Al-Bahr Al-Muhit — النمل 27:68 – النمل 27:90
المحتويات
النمل 27:68
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:69
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:70
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:71
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:72
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:73
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:74
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:75
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:76
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:77
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:78
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:79
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:80
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:81
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:82
(p-٩٤)﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ .
لَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ومِن جُمْلَتِها وقْتُ السّاعَةِ، وأنَّهم لا شُعُورَ لَهم بِوَقْتِها، وأنَّ الكُفّارَ في شَكٍّ مِنها عَمُونَ، ناسَبَ ذِكْرُ مَقالاتِهِمْ في اسْتِبْعادِها، وأنَّ ما وُعِدُوا بِهِ مِن ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما ذَلِكَ ما سَطَرَ الأوَّلُونَ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”أئِذا، أئِنّا“ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ؛ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأهُما عاصِمٌ وحَمْزَةُ: بِهَمْزَتَيْنِ، ونافِعٌ: إذا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، آيِنّا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً، وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، والباقُونَ: آئِذا، بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ، إنَّنا: بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَقْدِيرُهُ: يَخْرُجُ، ويَمْتَنِعُ إعْمالُ ”لَمُخْرَجُونَ“ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”إنَّ“ و”لامِ“ الِابْتِداءِ والِاسْتِفْهامِ يَمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، إلّا اللّامَ الواقِعَةَ في خَبَرِ إنَّ، فَإنَّهُ يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ الخَبَرِ عَلَيْها وعَلى الخَبَرِ عَلى ما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وآباؤُنا: مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ كانَ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِخَبَرِ كانَ. والإخْراجُ هُنا مِنَ القُبُورِ أحْياءً، مَرْدُودًا أرْواحُهم إلى الأجْسادِ، والجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ في ”إذا“ وفي ”إنّا“ إنْكارٌ عَلى إنْكارٍ، ومُبالَغَةٌ في كَوْنِ ذَلِكَ لا يَكُونُ، والضَّمِيرُ في ”أئِنّا“ لَهم ولِآبائِهِمْ؛ لِأنَّ صَيْرُورَتَهم تُرابًا، شامِلٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهم وُعِدُوا ذَلِكَ هم وآباؤُهم، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذا المَوْعُودِ، ثُمَّ جَزَمُوا وحَصَرُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِ مَن تَقَدَّمَ. وجاءَ هُنا تَقْدِيمُ المَوْعُودِ بِهِ، وهو هَذا، وتَأخَّرَ في آيَةٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ. فَحَيْثُ تَأكَّدَ الإخْبارُ عَنْهم بِإنْكارِ البَعْثِ والآخِرَةِ، عَمَدُوا إلَيْها بِالتَّقْدِيمِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِناءِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، عَمَدُوا إلى إنْكارِ إيجادِ المَبْعُوثِ، فَقَدَّمُوهُ وأخَّرُوا المَوْعُودَ بِهِ، ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ الأنْعامِ. وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ: الكافِرِينَ، ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في كَوْنِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا ولَمْ يُذْعِنُوا إلى ما جِئْتَ بِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجٍ وأمْرٍ شاقٍّ عَلَيْكَ مِمّا يَمْكُرُونَ ) فَإنَّ مَكْرَهم لاحِقٌ بِهِمْ، لا بِكَ، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم. وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ”ضِيقٍ“، (p-٩٥)بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وهُما مَصْدَرانِ. وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ المَفْتُوحُ الضّادَ، أصْلُهُ ضَيِّقٌ، بِتَشْدِيدِ الياءِ فَخُفِّفَ، كَلَيْنٍ في لَيِّنٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ. وأجازَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
ولَمّا اسْتَعْجَلَتْ قُرَيْشٌ بِأمْرِ السّاعَةِ، أوْ بِالعَذابِ المَوْعُودِ بِهِ هم، وسَألُوا عَنْ وقْتِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، قِيلَ لَهُ: قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُهُ: أيْ تَبِعَكم عَنْ قُرْبٍ وصارَ كالرَّدِيفِ التّابِعِ لَكم بَعْضُ ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، وهو كانَ عَذابَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رَدِفَ، بِكَسْرِ الدّالِ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ: بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ ولَحِقَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِأزِفَ وقَرُبَ لَمّا كانَ يَجِيءُ بَعْدَ الشَّيْءِ قَرِيبًا مِنهُ ضِمْنَ مَعْناهُ، أوْ مَزِيدًا، اللّامُ في مَفْعُولِهِ لِتَأْكِيدِ وصُولِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما زِيدَتِ الباءُ في: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ عُدِّيَ بِمَن عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ لِما يَتَعَدّى بِها، وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تَنْعِقُ
أيْ دَنَوْا مِن عُمَيْرٍ. وقِيلَ: رَدِفَهُ ورَدِفَ لَهُ، لُغَتانِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مَحْمُولٌ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الرّادِفَةُ لَكم. و”بَعْضُ“ عَلى تَقْدِيرِ رِدافَةِ بَعْضِ ما تَسْتَعْجِلُونَ، وهَذا فِيهِ تَكَلُّفٌ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَكم داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رَدِفَ الخَلْقَ لِأجْلِكم، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: الفاعِلُ بِرَدِفَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ قالَ: لَكم بَعْضُ ما تَسْتَعْجِلُونَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ أفْضالٍ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ وكُفْرِهِمْ، ومُتَعَلِّقُ يَشْكُرُونَ مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَشْكُرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم، أوْ لا يَشْكُرُونَ بِمَعْنى: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ النِّعْمَةِ، عَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَعْرِفَتِها، وهو الشُّكْرُ.
ثُمَّ أخْبَرَ - تَعالى - بِسَعَةِ عِلْمِهِ، فَبَدَأ بِما يَخُصُّ الإنْسانَ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ غائِبَةٍ وعَبَّرَ بِالصُّدُورِ، وهي مَحَلُّ القُلُوبِ الَّتِي لَها الفِكْرُ والتَّعَقُّلُ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عَنِ الحالِ فِيها، وهي القُلُوبُ، وأسْنَدَ الإعْلانَ إلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ الإعْلانَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ. ولَمّا كانَ المُضْمَرُ في الصَّدْرِ هو الدّاعِي لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والسَّبَبُ في إظْهارِهِ قِدَمُ الإكْنانِ عَلى الإعْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ما تُكِنُّ) مَن أكَنَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، مِن كَنَّ الشَّيْءَ: سَتَرَهُ، والمَعْنى: ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ”مِن غائِبَةٍ“، أيْ ما مِن شَيْءٍ في غايَةِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ ومَكْنُونِ عِلْمِهِ. وقِيلَ: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ. وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالُها، قالَهُ الحَسَنُ. والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ أُثْبِتَتْ لِيُجازَيَ عَلَيْها. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: أيْ حادِثَةٍ غائِبَةٍ، أوْ نازِلَةٍ واقِعَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ ما مِن شَيْءٍ سِرٍّ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَلانِيَةٍ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السِّرِّ عَنْ مُقابِلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةً وخافِيَةً، فَكانَتِ التّاءُ فِيهِما بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ، ونَظِيرُهُما: النَّطِيحَةُ والذَّبِيحَةُ والرَّمِيَّةُ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ، كالرِّوايَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن رِوايَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وأحاطَ بِهِ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المُبِينِ الظّاهِرِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - المَبْدَأ والمَعادَ، ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، وكانَ المُعْتَمَدُ الكَبِيرُ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنُ. ومِن جُمْلَةِ إعْجازِهِ إخْبارُهُ بِما تَضَمَّنَ مِنَ القَصَصِ، المُوافِقِ (p-٩٦)لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ ولا اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ. وبَنُو إسْرائِيلَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. قَصَّ فِيهِ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وجْهِهِ، وبَيَّنَهُ لَهم، ولَوْ أنْصَفُوا أسْلَمُوا. ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ، تَحَزَّبُوا فِيهِ، فَمِن قائِلٍ هو اللَّهُ، ومِن قائِلٍ ابْنُ اللَّهِ، ومِن قائِلٍ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ عَقَدُوا لَهُمُ اجْتِماعاتٍ، وتَبايَنُوا في العَقائِدِ، وتَناكَرُوا في أشْياءَ حَتّى لَعَنَ بَعْضُهم بَعْضًا، والظّاهِرُ عُمُومُ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ لِمَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والقَضاءُ والحُكْمُ: وإنْ ظَهَرَ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا العَدْلُ، أيْ بِعَدْلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِحِكْمَتِهِ الحُكْمُ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِحِكَمِهِ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ، جَمْعُ حِكْمَةٍ، وهو جَناحُ بْنُ جَيْشٍ. ولَمّا كانَ القَضاءُ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ ما يَقْضِي بِهِ، والعِلْمَ بِما يَحْكُمُ بِهِ، جاءَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ عَقِبَهُ، وهو العِزَّةُ: أيِ الغَلَبَةُ والقُدْرَةُ والعِلْمُ. ثُمَّ أمَرَهُ - تَعالى - بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِلتَّوَكُّلِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كانَ عَلى الحَقِّ يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثِقَ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ ولا يَخْذُلُهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ وما قَصَّ اللَّهُ فِيهِ لا يَكادُ يُجْدِي عِنْدَهم، أخْبَرَ - تَعالى - عَنْهم أنَّهم مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى، وإنْ كانُوا أحْياءً صِحاحَ الأبْصارِ؛ لِأنَّهم إذا تُلِيَ عَلَيْهِمْ لا تَعِيهِ آذانُهم، فَكانَتْ حالُهم لِانْتِفاءِ جَدْوى السَّماعِ كَحالِ المَوْتى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تَسْمَعُ الصُّمُّ“ هُنا - وفي الرُّومِ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ - الصُّمُّ بِالرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَيِّتُ لا يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ، لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، بَلْ نَفى الإسْماعَ، أيْ لا يَقَعُ مِنكَ إسْماعٌ لَهم ألْبَتَّةَ لِعَدَمِ القابِلِيَّةِ. وأمّا الأصَمُّ فَقَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يُمْكِنُ إسْماعُهُ وسَماعُهُ، فَأتى بِمُتَعَلِّقِ الفِعْلِ وهو الدُّعاءُ. و”إذا“ مَعْمُولَةٌ لِـ ”تَسْمَعُ“، وقَيَّدَ نَفْيَ الإسْماعِ أوِ السَّماعِ بِهَذا الطَّرَفِ وما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ يُوَلِّيَ مُدْبِرًا، كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
شَبَّهَهم أوَّلًا بِالمَوْتى، ثُمَّ بِالصُّمِّ في حالَةٍ، ثُمَّ بِالعَمى، فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ حَيْثُ يَضِلُّونَ الطَّرِيقَ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ عَنْهم ويُحَوِّلَهم هُداةً بُصَراءَ إلّا اللَّهُ - تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِهادِي العُمْيِ، اسْمُ فاعِلٍ مُضافٌ؛ ويَحْيَـى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: بِهادٍ - مُنَوَّنًا - ”العُمْيَ“؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحَمْزَةُ: تَهْدِي، مُضارِعُ هَدى، ”العُمْيَ“ بِالنَّصْبِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: وما أنْتَ تَهْتَدِي، بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما، ويَهْتَدِي مُضارِعُ اهْتَدى، والعُمْيُ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى: لَيْسَ في وُسْعِكَ إدْخالُ الهُدى في قَلْبِ مَن عَمِيَ عَنِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ قَلْبِهِ.
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِآياتِهِ.
﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِمَعْنى جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ خالِصًا. انْتَهى.
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ إذا انْتَجَزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأزَلِيُّ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١] فالمَعْنى: إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُنْفِذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ فِيهِمْ مِنَ العَذابِ، أخْرَجَ لَهم دابَّةً تَنْفُذُ مِنَ الأرْضِ. ووَقَعَ: عِبارَةٌ عَنِ الثُّبُوتِ واللُّزُومِ، و”القَوْلُ“ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَضْمُونُ القَوْلِ، وإمّا أنَّهُ أطْلَقَ القَوْلَ عَلى المَقُولِ، لَمّا كانَ المَقُولُ مُؤَدًّى بِالقَوْلِ، وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ والعَذابِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يَكُونُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، وذَهابِ العِلْمِ، ورَفْعِ القُرْآنِ. انْتَهى. ورُوِيَ أنَّ خُرُوجَها حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عَنْ مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الدّابَّةَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ»، ولَمْ يُعَيِّنِ الأوَّلَ، وكَذَلِكَ الدَّجّالُ؛ وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ آخِرُها، والظّاهِرُ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي تَخْرُجُ هي واحِدَةٌ. ورُوِيَ أنَّهُ يَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ دابَّةٌ مِمّا هو مَثْبُوتٌ نَوْعُها في الأرْضِ، ولَيْسَتْ واحِدَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (دابَّةً) اسْمَ جِنْسٍ. واخْتَلَفُوا في ماهِيَّتِها، وشَكْلِها، ومَحَلِّ خُرُوجِها، وعَدَدِ خُرُوجِها، ومِقْدارِ ما تَخْرُجُ مِنها، وما تَفْعَلُ بِالنّاسِ، وما الَّذِي تَخْرُجُ (p-٩٧)بِهِ، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُعارِضًا بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فاطَّرَحْنا ذِكْرَهُ؛ لِأنَّ نَقْلَهُ تَسْوِيدٌ لِلْوَرَقِ بِما لا يَصِحُّ، وتَضْيِيعٌ لِزَمانِ نَقْلِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مِنَ الكَلامِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: تُنَبِّئُهم، وفي بَعْضِ القِراءاتِ: تُحَدِّثُهم، وهي قِراءَةُ يَحْيَـى بْنِ سَلّامٍ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: بِأنَّ النّاسَ. قالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ سائِرِ الأدْيانِ سِوى الإسْلامِ. وقِيلَ: تُخاطِبُهم، فَتَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ: هَذا مُؤْمِنٌ، ولِلْكافِرِ: هَذا كافِرٌ. وقِيلَ مَعْنى ”تُكَلِّمُهم“: تَجْرَحُهم مِنَ الكَلْمِ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي زُرْعَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ: تَكْلِمُهم، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الكافِ مُخَفَّفَ اللّامِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: تَجْرَحُهم مَكانَ تَكْلِمُهم. وسَألَ أبُو الحَوْراءِ ابْنَ عَبّاسٍ: تُكَلِّمُ أوْ تَكْلِمُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ تَفْعَلُ، تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ. انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّها تَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرْبِدُهُ، وتَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أنَّ النّاسَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ: ”بِأنَّ“ وتَقَدَّمَ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: ”إنَّ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فاحْتُمِلَ الكَسْرُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ، وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (بِآياتِنا) واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الدّابَّةِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكُسِرَتْ إنَّ هَذا عَلى القَوْلِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ ”تُكَلِّمُهم“ إجْراءَ تَقُولُ لَهم. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ؛ كَما تَقُولُ بَعْضُ خَواصِّ المَلِكِ: خَيْلُنا وبِلادُنا، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، فالتَّقْدِيرُ بِأنَّ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُكَلِّمُهم“، أيْ تُخاطِبُهم بِهَذا الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ المَنطُوقُ بِها أوِ المُقَدَّرَةُ سَبَبِيَّةً، أيْ تُخاطِبُهم أوْ تَجْرَحُهم بِسَبَبِ انْتِفاءِ إيقانِهِمْ بِآياتِنا.
النمل 27:83
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٩٨)أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، والحَشْرُ: الجَمْعُ عَلى عُنْفٍ.
﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ، ومِن هي لِلتَّبْعِيضِ.
﴿فَوْجًا﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً.
﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ. والآياتُ: الأنْبِياءُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدَّلائِلُ، أقْوالٌ.
﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ إلى المَوْقِفِ؛ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإهانَةٍ؛ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ أوَقَعَ تَكْذِيبُكم بِها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لَها ولا مُحِيطِينَ عِلْمًا بِكُنْهِها ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، أيْ أجَحَدْتُمُوها: ومَعَ جُحُودِها لَمْ تُلْقُوا أذْهانَكم لِتَحَقُّقِها وتَبَصُّرِها، فَإنَّ المَكْتُوبَ إلَيْهِ قَدْ يَجْحَدُ أنْ يَكُونَ الكِتابَ مِن عِنْدِ مَن كَتَبَهُ إلَيْهِ، ولا يَدَعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْرَأهُ ويُحِيطَ بِمَعانِيهِ عِلْمًا. وقِيلَ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أيْ بِبُطْلانِها حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها، بَلْ كَذَّبْتُمْ جاهِلِينَ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُقَدَّرَ بِبَلْ وحْدَها. انْتَقَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ عَمَلِهِمْ أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أوْ حُجَّةٌ فَهاتُوا، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا حُجَّةٌ فِيما عَمِلُوهُ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وماذا بِجُمْلَتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِخَبَرِ كانَ، وهو تَعْمَلُونَ، وأنْ يَكُونَ ”ما“ هو الِاسْتِفْهامُ، وذا مَوْصُولٌ بِمَعْنى (p-٩٩)الَّذِي، فَيَكُونانِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وكانَ صِلَةٌ لِذا والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تَعْمَلُونَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أماذا، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، أدْخَلَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ.
﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ولا عُذْرٍ لِما شَغَلَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، وانْتِفاءُ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.
ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَرْتَدِعَ بِسَماعِها مَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - ارْتِداعَهُ، نَبَّهَهم عَلى ما هو دَلِيلٌ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ بِما هم يُشاهِدُونَهُ في حالِ حَياتِهِمْ، وهو تَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نُورٍ إلى ظُلْمَةٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى نُورٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ واحِدٌ، وهو اللَّهُ - تَعالى - فَيَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ. وفي هَذا التَّقْلِيبِ دَلِيلٌ عَلى القَلْبِ مِن حَياةٍ إلى مَوْتٍ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ أُخْرى، وفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْلِيبَ هو لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، ولِهَذا عَلَّلَ ذَلِكَ الجَعْلَ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ لِتَحْصِيلِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ وأضافَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ أضافَهُ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: لَيْلُكَ نائِمٌ، وعَلَّلَ جَعْلَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أيْ لِأنْ يَقَعَ سُكُونُهم فِيهِ مِمّا يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ في النَّهارِ واسْتِراحَةُ نُفُوسِهِمْ. قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
؎النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ
ولَمْ يَقَعِ التَّقابُلُ في جَعْلِ النَّهارِ بِالنَّصِّ عَلى عِلَّتِهِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، بَلْ أتى بِقَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرًا﴾ قَيْدًا في جَعْلِ النَّهارِ، لا عِلَّةً لِلْجَعْلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ؛ لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا: لِتُبْصِرُوا فِيهِ طَرِيقَ التَّقَلُّبِ في المَكاسِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا مِن بابِ ما حُذِفَ مِن أوَّلِهِ ما أُثْبِتَ في مُقابِلِهِ، وحُذِفَ مِن آخِرِهِ ما أُثْبِتَ في أوَّلِهِ، فالتَّقْدِيرُ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْصَرِفُوا فِيهِ؛ فالإظْلامُ يَنْشَأُ عَنْهُ السُّكُونُ، والإبْصارُ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّصَرُّفُ في المَصالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ فالسُّكُونُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، والتَّصَرُّفُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا وتَقَدَّمَ لَنا: الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذَيْنِ الحَذْفَيْنِ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] .
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في هَذا الجَعْلِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِالفِكْرِ في هَذِهِ الآياتِ إلّا المُؤْمِنُونَ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ آياتٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الصُّورِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ المَلَكَ لَهُ في الصُّوَرِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: نَفْخَتانِ، جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ نَفْخَةً واحِدَةً، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ويَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، وعُبِّرَ هُنا بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾ وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] .
﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ فَلا يَنالُهم هَذا الفَزَعُ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ قَلْبَهُ. فَقالَ مُقاتِلٌ: هم جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . وإذا كانَ الفَزَعُ الأكْبَرُ لا يَنالُهم، فَهم حَرِيُّونَ أنْ لا يَنالَهم هَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: الحُورُ العِينُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ: مِنهم مُوسى؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا، وهو: «أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ (p-١٠٠)الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفِ حَوْلَ العَرْشِ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ صَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ في التَّعْيِينِ، وغَيْرُهُ اجْتِهادٌ. وهَذا النَّفْخُ هو حَقِيقَةٌ، إمّا في القَرْنِ، وإمّا في الصُّوَرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتى، فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ الصَّوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّوابُ، لِكَثْرَةِ وُرُودِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ في القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقِيلَ: فَفَزِعَ، لَيْسَ مِنَ الفَزَعِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما مَعْناهُ: أجابَ وأسْرَعَ إلى البَقاءِ.
﴿وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ المُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وكُلُّهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتُوهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: أتَوْهُ، فِعْلًا ماضِيًا، وفي القِراءَتَيْنِ رُوعِيَ مَعْنى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ، وقَتادَةُ: أتاهُ، فِعْلًا ماضِيًا مُسْنِدًا لِضَمِيرِ ”كُلٌّ“ عَلى لَفْظِها، وجَمَعَ داخِرِينَ عَلى مَعْناها. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: ”دَخِرِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ. قِيلَ: ومَعْنى آتُوهُ: حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ وانْقِيادُهم لَهُ.
﴿وتَرى الجِبالَ﴾ هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ تَحْسَبُها حالٌ مِن فاعِلِ تَرى، أوْ مِنَ الجِبالِ. و”جامِدَةً“، مَن جَمَدَ مَكانَهُ إذا لَمْ يَبْرَحْ مِنهُ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ عَقِيبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وهي أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ، تَمُوجُ وتَسِيرُ، ثُمَّ يَنْسِفُها اللَّهُ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا في آخِرِ الأمْرِ.
﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَحْسَبُها في رَأْيِ العَيْنِ ثابِتَةً مُقِيمَةً في أماكِنِها وهي سائِرَةٌ، وتَشْبِيهُ مُرُورِها بِمَرِّ السَّحابِ. قِيلَ: في كَوْنِها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا، كَما مَرَّ السَّحابُ، وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ، إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ في صِفَةِ جَيْشٍ:
؎نارٌ عَنْ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
وقِيلَ: شَبَّهَ مُرُورَها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا، كَما قالَ الأعْشى:
؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وحُسْبانُ الرّائِي الجِبالَ جامِدَةً مَعَ مُرُورِها، قِيلَ: لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها لَيْسَتْ بِجامِدَةٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَجْهُ في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ، أنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ، ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ، وهي تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا. انْتَهى. وقِيلَ: وصَفَ - تَعالى - الجِبالَ بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَرْجِعُ إلى تَفْرِيغٍ الأرْضِ مِنها وإبْرازِ ما كانَتْ تُوارِيهِ. فَأوَّلُ الصِّفاتِ: ارْتِجاجُها، ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، ثُمَّ نَسْفُها، وهي مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ غَيْرُ بارِزَةٍ، وبِالنَّسْفِ بَرَزَتْ، ونَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، ثُمَّ تَطْيِيرِها بِالرِّيحِ في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، فَإذا نَظَرْتَ إلى مَواضِعِها لَمْ تَجِدْ فِيها مِنها شَيْئًا كالسَّرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ تَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُسَوّى بِها.
وانْتَصَبَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، فالعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٩] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ (p-١٠١)مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“، والمَعْنى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أثابَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ، وعاقَبَ المُجْرِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، وجُعِلَ هَذا الصُّنْعُ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، حَيْثُ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي؛ أنَّ مُقابَلَتَهُ الحَسَنَةَ بِالثَّوابِ، والسَّيِّئَةَ بِالعِقابِ، مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ وإتْقانِهِ لَها وإجْرائِهِ لَها عَلى قَضايا الحِكْمَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ، وبِما يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ، فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، ومَكانَةِ إضْمادِهِ، ورَصانَةِ تَفْسِيرِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْرِغَ إفْراغًا واحِدًا، ويا لِأمْرٍ أعْجَزَ القُوى وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ، إذا جاءَ عَقِيبَ كَلامٍ، جاءَ كالشّاهِدِ لِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا كَما كانَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ )﴾ و( ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤] و﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؟ بَعْدَما رَسَمَها بِإضافَتِها إلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّعْظِيمِ، كَيْفَ تَلاها بِقَوْلِهِ: ”﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾“، ”﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]“، ”﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]“، ”﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]“ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَقاشِقِهِ وتَكْثِيرِهِ في الكَلامِ، واحْتِيالِهِ في إدارَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ لِما عَلَيْهِ، مِن مَذاهِبِ المُعْتَزِلَةِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صُنْعَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي جُمْلَةُ الحالِ، أيْ صَنَعَ اللَّهُ بِها ذَلِكَ، وهو قَلْعُها مِنَ الأرْضِ، ومَرُّها مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَّحابِ. وأمّا قَوْلُهُ: إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾“، يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُكِّدَ مَضْمُونُها بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مُخِلٌّ. ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ، وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها، لَمْ يَرِدِ الحَذْفُ في شَيْءٍ مِنها؛ إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدُ، إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّوْكِيدَ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُكِّدَ مُعْتَنًى بِهِ، ومِن حَيْثُ حُذِفَ غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ عَلى ”الإغْراءِ بِمَعْنى، انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: يَفْعَلُونَ بِالياءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ.
ولَمّا ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ. والحَسَنَةُ: الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ورَتَّبَ عَلى مَجِيءِ المُكَلَّفِ بِالحَسَنَةِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِنها، ويَظْهَرُ أنَّ خَيْرًا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ونَشْؤُهُ مِنها، أيْ مِن جِهَةِ هَذِهِ الحَسَنَةِ، والخَيْرُ هُنا: الثَّوابُ. وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ أنَّها لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. وقِيلَ: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها، يُرِيدُ الإضْعافَ، وأنَّ العَمَلَ يَنْقَضِي والثَّوابَ يَدُومُ، وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ، تَرْكِيبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَبَعْضُ العُلَماءِ مَنَعَهُ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونَ في قَوْلِهِ: مِنها، حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها واسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - تَعالى - تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرًا، والدّاعِيَةُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَّوابِ تَفْضِيلٌ. انْتَهى. وقِيلَ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ. وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السِّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ لا يَكُونُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، و“ يَوْمَئِذٍ ”، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: آمِنُونَ، أوْ لِـ“ فَزَعٍ ”. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قِراءَةُ مَن (p-١٠٢)أضافَهُ إلَيْهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ“ فَزَعٍ ”، أيْ كائِنٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإضافَةِ“ فَزَعٍ ”إلى يَوْمَئِذٍ؛ فَكَسَرَ المِيمَ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ، وفَتَحَها، بِناءً لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ؛ نافِعٌ، في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ. والتَّنْوِينُ في“ يَوْمَئِذٍ ”تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ وعُوِّضَ مِنها، والأوْلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ، أيْ يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تَرى الجِبالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِأنَّهُ نَفْخُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ، ويَكُونُ الفَزَعُ إذْ ذاكَ واحِدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ ما مَعْناهُ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، أوْ بِالإضافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ، شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ، فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَزَعَيْنِ ؟ (قُلْتُ): الفَزَعُ الأوَّلُ: ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ بِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ لَحاقَ الضَّرَرِ بِهِ. والثّانِي: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النّارِ. وخُصَّتِ الوُجُوهُ، إذْ كانَتْ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ويَلْزَمُ مِن كَبِّها في النّارِ كَبُّ الجَمِيعِ، أوْ عُبِّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، كَما قالَ:“ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] ”، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ. والظّاهِرُ مِن كُبَّتْ، أنَّهم يُلْقَوْنَ في النّارِ مَنكُوسِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أعْلاهم قَبْلَ أسْفَلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ طَرْحِهِمْ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. هَلْ تُجْزَوْنَ: خِطابٌ لَهم عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ يُقالُ لَهم وقْتَ الكَبِّ: هَلْ تُجْزَوْنَ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، أوْ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.“ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ”: أيْ أُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا أتَّخِذَ مَعَهُ شَرِيكًا، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وهَذِهِ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ مِن حَيْثُ هي مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ. والبَلْدَةُ: مَكَّةُ، وأُسْنِدَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَها واخْتِصاصًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»؛ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وإسْنادَهُ إلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ كانَ ظُهُورُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: حَرَّمَها، تَنْبِيهٌ بِنِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ جَعَلَ بَلْدَتَهم آمِنَةً مِنَ الغاراتِ والفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ في بِلادِ العَرَبِ، وأهْلَكَ مَن أرادَها بِسُوءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِي: صِفَةً لِلرَّبِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الَّتِي حَرَّمَها: صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مالِكُ هَذِهِ البَلْدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ فَقالَ:“ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ”، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ داخِلَةٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، فَشَرُفَتِ البَلْدَةُ بِذِكْرِ انْدِراجِها تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جِهَةِ الخُصُوصِ، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ. وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ: أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأعْبُدُهُ كَما أمَرَنِي، أوْ مِنَ الحُنَفاءِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، إمّا مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: وأنْ أتْلُوَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا الظّاهِرُ، إذْ بَعْدَهُ التَّقْسِيمُ المُناسِبُ لِلتِّلاوَةِ، وإمّا مِنَ المَتْلُوِّ، أيْ: وأنْ أتَّبِعَ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنْ أتْلُوَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وأنِ اتْلُ، بِغَيْرِ واوٍ، أمْرًا مِن تَلا، فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ: وأُمِرْتُ أنِ أتْلُ، أيِ اتْلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: واتْلُ هَذا القُرْآنَ، جَعَلَهُ أمْرًا دُونَ أنْ. فَمَنِ اهْتَدى، بِهِ ووَحَّدَ اللَّهَ ونَبِيَّهُ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ، فَثَمَرَةُ هِدايَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ. ومَن ضَلَّ، فَوَبالُ إضْلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وحُذِفَ جَوابُ مَن ضَلَّ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ في قَوْلِهِ:“ ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ”ضَمِيرٌ حَتّى يُرْبَطَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ، إذْ أداةُ الشَّرْطِ اسْمٌ ولَيْسَ ظَرْفًا، فَلا بُدَّ في جُمْلَةِ الجَوابِ (p-١٠٣)مِن ذِكْرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي جَوابُ الشَّرْطِ، ويُقَدَّرُ الضَّمِيرُ: مِنَ المُنْذِرِينَ لَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ إلّا إنْذارُهُ، وأمّا هِدايَتُهُ فَإلى اللَّهِ. وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، واخْتَصَّهُ مِن رَفِيعِ المَنزِلَةِ. سَيُرِيكم آياتِهِ: تَهْدِيدٌ لِأعْدائِهِ بِما يُرِيهِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى مَعْرِفَتِها والإقْرارِ أنَّها آياتُ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ حَتّى لا تَنْفَعَهُمُ المَعْرِفَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في الدُّنْيا؛ وهي الدُّخانُ وانْشِقاقُ القَمَرِ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: خُرُوجُ الدّابَّةِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وقِيلَ: آياتُهُ في أنْفُسِكم وفي سائِرِ ما خَلَقَ، مِثْلُ قَوْلِهِ:“ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ”. وقِيلَ: مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأضافَها إلَيْهِ لِأنَّهُ هو مُجْرِيها عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ، ومُظْهِرُها مِن جِهَتِهِ.“ فَتَعْرِفُونَها ”: أيْ حَقِيقَتَها، ولا يَسَعُكم جُحُودُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ عَمّا يَعْمَلُونَ "، بِياءِ الغَيْبَةِ، التِفاتًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِتاءِ الخِطابِ لِقَوْلِهِ: سَيُرِيكم. ولَمّا قَسَّمَهم إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، غَيْرُ غافِلٍ عَنْها.
* *
(مُفْرَداتُ سُورَةِ القَصَصِ)
الوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. وقِيلَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ. وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّهْزُ واللَّكْزُ: الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ، واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. وقِيلَ: الوَكْزُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. ذادَ طَرَدَ ودَفَعَ وقالَ الفَرّاءُ: حَبَسَ، جَذَوْتُ الشَّيْءَ جَذْوًا: قَطَعْتُهُ، والجَذْوَةُ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجَذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا ذَعِرِ
الخَوّارُ: الَّذِي يَتَقَصَّفُ، والذَّعِرُ الَّذِي فِيهِ تَعَبٌ. وقالَ آخَرُ:
؎وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ ∗∗∗ جَذْوَةً عَلَيْها حَمْئُها والتِهابُها
وقِيلَ: الجَذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، العُودُ الغَلِيظُ، كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وقالَ السُّلَمِيُّ يَصِفُ الصَّلى:
؎حَمى حُبُّ هَذِي النّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهو دُونَ الحَبائِبِ
؎وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجُذافِيِّ رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ
الشّاطِئُ والشَّطُّ: حَفَّةُ الوادِي. الفَصاحَةُ: بَسْطُ اللِّسانِ في إيضاحِ المَعْنى المَقْصُودِ، ومُقابِلُهُ: اللَّكْنُ. الرِّدْءُ: المُعِينُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ في الأمْرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
؎ورِدْءُ كُلِّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ ∗∗∗ شَحِيذِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ
ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ، إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَوْنُ، ويُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ: أعَنْتُهُ. المَقْبُوحُ: المَطْرُودُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ألا قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّها ∗∗∗ وجَدَّعَ يَرْبُوعًا وعَفَّرَ دارِما
ثَوى يَثْوِي ثَواءٌ: أقامَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٌ ثَوَيْتُهُ ∗∗∗ تُقَضّى لَباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ
وقالَ العَجّاجُ:
؎فَباتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ
أيِ الضَّيْفُ المُقِيمُ. البَطَرُ: الطُّغْيانُ. السَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.
النمل 27:84
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٩٨)أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، والحَشْرُ: الجَمْعُ عَلى عُنْفٍ.
﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ، ومِن هي لِلتَّبْعِيضِ.
﴿فَوْجًا﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً.
﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ. والآياتُ: الأنْبِياءُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدَّلائِلُ، أقْوالٌ.
﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ إلى المَوْقِفِ؛ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإهانَةٍ؛ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ أوَقَعَ تَكْذِيبُكم بِها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لَها ولا مُحِيطِينَ عِلْمًا بِكُنْهِها ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، أيْ أجَحَدْتُمُوها: ومَعَ جُحُودِها لَمْ تُلْقُوا أذْهانَكم لِتَحَقُّقِها وتَبَصُّرِها، فَإنَّ المَكْتُوبَ إلَيْهِ قَدْ يَجْحَدُ أنْ يَكُونَ الكِتابَ مِن عِنْدِ مَن كَتَبَهُ إلَيْهِ، ولا يَدَعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْرَأهُ ويُحِيطَ بِمَعانِيهِ عِلْمًا. وقِيلَ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أيْ بِبُطْلانِها حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها، بَلْ كَذَّبْتُمْ جاهِلِينَ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُقَدَّرَ بِبَلْ وحْدَها. انْتَقَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ عَمَلِهِمْ أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أوْ حُجَّةٌ فَهاتُوا، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا حُجَّةٌ فِيما عَمِلُوهُ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وماذا بِجُمْلَتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِخَبَرِ كانَ، وهو تَعْمَلُونَ، وأنْ يَكُونَ ”ما“ هو الِاسْتِفْهامُ، وذا مَوْصُولٌ بِمَعْنى (p-٩٩)الَّذِي، فَيَكُونانِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وكانَ صِلَةٌ لِذا والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تَعْمَلُونَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أماذا، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، أدْخَلَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ.
﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ولا عُذْرٍ لِما شَغَلَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، وانْتِفاءُ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.
ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَرْتَدِعَ بِسَماعِها مَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - ارْتِداعَهُ، نَبَّهَهم عَلى ما هو دَلِيلٌ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ بِما هم يُشاهِدُونَهُ في حالِ حَياتِهِمْ، وهو تَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نُورٍ إلى ظُلْمَةٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى نُورٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ واحِدٌ، وهو اللَّهُ - تَعالى - فَيَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ. وفي هَذا التَّقْلِيبِ دَلِيلٌ عَلى القَلْبِ مِن حَياةٍ إلى مَوْتٍ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ أُخْرى، وفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْلِيبَ هو لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، ولِهَذا عَلَّلَ ذَلِكَ الجَعْلَ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ لِتَحْصِيلِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ وأضافَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ أضافَهُ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: لَيْلُكَ نائِمٌ، وعَلَّلَ جَعْلَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أيْ لِأنْ يَقَعَ سُكُونُهم فِيهِ مِمّا يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ في النَّهارِ واسْتِراحَةُ نُفُوسِهِمْ. قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
؎النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ
ولَمْ يَقَعِ التَّقابُلُ في جَعْلِ النَّهارِ بِالنَّصِّ عَلى عِلَّتِهِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، بَلْ أتى بِقَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرًا﴾ قَيْدًا في جَعْلِ النَّهارِ، لا عِلَّةً لِلْجَعْلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ؛ لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا: لِتُبْصِرُوا فِيهِ طَرِيقَ التَّقَلُّبِ في المَكاسِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا مِن بابِ ما حُذِفَ مِن أوَّلِهِ ما أُثْبِتَ في مُقابِلِهِ، وحُذِفَ مِن آخِرِهِ ما أُثْبِتَ في أوَّلِهِ، فالتَّقْدِيرُ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْصَرِفُوا فِيهِ؛ فالإظْلامُ يَنْشَأُ عَنْهُ السُّكُونُ، والإبْصارُ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّصَرُّفُ في المَصالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ فالسُّكُونُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، والتَّصَرُّفُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا وتَقَدَّمَ لَنا: الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذَيْنِ الحَذْفَيْنِ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] .
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في هَذا الجَعْلِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِالفِكْرِ في هَذِهِ الآياتِ إلّا المُؤْمِنُونَ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ آياتٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الصُّورِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ المَلَكَ لَهُ في الصُّوَرِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: نَفْخَتانِ، جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ نَفْخَةً واحِدَةً، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ويَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، وعُبِّرَ هُنا بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾ وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] .
﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ فَلا يَنالُهم هَذا الفَزَعُ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ قَلْبَهُ. فَقالَ مُقاتِلٌ: هم جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . وإذا كانَ الفَزَعُ الأكْبَرُ لا يَنالُهم، فَهم حَرِيُّونَ أنْ لا يَنالَهم هَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: الحُورُ العِينُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ: مِنهم مُوسى؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا، وهو: «أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ (p-١٠٠)الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفِ حَوْلَ العَرْشِ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ صَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ في التَّعْيِينِ، وغَيْرُهُ اجْتِهادٌ. وهَذا النَّفْخُ هو حَقِيقَةٌ، إمّا في القَرْنِ، وإمّا في الصُّوَرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتى، فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ الصَّوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّوابُ، لِكَثْرَةِ وُرُودِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ في القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقِيلَ: فَفَزِعَ، لَيْسَ مِنَ الفَزَعِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما مَعْناهُ: أجابَ وأسْرَعَ إلى البَقاءِ.
﴿وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ المُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وكُلُّهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتُوهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: أتَوْهُ، فِعْلًا ماضِيًا، وفي القِراءَتَيْنِ رُوعِيَ مَعْنى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ، وقَتادَةُ: أتاهُ، فِعْلًا ماضِيًا مُسْنِدًا لِضَمِيرِ ”كُلٌّ“ عَلى لَفْظِها، وجَمَعَ داخِرِينَ عَلى مَعْناها. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: ”دَخِرِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ. قِيلَ: ومَعْنى آتُوهُ: حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ وانْقِيادُهم لَهُ.
﴿وتَرى الجِبالَ﴾ هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ تَحْسَبُها حالٌ مِن فاعِلِ تَرى، أوْ مِنَ الجِبالِ. و”جامِدَةً“، مَن جَمَدَ مَكانَهُ إذا لَمْ يَبْرَحْ مِنهُ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ عَقِيبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وهي أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ، تَمُوجُ وتَسِيرُ، ثُمَّ يَنْسِفُها اللَّهُ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا في آخِرِ الأمْرِ.
﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَحْسَبُها في رَأْيِ العَيْنِ ثابِتَةً مُقِيمَةً في أماكِنِها وهي سائِرَةٌ، وتَشْبِيهُ مُرُورِها بِمَرِّ السَّحابِ. قِيلَ: في كَوْنِها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا، كَما مَرَّ السَّحابُ، وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ، إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ في صِفَةِ جَيْشٍ:
؎نارٌ عَنْ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
وقِيلَ: شَبَّهَ مُرُورَها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا، كَما قالَ الأعْشى:
؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وحُسْبانُ الرّائِي الجِبالَ جامِدَةً مَعَ مُرُورِها، قِيلَ: لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها لَيْسَتْ بِجامِدَةٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَجْهُ في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ، أنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ، ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ، وهي تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا. انْتَهى. وقِيلَ: وصَفَ - تَعالى - الجِبالَ بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَرْجِعُ إلى تَفْرِيغٍ الأرْضِ مِنها وإبْرازِ ما كانَتْ تُوارِيهِ. فَأوَّلُ الصِّفاتِ: ارْتِجاجُها، ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، ثُمَّ نَسْفُها، وهي مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ غَيْرُ بارِزَةٍ، وبِالنَّسْفِ بَرَزَتْ، ونَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، ثُمَّ تَطْيِيرِها بِالرِّيحِ في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، فَإذا نَظَرْتَ إلى مَواضِعِها لَمْ تَجِدْ فِيها مِنها شَيْئًا كالسَّرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ تَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُسَوّى بِها.
وانْتَصَبَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، فالعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٩] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ (p-١٠١)مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“، والمَعْنى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أثابَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ، وعاقَبَ المُجْرِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، وجُعِلَ هَذا الصُّنْعُ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، حَيْثُ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي؛ أنَّ مُقابَلَتَهُ الحَسَنَةَ بِالثَّوابِ، والسَّيِّئَةَ بِالعِقابِ، مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ وإتْقانِهِ لَها وإجْرائِهِ لَها عَلى قَضايا الحِكْمَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ، وبِما يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ، فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، ومَكانَةِ إضْمادِهِ، ورَصانَةِ تَفْسِيرِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْرِغَ إفْراغًا واحِدًا، ويا لِأمْرٍ أعْجَزَ القُوى وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ، إذا جاءَ عَقِيبَ كَلامٍ، جاءَ كالشّاهِدِ لِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا كَما كانَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ )﴾ و( ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤] و﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؟ بَعْدَما رَسَمَها بِإضافَتِها إلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّعْظِيمِ، كَيْفَ تَلاها بِقَوْلِهِ: ”﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾“، ”﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]“، ”﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]“، ”﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]“ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَقاشِقِهِ وتَكْثِيرِهِ في الكَلامِ، واحْتِيالِهِ في إدارَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ لِما عَلَيْهِ، مِن مَذاهِبِ المُعْتَزِلَةِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صُنْعَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي جُمْلَةُ الحالِ، أيْ صَنَعَ اللَّهُ بِها ذَلِكَ، وهو قَلْعُها مِنَ الأرْضِ، ومَرُّها مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَّحابِ. وأمّا قَوْلُهُ: إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾“، يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُكِّدَ مَضْمُونُها بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مُخِلٌّ. ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ، وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها، لَمْ يَرِدِ الحَذْفُ في شَيْءٍ مِنها؛ إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدُ، إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّوْكِيدَ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُكِّدَ مُعْتَنًى بِهِ، ومِن حَيْثُ حُذِفَ غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ عَلى ”الإغْراءِ بِمَعْنى، انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: يَفْعَلُونَ بِالياءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ.
ولَمّا ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ. والحَسَنَةُ: الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ورَتَّبَ عَلى مَجِيءِ المُكَلَّفِ بِالحَسَنَةِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِنها، ويَظْهَرُ أنَّ خَيْرًا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ونَشْؤُهُ مِنها، أيْ مِن جِهَةِ هَذِهِ الحَسَنَةِ، والخَيْرُ هُنا: الثَّوابُ. وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ أنَّها لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. وقِيلَ: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها، يُرِيدُ الإضْعافَ، وأنَّ العَمَلَ يَنْقَضِي والثَّوابَ يَدُومُ، وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ، تَرْكِيبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَبَعْضُ العُلَماءِ مَنَعَهُ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونَ في قَوْلِهِ: مِنها، حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها واسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - تَعالى - تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرًا، والدّاعِيَةُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَّوابِ تَفْضِيلٌ. انْتَهى. وقِيلَ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ. وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السِّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ لا يَكُونُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، و“ يَوْمَئِذٍ ”، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: آمِنُونَ، أوْ لِـ“ فَزَعٍ ”. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قِراءَةُ مَن (p-١٠٢)أضافَهُ إلَيْهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ“ فَزَعٍ ”، أيْ كائِنٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإضافَةِ“ فَزَعٍ ”إلى يَوْمَئِذٍ؛ فَكَسَرَ المِيمَ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ، وفَتَحَها، بِناءً لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ؛ نافِعٌ، في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ. والتَّنْوِينُ في“ يَوْمَئِذٍ ”تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ وعُوِّضَ مِنها، والأوْلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ، أيْ يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تَرى الجِبالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِأنَّهُ نَفْخُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ، ويَكُونُ الفَزَعُ إذْ ذاكَ واحِدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ ما مَعْناهُ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، أوْ بِالإضافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ، شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ، فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَزَعَيْنِ ؟ (قُلْتُ): الفَزَعُ الأوَّلُ: ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ بِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ لَحاقَ الضَّرَرِ بِهِ. والثّانِي: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النّارِ. وخُصَّتِ الوُجُوهُ، إذْ كانَتْ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ويَلْزَمُ مِن كَبِّها في النّارِ كَبُّ الجَمِيعِ، أوْ عُبِّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، كَما قالَ:“ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] ”، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ. والظّاهِرُ مِن كُبَّتْ، أنَّهم يُلْقَوْنَ في النّارِ مَنكُوسِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أعْلاهم قَبْلَ أسْفَلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ طَرْحِهِمْ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. هَلْ تُجْزَوْنَ: خِطابٌ لَهم عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ يُقالُ لَهم وقْتَ الكَبِّ: هَلْ تُجْزَوْنَ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، أوْ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.“ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ”: أيْ أُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا أتَّخِذَ مَعَهُ شَرِيكًا، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وهَذِهِ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ مِن حَيْثُ هي مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ. والبَلْدَةُ: مَكَّةُ، وأُسْنِدَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَها واخْتِصاصًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»؛ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وإسْنادَهُ إلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ كانَ ظُهُورُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: حَرَّمَها، تَنْبِيهٌ بِنِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ جَعَلَ بَلْدَتَهم آمِنَةً مِنَ الغاراتِ والفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ في بِلادِ العَرَبِ، وأهْلَكَ مَن أرادَها بِسُوءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِي: صِفَةً لِلرَّبِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الَّتِي حَرَّمَها: صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مالِكُ هَذِهِ البَلْدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ فَقالَ:“ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ”، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ داخِلَةٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، فَشَرُفَتِ البَلْدَةُ بِذِكْرِ انْدِراجِها تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جِهَةِ الخُصُوصِ، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ. وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ: أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأعْبُدُهُ كَما أمَرَنِي، أوْ مِنَ الحُنَفاءِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، إمّا مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: وأنْ أتْلُوَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا الظّاهِرُ، إذْ بَعْدَهُ التَّقْسِيمُ المُناسِبُ لِلتِّلاوَةِ، وإمّا مِنَ المَتْلُوِّ، أيْ: وأنْ أتَّبِعَ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنْ أتْلُوَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وأنِ اتْلُ، بِغَيْرِ واوٍ، أمْرًا مِن تَلا، فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ: وأُمِرْتُ أنِ أتْلُ، أيِ اتْلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: واتْلُ هَذا القُرْآنَ، جَعَلَهُ أمْرًا دُونَ أنْ. فَمَنِ اهْتَدى، بِهِ ووَحَّدَ اللَّهَ ونَبِيَّهُ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ، فَثَمَرَةُ هِدايَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ. ومَن ضَلَّ، فَوَبالُ إضْلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وحُذِفَ جَوابُ مَن ضَلَّ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ في قَوْلِهِ:“ ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ”ضَمِيرٌ حَتّى يُرْبَطَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ، إذْ أداةُ الشَّرْطِ اسْمٌ ولَيْسَ ظَرْفًا، فَلا بُدَّ في جُمْلَةِ الجَوابِ (p-١٠٣)مِن ذِكْرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي جَوابُ الشَّرْطِ، ويُقَدَّرُ الضَّمِيرُ: مِنَ المُنْذِرِينَ لَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ إلّا إنْذارُهُ، وأمّا هِدايَتُهُ فَإلى اللَّهِ. وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، واخْتَصَّهُ مِن رَفِيعِ المَنزِلَةِ. سَيُرِيكم آياتِهِ: تَهْدِيدٌ لِأعْدائِهِ بِما يُرِيهِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى مَعْرِفَتِها والإقْرارِ أنَّها آياتُ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ حَتّى لا تَنْفَعَهُمُ المَعْرِفَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في الدُّنْيا؛ وهي الدُّخانُ وانْشِقاقُ القَمَرِ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: خُرُوجُ الدّابَّةِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وقِيلَ: آياتُهُ في أنْفُسِكم وفي سائِرِ ما خَلَقَ، مِثْلُ قَوْلِهِ:“ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ”. وقِيلَ: مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأضافَها إلَيْهِ لِأنَّهُ هو مُجْرِيها عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ، ومُظْهِرُها مِن جِهَتِهِ.“ فَتَعْرِفُونَها ”: أيْ حَقِيقَتَها، ولا يَسَعُكم جُحُودُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ عَمّا يَعْمَلُونَ "، بِياءِ الغَيْبَةِ، التِفاتًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِتاءِ الخِطابِ لِقَوْلِهِ: سَيُرِيكم. ولَمّا قَسَّمَهم إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، غَيْرُ غافِلٍ عَنْها.
* *
(مُفْرَداتُ سُورَةِ القَصَصِ)
الوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. وقِيلَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ. وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّهْزُ واللَّكْزُ: الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ، واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. وقِيلَ: الوَكْزُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. ذادَ طَرَدَ ودَفَعَ وقالَ الفَرّاءُ: حَبَسَ، جَذَوْتُ الشَّيْءَ جَذْوًا: قَطَعْتُهُ، والجَذْوَةُ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجَذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا ذَعِرِ
الخَوّارُ: الَّذِي يَتَقَصَّفُ، والذَّعِرُ الَّذِي فِيهِ تَعَبٌ. وقالَ آخَرُ:
؎وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ ∗∗∗ جَذْوَةً عَلَيْها حَمْئُها والتِهابُها
وقِيلَ: الجَذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، العُودُ الغَلِيظُ، كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وقالَ السُّلَمِيُّ يَصِفُ الصَّلى:
؎حَمى حُبُّ هَذِي النّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهو دُونَ الحَبائِبِ
؎وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجُذافِيِّ رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ
الشّاطِئُ والشَّطُّ: حَفَّةُ الوادِي. الفَصاحَةُ: بَسْطُ اللِّسانِ في إيضاحِ المَعْنى المَقْصُودِ، ومُقابِلُهُ: اللَّكْنُ. الرِّدْءُ: المُعِينُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ في الأمْرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
؎ورِدْءُ كُلِّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ ∗∗∗ شَحِيذِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ
ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ، إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَوْنُ، ويُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ: أعَنْتُهُ. المَقْبُوحُ: المَطْرُودُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ألا قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّها ∗∗∗ وجَدَّعَ يَرْبُوعًا وعَفَّرَ دارِما
ثَوى يَثْوِي ثَواءٌ: أقامَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٌ ثَوَيْتُهُ ∗∗∗ تُقَضّى لَباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ
وقالَ العَجّاجُ:
؎فَباتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ
أيِ الضَّيْفُ المُقِيمُ. البَطَرُ: الطُّغْيانُ. السَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.
النمل 27:85
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٩٨)أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، والحَشْرُ: الجَمْعُ عَلى عُنْفٍ.
﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ، ومِن هي لِلتَّبْعِيضِ.
﴿فَوْجًا﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً.
﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ. والآياتُ: الأنْبِياءُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدَّلائِلُ، أقْوالٌ.
﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ إلى المَوْقِفِ؛ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإهانَةٍ؛ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ أوَقَعَ تَكْذِيبُكم بِها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لَها ولا مُحِيطِينَ عِلْمًا بِكُنْهِها ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، أيْ أجَحَدْتُمُوها: ومَعَ جُحُودِها لَمْ تُلْقُوا أذْهانَكم لِتَحَقُّقِها وتَبَصُّرِها، فَإنَّ المَكْتُوبَ إلَيْهِ قَدْ يَجْحَدُ أنْ يَكُونَ الكِتابَ مِن عِنْدِ مَن كَتَبَهُ إلَيْهِ، ولا يَدَعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْرَأهُ ويُحِيطَ بِمَعانِيهِ عِلْمًا. وقِيلَ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أيْ بِبُطْلانِها حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها، بَلْ كَذَّبْتُمْ جاهِلِينَ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُقَدَّرَ بِبَلْ وحْدَها. انْتَقَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ عَمَلِهِمْ أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أوْ حُجَّةٌ فَهاتُوا، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا حُجَّةٌ فِيما عَمِلُوهُ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وماذا بِجُمْلَتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِخَبَرِ كانَ، وهو تَعْمَلُونَ، وأنْ يَكُونَ ”ما“ هو الِاسْتِفْهامُ، وذا مَوْصُولٌ بِمَعْنى (p-٩٩)الَّذِي، فَيَكُونانِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وكانَ صِلَةٌ لِذا والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تَعْمَلُونَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أماذا، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، أدْخَلَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ.
﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ولا عُذْرٍ لِما شَغَلَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، وانْتِفاءُ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.
ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَرْتَدِعَ بِسَماعِها مَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - ارْتِداعَهُ، نَبَّهَهم عَلى ما هو دَلِيلٌ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ بِما هم يُشاهِدُونَهُ في حالِ حَياتِهِمْ، وهو تَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نُورٍ إلى ظُلْمَةٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى نُورٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ واحِدٌ، وهو اللَّهُ - تَعالى - فَيَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ. وفي هَذا التَّقْلِيبِ دَلِيلٌ عَلى القَلْبِ مِن حَياةٍ إلى مَوْتٍ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ أُخْرى، وفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْلِيبَ هو لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، ولِهَذا عَلَّلَ ذَلِكَ الجَعْلَ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ لِتَحْصِيلِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ وأضافَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ أضافَهُ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: لَيْلُكَ نائِمٌ، وعَلَّلَ جَعْلَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أيْ لِأنْ يَقَعَ سُكُونُهم فِيهِ مِمّا يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ في النَّهارِ واسْتِراحَةُ نُفُوسِهِمْ. قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
؎النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ
ولَمْ يَقَعِ التَّقابُلُ في جَعْلِ النَّهارِ بِالنَّصِّ عَلى عِلَّتِهِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، بَلْ أتى بِقَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرًا﴾ قَيْدًا في جَعْلِ النَّهارِ، لا عِلَّةً لِلْجَعْلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ؛ لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا: لِتُبْصِرُوا فِيهِ طَرِيقَ التَّقَلُّبِ في المَكاسِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا مِن بابِ ما حُذِفَ مِن أوَّلِهِ ما أُثْبِتَ في مُقابِلِهِ، وحُذِفَ مِن آخِرِهِ ما أُثْبِتَ في أوَّلِهِ، فالتَّقْدِيرُ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْصَرِفُوا فِيهِ؛ فالإظْلامُ يَنْشَأُ عَنْهُ السُّكُونُ، والإبْصارُ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّصَرُّفُ في المَصالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ فالسُّكُونُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، والتَّصَرُّفُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا وتَقَدَّمَ لَنا: الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذَيْنِ الحَذْفَيْنِ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] .
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في هَذا الجَعْلِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِالفِكْرِ في هَذِهِ الآياتِ إلّا المُؤْمِنُونَ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ آياتٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الصُّورِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ المَلَكَ لَهُ في الصُّوَرِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: نَفْخَتانِ، جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ نَفْخَةً واحِدَةً، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ويَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، وعُبِّرَ هُنا بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾ وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] .
﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ فَلا يَنالُهم هَذا الفَزَعُ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ قَلْبَهُ. فَقالَ مُقاتِلٌ: هم جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . وإذا كانَ الفَزَعُ الأكْبَرُ لا يَنالُهم، فَهم حَرِيُّونَ أنْ لا يَنالَهم هَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: الحُورُ العِينُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ: مِنهم مُوسى؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا، وهو: «أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ (p-١٠٠)الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفِ حَوْلَ العَرْشِ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ صَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ في التَّعْيِينِ، وغَيْرُهُ اجْتِهادٌ. وهَذا النَّفْخُ هو حَقِيقَةٌ، إمّا في القَرْنِ، وإمّا في الصُّوَرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتى، فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ الصَّوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّوابُ، لِكَثْرَةِ وُرُودِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ في القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقِيلَ: فَفَزِعَ، لَيْسَ مِنَ الفَزَعِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما مَعْناهُ: أجابَ وأسْرَعَ إلى البَقاءِ.
﴿وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ المُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وكُلُّهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتُوهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: أتَوْهُ، فِعْلًا ماضِيًا، وفي القِراءَتَيْنِ رُوعِيَ مَعْنى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ، وقَتادَةُ: أتاهُ، فِعْلًا ماضِيًا مُسْنِدًا لِضَمِيرِ ”كُلٌّ“ عَلى لَفْظِها، وجَمَعَ داخِرِينَ عَلى مَعْناها. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: ”دَخِرِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ. قِيلَ: ومَعْنى آتُوهُ: حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ وانْقِيادُهم لَهُ.
﴿وتَرى الجِبالَ﴾ هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ تَحْسَبُها حالٌ مِن فاعِلِ تَرى، أوْ مِنَ الجِبالِ. و”جامِدَةً“، مَن جَمَدَ مَكانَهُ إذا لَمْ يَبْرَحْ مِنهُ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ عَقِيبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وهي أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ، تَمُوجُ وتَسِيرُ، ثُمَّ يَنْسِفُها اللَّهُ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا في آخِرِ الأمْرِ.
﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَحْسَبُها في رَأْيِ العَيْنِ ثابِتَةً مُقِيمَةً في أماكِنِها وهي سائِرَةٌ، وتَشْبِيهُ مُرُورِها بِمَرِّ السَّحابِ. قِيلَ: في كَوْنِها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا، كَما مَرَّ السَّحابُ، وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ، إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ في صِفَةِ جَيْشٍ:
؎نارٌ عَنْ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
وقِيلَ: شَبَّهَ مُرُورَها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا، كَما قالَ الأعْشى:
؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وحُسْبانُ الرّائِي الجِبالَ جامِدَةً مَعَ مُرُورِها، قِيلَ: لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها لَيْسَتْ بِجامِدَةٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَجْهُ في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ، أنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ، ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ، وهي تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا. انْتَهى. وقِيلَ: وصَفَ - تَعالى - الجِبالَ بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَرْجِعُ إلى تَفْرِيغٍ الأرْضِ مِنها وإبْرازِ ما كانَتْ تُوارِيهِ. فَأوَّلُ الصِّفاتِ: ارْتِجاجُها، ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، ثُمَّ نَسْفُها، وهي مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ غَيْرُ بارِزَةٍ، وبِالنَّسْفِ بَرَزَتْ، ونَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، ثُمَّ تَطْيِيرِها بِالرِّيحِ في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، فَإذا نَظَرْتَ إلى مَواضِعِها لَمْ تَجِدْ فِيها مِنها شَيْئًا كالسَّرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ تَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُسَوّى بِها.
وانْتَصَبَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، فالعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٩] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ (p-١٠١)مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“، والمَعْنى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أثابَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ، وعاقَبَ المُجْرِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، وجُعِلَ هَذا الصُّنْعُ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، حَيْثُ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي؛ أنَّ مُقابَلَتَهُ الحَسَنَةَ بِالثَّوابِ، والسَّيِّئَةَ بِالعِقابِ، مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ وإتْقانِهِ لَها وإجْرائِهِ لَها عَلى قَضايا الحِكْمَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ، وبِما يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ، فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، ومَكانَةِ إضْمادِهِ، ورَصانَةِ تَفْسِيرِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْرِغَ إفْراغًا واحِدًا، ويا لِأمْرٍ أعْجَزَ القُوى وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ، إذا جاءَ عَقِيبَ كَلامٍ، جاءَ كالشّاهِدِ لِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا كَما كانَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ )﴾ و( ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤] و﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؟ بَعْدَما رَسَمَها بِإضافَتِها إلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّعْظِيمِ، كَيْفَ تَلاها بِقَوْلِهِ: ”﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾“، ”﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]“، ”﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]“، ”﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]“ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَقاشِقِهِ وتَكْثِيرِهِ في الكَلامِ، واحْتِيالِهِ في إدارَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ لِما عَلَيْهِ، مِن مَذاهِبِ المُعْتَزِلَةِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صُنْعَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي جُمْلَةُ الحالِ، أيْ صَنَعَ اللَّهُ بِها ذَلِكَ، وهو قَلْعُها مِنَ الأرْضِ، ومَرُّها مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَّحابِ. وأمّا قَوْلُهُ: إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾“، يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُكِّدَ مَضْمُونُها بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مُخِلٌّ. ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ، وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها، لَمْ يَرِدِ الحَذْفُ في شَيْءٍ مِنها؛ إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدُ، إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّوْكِيدَ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُكِّدَ مُعْتَنًى بِهِ، ومِن حَيْثُ حُذِفَ غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ عَلى ”الإغْراءِ بِمَعْنى، انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: يَفْعَلُونَ بِالياءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ.
ولَمّا ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ. والحَسَنَةُ: الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ورَتَّبَ عَلى مَجِيءِ المُكَلَّفِ بِالحَسَنَةِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِنها، ويَظْهَرُ أنَّ خَيْرًا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ونَشْؤُهُ مِنها، أيْ مِن جِهَةِ هَذِهِ الحَسَنَةِ، والخَيْرُ هُنا: الثَّوابُ. وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ أنَّها لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. وقِيلَ: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها، يُرِيدُ الإضْعافَ، وأنَّ العَمَلَ يَنْقَضِي والثَّوابَ يَدُومُ، وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ، تَرْكِيبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَبَعْضُ العُلَماءِ مَنَعَهُ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونَ في قَوْلِهِ: مِنها، حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها واسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - تَعالى - تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرًا، والدّاعِيَةُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَّوابِ تَفْضِيلٌ. انْتَهى. وقِيلَ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ. وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السِّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ لا يَكُونُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، و“ يَوْمَئِذٍ ”، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: آمِنُونَ، أوْ لِـ“ فَزَعٍ ”. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قِراءَةُ مَن (p-١٠٢)أضافَهُ إلَيْهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ“ فَزَعٍ ”، أيْ كائِنٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإضافَةِ“ فَزَعٍ ”إلى يَوْمَئِذٍ؛ فَكَسَرَ المِيمَ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ، وفَتَحَها، بِناءً لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ؛ نافِعٌ، في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ. والتَّنْوِينُ في“ يَوْمَئِذٍ ”تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ وعُوِّضَ مِنها، والأوْلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ، أيْ يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تَرى الجِبالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِأنَّهُ نَفْخُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ، ويَكُونُ الفَزَعُ إذْ ذاكَ واحِدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ ما مَعْناهُ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، أوْ بِالإضافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ، شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ، فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَزَعَيْنِ ؟ (قُلْتُ): الفَزَعُ الأوَّلُ: ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ بِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ لَحاقَ الضَّرَرِ بِهِ. والثّانِي: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النّارِ. وخُصَّتِ الوُجُوهُ، إذْ كانَتْ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ويَلْزَمُ مِن كَبِّها في النّارِ كَبُّ الجَمِيعِ، أوْ عُبِّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، كَما قالَ:“ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] ”، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ. والظّاهِرُ مِن كُبَّتْ، أنَّهم يُلْقَوْنَ في النّارِ مَنكُوسِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أعْلاهم قَبْلَ أسْفَلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ طَرْحِهِمْ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. هَلْ تُجْزَوْنَ: خِطابٌ لَهم عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ يُقالُ لَهم وقْتَ الكَبِّ: هَلْ تُجْزَوْنَ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، أوْ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.“ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ”: أيْ أُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا أتَّخِذَ مَعَهُ شَرِيكًا، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وهَذِهِ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ مِن حَيْثُ هي مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ. والبَلْدَةُ: مَكَّةُ، وأُسْنِدَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَها واخْتِصاصًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»؛ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وإسْنادَهُ إلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ كانَ ظُهُورُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: حَرَّمَها، تَنْبِيهٌ بِنِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ جَعَلَ بَلْدَتَهم آمِنَةً مِنَ الغاراتِ والفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ في بِلادِ العَرَبِ، وأهْلَكَ مَن أرادَها بِسُوءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِي: صِفَةً لِلرَّبِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الَّتِي حَرَّمَها: صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مالِكُ هَذِهِ البَلْدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ فَقالَ:“ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ”، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ داخِلَةٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، فَشَرُفَتِ البَلْدَةُ بِذِكْرِ انْدِراجِها تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جِهَةِ الخُصُوصِ، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ. وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ: أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأعْبُدُهُ كَما أمَرَنِي، أوْ مِنَ الحُنَفاءِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، إمّا مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: وأنْ أتْلُوَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا الظّاهِرُ، إذْ بَعْدَهُ التَّقْسِيمُ المُناسِبُ لِلتِّلاوَةِ، وإمّا مِنَ المَتْلُوِّ، أيْ: وأنْ أتَّبِعَ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنْ أتْلُوَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وأنِ اتْلُ، بِغَيْرِ واوٍ، أمْرًا مِن تَلا، فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ: وأُمِرْتُ أنِ أتْلُ، أيِ اتْلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: واتْلُ هَذا القُرْآنَ، جَعَلَهُ أمْرًا دُونَ أنْ. فَمَنِ اهْتَدى، بِهِ ووَحَّدَ اللَّهَ ونَبِيَّهُ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ، فَثَمَرَةُ هِدايَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ. ومَن ضَلَّ، فَوَبالُ إضْلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وحُذِفَ جَوابُ مَن ضَلَّ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ في قَوْلِهِ:“ ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ”ضَمِيرٌ حَتّى يُرْبَطَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ، إذْ أداةُ الشَّرْطِ اسْمٌ ولَيْسَ ظَرْفًا، فَلا بُدَّ في جُمْلَةِ الجَوابِ (p-١٠٣)مِن ذِكْرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي جَوابُ الشَّرْطِ، ويُقَدَّرُ الضَّمِيرُ: مِنَ المُنْذِرِينَ لَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ إلّا إنْذارُهُ، وأمّا هِدايَتُهُ فَإلى اللَّهِ. وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، واخْتَصَّهُ مِن رَفِيعِ المَنزِلَةِ. سَيُرِيكم آياتِهِ: تَهْدِيدٌ لِأعْدائِهِ بِما يُرِيهِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى مَعْرِفَتِها والإقْرارِ أنَّها آياتُ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ حَتّى لا تَنْفَعَهُمُ المَعْرِفَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في الدُّنْيا؛ وهي الدُّخانُ وانْشِقاقُ القَمَرِ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: خُرُوجُ الدّابَّةِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وقِيلَ: آياتُهُ في أنْفُسِكم وفي سائِرِ ما خَلَقَ، مِثْلُ قَوْلِهِ:“ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ”. وقِيلَ: مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأضافَها إلَيْهِ لِأنَّهُ هو مُجْرِيها عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ، ومُظْهِرُها مِن جِهَتِهِ.“ فَتَعْرِفُونَها ”: أيْ حَقِيقَتَها، ولا يَسَعُكم جُحُودُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ عَمّا يَعْمَلُونَ "، بِياءِ الغَيْبَةِ، التِفاتًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِتاءِ الخِطابِ لِقَوْلِهِ: سَيُرِيكم. ولَمّا قَسَّمَهم إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، غَيْرُ غافِلٍ عَنْها.
* *
(مُفْرَداتُ سُورَةِ القَصَصِ)
الوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. وقِيلَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ. وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّهْزُ واللَّكْزُ: الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ، واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. وقِيلَ: الوَكْزُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. ذادَ طَرَدَ ودَفَعَ وقالَ الفَرّاءُ: حَبَسَ، جَذَوْتُ الشَّيْءَ جَذْوًا: قَطَعْتُهُ، والجَذْوَةُ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجَذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا ذَعِرِ
الخَوّارُ: الَّذِي يَتَقَصَّفُ، والذَّعِرُ الَّذِي فِيهِ تَعَبٌ. وقالَ آخَرُ:
؎وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ ∗∗∗ جَذْوَةً عَلَيْها حَمْئُها والتِهابُها
وقِيلَ: الجَذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، العُودُ الغَلِيظُ، كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وقالَ السُّلَمِيُّ يَصِفُ الصَّلى:
؎حَمى حُبُّ هَذِي النّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهو دُونَ الحَبائِبِ
؎وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجُذافِيِّ رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ
الشّاطِئُ والشَّطُّ: حَفَّةُ الوادِي. الفَصاحَةُ: بَسْطُ اللِّسانِ في إيضاحِ المَعْنى المَقْصُودِ، ومُقابِلُهُ: اللَّكْنُ. الرِّدْءُ: المُعِينُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ في الأمْرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
؎ورِدْءُ كُلِّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ ∗∗∗ شَحِيذِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ
ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ، إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَوْنُ، ويُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ: أعَنْتُهُ. المَقْبُوحُ: المَطْرُودُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ألا قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّها ∗∗∗ وجَدَّعَ يَرْبُوعًا وعَفَّرَ دارِما
ثَوى يَثْوِي ثَواءٌ: أقامَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٌ ثَوَيْتُهُ ∗∗∗ تُقَضّى لَباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ
وقالَ العَجّاجُ:
؎فَباتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ
أيِ الضَّيْفُ المُقِيمُ. البَطَرُ: الطُّغْيانُ. السَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.
النمل 27:86
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٩٨)أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، والحَشْرُ: الجَمْعُ عَلى عُنْفٍ.
﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ، ومِن هي لِلتَّبْعِيضِ.
﴿فَوْجًا﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً.
﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ. والآياتُ: الأنْبِياءُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدَّلائِلُ، أقْوالٌ.
﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ إلى المَوْقِفِ؛ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإهانَةٍ؛ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ أوَقَعَ تَكْذِيبُكم بِها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لَها ولا مُحِيطِينَ عِلْمًا بِكُنْهِها ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، أيْ أجَحَدْتُمُوها: ومَعَ جُحُودِها لَمْ تُلْقُوا أذْهانَكم لِتَحَقُّقِها وتَبَصُّرِها، فَإنَّ المَكْتُوبَ إلَيْهِ قَدْ يَجْحَدُ أنْ يَكُونَ الكِتابَ مِن عِنْدِ مَن كَتَبَهُ إلَيْهِ، ولا يَدَعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْرَأهُ ويُحِيطَ بِمَعانِيهِ عِلْمًا. وقِيلَ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أيْ بِبُطْلانِها حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها، بَلْ كَذَّبْتُمْ جاهِلِينَ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُقَدَّرَ بِبَلْ وحْدَها. انْتَقَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ عَمَلِهِمْ أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أوْ حُجَّةٌ فَهاتُوا، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا حُجَّةٌ فِيما عَمِلُوهُ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وماذا بِجُمْلَتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِخَبَرِ كانَ، وهو تَعْمَلُونَ، وأنْ يَكُونَ ”ما“ هو الِاسْتِفْهامُ، وذا مَوْصُولٌ بِمَعْنى (p-٩٩)الَّذِي، فَيَكُونانِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وكانَ صِلَةٌ لِذا والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تَعْمَلُونَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أماذا، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، أدْخَلَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ.
﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ولا عُذْرٍ لِما شَغَلَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، وانْتِفاءُ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.
ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَرْتَدِعَ بِسَماعِها مَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - ارْتِداعَهُ، نَبَّهَهم عَلى ما هو دَلِيلٌ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ بِما هم يُشاهِدُونَهُ في حالِ حَياتِهِمْ، وهو تَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نُورٍ إلى ظُلْمَةٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى نُورٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ واحِدٌ، وهو اللَّهُ - تَعالى - فَيَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ. وفي هَذا التَّقْلِيبِ دَلِيلٌ عَلى القَلْبِ مِن حَياةٍ إلى مَوْتٍ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ أُخْرى، وفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْلِيبَ هو لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، ولِهَذا عَلَّلَ ذَلِكَ الجَعْلَ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ لِتَحْصِيلِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ وأضافَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ أضافَهُ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: لَيْلُكَ نائِمٌ، وعَلَّلَ جَعْلَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أيْ لِأنْ يَقَعَ سُكُونُهم فِيهِ مِمّا يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ في النَّهارِ واسْتِراحَةُ نُفُوسِهِمْ. قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
؎النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ
ولَمْ يَقَعِ التَّقابُلُ في جَعْلِ النَّهارِ بِالنَّصِّ عَلى عِلَّتِهِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، بَلْ أتى بِقَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرًا﴾ قَيْدًا في جَعْلِ النَّهارِ، لا عِلَّةً لِلْجَعْلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ؛ لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا: لِتُبْصِرُوا فِيهِ طَرِيقَ التَّقَلُّبِ في المَكاسِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا مِن بابِ ما حُذِفَ مِن أوَّلِهِ ما أُثْبِتَ في مُقابِلِهِ، وحُذِفَ مِن آخِرِهِ ما أُثْبِتَ في أوَّلِهِ، فالتَّقْدِيرُ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْصَرِفُوا فِيهِ؛ فالإظْلامُ يَنْشَأُ عَنْهُ السُّكُونُ، والإبْصارُ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّصَرُّفُ في المَصالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ فالسُّكُونُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، والتَّصَرُّفُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا وتَقَدَّمَ لَنا: الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذَيْنِ الحَذْفَيْنِ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] .
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في هَذا الجَعْلِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِالفِكْرِ في هَذِهِ الآياتِ إلّا المُؤْمِنُونَ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ آياتٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الصُّورِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ المَلَكَ لَهُ في الصُّوَرِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: نَفْخَتانِ، جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ نَفْخَةً واحِدَةً، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ويَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، وعُبِّرَ هُنا بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾ وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] .
﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ فَلا يَنالُهم هَذا الفَزَعُ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ قَلْبَهُ. فَقالَ مُقاتِلٌ: هم جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . وإذا كانَ الفَزَعُ الأكْبَرُ لا يَنالُهم، فَهم حَرِيُّونَ أنْ لا يَنالَهم هَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: الحُورُ العِينُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ: مِنهم مُوسى؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا، وهو: «أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ (p-١٠٠)الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفِ حَوْلَ العَرْشِ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ صَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ في التَّعْيِينِ، وغَيْرُهُ اجْتِهادٌ. وهَذا النَّفْخُ هو حَقِيقَةٌ، إمّا في القَرْنِ، وإمّا في الصُّوَرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتى، فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ الصَّوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّوابُ، لِكَثْرَةِ وُرُودِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ في القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقِيلَ: فَفَزِعَ، لَيْسَ مِنَ الفَزَعِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما مَعْناهُ: أجابَ وأسْرَعَ إلى البَقاءِ.
﴿وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ المُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وكُلُّهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتُوهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: أتَوْهُ، فِعْلًا ماضِيًا، وفي القِراءَتَيْنِ رُوعِيَ مَعْنى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ، وقَتادَةُ: أتاهُ، فِعْلًا ماضِيًا مُسْنِدًا لِضَمِيرِ ”كُلٌّ“ عَلى لَفْظِها، وجَمَعَ داخِرِينَ عَلى مَعْناها. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: ”دَخِرِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ. قِيلَ: ومَعْنى آتُوهُ: حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ وانْقِيادُهم لَهُ.
﴿وتَرى الجِبالَ﴾ هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ تَحْسَبُها حالٌ مِن فاعِلِ تَرى، أوْ مِنَ الجِبالِ. و”جامِدَةً“، مَن جَمَدَ مَكانَهُ إذا لَمْ يَبْرَحْ مِنهُ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ عَقِيبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وهي أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ، تَمُوجُ وتَسِيرُ، ثُمَّ يَنْسِفُها اللَّهُ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا في آخِرِ الأمْرِ.
﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَحْسَبُها في رَأْيِ العَيْنِ ثابِتَةً مُقِيمَةً في أماكِنِها وهي سائِرَةٌ، وتَشْبِيهُ مُرُورِها بِمَرِّ السَّحابِ. قِيلَ: في كَوْنِها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا، كَما مَرَّ السَّحابُ، وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ، إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ في صِفَةِ جَيْشٍ:
؎نارٌ عَنْ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
وقِيلَ: شَبَّهَ مُرُورَها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا، كَما قالَ الأعْشى:
؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وحُسْبانُ الرّائِي الجِبالَ جامِدَةً مَعَ مُرُورِها، قِيلَ: لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها لَيْسَتْ بِجامِدَةٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَجْهُ في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ، أنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ، ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ، وهي تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا. انْتَهى. وقِيلَ: وصَفَ - تَعالى - الجِبالَ بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَرْجِعُ إلى تَفْرِيغٍ الأرْضِ مِنها وإبْرازِ ما كانَتْ تُوارِيهِ. فَأوَّلُ الصِّفاتِ: ارْتِجاجُها، ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، ثُمَّ نَسْفُها، وهي مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ غَيْرُ بارِزَةٍ، وبِالنَّسْفِ بَرَزَتْ، ونَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، ثُمَّ تَطْيِيرِها بِالرِّيحِ في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، فَإذا نَظَرْتَ إلى مَواضِعِها لَمْ تَجِدْ فِيها مِنها شَيْئًا كالسَّرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ تَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُسَوّى بِها.
وانْتَصَبَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، فالعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٩] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ (p-١٠١)مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“، والمَعْنى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أثابَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ، وعاقَبَ المُجْرِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، وجُعِلَ هَذا الصُّنْعُ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، حَيْثُ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي؛ أنَّ مُقابَلَتَهُ الحَسَنَةَ بِالثَّوابِ، والسَّيِّئَةَ بِالعِقابِ، مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ وإتْقانِهِ لَها وإجْرائِهِ لَها عَلى قَضايا الحِكْمَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ، وبِما يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ، فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، ومَكانَةِ إضْمادِهِ، ورَصانَةِ تَفْسِيرِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْرِغَ إفْراغًا واحِدًا، ويا لِأمْرٍ أعْجَزَ القُوى وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ، إذا جاءَ عَقِيبَ كَلامٍ، جاءَ كالشّاهِدِ لِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا كَما كانَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ )﴾ و( ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤] و﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؟ بَعْدَما رَسَمَها بِإضافَتِها إلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّعْظِيمِ، كَيْفَ تَلاها بِقَوْلِهِ: ”﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾“، ”﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]“، ”﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]“، ”﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]“ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَقاشِقِهِ وتَكْثِيرِهِ في الكَلامِ، واحْتِيالِهِ في إدارَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ لِما عَلَيْهِ، مِن مَذاهِبِ المُعْتَزِلَةِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صُنْعَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي جُمْلَةُ الحالِ، أيْ صَنَعَ اللَّهُ بِها ذَلِكَ، وهو قَلْعُها مِنَ الأرْضِ، ومَرُّها مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَّحابِ. وأمّا قَوْلُهُ: إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾“، يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُكِّدَ مَضْمُونُها بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مُخِلٌّ. ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ، وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها، لَمْ يَرِدِ الحَذْفُ في شَيْءٍ مِنها؛ إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدُ، إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّوْكِيدَ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُكِّدَ مُعْتَنًى بِهِ، ومِن حَيْثُ حُذِفَ غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ عَلى ”الإغْراءِ بِمَعْنى، انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: يَفْعَلُونَ بِالياءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ.
ولَمّا ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ. والحَسَنَةُ: الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ورَتَّبَ عَلى مَجِيءِ المُكَلَّفِ بِالحَسَنَةِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِنها، ويَظْهَرُ أنَّ خَيْرًا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ونَشْؤُهُ مِنها، أيْ مِن جِهَةِ هَذِهِ الحَسَنَةِ، والخَيْرُ هُنا: الثَّوابُ. وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ أنَّها لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. وقِيلَ: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها، يُرِيدُ الإضْعافَ، وأنَّ العَمَلَ يَنْقَضِي والثَّوابَ يَدُومُ، وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ، تَرْكِيبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَبَعْضُ العُلَماءِ مَنَعَهُ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونَ في قَوْلِهِ: مِنها، حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها واسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - تَعالى - تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرًا، والدّاعِيَةُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَّوابِ تَفْضِيلٌ. انْتَهى. وقِيلَ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ. وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السِّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ لا يَكُونُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، و“ يَوْمَئِذٍ ”، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: آمِنُونَ، أوْ لِـ“ فَزَعٍ ”. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قِراءَةُ مَن (p-١٠٢)أضافَهُ إلَيْهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ“ فَزَعٍ ”، أيْ كائِنٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإضافَةِ“ فَزَعٍ ”إلى يَوْمَئِذٍ؛ فَكَسَرَ المِيمَ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ، وفَتَحَها، بِناءً لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ؛ نافِعٌ، في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ. والتَّنْوِينُ في“ يَوْمَئِذٍ ”تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ وعُوِّضَ مِنها، والأوْلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ، أيْ يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تَرى الجِبالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِأنَّهُ نَفْخُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ، ويَكُونُ الفَزَعُ إذْ ذاكَ واحِدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ ما مَعْناهُ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، أوْ بِالإضافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ، شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ، فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَزَعَيْنِ ؟ (قُلْتُ): الفَزَعُ الأوَّلُ: ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ بِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ لَحاقَ الضَّرَرِ بِهِ. والثّانِي: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النّارِ. وخُصَّتِ الوُجُوهُ، إذْ كانَتْ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ويَلْزَمُ مِن كَبِّها في النّارِ كَبُّ الجَمِيعِ، أوْ عُبِّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، كَما قالَ:“ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] ”، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ. والظّاهِرُ مِن كُبَّتْ، أنَّهم يُلْقَوْنَ في النّارِ مَنكُوسِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أعْلاهم قَبْلَ أسْفَلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ طَرْحِهِمْ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. هَلْ تُجْزَوْنَ: خِطابٌ لَهم عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ يُقالُ لَهم وقْتَ الكَبِّ: هَلْ تُجْزَوْنَ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، أوْ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.“ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ”: أيْ أُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا أتَّخِذَ مَعَهُ شَرِيكًا، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وهَذِهِ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ مِن حَيْثُ هي مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ. والبَلْدَةُ: مَكَّةُ، وأُسْنِدَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَها واخْتِصاصًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»؛ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وإسْنادَهُ إلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ كانَ ظُهُورُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: حَرَّمَها، تَنْبِيهٌ بِنِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ جَعَلَ بَلْدَتَهم آمِنَةً مِنَ الغاراتِ والفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ في بِلادِ العَرَبِ، وأهْلَكَ مَن أرادَها بِسُوءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِي: صِفَةً لِلرَّبِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الَّتِي حَرَّمَها: صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مالِكُ هَذِهِ البَلْدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ فَقالَ:“ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ”، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ داخِلَةٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، فَشَرُفَتِ البَلْدَةُ بِذِكْرِ انْدِراجِها تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جِهَةِ الخُصُوصِ، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ. وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ: أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأعْبُدُهُ كَما أمَرَنِي، أوْ مِنَ الحُنَفاءِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، إمّا مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: وأنْ أتْلُوَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا الظّاهِرُ، إذْ بَعْدَهُ التَّقْسِيمُ المُناسِبُ لِلتِّلاوَةِ، وإمّا مِنَ المَتْلُوِّ، أيْ: وأنْ أتَّبِعَ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنْ أتْلُوَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وأنِ اتْلُ، بِغَيْرِ واوٍ، أمْرًا مِن تَلا، فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ: وأُمِرْتُ أنِ أتْلُ، أيِ اتْلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: واتْلُ هَذا القُرْآنَ، جَعَلَهُ أمْرًا دُونَ أنْ. فَمَنِ اهْتَدى، بِهِ ووَحَّدَ اللَّهَ ونَبِيَّهُ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ، فَثَمَرَةُ هِدايَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ. ومَن ضَلَّ، فَوَبالُ إضْلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وحُذِفَ جَوابُ مَن ضَلَّ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ في قَوْلِهِ:“ ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ”ضَمِيرٌ حَتّى يُرْبَطَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ، إذْ أداةُ الشَّرْطِ اسْمٌ ولَيْسَ ظَرْفًا، فَلا بُدَّ في جُمْلَةِ الجَوابِ (p-١٠٣)مِن ذِكْرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي جَوابُ الشَّرْطِ، ويُقَدَّرُ الضَّمِيرُ: مِنَ المُنْذِرِينَ لَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ إلّا إنْذارُهُ، وأمّا هِدايَتُهُ فَإلى اللَّهِ. وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، واخْتَصَّهُ مِن رَفِيعِ المَنزِلَةِ. سَيُرِيكم آياتِهِ: تَهْدِيدٌ لِأعْدائِهِ بِما يُرِيهِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى مَعْرِفَتِها والإقْرارِ أنَّها آياتُ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ حَتّى لا تَنْفَعَهُمُ المَعْرِفَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في الدُّنْيا؛ وهي الدُّخانُ وانْشِقاقُ القَمَرِ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: خُرُوجُ الدّابَّةِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وقِيلَ: آياتُهُ في أنْفُسِكم وفي سائِرِ ما خَلَقَ، مِثْلُ قَوْلِهِ:“ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ”. وقِيلَ: مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأضافَها إلَيْهِ لِأنَّهُ هو مُجْرِيها عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ، ومُظْهِرُها مِن جِهَتِهِ.“ فَتَعْرِفُونَها ”: أيْ حَقِيقَتَها، ولا يَسَعُكم جُحُودُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ عَمّا يَعْمَلُونَ "، بِياءِ الغَيْبَةِ، التِفاتًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِتاءِ الخِطابِ لِقَوْلِهِ: سَيُرِيكم. ولَمّا قَسَّمَهم إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، غَيْرُ غافِلٍ عَنْها.
* *
(مُفْرَداتُ سُورَةِ القَصَصِ)
الوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. وقِيلَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ. وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّهْزُ واللَّكْزُ: الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ، واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. وقِيلَ: الوَكْزُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. ذادَ طَرَدَ ودَفَعَ وقالَ الفَرّاءُ: حَبَسَ، جَذَوْتُ الشَّيْءَ جَذْوًا: قَطَعْتُهُ، والجَذْوَةُ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجَذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا ذَعِرِ
الخَوّارُ: الَّذِي يَتَقَصَّفُ، والذَّعِرُ الَّذِي فِيهِ تَعَبٌ. وقالَ آخَرُ:
؎وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ ∗∗∗ جَذْوَةً عَلَيْها حَمْئُها والتِهابُها
وقِيلَ: الجَذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، العُودُ الغَلِيظُ، كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وقالَ السُّلَمِيُّ يَصِفُ الصَّلى:
؎حَمى حُبُّ هَذِي النّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهو دُونَ الحَبائِبِ
؎وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجُذافِيِّ رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ
الشّاطِئُ والشَّطُّ: حَفَّةُ الوادِي. الفَصاحَةُ: بَسْطُ اللِّسانِ في إيضاحِ المَعْنى المَقْصُودِ، ومُقابِلُهُ: اللَّكْنُ. الرِّدْءُ: المُعِينُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ في الأمْرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
؎ورِدْءُ كُلِّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ ∗∗∗ شَحِيذِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ
ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ، إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَوْنُ، ويُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ: أعَنْتُهُ. المَقْبُوحُ: المَطْرُودُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ألا قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّها ∗∗∗ وجَدَّعَ يَرْبُوعًا وعَفَّرَ دارِما
ثَوى يَثْوِي ثَواءٌ: أقامَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٌ ثَوَيْتُهُ ∗∗∗ تُقَضّى لَباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ
وقالَ العَجّاجُ:
؎فَباتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ
أيِ الضَّيْفُ المُقِيمُ. البَطَرُ: الطُّغْيانُ. السَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.
النمل 27:87
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٩٨)أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، والحَشْرُ: الجَمْعُ عَلى عُنْفٍ.
﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ، ومِن هي لِلتَّبْعِيضِ.
﴿فَوْجًا﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً.
﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ. والآياتُ: الأنْبِياءُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدَّلائِلُ، أقْوالٌ.
﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ إلى المَوْقِفِ؛ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإهانَةٍ؛ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ أوَقَعَ تَكْذِيبُكم بِها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لَها ولا مُحِيطِينَ عِلْمًا بِكُنْهِها ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، أيْ أجَحَدْتُمُوها: ومَعَ جُحُودِها لَمْ تُلْقُوا أذْهانَكم لِتَحَقُّقِها وتَبَصُّرِها، فَإنَّ المَكْتُوبَ إلَيْهِ قَدْ يَجْحَدُ أنْ يَكُونَ الكِتابَ مِن عِنْدِ مَن كَتَبَهُ إلَيْهِ، ولا يَدَعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْرَأهُ ويُحِيطَ بِمَعانِيهِ عِلْمًا. وقِيلَ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أيْ بِبُطْلانِها حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها، بَلْ كَذَّبْتُمْ جاهِلِينَ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُقَدَّرَ بِبَلْ وحْدَها. انْتَقَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ عَمَلِهِمْ أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أوْ حُجَّةٌ فَهاتُوا، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا حُجَّةٌ فِيما عَمِلُوهُ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وماذا بِجُمْلَتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِخَبَرِ كانَ، وهو تَعْمَلُونَ، وأنْ يَكُونَ ”ما“ هو الِاسْتِفْهامُ، وذا مَوْصُولٌ بِمَعْنى (p-٩٩)الَّذِي، فَيَكُونانِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وكانَ صِلَةٌ لِذا والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تَعْمَلُونَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أماذا، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، أدْخَلَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ.
﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ولا عُذْرٍ لِما شَغَلَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، وانْتِفاءُ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.
ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَرْتَدِعَ بِسَماعِها مَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - ارْتِداعَهُ، نَبَّهَهم عَلى ما هو دَلِيلٌ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ بِما هم يُشاهِدُونَهُ في حالِ حَياتِهِمْ، وهو تَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نُورٍ إلى ظُلْمَةٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى نُورٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ واحِدٌ، وهو اللَّهُ - تَعالى - فَيَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ. وفي هَذا التَّقْلِيبِ دَلِيلٌ عَلى القَلْبِ مِن حَياةٍ إلى مَوْتٍ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ أُخْرى، وفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْلِيبَ هو لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، ولِهَذا عَلَّلَ ذَلِكَ الجَعْلَ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ لِتَحْصِيلِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ وأضافَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ أضافَهُ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: لَيْلُكَ نائِمٌ، وعَلَّلَ جَعْلَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أيْ لِأنْ يَقَعَ سُكُونُهم فِيهِ مِمّا يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ في النَّهارِ واسْتِراحَةُ نُفُوسِهِمْ. قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
؎النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ
ولَمْ يَقَعِ التَّقابُلُ في جَعْلِ النَّهارِ بِالنَّصِّ عَلى عِلَّتِهِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، بَلْ أتى بِقَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرًا﴾ قَيْدًا في جَعْلِ النَّهارِ، لا عِلَّةً لِلْجَعْلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ؛ لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا: لِتُبْصِرُوا فِيهِ طَرِيقَ التَّقَلُّبِ في المَكاسِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا مِن بابِ ما حُذِفَ مِن أوَّلِهِ ما أُثْبِتَ في مُقابِلِهِ، وحُذِفَ مِن آخِرِهِ ما أُثْبِتَ في أوَّلِهِ، فالتَّقْدِيرُ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْصَرِفُوا فِيهِ؛ فالإظْلامُ يَنْشَأُ عَنْهُ السُّكُونُ، والإبْصارُ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّصَرُّفُ في المَصالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ فالسُّكُونُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، والتَّصَرُّفُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا وتَقَدَّمَ لَنا: الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذَيْنِ الحَذْفَيْنِ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] .
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في هَذا الجَعْلِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِالفِكْرِ في هَذِهِ الآياتِ إلّا المُؤْمِنُونَ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ آياتٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الصُّورِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ المَلَكَ لَهُ في الصُّوَرِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: نَفْخَتانِ، جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ نَفْخَةً واحِدَةً، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ويَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، وعُبِّرَ هُنا بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾ وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] .
﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ فَلا يَنالُهم هَذا الفَزَعُ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ قَلْبَهُ. فَقالَ مُقاتِلٌ: هم جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . وإذا كانَ الفَزَعُ الأكْبَرُ لا يَنالُهم، فَهم حَرِيُّونَ أنْ لا يَنالَهم هَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: الحُورُ العِينُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ: مِنهم مُوسى؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا، وهو: «أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ (p-١٠٠)الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفِ حَوْلَ العَرْشِ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ صَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ في التَّعْيِينِ، وغَيْرُهُ اجْتِهادٌ. وهَذا النَّفْخُ هو حَقِيقَةٌ، إمّا في القَرْنِ، وإمّا في الصُّوَرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتى، فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ الصَّوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّوابُ، لِكَثْرَةِ وُرُودِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ في القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقِيلَ: فَفَزِعَ، لَيْسَ مِنَ الفَزَعِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما مَعْناهُ: أجابَ وأسْرَعَ إلى البَقاءِ.
﴿وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ المُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وكُلُّهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتُوهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: أتَوْهُ، فِعْلًا ماضِيًا، وفي القِراءَتَيْنِ رُوعِيَ مَعْنى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ، وقَتادَةُ: أتاهُ، فِعْلًا ماضِيًا مُسْنِدًا لِضَمِيرِ ”كُلٌّ“ عَلى لَفْظِها، وجَمَعَ داخِرِينَ عَلى مَعْناها. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: ”دَخِرِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ. قِيلَ: ومَعْنى آتُوهُ: حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ وانْقِيادُهم لَهُ.
﴿وتَرى الجِبالَ﴾ هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ تَحْسَبُها حالٌ مِن فاعِلِ تَرى، أوْ مِنَ الجِبالِ. و”جامِدَةً“، مَن جَمَدَ مَكانَهُ إذا لَمْ يَبْرَحْ مِنهُ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ عَقِيبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وهي أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ، تَمُوجُ وتَسِيرُ، ثُمَّ يَنْسِفُها اللَّهُ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا في آخِرِ الأمْرِ.
﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَحْسَبُها في رَأْيِ العَيْنِ ثابِتَةً مُقِيمَةً في أماكِنِها وهي سائِرَةٌ، وتَشْبِيهُ مُرُورِها بِمَرِّ السَّحابِ. قِيلَ: في كَوْنِها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا، كَما مَرَّ السَّحابُ، وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ، إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ في صِفَةِ جَيْشٍ:
؎نارٌ عَنْ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
وقِيلَ: شَبَّهَ مُرُورَها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا، كَما قالَ الأعْشى:
؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وحُسْبانُ الرّائِي الجِبالَ جامِدَةً مَعَ مُرُورِها، قِيلَ: لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها لَيْسَتْ بِجامِدَةٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَجْهُ في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ، أنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ، ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ، وهي تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا. انْتَهى. وقِيلَ: وصَفَ - تَعالى - الجِبالَ بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَرْجِعُ إلى تَفْرِيغٍ الأرْضِ مِنها وإبْرازِ ما كانَتْ تُوارِيهِ. فَأوَّلُ الصِّفاتِ: ارْتِجاجُها، ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، ثُمَّ نَسْفُها، وهي مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ غَيْرُ بارِزَةٍ، وبِالنَّسْفِ بَرَزَتْ، ونَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، ثُمَّ تَطْيِيرِها بِالرِّيحِ في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، فَإذا نَظَرْتَ إلى مَواضِعِها لَمْ تَجِدْ فِيها مِنها شَيْئًا كالسَّرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ تَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُسَوّى بِها.
وانْتَصَبَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، فالعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٩] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ (p-١٠١)مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“، والمَعْنى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أثابَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ، وعاقَبَ المُجْرِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، وجُعِلَ هَذا الصُّنْعُ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، حَيْثُ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي؛ أنَّ مُقابَلَتَهُ الحَسَنَةَ بِالثَّوابِ، والسَّيِّئَةَ بِالعِقابِ، مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ وإتْقانِهِ لَها وإجْرائِهِ لَها عَلى قَضايا الحِكْمَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ، وبِما يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ، فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، ومَكانَةِ إضْمادِهِ، ورَصانَةِ تَفْسِيرِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْرِغَ إفْراغًا واحِدًا، ويا لِأمْرٍ أعْجَزَ القُوى وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ، إذا جاءَ عَقِيبَ كَلامٍ، جاءَ كالشّاهِدِ لِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا كَما كانَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ )﴾ و( ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤] و﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؟ بَعْدَما رَسَمَها بِإضافَتِها إلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّعْظِيمِ، كَيْفَ تَلاها بِقَوْلِهِ: ”﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾“، ”﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]“، ”﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]“، ”﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]“ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَقاشِقِهِ وتَكْثِيرِهِ في الكَلامِ، واحْتِيالِهِ في إدارَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ لِما عَلَيْهِ، مِن مَذاهِبِ المُعْتَزِلَةِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صُنْعَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي جُمْلَةُ الحالِ، أيْ صَنَعَ اللَّهُ بِها ذَلِكَ، وهو قَلْعُها مِنَ الأرْضِ، ومَرُّها مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَّحابِ. وأمّا قَوْلُهُ: إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾“، يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُكِّدَ مَضْمُونُها بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مُخِلٌّ. ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ، وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها، لَمْ يَرِدِ الحَذْفُ في شَيْءٍ مِنها؛ إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدُ، إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّوْكِيدَ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُكِّدَ مُعْتَنًى بِهِ، ومِن حَيْثُ حُذِفَ غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ عَلى ”الإغْراءِ بِمَعْنى، انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: يَفْعَلُونَ بِالياءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ.
ولَمّا ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ. والحَسَنَةُ: الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ورَتَّبَ عَلى مَجِيءِ المُكَلَّفِ بِالحَسَنَةِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِنها، ويَظْهَرُ أنَّ خَيْرًا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ونَشْؤُهُ مِنها، أيْ مِن جِهَةِ هَذِهِ الحَسَنَةِ، والخَيْرُ هُنا: الثَّوابُ. وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ أنَّها لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. وقِيلَ: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها، يُرِيدُ الإضْعافَ، وأنَّ العَمَلَ يَنْقَضِي والثَّوابَ يَدُومُ، وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ، تَرْكِيبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَبَعْضُ العُلَماءِ مَنَعَهُ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونَ في قَوْلِهِ: مِنها، حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها واسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - تَعالى - تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرًا، والدّاعِيَةُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَّوابِ تَفْضِيلٌ. انْتَهى. وقِيلَ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ. وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السِّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ لا يَكُونُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، و“ يَوْمَئِذٍ ”، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: آمِنُونَ، أوْ لِـ“ فَزَعٍ ”. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قِراءَةُ مَن (p-١٠٢)أضافَهُ إلَيْهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ“ فَزَعٍ ”، أيْ كائِنٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإضافَةِ“ فَزَعٍ ”إلى يَوْمَئِذٍ؛ فَكَسَرَ المِيمَ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ، وفَتَحَها، بِناءً لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ؛ نافِعٌ، في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ. والتَّنْوِينُ في“ يَوْمَئِذٍ ”تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ وعُوِّضَ مِنها، والأوْلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ، أيْ يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تَرى الجِبالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِأنَّهُ نَفْخُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ، ويَكُونُ الفَزَعُ إذْ ذاكَ واحِدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ ما مَعْناهُ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، أوْ بِالإضافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ، شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ، فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَزَعَيْنِ ؟ (قُلْتُ): الفَزَعُ الأوَّلُ: ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ بِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ لَحاقَ الضَّرَرِ بِهِ. والثّانِي: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النّارِ. وخُصَّتِ الوُجُوهُ، إذْ كانَتْ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ويَلْزَمُ مِن كَبِّها في النّارِ كَبُّ الجَمِيعِ، أوْ عُبِّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، كَما قالَ:“ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] ”، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ. والظّاهِرُ مِن كُبَّتْ، أنَّهم يُلْقَوْنَ في النّارِ مَنكُوسِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أعْلاهم قَبْلَ أسْفَلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ طَرْحِهِمْ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. هَلْ تُجْزَوْنَ: خِطابٌ لَهم عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ يُقالُ لَهم وقْتَ الكَبِّ: هَلْ تُجْزَوْنَ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، أوْ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.“ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ”: أيْ أُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا أتَّخِذَ مَعَهُ شَرِيكًا، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وهَذِهِ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ مِن حَيْثُ هي مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ. والبَلْدَةُ: مَكَّةُ، وأُسْنِدَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَها واخْتِصاصًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»؛ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وإسْنادَهُ إلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ كانَ ظُهُورُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: حَرَّمَها، تَنْبِيهٌ بِنِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ جَعَلَ بَلْدَتَهم آمِنَةً مِنَ الغاراتِ والفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ في بِلادِ العَرَبِ، وأهْلَكَ مَن أرادَها بِسُوءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِي: صِفَةً لِلرَّبِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الَّتِي حَرَّمَها: صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مالِكُ هَذِهِ البَلْدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ فَقالَ:“ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ”، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ داخِلَةٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، فَشَرُفَتِ البَلْدَةُ بِذِكْرِ انْدِراجِها تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جِهَةِ الخُصُوصِ، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ. وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ: أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأعْبُدُهُ كَما أمَرَنِي، أوْ مِنَ الحُنَفاءِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، إمّا مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: وأنْ أتْلُوَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا الظّاهِرُ، إذْ بَعْدَهُ التَّقْسِيمُ المُناسِبُ لِلتِّلاوَةِ، وإمّا مِنَ المَتْلُوِّ، أيْ: وأنْ أتَّبِعَ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنْ أتْلُوَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وأنِ اتْلُ، بِغَيْرِ واوٍ، أمْرًا مِن تَلا، فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ: وأُمِرْتُ أنِ أتْلُ، أيِ اتْلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: واتْلُ هَذا القُرْآنَ، جَعَلَهُ أمْرًا دُونَ أنْ. فَمَنِ اهْتَدى، بِهِ ووَحَّدَ اللَّهَ ونَبِيَّهُ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ، فَثَمَرَةُ هِدايَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ. ومَن ضَلَّ، فَوَبالُ إضْلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وحُذِفَ جَوابُ مَن ضَلَّ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ في قَوْلِهِ:“ ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ”ضَمِيرٌ حَتّى يُرْبَطَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ، إذْ أداةُ الشَّرْطِ اسْمٌ ولَيْسَ ظَرْفًا، فَلا بُدَّ في جُمْلَةِ الجَوابِ (p-١٠٣)مِن ذِكْرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي جَوابُ الشَّرْطِ، ويُقَدَّرُ الضَّمِيرُ: مِنَ المُنْذِرِينَ لَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ إلّا إنْذارُهُ، وأمّا هِدايَتُهُ فَإلى اللَّهِ. وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، واخْتَصَّهُ مِن رَفِيعِ المَنزِلَةِ. سَيُرِيكم آياتِهِ: تَهْدِيدٌ لِأعْدائِهِ بِما يُرِيهِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى مَعْرِفَتِها والإقْرارِ أنَّها آياتُ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ حَتّى لا تَنْفَعَهُمُ المَعْرِفَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في الدُّنْيا؛ وهي الدُّخانُ وانْشِقاقُ القَمَرِ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: خُرُوجُ الدّابَّةِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وقِيلَ: آياتُهُ في أنْفُسِكم وفي سائِرِ ما خَلَقَ، مِثْلُ قَوْلِهِ:“ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ”. وقِيلَ: مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأضافَها إلَيْهِ لِأنَّهُ هو مُجْرِيها عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ، ومُظْهِرُها مِن جِهَتِهِ.“ فَتَعْرِفُونَها ”: أيْ حَقِيقَتَها، ولا يَسَعُكم جُحُودُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ عَمّا يَعْمَلُونَ "، بِياءِ الغَيْبَةِ، التِفاتًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِتاءِ الخِطابِ لِقَوْلِهِ: سَيُرِيكم. ولَمّا قَسَّمَهم إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، غَيْرُ غافِلٍ عَنْها.
* *
(مُفْرَداتُ سُورَةِ القَصَصِ)
الوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. وقِيلَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ. وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّهْزُ واللَّكْزُ: الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ، واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. وقِيلَ: الوَكْزُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. ذادَ طَرَدَ ودَفَعَ وقالَ الفَرّاءُ: حَبَسَ، جَذَوْتُ الشَّيْءَ جَذْوًا: قَطَعْتُهُ، والجَذْوَةُ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجَذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا ذَعِرِ
الخَوّارُ: الَّذِي يَتَقَصَّفُ، والذَّعِرُ الَّذِي فِيهِ تَعَبٌ. وقالَ آخَرُ:
؎وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ ∗∗∗ جَذْوَةً عَلَيْها حَمْئُها والتِهابُها
وقِيلَ: الجَذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، العُودُ الغَلِيظُ، كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وقالَ السُّلَمِيُّ يَصِفُ الصَّلى:
؎حَمى حُبُّ هَذِي النّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهو دُونَ الحَبائِبِ
؎وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجُذافِيِّ رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ
الشّاطِئُ والشَّطُّ: حَفَّةُ الوادِي. الفَصاحَةُ: بَسْطُ اللِّسانِ في إيضاحِ المَعْنى المَقْصُودِ، ومُقابِلُهُ: اللَّكْنُ. الرِّدْءُ: المُعِينُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ في الأمْرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
؎ورِدْءُ كُلِّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ ∗∗∗ شَحِيذِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ
ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ، إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَوْنُ، ويُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ: أعَنْتُهُ. المَقْبُوحُ: المَطْرُودُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ألا قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّها ∗∗∗ وجَدَّعَ يَرْبُوعًا وعَفَّرَ دارِما
ثَوى يَثْوِي ثَواءٌ: أقامَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٌ ثَوَيْتُهُ ∗∗∗ تُقَضّى لَباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ
وقالَ العَجّاجُ:
؎فَباتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ
أيِ الضَّيْفُ المُقِيمُ. البَطَرُ: الطُّغْيانُ. السَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.
النمل 27:88
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٩٨)أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، والحَشْرُ: الجَمْعُ عَلى عُنْفٍ.
﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ، ومِن هي لِلتَّبْعِيضِ.
﴿فَوْجًا﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً.
﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ. والآياتُ: الأنْبِياءُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدَّلائِلُ، أقْوالٌ.
﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ إلى المَوْقِفِ؛ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإهانَةٍ؛ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ أوَقَعَ تَكْذِيبُكم بِها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لَها ولا مُحِيطِينَ عِلْمًا بِكُنْهِها ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، أيْ أجَحَدْتُمُوها: ومَعَ جُحُودِها لَمْ تُلْقُوا أذْهانَكم لِتَحَقُّقِها وتَبَصُّرِها، فَإنَّ المَكْتُوبَ إلَيْهِ قَدْ يَجْحَدُ أنْ يَكُونَ الكِتابَ مِن عِنْدِ مَن كَتَبَهُ إلَيْهِ، ولا يَدَعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْرَأهُ ويُحِيطَ بِمَعانِيهِ عِلْمًا. وقِيلَ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أيْ بِبُطْلانِها حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها، بَلْ كَذَّبْتُمْ جاهِلِينَ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُقَدَّرَ بِبَلْ وحْدَها. انْتَقَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ عَمَلِهِمْ أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أوْ حُجَّةٌ فَهاتُوا، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا حُجَّةٌ فِيما عَمِلُوهُ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وماذا بِجُمْلَتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِخَبَرِ كانَ، وهو تَعْمَلُونَ، وأنْ يَكُونَ ”ما“ هو الِاسْتِفْهامُ، وذا مَوْصُولٌ بِمَعْنى (p-٩٩)الَّذِي، فَيَكُونانِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وكانَ صِلَةٌ لِذا والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تَعْمَلُونَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أماذا، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، أدْخَلَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ.
﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ولا عُذْرٍ لِما شَغَلَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، وانْتِفاءُ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.
ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَرْتَدِعَ بِسَماعِها مَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - ارْتِداعَهُ، نَبَّهَهم عَلى ما هو دَلِيلٌ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ بِما هم يُشاهِدُونَهُ في حالِ حَياتِهِمْ، وهو تَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نُورٍ إلى ظُلْمَةٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى نُورٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ واحِدٌ، وهو اللَّهُ - تَعالى - فَيَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ. وفي هَذا التَّقْلِيبِ دَلِيلٌ عَلى القَلْبِ مِن حَياةٍ إلى مَوْتٍ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ أُخْرى، وفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْلِيبَ هو لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، ولِهَذا عَلَّلَ ذَلِكَ الجَعْلَ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ لِتَحْصِيلِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ وأضافَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ أضافَهُ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: لَيْلُكَ نائِمٌ، وعَلَّلَ جَعْلَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أيْ لِأنْ يَقَعَ سُكُونُهم فِيهِ مِمّا يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ في النَّهارِ واسْتِراحَةُ نُفُوسِهِمْ. قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
؎النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ
ولَمْ يَقَعِ التَّقابُلُ في جَعْلِ النَّهارِ بِالنَّصِّ عَلى عِلَّتِهِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، بَلْ أتى بِقَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرًا﴾ قَيْدًا في جَعْلِ النَّهارِ، لا عِلَّةً لِلْجَعْلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ؛ لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا: لِتُبْصِرُوا فِيهِ طَرِيقَ التَّقَلُّبِ في المَكاسِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا مِن بابِ ما حُذِفَ مِن أوَّلِهِ ما أُثْبِتَ في مُقابِلِهِ، وحُذِفَ مِن آخِرِهِ ما أُثْبِتَ في أوَّلِهِ، فالتَّقْدِيرُ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْصَرِفُوا فِيهِ؛ فالإظْلامُ يَنْشَأُ عَنْهُ السُّكُونُ، والإبْصارُ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّصَرُّفُ في المَصالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ فالسُّكُونُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، والتَّصَرُّفُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا وتَقَدَّمَ لَنا: الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذَيْنِ الحَذْفَيْنِ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] .
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في هَذا الجَعْلِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِالفِكْرِ في هَذِهِ الآياتِ إلّا المُؤْمِنُونَ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ آياتٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الصُّورِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ المَلَكَ لَهُ في الصُّوَرِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: نَفْخَتانِ، جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ نَفْخَةً واحِدَةً، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ويَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، وعُبِّرَ هُنا بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾ وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] .
﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ فَلا يَنالُهم هَذا الفَزَعُ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ قَلْبَهُ. فَقالَ مُقاتِلٌ: هم جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . وإذا كانَ الفَزَعُ الأكْبَرُ لا يَنالُهم، فَهم حَرِيُّونَ أنْ لا يَنالَهم هَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: الحُورُ العِينُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ: مِنهم مُوسى؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا، وهو: «أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ (p-١٠٠)الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفِ حَوْلَ العَرْشِ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ صَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ في التَّعْيِينِ، وغَيْرُهُ اجْتِهادٌ. وهَذا النَّفْخُ هو حَقِيقَةٌ، إمّا في القَرْنِ، وإمّا في الصُّوَرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتى، فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ الصَّوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّوابُ، لِكَثْرَةِ وُرُودِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ في القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقِيلَ: فَفَزِعَ، لَيْسَ مِنَ الفَزَعِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما مَعْناهُ: أجابَ وأسْرَعَ إلى البَقاءِ.
﴿وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ المُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وكُلُّهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتُوهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: أتَوْهُ، فِعْلًا ماضِيًا، وفي القِراءَتَيْنِ رُوعِيَ مَعْنى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ، وقَتادَةُ: أتاهُ، فِعْلًا ماضِيًا مُسْنِدًا لِضَمِيرِ ”كُلٌّ“ عَلى لَفْظِها، وجَمَعَ داخِرِينَ عَلى مَعْناها. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: ”دَخِرِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ. قِيلَ: ومَعْنى آتُوهُ: حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ وانْقِيادُهم لَهُ.
﴿وتَرى الجِبالَ﴾ هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ تَحْسَبُها حالٌ مِن فاعِلِ تَرى، أوْ مِنَ الجِبالِ. و”جامِدَةً“، مَن جَمَدَ مَكانَهُ إذا لَمْ يَبْرَحْ مِنهُ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ عَقِيبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وهي أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ، تَمُوجُ وتَسِيرُ، ثُمَّ يَنْسِفُها اللَّهُ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا في آخِرِ الأمْرِ.
﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَحْسَبُها في رَأْيِ العَيْنِ ثابِتَةً مُقِيمَةً في أماكِنِها وهي سائِرَةٌ، وتَشْبِيهُ مُرُورِها بِمَرِّ السَّحابِ. قِيلَ: في كَوْنِها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا، كَما مَرَّ السَّحابُ، وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ، إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ في صِفَةِ جَيْشٍ:
؎نارٌ عَنْ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
وقِيلَ: شَبَّهَ مُرُورَها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا، كَما قالَ الأعْشى:
؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وحُسْبانُ الرّائِي الجِبالَ جامِدَةً مَعَ مُرُورِها، قِيلَ: لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها لَيْسَتْ بِجامِدَةٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَجْهُ في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ، أنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ، ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ، وهي تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا. انْتَهى. وقِيلَ: وصَفَ - تَعالى - الجِبالَ بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَرْجِعُ إلى تَفْرِيغٍ الأرْضِ مِنها وإبْرازِ ما كانَتْ تُوارِيهِ. فَأوَّلُ الصِّفاتِ: ارْتِجاجُها، ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، ثُمَّ نَسْفُها، وهي مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ غَيْرُ بارِزَةٍ، وبِالنَّسْفِ بَرَزَتْ، ونَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، ثُمَّ تَطْيِيرِها بِالرِّيحِ في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، فَإذا نَظَرْتَ إلى مَواضِعِها لَمْ تَجِدْ فِيها مِنها شَيْئًا كالسَّرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ تَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُسَوّى بِها.
وانْتَصَبَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، فالعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٩] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ (p-١٠١)مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“، والمَعْنى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أثابَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ، وعاقَبَ المُجْرِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، وجُعِلَ هَذا الصُّنْعُ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، حَيْثُ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي؛ أنَّ مُقابَلَتَهُ الحَسَنَةَ بِالثَّوابِ، والسَّيِّئَةَ بِالعِقابِ، مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ وإتْقانِهِ لَها وإجْرائِهِ لَها عَلى قَضايا الحِكْمَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ، وبِما يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ، فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، ومَكانَةِ إضْمادِهِ، ورَصانَةِ تَفْسِيرِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْرِغَ إفْراغًا واحِدًا، ويا لِأمْرٍ أعْجَزَ القُوى وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ، إذا جاءَ عَقِيبَ كَلامٍ، جاءَ كالشّاهِدِ لِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا كَما كانَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ )﴾ و( ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤] و﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؟ بَعْدَما رَسَمَها بِإضافَتِها إلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّعْظِيمِ، كَيْفَ تَلاها بِقَوْلِهِ: ”﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾“، ”﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]“، ”﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]“، ”﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]“ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَقاشِقِهِ وتَكْثِيرِهِ في الكَلامِ، واحْتِيالِهِ في إدارَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ لِما عَلَيْهِ، مِن مَذاهِبِ المُعْتَزِلَةِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صُنْعَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي جُمْلَةُ الحالِ، أيْ صَنَعَ اللَّهُ بِها ذَلِكَ، وهو قَلْعُها مِنَ الأرْضِ، ومَرُّها مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَّحابِ. وأمّا قَوْلُهُ: إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾“، يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُكِّدَ مَضْمُونُها بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مُخِلٌّ. ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ، وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها، لَمْ يَرِدِ الحَذْفُ في شَيْءٍ مِنها؛ إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدُ، إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّوْكِيدَ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُكِّدَ مُعْتَنًى بِهِ، ومِن حَيْثُ حُذِفَ غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ عَلى ”الإغْراءِ بِمَعْنى، انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: يَفْعَلُونَ بِالياءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ.
ولَمّا ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ. والحَسَنَةُ: الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ورَتَّبَ عَلى مَجِيءِ المُكَلَّفِ بِالحَسَنَةِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِنها، ويَظْهَرُ أنَّ خَيْرًا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ونَشْؤُهُ مِنها، أيْ مِن جِهَةِ هَذِهِ الحَسَنَةِ، والخَيْرُ هُنا: الثَّوابُ. وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ أنَّها لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. وقِيلَ: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها، يُرِيدُ الإضْعافَ، وأنَّ العَمَلَ يَنْقَضِي والثَّوابَ يَدُومُ، وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ، تَرْكِيبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَبَعْضُ العُلَماءِ مَنَعَهُ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونَ في قَوْلِهِ: مِنها، حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها واسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - تَعالى - تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرًا، والدّاعِيَةُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَّوابِ تَفْضِيلٌ. انْتَهى. وقِيلَ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ. وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السِّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ لا يَكُونُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، و“ يَوْمَئِذٍ ”، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: آمِنُونَ، أوْ لِـ“ فَزَعٍ ”. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قِراءَةُ مَن (p-١٠٢)أضافَهُ إلَيْهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ“ فَزَعٍ ”، أيْ كائِنٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإضافَةِ“ فَزَعٍ ”إلى يَوْمَئِذٍ؛ فَكَسَرَ المِيمَ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ، وفَتَحَها، بِناءً لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ؛ نافِعٌ، في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ. والتَّنْوِينُ في“ يَوْمَئِذٍ ”تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ وعُوِّضَ مِنها، والأوْلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ، أيْ يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تَرى الجِبالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِأنَّهُ نَفْخُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ، ويَكُونُ الفَزَعُ إذْ ذاكَ واحِدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ ما مَعْناهُ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، أوْ بِالإضافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ، شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ، فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَزَعَيْنِ ؟ (قُلْتُ): الفَزَعُ الأوَّلُ: ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ بِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ لَحاقَ الضَّرَرِ بِهِ. والثّانِي: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النّارِ. وخُصَّتِ الوُجُوهُ، إذْ كانَتْ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ويَلْزَمُ مِن كَبِّها في النّارِ كَبُّ الجَمِيعِ، أوْ عُبِّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، كَما قالَ:“ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] ”، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ. والظّاهِرُ مِن كُبَّتْ، أنَّهم يُلْقَوْنَ في النّارِ مَنكُوسِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أعْلاهم قَبْلَ أسْفَلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ طَرْحِهِمْ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. هَلْ تُجْزَوْنَ: خِطابٌ لَهم عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ يُقالُ لَهم وقْتَ الكَبِّ: هَلْ تُجْزَوْنَ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، أوْ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.“ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ”: أيْ أُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا أتَّخِذَ مَعَهُ شَرِيكًا، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وهَذِهِ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ مِن حَيْثُ هي مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ. والبَلْدَةُ: مَكَّةُ، وأُسْنِدَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَها واخْتِصاصًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»؛ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وإسْنادَهُ إلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ كانَ ظُهُورُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: حَرَّمَها، تَنْبِيهٌ بِنِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ جَعَلَ بَلْدَتَهم آمِنَةً مِنَ الغاراتِ والفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ في بِلادِ العَرَبِ، وأهْلَكَ مَن أرادَها بِسُوءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِي: صِفَةً لِلرَّبِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الَّتِي حَرَّمَها: صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مالِكُ هَذِهِ البَلْدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ فَقالَ:“ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ”، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ داخِلَةٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، فَشَرُفَتِ البَلْدَةُ بِذِكْرِ انْدِراجِها تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جِهَةِ الخُصُوصِ، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ. وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ: أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأعْبُدُهُ كَما أمَرَنِي، أوْ مِنَ الحُنَفاءِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، إمّا مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: وأنْ أتْلُوَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا الظّاهِرُ، إذْ بَعْدَهُ التَّقْسِيمُ المُناسِبُ لِلتِّلاوَةِ، وإمّا مِنَ المَتْلُوِّ، أيْ: وأنْ أتَّبِعَ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنْ أتْلُوَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وأنِ اتْلُ، بِغَيْرِ واوٍ، أمْرًا مِن تَلا، فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ: وأُمِرْتُ أنِ أتْلُ، أيِ اتْلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: واتْلُ هَذا القُرْآنَ، جَعَلَهُ أمْرًا دُونَ أنْ. فَمَنِ اهْتَدى، بِهِ ووَحَّدَ اللَّهَ ونَبِيَّهُ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ، فَثَمَرَةُ هِدايَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ. ومَن ضَلَّ، فَوَبالُ إضْلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وحُذِفَ جَوابُ مَن ضَلَّ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ في قَوْلِهِ:“ ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ”ضَمِيرٌ حَتّى يُرْبَطَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ، إذْ أداةُ الشَّرْطِ اسْمٌ ولَيْسَ ظَرْفًا، فَلا بُدَّ في جُمْلَةِ الجَوابِ (p-١٠٣)مِن ذِكْرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي جَوابُ الشَّرْطِ، ويُقَدَّرُ الضَّمِيرُ: مِنَ المُنْذِرِينَ لَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ إلّا إنْذارُهُ، وأمّا هِدايَتُهُ فَإلى اللَّهِ. وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، واخْتَصَّهُ مِن رَفِيعِ المَنزِلَةِ. سَيُرِيكم آياتِهِ: تَهْدِيدٌ لِأعْدائِهِ بِما يُرِيهِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى مَعْرِفَتِها والإقْرارِ أنَّها آياتُ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ حَتّى لا تَنْفَعَهُمُ المَعْرِفَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في الدُّنْيا؛ وهي الدُّخانُ وانْشِقاقُ القَمَرِ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: خُرُوجُ الدّابَّةِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وقِيلَ: آياتُهُ في أنْفُسِكم وفي سائِرِ ما خَلَقَ، مِثْلُ قَوْلِهِ:“ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ”. وقِيلَ: مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأضافَها إلَيْهِ لِأنَّهُ هو مُجْرِيها عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ، ومُظْهِرُها مِن جِهَتِهِ.“ فَتَعْرِفُونَها ”: أيْ حَقِيقَتَها، ولا يَسَعُكم جُحُودُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ عَمّا يَعْمَلُونَ "، بِياءِ الغَيْبَةِ، التِفاتًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِتاءِ الخِطابِ لِقَوْلِهِ: سَيُرِيكم. ولَمّا قَسَّمَهم إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، غَيْرُ غافِلٍ عَنْها.
* *
(مُفْرَداتُ سُورَةِ القَصَصِ)
الوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. وقِيلَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ. وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّهْزُ واللَّكْزُ: الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ، واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. وقِيلَ: الوَكْزُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. ذادَ طَرَدَ ودَفَعَ وقالَ الفَرّاءُ: حَبَسَ، جَذَوْتُ الشَّيْءَ جَذْوًا: قَطَعْتُهُ، والجَذْوَةُ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجَذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا ذَعِرِ
الخَوّارُ: الَّذِي يَتَقَصَّفُ، والذَّعِرُ الَّذِي فِيهِ تَعَبٌ. وقالَ آخَرُ:
؎وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ ∗∗∗ جَذْوَةً عَلَيْها حَمْئُها والتِهابُها
وقِيلَ: الجَذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، العُودُ الغَلِيظُ، كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وقالَ السُّلَمِيُّ يَصِفُ الصَّلى:
؎حَمى حُبُّ هَذِي النّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهو دُونَ الحَبائِبِ
؎وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجُذافِيِّ رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ
الشّاطِئُ والشَّطُّ: حَفَّةُ الوادِي. الفَصاحَةُ: بَسْطُ اللِّسانِ في إيضاحِ المَعْنى المَقْصُودِ، ومُقابِلُهُ: اللَّكْنُ. الرِّدْءُ: المُعِينُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ في الأمْرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
؎ورِدْءُ كُلِّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ ∗∗∗ شَحِيذِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ
ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ، إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَوْنُ، ويُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ: أعَنْتُهُ. المَقْبُوحُ: المَطْرُودُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ألا قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّها ∗∗∗ وجَدَّعَ يَرْبُوعًا وعَفَّرَ دارِما
ثَوى يَثْوِي ثَواءٌ: أقامَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٌ ثَوَيْتُهُ ∗∗∗ تُقَضّى لَباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ
وقالَ العَجّاجُ:
؎فَباتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ
أيِ الضَّيْفُ المُقِيمُ. البَطَرُ: الطُّغْيانُ. السَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.
النمل 27:89
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٩٨)أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، والحَشْرُ: الجَمْعُ عَلى عُنْفٍ.
﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ، ومِن هي لِلتَّبْعِيضِ.
﴿فَوْجًا﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً.
﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ. والآياتُ: الأنْبِياءُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدَّلائِلُ، أقْوالٌ.
﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ إلى المَوْقِفِ؛ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإهانَةٍ؛ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ أوَقَعَ تَكْذِيبُكم بِها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لَها ولا مُحِيطِينَ عِلْمًا بِكُنْهِها ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، أيْ أجَحَدْتُمُوها: ومَعَ جُحُودِها لَمْ تُلْقُوا أذْهانَكم لِتَحَقُّقِها وتَبَصُّرِها، فَإنَّ المَكْتُوبَ إلَيْهِ قَدْ يَجْحَدُ أنْ يَكُونَ الكِتابَ مِن عِنْدِ مَن كَتَبَهُ إلَيْهِ، ولا يَدَعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْرَأهُ ويُحِيطَ بِمَعانِيهِ عِلْمًا. وقِيلَ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أيْ بِبُطْلانِها حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها، بَلْ كَذَّبْتُمْ جاهِلِينَ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُقَدَّرَ بِبَلْ وحْدَها. انْتَقَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ عَمَلِهِمْ أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أوْ حُجَّةٌ فَهاتُوا، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا حُجَّةٌ فِيما عَمِلُوهُ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وماذا بِجُمْلَتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِخَبَرِ كانَ، وهو تَعْمَلُونَ، وأنْ يَكُونَ ”ما“ هو الِاسْتِفْهامُ، وذا مَوْصُولٌ بِمَعْنى (p-٩٩)الَّذِي، فَيَكُونانِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وكانَ صِلَةٌ لِذا والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تَعْمَلُونَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أماذا، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، أدْخَلَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ.
﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ولا عُذْرٍ لِما شَغَلَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، وانْتِفاءُ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.
ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَرْتَدِعَ بِسَماعِها مَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - ارْتِداعَهُ، نَبَّهَهم عَلى ما هو دَلِيلٌ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ بِما هم يُشاهِدُونَهُ في حالِ حَياتِهِمْ، وهو تَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نُورٍ إلى ظُلْمَةٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى نُورٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ واحِدٌ، وهو اللَّهُ - تَعالى - فَيَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ. وفي هَذا التَّقْلِيبِ دَلِيلٌ عَلى القَلْبِ مِن حَياةٍ إلى مَوْتٍ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ أُخْرى، وفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْلِيبَ هو لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، ولِهَذا عَلَّلَ ذَلِكَ الجَعْلَ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ لِتَحْصِيلِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ وأضافَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ أضافَهُ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: لَيْلُكَ نائِمٌ، وعَلَّلَ جَعْلَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أيْ لِأنْ يَقَعَ سُكُونُهم فِيهِ مِمّا يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ في النَّهارِ واسْتِراحَةُ نُفُوسِهِمْ. قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
؎النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ
ولَمْ يَقَعِ التَّقابُلُ في جَعْلِ النَّهارِ بِالنَّصِّ عَلى عِلَّتِهِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، بَلْ أتى بِقَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرًا﴾ قَيْدًا في جَعْلِ النَّهارِ، لا عِلَّةً لِلْجَعْلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ؛ لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا: لِتُبْصِرُوا فِيهِ طَرِيقَ التَّقَلُّبِ في المَكاسِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا مِن بابِ ما حُذِفَ مِن أوَّلِهِ ما أُثْبِتَ في مُقابِلِهِ، وحُذِفَ مِن آخِرِهِ ما أُثْبِتَ في أوَّلِهِ، فالتَّقْدِيرُ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْصَرِفُوا فِيهِ؛ فالإظْلامُ يَنْشَأُ عَنْهُ السُّكُونُ، والإبْصارُ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّصَرُّفُ في المَصالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ فالسُّكُونُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، والتَّصَرُّفُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا وتَقَدَّمَ لَنا: الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذَيْنِ الحَذْفَيْنِ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] .
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في هَذا الجَعْلِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِالفِكْرِ في هَذِهِ الآياتِ إلّا المُؤْمِنُونَ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ آياتٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الصُّورِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ المَلَكَ لَهُ في الصُّوَرِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: نَفْخَتانِ، جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ نَفْخَةً واحِدَةً، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ويَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، وعُبِّرَ هُنا بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾ وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] .
﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ فَلا يَنالُهم هَذا الفَزَعُ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ قَلْبَهُ. فَقالَ مُقاتِلٌ: هم جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . وإذا كانَ الفَزَعُ الأكْبَرُ لا يَنالُهم، فَهم حَرِيُّونَ أنْ لا يَنالَهم هَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: الحُورُ العِينُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ: مِنهم مُوسى؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا، وهو: «أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ (p-١٠٠)الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفِ حَوْلَ العَرْشِ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ صَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ في التَّعْيِينِ، وغَيْرُهُ اجْتِهادٌ. وهَذا النَّفْخُ هو حَقِيقَةٌ، إمّا في القَرْنِ، وإمّا في الصُّوَرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتى، فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ الصَّوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّوابُ، لِكَثْرَةِ وُرُودِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ في القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقِيلَ: فَفَزِعَ، لَيْسَ مِنَ الفَزَعِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما مَعْناهُ: أجابَ وأسْرَعَ إلى البَقاءِ.
﴿وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ المُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وكُلُّهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتُوهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: أتَوْهُ، فِعْلًا ماضِيًا، وفي القِراءَتَيْنِ رُوعِيَ مَعْنى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ، وقَتادَةُ: أتاهُ، فِعْلًا ماضِيًا مُسْنِدًا لِضَمِيرِ ”كُلٌّ“ عَلى لَفْظِها، وجَمَعَ داخِرِينَ عَلى مَعْناها. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: ”دَخِرِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ. قِيلَ: ومَعْنى آتُوهُ: حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ وانْقِيادُهم لَهُ.
﴿وتَرى الجِبالَ﴾ هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ تَحْسَبُها حالٌ مِن فاعِلِ تَرى، أوْ مِنَ الجِبالِ. و”جامِدَةً“، مَن جَمَدَ مَكانَهُ إذا لَمْ يَبْرَحْ مِنهُ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ عَقِيبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وهي أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ، تَمُوجُ وتَسِيرُ، ثُمَّ يَنْسِفُها اللَّهُ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا في آخِرِ الأمْرِ.
﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَحْسَبُها في رَأْيِ العَيْنِ ثابِتَةً مُقِيمَةً في أماكِنِها وهي سائِرَةٌ، وتَشْبِيهُ مُرُورِها بِمَرِّ السَّحابِ. قِيلَ: في كَوْنِها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا، كَما مَرَّ السَّحابُ، وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ، إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ في صِفَةِ جَيْشٍ:
؎نارٌ عَنْ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
وقِيلَ: شَبَّهَ مُرُورَها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا، كَما قالَ الأعْشى:
؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وحُسْبانُ الرّائِي الجِبالَ جامِدَةً مَعَ مُرُورِها، قِيلَ: لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها لَيْسَتْ بِجامِدَةٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَجْهُ في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ، أنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ، ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ، وهي تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا. انْتَهى. وقِيلَ: وصَفَ - تَعالى - الجِبالَ بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَرْجِعُ إلى تَفْرِيغٍ الأرْضِ مِنها وإبْرازِ ما كانَتْ تُوارِيهِ. فَأوَّلُ الصِّفاتِ: ارْتِجاجُها، ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، ثُمَّ نَسْفُها، وهي مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ غَيْرُ بارِزَةٍ، وبِالنَّسْفِ بَرَزَتْ، ونَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، ثُمَّ تَطْيِيرِها بِالرِّيحِ في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، فَإذا نَظَرْتَ إلى مَواضِعِها لَمْ تَجِدْ فِيها مِنها شَيْئًا كالسَّرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ تَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُسَوّى بِها.
وانْتَصَبَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، فالعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٩] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ (p-١٠١)مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“، والمَعْنى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أثابَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ، وعاقَبَ المُجْرِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، وجُعِلَ هَذا الصُّنْعُ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، حَيْثُ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي؛ أنَّ مُقابَلَتَهُ الحَسَنَةَ بِالثَّوابِ، والسَّيِّئَةَ بِالعِقابِ، مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ وإتْقانِهِ لَها وإجْرائِهِ لَها عَلى قَضايا الحِكْمَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ، وبِما يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ، فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، ومَكانَةِ إضْمادِهِ، ورَصانَةِ تَفْسِيرِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْرِغَ إفْراغًا واحِدًا، ويا لِأمْرٍ أعْجَزَ القُوى وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ، إذا جاءَ عَقِيبَ كَلامٍ، جاءَ كالشّاهِدِ لِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا كَما كانَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ )﴾ و( ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤] و﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؟ بَعْدَما رَسَمَها بِإضافَتِها إلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّعْظِيمِ، كَيْفَ تَلاها بِقَوْلِهِ: ”﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾“، ”﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]“، ”﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]“، ”﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]“ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَقاشِقِهِ وتَكْثِيرِهِ في الكَلامِ، واحْتِيالِهِ في إدارَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ لِما عَلَيْهِ، مِن مَذاهِبِ المُعْتَزِلَةِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صُنْعَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي جُمْلَةُ الحالِ، أيْ صَنَعَ اللَّهُ بِها ذَلِكَ، وهو قَلْعُها مِنَ الأرْضِ، ومَرُّها مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَّحابِ. وأمّا قَوْلُهُ: إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾“، يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُكِّدَ مَضْمُونُها بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مُخِلٌّ. ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ، وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها، لَمْ يَرِدِ الحَذْفُ في شَيْءٍ مِنها؛ إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدُ، إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّوْكِيدَ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُكِّدَ مُعْتَنًى بِهِ، ومِن حَيْثُ حُذِفَ غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ عَلى ”الإغْراءِ بِمَعْنى، انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: يَفْعَلُونَ بِالياءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ.
ولَمّا ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ. والحَسَنَةُ: الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ورَتَّبَ عَلى مَجِيءِ المُكَلَّفِ بِالحَسَنَةِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِنها، ويَظْهَرُ أنَّ خَيْرًا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ونَشْؤُهُ مِنها، أيْ مِن جِهَةِ هَذِهِ الحَسَنَةِ، والخَيْرُ هُنا: الثَّوابُ. وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ أنَّها لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. وقِيلَ: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها، يُرِيدُ الإضْعافَ، وأنَّ العَمَلَ يَنْقَضِي والثَّوابَ يَدُومُ، وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ، تَرْكِيبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَبَعْضُ العُلَماءِ مَنَعَهُ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونَ في قَوْلِهِ: مِنها، حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها واسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - تَعالى - تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرًا، والدّاعِيَةُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَّوابِ تَفْضِيلٌ. انْتَهى. وقِيلَ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ. وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السِّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ لا يَكُونُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، و“ يَوْمَئِذٍ ”، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: آمِنُونَ، أوْ لِـ“ فَزَعٍ ”. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قِراءَةُ مَن (p-١٠٢)أضافَهُ إلَيْهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ“ فَزَعٍ ”، أيْ كائِنٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإضافَةِ“ فَزَعٍ ”إلى يَوْمَئِذٍ؛ فَكَسَرَ المِيمَ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ، وفَتَحَها، بِناءً لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ؛ نافِعٌ، في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ. والتَّنْوِينُ في“ يَوْمَئِذٍ ”تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ وعُوِّضَ مِنها، والأوْلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ، أيْ يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تَرى الجِبالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِأنَّهُ نَفْخُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ، ويَكُونُ الفَزَعُ إذْ ذاكَ واحِدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ ما مَعْناهُ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، أوْ بِالإضافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ، شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ، فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَزَعَيْنِ ؟ (قُلْتُ): الفَزَعُ الأوَّلُ: ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ بِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ لَحاقَ الضَّرَرِ بِهِ. والثّانِي: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النّارِ. وخُصَّتِ الوُجُوهُ، إذْ كانَتْ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ويَلْزَمُ مِن كَبِّها في النّارِ كَبُّ الجَمِيعِ، أوْ عُبِّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، كَما قالَ:“ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] ”، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ. والظّاهِرُ مِن كُبَّتْ، أنَّهم يُلْقَوْنَ في النّارِ مَنكُوسِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أعْلاهم قَبْلَ أسْفَلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ طَرْحِهِمْ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. هَلْ تُجْزَوْنَ: خِطابٌ لَهم عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ يُقالُ لَهم وقْتَ الكَبِّ: هَلْ تُجْزَوْنَ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، أوْ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.“ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ”: أيْ أُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا أتَّخِذَ مَعَهُ شَرِيكًا، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وهَذِهِ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ مِن حَيْثُ هي مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ. والبَلْدَةُ: مَكَّةُ، وأُسْنِدَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَها واخْتِصاصًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»؛ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وإسْنادَهُ إلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ كانَ ظُهُورُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: حَرَّمَها، تَنْبِيهٌ بِنِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ جَعَلَ بَلْدَتَهم آمِنَةً مِنَ الغاراتِ والفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ في بِلادِ العَرَبِ، وأهْلَكَ مَن أرادَها بِسُوءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِي: صِفَةً لِلرَّبِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الَّتِي حَرَّمَها: صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مالِكُ هَذِهِ البَلْدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ فَقالَ:“ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ”، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ داخِلَةٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، فَشَرُفَتِ البَلْدَةُ بِذِكْرِ انْدِراجِها تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جِهَةِ الخُصُوصِ، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ. وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ: أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأعْبُدُهُ كَما أمَرَنِي، أوْ مِنَ الحُنَفاءِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، إمّا مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: وأنْ أتْلُوَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا الظّاهِرُ، إذْ بَعْدَهُ التَّقْسِيمُ المُناسِبُ لِلتِّلاوَةِ، وإمّا مِنَ المَتْلُوِّ، أيْ: وأنْ أتَّبِعَ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنْ أتْلُوَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وأنِ اتْلُ، بِغَيْرِ واوٍ، أمْرًا مِن تَلا، فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ: وأُمِرْتُ أنِ أتْلُ، أيِ اتْلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: واتْلُ هَذا القُرْآنَ، جَعَلَهُ أمْرًا دُونَ أنْ. فَمَنِ اهْتَدى، بِهِ ووَحَّدَ اللَّهَ ونَبِيَّهُ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ، فَثَمَرَةُ هِدايَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ. ومَن ضَلَّ، فَوَبالُ إضْلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وحُذِفَ جَوابُ مَن ضَلَّ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ في قَوْلِهِ:“ ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ”ضَمِيرٌ حَتّى يُرْبَطَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ، إذْ أداةُ الشَّرْطِ اسْمٌ ولَيْسَ ظَرْفًا، فَلا بُدَّ في جُمْلَةِ الجَوابِ (p-١٠٣)مِن ذِكْرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي جَوابُ الشَّرْطِ، ويُقَدَّرُ الضَّمِيرُ: مِنَ المُنْذِرِينَ لَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ إلّا إنْذارُهُ، وأمّا هِدايَتُهُ فَإلى اللَّهِ. وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، واخْتَصَّهُ مِن رَفِيعِ المَنزِلَةِ. سَيُرِيكم آياتِهِ: تَهْدِيدٌ لِأعْدائِهِ بِما يُرِيهِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى مَعْرِفَتِها والإقْرارِ أنَّها آياتُ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ حَتّى لا تَنْفَعَهُمُ المَعْرِفَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في الدُّنْيا؛ وهي الدُّخانُ وانْشِقاقُ القَمَرِ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: خُرُوجُ الدّابَّةِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وقِيلَ: آياتُهُ في أنْفُسِكم وفي سائِرِ ما خَلَقَ، مِثْلُ قَوْلِهِ:“ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ”. وقِيلَ: مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأضافَها إلَيْهِ لِأنَّهُ هو مُجْرِيها عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ، ومُظْهِرُها مِن جِهَتِهِ.“ فَتَعْرِفُونَها ”: أيْ حَقِيقَتَها، ولا يَسَعُكم جُحُودُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ عَمّا يَعْمَلُونَ "، بِياءِ الغَيْبَةِ، التِفاتًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِتاءِ الخِطابِ لِقَوْلِهِ: سَيُرِيكم. ولَمّا قَسَّمَهم إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، غَيْرُ غافِلٍ عَنْها.
* *
(مُفْرَداتُ سُورَةِ القَصَصِ)
الوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. وقِيلَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ. وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّهْزُ واللَّكْزُ: الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ، واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. وقِيلَ: الوَكْزُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. ذادَ طَرَدَ ودَفَعَ وقالَ الفَرّاءُ: حَبَسَ، جَذَوْتُ الشَّيْءَ جَذْوًا: قَطَعْتُهُ، والجَذْوَةُ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجَذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا ذَعِرِ
الخَوّارُ: الَّذِي يَتَقَصَّفُ، والذَّعِرُ الَّذِي فِيهِ تَعَبٌ. وقالَ آخَرُ:
؎وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ ∗∗∗ جَذْوَةً عَلَيْها حَمْئُها والتِهابُها
وقِيلَ: الجَذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، العُودُ الغَلِيظُ، كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وقالَ السُّلَمِيُّ يَصِفُ الصَّلى:
؎حَمى حُبُّ هَذِي النّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهو دُونَ الحَبائِبِ
؎وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجُذافِيِّ رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ
الشّاطِئُ والشَّطُّ: حَفَّةُ الوادِي. الفَصاحَةُ: بَسْطُ اللِّسانِ في إيضاحِ المَعْنى المَقْصُودِ، ومُقابِلُهُ: اللَّكْنُ. الرِّدْءُ: المُعِينُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ في الأمْرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
؎ورِدْءُ كُلِّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ ∗∗∗ شَحِيذِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ
ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ، إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَوْنُ، ويُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ: أعَنْتُهُ. المَقْبُوحُ: المَطْرُودُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ألا قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّها ∗∗∗ وجَدَّعَ يَرْبُوعًا وعَفَّرَ دارِما
ثَوى يَثْوِي ثَواءٌ: أقامَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٌ ثَوَيْتُهُ ∗∗∗ تُقَضّى لَباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ
وقالَ العَجّاجُ:
؎فَباتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ
أيِ الضَّيْفُ المُقِيمُ. البَطَرُ: الطُّغْيانُ. السَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.
النمل 27:90
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٩٨)أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، والحَشْرُ: الجَمْعُ عَلى عُنْفٍ.
﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ، ومِن هي لِلتَّبْعِيضِ.
﴿فَوْجًا﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً.
﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ. والآياتُ: الأنْبِياءُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدَّلائِلُ، أقْوالٌ.
﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ.
﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ إلى المَوْقِفِ؛ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإهانَةٍ؛ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ أوَقَعَ تَكْذِيبُكم بِها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لَها ولا مُحِيطِينَ عِلْمًا بِكُنْهِها ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، أيْ أجَحَدْتُمُوها: ومَعَ جُحُودِها لَمْ تُلْقُوا أذْهانَكم لِتَحَقُّقِها وتَبَصُّرِها، فَإنَّ المَكْتُوبَ إلَيْهِ قَدْ يَجْحَدُ أنْ يَكُونَ الكِتابَ مِن عِنْدِ مَن كَتَبَهُ إلَيْهِ، ولا يَدَعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْرَأهُ ويُحِيطَ بِمَعانِيهِ عِلْمًا. وقِيلَ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أيْ بِبُطْلانِها حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها، بَلْ كَذَّبْتُمْ جاهِلِينَ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُقَدَّرَ بِبَلْ وحْدَها. انْتَقَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ عَمَلِهِمْ أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أوْ حُجَّةٌ فَهاتُوا، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا حُجَّةٌ فِيما عَمِلُوهُ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وماذا بِجُمْلَتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِخَبَرِ كانَ، وهو تَعْمَلُونَ، وأنْ يَكُونَ ”ما“ هو الِاسْتِفْهامُ، وذا مَوْصُولٌ بِمَعْنى (p-٩٩)الَّذِي، فَيَكُونانِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وكانَ صِلَةٌ لِذا والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تَعْمَلُونَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أماذا، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، أدْخَلَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ.
﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ.
﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ولا عُذْرٍ لِما شَغَلَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، وانْتِفاءُ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.
ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَرْتَدِعَ بِسَماعِها مَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - ارْتِداعَهُ، نَبَّهَهم عَلى ما هو دَلِيلٌ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ بِما هم يُشاهِدُونَهُ في حالِ حَياتِهِمْ، وهو تَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نُورٍ إلى ظُلْمَةٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى نُورٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ واحِدٌ، وهو اللَّهُ - تَعالى - فَيَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ. وفي هَذا التَّقْلِيبِ دَلِيلٌ عَلى القَلْبِ مِن حَياةٍ إلى مَوْتٍ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ أُخْرى، وفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْلِيبَ هو لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، ولِهَذا عَلَّلَ ذَلِكَ الجَعْلَ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ لِتَحْصِيلِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ وأضافَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ أضافَهُ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: لَيْلُكَ نائِمٌ، وعَلَّلَ جَعْلَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أيْ لِأنْ يَقَعَ سُكُونُهم فِيهِ مِمّا يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ في النَّهارِ واسْتِراحَةُ نُفُوسِهِمْ. قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ:
؎النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ
ولَمْ يَقَعِ التَّقابُلُ في جَعْلِ النَّهارِ بِالنَّصِّ عَلى عِلَّتِهِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، بَلْ أتى بِقَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرًا﴾ قَيْدًا في جَعْلِ النَّهارِ، لا عِلَّةً لِلْجَعْلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ؛ لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا: لِتُبْصِرُوا فِيهِ طَرِيقَ التَّقَلُّبِ في المَكاسِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا مِن بابِ ما حُذِفَ مِن أوَّلِهِ ما أُثْبِتَ في مُقابِلِهِ، وحُذِفَ مِن آخِرِهِ ما أُثْبِتَ في أوَّلِهِ، فالتَّقْدِيرُ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْصَرِفُوا فِيهِ؛ فالإظْلامُ يَنْشَأُ عَنْهُ السُّكُونُ، والإبْصارُ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّصَرُّفُ في المَصالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ فالسُّكُونُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، والتَّصَرُّفُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا وتَقَدَّمَ لَنا: الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذَيْنِ الحَذْفَيْنِ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] .
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في هَذا الجَعْلِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِالفِكْرِ في هَذِهِ الآياتِ إلّا المُؤْمِنُونَ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ آياتٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الصُّورِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ المَلَكَ لَهُ في الصُّوَرِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: نَفْخَتانِ، جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ نَفْخَةً واحِدَةً، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ويَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، وعُبِّرَ هُنا بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾ وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] .
﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ فَلا يَنالُهم هَذا الفَزَعُ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ قَلْبَهُ. فَقالَ مُقاتِلٌ: هم جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . وإذا كانَ الفَزَعُ الأكْبَرُ لا يَنالُهم، فَهم حَرِيُّونَ أنْ لا يَنالَهم هَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: الحُورُ العِينُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ: مِنهم مُوسى؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا، وهو: «أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ (p-١٠٠)الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفِ حَوْلَ العَرْشِ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ صَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ في التَّعْيِينِ، وغَيْرُهُ اجْتِهادٌ. وهَذا النَّفْخُ هو حَقِيقَةٌ، إمّا في القَرْنِ، وإمّا في الصُّوَرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتى، فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ الصَّوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّوابُ، لِكَثْرَةِ وُرُودِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ في القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقِيلَ: فَفَزِعَ، لَيْسَ مِنَ الفَزَعِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما مَعْناهُ: أجابَ وأسْرَعَ إلى البَقاءِ.
﴿وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ المُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وكُلُّهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتُوهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: أتَوْهُ، فِعْلًا ماضِيًا، وفي القِراءَتَيْنِ رُوعِيَ مَعْنى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ، وقَتادَةُ: أتاهُ، فِعْلًا ماضِيًا مُسْنِدًا لِضَمِيرِ ”كُلٌّ“ عَلى لَفْظِها، وجَمَعَ داخِرِينَ عَلى مَعْناها. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: ”دَخِرِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ. قِيلَ: ومَعْنى آتُوهُ: حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ وانْقِيادُهم لَهُ.
﴿وتَرى الجِبالَ﴾ هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ تَحْسَبُها حالٌ مِن فاعِلِ تَرى، أوْ مِنَ الجِبالِ. و”جامِدَةً“، مَن جَمَدَ مَكانَهُ إذا لَمْ يَبْرَحْ مِنهُ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ عَقِيبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وهي أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ، تَمُوجُ وتَسِيرُ، ثُمَّ يَنْسِفُها اللَّهُ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا في آخِرِ الأمْرِ.
﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَحْسَبُها في رَأْيِ العَيْنِ ثابِتَةً مُقِيمَةً في أماكِنِها وهي سائِرَةٌ، وتَشْبِيهُ مُرُورِها بِمَرِّ السَّحابِ. قِيلَ: في كَوْنِها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا، كَما مَرَّ السَّحابُ، وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ، إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ في صِفَةِ جَيْشٍ:
؎نارٌ عَنْ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
وقِيلَ: شَبَّهَ مُرُورَها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا، كَما قالَ الأعْشى:
؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وحُسْبانُ الرّائِي الجِبالَ جامِدَةً مَعَ مُرُورِها، قِيلَ: لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها لَيْسَتْ بِجامِدَةٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَجْهُ في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ، أنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ، ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ، وهي تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا. انْتَهى. وقِيلَ: وصَفَ - تَعالى - الجِبالَ بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَرْجِعُ إلى تَفْرِيغٍ الأرْضِ مِنها وإبْرازِ ما كانَتْ تُوارِيهِ. فَأوَّلُ الصِّفاتِ: ارْتِجاجُها، ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، ثُمَّ نَسْفُها، وهي مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ غَيْرُ بارِزَةٍ، وبِالنَّسْفِ بَرَزَتْ، ونَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، ثُمَّ تَطْيِيرِها بِالرِّيحِ في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، فَإذا نَظَرْتَ إلى مَواضِعِها لَمْ تَجِدْ فِيها مِنها شَيْئًا كالسَّرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ تَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُسَوّى بِها.
وانْتَصَبَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، فالعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٩] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ (p-١٠١)مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“، والمَعْنى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أثابَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ، وعاقَبَ المُجْرِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، وجُعِلَ هَذا الصُّنْعُ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، حَيْثُ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي؛ أنَّ مُقابَلَتَهُ الحَسَنَةَ بِالثَّوابِ، والسَّيِّئَةَ بِالعِقابِ، مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ وإتْقانِهِ لَها وإجْرائِهِ لَها عَلى قَضايا الحِكْمَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ، وبِما يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ، فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، ومَكانَةِ إضْمادِهِ، ورَصانَةِ تَفْسِيرِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْرِغَ إفْراغًا واحِدًا، ويا لِأمْرٍ أعْجَزَ القُوى وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ، إذا جاءَ عَقِيبَ كَلامٍ، جاءَ كالشّاهِدِ لِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا كَما كانَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ )﴾ و( ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤] و﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؟ بَعْدَما رَسَمَها بِإضافَتِها إلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّعْظِيمِ، كَيْفَ تَلاها بِقَوْلِهِ: ”﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾“، ”﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]“، ”﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]“، ”﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]“ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَقاشِقِهِ وتَكْثِيرِهِ في الكَلامِ، واحْتِيالِهِ في إدارَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ لِما عَلَيْهِ، مِن مَذاهِبِ المُعْتَزِلَةِ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صُنْعَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي جُمْلَةُ الحالِ، أيْ صَنَعَ اللَّهُ بِها ذَلِكَ، وهو قَلْعُها مِنَ الأرْضِ، ومَرُّها مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَّحابِ. وأمّا قَوْلُهُ: إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾“، يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُكِّدَ مَضْمُونُها بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مُخِلٌّ. ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ، وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها، لَمْ يَرِدِ الحَذْفُ في شَيْءٍ مِنها؛ إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدُ، إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّوْكِيدَ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُكِّدَ مُعْتَنًى بِهِ، ومِن حَيْثُ حُذِفَ غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ عَلى ”الإغْراءِ بِمَعْنى، انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: يَفْعَلُونَ بِالياءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ.
ولَمّا ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ. والحَسَنَةُ: الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ورَتَّبَ عَلى مَجِيءِ المُكَلَّفِ بِالحَسَنَةِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِنها، ويَظْهَرُ أنَّ خَيْرًا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ونَشْؤُهُ مِنها، أيْ مِن جِهَةِ هَذِهِ الحَسَنَةِ، والخَيْرُ هُنا: الثَّوابُ. وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ أنَّها لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. وقِيلَ: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها، يُرِيدُ الإضْعافَ، وأنَّ العَمَلَ يَنْقَضِي والثَّوابَ يَدُومُ، وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ، تَرْكِيبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَبَعْضُ العُلَماءِ مَنَعَهُ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونَ في قَوْلِهِ: مِنها، حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها واسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - تَعالى - تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرًا، والدّاعِيَةُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَّوابِ تَفْضِيلٌ. انْتَهى. وقِيلَ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ. وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السِّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ لا يَكُونُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، و“ يَوْمَئِذٍ ”، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: آمِنُونَ، أوْ لِـ“ فَزَعٍ ”. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قِراءَةُ مَن (p-١٠٢)أضافَهُ إلَيْهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ“ فَزَعٍ ”، أيْ كائِنٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإضافَةِ“ فَزَعٍ ”إلى يَوْمَئِذٍ؛ فَكَسَرَ المِيمَ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ، وفَتَحَها، بِناءً لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ؛ نافِعٌ، في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ. والتَّنْوِينُ في“ يَوْمَئِذٍ ”تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ وعُوِّضَ مِنها، والأوْلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ، أيْ يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تَرى الجِبالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِأنَّهُ نَفْخُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ، ويَكُونُ الفَزَعُ إذْ ذاكَ واحِدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ ما مَعْناهُ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، أوْ بِالإضافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ، شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ، فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَزَعَيْنِ ؟ (قُلْتُ): الفَزَعُ الأوَّلُ: ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ بِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ لَحاقَ الضَّرَرِ بِهِ. والثّانِي: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النّارِ. وخُصَّتِ الوُجُوهُ، إذْ كانَتْ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ويَلْزَمُ مِن كَبِّها في النّارِ كَبُّ الجَمِيعِ، أوْ عُبِّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، كَما قالَ:“ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] ”، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ. والظّاهِرُ مِن كُبَّتْ، أنَّهم يُلْقَوْنَ في النّارِ مَنكُوسِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أعْلاهم قَبْلَ أسْفَلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ طَرْحِهِمْ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. هَلْ تُجْزَوْنَ: خِطابٌ لَهم عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ يُقالُ لَهم وقْتَ الكَبِّ: هَلْ تُجْزَوْنَ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، أوْ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.“ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ”: أيْ أُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا أتَّخِذَ مَعَهُ شَرِيكًا، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وهَذِهِ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ مِن حَيْثُ هي مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ. والبَلْدَةُ: مَكَّةُ، وأُسْنِدَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَها واخْتِصاصًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»؛ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وإسْنادَهُ إلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ كانَ ظُهُورُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: حَرَّمَها، تَنْبِيهٌ بِنِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ جَعَلَ بَلْدَتَهم آمِنَةً مِنَ الغاراتِ والفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ في بِلادِ العَرَبِ، وأهْلَكَ مَن أرادَها بِسُوءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِي: صِفَةً لِلرَّبِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الَّتِي حَرَّمَها: صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مالِكُ هَذِهِ البَلْدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ فَقالَ:“ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ”، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ داخِلَةٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، فَشَرُفَتِ البَلْدَةُ بِذِكْرِ انْدِراجِها تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جِهَةِ الخُصُوصِ، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ. وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ: أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأعْبُدُهُ كَما أمَرَنِي، أوْ مِنَ الحُنَفاءِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، إمّا مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: وأنْ أتْلُوَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا الظّاهِرُ، إذْ بَعْدَهُ التَّقْسِيمُ المُناسِبُ لِلتِّلاوَةِ، وإمّا مِنَ المَتْلُوِّ، أيْ: وأنْ أتَّبِعَ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنْ أتْلُوَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وأنِ اتْلُ، بِغَيْرِ واوٍ، أمْرًا مِن تَلا، فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ: وأُمِرْتُ أنِ أتْلُ، أيِ اتْلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: واتْلُ هَذا القُرْآنَ، جَعَلَهُ أمْرًا دُونَ أنْ. فَمَنِ اهْتَدى، بِهِ ووَحَّدَ اللَّهَ ونَبِيَّهُ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ، فَثَمَرَةُ هِدايَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ. ومَن ضَلَّ، فَوَبالُ إضْلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وحُذِفَ جَوابُ مَن ضَلَّ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ في قَوْلِهِ:“ ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ”ضَمِيرٌ حَتّى يُرْبَطَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ، إذْ أداةُ الشَّرْطِ اسْمٌ ولَيْسَ ظَرْفًا، فَلا بُدَّ في جُمْلَةِ الجَوابِ (p-١٠٣)مِن ذِكْرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي جَوابُ الشَّرْطِ، ويُقَدَّرُ الضَّمِيرُ: مِنَ المُنْذِرِينَ لَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ إلّا إنْذارُهُ، وأمّا هِدايَتُهُ فَإلى اللَّهِ. وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، واخْتَصَّهُ مِن رَفِيعِ المَنزِلَةِ. سَيُرِيكم آياتِهِ: تَهْدِيدٌ لِأعْدائِهِ بِما يُرِيهِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى مَعْرِفَتِها والإقْرارِ أنَّها آياتُ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ حَتّى لا تَنْفَعَهُمُ المَعْرِفَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في الدُّنْيا؛ وهي الدُّخانُ وانْشِقاقُ القَمَرِ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: خُرُوجُ الدّابَّةِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وقِيلَ: آياتُهُ في أنْفُسِكم وفي سائِرِ ما خَلَقَ، مِثْلُ قَوْلِهِ:“ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ”. وقِيلَ: مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأضافَها إلَيْهِ لِأنَّهُ هو مُجْرِيها عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ، ومُظْهِرُها مِن جِهَتِهِ.“ فَتَعْرِفُونَها ”: أيْ حَقِيقَتَها، ولا يَسَعُكم جُحُودُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ عَمّا يَعْمَلُونَ "، بِياءِ الغَيْبَةِ، التِفاتًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِتاءِ الخِطابِ لِقَوْلِهِ: سَيُرِيكم. ولَمّا قَسَّمَهم إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، غَيْرُ غافِلٍ عَنْها.
* *
(مُفْرَداتُ سُورَةِ القَصَصِ)
الوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. وقِيلَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ. وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّهْزُ واللَّكْزُ: الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ، واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. وقِيلَ: الوَكْزُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. ذادَ طَرَدَ ودَفَعَ وقالَ الفَرّاءُ: حَبَسَ، جَذَوْتُ الشَّيْءَ جَذْوًا: قَطَعْتُهُ، والجَذْوَةُ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
؎باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجَذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا ذَعِرِ
الخَوّارُ: الَّذِي يَتَقَصَّفُ، والذَّعِرُ الَّذِي فِيهِ تَعَبٌ. وقالَ آخَرُ:
؎وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ ∗∗∗ جَذْوَةً عَلَيْها حَمْئُها والتِهابُها
وقِيلَ: الجَذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، العُودُ الغَلِيظُ، كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وقالَ السُّلَمِيُّ يَصِفُ الصَّلى:
؎حَمى حُبُّ هَذِي النّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهو دُونَ الحَبائِبِ
؎وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجُذافِيِّ رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ
الشّاطِئُ والشَّطُّ: حَفَّةُ الوادِي. الفَصاحَةُ: بَسْطُ اللِّسانِ في إيضاحِ المَعْنى المَقْصُودِ، ومُقابِلُهُ: اللَّكْنُ. الرِّدْءُ: المُعِينُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ في الأمْرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
؎ورِدْءُ كُلِّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ ∗∗∗ شَحِيذِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ
ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ، إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَوْنُ، ويُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ: أعَنْتُهُ. المَقْبُوحُ: المَطْرُودُ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ألا قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّها ∗∗∗ وجَدَّعَ يَرْبُوعًا وعَفَّرَ دارِما
ثَوى يَثْوِي ثَواءٌ: أقامَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٌ ثَوَيْتُهُ ∗∗∗ تُقَضّى لَباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ
وقالَ العَجّاجُ:
؎فَباتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ
أيِ الضَّيْفُ المُقِيمُ. البَطَرُ: الطُّغْيانُ. السَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.