشْفَعُونَ بِها، كَما يُقالُ: فُتِنَ فُلانٌ بِفُلانٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎داءٌ قَدِيمٌ في بَنِي آدَمَ فِتْنَةٌ إنْسانٍ بِإنْسانِ وهَذِهِ أقْوالٌ يَحْتَمِلُها لَفْظُ تُفْتَنُونَ، وجاءَ تُفْتَنُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى مُراعاةِ أنْتُمْ، وهو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ. ويَجُوزُ يُفْتَنُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُراعاةِ لَفْظِ“ قَوْمٌ ”، وهو قَلِيلٌ. تَقُولُ العَرَبُ: أنْتَ رَجُلٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، بِتاءِ الخِطابِ وبِياءِ الغَيْبَةِ. والمَدِينَةُ مُجْتَمَعُ ثَمُودَ وقَرْيَتُهم، وهي الحِجْرُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أسْماءَ التِّسْعَةِ، وفي بَعْضِها اخْتِلافٌ، ورَأْسُهم: قُدارُ بْنُ سالِفٍ، وأسْماؤُهم لا تَنْضَبِطُ بِشَكْلٍ ولا تَتَعَيَّنُ، فَلِذَلِكَ ضَرَبْنا صَفْحًا عَنْ ذِكْرِها، وكانُوا عُظَماءَ القَرْيَةِ وأغْنِياءَها وفُسّاقَها. والرَّهْطُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، والنَّفَرُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى التِّسْعَةِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المَعْنى: تِسْعَةُ رِجالٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جازَ تَمْيِيزُ التِّسْعَةِ بِالرَّهْطِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِسْعَةُ أنْفُسٍ. انْتَهى. وتَقْدِيرُ غَيْرِهِ: تِسْعَةُ رِجالٍ هو الأوْلى؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أضافَ إلى أنْفُسٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: تِسْعُ أنْفُسٍ، عَلى تَأْنِيثِ النَّفْسِ، إذِ الفَصِيحُ فِيها التَّأْنِيثُ. ألا تَراهم عَدُّوا مِنَ الشُّذُوذِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ثَلاثَـةُ أنْفُسٍ وثَـلاثُ ذَوْدٍ فَأدْخَلَ التّاءَ في ثَلاثَةٍ؛ وكانَ الفَصِيحُ أنْ يَقُولَ: ثَلاثُ أنْفُسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ، إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ، لِاخْتِلافِ صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ، لا لِاخْتِلافِ أجْناسِهِمْ. انْتَهى. قِيلَ: والرَّهْطُ اسْمُ الجَماعَةِ، وكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ، مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم رَهْطٌ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ التَّرْهِيطِ، وهو تَعْظِيمُ اللُّقَمِ وشِدَّةُ الأكْلِ. انْتَهى. ورَهْطٌ: اسْمُ جَمْعٍ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ فَصْلَهُ بِمِن هو الفَصِيحُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] . واخْتَلَفُوا في جَوازِ إضافَةِ العَدَدِ إلَيْهِ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وما ورَدَ مِنَ الإضافَةِ إلَيْهِ فَهو عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُقالُ: ثَلاثُ غَنَمٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ويَنْقاسُ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وفَصَلَ قَوْمٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَمْعِ لِلْقَلِيلِ، كَرَهْطٍ ونَفَرٍ وذَوْدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، أوْ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ يُسْتَعْمَلُ لَهُما، فَلا تَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ المازِنِيِّ، وقَدْ أطَلْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . و﴿يُفْسِدُونَ﴾ صِفَةٌ“ لِتِسْعَةِ رَهْطٍ ”، والمَعْنى: أنَّهم يُفْسِدُونَ الفَسادَ العَظِيمَ الَّذِي لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الإصْلاحِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾؛ لِأنَّ بَعْضَ مَن يَقَعُ مِنهُ إفْسادٌ قَدْ يَقَعُ مِنهُ إصْلاحٌ في بَعْضِ الأحْيانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ تَقاسَمُوا ”، وابْنُ أبِي لَيْلى: تَقَسَّمُوا، بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وكِلاهُما مِنَ القَسَمِ والتَّقاسُمِ والتَّقْسِيمِ، كالتَّظاهُرِ والتَّظْهِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿تَقاسَمُوا﴾ فِعْلُ أمْرٍ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أشارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالحَلِفِ عَلى تَبْيِيتِ صالِحٍ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَقاسَمُوا فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:“ تَقاسَمُوا ”يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا وخَبَرًا عَلى مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا: مُتَقاسِمِينَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: وخَبَرًا، فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الخَبَرَ هو أحَدُ قِسْمَيِ الكَلامِ، إذْ هو مُنْقَسِمٌ إلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، وجَمِيعُ مَعانِيهِ إذا حَقَّقْتَ راجِعَةٌ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ. وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ وقُرِئَ“ لَنُبَيِّتَنَّهُ ”بِالياءِ والتّاءِ والنُّونِ، فَتَقاسَمُوا مَعَ النُّونِ والتّاءِ يَصِحُّ فِيهِ الوَجْهانِ، يَعْنِي فِيهِ: أيْ في تَقاسَمُوا بِاللَّهِ، والوَجْهانِ هُما الأمْرُ والخَبَرُ عِنْدَهُ. قالَ: ومَعَ الياءِ لا يَصِحُّ إلّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا. انْتَهى. والتَّقْيِيدُ بِالحالِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ نِسْبَةِ التَّقْيِيدِ، لا مِن نِسْبَةِ الكَلامِ الَّتِي هي الإسْنادُ، فَإذا أُطْلِقَ عَلَيْها الخَبَرُ، كانَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ حالًا لَجازَ أنْ (p-٨٤)تُسْتَعْمَلُ خَبَرًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهم في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَهُ صِلَةً أنَّها خَبَرِيَّةٌ هو مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ صِلَةً، لَجازَ أنْ تُسْتَعْمَلَ خَبَرًا، وهَذا شَيْءٌ فِيهِ غُمُوضٌ، ولا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ، فَقَدْ كَثُرَ وُقُوعُ الماضِي حالًا بِغَيْرِ قَدْ كَثْرَةً يَنْبَغِي القِياسُ عَلَيْها. وعَلى هَذا الإعْرابِ، احْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِتَقاسَمُوا الَّذِي هو حالٌ، فَهو مِن صِلَتِهِ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ. والمَقُولِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ وما بَعْدَهُ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ هو وما بَعْدَهُ هو المَقُولَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِتاءِ خِطابِ الجَمْعِ؛ ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِياءِ الغَيْبَةِ، والفِعْلانِ مُسْنَدانِ لِلْجَمْعِ؛ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ في الأوَّلِ مُسْنَدًا لِلْجَمْعِ، أيْ“ لَيُبَيِّتُنَّهُ ”، أيْ قَوْمٌ مِنّا، وبِالنُّونِ في الثّانِي، أيْ جَمِيعُنا ما يَقُولُ لِوَلِيِّهِ، والبَياتُ: مُباغِتَةُ العَدُوِّ. وعَنِ الإسْكَنْدَرِ أنَّهُ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِالبَياتِ فَقالَ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُلُوكِ اسْتِراقُ الظَّفَرِ، ووَلِيُّهُ: طالِبُ ثَأْرِهِ إذا قُتِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُهْلَكَ، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مِن أهْلَكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: مَهْلِكَ، بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وأبُو بَكْرٍ: بِفَتْحِهِما. فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والزَّمانَ والمَكانَ، أيْ ما شَهِدْنا إهْلاكَ أهْلِهِ، أوْ زَمانَ إهْلاكِهِمْ، أوْ مَكانَ إهْلاكِهِمْ. ويَلْزَمُ مِن هَذَيْنِ أنَّهم إذا لَمْ يَشْهَدُوا الزَّمانَ ولا المَكانَ أنْ لا يَشْهَدُوا الإهْلاكَ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فالقِياسُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ والمَكانِ، أيْ ما شَهِدْنا زَمانَ هَلاكِهِمْ ولا مَكانَهُ. والثّالِثَةُ: تَقْتَضِي القِياسَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ ما شَهِدْنا هَلاكَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذَكَرُوا القِراءاتِ الثَّلاثَةَ، قالَ: ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والزَّمانُ والمَكانُ. انْتَهى. والظّاهِرُ في الكَلامِ حَذْفُ مَعْطُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ومَهْلِكَهُ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿لِنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ وما رُوِيَ أنَّهم كانُوا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا المَعْطُوفِ جائِزٌ في الفَصِيحِ، كَقَوْلِهِ:“ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ”، أيْ والبَرْدَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حُجُرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، ويَكُونُ قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ كَذِبًا في الإخْبارِ، أوْهَمُوا قَوْمَهم أنَّهم إذا قَتَلُوهُ وأهْلَهُ سِرًّا، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ أحَدٌ، وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، أنَّهم صادِقُونَ وهم كاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَكُونُونَ صادِقِينَ وقَدْ جَحَدُوا ما فَعَلُوا فَأتَوْا بِالخَبَرِ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ عَنْهُ ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا إذا بَيَّتُوا صالِحًا وبَيَّتُوا أهْلَهُ، فَجَمَعُوا بَيْنَ البَياتَيْنِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ فَذَكَرُوا أحَدَهُما كانُوا صادِقِينَ، فَإنَّهم فَعَلُوا البَياتَيْنِ جَمِيعًا لا أحَدَهُما. وفي هَذا دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ (p-٨٥)قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ الشَّرْعَ ونَواهِيَهُ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ. ألا تَرى أنَّهم قَصَدُوا قَتْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، ولَمْ يَرَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ حَتّى سَوَّوْا الصِّدْقَ في أنْفُسِهِمْ حِيلَةً يَنْقُصُونَ بِها عَنِ الكَذِبِ ؟ انْتَهى. والعَجَبُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَيْفَ يَتَحَيَّلُ هَذِهِ الحِيَلَ في جَعْلِ إخْبارِهِمْ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ إخْبارًا بِالصِّدْقِ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وعَقَرُوا النّاقَةَ الَّتِي كانَتْ مِن أعْظَمِ الآياتِ، وأقْدَمُوا عَلى قَتْلِ نَبِيٍّ وأهْلِهِ ؟ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ، وهو يَتْلُو في كِتابِ اللَّهِ كَذِبَهم عَلى أنْبِيائِهِمْ. ونَصَّ اللَّهُ ذَلِكَ، وكَذِبُهم عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وهو قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقَوْلُ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] وإنَّما هَذا مِنهُ تَحْرِيفٌ لِكَلامِ اللَّهِ - تَعالى -، حَتّى يَنْصُرَ مَذْهَبَهُ في قَوْلِهِ: إنَّ الكَذِبَ قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ، ويَتَحَيَّلُ لَهم هَذا التَّحَيُّلَ حَتّى يَجْعَلَهم صادِقِينَ في إخْبارِهِمْ. وهَذا الرَّجُلُ، وإنْ كانَ أُوتِيَ مِن عِلْمِ القُرْآنِ أوْفَرَ حَظٍّ، وجَمَعَ بَيْنَ اخْتِراعِ المَعْنى وبَراعَةِ اللَّفْظِ. فَفي كِتابِهِ في التَّفْسِيرِ أشْياءٌ مُنْتَقَدَةٌ، وكُنْتُ قَرِيبًا مِن تَسْطِيرِ هَذِهِ الأحْرُفِ قَدْ نَظَمْتُ قَصِيدًا في شَغْلِ الإنْسانِ نَفْسِهِ بِكِتابِ اللَّهِ، واسْتَطْرَدْتُ إلى مَدْحِ كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَذَكَرْتُ شَيْئًا مِن مَحاسِنِهِ، ثُمَّ نَبَّهْتُ عَلى ما فِيهِ مِمّا يَجِبُ تَجَنُّبُهُ، ورَأيْتُ إثْباتَ ذَلِكَ هُنا لِيَنْتَفِعَ بِذَلِكَ مَن يَقِفُ عَلى كِتابِي هَذا ويَتَنَبَّهُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ القَبائِحِ (فَقُلْتُ) بَعْدَ ذِكْرِ ما مَدَحْتُهُ بِهِ: ؎ولَكِنَّهُ فِيهِ مَجالٌ لِناقِدٍ ∗∗∗ وزَلّاتُ سُوءٍ قَدْ أخَذْنَ المَخانِقا ؎فَيُثْبِتُ مَوْضُوعَ الأحادِيثِ جاهِلًا ∗∗∗ ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقا ؎ويَشْتُمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضِلَّةً ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا ؎ويُسْهِبُ في المَعْنى الوَجِيزِ دَلالَةً ∗∗∗ بِتَكْثِيرِ ألْفاظٍ تُسَمّى الشَّقاشِقا ؎يُقَوِّلُ فِيها اللَّهَ ما لَيْسَ قائِلًا ∗∗∗ وكانَ مُحِبًّا في الخَطابَةِ وامِقًا ؎ويُخْطِئُ في تَرْكِيبِهِ لِكَلامِهِ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِما قَدْ رَكَّبُوهُ مُوافِقًا ؎ويَنْسُبُ إبْداءَ المَعانِي لِنَفْسِهِ ∗∗∗ لِيُوهِمَ أغْمارًا وإنْ كانَ سارِقًا ؎ويُخْطِئُ في فَهْمِ القُرْآنِ لِأنَّهُ ∗∗∗ يُجَوِّزُ إعْرابًا أبى أنْ يُطابِقا ؎وكَمْ بَيْنَ مَن يُؤْتى البَيانَ سَلِيقَةً ∗∗∗ وآخَرَ عاناهُ فَما هو لاحِقا ؎ويَحْتالُ لِلْألْفاظِ حَتّى يُدِيرَها ∗∗∗ لِمَذْهَبِ سُوءٍ فِيهِ أصْبَحَ مارِقا ؎فَيا خُسْرَهُ شَيْخًا تَخَرَّقَ صِيتُهُ ∗∗∗ مَغارِبَ تَخْرِيقِ الصَّبا ومَشارِقا ؎لَئِنْ لَمْ تَدارَكْهُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ ∗∗∗ لَسَوْفَ يُرى لِلْكافِرِينَ مُرافِقا ومَكْرُهم: ما أخْفَوْهُ مِن تَدْبِيرِ الفَتْكِ بِصالِحٍ وأهْلِهِ. ومَكْرُ اللَّهِ: إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، ومَكْرُهم: إيهامُهم أنَّهم مُسافِرُونَ واخْتِفاؤُهم في غارٍ. قِيلَ: أوْ شِعْبٍ، أوْ عَزْمُهم عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَلِفِهِمْ أنَّهم ما حَضَرُوا ذَلِكَ. ومَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ: إطْباقُ صَخْرَةٍ عَلى فَمِ الغارِ والشِّعْبِ وإهْلاكُهم فِيهِ، أوْ رَمْيُ المَلائِكَةِ إيّاهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَ الرّامِيَ حِينَ شَهَرُوا أسْيافَهم بِاللَّيْلِ لِيَقْتُلُوهُ، قَوْلانِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَيَخْرُجُ عَنْهُ، فَذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ في حَقِّهِمْ. ورُوِيَ أنَّ صالِحًا، بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ، أخْبَرَهم بِمَجِيءِ العَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فاتَّفَقَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةُ عَلى قَتْلِ صالِحٍ وأهْلِهِ لَيْلًا وقالُوا: إنْ كانَ كاذِبًا في وعِيدِهِ، كُنّا قَدْ أوْقَعْنا بِهِ ما يَسْتَحِقُّ؛ وإنْ كانَ صادِقًا، كُنّا قَدْ عَجَّلْناهُ قَبْلَنا وشَفَيْنا نُفُوسَنا. واخْتَفَوْا في غارٍ، وأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وأهْلَكَ قَوْمَهم، ولَمْ يَشْعُرْ كُلُّ فَرِيقٍ بِهَلاكِ الآخَرِ. والظّاهِرُ أنَّ“ كَيْفَ ”خَبَرُ كانَ، و“ عاقِبَةُ ”الِاسْمِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِانْظُرْ، وهي مُعَلَّقَةٌ، وقَرَأ (p-٨٦)الجُمْهُورُ:“ إنّا ”بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والكُوفِيُّونَ: بِفَتْحِها، فَـ“ أنّا ”بَدَلٌ مِن“ عاقِبَةُ ”، أوْ خَبَرٌ لِكانَ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي، أيِ العاقِبَةُ تَدْمِيرُهم. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِأنّا، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كانَ) تامَّةً و﴿عاقِبَةُ﴾ فاعِلٌ بِها، وأنْ تَكُونَ زائِدَةً وعاقِبَةُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿كَيْفَ﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: أنْ دَمَّرْناهم، وهي“ أنِ ”الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، ويَجُوزَ فِيها الأوْجُهُ الجائِزَةُ في“ أنّا ”- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وحَكى أبُو البَقاءِ: أنَّ بَعْضَهم أجازَ في“ أنّا دَمَّرْناهم ”في قِراءَةِ مَن فَتَحَ الهَمْزَةَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن كَيْفَ، قالَ: وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ، لِأنَّ البَدَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ يَلْزَمُ فِيهِ إعادَةُ حَرْفِهِ، كَقَوْلِهِ: كَيْفَ زِيدٌ، أصَحِيحٌ أمْ مَرِيضٌ ؟ ولَمّا أمَرَ - تَعالى - بِالنَّظَرِ فِيما جَرى لَهم مِنَ الهَلاكِ في أنْفُسِهِمْ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى مَنازِلِهِمْ وكَيْفَ خَلَتْ مِنهم، وخَرابُ البُيُوتِ وخُلُوُّها مِن أهْلِها، حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ مِمّا يُعاقَبُ بِهِ الظَّلَمَةُ؛ إذْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ. وفي التَّوْراةِ: ابْنُ آدَمَ لا تَظْلِمْ يُخْرَبْ بَيْتُكَ، وهو إشارَةٌ إلى هَلاكِ الظّالِمِ؛ إذْ خَرابُ بَيْتِهِ مُتَعَقِّبٌ هَلاكَهُ، وهَذِهِ البُيُوتُ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ، عامَ تَبُوكَ: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ»، الحَدِيثَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ خاوِيَةً ”، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: خاوِيَةٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ هي خاوِيَةٌ، قالَ: أوْ عَلى الخَبَرِ عَنْ تِلْكَ، وبُيُوتُهم بَدَلٌ، أوْ عَلى خَبَرٍ ثانٍ، و“ خاوِيَةٌ " خَبَرِيَّةٌ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو الكُفْرُ، وهو مِن خُلُوِّ البَطْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خاوِيَةٌ، أيْ ساقِطٌ أعْلاها عَلى أسْفَلِها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في فِعْلِنا بِثَمُودَ، وهو اسْتِئْصالُنا لَهم بِالتَّدْمِيرِ، وخَلاءِ مَساكِنِهِمْ مِنهم، وبُيُوتُهم هي بَوادِي القُرى بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِصالِحٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِالكُفّارِ، وكانَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أرْبَعَةُ آلافٍ، خَرَجَ بِهِمْ صالِحٌ إلى حَضْرَمَوْتَ، وسُمِّيَتْ حَضْرَمَوْتَ لِأنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَخَلَها ماتَ بِها، وبَنى المُؤْمِنُونَ بِها مَدِينَةً يُقالُ لَها: حاضُورا. وأمّا الهالِكُونَ فَخَرَجَ بِأبْدانِهِمْ خُراجٌ مِثْلُ الحِمَّصِ، احْمَرَّ في اليَوْمِ الأوَّلِ، ثُمَّ اصْفَرَّ في الثّانِي، ثُمَّ اسْوَدَّ في الثّالِثِ، وكانَ عَقْرُ النّاقَةِ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وهَلَكُوا يَوْمَ الأحَدِ. قالَ مُقاتِلٌ: تَفَتَّقَتْ تِلْكَ الخُراجاتُ، وصاحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِمْ صَيْحَةً فَخَمَدُوا.

النمل 27:51

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمْ مَن يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] ﴿أمْ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١] ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] . (p-٨١)والحَدِيقَةُ: البُسْتانُ، كانَ عَلَيْهِ جِدارٌ أوْ لَمْ يَكُنْ. الحاجِزُ: الفاصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. الفَوْجُ: الجَماعَةُ. الجُمُودُ: سُكُونُ الشَّيْءِ وعَدَمُ حَرَكَتِهِ. الإتْقانُ: الإتْيانُ بِالشَّيْءِ عَلى أحْسَنِ حالاتِهِ مِنَ الكَمالِ والإحْكامِ في الخَلْقِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِ العَرَبِ: تَقِنُوا أرْضَهم إذا أرْسَلُوا فِيها الماءَ الخاثِرَ بِالتُّرابِ فَتَجُودُ، والتِّقْنِ: ما رُمِيَ بِهِ الماءُ في الغَدِيرِ، وهو الَّذِي يَجِيءُ بِهِ الماءُ مِنَ الخُثُورَةِ. كَبَبْتُ الرَّجُلَ: ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . (p-٨٢)ثَمُودُ هي عادٌ الأُولى، وصالِحٌ أخُوهم في النَّسَبِ. لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وداوُدَ وسُلَيْمانَ، وهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ذَكَرَ قِصَّةَ مَن هو مِنَ العَرَبِ، يُذَكِّرُ بِها قُرَيْشًا والعَرَبَ، ويُنَبِّهُهم أنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ مِنَ العَرَبِ كانَ يَدْعُو إلى إفْرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالعِبادَةِ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم في عِبادَةِ الأصْنامِ عَلى ضَلالَةٍ، وأنَّ شَأْنَ الأنْبِياءِ عَرَبَهم وعَجَمَهم هو الدُّعاءُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، و”أنْ“ في: ﴿أنِ اعْبُدُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ ﴿أرْسَلْنا﴾ تَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِأنِ اعْبُدُوا، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي فَفي مَوْضِعِها خِلافٌ، أهْوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أمْ في مَوْضِعِ جَرٍّ ؟ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَإذا هُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿ثَمُودَ﴾ وأنَّ قَوْمَهُ انْقَسَمُوا فَرِيقَيْنِ: مُؤْمِنًا وكافِرًا، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنُ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ بِالفَرِيقَيْنِ: صالِحٌ وقَوْمُهُ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ. انْتَهى. فَجَعَلَ الفَرِيقَ الواحِدَ هو صالِحٌ، والفَرِيقَ الآخَرَ قَوْمَهُ، وإذا هُنا هي الفُجائِيَّةُ، وعَطَفَ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ لا المُهْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: أنَّهم بادَرُوا بِالِاخْتِصامِ، مُتَعَقِّبًا دُعاءَ صالِحٍ إيّاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ. وجاءَ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ الفَرِيقانِ مَن آمَنَ ومَن كَفَرَ، فالجَمْعِيَّةُ حاصِلَةٌ في كُلِّ فَرِيقٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ فَرِيقَ المُؤْمِنِ جَمْعٌ قَوْلُهُ: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] فَقالَ: آمَنتُمْ، وهو ضَمِيرُ الجَمْعِ. وإنْ كانَ الفَرِيقُ المُؤْمِنُ هو صالِحٌ وحْدَهُ، فَإنَّهُ قَدِ انْضَمَّ إلى قَوْمِهِ، والمَجْمُوعُ جَمْعٌ، وأُوثِرَ يَخْتَصِمُونَ عَلى يَخْتَصِمانِ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ التَّثْنِيَةِ جائِزًا فَصِيحًا؛ لِأنَّهُ مَقْطَعُ فَصْلٍ، واخْتِصاصُهم دَعْوى كُلِّ فَرِيقٍ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَخاصُمَهم في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ تَلَطَّفَ صالِحٌ بِقَوْمِهِ ورَفَقَ بِهِمْ في الخِطابِ فَقالَ مُنادِيًا لَهم عَلى جِهَةِ التَّحَنُّنِ عَلَيْهِمْ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ بِوُقُوعِ ما يَسُوءُكم قَبْلَ الحالَةِ الحَسَنَةِ، وهي رَحْمَةُ اللَّهِ. وكانَ قَدْ قالَ لَهم في حَدِيثِ النّاقَةِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] فَقالُوا لَهُ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] . وقِيلَ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِوُقُوعِ المَعاصِي مِنكم قَبْلَ الطّاعَةِ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى اسْتِعْجالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَتا مُتَوَقَّعَتَيْنِ إحْداهُما قَبْلَ الأُخْرى ؟ (قُلْتُ): كانُوا يَقُولُونَ بِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُنا صالِحٌ، إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ، تُبْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، مُقَدِّرِينَ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنْ لَمْ تَقَعْ، فَنَحْنُ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، فَخاطَبَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ. انْتَهى. ثُمَّ حَضَّهم عَلى ما فِيهِ دَرْءُ السَّيِّئَةِ عَنْهم، وهو الإيمانُ واسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الكُفْرِ، وناطَ ذَلِكَ بِتَرَجِّي الرَّحْمَةِ، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى اسْتِغْفارِهِمْ. وكانَ في التَّحْضِيضِ تَنْبِيهٌ عَلى الخَطَأِ مِنهم في اسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ، وتَجْهِيلٌ لَهم في اعْتِقادِهِمْ. ولَمّا لاطَفَهم في الخِطابِ أغْلَظُوا لَهُ وقالُوا: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ وبِالَّذِينِ آمَنُوا مَعَكَ. ودَلَّ هَذا العَطْفُ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ كانُوا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿وبِمَن مَعَكَ﴾ وكانُوا قَدْ قَحِطُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى التَّطَيُّرِ في سُورَةِ الأعْرافِ، جَعَلُوا سَبَبَ قَحْطِهِمْ هو ذاتُ صالِحٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ حَظُّكم في الحَقِيقَةِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هو عِنْدَ اللَّهِ وبِقَضائِهِ، إنْ شاءَ رَزَقَكم، وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ عَمَلُكم مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَمِنهُ نَزَلَ بِكم ما نَزَلَ عُقُوبَةً لَكم وفِتْنَةً، ومِنهُ ”طائِرُكم مَعَكم“، وكُلُّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ”. وقُرِئَ: تَطَيَّرْنا بِكَ عَلى الأصْلِ، ومَعْنى تَطَيَّرَ بِهِ: تَشاءَمَ بِهِ، وتَطَيَّرَ (p-٨٣)مِنهُ: نَفَرَ عَنْهُ. انْتَهى. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِحالِهِمْ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ تُخْتَبَرُونَ، أوْ تُعَذَّبُونَ، أوْ يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ إلَيْكُمُ الطِّيَرَةَ، أوْ تُفْتَنُونَ بِشَهَواتِهِ: أيْ تَشْفَعُونَ بِها، كَما يُقالُ: فُتِنَ فُلانٌ بِفُلانٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎داءٌ قَدِيمٌ في بَنِي آدَمَ فِتْنَةٌ إنْسانٍ بِإنْسانِ وهَذِهِ أقْوالٌ يَحْتَمِلُها لَفْظُ تُفْتَنُونَ، وجاءَ تُفْتَنُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى مُراعاةِ أنْتُمْ، وهو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ. ويَجُوزُ يُفْتَنُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُراعاةِ لَفْظِ“ قَوْمٌ ”، وهو قَلِيلٌ. تَقُولُ العَرَبُ: أنْتَ رَجُلٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، بِتاءِ الخِطابِ وبِياءِ الغَيْبَةِ. والمَدِينَةُ مُجْتَمَعُ ثَمُودَ وقَرْيَتُهم، وهي الحِجْرُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أسْماءَ التِّسْعَةِ، وفي بَعْضِها اخْتِلافٌ، ورَأْسُهم: قُدارُ بْنُ سالِفٍ، وأسْماؤُهم لا تَنْضَبِطُ بِشَكْلٍ ولا تَتَعَيَّنُ، فَلِذَلِكَ ضَرَبْنا صَفْحًا عَنْ ذِكْرِها، وكانُوا عُظَماءَ القَرْيَةِ وأغْنِياءَها وفُسّاقَها. والرَّهْطُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، والنَّفَرُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى التِّسْعَةِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المَعْنى: تِسْعَةُ رِجالٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جازَ تَمْيِيزُ التِّسْعَةِ بِالرَّهْطِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِسْعَةُ أنْفُسٍ. انْتَهى. وتَقْدِيرُ غَيْرِهِ: تِسْعَةُ رِجالٍ هو الأوْلى؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أضافَ إلى أنْفُسٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: تِسْعُ أنْفُسٍ، عَلى تَأْنِيثِ النَّفْسِ، إذِ الفَصِيحُ فِيها التَّأْنِيثُ. ألا تَراهم عَدُّوا مِنَ الشُّذُوذِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ثَلاثَـةُ أنْفُسٍ وثَـلاثُ ذَوْدٍ فَأدْخَلَ التّاءَ في ثَلاثَةٍ؛ وكانَ الفَصِيحُ أنْ يَقُولَ: ثَلاثُ أنْفُسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ، إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ، لِاخْتِلافِ صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ، لا لِاخْتِلافِ أجْناسِهِمْ. انْتَهى. قِيلَ: والرَّهْطُ اسْمُ الجَماعَةِ، وكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ، مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم رَهْطٌ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ التَّرْهِيطِ، وهو تَعْظِيمُ اللُّقَمِ وشِدَّةُ الأكْلِ. انْتَهى. ورَهْطٌ: اسْمُ جَمْعٍ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ فَصْلَهُ بِمِن هو الفَصِيحُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] . واخْتَلَفُوا في جَوازِ إضافَةِ العَدَدِ إلَيْهِ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وما ورَدَ مِنَ الإضافَةِ إلَيْهِ فَهو عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُقالُ: ثَلاثُ غَنَمٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ويَنْقاسُ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وفَصَلَ قَوْمٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَمْعِ لِلْقَلِيلِ، كَرَهْطٍ ونَفَرٍ وذَوْدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، أوْ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ يُسْتَعْمَلُ لَهُما، فَلا تَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ المازِنِيِّ، وقَدْ أطَلْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . و﴿يُفْسِدُونَ﴾ صِفَةٌ“ لِتِسْعَةِ رَهْطٍ ”، والمَعْنى: أنَّهم يُفْسِدُونَ الفَسادَ العَظِيمَ الَّذِي لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الإصْلاحِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾؛ لِأنَّ بَعْضَ مَن يَقَعُ مِنهُ إفْسادٌ قَدْ يَقَعُ مِنهُ إصْلاحٌ في بَعْضِ الأحْيانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ تَقاسَمُوا ”، وابْنُ أبِي لَيْلى: تَقَسَّمُوا، بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وكِلاهُما مِنَ القَسَمِ والتَّقاسُمِ والتَّقْسِيمِ، كالتَّظاهُرِ والتَّظْهِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿تَقاسَمُوا﴾ فِعْلُ أمْرٍ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أشارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالحَلِفِ عَلى تَبْيِيتِ صالِحٍ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَقاسَمُوا فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:“ تَقاسَمُوا ”يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا وخَبَرًا عَلى مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا: مُتَقاسِمِينَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: وخَبَرًا، فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الخَبَرَ هو أحَدُ قِسْمَيِ الكَلامِ، إذْ هو مُنْقَسِمٌ إلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، وجَمِيعُ مَعانِيهِ إذا حَقَّقْتَ راجِعَةٌ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ. وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ وقُرِئَ“ لَنُبَيِّتَنَّهُ ”بِالياءِ والتّاءِ والنُّونِ، فَتَقاسَمُوا مَعَ النُّونِ والتّاءِ يَصِحُّ فِيهِ الوَجْهانِ، يَعْنِي فِيهِ: أيْ في تَقاسَمُوا بِاللَّهِ، والوَجْهانِ هُما الأمْرُ والخَبَرُ عِنْدَهُ. قالَ: ومَعَ الياءِ لا يَصِحُّ إلّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا. انْتَهى. والتَّقْيِيدُ بِالحالِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ نِسْبَةِ التَّقْيِيدِ، لا مِن نِسْبَةِ الكَلامِ الَّتِي هي الإسْنادُ، فَإذا أُطْلِقَ عَلَيْها الخَبَرُ، كانَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ حالًا لَجازَ أنْ (p-٨٤)تُسْتَعْمَلُ خَبَرًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهم في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَهُ صِلَةً أنَّها خَبَرِيَّةٌ هو مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ صِلَةً، لَجازَ أنْ تُسْتَعْمَلَ خَبَرًا، وهَذا شَيْءٌ فِيهِ غُمُوضٌ، ولا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ، فَقَدْ كَثُرَ وُقُوعُ الماضِي حالًا بِغَيْرِ قَدْ كَثْرَةً يَنْبَغِي القِياسُ عَلَيْها. وعَلى هَذا الإعْرابِ، احْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِتَقاسَمُوا الَّذِي هو حالٌ، فَهو مِن صِلَتِهِ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ. والمَقُولِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ وما بَعْدَهُ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ هو وما بَعْدَهُ هو المَقُولَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِتاءِ خِطابِ الجَمْعِ؛ ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِياءِ الغَيْبَةِ، والفِعْلانِ مُسْنَدانِ لِلْجَمْعِ؛ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ في الأوَّلِ مُسْنَدًا لِلْجَمْعِ، أيْ“ لَيُبَيِّتُنَّهُ ”، أيْ قَوْمٌ مِنّا، وبِالنُّونِ في الثّانِي، أيْ جَمِيعُنا ما يَقُولُ لِوَلِيِّهِ، والبَياتُ: مُباغِتَةُ العَدُوِّ. وعَنِ الإسْكَنْدَرِ أنَّهُ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِالبَياتِ فَقالَ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُلُوكِ اسْتِراقُ الظَّفَرِ، ووَلِيُّهُ: طالِبُ ثَأْرِهِ إذا قُتِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُهْلَكَ، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مِن أهْلَكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: مَهْلِكَ، بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وأبُو بَكْرٍ: بِفَتْحِهِما. فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والزَّمانَ والمَكانَ، أيْ ما شَهِدْنا إهْلاكَ أهْلِهِ، أوْ زَمانَ إهْلاكِهِمْ، أوْ مَكانَ إهْلاكِهِمْ. ويَلْزَمُ مِن هَذَيْنِ أنَّهم إذا لَمْ يَشْهَدُوا الزَّمانَ ولا المَكانَ أنْ لا يَشْهَدُوا الإهْلاكَ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فالقِياسُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ والمَكانِ، أيْ ما شَهِدْنا زَمانَ هَلاكِهِمْ ولا مَكانَهُ. والثّالِثَةُ: تَقْتَضِي القِياسَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ ما شَهِدْنا هَلاكَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذَكَرُوا القِراءاتِ الثَّلاثَةَ، قالَ: ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والزَّمانُ والمَكانُ. انْتَهى. والظّاهِرُ في الكَلامِ حَذْفُ مَعْطُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ومَهْلِكَهُ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿لِنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ وما رُوِيَ أنَّهم كانُوا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا المَعْطُوفِ جائِزٌ في الفَصِيحِ، كَقَوْلِهِ:“ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ”، أيْ والبَرْدَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حُجُرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، ويَكُونُ قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ كَذِبًا في الإخْبارِ، أوْهَمُوا قَوْمَهم أنَّهم إذا قَتَلُوهُ وأهْلَهُ سِرًّا، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ أحَدٌ، وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، أنَّهم صادِقُونَ وهم كاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَكُونُونَ صادِقِينَ وقَدْ جَحَدُوا ما فَعَلُوا فَأتَوْا بِالخَبَرِ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ عَنْهُ ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا إذا بَيَّتُوا صالِحًا وبَيَّتُوا أهْلَهُ، فَجَمَعُوا بَيْنَ البَياتَيْنِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ فَذَكَرُوا أحَدَهُما كانُوا صادِقِينَ، فَإنَّهم فَعَلُوا البَياتَيْنِ جَمِيعًا لا أحَدَهُما. وفي هَذا دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ (p-٨٥)قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ الشَّرْعَ ونَواهِيَهُ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ. ألا تَرى أنَّهم قَصَدُوا قَتْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، ولَمْ يَرَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ حَتّى سَوَّوْا الصِّدْقَ في أنْفُسِهِمْ حِيلَةً يَنْقُصُونَ بِها عَنِ الكَذِبِ ؟ انْتَهى. والعَجَبُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَيْفَ يَتَحَيَّلُ هَذِهِ الحِيَلَ في جَعْلِ إخْبارِهِمْ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ إخْبارًا بِالصِّدْقِ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وعَقَرُوا النّاقَةَ الَّتِي كانَتْ مِن أعْظَمِ الآياتِ، وأقْدَمُوا عَلى قَتْلِ نَبِيٍّ وأهْلِهِ ؟ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ، وهو يَتْلُو في كِتابِ اللَّهِ كَذِبَهم عَلى أنْبِيائِهِمْ. ونَصَّ اللَّهُ ذَلِكَ، وكَذِبُهم عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وهو قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقَوْلُ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] وإنَّما هَذا مِنهُ تَحْرِيفٌ لِكَلامِ اللَّهِ - تَعالى -، حَتّى يَنْصُرَ مَذْهَبَهُ في قَوْلِهِ: إنَّ الكَذِبَ قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ، ويَتَحَيَّلُ لَهم هَذا التَّحَيُّلَ حَتّى يَجْعَلَهم صادِقِينَ في إخْبارِهِمْ. وهَذا الرَّجُلُ، وإنْ كانَ أُوتِيَ مِن عِلْمِ القُرْآنِ أوْفَرَ حَظٍّ، وجَمَعَ بَيْنَ اخْتِراعِ المَعْنى وبَراعَةِ اللَّفْظِ. فَفي كِتابِهِ في التَّفْسِيرِ أشْياءٌ مُنْتَقَدَةٌ، وكُنْتُ قَرِيبًا مِن تَسْطِيرِ هَذِهِ الأحْرُفِ قَدْ نَظَمْتُ قَصِيدًا في شَغْلِ الإنْسانِ نَفْسِهِ بِكِتابِ اللَّهِ، واسْتَطْرَدْتُ إلى مَدْحِ كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَذَكَرْتُ شَيْئًا مِن مَحاسِنِهِ، ثُمَّ نَبَّهْتُ عَلى ما فِيهِ مِمّا يَجِبُ تَجَنُّبُهُ، ورَأيْتُ إثْباتَ ذَلِكَ هُنا لِيَنْتَفِعَ بِذَلِكَ مَن يَقِفُ عَلى كِتابِي هَذا ويَتَنَبَّهُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ القَبائِحِ (فَقُلْتُ) بَعْدَ ذِكْرِ ما مَدَحْتُهُ بِهِ: ؎ولَكِنَّهُ فِيهِ مَجالٌ لِناقِدٍ ∗∗∗ وزَلّاتُ سُوءٍ قَدْ أخَذْنَ المَخانِقا ؎فَيُثْبِتُ مَوْضُوعَ الأحادِيثِ جاهِلًا ∗∗∗ ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقا ؎ويَشْتُمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضِلَّةً ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا ؎ويُسْهِبُ في المَعْنى الوَجِيزِ دَلالَةً ∗∗∗ بِتَكْثِيرِ ألْفاظٍ تُسَمّى الشَّقاشِقا ؎يُقَوِّلُ فِيها اللَّهَ ما لَيْسَ قائِلًا ∗∗∗ وكانَ مُحِبًّا في الخَطابَةِ وامِقًا ؎ويُخْطِئُ في تَرْكِيبِهِ لِكَلامِهِ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِما قَدْ رَكَّبُوهُ مُوافِقًا ؎ويَنْسُبُ إبْداءَ المَعانِي لِنَفْسِهِ ∗∗∗ لِيُوهِمَ أغْمارًا وإنْ كانَ سارِقًا ؎ويُخْطِئُ في فَهْمِ القُرْآنِ لِأنَّهُ ∗∗∗ يُجَوِّزُ إعْرابًا أبى أنْ يُطابِقا ؎وكَمْ بَيْنَ مَن يُؤْتى البَيانَ سَلِيقَةً ∗∗∗ وآخَرَ عاناهُ فَما هو لاحِقا ؎ويَحْتالُ لِلْألْفاظِ حَتّى يُدِيرَها ∗∗∗ لِمَذْهَبِ سُوءٍ فِيهِ أصْبَحَ مارِقا ؎فَيا خُسْرَهُ شَيْخًا تَخَرَّقَ صِيتُهُ ∗∗∗ مَغارِبَ تَخْرِيقِ الصَّبا ومَشارِقا ؎لَئِنْ لَمْ تَدارَكْهُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ ∗∗∗ لَسَوْفَ يُرى لِلْكافِرِينَ مُرافِقا ومَكْرُهم: ما أخْفَوْهُ مِن تَدْبِيرِ الفَتْكِ بِصالِحٍ وأهْلِهِ. ومَكْرُ اللَّهِ: إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، ومَكْرُهم: إيهامُهم أنَّهم مُسافِرُونَ واخْتِفاؤُهم في غارٍ. قِيلَ: أوْ شِعْبٍ، أوْ عَزْمُهم عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَلِفِهِمْ أنَّهم ما حَضَرُوا ذَلِكَ. ومَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ: إطْباقُ صَخْرَةٍ عَلى فَمِ الغارِ والشِّعْبِ وإهْلاكُهم فِيهِ، أوْ رَمْيُ المَلائِكَةِ إيّاهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَ الرّامِيَ حِينَ شَهَرُوا أسْيافَهم بِاللَّيْلِ لِيَقْتُلُوهُ، قَوْلانِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَيَخْرُجُ عَنْهُ، فَذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ في حَقِّهِمْ. ورُوِيَ أنَّ صالِحًا، بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ، أخْبَرَهم بِمَجِيءِ العَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فاتَّفَقَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةُ عَلى قَتْلِ صالِحٍ وأهْلِهِ لَيْلًا وقالُوا: إنْ كانَ كاذِبًا في وعِيدِهِ، كُنّا قَدْ أوْقَعْنا بِهِ ما يَسْتَحِقُّ؛ وإنْ كانَ صادِقًا، كُنّا قَدْ عَجَّلْناهُ قَبْلَنا وشَفَيْنا نُفُوسَنا. واخْتَفَوْا في غارٍ، وأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وأهْلَكَ قَوْمَهم، ولَمْ يَشْعُرْ كُلُّ فَرِيقٍ بِهَلاكِ الآخَرِ. والظّاهِرُ أنَّ“ كَيْفَ ”خَبَرُ كانَ، و“ عاقِبَةُ ”الِاسْمِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِانْظُرْ، وهي مُعَلَّقَةٌ، وقَرَأ (p-٨٦)الجُمْهُورُ:“ إنّا ”بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والكُوفِيُّونَ: بِفَتْحِها، فَـ“ أنّا ”بَدَلٌ مِن“ عاقِبَةُ ”، أوْ خَبَرٌ لِكانَ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي، أيِ العاقِبَةُ تَدْمِيرُهم. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِأنّا، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كانَ) تامَّةً و﴿عاقِبَةُ﴾ فاعِلٌ بِها، وأنْ تَكُونَ زائِدَةً وعاقِبَةُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿كَيْفَ﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: أنْ دَمَّرْناهم، وهي“ أنِ ”الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، ويَجُوزَ فِيها الأوْجُهُ الجائِزَةُ في“ أنّا ”- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وحَكى أبُو البَقاءِ: أنَّ بَعْضَهم أجازَ في“ أنّا دَمَّرْناهم ”في قِراءَةِ مَن فَتَحَ الهَمْزَةَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن كَيْفَ، قالَ: وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ، لِأنَّ البَدَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ يَلْزَمُ فِيهِ إعادَةُ حَرْفِهِ، كَقَوْلِهِ: كَيْفَ زِيدٌ، أصَحِيحٌ أمْ مَرِيضٌ ؟ ولَمّا أمَرَ - تَعالى - بِالنَّظَرِ فِيما جَرى لَهم مِنَ الهَلاكِ في أنْفُسِهِمْ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى مَنازِلِهِمْ وكَيْفَ خَلَتْ مِنهم، وخَرابُ البُيُوتِ وخُلُوُّها مِن أهْلِها، حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ مِمّا يُعاقَبُ بِهِ الظَّلَمَةُ؛ إذْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ. وفي التَّوْراةِ: ابْنُ آدَمَ لا تَظْلِمْ يُخْرَبْ بَيْتُكَ، وهو إشارَةٌ إلى هَلاكِ الظّالِمِ؛ إذْ خَرابُ بَيْتِهِ مُتَعَقِّبٌ هَلاكَهُ، وهَذِهِ البُيُوتُ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ، عامَ تَبُوكَ: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ»، الحَدِيثَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ خاوِيَةً ”، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: خاوِيَةٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ هي خاوِيَةٌ، قالَ: أوْ عَلى الخَبَرِ عَنْ تِلْكَ، وبُيُوتُهم بَدَلٌ، أوْ عَلى خَبَرٍ ثانٍ، و“ خاوِيَةٌ " خَبَرِيَّةٌ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو الكُفْرُ، وهو مِن خُلُوِّ البَطْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خاوِيَةٌ، أيْ ساقِطٌ أعْلاها عَلى أسْفَلِها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في فِعْلِنا بِثَمُودَ، وهو اسْتِئْصالُنا لَهم بِالتَّدْمِيرِ، وخَلاءِ مَساكِنِهِمْ مِنهم، وبُيُوتُهم هي بَوادِي القُرى بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِصالِحٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِالكُفّارِ، وكانَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أرْبَعَةُ آلافٍ، خَرَجَ بِهِمْ صالِحٌ إلى حَضْرَمَوْتَ، وسُمِّيَتْ حَضْرَمَوْتَ لِأنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَخَلَها ماتَ بِها، وبَنى المُؤْمِنُونَ بِها مَدِينَةً يُقالُ لَها: حاضُورا. وأمّا الهالِكُونَ فَخَرَجَ بِأبْدانِهِمْ خُراجٌ مِثْلُ الحِمَّصِ، احْمَرَّ في اليَوْمِ الأوَّلِ، ثُمَّ اصْفَرَّ في الثّانِي، ثُمَّ اسْوَدَّ في الثّالِثِ، وكانَ عَقْرُ النّاقَةِ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وهَلَكُوا يَوْمَ الأحَدِ. قالَ مُقاتِلٌ: تَفَتَّقَتْ تِلْكَ الخُراجاتُ، وصاحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِمْ صَيْحَةً فَخَمَدُوا.

النمل 27:52

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمْ مَن يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] ﴿أمْ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١] ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] . (p-٨١)والحَدِيقَةُ: البُسْتانُ، كانَ عَلَيْهِ جِدارٌ أوْ لَمْ يَكُنْ. الحاجِزُ: الفاصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. الفَوْجُ: الجَماعَةُ. الجُمُودُ: سُكُونُ الشَّيْءِ وعَدَمُ حَرَكَتِهِ. الإتْقانُ: الإتْيانُ بِالشَّيْءِ عَلى أحْسَنِ حالاتِهِ مِنَ الكَمالِ والإحْكامِ في الخَلْقِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِ العَرَبِ: تَقِنُوا أرْضَهم إذا أرْسَلُوا فِيها الماءَ الخاثِرَ بِالتُّرابِ فَتَجُودُ، والتِّقْنِ: ما رُمِيَ بِهِ الماءُ في الغَدِيرِ، وهو الَّذِي يَجِيءُ بِهِ الماءُ مِنَ الخُثُورَةِ. كَبَبْتُ الرَّجُلَ: ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . (p-٨٢)ثَمُودُ هي عادٌ الأُولى، وصالِحٌ أخُوهم في النَّسَبِ. لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وداوُدَ وسُلَيْمانَ، وهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ذَكَرَ قِصَّةَ مَن هو مِنَ العَرَبِ، يُذَكِّرُ بِها قُرَيْشًا والعَرَبَ، ويُنَبِّهُهم أنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ مِنَ العَرَبِ كانَ يَدْعُو إلى إفْرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالعِبادَةِ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم في عِبادَةِ الأصْنامِ عَلى ضَلالَةٍ، وأنَّ شَأْنَ الأنْبِياءِ عَرَبَهم وعَجَمَهم هو الدُّعاءُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، و”أنْ“ في: ﴿أنِ اعْبُدُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ ﴿أرْسَلْنا﴾ تَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِأنِ اعْبُدُوا، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي فَفي مَوْضِعِها خِلافٌ، أهْوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أمْ في مَوْضِعِ جَرٍّ ؟ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَإذا هُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿ثَمُودَ﴾ وأنَّ قَوْمَهُ انْقَسَمُوا فَرِيقَيْنِ: مُؤْمِنًا وكافِرًا، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنُ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ بِالفَرِيقَيْنِ: صالِحٌ وقَوْمُهُ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ. انْتَهى. فَجَعَلَ الفَرِيقَ الواحِدَ هو صالِحٌ، والفَرِيقَ الآخَرَ قَوْمَهُ، وإذا هُنا هي الفُجائِيَّةُ، وعَطَفَ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ لا المُهْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: أنَّهم بادَرُوا بِالِاخْتِصامِ، مُتَعَقِّبًا دُعاءَ صالِحٍ إيّاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ. وجاءَ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ الفَرِيقانِ مَن آمَنَ ومَن كَفَرَ، فالجَمْعِيَّةُ حاصِلَةٌ في كُلِّ فَرِيقٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ فَرِيقَ المُؤْمِنِ جَمْعٌ قَوْلُهُ: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] فَقالَ: آمَنتُمْ، وهو ضَمِيرُ الجَمْعِ. وإنْ كانَ الفَرِيقُ المُؤْمِنُ هو صالِحٌ وحْدَهُ، فَإنَّهُ قَدِ انْضَمَّ إلى قَوْمِهِ، والمَجْمُوعُ جَمْعٌ، وأُوثِرَ يَخْتَصِمُونَ عَلى يَخْتَصِمانِ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ التَّثْنِيَةِ جائِزًا فَصِيحًا؛ لِأنَّهُ مَقْطَعُ فَصْلٍ، واخْتِصاصُهم دَعْوى كُلِّ فَرِيقٍ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَخاصُمَهم في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ تَلَطَّفَ صالِحٌ بِقَوْمِهِ ورَفَقَ بِهِمْ في الخِطابِ فَقالَ مُنادِيًا لَهم عَلى جِهَةِ التَّحَنُّنِ عَلَيْهِمْ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ بِوُقُوعِ ما يَسُوءُكم قَبْلَ الحالَةِ الحَسَنَةِ، وهي رَحْمَةُ اللَّهِ. وكانَ قَدْ قالَ لَهم في حَدِيثِ النّاقَةِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] فَقالُوا لَهُ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] . وقِيلَ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِوُقُوعِ المَعاصِي مِنكم قَبْلَ الطّاعَةِ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى اسْتِعْجالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَتا مُتَوَقَّعَتَيْنِ إحْداهُما قَبْلَ الأُخْرى ؟ (قُلْتُ): كانُوا يَقُولُونَ بِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُنا صالِحٌ، إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ، تُبْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، مُقَدِّرِينَ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنْ لَمْ تَقَعْ، فَنَحْنُ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، فَخاطَبَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ. انْتَهى. ثُمَّ حَضَّهم عَلى ما فِيهِ دَرْءُ السَّيِّئَةِ عَنْهم، وهو الإيمانُ واسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الكُفْرِ، وناطَ ذَلِكَ بِتَرَجِّي الرَّحْمَةِ، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى اسْتِغْفارِهِمْ. وكانَ في التَّحْضِيضِ تَنْبِيهٌ عَلى الخَطَأِ مِنهم في اسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ، وتَجْهِيلٌ لَهم في اعْتِقادِهِمْ. ولَمّا لاطَفَهم في الخِطابِ أغْلَظُوا لَهُ وقالُوا: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ وبِالَّذِينِ آمَنُوا مَعَكَ. ودَلَّ هَذا العَطْفُ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ كانُوا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿وبِمَن مَعَكَ﴾ وكانُوا قَدْ قَحِطُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى التَّطَيُّرِ في سُورَةِ الأعْرافِ، جَعَلُوا سَبَبَ قَحْطِهِمْ هو ذاتُ صالِحٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ حَظُّكم في الحَقِيقَةِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هو عِنْدَ اللَّهِ وبِقَضائِهِ، إنْ شاءَ رَزَقَكم، وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ عَمَلُكم مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَمِنهُ نَزَلَ بِكم ما نَزَلَ عُقُوبَةً لَكم وفِتْنَةً، ومِنهُ ”طائِرُكم مَعَكم“، وكُلُّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ”. وقُرِئَ: تَطَيَّرْنا بِكَ عَلى الأصْلِ، ومَعْنى تَطَيَّرَ بِهِ: تَشاءَمَ بِهِ، وتَطَيَّرَ (p-٨٣)مِنهُ: نَفَرَ عَنْهُ. انْتَهى. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِحالِهِمْ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ تُخْتَبَرُونَ، أوْ تُعَذَّبُونَ، أوْ يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ إلَيْكُمُ الطِّيَرَةَ، أوْ تُفْتَنُونَ بِشَهَواتِهِ: أيْ تَشْفَعُونَ بِها، كَما يُقالُ: فُتِنَ فُلانٌ بِفُلانٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎داءٌ قَدِيمٌ في بَنِي آدَمَ فِتْنَةٌ إنْسانٍ بِإنْسانِ وهَذِهِ أقْوالٌ يَحْتَمِلُها لَفْظُ تُفْتَنُونَ، وجاءَ تُفْتَنُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى مُراعاةِ أنْتُمْ، وهو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ. ويَجُوزُ يُفْتَنُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُراعاةِ لَفْظِ“ قَوْمٌ ”، وهو قَلِيلٌ. تَقُولُ العَرَبُ: أنْتَ رَجُلٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، بِتاءِ الخِطابِ وبِياءِ الغَيْبَةِ. والمَدِينَةُ مُجْتَمَعُ ثَمُودَ وقَرْيَتُهم، وهي الحِجْرُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أسْماءَ التِّسْعَةِ، وفي بَعْضِها اخْتِلافٌ، ورَأْسُهم: قُدارُ بْنُ سالِفٍ، وأسْماؤُهم لا تَنْضَبِطُ بِشَكْلٍ ولا تَتَعَيَّنُ، فَلِذَلِكَ ضَرَبْنا صَفْحًا عَنْ ذِكْرِها، وكانُوا عُظَماءَ القَرْيَةِ وأغْنِياءَها وفُسّاقَها. والرَّهْطُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، والنَّفَرُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى التِّسْعَةِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المَعْنى: تِسْعَةُ رِجالٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جازَ تَمْيِيزُ التِّسْعَةِ بِالرَّهْطِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِسْعَةُ أنْفُسٍ. انْتَهى. وتَقْدِيرُ غَيْرِهِ: تِسْعَةُ رِجالٍ هو الأوْلى؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أضافَ إلى أنْفُسٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: تِسْعُ أنْفُسٍ، عَلى تَأْنِيثِ النَّفْسِ، إذِ الفَصِيحُ فِيها التَّأْنِيثُ. ألا تَراهم عَدُّوا مِنَ الشُّذُوذِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ثَلاثَـةُ أنْفُسٍ وثَـلاثُ ذَوْدٍ فَأدْخَلَ التّاءَ في ثَلاثَةٍ؛ وكانَ الفَصِيحُ أنْ يَقُولَ: ثَلاثُ أنْفُسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ، إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ، لِاخْتِلافِ صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ، لا لِاخْتِلافِ أجْناسِهِمْ. انْتَهى. قِيلَ: والرَّهْطُ اسْمُ الجَماعَةِ، وكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ، مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم رَهْطٌ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ التَّرْهِيطِ، وهو تَعْظِيمُ اللُّقَمِ وشِدَّةُ الأكْلِ. انْتَهى. ورَهْطٌ: اسْمُ جَمْعٍ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ فَصْلَهُ بِمِن هو الفَصِيحُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] . واخْتَلَفُوا في جَوازِ إضافَةِ العَدَدِ إلَيْهِ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وما ورَدَ مِنَ الإضافَةِ إلَيْهِ فَهو عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُقالُ: ثَلاثُ غَنَمٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ويَنْقاسُ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وفَصَلَ قَوْمٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَمْعِ لِلْقَلِيلِ، كَرَهْطٍ ونَفَرٍ وذَوْدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، أوْ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ يُسْتَعْمَلُ لَهُما، فَلا تَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ المازِنِيِّ، وقَدْ أطَلْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . و﴿يُفْسِدُونَ﴾ صِفَةٌ“ لِتِسْعَةِ رَهْطٍ ”، والمَعْنى: أنَّهم يُفْسِدُونَ الفَسادَ العَظِيمَ الَّذِي لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الإصْلاحِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾؛ لِأنَّ بَعْضَ مَن يَقَعُ مِنهُ إفْسادٌ قَدْ يَقَعُ مِنهُ إصْلاحٌ في بَعْضِ الأحْيانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ تَقاسَمُوا ”، وابْنُ أبِي لَيْلى: تَقَسَّمُوا، بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وكِلاهُما مِنَ القَسَمِ والتَّقاسُمِ والتَّقْسِيمِ، كالتَّظاهُرِ والتَّظْهِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿تَقاسَمُوا﴾ فِعْلُ أمْرٍ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أشارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالحَلِفِ عَلى تَبْيِيتِ صالِحٍ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَقاسَمُوا فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:“ تَقاسَمُوا ”يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا وخَبَرًا عَلى مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا: مُتَقاسِمِينَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: وخَبَرًا، فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الخَبَرَ هو أحَدُ قِسْمَيِ الكَلامِ، إذْ هو مُنْقَسِمٌ إلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، وجَمِيعُ مَعانِيهِ إذا حَقَّقْتَ راجِعَةٌ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ. وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ وقُرِئَ“ لَنُبَيِّتَنَّهُ ”بِالياءِ والتّاءِ والنُّونِ، فَتَقاسَمُوا مَعَ النُّونِ والتّاءِ يَصِحُّ فِيهِ الوَجْهانِ، يَعْنِي فِيهِ: أيْ في تَقاسَمُوا بِاللَّهِ، والوَجْهانِ هُما الأمْرُ والخَبَرُ عِنْدَهُ. قالَ: ومَعَ الياءِ لا يَصِحُّ إلّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا. انْتَهى. والتَّقْيِيدُ بِالحالِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ نِسْبَةِ التَّقْيِيدِ، لا مِن نِسْبَةِ الكَلامِ الَّتِي هي الإسْنادُ، فَإذا أُطْلِقَ عَلَيْها الخَبَرُ، كانَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ حالًا لَجازَ أنْ (p-٨٤)تُسْتَعْمَلُ خَبَرًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهم في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَهُ صِلَةً أنَّها خَبَرِيَّةٌ هو مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ صِلَةً، لَجازَ أنْ تُسْتَعْمَلَ خَبَرًا، وهَذا شَيْءٌ فِيهِ غُمُوضٌ، ولا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ، فَقَدْ كَثُرَ وُقُوعُ الماضِي حالًا بِغَيْرِ قَدْ كَثْرَةً يَنْبَغِي القِياسُ عَلَيْها. وعَلى هَذا الإعْرابِ، احْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِتَقاسَمُوا الَّذِي هو حالٌ، فَهو مِن صِلَتِهِ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ. والمَقُولِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ وما بَعْدَهُ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ هو وما بَعْدَهُ هو المَقُولَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِتاءِ خِطابِ الجَمْعِ؛ ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِياءِ الغَيْبَةِ، والفِعْلانِ مُسْنَدانِ لِلْجَمْعِ؛ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ في الأوَّلِ مُسْنَدًا لِلْجَمْعِ، أيْ“ لَيُبَيِّتُنَّهُ ”، أيْ قَوْمٌ مِنّا، وبِالنُّونِ في الثّانِي، أيْ جَمِيعُنا ما يَقُولُ لِوَلِيِّهِ، والبَياتُ: مُباغِتَةُ العَدُوِّ. وعَنِ الإسْكَنْدَرِ أنَّهُ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِالبَياتِ فَقالَ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُلُوكِ اسْتِراقُ الظَّفَرِ، ووَلِيُّهُ: طالِبُ ثَأْرِهِ إذا قُتِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُهْلَكَ، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مِن أهْلَكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: مَهْلِكَ، بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وأبُو بَكْرٍ: بِفَتْحِهِما. فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والزَّمانَ والمَكانَ، أيْ ما شَهِدْنا إهْلاكَ أهْلِهِ، أوْ زَمانَ إهْلاكِهِمْ، أوْ مَكانَ إهْلاكِهِمْ. ويَلْزَمُ مِن هَذَيْنِ أنَّهم إذا لَمْ يَشْهَدُوا الزَّمانَ ولا المَكانَ أنْ لا يَشْهَدُوا الإهْلاكَ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فالقِياسُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ والمَكانِ، أيْ ما شَهِدْنا زَمانَ هَلاكِهِمْ ولا مَكانَهُ. والثّالِثَةُ: تَقْتَضِي القِياسَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ ما شَهِدْنا هَلاكَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذَكَرُوا القِراءاتِ الثَّلاثَةَ، قالَ: ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والزَّمانُ والمَكانُ. انْتَهى. والظّاهِرُ في الكَلامِ حَذْفُ مَعْطُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ومَهْلِكَهُ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿لِنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ وما رُوِيَ أنَّهم كانُوا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا المَعْطُوفِ جائِزٌ في الفَصِيحِ، كَقَوْلِهِ:“ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ”، أيْ والبَرْدَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حُجُرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، ويَكُونُ قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ كَذِبًا في الإخْبارِ، أوْهَمُوا قَوْمَهم أنَّهم إذا قَتَلُوهُ وأهْلَهُ سِرًّا، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ أحَدٌ، وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، أنَّهم صادِقُونَ وهم كاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَكُونُونَ صادِقِينَ وقَدْ جَحَدُوا ما فَعَلُوا فَأتَوْا بِالخَبَرِ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ عَنْهُ ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا إذا بَيَّتُوا صالِحًا وبَيَّتُوا أهْلَهُ، فَجَمَعُوا بَيْنَ البَياتَيْنِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ فَذَكَرُوا أحَدَهُما كانُوا صادِقِينَ، فَإنَّهم فَعَلُوا البَياتَيْنِ جَمِيعًا لا أحَدَهُما. وفي هَذا دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ (p-٨٥)قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ الشَّرْعَ ونَواهِيَهُ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ. ألا تَرى أنَّهم قَصَدُوا قَتْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، ولَمْ يَرَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ حَتّى سَوَّوْا الصِّدْقَ في أنْفُسِهِمْ حِيلَةً يَنْقُصُونَ بِها عَنِ الكَذِبِ ؟ انْتَهى. والعَجَبُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَيْفَ يَتَحَيَّلُ هَذِهِ الحِيَلَ في جَعْلِ إخْبارِهِمْ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ إخْبارًا بِالصِّدْقِ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وعَقَرُوا النّاقَةَ الَّتِي كانَتْ مِن أعْظَمِ الآياتِ، وأقْدَمُوا عَلى قَتْلِ نَبِيٍّ وأهْلِهِ ؟ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ، وهو يَتْلُو في كِتابِ اللَّهِ كَذِبَهم عَلى أنْبِيائِهِمْ. ونَصَّ اللَّهُ ذَلِكَ، وكَذِبُهم عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وهو قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقَوْلُ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] وإنَّما هَذا مِنهُ تَحْرِيفٌ لِكَلامِ اللَّهِ - تَعالى -، حَتّى يَنْصُرَ مَذْهَبَهُ في قَوْلِهِ: إنَّ الكَذِبَ قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ، ويَتَحَيَّلُ لَهم هَذا التَّحَيُّلَ حَتّى يَجْعَلَهم صادِقِينَ في إخْبارِهِمْ. وهَذا الرَّجُلُ، وإنْ كانَ أُوتِيَ مِن عِلْمِ القُرْآنِ أوْفَرَ حَظٍّ، وجَمَعَ بَيْنَ اخْتِراعِ المَعْنى وبَراعَةِ اللَّفْظِ. فَفي كِتابِهِ في التَّفْسِيرِ أشْياءٌ مُنْتَقَدَةٌ، وكُنْتُ قَرِيبًا مِن تَسْطِيرِ هَذِهِ الأحْرُفِ قَدْ نَظَمْتُ قَصِيدًا في شَغْلِ الإنْسانِ نَفْسِهِ بِكِتابِ اللَّهِ، واسْتَطْرَدْتُ إلى مَدْحِ كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَذَكَرْتُ شَيْئًا مِن مَحاسِنِهِ، ثُمَّ نَبَّهْتُ عَلى ما فِيهِ مِمّا يَجِبُ تَجَنُّبُهُ، ورَأيْتُ إثْباتَ ذَلِكَ هُنا لِيَنْتَفِعَ بِذَلِكَ مَن يَقِفُ عَلى كِتابِي هَذا ويَتَنَبَّهُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ القَبائِحِ (فَقُلْتُ) بَعْدَ ذِكْرِ ما مَدَحْتُهُ بِهِ: ؎ولَكِنَّهُ فِيهِ مَجالٌ لِناقِدٍ ∗∗∗ وزَلّاتُ سُوءٍ قَدْ أخَذْنَ المَخانِقا ؎فَيُثْبِتُ مَوْضُوعَ الأحادِيثِ جاهِلًا ∗∗∗ ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقا ؎ويَشْتُمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضِلَّةً ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا ؎ويُسْهِبُ في المَعْنى الوَجِيزِ دَلالَةً ∗∗∗ بِتَكْثِيرِ ألْفاظٍ تُسَمّى الشَّقاشِقا ؎يُقَوِّلُ فِيها اللَّهَ ما لَيْسَ قائِلًا ∗∗∗ وكانَ مُحِبًّا في الخَطابَةِ وامِقًا ؎ويُخْطِئُ في تَرْكِيبِهِ لِكَلامِهِ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِما قَدْ رَكَّبُوهُ مُوافِقًا ؎ويَنْسُبُ إبْداءَ المَعانِي لِنَفْسِهِ ∗∗∗ لِيُوهِمَ أغْمارًا وإنْ كانَ سارِقًا ؎ويُخْطِئُ في فَهْمِ القُرْآنِ لِأنَّهُ ∗∗∗ يُجَوِّزُ إعْرابًا أبى أنْ يُطابِقا ؎وكَمْ بَيْنَ مَن يُؤْتى البَيانَ سَلِيقَةً ∗∗∗ وآخَرَ عاناهُ فَما هو لاحِقا ؎ويَحْتالُ لِلْألْفاظِ حَتّى يُدِيرَها ∗∗∗ لِمَذْهَبِ سُوءٍ فِيهِ أصْبَحَ مارِقا ؎فَيا خُسْرَهُ شَيْخًا تَخَرَّقَ صِيتُهُ ∗∗∗ مَغارِبَ تَخْرِيقِ الصَّبا ومَشارِقا ؎لَئِنْ لَمْ تَدارَكْهُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ ∗∗∗ لَسَوْفَ يُرى لِلْكافِرِينَ مُرافِقا ومَكْرُهم: ما أخْفَوْهُ مِن تَدْبِيرِ الفَتْكِ بِصالِحٍ وأهْلِهِ. ومَكْرُ اللَّهِ: إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، ومَكْرُهم: إيهامُهم أنَّهم مُسافِرُونَ واخْتِفاؤُهم في غارٍ. قِيلَ: أوْ شِعْبٍ، أوْ عَزْمُهم عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَلِفِهِمْ أنَّهم ما حَضَرُوا ذَلِكَ. ومَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ: إطْباقُ صَخْرَةٍ عَلى فَمِ الغارِ والشِّعْبِ وإهْلاكُهم فِيهِ، أوْ رَمْيُ المَلائِكَةِ إيّاهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَ الرّامِيَ حِينَ شَهَرُوا أسْيافَهم بِاللَّيْلِ لِيَقْتُلُوهُ، قَوْلانِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَيَخْرُجُ عَنْهُ، فَذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ في حَقِّهِمْ. ورُوِيَ أنَّ صالِحًا، بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ، أخْبَرَهم بِمَجِيءِ العَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فاتَّفَقَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةُ عَلى قَتْلِ صالِحٍ وأهْلِهِ لَيْلًا وقالُوا: إنْ كانَ كاذِبًا في وعِيدِهِ، كُنّا قَدْ أوْقَعْنا بِهِ ما يَسْتَحِقُّ؛ وإنْ كانَ صادِقًا، كُنّا قَدْ عَجَّلْناهُ قَبْلَنا وشَفَيْنا نُفُوسَنا. واخْتَفَوْا في غارٍ، وأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وأهْلَكَ قَوْمَهم، ولَمْ يَشْعُرْ كُلُّ فَرِيقٍ بِهَلاكِ الآخَرِ. والظّاهِرُ أنَّ“ كَيْفَ ”خَبَرُ كانَ، و“ عاقِبَةُ ”الِاسْمِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِانْظُرْ، وهي مُعَلَّقَةٌ، وقَرَأ (p-٨٦)الجُمْهُورُ:“ إنّا ”بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والكُوفِيُّونَ: بِفَتْحِها، فَـ“ أنّا ”بَدَلٌ مِن“ عاقِبَةُ ”، أوْ خَبَرٌ لِكانَ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي، أيِ العاقِبَةُ تَدْمِيرُهم. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِأنّا، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كانَ) تامَّةً و﴿عاقِبَةُ﴾ فاعِلٌ بِها، وأنْ تَكُونَ زائِدَةً وعاقِبَةُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿كَيْفَ﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: أنْ دَمَّرْناهم، وهي“ أنِ ”الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، ويَجُوزَ فِيها الأوْجُهُ الجائِزَةُ في“ أنّا ”- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وحَكى أبُو البَقاءِ: أنَّ بَعْضَهم أجازَ في“ أنّا دَمَّرْناهم ”في قِراءَةِ مَن فَتَحَ الهَمْزَةَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن كَيْفَ، قالَ: وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ، لِأنَّ البَدَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ يَلْزَمُ فِيهِ إعادَةُ حَرْفِهِ، كَقَوْلِهِ: كَيْفَ زِيدٌ، أصَحِيحٌ أمْ مَرِيضٌ ؟ ولَمّا أمَرَ - تَعالى - بِالنَّظَرِ فِيما جَرى لَهم مِنَ الهَلاكِ في أنْفُسِهِمْ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى مَنازِلِهِمْ وكَيْفَ خَلَتْ مِنهم، وخَرابُ البُيُوتِ وخُلُوُّها مِن أهْلِها، حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ مِمّا يُعاقَبُ بِهِ الظَّلَمَةُ؛ إذْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ. وفي التَّوْراةِ: ابْنُ آدَمَ لا تَظْلِمْ يُخْرَبْ بَيْتُكَ، وهو إشارَةٌ إلى هَلاكِ الظّالِمِ؛ إذْ خَرابُ بَيْتِهِ مُتَعَقِّبٌ هَلاكَهُ، وهَذِهِ البُيُوتُ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ، عامَ تَبُوكَ: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ»، الحَدِيثَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ خاوِيَةً ”، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: خاوِيَةٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ هي خاوِيَةٌ، قالَ: أوْ عَلى الخَبَرِ عَنْ تِلْكَ، وبُيُوتُهم بَدَلٌ، أوْ عَلى خَبَرٍ ثانٍ، و“ خاوِيَةٌ " خَبَرِيَّةٌ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو الكُفْرُ، وهو مِن خُلُوِّ البَطْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خاوِيَةٌ، أيْ ساقِطٌ أعْلاها عَلى أسْفَلِها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في فِعْلِنا بِثَمُودَ، وهو اسْتِئْصالُنا لَهم بِالتَّدْمِيرِ، وخَلاءِ مَساكِنِهِمْ مِنهم، وبُيُوتُهم هي بَوادِي القُرى بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِصالِحٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِالكُفّارِ، وكانَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أرْبَعَةُ آلافٍ، خَرَجَ بِهِمْ صالِحٌ إلى حَضْرَمَوْتَ، وسُمِّيَتْ حَضْرَمَوْتَ لِأنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَخَلَها ماتَ بِها، وبَنى المُؤْمِنُونَ بِها مَدِينَةً يُقالُ لَها: حاضُورا. وأمّا الهالِكُونَ فَخَرَجَ بِأبْدانِهِمْ خُراجٌ مِثْلُ الحِمَّصِ، احْمَرَّ في اليَوْمِ الأوَّلِ، ثُمَّ اصْفَرَّ في الثّانِي، ثُمَّ اسْوَدَّ في الثّالِثِ، وكانَ عَقْرُ النّاقَةِ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وهَلَكُوا يَوْمَ الأحَدِ. قالَ مُقاتِلٌ: تَفَتَّقَتْ تِلْكَ الخُراجاتُ، وصاحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِمْ صَيْحَةً فَخَمَدُوا.

النمل 27:53

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤] ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ﴿أمْ مَن يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] ﴿أمْ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١] ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٣] ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦] ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢] ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] . (p-٨١)والحَدِيقَةُ: البُسْتانُ، كانَ عَلَيْهِ جِدارٌ أوْ لَمْ يَكُنْ. الحاجِزُ: الفاصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. الفَوْجُ: الجَماعَةُ. الجُمُودُ: سُكُونُ الشَّيْءِ وعَدَمُ حَرَكَتِهِ. الإتْقانُ: الإتْيانُ بِالشَّيْءِ عَلى أحْسَنِ حالاتِهِ مِنَ الكَمالِ والإحْكامِ في الخَلْقِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِ العَرَبِ: تَقِنُوا أرْضَهم إذا أرْسَلُوا فِيها الماءَ الخاثِرَ بِالتُّرابِ فَتَجُودُ، والتِّقْنِ: ما رُمِيَ بِهِ الماءُ في الغَدِيرِ، وهو الَّذِي يَجِيءُ بِهِ الماءُ مِنَ الخُثُورَةِ. كَبَبْتُ الرَّجُلَ: ألْقَيْتَهُ لِوَجْهِهِ. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . (p-٨٢)ثَمُودُ هي عادٌ الأُولى، وصالِحٌ أخُوهم في النَّسَبِ. لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وداوُدَ وسُلَيْمانَ، وهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ذَكَرَ قِصَّةَ مَن هو مِنَ العَرَبِ، يُذَكِّرُ بِها قُرَيْشًا والعَرَبَ، ويُنَبِّهُهم أنَّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ مِنَ العَرَبِ كانَ يَدْعُو إلى إفْرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالعِبادَةِ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم في عِبادَةِ الأصْنامِ عَلى ضَلالَةٍ، وأنَّ شَأْنَ الأنْبِياءِ عَرَبَهم وعَجَمَهم هو الدُّعاءُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، و”أنْ“ في: ﴿أنِ اعْبُدُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ ﴿أرْسَلْنا﴾ تَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِأنِ اعْبُدُوا، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فَعَلى الأوَّلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الثّانِي فَفي مَوْضِعِها خِلافٌ، أهْوَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أمْ في مَوْضِعِ جَرٍّ ؟ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَإذا هُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿ثَمُودَ﴾ وأنَّ قَوْمَهُ انْقَسَمُوا فَرِيقَيْنِ: مُؤْمِنًا وكافِرًا، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنُ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ بِالفَرِيقَيْنِ: صالِحٌ وقَوْمُهُ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ. انْتَهى. فَجَعَلَ الفَرِيقَ الواحِدَ هو صالِحٌ، والفَرِيقَ الآخَرَ قَوْمَهُ، وإذا هُنا هي الفُجائِيَّةُ، وعَطَفَ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ لا المُهْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: أنَّهم بادَرُوا بِالِاخْتِصامِ، مُتَعَقِّبًا دُعاءَ صالِحٍ إيّاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ. وجاءَ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ جَمْعٌ، فَإنْ كانَ الفَرِيقانِ مَن آمَنَ ومَن كَفَرَ، فالجَمْعِيَّةُ حاصِلَةٌ في كُلِّ فَرِيقٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ فَرِيقَ المُؤْمِنِ جَمْعٌ قَوْلُهُ: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] فَقالَ: آمَنتُمْ، وهو ضَمِيرُ الجَمْعِ. وإنْ كانَ الفَرِيقُ المُؤْمِنُ هو صالِحٌ وحْدَهُ، فَإنَّهُ قَدِ انْضَمَّ إلى قَوْمِهِ، والمَجْمُوعُ جَمْعٌ، وأُوثِرَ يَخْتَصِمُونَ عَلى يَخْتَصِمانِ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ التَّثْنِيَةِ جائِزًا فَصِيحًا؛ لِأنَّهُ مَقْطَعُ فَصْلٍ، واخْتِصاصُهم دَعْوى كُلِّ فَرِيقٍ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَخاصُمَهم في سُورَةِ الأعْرافِ. ثُمَّ تَلَطَّفَ صالِحٌ بِقَوْمِهِ ورَفَقَ بِهِمْ في الخِطابِ فَقالَ مُنادِيًا لَهم عَلى جِهَةِ التَّحَنُّنِ عَلَيْهِمْ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ بِوُقُوعِ ما يَسُوءُكم قَبْلَ الحالَةِ الحَسَنَةِ، وهي رَحْمَةُ اللَّهِ. وكانَ قَدْ قالَ لَهم في حَدِيثِ النّاقَةِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] فَقالُوا لَهُ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] . وقِيلَ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِوُقُوعِ المَعاصِي مِنكم قَبْلَ الطّاعَةِ ؟ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى اسْتِعْجالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا كانَتا مُتَوَقَّعَتَيْنِ إحْداهُما قَبْلَ الأُخْرى ؟ (قُلْتُ): كانُوا يَقُولُونَ بِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُنا صالِحٌ، إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ، تُبْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، مُقَدِّرِينَ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنْ لَمْ تَقَعْ، فَنَحْنُ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، فَخاطَبَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ. انْتَهى. ثُمَّ حَضَّهم عَلى ما فِيهِ دَرْءُ السَّيِّئَةِ عَنْهم، وهو الإيمانُ واسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا سَبَقَ مِنَ الكُفْرِ، وناطَ ذَلِكَ بِتَرَجِّي الرَّحْمَةِ، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى اسْتِغْفارِهِمْ. وكانَ في التَّحْضِيضِ تَنْبِيهٌ عَلى الخَطَأِ مِنهم في اسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ، وتَجْهِيلٌ لَهم في اعْتِقادِهِمْ. ولَمّا لاطَفَهم في الخِطابِ أغْلَظُوا لَهُ وقالُوا: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ وبِالَّذِينِ آمَنُوا مَعَكَ. ودَلَّ هَذا العَطْفُ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ كانُوا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿وبِمَن مَعَكَ﴾ وكانُوا قَدْ قَحِطُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى التَّطَيُّرِ في سُورَةِ الأعْرافِ، جَعَلُوا سَبَبَ قَحْطِهِمْ هو ذاتُ صالِحٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ حَظُّكم في الحَقِيقَةِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ هو عِنْدَ اللَّهِ وبِقَضائِهِ، إنْ شاءَ رَزَقَكم، وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ عَمَلُكم مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَمِنهُ نَزَلَ بِكم ما نَزَلَ عُقُوبَةً لَكم وفِتْنَةً، ومِنهُ ”طائِرُكم مَعَكم“، وكُلُّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ”. وقُرِئَ: تَطَيَّرْنا بِكَ عَلى الأصْلِ، ومَعْنى تَطَيَّرَ بِهِ: تَشاءَمَ بِهِ، وتَطَيَّرَ (p-٨٣)مِنهُ: نَفَرَ عَنْهُ. انْتَهى. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِحالِهِمْ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ تُخْتَبَرُونَ، أوْ تُعَذَّبُونَ، أوْ يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ إلَيْكُمُ الطِّيَرَةَ، أوْ تُفْتَنُونَ بِشَهَواتِهِ: أيْ تَشْفَعُونَ بِها، كَما يُقالُ: فُتِنَ فُلانٌ بِفُلانٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎داءٌ قَدِيمٌ في بَنِي آدَمَ فِتْنَةٌ إنْسانٍ بِإنْسانِ وهَذِهِ أقْوالٌ يَحْتَمِلُها لَفْظُ تُفْتَنُونَ، وجاءَ تُفْتَنُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى مُراعاةِ أنْتُمْ، وهو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ. ويَجُوزُ يُفْتَنُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُراعاةِ لَفْظِ“ قَوْمٌ ”، وهو قَلِيلٌ. تَقُولُ العَرَبُ: أنْتَ رَجُلٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، بِتاءِ الخِطابِ وبِياءِ الغَيْبَةِ. والمَدِينَةُ مُجْتَمَعُ ثَمُودَ وقَرْيَتُهم، وهي الحِجْرُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أسْماءَ التِّسْعَةِ، وفي بَعْضِها اخْتِلافٌ، ورَأْسُهم: قُدارُ بْنُ سالِفٍ، وأسْماؤُهم لا تَنْضَبِطُ بِشَكْلٍ ولا تَتَعَيَّنُ، فَلِذَلِكَ ضَرَبْنا صَفْحًا عَنْ ذِكْرِها، وكانُوا عُظَماءَ القَرْيَةِ وأغْنِياءَها وفُسّاقَها. والرَّهْطُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، والنَّفَرُ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى التِّسْعَةِ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المَعْنى: تِسْعَةُ رِجالٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما جازَ تَمْيِيزُ التِّسْعَةِ بِالرَّهْطِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِسْعَةُ أنْفُسٍ. انْتَهى. وتَقْدِيرُ غَيْرِهِ: تِسْعَةُ رِجالٍ هو الأوْلى؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أضافَ إلى أنْفُسٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: تِسْعُ أنْفُسٍ، عَلى تَأْنِيثِ النَّفْسِ، إذِ الفَصِيحُ فِيها التَّأْنِيثُ. ألا تَراهم عَدُّوا مِنَ الشُّذُوذِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ثَلاثَـةُ أنْفُسٍ وثَـلاثُ ذَوْدٍ فَأدْخَلَ التّاءَ في ثَلاثَةٍ؛ وكانَ الفَصِيحُ أنْ يَقُولَ: ثَلاثُ أنْفُسٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ، إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ، لِاخْتِلافِ صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ، لا لِاخْتِلافِ أجْناسِهِمْ. انْتَهى. قِيلَ: والرَّهْطُ اسْمُ الجَماعَةِ، وكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ، مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم رَهْطٌ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ التَّرْهِيطِ، وهو تَعْظِيمُ اللُّقَمِ وشِدَّةُ الأكْلِ. انْتَهى. ورَهْطٌ: اسْمُ جَمْعٍ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ فَصْلَهُ بِمِن هو الفَصِيحُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] . واخْتَلَفُوا في جَوازِ إضافَةِ العَدَدِ إلَيْهِ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وما ورَدَ مِنَ الإضافَةِ إلَيْهِ فَهو عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُقالُ: ثَلاثُ غَنَمٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ويَنْقاسُ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وفَصَلَ قَوْمٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَمْعِ لِلْقَلِيلِ، كَرَهْطٍ ونَفَرٍ وذَوْدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، أوْ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ يُسْتَعْمَلُ لَهُما، فَلا تَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ المازِنِيِّ، وقَدْ أطَلْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . و﴿يُفْسِدُونَ﴾ صِفَةٌ“ لِتِسْعَةِ رَهْطٍ ”، والمَعْنى: أنَّهم يُفْسِدُونَ الفَسادَ العَظِيمَ الَّذِي لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الإصْلاحِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾؛ لِأنَّ بَعْضَ مَن يَقَعُ مِنهُ إفْسادٌ قَدْ يَقَعُ مِنهُ إصْلاحٌ في بَعْضِ الأحْيانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ تَقاسَمُوا ”، وابْنُ أبِي لَيْلى: تَقَسَّمُوا، بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وكِلاهُما مِنَ القَسَمِ والتَّقاسُمِ والتَّقْسِيمِ، كالتَّظاهُرِ والتَّظْهِيرِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿تَقاسَمُوا﴾ فِعْلُ أمْرٍ مَحْكِيٌّ بِالقَوْلِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أشارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالحَلِفِ عَلى تَبْيِيتِ صالِحٍ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ تَقاسَمُوا فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:“ تَقاسَمُوا ”يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا وخَبَرًا عَلى مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا: مُتَقاسِمِينَ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: وخَبَرًا، فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الخَبَرَ هو أحَدُ قِسْمَيِ الكَلامِ، إذْ هو مُنْقَسِمٌ إلى الخَبَرِ والإنْشاءِ، وجَمِيعُ مَعانِيهِ إذا حَقَّقْتَ راجِعَةٌ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ. وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ وقُرِئَ“ لَنُبَيِّتَنَّهُ ”بِالياءِ والتّاءِ والنُّونِ، فَتَقاسَمُوا مَعَ النُّونِ والتّاءِ يَصِحُّ فِيهِ الوَجْهانِ، يَعْنِي فِيهِ: أيْ في تَقاسَمُوا بِاللَّهِ، والوَجْهانِ هُما الأمْرُ والخَبَرُ عِنْدَهُ. قالَ: ومَعَ الياءِ لا يَصِحُّ إلّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا. انْتَهى. والتَّقْيِيدُ بِالحالِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ نِسْبَةِ التَّقْيِيدِ، لا مِن نِسْبَةِ الكَلامِ الَّتِي هي الإسْنادُ، فَإذا أُطْلِقَ عَلَيْها الخَبَرُ، كانَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ حالًا لَجازَ أنْ (p-٨٤)تُسْتَعْمَلُ خَبَرًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهم في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ قَبْلَهُ صِلَةً أنَّها خَبَرِيَّةٌ هو مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ صِلَةً، لَجازَ أنْ تُسْتَعْمَلَ خَبَرًا، وهَذا شَيْءٌ فِيهِ غُمُوضٌ، ولا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ، فَقَدْ كَثُرَ وُقُوعُ الماضِي حالًا بِغَيْرِ قَدْ كَثْرَةً يَنْبَغِي القِياسُ عَلَيْها. وعَلى هَذا الإعْرابِ، احْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِتَقاسَمُوا الَّذِي هو حالٌ، فَهو مِن صِلَتِهِ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ. والمَقُولِ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ وما بَعْدَهُ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ هو وما بَعْدَهُ هو المَقُولَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما، والحَسَنُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِتاءِ خِطابِ الجَمْعِ؛ ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: بِياءِ الغَيْبَةِ، والفِعْلانِ مُسْنَدانِ لِلْجَمْعِ؛ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: بِياءِ الغَيْبَةِ في الأوَّلِ مُسْنَدًا لِلْجَمْعِ، أيْ“ لَيُبَيِّتُنَّهُ ”، أيْ قَوْمٌ مِنّا، وبِالنُّونِ في الثّانِي، أيْ جَمِيعُنا ما يَقُولُ لِوَلِيِّهِ، والبَياتُ: مُباغِتَةُ العَدُوِّ. وعَنِ الإسْكَنْدَرِ أنَّهُ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِالبَياتِ فَقالَ: لَيْسَ مِن عادَةِ المُلُوكِ اسْتِراقُ الظَّفَرِ، ووَلِيُّهُ: طالِبُ ثَأْرِهِ إذا قُتِلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُهْلَكَ، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مِن أهْلَكَ. وقَرَأ حَفْصٌ: مَهْلِكَ، بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وأبُو بَكْرٍ: بِفَتْحِهِما. فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والزَّمانَ والمَكانَ، أيْ ما شَهِدْنا إهْلاكَ أهْلِهِ، أوْ زَمانَ إهْلاكِهِمْ، أوْ مَكانَ إهْلاكِهِمْ. ويَلْزَمُ مِن هَذَيْنِ أنَّهم إذا لَمْ يَشْهَدُوا الزَّمانَ ولا المَكانَ أنْ لا يَشْهَدُوا الإهْلاكَ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فالقِياسُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ والمَكانِ، أيْ ما شَهِدْنا زَمانَ هَلاكِهِمْ ولا مَكانَهُ. والثّالِثَةُ: تَقْتَضِي القِياسَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ ما شَهِدْنا هَلاكَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذَكَرُوا القِراءاتِ الثَّلاثَةَ، قالَ: ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والزَّمانُ والمَكانُ. انْتَهى. والظّاهِرُ في الكَلامِ حَذْفُ مَعْطُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ومَهْلِكَهُ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿لِنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ وما رُوِيَ أنَّهم كانُوا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَذْفُ مِثْلِ هَذا المَعْطُوفِ جائِزٌ في الفَصِيحِ، كَقَوْلِهِ:“ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ”، أيْ والبَرْدَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حُجُرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، ويَكُونُ قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ كَذِبًا في الإخْبارِ، أوْهَمُوا قَوْمَهم أنَّهم إذا قَتَلُوهُ وأهْلَهُ سِرًّا، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ أحَدٌ، وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، أنَّهم صادِقُونَ وهم كاذِبُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَكُونُونَ صادِقِينَ وقَدْ جَحَدُوا ما فَعَلُوا فَأتَوْا بِالخَبَرِ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ عَنْهُ ؟ (قُلْتُ): كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا إذا بَيَّتُوا صالِحًا وبَيَّتُوا أهْلَهُ، فَجَمَعُوا بَيْنَ البَياتَيْنِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ فَذَكَرُوا أحَدَهُما كانُوا صادِقِينَ، فَإنَّهم فَعَلُوا البَياتَيْنِ جَمِيعًا لا أحَدَهُما. وفي هَذا دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ (p-٨٥)قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ الشَّرْعَ ونَواهِيَهُ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ. ألا تَرى أنَّهم قَصَدُوا قَتْلَ نَبِيِّ اللَّهِ، ولَمْ يَرَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَكُونُوا كاذِبِينَ حَتّى سَوَّوْا الصِّدْقَ في أنْفُسِهِمْ حِيلَةً يَنْقُصُونَ بِها عَنِ الكَذِبِ ؟ انْتَهى. والعَجَبُ مِن هَذا الرَّجُلِ كَيْفَ يَتَحَيَّلُ هَذِهِ الحِيَلَ في جَعْلِ إخْبارِهِمْ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ إخْبارًا بِالصِّدْقِ ؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا، وعَقَرُوا النّاقَةَ الَّتِي كانَتْ مِن أعْظَمِ الآياتِ، وأقْدَمُوا عَلى قَتْلِ نَبِيٍّ وأهْلِهِ ؟ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ، وهو يَتْلُو في كِتابِ اللَّهِ كَذِبَهم عَلى أنْبِيائِهِمْ. ونَصَّ اللَّهُ ذَلِكَ، وكَذِبُهم عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وهو قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقَوْلُ اللَّهِ - تَعالى -: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] وإنَّما هَذا مِنهُ تَحْرِيفٌ لِكَلامِ اللَّهِ - تَعالى -، حَتّى يَنْصُرَ مَذْهَبَهُ في قَوْلِهِ: إنَّ الكَذِبَ قَبِيحٌ عِنْدَ الكَفَرَةِ، ويَتَحَيَّلُ لَهم هَذا التَّحَيُّلَ حَتّى يَجْعَلَهم صادِقِينَ في إخْبارِهِمْ. وهَذا الرَّجُلُ، وإنْ كانَ أُوتِيَ مِن عِلْمِ القُرْآنِ أوْفَرَ حَظٍّ، وجَمَعَ بَيْنَ اخْتِراعِ المَعْنى وبَراعَةِ اللَّفْظِ. فَفي كِتابِهِ في التَّفْسِيرِ أشْياءٌ مُنْتَقَدَةٌ، وكُنْتُ قَرِيبًا مِن تَسْطِيرِ هَذِهِ الأحْرُفِ قَدْ نَظَمْتُ قَصِيدًا في شَغْلِ الإنْسانِ نَفْسِهِ بِكِتابِ اللَّهِ، واسْتَطْرَدْتُ إلى مَدْحِ كِتابِ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَذَكَرْتُ شَيْئًا مِن مَحاسِنِهِ، ثُمَّ نَبَّهْتُ عَلى ما فِيهِ مِمّا يَجِبُ تَجَنُّبُهُ، ورَأيْتُ إثْباتَ ذَلِكَ هُنا لِيَنْتَفِعَ بِذَلِكَ مَن يَقِفُ عَلى كِتابِي هَذا ويَتَنَبَّهُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ القَبائِحِ (فَقُلْتُ) بَعْدَ ذِكْرِ ما مَدَحْتُهُ بِهِ: ؎ولَكِنَّهُ فِيهِ مَجالٌ لِناقِدٍ ∗∗∗ وزَلّاتُ سُوءٍ قَدْ أخَذْنَ المَخانِقا ؎فَيُثْبِتُ مَوْضُوعَ الأحادِيثِ جاهِلًا ∗∗∗ ويَعْزُو إلى المَعْصُومِ ما لَيْسَ لائِقا ؎ويَشْتُمُ أعْلامَ الأئِمَّةِ ضِلَّةً ∗∗∗ ولا سِيَّما إنْ أوْلَجُوهُ المَضايِقا ؎ويُسْهِبُ في المَعْنى الوَجِيزِ دَلالَةً ∗∗∗ بِتَكْثِيرِ ألْفاظٍ تُسَمّى الشَّقاشِقا ؎يُقَوِّلُ فِيها اللَّهَ ما لَيْسَ قائِلًا ∗∗∗ وكانَ مُحِبًّا في الخَطابَةِ وامِقًا ؎ويُخْطِئُ في تَرْكِيبِهِ لِكَلامِهِ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِما قَدْ رَكَّبُوهُ مُوافِقًا ؎ويَنْسُبُ إبْداءَ المَعانِي لِنَفْسِهِ ∗∗∗ لِيُوهِمَ أغْمارًا وإنْ كانَ سارِقًا ؎ويُخْطِئُ في فَهْمِ القُرْآنِ لِأنَّهُ ∗∗∗ يُجَوِّزُ إعْرابًا أبى أنْ يُطابِقا ؎وكَمْ بَيْنَ مَن يُؤْتى البَيانَ سَلِيقَةً ∗∗∗ وآخَرَ عاناهُ فَما هو لاحِقا ؎ويَحْتالُ لِلْألْفاظِ حَتّى يُدِيرَها ∗∗∗ لِمَذْهَبِ سُوءٍ فِيهِ أصْبَحَ مارِقا ؎فَيا خُسْرَهُ شَيْخًا تَخَرَّقَ صِيتُهُ ∗∗∗ مَغارِبَ تَخْرِيقِ الصَّبا ومَشارِقا ؎لَئِنْ لَمْ تَدارَكْهُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ ∗∗∗ لَسَوْفَ يُرى لِلْكافِرِينَ مُرافِقا ومَكْرُهم: ما أخْفَوْهُ مِن تَدْبِيرِ الفَتْكِ بِصالِحٍ وأهْلِهِ. ومَكْرُ اللَّهِ: إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، ومَكْرُهم: إيهامُهم أنَّهم مُسافِرُونَ واخْتِفاؤُهم في غارٍ. قِيلَ: أوْ شِعْبٍ، أوْ عَزْمُهم عَلى قَتْلِهِ وقَتْلِ أهْلِهِ، وحَلِفِهِمْ أنَّهم ما حَضَرُوا ذَلِكَ. ومَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ: إطْباقُ صَخْرَةٍ عَلى فَمِ الغارِ والشِّعْبِ وإهْلاكُهم فِيهِ، أوْ رَمْيُ المَلائِكَةِ إيّاهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَ الرّامِيَ حِينَ شَهَرُوا أسْيافَهم بِاللَّيْلِ لِيَقْتُلُوهُ، قَوْلانِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَيَخْرُجُ عَنْهُ، فَذَلِكَ مَكْرُ اللَّهِ في حَقِّهِمْ. ورُوِيَ أنَّ صالِحًا، بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ، أخْبَرَهم بِمَجِيءِ العَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فاتَّفَقَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةُ عَلى قَتْلِ صالِحٍ وأهْلِهِ لَيْلًا وقالُوا: إنْ كانَ كاذِبًا في وعِيدِهِ، كُنّا قَدْ أوْقَعْنا بِهِ ما يَسْتَحِقُّ؛ وإنْ كانَ صادِقًا، كُنّا قَدْ عَجَّلْناهُ قَبْلَنا وشَفَيْنا نُفُوسَنا. واخْتَفَوْا في غارٍ، وأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وأهْلَكَ قَوْمَهم، ولَمْ يَشْعُرْ كُلُّ فَرِيقٍ بِهَلاكِ الآخَرِ. والظّاهِرُ أنَّ“ كَيْفَ ”خَبَرُ كانَ، و“ عاقِبَةُ ”الِاسْمِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِانْظُرْ، وهي مُعَلَّقَةٌ، وقَرَأ (p-٨٦)الجُمْهُورُ:“ إنّا ”بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والكُوفِيُّونَ: بِفَتْحِها، فَـ“ أنّا ”بَدَلٌ مِن“ عاقِبَةُ ”، أوْ خَبَرٌ لِكانَ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي، أيِ العاقِبَةُ تَدْمِيرُهم. أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِأنّا، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كانَ) تامَّةً و﴿عاقِبَةُ﴾ فاعِلٌ بِها، وأنْ تَكُونَ زائِدَةً وعاقِبَةُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿كَيْفَ﴾ . وقَرَأ أُبَيٌّ: أنْ دَمَّرْناهم، وهي“ أنِ ”الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، ويَجُوزَ فِيها الأوْجُهُ الجائِزَةُ في“ أنّا ”- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وحَكى أبُو البَقاءِ: أنَّ بَعْضَهم أجازَ في“ أنّا دَمَّرْناهم ”في قِراءَةِ مَن فَتَحَ الهَمْزَةَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن كَيْفَ، قالَ: وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ، لِأنَّ البَدَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ يَلْزَمُ فِيهِ إعادَةُ حَرْفِهِ، كَقَوْلِهِ: كَيْفَ زِيدٌ، أصَحِيحٌ أمْ مَرِيضٌ ؟ ولَمّا أمَرَ - تَعالى - بِالنَّظَرِ فِيما جَرى لَهم مِنَ الهَلاكِ في أنْفُسِهِمْ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى مَنازِلِهِمْ وكَيْفَ خَلَتْ مِنهم، وخَرابُ البُيُوتِ وخُلُوُّها مِن أهْلِها، حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ مِمّا يُعاقَبُ بِهِ الظَّلَمَةُ؛ إذْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ. وفي التَّوْراةِ: ابْنُ آدَمَ لا تَظْلِمْ يُخْرَبْ بَيْتُكَ، وهو إشارَةٌ إلى هَلاكِ الظّالِمِ؛ إذْ خَرابُ بَيْتِهِ مُتَعَقِّبٌ هَلاكَهُ، وهَذِهِ البُيُوتُ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ، عامَ تَبُوكَ: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ»، الحَدِيثَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ خاوِيَةً ”، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: خاوِيَةٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ هي خاوِيَةٌ، قالَ: أوْ عَلى الخَبَرِ عَنْ تِلْكَ، وبُيُوتُهم بَدَلٌ، أوْ عَلى خَبَرٍ ثانٍ، و“ خاوِيَةٌ " خَبَرِيَّةٌ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو الكُفْرُ، وهو مِن خُلُوِّ البَطْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خاوِيَةٌ، أيْ ساقِطٌ أعْلاها عَلى أسْفَلِها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في فِعْلِنا بِثَمُودَ، وهو اسْتِئْصالُنا لَهم بِالتَّدْمِيرِ، وخَلاءِ مَساكِنِهِمْ مِنهم، وبُيُوتُهم هي بَوادِي القُرى بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِصالِحٍ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِالكُفّارِ، وكانَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أرْبَعَةُ آلافٍ، خَرَجَ بِهِمْ صالِحٌ إلى حَضْرَمَوْتَ، وسُمِّيَتْ حَضْرَمَوْتَ لِأنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَخَلَها ماتَ بِها، وبَنى المُؤْمِنُونَ بِها مَدِينَةً يُقالُ لَها: حاضُورا. وأمّا الهالِكُونَ فَخَرَجَ بِأبْدانِهِمْ خُراجٌ مِثْلُ الحِمَّصِ، احْمَرَّ في اليَوْمِ الأوَّلِ، ثُمَّ اصْفَرَّ في الثّانِي، ثُمَّ اسْوَدَّ في الثّالِثِ، وكانَ عَقْرُ النّاقَةِ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وهَلَكُوا يَوْمَ الأحَدِ. قالَ مُقاتِلٌ: تَفَتَّقَتْ تِلْكَ الخُراجاتُ، وصاحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِمْ صَيْحَةً فَخَمَدُوا.

النمل 27:54

﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . (ولُوطًا) عَطْفٌ عَلى (صالِحًا) أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا، أوْ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ وأنْجَيْنا لُوطًا، أوْ بِـ ”اذْكُرْ“ مُضْمَرَةٍ، وإذْ بَدَلٌ مِنهُ، أقْوالٌ. و(أتَأْتُونَ) اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ، وأُبْهِمَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (الفاحِشَةَ) ثُمَّ عَيَّنَها في قَوْلِهِ: (أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ) . وقَوْلُهُ: (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) أيْ تَعْلَمُونَ قُبْحَ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ الَّذِي أحْدَثْتُمُوهُ، وأنَّهُ مِن أعْظَمِ الخَطايا، والعِلْمُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ مَعَ إتْيانِهِ أعْظَمُ في الذَّنْبِ، أوْ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم، أوْ يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ لا يَسْتَتِرُ ولا يَتَحاشى مِن إظْهارِ ذَلِكَ مَجانَةً وعَدَمَ اكْتِراثٍ بِالمَعْصِيَةِ الشَّنْعاءِ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. وانْتَصَبَ (شَهْوَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و(تَجْهَلُونَ) غَلَبَ فِيهِ الخِطابُ، كَما غَلَبَ في (بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) . ومَعْنى: (تَجْهَلُونَ) أيْ عاقِبَةَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، أوْ تَفْعَلُونَ فِعْلَ السُّفَهاءِ المُجّانِ، أوْ فِعْلَ مَن جَهِلَ أنَّها مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ مَعَ العِلْمِ. أقْوالٌ. ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ونَسَبَ إلى الجَهْلِ، ولَمْ تَكُنْ لَهم حُجَّةٌ فِيما يَأْتُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ، عَدَلُوا إلى المُغالَبَةِ والإيذاءِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى يَتَطَهَّرُونَ في الأعْرافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ: (قَدَّرْناها) بِتَشْدِيدِ الدّالِ؛ وأبُو بَكْرٍ بِتَخْفِيفِها، (p-٨٧)وباقِي الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في الأعْرافِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم.

النمل 27:55

﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . (ولُوطًا) عَطْفٌ عَلى (صالِحًا) أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا، أوْ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ وأنْجَيْنا لُوطًا، أوْ بِـ ”اذْكُرْ“ مُضْمَرَةٍ، وإذْ بَدَلٌ مِنهُ، أقْوالٌ. و(أتَأْتُونَ) اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ، وأُبْهِمَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (الفاحِشَةَ) ثُمَّ عَيَّنَها في قَوْلِهِ: (أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ) . وقَوْلُهُ: (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) أيْ تَعْلَمُونَ قُبْحَ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ الَّذِي أحْدَثْتُمُوهُ، وأنَّهُ مِن أعْظَمِ الخَطايا، والعِلْمُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ مَعَ إتْيانِهِ أعْظَمُ في الذَّنْبِ، أوْ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم، أوْ يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ لا يَسْتَتِرُ ولا يَتَحاشى مِن إظْهارِ ذَلِكَ مَجانَةً وعَدَمَ اكْتِراثٍ بِالمَعْصِيَةِ الشَّنْعاءِ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. وانْتَصَبَ (شَهْوَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و(تَجْهَلُونَ) غَلَبَ فِيهِ الخِطابُ، كَما غَلَبَ في (بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) . ومَعْنى: (تَجْهَلُونَ) أيْ عاقِبَةَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، أوْ تَفْعَلُونَ فِعْلَ السُّفَهاءِ المُجّانِ، أوْ فِعْلَ مَن جَهِلَ أنَّها مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ مَعَ العِلْمِ. أقْوالٌ. ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ونَسَبَ إلى الجَهْلِ، ولَمْ تَكُنْ لَهم حُجَّةٌ فِيما يَأْتُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ، عَدَلُوا إلى المُغالَبَةِ والإيذاءِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى يَتَطَهَّرُونَ في الأعْرافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ: (قَدَّرْناها) بِتَشْدِيدِ الدّالِ؛ وأبُو بَكْرٍ بِتَخْفِيفِها، (p-٨٧)وباقِي الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في الأعْرافِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم.

النمل 27:56

﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . (ولُوطًا) عَطْفٌ عَلى (صالِحًا) أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا، أوْ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ وأنْجَيْنا لُوطًا، أوْ بِـ ”اذْكُرْ“ مُضْمَرَةٍ، وإذْ بَدَلٌ مِنهُ، أقْوالٌ. و(أتَأْتُونَ) اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ، وأُبْهِمَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (الفاحِشَةَ) ثُمَّ عَيَّنَها في قَوْلِهِ: (أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ) . وقَوْلُهُ: (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) أيْ تَعْلَمُونَ قُبْحَ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ الَّذِي أحْدَثْتُمُوهُ، وأنَّهُ مِن أعْظَمِ الخَطايا، والعِلْمُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ مَعَ إتْيانِهِ أعْظَمُ في الذَّنْبِ، أوْ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم، أوْ يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ لا يَسْتَتِرُ ولا يَتَحاشى مِن إظْهارِ ذَلِكَ مَجانَةً وعَدَمَ اكْتِراثٍ بِالمَعْصِيَةِ الشَّنْعاءِ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. وانْتَصَبَ (شَهْوَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و(تَجْهَلُونَ) غَلَبَ فِيهِ الخِطابُ، كَما غَلَبَ في (بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) . ومَعْنى: (تَجْهَلُونَ) أيْ عاقِبَةَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، أوْ تَفْعَلُونَ فِعْلَ السُّفَهاءِ المُجّانِ، أوْ فِعْلَ مَن جَهِلَ أنَّها مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ مَعَ العِلْمِ. أقْوالٌ. ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ونَسَبَ إلى الجَهْلِ، ولَمْ تَكُنْ لَهم حُجَّةٌ فِيما يَأْتُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ، عَدَلُوا إلى المُغالَبَةِ والإيذاءِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى يَتَطَهَّرُونَ في الأعْرافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ: (قَدَّرْناها) بِتَشْدِيدِ الدّالِ؛ وأبُو بَكْرٍ بِتَخْفِيفِها، (p-٨٧)وباقِي الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في الأعْرافِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم.

النمل 27:57

﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . (ولُوطًا) عَطْفٌ عَلى (صالِحًا) أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا، أوْ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ وأنْجَيْنا لُوطًا، أوْ بِـ ”اذْكُرْ“ مُضْمَرَةٍ، وإذْ بَدَلٌ مِنهُ، أقْوالٌ. و(أتَأْتُونَ) اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ، وأُبْهِمَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (الفاحِشَةَ) ثُمَّ عَيَّنَها في قَوْلِهِ: (أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ) . وقَوْلُهُ: (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) أيْ تَعْلَمُونَ قُبْحَ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ الَّذِي أحْدَثْتُمُوهُ، وأنَّهُ مِن أعْظَمِ الخَطايا، والعِلْمُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ مَعَ إتْيانِهِ أعْظَمُ في الذَّنْبِ، أوْ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم، أوْ يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ لا يَسْتَتِرُ ولا يَتَحاشى مِن إظْهارِ ذَلِكَ مَجانَةً وعَدَمَ اكْتِراثٍ بِالمَعْصِيَةِ الشَّنْعاءِ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. وانْتَصَبَ (شَهْوَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و(تَجْهَلُونَ) غَلَبَ فِيهِ الخِطابُ، كَما غَلَبَ في (بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) . ومَعْنى: (تَجْهَلُونَ) أيْ عاقِبَةَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، أوْ تَفْعَلُونَ فِعْلَ السُّفَهاءِ المُجّانِ، أوْ فِعْلَ مَن جَهِلَ أنَّها مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ مَعَ العِلْمِ. أقْوالٌ. ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ونَسَبَ إلى الجَهْلِ، ولَمْ تَكُنْ لَهم حُجَّةٌ فِيما يَأْتُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ، عَدَلُوا إلى المُغالَبَةِ والإيذاءِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى يَتَطَهَّرُونَ في الأعْرافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ: (قَدَّرْناها) بِتَشْدِيدِ الدّالِ؛ وأبُو بَكْرٍ بِتَخْفِيفِها، (p-٨٧)وباقِي الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في الأعْرافِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم.

النمل 27:58

﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ . (ولُوطًا) عَطْفٌ عَلى (صالِحًا) أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا، أوْ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ وأنْجَيْنا لُوطًا، أوْ بِـ ”اذْكُرْ“ مُضْمَرَةٍ، وإذْ بَدَلٌ مِنهُ، أقْوالٌ. و(أتَأْتُونَ) اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ، وأُبْهِمَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: (الفاحِشَةَ) ثُمَّ عَيَّنَها في قَوْلِهِ: (أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ) . وقَوْلُهُ: (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) أيْ تَعْلَمُونَ قُبْحَ هَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ الَّذِي أحْدَثْتُمُوهُ، وأنَّهُ مِن أعْظَمِ الخَطايا، والعِلْمُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ مَعَ إتْيانِهِ أعْظَمُ في الذَّنْبِ، أوْ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم، أوْ يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ لا يَسْتَتِرُ ولا يَتَحاشى مِن إظْهارِ ذَلِكَ مَجانَةً وعَدَمَ اكْتِراثٍ بِالمَعْصِيَةِ الشَّنْعاءِ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. وانْتَصَبَ (شَهْوَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و(تَجْهَلُونَ) غَلَبَ فِيهِ الخِطابُ، كَما غَلَبَ في (بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) . ومَعْنى: (تَجْهَلُونَ) أيْ عاقِبَةَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، أوْ تَفْعَلُونَ فِعْلَ السُّفَهاءِ المُجّانِ، أوْ فِعْلَ مَن جَهِلَ أنَّها مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ مَعَ العِلْمِ. أقْوالٌ. ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ونَسَبَ إلى الجَهْلِ، ولَمْ تَكُنْ لَهم حُجَّةٌ فِيما يَأْتُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ، عَدَلُوا إلى المُغالَبَةِ والإيذاءِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى يَتَطَهَّرُونَ في الأعْرافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (جَوابَ) بِالنَّصْبِ؛ والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ: (قَدَّرْناها) بِتَشْدِيدِ الدّالِ؛ وأبُو بَكْرٍ بِتَخْفِيفِها، (p-٨٧)وباقِي الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في الأعْرافِ. وساءَ: بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ مَطَرُهم.

النمل 27:59

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . (p-٨٨)لَمّا فَرَغَ مِن قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِحَمْدِهِ - تَعالى - والسَّلامِ عَلى المُصْطَفَيْنَ، وأخَذَ في مُبايَنَةِ واجِبِ الوُجُودِ اللَّهِ - تَعالى - ومُبايِنَةِ الأصْنامِ والأدْيانِ الَّتِي أشْرَكُوها مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوها. وابْتَدَأ في هَذا التَّقْرِيرِ لِقُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ بِالحَمْدَلَةِ، وكَأنَّها صَدْرُ خُطْبَةٍ لِما يُلْقِي مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ. وقَدِ اقْتَدى بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ في تَصانِيفَ كُتُبِهِمْ وخُطَبِهِمْ ووَعْظِهِمْ، فافْتَتَحُوا بِتَحْمِيدِ اللَّهِ، والصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ في أوائِلِ كُتُبِ الفُتُوحِ والتَّهانِي والحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَحْمِيدِ اللَّهِ عَلى هَلاكِ الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، والسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمُ النّاجِينَ. وقِيلَ: ”قُلِ“، خِطابٌ لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى هَلاكِ كُفّارِ قَوْمِهِ ﴿ويُسَلِّمُ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ . وعَزا هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلْفَرّاءِ، وقالَ: هَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ)، وكَذا: ”قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرَيْكم“ بِفَتْحِ اللّامِ، وعِبادُهُ المُصْطَفَوْنَ، يَعُمُّ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العِبادُ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اصْطَفاهم لِنَبِيِّهِ، وفي اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أحْوالَ الأنْبِياءِ، وأنَّ مَن كَذَّبَهُمُ اسْتُؤْصِلَ بِالعَذابِ، وأنَّ ذَلِكَ مُرْتَفِعٌ عَنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ، أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ عَلى ما خَصَّهُ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وتَسْلِيمِهِ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ. انْتَهى، وفِيهِ تَلْخِيصٌ. وقَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ تَبْكِيتٌ وتَوْبِيخٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ التَّبايُنِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ الأوْثانِ، إذْ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا شَرِكَةَ في الخَيْرِيَّةِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَهم، وكَثِيرًا ما يَجِيءُ هَذا النَّوْعُ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ يُعْلَمُ ويُتَحَقَّقُ أنَّهُ لا شَرِكَةَ فِيها وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ إلْزامِ الخَصْمِ وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَأِ مُرْتَكِبِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ هو عَنْ خَبَرِيَّةِ الذَّواتِ، فَقِيلَ: جاءَ عَلى اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ اعْتَقَدُوا في آلِهَتِهِمْ خَيْرًا بِوَجْهٍ ما، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ في مَوْضِعَيْنِ، التَّقْدِيرُ: أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما يُشْرِكُونَ ؟ فَما في أمْ ما بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والحَذْفُ مِنَ الأوَّلِ، أيْ أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ شِرْكُكم ؟ وقِيلَ: خَيْرٌ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، فَهي كَما تَقُولُ: الصَّلاةُ خَيْرٌ، يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الخُيُورِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ذُو خَيْرٍ. والظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وأنَّ الِاسْتِفْهامَ في نَحْوِ هَذا يَجِيءُ لِبَيانِ فَسادِ ما عَلَيْهِ الخَصْمُ، وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ، وإلْزامِهِ الإقْرارَ بِحَصْرِ التَّفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ، وانْتِفائِهِ عَنِ الآخَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تُشْرِكُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، (p-٨٩)وقَتادَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ. وأمْ في ”أمْ ما“ مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّ المَعْنى: أيُّهُما خَيْرٌ ؟ وفي (أمْ مَن خَلَقَ) وما بَعْدَهُ مُنْفَصِلَةٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَيْرًا، عَدَّدَ - سُبْحانَهُ - الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، تَوْقِيفًا لَهم عَلى ما أبْدَعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ بُدًّا مِنَ الإقْرارِ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”أمَّنْ خَلَقَ“، وفي الأرْبَعَةِ بَعْدَها بِشَدِّ المِيمِ، وهي مِيمُ أمْ أُدْغِمَتْ في مِيمِ مَن. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِتَخْفِيفِها جَعَلَها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى مَن، ومَن في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ: يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويَشُكُّ بِهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ، فَقَدَّرَ ما أُثْبِتَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ؛ بَدَأ أوَّلًا في الِاسْتِفْهامِ بِاسْمِ الذّاتِ، ثُمَّ انْتَقَلَ فِيهِ إلى الصِّفاتِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ: ولا بُدَّ مِن إضْمارِ جُمْلَةٍ مُعادِلَةٍ، وصارَ ذَلِكَ المُضْمَرُ كالمَنطُوقِ بِهِ لِدَلالَةِ الفَحْوى عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُ تِلْكَ الجُمْلَةِ: أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ كَمَن لَمْ يَخْلُقْ، وكَذَلِكَ أخَواتُها، وقَدْ أظْهَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما أضْمَرَ فِيها لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] . انْتَهى. وتَسْمِيَةُ هَذا المُقَدَّرِ جُمْلَةً، إنْ أرادَ بِها جُمْلَةً مِنَ الألْفاظِ فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ الجُمْلَةَ المُصْطَلَحَ عَلَيْها في النَّحْوِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مُضْمَرٌ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ. وبَدَأ - تَعالى - بِذِكْرِ إنْشاءِ مَقَرِّ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وإنْزالِ ما بِهِ قِوامُ العالَمِ السُّفْلِيِّ وقالَ: (لَكم) أيْ لِأجْلِكم، عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِكم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ دالًّا عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يُنْبِتْ تِلْكَ الحَدائِقَ المُخْتَلِفَةَ الأصْنافِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ بِماءٍ واحِدٍ إلّا هو - تَعالى. وقَدْ رُشِّحَ هَذا الِاخْتِصاصُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، لا شُبْهَةَ لِلْعاقِلِ في أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ، وكانَ الإنْباتُ مِمّا قَدْ يَتَسَبَّبُ فِيهِ الإنْسانُ بِالبَذْرِ والسَّقْيِ والتَّهْيِئَةِ، ويَسُوغُ لِفاعِلِ السَّبَبِ نِسْبَةُ فِعْلِ المُسَبَّبِ إلَيْهِ، بَيَّنَ - تَعالى - اخْتِصاصَهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وتَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ألا تَرى أنَّ المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ قَدْ لا يَأْتِي عَلى وفْقِ مُرادِهِ ؟ ولَوْ أتى فَهو جاهِلٌ بِطَبْعِهِ ومِقْدارِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَها ؟ والبَهْجَةُ: الجَمالُ والنُّضْرَةُ والحُسْنُ؛ لِأنَّ النّاظِرَ فِيها يَبْتَهِجُ، أيْ يُسَرُّ ويَفْرَحُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ذاتَ﴾ بِالإفْرادِ ﴿بَهْجَةٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وجَمْعُ التَّكْسِيرِ يَجْرِي في الوَصْفِ مَجْرى الواحِدَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وهو عَلى مَعْنى جَماعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ”ذَواتِ“، بِالجَمْعِ، بَهَجَةٍ بِتَحْرِيكِ الهاءِ بِالفَتْحِ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَفْيَ مِثْلِ هَذِهِ الكَيْنُونَةِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِهِ كَهَذا، أوْ لِامْتِناعِ وُقُوعِهِ شَرْعًا، أوْ لِنَفْيِ الأوْلَوِيَّةِ. والمَعْنى هُنا: أنَّ إنْباتَ ذَلِكَ مِنكم مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إبْرازُ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ، خاطَبَهم بِذَلِكَ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ ذَمَّهم، عَدَلَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إمّا التِفاتًا، وإمّا إخْبارًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِحالِهِمْ، أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ، أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا ومَثِيلًا. وقُرِئَ: إلَهًا، بِالنَّصْبِ، بِمَعْنى: أتَدْعُونَ أوْ أتَشْرَكُونَ ؟ وقُرِئَ: أإلَهٌ، بِتَخْفِيفِ الهَمْزَتَيْنِ وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، والفَصْلِ بَيْنَهُما بِألِفٍ. ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُنْشِئُ السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإنْباتُ الحَدائِقِ بِالأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُخْتَصًّا بِالأرْضِ، وهو جَعْلُها قَرارًا، أيْ مُسْتَقَرًّا لَكم، بِحَيْثُ يُمْكِنُكُمُ الإقامَةُ بِها والِاسْتِقْرارُ عَلَيْها، ولا يُدِيرُها الفَلَكُ، قِيلَ: لِأنَّها مُضْمَحِلَّةٌ في جَنْبِ الفَلَكِ، كالنُّقْطَةِ في الرَّحى. ﴿وجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ بَيْنَ أماكِنِها، في شِعابِها وأوْدِيَتِها ﴿أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ حَتّى لا تَتَكَفَّأ بِكم وتَمِيدَ. والبَحْرانِ: العَذْبُ والمِلْحُ، والحاجِزُ: الفاصِلُ، مِن قُدْرَتِهِ - تَعالى -، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَحْرُ السَّماءِ (p-٩٠)والأرْضِ، والحاجِزُ مِنَ الهَواءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومُ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَحْرُ العِراقِ والشّامِ، والحاجِزُ مِنَ الأرْضِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُخْتارًا لِهَذا القَوْلِ في الحاجِزِ: هو ما جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن حَواجِزِ الأرْضِ ومَوانِعِها، عَلى رِقَّتِها في بَعْضِ المَواضِعِ، ولَطافَتِها الَّتِي لَوْلا قُدْرَتُهُ لَبَلَعَ المِلْحُ العَذْبَ. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ البَحْرَينِ: العَذْبُ بِجُمْلَتِهِ، والماءُ الأُجاجُ بِجُمْلَتِهِ؛ ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُ عَظِيمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، تَكَرَّرَ فِيها العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ﴾ فَكانَتْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ المُسْتَقِلِّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها بِالِامْتِنانِ، ولَمْ يُشْرَكْ في عامِلٍ واحِدٍ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ في ذِكْرِ هَذِهِ الِامْتِناناتِ الأرْبَعِ كَلامٌ مِن عِلْمِ الطَّبِيعَةِ - والحُكَماءِ عَلى زَعْمِهِ - خارِجٌ عَنْ مَذاهِبِ العَرَبِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. والمُضْطَرُّ: اسْمُ مَفْعُولٍ، وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ حادِثٌ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ إلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ لِكَشْفِ ما اعْتَراهُ مِن ذَلِكَ وإزالَتِهِ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَجْهُودُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو الَّذِي لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، وإجابَتُهُ إيّاهُ مَقْرُونَةٌ بِمَشِيئَتِهِ - تَعالى - فَلَيْسَ كُلُّ مُضْطَرٍّ دَعا يُجِيبُهُ اللَّهُ في كَشْفِ ما بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإجابَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ بِهِ مَصْلَحَةً، ولِهَذا لا يَحْسُنُ الدُّعاءُ إلّا شارِطًا فِيهِ المَصْلَحَةَ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في مُراعاةِ المُصْلِحَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ هو كُلُّ ما يَسُوءُ، وهو عامٌّ في كُلِّ ضُرٍّ انْتَقَلَ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ، وهو خاصٌّ إلى أعَمَّ، وهو ما يَسُوءُ، سَواءٌ كانَ المَكْشُوفُ عَنْهُ في حالَةِ الِاضْطِرارِ أوْ فِيما دُونَها. وخُلَفاءَ: أيِ الأُمَمَ السّالِفَةَ، أوْ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ خُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَعْدِهِ، أوْ خُلَفاءَ الكُفّارِ في أرْضِهِمْ، أوِ المُلْكِ والتَّسَلُّطِ، أقْوالٌ. وقَرَأ الحَسَنُ في رِوايَةِ: ”ونَجْعَلُكم“ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ، كَأنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ ووَعْدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] . وقَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلَكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ انْتِقالٌ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ إلى رُتْبَةٍ مُغايِرَةٍ لِحالَةِ الِاضْطِرارِ، وهي حالَةُ الخِلافَةِ، فَهُما ظَرْفانِ. وكَمْ رَأيْنا في الدُّنْيا مِمَّنْ بَلَغَ حالَةَ الِاضْطِرارِ ثُمَّ صارَ مَلِكًا مُتَسَلِّطًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَذَكَّرُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ، والذّالُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدِّدَةٌ لِإدْغامِ التّاءِ فِيها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تَتَذَكَّرُونَ، بِتاءَيْنِ. وظُلْمَةُ البَرِّ هي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وهي الحَقِيقَةُ، وتَنْطَلِقُ مَجازًا عَلى الجَهْلِ وعَلى انْبِهامِ الأمْرِ فَيُقالُ: أظْلَمَ عَلَيَّ الأمْرُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَجَلَّتْ عَمَـايَـاتُ الرِّجَـالِ عَـنِ الصِّبَـا أيْ جَهالاتِ الصِّبا. وهِدايَةُ البَرِّ تَكُونُ بِالعَلاماتِ، وهِدايَةُ البَحْرِ بِالنُّجُومِ. ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقُرِئَ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخَلْقَ هو المَخْلُوقُ، وبَدْؤُهُ: اخْتِراعُهُ وإنْشاؤُهُ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقْصُودَ هو مَن يُعِيدُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلَكِ، لا عُمُومَ المَخْلُوقِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرُ الإعادَةِ، والإعادَةُ البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالخَلْقِ مَصْدَرَ خَلَقَ، ويَكُونُ يَبْدَأُ ويُعِيدُ اسْتِعارَةً لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا إذا كانَ يُتْقِنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ لَهم أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم مُنْكِرُونَ الإعادَةَ ؟ (قُلْتُ): قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّمْكِينِ مِنَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ إيجادُ بَنِي آدَمَ إنْعامًا إلَيْهِمْ وإحْسانًا، ولا تَتِمُّ النِّعْمَةُ إلّا بِالرِّزْقِ قالَ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ بِالمَطَرِ ﴿والأرْضِ﴾ بِالنَّباتِ ؟ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ أحْضِرُوا حُجَّتَكم ودَلِيلَكم عَلى ما تَدَّعُونَ مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ. فَأيْنَ دَلِيلُكم عَلَيْهِ ؟ وهَذا راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وناسَبَ خَتْمَ كُلِّ اسْتِفْهامٍ بِما تَقَدَّمَهُ. (p-٩١)لَمّا ذَكَرَ إيجادَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وما امْتَنَّ بِهِ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإنْباتِ الحَدائِقِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يُعْبَدَ إلّا مُوجِدُ العالَمِ والمُمْتَنُّ بِما بِهِ قِوامُ الحَياةِ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمّا هو مَخْلُوقٌ مُخْتَرَعٌ. ولَمّا ذَكَرَ جَعْلَ الأرْضِ مُسْتَقَرًّا، وتَفْجِيرَ الأنْهارِ، وإرْساءَ الجِبالِ، وكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى تَعَقُّلِ ذَلِكَ والفِكْرِ فِيهِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ويُفَكِّرُ في ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ، وكَشْفَ السُّوءِ، واسْتِخْلافَهم في الأرْضِ، ناسَبَ أنْ يَسْتَحْضِرَ الإنْسانُ دائِمًا هَذِهِ المِنَّةَ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ”﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾“، إشارَةً إلى تَوالِي النِّسْيانِ إذا صارَ في خَيْرٍ وزالَ اضْطِرارُهُ وكَشْفِ السُّوءِ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] . ولَمّا ذَكَرَ الهِدايَةَ في الظُّلُماتِ، وإرْسالَ الرِّياحِ نُشُرًا، ومَعْبُوداتُهم لا تَهْدِي ولا تُرْسِلُ، وهم يُشْرِكُونَ بِها اللَّهَ، قالَ - تَعالى -: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . واعْتَقَبَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ قَوْلَهُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والتَّقْرِيرِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تَعالى. قِيلَ: سَألَ الكُفّارَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي وعَدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وألَحُّوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ. والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَن فاعِلٌ بِـ ”يَعْلَمُ“، و”الغَيْبَ“ مَفْعُولٌ، و”إلّا اللَّهُ“ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ انْدِراجِهِ في مَدْلُولِ لَفْظِ مَن، وجاءَ مَرْفُوعًا عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ ما في غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ ولا يُقالُ: إنَّهُ مُنْدَرِجٌ في مَدْلُولِ مَن، فَيَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا لِلْمَخْلُوقِينَ فِيهِما، ومَجازِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، أيْ هو فِيها بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وإنْكارُهُ هو الصَّحِيحُ. ومَن أجازَ ذَلِكَ فَيَصِحُّ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، وارْتَفَعَ عَلى البَدَلِ أوِ الصِّفَةِ، والرَّفْعُ أفْصَحُ مِنَ النَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن نَفْيٍ مُتَقَدِّمٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الغَيْبِ. وقِيلَ: المُرادُ غَيْبُ السّاعَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الدّاعِي إلى اخْتِيارِ المَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ عَلى الحِجازِيِّ ؟ يَعْنِي في كَوْنِهِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ لَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ”مَن“، ولَمْ أخْتَرِ الرَّفْعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ولَمْ نَخْتَرِ النَّصْبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، قالَ: (قُلْتُ): دَعَتْ إلى ذَلِكَ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ، حَيْثُ أخْرَجَ المُسْتَثْنى مُخْرَجَ قَوْلِهِ: إلّا اليَعافِيرُ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيْسَ بِها أنِيسٌ، لِيَئُولَ المَعْنى إلى قَوْلِكَ: إنْ كانَ اللَّهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، يَعْنِي أنَّ عِلْمَهُمُ الغَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ كاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِنهم. كَما أنَّ مَعْنى: ما في البَيْتِ إنْ كانَتِ اليَعافِيرُ أنِيسًا، فَفِيها أنِيسٌ بِناءً لِلْقَوْلِ بِخُلُوِّها عَنِ الأنِيسِ. انْتَهى. وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أرْفَعُ اسْمَ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ ؟ (قُلْتُ): جاءَ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ يَقُولُونَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، كَأنَّ أحَدًا لَمْ يُذْكَرْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ∗∗∗ ولا النِّبْلُ إلّا المَشْرِفِيُّ المُصَمَّمُ وقَوْلُهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ يَقُولُ: لَوْ نُصِبَ لَكانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإذا رُفِعَ كانَ بَدَلًا، والمُبْدَلُ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، فَصارَ العامِلُ كَأنَّهُ مُفَرِّغٌ لَهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. ولَوْ أعْرَبَ ”مَن“ مَفْعُولًا، و”الغَيْبَ“ بَدَلٌ مِنهُ، وإلّا اللَّهُ هو الفاعِلُ، أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، أيِ الأشْياءَ الغائِبَةَ الَّتِي تَحْدُثُ في العالَمِ، وهم لا يَعْلَمُونَ بِحُدُوثِها، أيْ لا يَسْبِقُ عِلْمَهم بِذَلِكَ، لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، وكانَ اللَّهُ - تَعالى - هو المَخْصُوصُ بِسابِقِ عِلْمِهِ فِيما يَحْدُثُ في العالَمِ. وأيّانَ: تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها في أواخِرِ الأعْرافِ، وهي هُنا اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى مَتى، وهي مَعْمُولَةٌ لِـ ”يَبْعَثُونَ“ و”يُشْعِرُونَ“ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها (p-٩٢)اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: إيّانَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَبِيلَتِهِ بَنِي سُلَيْمٍ. ولَمّا نَفى عِلْمَ الغَيْبِ عَنْهم عَلى العُمُومِ، نَفى عَنْهم هَذا الغَيْبَ المَخْصُوصَ، وهو وقْتُ السّاعَةِ والبَعْثِ، فَصارَ مُنْتَفِيًا مَرَّتَيْنِ؛ إذْ هو مُنْدَرِجٌ في عُمُومِ الغَيْبِ ومَنصُوصٌ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَسُكِّنَتْ، فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أمْ تَدارَكَ، عَلى الأصْلِ، وجَعَلَ أمْ بَدَلَ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ أخُوهُ: بَلِ ادَّرَكَ، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ، وشَدِّ الدّالِ بِناءً عَلى أنْ وزَنَهُ افْتَعَلَ، فَأدْغَمَ الدّالَ، وهي فاءُ الكَلِمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا، فَصارَ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِقَوْلِهِمْ: اثَّرَدَ، وأصْلُهُ اثْتَرَدَ مِنَ الثَّرْدِ، والهَمْزَةُ المَحْذُوفَةُ المَنقُولُ حَرَكَتُها إلى اللّامِ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ فانْحَذَفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ثُمَّ انْحَذَفَتْ هي وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ بَلْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ، وتَوْبَةُ العَنْبَرِيُّ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا لامَ بَلْ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: بَلِ ادَّرَكَ، عَلى وزْنِ افَّعَلَ، بِمَعْنى تَفاعَلَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي جَمْرَةَ، وغَيْرُهُ عَنْهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بَلْ آدْرَكَ، بِمَدَّةٍ بَعْدِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ أأدْرَكَ، فَقَلَبَ الثّانِيَةَ ألِفًا تَخْفِيفًا، كَراهَةَ الجَمْعِ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ الرِّوايَةَ ووَجْهَها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ بَلْ؛ لِأنَّ بَلْ إيجابٌ، والِاسْتِفْهامُ في هَذا المَوْضِعِ إنْكارٌ بِمَعْنى: لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أيْ لَمْ يَشْهَدُوا، فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُما مَعًا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإيجابِ والإنْكارِ. انْتَهى. وقَدْ أجازَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ الِاسْتِفْهامَ بَعْدَ بَلْ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ القائِلِ: أخُبْزًا أكَلْتَ بَلْ أماءً شَرِبْتَ ؟ عَلى تَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الثّانِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ: أمِ ادَّرَكَ، جَعَلَ أمْ بَدَلَ بَلْ، وادَّرَكَ عَلى وزْنِ افَّعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلْ آدّارَكَ، بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى ادّارَكَ، فَيُسْقِطُ هَمْزَةَ الوَصْلِ المُجْتَلَبَةَ، لِأجْلِ الإدْغامِ والنُّطْقِ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: بَلْ أأدَّرَكَ، بِهَمْزَتَيْنِ، هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أفَّعَلَ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، والأعْرَجُ: بَلْ أدَّرَكَ، بِهَمْزَةٍ وإدْغامِ فاءِ الكَلِمَةِ، وهي الدّالُ في تاءِ افْتَعَلَ، بَعْدَ صَيْرُورَةِ التّاءِ دالًا. وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةٍ: بَلِ ادَّرَكَ، بِحَذْفِ هَمْزَةِ ادَّرَكَ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلى ادَّرَكَ، بِحَرْفِ الإيجابِ الَّذِي يُوجَبُ بِهِ المُسْتَفْهَمُ المَنفِيُّ. وقُرِئَ: بَلْ آأدَّرَكَ، بِألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ. فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلتَّقْرِيعِ بِمَعْنى لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهِمْ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أمِ ادَّرَكَ، وأمْ تَدارَكَ؛ لِأنَّها أمِ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ والتَّقْرِيرِ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عَنْهم، أيْ أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمُهم. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: بَلْ تَدارَكَ عِلْمُهم ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، أيْ عَلِمُوهُ في الآخِرَةِ، بِمَعْنى: تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بِأنَّ كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ حَقٌّ، وهَذا حَقِيقَةُ إثْباتِ العِلْمِ لَهم، لِمُشاهَدَتِهِمْ عَيانًا في الآخِرَةِ ما وُعِدُوا بِهِ غَيْبًا في الدُّنْيا، وكَوْنُهُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ومَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ، لِأنَّ الإخْبارَ بِهِ صِدْقٌ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَناهِي عِلْمِهِمْ، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَّباتُ وغَيْرُهُ، أيْ تَناهى وتَتابَعَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ؛ أوْ إلى أنْ لا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وتَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، وقَدْ تَعَدّى العِلْمُ بِالباءِ، كَما تَقُولُ: عِلْمِي بِزَيْدٍ كَذا، ويَسُوغُ حَمْلَ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى مَعْنى التَّوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ، وجاءَ إنْكارًا لِأنَّهم لَمْ يُدْرِكُوا شَيْئًا نافِعًا. والثّانِي: أنَّ أدْرَكَ: بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ (p-٩٣)عِلْمُهم في الآخِرَةِ يُدْرَكُ وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوْنَ العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُّنْيا فَلا. وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَحا إلَيْهِ الزَّجّاجُ، و”في“ عَلى بابِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَدارَكَ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ وزِيادَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِهِ وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في جُمْلَتِهِمْ نَسَبَ فِعْلَهم إلى الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ ناسٌ مِنهم. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ وصْفَهم بِاسْتِحْكامِهِ وتَكامُلِهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ، عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِ، وذَلِكَ حَيْثُ شَكُّوا وعَمُوا عَنْ إتْيانِهِ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى عِلْمٍ مَشْكُوكٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ كَوْنِهِ الَّذِي لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ. وفي ادَّرَكَ عِلْمُهم وادّارَكَ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ادَّرَكَ بِمَعْنى انْتَهى وفَنِيَ، مِن قَوْلِهِمْ: ادَّرَكَتِ الثَّمَرَةُ؛ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ. وقَدْ فَسَّرَ الحَسَنُ بِاضْمَحَلَّ عِلْمُهم وتَدارَكَ، مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ. انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: العِلْمُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ والقَوْلِ، أيْ تَتابَعَ مِنهُمُ القَوْلُ والحُكْمُ في الآخِرَةِ، وكَثُرَ مِنهُمُ الخَوْضُ فِيها، فَنَفاها بَعْضُهم، وشَكَّ فِيها بَعْضُهم، واسْتَبْعَدَها بَعْضُهم. وقالَ الفَرّاءُ: بَلِ ادَّرَكَ، فَيَصِيرُ بِمَعْنى الجَحْدِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ؛ أيْ لَمْ يَعْلَمُوا حُدُوثَها وكَوْنَها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ فَصارَتْ ”في“ في الكَلامِ بِمَعْنى الباءِ، أيْ لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أدَّرَكَ، بِالِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بَلى بِحَرْفِ الجَوابِ بَدَلَ بَلْ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: إنْ كانَ بَلى جَوابًا لِكَلامٍ تَقَدَّمَ، جازَ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِهِ، كَأنَّ قَوْمًا أنْكَرُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ القُدْرَةِ، فَقِيلَ لَهم: بَلى إيجابًا لَمّا نَفَوْا ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامُ وعُودِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ بِمَعْنى: أمْ هم في شَكٍّ مِنها؛ لِأنَّ حُرُوفَ العَطْفِ قَدْ تَتَناوَبُ، وكَفَّ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي أنَّ المَعْنى: أدَّرَكَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ أمْ شَكُّوا ؟ فَـ (بَلْ) بِمَعْنى أمْ، عُودِلَ بِها الهَمْزَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، وهو أنْ تَكُونَ بَلْ بِمَعْنى أمْ وتُعادِلُ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَمَن قَرَأ بَلى ادَّرَكَ ؟ (قُلْتُ): لَمّا جاءَ بِبَلى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ كانَ مَعْناهُ: بَلى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فُسِّرَ الشُّعُورُ بِقَوْلِهِ: ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ الَّذِي مَعْناهُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شُعُورُهم بِوَقْتِ الآخِرَةِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَها، فَيَرْجِعُ إلى المُبالَغَةِ في نَفْيِ الشُّعُورِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ. وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أدَّرَكَ ؟، عَلى الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناهُ: يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، وإذا أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِها؛ لِأنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ الكائِنِ تابِعٌ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الكائِنِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَذِهِ الإضْراباتُ الثَّلاثُ ما مَعْناهُ ؟ (قُلْتُ): ما هي إلّا تَنْزِيلٌ لِأحْوالِهِمْ، وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ، ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ فَلا يُزِيلُونَهُ، والإزالَةُ مُسْتَطاعَةٌ، وقَدْ جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ، فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِمَن دُونَ عَنْ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ والجَزاءَ هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ لا يَتَدَبَّرُونَ ولا يُبْصِرُونَ. انْتَهى.

النمل 27:60

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . (p-٨٨)لَمّا فَرَغَ مِن قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِحَمْدِهِ - تَعالى - والسَّلامِ عَلى المُصْطَفَيْنَ، وأخَذَ في مُبايَنَةِ واجِبِ الوُجُودِ اللَّهِ - تَعالى - ومُبايِنَةِ الأصْنامِ والأدْيانِ الَّتِي أشْرَكُوها مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوها. وابْتَدَأ في هَذا التَّقْرِيرِ لِقُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ بِالحَمْدَلَةِ، وكَأنَّها صَدْرُ خُطْبَةٍ لِما يُلْقِي مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ. وقَدِ اقْتَدى بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ في تَصانِيفَ كُتُبِهِمْ وخُطَبِهِمْ ووَعْظِهِمْ، فافْتَتَحُوا بِتَحْمِيدِ اللَّهِ، والصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ في أوائِلِ كُتُبِ الفُتُوحِ والتَّهانِي والحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَحْمِيدِ اللَّهِ عَلى هَلاكِ الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، والسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمُ النّاجِينَ. وقِيلَ: ”قُلِ“، خِطابٌ لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى هَلاكِ كُفّارِ قَوْمِهِ ﴿ويُسَلِّمُ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ . وعَزا هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلْفَرّاءِ، وقالَ: هَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ)، وكَذا: ”قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرَيْكم“ بِفَتْحِ اللّامِ، وعِبادُهُ المُصْطَفَوْنَ، يَعُمُّ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العِبادُ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اصْطَفاهم لِنَبِيِّهِ، وفي اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أحْوالَ الأنْبِياءِ، وأنَّ مَن كَذَّبَهُمُ اسْتُؤْصِلَ بِالعَذابِ، وأنَّ ذَلِكَ مُرْتَفِعٌ عَنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ، أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ عَلى ما خَصَّهُ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وتَسْلِيمِهِ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ. انْتَهى، وفِيهِ تَلْخِيصٌ. وقَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ تَبْكِيتٌ وتَوْبِيخٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ التَّبايُنِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ الأوْثانِ، إذْ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا شَرِكَةَ في الخَيْرِيَّةِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَهم، وكَثِيرًا ما يَجِيءُ هَذا النَّوْعُ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ يُعْلَمُ ويُتَحَقَّقُ أنَّهُ لا شَرِكَةَ فِيها وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ إلْزامِ الخَصْمِ وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَأِ مُرْتَكِبِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ هو عَنْ خَبَرِيَّةِ الذَّواتِ، فَقِيلَ: جاءَ عَلى اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ اعْتَقَدُوا في آلِهَتِهِمْ خَيْرًا بِوَجْهٍ ما، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ في مَوْضِعَيْنِ، التَّقْدِيرُ: أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما يُشْرِكُونَ ؟ فَما في أمْ ما بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والحَذْفُ مِنَ الأوَّلِ، أيْ أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ شِرْكُكم ؟ وقِيلَ: خَيْرٌ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، فَهي كَما تَقُولُ: الصَّلاةُ خَيْرٌ، يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الخُيُورِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ذُو خَيْرٍ. والظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وأنَّ الِاسْتِفْهامَ في نَحْوِ هَذا يَجِيءُ لِبَيانِ فَسادِ ما عَلَيْهِ الخَصْمُ، وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ، وإلْزامِهِ الإقْرارَ بِحَصْرِ التَّفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ، وانْتِفائِهِ عَنِ الآخَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تُشْرِكُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، (p-٨٩)وقَتادَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ. وأمْ في ”أمْ ما“ مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّ المَعْنى: أيُّهُما خَيْرٌ ؟ وفي (أمْ مَن خَلَقَ) وما بَعْدَهُ مُنْفَصِلَةٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَيْرًا، عَدَّدَ - سُبْحانَهُ - الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، تَوْقِيفًا لَهم عَلى ما أبْدَعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ بُدًّا مِنَ الإقْرارِ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”أمَّنْ خَلَقَ“، وفي الأرْبَعَةِ بَعْدَها بِشَدِّ المِيمِ، وهي مِيمُ أمْ أُدْغِمَتْ في مِيمِ مَن. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِتَخْفِيفِها جَعَلَها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى مَن، ومَن في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ: يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويَشُكُّ بِهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ، فَقَدَّرَ ما أُثْبِتَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ؛ بَدَأ أوَّلًا في الِاسْتِفْهامِ بِاسْمِ الذّاتِ، ثُمَّ انْتَقَلَ فِيهِ إلى الصِّفاتِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ: ولا بُدَّ مِن إضْمارِ جُمْلَةٍ مُعادِلَةٍ، وصارَ ذَلِكَ المُضْمَرُ كالمَنطُوقِ بِهِ لِدَلالَةِ الفَحْوى عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُ تِلْكَ الجُمْلَةِ: أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ كَمَن لَمْ يَخْلُقْ، وكَذَلِكَ أخَواتُها، وقَدْ أظْهَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما أضْمَرَ فِيها لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] . انْتَهى. وتَسْمِيَةُ هَذا المُقَدَّرِ جُمْلَةً، إنْ أرادَ بِها جُمْلَةً مِنَ الألْفاظِ فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ الجُمْلَةَ المُصْطَلَحَ عَلَيْها في النَّحْوِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مُضْمَرٌ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ. وبَدَأ - تَعالى - بِذِكْرِ إنْشاءِ مَقَرِّ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وإنْزالِ ما بِهِ قِوامُ العالَمِ السُّفْلِيِّ وقالَ: (لَكم) أيْ لِأجْلِكم، عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِكم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ دالًّا عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يُنْبِتْ تِلْكَ الحَدائِقَ المُخْتَلِفَةَ الأصْنافِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ بِماءٍ واحِدٍ إلّا هو - تَعالى. وقَدْ رُشِّحَ هَذا الِاخْتِصاصُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، لا شُبْهَةَ لِلْعاقِلِ في أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ، وكانَ الإنْباتُ مِمّا قَدْ يَتَسَبَّبُ فِيهِ الإنْسانُ بِالبَذْرِ والسَّقْيِ والتَّهْيِئَةِ، ويَسُوغُ لِفاعِلِ السَّبَبِ نِسْبَةُ فِعْلِ المُسَبَّبِ إلَيْهِ، بَيَّنَ - تَعالى - اخْتِصاصَهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وتَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ألا تَرى أنَّ المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ قَدْ لا يَأْتِي عَلى وفْقِ مُرادِهِ ؟ ولَوْ أتى فَهو جاهِلٌ بِطَبْعِهِ ومِقْدارِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَها ؟ والبَهْجَةُ: الجَمالُ والنُّضْرَةُ والحُسْنُ؛ لِأنَّ النّاظِرَ فِيها يَبْتَهِجُ، أيْ يُسَرُّ ويَفْرَحُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ذاتَ﴾ بِالإفْرادِ ﴿بَهْجَةٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وجَمْعُ التَّكْسِيرِ يَجْرِي في الوَصْفِ مَجْرى الواحِدَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وهو عَلى مَعْنى جَماعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ”ذَواتِ“، بِالجَمْعِ، بَهَجَةٍ بِتَحْرِيكِ الهاءِ بِالفَتْحِ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَفْيَ مِثْلِ هَذِهِ الكَيْنُونَةِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِهِ كَهَذا، أوْ لِامْتِناعِ وُقُوعِهِ شَرْعًا، أوْ لِنَفْيِ الأوْلَوِيَّةِ. والمَعْنى هُنا: أنَّ إنْباتَ ذَلِكَ مِنكم مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إبْرازُ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ، خاطَبَهم بِذَلِكَ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ ذَمَّهم، عَدَلَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إمّا التِفاتًا، وإمّا إخْبارًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِحالِهِمْ، أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ، أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا ومَثِيلًا. وقُرِئَ: إلَهًا، بِالنَّصْبِ، بِمَعْنى: أتَدْعُونَ أوْ أتَشْرَكُونَ ؟ وقُرِئَ: أإلَهٌ، بِتَخْفِيفِ الهَمْزَتَيْنِ وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، والفَصْلِ بَيْنَهُما بِألِفٍ. ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُنْشِئُ السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإنْباتُ الحَدائِقِ بِالأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُخْتَصًّا بِالأرْضِ، وهو جَعْلُها قَرارًا، أيْ مُسْتَقَرًّا لَكم، بِحَيْثُ يُمْكِنُكُمُ الإقامَةُ بِها والِاسْتِقْرارُ عَلَيْها، ولا يُدِيرُها الفَلَكُ، قِيلَ: لِأنَّها مُضْمَحِلَّةٌ في جَنْبِ الفَلَكِ، كالنُّقْطَةِ في الرَّحى. ﴿وجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ بَيْنَ أماكِنِها، في شِعابِها وأوْدِيَتِها ﴿أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ حَتّى لا تَتَكَفَّأ بِكم وتَمِيدَ. والبَحْرانِ: العَذْبُ والمِلْحُ، والحاجِزُ: الفاصِلُ، مِن قُدْرَتِهِ - تَعالى -، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَحْرُ السَّماءِ (p-٩٠)والأرْضِ، والحاجِزُ مِنَ الهَواءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومُ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَحْرُ العِراقِ والشّامِ، والحاجِزُ مِنَ الأرْضِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُخْتارًا لِهَذا القَوْلِ في الحاجِزِ: هو ما جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن حَواجِزِ الأرْضِ ومَوانِعِها، عَلى رِقَّتِها في بَعْضِ المَواضِعِ، ولَطافَتِها الَّتِي لَوْلا قُدْرَتُهُ لَبَلَعَ المِلْحُ العَذْبَ. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ البَحْرَينِ: العَذْبُ بِجُمْلَتِهِ، والماءُ الأُجاجُ بِجُمْلَتِهِ؛ ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُ عَظِيمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، تَكَرَّرَ فِيها العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ﴾ فَكانَتْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ المُسْتَقِلِّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها بِالِامْتِنانِ، ولَمْ يُشْرَكْ في عامِلٍ واحِدٍ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ في ذِكْرِ هَذِهِ الِامْتِناناتِ الأرْبَعِ كَلامٌ مِن عِلْمِ الطَّبِيعَةِ - والحُكَماءِ عَلى زَعْمِهِ - خارِجٌ عَنْ مَذاهِبِ العَرَبِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. والمُضْطَرُّ: اسْمُ مَفْعُولٍ، وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ حادِثٌ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ إلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ لِكَشْفِ ما اعْتَراهُ مِن ذَلِكَ وإزالَتِهِ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَجْهُودُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو الَّذِي لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، وإجابَتُهُ إيّاهُ مَقْرُونَةٌ بِمَشِيئَتِهِ - تَعالى - فَلَيْسَ كُلُّ مُضْطَرٍّ دَعا يُجِيبُهُ اللَّهُ في كَشْفِ ما بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإجابَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ بِهِ مَصْلَحَةً، ولِهَذا لا يَحْسُنُ الدُّعاءُ إلّا شارِطًا فِيهِ المَصْلَحَةَ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في مُراعاةِ المُصْلِحَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ هو كُلُّ ما يَسُوءُ، وهو عامٌّ في كُلِّ ضُرٍّ انْتَقَلَ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ، وهو خاصٌّ إلى أعَمَّ، وهو ما يَسُوءُ، سَواءٌ كانَ المَكْشُوفُ عَنْهُ في حالَةِ الِاضْطِرارِ أوْ فِيما دُونَها. وخُلَفاءَ: أيِ الأُمَمَ السّالِفَةَ، أوْ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ خُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَعْدِهِ، أوْ خُلَفاءَ الكُفّارِ في أرْضِهِمْ، أوِ المُلْكِ والتَّسَلُّطِ، أقْوالٌ. وقَرَأ الحَسَنُ في رِوايَةِ: ”ونَجْعَلُكم“ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ، كَأنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ ووَعْدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] . وقَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلَكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ انْتِقالٌ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ إلى رُتْبَةٍ مُغايِرَةٍ لِحالَةِ الِاضْطِرارِ، وهي حالَةُ الخِلافَةِ، فَهُما ظَرْفانِ. وكَمْ رَأيْنا في الدُّنْيا مِمَّنْ بَلَغَ حالَةَ الِاضْطِرارِ ثُمَّ صارَ مَلِكًا مُتَسَلِّطًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَذَكَّرُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ، والذّالُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدِّدَةٌ لِإدْغامِ التّاءِ فِيها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تَتَذَكَّرُونَ، بِتاءَيْنِ. وظُلْمَةُ البَرِّ هي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وهي الحَقِيقَةُ، وتَنْطَلِقُ مَجازًا عَلى الجَهْلِ وعَلى انْبِهامِ الأمْرِ فَيُقالُ: أظْلَمَ عَلَيَّ الأمْرُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَجَلَّتْ عَمَـايَـاتُ الرِّجَـالِ عَـنِ الصِّبَـا أيْ جَهالاتِ الصِّبا. وهِدايَةُ البَرِّ تَكُونُ بِالعَلاماتِ، وهِدايَةُ البَحْرِ بِالنُّجُومِ. ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقُرِئَ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخَلْقَ هو المَخْلُوقُ، وبَدْؤُهُ: اخْتِراعُهُ وإنْشاؤُهُ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقْصُودَ هو مَن يُعِيدُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلَكِ، لا عُمُومَ المَخْلُوقِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرُ الإعادَةِ، والإعادَةُ البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالخَلْقِ مَصْدَرَ خَلَقَ، ويَكُونُ يَبْدَأُ ويُعِيدُ اسْتِعارَةً لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا إذا كانَ يُتْقِنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ لَهم أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم مُنْكِرُونَ الإعادَةَ ؟ (قُلْتُ): قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّمْكِينِ مِنَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ إيجادُ بَنِي آدَمَ إنْعامًا إلَيْهِمْ وإحْسانًا، ولا تَتِمُّ النِّعْمَةُ إلّا بِالرِّزْقِ قالَ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ بِالمَطَرِ ﴿والأرْضِ﴾ بِالنَّباتِ ؟ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ أحْضِرُوا حُجَّتَكم ودَلِيلَكم عَلى ما تَدَّعُونَ مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ. فَأيْنَ دَلِيلُكم عَلَيْهِ ؟ وهَذا راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وناسَبَ خَتْمَ كُلِّ اسْتِفْهامٍ بِما تَقَدَّمَهُ. (p-٩١)لَمّا ذَكَرَ إيجادَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وما امْتَنَّ بِهِ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإنْباتِ الحَدائِقِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يُعْبَدَ إلّا مُوجِدُ العالَمِ والمُمْتَنُّ بِما بِهِ قِوامُ الحَياةِ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمّا هو مَخْلُوقٌ مُخْتَرَعٌ. ولَمّا ذَكَرَ جَعْلَ الأرْضِ مُسْتَقَرًّا، وتَفْجِيرَ الأنْهارِ، وإرْساءَ الجِبالِ، وكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى تَعَقُّلِ ذَلِكَ والفِكْرِ فِيهِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ويُفَكِّرُ في ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ، وكَشْفَ السُّوءِ، واسْتِخْلافَهم في الأرْضِ، ناسَبَ أنْ يَسْتَحْضِرَ الإنْسانُ دائِمًا هَذِهِ المِنَّةَ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ”﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾“، إشارَةً إلى تَوالِي النِّسْيانِ إذا صارَ في خَيْرٍ وزالَ اضْطِرارُهُ وكَشْفِ السُّوءِ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] . ولَمّا ذَكَرَ الهِدايَةَ في الظُّلُماتِ، وإرْسالَ الرِّياحِ نُشُرًا، ومَعْبُوداتُهم لا تَهْدِي ولا تُرْسِلُ، وهم يُشْرِكُونَ بِها اللَّهَ، قالَ - تَعالى -: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . واعْتَقَبَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ قَوْلَهُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والتَّقْرِيرِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تَعالى. قِيلَ: سَألَ الكُفّارَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي وعَدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وألَحُّوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ. والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَن فاعِلٌ بِـ ”يَعْلَمُ“، و”الغَيْبَ“ مَفْعُولٌ، و”إلّا اللَّهُ“ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ انْدِراجِهِ في مَدْلُولِ لَفْظِ مَن، وجاءَ مَرْفُوعًا عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ ما في غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ ولا يُقالُ: إنَّهُ مُنْدَرِجٌ في مَدْلُولِ مَن، فَيَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا لِلْمَخْلُوقِينَ فِيهِما، ومَجازِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، أيْ هو فِيها بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وإنْكارُهُ هو الصَّحِيحُ. ومَن أجازَ ذَلِكَ فَيَصِحُّ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، وارْتَفَعَ عَلى البَدَلِ أوِ الصِّفَةِ، والرَّفْعُ أفْصَحُ مِنَ النَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن نَفْيٍ مُتَقَدِّمٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الغَيْبِ. وقِيلَ: المُرادُ غَيْبُ السّاعَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الدّاعِي إلى اخْتِيارِ المَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ عَلى الحِجازِيِّ ؟ يَعْنِي في كَوْنِهِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ لَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ”مَن“، ولَمْ أخْتَرِ الرَّفْعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ولَمْ نَخْتَرِ النَّصْبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، قالَ: (قُلْتُ): دَعَتْ إلى ذَلِكَ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ، حَيْثُ أخْرَجَ المُسْتَثْنى مُخْرَجَ قَوْلِهِ: إلّا اليَعافِيرُ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيْسَ بِها أنِيسٌ، لِيَئُولَ المَعْنى إلى قَوْلِكَ: إنْ كانَ اللَّهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، يَعْنِي أنَّ عِلْمَهُمُ الغَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ كاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِنهم. كَما أنَّ مَعْنى: ما في البَيْتِ إنْ كانَتِ اليَعافِيرُ أنِيسًا، فَفِيها أنِيسٌ بِناءً لِلْقَوْلِ بِخُلُوِّها عَنِ الأنِيسِ. انْتَهى. وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أرْفَعُ اسْمَ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ ؟ (قُلْتُ): جاءَ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ يَقُولُونَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، كَأنَّ أحَدًا لَمْ يُذْكَرْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ∗∗∗ ولا النِّبْلُ إلّا المَشْرِفِيُّ المُصَمَّمُ وقَوْلُهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ يَقُولُ: لَوْ نُصِبَ لَكانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإذا رُفِعَ كانَ بَدَلًا، والمُبْدَلُ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، فَصارَ العامِلُ كَأنَّهُ مُفَرِّغٌ لَهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. ولَوْ أعْرَبَ ”مَن“ مَفْعُولًا، و”الغَيْبَ“ بَدَلٌ مِنهُ، وإلّا اللَّهُ هو الفاعِلُ، أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، أيِ الأشْياءَ الغائِبَةَ الَّتِي تَحْدُثُ في العالَمِ، وهم لا يَعْلَمُونَ بِحُدُوثِها، أيْ لا يَسْبِقُ عِلْمَهم بِذَلِكَ، لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، وكانَ اللَّهُ - تَعالى - هو المَخْصُوصُ بِسابِقِ عِلْمِهِ فِيما يَحْدُثُ في العالَمِ. وأيّانَ: تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها في أواخِرِ الأعْرافِ، وهي هُنا اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى مَتى، وهي مَعْمُولَةٌ لِـ ”يَبْعَثُونَ“ و”يُشْعِرُونَ“ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها (p-٩٢)اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: إيّانَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَبِيلَتِهِ بَنِي سُلَيْمٍ. ولَمّا نَفى عِلْمَ الغَيْبِ عَنْهم عَلى العُمُومِ، نَفى عَنْهم هَذا الغَيْبَ المَخْصُوصَ، وهو وقْتُ السّاعَةِ والبَعْثِ، فَصارَ مُنْتَفِيًا مَرَّتَيْنِ؛ إذْ هو مُنْدَرِجٌ في عُمُومِ الغَيْبِ ومَنصُوصٌ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَسُكِّنَتْ، فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أمْ تَدارَكَ، عَلى الأصْلِ، وجَعَلَ أمْ بَدَلَ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ أخُوهُ: بَلِ ادَّرَكَ، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ، وشَدِّ الدّالِ بِناءً عَلى أنْ وزَنَهُ افْتَعَلَ، فَأدْغَمَ الدّالَ، وهي فاءُ الكَلِمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا، فَصارَ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِقَوْلِهِمْ: اثَّرَدَ، وأصْلُهُ اثْتَرَدَ مِنَ الثَّرْدِ، والهَمْزَةُ المَحْذُوفَةُ المَنقُولُ حَرَكَتُها إلى اللّامِ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ فانْحَذَفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ثُمَّ انْحَذَفَتْ هي وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ بَلْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ، وتَوْبَةُ العَنْبَرِيُّ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا لامَ بَلْ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: بَلِ ادَّرَكَ، عَلى وزْنِ افَّعَلَ، بِمَعْنى تَفاعَلَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي جَمْرَةَ، وغَيْرُهُ عَنْهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بَلْ آدْرَكَ، بِمَدَّةٍ بَعْدِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ أأدْرَكَ، فَقَلَبَ الثّانِيَةَ ألِفًا تَخْفِيفًا، كَراهَةَ الجَمْعِ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ الرِّوايَةَ ووَجْهَها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ بَلْ؛ لِأنَّ بَلْ إيجابٌ، والِاسْتِفْهامُ في هَذا المَوْضِعِ إنْكارٌ بِمَعْنى: لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أيْ لَمْ يَشْهَدُوا، فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُما مَعًا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإيجابِ والإنْكارِ. انْتَهى. وقَدْ أجازَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ الِاسْتِفْهامَ بَعْدَ بَلْ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ القائِلِ: أخُبْزًا أكَلْتَ بَلْ أماءً شَرِبْتَ ؟ عَلى تَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الثّانِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ: أمِ ادَّرَكَ، جَعَلَ أمْ بَدَلَ بَلْ، وادَّرَكَ عَلى وزْنِ افَّعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلْ آدّارَكَ، بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى ادّارَكَ، فَيُسْقِطُ هَمْزَةَ الوَصْلِ المُجْتَلَبَةَ، لِأجْلِ الإدْغامِ والنُّطْقِ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: بَلْ أأدَّرَكَ، بِهَمْزَتَيْنِ، هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أفَّعَلَ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، والأعْرَجُ: بَلْ أدَّرَكَ، بِهَمْزَةٍ وإدْغامِ فاءِ الكَلِمَةِ، وهي الدّالُ في تاءِ افْتَعَلَ، بَعْدَ صَيْرُورَةِ التّاءِ دالًا. وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةٍ: بَلِ ادَّرَكَ، بِحَذْفِ هَمْزَةِ ادَّرَكَ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلى ادَّرَكَ، بِحَرْفِ الإيجابِ الَّذِي يُوجَبُ بِهِ المُسْتَفْهَمُ المَنفِيُّ. وقُرِئَ: بَلْ آأدَّرَكَ، بِألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ. فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلتَّقْرِيعِ بِمَعْنى لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهِمْ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أمِ ادَّرَكَ، وأمْ تَدارَكَ؛ لِأنَّها أمِ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ والتَّقْرِيرِ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عَنْهم، أيْ أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمُهم. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: بَلْ تَدارَكَ عِلْمُهم ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، أيْ عَلِمُوهُ في الآخِرَةِ، بِمَعْنى: تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بِأنَّ كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ حَقٌّ، وهَذا حَقِيقَةُ إثْباتِ العِلْمِ لَهم، لِمُشاهَدَتِهِمْ عَيانًا في الآخِرَةِ ما وُعِدُوا بِهِ غَيْبًا في الدُّنْيا، وكَوْنُهُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ومَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ، لِأنَّ الإخْبارَ بِهِ صِدْقٌ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَناهِي عِلْمِهِمْ، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَّباتُ وغَيْرُهُ، أيْ تَناهى وتَتابَعَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ؛ أوْ إلى أنْ لا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وتَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، وقَدْ تَعَدّى العِلْمُ بِالباءِ، كَما تَقُولُ: عِلْمِي بِزَيْدٍ كَذا، ويَسُوغُ حَمْلَ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى مَعْنى التَّوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ، وجاءَ إنْكارًا لِأنَّهم لَمْ يُدْرِكُوا شَيْئًا نافِعًا. والثّانِي: أنَّ أدْرَكَ: بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ (p-٩٣)عِلْمُهم في الآخِرَةِ يُدْرَكُ وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوْنَ العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُّنْيا فَلا. وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَحا إلَيْهِ الزَّجّاجُ، و”في“ عَلى بابِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَدارَكَ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ وزِيادَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِهِ وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في جُمْلَتِهِمْ نَسَبَ فِعْلَهم إلى الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ ناسٌ مِنهم. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ وصْفَهم بِاسْتِحْكامِهِ وتَكامُلِهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ، عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِ، وذَلِكَ حَيْثُ شَكُّوا وعَمُوا عَنْ إتْيانِهِ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى عِلْمٍ مَشْكُوكٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ كَوْنِهِ الَّذِي لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ. وفي ادَّرَكَ عِلْمُهم وادّارَكَ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ادَّرَكَ بِمَعْنى انْتَهى وفَنِيَ، مِن قَوْلِهِمْ: ادَّرَكَتِ الثَّمَرَةُ؛ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ. وقَدْ فَسَّرَ الحَسَنُ بِاضْمَحَلَّ عِلْمُهم وتَدارَكَ، مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ. انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: العِلْمُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ والقَوْلِ، أيْ تَتابَعَ مِنهُمُ القَوْلُ والحُكْمُ في الآخِرَةِ، وكَثُرَ مِنهُمُ الخَوْضُ فِيها، فَنَفاها بَعْضُهم، وشَكَّ فِيها بَعْضُهم، واسْتَبْعَدَها بَعْضُهم. وقالَ الفَرّاءُ: بَلِ ادَّرَكَ، فَيَصِيرُ بِمَعْنى الجَحْدِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ؛ أيْ لَمْ يَعْلَمُوا حُدُوثَها وكَوْنَها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ فَصارَتْ ”في“ في الكَلامِ بِمَعْنى الباءِ، أيْ لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أدَّرَكَ، بِالِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بَلى بِحَرْفِ الجَوابِ بَدَلَ بَلْ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: إنْ كانَ بَلى جَوابًا لِكَلامٍ تَقَدَّمَ، جازَ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِهِ، كَأنَّ قَوْمًا أنْكَرُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ القُدْرَةِ، فَقِيلَ لَهم: بَلى إيجابًا لَمّا نَفَوْا ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامُ وعُودِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ بِمَعْنى: أمْ هم في شَكٍّ مِنها؛ لِأنَّ حُرُوفَ العَطْفِ قَدْ تَتَناوَبُ، وكَفَّ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي أنَّ المَعْنى: أدَّرَكَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ أمْ شَكُّوا ؟ فَـ (بَلْ) بِمَعْنى أمْ، عُودِلَ بِها الهَمْزَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، وهو أنْ تَكُونَ بَلْ بِمَعْنى أمْ وتُعادِلُ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَمَن قَرَأ بَلى ادَّرَكَ ؟ (قُلْتُ): لَمّا جاءَ بِبَلى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ كانَ مَعْناهُ: بَلى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فُسِّرَ الشُّعُورُ بِقَوْلِهِ: ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ الَّذِي مَعْناهُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شُعُورُهم بِوَقْتِ الآخِرَةِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَها، فَيَرْجِعُ إلى المُبالَغَةِ في نَفْيِ الشُّعُورِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ. وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أدَّرَكَ ؟، عَلى الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناهُ: يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، وإذا أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِها؛ لِأنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ الكائِنِ تابِعٌ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الكائِنِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَذِهِ الإضْراباتُ الثَّلاثُ ما مَعْناهُ ؟ (قُلْتُ): ما هي إلّا تَنْزِيلٌ لِأحْوالِهِمْ، وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ، ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ فَلا يُزِيلُونَهُ، والإزالَةُ مُسْتَطاعَةٌ، وقَدْ جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ، فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِمَن دُونَ عَنْ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ والجَزاءَ هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ لا يَتَدَبَّرُونَ ولا يُبْصِرُونَ. انْتَهى.

النمل 27:61

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . (p-٨٨)لَمّا فَرَغَ مِن قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِحَمْدِهِ - تَعالى - والسَّلامِ عَلى المُصْطَفَيْنَ، وأخَذَ في مُبايَنَةِ واجِبِ الوُجُودِ اللَّهِ - تَعالى - ومُبايِنَةِ الأصْنامِ والأدْيانِ الَّتِي أشْرَكُوها مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوها. وابْتَدَأ في هَذا التَّقْرِيرِ لِقُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ بِالحَمْدَلَةِ، وكَأنَّها صَدْرُ خُطْبَةٍ لِما يُلْقِي مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ. وقَدِ اقْتَدى بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ في تَصانِيفَ كُتُبِهِمْ وخُطَبِهِمْ ووَعْظِهِمْ، فافْتَتَحُوا بِتَحْمِيدِ اللَّهِ، والصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ في أوائِلِ كُتُبِ الفُتُوحِ والتَّهانِي والحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَحْمِيدِ اللَّهِ عَلى هَلاكِ الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، والسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمُ النّاجِينَ. وقِيلَ: ”قُلِ“، خِطابٌ لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى هَلاكِ كُفّارِ قَوْمِهِ ﴿ويُسَلِّمُ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ . وعَزا هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلْفَرّاءِ، وقالَ: هَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ)، وكَذا: ”قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرَيْكم“ بِفَتْحِ اللّامِ، وعِبادُهُ المُصْطَفَوْنَ، يَعُمُّ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العِبادُ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اصْطَفاهم لِنَبِيِّهِ، وفي اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أحْوالَ الأنْبِياءِ، وأنَّ مَن كَذَّبَهُمُ اسْتُؤْصِلَ بِالعَذابِ، وأنَّ ذَلِكَ مُرْتَفِعٌ عَنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ، أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ عَلى ما خَصَّهُ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وتَسْلِيمِهِ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ. انْتَهى، وفِيهِ تَلْخِيصٌ. وقَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ تَبْكِيتٌ وتَوْبِيخٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ التَّبايُنِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ الأوْثانِ، إذْ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا شَرِكَةَ في الخَيْرِيَّةِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَهم، وكَثِيرًا ما يَجِيءُ هَذا النَّوْعُ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ يُعْلَمُ ويُتَحَقَّقُ أنَّهُ لا شَرِكَةَ فِيها وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ إلْزامِ الخَصْمِ وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَأِ مُرْتَكِبِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ هو عَنْ خَبَرِيَّةِ الذَّواتِ، فَقِيلَ: جاءَ عَلى اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ اعْتَقَدُوا في آلِهَتِهِمْ خَيْرًا بِوَجْهٍ ما، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ في مَوْضِعَيْنِ، التَّقْدِيرُ: أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما يُشْرِكُونَ ؟ فَما في أمْ ما بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والحَذْفُ مِنَ الأوَّلِ، أيْ أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ شِرْكُكم ؟ وقِيلَ: خَيْرٌ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، فَهي كَما تَقُولُ: الصَّلاةُ خَيْرٌ، يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الخُيُورِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ذُو خَيْرٍ. والظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وأنَّ الِاسْتِفْهامَ في نَحْوِ هَذا يَجِيءُ لِبَيانِ فَسادِ ما عَلَيْهِ الخَصْمُ، وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ، وإلْزامِهِ الإقْرارَ بِحَصْرِ التَّفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ، وانْتِفائِهِ عَنِ الآخَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تُشْرِكُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، (p-٨٩)وقَتادَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ. وأمْ في ”أمْ ما“ مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّ المَعْنى: أيُّهُما خَيْرٌ ؟ وفي (أمْ مَن خَلَقَ) وما بَعْدَهُ مُنْفَصِلَةٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَيْرًا، عَدَّدَ - سُبْحانَهُ - الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، تَوْقِيفًا لَهم عَلى ما أبْدَعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ بُدًّا مِنَ الإقْرارِ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”أمَّنْ خَلَقَ“، وفي الأرْبَعَةِ بَعْدَها بِشَدِّ المِيمِ، وهي مِيمُ أمْ أُدْغِمَتْ في مِيمِ مَن. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِتَخْفِيفِها جَعَلَها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى مَن، ومَن في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ: يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويَشُكُّ بِهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ، فَقَدَّرَ ما أُثْبِتَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ؛ بَدَأ أوَّلًا في الِاسْتِفْهامِ بِاسْمِ الذّاتِ، ثُمَّ انْتَقَلَ فِيهِ إلى الصِّفاتِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ: ولا بُدَّ مِن إضْمارِ جُمْلَةٍ مُعادِلَةٍ، وصارَ ذَلِكَ المُضْمَرُ كالمَنطُوقِ بِهِ لِدَلالَةِ الفَحْوى عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُ تِلْكَ الجُمْلَةِ: أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ كَمَن لَمْ يَخْلُقْ، وكَذَلِكَ أخَواتُها، وقَدْ أظْهَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما أضْمَرَ فِيها لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] . انْتَهى. وتَسْمِيَةُ هَذا المُقَدَّرِ جُمْلَةً، إنْ أرادَ بِها جُمْلَةً مِنَ الألْفاظِ فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ الجُمْلَةَ المُصْطَلَحَ عَلَيْها في النَّحْوِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مُضْمَرٌ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ. وبَدَأ - تَعالى - بِذِكْرِ إنْشاءِ مَقَرِّ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وإنْزالِ ما بِهِ قِوامُ العالَمِ السُّفْلِيِّ وقالَ: (لَكم) أيْ لِأجْلِكم، عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِكم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ دالًّا عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يُنْبِتْ تِلْكَ الحَدائِقَ المُخْتَلِفَةَ الأصْنافِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ بِماءٍ واحِدٍ إلّا هو - تَعالى. وقَدْ رُشِّحَ هَذا الِاخْتِصاصُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، لا شُبْهَةَ لِلْعاقِلِ في أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ، وكانَ الإنْباتُ مِمّا قَدْ يَتَسَبَّبُ فِيهِ الإنْسانُ بِالبَذْرِ والسَّقْيِ والتَّهْيِئَةِ، ويَسُوغُ لِفاعِلِ السَّبَبِ نِسْبَةُ فِعْلِ المُسَبَّبِ إلَيْهِ، بَيَّنَ - تَعالى - اخْتِصاصَهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وتَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ألا تَرى أنَّ المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ قَدْ لا يَأْتِي عَلى وفْقِ مُرادِهِ ؟ ولَوْ أتى فَهو جاهِلٌ بِطَبْعِهِ ومِقْدارِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَها ؟ والبَهْجَةُ: الجَمالُ والنُّضْرَةُ والحُسْنُ؛ لِأنَّ النّاظِرَ فِيها يَبْتَهِجُ، أيْ يُسَرُّ ويَفْرَحُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ذاتَ﴾ بِالإفْرادِ ﴿بَهْجَةٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وجَمْعُ التَّكْسِيرِ يَجْرِي في الوَصْفِ مَجْرى الواحِدَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وهو عَلى مَعْنى جَماعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ”ذَواتِ“، بِالجَمْعِ، بَهَجَةٍ بِتَحْرِيكِ الهاءِ بِالفَتْحِ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَفْيَ مِثْلِ هَذِهِ الكَيْنُونَةِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِهِ كَهَذا، أوْ لِامْتِناعِ وُقُوعِهِ شَرْعًا، أوْ لِنَفْيِ الأوْلَوِيَّةِ. والمَعْنى هُنا: أنَّ إنْباتَ ذَلِكَ مِنكم مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إبْرازُ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ، خاطَبَهم بِذَلِكَ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ ذَمَّهم، عَدَلَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إمّا التِفاتًا، وإمّا إخْبارًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِحالِهِمْ، أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ، أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا ومَثِيلًا. وقُرِئَ: إلَهًا، بِالنَّصْبِ، بِمَعْنى: أتَدْعُونَ أوْ أتَشْرَكُونَ ؟ وقُرِئَ: أإلَهٌ، بِتَخْفِيفِ الهَمْزَتَيْنِ وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، والفَصْلِ بَيْنَهُما بِألِفٍ. ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُنْشِئُ السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإنْباتُ الحَدائِقِ بِالأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُخْتَصًّا بِالأرْضِ، وهو جَعْلُها قَرارًا، أيْ مُسْتَقَرًّا لَكم، بِحَيْثُ يُمْكِنُكُمُ الإقامَةُ بِها والِاسْتِقْرارُ عَلَيْها، ولا يُدِيرُها الفَلَكُ، قِيلَ: لِأنَّها مُضْمَحِلَّةٌ في جَنْبِ الفَلَكِ، كالنُّقْطَةِ في الرَّحى. ﴿وجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ بَيْنَ أماكِنِها، في شِعابِها وأوْدِيَتِها ﴿أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ حَتّى لا تَتَكَفَّأ بِكم وتَمِيدَ. والبَحْرانِ: العَذْبُ والمِلْحُ، والحاجِزُ: الفاصِلُ، مِن قُدْرَتِهِ - تَعالى -، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَحْرُ السَّماءِ (p-٩٠)والأرْضِ، والحاجِزُ مِنَ الهَواءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومُ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَحْرُ العِراقِ والشّامِ، والحاجِزُ مِنَ الأرْضِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُخْتارًا لِهَذا القَوْلِ في الحاجِزِ: هو ما جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن حَواجِزِ الأرْضِ ومَوانِعِها، عَلى رِقَّتِها في بَعْضِ المَواضِعِ، ولَطافَتِها الَّتِي لَوْلا قُدْرَتُهُ لَبَلَعَ المِلْحُ العَذْبَ. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ البَحْرَينِ: العَذْبُ بِجُمْلَتِهِ، والماءُ الأُجاجُ بِجُمْلَتِهِ؛ ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُ عَظِيمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، تَكَرَّرَ فِيها العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ﴾ فَكانَتْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ المُسْتَقِلِّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها بِالِامْتِنانِ، ولَمْ يُشْرَكْ في عامِلٍ واحِدٍ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ في ذِكْرِ هَذِهِ الِامْتِناناتِ الأرْبَعِ كَلامٌ مِن عِلْمِ الطَّبِيعَةِ - والحُكَماءِ عَلى زَعْمِهِ - خارِجٌ عَنْ مَذاهِبِ العَرَبِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. والمُضْطَرُّ: اسْمُ مَفْعُولٍ، وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ حادِثٌ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ إلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ لِكَشْفِ ما اعْتَراهُ مِن ذَلِكَ وإزالَتِهِ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَجْهُودُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو الَّذِي لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، وإجابَتُهُ إيّاهُ مَقْرُونَةٌ بِمَشِيئَتِهِ - تَعالى - فَلَيْسَ كُلُّ مُضْطَرٍّ دَعا يُجِيبُهُ اللَّهُ في كَشْفِ ما بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإجابَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ بِهِ مَصْلَحَةً، ولِهَذا لا يَحْسُنُ الدُّعاءُ إلّا شارِطًا فِيهِ المَصْلَحَةَ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في مُراعاةِ المُصْلِحَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ هو كُلُّ ما يَسُوءُ، وهو عامٌّ في كُلِّ ضُرٍّ انْتَقَلَ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ، وهو خاصٌّ إلى أعَمَّ، وهو ما يَسُوءُ، سَواءٌ كانَ المَكْشُوفُ عَنْهُ في حالَةِ الِاضْطِرارِ أوْ فِيما دُونَها. وخُلَفاءَ: أيِ الأُمَمَ السّالِفَةَ، أوْ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ خُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَعْدِهِ، أوْ خُلَفاءَ الكُفّارِ في أرْضِهِمْ، أوِ المُلْكِ والتَّسَلُّطِ، أقْوالٌ. وقَرَأ الحَسَنُ في رِوايَةِ: ”ونَجْعَلُكم“ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ، كَأنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ ووَعْدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] . وقَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلَكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ انْتِقالٌ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ إلى رُتْبَةٍ مُغايِرَةٍ لِحالَةِ الِاضْطِرارِ، وهي حالَةُ الخِلافَةِ، فَهُما ظَرْفانِ. وكَمْ رَأيْنا في الدُّنْيا مِمَّنْ بَلَغَ حالَةَ الِاضْطِرارِ ثُمَّ صارَ مَلِكًا مُتَسَلِّطًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَذَكَّرُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ، والذّالُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدِّدَةٌ لِإدْغامِ التّاءِ فِيها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تَتَذَكَّرُونَ، بِتاءَيْنِ. وظُلْمَةُ البَرِّ هي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وهي الحَقِيقَةُ، وتَنْطَلِقُ مَجازًا عَلى الجَهْلِ وعَلى انْبِهامِ الأمْرِ فَيُقالُ: أظْلَمَ عَلَيَّ الأمْرُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَجَلَّتْ عَمَـايَـاتُ الرِّجَـالِ عَـنِ الصِّبَـا أيْ جَهالاتِ الصِّبا. وهِدايَةُ البَرِّ تَكُونُ بِالعَلاماتِ، وهِدايَةُ البَحْرِ بِالنُّجُومِ. ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقُرِئَ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخَلْقَ هو المَخْلُوقُ، وبَدْؤُهُ: اخْتِراعُهُ وإنْشاؤُهُ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقْصُودَ هو مَن يُعِيدُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلَكِ، لا عُمُومَ المَخْلُوقِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرُ الإعادَةِ، والإعادَةُ البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالخَلْقِ مَصْدَرَ خَلَقَ، ويَكُونُ يَبْدَأُ ويُعِيدُ اسْتِعارَةً لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا إذا كانَ يُتْقِنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ لَهم أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم مُنْكِرُونَ الإعادَةَ ؟ (قُلْتُ): قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّمْكِينِ مِنَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ إيجادُ بَنِي آدَمَ إنْعامًا إلَيْهِمْ وإحْسانًا، ولا تَتِمُّ النِّعْمَةُ إلّا بِالرِّزْقِ قالَ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ بِالمَطَرِ ﴿والأرْضِ﴾ بِالنَّباتِ ؟ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ أحْضِرُوا حُجَّتَكم ودَلِيلَكم عَلى ما تَدَّعُونَ مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ. فَأيْنَ دَلِيلُكم عَلَيْهِ ؟ وهَذا راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وناسَبَ خَتْمَ كُلِّ اسْتِفْهامٍ بِما تَقَدَّمَهُ. (p-٩١)لَمّا ذَكَرَ إيجادَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وما امْتَنَّ بِهِ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإنْباتِ الحَدائِقِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يُعْبَدَ إلّا مُوجِدُ العالَمِ والمُمْتَنُّ بِما بِهِ قِوامُ الحَياةِ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمّا هو مَخْلُوقٌ مُخْتَرَعٌ. ولَمّا ذَكَرَ جَعْلَ الأرْضِ مُسْتَقَرًّا، وتَفْجِيرَ الأنْهارِ، وإرْساءَ الجِبالِ، وكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى تَعَقُّلِ ذَلِكَ والفِكْرِ فِيهِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ويُفَكِّرُ في ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ، وكَشْفَ السُّوءِ، واسْتِخْلافَهم في الأرْضِ، ناسَبَ أنْ يَسْتَحْضِرَ الإنْسانُ دائِمًا هَذِهِ المِنَّةَ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ”﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾“، إشارَةً إلى تَوالِي النِّسْيانِ إذا صارَ في خَيْرٍ وزالَ اضْطِرارُهُ وكَشْفِ السُّوءِ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] . ولَمّا ذَكَرَ الهِدايَةَ في الظُّلُماتِ، وإرْسالَ الرِّياحِ نُشُرًا، ومَعْبُوداتُهم لا تَهْدِي ولا تُرْسِلُ، وهم يُشْرِكُونَ بِها اللَّهَ، قالَ - تَعالى -: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . واعْتَقَبَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ قَوْلَهُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والتَّقْرِيرِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تَعالى. قِيلَ: سَألَ الكُفّارَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي وعَدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وألَحُّوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ. والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَن فاعِلٌ بِـ ”يَعْلَمُ“، و”الغَيْبَ“ مَفْعُولٌ، و”إلّا اللَّهُ“ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ انْدِراجِهِ في مَدْلُولِ لَفْظِ مَن، وجاءَ مَرْفُوعًا عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ ما في غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ ولا يُقالُ: إنَّهُ مُنْدَرِجٌ في مَدْلُولِ مَن، فَيَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا لِلْمَخْلُوقِينَ فِيهِما، ومَجازِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، أيْ هو فِيها بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وإنْكارُهُ هو الصَّحِيحُ. ومَن أجازَ ذَلِكَ فَيَصِحُّ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، وارْتَفَعَ عَلى البَدَلِ أوِ الصِّفَةِ، والرَّفْعُ أفْصَحُ مِنَ النَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن نَفْيٍ مُتَقَدِّمٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الغَيْبِ. وقِيلَ: المُرادُ غَيْبُ السّاعَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الدّاعِي إلى اخْتِيارِ المَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ عَلى الحِجازِيِّ ؟ يَعْنِي في كَوْنِهِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ لَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ”مَن“، ولَمْ أخْتَرِ الرَّفْعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ولَمْ نَخْتَرِ النَّصْبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، قالَ: (قُلْتُ): دَعَتْ إلى ذَلِكَ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ، حَيْثُ أخْرَجَ المُسْتَثْنى مُخْرَجَ قَوْلِهِ: إلّا اليَعافِيرُ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيْسَ بِها أنِيسٌ، لِيَئُولَ المَعْنى إلى قَوْلِكَ: إنْ كانَ اللَّهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، يَعْنِي أنَّ عِلْمَهُمُ الغَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ كاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِنهم. كَما أنَّ مَعْنى: ما في البَيْتِ إنْ كانَتِ اليَعافِيرُ أنِيسًا، فَفِيها أنِيسٌ بِناءً لِلْقَوْلِ بِخُلُوِّها عَنِ الأنِيسِ. انْتَهى. وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أرْفَعُ اسْمَ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ ؟ (قُلْتُ): جاءَ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ يَقُولُونَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، كَأنَّ أحَدًا لَمْ يُذْكَرْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ∗∗∗ ولا النِّبْلُ إلّا المَشْرِفِيُّ المُصَمَّمُ وقَوْلُهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ يَقُولُ: لَوْ نُصِبَ لَكانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإذا رُفِعَ كانَ بَدَلًا، والمُبْدَلُ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، فَصارَ العامِلُ كَأنَّهُ مُفَرِّغٌ لَهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. ولَوْ أعْرَبَ ”مَن“ مَفْعُولًا، و”الغَيْبَ“ بَدَلٌ مِنهُ، وإلّا اللَّهُ هو الفاعِلُ، أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، أيِ الأشْياءَ الغائِبَةَ الَّتِي تَحْدُثُ في العالَمِ، وهم لا يَعْلَمُونَ بِحُدُوثِها، أيْ لا يَسْبِقُ عِلْمَهم بِذَلِكَ، لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، وكانَ اللَّهُ - تَعالى - هو المَخْصُوصُ بِسابِقِ عِلْمِهِ فِيما يَحْدُثُ في العالَمِ. وأيّانَ: تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها في أواخِرِ الأعْرافِ، وهي هُنا اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى مَتى، وهي مَعْمُولَةٌ لِـ ”يَبْعَثُونَ“ و”يُشْعِرُونَ“ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها (p-٩٢)اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: إيّانَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَبِيلَتِهِ بَنِي سُلَيْمٍ. ولَمّا نَفى عِلْمَ الغَيْبِ عَنْهم عَلى العُمُومِ، نَفى عَنْهم هَذا الغَيْبَ المَخْصُوصَ، وهو وقْتُ السّاعَةِ والبَعْثِ، فَصارَ مُنْتَفِيًا مَرَّتَيْنِ؛ إذْ هو مُنْدَرِجٌ في عُمُومِ الغَيْبِ ومَنصُوصٌ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَسُكِّنَتْ، فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أمْ تَدارَكَ، عَلى الأصْلِ، وجَعَلَ أمْ بَدَلَ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ أخُوهُ: بَلِ ادَّرَكَ، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ، وشَدِّ الدّالِ بِناءً عَلى أنْ وزَنَهُ افْتَعَلَ، فَأدْغَمَ الدّالَ، وهي فاءُ الكَلِمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا، فَصارَ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِقَوْلِهِمْ: اثَّرَدَ، وأصْلُهُ اثْتَرَدَ مِنَ الثَّرْدِ، والهَمْزَةُ المَحْذُوفَةُ المَنقُولُ حَرَكَتُها إلى اللّامِ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ فانْحَذَفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ثُمَّ انْحَذَفَتْ هي وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ بَلْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ، وتَوْبَةُ العَنْبَرِيُّ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا لامَ بَلْ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: بَلِ ادَّرَكَ، عَلى وزْنِ افَّعَلَ، بِمَعْنى تَفاعَلَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي جَمْرَةَ، وغَيْرُهُ عَنْهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بَلْ آدْرَكَ، بِمَدَّةٍ بَعْدِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ أأدْرَكَ، فَقَلَبَ الثّانِيَةَ ألِفًا تَخْفِيفًا، كَراهَةَ الجَمْعِ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ الرِّوايَةَ ووَجْهَها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ بَلْ؛ لِأنَّ بَلْ إيجابٌ، والِاسْتِفْهامُ في هَذا المَوْضِعِ إنْكارٌ بِمَعْنى: لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أيْ لَمْ يَشْهَدُوا، فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُما مَعًا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإيجابِ والإنْكارِ. انْتَهى. وقَدْ أجازَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ الِاسْتِفْهامَ بَعْدَ بَلْ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ القائِلِ: أخُبْزًا أكَلْتَ بَلْ أماءً شَرِبْتَ ؟ عَلى تَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الثّانِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ: أمِ ادَّرَكَ، جَعَلَ أمْ بَدَلَ بَلْ، وادَّرَكَ عَلى وزْنِ افَّعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلْ آدّارَكَ، بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى ادّارَكَ، فَيُسْقِطُ هَمْزَةَ الوَصْلِ المُجْتَلَبَةَ، لِأجْلِ الإدْغامِ والنُّطْقِ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: بَلْ أأدَّرَكَ، بِهَمْزَتَيْنِ، هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أفَّعَلَ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، والأعْرَجُ: بَلْ أدَّرَكَ، بِهَمْزَةٍ وإدْغامِ فاءِ الكَلِمَةِ، وهي الدّالُ في تاءِ افْتَعَلَ، بَعْدَ صَيْرُورَةِ التّاءِ دالًا. وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةٍ: بَلِ ادَّرَكَ، بِحَذْفِ هَمْزَةِ ادَّرَكَ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلى ادَّرَكَ، بِحَرْفِ الإيجابِ الَّذِي يُوجَبُ بِهِ المُسْتَفْهَمُ المَنفِيُّ. وقُرِئَ: بَلْ آأدَّرَكَ، بِألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ. فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلتَّقْرِيعِ بِمَعْنى لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهِمْ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أمِ ادَّرَكَ، وأمْ تَدارَكَ؛ لِأنَّها أمِ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ والتَّقْرِيرِ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عَنْهم، أيْ أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمُهم. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: بَلْ تَدارَكَ عِلْمُهم ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، أيْ عَلِمُوهُ في الآخِرَةِ، بِمَعْنى: تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بِأنَّ كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ حَقٌّ، وهَذا حَقِيقَةُ إثْباتِ العِلْمِ لَهم، لِمُشاهَدَتِهِمْ عَيانًا في الآخِرَةِ ما وُعِدُوا بِهِ غَيْبًا في الدُّنْيا، وكَوْنُهُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ومَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ، لِأنَّ الإخْبارَ بِهِ صِدْقٌ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَناهِي عِلْمِهِمْ، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَّباتُ وغَيْرُهُ، أيْ تَناهى وتَتابَعَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ؛ أوْ إلى أنْ لا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وتَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، وقَدْ تَعَدّى العِلْمُ بِالباءِ، كَما تَقُولُ: عِلْمِي بِزَيْدٍ كَذا، ويَسُوغُ حَمْلَ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى مَعْنى التَّوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ، وجاءَ إنْكارًا لِأنَّهم لَمْ يُدْرِكُوا شَيْئًا نافِعًا. والثّانِي: أنَّ أدْرَكَ: بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ (p-٩٣)عِلْمُهم في الآخِرَةِ يُدْرَكُ وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوْنَ العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُّنْيا فَلا. وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَحا إلَيْهِ الزَّجّاجُ، و”في“ عَلى بابِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَدارَكَ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ وزِيادَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِهِ وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في جُمْلَتِهِمْ نَسَبَ فِعْلَهم إلى الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ ناسٌ مِنهم. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ وصْفَهم بِاسْتِحْكامِهِ وتَكامُلِهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ، عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِ، وذَلِكَ حَيْثُ شَكُّوا وعَمُوا عَنْ إتْيانِهِ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى عِلْمٍ مَشْكُوكٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ كَوْنِهِ الَّذِي لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ. وفي ادَّرَكَ عِلْمُهم وادّارَكَ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ادَّرَكَ بِمَعْنى انْتَهى وفَنِيَ، مِن قَوْلِهِمْ: ادَّرَكَتِ الثَّمَرَةُ؛ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ. وقَدْ فَسَّرَ الحَسَنُ بِاضْمَحَلَّ عِلْمُهم وتَدارَكَ، مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ. انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: العِلْمُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ والقَوْلِ، أيْ تَتابَعَ مِنهُمُ القَوْلُ والحُكْمُ في الآخِرَةِ، وكَثُرَ مِنهُمُ الخَوْضُ فِيها، فَنَفاها بَعْضُهم، وشَكَّ فِيها بَعْضُهم، واسْتَبْعَدَها بَعْضُهم. وقالَ الفَرّاءُ: بَلِ ادَّرَكَ، فَيَصِيرُ بِمَعْنى الجَحْدِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ؛ أيْ لَمْ يَعْلَمُوا حُدُوثَها وكَوْنَها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ فَصارَتْ ”في“ في الكَلامِ بِمَعْنى الباءِ، أيْ لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أدَّرَكَ، بِالِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بَلى بِحَرْفِ الجَوابِ بَدَلَ بَلْ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: إنْ كانَ بَلى جَوابًا لِكَلامٍ تَقَدَّمَ، جازَ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِهِ، كَأنَّ قَوْمًا أنْكَرُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ القُدْرَةِ، فَقِيلَ لَهم: بَلى إيجابًا لَمّا نَفَوْا ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامُ وعُودِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ بِمَعْنى: أمْ هم في شَكٍّ مِنها؛ لِأنَّ حُرُوفَ العَطْفِ قَدْ تَتَناوَبُ، وكَفَّ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي أنَّ المَعْنى: أدَّرَكَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ أمْ شَكُّوا ؟ فَـ (بَلْ) بِمَعْنى أمْ، عُودِلَ بِها الهَمْزَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، وهو أنْ تَكُونَ بَلْ بِمَعْنى أمْ وتُعادِلُ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَمَن قَرَأ بَلى ادَّرَكَ ؟ (قُلْتُ): لَمّا جاءَ بِبَلى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ كانَ مَعْناهُ: بَلى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فُسِّرَ الشُّعُورُ بِقَوْلِهِ: ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ الَّذِي مَعْناهُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شُعُورُهم بِوَقْتِ الآخِرَةِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَها، فَيَرْجِعُ إلى المُبالَغَةِ في نَفْيِ الشُّعُورِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ. وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أدَّرَكَ ؟، عَلى الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناهُ: يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، وإذا أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِها؛ لِأنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ الكائِنِ تابِعٌ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الكائِنِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَذِهِ الإضْراباتُ الثَّلاثُ ما مَعْناهُ ؟ (قُلْتُ): ما هي إلّا تَنْزِيلٌ لِأحْوالِهِمْ، وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ، ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ فَلا يُزِيلُونَهُ، والإزالَةُ مُسْتَطاعَةٌ، وقَدْ جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ، فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِمَن دُونَ عَنْ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ والجَزاءَ هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ لا يَتَدَبَّرُونَ ولا يُبْصِرُونَ. انْتَهى.

النمل 27:62

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . (p-٨٨)لَمّا فَرَغَ مِن قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِحَمْدِهِ - تَعالى - والسَّلامِ عَلى المُصْطَفَيْنَ، وأخَذَ في مُبايَنَةِ واجِبِ الوُجُودِ اللَّهِ - تَعالى - ومُبايِنَةِ الأصْنامِ والأدْيانِ الَّتِي أشْرَكُوها مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوها. وابْتَدَأ في هَذا التَّقْرِيرِ لِقُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ بِالحَمْدَلَةِ، وكَأنَّها صَدْرُ خُطْبَةٍ لِما يُلْقِي مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ. وقَدِ اقْتَدى بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ في تَصانِيفَ كُتُبِهِمْ وخُطَبِهِمْ ووَعْظِهِمْ، فافْتَتَحُوا بِتَحْمِيدِ اللَّهِ، والصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ في أوائِلِ كُتُبِ الفُتُوحِ والتَّهانِي والحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَحْمِيدِ اللَّهِ عَلى هَلاكِ الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، والسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمُ النّاجِينَ. وقِيلَ: ”قُلِ“، خِطابٌ لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى هَلاكِ كُفّارِ قَوْمِهِ ﴿ويُسَلِّمُ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ . وعَزا هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلْفَرّاءِ، وقالَ: هَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ)، وكَذا: ”قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرَيْكم“ بِفَتْحِ اللّامِ، وعِبادُهُ المُصْطَفَوْنَ، يَعُمُّ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العِبادُ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اصْطَفاهم لِنَبِيِّهِ، وفي اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أحْوالَ الأنْبِياءِ، وأنَّ مَن كَذَّبَهُمُ اسْتُؤْصِلَ بِالعَذابِ، وأنَّ ذَلِكَ مُرْتَفِعٌ عَنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ، أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ عَلى ما خَصَّهُ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وتَسْلِيمِهِ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ. انْتَهى، وفِيهِ تَلْخِيصٌ. وقَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ تَبْكِيتٌ وتَوْبِيخٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ التَّبايُنِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ الأوْثانِ، إذْ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا شَرِكَةَ في الخَيْرِيَّةِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَهم، وكَثِيرًا ما يَجِيءُ هَذا النَّوْعُ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ يُعْلَمُ ويُتَحَقَّقُ أنَّهُ لا شَرِكَةَ فِيها وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ إلْزامِ الخَصْمِ وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَأِ مُرْتَكِبِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ هو عَنْ خَبَرِيَّةِ الذَّواتِ، فَقِيلَ: جاءَ عَلى اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ اعْتَقَدُوا في آلِهَتِهِمْ خَيْرًا بِوَجْهٍ ما، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ في مَوْضِعَيْنِ، التَّقْدِيرُ: أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما يُشْرِكُونَ ؟ فَما في أمْ ما بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والحَذْفُ مِنَ الأوَّلِ، أيْ أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ شِرْكُكم ؟ وقِيلَ: خَيْرٌ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، فَهي كَما تَقُولُ: الصَّلاةُ خَيْرٌ، يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الخُيُورِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ذُو خَيْرٍ. والظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وأنَّ الِاسْتِفْهامَ في نَحْوِ هَذا يَجِيءُ لِبَيانِ فَسادِ ما عَلَيْهِ الخَصْمُ، وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ، وإلْزامِهِ الإقْرارَ بِحَصْرِ التَّفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ، وانْتِفائِهِ عَنِ الآخَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تُشْرِكُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، (p-٨٩)وقَتادَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ. وأمْ في ”أمْ ما“ مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّ المَعْنى: أيُّهُما خَيْرٌ ؟ وفي (أمْ مَن خَلَقَ) وما بَعْدَهُ مُنْفَصِلَةٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَيْرًا، عَدَّدَ - سُبْحانَهُ - الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، تَوْقِيفًا لَهم عَلى ما أبْدَعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ بُدًّا مِنَ الإقْرارِ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”أمَّنْ خَلَقَ“، وفي الأرْبَعَةِ بَعْدَها بِشَدِّ المِيمِ، وهي مِيمُ أمْ أُدْغِمَتْ في مِيمِ مَن. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِتَخْفِيفِها جَعَلَها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى مَن، ومَن في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ: يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويَشُكُّ بِهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ، فَقَدَّرَ ما أُثْبِتَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ؛ بَدَأ أوَّلًا في الِاسْتِفْهامِ بِاسْمِ الذّاتِ، ثُمَّ انْتَقَلَ فِيهِ إلى الصِّفاتِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ: ولا بُدَّ مِن إضْمارِ جُمْلَةٍ مُعادِلَةٍ، وصارَ ذَلِكَ المُضْمَرُ كالمَنطُوقِ بِهِ لِدَلالَةِ الفَحْوى عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُ تِلْكَ الجُمْلَةِ: أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ كَمَن لَمْ يَخْلُقْ، وكَذَلِكَ أخَواتُها، وقَدْ أظْهَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما أضْمَرَ فِيها لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] . انْتَهى. وتَسْمِيَةُ هَذا المُقَدَّرِ جُمْلَةً، إنْ أرادَ بِها جُمْلَةً مِنَ الألْفاظِ فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ الجُمْلَةَ المُصْطَلَحَ عَلَيْها في النَّحْوِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مُضْمَرٌ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ. وبَدَأ - تَعالى - بِذِكْرِ إنْشاءِ مَقَرِّ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وإنْزالِ ما بِهِ قِوامُ العالَمِ السُّفْلِيِّ وقالَ: (لَكم) أيْ لِأجْلِكم، عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِكم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ دالًّا عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يُنْبِتْ تِلْكَ الحَدائِقَ المُخْتَلِفَةَ الأصْنافِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ بِماءٍ واحِدٍ إلّا هو - تَعالى. وقَدْ رُشِّحَ هَذا الِاخْتِصاصُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، لا شُبْهَةَ لِلْعاقِلِ في أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ، وكانَ الإنْباتُ مِمّا قَدْ يَتَسَبَّبُ فِيهِ الإنْسانُ بِالبَذْرِ والسَّقْيِ والتَّهْيِئَةِ، ويَسُوغُ لِفاعِلِ السَّبَبِ نِسْبَةُ فِعْلِ المُسَبَّبِ إلَيْهِ، بَيَّنَ - تَعالى - اخْتِصاصَهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وتَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ألا تَرى أنَّ المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ قَدْ لا يَأْتِي عَلى وفْقِ مُرادِهِ ؟ ولَوْ أتى فَهو جاهِلٌ بِطَبْعِهِ ومِقْدارِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَها ؟ والبَهْجَةُ: الجَمالُ والنُّضْرَةُ والحُسْنُ؛ لِأنَّ النّاظِرَ فِيها يَبْتَهِجُ، أيْ يُسَرُّ ويَفْرَحُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ذاتَ﴾ بِالإفْرادِ ﴿بَهْجَةٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وجَمْعُ التَّكْسِيرِ يَجْرِي في الوَصْفِ مَجْرى الواحِدَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وهو عَلى مَعْنى جَماعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ”ذَواتِ“، بِالجَمْعِ، بَهَجَةٍ بِتَحْرِيكِ الهاءِ بِالفَتْحِ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَفْيَ مِثْلِ هَذِهِ الكَيْنُونَةِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِهِ كَهَذا، أوْ لِامْتِناعِ وُقُوعِهِ شَرْعًا، أوْ لِنَفْيِ الأوْلَوِيَّةِ. والمَعْنى هُنا: أنَّ إنْباتَ ذَلِكَ مِنكم مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إبْرازُ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ، خاطَبَهم بِذَلِكَ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ ذَمَّهم، عَدَلَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إمّا التِفاتًا، وإمّا إخْبارًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِحالِهِمْ، أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ، أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا ومَثِيلًا. وقُرِئَ: إلَهًا، بِالنَّصْبِ، بِمَعْنى: أتَدْعُونَ أوْ أتَشْرَكُونَ ؟ وقُرِئَ: أإلَهٌ، بِتَخْفِيفِ الهَمْزَتَيْنِ وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، والفَصْلِ بَيْنَهُما بِألِفٍ. ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُنْشِئُ السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإنْباتُ الحَدائِقِ بِالأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُخْتَصًّا بِالأرْضِ، وهو جَعْلُها قَرارًا، أيْ مُسْتَقَرًّا لَكم، بِحَيْثُ يُمْكِنُكُمُ الإقامَةُ بِها والِاسْتِقْرارُ عَلَيْها، ولا يُدِيرُها الفَلَكُ، قِيلَ: لِأنَّها مُضْمَحِلَّةٌ في جَنْبِ الفَلَكِ، كالنُّقْطَةِ في الرَّحى. ﴿وجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ بَيْنَ أماكِنِها، في شِعابِها وأوْدِيَتِها ﴿أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ حَتّى لا تَتَكَفَّأ بِكم وتَمِيدَ. والبَحْرانِ: العَذْبُ والمِلْحُ، والحاجِزُ: الفاصِلُ، مِن قُدْرَتِهِ - تَعالى -، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَحْرُ السَّماءِ (p-٩٠)والأرْضِ، والحاجِزُ مِنَ الهَواءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومُ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَحْرُ العِراقِ والشّامِ، والحاجِزُ مِنَ الأرْضِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُخْتارًا لِهَذا القَوْلِ في الحاجِزِ: هو ما جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن حَواجِزِ الأرْضِ ومَوانِعِها، عَلى رِقَّتِها في بَعْضِ المَواضِعِ، ولَطافَتِها الَّتِي لَوْلا قُدْرَتُهُ لَبَلَعَ المِلْحُ العَذْبَ. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ البَحْرَينِ: العَذْبُ بِجُمْلَتِهِ، والماءُ الأُجاجُ بِجُمْلَتِهِ؛ ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُ عَظِيمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، تَكَرَّرَ فِيها العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ﴾ فَكانَتْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ المُسْتَقِلِّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها بِالِامْتِنانِ، ولَمْ يُشْرَكْ في عامِلٍ واحِدٍ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ في ذِكْرِ هَذِهِ الِامْتِناناتِ الأرْبَعِ كَلامٌ مِن عِلْمِ الطَّبِيعَةِ - والحُكَماءِ عَلى زَعْمِهِ - خارِجٌ عَنْ مَذاهِبِ العَرَبِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. والمُضْطَرُّ: اسْمُ مَفْعُولٍ، وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ حادِثٌ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ إلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ لِكَشْفِ ما اعْتَراهُ مِن ذَلِكَ وإزالَتِهِ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَجْهُودُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو الَّذِي لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، وإجابَتُهُ إيّاهُ مَقْرُونَةٌ بِمَشِيئَتِهِ - تَعالى - فَلَيْسَ كُلُّ مُضْطَرٍّ دَعا يُجِيبُهُ اللَّهُ في كَشْفِ ما بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإجابَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ بِهِ مَصْلَحَةً، ولِهَذا لا يَحْسُنُ الدُّعاءُ إلّا شارِطًا فِيهِ المَصْلَحَةَ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في مُراعاةِ المُصْلِحَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ هو كُلُّ ما يَسُوءُ، وهو عامٌّ في كُلِّ ضُرٍّ انْتَقَلَ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ، وهو خاصٌّ إلى أعَمَّ، وهو ما يَسُوءُ، سَواءٌ كانَ المَكْشُوفُ عَنْهُ في حالَةِ الِاضْطِرارِ أوْ فِيما دُونَها. وخُلَفاءَ: أيِ الأُمَمَ السّالِفَةَ، أوْ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ خُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَعْدِهِ، أوْ خُلَفاءَ الكُفّارِ في أرْضِهِمْ، أوِ المُلْكِ والتَّسَلُّطِ، أقْوالٌ. وقَرَأ الحَسَنُ في رِوايَةِ: ”ونَجْعَلُكم“ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ، كَأنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ ووَعْدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] . وقَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلَكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ انْتِقالٌ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ إلى رُتْبَةٍ مُغايِرَةٍ لِحالَةِ الِاضْطِرارِ، وهي حالَةُ الخِلافَةِ، فَهُما ظَرْفانِ. وكَمْ رَأيْنا في الدُّنْيا مِمَّنْ بَلَغَ حالَةَ الِاضْطِرارِ ثُمَّ صارَ مَلِكًا مُتَسَلِّطًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَذَكَّرُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ، والذّالُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدِّدَةٌ لِإدْغامِ التّاءِ فِيها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تَتَذَكَّرُونَ، بِتاءَيْنِ. وظُلْمَةُ البَرِّ هي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وهي الحَقِيقَةُ، وتَنْطَلِقُ مَجازًا عَلى الجَهْلِ وعَلى انْبِهامِ الأمْرِ فَيُقالُ: أظْلَمَ عَلَيَّ الأمْرُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَجَلَّتْ عَمَـايَـاتُ الرِّجَـالِ عَـنِ الصِّبَـا أيْ جَهالاتِ الصِّبا. وهِدايَةُ البَرِّ تَكُونُ بِالعَلاماتِ، وهِدايَةُ البَحْرِ بِالنُّجُومِ. ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقُرِئَ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخَلْقَ هو المَخْلُوقُ، وبَدْؤُهُ: اخْتِراعُهُ وإنْشاؤُهُ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقْصُودَ هو مَن يُعِيدُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلَكِ، لا عُمُومَ المَخْلُوقِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرُ الإعادَةِ، والإعادَةُ البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالخَلْقِ مَصْدَرَ خَلَقَ، ويَكُونُ يَبْدَأُ ويُعِيدُ اسْتِعارَةً لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا إذا كانَ يُتْقِنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ لَهم أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم مُنْكِرُونَ الإعادَةَ ؟ (قُلْتُ): قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّمْكِينِ مِنَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ إيجادُ بَنِي آدَمَ إنْعامًا إلَيْهِمْ وإحْسانًا، ولا تَتِمُّ النِّعْمَةُ إلّا بِالرِّزْقِ قالَ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ بِالمَطَرِ ﴿والأرْضِ﴾ بِالنَّباتِ ؟ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ أحْضِرُوا حُجَّتَكم ودَلِيلَكم عَلى ما تَدَّعُونَ مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ. فَأيْنَ دَلِيلُكم عَلَيْهِ ؟ وهَذا راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وناسَبَ خَتْمَ كُلِّ اسْتِفْهامٍ بِما تَقَدَّمَهُ. (p-٩١)لَمّا ذَكَرَ إيجادَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وما امْتَنَّ بِهِ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإنْباتِ الحَدائِقِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يُعْبَدَ إلّا مُوجِدُ العالَمِ والمُمْتَنُّ بِما بِهِ قِوامُ الحَياةِ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمّا هو مَخْلُوقٌ مُخْتَرَعٌ. ولَمّا ذَكَرَ جَعْلَ الأرْضِ مُسْتَقَرًّا، وتَفْجِيرَ الأنْهارِ، وإرْساءَ الجِبالِ، وكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى تَعَقُّلِ ذَلِكَ والفِكْرِ فِيهِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ويُفَكِّرُ في ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ، وكَشْفَ السُّوءِ، واسْتِخْلافَهم في الأرْضِ، ناسَبَ أنْ يَسْتَحْضِرَ الإنْسانُ دائِمًا هَذِهِ المِنَّةَ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ”﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾“، إشارَةً إلى تَوالِي النِّسْيانِ إذا صارَ في خَيْرٍ وزالَ اضْطِرارُهُ وكَشْفِ السُّوءِ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] . ولَمّا ذَكَرَ الهِدايَةَ في الظُّلُماتِ، وإرْسالَ الرِّياحِ نُشُرًا، ومَعْبُوداتُهم لا تَهْدِي ولا تُرْسِلُ، وهم يُشْرِكُونَ بِها اللَّهَ، قالَ - تَعالى -: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . واعْتَقَبَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ قَوْلَهُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والتَّقْرِيرِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تَعالى. قِيلَ: سَألَ الكُفّارَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي وعَدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وألَحُّوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ. والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَن فاعِلٌ بِـ ”يَعْلَمُ“، و”الغَيْبَ“ مَفْعُولٌ، و”إلّا اللَّهُ“ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ انْدِراجِهِ في مَدْلُولِ لَفْظِ مَن، وجاءَ مَرْفُوعًا عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ ما في غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ ولا يُقالُ: إنَّهُ مُنْدَرِجٌ في مَدْلُولِ مَن، فَيَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا لِلْمَخْلُوقِينَ فِيهِما، ومَجازِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، أيْ هو فِيها بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وإنْكارُهُ هو الصَّحِيحُ. ومَن أجازَ ذَلِكَ فَيَصِحُّ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، وارْتَفَعَ عَلى البَدَلِ أوِ الصِّفَةِ، والرَّفْعُ أفْصَحُ مِنَ النَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن نَفْيٍ مُتَقَدِّمٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الغَيْبِ. وقِيلَ: المُرادُ غَيْبُ السّاعَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الدّاعِي إلى اخْتِيارِ المَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ عَلى الحِجازِيِّ ؟ يَعْنِي في كَوْنِهِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ لَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ”مَن“، ولَمْ أخْتَرِ الرَّفْعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ولَمْ نَخْتَرِ النَّصْبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، قالَ: (قُلْتُ): دَعَتْ إلى ذَلِكَ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ، حَيْثُ أخْرَجَ المُسْتَثْنى مُخْرَجَ قَوْلِهِ: إلّا اليَعافِيرُ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيْسَ بِها أنِيسٌ، لِيَئُولَ المَعْنى إلى قَوْلِكَ: إنْ كانَ اللَّهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، يَعْنِي أنَّ عِلْمَهُمُ الغَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ كاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِنهم. كَما أنَّ مَعْنى: ما في البَيْتِ إنْ كانَتِ اليَعافِيرُ أنِيسًا، فَفِيها أنِيسٌ بِناءً لِلْقَوْلِ بِخُلُوِّها عَنِ الأنِيسِ. انْتَهى. وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أرْفَعُ اسْمَ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ ؟ (قُلْتُ): جاءَ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ يَقُولُونَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، كَأنَّ أحَدًا لَمْ يُذْكَرْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ∗∗∗ ولا النِّبْلُ إلّا المَشْرِفِيُّ المُصَمَّمُ وقَوْلُهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ يَقُولُ: لَوْ نُصِبَ لَكانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإذا رُفِعَ كانَ بَدَلًا، والمُبْدَلُ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، فَصارَ العامِلُ كَأنَّهُ مُفَرِّغٌ لَهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. ولَوْ أعْرَبَ ”مَن“ مَفْعُولًا، و”الغَيْبَ“ بَدَلٌ مِنهُ، وإلّا اللَّهُ هو الفاعِلُ، أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، أيِ الأشْياءَ الغائِبَةَ الَّتِي تَحْدُثُ في العالَمِ، وهم لا يَعْلَمُونَ بِحُدُوثِها، أيْ لا يَسْبِقُ عِلْمَهم بِذَلِكَ، لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، وكانَ اللَّهُ - تَعالى - هو المَخْصُوصُ بِسابِقِ عِلْمِهِ فِيما يَحْدُثُ في العالَمِ. وأيّانَ: تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها في أواخِرِ الأعْرافِ، وهي هُنا اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى مَتى، وهي مَعْمُولَةٌ لِـ ”يَبْعَثُونَ“ و”يُشْعِرُونَ“ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها (p-٩٢)اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: إيّانَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَبِيلَتِهِ بَنِي سُلَيْمٍ. ولَمّا نَفى عِلْمَ الغَيْبِ عَنْهم عَلى العُمُومِ، نَفى عَنْهم هَذا الغَيْبَ المَخْصُوصَ، وهو وقْتُ السّاعَةِ والبَعْثِ، فَصارَ مُنْتَفِيًا مَرَّتَيْنِ؛ إذْ هو مُنْدَرِجٌ في عُمُومِ الغَيْبِ ومَنصُوصٌ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَسُكِّنَتْ، فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أمْ تَدارَكَ، عَلى الأصْلِ، وجَعَلَ أمْ بَدَلَ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ أخُوهُ: بَلِ ادَّرَكَ، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ، وشَدِّ الدّالِ بِناءً عَلى أنْ وزَنَهُ افْتَعَلَ، فَأدْغَمَ الدّالَ، وهي فاءُ الكَلِمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا، فَصارَ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِقَوْلِهِمْ: اثَّرَدَ، وأصْلُهُ اثْتَرَدَ مِنَ الثَّرْدِ، والهَمْزَةُ المَحْذُوفَةُ المَنقُولُ حَرَكَتُها إلى اللّامِ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ فانْحَذَفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ثُمَّ انْحَذَفَتْ هي وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ بَلْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ، وتَوْبَةُ العَنْبَرِيُّ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا لامَ بَلْ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: بَلِ ادَّرَكَ، عَلى وزْنِ افَّعَلَ، بِمَعْنى تَفاعَلَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي جَمْرَةَ، وغَيْرُهُ عَنْهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بَلْ آدْرَكَ، بِمَدَّةٍ بَعْدِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ أأدْرَكَ، فَقَلَبَ الثّانِيَةَ ألِفًا تَخْفِيفًا، كَراهَةَ الجَمْعِ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ الرِّوايَةَ ووَجْهَها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ بَلْ؛ لِأنَّ بَلْ إيجابٌ، والِاسْتِفْهامُ في هَذا المَوْضِعِ إنْكارٌ بِمَعْنى: لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أيْ لَمْ يَشْهَدُوا، فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُما مَعًا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإيجابِ والإنْكارِ. انْتَهى. وقَدْ أجازَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ الِاسْتِفْهامَ بَعْدَ بَلْ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ القائِلِ: أخُبْزًا أكَلْتَ بَلْ أماءً شَرِبْتَ ؟ عَلى تَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الثّانِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ: أمِ ادَّرَكَ، جَعَلَ أمْ بَدَلَ بَلْ، وادَّرَكَ عَلى وزْنِ افَّعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلْ آدّارَكَ، بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى ادّارَكَ، فَيُسْقِطُ هَمْزَةَ الوَصْلِ المُجْتَلَبَةَ، لِأجْلِ الإدْغامِ والنُّطْقِ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: بَلْ أأدَّرَكَ، بِهَمْزَتَيْنِ، هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أفَّعَلَ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، والأعْرَجُ: بَلْ أدَّرَكَ، بِهَمْزَةٍ وإدْغامِ فاءِ الكَلِمَةِ، وهي الدّالُ في تاءِ افْتَعَلَ، بَعْدَ صَيْرُورَةِ التّاءِ دالًا. وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةٍ: بَلِ ادَّرَكَ، بِحَذْفِ هَمْزَةِ ادَّرَكَ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلى ادَّرَكَ، بِحَرْفِ الإيجابِ الَّذِي يُوجَبُ بِهِ المُسْتَفْهَمُ المَنفِيُّ. وقُرِئَ: بَلْ آأدَّرَكَ، بِألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ. فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلتَّقْرِيعِ بِمَعْنى لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهِمْ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أمِ ادَّرَكَ، وأمْ تَدارَكَ؛ لِأنَّها أمِ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ والتَّقْرِيرِ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عَنْهم، أيْ أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمُهم. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: بَلْ تَدارَكَ عِلْمُهم ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، أيْ عَلِمُوهُ في الآخِرَةِ، بِمَعْنى: تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بِأنَّ كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ حَقٌّ، وهَذا حَقِيقَةُ إثْباتِ العِلْمِ لَهم، لِمُشاهَدَتِهِمْ عَيانًا في الآخِرَةِ ما وُعِدُوا بِهِ غَيْبًا في الدُّنْيا، وكَوْنُهُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ومَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ، لِأنَّ الإخْبارَ بِهِ صِدْقٌ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَناهِي عِلْمِهِمْ، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَّباتُ وغَيْرُهُ، أيْ تَناهى وتَتابَعَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ؛ أوْ إلى أنْ لا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وتَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، وقَدْ تَعَدّى العِلْمُ بِالباءِ، كَما تَقُولُ: عِلْمِي بِزَيْدٍ كَذا، ويَسُوغُ حَمْلَ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى مَعْنى التَّوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ، وجاءَ إنْكارًا لِأنَّهم لَمْ يُدْرِكُوا شَيْئًا نافِعًا. والثّانِي: أنَّ أدْرَكَ: بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ (p-٩٣)عِلْمُهم في الآخِرَةِ يُدْرَكُ وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوْنَ العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُّنْيا فَلا. وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَحا إلَيْهِ الزَّجّاجُ، و”في“ عَلى بابِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَدارَكَ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ وزِيادَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِهِ وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في جُمْلَتِهِمْ نَسَبَ فِعْلَهم إلى الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ ناسٌ مِنهم. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ وصْفَهم بِاسْتِحْكامِهِ وتَكامُلِهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ، عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِ، وذَلِكَ حَيْثُ شَكُّوا وعَمُوا عَنْ إتْيانِهِ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى عِلْمٍ مَشْكُوكٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ كَوْنِهِ الَّذِي لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ. وفي ادَّرَكَ عِلْمُهم وادّارَكَ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ادَّرَكَ بِمَعْنى انْتَهى وفَنِيَ، مِن قَوْلِهِمْ: ادَّرَكَتِ الثَّمَرَةُ؛ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ. وقَدْ فَسَّرَ الحَسَنُ بِاضْمَحَلَّ عِلْمُهم وتَدارَكَ، مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ. انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: العِلْمُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ والقَوْلِ، أيْ تَتابَعَ مِنهُمُ القَوْلُ والحُكْمُ في الآخِرَةِ، وكَثُرَ مِنهُمُ الخَوْضُ فِيها، فَنَفاها بَعْضُهم، وشَكَّ فِيها بَعْضُهم، واسْتَبْعَدَها بَعْضُهم. وقالَ الفَرّاءُ: بَلِ ادَّرَكَ، فَيَصِيرُ بِمَعْنى الجَحْدِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ؛ أيْ لَمْ يَعْلَمُوا حُدُوثَها وكَوْنَها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ فَصارَتْ ”في“ في الكَلامِ بِمَعْنى الباءِ، أيْ لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أدَّرَكَ، بِالِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بَلى بِحَرْفِ الجَوابِ بَدَلَ بَلْ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: إنْ كانَ بَلى جَوابًا لِكَلامٍ تَقَدَّمَ، جازَ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِهِ، كَأنَّ قَوْمًا أنْكَرُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ القُدْرَةِ، فَقِيلَ لَهم: بَلى إيجابًا لَمّا نَفَوْا ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامُ وعُودِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ بِمَعْنى: أمْ هم في شَكٍّ مِنها؛ لِأنَّ حُرُوفَ العَطْفِ قَدْ تَتَناوَبُ، وكَفَّ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي أنَّ المَعْنى: أدَّرَكَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ أمْ شَكُّوا ؟ فَـ (بَلْ) بِمَعْنى أمْ، عُودِلَ بِها الهَمْزَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، وهو أنْ تَكُونَ بَلْ بِمَعْنى أمْ وتُعادِلُ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَمَن قَرَأ بَلى ادَّرَكَ ؟ (قُلْتُ): لَمّا جاءَ بِبَلى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ كانَ مَعْناهُ: بَلى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فُسِّرَ الشُّعُورُ بِقَوْلِهِ: ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ الَّذِي مَعْناهُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شُعُورُهم بِوَقْتِ الآخِرَةِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَها، فَيَرْجِعُ إلى المُبالَغَةِ في نَفْيِ الشُّعُورِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ. وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أدَّرَكَ ؟، عَلى الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناهُ: يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، وإذا أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِها؛ لِأنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ الكائِنِ تابِعٌ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الكائِنِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَذِهِ الإضْراباتُ الثَّلاثُ ما مَعْناهُ ؟ (قُلْتُ): ما هي إلّا تَنْزِيلٌ لِأحْوالِهِمْ، وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ، ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ فَلا يُزِيلُونَهُ، والإزالَةُ مُسْتَطاعَةٌ، وقَدْ جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ، فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِمَن دُونَ عَنْ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ والجَزاءَ هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ لا يَتَدَبَّرُونَ ولا يُبْصِرُونَ. انْتَهى.

النمل 27:63

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . (p-٨٨)لَمّا فَرَغَ مِن قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِحَمْدِهِ - تَعالى - والسَّلامِ عَلى المُصْطَفَيْنَ، وأخَذَ في مُبايَنَةِ واجِبِ الوُجُودِ اللَّهِ - تَعالى - ومُبايِنَةِ الأصْنامِ والأدْيانِ الَّتِي أشْرَكُوها مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوها. وابْتَدَأ في هَذا التَّقْرِيرِ لِقُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ بِالحَمْدَلَةِ، وكَأنَّها صَدْرُ خُطْبَةٍ لِما يُلْقِي مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ. وقَدِ اقْتَدى بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ في تَصانِيفَ كُتُبِهِمْ وخُطَبِهِمْ ووَعْظِهِمْ، فافْتَتَحُوا بِتَحْمِيدِ اللَّهِ، والصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ في أوائِلِ كُتُبِ الفُتُوحِ والتَّهانِي والحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَحْمِيدِ اللَّهِ عَلى هَلاكِ الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، والسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمُ النّاجِينَ. وقِيلَ: ”قُلِ“، خِطابٌ لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى هَلاكِ كُفّارِ قَوْمِهِ ﴿ويُسَلِّمُ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ . وعَزا هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلْفَرّاءِ، وقالَ: هَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ)، وكَذا: ”قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرَيْكم“ بِفَتْحِ اللّامِ، وعِبادُهُ المُصْطَفَوْنَ، يَعُمُّ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العِبادُ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اصْطَفاهم لِنَبِيِّهِ، وفي اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أحْوالَ الأنْبِياءِ، وأنَّ مَن كَذَّبَهُمُ اسْتُؤْصِلَ بِالعَذابِ، وأنَّ ذَلِكَ مُرْتَفِعٌ عَنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ، أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ عَلى ما خَصَّهُ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وتَسْلِيمِهِ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ. انْتَهى، وفِيهِ تَلْخِيصٌ. وقَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ تَبْكِيتٌ وتَوْبِيخٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ التَّبايُنِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ الأوْثانِ، إذْ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا شَرِكَةَ في الخَيْرِيَّةِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَهم، وكَثِيرًا ما يَجِيءُ هَذا النَّوْعُ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ يُعْلَمُ ويُتَحَقَّقُ أنَّهُ لا شَرِكَةَ فِيها وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ إلْزامِ الخَصْمِ وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَأِ مُرْتَكِبِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ هو عَنْ خَبَرِيَّةِ الذَّواتِ، فَقِيلَ: جاءَ عَلى اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ اعْتَقَدُوا في آلِهَتِهِمْ خَيْرًا بِوَجْهٍ ما، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ في مَوْضِعَيْنِ، التَّقْدِيرُ: أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما يُشْرِكُونَ ؟ فَما في أمْ ما بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والحَذْفُ مِنَ الأوَّلِ، أيْ أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ شِرْكُكم ؟ وقِيلَ: خَيْرٌ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، فَهي كَما تَقُولُ: الصَّلاةُ خَيْرٌ، يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الخُيُورِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ذُو خَيْرٍ. والظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وأنَّ الِاسْتِفْهامَ في نَحْوِ هَذا يَجِيءُ لِبَيانِ فَسادِ ما عَلَيْهِ الخَصْمُ، وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ، وإلْزامِهِ الإقْرارَ بِحَصْرِ التَّفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ، وانْتِفائِهِ عَنِ الآخَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تُشْرِكُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، (p-٨٩)وقَتادَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ. وأمْ في ”أمْ ما“ مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّ المَعْنى: أيُّهُما خَيْرٌ ؟ وفي (أمْ مَن خَلَقَ) وما بَعْدَهُ مُنْفَصِلَةٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَيْرًا، عَدَّدَ - سُبْحانَهُ - الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، تَوْقِيفًا لَهم عَلى ما أبْدَعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ بُدًّا مِنَ الإقْرارِ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”أمَّنْ خَلَقَ“، وفي الأرْبَعَةِ بَعْدَها بِشَدِّ المِيمِ، وهي مِيمُ أمْ أُدْغِمَتْ في مِيمِ مَن. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِتَخْفِيفِها جَعَلَها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى مَن، ومَن في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ: يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويَشُكُّ بِهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ، فَقَدَّرَ ما أُثْبِتَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ؛ بَدَأ أوَّلًا في الِاسْتِفْهامِ بِاسْمِ الذّاتِ، ثُمَّ انْتَقَلَ فِيهِ إلى الصِّفاتِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ: ولا بُدَّ مِن إضْمارِ جُمْلَةٍ مُعادِلَةٍ، وصارَ ذَلِكَ المُضْمَرُ كالمَنطُوقِ بِهِ لِدَلالَةِ الفَحْوى عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُ تِلْكَ الجُمْلَةِ: أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ كَمَن لَمْ يَخْلُقْ، وكَذَلِكَ أخَواتُها، وقَدْ أظْهَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما أضْمَرَ فِيها لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] . انْتَهى. وتَسْمِيَةُ هَذا المُقَدَّرِ جُمْلَةً، إنْ أرادَ بِها جُمْلَةً مِنَ الألْفاظِ فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ الجُمْلَةَ المُصْطَلَحَ عَلَيْها في النَّحْوِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مُضْمَرٌ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ. وبَدَأ - تَعالى - بِذِكْرِ إنْشاءِ مَقَرِّ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وإنْزالِ ما بِهِ قِوامُ العالَمِ السُّفْلِيِّ وقالَ: (لَكم) أيْ لِأجْلِكم، عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِكم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ دالًّا عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يُنْبِتْ تِلْكَ الحَدائِقَ المُخْتَلِفَةَ الأصْنافِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ بِماءٍ واحِدٍ إلّا هو - تَعالى. وقَدْ رُشِّحَ هَذا الِاخْتِصاصُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، لا شُبْهَةَ لِلْعاقِلِ في أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ، وكانَ الإنْباتُ مِمّا قَدْ يَتَسَبَّبُ فِيهِ الإنْسانُ بِالبَذْرِ والسَّقْيِ والتَّهْيِئَةِ، ويَسُوغُ لِفاعِلِ السَّبَبِ نِسْبَةُ فِعْلِ المُسَبَّبِ إلَيْهِ، بَيَّنَ - تَعالى - اخْتِصاصَهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وتَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ألا تَرى أنَّ المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ قَدْ لا يَأْتِي عَلى وفْقِ مُرادِهِ ؟ ولَوْ أتى فَهو جاهِلٌ بِطَبْعِهِ ومِقْدارِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَها ؟ والبَهْجَةُ: الجَمالُ والنُّضْرَةُ والحُسْنُ؛ لِأنَّ النّاظِرَ فِيها يَبْتَهِجُ، أيْ يُسَرُّ ويَفْرَحُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ذاتَ﴾ بِالإفْرادِ ﴿بَهْجَةٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وجَمْعُ التَّكْسِيرِ يَجْرِي في الوَصْفِ مَجْرى الواحِدَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وهو عَلى مَعْنى جَماعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ”ذَواتِ“، بِالجَمْعِ، بَهَجَةٍ بِتَحْرِيكِ الهاءِ بِالفَتْحِ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَفْيَ مِثْلِ هَذِهِ الكَيْنُونَةِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِهِ كَهَذا، أوْ لِامْتِناعِ وُقُوعِهِ شَرْعًا، أوْ لِنَفْيِ الأوْلَوِيَّةِ. والمَعْنى هُنا: أنَّ إنْباتَ ذَلِكَ مِنكم مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إبْرازُ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ، خاطَبَهم بِذَلِكَ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ ذَمَّهم، عَدَلَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إمّا التِفاتًا، وإمّا إخْبارًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِحالِهِمْ، أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ، أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا ومَثِيلًا. وقُرِئَ: إلَهًا، بِالنَّصْبِ، بِمَعْنى: أتَدْعُونَ أوْ أتَشْرَكُونَ ؟ وقُرِئَ: أإلَهٌ، بِتَخْفِيفِ الهَمْزَتَيْنِ وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، والفَصْلِ بَيْنَهُما بِألِفٍ. ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُنْشِئُ السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإنْباتُ الحَدائِقِ بِالأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُخْتَصًّا بِالأرْضِ، وهو جَعْلُها قَرارًا، أيْ مُسْتَقَرًّا لَكم، بِحَيْثُ يُمْكِنُكُمُ الإقامَةُ بِها والِاسْتِقْرارُ عَلَيْها، ولا يُدِيرُها الفَلَكُ، قِيلَ: لِأنَّها مُضْمَحِلَّةٌ في جَنْبِ الفَلَكِ، كالنُّقْطَةِ في الرَّحى. ﴿وجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ بَيْنَ أماكِنِها، في شِعابِها وأوْدِيَتِها ﴿أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ حَتّى لا تَتَكَفَّأ بِكم وتَمِيدَ. والبَحْرانِ: العَذْبُ والمِلْحُ، والحاجِزُ: الفاصِلُ، مِن قُدْرَتِهِ - تَعالى -، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَحْرُ السَّماءِ (p-٩٠)والأرْضِ، والحاجِزُ مِنَ الهَواءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومُ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَحْرُ العِراقِ والشّامِ، والحاجِزُ مِنَ الأرْضِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُخْتارًا لِهَذا القَوْلِ في الحاجِزِ: هو ما جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن حَواجِزِ الأرْضِ ومَوانِعِها، عَلى رِقَّتِها في بَعْضِ المَواضِعِ، ولَطافَتِها الَّتِي لَوْلا قُدْرَتُهُ لَبَلَعَ المِلْحُ العَذْبَ. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ البَحْرَينِ: العَذْبُ بِجُمْلَتِهِ، والماءُ الأُجاجُ بِجُمْلَتِهِ؛ ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُ عَظِيمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، تَكَرَّرَ فِيها العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ﴾ فَكانَتْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ المُسْتَقِلِّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها بِالِامْتِنانِ، ولَمْ يُشْرَكْ في عامِلٍ واحِدٍ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ في ذِكْرِ هَذِهِ الِامْتِناناتِ الأرْبَعِ كَلامٌ مِن عِلْمِ الطَّبِيعَةِ - والحُكَماءِ عَلى زَعْمِهِ - خارِجٌ عَنْ مَذاهِبِ العَرَبِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. والمُضْطَرُّ: اسْمُ مَفْعُولٍ، وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ حادِثٌ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ إلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ لِكَشْفِ ما اعْتَراهُ مِن ذَلِكَ وإزالَتِهِ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَجْهُودُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو الَّذِي لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، وإجابَتُهُ إيّاهُ مَقْرُونَةٌ بِمَشِيئَتِهِ - تَعالى - فَلَيْسَ كُلُّ مُضْطَرٍّ دَعا يُجِيبُهُ اللَّهُ في كَشْفِ ما بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإجابَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ بِهِ مَصْلَحَةً، ولِهَذا لا يَحْسُنُ الدُّعاءُ إلّا شارِطًا فِيهِ المَصْلَحَةَ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في مُراعاةِ المُصْلِحَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ هو كُلُّ ما يَسُوءُ، وهو عامٌّ في كُلِّ ضُرٍّ انْتَقَلَ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ، وهو خاصٌّ إلى أعَمَّ، وهو ما يَسُوءُ، سَواءٌ كانَ المَكْشُوفُ عَنْهُ في حالَةِ الِاضْطِرارِ أوْ فِيما دُونَها. وخُلَفاءَ: أيِ الأُمَمَ السّالِفَةَ، أوْ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ خُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَعْدِهِ، أوْ خُلَفاءَ الكُفّارِ في أرْضِهِمْ، أوِ المُلْكِ والتَّسَلُّطِ، أقْوالٌ. وقَرَأ الحَسَنُ في رِوايَةِ: ”ونَجْعَلُكم“ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ، كَأنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ ووَعْدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] . وقَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلَكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ انْتِقالٌ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ إلى رُتْبَةٍ مُغايِرَةٍ لِحالَةِ الِاضْطِرارِ، وهي حالَةُ الخِلافَةِ، فَهُما ظَرْفانِ. وكَمْ رَأيْنا في الدُّنْيا مِمَّنْ بَلَغَ حالَةَ الِاضْطِرارِ ثُمَّ صارَ مَلِكًا مُتَسَلِّطًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَذَكَّرُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ، والذّالُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدِّدَةٌ لِإدْغامِ التّاءِ فِيها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تَتَذَكَّرُونَ، بِتاءَيْنِ. وظُلْمَةُ البَرِّ هي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وهي الحَقِيقَةُ، وتَنْطَلِقُ مَجازًا عَلى الجَهْلِ وعَلى انْبِهامِ الأمْرِ فَيُقالُ: أظْلَمَ عَلَيَّ الأمْرُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَجَلَّتْ عَمَـايَـاتُ الرِّجَـالِ عَـنِ الصِّبَـا أيْ جَهالاتِ الصِّبا. وهِدايَةُ البَرِّ تَكُونُ بِالعَلاماتِ، وهِدايَةُ البَحْرِ بِالنُّجُومِ. ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقُرِئَ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخَلْقَ هو المَخْلُوقُ، وبَدْؤُهُ: اخْتِراعُهُ وإنْشاؤُهُ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقْصُودَ هو مَن يُعِيدُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلَكِ، لا عُمُومَ المَخْلُوقِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرُ الإعادَةِ، والإعادَةُ البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالخَلْقِ مَصْدَرَ خَلَقَ، ويَكُونُ يَبْدَأُ ويُعِيدُ اسْتِعارَةً لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا إذا كانَ يُتْقِنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ لَهم أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم مُنْكِرُونَ الإعادَةَ ؟ (قُلْتُ): قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّمْكِينِ مِنَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ إيجادُ بَنِي آدَمَ إنْعامًا إلَيْهِمْ وإحْسانًا، ولا تَتِمُّ النِّعْمَةُ إلّا بِالرِّزْقِ قالَ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ بِالمَطَرِ ﴿والأرْضِ﴾ بِالنَّباتِ ؟ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ أحْضِرُوا حُجَّتَكم ودَلِيلَكم عَلى ما تَدَّعُونَ مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ. فَأيْنَ دَلِيلُكم عَلَيْهِ ؟ وهَذا راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وناسَبَ خَتْمَ كُلِّ اسْتِفْهامٍ بِما تَقَدَّمَهُ. (p-٩١)لَمّا ذَكَرَ إيجادَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وما امْتَنَّ بِهِ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإنْباتِ الحَدائِقِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يُعْبَدَ إلّا مُوجِدُ العالَمِ والمُمْتَنُّ بِما بِهِ قِوامُ الحَياةِ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمّا هو مَخْلُوقٌ مُخْتَرَعٌ. ولَمّا ذَكَرَ جَعْلَ الأرْضِ مُسْتَقَرًّا، وتَفْجِيرَ الأنْهارِ، وإرْساءَ الجِبالِ، وكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى تَعَقُّلِ ذَلِكَ والفِكْرِ فِيهِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ويُفَكِّرُ في ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ، وكَشْفَ السُّوءِ، واسْتِخْلافَهم في الأرْضِ، ناسَبَ أنْ يَسْتَحْضِرَ الإنْسانُ دائِمًا هَذِهِ المِنَّةَ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ”﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾“، إشارَةً إلى تَوالِي النِّسْيانِ إذا صارَ في خَيْرٍ وزالَ اضْطِرارُهُ وكَشْفِ السُّوءِ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] . ولَمّا ذَكَرَ الهِدايَةَ في الظُّلُماتِ، وإرْسالَ الرِّياحِ نُشُرًا، ومَعْبُوداتُهم لا تَهْدِي ولا تُرْسِلُ، وهم يُشْرِكُونَ بِها اللَّهَ، قالَ - تَعالى -: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . واعْتَقَبَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ قَوْلَهُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والتَّقْرِيرِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تَعالى. قِيلَ: سَألَ الكُفّارَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي وعَدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وألَحُّوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ. والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَن فاعِلٌ بِـ ”يَعْلَمُ“، و”الغَيْبَ“ مَفْعُولٌ، و”إلّا اللَّهُ“ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ انْدِراجِهِ في مَدْلُولِ لَفْظِ مَن، وجاءَ مَرْفُوعًا عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ ما في غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ ولا يُقالُ: إنَّهُ مُنْدَرِجٌ في مَدْلُولِ مَن، فَيَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا لِلْمَخْلُوقِينَ فِيهِما، ومَجازِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، أيْ هو فِيها بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وإنْكارُهُ هو الصَّحِيحُ. ومَن أجازَ ذَلِكَ فَيَصِحُّ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، وارْتَفَعَ عَلى البَدَلِ أوِ الصِّفَةِ، والرَّفْعُ أفْصَحُ مِنَ النَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن نَفْيٍ مُتَقَدِّمٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الغَيْبِ. وقِيلَ: المُرادُ غَيْبُ السّاعَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الدّاعِي إلى اخْتِيارِ المَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ عَلى الحِجازِيِّ ؟ يَعْنِي في كَوْنِهِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ لَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ”مَن“، ولَمْ أخْتَرِ الرَّفْعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ولَمْ نَخْتَرِ النَّصْبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، قالَ: (قُلْتُ): دَعَتْ إلى ذَلِكَ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ، حَيْثُ أخْرَجَ المُسْتَثْنى مُخْرَجَ قَوْلِهِ: إلّا اليَعافِيرُ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيْسَ بِها أنِيسٌ، لِيَئُولَ المَعْنى إلى قَوْلِكَ: إنْ كانَ اللَّهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، يَعْنِي أنَّ عِلْمَهُمُ الغَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ كاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِنهم. كَما أنَّ مَعْنى: ما في البَيْتِ إنْ كانَتِ اليَعافِيرُ أنِيسًا، فَفِيها أنِيسٌ بِناءً لِلْقَوْلِ بِخُلُوِّها عَنِ الأنِيسِ. انْتَهى. وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أرْفَعُ اسْمَ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ ؟ (قُلْتُ): جاءَ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ يَقُولُونَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، كَأنَّ أحَدًا لَمْ يُذْكَرْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ∗∗∗ ولا النِّبْلُ إلّا المَشْرِفِيُّ المُصَمَّمُ وقَوْلُهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ يَقُولُ: لَوْ نُصِبَ لَكانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإذا رُفِعَ كانَ بَدَلًا، والمُبْدَلُ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، فَصارَ العامِلُ كَأنَّهُ مُفَرِّغٌ لَهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. ولَوْ أعْرَبَ ”مَن“ مَفْعُولًا، و”الغَيْبَ“ بَدَلٌ مِنهُ، وإلّا اللَّهُ هو الفاعِلُ، أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، أيِ الأشْياءَ الغائِبَةَ الَّتِي تَحْدُثُ في العالَمِ، وهم لا يَعْلَمُونَ بِحُدُوثِها، أيْ لا يَسْبِقُ عِلْمَهم بِذَلِكَ، لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، وكانَ اللَّهُ - تَعالى - هو المَخْصُوصُ بِسابِقِ عِلْمِهِ فِيما يَحْدُثُ في العالَمِ. وأيّانَ: تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها في أواخِرِ الأعْرافِ، وهي هُنا اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى مَتى، وهي مَعْمُولَةٌ لِـ ”يَبْعَثُونَ“ و”يُشْعِرُونَ“ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها (p-٩٢)اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: إيّانَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَبِيلَتِهِ بَنِي سُلَيْمٍ. ولَمّا نَفى عِلْمَ الغَيْبِ عَنْهم عَلى العُمُومِ، نَفى عَنْهم هَذا الغَيْبَ المَخْصُوصَ، وهو وقْتُ السّاعَةِ والبَعْثِ، فَصارَ مُنْتَفِيًا مَرَّتَيْنِ؛ إذْ هو مُنْدَرِجٌ في عُمُومِ الغَيْبِ ومَنصُوصٌ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَسُكِّنَتْ، فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أمْ تَدارَكَ، عَلى الأصْلِ، وجَعَلَ أمْ بَدَلَ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ أخُوهُ: بَلِ ادَّرَكَ، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ، وشَدِّ الدّالِ بِناءً عَلى أنْ وزَنَهُ افْتَعَلَ، فَأدْغَمَ الدّالَ، وهي فاءُ الكَلِمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا، فَصارَ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِقَوْلِهِمْ: اثَّرَدَ، وأصْلُهُ اثْتَرَدَ مِنَ الثَّرْدِ، والهَمْزَةُ المَحْذُوفَةُ المَنقُولُ حَرَكَتُها إلى اللّامِ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ فانْحَذَفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ثُمَّ انْحَذَفَتْ هي وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ بَلْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ، وتَوْبَةُ العَنْبَرِيُّ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا لامَ بَلْ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: بَلِ ادَّرَكَ، عَلى وزْنِ افَّعَلَ، بِمَعْنى تَفاعَلَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي جَمْرَةَ، وغَيْرُهُ عَنْهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بَلْ آدْرَكَ، بِمَدَّةٍ بَعْدِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ أأدْرَكَ، فَقَلَبَ الثّانِيَةَ ألِفًا تَخْفِيفًا، كَراهَةَ الجَمْعِ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ الرِّوايَةَ ووَجْهَها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ بَلْ؛ لِأنَّ بَلْ إيجابٌ، والِاسْتِفْهامُ في هَذا المَوْضِعِ إنْكارٌ بِمَعْنى: لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أيْ لَمْ يَشْهَدُوا، فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُما مَعًا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإيجابِ والإنْكارِ. انْتَهى. وقَدْ أجازَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ الِاسْتِفْهامَ بَعْدَ بَلْ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ القائِلِ: أخُبْزًا أكَلْتَ بَلْ أماءً شَرِبْتَ ؟ عَلى تَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الثّانِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ: أمِ ادَّرَكَ، جَعَلَ أمْ بَدَلَ بَلْ، وادَّرَكَ عَلى وزْنِ افَّعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلْ آدّارَكَ، بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى ادّارَكَ، فَيُسْقِطُ هَمْزَةَ الوَصْلِ المُجْتَلَبَةَ، لِأجْلِ الإدْغامِ والنُّطْقِ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: بَلْ أأدَّرَكَ، بِهَمْزَتَيْنِ، هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أفَّعَلَ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، والأعْرَجُ: بَلْ أدَّرَكَ، بِهَمْزَةٍ وإدْغامِ فاءِ الكَلِمَةِ، وهي الدّالُ في تاءِ افْتَعَلَ، بَعْدَ صَيْرُورَةِ التّاءِ دالًا. وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةٍ: بَلِ ادَّرَكَ، بِحَذْفِ هَمْزَةِ ادَّرَكَ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلى ادَّرَكَ، بِحَرْفِ الإيجابِ الَّذِي يُوجَبُ بِهِ المُسْتَفْهَمُ المَنفِيُّ. وقُرِئَ: بَلْ آأدَّرَكَ، بِألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ. فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلتَّقْرِيعِ بِمَعْنى لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهِمْ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أمِ ادَّرَكَ، وأمْ تَدارَكَ؛ لِأنَّها أمِ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ والتَّقْرِيرِ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عَنْهم، أيْ أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمُهم. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: بَلْ تَدارَكَ عِلْمُهم ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، أيْ عَلِمُوهُ في الآخِرَةِ، بِمَعْنى: تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بِأنَّ كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ حَقٌّ، وهَذا حَقِيقَةُ إثْباتِ العِلْمِ لَهم، لِمُشاهَدَتِهِمْ عَيانًا في الآخِرَةِ ما وُعِدُوا بِهِ غَيْبًا في الدُّنْيا، وكَوْنُهُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ومَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ، لِأنَّ الإخْبارَ بِهِ صِدْقٌ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَناهِي عِلْمِهِمْ، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَّباتُ وغَيْرُهُ، أيْ تَناهى وتَتابَعَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ؛ أوْ إلى أنْ لا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وتَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، وقَدْ تَعَدّى العِلْمُ بِالباءِ، كَما تَقُولُ: عِلْمِي بِزَيْدٍ كَذا، ويَسُوغُ حَمْلَ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى مَعْنى التَّوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ، وجاءَ إنْكارًا لِأنَّهم لَمْ يُدْرِكُوا شَيْئًا نافِعًا. والثّانِي: أنَّ أدْرَكَ: بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ (p-٩٣)عِلْمُهم في الآخِرَةِ يُدْرَكُ وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوْنَ العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُّنْيا فَلا. وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَحا إلَيْهِ الزَّجّاجُ، و”في“ عَلى بابِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَدارَكَ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ وزِيادَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِهِ وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في جُمْلَتِهِمْ نَسَبَ فِعْلَهم إلى الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ ناسٌ مِنهم. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ وصْفَهم بِاسْتِحْكامِهِ وتَكامُلِهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ، عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِ، وذَلِكَ حَيْثُ شَكُّوا وعَمُوا عَنْ إتْيانِهِ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى عِلْمٍ مَشْكُوكٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ كَوْنِهِ الَّذِي لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ. وفي ادَّرَكَ عِلْمُهم وادّارَكَ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ادَّرَكَ بِمَعْنى انْتَهى وفَنِيَ، مِن قَوْلِهِمْ: ادَّرَكَتِ الثَّمَرَةُ؛ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ. وقَدْ فَسَّرَ الحَسَنُ بِاضْمَحَلَّ عِلْمُهم وتَدارَكَ، مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ. انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: العِلْمُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ والقَوْلِ، أيْ تَتابَعَ مِنهُمُ القَوْلُ والحُكْمُ في الآخِرَةِ، وكَثُرَ مِنهُمُ الخَوْضُ فِيها، فَنَفاها بَعْضُهم، وشَكَّ فِيها بَعْضُهم، واسْتَبْعَدَها بَعْضُهم. وقالَ الفَرّاءُ: بَلِ ادَّرَكَ، فَيَصِيرُ بِمَعْنى الجَحْدِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ؛ أيْ لَمْ يَعْلَمُوا حُدُوثَها وكَوْنَها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ فَصارَتْ ”في“ في الكَلامِ بِمَعْنى الباءِ، أيْ لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أدَّرَكَ، بِالِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بَلى بِحَرْفِ الجَوابِ بَدَلَ بَلْ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: إنْ كانَ بَلى جَوابًا لِكَلامٍ تَقَدَّمَ، جازَ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِهِ، كَأنَّ قَوْمًا أنْكَرُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ القُدْرَةِ، فَقِيلَ لَهم: بَلى إيجابًا لَمّا نَفَوْا ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامُ وعُودِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ بِمَعْنى: أمْ هم في شَكٍّ مِنها؛ لِأنَّ حُرُوفَ العَطْفِ قَدْ تَتَناوَبُ، وكَفَّ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي أنَّ المَعْنى: أدَّرَكَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ أمْ شَكُّوا ؟ فَـ (بَلْ) بِمَعْنى أمْ، عُودِلَ بِها الهَمْزَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، وهو أنْ تَكُونَ بَلْ بِمَعْنى أمْ وتُعادِلُ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَمَن قَرَأ بَلى ادَّرَكَ ؟ (قُلْتُ): لَمّا جاءَ بِبَلى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ كانَ مَعْناهُ: بَلى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فُسِّرَ الشُّعُورُ بِقَوْلِهِ: ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ الَّذِي مَعْناهُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شُعُورُهم بِوَقْتِ الآخِرَةِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَها، فَيَرْجِعُ إلى المُبالَغَةِ في نَفْيِ الشُّعُورِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ. وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أدَّرَكَ ؟، عَلى الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناهُ: يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، وإذا أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِها؛ لِأنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ الكائِنِ تابِعٌ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الكائِنِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَذِهِ الإضْراباتُ الثَّلاثُ ما مَعْناهُ ؟ (قُلْتُ): ما هي إلّا تَنْزِيلٌ لِأحْوالِهِمْ، وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ، ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ فَلا يُزِيلُونَهُ، والإزالَةُ مُسْتَطاعَةٌ، وقَدْ جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ، فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِمَن دُونَ عَنْ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ والجَزاءَ هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ لا يَتَدَبَّرُونَ ولا يُبْصِرُونَ. انْتَهى.

النمل 27:64

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . (p-٨٨)لَمّا فَرَغَ مِن قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِحَمْدِهِ - تَعالى - والسَّلامِ عَلى المُصْطَفَيْنَ، وأخَذَ في مُبايَنَةِ واجِبِ الوُجُودِ اللَّهِ - تَعالى - ومُبايِنَةِ الأصْنامِ والأدْيانِ الَّتِي أشْرَكُوها مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوها. وابْتَدَأ في هَذا التَّقْرِيرِ لِقُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ بِالحَمْدَلَةِ، وكَأنَّها صَدْرُ خُطْبَةٍ لِما يُلْقِي مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ. وقَدِ اقْتَدى بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ في تَصانِيفَ كُتُبِهِمْ وخُطَبِهِمْ ووَعْظِهِمْ، فافْتَتَحُوا بِتَحْمِيدِ اللَّهِ، والصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ في أوائِلِ كُتُبِ الفُتُوحِ والتَّهانِي والحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَحْمِيدِ اللَّهِ عَلى هَلاكِ الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، والسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمُ النّاجِينَ. وقِيلَ: ”قُلِ“، خِطابٌ لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى هَلاكِ كُفّارِ قَوْمِهِ ﴿ويُسَلِّمُ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ . وعَزا هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلْفَرّاءِ، وقالَ: هَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ)، وكَذا: ”قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرَيْكم“ بِفَتْحِ اللّامِ، وعِبادُهُ المُصْطَفَوْنَ، يَعُمُّ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العِبادُ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اصْطَفاهم لِنَبِيِّهِ، وفي اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أحْوالَ الأنْبِياءِ، وأنَّ مَن كَذَّبَهُمُ اسْتُؤْصِلَ بِالعَذابِ، وأنَّ ذَلِكَ مُرْتَفِعٌ عَنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ، أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ عَلى ما خَصَّهُ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وتَسْلِيمِهِ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ. انْتَهى، وفِيهِ تَلْخِيصٌ. وقَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ تَبْكِيتٌ وتَوْبِيخٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ التَّبايُنِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ الأوْثانِ، إذْ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا شَرِكَةَ في الخَيْرِيَّةِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَهم، وكَثِيرًا ما يَجِيءُ هَذا النَّوْعُ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ يُعْلَمُ ويُتَحَقَّقُ أنَّهُ لا شَرِكَةَ فِيها وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ إلْزامِ الخَصْمِ وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَأِ مُرْتَكِبِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ هو عَنْ خَبَرِيَّةِ الذَّواتِ، فَقِيلَ: جاءَ عَلى اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ اعْتَقَدُوا في آلِهَتِهِمْ خَيْرًا بِوَجْهٍ ما، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ في مَوْضِعَيْنِ، التَّقْدِيرُ: أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما يُشْرِكُونَ ؟ فَما في أمْ ما بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والحَذْفُ مِنَ الأوَّلِ، أيْ أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ شِرْكُكم ؟ وقِيلَ: خَيْرٌ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، فَهي كَما تَقُولُ: الصَّلاةُ خَيْرٌ، يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الخُيُورِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ذُو خَيْرٍ. والظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وأنَّ الِاسْتِفْهامَ في نَحْوِ هَذا يَجِيءُ لِبَيانِ فَسادِ ما عَلَيْهِ الخَصْمُ، وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ، وإلْزامِهِ الإقْرارَ بِحَصْرِ التَّفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ، وانْتِفائِهِ عَنِ الآخَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تُشْرِكُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، (p-٨٩)وقَتادَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ. وأمْ في ”أمْ ما“ مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّ المَعْنى: أيُّهُما خَيْرٌ ؟ وفي (أمْ مَن خَلَقَ) وما بَعْدَهُ مُنْفَصِلَةٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَيْرًا، عَدَّدَ - سُبْحانَهُ - الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، تَوْقِيفًا لَهم عَلى ما أبْدَعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ بُدًّا مِنَ الإقْرارِ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”أمَّنْ خَلَقَ“، وفي الأرْبَعَةِ بَعْدَها بِشَدِّ المِيمِ، وهي مِيمُ أمْ أُدْغِمَتْ في مِيمِ مَن. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِتَخْفِيفِها جَعَلَها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى مَن، ومَن في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ: يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويَشُكُّ بِهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ، فَقَدَّرَ ما أُثْبِتَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ؛ بَدَأ أوَّلًا في الِاسْتِفْهامِ بِاسْمِ الذّاتِ، ثُمَّ انْتَقَلَ فِيهِ إلى الصِّفاتِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ: ولا بُدَّ مِن إضْمارِ جُمْلَةٍ مُعادِلَةٍ، وصارَ ذَلِكَ المُضْمَرُ كالمَنطُوقِ بِهِ لِدَلالَةِ الفَحْوى عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُ تِلْكَ الجُمْلَةِ: أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ كَمَن لَمْ يَخْلُقْ، وكَذَلِكَ أخَواتُها، وقَدْ أظْهَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما أضْمَرَ فِيها لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] . انْتَهى. وتَسْمِيَةُ هَذا المُقَدَّرِ جُمْلَةً، إنْ أرادَ بِها جُمْلَةً مِنَ الألْفاظِ فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ الجُمْلَةَ المُصْطَلَحَ عَلَيْها في النَّحْوِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مُضْمَرٌ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ. وبَدَأ - تَعالى - بِذِكْرِ إنْشاءِ مَقَرِّ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وإنْزالِ ما بِهِ قِوامُ العالَمِ السُّفْلِيِّ وقالَ: (لَكم) أيْ لِأجْلِكم، عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِكم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ دالًّا عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يُنْبِتْ تِلْكَ الحَدائِقَ المُخْتَلِفَةَ الأصْنافِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ بِماءٍ واحِدٍ إلّا هو - تَعالى. وقَدْ رُشِّحَ هَذا الِاخْتِصاصُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، لا شُبْهَةَ لِلْعاقِلِ في أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ، وكانَ الإنْباتُ مِمّا قَدْ يَتَسَبَّبُ فِيهِ الإنْسانُ بِالبَذْرِ والسَّقْيِ والتَّهْيِئَةِ، ويَسُوغُ لِفاعِلِ السَّبَبِ نِسْبَةُ فِعْلِ المُسَبَّبِ إلَيْهِ، بَيَّنَ - تَعالى - اخْتِصاصَهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وتَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ألا تَرى أنَّ المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ قَدْ لا يَأْتِي عَلى وفْقِ مُرادِهِ ؟ ولَوْ أتى فَهو جاهِلٌ بِطَبْعِهِ ومِقْدارِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَها ؟ والبَهْجَةُ: الجَمالُ والنُّضْرَةُ والحُسْنُ؛ لِأنَّ النّاظِرَ فِيها يَبْتَهِجُ، أيْ يُسَرُّ ويَفْرَحُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ذاتَ﴾ بِالإفْرادِ ﴿بَهْجَةٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وجَمْعُ التَّكْسِيرِ يَجْرِي في الوَصْفِ مَجْرى الواحِدَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وهو عَلى مَعْنى جَماعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ”ذَواتِ“، بِالجَمْعِ، بَهَجَةٍ بِتَحْرِيكِ الهاءِ بِالفَتْحِ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَفْيَ مِثْلِ هَذِهِ الكَيْنُونَةِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِهِ كَهَذا، أوْ لِامْتِناعِ وُقُوعِهِ شَرْعًا، أوْ لِنَفْيِ الأوْلَوِيَّةِ. والمَعْنى هُنا: أنَّ إنْباتَ ذَلِكَ مِنكم مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إبْرازُ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ، خاطَبَهم بِذَلِكَ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ ذَمَّهم، عَدَلَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إمّا التِفاتًا، وإمّا إخْبارًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِحالِهِمْ، أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ، أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا ومَثِيلًا. وقُرِئَ: إلَهًا، بِالنَّصْبِ، بِمَعْنى: أتَدْعُونَ أوْ أتَشْرَكُونَ ؟ وقُرِئَ: أإلَهٌ، بِتَخْفِيفِ الهَمْزَتَيْنِ وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، والفَصْلِ بَيْنَهُما بِألِفٍ. ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُنْشِئُ السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإنْباتُ الحَدائِقِ بِالأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُخْتَصًّا بِالأرْضِ، وهو جَعْلُها قَرارًا، أيْ مُسْتَقَرًّا لَكم، بِحَيْثُ يُمْكِنُكُمُ الإقامَةُ بِها والِاسْتِقْرارُ عَلَيْها، ولا يُدِيرُها الفَلَكُ، قِيلَ: لِأنَّها مُضْمَحِلَّةٌ في جَنْبِ الفَلَكِ، كالنُّقْطَةِ في الرَّحى. ﴿وجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ بَيْنَ أماكِنِها، في شِعابِها وأوْدِيَتِها ﴿أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ حَتّى لا تَتَكَفَّأ بِكم وتَمِيدَ. والبَحْرانِ: العَذْبُ والمِلْحُ، والحاجِزُ: الفاصِلُ، مِن قُدْرَتِهِ - تَعالى -، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَحْرُ السَّماءِ (p-٩٠)والأرْضِ، والحاجِزُ مِنَ الهَواءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومُ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَحْرُ العِراقِ والشّامِ، والحاجِزُ مِنَ الأرْضِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُخْتارًا لِهَذا القَوْلِ في الحاجِزِ: هو ما جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن حَواجِزِ الأرْضِ ومَوانِعِها، عَلى رِقَّتِها في بَعْضِ المَواضِعِ، ولَطافَتِها الَّتِي لَوْلا قُدْرَتُهُ لَبَلَعَ المِلْحُ العَذْبَ. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ البَحْرَينِ: العَذْبُ بِجُمْلَتِهِ، والماءُ الأُجاجُ بِجُمْلَتِهِ؛ ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُ عَظِيمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، تَكَرَّرَ فِيها العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ﴾ فَكانَتْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ المُسْتَقِلِّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها بِالِامْتِنانِ، ولَمْ يُشْرَكْ في عامِلٍ واحِدٍ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ في ذِكْرِ هَذِهِ الِامْتِناناتِ الأرْبَعِ كَلامٌ مِن عِلْمِ الطَّبِيعَةِ - والحُكَماءِ عَلى زَعْمِهِ - خارِجٌ عَنْ مَذاهِبِ العَرَبِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. والمُضْطَرُّ: اسْمُ مَفْعُولٍ، وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ حادِثٌ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ إلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ لِكَشْفِ ما اعْتَراهُ مِن ذَلِكَ وإزالَتِهِ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَجْهُودُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو الَّذِي لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، وإجابَتُهُ إيّاهُ مَقْرُونَةٌ بِمَشِيئَتِهِ - تَعالى - فَلَيْسَ كُلُّ مُضْطَرٍّ دَعا يُجِيبُهُ اللَّهُ في كَشْفِ ما بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإجابَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ بِهِ مَصْلَحَةً، ولِهَذا لا يَحْسُنُ الدُّعاءُ إلّا شارِطًا فِيهِ المَصْلَحَةَ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في مُراعاةِ المُصْلِحَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ هو كُلُّ ما يَسُوءُ، وهو عامٌّ في كُلِّ ضُرٍّ انْتَقَلَ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ، وهو خاصٌّ إلى أعَمَّ، وهو ما يَسُوءُ، سَواءٌ كانَ المَكْشُوفُ عَنْهُ في حالَةِ الِاضْطِرارِ أوْ فِيما دُونَها. وخُلَفاءَ: أيِ الأُمَمَ السّالِفَةَ، أوْ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ خُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَعْدِهِ، أوْ خُلَفاءَ الكُفّارِ في أرْضِهِمْ، أوِ المُلْكِ والتَّسَلُّطِ، أقْوالٌ. وقَرَأ الحَسَنُ في رِوايَةِ: ”ونَجْعَلُكم“ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ، كَأنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ ووَعْدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] . وقَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلَكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ انْتِقالٌ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ إلى رُتْبَةٍ مُغايِرَةٍ لِحالَةِ الِاضْطِرارِ، وهي حالَةُ الخِلافَةِ، فَهُما ظَرْفانِ. وكَمْ رَأيْنا في الدُّنْيا مِمَّنْ بَلَغَ حالَةَ الِاضْطِرارِ ثُمَّ صارَ مَلِكًا مُتَسَلِّطًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَذَكَّرُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ، والذّالُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدِّدَةٌ لِإدْغامِ التّاءِ فِيها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تَتَذَكَّرُونَ، بِتاءَيْنِ. وظُلْمَةُ البَرِّ هي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وهي الحَقِيقَةُ، وتَنْطَلِقُ مَجازًا عَلى الجَهْلِ وعَلى انْبِهامِ الأمْرِ فَيُقالُ: أظْلَمَ عَلَيَّ الأمْرُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَجَلَّتْ عَمَـايَـاتُ الرِّجَـالِ عَـنِ الصِّبَـا أيْ جَهالاتِ الصِّبا. وهِدايَةُ البَرِّ تَكُونُ بِالعَلاماتِ، وهِدايَةُ البَحْرِ بِالنُّجُومِ. ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقُرِئَ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخَلْقَ هو المَخْلُوقُ، وبَدْؤُهُ: اخْتِراعُهُ وإنْشاؤُهُ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقْصُودَ هو مَن يُعِيدُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلَكِ، لا عُمُومَ المَخْلُوقِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرُ الإعادَةِ، والإعادَةُ البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالخَلْقِ مَصْدَرَ خَلَقَ، ويَكُونُ يَبْدَأُ ويُعِيدُ اسْتِعارَةً لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا إذا كانَ يُتْقِنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ لَهم أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم مُنْكِرُونَ الإعادَةَ ؟ (قُلْتُ): قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّمْكِينِ مِنَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ إيجادُ بَنِي آدَمَ إنْعامًا إلَيْهِمْ وإحْسانًا، ولا تَتِمُّ النِّعْمَةُ إلّا بِالرِّزْقِ قالَ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ بِالمَطَرِ ﴿والأرْضِ﴾ بِالنَّباتِ ؟ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ أحْضِرُوا حُجَّتَكم ودَلِيلَكم عَلى ما تَدَّعُونَ مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ. فَأيْنَ دَلِيلُكم عَلَيْهِ ؟ وهَذا راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وناسَبَ خَتْمَ كُلِّ اسْتِفْهامٍ بِما تَقَدَّمَهُ. (p-٩١)لَمّا ذَكَرَ إيجادَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وما امْتَنَّ بِهِ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإنْباتِ الحَدائِقِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يُعْبَدَ إلّا مُوجِدُ العالَمِ والمُمْتَنُّ بِما بِهِ قِوامُ الحَياةِ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمّا هو مَخْلُوقٌ مُخْتَرَعٌ. ولَمّا ذَكَرَ جَعْلَ الأرْضِ مُسْتَقَرًّا، وتَفْجِيرَ الأنْهارِ، وإرْساءَ الجِبالِ، وكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى تَعَقُّلِ ذَلِكَ والفِكْرِ فِيهِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ويُفَكِّرُ في ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ، وكَشْفَ السُّوءِ، واسْتِخْلافَهم في الأرْضِ، ناسَبَ أنْ يَسْتَحْضِرَ الإنْسانُ دائِمًا هَذِهِ المِنَّةَ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ”﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾“، إشارَةً إلى تَوالِي النِّسْيانِ إذا صارَ في خَيْرٍ وزالَ اضْطِرارُهُ وكَشْفِ السُّوءِ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] . ولَمّا ذَكَرَ الهِدايَةَ في الظُّلُماتِ، وإرْسالَ الرِّياحِ نُشُرًا، ومَعْبُوداتُهم لا تَهْدِي ولا تُرْسِلُ، وهم يُشْرِكُونَ بِها اللَّهَ، قالَ - تَعالى -: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . واعْتَقَبَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ قَوْلَهُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والتَّقْرِيرِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تَعالى. قِيلَ: سَألَ الكُفّارَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي وعَدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وألَحُّوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ. والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَن فاعِلٌ بِـ ”يَعْلَمُ“، و”الغَيْبَ“ مَفْعُولٌ، و”إلّا اللَّهُ“ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ انْدِراجِهِ في مَدْلُولِ لَفْظِ مَن، وجاءَ مَرْفُوعًا عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ ما في غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ ولا يُقالُ: إنَّهُ مُنْدَرِجٌ في مَدْلُولِ مَن، فَيَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا لِلْمَخْلُوقِينَ فِيهِما، ومَجازِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، أيْ هو فِيها بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وإنْكارُهُ هو الصَّحِيحُ. ومَن أجازَ ذَلِكَ فَيَصِحُّ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، وارْتَفَعَ عَلى البَدَلِ أوِ الصِّفَةِ، والرَّفْعُ أفْصَحُ مِنَ النَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن نَفْيٍ مُتَقَدِّمٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الغَيْبِ. وقِيلَ: المُرادُ غَيْبُ السّاعَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الدّاعِي إلى اخْتِيارِ المَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ عَلى الحِجازِيِّ ؟ يَعْنِي في كَوْنِهِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ لَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ”مَن“، ولَمْ أخْتَرِ الرَّفْعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ولَمْ نَخْتَرِ النَّصْبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، قالَ: (قُلْتُ): دَعَتْ إلى ذَلِكَ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ، حَيْثُ أخْرَجَ المُسْتَثْنى مُخْرَجَ قَوْلِهِ: إلّا اليَعافِيرُ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيْسَ بِها أنِيسٌ، لِيَئُولَ المَعْنى إلى قَوْلِكَ: إنْ كانَ اللَّهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، يَعْنِي أنَّ عِلْمَهُمُ الغَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ كاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِنهم. كَما أنَّ مَعْنى: ما في البَيْتِ إنْ كانَتِ اليَعافِيرُ أنِيسًا، فَفِيها أنِيسٌ بِناءً لِلْقَوْلِ بِخُلُوِّها عَنِ الأنِيسِ. انْتَهى. وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أرْفَعُ اسْمَ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ ؟ (قُلْتُ): جاءَ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ يَقُولُونَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، كَأنَّ أحَدًا لَمْ يُذْكَرْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ∗∗∗ ولا النِّبْلُ إلّا المَشْرِفِيُّ المُصَمَّمُ وقَوْلُهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ يَقُولُ: لَوْ نُصِبَ لَكانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإذا رُفِعَ كانَ بَدَلًا، والمُبْدَلُ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، فَصارَ العامِلُ كَأنَّهُ مُفَرِّغٌ لَهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. ولَوْ أعْرَبَ ”مَن“ مَفْعُولًا، و”الغَيْبَ“ بَدَلٌ مِنهُ، وإلّا اللَّهُ هو الفاعِلُ، أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، أيِ الأشْياءَ الغائِبَةَ الَّتِي تَحْدُثُ في العالَمِ، وهم لا يَعْلَمُونَ بِحُدُوثِها، أيْ لا يَسْبِقُ عِلْمَهم بِذَلِكَ، لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، وكانَ اللَّهُ - تَعالى - هو المَخْصُوصُ بِسابِقِ عِلْمِهِ فِيما يَحْدُثُ في العالَمِ. وأيّانَ: تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها في أواخِرِ الأعْرافِ، وهي هُنا اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى مَتى، وهي مَعْمُولَةٌ لِـ ”يَبْعَثُونَ“ و”يُشْعِرُونَ“ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها (p-٩٢)اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: إيّانَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَبِيلَتِهِ بَنِي سُلَيْمٍ. ولَمّا نَفى عِلْمَ الغَيْبِ عَنْهم عَلى العُمُومِ، نَفى عَنْهم هَذا الغَيْبَ المَخْصُوصَ، وهو وقْتُ السّاعَةِ والبَعْثِ، فَصارَ مُنْتَفِيًا مَرَّتَيْنِ؛ إذْ هو مُنْدَرِجٌ في عُمُومِ الغَيْبِ ومَنصُوصٌ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَسُكِّنَتْ، فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أمْ تَدارَكَ، عَلى الأصْلِ، وجَعَلَ أمْ بَدَلَ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ أخُوهُ: بَلِ ادَّرَكَ، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ، وشَدِّ الدّالِ بِناءً عَلى أنْ وزَنَهُ افْتَعَلَ، فَأدْغَمَ الدّالَ، وهي فاءُ الكَلِمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا، فَصارَ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِقَوْلِهِمْ: اثَّرَدَ، وأصْلُهُ اثْتَرَدَ مِنَ الثَّرْدِ، والهَمْزَةُ المَحْذُوفَةُ المَنقُولُ حَرَكَتُها إلى اللّامِ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ فانْحَذَفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ثُمَّ انْحَذَفَتْ هي وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ بَلْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ، وتَوْبَةُ العَنْبَرِيُّ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا لامَ بَلْ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: بَلِ ادَّرَكَ، عَلى وزْنِ افَّعَلَ، بِمَعْنى تَفاعَلَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي جَمْرَةَ، وغَيْرُهُ عَنْهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بَلْ آدْرَكَ، بِمَدَّةٍ بَعْدِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ أأدْرَكَ، فَقَلَبَ الثّانِيَةَ ألِفًا تَخْفِيفًا، كَراهَةَ الجَمْعِ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ الرِّوايَةَ ووَجْهَها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ بَلْ؛ لِأنَّ بَلْ إيجابٌ، والِاسْتِفْهامُ في هَذا المَوْضِعِ إنْكارٌ بِمَعْنى: لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أيْ لَمْ يَشْهَدُوا، فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُما مَعًا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإيجابِ والإنْكارِ. انْتَهى. وقَدْ أجازَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ الِاسْتِفْهامَ بَعْدَ بَلْ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ القائِلِ: أخُبْزًا أكَلْتَ بَلْ أماءً شَرِبْتَ ؟ عَلى تَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الثّانِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ: أمِ ادَّرَكَ، جَعَلَ أمْ بَدَلَ بَلْ، وادَّرَكَ عَلى وزْنِ افَّعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلْ آدّارَكَ، بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى ادّارَكَ، فَيُسْقِطُ هَمْزَةَ الوَصْلِ المُجْتَلَبَةَ، لِأجْلِ الإدْغامِ والنُّطْقِ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: بَلْ أأدَّرَكَ، بِهَمْزَتَيْنِ، هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أفَّعَلَ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، والأعْرَجُ: بَلْ أدَّرَكَ، بِهَمْزَةٍ وإدْغامِ فاءِ الكَلِمَةِ، وهي الدّالُ في تاءِ افْتَعَلَ، بَعْدَ صَيْرُورَةِ التّاءِ دالًا. وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةٍ: بَلِ ادَّرَكَ، بِحَذْفِ هَمْزَةِ ادَّرَكَ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلى ادَّرَكَ، بِحَرْفِ الإيجابِ الَّذِي يُوجَبُ بِهِ المُسْتَفْهَمُ المَنفِيُّ. وقُرِئَ: بَلْ آأدَّرَكَ، بِألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ. فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلتَّقْرِيعِ بِمَعْنى لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهِمْ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أمِ ادَّرَكَ، وأمْ تَدارَكَ؛ لِأنَّها أمِ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ والتَّقْرِيرِ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عَنْهم، أيْ أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمُهم. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: بَلْ تَدارَكَ عِلْمُهم ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، أيْ عَلِمُوهُ في الآخِرَةِ، بِمَعْنى: تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بِأنَّ كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ حَقٌّ، وهَذا حَقِيقَةُ إثْباتِ العِلْمِ لَهم، لِمُشاهَدَتِهِمْ عَيانًا في الآخِرَةِ ما وُعِدُوا بِهِ غَيْبًا في الدُّنْيا، وكَوْنُهُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ومَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ، لِأنَّ الإخْبارَ بِهِ صِدْقٌ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَناهِي عِلْمِهِمْ، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَّباتُ وغَيْرُهُ، أيْ تَناهى وتَتابَعَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ؛ أوْ إلى أنْ لا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وتَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، وقَدْ تَعَدّى العِلْمُ بِالباءِ، كَما تَقُولُ: عِلْمِي بِزَيْدٍ كَذا، ويَسُوغُ حَمْلَ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى مَعْنى التَّوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ، وجاءَ إنْكارًا لِأنَّهم لَمْ يُدْرِكُوا شَيْئًا نافِعًا. والثّانِي: أنَّ أدْرَكَ: بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ (p-٩٣)عِلْمُهم في الآخِرَةِ يُدْرَكُ وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوْنَ العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُّنْيا فَلا. وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَحا إلَيْهِ الزَّجّاجُ، و”في“ عَلى بابِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَدارَكَ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ وزِيادَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِهِ وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في جُمْلَتِهِمْ نَسَبَ فِعْلَهم إلى الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ ناسٌ مِنهم. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ وصْفَهم بِاسْتِحْكامِهِ وتَكامُلِهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ، عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِ، وذَلِكَ حَيْثُ شَكُّوا وعَمُوا عَنْ إتْيانِهِ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى عِلْمٍ مَشْكُوكٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ كَوْنِهِ الَّذِي لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ. وفي ادَّرَكَ عِلْمُهم وادّارَكَ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ادَّرَكَ بِمَعْنى انْتَهى وفَنِيَ، مِن قَوْلِهِمْ: ادَّرَكَتِ الثَّمَرَةُ؛ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ. وقَدْ فَسَّرَ الحَسَنُ بِاضْمَحَلَّ عِلْمُهم وتَدارَكَ، مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ. انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: العِلْمُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ والقَوْلِ، أيْ تَتابَعَ مِنهُمُ القَوْلُ والحُكْمُ في الآخِرَةِ، وكَثُرَ مِنهُمُ الخَوْضُ فِيها، فَنَفاها بَعْضُهم، وشَكَّ فِيها بَعْضُهم، واسْتَبْعَدَها بَعْضُهم. وقالَ الفَرّاءُ: بَلِ ادَّرَكَ، فَيَصِيرُ بِمَعْنى الجَحْدِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ؛ أيْ لَمْ يَعْلَمُوا حُدُوثَها وكَوْنَها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ فَصارَتْ ”في“ في الكَلامِ بِمَعْنى الباءِ، أيْ لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أدَّرَكَ، بِالِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بَلى بِحَرْفِ الجَوابِ بَدَلَ بَلْ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: إنْ كانَ بَلى جَوابًا لِكَلامٍ تَقَدَّمَ، جازَ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِهِ، كَأنَّ قَوْمًا أنْكَرُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ القُدْرَةِ، فَقِيلَ لَهم: بَلى إيجابًا لَمّا نَفَوْا ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامُ وعُودِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ بِمَعْنى: أمْ هم في شَكٍّ مِنها؛ لِأنَّ حُرُوفَ العَطْفِ قَدْ تَتَناوَبُ، وكَفَّ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي أنَّ المَعْنى: أدَّرَكَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ أمْ شَكُّوا ؟ فَـ (بَلْ) بِمَعْنى أمْ، عُودِلَ بِها الهَمْزَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، وهو أنْ تَكُونَ بَلْ بِمَعْنى أمْ وتُعادِلُ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَمَن قَرَأ بَلى ادَّرَكَ ؟ (قُلْتُ): لَمّا جاءَ بِبَلى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ كانَ مَعْناهُ: بَلى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فُسِّرَ الشُّعُورُ بِقَوْلِهِ: ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ الَّذِي مَعْناهُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شُعُورُهم بِوَقْتِ الآخِرَةِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَها، فَيَرْجِعُ إلى المُبالَغَةِ في نَفْيِ الشُّعُورِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ. وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أدَّرَكَ ؟، عَلى الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناهُ: يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، وإذا أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِها؛ لِأنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ الكائِنِ تابِعٌ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الكائِنِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَذِهِ الإضْراباتُ الثَّلاثُ ما مَعْناهُ ؟ (قُلْتُ): ما هي إلّا تَنْزِيلٌ لِأحْوالِهِمْ، وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ، ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ فَلا يُزِيلُونَهُ، والإزالَةُ مُسْتَطاعَةٌ، وقَدْ جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ، فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِمَن دُونَ عَنْ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ والجَزاءَ هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ لا يَتَدَبَّرُونَ ولا يُبْصِرُونَ. انْتَهى.

النمل 27:65

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . (p-٨٨)لَمّا فَرَغَ مِن قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِحَمْدِهِ - تَعالى - والسَّلامِ عَلى المُصْطَفَيْنَ، وأخَذَ في مُبايَنَةِ واجِبِ الوُجُودِ اللَّهِ - تَعالى - ومُبايِنَةِ الأصْنامِ والأدْيانِ الَّتِي أشْرَكُوها مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوها. وابْتَدَأ في هَذا التَّقْرِيرِ لِقُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ بِالحَمْدَلَةِ، وكَأنَّها صَدْرُ خُطْبَةٍ لِما يُلْقِي مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ. وقَدِ اقْتَدى بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ في تَصانِيفَ كُتُبِهِمْ وخُطَبِهِمْ ووَعْظِهِمْ، فافْتَتَحُوا بِتَحْمِيدِ اللَّهِ، والصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ في أوائِلِ كُتُبِ الفُتُوحِ والتَّهانِي والحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَحْمِيدِ اللَّهِ عَلى هَلاكِ الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، والسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمُ النّاجِينَ. وقِيلَ: ”قُلِ“، خِطابٌ لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى هَلاكِ كُفّارِ قَوْمِهِ ﴿ويُسَلِّمُ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ . وعَزا هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلْفَرّاءِ، وقالَ: هَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ)، وكَذا: ”قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرَيْكم“ بِفَتْحِ اللّامِ، وعِبادُهُ المُصْطَفَوْنَ، يَعُمُّ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العِبادُ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اصْطَفاهم لِنَبِيِّهِ، وفي اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أحْوالَ الأنْبِياءِ، وأنَّ مَن كَذَّبَهُمُ اسْتُؤْصِلَ بِالعَذابِ، وأنَّ ذَلِكَ مُرْتَفِعٌ عَنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ، أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ عَلى ما خَصَّهُ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وتَسْلِيمِهِ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ. انْتَهى، وفِيهِ تَلْخِيصٌ. وقَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ تَبْكِيتٌ وتَوْبِيخٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ التَّبايُنِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ الأوْثانِ، إذْ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا شَرِكَةَ في الخَيْرِيَّةِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَهم، وكَثِيرًا ما يَجِيءُ هَذا النَّوْعُ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ يُعْلَمُ ويُتَحَقَّقُ أنَّهُ لا شَرِكَةَ فِيها وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ إلْزامِ الخَصْمِ وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَأِ مُرْتَكِبِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ هو عَنْ خَبَرِيَّةِ الذَّواتِ، فَقِيلَ: جاءَ عَلى اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ اعْتَقَدُوا في آلِهَتِهِمْ خَيْرًا بِوَجْهٍ ما، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ في مَوْضِعَيْنِ، التَّقْدِيرُ: أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما يُشْرِكُونَ ؟ فَما في أمْ ما بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والحَذْفُ مِنَ الأوَّلِ، أيْ أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ شِرْكُكم ؟ وقِيلَ: خَيْرٌ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، فَهي كَما تَقُولُ: الصَّلاةُ خَيْرٌ، يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الخُيُورِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ذُو خَيْرٍ. والظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وأنَّ الِاسْتِفْهامَ في نَحْوِ هَذا يَجِيءُ لِبَيانِ فَسادِ ما عَلَيْهِ الخَصْمُ، وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ، وإلْزامِهِ الإقْرارَ بِحَصْرِ التَّفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ، وانْتِفائِهِ عَنِ الآخَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تُشْرِكُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، (p-٨٩)وقَتادَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ. وأمْ في ”أمْ ما“ مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّ المَعْنى: أيُّهُما خَيْرٌ ؟ وفي (أمْ مَن خَلَقَ) وما بَعْدَهُ مُنْفَصِلَةٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَيْرًا، عَدَّدَ - سُبْحانَهُ - الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، تَوْقِيفًا لَهم عَلى ما أبْدَعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ بُدًّا مِنَ الإقْرارِ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”أمَّنْ خَلَقَ“، وفي الأرْبَعَةِ بَعْدَها بِشَدِّ المِيمِ، وهي مِيمُ أمْ أُدْغِمَتْ في مِيمِ مَن. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِتَخْفِيفِها جَعَلَها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى مَن، ومَن في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ: يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويَشُكُّ بِهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ، فَقَدَّرَ ما أُثْبِتَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ؛ بَدَأ أوَّلًا في الِاسْتِفْهامِ بِاسْمِ الذّاتِ، ثُمَّ انْتَقَلَ فِيهِ إلى الصِّفاتِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ: ولا بُدَّ مِن إضْمارِ جُمْلَةٍ مُعادِلَةٍ، وصارَ ذَلِكَ المُضْمَرُ كالمَنطُوقِ بِهِ لِدَلالَةِ الفَحْوى عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُ تِلْكَ الجُمْلَةِ: أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ كَمَن لَمْ يَخْلُقْ، وكَذَلِكَ أخَواتُها، وقَدْ أظْهَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما أضْمَرَ فِيها لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] . انْتَهى. وتَسْمِيَةُ هَذا المُقَدَّرِ جُمْلَةً، إنْ أرادَ بِها جُمْلَةً مِنَ الألْفاظِ فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ الجُمْلَةَ المُصْطَلَحَ عَلَيْها في النَّحْوِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مُضْمَرٌ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ. وبَدَأ - تَعالى - بِذِكْرِ إنْشاءِ مَقَرِّ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وإنْزالِ ما بِهِ قِوامُ العالَمِ السُّفْلِيِّ وقالَ: (لَكم) أيْ لِأجْلِكم، عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِكم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ دالًّا عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يُنْبِتْ تِلْكَ الحَدائِقَ المُخْتَلِفَةَ الأصْنافِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ بِماءٍ واحِدٍ إلّا هو - تَعالى. وقَدْ رُشِّحَ هَذا الِاخْتِصاصُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، لا شُبْهَةَ لِلْعاقِلِ في أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ، وكانَ الإنْباتُ مِمّا قَدْ يَتَسَبَّبُ فِيهِ الإنْسانُ بِالبَذْرِ والسَّقْيِ والتَّهْيِئَةِ، ويَسُوغُ لِفاعِلِ السَّبَبِ نِسْبَةُ فِعْلِ المُسَبَّبِ إلَيْهِ، بَيَّنَ - تَعالى - اخْتِصاصَهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وتَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ألا تَرى أنَّ المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ قَدْ لا يَأْتِي عَلى وفْقِ مُرادِهِ ؟ ولَوْ أتى فَهو جاهِلٌ بِطَبْعِهِ ومِقْدارِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَها ؟ والبَهْجَةُ: الجَمالُ والنُّضْرَةُ والحُسْنُ؛ لِأنَّ النّاظِرَ فِيها يَبْتَهِجُ، أيْ يُسَرُّ ويَفْرَحُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ذاتَ﴾ بِالإفْرادِ ﴿بَهْجَةٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وجَمْعُ التَّكْسِيرِ يَجْرِي في الوَصْفِ مَجْرى الواحِدَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وهو عَلى مَعْنى جَماعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ”ذَواتِ“، بِالجَمْعِ، بَهَجَةٍ بِتَحْرِيكِ الهاءِ بِالفَتْحِ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَفْيَ مِثْلِ هَذِهِ الكَيْنُونَةِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِهِ كَهَذا، أوْ لِامْتِناعِ وُقُوعِهِ شَرْعًا، أوْ لِنَفْيِ الأوْلَوِيَّةِ. والمَعْنى هُنا: أنَّ إنْباتَ ذَلِكَ مِنكم مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إبْرازُ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ، خاطَبَهم بِذَلِكَ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ ذَمَّهم، عَدَلَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إمّا التِفاتًا، وإمّا إخْبارًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِحالِهِمْ، أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ، أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا ومَثِيلًا. وقُرِئَ: إلَهًا، بِالنَّصْبِ، بِمَعْنى: أتَدْعُونَ أوْ أتَشْرَكُونَ ؟ وقُرِئَ: أإلَهٌ، بِتَخْفِيفِ الهَمْزَتَيْنِ وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، والفَصْلِ بَيْنَهُما بِألِفٍ. ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُنْشِئُ السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإنْباتُ الحَدائِقِ بِالأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُخْتَصًّا بِالأرْضِ، وهو جَعْلُها قَرارًا، أيْ مُسْتَقَرًّا لَكم، بِحَيْثُ يُمْكِنُكُمُ الإقامَةُ بِها والِاسْتِقْرارُ عَلَيْها، ولا يُدِيرُها الفَلَكُ، قِيلَ: لِأنَّها مُضْمَحِلَّةٌ في جَنْبِ الفَلَكِ، كالنُّقْطَةِ في الرَّحى. ﴿وجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ بَيْنَ أماكِنِها، في شِعابِها وأوْدِيَتِها ﴿أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ حَتّى لا تَتَكَفَّأ بِكم وتَمِيدَ. والبَحْرانِ: العَذْبُ والمِلْحُ، والحاجِزُ: الفاصِلُ، مِن قُدْرَتِهِ - تَعالى -، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَحْرُ السَّماءِ (p-٩٠)والأرْضِ، والحاجِزُ مِنَ الهَواءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومُ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَحْرُ العِراقِ والشّامِ، والحاجِزُ مِنَ الأرْضِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُخْتارًا لِهَذا القَوْلِ في الحاجِزِ: هو ما جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن حَواجِزِ الأرْضِ ومَوانِعِها، عَلى رِقَّتِها في بَعْضِ المَواضِعِ، ولَطافَتِها الَّتِي لَوْلا قُدْرَتُهُ لَبَلَعَ المِلْحُ العَذْبَ. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ البَحْرَينِ: العَذْبُ بِجُمْلَتِهِ، والماءُ الأُجاجُ بِجُمْلَتِهِ؛ ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُ عَظِيمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، تَكَرَّرَ فِيها العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ﴾ فَكانَتْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ المُسْتَقِلِّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها بِالِامْتِنانِ، ولَمْ يُشْرَكْ في عامِلٍ واحِدٍ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ في ذِكْرِ هَذِهِ الِامْتِناناتِ الأرْبَعِ كَلامٌ مِن عِلْمِ الطَّبِيعَةِ - والحُكَماءِ عَلى زَعْمِهِ - خارِجٌ عَنْ مَذاهِبِ العَرَبِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. والمُضْطَرُّ: اسْمُ مَفْعُولٍ، وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ حادِثٌ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ إلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ لِكَشْفِ ما اعْتَراهُ مِن ذَلِكَ وإزالَتِهِ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَجْهُودُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو الَّذِي لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، وإجابَتُهُ إيّاهُ مَقْرُونَةٌ بِمَشِيئَتِهِ - تَعالى - فَلَيْسَ كُلُّ مُضْطَرٍّ دَعا يُجِيبُهُ اللَّهُ في كَشْفِ ما بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإجابَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ بِهِ مَصْلَحَةً، ولِهَذا لا يَحْسُنُ الدُّعاءُ إلّا شارِطًا فِيهِ المَصْلَحَةَ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في مُراعاةِ المُصْلِحَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ هو كُلُّ ما يَسُوءُ، وهو عامٌّ في كُلِّ ضُرٍّ انْتَقَلَ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ، وهو خاصٌّ إلى أعَمَّ، وهو ما يَسُوءُ، سَواءٌ كانَ المَكْشُوفُ عَنْهُ في حالَةِ الِاضْطِرارِ أوْ فِيما دُونَها. وخُلَفاءَ: أيِ الأُمَمَ السّالِفَةَ، أوْ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ خُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَعْدِهِ، أوْ خُلَفاءَ الكُفّارِ في أرْضِهِمْ، أوِ المُلْكِ والتَّسَلُّطِ، أقْوالٌ. وقَرَأ الحَسَنُ في رِوايَةِ: ”ونَجْعَلُكم“ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ، كَأنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ ووَعْدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] . وقَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلَكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ انْتِقالٌ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ إلى رُتْبَةٍ مُغايِرَةٍ لِحالَةِ الِاضْطِرارِ، وهي حالَةُ الخِلافَةِ، فَهُما ظَرْفانِ. وكَمْ رَأيْنا في الدُّنْيا مِمَّنْ بَلَغَ حالَةَ الِاضْطِرارِ ثُمَّ صارَ مَلِكًا مُتَسَلِّطًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَذَكَّرُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ، والذّالُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدِّدَةٌ لِإدْغامِ التّاءِ فِيها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تَتَذَكَّرُونَ، بِتاءَيْنِ. وظُلْمَةُ البَرِّ هي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وهي الحَقِيقَةُ، وتَنْطَلِقُ مَجازًا عَلى الجَهْلِ وعَلى انْبِهامِ الأمْرِ فَيُقالُ: أظْلَمَ عَلَيَّ الأمْرُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَجَلَّتْ عَمَـايَـاتُ الرِّجَـالِ عَـنِ الصِّبَـا أيْ جَهالاتِ الصِّبا. وهِدايَةُ البَرِّ تَكُونُ بِالعَلاماتِ، وهِدايَةُ البَحْرِ بِالنُّجُومِ. ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقُرِئَ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخَلْقَ هو المَخْلُوقُ، وبَدْؤُهُ: اخْتِراعُهُ وإنْشاؤُهُ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقْصُودَ هو مَن يُعِيدُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلَكِ، لا عُمُومَ المَخْلُوقِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرُ الإعادَةِ، والإعادَةُ البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالخَلْقِ مَصْدَرَ خَلَقَ، ويَكُونُ يَبْدَأُ ويُعِيدُ اسْتِعارَةً لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا إذا كانَ يُتْقِنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ لَهم أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم مُنْكِرُونَ الإعادَةَ ؟ (قُلْتُ): قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّمْكِينِ مِنَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ إيجادُ بَنِي آدَمَ إنْعامًا إلَيْهِمْ وإحْسانًا، ولا تَتِمُّ النِّعْمَةُ إلّا بِالرِّزْقِ قالَ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ بِالمَطَرِ ﴿والأرْضِ﴾ بِالنَّباتِ ؟ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ أحْضِرُوا حُجَّتَكم ودَلِيلَكم عَلى ما تَدَّعُونَ مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ. فَأيْنَ دَلِيلُكم عَلَيْهِ ؟ وهَذا راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وناسَبَ خَتْمَ كُلِّ اسْتِفْهامٍ بِما تَقَدَّمَهُ. (p-٩١)لَمّا ذَكَرَ إيجادَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وما امْتَنَّ بِهِ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإنْباتِ الحَدائِقِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يُعْبَدَ إلّا مُوجِدُ العالَمِ والمُمْتَنُّ بِما بِهِ قِوامُ الحَياةِ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمّا هو مَخْلُوقٌ مُخْتَرَعٌ. ولَمّا ذَكَرَ جَعْلَ الأرْضِ مُسْتَقَرًّا، وتَفْجِيرَ الأنْهارِ، وإرْساءَ الجِبالِ، وكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى تَعَقُّلِ ذَلِكَ والفِكْرِ فِيهِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ويُفَكِّرُ في ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ، وكَشْفَ السُّوءِ، واسْتِخْلافَهم في الأرْضِ، ناسَبَ أنْ يَسْتَحْضِرَ الإنْسانُ دائِمًا هَذِهِ المِنَّةَ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ”﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾“، إشارَةً إلى تَوالِي النِّسْيانِ إذا صارَ في خَيْرٍ وزالَ اضْطِرارُهُ وكَشْفِ السُّوءِ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] . ولَمّا ذَكَرَ الهِدايَةَ في الظُّلُماتِ، وإرْسالَ الرِّياحِ نُشُرًا، ومَعْبُوداتُهم لا تَهْدِي ولا تُرْسِلُ، وهم يُشْرِكُونَ بِها اللَّهَ، قالَ - تَعالى -: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . واعْتَقَبَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ قَوْلَهُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والتَّقْرِيرِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تَعالى. قِيلَ: سَألَ الكُفّارَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي وعَدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وألَحُّوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ. والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَن فاعِلٌ بِـ ”يَعْلَمُ“، و”الغَيْبَ“ مَفْعُولٌ، و”إلّا اللَّهُ“ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ انْدِراجِهِ في مَدْلُولِ لَفْظِ مَن، وجاءَ مَرْفُوعًا عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ ما في غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ ولا يُقالُ: إنَّهُ مُنْدَرِجٌ في مَدْلُولِ مَن، فَيَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا لِلْمَخْلُوقِينَ فِيهِما، ومَجازِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، أيْ هو فِيها بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وإنْكارُهُ هو الصَّحِيحُ. ومَن أجازَ ذَلِكَ فَيَصِحُّ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، وارْتَفَعَ عَلى البَدَلِ أوِ الصِّفَةِ، والرَّفْعُ أفْصَحُ مِنَ النَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن نَفْيٍ مُتَقَدِّمٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الغَيْبِ. وقِيلَ: المُرادُ غَيْبُ السّاعَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الدّاعِي إلى اخْتِيارِ المَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ عَلى الحِجازِيِّ ؟ يَعْنِي في كَوْنِهِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ لَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ”مَن“، ولَمْ أخْتَرِ الرَّفْعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ولَمْ نَخْتَرِ النَّصْبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، قالَ: (قُلْتُ): دَعَتْ إلى ذَلِكَ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ، حَيْثُ أخْرَجَ المُسْتَثْنى مُخْرَجَ قَوْلِهِ: إلّا اليَعافِيرُ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيْسَ بِها أنِيسٌ، لِيَئُولَ المَعْنى إلى قَوْلِكَ: إنْ كانَ اللَّهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، يَعْنِي أنَّ عِلْمَهُمُ الغَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ كاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِنهم. كَما أنَّ مَعْنى: ما في البَيْتِ إنْ كانَتِ اليَعافِيرُ أنِيسًا، فَفِيها أنِيسٌ بِناءً لِلْقَوْلِ بِخُلُوِّها عَنِ الأنِيسِ. انْتَهى. وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أرْفَعُ اسْمَ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ ؟ (قُلْتُ): جاءَ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ يَقُولُونَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، كَأنَّ أحَدًا لَمْ يُذْكَرْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ∗∗∗ ولا النِّبْلُ إلّا المَشْرِفِيُّ المُصَمَّمُ وقَوْلُهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ يَقُولُ: لَوْ نُصِبَ لَكانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإذا رُفِعَ كانَ بَدَلًا، والمُبْدَلُ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، فَصارَ العامِلُ كَأنَّهُ مُفَرِّغٌ لَهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. ولَوْ أعْرَبَ ”مَن“ مَفْعُولًا، و”الغَيْبَ“ بَدَلٌ مِنهُ، وإلّا اللَّهُ هو الفاعِلُ، أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، أيِ الأشْياءَ الغائِبَةَ الَّتِي تَحْدُثُ في العالَمِ، وهم لا يَعْلَمُونَ بِحُدُوثِها، أيْ لا يَسْبِقُ عِلْمَهم بِذَلِكَ، لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، وكانَ اللَّهُ - تَعالى - هو المَخْصُوصُ بِسابِقِ عِلْمِهِ فِيما يَحْدُثُ في العالَمِ. وأيّانَ: تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها في أواخِرِ الأعْرافِ، وهي هُنا اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى مَتى، وهي مَعْمُولَةٌ لِـ ”يَبْعَثُونَ“ و”يُشْعِرُونَ“ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها (p-٩٢)اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: إيّانَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَبِيلَتِهِ بَنِي سُلَيْمٍ. ولَمّا نَفى عِلْمَ الغَيْبِ عَنْهم عَلى العُمُومِ، نَفى عَنْهم هَذا الغَيْبَ المَخْصُوصَ، وهو وقْتُ السّاعَةِ والبَعْثِ، فَصارَ مُنْتَفِيًا مَرَّتَيْنِ؛ إذْ هو مُنْدَرِجٌ في عُمُومِ الغَيْبِ ومَنصُوصٌ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَسُكِّنَتْ، فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أمْ تَدارَكَ، عَلى الأصْلِ، وجَعَلَ أمْ بَدَلَ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ أخُوهُ: بَلِ ادَّرَكَ، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ، وشَدِّ الدّالِ بِناءً عَلى أنْ وزَنَهُ افْتَعَلَ، فَأدْغَمَ الدّالَ، وهي فاءُ الكَلِمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا، فَصارَ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِقَوْلِهِمْ: اثَّرَدَ، وأصْلُهُ اثْتَرَدَ مِنَ الثَّرْدِ، والهَمْزَةُ المَحْذُوفَةُ المَنقُولُ حَرَكَتُها إلى اللّامِ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ فانْحَذَفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ثُمَّ انْحَذَفَتْ هي وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ بَلْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ، وتَوْبَةُ العَنْبَرِيُّ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا لامَ بَلْ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: بَلِ ادَّرَكَ، عَلى وزْنِ افَّعَلَ، بِمَعْنى تَفاعَلَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي جَمْرَةَ، وغَيْرُهُ عَنْهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بَلْ آدْرَكَ، بِمَدَّةٍ بَعْدِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ أأدْرَكَ، فَقَلَبَ الثّانِيَةَ ألِفًا تَخْفِيفًا، كَراهَةَ الجَمْعِ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ الرِّوايَةَ ووَجْهَها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ بَلْ؛ لِأنَّ بَلْ إيجابٌ، والِاسْتِفْهامُ في هَذا المَوْضِعِ إنْكارٌ بِمَعْنى: لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أيْ لَمْ يَشْهَدُوا، فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُما مَعًا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإيجابِ والإنْكارِ. انْتَهى. وقَدْ أجازَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ الِاسْتِفْهامَ بَعْدَ بَلْ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ القائِلِ: أخُبْزًا أكَلْتَ بَلْ أماءً شَرِبْتَ ؟ عَلى تَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الثّانِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ: أمِ ادَّرَكَ، جَعَلَ أمْ بَدَلَ بَلْ، وادَّرَكَ عَلى وزْنِ افَّعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلْ آدّارَكَ، بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى ادّارَكَ، فَيُسْقِطُ هَمْزَةَ الوَصْلِ المُجْتَلَبَةَ، لِأجْلِ الإدْغامِ والنُّطْقِ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: بَلْ أأدَّرَكَ، بِهَمْزَتَيْنِ، هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أفَّعَلَ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، والأعْرَجُ: بَلْ أدَّرَكَ، بِهَمْزَةٍ وإدْغامِ فاءِ الكَلِمَةِ، وهي الدّالُ في تاءِ افْتَعَلَ، بَعْدَ صَيْرُورَةِ التّاءِ دالًا. وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةٍ: بَلِ ادَّرَكَ، بِحَذْفِ هَمْزَةِ ادَّرَكَ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلى ادَّرَكَ، بِحَرْفِ الإيجابِ الَّذِي يُوجَبُ بِهِ المُسْتَفْهَمُ المَنفِيُّ. وقُرِئَ: بَلْ آأدَّرَكَ، بِألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ. فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلتَّقْرِيعِ بِمَعْنى لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهِمْ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أمِ ادَّرَكَ، وأمْ تَدارَكَ؛ لِأنَّها أمِ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ والتَّقْرِيرِ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عَنْهم، أيْ أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمُهم. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: بَلْ تَدارَكَ عِلْمُهم ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، أيْ عَلِمُوهُ في الآخِرَةِ، بِمَعْنى: تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بِأنَّ كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ حَقٌّ، وهَذا حَقِيقَةُ إثْباتِ العِلْمِ لَهم، لِمُشاهَدَتِهِمْ عَيانًا في الآخِرَةِ ما وُعِدُوا بِهِ غَيْبًا في الدُّنْيا، وكَوْنُهُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ومَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ، لِأنَّ الإخْبارَ بِهِ صِدْقٌ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَناهِي عِلْمِهِمْ، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَّباتُ وغَيْرُهُ، أيْ تَناهى وتَتابَعَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ؛ أوْ إلى أنْ لا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وتَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، وقَدْ تَعَدّى العِلْمُ بِالباءِ، كَما تَقُولُ: عِلْمِي بِزَيْدٍ كَذا، ويَسُوغُ حَمْلَ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى مَعْنى التَّوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ، وجاءَ إنْكارًا لِأنَّهم لَمْ يُدْرِكُوا شَيْئًا نافِعًا. والثّانِي: أنَّ أدْرَكَ: بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ (p-٩٣)عِلْمُهم في الآخِرَةِ يُدْرَكُ وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوْنَ العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُّنْيا فَلا. وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَحا إلَيْهِ الزَّجّاجُ، و”في“ عَلى بابِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَدارَكَ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ وزِيادَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِهِ وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في جُمْلَتِهِمْ نَسَبَ فِعْلَهم إلى الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ ناسٌ مِنهم. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ وصْفَهم بِاسْتِحْكامِهِ وتَكامُلِهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ، عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِ، وذَلِكَ حَيْثُ شَكُّوا وعَمُوا عَنْ إتْيانِهِ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى عِلْمٍ مَشْكُوكٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ كَوْنِهِ الَّذِي لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ. وفي ادَّرَكَ عِلْمُهم وادّارَكَ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ادَّرَكَ بِمَعْنى انْتَهى وفَنِيَ، مِن قَوْلِهِمْ: ادَّرَكَتِ الثَّمَرَةُ؛ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ. وقَدْ فَسَّرَ الحَسَنُ بِاضْمَحَلَّ عِلْمُهم وتَدارَكَ، مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ. انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: العِلْمُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ والقَوْلِ، أيْ تَتابَعَ مِنهُمُ القَوْلُ والحُكْمُ في الآخِرَةِ، وكَثُرَ مِنهُمُ الخَوْضُ فِيها، فَنَفاها بَعْضُهم، وشَكَّ فِيها بَعْضُهم، واسْتَبْعَدَها بَعْضُهم. وقالَ الفَرّاءُ: بَلِ ادَّرَكَ، فَيَصِيرُ بِمَعْنى الجَحْدِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ؛ أيْ لَمْ يَعْلَمُوا حُدُوثَها وكَوْنَها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ فَصارَتْ ”في“ في الكَلامِ بِمَعْنى الباءِ، أيْ لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أدَّرَكَ، بِالِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بَلى بِحَرْفِ الجَوابِ بَدَلَ بَلْ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: إنْ كانَ بَلى جَوابًا لِكَلامٍ تَقَدَّمَ، جازَ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِهِ، كَأنَّ قَوْمًا أنْكَرُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ القُدْرَةِ، فَقِيلَ لَهم: بَلى إيجابًا لَمّا نَفَوْا ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامُ وعُودِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ بِمَعْنى: أمْ هم في شَكٍّ مِنها؛ لِأنَّ حُرُوفَ العَطْفِ قَدْ تَتَناوَبُ، وكَفَّ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي أنَّ المَعْنى: أدَّرَكَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ أمْ شَكُّوا ؟ فَـ (بَلْ) بِمَعْنى أمْ، عُودِلَ بِها الهَمْزَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، وهو أنْ تَكُونَ بَلْ بِمَعْنى أمْ وتُعادِلُ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَمَن قَرَأ بَلى ادَّرَكَ ؟ (قُلْتُ): لَمّا جاءَ بِبَلى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ كانَ مَعْناهُ: بَلى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فُسِّرَ الشُّعُورُ بِقَوْلِهِ: ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ الَّذِي مَعْناهُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شُعُورُهم بِوَقْتِ الآخِرَةِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَها، فَيَرْجِعُ إلى المُبالَغَةِ في نَفْيِ الشُّعُورِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ. وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أدَّرَكَ ؟، عَلى الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناهُ: يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، وإذا أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِها؛ لِأنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ الكائِنِ تابِعٌ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الكائِنِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَذِهِ الإضْراباتُ الثَّلاثُ ما مَعْناهُ ؟ (قُلْتُ): ما هي إلّا تَنْزِيلٌ لِأحْوالِهِمْ، وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ، ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ فَلا يُزِيلُونَهُ، والإزالَةُ مُسْتَطاعَةٌ، وقَدْ جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ، فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِمَن دُونَ عَنْ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ والجَزاءَ هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ لا يَتَدَبَّرُونَ ولا يُبْصِرُونَ. انْتَهى.

النمل 27:66

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . (p-٨٨)لَمّا فَرَغَ مِن قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ، أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِحَمْدِهِ - تَعالى - والسَّلامِ عَلى المُصْطَفَيْنَ، وأخَذَ في مُبايَنَةِ واجِبِ الوُجُودِ اللَّهِ - تَعالى - ومُبايِنَةِ الأصْنامِ والأدْيانِ الَّتِي أشْرَكُوها مَعَ اللَّهِ وعَبَدُوها. وابْتَدَأ في هَذا التَّقْرِيرِ لِقُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ بِالحَمْدَلَةِ، وكَأنَّها صَدْرُ خُطْبَةٍ لِما يُلْقِي مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ. وقَدِ اقْتَدى بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ في تَصانِيفَ كُتُبِهِمْ وخُطَبِهِمْ ووَعْظِهِمْ، فافْتَتَحُوا بِتَحْمِيدِ اللَّهِ، والصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَبِعَهُمُ المُتَرَسِّلُونَ في أوائِلِ كُتُبِ الفُتُوحِ والتَّهانِي والحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وأمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَحْمِيدِ اللَّهِ عَلى هَلاكِ الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، والسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمُ النّاجِينَ. وقِيلَ: ”قُلِ“، خِطابٌ لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلى هَلاكِ كُفّارِ قَوْمِهِ ﴿ويُسَلِّمُ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ . وعَزا هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلْفَرّاءِ، وقالَ: هَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ. وقَرَأ أبُو السِّماكِ: (قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ)، وكَذا: ”قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرَيْكم“ بِفَتْحِ اللّامِ، وعِبادُهُ المُصْطَفَوْنَ، يَعُمُّ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العِبادُ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اصْطَفاهم لِنَبِيِّهِ، وفي اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أحْوالَ الأنْبِياءِ، وأنَّ مَن كَذَّبَهُمُ اسْتُؤْصِلَ بِالعَذابِ، وأنَّ ذَلِكَ مُرْتَفِعٌ عَنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ، أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ عَلى ما خَصَّهُ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، وتَسْلِيمِهِ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ. انْتَهى، وفِيهِ تَلْخِيصٌ. وقَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ تَبْكِيتٌ وتَوْبِيخٌ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ التَّبايُنِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَ الأوْثانِ، إذْ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ لا شَرِكَةَ في الخَيْرِيَّةِ بَيْنَ اللَّهِ - تَعالى - وبَيْنَهم، وكَثِيرًا ما يَجِيءُ هَذا النَّوْعُ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ يُعْلَمُ ويُتَحَقَّقُ أنَّهُ لا شَرِكَةَ فِيها وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ إلْزامِ الخَصْمِ وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَأِ مُرْتَكِبِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ هو عَنْ خَبَرِيَّةِ الذَّواتِ، فَقِيلَ: جاءَ عَلى اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ حَيْثُ اعْتَقَدُوا في آلِهَتِهِمْ خَيْرًا بِوَجْهٍ ما، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ في مَوْضِعَيْنِ، التَّقْدِيرُ: أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما يُشْرِكُونَ ؟ فَما في أمْ ما بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، والحَذْفُ مِنَ الأوَّلِ، أيْ أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ شِرْكُكم ؟ وقِيلَ: خَيْرٌ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، فَهي كَما تَقُولُ: الصَّلاةُ خَيْرٌ، يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الخُيُورِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ذُو خَيْرٍ. والظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وأنَّ الِاسْتِفْهامَ في نَحْوِ هَذا يَجِيءُ لِبَيانِ فَسادِ ما عَلَيْهِ الخَصْمُ، وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ، وإلْزامِهِ الإقْرارَ بِحَصْرِ التَّفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ، وانْتِفائِهِ عَنِ الآخَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تُشْرِكُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، (p-٨٩)وقَتادَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ. وأمْ في ”أمْ ما“ مُتَّصِلَةٌ، لِأنَّ المَعْنى: أيُّهُما خَيْرٌ ؟ وفي (أمْ مَن خَلَقَ) وما بَعْدَهُ مُنْفَصِلَةٌ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَيْرًا، عَدَّدَ - سُبْحانَهُ - الخَيْراتِ والمَنافِعَ الَّتِي هي آثارُ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، كَما عَدَّدَها في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، تَوْقِيفًا لَهم عَلى ما أبْدَعَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهم لا يَجِدُونَ بُدًّا مِنَ الإقْرارِ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”أمَّنْ خَلَقَ“، وفي الأرْبَعَةِ بَعْدَها بِشَدِّ المِيمِ، وهي مِيمُ أمْ أُدْغِمَتْ في مِيمِ مَن. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِتَخْفِيفِها جَعَلَها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى مَن، ومَن في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ: يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويَشُكُّ بِهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ المَعْنى. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ، فَقَدَّرَ ما أُثْبِتَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ؛ بَدَأ أوَّلًا في الِاسْتِفْهامِ بِاسْمِ الذّاتِ، ثُمَّ انْتَقَلَ فِيهِ إلى الصِّفاتِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في (كِتابِ اللَّوامِحِ) لَهُ: ولا بُدَّ مِن إضْمارِ جُمْلَةٍ مُعادِلَةٍ، وصارَ ذَلِكَ المُضْمَرُ كالمَنطُوقِ بِهِ لِدَلالَةِ الفَحْوى عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُ تِلْكَ الجُمْلَةِ: أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ كَمَن لَمْ يَخْلُقْ، وكَذَلِكَ أخَواتُها، وقَدْ أظْهَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما أضْمَرَ فِيها لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] . انْتَهى. وتَسْمِيَةُ هَذا المُقَدَّرِ جُمْلَةً، إنْ أرادَ بِها جُمْلَةً مِنَ الألْفاظِ فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ الجُمْلَةَ المُصْطَلَحَ عَلَيْها في النَّحْوِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مُضْمَرٌ مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ. وبَدَأ - تَعالى - بِذِكْرِ إنْشاءِ مَقَرِّ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وإنْزالِ ما بِهِ قِوامُ العالَمِ السُّفْلِيِّ وقالَ: (لَكم) أيْ لِأجْلِكم، عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِكم. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ دالًّا عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يُنْبِتْ تِلْكَ الحَدائِقَ المُخْتَلِفَةَ الأصْنافِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ بِماءٍ واحِدٍ إلّا هو - تَعالى. وقَدْ رُشِّحَ هَذا الِاخْتِصاصُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، لا شُبْهَةَ لِلْعاقِلِ في أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ، وكانَ الإنْباتُ مِمّا قَدْ يَتَسَبَّبُ فِيهِ الإنْسانُ بِالبَذْرِ والسَّقْيِ والتَّهْيِئَةِ، ويَسُوغُ لِفاعِلِ السَّبَبِ نِسْبَةُ فِعْلِ المُسَبَّبِ إلَيْهِ، بَيَّنَ - تَعالى - اخْتِصاصَهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ وتَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ . ألا تَرى أنَّ المُتَسَبِّبَ لِذَلِكَ قَدْ لا يَأْتِي عَلى وفْقِ مُرادِهِ ؟ ولَوْ أتى فَهو جاهِلٌ بِطَبْعِهِ ومِقْدارِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَها ؟ والبَهْجَةُ: الجَمالُ والنُّضْرَةُ والحُسْنُ؛ لِأنَّ النّاظِرَ فِيها يَبْتَهِجُ، أيْ يُسَرُّ ويَفْرَحُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ذاتَ﴾ بِالإفْرادِ ﴿بَهْجَةٍ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ، وجَمْعُ التَّكْسِيرِ يَجْرِي في الوَصْفِ مَجْرى الواحِدَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وهو عَلى مَعْنى جَماعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ”ذَواتِ“، بِالجَمْعِ، بَهَجَةٍ بِتَحْرِيكِ الهاءِ بِالفَتْحِ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ نَفْيَ مِثْلِ هَذِهِ الكَيْنُونَةِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِهِ كَهَذا، أوْ لِامْتِناعِ وُقُوعِهِ شَرْعًا، أوْ لِنَفْيِ الأوْلَوِيَّةِ. والمَعْنى هُنا: أنَّ إنْباتَ ذَلِكَ مِنكم مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إبْرازُ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ، خاطَبَهم بِذَلِكَ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ ذَمَّهم، عَدَلَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إمّا التِفاتًا، وإمّا إخْبارًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِحالِهِمْ، أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ، أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا ومَثِيلًا. وقُرِئَ: إلَهًا، بِالنَّصْبِ، بِمَعْنى: أتَدْعُونَ أوْ أتَشْرَكُونَ ؟ وقُرِئَ: أإلَهٌ، بِتَخْفِيفِ الهَمْزَتَيْنِ وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، والفَصْلِ بَيْنَهُما بِألِفٍ. ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُنْشِئُ السَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإنْباتُ الحَدائِقِ بِالأرْضِ، ذَكَرَ شَيْئًا مُخْتَصًّا بِالأرْضِ، وهو جَعْلُها قَرارًا، أيْ مُسْتَقَرًّا لَكم، بِحَيْثُ يُمْكِنُكُمُ الإقامَةُ بِها والِاسْتِقْرارُ عَلَيْها، ولا يُدِيرُها الفَلَكُ، قِيلَ: لِأنَّها مُضْمَحِلَّةٌ في جَنْبِ الفَلَكِ، كالنُّقْطَةِ في الرَّحى. ﴿وجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ بَيْنَ أماكِنِها، في شِعابِها وأوْدِيَتِها ﴿أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ حَتّى لا تَتَكَفَّأ بِكم وتَمِيدَ. والبَحْرانِ: العَذْبُ والمِلْحُ، والحاجِزُ: الفاصِلُ، مِن قُدْرَتِهِ - تَعالى -، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَحْرُ السَّماءِ (p-٩٠)والأرْضِ، والحاجِزُ مِنَ الهَواءِ. وقالَ الحَسَنُ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومُ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَحْرُ العِراقِ والشّامِ، والحاجِزُ مِنَ الأرْضِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مُخْتارًا لِهَذا القَوْلِ في الحاجِزِ: هو ما جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن حَواجِزِ الأرْضِ ومَوانِعِها، عَلى رِقَّتِها في بَعْضِ المَواضِعِ، ولَطافَتِها الَّتِي لَوْلا قُدْرَتُهُ لَبَلَعَ المِلْحُ العَذْبَ. وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ البَحْرَينِ: العَذْبُ بِجُمْلَتِهِ، والماءُ الأُجاجُ بِجُمْلَتِهِ؛ ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُ عَظِيمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، تَكَرَّرَ فِيها العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ﴾ فَكانَتْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ المُسْتَقِلِّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها بِالِامْتِنانِ، ولَمْ يُشْرَكْ في عامِلٍ واحِدٍ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ في ذِكْرِ هَذِهِ الِامْتِناناتِ الأرْبَعِ كَلامٌ مِن عِلْمِ الطَّبِيعَةِ - والحُكَماءِ عَلى زَعْمِهِ - خارِجٌ عَنْ مَذاهِبِ العَرَبِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. والمُضْطَرُّ: اسْمُ مَفْعُولٍ، وهو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ حادِثٌ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ إلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ لِكَشْفِ ما اعْتَراهُ مِن ذَلِكَ وإزالَتِهِ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَجْهُودُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو الَّذِي لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، وإجابَتُهُ إيّاهُ مَقْرُونَةٌ بِمَشِيئَتِهِ - تَعالى - فَلَيْسَ كُلُّ مُضْطَرٍّ دَعا يُجِيبُهُ اللَّهُ في كَشْفِ ما بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الإجابَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ بِهِ مَصْلَحَةً، ولِهَذا لا يَحْسُنُ الدُّعاءُ إلّا شارِطًا فِيهِ المَصْلَحَةَ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في مُراعاةِ المُصْلِحَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ هو كُلُّ ما يَسُوءُ، وهو عامٌّ في كُلِّ ضُرٍّ انْتَقَلَ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ، وهو خاصٌّ إلى أعَمَّ، وهو ما يَسُوءُ، سَواءٌ كانَ المَكْشُوفُ عَنْهُ في حالَةِ الِاضْطِرارِ أوْ فِيما دُونَها. وخُلَفاءَ: أيِ الأُمَمَ السّالِفَةَ، أوْ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ خُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَعْدِهِ، أوْ خُلَفاءَ الكُفّارِ في أرْضِهِمْ، أوِ المُلْكِ والتَّسَلُّطِ، أقْوالٌ. وقَرَأ الحَسَنُ في رِوايَةِ: ”ونَجْعَلُكم“ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ، كَأنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ ووَعْدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] . وقَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلَكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ انْتِقالٌ مِن حالَةِ المُضْطَرِّ إلى رُتْبَةٍ مُغايِرَةٍ لِحالَةِ الِاضْطِرارِ، وهي حالَةُ الخِلافَةِ، فَهُما ظَرْفانِ. وكَمْ رَأيْنا في الدُّنْيا مِمَّنْ بَلَغَ حالَةَ الِاضْطِرارِ ثُمَّ صارَ مَلِكًا مُتَسَلِّطًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَذَكَّرُونَ“، بِتاءِ الخِطابِ؛ والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ، والذّالُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدِّدَةٌ لِإدْغامِ التّاءِ فِيها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تَتَذَكَّرُونَ، بِتاءَيْنِ. وظُلْمَةُ البَرِّ هي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وهي الحَقِيقَةُ، وتَنْطَلِقُ مَجازًا عَلى الجَهْلِ وعَلى انْبِهامِ الأمْرِ فَيُقالُ: أظْلَمَ عَلَيَّ الأمْرُ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎تَجَلَّتْ عَمَـايَـاتُ الرِّجَـالِ عَـنِ الصِّبَـا أيْ جَهالاتِ الصِّبا. وهِدايَةُ البَرِّ تَكُونُ بِالعَلاماتِ، وهِدايَةُ البَحْرِ بِالنُّجُومِ. ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقُرِئَ: عَمّا تُشْرِكُونَ، بِتاءِ الخِطابِ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الخَلْقَ هو المَخْلُوقُ، وبَدْؤُهُ: اخْتِراعُهُ وإنْشاؤُهُ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقْصُودَ هو مَن يُعِيدُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلَكِ، لا عُمُومَ المَخْلُوقِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَقْصُودُ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرُ الإعادَةِ، والإعادَةُ البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالخَلْقِ مَصْدَرَ خَلَقَ، ويَكُونُ يَبْدَأُ ويُعِيدُ اسْتِعارَةً لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا إذا كانَ يُتْقِنُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قالَ لَهم أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهم مُنْكِرُونَ الإعادَةَ ؟ (قُلْتُ): قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّمْكِينِ مِنَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ إيجادُ بَنِي آدَمَ إنْعامًا إلَيْهِمْ وإحْسانًا، ولا تَتِمُّ النِّعْمَةُ إلّا بِالرِّزْقِ قالَ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ بِالمَطَرِ ﴿والأرْضِ﴾ بِالنَّباتِ ؟ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ أحْضِرُوا حُجَّتَكم ودَلِيلَكم عَلى ما تَدَّعُونَ مِن إنْكارِ شَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ. فَأيْنَ دَلِيلُكم عَلَيْهِ ؟ وهَذا راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي جِيءَ بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وناسَبَ خَتْمَ كُلِّ اسْتِفْهامٍ بِما تَقَدَّمَهُ. (p-٩١)لَمّا ذَكَرَ إيجادَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وما امْتَنَّ بِهِ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإنْباتِ الحَدائِقِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يُعْبَدَ إلّا مُوجِدُ العالَمِ والمُمْتَنُّ بِما بِهِ قِوامُ الحَياةِ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ مِمّا هو مَخْلُوقٌ مُخْتَرَعٌ. ولَمّا ذَكَرَ جَعْلَ الأرْضِ مُسْتَقَرًّا، وتَفْجِيرَ الأنْهارِ، وإرْساءَ الجِبالِ، وكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى تَعَقُّلِ ذَلِكَ والفِكْرِ فِيهِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ويُفَكِّرُ في ذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ، وكَشْفَ السُّوءِ، واسْتِخْلافَهم في الأرْضِ، ناسَبَ أنْ يَسْتَحْضِرَ الإنْسانُ دائِمًا هَذِهِ المِنَّةَ، فَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ”﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾“، إشارَةً إلى تَوالِي النِّسْيانِ إذا صارَ في خَيْرٍ وزالَ اضْطِرارُهُ وكَشْفِ السُّوءِ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] . ولَمّا ذَكَرَ الهِدايَةَ في الظُّلُماتِ، وإرْسالَ الرِّياحِ نُشُرًا، ومَعْبُوداتُهم لا تَهْدِي ولا تُرْسِلُ، وهم يُشْرِكُونَ بِها اللَّهَ، قالَ - تَعالى -: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . واعْتَقَبَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ قَوْلَهُ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والتَّقْرِيرِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تَعالى. قِيلَ: سَألَ الكُفّارَ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي وعَدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وألَحُّوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ. والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَن فاعِلٌ بِـ ”يَعْلَمُ“، و”الغَيْبَ“ مَفْعُولٌ، و”إلّا اللَّهُ“ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ انْدِراجِهِ في مَدْلُولِ لَفْظِ مَن، وجاءَ مَرْفُوعًا عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ ما في غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ ولا يُقالُ: إنَّهُ مُنْدَرِجٌ في مَدْلُولِ مَن، فَيَكُونُ في السَّماواتِ والأرْضِ ظَرْفًا حَقِيقِيًّا لِلْمَخْلُوقِينَ فِيهِما، ومَجازِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، أيْ هو فِيها بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وإنْكارُهُ هو الصَّحِيحُ. ومَن أجازَ ذَلِكَ فَيَصِحُّ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، وارْتَفَعَ عَلى البَدَلِ أوِ الصِّفَةِ، والرَّفْعُ أفْصَحُ مِنَ النَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن نَفْيٍ مُتَقَدِّمٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الغَيْبِ. وقِيلَ: المُرادُ غَيْبُ السّاعَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الدّاعِي إلى اخْتِيارِ المَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ عَلى الحِجازِيِّ ؟ يَعْنِي في كَوْنِهِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذْ لَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ ”مَن“، ولَمْ أخْتَرِ الرَّفْعَ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ولَمْ نَخْتَرِ النَّصْبَ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، قالَ: (قُلْتُ): دَعَتْ إلى ذَلِكَ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ، حَيْثُ أخْرَجَ المُسْتَثْنى مُخْرَجَ قَوْلِهِ: إلّا اليَعافِيرُ، بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيْسَ بِها أنِيسٌ، لِيَئُولَ المَعْنى إلى قَوْلِكَ: إنْ كانَ اللَّهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، يَعْنِي أنَّ عِلْمَهُمُ الغَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ كاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِنهم. كَما أنَّ مَعْنى: ما في البَيْتِ إنْ كانَتِ اليَعافِيرُ أنِيسًا، فَفِيها أنِيسٌ بِناءً لِلْقَوْلِ بِخُلُوِّها عَنِ الأنِيسِ. انْتَهى. وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أرْفَعُ اسْمَ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ ؟ (قُلْتُ): جاءَ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، حَيْثُ يَقُولُونَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارٌ، كَأنَّ أحَدًا لَمْ يُذْكَرْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ∗∗∗ ولا النِّبْلُ إلّا المَشْرِفِيُّ المُصَمَّمُ وقَوْلُهُ: ما أتانِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ. انْتَهى. ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ يَقُولُ: لَوْ نُصِبَ لَكانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، وإذا رُفِعَ كانَ بَدَلًا، والمُبْدَلُ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ، فَصارَ العامِلُ كَأنَّهُ مُفَرِّغٌ لَهُ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. ولَوْ أعْرَبَ ”مَن“ مَفْعُولًا، و”الغَيْبَ“ بَدَلٌ مِنهُ، وإلّا اللَّهُ هو الفاعِلُ، أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، أيِ الأشْياءَ الغائِبَةَ الَّتِي تَحْدُثُ في العالَمِ، وهم لا يَعْلَمُونَ بِحُدُوثِها، أيْ لا يَسْبِقُ عِلْمَهم بِذَلِكَ، لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، وكانَ اللَّهُ - تَعالى - هو المَخْصُوصُ بِسابِقِ عِلْمِهِ فِيما يَحْدُثُ في العالَمِ. وأيّانَ: تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها في أواخِرِ الأعْرافِ، وهي هُنا اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى مَتى، وهي مَعْمُولَةٌ لِـ ”يَبْعَثُونَ“ و”يُشْعِرُونَ“ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي فِيها (p-٩٢)اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: إيّانَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ قَبِيلَتِهِ بَنِي سُلَيْمٍ. ولَمّا نَفى عِلْمَ الغَيْبِ عَنْهم عَلى العُمُومِ، نَفى عَنْهم هَذا الغَيْبَ المَخْصُوصَ، وهو وقْتُ السّاعَةِ والبَعْثِ، فَصارَ مُنْتَفِيًا مَرَّتَيْنِ؛ إذْ هو مُنْدَرِجٌ في عُمُومِ الغَيْبِ ومَنصُوصٌ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَسُكِّنَتْ، فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أمْ تَدارَكَ، عَلى الأصْلِ، وجَعَلَ أمْ بَدَلَ. وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ أخُوهُ: بَلِ ادَّرَكَ، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ، وشَدِّ الدّالِ بِناءً عَلى أنْ وزَنَهُ افْتَعَلَ، فَأدْغَمَ الدّالَ، وهي فاءُ الكَلِمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا، فَصارَ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِقَوْلِهِمْ: اثَّرَدَ، وأصْلُهُ اثْتَرَدَ مِنَ الثَّرْدِ، والهَمْزَةُ المَحْذُوفَةُ المَنقُولُ حَرَكَتُها إلى اللّامِ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، أُدْخِلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ فانْحَذَفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ثُمَّ انْحَذَفَتْ هي وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ بَلْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ، وتَوْبَةُ العَنْبَرِيُّ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا لامَ بَلْ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: بَلِ ادَّرَكَ، عَلى وزْنِ افَّعَلَ، بِمَعْنى تَفاعَلَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي جَمْرَةَ، وغَيْرُهُ عَنْهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بَلْ آدْرَكَ، بِمَدَّةٍ بَعْدِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ أأدْرَكَ، فَقَلَبَ الثّانِيَةَ ألِفًا تَخْفِيفًا، كَراهَةَ الجَمْعِ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ الرِّوايَةَ ووَجْهَها. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ بَلْ؛ لِأنَّ بَلْ إيجابٌ، والِاسْتِفْهامُ في هَذا المَوْضِعِ إنْكارٌ بِمَعْنى: لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أيْ لَمْ يَشْهَدُوا، فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُما مَعًا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإيجابِ والإنْكارِ. انْتَهى. وقَدْ أجازَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ الِاسْتِفْهامَ بَعْدَ بَلْ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ القائِلِ: أخُبْزًا أكَلْتَ بَلْ أماءً شَرِبْتَ ؟ عَلى تَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الثّانِي. وقَرَأ مُجاهِدٌ: أمِ ادَّرَكَ، جَعَلَ أمْ بَدَلَ بَلْ، وادَّرَكَ عَلى وزْنِ افَّعَلَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلْ آدّارَكَ، بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى ادّارَكَ، فَيُسْقِطُ هَمْزَةَ الوَصْلِ المُجْتَلَبَةَ، لِأجْلِ الإدْغامِ والنُّطْقِ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: بَلْ أأدَّرَكَ، بِهَمْزَتَيْنِ، هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أفَّعَلَ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، والأعْرَجُ: بَلْ أدَّرَكَ، بِهَمْزَةٍ وإدْغامِ فاءِ الكَلِمَةِ، وهي الدّالُ في تاءِ افْتَعَلَ، بَعْدَ صَيْرُورَةِ التّاءِ دالًا. وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةٍ: بَلِ ادَّرَكَ، بِحَذْفِ هَمْزَةِ ادَّرَكَ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بَلى ادَّرَكَ، بِحَرْفِ الإيجابِ الَّذِي يُوجَبُ بِهِ المُسْتَفْهَمُ المَنفِيُّ. وقُرِئَ: بَلْ آأدَّرَكَ، بِألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ. فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلتَّقْرِيعِ بِمَعْنى لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهِمْ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أمِ ادَّرَكَ، وأمْ تَدارَكَ؛ لِأنَّها أمِ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ والتَّقْرِيرِ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عَنْهم، أيْ أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمُهم. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: بَلْ تَدارَكَ عِلْمُهم ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، أيْ عَلِمُوهُ في الآخِرَةِ، بِمَعْنى: تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بِأنَّ كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ حَقٌّ، وهَذا حَقِيقَةُ إثْباتِ العِلْمِ لَهم، لِمُشاهَدَتِهِمْ عَيانًا في الآخِرَةِ ما وُعِدُوا بِهِ غَيْبًا في الدُّنْيا، وكَوْنُهُ بِمَعْنى المُضِيِّ، ومَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ، لِأنَّ الإخْبارَ بِهِ صِدْقٌ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَناهِي عِلْمِهِمْ، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَّباتُ وغَيْرُهُ، أيْ تَناهى وتَتابَعَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ؛ أوْ إلى أنْ لا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وتَكُونُ في بِمَعْنى الباءِ مُتَعَلِّقَةً بِعِلْمِهِمْ، وقَدْ تَعَدّى العِلْمُ بِالباءِ، كَما تَقُولُ: عِلْمِي بِزَيْدٍ كَذا، ويَسُوغُ حَمْلَ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى مَعْنى التَّوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ، وجاءَ إنْكارًا لِأنَّهم لَمْ يُدْرِكُوا شَيْئًا نافِعًا. والثّانِي: أنَّ أدْرَكَ: بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ (p-٩٣)عِلْمُهم في الآخِرَةِ يُدْرَكُ وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوْنَ العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُّنْيا فَلا. وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَحا إلَيْهِ الزَّجّاجُ، و”في“ عَلى بابِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَدارَكَ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ وزِيادَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِهِ وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في جُمْلَتِهِمْ نَسَبَ فِعْلَهم إلى الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ ناسٌ مِنهم. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ وصْفَهم بِاسْتِحْكامِهِ وتَكامُلِهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ، عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِ، وذَلِكَ حَيْثُ شَكُّوا وعَمُوا عَنْ إتْيانِهِ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى عِلْمٍ مَشْكُوكٍ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ كَوْنِهِ الَّذِي لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِهِ. وفي ادَّرَكَ عِلْمُهم وادّارَكَ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ادَّرَكَ بِمَعْنى انْتَهى وفَنِيَ، مِن قَوْلِهِمْ: ادَّرَكَتِ الثَّمَرَةُ؛ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ. وقَدْ فَسَّرَ الحَسَنُ بِاضْمَحَلَّ عِلْمُهم وتَدارَكَ، مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ. انْتَهى. وقالَ الكِرْمانِيُّ: العِلْمُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ والقَوْلِ، أيْ تَتابَعَ مِنهُمُ القَوْلُ والحُكْمُ في الآخِرَةِ، وكَثُرَ مِنهُمُ الخَوْضُ فِيها، فَنَفاها بَعْضُهم، وشَكَّ فِيها بَعْضُهم، واسْتَبْعَدَها بَعْضُهم. وقالَ الفَرّاءُ: بَلِ ادَّرَكَ، فَيَصِيرُ بِمَعْنى الجَحْدِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ؛ أيْ لَمْ يَعْلَمُوا حُدُوثَها وكَوْنَها، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ فَصارَتْ ”في“ في الكَلامِ بِمَعْنى الباءِ، أيْ لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: أدَّرَكَ، بِالِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ بَلى بِحَرْفِ الجَوابِ بَدَلَ بَلْ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: إنْ كانَ بَلى جَوابًا لِكَلامٍ تَقَدَّمَ، جازَ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِهِ، كَأنَّ قَوْمًا أنْكَرُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ القُدْرَةِ، فَقِيلَ لَهم: بَلى إيجابًا لَمّا نَفَوْا ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامُ وعُودِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ بِمَعْنى: أمْ هم في شَكٍّ مِنها؛ لِأنَّ حُرُوفَ العَطْفِ قَدْ تَتَناوَبُ، وكَفَّ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . انْتَهى. يَعْنِي أنَّ المَعْنى: أدَّرَكَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ أمْ شَكُّوا ؟ فَـ (بَلْ) بِمَعْنى أمْ، عُودِلَ بِها الهَمْزَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، وهو أنْ تَكُونَ بَلْ بِمَعْنى أمْ وتُعادِلُ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَمَن قَرَأ بَلى ادَّرَكَ ؟ (قُلْتُ): لَمّا جاءَ بِبَلى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ كانَ مَعْناهُ: بَلى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فُسِّرَ الشُّعُورُ بِقَوْلِهِ: ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ الَّذِي مَعْناهُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شُعُورُهم بِوَقْتِ الآخِرَةِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَها، فَيَرْجِعُ إلى المُبالَغَةِ في نَفْيِ الشُّعُورِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ. وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أدَّرَكَ ؟، عَلى الِاسْتِفْهامِ فَمَعْناهُ: يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، وإذا أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها، لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِها؛ لِأنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ الكائِنِ تابِعٌ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الكائِنِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَذِهِ الإضْراباتُ الثَّلاثُ ما مَعْناهُ ؟ (قُلْتُ): ما هي إلّا تَنْزِيلٌ لِأحْوالِهِمْ، وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ، ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ فَلا يُزِيلُونَهُ، والإزالَةُ مُسْتَطاعَةٌ، وقَدْ جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ، فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِمَن دُونَ عَنْ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ والجَزاءَ هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ لا يَتَدَبَّرُونَ ولا يُبْصِرُونَ. انْتَهى.

النمل 27:67

(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ . لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ. ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ. ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ. ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ. ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ. شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ. ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ. ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى. ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.