Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — النمل 27:91 – القصص 28:33

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. النمل 27:91
  2. النمل 27:92
  3. النمل 27:93
  4. القصص 28:1
  5. القصص 28:2
  6. القصص 28:3
  7. القصص 28:4
  8. القصص 28:5
  9. القصص 28:6
  10. القصص 28:7
  11. القصص 28:8
  12. القصص 28:9
  13. القصص 28:10
  14. القصص 28:11
  15. القصص 28:12
  16. القصص 28:13
  17. القصص 28:14
  18. القصص 28:15
  19. القصص 28:16
  20. القصص 28:17
  21. القصص 28:18
  22. القصص 28:19
  23. القصص 28:20
  24. القصص 28:21
  25. القصص 28:22
  26. القصص 28:23
  27. القصص 28:24
  28. القصص 28:25
  29. القصص 28:26
  30. القصص 28:27
  31. القصص 28:28
  32. القصص 28:29
  33. القصص 28:30
  34. القصص 28:31
  35. القصص 28:32
  36. القصص 28:33

النمل 27:91

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . (p-٩٨)أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، والحَشْرُ: الجَمْعُ عَلى عُنْفٍ. ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ، ومِن هي لِلتَّبْعِيضِ. ﴿فَوْجًا﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً. ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ. والآياتُ: الأنْبِياءُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدَّلائِلُ، أقْوالٌ. ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ. ﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ إلى المَوْقِفِ؛ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإهانَةٍ؛ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ أوَقَعَ تَكْذِيبُكم بِها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لَها ولا مُحِيطِينَ عِلْمًا بِكُنْهِها ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، أيْ أجَحَدْتُمُوها: ومَعَ جُحُودِها لَمْ تُلْقُوا أذْهانَكم لِتَحَقُّقِها وتَبَصُّرِها، فَإنَّ المَكْتُوبَ إلَيْهِ قَدْ يَجْحَدُ أنْ يَكُونَ الكِتابَ مِن عِنْدِ مَن كَتَبَهُ إلَيْهِ، ولا يَدَعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْرَأهُ ويُحِيطَ بِمَعانِيهِ عِلْمًا. وقِيلَ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أيْ بِبُطْلانِها حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها، بَلْ كَذَّبْتُمْ جاهِلِينَ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُقَدَّرَ بِبَلْ وحْدَها. انْتَقَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ عَمَلِهِمْ أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أوْ حُجَّةٌ فَهاتُوا، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا حُجَّةٌ فِيما عَمِلُوهُ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وماذا بِجُمْلَتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِخَبَرِ كانَ، وهو تَعْمَلُونَ، وأنْ يَكُونَ ”ما“ هو الِاسْتِفْهامُ، وذا مَوْصُولٌ بِمَعْنى (p-٩٩)الَّذِي، فَيَكُونانِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وكانَ صِلَةٌ لِذا والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تَعْمَلُونَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أماذا، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، أدْخَلَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. ﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ. ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ولا عُذْرٍ لِما شَغَلَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، وانْتِفاءُ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ. ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَرْتَدِعَ بِسَماعِها مَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - ارْتِداعَهُ، نَبَّهَهم عَلى ما هو دَلِيلٌ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ بِما هم يُشاهِدُونَهُ في حالِ حَياتِهِمْ، وهو تَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نُورٍ إلى ظُلْمَةٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى نُورٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ واحِدٌ، وهو اللَّهُ - تَعالى - فَيَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ. وفي هَذا التَّقْلِيبِ دَلِيلٌ عَلى القَلْبِ مِن حَياةٍ إلى مَوْتٍ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ أُخْرى، وفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْلِيبَ هو لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، ولِهَذا عَلَّلَ ذَلِكَ الجَعْلَ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ لِتَحْصِيلِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ وأضافَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ أضافَهُ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: لَيْلُكَ نائِمٌ، وعَلَّلَ جَعْلَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أيْ لِأنْ يَقَعَ سُكُونُهم فِيهِ مِمّا يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ في النَّهارِ واسْتِراحَةُ نُفُوسِهِمْ. قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ: ؎النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ ولَمْ يَقَعِ التَّقابُلُ في جَعْلِ النَّهارِ بِالنَّصِّ عَلى عِلَّتِهِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، بَلْ أتى بِقَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرًا﴾ قَيْدًا في جَعْلِ النَّهارِ، لا عِلَّةً لِلْجَعْلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ؛ لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا: لِتُبْصِرُوا فِيهِ طَرِيقَ التَّقَلُّبِ في المَكاسِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا مِن بابِ ما حُذِفَ مِن أوَّلِهِ ما أُثْبِتَ في مُقابِلِهِ، وحُذِفَ مِن آخِرِهِ ما أُثْبِتَ في أوَّلِهِ، فالتَّقْدِيرُ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْصَرِفُوا فِيهِ؛ فالإظْلامُ يَنْشَأُ عَنْهُ السُّكُونُ، والإبْصارُ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّصَرُّفُ في المَصالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ فالسُّكُونُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، والتَّصَرُّفُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا وتَقَدَّمَ لَنا: الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذَيْنِ الحَذْفَيْنِ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] . ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في هَذا الجَعْلِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِالفِكْرِ في هَذِهِ الآياتِ إلّا المُؤْمِنُونَ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ آياتٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ. ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الصُّورِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ المَلَكَ لَهُ في الصُّوَرِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: نَفْخَتانِ، جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ نَفْخَةً واحِدَةً، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ويَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، وعُبِّرَ هُنا بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾ وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] . ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ فَلا يَنالُهم هَذا الفَزَعُ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ قَلْبَهُ. فَقالَ مُقاتِلٌ: هم جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . وإذا كانَ الفَزَعُ الأكْبَرُ لا يَنالُهم، فَهم حَرِيُّونَ أنْ لا يَنالَهم هَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: الحُورُ العِينُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ: مِنهم مُوسى؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا، وهو: «أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ (p-١٠٠)الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفِ حَوْلَ العَرْشِ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ صَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ في التَّعْيِينِ، وغَيْرُهُ اجْتِهادٌ. وهَذا النَّفْخُ هو حَقِيقَةٌ، إمّا في القَرْنِ، وإمّا في الصُّوَرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتى، فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ الصَّوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّوابُ، لِكَثْرَةِ وُرُودِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ في القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقِيلَ: فَفَزِعَ، لَيْسَ مِنَ الفَزَعِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما مَعْناهُ: أجابَ وأسْرَعَ إلى البَقاءِ. ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ المُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وكُلُّهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتُوهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: أتَوْهُ، فِعْلًا ماضِيًا، وفي القِراءَتَيْنِ رُوعِيَ مَعْنى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ، وقَتادَةُ: أتاهُ، فِعْلًا ماضِيًا مُسْنِدًا لِضَمِيرِ ”كُلٌّ“ عَلى لَفْظِها، وجَمَعَ داخِرِينَ عَلى مَعْناها. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: ”دَخِرِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ. قِيلَ: ومَعْنى آتُوهُ: حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ وانْقِيادُهم لَهُ. ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ تَحْسَبُها حالٌ مِن فاعِلِ تَرى، أوْ مِنَ الجِبالِ. و”جامِدَةً“، مَن جَمَدَ مَكانَهُ إذا لَمْ يَبْرَحْ مِنهُ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ عَقِيبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وهي أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ، تَمُوجُ وتَسِيرُ، ثُمَّ يَنْسِفُها اللَّهُ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا في آخِرِ الأمْرِ. ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَحْسَبُها في رَأْيِ العَيْنِ ثابِتَةً مُقِيمَةً في أماكِنِها وهي سائِرَةٌ، وتَشْبِيهُ مُرُورِها بِمَرِّ السَّحابِ. قِيلَ: في كَوْنِها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا، كَما مَرَّ السَّحابُ، وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ، إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ في صِفَةِ جَيْشٍ: ؎نارٌ عَنْ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ وقِيلَ: شَبَّهَ مُرُورَها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا، كَما قالَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ وحُسْبانُ الرّائِي الجِبالَ جامِدَةً مَعَ مُرُورِها، قِيلَ: لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها لَيْسَتْ بِجامِدَةٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَجْهُ في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ، أنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ، ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ، وهي تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا. انْتَهى. وقِيلَ: وصَفَ - تَعالى - الجِبالَ بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَرْجِعُ إلى تَفْرِيغٍ الأرْضِ مِنها وإبْرازِ ما كانَتْ تُوارِيهِ. فَأوَّلُ الصِّفاتِ: ارْتِجاجُها، ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، ثُمَّ نَسْفُها، وهي مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ غَيْرُ بارِزَةٍ، وبِالنَّسْفِ بَرَزَتْ، ونَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، ثُمَّ تَطْيِيرِها بِالرِّيحِ في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، فَإذا نَظَرْتَ إلى مَواضِعِها لَمْ تَجِدْ فِيها مِنها شَيْئًا كالسَّرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ تَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُسَوّى بِها. وانْتَصَبَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، فالعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٩] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ (p-١٠١)مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“، والمَعْنى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أثابَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ، وعاقَبَ المُجْرِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، وجُعِلَ هَذا الصُّنْعُ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، حَيْثُ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي؛ أنَّ مُقابَلَتَهُ الحَسَنَةَ بِالثَّوابِ، والسَّيِّئَةَ بِالعِقابِ، مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ وإتْقانِهِ لَها وإجْرائِهِ لَها عَلى قَضايا الحِكْمَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ، وبِما يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ، فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، ومَكانَةِ إضْمادِهِ، ورَصانَةِ تَفْسِيرِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْرِغَ إفْراغًا واحِدًا، ويا لِأمْرٍ أعْجَزَ القُوى وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ، إذا جاءَ عَقِيبَ كَلامٍ، جاءَ كالشّاهِدِ لِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا كَما كانَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ )﴾ و( ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤] و﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؟ بَعْدَما رَسَمَها بِإضافَتِها إلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّعْظِيمِ، كَيْفَ تَلاها بِقَوْلِهِ: ”﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾“، ”﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]“، ”﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]“، ”﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]“ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَقاشِقِهِ وتَكْثِيرِهِ في الكَلامِ، واحْتِيالِهِ في إدارَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ لِما عَلَيْهِ، مِن مَذاهِبِ المُعْتَزِلَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صُنْعَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي جُمْلَةُ الحالِ، أيْ صَنَعَ اللَّهُ بِها ذَلِكَ، وهو قَلْعُها مِنَ الأرْضِ، ومَرُّها مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَّحابِ. وأمّا قَوْلُهُ: إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾“، يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُكِّدَ مَضْمُونُها بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مُخِلٌّ. ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ، وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها، لَمْ يَرِدِ الحَذْفُ في شَيْءٍ مِنها؛ إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدُ، إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّوْكِيدَ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُكِّدَ مُعْتَنًى بِهِ، ومِن حَيْثُ حُذِفَ غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ عَلى ”الإغْراءِ بِمَعْنى، انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: يَفْعَلُونَ بِالياءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. ولَمّا ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ. والحَسَنَةُ: الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ورَتَّبَ عَلى مَجِيءِ المُكَلَّفِ بِالحَسَنَةِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِنها، ويَظْهَرُ أنَّ خَيْرًا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ونَشْؤُهُ مِنها، أيْ مِن جِهَةِ هَذِهِ الحَسَنَةِ، والخَيْرُ هُنا: الثَّوابُ. وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ أنَّها لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. وقِيلَ: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها، يُرِيدُ الإضْعافَ، وأنَّ العَمَلَ يَنْقَضِي والثَّوابَ يَدُومُ، وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ، تَرْكِيبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَبَعْضُ العُلَماءِ مَنَعَهُ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونَ في قَوْلِهِ: مِنها، حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها واسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - تَعالى - تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرًا، والدّاعِيَةُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَّوابِ تَفْضِيلٌ. انْتَهى. وقِيلَ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ. وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السِّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ لا يَكُونُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، و“ يَوْمَئِذٍ ”، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: آمِنُونَ، أوْ لِـ“ فَزَعٍ ”. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قِراءَةُ مَن (p-١٠٢)أضافَهُ إلَيْهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ“ فَزَعٍ ”، أيْ كائِنٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإضافَةِ“ فَزَعٍ ”إلى يَوْمَئِذٍ؛ فَكَسَرَ المِيمَ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ، وفَتَحَها، بِناءً لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ؛ نافِعٌ، في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ. والتَّنْوِينُ في“ يَوْمَئِذٍ ”تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ وعُوِّضَ مِنها، والأوْلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ، أيْ يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تَرى الجِبالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِأنَّهُ نَفْخُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ، ويَكُونُ الفَزَعُ إذْ ذاكَ واحِدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ ما مَعْناهُ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، أوْ بِالإضافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ، شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ، فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَزَعَيْنِ ؟ (قُلْتُ): الفَزَعُ الأوَّلُ: ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ بِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ لَحاقَ الضَّرَرِ بِهِ. والثّانِي: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النّارِ. وخُصَّتِ الوُجُوهُ، إذْ كانَتْ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ويَلْزَمُ مِن كَبِّها في النّارِ كَبُّ الجَمِيعِ، أوْ عُبِّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، كَما قالَ:“ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] ”، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ. والظّاهِرُ مِن كُبَّتْ، أنَّهم يُلْقَوْنَ في النّارِ مَنكُوسِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أعْلاهم قَبْلَ أسْفَلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ طَرْحِهِمْ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. هَلْ تُجْزَوْنَ: خِطابٌ لَهم عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ يُقالُ لَهم وقْتَ الكَبِّ: هَلْ تُجْزَوْنَ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، أوْ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.“ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ”: أيْ أُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا أتَّخِذَ مَعَهُ شَرِيكًا، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وهَذِهِ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ مِن حَيْثُ هي مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ. والبَلْدَةُ: مَكَّةُ، وأُسْنِدَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَها واخْتِصاصًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»؛ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وإسْنادَهُ إلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ كانَ ظُهُورُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: حَرَّمَها، تَنْبِيهٌ بِنِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ جَعَلَ بَلْدَتَهم آمِنَةً مِنَ الغاراتِ والفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ في بِلادِ العَرَبِ، وأهْلَكَ مَن أرادَها بِسُوءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِي: صِفَةً لِلرَّبِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الَّتِي حَرَّمَها: صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مالِكُ هَذِهِ البَلْدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ فَقالَ:“ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ”، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ داخِلَةٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، فَشَرُفَتِ البَلْدَةُ بِذِكْرِ انْدِراجِها تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جِهَةِ الخُصُوصِ، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ. وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ: أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأعْبُدُهُ كَما أمَرَنِي، أوْ مِنَ الحُنَفاءِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، إمّا مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: وأنْ أتْلُوَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا الظّاهِرُ، إذْ بَعْدَهُ التَّقْسِيمُ المُناسِبُ لِلتِّلاوَةِ، وإمّا مِنَ المَتْلُوِّ، أيْ: وأنْ أتَّبِعَ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنْ أتْلُوَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وأنِ اتْلُ، بِغَيْرِ واوٍ، أمْرًا مِن تَلا، فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ: وأُمِرْتُ أنِ أتْلُ، أيِ اتْلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: واتْلُ هَذا القُرْآنَ، جَعَلَهُ أمْرًا دُونَ أنْ. فَمَنِ اهْتَدى، بِهِ ووَحَّدَ اللَّهَ ونَبِيَّهُ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ، فَثَمَرَةُ هِدايَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ. ومَن ضَلَّ، فَوَبالُ إضْلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وحُذِفَ جَوابُ مَن ضَلَّ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ في قَوْلِهِ:“ ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ”ضَمِيرٌ حَتّى يُرْبَطَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ، إذْ أداةُ الشَّرْطِ اسْمٌ ولَيْسَ ظَرْفًا، فَلا بُدَّ في جُمْلَةِ الجَوابِ (p-١٠٣)مِن ذِكْرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي جَوابُ الشَّرْطِ، ويُقَدَّرُ الضَّمِيرُ: مِنَ المُنْذِرِينَ لَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ إلّا إنْذارُهُ، وأمّا هِدايَتُهُ فَإلى اللَّهِ. وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، واخْتَصَّهُ مِن رَفِيعِ المَنزِلَةِ. سَيُرِيكم آياتِهِ: تَهْدِيدٌ لِأعْدائِهِ بِما يُرِيهِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى مَعْرِفَتِها والإقْرارِ أنَّها آياتُ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ حَتّى لا تَنْفَعَهُمُ المَعْرِفَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في الدُّنْيا؛ وهي الدُّخانُ وانْشِقاقُ القَمَرِ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: خُرُوجُ الدّابَّةِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وقِيلَ: آياتُهُ في أنْفُسِكم وفي سائِرِ ما خَلَقَ، مِثْلُ قَوْلِهِ:“ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ”. وقِيلَ: مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأضافَها إلَيْهِ لِأنَّهُ هو مُجْرِيها عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ، ومُظْهِرُها مِن جِهَتِهِ.“ فَتَعْرِفُونَها ”: أيْ حَقِيقَتَها، ولا يَسَعُكم جُحُودُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ عَمّا يَعْمَلُونَ "، بِياءِ الغَيْبَةِ، التِفاتًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِتاءِ الخِطابِ لِقَوْلِهِ: سَيُرِيكم. ولَمّا قَسَّمَهم إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، غَيْرُ غافِلٍ عَنْها. * * (مُفْرَداتُ سُورَةِ القَصَصِ) الوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. وقِيلَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ. وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّهْزُ واللَّكْزُ: الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ، واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. وقِيلَ: الوَكْزُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. ذادَ طَرَدَ ودَفَعَ وقالَ الفَرّاءُ: حَبَسَ، جَذَوْتُ الشَّيْءَ جَذْوًا: قَطَعْتُهُ، والجَذْوَةُ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: ؎باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجَذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا ذَعِرِ الخَوّارُ: الَّذِي يَتَقَصَّفُ، والذَّعِرُ الَّذِي فِيهِ تَعَبٌ. وقالَ آخَرُ: ؎وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ ∗∗∗ جَذْوَةً عَلَيْها حَمْئُها والتِهابُها وقِيلَ: الجَذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، العُودُ الغَلِيظُ، كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وقالَ السُّلَمِيُّ يَصِفُ الصَّلى: ؎حَمى حُبُّ هَذِي النّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهو دُونَ الحَبائِبِ ؎وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجُذافِيِّ رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ الشّاطِئُ والشَّطُّ: حَفَّةُ الوادِي. الفَصاحَةُ: بَسْطُ اللِّسانِ في إيضاحِ المَعْنى المَقْصُودِ، ومُقابِلُهُ: اللَّكْنُ. الرِّدْءُ: المُعِينُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ في الأمْرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ: ؎ورِدْءُ كُلِّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ ∗∗∗ شَحِيذِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ، إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَوْنُ، ويُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ: أعَنْتُهُ. المَقْبُوحُ: المَطْرُودُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّها ∗∗∗ وجَدَّعَ يَرْبُوعًا وعَفَّرَ دارِما ثَوى يَثْوِي ثَواءٌ: أقامَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٌ ثَوَيْتُهُ ∗∗∗ تُقَضّى لَباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ وقالَ العَجّاجُ: ؎فَباتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ أيِ الضَّيْفُ المُقِيمُ. البَطَرُ: الطُّغْيانُ. السَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.

النمل 27:92

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . (p-٩٨)أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، والحَشْرُ: الجَمْعُ عَلى عُنْفٍ. ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ، ومِن هي لِلتَّبْعِيضِ. ﴿فَوْجًا﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً. ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ. والآياتُ: الأنْبِياءُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدَّلائِلُ، أقْوالٌ. ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ. ﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ إلى المَوْقِفِ؛ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإهانَةٍ؛ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ أوَقَعَ تَكْذِيبُكم بِها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لَها ولا مُحِيطِينَ عِلْمًا بِكُنْهِها ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، أيْ أجَحَدْتُمُوها: ومَعَ جُحُودِها لَمْ تُلْقُوا أذْهانَكم لِتَحَقُّقِها وتَبَصُّرِها، فَإنَّ المَكْتُوبَ إلَيْهِ قَدْ يَجْحَدُ أنْ يَكُونَ الكِتابَ مِن عِنْدِ مَن كَتَبَهُ إلَيْهِ، ولا يَدَعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْرَأهُ ويُحِيطَ بِمَعانِيهِ عِلْمًا. وقِيلَ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أيْ بِبُطْلانِها حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها، بَلْ كَذَّبْتُمْ جاهِلِينَ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُقَدَّرَ بِبَلْ وحْدَها. انْتَقَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ عَمَلِهِمْ أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أوْ حُجَّةٌ فَهاتُوا، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا حُجَّةٌ فِيما عَمِلُوهُ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وماذا بِجُمْلَتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِخَبَرِ كانَ، وهو تَعْمَلُونَ، وأنْ يَكُونَ ”ما“ هو الِاسْتِفْهامُ، وذا مَوْصُولٌ بِمَعْنى (p-٩٩)الَّذِي، فَيَكُونانِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وكانَ صِلَةٌ لِذا والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تَعْمَلُونَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أماذا، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، أدْخَلَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. ﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ. ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ولا عُذْرٍ لِما شَغَلَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، وانْتِفاءُ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ. ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَرْتَدِعَ بِسَماعِها مَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - ارْتِداعَهُ، نَبَّهَهم عَلى ما هو دَلِيلٌ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ بِما هم يُشاهِدُونَهُ في حالِ حَياتِهِمْ، وهو تَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نُورٍ إلى ظُلْمَةٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى نُورٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ واحِدٌ، وهو اللَّهُ - تَعالى - فَيَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ. وفي هَذا التَّقْلِيبِ دَلِيلٌ عَلى القَلْبِ مِن حَياةٍ إلى مَوْتٍ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ أُخْرى، وفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْلِيبَ هو لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، ولِهَذا عَلَّلَ ذَلِكَ الجَعْلَ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ لِتَحْصِيلِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ وأضافَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ أضافَهُ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: لَيْلُكَ نائِمٌ، وعَلَّلَ جَعْلَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أيْ لِأنْ يَقَعَ سُكُونُهم فِيهِ مِمّا يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ في النَّهارِ واسْتِراحَةُ نُفُوسِهِمْ. قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ: ؎النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ ولَمْ يَقَعِ التَّقابُلُ في جَعْلِ النَّهارِ بِالنَّصِّ عَلى عِلَّتِهِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، بَلْ أتى بِقَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرًا﴾ قَيْدًا في جَعْلِ النَّهارِ، لا عِلَّةً لِلْجَعْلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ؛ لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا: لِتُبْصِرُوا فِيهِ طَرِيقَ التَّقَلُّبِ في المَكاسِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا مِن بابِ ما حُذِفَ مِن أوَّلِهِ ما أُثْبِتَ في مُقابِلِهِ، وحُذِفَ مِن آخِرِهِ ما أُثْبِتَ في أوَّلِهِ، فالتَّقْدِيرُ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْصَرِفُوا فِيهِ؛ فالإظْلامُ يَنْشَأُ عَنْهُ السُّكُونُ، والإبْصارُ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّصَرُّفُ في المَصالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ فالسُّكُونُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، والتَّصَرُّفُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا وتَقَدَّمَ لَنا: الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذَيْنِ الحَذْفَيْنِ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] . ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في هَذا الجَعْلِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِالفِكْرِ في هَذِهِ الآياتِ إلّا المُؤْمِنُونَ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ آياتٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ. ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الصُّورِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ المَلَكَ لَهُ في الصُّوَرِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: نَفْخَتانِ، جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ نَفْخَةً واحِدَةً، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ويَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، وعُبِّرَ هُنا بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾ وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] . ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ فَلا يَنالُهم هَذا الفَزَعُ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ قَلْبَهُ. فَقالَ مُقاتِلٌ: هم جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . وإذا كانَ الفَزَعُ الأكْبَرُ لا يَنالُهم، فَهم حَرِيُّونَ أنْ لا يَنالَهم هَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: الحُورُ العِينُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ: مِنهم مُوسى؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا، وهو: «أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ (p-١٠٠)الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفِ حَوْلَ العَرْشِ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ صَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ في التَّعْيِينِ، وغَيْرُهُ اجْتِهادٌ. وهَذا النَّفْخُ هو حَقِيقَةٌ، إمّا في القَرْنِ، وإمّا في الصُّوَرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتى، فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ الصَّوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّوابُ، لِكَثْرَةِ وُرُودِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ في القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقِيلَ: فَفَزِعَ، لَيْسَ مِنَ الفَزَعِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما مَعْناهُ: أجابَ وأسْرَعَ إلى البَقاءِ. ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ المُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وكُلُّهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتُوهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: أتَوْهُ، فِعْلًا ماضِيًا، وفي القِراءَتَيْنِ رُوعِيَ مَعْنى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ، وقَتادَةُ: أتاهُ، فِعْلًا ماضِيًا مُسْنِدًا لِضَمِيرِ ”كُلٌّ“ عَلى لَفْظِها، وجَمَعَ داخِرِينَ عَلى مَعْناها. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: ”دَخِرِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ. قِيلَ: ومَعْنى آتُوهُ: حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ وانْقِيادُهم لَهُ. ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ تَحْسَبُها حالٌ مِن فاعِلِ تَرى، أوْ مِنَ الجِبالِ. و”جامِدَةً“، مَن جَمَدَ مَكانَهُ إذا لَمْ يَبْرَحْ مِنهُ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ عَقِيبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وهي أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ، تَمُوجُ وتَسِيرُ، ثُمَّ يَنْسِفُها اللَّهُ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا في آخِرِ الأمْرِ. ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَحْسَبُها في رَأْيِ العَيْنِ ثابِتَةً مُقِيمَةً في أماكِنِها وهي سائِرَةٌ، وتَشْبِيهُ مُرُورِها بِمَرِّ السَّحابِ. قِيلَ: في كَوْنِها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا، كَما مَرَّ السَّحابُ، وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ، إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ في صِفَةِ جَيْشٍ: ؎نارٌ عَنْ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ وقِيلَ: شَبَّهَ مُرُورَها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا، كَما قالَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ وحُسْبانُ الرّائِي الجِبالَ جامِدَةً مَعَ مُرُورِها، قِيلَ: لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها لَيْسَتْ بِجامِدَةٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَجْهُ في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ، أنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ، ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ، وهي تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا. انْتَهى. وقِيلَ: وصَفَ - تَعالى - الجِبالَ بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَرْجِعُ إلى تَفْرِيغٍ الأرْضِ مِنها وإبْرازِ ما كانَتْ تُوارِيهِ. فَأوَّلُ الصِّفاتِ: ارْتِجاجُها، ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، ثُمَّ نَسْفُها، وهي مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ غَيْرُ بارِزَةٍ، وبِالنَّسْفِ بَرَزَتْ، ونَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، ثُمَّ تَطْيِيرِها بِالرِّيحِ في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، فَإذا نَظَرْتَ إلى مَواضِعِها لَمْ تَجِدْ فِيها مِنها شَيْئًا كالسَّرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ تَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُسَوّى بِها. وانْتَصَبَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، فالعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٩] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ (p-١٠١)مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“، والمَعْنى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أثابَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ، وعاقَبَ المُجْرِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، وجُعِلَ هَذا الصُّنْعُ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، حَيْثُ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي؛ أنَّ مُقابَلَتَهُ الحَسَنَةَ بِالثَّوابِ، والسَّيِّئَةَ بِالعِقابِ، مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ وإتْقانِهِ لَها وإجْرائِهِ لَها عَلى قَضايا الحِكْمَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ، وبِما يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ، فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، ومَكانَةِ إضْمادِهِ، ورَصانَةِ تَفْسِيرِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْرِغَ إفْراغًا واحِدًا، ويا لِأمْرٍ أعْجَزَ القُوى وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ، إذا جاءَ عَقِيبَ كَلامٍ، جاءَ كالشّاهِدِ لِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا كَما كانَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ )﴾ و( ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤] و﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؟ بَعْدَما رَسَمَها بِإضافَتِها إلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّعْظِيمِ، كَيْفَ تَلاها بِقَوْلِهِ: ”﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾“، ”﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]“، ”﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]“، ”﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]“ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَقاشِقِهِ وتَكْثِيرِهِ في الكَلامِ، واحْتِيالِهِ في إدارَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ لِما عَلَيْهِ، مِن مَذاهِبِ المُعْتَزِلَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صُنْعَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي جُمْلَةُ الحالِ، أيْ صَنَعَ اللَّهُ بِها ذَلِكَ، وهو قَلْعُها مِنَ الأرْضِ، ومَرُّها مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَّحابِ. وأمّا قَوْلُهُ: إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾“، يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُكِّدَ مَضْمُونُها بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مُخِلٌّ. ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ، وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها، لَمْ يَرِدِ الحَذْفُ في شَيْءٍ مِنها؛ إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدُ، إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّوْكِيدَ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُكِّدَ مُعْتَنًى بِهِ، ومِن حَيْثُ حُذِفَ غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ عَلى ”الإغْراءِ بِمَعْنى، انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: يَفْعَلُونَ بِالياءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. ولَمّا ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ. والحَسَنَةُ: الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ورَتَّبَ عَلى مَجِيءِ المُكَلَّفِ بِالحَسَنَةِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِنها، ويَظْهَرُ أنَّ خَيْرًا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ونَشْؤُهُ مِنها، أيْ مِن جِهَةِ هَذِهِ الحَسَنَةِ، والخَيْرُ هُنا: الثَّوابُ. وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ أنَّها لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. وقِيلَ: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها، يُرِيدُ الإضْعافَ، وأنَّ العَمَلَ يَنْقَضِي والثَّوابَ يَدُومُ، وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ، تَرْكِيبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَبَعْضُ العُلَماءِ مَنَعَهُ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونَ في قَوْلِهِ: مِنها، حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها واسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - تَعالى - تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرًا، والدّاعِيَةُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَّوابِ تَفْضِيلٌ. انْتَهى. وقِيلَ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ. وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السِّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ لا يَكُونُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، و“ يَوْمَئِذٍ ”، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: آمِنُونَ، أوْ لِـ“ فَزَعٍ ”. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قِراءَةُ مَن (p-١٠٢)أضافَهُ إلَيْهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ“ فَزَعٍ ”، أيْ كائِنٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإضافَةِ“ فَزَعٍ ”إلى يَوْمَئِذٍ؛ فَكَسَرَ المِيمَ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ، وفَتَحَها، بِناءً لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ؛ نافِعٌ، في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ. والتَّنْوِينُ في“ يَوْمَئِذٍ ”تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ وعُوِّضَ مِنها، والأوْلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ، أيْ يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تَرى الجِبالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِأنَّهُ نَفْخُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ، ويَكُونُ الفَزَعُ إذْ ذاكَ واحِدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ ما مَعْناهُ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، أوْ بِالإضافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ، شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ، فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَزَعَيْنِ ؟ (قُلْتُ): الفَزَعُ الأوَّلُ: ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ بِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ لَحاقَ الضَّرَرِ بِهِ. والثّانِي: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النّارِ. وخُصَّتِ الوُجُوهُ، إذْ كانَتْ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ويَلْزَمُ مِن كَبِّها في النّارِ كَبُّ الجَمِيعِ، أوْ عُبِّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، كَما قالَ:“ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] ”، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ. والظّاهِرُ مِن كُبَّتْ، أنَّهم يُلْقَوْنَ في النّارِ مَنكُوسِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أعْلاهم قَبْلَ أسْفَلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ طَرْحِهِمْ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. هَلْ تُجْزَوْنَ: خِطابٌ لَهم عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ يُقالُ لَهم وقْتَ الكَبِّ: هَلْ تُجْزَوْنَ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، أوْ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.“ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ”: أيْ أُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا أتَّخِذَ مَعَهُ شَرِيكًا، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وهَذِهِ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ مِن حَيْثُ هي مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ. والبَلْدَةُ: مَكَّةُ، وأُسْنِدَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَها واخْتِصاصًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»؛ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وإسْنادَهُ إلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ كانَ ظُهُورُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: حَرَّمَها، تَنْبِيهٌ بِنِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ جَعَلَ بَلْدَتَهم آمِنَةً مِنَ الغاراتِ والفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ في بِلادِ العَرَبِ، وأهْلَكَ مَن أرادَها بِسُوءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِي: صِفَةً لِلرَّبِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الَّتِي حَرَّمَها: صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مالِكُ هَذِهِ البَلْدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ فَقالَ:“ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ”، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ داخِلَةٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، فَشَرُفَتِ البَلْدَةُ بِذِكْرِ انْدِراجِها تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جِهَةِ الخُصُوصِ، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ. وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ: أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأعْبُدُهُ كَما أمَرَنِي، أوْ مِنَ الحُنَفاءِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، إمّا مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: وأنْ أتْلُوَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا الظّاهِرُ، إذْ بَعْدَهُ التَّقْسِيمُ المُناسِبُ لِلتِّلاوَةِ، وإمّا مِنَ المَتْلُوِّ، أيْ: وأنْ أتَّبِعَ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنْ أتْلُوَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وأنِ اتْلُ، بِغَيْرِ واوٍ، أمْرًا مِن تَلا، فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ: وأُمِرْتُ أنِ أتْلُ، أيِ اتْلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: واتْلُ هَذا القُرْآنَ، جَعَلَهُ أمْرًا دُونَ أنْ. فَمَنِ اهْتَدى، بِهِ ووَحَّدَ اللَّهَ ونَبِيَّهُ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ، فَثَمَرَةُ هِدايَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ. ومَن ضَلَّ، فَوَبالُ إضْلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وحُذِفَ جَوابُ مَن ضَلَّ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ في قَوْلِهِ:“ ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ”ضَمِيرٌ حَتّى يُرْبَطَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ، إذْ أداةُ الشَّرْطِ اسْمٌ ولَيْسَ ظَرْفًا، فَلا بُدَّ في جُمْلَةِ الجَوابِ (p-١٠٣)مِن ذِكْرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي جَوابُ الشَّرْطِ، ويُقَدَّرُ الضَّمِيرُ: مِنَ المُنْذِرِينَ لَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ إلّا إنْذارُهُ، وأمّا هِدايَتُهُ فَإلى اللَّهِ. وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، واخْتَصَّهُ مِن رَفِيعِ المَنزِلَةِ. سَيُرِيكم آياتِهِ: تَهْدِيدٌ لِأعْدائِهِ بِما يُرِيهِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى مَعْرِفَتِها والإقْرارِ أنَّها آياتُ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ حَتّى لا تَنْفَعَهُمُ المَعْرِفَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في الدُّنْيا؛ وهي الدُّخانُ وانْشِقاقُ القَمَرِ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: خُرُوجُ الدّابَّةِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وقِيلَ: آياتُهُ في أنْفُسِكم وفي سائِرِ ما خَلَقَ، مِثْلُ قَوْلِهِ:“ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ”. وقِيلَ: مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأضافَها إلَيْهِ لِأنَّهُ هو مُجْرِيها عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ، ومُظْهِرُها مِن جِهَتِهِ.“ فَتَعْرِفُونَها ”: أيْ حَقِيقَتَها، ولا يَسَعُكم جُحُودُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ عَمّا يَعْمَلُونَ "، بِياءِ الغَيْبَةِ، التِفاتًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِتاءِ الخِطابِ لِقَوْلِهِ: سَيُرِيكم. ولَمّا قَسَّمَهم إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، غَيْرُ غافِلٍ عَنْها. * * (مُفْرَداتُ سُورَةِ القَصَصِ) الوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. وقِيلَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ. وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّهْزُ واللَّكْزُ: الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ، واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. وقِيلَ: الوَكْزُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. ذادَ طَرَدَ ودَفَعَ وقالَ الفَرّاءُ: حَبَسَ، جَذَوْتُ الشَّيْءَ جَذْوًا: قَطَعْتُهُ، والجَذْوَةُ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: ؎باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجَذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا ذَعِرِ الخَوّارُ: الَّذِي يَتَقَصَّفُ، والذَّعِرُ الَّذِي فِيهِ تَعَبٌ. وقالَ آخَرُ: ؎وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ ∗∗∗ جَذْوَةً عَلَيْها حَمْئُها والتِهابُها وقِيلَ: الجَذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، العُودُ الغَلِيظُ، كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وقالَ السُّلَمِيُّ يَصِفُ الصَّلى: ؎حَمى حُبُّ هَذِي النّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهو دُونَ الحَبائِبِ ؎وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجُذافِيِّ رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ الشّاطِئُ والشَّطُّ: حَفَّةُ الوادِي. الفَصاحَةُ: بَسْطُ اللِّسانِ في إيضاحِ المَعْنى المَقْصُودِ، ومُقابِلُهُ: اللَّكْنُ. الرِّدْءُ: المُعِينُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ في الأمْرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ: ؎ورِدْءُ كُلِّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ ∗∗∗ شَحِيذِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ، إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَوْنُ، ويُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ: أعَنْتُهُ. المَقْبُوحُ: المَطْرُودُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّها ∗∗∗ وجَدَّعَ يَرْبُوعًا وعَفَّرَ دارِما ثَوى يَثْوِي ثَواءٌ: أقامَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٌ ثَوَيْتُهُ ∗∗∗ تُقَضّى لَباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ وقالَ العَجّاجُ: ؎فَباتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ أيِ الضَّيْفُ المُقِيمُ. البَطَرُ: الطُّغْيانُ. السَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.

النمل 27:93

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . (p-٩٨)أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُ، والحَشْرُ: الجَمْعُ عَلى عُنْفٍ. ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ، ومِن هي لِلتَّبْعِيضِ. ﴿فَوْجًا﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً. ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ، أيِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ. والآياتُ: الأنْبِياءُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدَّلائِلُ، أقْوالٌ. ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ يُحْشَرُ قادَةُ سائِرِ الأُمَمِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ إلى النّارِ. ﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ أيْ إلى المَوْقِفِ؛ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وإهانَةٍ؛ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ، أيْ أوَقَعَ تَكْذِيبُكم بِها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لَها ولا مُحِيطِينَ عِلْمًا بِكُنْهِها ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، أيْ أجَحَدْتُمُوها: ومَعَ جُحُودِها لَمْ تُلْقُوا أذْهانَكم لِتَحَقُّقِها وتَبَصُّرِها، فَإنَّ المَكْتُوبَ إلَيْهِ قَدْ يَجْحَدُ أنْ يَكُونَ الكِتابَ مِن عِنْدِ مَن كَتَبَهُ إلَيْهِ، ولا يَدَعُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَقْرَأهُ ويُحِيطَ بِمَعانِيهِ عِلْمًا. وقِيلَ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ أيْ بِبُطْلانِها حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها، بَلْ كَذَّبْتُمْ جاهِلِينَ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ. و”أمْ“ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُقَدَّرَ بِبَلْ وحْدَها. انْتَقَلَ مِن الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّوْبِيخَ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْ عَمَلِهِمْ أيْضًا عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أوْ حُجَّةٌ فَهاتُوا، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا حُجَّةٌ فِيما عَمِلُوهُ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وماذا بِجُمْلَتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مَنصُوبًا بِخَبَرِ كانَ، وهو تَعْمَلُونَ، وأنْ يَكُونَ ”ما“ هو الِاسْتِفْهامُ، وذا مَوْصُولٌ بِمَعْنى (p-٩٩)الَّذِي، فَيَكُونانِ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وكانَ صِلَةٌ لِذا والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تَعْمَلُونَهُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: أماذا، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، أدْخَلَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ. ﴿ووَقَعَ القَوْلُ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ بِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ. ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ولا عُذْرٍ لِما شَغَلَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَنْطِقُونَ، وانْتِفاءُ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ. ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، لِيَرْتَدِعَ بِسَماعِها مَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - ارْتِداعَهُ، نَبَّهَهم عَلى ما هو دَلِيلٌ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ بِما هم يُشاهِدُونَهُ في حالِ حَياتِهِمْ، وهو تَقْلِيبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نُورٍ إلى ظُلْمَةٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى نُورٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ واحِدٌ، وهو اللَّهُ - تَعالى - فَيَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ. وفي هَذا التَّقْلِيبِ دَلِيلٌ عَلى القَلْبِ مِن حَياةٍ إلى مَوْتٍ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ أُخْرى، وفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْلِيبَ هو لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، ولِهَذا عَلَّلَ ذَلِكَ الجَعْلَ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ لِتَحْصِيلِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ وأضافَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لَمّا كانَ يَقَعُ فِيهِ أضافَهُ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: لَيْلُكَ نائِمٌ، وعَلَّلَ جَعْلَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أيْ لِأنْ يَقَعَ سُكُونُهم فِيهِ مِمّا يَلْحَقُهم مِنَ التَّعَبِ في النَّهارِ واسْتِراحَةُ نُفُوسِهِمْ. قالَ بَعْضُ الرُّجّازِ: ؎النَّوْمُ راحَةُ القُوى الحِسِّيَّةِ مِن حَرَكاتٍ والقُوى النَّفْسِيَّةِ ولَمْ يَقَعِ التَّقابُلُ في جَعْلِ النَّهارِ بِالنَّصِّ عَلى عِلَّتِهِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، بَلْ أتى بِقَوْلِهِ: ﴿مُبْصِرًا﴾ قَيْدًا في جَعْلِ النَّهارِ، لا عِلَّةً لِلْجَعْلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى، وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ؛ لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا: لِتُبْصِرُوا فِيهِ طَرِيقَ التَّقَلُّبِ في المَكاسِبِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا مِن بابِ ما حُذِفَ مِن أوَّلِهِ ما أُثْبِتَ في مُقابِلِهِ، وحُذِفَ مِن آخِرِهِ ما أُثْبِتَ في أوَّلِهِ، فالتَّقْدِيرُ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْصَرِفُوا فِيهِ؛ فالإظْلامُ يَنْشَأُ عَنْهُ السُّكُونُ، والإبْصارُ يَنْشَأُ عَنْهُ التَّصَرُّفُ في المَصالِحِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ فالسُّكُونُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، والتَّصَرُّفُ عِلَّةٌ لِجَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا وتَقَدَّمَ لَنا: الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذَيْنِ الحَذْفَيْنِ مُشْبَعًا في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] . ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في هَذا الجَعْلِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لَمّا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِالفِكْرِ في هَذِهِ الآياتِ إلّا المُؤْمِنُونَ، خُصُّوا بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ آياتٍ لَهم ولِغَيْرِهِمْ. ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الصُّورِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ النَّفْخَةُ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ المَلَكَ لَهُ في الصُّوَرِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُّنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَّعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: نَفْخَتانِ، جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ نَفْخَةً واحِدَةً، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ [الزمر: ٦٨] ويَأْتِي الكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، وعُبِّرَ هُنا بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾ وإنْ كانَ لَمْ يَقَعْ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] . ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ فَلا يَنالُهم هَذا الفَزَعُ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ قَلْبَهُ. فَقالَ مُقاتِلٌ: هم جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . وإذا كانَ الفَزَعُ الأكْبَرُ لا يَنالُهم، فَهم حَرِيُّونَ أنْ لا يَنالَهم هَذا. وقالَ الضَّحّاكُ: الحُورُ العِينُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ: مِنهم مُوسى؛ لِأنَّهُ صَعِقَ مَرَّةً. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الشُّهَداءُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثًا، وهو: «أنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ (p-١٠٠)الشُّهَداءُ مُتَقَلِّدُو السُّيُوفِ حَوْلَ العَرْشِ. وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولَمْ يَرِدْ في تَعْيِينِهِمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ صَحَّحَهُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ في التَّعْيِينِ، وغَيْرُهُ اجْتِهادٌ. وهَذا النَّفْخُ هو حَقِيقَةٌ، إمّا في القَرْنِ، وإمّا في الصُّوَرِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتى، فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ الصَّوْتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا. والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّوابُ، لِكَثْرَةِ وُرُودِ النَّفْخِ في الصُّوَرِ في القُرْآنِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقِيلَ: فَفَزِعَ، لَيْسَ مِنَ الفَزَعِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وإنَّما مَعْناهُ: أجابَ وأسْرَعَ إلى البَقاءِ. ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ﴾ المُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وكُلُّهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتُوهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ؛ وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: أتَوْهُ، فِعْلًا ماضِيًا، وفي القِراءَتَيْنِ رُوعِيَ مَعْنى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ، وقَتادَةُ: أتاهُ، فِعْلًا ماضِيًا مُسْنِدًا لِضَمِيرِ ”كُلٌّ“ عَلى لَفْظِها، وجَمَعَ داخِرِينَ عَلى مَعْناها. وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: ”دَخِرِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ. قِيلَ: ومَعْنى آتُوهُ: حاضِرُونَ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِهِ وانْقِيادُهم لَهُ. ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ هو مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ تَحْسَبُها حالٌ مِن فاعِلِ تَرى، أوْ مِنَ الجِبالِ. و”جامِدَةً“، مَن جَمَدَ مَكانَهُ إذا لَمْ يَبْرَحْ مِنهُ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ عَقِيبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، وهي أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ، تَمُوجُ وتَسِيرُ، ثُمَّ يَنْسِفُها اللَّهُ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمَّ تَكُونُ هَباءً مُنْبَثًّا في آخِرِ الأمْرِ. ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَحْسَبُها في رَأْيِ العَيْنِ ثابِتَةً مُقِيمَةً في أماكِنِها وهي سائِرَةٌ، وتَشْبِيهُ مُرُورِها بِمَرِّ السَّحابِ. قِيلَ: في كَوْنِها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا، كَما مَرَّ السَّحابُ، وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ، إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ في صِفَةِ جَيْشٍ: ؎نارٌ عَنْ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم ∗∗∗ وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ وقِيلَ: شَبَّهَ مُرُورَها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا، كَما قالَ الأعْشى: ؎كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ وحُسْبانُ الرّائِي الجِبالَ جامِدَةً مَعَ مُرُورِها، قِيلَ: لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها لَيْسَتْ بِجامِدَةٍ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَجْهُ في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ، أنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ، ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ، وهي تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا. انْتَهى. وقِيلَ: وصَفَ - تَعالى - الجِبالَ بِصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَرْجِعُ إلى تَفْرِيغٍ الأرْضِ مِنها وإبْرازِ ما كانَتْ تُوارِيهِ. فَأوَّلُ الصِّفاتِ: ارْتِجاجُها، ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ، ثُمَّ نَسْفُها، وهي مَعَ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ قارَّةٌ في مَواضِعِها، والأرْضُ غَيْرُ بارِزَةٍ، وبِالنَّسْفِ بَرَزَتْ، ونَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها، ثُمَّ تَطْيِيرِها بِالرِّيحِ في الهَواءِ كَأنَّها غُبارٌ، ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، فَإذا نَظَرْتَ إلى مَواضِعِها لَمْ تَجِدْ فِيها مِنها شَيْئًا كالسَّرابِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ تَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُسَوّى بِها. وانْتَصَبَ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها، فالعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٩] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ (p-١٠١)مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“، والمَعْنى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، أثابَ اللَّهُ المُحْسِنِينَ، وعاقَبَ المُجْرِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، وجُعِلَ هَذا الصُّنْعُ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، حَيْثُ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي؛ أنَّ مُقابَلَتَهُ الحَسَنَةَ بِالثَّوابِ، والسَّيِّئَةَ بِالعِقابِ، مِن جُمْلَةِ إحْكامِهِ لِلْأشْياءِ وإتْقانِهِ لَها وإجْرائِهِ لَها عَلى قَضايا الحِكْمَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ، وبِما يَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ، فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فانْظُرْ إلى بَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، وحُسْنِ نَظْمِهِ وتَرْتِيبِهِ، ومَكانَةِ إضْمادِهِ، ورَصانَةِ تَفْسِيرِهِ، وأخْذِ بَعْضِهِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ، كَأنَّما أُفْرِغَ إفْراغًا واحِدًا، ويا لِأمْرٍ أعْجَزَ القُوى وأخْرَسَ الشَّقاشِقَ، ونَحْوُ هَذا المَصْدَرِ، إذا جاءَ عَقِيبَ كَلامٍ، جاءَ كالشّاهِدِ لِصِحَّتِهِ، والمُنادِي عَلى سَدادِهِ، وأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا كَما كانَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ )﴾ و( ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٤] و﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ؟ بَعْدَما رَسَمَها بِإضافَتِها إلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّعْظِيمِ، كَيْفَ تَلاها بِقَوْلِهِ: ”﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾“، ”﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]“، ”﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]“، ”﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]“ ؟ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَقاشِقِهِ وتَكْثِيرِهِ في الكَلامِ، واحْتِيالِهِ في إدارَةِ ألْفاظِ القُرْآنِ لِما عَلَيْهِ، مِن مَذاهِبِ المُعْتَزِلَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ صُنْعَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهي جُمْلَةُ الحالِ، أيْ صَنَعَ اللَّهُ بِها ذَلِكَ، وهو قَلْعُها مِنَ الأرْضِ، ومَرُّها مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَّحابِ. وأمّا قَوْلُهُ: إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ”يَوْمَ يُنْفَخُ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾“، يُرِيدُ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ؛ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ، فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُكِّدَ مَضْمُونُها بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مُخِلٌّ. ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ، وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها، لَمْ يَرِدِ الحَذْفُ في شَيْءٍ مِنها؛ إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدُ، إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّوْكِيدَ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُكِّدَ مُعْتَنًى بِهِ، ومِن حَيْثُ حُذِفَ غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”صُنْعَ اللَّهِ“ عَلى ”الإغْراءِ بِمَعْنى، انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ: يَفْعَلُونَ بِالياءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. ولَمّا ذَكَرَ عَلاماتِ القِيامَةِ، ذَكَرَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ. والحَسَنَةُ: الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ورَتَّبَ عَلى مَجِيءِ المُكَلَّفِ بِالحَسَنَةِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَهُ خَيْرٌ مِنها، ويَظْهَرُ أنَّ خَيْرًا لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ مَبْدَؤُهُ ونَشْؤُهُ مِنها، أيْ مِن جِهَةِ هَذِهِ الحَسَنَةِ، والخَيْرُ هُنا: الثَّوابُ. وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ أنَّها لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ. وقِيلَ: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها، يُرِيدُ الإضْعافَ، وأنَّ العَمَلَ يَنْقَضِي والثَّوابَ يَدُومُ، وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: وشَتّانَ ما بَيْنَ فِعْلِ العَبْدِ وفِعْلِ السَّيِّدِ، تَرْكِيبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَبَعْضُ العُلَماءِ مَنَعَهُ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونَ في قَوْلِهِ: مِنها، حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها واسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - تَعالى - تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرًا، والدّاعِيَةُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَّوابِ تَفْضِيلٌ. انْتَهى. وقِيلَ: ثَوابُ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ. وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السِّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ لا يَكُونُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، و“ يَوْمَئِذٍ ”، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: آمِنُونَ، أوْ لِـ“ فَزَعٍ ”. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قِراءَةُ مَن (p-١٠٢)أضافَهُ إلَيْهِ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ“ فَزَعٍ ”، أيْ كائِنٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإضافَةِ“ فَزَعٍ ”إلى يَوْمَئِذٍ؛ فَكَسَرَ المِيمَ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ نافِعٍ، وفَتَحَها، بِناءً لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ؛ نافِعٌ، في غَيْرِ رِوايَةِ إسْماعِيلَ. والتَّنْوِينُ في“ يَوْمَئِذٍ ”تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ وعُوِّضَ مِنها، والأوْلى أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المَحْذُوفَةُ ما قَرُبَ مِنَ الظَّرْفِ، أيْ يَوْمَ إذْ جاءَ بِالحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ تَرى الجِبالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولا سِيَّما إذا فُسِّرَ بِأنَّهُ نَفْخُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ، ويَكُونُ الفَزَعُ إذْ ذاكَ واحِدًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ ما مَعْناهُ: مِن فَزَعٍ، بِالتَّنْوِينِ، أوْ بِالإضافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وأنْ يُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. فَإنْ أُرِيدَ الكَثْرَةُ، شَمِلَ كُلَّ فَزَعٍ يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ الواحِدُ، فَهو الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ الفَزَعَيْنِ ؟ (قُلْتُ): الفَزَعُ الأوَّلُ: ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ بِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ لَحاقَ الضَّرَرِ بِهِ. والثّانِي: الخَوْفُ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النّارِ. وخُصَّتِ الوُجُوهُ، إذْ كانَتْ أشْرَفَ الأعْضاءِ، ويَلْزَمُ مِن كَبِّها في النّارِ كَبُّ الجَمِيعِ، أوْ عُبِّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الإنْسانِ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، كَما قالَ:“ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] ”، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ. والظّاهِرُ مِن كُبَّتْ، أنَّهم يُلْقَوْنَ في النّارِ مَنكُوسِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أعْلاهم قَبْلَ أسْفَلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ طَرْحِهِمْ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. هَلْ تُجْزَوْنَ: خِطابٌ لَهم عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ يُقالُ لَهم وقْتَ الكَبِّ: هَلْ تُجْزَوْنَ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، أوْ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.“ ﴿أنْ أعْبُدَ﴾ ”: أيْ أُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا أتَّخِذَ مَعَهُ شَرِيكًا، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، وهَذِهِ إشارَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ مِن حَيْثُ هي مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ. والبَلْدَةُ: مَكَّةُ، وأُسْنِدَ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَها واخْتِصاصًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»؛ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ كانَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وإسْنادَهُ إلى إبْراهِيمَ مِن حَيْثُ كانَ ظُهُورُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: حَرَّمَها، تَنْبِيهٌ بِنِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ جَعَلَ بَلْدَتَهم آمِنَةً مِنَ الغاراتِ والفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ في بِلادِ العَرَبِ، وأهْلَكَ مَن أرادَها بِسُوءٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِي: صِفَةً لِلرَّبِّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: الَّتِي حَرَّمَها: صِفَةً لِلْبَلْدَةِ، ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مالِكُ هَذِهِ البَلْدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ فَقالَ:“ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ”، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ داخِلَةٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، فَشَرُفَتِ البَلْدَةُ بِذِكْرِ انْدِراجِها تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جِهَةِ الخُصُوصِ، وعَلى جِهَةِ العُمُومِ. وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ: أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ المُنْقادِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، فَأعْبُدُهُ كَما أمَرَنِي، أوْ مِنَ الحُنَفاءِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾، إمّا مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: وأنْ أتْلُوَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا الظّاهِرُ، إذْ بَعْدَهُ التَّقْسِيمُ المُناسِبُ لِلتِّلاوَةِ، وإمّا مِنَ المَتْلُوِّ، أيْ: وأنْ أتَّبِعَ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ: واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأنْ أتْلُوَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وأنِ اتْلُ، بِغَيْرِ واوٍ، أمْرًا مِن تَلا، فَجازَ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً وُصِلَتْ بِالأمْرِ، وجازَ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً عَلى إضْمارِ: وأُمِرْتُ أنِ أتْلُ، أيِ اتْلُ. وقَرَأ أُبَيٌّ: واتْلُ هَذا القُرْآنَ، جَعَلَهُ أمْرًا دُونَ أنْ. فَمَنِ اهْتَدى، بِهِ ووَحَّدَ اللَّهَ ونَبِيَّهُ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ، فَثَمَرَةُ هِدايَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ. ومَن ضَلَّ، فَوَبالُ إضْلالِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وحُذِفَ جَوابُ مَن ضَلَّ لِدَلالَةِ جَوابِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ، أوْ يُقَدَّرُ في قَوْلِهِ:“ ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ”ضَمِيرٌ حَتّى يُرْبَطَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ، إذْ أداةُ الشَّرْطِ اسْمٌ ولَيْسَ ظَرْفًا، فَلا بُدَّ في جُمْلَةِ الجَوابِ (p-١٠٣)مِن ذِكْرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ هي جَوابُ الشَّرْطِ، ويُقَدَّرُ الضَّمِيرُ: مِنَ المُنْذِرِينَ لَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ إلّا إنْذارُهُ، وأمّا هِدايَتُهُ فَإلى اللَّهِ. وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَيَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، واخْتَصَّهُ مِن رَفِيعِ المَنزِلَةِ. سَيُرِيكم آياتِهِ: تَهْدِيدٌ لِأعْدائِهِ بِما يُرِيهِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى مَعْرِفَتِها والإقْرارِ أنَّها آياتُ اللَّهِ. قالَ الحَسَنُ: وذَلِكَ في الآخِرَةِ حَتّى لا تَنْفَعَهُمُ المَعْرِفَةُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: في الدُّنْيا؛ وهي الدُّخانُ وانْشِقاقُ القَمَرِ وما حَلَّ بِهِمْ مِن نَقَماتِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وقِيلَ: خُرُوجُ الدّابَّةِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. وقِيلَ: آياتُهُ في أنْفُسِكم وفي سائِرِ ما خَلَقَ، مِثْلُ قَوْلِهِ:“ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ”. وقِيلَ: مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأضافَها إلَيْهِ لِأنَّهُ هو مُجْرِيها عَلى يَدَيْ رَسُولِهِ، ومُظْهِرُها مِن جِهَتِهِ.“ فَتَعْرِفُونَها ”: أيْ حَقِيقَتَها، ولا يَسَعُكم جُحُودُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ عَمّا يَعْمَلُونَ "، بِياءِ الغَيْبَةِ، التِفاتًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِتاءِ الخِطابِ لِقَوْلِهِ: سَيُرِيكم. ولَمّا قَسَّمَهم إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أخْبَرَ - تَعالى - أنَّهُ مُحِيطٌ بِأعْمالِهِمْ، غَيْرُ غافِلٍ عَنْها. * * (مُفْرَداتُ سُورَةِ القَصَصِ) الوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعَقْدِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ. وقِيلَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ. وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّهْزُ واللَّكْزُ: الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ، واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. وقِيلَ: الوَكْزُ بِأطْرافِ الأصابِعِ. ذادَ طَرَدَ ودَفَعَ وقالَ الفَرّاءُ: حَبَسَ، جَذَوْتُ الشَّيْءَ جَذْوًا: قَطَعْتُهُ، والجَذْوَةُ: عُودٌ فِيهِ نارٌ بِلا لَهَبٍ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: ؎باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجَذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا ذَعِرِ الخَوّارُ: الَّذِي يَتَقَصَّفُ، والذَّعِرُ الَّذِي فِيهِ تَعَبٌ. وقالَ آخَرُ: ؎وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ ∗∗∗ جَذْوَةً عَلَيْها حَمْئُها والتِهابُها وقِيلَ: الجَذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، العُودُ الغَلِيظُ، كانَتْ في رَأْسِهِ نارٌ أوْ لَمْ تَكُنْ. وقالَ السُّلَمِيُّ يَصِفُ الصَّلى: ؎حَمى حُبُّ هَذِي النّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهو دُونَ الحَبائِبِ ؎وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجُذافِيِّ رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ الشّاطِئُ والشَّطُّ: حَفَّةُ الوادِي. الفَصاحَةُ: بَسْطُ اللِّسانِ في إيضاحِ المَعْنى المَقْصُودِ، ومُقابِلُهُ: اللَّكْنُ. الرِّدْءُ: المُعِينُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ في الأمْرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ، كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ: ؎ورِدْءُ كُلِّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ ∗∗∗ شَحِيذِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ، إذا دَعَمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَوْنُ، ويُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ: أعَنْتُهُ. المَقْبُوحُ: المَطْرُودُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا قَبَّحَ اللَّهُ البَراجِمَ كُلَّها ∗∗∗ وجَدَّعَ يَرْبُوعًا وعَفَّرَ دارِما ثَوى يَثْوِي ثَواءٌ: أقامَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٌ ثَوَيْتُهُ ∗∗∗ تُقَضّى لَباناتٌ ويَسْأمُ سائِمُ وقالَ العَجّاجُ: ؎فَباتَ حَيْثُ يَدْخُلُ الثَّوِيُّ أيِ الضَّيْفُ المُقِيمُ. البَطَرُ: الطُّغْيانُ. السَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.

القصص 28:1

سُورَةُ القَصَصِ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ (p-١٠٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . وقِيلَ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والجُحْفَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالجُحْفَةِ، في خُرُوجِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْهِجْرَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: نَزَلَ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] بِالجُحْفَةِ، وقْتَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ [النمل: ٩٣] . وكانَ مِمّا فَسَّرَ بِهِ آياتِهِ - تَعالى - مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأنَّهُ أضافَها - تَعالى - إلَيْهِ، إذْ كانَ هو المُخْبِرُ بِها عَلى قَدَمِهِ، فَقالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ إذْ كانَ الكِتابُ هو أعْظَمُ المُعْجِزاتِ وأكْبَرُ الآياتِ البَيِّناتِ، والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. (نَتْلُو) أيْ نَقْرَأُ عَلَيْكَ بِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، أوْ نَقُصُّ. ومَفْعُولُ نَتْلُو ”مِن نَبَأِ“: أيْ بَعْضَ نَبَأِ، وبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”نَتْلُو“، أيْ مُحِقِّينَ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن نَبَأِ، أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتِّلاوَةِ. ﴿عَلا في الأرْضِ﴾ أيْ تَجَبَّرَ واسْتَكْبَرَ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ. والأرْضُ: أرْضُ مِصْرَ، والشِّيَعُ: الفِرَقُ. مَلَكَ القِبْطَ واسْتَعْبَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ يُشَيِّعُونَهُ عَلى ما يُرِيدُ، أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ، أوْ ناسًا في بِناءٍ وناسًا في حَفْرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِرَفِ المُمْتَهَنَةِ. ومَن لَمْ يَسْتَخْدِمْهُ، ضَرَبَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ، أوْ أغْرى بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَكُونُوا لَهُ أطْوَعَ، والطّائِفَةُ المُسْتَضْعَفَةُ بَنُو إسْرائِيلَ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ حالَ بَعْضِ الشِّيَعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ”وجَعَلَ“ وأنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ ”شِيَعًا“، ويُذَبِّحُ تَبْيِينٌ لِلِاسْتِضْعافِ، وتَفْسِيرٌ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَسْتَضْعِفُ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطائِفَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُذَبِّحُ، مُضَعَّفًا؛ وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ. ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ عِلَّةٌ لِتَجَبُّرِهِ ولِتَذْبِيحِ الأبْناءِ؛ إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ الفَسادِ. ﴿ونُرِيدُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾؛ لِأنَّ كِلْتَيْهِما تَفْسِيرٌ لِلْبِناءِ، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْتَضْعِفُ“، لِاحْتِياجِهِ إلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ ونَحْنُ نُرِيدُ، وهو ضَعِيفٌ. وإذا كانَتْ حالًا، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ اسْتِضْعافُ فِرْعَوْنَ وإرادَةُ المِنَّةِ مِنَ اللَّهِ ولا يُمْكِنُ الِاقْتِرانُ ؟ فَقِيلَ: لَمّا كانَتِ المِنَّةُ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ قَرِينَةَ الوُقُوعِ، جُعِلَتْ إرادَةُ وُقُوعِها كَأنَّها مُقارِنَةٌ لِاسْتِضْعافِهِمْ. و﴿أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ وإغْراقِهِ. ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ مُقْتَدًى بِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: دُعاةً إلى الخَيْرِ. وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً، كَقَوْلِهِمْ وجَعَلَكم مُلُوكًا. وقالَ الضَّحّاكُ: أنْبِياءَ. ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيْ يَرِثُونَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، (p-١٠٥)مُلْكَهم وما كانَ لَهم. وعَنْ عَلِيٍّ الوارِثُونَ هم: يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَلَدُهُ، وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: ورِثُوا أرْضَ مِصْرَ والشّامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُمَكِّنَ﴾ عَطْفًا عَلى ”نَمُنَّ“ . وقَرَأ الأعْمَشُ: ”ولِنُمَكِّنَ“، بِلامِ كَيْ، أيْ وأرَدْنا ذَلِكَ لِنُمَكِّنَ، أوْ ولِنُمَكِّنَ فَعَلْنا ذَلِكَ. والتَّمْكِينُ: التَّوْطِئَةُ في الأرْضِ، هي أرْضُ مِصْرَ والشّامِ، بِحَيْثُ يَنْفُذُ أمْرُهم ويَتَسَلَّطُونَ عَلى مَن سِواهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُرِيَ﴾ مُضارِعُ أرَيْنا، ونُصِبَ ما بَعْدَهُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ويَرى، مُضارِعُ رَأى، ورُفِعَ ما بَعْدَهُ. ﴿وهامانَ﴾ وزِيرُ فِرْعَوْنَ وأحَدُ رِجالِهِ، وذُكِرَ لِنَباهَتِهِ في قَوْمِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ الكُفْرِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ لَهُ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] ؟ ويَحْذَرُونَ أيْ زَوالَ مُلْكِهِمْ وإهْلاكَهم عَلى يَدَيْ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

القصص 28:2

سُورَةُ القَصَصِ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ (p-١٠٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . وقِيلَ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والجُحْفَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالجُحْفَةِ، في خُرُوجِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْهِجْرَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: نَزَلَ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] بِالجُحْفَةِ، وقْتَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ [النمل: ٩٣] . وكانَ مِمّا فَسَّرَ بِهِ آياتِهِ - تَعالى - مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأنَّهُ أضافَها - تَعالى - إلَيْهِ، إذْ كانَ هو المُخْبِرُ بِها عَلى قَدَمِهِ، فَقالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ إذْ كانَ الكِتابُ هو أعْظَمُ المُعْجِزاتِ وأكْبَرُ الآياتِ البَيِّناتِ، والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. (نَتْلُو) أيْ نَقْرَأُ عَلَيْكَ بِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، أوْ نَقُصُّ. ومَفْعُولُ نَتْلُو ”مِن نَبَأِ“: أيْ بَعْضَ نَبَأِ، وبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”نَتْلُو“، أيْ مُحِقِّينَ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن نَبَأِ، أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتِّلاوَةِ. ﴿عَلا في الأرْضِ﴾ أيْ تَجَبَّرَ واسْتَكْبَرَ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ. والأرْضُ: أرْضُ مِصْرَ، والشِّيَعُ: الفِرَقُ. مَلَكَ القِبْطَ واسْتَعْبَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ يُشَيِّعُونَهُ عَلى ما يُرِيدُ، أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ، أوْ ناسًا في بِناءٍ وناسًا في حَفْرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِرَفِ المُمْتَهَنَةِ. ومَن لَمْ يَسْتَخْدِمْهُ، ضَرَبَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ، أوْ أغْرى بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَكُونُوا لَهُ أطْوَعَ، والطّائِفَةُ المُسْتَضْعَفَةُ بَنُو إسْرائِيلَ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ حالَ بَعْضِ الشِّيَعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ”وجَعَلَ“ وأنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ ”شِيَعًا“، ويُذَبِّحُ تَبْيِينٌ لِلِاسْتِضْعافِ، وتَفْسِيرٌ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَسْتَضْعِفُ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطائِفَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُذَبِّحُ، مُضَعَّفًا؛ وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ. ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ عِلَّةٌ لِتَجَبُّرِهِ ولِتَذْبِيحِ الأبْناءِ؛ إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ الفَسادِ. ﴿ونُرِيدُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾؛ لِأنَّ كِلْتَيْهِما تَفْسِيرٌ لِلْبِناءِ، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْتَضْعِفُ“، لِاحْتِياجِهِ إلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ ونَحْنُ نُرِيدُ، وهو ضَعِيفٌ. وإذا كانَتْ حالًا، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ اسْتِضْعافُ فِرْعَوْنَ وإرادَةُ المِنَّةِ مِنَ اللَّهِ ولا يُمْكِنُ الِاقْتِرانُ ؟ فَقِيلَ: لَمّا كانَتِ المِنَّةُ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ قَرِينَةَ الوُقُوعِ، جُعِلَتْ إرادَةُ وُقُوعِها كَأنَّها مُقارِنَةٌ لِاسْتِضْعافِهِمْ. و﴿أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ وإغْراقِهِ. ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ مُقْتَدًى بِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: دُعاةً إلى الخَيْرِ. وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً، كَقَوْلِهِمْ وجَعَلَكم مُلُوكًا. وقالَ الضَّحّاكُ: أنْبِياءَ. ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيْ يَرِثُونَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، (p-١٠٥)مُلْكَهم وما كانَ لَهم. وعَنْ عَلِيٍّ الوارِثُونَ هم: يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَلَدُهُ، وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: ورِثُوا أرْضَ مِصْرَ والشّامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُمَكِّنَ﴾ عَطْفًا عَلى ”نَمُنَّ“ . وقَرَأ الأعْمَشُ: ”ولِنُمَكِّنَ“، بِلامِ كَيْ، أيْ وأرَدْنا ذَلِكَ لِنُمَكِّنَ، أوْ ولِنُمَكِّنَ فَعَلْنا ذَلِكَ. والتَّمْكِينُ: التَّوْطِئَةُ في الأرْضِ، هي أرْضُ مِصْرَ والشّامِ، بِحَيْثُ يَنْفُذُ أمْرُهم ويَتَسَلَّطُونَ عَلى مَن سِواهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُرِيَ﴾ مُضارِعُ أرَيْنا، ونُصِبَ ما بَعْدَهُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ويَرى، مُضارِعُ رَأى، ورُفِعَ ما بَعْدَهُ. ﴿وهامانَ﴾ وزِيرُ فِرْعَوْنَ وأحَدُ رِجالِهِ، وذُكِرَ لِنَباهَتِهِ في قَوْمِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ الكُفْرِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ لَهُ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] ؟ ويَحْذَرُونَ أيْ زَوالَ مُلْكِهِمْ وإهْلاكَهم عَلى يَدَيْ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

القصص 28:3

سُورَةُ القَصَصِ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ (p-١٠٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . وقِيلَ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والجُحْفَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالجُحْفَةِ، في خُرُوجِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْهِجْرَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: نَزَلَ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] بِالجُحْفَةِ، وقْتَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ [النمل: ٩٣] . وكانَ مِمّا فَسَّرَ بِهِ آياتِهِ - تَعالى - مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأنَّهُ أضافَها - تَعالى - إلَيْهِ، إذْ كانَ هو المُخْبِرُ بِها عَلى قَدَمِهِ، فَقالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ إذْ كانَ الكِتابُ هو أعْظَمُ المُعْجِزاتِ وأكْبَرُ الآياتِ البَيِّناتِ، والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. (نَتْلُو) أيْ نَقْرَأُ عَلَيْكَ بِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، أوْ نَقُصُّ. ومَفْعُولُ نَتْلُو ”مِن نَبَأِ“: أيْ بَعْضَ نَبَأِ، وبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”نَتْلُو“، أيْ مُحِقِّينَ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن نَبَأِ، أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتِّلاوَةِ. ﴿عَلا في الأرْضِ﴾ أيْ تَجَبَّرَ واسْتَكْبَرَ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ. والأرْضُ: أرْضُ مِصْرَ، والشِّيَعُ: الفِرَقُ. مَلَكَ القِبْطَ واسْتَعْبَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ يُشَيِّعُونَهُ عَلى ما يُرِيدُ، أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ، أوْ ناسًا في بِناءٍ وناسًا في حَفْرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِرَفِ المُمْتَهَنَةِ. ومَن لَمْ يَسْتَخْدِمْهُ، ضَرَبَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ، أوْ أغْرى بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَكُونُوا لَهُ أطْوَعَ، والطّائِفَةُ المُسْتَضْعَفَةُ بَنُو إسْرائِيلَ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ حالَ بَعْضِ الشِّيَعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ”وجَعَلَ“ وأنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ ”شِيَعًا“، ويُذَبِّحُ تَبْيِينٌ لِلِاسْتِضْعافِ، وتَفْسِيرٌ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَسْتَضْعِفُ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطائِفَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُذَبِّحُ، مُضَعَّفًا؛ وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ. ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ عِلَّةٌ لِتَجَبُّرِهِ ولِتَذْبِيحِ الأبْناءِ؛ إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ الفَسادِ. ﴿ونُرِيدُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾؛ لِأنَّ كِلْتَيْهِما تَفْسِيرٌ لِلْبِناءِ، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْتَضْعِفُ“، لِاحْتِياجِهِ إلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ ونَحْنُ نُرِيدُ، وهو ضَعِيفٌ. وإذا كانَتْ حالًا، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ اسْتِضْعافُ فِرْعَوْنَ وإرادَةُ المِنَّةِ مِنَ اللَّهِ ولا يُمْكِنُ الِاقْتِرانُ ؟ فَقِيلَ: لَمّا كانَتِ المِنَّةُ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ قَرِينَةَ الوُقُوعِ، جُعِلَتْ إرادَةُ وُقُوعِها كَأنَّها مُقارِنَةٌ لِاسْتِضْعافِهِمْ. و﴿أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ وإغْراقِهِ. ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ مُقْتَدًى بِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: دُعاةً إلى الخَيْرِ. وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً، كَقَوْلِهِمْ وجَعَلَكم مُلُوكًا. وقالَ الضَّحّاكُ: أنْبِياءَ. ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيْ يَرِثُونَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، (p-١٠٥)مُلْكَهم وما كانَ لَهم. وعَنْ عَلِيٍّ الوارِثُونَ هم: يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَلَدُهُ، وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: ورِثُوا أرْضَ مِصْرَ والشّامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُمَكِّنَ﴾ عَطْفًا عَلى ”نَمُنَّ“ . وقَرَأ الأعْمَشُ: ”ولِنُمَكِّنَ“، بِلامِ كَيْ، أيْ وأرَدْنا ذَلِكَ لِنُمَكِّنَ، أوْ ولِنُمَكِّنَ فَعَلْنا ذَلِكَ. والتَّمْكِينُ: التَّوْطِئَةُ في الأرْضِ، هي أرْضُ مِصْرَ والشّامِ، بِحَيْثُ يَنْفُذُ أمْرُهم ويَتَسَلَّطُونَ عَلى مَن سِواهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُرِيَ﴾ مُضارِعُ أرَيْنا، ونُصِبَ ما بَعْدَهُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ويَرى، مُضارِعُ رَأى، ورُفِعَ ما بَعْدَهُ. ﴿وهامانَ﴾ وزِيرُ فِرْعَوْنَ وأحَدُ رِجالِهِ، وذُكِرَ لِنَباهَتِهِ في قَوْمِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ الكُفْرِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ لَهُ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] ؟ ويَحْذَرُونَ أيْ زَوالَ مُلْكِهِمْ وإهْلاكَهم عَلى يَدَيْ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

القصص 28:4

سُورَةُ القَصَصِ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ (p-١٠٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . وقِيلَ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والجُحْفَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالجُحْفَةِ، في خُرُوجِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْهِجْرَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: نَزَلَ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] بِالجُحْفَةِ، وقْتَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ [النمل: ٩٣] . وكانَ مِمّا فَسَّرَ بِهِ آياتِهِ - تَعالى - مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأنَّهُ أضافَها - تَعالى - إلَيْهِ، إذْ كانَ هو المُخْبِرُ بِها عَلى قَدَمِهِ، فَقالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ إذْ كانَ الكِتابُ هو أعْظَمُ المُعْجِزاتِ وأكْبَرُ الآياتِ البَيِّناتِ، والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. (نَتْلُو) أيْ نَقْرَأُ عَلَيْكَ بِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، أوْ نَقُصُّ. ومَفْعُولُ نَتْلُو ”مِن نَبَأِ“: أيْ بَعْضَ نَبَأِ، وبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”نَتْلُو“، أيْ مُحِقِّينَ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن نَبَأِ، أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتِّلاوَةِ. ﴿عَلا في الأرْضِ﴾ أيْ تَجَبَّرَ واسْتَكْبَرَ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ. والأرْضُ: أرْضُ مِصْرَ، والشِّيَعُ: الفِرَقُ. مَلَكَ القِبْطَ واسْتَعْبَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ يُشَيِّعُونَهُ عَلى ما يُرِيدُ، أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ، أوْ ناسًا في بِناءٍ وناسًا في حَفْرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِرَفِ المُمْتَهَنَةِ. ومَن لَمْ يَسْتَخْدِمْهُ، ضَرَبَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ، أوْ أغْرى بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَكُونُوا لَهُ أطْوَعَ، والطّائِفَةُ المُسْتَضْعَفَةُ بَنُو إسْرائِيلَ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ حالَ بَعْضِ الشِّيَعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ”وجَعَلَ“ وأنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ ”شِيَعًا“، ويُذَبِّحُ تَبْيِينٌ لِلِاسْتِضْعافِ، وتَفْسِيرٌ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَسْتَضْعِفُ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطائِفَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُذَبِّحُ، مُضَعَّفًا؛ وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ. ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ عِلَّةٌ لِتَجَبُّرِهِ ولِتَذْبِيحِ الأبْناءِ؛ إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ الفَسادِ. ﴿ونُرِيدُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾؛ لِأنَّ كِلْتَيْهِما تَفْسِيرٌ لِلْبِناءِ، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْتَضْعِفُ“، لِاحْتِياجِهِ إلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ ونَحْنُ نُرِيدُ، وهو ضَعِيفٌ. وإذا كانَتْ حالًا، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ اسْتِضْعافُ فِرْعَوْنَ وإرادَةُ المِنَّةِ مِنَ اللَّهِ ولا يُمْكِنُ الِاقْتِرانُ ؟ فَقِيلَ: لَمّا كانَتِ المِنَّةُ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ قَرِينَةَ الوُقُوعِ، جُعِلَتْ إرادَةُ وُقُوعِها كَأنَّها مُقارِنَةٌ لِاسْتِضْعافِهِمْ. و﴿أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ وإغْراقِهِ. ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ مُقْتَدًى بِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: دُعاةً إلى الخَيْرِ. وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً، كَقَوْلِهِمْ وجَعَلَكم مُلُوكًا. وقالَ الضَّحّاكُ: أنْبِياءَ. ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيْ يَرِثُونَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، (p-١٠٥)مُلْكَهم وما كانَ لَهم. وعَنْ عَلِيٍّ الوارِثُونَ هم: يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَلَدُهُ، وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: ورِثُوا أرْضَ مِصْرَ والشّامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُمَكِّنَ﴾ عَطْفًا عَلى ”نَمُنَّ“ . وقَرَأ الأعْمَشُ: ”ولِنُمَكِّنَ“، بِلامِ كَيْ، أيْ وأرَدْنا ذَلِكَ لِنُمَكِّنَ، أوْ ولِنُمَكِّنَ فَعَلْنا ذَلِكَ. والتَّمْكِينُ: التَّوْطِئَةُ في الأرْضِ، هي أرْضُ مِصْرَ والشّامِ، بِحَيْثُ يَنْفُذُ أمْرُهم ويَتَسَلَّطُونَ عَلى مَن سِواهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُرِيَ﴾ مُضارِعُ أرَيْنا، ونُصِبَ ما بَعْدَهُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ويَرى، مُضارِعُ رَأى، ورُفِعَ ما بَعْدَهُ. ﴿وهامانَ﴾ وزِيرُ فِرْعَوْنَ وأحَدُ رِجالِهِ، وذُكِرَ لِنَباهَتِهِ في قَوْمِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ الكُفْرِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ لَهُ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] ؟ ويَحْذَرُونَ أيْ زَوالَ مُلْكِهِمْ وإهْلاكَهم عَلى يَدَيْ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

القصص 28:5

سُورَةُ القَصَصِ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ (p-١٠٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . وقِيلَ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والجُحْفَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالجُحْفَةِ، في خُرُوجِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْهِجْرَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: نَزَلَ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] بِالجُحْفَةِ، وقْتَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ [النمل: ٩٣] . وكانَ مِمّا فَسَّرَ بِهِ آياتِهِ - تَعالى - مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأنَّهُ أضافَها - تَعالى - إلَيْهِ، إذْ كانَ هو المُخْبِرُ بِها عَلى قَدَمِهِ، فَقالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ إذْ كانَ الكِتابُ هو أعْظَمُ المُعْجِزاتِ وأكْبَرُ الآياتِ البَيِّناتِ، والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. (نَتْلُو) أيْ نَقْرَأُ عَلَيْكَ بِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، أوْ نَقُصُّ. ومَفْعُولُ نَتْلُو ”مِن نَبَأِ“: أيْ بَعْضَ نَبَأِ، وبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”نَتْلُو“، أيْ مُحِقِّينَ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن نَبَأِ، أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتِّلاوَةِ. ﴿عَلا في الأرْضِ﴾ أيْ تَجَبَّرَ واسْتَكْبَرَ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ. والأرْضُ: أرْضُ مِصْرَ، والشِّيَعُ: الفِرَقُ. مَلَكَ القِبْطَ واسْتَعْبَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ يُشَيِّعُونَهُ عَلى ما يُرِيدُ، أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ، أوْ ناسًا في بِناءٍ وناسًا في حَفْرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِرَفِ المُمْتَهَنَةِ. ومَن لَمْ يَسْتَخْدِمْهُ، ضَرَبَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ، أوْ أغْرى بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَكُونُوا لَهُ أطْوَعَ، والطّائِفَةُ المُسْتَضْعَفَةُ بَنُو إسْرائِيلَ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ حالَ بَعْضِ الشِّيَعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ”وجَعَلَ“ وأنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ ”شِيَعًا“، ويُذَبِّحُ تَبْيِينٌ لِلِاسْتِضْعافِ، وتَفْسِيرٌ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَسْتَضْعِفُ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطائِفَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُذَبِّحُ، مُضَعَّفًا؛ وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ. ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ عِلَّةٌ لِتَجَبُّرِهِ ولِتَذْبِيحِ الأبْناءِ؛ إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ الفَسادِ. ﴿ونُرِيدُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾؛ لِأنَّ كِلْتَيْهِما تَفْسِيرٌ لِلْبِناءِ، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْتَضْعِفُ“، لِاحْتِياجِهِ إلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ ونَحْنُ نُرِيدُ، وهو ضَعِيفٌ. وإذا كانَتْ حالًا، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ اسْتِضْعافُ فِرْعَوْنَ وإرادَةُ المِنَّةِ مِنَ اللَّهِ ولا يُمْكِنُ الِاقْتِرانُ ؟ فَقِيلَ: لَمّا كانَتِ المِنَّةُ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ قَرِينَةَ الوُقُوعِ، جُعِلَتْ إرادَةُ وُقُوعِها كَأنَّها مُقارِنَةٌ لِاسْتِضْعافِهِمْ. و﴿أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ وإغْراقِهِ. ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ مُقْتَدًى بِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: دُعاةً إلى الخَيْرِ. وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً، كَقَوْلِهِمْ وجَعَلَكم مُلُوكًا. وقالَ الضَّحّاكُ: أنْبِياءَ. ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيْ يَرِثُونَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، (p-١٠٥)مُلْكَهم وما كانَ لَهم. وعَنْ عَلِيٍّ الوارِثُونَ هم: يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَلَدُهُ، وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: ورِثُوا أرْضَ مِصْرَ والشّامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُمَكِّنَ﴾ عَطْفًا عَلى ”نَمُنَّ“ . وقَرَأ الأعْمَشُ: ”ولِنُمَكِّنَ“، بِلامِ كَيْ، أيْ وأرَدْنا ذَلِكَ لِنُمَكِّنَ، أوْ ولِنُمَكِّنَ فَعَلْنا ذَلِكَ. والتَّمْكِينُ: التَّوْطِئَةُ في الأرْضِ، هي أرْضُ مِصْرَ والشّامِ، بِحَيْثُ يَنْفُذُ أمْرُهم ويَتَسَلَّطُونَ عَلى مَن سِواهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُرِيَ﴾ مُضارِعُ أرَيْنا، ونُصِبَ ما بَعْدَهُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ويَرى، مُضارِعُ رَأى، ورُفِعَ ما بَعْدَهُ. ﴿وهامانَ﴾ وزِيرُ فِرْعَوْنَ وأحَدُ رِجالِهِ، وذُكِرَ لِنَباهَتِهِ في قَوْمِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ الكُفْرِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ لَهُ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] ؟ ويَحْذَرُونَ أيْ زَوالَ مُلْكِهِمْ وإهْلاكَهم عَلى يَدَيْ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

القصص 28:6

سُورَةُ القَصَصِ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ (p-١٠٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . وقِيلَ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والجُحْفَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالجُحْفَةِ، في خُرُوجِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْهِجْرَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: نَزَلَ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] بِالجُحْفَةِ، وقْتَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ السُّورَةِ قَبْلَها أنَّهُ أمَرَهُ - تَعالى - بِحَمْدِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ [النمل: ٩٣] . وكانَ مِمّا فَسَّرَ بِهِ آياتِهِ - تَعالى - مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ، وأنَّهُ أضافَها - تَعالى - إلَيْهِ، إذْ كانَ هو المُخْبِرُ بِها عَلى قَدَمِهِ، فَقالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ إذْ كانَ الكِتابُ هو أعْظَمُ المُعْجِزاتِ وأكْبَرُ الآياتِ البَيِّناتِ، والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. (نَتْلُو) أيْ نَقْرَأُ عَلَيْكَ بِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، أوْ نَقُصُّ. ومَفْعُولُ نَتْلُو ”مِن نَبَأِ“: أيْ بَعْضَ نَبَأِ، وبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”نَتْلُو“، أيْ مُحِقِّينَ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن نَبَأِ، أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتِّلاوَةِ. ﴿عَلا في الأرْضِ﴾ أيْ تَجَبَّرَ واسْتَكْبَرَ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ. والأرْضُ: أرْضُ مِصْرَ، والشِّيَعُ: الفِرَقُ. مَلَكَ القِبْطَ واسْتَعْبَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ يُشَيِّعُونَهُ عَلى ما يُرِيدُ، أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ، أوْ ناسًا في بِناءٍ وناسًا في حَفْرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِرَفِ المُمْتَهَنَةِ. ومَن لَمْ يَسْتَخْدِمْهُ، ضَرَبَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ، أوْ أغْرى بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَكُونُوا لَهُ أطْوَعَ، والطّائِفَةُ المُسْتَضْعَفَةُ بَنُو إسْرائِيلَ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ حالَ بَعْضِ الشِّيَعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ”وجَعَلَ“ وأنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ ”شِيَعًا“، ويُذَبِّحُ تَبْيِينٌ لِلِاسْتِضْعافِ، وتَفْسِيرٌ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَسْتَضْعِفُ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطائِفَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُذَبِّحُ، مُضَعَّفًا؛ وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الذّالِ. ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ عِلَّةٌ لِتَجَبُّرِهِ ولِتَذْبِيحِ الأبْناءِ؛ إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ الفَسادِ. ﴿ونُرِيدُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾؛ لِأنَّ كِلْتَيْهِما تَفْسِيرٌ لِلْبِناءِ، ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْتَضْعِفُ“، لِاحْتِياجِهِ إلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ ونَحْنُ نُرِيدُ، وهو ضَعِيفٌ. وإذا كانَتْ حالًا، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ اسْتِضْعافُ فِرْعَوْنَ وإرادَةُ المِنَّةِ مِنَ اللَّهِ ولا يُمْكِنُ الِاقْتِرانُ ؟ فَقِيلَ: لَمّا كانَتِ المِنَّةُ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ قَرِينَةَ الوُقُوعِ، جُعِلَتْ إرادَةُ وُقُوعِها كَأنَّها مُقارِنَةٌ لِاسْتِضْعافِهِمْ. و﴿أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ بِخَلاصِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ وإغْراقِهِ. ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ أيْ مُقْتَدًى بِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: دُعاةً إلى الخَيْرِ. وقالَ قَتادَةُ: وُلاةً، كَقَوْلِهِمْ وجَعَلَكم مُلُوكًا. وقالَ الضَّحّاكُ: أنْبِياءَ. ﴿ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ أيْ يَرِثُونَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، (p-١٠٥)مُلْكَهم وما كانَ لَهم. وعَنْ عَلِيٍّ الوارِثُونَ هم: يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَلَدُهُ، وعَنْ قَتادَةَ أيْضًا: ورِثُوا أرْضَ مِصْرَ والشّامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُمَكِّنَ﴾ عَطْفًا عَلى ”نَمُنَّ“ . وقَرَأ الأعْمَشُ: ”ولِنُمَكِّنَ“، بِلامِ كَيْ، أيْ وأرَدْنا ذَلِكَ لِنُمَكِّنَ، أوْ ولِنُمَكِّنَ فَعَلْنا ذَلِكَ. والتَّمْكِينُ: التَّوْطِئَةُ في الأرْضِ، هي أرْضُ مِصْرَ والشّامِ، بِحَيْثُ يَنْفُذُ أمْرُهم ويَتَسَلَّطُونَ عَلى مَن سِواهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ونُرِيَ﴾ مُضارِعُ أرَيْنا، ونُصِبَ ما بَعْدَهُ. وعَبْدُ اللَّهِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ويَرى، مُضارِعُ رَأى، ورُفِعَ ما بَعْدَهُ. ﴿وهامانَ﴾ وزِيرُ فِرْعَوْنَ وأحَدُ رِجالِهِ، وذُكِرَ لِنَباهَتِهِ في قَوْمِهِ ومَحَلِّهِ مِنَ الكُفْرِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ لَهُ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] ؟ ويَحْذَرُونَ أيْ زَوالَ مُلْكِهِمْ وإهْلاكَهم عَلى يَدَيْ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

القصص 28:7

﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ ﴿وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ . إيحاءُ اللَّهِ إلى أُمِّ مُوسى: إلْهامٌ وقَذْفٌ في القَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ؛ أوْ مَنامٌ، قالَهُ قَوْمٌ؛ أوْ إرْسالُ مَلَكٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ وقَوْمٌ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ . وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، فَإنْ كانَ الوَحْيُ بِإرْسالِ مَلَكٍ، كَما هو الظّاهِرُ، فَهو كَإرْسالِهِ لِلْأقْرَعِ والأبْرَصِ والأعْمى، وكَما رُوِيَ مِن تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ لِلنّاسِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الإيحاءَ هو بَعْدَ الوِلادَةِ، فَيَكُونُ ثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ ووَضَعَتْ مُوسى أُمُّهُ في زَمَنِ الذَّبْحِ وخافَتْ عَلَيْهِ. ﴿وأوْحَيْنا﴾ و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ قَبْلَ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الواحِدِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ”أنِ ارْضِعِيهِ“، بِكَسْرِ النُّونِ بَعْدَ حَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ القِياسَ فِيهِ نَقْلُ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ، وهي الفَتْحَةُ، إلى النُّونِ، كَقِراءَةِ ورْشٍ. ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ مِن جَواسِيسِ فِرْعَوْنَ ونُقَبائِهِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الأوْلادَ ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ . قالَ الجُنَيْدُ: إذا خِفْتِ حِفْظَهُ بِواسِطَةٍ، فَسَلِّمِيهِ إلَيْنا بِإلْقائِهِ في البَحْرِ، واقْطَعِي عَنْكِ شَفَقَتَكِ وتَدْبِيرَكِ. وزَمانُ إرْضاعِهِ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، أوْ أرْبَعَةٌ، أوْ ثَمانِيَةٌ، أقْوالٌ. واليَمُّ هُنا: نِيلُ مِصْرَ. ﴿ولا تَخافِي﴾ أيْ مِن غَرَقِهِ وضَياعِهِ، ومِنِ التِقاطِهِ، فَيُقْتَلُ ﴿ولا تَحْزَنِي﴾ لِمُفارَقَتِكِ إيّاهُ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ وعْدٌ صادِقٌ يُسَكِّنُ قَلْبَها ويُبَشِّرُها بِحَياتِهِ وجَعْلِهِ رَسُولًا، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه طَرَفٌ مِن حَدِيثِ التّابُوتِ ورَمْيِهِ في اليَمِّ وكَيْفِيَّةِ التِقاطِهِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. واسْتَفْصَحَ الأصْمَعِيُّ امْرَأةً مِنَ العَرَبِ أنْشَدَتْ شِعْرًا فَقالَتْ: أبَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ الآيَةَ، فَصاحَةٌ ؟ وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ أمْرَيْنِ ونَهْيَيْنِ وخَبَرَيْنِ وبِشارَتَيْنِ. ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ مِن إرْضاعِهِ ومِن إلْقائِهِ في اليَمِّ. واللّامُ في ﴿لِيَكُونَ﴾ لِلتَّعْلِيلِ المَجازِيِّ، لَمّا كانَ مَآلُ التِقاطِهِ وتَرْبِيَتِهِ إلى كَوْنِهِ عَدُوًّا لَهم ﴿وحَزَنًا﴾ وإنْ كانُوا لَمْ يَلْتَقِطُوهُ إلّا لِلتَّبَنِّي، وكَوْنُهُ يَكُونُ حَبِيبًا لَهم، ويُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ اللّامِ بِلامِ العاقِبَةِ وبِلامِ الصَّيْرُورَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وحَزَنًا“ بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ: بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ الزّايِ. والخاطِئُ: المُتَعَمِّدُ الخَطَأِ، والمُخْطِئُ: الَّذِي لا يَتَعَمَّدُهُ. واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ، وهو الظّاهِرُ، أيْ فَكانَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، أيْ لِأنَّهم كانُوا خاطِئِينَ، لَمْ يَرْجِعُوا إلى (p-١٠٦)دِينِهِ، وتَعَمَّدُوا الجَرائِمَ والكُفْرَ بِاللَّهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: خاطِئِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالتِقاطِهِ. وقِيلَ: بِقَتْلِ أوْلادِ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: في تَرْبِيَةِ عَدُوِّهِمْ. وأُضِيفَ الجُنْدُ هُنا وفِيما قَبْلُ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ، وإنْ كانَ هامانُ لا جُنُودَ لَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الجُنُودِ لا يَسْتَقِيمُ إلّا بِالمَلِكِ والوَزِيرِ، إذْ بِالوَزِيرِ تُحَصَّلُ الأمْوالُ، وبِالمَلِكِ وقَهْرِهِ يُتَوَصَّلُ إلى تَحْصِيلِها، ولا يَكُونُ قِوامُ الجُنْدِ إلّا بِالأمْوالِ. وقُرِئَ: خاطِيِينَ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ. وحُذِفَتْ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: مِن خَطا يَخْطُو، أيْ خاطِيِينَ الصَّوابَ. ولَمّا التَقَطُوهُ، هَمُّوا بِقَتْلِهِ، وخافُوا أنْ يَكُونَ المَوْلُودَ الَّذِي يَحْذَرُونَ زَوالَ مُلْكِهِمْ عَلى يَدَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، ونَقَلُوا أنَّها رَأتْ نُورًا في التّابُوتِ، وتَسَهَّلَ عَلَيْها فَتْحُهُ بَعْدَ تَعَسُّرِ فَتْحِهِ عَلى يَدَيْ غَيْرِها، وأنَّ بِنْتَ فِرْعَوْنَ أحَبَّتْهُ أيْضًا لِبُرْئِها مِن دائِها الَّذِي كانَ بِها، وهو البَرَصُ، بِإخْبارِ مَن أخْبَرَ أنَّهُ لا يُبْرِئُها إلّا رِيقُ إنْسانٍ يُوجَدُ في تابُوتٍ في البَحْرِ. وقُرَّةُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو قُرَّةُ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾؛ وتَقَدَّمَ شَرْحُ ”قُرَّةُ“ في آخِرِ الفُرْقانِ. وذُكِرَ أنَّها لَمّا قالَتْ لِفِرْعَوْنَ: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ قالَ: لَكِ لا لِي. ورُوِيَ أنَّها قالَتْ لَهُ: لَعَلَّهُ مِن قَوْمٍ آخَرِينَ لَيْسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأتْبَعَتِ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِهِ بِرَجائِها أنْ يَنْفَعَهم لِظُهُورِ مَخايِلِ الخَيْرِ فِيهِ مِنَ النُّورِ الَّذِي رَأتْهُ، ومِن بُرْءِ البَرَصِ، أوْ يَتَّخِذُوهُ ولَدًا، فَإنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ. ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ الَّذِي يَفْسُدُ مُلْكُهم عَلى يَدَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ أوْ أنِّي أفْعَلُ ما أُرِيدُ لا ما يُرِيدُونَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ. والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - وقِيلَ: هو مِن كَلامِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، أيْ قالَتْ ذَلِكَ لِفِرْعَوْنَ، والَّذِينَ أشارُوا بِقَتْلِهِ لا يَشْعُرُونَ بِمَقالَتِها لَهُ واسْتِعْطافِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ، لِئَلّا يُغْرُوهُ بِقَتْلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ و﴿قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ﴾ كَذا ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ في التِقاطِهِ ورَجاءِ النَّفْعِ مِنهُ وتَبَنِّيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ الآيَةَ، جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ واقِعَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى خَطَئِهِمْ. انْتَهى. ومَتى أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ كانَ أحْسَنَ.

القصص 28:8

﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ ﴿وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ . إيحاءُ اللَّهِ إلى أُمِّ مُوسى: إلْهامٌ وقَذْفٌ في القَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ؛ أوْ مَنامٌ، قالَهُ قَوْمٌ؛ أوْ إرْسالُ مَلَكٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ وقَوْمٌ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ . وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، فَإنْ كانَ الوَحْيُ بِإرْسالِ مَلَكٍ، كَما هو الظّاهِرُ، فَهو كَإرْسالِهِ لِلْأقْرَعِ والأبْرَصِ والأعْمى، وكَما رُوِيَ مِن تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ لِلنّاسِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الإيحاءَ هو بَعْدَ الوِلادَةِ، فَيَكُونُ ثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ ووَضَعَتْ مُوسى أُمُّهُ في زَمَنِ الذَّبْحِ وخافَتْ عَلَيْهِ. ﴿وأوْحَيْنا﴾ و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ قَبْلَ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الواحِدِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ”أنِ ارْضِعِيهِ“، بِكَسْرِ النُّونِ بَعْدَ حَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ القِياسَ فِيهِ نَقْلُ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ، وهي الفَتْحَةُ، إلى النُّونِ، كَقِراءَةِ ورْشٍ. ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ مِن جَواسِيسِ فِرْعَوْنَ ونُقَبائِهِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الأوْلادَ ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ . قالَ الجُنَيْدُ: إذا خِفْتِ حِفْظَهُ بِواسِطَةٍ، فَسَلِّمِيهِ إلَيْنا بِإلْقائِهِ في البَحْرِ، واقْطَعِي عَنْكِ شَفَقَتَكِ وتَدْبِيرَكِ. وزَمانُ إرْضاعِهِ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، أوْ أرْبَعَةٌ، أوْ ثَمانِيَةٌ، أقْوالٌ. واليَمُّ هُنا: نِيلُ مِصْرَ. ﴿ولا تَخافِي﴾ أيْ مِن غَرَقِهِ وضَياعِهِ، ومِنِ التِقاطِهِ، فَيُقْتَلُ ﴿ولا تَحْزَنِي﴾ لِمُفارَقَتِكِ إيّاهُ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ وعْدٌ صادِقٌ يُسَكِّنُ قَلْبَها ويُبَشِّرُها بِحَياتِهِ وجَعْلِهِ رَسُولًا، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه طَرَفٌ مِن حَدِيثِ التّابُوتِ ورَمْيِهِ في اليَمِّ وكَيْفِيَّةِ التِقاطِهِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. واسْتَفْصَحَ الأصْمَعِيُّ امْرَأةً مِنَ العَرَبِ أنْشَدَتْ شِعْرًا فَقالَتْ: أبَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ الآيَةَ، فَصاحَةٌ ؟ وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ أمْرَيْنِ ونَهْيَيْنِ وخَبَرَيْنِ وبِشارَتَيْنِ. ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ مِن إرْضاعِهِ ومِن إلْقائِهِ في اليَمِّ. واللّامُ في ﴿لِيَكُونَ﴾ لِلتَّعْلِيلِ المَجازِيِّ، لَمّا كانَ مَآلُ التِقاطِهِ وتَرْبِيَتِهِ إلى كَوْنِهِ عَدُوًّا لَهم ﴿وحَزَنًا﴾ وإنْ كانُوا لَمْ يَلْتَقِطُوهُ إلّا لِلتَّبَنِّي، وكَوْنُهُ يَكُونُ حَبِيبًا لَهم، ويُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ اللّامِ بِلامِ العاقِبَةِ وبِلامِ الصَّيْرُورَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وحَزَنًا“ بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ: بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ الزّايِ. والخاطِئُ: المُتَعَمِّدُ الخَطَأِ، والمُخْطِئُ: الَّذِي لا يَتَعَمَّدُهُ. واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ، وهو الظّاهِرُ، أيْ فَكانَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، أيْ لِأنَّهم كانُوا خاطِئِينَ، لَمْ يَرْجِعُوا إلى (p-١٠٦)دِينِهِ، وتَعَمَّدُوا الجَرائِمَ والكُفْرَ بِاللَّهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: خاطِئِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالتِقاطِهِ. وقِيلَ: بِقَتْلِ أوْلادِ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: في تَرْبِيَةِ عَدُوِّهِمْ. وأُضِيفَ الجُنْدُ هُنا وفِيما قَبْلُ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ، وإنْ كانَ هامانُ لا جُنُودَ لَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الجُنُودِ لا يَسْتَقِيمُ إلّا بِالمَلِكِ والوَزِيرِ، إذْ بِالوَزِيرِ تُحَصَّلُ الأمْوالُ، وبِالمَلِكِ وقَهْرِهِ يُتَوَصَّلُ إلى تَحْصِيلِها، ولا يَكُونُ قِوامُ الجُنْدِ إلّا بِالأمْوالِ. وقُرِئَ: خاطِيِينَ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ. وحُذِفَتْ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: مِن خَطا يَخْطُو، أيْ خاطِيِينَ الصَّوابَ. ولَمّا التَقَطُوهُ، هَمُّوا بِقَتْلِهِ، وخافُوا أنْ يَكُونَ المَوْلُودَ الَّذِي يَحْذَرُونَ زَوالَ مُلْكِهِمْ عَلى يَدَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، ونَقَلُوا أنَّها رَأتْ نُورًا في التّابُوتِ، وتَسَهَّلَ عَلَيْها فَتْحُهُ بَعْدَ تَعَسُّرِ فَتْحِهِ عَلى يَدَيْ غَيْرِها، وأنَّ بِنْتَ فِرْعَوْنَ أحَبَّتْهُ أيْضًا لِبُرْئِها مِن دائِها الَّذِي كانَ بِها، وهو البَرَصُ، بِإخْبارِ مَن أخْبَرَ أنَّهُ لا يُبْرِئُها إلّا رِيقُ إنْسانٍ يُوجَدُ في تابُوتٍ في البَحْرِ. وقُرَّةُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو قُرَّةُ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾؛ وتَقَدَّمَ شَرْحُ ”قُرَّةُ“ في آخِرِ الفُرْقانِ. وذُكِرَ أنَّها لَمّا قالَتْ لِفِرْعَوْنَ: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ قالَ: لَكِ لا لِي. ورُوِيَ أنَّها قالَتْ لَهُ: لَعَلَّهُ مِن قَوْمٍ آخَرِينَ لَيْسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأتْبَعَتِ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِهِ بِرَجائِها أنْ يَنْفَعَهم لِظُهُورِ مَخايِلِ الخَيْرِ فِيهِ مِنَ النُّورِ الَّذِي رَأتْهُ، ومِن بُرْءِ البَرَصِ، أوْ يَتَّخِذُوهُ ولَدًا، فَإنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ. ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ الَّذِي يَفْسُدُ مُلْكُهم عَلى يَدَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ أوْ أنِّي أفْعَلُ ما أُرِيدُ لا ما يُرِيدُونَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ. والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - وقِيلَ: هو مِن كَلامِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، أيْ قالَتْ ذَلِكَ لِفِرْعَوْنَ، والَّذِينَ أشارُوا بِقَتْلِهِ لا يَشْعُرُونَ بِمَقالَتِها لَهُ واسْتِعْطافِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ، لِئَلّا يُغْرُوهُ بِقَتْلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ و﴿قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ﴾ كَذا ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ في التِقاطِهِ ورَجاءِ النَّفْعِ مِنهُ وتَبَنِّيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ الآيَةَ، جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ واقِعَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى خَطَئِهِمْ. انْتَهى. ومَتى أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ كانَ أحْسَنَ.

القصص 28:9

﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ ﴿وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ . إيحاءُ اللَّهِ إلى أُمِّ مُوسى: إلْهامٌ وقَذْفٌ في القَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ؛ أوْ مَنامٌ، قالَهُ قَوْمٌ؛ أوْ إرْسالُ مَلَكٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ وقَوْمٌ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ . وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، فَإنْ كانَ الوَحْيُ بِإرْسالِ مَلَكٍ، كَما هو الظّاهِرُ، فَهو كَإرْسالِهِ لِلْأقْرَعِ والأبْرَصِ والأعْمى، وكَما رُوِيَ مِن تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ لِلنّاسِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الإيحاءَ هو بَعْدَ الوِلادَةِ، فَيَكُونُ ثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ ووَضَعَتْ مُوسى أُمُّهُ في زَمَنِ الذَّبْحِ وخافَتْ عَلَيْهِ. ﴿وأوْحَيْنا﴾ و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: كانَ الوَحْيُ قَبْلَ الوِلادَةِ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الواحِدِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ”أنِ ارْضِعِيهِ“، بِكَسْرِ النُّونِ بَعْدَ حَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ القِياسَ فِيهِ نَقْلُ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ، وهي الفَتْحَةُ، إلى النُّونِ، كَقِراءَةِ ورْشٍ. ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ مِن جَواسِيسِ فِرْعَوْنَ ونُقَبائِهِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الأوْلادَ ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ . قالَ الجُنَيْدُ: إذا خِفْتِ حِفْظَهُ بِواسِطَةٍ، فَسَلِّمِيهِ إلَيْنا بِإلْقائِهِ في البَحْرِ، واقْطَعِي عَنْكِ شَفَقَتَكِ وتَدْبِيرَكِ. وزَمانُ إرْضاعِهِ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، أوْ أرْبَعَةٌ، أوْ ثَمانِيَةٌ، أقْوالٌ. واليَمُّ هُنا: نِيلُ مِصْرَ. ﴿ولا تَخافِي﴾ أيْ مِن غَرَقِهِ وضَياعِهِ، ومِنِ التِقاطِهِ، فَيُقْتَلُ ﴿ولا تَحْزَنِي﴾ لِمُفارَقَتِكِ إيّاهُ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ وعْدٌ صادِقٌ يُسَكِّنُ قَلْبَها ويُبَشِّرُها بِحَياتِهِ وجَعْلِهِ رَسُولًا، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه طَرَفٌ مِن حَدِيثِ التّابُوتِ ورَمْيِهِ في اليَمِّ وكَيْفِيَّةِ التِقاطِهِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. واسْتَفْصَحَ الأصْمَعِيُّ امْرَأةً مِنَ العَرَبِ أنْشَدَتْ شِعْرًا فَقالَتْ: أبَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ الآيَةَ، فَصاحَةٌ ؟ وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ أمْرَيْنِ ونَهْيَيْنِ وخَبَرَيْنِ وبِشارَتَيْنِ. ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ مِن إرْضاعِهِ ومِن إلْقائِهِ في اليَمِّ. واللّامُ في ﴿لِيَكُونَ﴾ لِلتَّعْلِيلِ المَجازِيِّ، لَمّا كانَ مَآلُ التِقاطِهِ وتَرْبِيَتِهِ إلى كَوْنِهِ عَدُوًّا لَهم ﴿وحَزَنًا﴾ وإنْ كانُوا لَمْ يَلْتَقِطُوهُ إلّا لِلتَّبَنِّي، وكَوْنُهُ يَكُونُ حَبِيبًا لَهم، ويُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ اللّامِ بِلامِ العاقِبَةِ وبِلامِ الصَّيْرُورَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وحَزَنًا“ بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ: بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ الزّايِ. والخاطِئُ: المُتَعَمِّدُ الخَطَأِ، والمُخْطِئُ: الَّذِي لا يَتَعَمَّدُهُ. واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ حَذْفٌ، وهو الظّاهِرُ، أيْ فَكانَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، أيْ لِأنَّهم كانُوا خاطِئِينَ، لَمْ يَرْجِعُوا إلى (p-١٠٦)دِينِهِ، وتَعَمَّدُوا الجَرائِمَ والكُفْرَ بِاللَّهِ. وقالَ المُبَرِّدُ: خاطِئِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالتِقاطِهِ. وقِيلَ: بِقَتْلِ أوْلادِ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: في تَرْبِيَةِ عَدُوِّهِمْ. وأُضِيفَ الجُنْدُ هُنا وفِيما قَبْلُ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ، وإنْ كانَ هامانُ لا جُنُودَ لَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ الجُنُودِ لا يَسْتَقِيمُ إلّا بِالمَلِكِ والوَزِيرِ، إذْ بِالوَزِيرِ تُحَصَّلُ الأمْوالُ، وبِالمَلِكِ وقَهْرِهِ يُتَوَصَّلُ إلى تَحْصِيلِها، ولا يَكُونُ قِوامُ الجُنْدِ إلّا بِالأمْوالِ. وقُرِئَ: خاطِيِينَ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ. وحُذِفَتْ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: مِن خَطا يَخْطُو، أيْ خاطِيِينَ الصَّوابَ. ولَمّا التَقَطُوهُ، هَمُّوا بِقَتْلِهِ، وخافُوا أنْ يَكُونَ المَوْلُودَ الَّذِي يَحْذَرُونَ زَوالَ مُلْكِهِمْ عَلى يَدَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ في قَلْبِ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، ونَقَلُوا أنَّها رَأتْ نُورًا في التّابُوتِ، وتَسَهَّلَ عَلَيْها فَتْحُهُ بَعْدَ تَعَسُّرِ فَتْحِهِ عَلى يَدَيْ غَيْرِها، وأنَّ بِنْتَ فِرْعَوْنَ أحَبَّتْهُ أيْضًا لِبُرْئِها مِن دائِها الَّذِي كانَ بِها، وهو البَرَصُ، بِإخْبارِ مَن أخْبَرَ أنَّهُ لا يُبْرِئُها إلّا رِيقُ إنْسانٍ يُوجَدُ في تابُوتٍ في البَحْرِ. وقُرَّةُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو قُرَّةُ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾؛ وتَقَدَّمَ شَرْحُ ”قُرَّةُ“ في آخِرِ الفُرْقانِ. وذُكِرَ أنَّها لَمّا قالَتْ لِفِرْعَوْنَ: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ قالَ: لَكِ لا لِي. ورُوِيَ أنَّها قالَتْ لَهُ: لَعَلَّهُ مِن قَوْمٍ آخَرِينَ لَيْسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأتْبَعَتِ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِهِ بِرَجائِها أنْ يَنْفَعَهم لِظُهُورِ مَخايِلِ الخَيْرِ فِيهِ مِنَ النُّورِ الَّذِي رَأتْهُ، ومِن بُرْءِ البَرَصِ، أوْ يَتَّخِذُوهُ ولَدًا، فَإنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ. ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ الَّذِي يَفْسُدُ مُلْكُهم عَلى يَدَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ أوْ أنِّي أفْعَلُ ما أُرِيدُ لا ما يُرِيدُونَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ. والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - وقِيلَ: هو مِن كَلامِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، أيْ قالَتْ ذَلِكَ لِفِرْعَوْنَ، والَّذِينَ أشارُوا بِقَتْلِهِ لا يَشْعُرُونَ بِمَقالَتِها لَهُ واسْتِعْطافِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ، لِئَلّا يُغْرُوهُ بِقَتْلِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ و﴿قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ﴾ كَذا ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ في التِقاطِهِ ورَجاءِ النَّفْعِ مِنهُ وتَبَنِّيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ الآيَةَ، جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ واقِعَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى خَطَئِهِمْ. انْتَهى. ومَتى أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ كانَ أحْسَنَ.

القصص 28:10

﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ . ﴿وأصْبَحَ﴾ أيْ صارَ فارِغًا مِنَ العَقْلِ، وذَلِكَ حِينَ بَلَغَها أنَّهُ وقَعَ في يَدِ فِرْعَوْنَ، فَدَهَمَها أمْرٌ مِثْلُهُ لا يَثْبُتُ مَعَهُ العَقْلُ، لا سِيَّما عَقْلُ امْرَأةٍ خافَتْ عَلى ولَدِها حَتّى طَرَحَتْهُ في اليَمِّ، رَجاءَ نَجاتِهِ مِنَ الذَّبْحِ؛ هَذا مَعَ الوَحْيِ إلَيْها أنَّ اللَّهَ يَرُدُّهُ إلَيْها ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، ومَعَ ذَلِكَ فَطاشَ لُبُّها وغَلَبَ عَلَيْها ما يَغْلِبُ عَلى البَشَرِ عِنْدَ مُفاجَأةِ الخَطْبِ العَظِيمِ، ثُمَّ اسْتَكانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَوْعُودِ اللَّهِ. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو ”فُوادُ“: بِالواوِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى. وقالَ مالِكٌ: هو ذَهابُ العَقْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِن وعْدِ اللَّهِ ووَحْيِهِ إلَيْها، (p-١٠٧)تَناسَتْهُ مِنَ الهَمِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ، إذْ لَمْ يَغْرَقْ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وتُبْعِدُهُ القِراءاتُ الشَّواذُّ الَّتِي في اللَّفْظَةِ. وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، والحَسَنُ، ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ، وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: فَزِعًا، بِالزّايِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِنَ الفَزَعِ، وهو الخَوْفُ والقَلَقُ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: قَرِعًا، بِالقافِ وكَسْرِ الرّاءِ وإسْكانِها، مِن قَرَعَ رَأْسُهُ، إذا انْحَسَرَ شَعْرُهُ، كَأنَّهُ خَلا مَن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى. وقِيلَ: قَرْعًا، بِالسُّكُونِ، مَصْدَرٌ، أيْ يَقْرَعُ قَرْعًا مِنَ القارِعَةِ، وهي الهَمُّ العَظِيمُ. وقَرَأ بَعْضُ الصَّحابَةِ: فِزْغًا، بِالفاءِ مَكْسُورَةٍ وسُكُونِ الزّايِ والغَيْنِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا هَدَرًا تالِفًا مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ. ومِنهُ قَوْلُ طُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ في أخِيهِ حِبالٍ: ؎فَإنْ يَكُ قَتْلى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهم فَلَنْ تَذْهَبُوا فِزْغًا بِقَتْلِ حِبالِ أيْ: بِقَتْلِ حِبالٍ فِزْغًا، أيْ هَدَرًا لا يُطْلَبُ لَهُ بِثَأْرٍ ولا يُؤْخَذُ. وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: فُرُغًا، بِضَمِّ الفاءِ والرّاءِ. ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ هي إنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقِيلَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وهَذا قَوْلٌ كُوفِيٌّ، والإبْداءُ: إظْهارُ الشَّيْءِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في بِهِ عائِدٌ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، أيْ: لَتُظْهِرُهُ. وقِيلَ: مَفْعُولُ تُبْدِي مَحْذُوفٌ، أيْ لَتُبْدِي القَوْلَ بِهِ، أيْ بِسَبَبِهِ وأنَّهُ ولَدُها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِلْوَحْيِ، أيْ لَتُبْدِي بِالوَحْيِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كادَتْ تَصِيحُ عِنْدَ إلْقائِهِ في البَحْرِ وا ابْناهُ. وقِيلَ: عِنْدَ رُؤْيَتِها تَلاطُمَ الأمْواجِ بِهِ ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ . قالَ قَتادَةُ: بِالإيمانِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالعِصْمَةِ. وقالَ الصّادِقُ: بِاليَقِينِ. وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: بِالوَحْيِ، و﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . فَعَلْنا ذَلِكَ، أيِ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ كِنايَةٌ عَنْ قَرارِهِ واطْمِئْنانِهِ، شُبِّهَ بِما يُرْبَطُ مَخافَةَ الِانْفِلاتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ: وأصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا مِنَ الهَمِّ حِينَ سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ. ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي﴾ بِأنَّهُ ولَدُها؛ لِأنَّها لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها فَرَحًا وسُرُورًا بِما سَمِعَتْ، لَوْلا أنّا طَمْأنّا قَلْبَها وسَكَّنّا قَلَقَهُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ والِابْتِهاجِ. ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ وتَعَطُّفِهِ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَجْوِيزِ كَوْنِهِ فارِغًا مِنَ الهَمِّ إلى آخِرِهِ، خِلافُ ما فَهِمَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الآيَةِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ وهَذا تَشْبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] . ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ طَمَعًا مِنها في التَّعَرُّفِ بِحالِهِ. ﴿قُصِّيهِ﴾ أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ وتَتَبَّعِي خَبَرَهُ. فَرُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ مُخْتَفِيَةً، فَرَأتْهُ عِنْدَ قَوْمٍ مِن حاشِيَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَتَطَلَّبُونَ لَهُ امْرَأةً تُرْضِعُهُ، حِينَ لَمْ يَقْبَلِ المَراضِعَ، واسْمُ أُخْتِهِ مَرْيَمُ، وقِيلَ: كَلْثَمَةُ، وقِيلَ: كُلْثُومٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فَقَصَّتْ أثَرَهُ. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أيْ أبْصَرَتْهُ؛ ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ عَنْ بُعْدٍ؛ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِتَطَلُّبِها لَهُ ولا بِإبْصارِها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ شَوْقٍ إلَيْهِ، حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وقالَ: هي لُغَةُ جُذامٍ، يَقُولُونَ: جَنَبْتُ إلَيْكَ: اشْتَقْتُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ”جُنُبٍ“ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ عَنْ مَكانٍ جُنُبٍ، يُرِيدُ: بَعِيدًا. وقِيلَ: عَنْ جانِبٍ؛ لِأنَّها كانَتْ تَمْشِي عَلى الشَّطِّ، وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّها تَقُصُّ. وقِيلَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّها أُخْتُهُ. وقِيلَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَنْ جُنُبٍ، بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”فَبَصَرَتْ“ بِفَتْحِ الصّادِ؛ وعِيسى: بِكَسْرِها. وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”جَنْبٍ“، بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ. وعَنْ قَتادَةَ: بِفَتْحِهِما أيْضًا. وعَنِ الحَسَنِ: بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ النُّونِ. وقَرَأ النُّعْمانُ بْنُ سالِمٍ: عَنْ جانِبٍ، والجَنْبُ والجانِبُ والجَنابَةُ والجَنابُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى ”عَنْ جُنُبٍ“: أنَّها تَنْظُرُ إلَيْهِ كَأنَّها لا تُرِيدُهُ. والتَّحْرِيمُ هُنا بِمَعْنى المَنعِ، أيْ مَنَعْناهُ أنْ يَرْضَعَ ثَدْيَ امْرَأةٍ؛ والمَراضِعُ جَمْعُ (p-١٠٨)مُرْضِعٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ؛ أوْ جَمْعُ مَرْضَعٍ، وهو مَوْضِعُ الرَّضاعِ، وهو الثَّدْيُ، أوِ الإرْضاعُ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ أمْرِهِ. وقِيلَ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ وإتْيانِهِ عَلى مَن هو عِنْدَهُ. ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ أيْ أُرْشِدُكم إلى ﴿أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ فِيهِمْ شَفَقَةٌ ورَحْمَةٌ لِمَن يَكْفُلُونَهُ وحُسْنُ تَرْبِيَةٍ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ أنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مِنَ المُرْضِعاتِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لَهُ عائِدٌ عَلى مُوسى. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلِكِ الَّذِي كانَ الطِّفْلُ في ظاهِرِ أمْرِهِ مِن جُمْلَتِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَأوَّلَ القَوْمُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلطِّفْلِ فَقالُوا لَها: إنَّكِ قَدْ عَرَفْتِيهِ، فَأخْبِرِينا مَن هو ؟ فَقالَتْ: ما أرَدْتُ، إلّا أنَّهم ناصِحُونَ لِلْمَلِكِ، فَتَخَلَّصَتْ مِنهم بِهَذا التَّأْوِيلِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَرَّتْ بِهِمْ إلى أُمِّهِ، فَكَلَّمُوها في إرْضاعِهِ؛ أوْ فَجاءَتْ بِأُمِّهِ إلَيْهِمْ، فَكَلَّمُوها في شَأْنِهِ، فَأرْضَعَتْهُ، فالتَقَمَ ثَدْيَها. ويُرْوى أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لَها: ما سَبَبُ قَبُولِ هَذا الطِّفْلِ ثَدْيَكِ، وقَدْ أبى كُلَّ ثَدْيٍ ؟ فَقالَتْ: إنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ، طَيِّبَةُ اللَّبَنِ، لا أُوتى بِصَبِيٍّ إلّا قَبِلَنِي، فَدَفَعَهُ إلَيْها، وذَهَبَتْ بِهِ إلى بَيْتِها، وأجْرى لَها كُلَّ يَوْمٍ دِينارًا. وجازَ لَها أخْذُهُ؛ لِأنَّهُ مالُ حَرْبِيٍّ، فَهو مُباحٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ أُجْرَةَ رَضاعٍ. ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ [القصص: ٧] ودَمْعُ الفَرَحِ بارِدٌ، وعَيْنُ المَهْمُومِ حَرّى سَخِينَةٌ، وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎فَأمّا عُيُونُ العاشِقِينَ فَأُسْخِنَتْ ∗∗∗ وأمّا عُيُونُ الشّامِتِينَ فَقَرَّتِ لَمّا أنْجَزَ - تَعالى - وعْدَهُ في الرَّدِّ، ثَبَتَ عِنْدَها أنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا رَسُولًا. ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ. ولا يَعْلَمُونَ، أيْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَهم مُرْتابُونَ فِيهِ؛ أوْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّدَّ إنَّما كانَ لِعِلْمِها بِصِدْقِ وعْدِ اللَّهِ. ”ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ“ بِأنَّ الرَّدَّ كانَ لِذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ دَلالَةٌ عَلى ضَعْفِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الإيحاءَ إلَيْها كانَ إلْهامًا أوْ مَنامًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ فِيهِ وعْدٌ. وقَوْلُهُ: ”ولِتَعْلَمَ“ وُقُوعَ ذَلِكَ فَهو عِلْمُ مُشاهَدَةٍ؛ إذْ كانَتْ عالِمَةً أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، وأكْثَرُهم هُمُ القِبْطُ، ولا يَعْلَمُونَ سِرَّ القَضاءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا يَعْلَمُونَ مَصالِحَهم وصَلاحَ عَواقِبِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا، ومُقاتِلٌ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَها رَدَّهُ إلَيْها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ إلى ﴿المُحْسِنِينَ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

القصص 28:11

﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ . ﴿وأصْبَحَ﴾ أيْ صارَ فارِغًا مِنَ العَقْلِ، وذَلِكَ حِينَ بَلَغَها أنَّهُ وقَعَ في يَدِ فِرْعَوْنَ، فَدَهَمَها أمْرٌ مِثْلُهُ لا يَثْبُتُ مَعَهُ العَقْلُ، لا سِيَّما عَقْلُ امْرَأةٍ خافَتْ عَلى ولَدِها حَتّى طَرَحَتْهُ في اليَمِّ، رَجاءَ نَجاتِهِ مِنَ الذَّبْحِ؛ هَذا مَعَ الوَحْيِ إلَيْها أنَّ اللَّهَ يَرُدُّهُ إلَيْها ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، ومَعَ ذَلِكَ فَطاشَ لُبُّها وغَلَبَ عَلَيْها ما يَغْلِبُ عَلى البَشَرِ عِنْدَ مُفاجَأةِ الخَطْبِ العَظِيمِ، ثُمَّ اسْتَكانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَوْعُودِ اللَّهِ. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو ”فُوادُ“: بِالواوِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى. وقالَ مالِكٌ: هو ذَهابُ العَقْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِن وعْدِ اللَّهِ ووَحْيِهِ إلَيْها، (p-١٠٧)تَناسَتْهُ مِنَ الهَمِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ، إذْ لَمْ يَغْرَقْ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وتُبْعِدُهُ القِراءاتُ الشَّواذُّ الَّتِي في اللَّفْظَةِ. وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، والحَسَنُ، ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ، وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: فَزِعًا، بِالزّايِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِنَ الفَزَعِ، وهو الخَوْفُ والقَلَقُ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: قَرِعًا، بِالقافِ وكَسْرِ الرّاءِ وإسْكانِها، مِن قَرَعَ رَأْسُهُ، إذا انْحَسَرَ شَعْرُهُ، كَأنَّهُ خَلا مَن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى. وقِيلَ: قَرْعًا، بِالسُّكُونِ، مَصْدَرٌ، أيْ يَقْرَعُ قَرْعًا مِنَ القارِعَةِ، وهي الهَمُّ العَظِيمُ. وقَرَأ بَعْضُ الصَّحابَةِ: فِزْغًا، بِالفاءِ مَكْسُورَةٍ وسُكُونِ الزّايِ والغَيْنِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا هَدَرًا تالِفًا مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ. ومِنهُ قَوْلُ طُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ في أخِيهِ حِبالٍ: ؎فَإنْ يَكُ قَتْلى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهم فَلَنْ تَذْهَبُوا فِزْغًا بِقَتْلِ حِبالِ أيْ: بِقَتْلِ حِبالٍ فِزْغًا، أيْ هَدَرًا لا يُطْلَبُ لَهُ بِثَأْرٍ ولا يُؤْخَذُ. وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: فُرُغًا، بِضَمِّ الفاءِ والرّاءِ. ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ هي إنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقِيلَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وهَذا قَوْلٌ كُوفِيٌّ، والإبْداءُ: إظْهارُ الشَّيْءِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في بِهِ عائِدٌ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، أيْ: لَتُظْهِرُهُ. وقِيلَ: مَفْعُولُ تُبْدِي مَحْذُوفٌ، أيْ لَتُبْدِي القَوْلَ بِهِ، أيْ بِسَبَبِهِ وأنَّهُ ولَدُها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِلْوَحْيِ، أيْ لَتُبْدِي بِالوَحْيِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كادَتْ تَصِيحُ عِنْدَ إلْقائِهِ في البَحْرِ وا ابْناهُ. وقِيلَ: عِنْدَ رُؤْيَتِها تَلاطُمَ الأمْواجِ بِهِ ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ . قالَ قَتادَةُ: بِالإيمانِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالعِصْمَةِ. وقالَ الصّادِقُ: بِاليَقِينِ. وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: بِالوَحْيِ، و﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . فَعَلْنا ذَلِكَ، أيِ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ كِنايَةٌ عَنْ قَرارِهِ واطْمِئْنانِهِ، شُبِّهَ بِما يُرْبَطُ مَخافَةَ الِانْفِلاتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ: وأصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا مِنَ الهَمِّ حِينَ سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ. ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي﴾ بِأنَّهُ ولَدُها؛ لِأنَّها لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها فَرَحًا وسُرُورًا بِما سَمِعَتْ، لَوْلا أنّا طَمْأنّا قَلْبَها وسَكَّنّا قَلَقَهُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ والِابْتِهاجِ. ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ وتَعَطُّفِهِ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَجْوِيزِ كَوْنِهِ فارِغًا مِنَ الهَمِّ إلى آخِرِهِ، خِلافُ ما فَهِمَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الآيَةِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ وهَذا تَشْبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] . ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ طَمَعًا مِنها في التَّعَرُّفِ بِحالِهِ. ﴿قُصِّيهِ﴾ أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ وتَتَبَّعِي خَبَرَهُ. فَرُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ مُخْتَفِيَةً، فَرَأتْهُ عِنْدَ قَوْمٍ مِن حاشِيَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَتَطَلَّبُونَ لَهُ امْرَأةً تُرْضِعُهُ، حِينَ لَمْ يَقْبَلِ المَراضِعَ، واسْمُ أُخْتِهِ مَرْيَمُ، وقِيلَ: كَلْثَمَةُ، وقِيلَ: كُلْثُومٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فَقَصَّتْ أثَرَهُ. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أيْ أبْصَرَتْهُ؛ ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ عَنْ بُعْدٍ؛ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِتَطَلُّبِها لَهُ ولا بِإبْصارِها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ شَوْقٍ إلَيْهِ، حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وقالَ: هي لُغَةُ جُذامٍ، يَقُولُونَ: جَنَبْتُ إلَيْكَ: اشْتَقْتُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ”جُنُبٍ“ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ عَنْ مَكانٍ جُنُبٍ، يُرِيدُ: بَعِيدًا. وقِيلَ: عَنْ جانِبٍ؛ لِأنَّها كانَتْ تَمْشِي عَلى الشَّطِّ، وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّها تَقُصُّ. وقِيلَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّها أُخْتُهُ. وقِيلَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَنْ جُنُبٍ، بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”فَبَصَرَتْ“ بِفَتْحِ الصّادِ؛ وعِيسى: بِكَسْرِها. وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”جَنْبٍ“، بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ. وعَنْ قَتادَةَ: بِفَتْحِهِما أيْضًا. وعَنِ الحَسَنِ: بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ النُّونِ. وقَرَأ النُّعْمانُ بْنُ سالِمٍ: عَنْ جانِبٍ، والجَنْبُ والجانِبُ والجَنابَةُ والجَنابُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى ”عَنْ جُنُبٍ“: أنَّها تَنْظُرُ إلَيْهِ كَأنَّها لا تُرِيدُهُ. والتَّحْرِيمُ هُنا بِمَعْنى المَنعِ، أيْ مَنَعْناهُ أنْ يَرْضَعَ ثَدْيَ امْرَأةٍ؛ والمَراضِعُ جَمْعُ (p-١٠٨)مُرْضِعٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ؛ أوْ جَمْعُ مَرْضَعٍ، وهو مَوْضِعُ الرَّضاعِ، وهو الثَّدْيُ، أوِ الإرْضاعُ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ أمْرِهِ. وقِيلَ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ وإتْيانِهِ عَلى مَن هو عِنْدَهُ. ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ أيْ أُرْشِدُكم إلى ﴿أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ فِيهِمْ شَفَقَةٌ ورَحْمَةٌ لِمَن يَكْفُلُونَهُ وحُسْنُ تَرْبِيَةٍ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ أنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مِنَ المُرْضِعاتِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لَهُ عائِدٌ عَلى مُوسى. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلِكِ الَّذِي كانَ الطِّفْلُ في ظاهِرِ أمْرِهِ مِن جُمْلَتِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَأوَّلَ القَوْمُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلطِّفْلِ فَقالُوا لَها: إنَّكِ قَدْ عَرَفْتِيهِ، فَأخْبِرِينا مَن هو ؟ فَقالَتْ: ما أرَدْتُ، إلّا أنَّهم ناصِحُونَ لِلْمَلِكِ، فَتَخَلَّصَتْ مِنهم بِهَذا التَّأْوِيلِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَرَّتْ بِهِمْ إلى أُمِّهِ، فَكَلَّمُوها في إرْضاعِهِ؛ أوْ فَجاءَتْ بِأُمِّهِ إلَيْهِمْ، فَكَلَّمُوها في شَأْنِهِ، فَأرْضَعَتْهُ، فالتَقَمَ ثَدْيَها. ويُرْوى أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لَها: ما سَبَبُ قَبُولِ هَذا الطِّفْلِ ثَدْيَكِ، وقَدْ أبى كُلَّ ثَدْيٍ ؟ فَقالَتْ: إنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ، طَيِّبَةُ اللَّبَنِ، لا أُوتى بِصَبِيٍّ إلّا قَبِلَنِي، فَدَفَعَهُ إلَيْها، وذَهَبَتْ بِهِ إلى بَيْتِها، وأجْرى لَها كُلَّ يَوْمٍ دِينارًا. وجازَ لَها أخْذُهُ؛ لِأنَّهُ مالُ حَرْبِيٍّ، فَهو مُباحٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ أُجْرَةَ رَضاعٍ. ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ [القصص: ٧] ودَمْعُ الفَرَحِ بارِدٌ، وعَيْنُ المَهْمُومِ حَرّى سَخِينَةٌ، وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎فَأمّا عُيُونُ العاشِقِينَ فَأُسْخِنَتْ ∗∗∗ وأمّا عُيُونُ الشّامِتِينَ فَقَرَّتِ لَمّا أنْجَزَ - تَعالى - وعْدَهُ في الرَّدِّ، ثَبَتَ عِنْدَها أنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا رَسُولًا. ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ. ولا يَعْلَمُونَ، أيْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَهم مُرْتابُونَ فِيهِ؛ أوْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّدَّ إنَّما كانَ لِعِلْمِها بِصِدْقِ وعْدِ اللَّهِ. ”ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ“ بِأنَّ الرَّدَّ كانَ لِذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ دَلالَةٌ عَلى ضَعْفِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الإيحاءَ إلَيْها كانَ إلْهامًا أوْ مَنامًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ فِيهِ وعْدٌ. وقَوْلُهُ: ”ولِتَعْلَمَ“ وُقُوعَ ذَلِكَ فَهو عِلْمُ مُشاهَدَةٍ؛ إذْ كانَتْ عالِمَةً أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، وأكْثَرُهم هُمُ القِبْطُ، ولا يَعْلَمُونَ سِرَّ القَضاءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا يَعْلَمُونَ مَصالِحَهم وصَلاحَ عَواقِبِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا، ومُقاتِلٌ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَها رَدَّهُ إلَيْها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ إلى ﴿المُحْسِنِينَ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

القصص 28:12

﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ . ﴿وأصْبَحَ﴾ أيْ صارَ فارِغًا مِنَ العَقْلِ، وذَلِكَ حِينَ بَلَغَها أنَّهُ وقَعَ في يَدِ فِرْعَوْنَ، فَدَهَمَها أمْرٌ مِثْلُهُ لا يَثْبُتُ مَعَهُ العَقْلُ، لا سِيَّما عَقْلُ امْرَأةٍ خافَتْ عَلى ولَدِها حَتّى طَرَحَتْهُ في اليَمِّ، رَجاءَ نَجاتِهِ مِنَ الذَّبْحِ؛ هَذا مَعَ الوَحْيِ إلَيْها أنَّ اللَّهَ يَرُدُّهُ إلَيْها ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، ومَعَ ذَلِكَ فَطاشَ لُبُّها وغَلَبَ عَلَيْها ما يَغْلِبُ عَلى البَشَرِ عِنْدَ مُفاجَأةِ الخَطْبِ العَظِيمِ، ثُمَّ اسْتَكانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَوْعُودِ اللَّهِ. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو ”فُوادُ“: بِالواوِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى. وقالَ مالِكٌ: هو ذَهابُ العَقْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِن وعْدِ اللَّهِ ووَحْيِهِ إلَيْها، (p-١٠٧)تَناسَتْهُ مِنَ الهَمِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ، إذْ لَمْ يَغْرَقْ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وتُبْعِدُهُ القِراءاتُ الشَّواذُّ الَّتِي في اللَّفْظَةِ. وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، والحَسَنُ، ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ، وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: فَزِعًا، بِالزّايِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِنَ الفَزَعِ، وهو الخَوْفُ والقَلَقُ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: قَرِعًا، بِالقافِ وكَسْرِ الرّاءِ وإسْكانِها، مِن قَرَعَ رَأْسُهُ، إذا انْحَسَرَ شَعْرُهُ، كَأنَّهُ خَلا مَن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى. وقِيلَ: قَرْعًا، بِالسُّكُونِ، مَصْدَرٌ، أيْ يَقْرَعُ قَرْعًا مِنَ القارِعَةِ، وهي الهَمُّ العَظِيمُ. وقَرَأ بَعْضُ الصَّحابَةِ: فِزْغًا، بِالفاءِ مَكْسُورَةٍ وسُكُونِ الزّايِ والغَيْنِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا هَدَرًا تالِفًا مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ. ومِنهُ قَوْلُ طُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ في أخِيهِ حِبالٍ: ؎فَإنْ يَكُ قَتْلى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهم فَلَنْ تَذْهَبُوا فِزْغًا بِقَتْلِ حِبالِ أيْ: بِقَتْلِ حِبالٍ فِزْغًا، أيْ هَدَرًا لا يُطْلَبُ لَهُ بِثَأْرٍ ولا يُؤْخَذُ. وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: فُرُغًا، بِضَمِّ الفاءِ والرّاءِ. ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ هي إنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقِيلَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وهَذا قَوْلٌ كُوفِيٌّ، والإبْداءُ: إظْهارُ الشَّيْءِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في بِهِ عائِدٌ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، أيْ: لَتُظْهِرُهُ. وقِيلَ: مَفْعُولُ تُبْدِي مَحْذُوفٌ، أيْ لَتُبْدِي القَوْلَ بِهِ، أيْ بِسَبَبِهِ وأنَّهُ ولَدُها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِلْوَحْيِ، أيْ لَتُبْدِي بِالوَحْيِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كادَتْ تَصِيحُ عِنْدَ إلْقائِهِ في البَحْرِ وا ابْناهُ. وقِيلَ: عِنْدَ رُؤْيَتِها تَلاطُمَ الأمْواجِ بِهِ ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ . قالَ قَتادَةُ: بِالإيمانِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالعِصْمَةِ. وقالَ الصّادِقُ: بِاليَقِينِ. وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: بِالوَحْيِ، و﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . فَعَلْنا ذَلِكَ، أيِ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ كِنايَةٌ عَنْ قَرارِهِ واطْمِئْنانِهِ، شُبِّهَ بِما يُرْبَطُ مَخافَةَ الِانْفِلاتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ: وأصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا مِنَ الهَمِّ حِينَ سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ. ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي﴾ بِأنَّهُ ولَدُها؛ لِأنَّها لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها فَرَحًا وسُرُورًا بِما سَمِعَتْ، لَوْلا أنّا طَمْأنّا قَلْبَها وسَكَّنّا قَلَقَهُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ والِابْتِهاجِ. ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ وتَعَطُّفِهِ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَجْوِيزِ كَوْنِهِ فارِغًا مِنَ الهَمِّ إلى آخِرِهِ، خِلافُ ما فَهِمَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الآيَةِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ وهَذا تَشْبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] . ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ طَمَعًا مِنها في التَّعَرُّفِ بِحالِهِ. ﴿قُصِّيهِ﴾ أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ وتَتَبَّعِي خَبَرَهُ. فَرُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ مُخْتَفِيَةً، فَرَأتْهُ عِنْدَ قَوْمٍ مِن حاشِيَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَتَطَلَّبُونَ لَهُ امْرَأةً تُرْضِعُهُ، حِينَ لَمْ يَقْبَلِ المَراضِعَ، واسْمُ أُخْتِهِ مَرْيَمُ، وقِيلَ: كَلْثَمَةُ، وقِيلَ: كُلْثُومٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فَقَصَّتْ أثَرَهُ. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أيْ أبْصَرَتْهُ؛ ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ عَنْ بُعْدٍ؛ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِتَطَلُّبِها لَهُ ولا بِإبْصارِها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ شَوْقٍ إلَيْهِ، حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وقالَ: هي لُغَةُ جُذامٍ، يَقُولُونَ: جَنَبْتُ إلَيْكَ: اشْتَقْتُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ”جُنُبٍ“ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ عَنْ مَكانٍ جُنُبٍ، يُرِيدُ: بَعِيدًا. وقِيلَ: عَنْ جانِبٍ؛ لِأنَّها كانَتْ تَمْشِي عَلى الشَّطِّ، وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّها تَقُصُّ. وقِيلَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّها أُخْتُهُ. وقِيلَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَنْ جُنُبٍ، بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”فَبَصَرَتْ“ بِفَتْحِ الصّادِ؛ وعِيسى: بِكَسْرِها. وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”جَنْبٍ“، بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ. وعَنْ قَتادَةَ: بِفَتْحِهِما أيْضًا. وعَنِ الحَسَنِ: بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ النُّونِ. وقَرَأ النُّعْمانُ بْنُ سالِمٍ: عَنْ جانِبٍ، والجَنْبُ والجانِبُ والجَنابَةُ والجَنابُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى ”عَنْ جُنُبٍ“: أنَّها تَنْظُرُ إلَيْهِ كَأنَّها لا تُرِيدُهُ. والتَّحْرِيمُ هُنا بِمَعْنى المَنعِ، أيْ مَنَعْناهُ أنْ يَرْضَعَ ثَدْيَ امْرَأةٍ؛ والمَراضِعُ جَمْعُ (p-١٠٨)مُرْضِعٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ؛ أوْ جَمْعُ مَرْضَعٍ، وهو مَوْضِعُ الرَّضاعِ، وهو الثَّدْيُ، أوِ الإرْضاعُ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ أمْرِهِ. وقِيلَ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ وإتْيانِهِ عَلى مَن هو عِنْدَهُ. ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ أيْ أُرْشِدُكم إلى ﴿أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ فِيهِمْ شَفَقَةٌ ورَحْمَةٌ لِمَن يَكْفُلُونَهُ وحُسْنُ تَرْبِيَةٍ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ أنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مِنَ المُرْضِعاتِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لَهُ عائِدٌ عَلى مُوسى. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلِكِ الَّذِي كانَ الطِّفْلُ في ظاهِرِ أمْرِهِ مِن جُمْلَتِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَأوَّلَ القَوْمُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلطِّفْلِ فَقالُوا لَها: إنَّكِ قَدْ عَرَفْتِيهِ، فَأخْبِرِينا مَن هو ؟ فَقالَتْ: ما أرَدْتُ، إلّا أنَّهم ناصِحُونَ لِلْمَلِكِ، فَتَخَلَّصَتْ مِنهم بِهَذا التَّأْوِيلِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَرَّتْ بِهِمْ إلى أُمِّهِ، فَكَلَّمُوها في إرْضاعِهِ؛ أوْ فَجاءَتْ بِأُمِّهِ إلَيْهِمْ، فَكَلَّمُوها في شَأْنِهِ، فَأرْضَعَتْهُ، فالتَقَمَ ثَدْيَها. ويُرْوى أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لَها: ما سَبَبُ قَبُولِ هَذا الطِّفْلِ ثَدْيَكِ، وقَدْ أبى كُلَّ ثَدْيٍ ؟ فَقالَتْ: إنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ، طَيِّبَةُ اللَّبَنِ، لا أُوتى بِصَبِيٍّ إلّا قَبِلَنِي، فَدَفَعَهُ إلَيْها، وذَهَبَتْ بِهِ إلى بَيْتِها، وأجْرى لَها كُلَّ يَوْمٍ دِينارًا. وجازَ لَها أخْذُهُ؛ لِأنَّهُ مالُ حَرْبِيٍّ، فَهو مُباحٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ أُجْرَةَ رَضاعٍ. ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ [القصص: ٧] ودَمْعُ الفَرَحِ بارِدٌ، وعَيْنُ المَهْمُومِ حَرّى سَخِينَةٌ، وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎فَأمّا عُيُونُ العاشِقِينَ فَأُسْخِنَتْ ∗∗∗ وأمّا عُيُونُ الشّامِتِينَ فَقَرَّتِ لَمّا أنْجَزَ - تَعالى - وعْدَهُ في الرَّدِّ، ثَبَتَ عِنْدَها أنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا رَسُولًا. ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ. ولا يَعْلَمُونَ، أيْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَهم مُرْتابُونَ فِيهِ؛ أوْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّدَّ إنَّما كانَ لِعِلْمِها بِصِدْقِ وعْدِ اللَّهِ. ”ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ“ بِأنَّ الرَّدَّ كانَ لِذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ دَلالَةٌ عَلى ضَعْفِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الإيحاءَ إلَيْها كانَ إلْهامًا أوْ مَنامًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ فِيهِ وعْدٌ. وقَوْلُهُ: ”ولِتَعْلَمَ“ وُقُوعَ ذَلِكَ فَهو عِلْمُ مُشاهَدَةٍ؛ إذْ كانَتْ عالِمَةً أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، وأكْثَرُهم هُمُ القِبْطُ، ولا يَعْلَمُونَ سِرَّ القَضاءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا يَعْلَمُونَ مَصالِحَهم وصَلاحَ عَواقِبِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا، ومُقاتِلٌ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَها رَدَّهُ إلَيْها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ إلى ﴿المُحْسِنِينَ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

القصص 28:13

﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ . ﴿وأصْبَحَ﴾ أيْ صارَ فارِغًا مِنَ العَقْلِ، وذَلِكَ حِينَ بَلَغَها أنَّهُ وقَعَ في يَدِ فِرْعَوْنَ، فَدَهَمَها أمْرٌ مِثْلُهُ لا يَثْبُتُ مَعَهُ العَقْلُ، لا سِيَّما عَقْلُ امْرَأةٍ خافَتْ عَلى ولَدِها حَتّى طَرَحَتْهُ في اليَمِّ، رَجاءَ نَجاتِهِ مِنَ الذَّبْحِ؛ هَذا مَعَ الوَحْيِ إلَيْها أنَّ اللَّهَ يَرُدُّهُ إلَيْها ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، ومَعَ ذَلِكَ فَطاشَ لُبُّها وغَلَبَ عَلَيْها ما يَغْلِبُ عَلى البَشَرِ عِنْدَ مُفاجَأةِ الخَطْبِ العَظِيمِ، ثُمَّ اسْتَكانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَوْعُودِ اللَّهِ. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو ”فُوادُ“: بِالواوِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى. وقالَ مالِكٌ: هو ذَهابُ العَقْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِن وعْدِ اللَّهِ ووَحْيِهِ إلَيْها، (p-١٠٧)تَناسَتْهُ مِنَ الهَمِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ، إذْ لَمْ يَغْرَقْ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وتُبْعِدُهُ القِراءاتُ الشَّواذُّ الَّتِي في اللَّفْظَةِ. وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، والحَسَنُ، ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ، وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: فَزِعًا، بِالزّايِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِنَ الفَزَعِ، وهو الخَوْفُ والقَلَقُ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: قَرِعًا، بِالقافِ وكَسْرِ الرّاءِ وإسْكانِها، مِن قَرَعَ رَأْسُهُ، إذا انْحَسَرَ شَعْرُهُ، كَأنَّهُ خَلا مَن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى. وقِيلَ: قَرْعًا، بِالسُّكُونِ، مَصْدَرٌ، أيْ يَقْرَعُ قَرْعًا مِنَ القارِعَةِ، وهي الهَمُّ العَظِيمُ. وقَرَأ بَعْضُ الصَّحابَةِ: فِزْغًا، بِالفاءِ مَكْسُورَةٍ وسُكُونِ الزّايِ والغَيْنِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا هَدَرًا تالِفًا مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ. ومِنهُ قَوْلُ طُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ في أخِيهِ حِبالٍ: ؎فَإنْ يَكُ قَتْلى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهم فَلَنْ تَذْهَبُوا فِزْغًا بِقَتْلِ حِبالِ أيْ: بِقَتْلِ حِبالٍ فِزْغًا، أيْ هَدَرًا لا يُطْلَبُ لَهُ بِثَأْرٍ ولا يُؤْخَذُ. وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: فُرُغًا، بِضَمِّ الفاءِ والرّاءِ. ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ هي إنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقِيلَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وهَذا قَوْلٌ كُوفِيٌّ، والإبْداءُ: إظْهارُ الشَّيْءِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في بِهِ عائِدٌ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، أيْ: لَتُظْهِرُهُ. وقِيلَ: مَفْعُولُ تُبْدِي مَحْذُوفٌ، أيْ لَتُبْدِي القَوْلَ بِهِ، أيْ بِسَبَبِهِ وأنَّهُ ولَدُها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِلْوَحْيِ، أيْ لَتُبْدِي بِالوَحْيِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كادَتْ تَصِيحُ عِنْدَ إلْقائِهِ في البَحْرِ وا ابْناهُ. وقِيلَ: عِنْدَ رُؤْيَتِها تَلاطُمَ الأمْواجِ بِهِ ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ . قالَ قَتادَةُ: بِالإيمانِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالعِصْمَةِ. وقالَ الصّادِقُ: بِاليَقِينِ. وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: بِالوَحْيِ، و﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . فَعَلْنا ذَلِكَ، أيِ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ كِنايَةٌ عَنْ قَرارِهِ واطْمِئْنانِهِ، شُبِّهَ بِما يُرْبَطُ مَخافَةَ الِانْفِلاتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ: وأصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا مِنَ الهَمِّ حِينَ سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ. ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي﴾ بِأنَّهُ ولَدُها؛ لِأنَّها لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها فَرَحًا وسُرُورًا بِما سَمِعَتْ، لَوْلا أنّا طَمْأنّا قَلْبَها وسَكَّنّا قَلَقَهُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ والِابْتِهاجِ. ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ وتَعَطُّفِهِ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَجْوِيزِ كَوْنِهِ فارِغًا مِنَ الهَمِّ إلى آخِرِهِ، خِلافُ ما فَهِمَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الآيَةِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ وهَذا تَشْبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] . ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ طَمَعًا مِنها في التَّعَرُّفِ بِحالِهِ. ﴿قُصِّيهِ﴾ أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ وتَتَبَّعِي خَبَرَهُ. فَرُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ مُخْتَفِيَةً، فَرَأتْهُ عِنْدَ قَوْمٍ مِن حاشِيَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَتَطَلَّبُونَ لَهُ امْرَأةً تُرْضِعُهُ، حِينَ لَمْ يَقْبَلِ المَراضِعَ، واسْمُ أُخْتِهِ مَرْيَمُ، وقِيلَ: كَلْثَمَةُ، وقِيلَ: كُلْثُومٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فَقَصَّتْ أثَرَهُ. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أيْ أبْصَرَتْهُ؛ ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ عَنْ بُعْدٍ؛ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِتَطَلُّبِها لَهُ ولا بِإبْصارِها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ شَوْقٍ إلَيْهِ، حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وقالَ: هي لُغَةُ جُذامٍ، يَقُولُونَ: جَنَبْتُ إلَيْكَ: اشْتَقْتُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ”جُنُبٍ“ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ عَنْ مَكانٍ جُنُبٍ، يُرِيدُ: بَعِيدًا. وقِيلَ: عَنْ جانِبٍ؛ لِأنَّها كانَتْ تَمْشِي عَلى الشَّطِّ، وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّها تَقُصُّ. وقِيلَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّها أُخْتُهُ. وقِيلَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَنْ جُنُبٍ، بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”فَبَصَرَتْ“ بِفَتْحِ الصّادِ؛ وعِيسى: بِكَسْرِها. وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”جَنْبٍ“، بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ. وعَنْ قَتادَةَ: بِفَتْحِهِما أيْضًا. وعَنِ الحَسَنِ: بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ النُّونِ. وقَرَأ النُّعْمانُ بْنُ سالِمٍ: عَنْ جانِبٍ، والجَنْبُ والجانِبُ والجَنابَةُ والجَنابُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى ”عَنْ جُنُبٍ“: أنَّها تَنْظُرُ إلَيْهِ كَأنَّها لا تُرِيدُهُ. والتَّحْرِيمُ هُنا بِمَعْنى المَنعِ، أيْ مَنَعْناهُ أنْ يَرْضَعَ ثَدْيَ امْرَأةٍ؛ والمَراضِعُ جَمْعُ (p-١٠٨)مُرْضِعٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ؛ أوْ جَمْعُ مَرْضَعٍ، وهو مَوْضِعُ الرَّضاعِ، وهو الثَّدْيُ، أوِ الإرْضاعُ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ أمْرِهِ. وقِيلَ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ وإتْيانِهِ عَلى مَن هو عِنْدَهُ. ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ أيْ أُرْشِدُكم إلى ﴿أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ فِيهِمْ شَفَقَةٌ ورَحْمَةٌ لِمَن يَكْفُلُونَهُ وحُسْنُ تَرْبِيَةٍ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ أنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مِنَ المُرْضِعاتِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لَهُ عائِدٌ عَلى مُوسى. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلِكِ الَّذِي كانَ الطِّفْلُ في ظاهِرِ أمْرِهِ مِن جُمْلَتِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَأوَّلَ القَوْمُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلطِّفْلِ فَقالُوا لَها: إنَّكِ قَدْ عَرَفْتِيهِ، فَأخْبِرِينا مَن هو ؟ فَقالَتْ: ما أرَدْتُ، إلّا أنَّهم ناصِحُونَ لِلْمَلِكِ، فَتَخَلَّصَتْ مِنهم بِهَذا التَّأْوِيلِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَرَّتْ بِهِمْ إلى أُمِّهِ، فَكَلَّمُوها في إرْضاعِهِ؛ أوْ فَجاءَتْ بِأُمِّهِ إلَيْهِمْ، فَكَلَّمُوها في شَأْنِهِ، فَأرْضَعَتْهُ، فالتَقَمَ ثَدْيَها. ويُرْوى أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لَها: ما سَبَبُ قَبُولِ هَذا الطِّفْلِ ثَدْيَكِ، وقَدْ أبى كُلَّ ثَدْيٍ ؟ فَقالَتْ: إنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ، طَيِّبَةُ اللَّبَنِ، لا أُوتى بِصَبِيٍّ إلّا قَبِلَنِي، فَدَفَعَهُ إلَيْها، وذَهَبَتْ بِهِ إلى بَيْتِها، وأجْرى لَها كُلَّ يَوْمٍ دِينارًا. وجازَ لَها أخْذُهُ؛ لِأنَّهُ مالُ حَرْبِيٍّ، فَهو مُباحٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ أُجْرَةَ رَضاعٍ. ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ [القصص: ٧] ودَمْعُ الفَرَحِ بارِدٌ، وعَيْنُ المَهْمُومِ حَرّى سَخِينَةٌ، وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎فَأمّا عُيُونُ العاشِقِينَ فَأُسْخِنَتْ ∗∗∗ وأمّا عُيُونُ الشّامِتِينَ فَقَرَّتِ لَمّا أنْجَزَ - تَعالى - وعْدَهُ في الرَّدِّ، ثَبَتَ عِنْدَها أنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا رَسُولًا. ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ. ولا يَعْلَمُونَ، أيْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَهم مُرْتابُونَ فِيهِ؛ أوْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّدَّ إنَّما كانَ لِعِلْمِها بِصِدْقِ وعْدِ اللَّهِ. ”ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ“ بِأنَّ الرَّدَّ كانَ لِذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ دَلالَةٌ عَلى ضَعْفِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الإيحاءَ إلَيْها كانَ إلْهامًا أوْ مَنامًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ فِيهِ وعْدٌ. وقَوْلُهُ: ”ولِتَعْلَمَ“ وُقُوعَ ذَلِكَ فَهو عِلْمُ مُشاهَدَةٍ؛ إذْ كانَتْ عالِمَةً أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، وأكْثَرُهم هُمُ القِبْطُ، ولا يَعْلَمُونَ سِرَّ القَضاءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا يَعْلَمُونَ مَصالِحَهم وصَلاحَ عَواقِبِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا، ومُقاتِلٌ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَها رَدَّهُ إلَيْها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ إلى ﴿المُحْسِنِينَ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

القصص 28:14

﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ . ﴿وأصْبَحَ﴾ أيْ صارَ فارِغًا مِنَ العَقْلِ، وذَلِكَ حِينَ بَلَغَها أنَّهُ وقَعَ في يَدِ فِرْعَوْنَ، فَدَهَمَها أمْرٌ مِثْلُهُ لا يَثْبُتُ مَعَهُ العَقْلُ، لا سِيَّما عَقْلُ امْرَأةٍ خافَتْ عَلى ولَدِها حَتّى طَرَحَتْهُ في اليَمِّ، رَجاءَ نَجاتِهِ مِنَ الذَّبْحِ؛ هَذا مَعَ الوَحْيِ إلَيْها أنَّ اللَّهَ يَرُدُّهُ إلَيْها ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، ومَعَ ذَلِكَ فَطاشَ لُبُّها وغَلَبَ عَلَيْها ما يَغْلِبُ عَلى البَشَرِ عِنْدَ مُفاجَأةِ الخَطْبِ العَظِيمِ، ثُمَّ اسْتَكانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَوْعُودِ اللَّهِ. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو ”فُوادُ“: بِالواوِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى. وقالَ مالِكٌ: هو ذَهابُ العَقْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَّبْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِن وعْدِ اللَّهِ ووَحْيِهِ إلَيْها، (p-١٠٧)تَناسَتْهُ مِنَ الهَمِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ، إذْ لَمْ يَغْرَقْ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وتُبْعِدُهُ القِراءاتُ الشَّواذُّ الَّتِي في اللَّفْظَةِ. وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، والحَسَنُ، ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ، وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: فَزِعًا، بِالزّايِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، مِنَ الفَزَعِ، وهو الخَوْفُ والقَلَقُ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: قَرِعًا، بِالقافِ وكَسْرِ الرّاءِ وإسْكانِها، مِن قَرَعَ رَأْسُهُ، إذا انْحَسَرَ شَعْرُهُ، كَأنَّهُ خَلا مَن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى. وقِيلَ: قَرْعًا، بِالسُّكُونِ، مَصْدَرٌ، أيْ يَقْرَعُ قَرْعًا مِنَ القارِعَةِ، وهي الهَمُّ العَظِيمُ. وقَرَأ بَعْضُ الصَّحابَةِ: فِزْغًا، بِالفاءِ مَكْسُورَةٍ وسُكُونِ الزّايِ والغَيْنِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا هَدَرًا تالِفًا مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ. ومِنهُ قَوْلُ طُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ في أخِيهِ حِبالٍ: ؎فَإنْ يَكُ قَتْلى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهم فَلَنْ تَذْهَبُوا فِزْغًا بِقَتْلِ حِبالِ أيْ: بِقَتْلِ حِبالٍ فِزْغًا، أيْ هَدَرًا لا يُطْلَبُ لَهُ بِثَأْرٍ ولا يُؤْخَذُ. وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: فُرُغًا، بِضَمِّ الفاءِ والرّاءِ. ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ هي إنِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقِيلَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وهَذا قَوْلٌ كُوفِيٌّ، والإبْداءُ: إظْهارُ الشَّيْءِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في بِهِ عائِدٌ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، أيْ: لَتُظْهِرُهُ. وقِيلَ: مَفْعُولُ تُبْدِي مَحْذُوفٌ، أيْ لَتُبْدِي القَوْلَ بِهِ، أيْ بِسَبَبِهِ وأنَّهُ ولَدُها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ لِلْوَحْيِ، أيْ لَتُبْدِي بِالوَحْيِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كادَتْ تَصِيحُ عِنْدَ إلْقائِهِ في البَحْرِ وا ابْناهُ. وقِيلَ: عِنْدَ رُؤْيَتِها تَلاطُمَ الأمْواجِ بِهِ ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ . قالَ قَتادَةُ: بِالإيمانِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالعِصْمَةِ. وقالَ الصّادِقُ: بِاليَقِينِ. وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: بِالوَحْيِ، و﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . فَعَلْنا ذَلِكَ، أيِ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ كِنايَةٌ عَنْ قَرارِهِ واطْمِئْنانِهِ، شُبِّهَ بِما يُرْبَطُ مَخافَةَ الِانْفِلاتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ: وأصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا مِنَ الهَمِّ حِينَ سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ. ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي﴾ بِأنَّهُ ولَدُها؛ لِأنَّها لَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها فَرَحًا وسُرُورًا بِما سَمِعَتْ، لَوْلا أنّا طَمْأنّا قَلْبَها وسَكَّنّا قَلَقَهُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ والِابْتِهاجِ. ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ وتَعَطُّفِهِ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَجْوِيزِ كَوْنِهِ فارِغًا مِنَ الهَمِّ إلى آخِرِهِ، خِلافُ ما فَهِمَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الآيَةِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ وهَذا تَشْبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] . ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ طَمَعًا مِنها في التَّعَرُّفِ بِحالِهِ. ﴿قُصِّيهِ﴾ أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ وتَتَبَّعِي خَبَرَهُ. فَرُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ مُخْتَفِيَةً، فَرَأتْهُ عِنْدَ قَوْمٍ مِن حاشِيَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَتَطَلَّبُونَ لَهُ امْرَأةً تُرْضِعُهُ، حِينَ لَمْ يَقْبَلِ المَراضِعَ، واسْمُ أُخْتِهِ مَرْيَمُ، وقِيلَ: كَلْثَمَةُ، وقِيلَ: كُلْثُومٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ فَقَصَّتْ أثَرَهُ. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أيْ أبْصَرَتْهُ؛ ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ عَنْ بُعْدٍ؛ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِتَطَلُّبِها لَهُ ولا بِإبْصارِها. وقِيلَ: مَعْنى ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ شَوْقٍ إلَيْهِ، حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وقالَ: هي لُغَةُ جُذامٍ، يَقُولُونَ: جَنَبْتُ إلَيْكَ: اشْتَقْتُ. وقالَ الكِرْمانِيُّ: ”جُنُبٍ“ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ عَنْ مَكانٍ جُنُبٍ، يُرِيدُ: بَعِيدًا. وقِيلَ: عَنْ جانِبٍ؛ لِأنَّها كانَتْ تَمْشِي عَلى الشَّطِّ، وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّها تَقُصُّ. وقِيلَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّها أُخْتُهُ. وقِيلَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَنْ جُنُبٍ، بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأ قَتادَةُ: ”فَبَصَرَتْ“ بِفَتْحِ الصّادِ؛ وعِيسى: بِكَسْرِها. وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”جَنْبٍ“، بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ. وعَنْ قَتادَةَ: بِفَتْحِهِما أيْضًا. وعَنِ الحَسَنِ: بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ النُّونِ. وقَرَأ النُّعْمانُ بْنُ سالِمٍ: عَنْ جانِبٍ، والجَنْبُ والجانِبُ والجَنابَةُ والجَنابُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى ”عَنْ جُنُبٍ“: أنَّها تَنْظُرُ إلَيْهِ كَأنَّها لا تُرِيدُهُ. والتَّحْرِيمُ هُنا بِمَعْنى المَنعِ، أيْ مَنَعْناهُ أنْ يَرْضَعَ ثَدْيَ امْرَأةٍ؛ والمَراضِعُ جَمْعُ (p-١٠٨)مُرْضِعٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ؛ أوْ جَمْعُ مَرْضَعٍ، وهو مَوْضِعُ الرَّضاعِ، وهو الثَّدْيُ، أوِ الإرْضاعُ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن أوَّلِ أمْرِهِ. وقِيلَ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ وإتْيانِهِ عَلى مَن هو عِنْدَهُ. ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ أيْ أُرْشِدُكم إلى ﴿أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ فِيهِمْ شَفَقَةٌ ورَحْمَةٌ لِمَن يَكْفُلُونَهُ وحُسْنُ تَرْبِيَةٍ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ أنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مِنَ المُرْضِعاتِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لَهُ عائِدٌ عَلى مُوسى. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلِكِ الَّذِي كانَ الطِّفْلُ في ظاهِرِ أمْرِهِ مِن جُمْلَتِهِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تَأوَّلَ القَوْمُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلطِّفْلِ فَقالُوا لَها: إنَّكِ قَدْ عَرَفْتِيهِ، فَأخْبِرِينا مَن هو ؟ فَقالَتْ: ما أرَدْتُ، إلّا أنَّهم ناصِحُونَ لِلْمَلِكِ، فَتَخَلَّصَتْ مِنهم بِهَذا التَّأْوِيلِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَرَّتْ بِهِمْ إلى أُمِّهِ، فَكَلَّمُوها في إرْضاعِهِ؛ أوْ فَجاءَتْ بِأُمِّهِ إلَيْهِمْ، فَكَلَّمُوها في شَأْنِهِ، فَأرْضَعَتْهُ، فالتَقَمَ ثَدْيَها. ويُرْوى أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لَها: ما سَبَبُ قَبُولِ هَذا الطِّفْلِ ثَدْيَكِ، وقَدْ أبى كُلَّ ثَدْيٍ ؟ فَقالَتْ: إنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ، طَيِّبَةُ اللَّبَنِ، لا أُوتى بِصَبِيٍّ إلّا قَبِلَنِي، فَدَفَعَهُ إلَيْها، وذَهَبَتْ بِهِ إلى بَيْتِها، وأجْرى لَها كُلَّ يَوْمٍ دِينارًا. وجازَ لَها أخْذُهُ؛ لِأنَّهُ مالُ حَرْبِيٍّ، فَهو مُباحٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ أُجْرَةَ رَضاعٍ. ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ [القصص: ٧] ودَمْعُ الفَرَحِ بارِدٌ، وعَيْنُ المَهْمُومِ حَرّى سَخِينَةٌ، وقالَ أبُو تَمّامٍ: ؎فَأمّا عُيُونُ العاشِقِينَ فَأُسْخِنَتْ ∗∗∗ وأمّا عُيُونُ الشّامِتِينَ فَقَرَّتِ لَمّا أنْجَزَ - تَعالى - وعْدَهُ في الرَّدِّ، ثَبَتَ عِنْدَها أنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا رَسُولًا. ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ. ولا يَعْلَمُونَ، أيْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَهم مُرْتابُونَ فِيهِ؛ أوْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّدَّ إنَّما كانَ لِعِلْمِها بِصِدْقِ وعْدِ اللَّهِ. ”ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ“ بِأنَّ الرَّدَّ كانَ لِذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ دَلالَةٌ عَلى ضَعْفِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الإيحاءَ إلَيْها كانَ إلْهامًا أوْ مَنامًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ فِيهِ وعْدٌ. وقَوْلُهُ: ”ولِتَعْلَمَ“ وُقُوعَ ذَلِكَ فَهو عِلْمُ مُشاهَدَةٍ؛ إذْ كانَتْ عالِمَةً أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، وأكْثَرُهم هُمُ القِبْطُ، ولا يَعْلَمُونَ سِرَّ القَضاءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا يَعْلَمُونَ مَصالِحَهم وصَلاحَ عَواقِبِهِمْ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا، ومُقاتِلٌ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَها رَدَّهُ إلَيْها، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ إلى ﴿المُحْسِنِينَ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

القصص 28:15

﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . (p-١٠٩)(المَدِينَةَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنفُ. رَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وسارَ إلَيْها، فَعَلِمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِرُكُوبِهِ، فَلَحِقَ بِتِلْكَ المَدِينَةِ في وقْتِ القائِلَةِ، وعَنْهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: المَدِينَةُ مِصْرُ بِنَفْسِها، وكانَ مُوسى قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَرَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فاخْتَفى وخافَ، فَدَخَلَها مُتَنَكِّرًا حَذِرًا مُتَغَفِّلًا لِلنّاسِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أخْرَجَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَغابَ عَنْها سِنِينَ، فَنَسِيَ، فَجاءَ والنّاسُ في غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لَهُ وبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ. وقِيلَ: كانَ يَوْمَ عِيدٍ، وهم مَشْغُولُونَ بِلَهْوِهِمْ. وقِيلَ: خَرَجَ مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ ودَخَلَ مِصْرَ. وقِيلَ: المَدِينَةُ عَيْنُ شَمْسٍ. وقِيلَ: قَرْيَةٌ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن مِصْرَ يُقالُ لَها حابِينَ. وقِيلَ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ. وقَرَأ أبُو طالِبٍ القارِئُ: ﴿عَلى حِينَ﴾ بِنَصْبِ نُونِ حِينَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى المَصْدَرَ مَجْرى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: عَلى حِينَ غَفَلَ أهْلُها، فَبَناهُ كَما بَناهُ حِينَ أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِفِعْلٍ ماضٍ، كَقَوْلِهِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: يَقَتِّلانِ. بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ ونَقْلِ فَتْحَتِها إلى القافِ. قِيلَ: كانا يَقْتَتِلانِ في الدِّينِ، إذْ أحَدُهُما إسْرائِيلِيٌّ مُؤْمِنٌ والآخَرُ قِبْطِيٌّ. وقِيلَ: يَقْتَتِلانِ، في أنْ كُلِّفَ القِبْطِيُّ حَمْلَ الحَطَبِ إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ عَلى ظَهْرِ الإسْرائِيلِيِّ، و”يَقْتَتِلانِ“ صِفَةٌ لِـ ”رَجُلَيْنِ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَقْتَتِلانِ في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ. ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهو الإسْرائِيلِيُّ. قِيلَ: وهو السّامِرِيُّ، وهَذا مِن عَدُوِّهِ، أيْ مِنَ القِبْطِ. وقِيلَ: اسْمُهُ فاتُونُ، وهَذا حِكايَةُ حالٍ، وقَدْ كانا حاضِرَيْنِ حالَةَ وُجْدانِ مُوسى لَهُما، أوْ لِحِكايَةِ الحالِ، عُبِّرَ عَنْ غائِبٍ ماضٍ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي هو مَوْضُوعٌ لِلْحاضِرِ. وقالَ المُبَرِّدُ: العَرَبُ تُشِيرُ بِهَذا إلى الغائِبِ. قالَ جَرِيرٌ: ؎هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَةٌ ∗∗∗ لَوْ شِئْتُ ساقَكم إلَيَّ قَطِينا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ أيْ طَلَبِ غَوْثَهُ ونَصْرَهُ عَلى القِبْطِيِّ. وقَرَأ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ: بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ بَدَلَ الثّاءِ، أيْ طَلَبِ مِنهُ الإعانَةَ عَلى القِبْطِيِّ. قالَ أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبارَةَ: والِاخْتِيارُ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ؛ لِأنَّ الإعانَةَ أوْلى في هَذا البابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَها الأخْفَشُ، وهي تَصْحِيفٌ لا قِراءَةٌ. انْتَهى. ولَيْسَتْ تَصْحِيفًا، فَقَدْ نَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ جُبارَةَ عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ والزَّعْفَرانِيِّ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ التَّناكُرُ بَيْنَهُما قالَ القِبْطِيُّ لِمُوسى: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أحْمِلَهُ عَلَيْكَ، يَعْنِي الحَطَبَ، فاشْتَدَّ غَضَبُ مُوسى، وكانَ قَدْ أُوتِيَ قُوَّةً ﴿فَوَكَزَهُ﴾ فَماتَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”فَلَكَزَهُ“، بِاللّامِ، وعَنْهُ: ”فَنَكَزَهُ“، بِالنُّونِ. قالَ قَتادَةُ: وكَزَهُ بِعَصاهُ؛ وغَيْرُهُ قالَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ ﴿فَقَضى﴾ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى مُوسى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ فَقَضى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن وكَزَهُ، أيْ فَقَضى الوَكْزُ عَلَيْهِ، وكانَ مُوسى لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ، ولَكِنْ وافَقَتْ وكْزَتُهُ الأجَلَ، فَنَدِمَ مُوسى. ورُوِيَ أنَّهُ دَفَنَهُ في الرَّمْلِ وقالَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وهو ما لَحِقَهُ مِنَ الغَضَبِ حَتّى أدّى إلى الوَكْزَةِ الَّتِي قَضَتْ عَلى القِبْطِيِّ، وجَعَلَهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وسَمّاهُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ واسْتَغْفَرَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ أدّى إلى قَتْلِ مَن لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في قَتْلِهِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: لَيْسَ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ ما لَمْ يُؤْمَرْ. وقالَ كَعْبٌ: كانَ مُوسى إذْ ذاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَتْلُهُ خَطَأً، فَإنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ. وقالَ النَّقّاشُ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدِ انْتَهَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَهْجَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] . والباءُ في ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ لِلْقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ بِما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَأتُوبَنَّ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ (p-١١٠)المَغْفِرَةِ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ إنْ عَصَمْتَنِي ﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . وقِيلَ: ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ دُعاءٌ لا خَبَرٌ، ولَنْ بِمَعْنى لا في الدُّعاءِ، والصَّحِيحُ أنَّ لَنْ لا تَكُونُ في الدُّعاءِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ عَلى أنَّ لَنْ تَكُونُ في الدُّعاءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَنْ تَزالُوا كَذاكم ثُمَّ ما زِلْ ∗∗∗ تَ لَهم خالِدًا خُلُودَ الجِبالِ والمُظاهَرَةُ، إمّا بِصُحْبَتِهِ لِفِرْعَوْنَ وانْتِظامِهِ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ حَيْثُ كانَ يَرْكَبُ بِرُكُوبِهِ كالوَلَدِ مَعَ الوالِدِ، وكانَ يُسَمّى ابْنَ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنَّهُ أدَّتِ المُظاهَرَةُ إلى القَتْلِ الَّذِي جَرى عَلى يَدِهِ. وقِيلَ: بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَلَنْ أسْتَعْمِلَها إلّا في مُظاهَرَةِ أوْلِيائِكَ، ولا أدَعُ قِبْطِيًّا يَغْلِبُ إسْرائِيلِيًّا. واحْتَجَّ أهْلُ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَنعِ مَعُونَةِ أهْلِ الظُّلْمِ وخِدْمَتِهِمْ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُ. وقالَ رَجُلٌ لِعَطاءٍ: إنَّ أخِي يَضْرِبُ بِعِلْمِهِ ولا يَعْدُو رِزْقَهُ، قالَ: فَمَنِ الرَّأْسُ، يَعْنِي مَن يَكْتُبْ لَهُ ؟ قالَ: خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ، قالَ: فَأيْنَ قَوْلُ مُوسى ؟ وتَلا الآيَةَ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا﴾ مِن قِتْلِ القِبْطِيِّ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ، يَتَرَقَّبُ وُقُوعَ المَكْرُوهِ بِهِ أوِ الإخْبارَ هَلْ وقَفُوا عَلى ما كانَ مِنهُ ؟ قِيلَ: خائِفًا مِن أنَّهُ يَتَرَقَّبُ المَغْفِرَةَ. وقِيلَ: خائِفًا يَتَرَقَّبُ نُصْرَةَ رَبِّهِ، أوْ يَتَرَقَّبُ هِدايَةَ قَوْمِهِ، أوْ يَنْتَظِرُ أنْ يُسْلِمَهُ قَوْمُهُ. ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ قَتَلَ القِبْطِيَّ بِسَبَبِهِ. وإذا هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبِالأمْسِ يَعْنِي اليَوْمَ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِ الِاسْتِصْراخِ، وهو مُعْرَبٌ، فَحَرَكَةُ سِينِهِ حَرَكَةُ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ دَخَلَتْهُ ألْ، بِخِلافِ حالِهِ إذا عُرِّيَ مِنها، فالحِجازُ تَبْنِيهِ إذا كانَ مَعْرِفَةً، وتَمِيمٌ تَمْنَعُهُ الصَّرْفَ حالَةَ الرَّفْعِ فَقَطْ، ومِنهم مَن يَمْنَعُهُ الصَّرْفَ مُطْلَقًا، وقَدْ يُبْنى مَعَ ألْ عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي حَسِبْتُ اليَوْمَ والأمْسَ قَبْلَهُ ∗∗∗ إلى اللَّيْلِ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَصِيحُ بِهِ مُسْتَغِيثًا مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعُ الطَّنابِيبِ قالَ لَهُ مُوسى: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”لَهُ“ عائِدٌ عَلى الَّذِي ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ لِكَوْنِكَ كُنْتَ سَبَبًا في قَتْلِ القِبْطِيِّ بِالأمْسِ، قالَ لَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ العِتابِ والتَّأْنِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَهُ، والخِطابُ لِلْقِبْطِيِّ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَسْتَصْرِخُهُ، ولَمْ يَفْهَمِ الإسْرائِيلِيُّ أنَّ الخِطابَ لِلْقِبْطِيِّ. ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في أرادَ ويَبْطِشُ هو لِمُوسى. ﴿بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ لِلْمُسْتَصْرِخِ ومُوسى وهو القِبْطِيُّ يُوهِمُ الإسْرائِيلِيَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ هو عَلى سَبِيلِ إرادَةِ السُّوءِ بِهِ، وظَنَّ أنَّهُ يَسْطُو عَلَيْهِ. قالَ - أيِ الإسْرائِيلِيُّ -: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ دَفْعًا لِما ظَنَّهُ مِن سَطْوِ مُوسى عَلَيْهِ، وكانَ تَعْيِينُ القاتِلِ القِبْطِيِّ قَدْ خَفِيَ عَلى النّاسِ، فانْتَشَرَ في المَدِينَةِ أنَّ قاتِلَ القِبْطِيِّ هو مُوسى، ونَمى ذَلِكَ إلى فِرْعَوْنَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ مُوسى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”أرادَ“ و”يَبْطِشَ“ لِلْإسْرائِيلِيِّ عِنْدَ ذَلِكَ مِن مُوسى، وخاطَبَهُ بِما يَقْبُحُ، وأنَّ بَعْدَ ”لَمّا“ يَطَّرِدُ زِيادَتُها. وقِيلَ: لَوْ إذا سَبَقَ قَسَمٌ كَقَوْلِهِ: ؎فَأُقْسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنْتُمْ ∗∗∗ لَكانَ لَكم يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَبْطِشَ“، بِكَسْرِ الطّاءِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها. ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ وشَأْنُ الجَبّارِ أنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ، ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الجَبَرُوتِيَّةَ نَفى عَنْهُ الصَّلاحَ. ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ قِيلَ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ. قالَ الكَلْبِيُّ: واسْمُهُ جِبْرِيلُ بْنُ شَمْعُونَ. وقالَ الضَّحّاكُ: شَمْعُونُ بْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: هو غَيْرُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿يَسْعى﴾ يَشْتَدُّ في مَشْيِهِ. ولَمّا أمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، خَرَجَ الجَلاوِزَةُ (p-١١١)مِنَ الشّارِعِ الأعْظَمِ، لِطَلَبِهِ فَسَلَكَ هَذا الرَّجُلُ طَرِيقًا أقْرَبَ إلى مُوسى. و”مِن أقْصى المَدِينَةِ“، و”يَسْعى“: صِفَتانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَسْعى حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ مِن أقْصى بِـ ”جاءَ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا جَعَلَ، يَعْنِي، مِن أقْصى حالًا، لِـ ”جاءَ“ لَمْ يَجُزْ في ”يَسْعى“ إلّا الوَصْفُ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّ رَجُلًا يَكُونُ نَكِرَةً لَمْ تُوصَفْ، فَلا يَجُوزُ مِنها الحالُ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ مِن غَيْرِ وصْفٍ. قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ﴾ وهم وُجُوهُ أهْلِ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ يَتَشاوَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ، وهو النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: ؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَوْلِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وائْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] . ﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ . ولَكَ: مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ، أيْ ناصِحٌ لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ، أيْ لَكَ أعْنِي، أوْ بِالنّاصِحِينَ، وإنْ كانَ في صِلَةِ ألْ، لِأنَّهُ يُتَسامَحُ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِهِما. وهي ثَلاثَةُ أقْوالٍ لِلنَّحْوِيِّينَ فِيما أشْبَهَ هَذا، فامْتَثَلَ مُوسى ما أمَرَهُ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وعَلِمَ صِدْقَهُ ونُصْحَهُ، وخَرَجَ وقَدْ أفْلَتَ طالِبِيهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ. وكانَ مُوسى لا يَعْرِفُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، ولَمْ يَصْحَبْ أحَدًا، فَسَلَكَ مَجْهَلًا، واثِقًا بِاللَّهِ تَعالى، داعِيًا راغِبًا إلى رَبِّهِ في تَنْجِيَتِهِ مِنَ الظّالِمِينَ.

القصص 28:16

﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . (p-١٠٩)(المَدِينَةَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنفُ. رَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وسارَ إلَيْها، فَعَلِمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِرُكُوبِهِ، فَلَحِقَ بِتِلْكَ المَدِينَةِ في وقْتِ القائِلَةِ، وعَنْهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: المَدِينَةُ مِصْرُ بِنَفْسِها، وكانَ مُوسى قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَرَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فاخْتَفى وخافَ، فَدَخَلَها مُتَنَكِّرًا حَذِرًا مُتَغَفِّلًا لِلنّاسِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أخْرَجَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَغابَ عَنْها سِنِينَ، فَنَسِيَ، فَجاءَ والنّاسُ في غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لَهُ وبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ. وقِيلَ: كانَ يَوْمَ عِيدٍ، وهم مَشْغُولُونَ بِلَهْوِهِمْ. وقِيلَ: خَرَجَ مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ ودَخَلَ مِصْرَ. وقِيلَ: المَدِينَةُ عَيْنُ شَمْسٍ. وقِيلَ: قَرْيَةٌ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن مِصْرَ يُقالُ لَها حابِينَ. وقِيلَ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ. وقَرَأ أبُو طالِبٍ القارِئُ: ﴿عَلى حِينَ﴾ بِنَصْبِ نُونِ حِينَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى المَصْدَرَ مَجْرى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: عَلى حِينَ غَفَلَ أهْلُها، فَبَناهُ كَما بَناهُ حِينَ أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِفِعْلٍ ماضٍ، كَقَوْلِهِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: يَقَتِّلانِ. بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ ونَقْلِ فَتْحَتِها إلى القافِ. قِيلَ: كانا يَقْتَتِلانِ في الدِّينِ، إذْ أحَدُهُما إسْرائِيلِيٌّ مُؤْمِنٌ والآخَرُ قِبْطِيٌّ. وقِيلَ: يَقْتَتِلانِ، في أنْ كُلِّفَ القِبْطِيُّ حَمْلَ الحَطَبِ إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ عَلى ظَهْرِ الإسْرائِيلِيِّ، و”يَقْتَتِلانِ“ صِفَةٌ لِـ ”رَجُلَيْنِ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَقْتَتِلانِ في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ. ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهو الإسْرائِيلِيُّ. قِيلَ: وهو السّامِرِيُّ، وهَذا مِن عَدُوِّهِ، أيْ مِنَ القِبْطِ. وقِيلَ: اسْمُهُ فاتُونُ، وهَذا حِكايَةُ حالٍ، وقَدْ كانا حاضِرَيْنِ حالَةَ وُجْدانِ مُوسى لَهُما، أوْ لِحِكايَةِ الحالِ، عُبِّرَ عَنْ غائِبٍ ماضٍ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي هو مَوْضُوعٌ لِلْحاضِرِ. وقالَ المُبَرِّدُ: العَرَبُ تُشِيرُ بِهَذا إلى الغائِبِ. قالَ جَرِيرٌ: ؎هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَةٌ ∗∗∗ لَوْ شِئْتُ ساقَكم إلَيَّ قَطِينا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ أيْ طَلَبِ غَوْثَهُ ونَصْرَهُ عَلى القِبْطِيِّ. وقَرَأ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ: بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ بَدَلَ الثّاءِ، أيْ طَلَبِ مِنهُ الإعانَةَ عَلى القِبْطِيِّ. قالَ أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبارَةَ: والِاخْتِيارُ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ؛ لِأنَّ الإعانَةَ أوْلى في هَذا البابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَها الأخْفَشُ، وهي تَصْحِيفٌ لا قِراءَةٌ. انْتَهى. ولَيْسَتْ تَصْحِيفًا، فَقَدْ نَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ جُبارَةَ عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ والزَّعْفَرانِيِّ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ التَّناكُرُ بَيْنَهُما قالَ القِبْطِيُّ لِمُوسى: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أحْمِلَهُ عَلَيْكَ، يَعْنِي الحَطَبَ، فاشْتَدَّ غَضَبُ مُوسى، وكانَ قَدْ أُوتِيَ قُوَّةً ﴿فَوَكَزَهُ﴾ فَماتَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”فَلَكَزَهُ“، بِاللّامِ، وعَنْهُ: ”فَنَكَزَهُ“، بِالنُّونِ. قالَ قَتادَةُ: وكَزَهُ بِعَصاهُ؛ وغَيْرُهُ قالَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ ﴿فَقَضى﴾ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى مُوسى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ فَقَضى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن وكَزَهُ، أيْ فَقَضى الوَكْزُ عَلَيْهِ، وكانَ مُوسى لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ، ولَكِنْ وافَقَتْ وكْزَتُهُ الأجَلَ، فَنَدِمَ مُوسى. ورُوِيَ أنَّهُ دَفَنَهُ في الرَّمْلِ وقالَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وهو ما لَحِقَهُ مِنَ الغَضَبِ حَتّى أدّى إلى الوَكْزَةِ الَّتِي قَضَتْ عَلى القِبْطِيِّ، وجَعَلَهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وسَمّاهُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ واسْتَغْفَرَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ أدّى إلى قَتْلِ مَن لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في قَتْلِهِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: لَيْسَ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ ما لَمْ يُؤْمَرْ. وقالَ كَعْبٌ: كانَ مُوسى إذْ ذاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَتْلُهُ خَطَأً، فَإنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ. وقالَ النَّقّاشُ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدِ انْتَهَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَهْجَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] . والباءُ في ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ لِلْقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ بِما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَأتُوبَنَّ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ (p-١١٠)المَغْفِرَةِ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ إنْ عَصَمْتَنِي ﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . وقِيلَ: ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ دُعاءٌ لا خَبَرٌ، ولَنْ بِمَعْنى لا في الدُّعاءِ، والصَّحِيحُ أنَّ لَنْ لا تَكُونُ في الدُّعاءِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ عَلى أنَّ لَنْ تَكُونُ في الدُّعاءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَنْ تَزالُوا كَذاكم ثُمَّ ما زِلْ ∗∗∗ تَ لَهم خالِدًا خُلُودَ الجِبالِ والمُظاهَرَةُ، إمّا بِصُحْبَتِهِ لِفِرْعَوْنَ وانْتِظامِهِ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ حَيْثُ كانَ يَرْكَبُ بِرُكُوبِهِ كالوَلَدِ مَعَ الوالِدِ، وكانَ يُسَمّى ابْنَ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنَّهُ أدَّتِ المُظاهَرَةُ إلى القَتْلِ الَّذِي جَرى عَلى يَدِهِ. وقِيلَ: بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَلَنْ أسْتَعْمِلَها إلّا في مُظاهَرَةِ أوْلِيائِكَ، ولا أدَعُ قِبْطِيًّا يَغْلِبُ إسْرائِيلِيًّا. واحْتَجَّ أهْلُ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَنعِ مَعُونَةِ أهْلِ الظُّلْمِ وخِدْمَتِهِمْ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُ. وقالَ رَجُلٌ لِعَطاءٍ: إنَّ أخِي يَضْرِبُ بِعِلْمِهِ ولا يَعْدُو رِزْقَهُ، قالَ: فَمَنِ الرَّأْسُ، يَعْنِي مَن يَكْتُبْ لَهُ ؟ قالَ: خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ، قالَ: فَأيْنَ قَوْلُ مُوسى ؟ وتَلا الآيَةَ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا﴾ مِن قِتْلِ القِبْطِيِّ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ، يَتَرَقَّبُ وُقُوعَ المَكْرُوهِ بِهِ أوِ الإخْبارَ هَلْ وقَفُوا عَلى ما كانَ مِنهُ ؟ قِيلَ: خائِفًا مِن أنَّهُ يَتَرَقَّبُ المَغْفِرَةَ. وقِيلَ: خائِفًا يَتَرَقَّبُ نُصْرَةَ رَبِّهِ، أوْ يَتَرَقَّبُ هِدايَةَ قَوْمِهِ، أوْ يَنْتَظِرُ أنْ يُسْلِمَهُ قَوْمُهُ. ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ قَتَلَ القِبْطِيَّ بِسَبَبِهِ. وإذا هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبِالأمْسِ يَعْنِي اليَوْمَ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِ الِاسْتِصْراخِ، وهو مُعْرَبٌ، فَحَرَكَةُ سِينِهِ حَرَكَةُ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ دَخَلَتْهُ ألْ، بِخِلافِ حالِهِ إذا عُرِّيَ مِنها، فالحِجازُ تَبْنِيهِ إذا كانَ مَعْرِفَةً، وتَمِيمٌ تَمْنَعُهُ الصَّرْفَ حالَةَ الرَّفْعِ فَقَطْ، ومِنهم مَن يَمْنَعُهُ الصَّرْفَ مُطْلَقًا، وقَدْ يُبْنى مَعَ ألْ عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي حَسِبْتُ اليَوْمَ والأمْسَ قَبْلَهُ ∗∗∗ إلى اللَّيْلِ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَصِيحُ بِهِ مُسْتَغِيثًا مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعُ الطَّنابِيبِ قالَ لَهُ مُوسى: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”لَهُ“ عائِدٌ عَلى الَّذِي ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ لِكَوْنِكَ كُنْتَ سَبَبًا في قَتْلِ القِبْطِيِّ بِالأمْسِ، قالَ لَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ العِتابِ والتَّأْنِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَهُ، والخِطابُ لِلْقِبْطِيِّ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَسْتَصْرِخُهُ، ولَمْ يَفْهَمِ الإسْرائِيلِيُّ أنَّ الخِطابَ لِلْقِبْطِيِّ. ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في أرادَ ويَبْطِشُ هو لِمُوسى. ﴿بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ لِلْمُسْتَصْرِخِ ومُوسى وهو القِبْطِيُّ يُوهِمُ الإسْرائِيلِيَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ هو عَلى سَبِيلِ إرادَةِ السُّوءِ بِهِ، وظَنَّ أنَّهُ يَسْطُو عَلَيْهِ. قالَ - أيِ الإسْرائِيلِيُّ -: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ دَفْعًا لِما ظَنَّهُ مِن سَطْوِ مُوسى عَلَيْهِ، وكانَ تَعْيِينُ القاتِلِ القِبْطِيِّ قَدْ خَفِيَ عَلى النّاسِ، فانْتَشَرَ في المَدِينَةِ أنَّ قاتِلَ القِبْطِيِّ هو مُوسى، ونَمى ذَلِكَ إلى فِرْعَوْنَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ مُوسى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”أرادَ“ و”يَبْطِشَ“ لِلْإسْرائِيلِيِّ عِنْدَ ذَلِكَ مِن مُوسى، وخاطَبَهُ بِما يَقْبُحُ، وأنَّ بَعْدَ ”لَمّا“ يَطَّرِدُ زِيادَتُها. وقِيلَ: لَوْ إذا سَبَقَ قَسَمٌ كَقَوْلِهِ: ؎فَأُقْسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنْتُمْ ∗∗∗ لَكانَ لَكم يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَبْطِشَ“، بِكَسْرِ الطّاءِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها. ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ وشَأْنُ الجَبّارِ أنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ، ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الجَبَرُوتِيَّةَ نَفى عَنْهُ الصَّلاحَ. ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ قِيلَ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ. قالَ الكَلْبِيُّ: واسْمُهُ جِبْرِيلُ بْنُ شَمْعُونَ. وقالَ الضَّحّاكُ: شَمْعُونُ بْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: هو غَيْرُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿يَسْعى﴾ يَشْتَدُّ في مَشْيِهِ. ولَمّا أمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، خَرَجَ الجَلاوِزَةُ (p-١١١)مِنَ الشّارِعِ الأعْظَمِ، لِطَلَبِهِ فَسَلَكَ هَذا الرَّجُلُ طَرِيقًا أقْرَبَ إلى مُوسى. و”مِن أقْصى المَدِينَةِ“، و”يَسْعى“: صِفَتانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَسْعى حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ مِن أقْصى بِـ ”جاءَ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا جَعَلَ، يَعْنِي، مِن أقْصى حالًا، لِـ ”جاءَ“ لَمْ يَجُزْ في ”يَسْعى“ إلّا الوَصْفُ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّ رَجُلًا يَكُونُ نَكِرَةً لَمْ تُوصَفْ، فَلا يَجُوزُ مِنها الحالُ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ مِن غَيْرِ وصْفٍ. قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ﴾ وهم وُجُوهُ أهْلِ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ يَتَشاوَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ، وهو النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: ؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَوْلِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وائْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] . ﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ . ولَكَ: مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ، أيْ ناصِحٌ لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ، أيْ لَكَ أعْنِي، أوْ بِالنّاصِحِينَ، وإنْ كانَ في صِلَةِ ألْ، لِأنَّهُ يُتَسامَحُ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِهِما. وهي ثَلاثَةُ أقْوالٍ لِلنَّحْوِيِّينَ فِيما أشْبَهَ هَذا، فامْتَثَلَ مُوسى ما أمَرَهُ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وعَلِمَ صِدْقَهُ ونُصْحَهُ، وخَرَجَ وقَدْ أفْلَتَ طالِبِيهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ. وكانَ مُوسى لا يَعْرِفُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، ولَمْ يَصْحَبْ أحَدًا، فَسَلَكَ مَجْهَلًا، واثِقًا بِاللَّهِ تَعالى، داعِيًا راغِبًا إلى رَبِّهِ في تَنْجِيَتِهِ مِنَ الظّالِمِينَ.

القصص 28:17

﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . (p-١٠٩)(المَدِينَةَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنفُ. رَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وسارَ إلَيْها، فَعَلِمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِرُكُوبِهِ، فَلَحِقَ بِتِلْكَ المَدِينَةِ في وقْتِ القائِلَةِ، وعَنْهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: المَدِينَةُ مِصْرُ بِنَفْسِها، وكانَ مُوسى قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَرَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فاخْتَفى وخافَ، فَدَخَلَها مُتَنَكِّرًا حَذِرًا مُتَغَفِّلًا لِلنّاسِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أخْرَجَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَغابَ عَنْها سِنِينَ، فَنَسِيَ، فَجاءَ والنّاسُ في غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لَهُ وبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ. وقِيلَ: كانَ يَوْمَ عِيدٍ، وهم مَشْغُولُونَ بِلَهْوِهِمْ. وقِيلَ: خَرَجَ مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ ودَخَلَ مِصْرَ. وقِيلَ: المَدِينَةُ عَيْنُ شَمْسٍ. وقِيلَ: قَرْيَةٌ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن مِصْرَ يُقالُ لَها حابِينَ. وقِيلَ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ. وقَرَأ أبُو طالِبٍ القارِئُ: ﴿عَلى حِينَ﴾ بِنَصْبِ نُونِ حِينَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى المَصْدَرَ مَجْرى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: عَلى حِينَ غَفَلَ أهْلُها، فَبَناهُ كَما بَناهُ حِينَ أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِفِعْلٍ ماضٍ، كَقَوْلِهِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: يَقَتِّلانِ. بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ ونَقْلِ فَتْحَتِها إلى القافِ. قِيلَ: كانا يَقْتَتِلانِ في الدِّينِ، إذْ أحَدُهُما إسْرائِيلِيٌّ مُؤْمِنٌ والآخَرُ قِبْطِيٌّ. وقِيلَ: يَقْتَتِلانِ، في أنْ كُلِّفَ القِبْطِيُّ حَمْلَ الحَطَبِ إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ عَلى ظَهْرِ الإسْرائِيلِيِّ، و”يَقْتَتِلانِ“ صِفَةٌ لِـ ”رَجُلَيْنِ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَقْتَتِلانِ في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ. ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهو الإسْرائِيلِيُّ. قِيلَ: وهو السّامِرِيُّ، وهَذا مِن عَدُوِّهِ، أيْ مِنَ القِبْطِ. وقِيلَ: اسْمُهُ فاتُونُ، وهَذا حِكايَةُ حالٍ، وقَدْ كانا حاضِرَيْنِ حالَةَ وُجْدانِ مُوسى لَهُما، أوْ لِحِكايَةِ الحالِ، عُبِّرَ عَنْ غائِبٍ ماضٍ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي هو مَوْضُوعٌ لِلْحاضِرِ. وقالَ المُبَرِّدُ: العَرَبُ تُشِيرُ بِهَذا إلى الغائِبِ. قالَ جَرِيرٌ: ؎هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَةٌ ∗∗∗ لَوْ شِئْتُ ساقَكم إلَيَّ قَطِينا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ أيْ طَلَبِ غَوْثَهُ ونَصْرَهُ عَلى القِبْطِيِّ. وقَرَأ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ: بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ بَدَلَ الثّاءِ، أيْ طَلَبِ مِنهُ الإعانَةَ عَلى القِبْطِيِّ. قالَ أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبارَةَ: والِاخْتِيارُ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ؛ لِأنَّ الإعانَةَ أوْلى في هَذا البابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَها الأخْفَشُ، وهي تَصْحِيفٌ لا قِراءَةٌ. انْتَهى. ولَيْسَتْ تَصْحِيفًا، فَقَدْ نَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ جُبارَةَ عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ والزَّعْفَرانِيِّ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ التَّناكُرُ بَيْنَهُما قالَ القِبْطِيُّ لِمُوسى: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أحْمِلَهُ عَلَيْكَ، يَعْنِي الحَطَبَ، فاشْتَدَّ غَضَبُ مُوسى، وكانَ قَدْ أُوتِيَ قُوَّةً ﴿فَوَكَزَهُ﴾ فَماتَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”فَلَكَزَهُ“، بِاللّامِ، وعَنْهُ: ”فَنَكَزَهُ“، بِالنُّونِ. قالَ قَتادَةُ: وكَزَهُ بِعَصاهُ؛ وغَيْرُهُ قالَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ ﴿فَقَضى﴾ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى مُوسى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ فَقَضى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن وكَزَهُ، أيْ فَقَضى الوَكْزُ عَلَيْهِ، وكانَ مُوسى لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ، ولَكِنْ وافَقَتْ وكْزَتُهُ الأجَلَ، فَنَدِمَ مُوسى. ورُوِيَ أنَّهُ دَفَنَهُ في الرَّمْلِ وقالَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وهو ما لَحِقَهُ مِنَ الغَضَبِ حَتّى أدّى إلى الوَكْزَةِ الَّتِي قَضَتْ عَلى القِبْطِيِّ، وجَعَلَهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وسَمّاهُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ واسْتَغْفَرَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ أدّى إلى قَتْلِ مَن لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في قَتْلِهِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: لَيْسَ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ ما لَمْ يُؤْمَرْ. وقالَ كَعْبٌ: كانَ مُوسى إذْ ذاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَتْلُهُ خَطَأً، فَإنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ. وقالَ النَّقّاشُ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدِ انْتَهَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَهْجَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] . والباءُ في ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ لِلْقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ بِما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَأتُوبَنَّ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ (p-١١٠)المَغْفِرَةِ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ إنْ عَصَمْتَنِي ﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . وقِيلَ: ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ دُعاءٌ لا خَبَرٌ، ولَنْ بِمَعْنى لا في الدُّعاءِ، والصَّحِيحُ أنَّ لَنْ لا تَكُونُ في الدُّعاءِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ عَلى أنَّ لَنْ تَكُونُ في الدُّعاءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَنْ تَزالُوا كَذاكم ثُمَّ ما زِلْ ∗∗∗ تَ لَهم خالِدًا خُلُودَ الجِبالِ والمُظاهَرَةُ، إمّا بِصُحْبَتِهِ لِفِرْعَوْنَ وانْتِظامِهِ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ حَيْثُ كانَ يَرْكَبُ بِرُكُوبِهِ كالوَلَدِ مَعَ الوالِدِ، وكانَ يُسَمّى ابْنَ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنَّهُ أدَّتِ المُظاهَرَةُ إلى القَتْلِ الَّذِي جَرى عَلى يَدِهِ. وقِيلَ: بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَلَنْ أسْتَعْمِلَها إلّا في مُظاهَرَةِ أوْلِيائِكَ، ولا أدَعُ قِبْطِيًّا يَغْلِبُ إسْرائِيلِيًّا. واحْتَجَّ أهْلُ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَنعِ مَعُونَةِ أهْلِ الظُّلْمِ وخِدْمَتِهِمْ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُ. وقالَ رَجُلٌ لِعَطاءٍ: إنَّ أخِي يَضْرِبُ بِعِلْمِهِ ولا يَعْدُو رِزْقَهُ، قالَ: فَمَنِ الرَّأْسُ، يَعْنِي مَن يَكْتُبْ لَهُ ؟ قالَ: خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ، قالَ: فَأيْنَ قَوْلُ مُوسى ؟ وتَلا الآيَةَ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا﴾ مِن قِتْلِ القِبْطِيِّ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ، يَتَرَقَّبُ وُقُوعَ المَكْرُوهِ بِهِ أوِ الإخْبارَ هَلْ وقَفُوا عَلى ما كانَ مِنهُ ؟ قِيلَ: خائِفًا مِن أنَّهُ يَتَرَقَّبُ المَغْفِرَةَ. وقِيلَ: خائِفًا يَتَرَقَّبُ نُصْرَةَ رَبِّهِ، أوْ يَتَرَقَّبُ هِدايَةَ قَوْمِهِ، أوْ يَنْتَظِرُ أنْ يُسْلِمَهُ قَوْمُهُ. ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ قَتَلَ القِبْطِيَّ بِسَبَبِهِ. وإذا هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبِالأمْسِ يَعْنِي اليَوْمَ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِ الِاسْتِصْراخِ، وهو مُعْرَبٌ، فَحَرَكَةُ سِينِهِ حَرَكَةُ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ دَخَلَتْهُ ألْ، بِخِلافِ حالِهِ إذا عُرِّيَ مِنها، فالحِجازُ تَبْنِيهِ إذا كانَ مَعْرِفَةً، وتَمِيمٌ تَمْنَعُهُ الصَّرْفَ حالَةَ الرَّفْعِ فَقَطْ، ومِنهم مَن يَمْنَعُهُ الصَّرْفَ مُطْلَقًا، وقَدْ يُبْنى مَعَ ألْ عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي حَسِبْتُ اليَوْمَ والأمْسَ قَبْلَهُ ∗∗∗ إلى اللَّيْلِ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَصِيحُ بِهِ مُسْتَغِيثًا مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعُ الطَّنابِيبِ قالَ لَهُ مُوسى: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”لَهُ“ عائِدٌ عَلى الَّذِي ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ لِكَوْنِكَ كُنْتَ سَبَبًا في قَتْلِ القِبْطِيِّ بِالأمْسِ، قالَ لَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ العِتابِ والتَّأْنِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَهُ، والخِطابُ لِلْقِبْطِيِّ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَسْتَصْرِخُهُ، ولَمْ يَفْهَمِ الإسْرائِيلِيُّ أنَّ الخِطابَ لِلْقِبْطِيِّ. ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في أرادَ ويَبْطِشُ هو لِمُوسى. ﴿بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ لِلْمُسْتَصْرِخِ ومُوسى وهو القِبْطِيُّ يُوهِمُ الإسْرائِيلِيَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ هو عَلى سَبِيلِ إرادَةِ السُّوءِ بِهِ، وظَنَّ أنَّهُ يَسْطُو عَلَيْهِ. قالَ - أيِ الإسْرائِيلِيُّ -: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ دَفْعًا لِما ظَنَّهُ مِن سَطْوِ مُوسى عَلَيْهِ، وكانَ تَعْيِينُ القاتِلِ القِبْطِيِّ قَدْ خَفِيَ عَلى النّاسِ، فانْتَشَرَ في المَدِينَةِ أنَّ قاتِلَ القِبْطِيِّ هو مُوسى، ونَمى ذَلِكَ إلى فِرْعَوْنَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ مُوسى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”أرادَ“ و”يَبْطِشَ“ لِلْإسْرائِيلِيِّ عِنْدَ ذَلِكَ مِن مُوسى، وخاطَبَهُ بِما يَقْبُحُ، وأنَّ بَعْدَ ”لَمّا“ يَطَّرِدُ زِيادَتُها. وقِيلَ: لَوْ إذا سَبَقَ قَسَمٌ كَقَوْلِهِ: ؎فَأُقْسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنْتُمْ ∗∗∗ لَكانَ لَكم يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَبْطِشَ“، بِكَسْرِ الطّاءِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها. ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ وشَأْنُ الجَبّارِ أنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ، ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الجَبَرُوتِيَّةَ نَفى عَنْهُ الصَّلاحَ. ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ قِيلَ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ. قالَ الكَلْبِيُّ: واسْمُهُ جِبْرِيلُ بْنُ شَمْعُونَ. وقالَ الضَّحّاكُ: شَمْعُونُ بْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: هو غَيْرُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿يَسْعى﴾ يَشْتَدُّ في مَشْيِهِ. ولَمّا أمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، خَرَجَ الجَلاوِزَةُ (p-١١١)مِنَ الشّارِعِ الأعْظَمِ، لِطَلَبِهِ فَسَلَكَ هَذا الرَّجُلُ طَرِيقًا أقْرَبَ إلى مُوسى. و”مِن أقْصى المَدِينَةِ“، و”يَسْعى“: صِفَتانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَسْعى حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ مِن أقْصى بِـ ”جاءَ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا جَعَلَ، يَعْنِي، مِن أقْصى حالًا، لِـ ”جاءَ“ لَمْ يَجُزْ في ”يَسْعى“ إلّا الوَصْفُ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّ رَجُلًا يَكُونُ نَكِرَةً لَمْ تُوصَفْ، فَلا يَجُوزُ مِنها الحالُ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ مِن غَيْرِ وصْفٍ. قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ﴾ وهم وُجُوهُ أهْلِ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ يَتَشاوَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ، وهو النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: ؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَوْلِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وائْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] . ﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ . ولَكَ: مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ، أيْ ناصِحٌ لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ، أيْ لَكَ أعْنِي، أوْ بِالنّاصِحِينَ، وإنْ كانَ في صِلَةِ ألْ، لِأنَّهُ يُتَسامَحُ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِهِما. وهي ثَلاثَةُ أقْوالٍ لِلنَّحْوِيِّينَ فِيما أشْبَهَ هَذا، فامْتَثَلَ مُوسى ما أمَرَهُ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وعَلِمَ صِدْقَهُ ونُصْحَهُ، وخَرَجَ وقَدْ أفْلَتَ طالِبِيهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ. وكانَ مُوسى لا يَعْرِفُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، ولَمْ يَصْحَبْ أحَدًا، فَسَلَكَ مَجْهَلًا، واثِقًا بِاللَّهِ تَعالى، داعِيًا راغِبًا إلى رَبِّهِ في تَنْجِيَتِهِ مِنَ الظّالِمِينَ.

القصص 28:18

﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . (p-١٠٩)(المَدِينَةَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنفُ. رَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وسارَ إلَيْها، فَعَلِمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِرُكُوبِهِ، فَلَحِقَ بِتِلْكَ المَدِينَةِ في وقْتِ القائِلَةِ، وعَنْهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: المَدِينَةُ مِصْرُ بِنَفْسِها، وكانَ مُوسى قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَرَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فاخْتَفى وخافَ، فَدَخَلَها مُتَنَكِّرًا حَذِرًا مُتَغَفِّلًا لِلنّاسِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أخْرَجَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَغابَ عَنْها سِنِينَ، فَنَسِيَ، فَجاءَ والنّاسُ في غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لَهُ وبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ. وقِيلَ: كانَ يَوْمَ عِيدٍ، وهم مَشْغُولُونَ بِلَهْوِهِمْ. وقِيلَ: خَرَجَ مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ ودَخَلَ مِصْرَ. وقِيلَ: المَدِينَةُ عَيْنُ شَمْسٍ. وقِيلَ: قَرْيَةٌ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن مِصْرَ يُقالُ لَها حابِينَ. وقِيلَ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ. وقَرَأ أبُو طالِبٍ القارِئُ: ﴿عَلى حِينَ﴾ بِنَصْبِ نُونِ حِينَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى المَصْدَرَ مَجْرى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: عَلى حِينَ غَفَلَ أهْلُها، فَبَناهُ كَما بَناهُ حِينَ أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِفِعْلٍ ماضٍ، كَقَوْلِهِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: يَقَتِّلانِ. بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ ونَقْلِ فَتْحَتِها إلى القافِ. قِيلَ: كانا يَقْتَتِلانِ في الدِّينِ، إذْ أحَدُهُما إسْرائِيلِيٌّ مُؤْمِنٌ والآخَرُ قِبْطِيٌّ. وقِيلَ: يَقْتَتِلانِ، في أنْ كُلِّفَ القِبْطِيُّ حَمْلَ الحَطَبِ إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ عَلى ظَهْرِ الإسْرائِيلِيِّ، و”يَقْتَتِلانِ“ صِفَةٌ لِـ ”رَجُلَيْنِ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَقْتَتِلانِ في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ. ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهو الإسْرائِيلِيُّ. قِيلَ: وهو السّامِرِيُّ، وهَذا مِن عَدُوِّهِ، أيْ مِنَ القِبْطِ. وقِيلَ: اسْمُهُ فاتُونُ، وهَذا حِكايَةُ حالٍ، وقَدْ كانا حاضِرَيْنِ حالَةَ وُجْدانِ مُوسى لَهُما، أوْ لِحِكايَةِ الحالِ، عُبِّرَ عَنْ غائِبٍ ماضٍ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي هو مَوْضُوعٌ لِلْحاضِرِ. وقالَ المُبَرِّدُ: العَرَبُ تُشِيرُ بِهَذا إلى الغائِبِ. قالَ جَرِيرٌ: ؎هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَةٌ ∗∗∗ لَوْ شِئْتُ ساقَكم إلَيَّ قَطِينا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ أيْ طَلَبِ غَوْثَهُ ونَصْرَهُ عَلى القِبْطِيِّ. وقَرَأ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ: بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ بَدَلَ الثّاءِ، أيْ طَلَبِ مِنهُ الإعانَةَ عَلى القِبْطِيِّ. قالَ أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبارَةَ: والِاخْتِيارُ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ؛ لِأنَّ الإعانَةَ أوْلى في هَذا البابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَها الأخْفَشُ، وهي تَصْحِيفٌ لا قِراءَةٌ. انْتَهى. ولَيْسَتْ تَصْحِيفًا، فَقَدْ نَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ جُبارَةَ عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ والزَّعْفَرانِيِّ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ التَّناكُرُ بَيْنَهُما قالَ القِبْطِيُّ لِمُوسى: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أحْمِلَهُ عَلَيْكَ، يَعْنِي الحَطَبَ، فاشْتَدَّ غَضَبُ مُوسى، وكانَ قَدْ أُوتِيَ قُوَّةً ﴿فَوَكَزَهُ﴾ فَماتَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”فَلَكَزَهُ“، بِاللّامِ، وعَنْهُ: ”فَنَكَزَهُ“، بِالنُّونِ. قالَ قَتادَةُ: وكَزَهُ بِعَصاهُ؛ وغَيْرُهُ قالَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ ﴿فَقَضى﴾ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى مُوسى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ فَقَضى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن وكَزَهُ، أيْ فَقَضى الوَكْزُ عَلَيْهِ، وكانَ مُوسى لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ، ولَكِنْ وافَقَتْ وكْزَتُهُ الأجَلَ، فَنَدِمَ مُوسى. ورُوِيَ أنَّهُ دَفَنَهُ في الرَّمْلِ وقالَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وهو ما لَحِقَهُ مِنَ الغَضَبِ حَتّى أدّى إلى الوَكْزَةِ الَّتِي قَضَتْ عَلى القِبْطِيِّ، وجَعَلَهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وسَمّاهُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ واسْتَغْفَرَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ أدّى إلى قَتْلِ مَن لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في قَتْلِهِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: لَيْسَ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ ما لَمْ يُؤْمَرْ. وقالَ كَعْبٌ: كانَ مُوسى إذْ ذاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَتْلُهُ خَطَأً، فَإنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ. وقالَ النَّقّاشُ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدِ انْتَهَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَهْجَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] . والباءُ في ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ لِلْقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ بِما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَأتُوبَنَّ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ (p-١١٠)المَغْفِرَةِ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ إنْ عَصَمْتَنِي ﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . وقِيلَ: ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ دُعاءٌ لا خَبَرٌ، ولَنْ بِمَعْنى لا في الدُّعاءِ، والصَّحِيحُ أنَّ لَنْ لا تَكُونُ في الدُّعاءِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ عَلى أنَّ لَنْ تَكُونُ في الدُّعاءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَنْ تَزالُوا كَذاكم ثُمَّ ما زِلْ ∗∗∗ تَ لَهم خالِدًا خُلُودَ الجِبالِ والمُظاهَرَةُ، إمّا بِصُحْبَتِهِ لِفِرْعَوْنَ وانْتِظامِهِ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ حَيْثُ كانَ يَرْكَبُ بِرُكُوبِهِ كالوَلَدِ مَعَ الوالِدِ، وكانَ يُسَمّى ابْنَ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنَّهُ أدَّتِ المُظاهَرَةُ إلى القَتْلِ الَّذِي جَرى عَلى يَدِهِ. وقِيلَ: بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَلَنْ أسْتَعْمِلَها إلّا في مُظاهَرَةِ أوْلِيائِكَ، ولا أدَعُ قِبْطِيًّا يَغْلِبُ إسْرائِيلِيًّا. واحْتَجَّ أهْلُ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَنعِ مَعُونَةِ أهْلِ الظُّلْمِ وخِدْمَتِهِمْ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُ. وقالَ رَجُلٌ لِعَطاءٍ: إنَّ أخِي يَضْرِبُ بِعِلْمِهِ ولا يَعْدُو رِزْقَهُ، قالَ: فَمَنِ الرَّأْسُ، يَعْنِي مَن يَكْتُبْ لَهُ ؟ قالَ: خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ، قالَ: فَأيْنَ قَوْلُ مُوسى ؟ وتَلا الآيَةَ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا﴾ مِن قِتْلِ القِبْطِيِّ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ، يَتَرَقَّبُ وُقُوعَ المَكْرُوهِ بِهِ أوِ الإخْبارَ هَلْ وقَفُوا عَلى ما كانَ مِنهُ ؟ قِيلَ: خائِفًا مِن أنَّهُ يَتَرَقَّبُ المَغْفِرَةَ. وقِيلَ: خائِفًا يَتَرَقَّبُ نُصْرَةَ رَبِّهِ، أوْ يَتَرَقَّبُ هِدايَةَ قَوْمِهِ، أوْ يَنْتَظِرُ أنْ يُسْلِمَهُ قَوْمُهُ. ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ قَتَلَ القِبْطِيَّ بِسَبَبِهِ. وإذا هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبِالأمْسِ يَعْنِي اليَوْمَ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِ الِاسْتِصْراخِ، وهو مُعْرَبٌ، فَحَرَكَةُ سِينِهِ حَرَكَةُ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ دَخَلَتْهُ ألْ، بِخِلافِ حالِهِ إذا عُرِّيَ مِنها، فالحِجازُ تَبْنِيهِ إذا كانَ مَعْرِفَةً، وتَمِيمٌ تَمْنَعُهُ الصَّرْفَ حالَةَ الرَّفْعِ فَقَطْ، ومِنهم مَن يَمْنَعُهُ الصَّرْفَ مُطْلَقًا، وقَدْ يُبْنى مَعَ ألْ عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي حَسِبْتُ اليَوْمَ والأمْسَ قَبْلَهُ ∗∗∗ إلى اللَّيْلِ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَصِيحُ بِهِ مُسْتَغِيثًا مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعُ الطَّنابِيبِ قالَ لَهُ مُوسى: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”لَهُ“ عائِدٌ عَلى الَّذِي ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ لِكَوْنِكَ كُنْتَ سَبَبًا في قَتْلِ القِبْطِيِّ بِالأمْسِ، قالَ لَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ العِتابِ والتَّأْنِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَهُ، والخِطابُ لِلْقِبْطِيِّ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَسْتَصْرِخُهُ، ولَمْ يَفْهَمِ الإسْرائِيلِيُّ أنَّ الخِطابَ لِلْقِبْطِيِّ. ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في أرادَ ويَبْطِشُ هو لِمُوسى. ﴿بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ لِلْمُسْتَصْرِخِ ومُوسى وهو القِبْطِيُّ يُوهِمُ الإسْرائِيلِيَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ هو عَلى سَبِيلِ إرادَةِ السُّوءِ بِهِ، وظَنَّ أنَّهُ يَسْطُو عَلَيْهِ. قالَ - أيِ الإسْرائِيلِيُّ -: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ دَفْعًا لِما ظَنَّهُ مِن سَطْوِ مُوسى عَلَيْهِ، وكانَ تَعْيِينُ القاتِلِ القِبْطِيِّ قَدْ خَفِيَ عَلى النّاسِ، فانْتَشَرَ في المَدِينَةِ أنَّ قاتِلَ القِبْطِيِّ هو مُوسى، ونَمى ذَلِكَ إلى فِرْعَوْنَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ مُوسى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”أرادَ“ و”يَبْطِشَ“ لِلْإسْرائِيلِيِّ عِنْدَ ذَلِكَ مِن مُوسى، وخاطَبَهُ بِما يَقْبُحُ، وأنَّ بَعْدَ ”لَمّا“ يَطَّرِدُ زِيادَتُها. وقِيلَ: لَوْ إذا سَبَقَ قَسَمٌ كَقَوْلِهِ: ؎فَأُقْسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنْتُمْ ∗∗∗ لَكانَ لَكم يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَبْطِشَ“، بِكَسْرِ الطّاءِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها. ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ وشَأْنُ الجَبّارِ أنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ، ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الجَبَرُوتِيَّةَ نَفى عَنْهُ الصَّلاحَ. ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ قِيلَ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ. قالَ الكَلْبِيُّ: واسْمُهُ جِبْرِيلُ بْنُ شَمْعُونَ. وقالَ الضَّحّاكُ: شَمْعُونُ بْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: هو غَيْرُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿يَسْعى﴾ يَشْتَدُّ في مَشْيِهِ. ولَمّا أمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، خَرَجَ الجَلاوِزَةُ (p-١١١)مِنَ الشّارِعِ الأعْظَمِ، لِطَلَبِهِ فَسَلَكَ هَذا الرَّجُلُ طَرِيقًا أقْرَبَ إلى مُوسى. و”مِن أقْصى المَدِينَةِ“، و”يَسْعى“: صِفَتانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَسْعى حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ مِن أقْصى بِـ ”جاءَ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا جَعَلَ، يَعْنِي، مِن أقْصى حالًا، لِـ ”جاءَ“ لَمْ يَجُزْ في ”يَسْعى“ إلّا الوَصْفُ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّ رَجُلًا يَكُونُ نَكِرَةً لَمْ تُوصَفْ، فَلا يَجُوزُ مِنها الحالُ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ مِن غَيْرِ وصْفٍ. قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ﴾ وهم وُجُوهُ أهْلِ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ يَتَشاوَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ، وهو النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: ؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَوْلِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وائْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] . ﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ . ولَكَ: مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ، أيْ ناصِحٌ لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ، أيْ لَكَ أعْنِي، أوْ بِالنّاصِحِينَ، وإنْ كانَ في صِلَةِ ألْ، لِأنَّهُ يُتَسامَحُ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِهِما. وهي ثَلاثَةُ أقْوالٍ لِلنَّحْوِيِّينَ فِيما أشْبَهَ هَذا، فامْتَثَلَ مُوسى ما أمَرَهُ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وعَلِمَ صِدْقَهُ ونُصْحَهُ، وخَرَجَ وقَدْ أفْلَتَ طالِبِيهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ. وكانَ مُوسى لا يَعْرِفُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، ولَمْ يَصْحَبْ أحَدًا، فَسَلَكَ مَجْهَلًا، واثِقًا بِاللَّهِ تَعالى، داعِيًا راغِبًا إلى رَبِّهِ في تَنْجِيَتِهِ مِنَ الظّالِمِينَ.

القصص 28:19

﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . (p-١٠٩)(المَدِينَةَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنفُ. رَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وسارَ إلَيْها، فَعَلِمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِرُكُوبِهِ، فَلَحِقَ بِتِلْكَ المَدِينَةِ في وقْتِ القائِلَةِ، وعَنْهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: المَدِينَةُ مِصْرُ بِنَفْسِها، وكانَ مُوسى قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَرَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فاخْتَفى وخافَ، فَدَخَلَها مُتَنَكِّرًا حَذِرًا مُتَغَفِّلًا لِلنّاسِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أخْرَجَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَغابَ عَنْها سِنِينَ، فَنَسِيَ، فَجاءَ والنّاسُ في غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لَهُ وبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ. وقِيلَ: كانَ يَوْمَ عِيدٍ، وهم مَشْغُولُونَ بِلَهْوِهِمْ. وقِيلَ: خَرَجَ مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ ودَخَلَ مِصْرَ. وقِيلَ: المَدِينَةُ عَيْنُ شَمْسٍ. وقِيلَ: قَرْيَةٌ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن مِصْرَ يُقالُ لَها حابِينَ. وقِيلَ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ. وقَرَأ أبُو طالِبٍ القارِئُ: ﴿عَلى حِينَ﴾ بِنَصْبِ نُونِ حِينَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى المَصْدَرَ مَجْرى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: عَلى حِينَ غَفَلَ أهْلُها، فَبَناهُ كَما بَناهُ حِينَ أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِفِعْلٍ ماضٍ، كَقَوْلِهِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: يَقَتِّلانِ. بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ ونَقْلِ فَتْحَتِها إلى القافِ. قِيلَ: كانا يَقْتَتِلانِ في الدِّينِ، إذْ أحَدُهُما إسْرائِيلِيٌّ مُؤْمِنٌ والآخَرُ قِبْطِيٌّ. وقِيلَ: يَقْتَتِلانِ، في أنْ كُلِّفَ القِبْطِيُّ حَمْلَ الحَطَبِ إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ عَلى ظَهْرِ الإسْرائِيلِيِّ، و”يَقْتَتِلانِ“ صِفَةٌ لِـ ”رَجُلَيْنِ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَقْتَتِلانِ في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ. ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهو الإسْرائِيلِيُّ. قِيلَ: وهو السّامِرِيُّ، وهَذا مِن عَدُوِّهِ، أيْ مِنَ القِبْطِ. وقِيلَ: اسْمُهُ فاتُونُ، وهَذا حِكايَةُ حالٍ، وقَدْ كانا حاضِرَيْنِ حالَةَ وُجْدانِ مُوسى لَهُما، أوْ لِحِكايَةِ الحالِ، عُبِّرَ عَنْ غائِبٍ ماضٍ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي هو مَوْضُوعٌ لِلْحاضِرِ. وقالَ المُبَرِّدُ: العَرَبُ تُشِيرُ بِهَذا إلى الغائِبِ. قالَ جَرِيرٌ: ؎هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَةٌ ∗∗∗ لَوْ شِئْتُ ساقَكم إلَيَّ قَطِينا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ أيْ طَلَبِ غَوْثَهُ ونَصْرَهُ عَلى القِبْطِيِّ. وقَرَأ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ: بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ بَدَلَ الثّاءِ، أيْ طَلَبِ مِنهُ الإعانَةَ عَلى القِبْطِيِّ. قالَ أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبارَةَ: والِاخْتِيارُ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ؛ لِأنَّ الإعانَةَ أوْلى في هَذا البابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَها الأخْفَشُ، وهي تَصْحِيفٌ لا قِراءَةٌ. انْتَهى. ولَيْسَتْ تَصْحِيفًا، فَقَدْ نَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ جُبارَةَ عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ والزَّعْفَرانِيِّ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ التَّناكُرُ بَيْنَهُما قالَ القِبْطِيُّ لِمُوسى: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أحْمِلَهُ عَلَيْكَ، يَعْنِي الحَطَبَ، فاشْتَدَّ غَضَبُ مُوسى، وكانَ قَدْ أُوتِيَ قُوَّةً ﴿فَوَكَزَهُ﴾ فَماتَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”فَلَكَزَهُ“، بِاللّامِ، وعَنْهُ: ”فَنَكَزَهُ“، بِالنُّونِ. قالَ قَتادَةُ: وكَزَهُ بِعَصاهُ؛ وغَيْرُهُ قالَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ ﴿فَقَضى﴾ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى مُوسى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ فَقَضى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن وكَزَهُ، أيْ فَقَضى الوَكْزُ عَلَيْهِ، وكانَ مُوسى لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ، ولَكِنْ وافَقَتْ وكْزَتُهُ الأجَلَ، فَنَدِمَ مُوسى. ورُوِيَ أنَّهُ دَفَنَهُ في الرَّمْلِ وقالَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وهو ما لَحِقَهُ مِنَ الغَضَبِ حَتّى أدّى إلى الوَكْزَةِ الَّتِي قَضَتْ عَلى القِبْطِيِّ، وجَعَلَهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وسَمّاهُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ واسْتَغْفَرَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ أدّى إلى قَتْلِ مَن لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في قَتْلِهِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: لَيْسَ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ ما لَمْ يُؤْمَرْ. وقالَ كَعْبٌ: كانَ مُوسى إذْ ذاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَتْلُهُ خَطَأً، فَإنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ. وقالَ النَّقّاشُ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدِ انْتَهَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَهْجَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] . والباءُ في ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ لِلْقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ بِما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَأتُوبَنَّ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ (p-١١٠)المَغْفِرَةِ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ إنْ عَصَمْتَنِي ﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . وقِيلَ: ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ دُعاءٌ لا خَبَرٌ، ولَنْ بِمَعْنى لا في الدُّعاءِ، والصَّحِيحُ أنَّ لَنْ لا تَكُونُ في الدُّعاءِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ عَلى أنَّ لَنْ تَكُونُ في الدُّعاءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَنْ تَزالُوا كَذاكم ثُمَّ ما زِلْ ∗∗∗ تَ لَهم خالِدًا خُلُودَ الجِبالِ والمُظاهَرَةُ، إمّا بِصُحْبَتِهِ لِفِرْعَوْنَ وانْتِظامِهِ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ حَيْثُ كانَ يَرْكَبُ بِرُكُوبِهِ كالوَلَدِ مَعَ الوالِدِ، وكانَ يُسَمّى ابْنَ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنَّهُ أدَّتِ المُظاهَرَةُ إلى القَتْلِ الَّذِي جَرى عَلى يَدِهِ. وقِيلَ: بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَلَنْ أسْتَعْمِلَها إلّا في مُظاهَرَةِ أوْلِيائِكَ، ولا أدَعُ قِبْطِيًّا يَغْلِبُ إسْرائِيلِيًّا. واحْتَجَّ أهْلُ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَنعِ مَعُونَةِ أهْلِ الظُّلْمِ وخِدْمَتِهِمْ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُ. وقالَ رَجُلٌ لِعَطاءٍ: إنَّ أخِي يَضْرِبُ بِعِلْمِهِ ولا يَعْدُو رِزْقَهُ، قالَ: فَمَنِ الرَّأْسُ، يَعْنِي مَن يَكْتُبْ لَهُ ؟ قالَ: خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ، قالَ: فَأيْنَ قَوْلُ مُوسى ؟ وتَلا الآيَةَ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا﴾ مِن قِتْلِ القِبْطِيِّ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ، يَتَرَقَّبُ وُقُوعَ المَكْرُوهِ بِهِ أوِ الإخْبارَ هَلْ وقَفُوا عَلى ما كانَ مِنهُ ؟ قِيلَ: خائِفًا مِن أنَّهُ يَتَرَقَّبُ المَغْفِرَةَ. وقِيلَ: خائِفًا يَتَرَقَّبُ نُصْرَةَ رَبِّهِ، أوْ يَتَرَقَّبُ هِدايَةَ قَوْمِهِ، أوْ يَنْتَظِرُ أنْ يُسْلِمَهُ قَوْمُهُ. ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ قَتَلَ القِبْطِيَّ بِسَبَبِهِ. وإذا هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبِالأمْسِ يَعْنِي اليَوْمَ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِ الِاسْتِصْراخِ، وهو مُعْرَبٌ، فَحَرَكَةُ سِينِهِ حَرَكَةُ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ دَخَلَتْهُ ألْ، بِخِلافِ حالِهِ إذا عُرِّيَ مِنها، فالحِجازُ تَبْنِيهِ إذا كانَ مَعْرِفَةً، وتَمِيمٌ تَمْنَعُهُ الصَّرْفَ حالَةَ الرَّفْعِ فَقَطْ، ومِنهم مَن يَمْنَعُهُ الصَّرْفَ مُطْلَقًا، وقَدْ يُبْنى مَعَ ألْ عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي حَسِبْتُ اليَوْمَ والأمْسَ قَبْلَهُ ∗∗∗ إلى اللَّيْلِ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَصِيحُ بِهِ مُسْتَغِيثًا مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعُ الطَّنابِيبِ قالَ لَهُ مُوسى: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”لَهُ“ عائِدٌ عَلى الَّذِي ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ لِكَوْنِكَ كُنْتَ سَبَبًا في قَتْلِ القِبْطِيِّ بِالأمْسِ، قالَ لَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ العِتابِ والتَّأْنِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَهُ، والخِطابُ لِلْقِبْطِيِّ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَسْتَصْرِخُهُ، ولَمْ يَفْهَمِ الإسْرائِيلِيُّ أنَّ الخِطابَ لِلْقِبْطِيِّ. ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في أرادَ ويَبْطِشُ هو لِمُوسى. ﴿بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ لِلْمُسْتَصْرِخِ ومُوسى وهو القِبْطِيُّ يُوهِمُ الإسْرائِيلِيَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ هو عَلى سَبِيلِ إرادَةِ السُّوءِ بِهِ، وظَنَّ أنَّهُ يَسْطُو عَلَيْهِ. قالَ - أيِ الإسْرائِيلِيُّ -: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ دَفْعًا لِما ظَنَّهُ مِن سَطْوِ مُوسى عَلَيْهِ، وكانَ تَعْيِينُ القاتِلِ القِبْطِيِّ قَدْ خَفِيَ عَلى النّاسِ، فانْتَشَرَ في المَدِينَةِ أنَّ قاتِلَ القِبْطِيِّ هو مُوسى، ونَمى ذَلِكَ إلى فِرْعَوْنَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ مُوسى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”أرادَ“ و”يَبْطِشَ“ لِلْإسْرائِيلِيِّ عِنْدَ ذَلِكَ مِن مُوسى، وخاطَبَهُ بِما يَقْبُحُ، وأنَّ بَعْدَ ”لَمّا“ يَطَّرِدُ زِيادَتُها. وقِيلَ: لَوْ إذا سَبَقَ قَسَمٌ كَقَوْلِهِ: ؎فَأُقْسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنْتُمْ ∗∗∗ لَكانَ لَكم يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَبْطِشَ“، بِكَسْرِ الطّاءِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها. ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ وشَأْنُ الجَبّارِ أنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ، ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الجَبَرُوتِيَّةَ نَفى عَنْهُ الصَّلاحَ. ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ قِيلَ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ. قالَ الكَلْبِيُّ: واسْمُهُ جِبْرِيلُ بْنُ شَمْعُونَ. وقالَ الضَّحّاكُ: شَمْعُونُ بْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: هو غَيْرُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿يَسْعى﴾ يَشْتَدُّ في مَشْيِهِ. ولَمّا أمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، خَرَجَ الجَلاوِزَةُ (p-١١١)مِنَ الشّارِعِ الأعْظَمِ، لِطَلَبِهِ فَسَلَكَ هَذا الرَّجُلُ طَرِيقًا أقْرَبَ إلى مُوسى. و”مِن أقْصى المَدِينَةِ“، و”يَسْعى“: صِفَتانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَسْعى حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ مِن أقْصى بِـ ”جاءَ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا جَعَلَ، يَعْنِي، مِن أقْصى حالًا، لِـ ”جاءَ“ لَمْ يَجُزْ في ”يَسْعى“ إلّا الوَصْفُ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّ رَجُلًا يَكُونُ نَكِرَةً لَمْ تُوصَفْ، فَلا يَجُوزُ مِنها الحالُ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ مِن غَيْرِ وصْفٍ. قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ﴾ وهم وُجُوهُ أهْلِ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ يَتَشاوَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ، وهو النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: ؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَوْلِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وائْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] . ﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ . ولَكَ: مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ، أيْ ناصِحٌ لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ، أيْ لَكَ أعْنِي، أوْ بِالنّاصِحِينَ، وإنْ كانَ في صِلَةِ ألْ، لِأنَّهُ يُتَسامَحُ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِهِما. وهي ثَلاثَةُ أقْوالٍ لِلنَّحْوِيِّينَ فِيما أشْبَهَ هَذا، فامْتَثَلَ مُوسى ما أمَرَهُ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وعَلِمَ صِدْقَهُ ونُصْحَهُ، وخَرَجَ وقَدْ أفْلَتَ طالِبِيهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ. وكانَ مُوسى لا يَعْرِفُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، ولَمْ يَصْحَبْ أحَدًا، فَسَلَكَ مَجْهَلًا، واثِقًا بِاللَّهِ تَعالى، داعِيًا راغِبًا إلى رَبِّهِ في تَنْجِيَتِهِ مِنَ الظّالِمِينَ.

القصص 28:20

﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . (p-١٠٩)(المَدِينَةَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنفُ. رَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وسارَ إلَيْها، فَعَلِمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِرُكُوبِهِ، فَلَحِقَ بِتِلْكَ المَدِينَةِ في وقْتِ القائِلَةِ، وعَنْهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: المَدِينَةُ مِصْرُ بِنَفْسِها، وكانَ مُوسى قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَرَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فاخْتَفى وخافَ، فَدَخَلَها مُتَنَكِّرًا حَذِرًا مُتَغَفِّلًا لِلنّاسِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أخْرَجَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَغابَ عَنْها سِنِينَ، فَنَسِيَ، فَجاءَ والنّاسُ في غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لَهُ وبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ. وقِيلَ: كانَ يَوْمَ عِيدٍ، وهم مَشْغُولُونَ بِلَهْوِهِمْ. وقِيلَ: خَرَجَ مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ ودَخَلَ مِصْرَ. وقِيلَ: المَدِينَةُ عَيْنُ شَمْسٍ. وقِيلَ: قَرْيَةٌ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن مِصْرَ يُقالُ لَها حابِينَ. وقِيلَ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ. وقَرَأ أبُو طالِبٍ القارِئُ: ﴿عَلى حِينَ﴾ بِنَصْبِ نُونِ حِينَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى المَصْدَرَ مَجْرى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: عَلى حِينَ غَفَلَ أهْلُها، فَبَناهُ كَما بَناهُ حِينَ أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِفِعْلٍ ماضٍ، كَقَوْلِهِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: يَقَتِّلانِ. بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ ونَقْلِ فَتْحَتِها إلى القافِ. قِيلَ: كانا يَقْتَتِلانِ في الدِّينِ، إذْ أحَدُهُما إسْرائِيلِيٌّ مُؤْمِنٌ والآخَرُ قِبْطِيٌّ. وقِيلَ: يَقْتَتِلانِ، في أنْ كُلِّفَ القِبْطِيُّ حَمْلَ الحَطَبِ إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ عَلى ظَهْرِ الإسْرائِيلِيِّ، و”يَقْتَتِلانِ“ صِفَةٌ لِـ ”رَجُلَيْنِ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَقْتَتِلانِ في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ. ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهو الإسْرائِيلِيُّ. قِيلَ: وهو السّامِرِيُّ، وهَذا مِن عَدُوِّهِ، أيْ مِنَ القِبْطِ. وقِيلَ: اسْمُهُ فاتُونُ، وهَذا حِكايَةُ حالٍ، وقَدْ كانا حاضِرَيْنِ حالَةَ وُجْدانِ مُوسى لَهُما، أوْ لِحِكايَةِ الحالِ، عُبِّرَ عَنْ غائِبٍ ماضٍ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي هو مَوْضُوعٌ لِلْحاضِرِ. وقالَ المُبَرِّدُ: العَرَبُ تُشِيرُ بِهَذا إلى الغائِبِ. قالَ جَرِيرٌ: ؎هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَةٌ ∗∗∗ لَوْ شِئْتُ ساقَكم إلَيَّ قَطِينا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ أيْ طَلَبِ غَوْثَهُ ونَصْرَهُ عَلى القِبْطِيِّ. وقَرَأ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ: بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ بَدَلَ الثّاءِ، أيْ طَلَبِ مِنهُ الإعانَةَ عَلى القِبْطِيِّ. قالَ أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبارَةَ: والِاخْتِيارُ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ؛ لِأنَّ الإعانَةَ أوْلى في هَذا البابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَها الأخْفَشُ، وهي تَصْحِيفٌ لا قِراءَةٌ. انْتَهى. ولَيْسَتْ تَصْحِيفًا، فَقَدْ نَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ جُبارَةَ عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ والزَّعْفَرانِيِّ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ التَّناكُرُ بَيْنَهُما قالَ القِبْطِيُّ لِمُوسى: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أحْمِلَهُ عَلَيْكَ، يَعْنِي الحَطَبَ، فاشْتَدَّ غَضَبُ مُوسى، وكانَ قَدْ أُوتِيَ قُوَّةً ﴿فَوَكَزَهُ﴾ فَماتَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”فَلَكَزَهُ“، بِاللّامِ، وعَنْهُ: ”فَنَكَزَهُ“، بِالنُّونِ. قالَ قَتادَةُ: وكَزَهُ بِعَصاهُ؛ وغَيْرُهُ قالَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ ﴿فَقَضى﴾ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى مُوسى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ فَقَضى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن وكَزَهُ، أيْ فَقَضى الوَكْزُ عَلَيْهِ، وكانَ مُوسى لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ، ولَكِنْ وافَقَتْ وكْزَتُهُ الأجَلَ، فَنَدِمَ مُوسى. ورُوِيَ أنَّهُ دَفَنَهُ في الرَّمْلِ وقالَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وهو ما لَحِقَهُ مِنَ الغَضَبِ حَتّى أدّى إلى الوَكْزَةِ الَّتِي قَضَتْ عَلى القِبْطِيِّ، وجَعَلَهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وسَمّاهُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ واسْتَغْفَرَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ أدّى إلى قَتْلِ مَن لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في قَتْلِهِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: لَيْسَ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ ما لَمْ يُؤْمَرْ. وقالَ كَعْبٌ: كانَ مُوسى إذْ ذاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَتْلُهُ خَطَأً، فَإنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ. وقالَ النَّقّاشُ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدِ انْتَهَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَهْجَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] . والباءُ في ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ لِلْقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ بِما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَأتُوبَنَّ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ (p-١١٠)المَغْفِرَةِ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ إنْ عَصَمْتَنِي ﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . وقِيلَ: ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ دُعاءٌ لا خَبَرٌ، ولَنْ بِمَعْنى لا في الدُّعاءِ، والصَّحِيحُ أنَّ لَنْ لا تَكُونُ في الدُّعاءِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ عَلى أنَّ لَنْ تَكُونُ في الدُّعاءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَنْ تَزالُوا كَذاكم ثُمَّ ما زِلْ ∗∗∗ تَ لَهم خالِدًا خُلُودَ الجِبالِ والمُظاهَرَةُ، إمّا بِصُحْبَتِهِ لِفِرْعَوْنَ وانْتِظامِهِ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ حَيْثُ كانَ يَرْكَبُ بِرُكُوبِهِ كالوَلَدِ مَعَ الوالِدِ، وكانَ يُسَمّى ابْنَ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنَّهُ أدَّتِ المُظاهَرَةُ إلى القَتْلِ الَّذِي جَرى عَلى يَدِهِ. وقِيلَ: بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَلَنْ أسْتَعْمِلَها إلّا في مُظاهَرَةِ أوْلِيائِكَ، ولا أدَعُ قِبْطِيًّا يَغْلِبُ إسْرائِيلِيًّا. واحْتَجَّ أهْلُ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَنعِ مَعُونَةِ أهْلِ الظُّلْمِ وخِدْمَتِهِمْ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُ. وقالَ رَجُلٌ لِعَطاءٍ: إنَّ أخِي يَضْرِبُ بِعِلْمِهِ ولا يَعْدُو رِزْقَهُ، قالَ: فَمَنِ الرَّأْسُ، يَعْنِي مَن يَكْتُبْ لَهُ ؟ قالَ: خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ، قالَ: فَأيْنَ قَوْلُ مُوسى ؟ وتَلا الآيَةَ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا﴾ مِن قِتْلِ القِبْطِيِّ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ، يَتَرَقَّبُ وُقُوعَ المَكْرُوهِ بِهِ أوِ الإخْبارَ هَلْ وقَفُوا عَلى ما كانَ مِنهُ ؟ قِيلَ: خائِفًا مِن أنَّهُ يَتَرَقَّبُ المَغْفِرَةَ. وقِيلَ: خائِفًا يَتَرَقَّبُ نُصْرَةَ رَبِّهِ، أوْ يَتَرَقَّبُ هِدايَةَ قَوْمِهِ، أوْ يَنْتَظِرُ أنْ يُسْلِمَهُ قَوْمُهُ. ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ قَتَلَ القِبْطِيَّ بِسَبَبِهِ. وإذا هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبِالأمْسِ يَعْنِي اليَوْمَ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِ الِاسْتِصْراخِ، وهو مُعْرَبٌ، فَحَرَكَةُ سِينِهِ حَرَكَةُ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ دَخَلَتْهُ ألْ، بِخِلافِ حالِهِ إذا عُرِّيَ مِنها، فالحِجازُ تَبْنِيهِ إذا كانَ مَعْرِفَةً، وتَمِيمٌ تَمْنَعُهُ الصَّرْفَ حالَةَ الرَّفْعِ فَقَطْ، ومِنهم مَن يَمْنَعُهُ الصَّرْفَ مُطْلَقًا، وقَدْ يُبْنى مَعَ ألْ عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي حَسِبْتُ اليَوْمَ والأمْسَ قَبْلَهُ ∗∗∗ إلى اللَّيْلِ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَصِيحُ بِهِ مُسْتَغِيثًا مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعُ الطَّنابِيبِ قالَ لَهُ مُوسى: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”لَهُ“ عائِدٌ عَلى الَّذِي ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ لِكَوْنِكَ كُنْتَ سَبَبًا في قَتْلِ القِبْطِيِّ بِالأمْسِ، قالَ لَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ العِتابِ والتَّأْنِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَهُ، والخِطابُ لِلْقِبْطِيِّ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَسْتَصْرِخُهُ، ولَمْ يَفْهَمِ الإسْرائِيلِيُّ أنَّ الخِطابَ لِلْقِبْطِيِّ. ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في أرادَ ويَبْطِشُ هو لِمُوسى. ﴿بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ لِلْمُسْتَصْرِخِ ومُوسى وهو القِبْطِيُّ يُوهِمُ الإسْرائِيلِيَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ هو عَلى سَبِيلِ إرادَةِ السُّوءِ بِهِ، وظَنَّ أنَّهُ يَسْطُو عَلَيْهِ. قالَ - أيِ الإسْرائِيلِيُّ -: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ دَفْعًا لِما ظَنَّهُ مِن سَطْوِ مُوسى عَلَيْهِ، وكانَ تَعْيِينُ القاتِلِ القِبْطِيِّ قَدْ خَفِيَ عَلى النّاسِ، فانْتَشَرَ في المَدِينَةِ أنَّ قاتِلَ القِبْطِيِّ هو مُوسى، ونَمى ذَلِكَ إلى فِرْعَوْنَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ مُوسى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”أرادَ“ و”يَبْطِشَ“ لِلْإسْرائِيلِيِّ عِنْدَ ذَلِكَ مِن مُوسى، وخاطَبَهُ بِما يَقْبُحُ، وأنَّ بَعْدَ ”لَمّا“ يَطَّرِدُ زِيادَتُها. وقِيلَ: لَوْ إذا سَبَقَ قَسَمٌ كَقَوْلِهِ: ؎فَأُقْسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنْتُمْ ∗∗∗ لَكانَ لَكم يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَبْطِشَ“، بِكَسْرِ الطّاءِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها. ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ وشَأْنُ الجَبّارِ أنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ، ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الجَبَرُوتِيَّةَ نَفى عَنْهُ الصَّلاحَ. ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ قِيلَ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ. قالَ الكَلْبِيُّ: واسْمُهُ جِبْرِيلُ بْنُ شَمْعُونَ. وقالَ الضَّحّاكُ: شَمْعُونُ بْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: هو غَيْرُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿يَسْعى﴾ يَشْتَدُّ في مَشْيِهِ. ولَمّا أمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، خَرَجَ الجَلاوِزَةُ (p-١١١)مِنَ الشّارِعِ الأعْظَمِ، لِطَلَبِهِ فَسَلَكَ هَذا الرَّجُلُ طَرِيقًا أقْرَبَ إلى مُوسى. و”مِن أقْصى المَدِينَةِ“، و”يَسْعى“: صِفَتانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَسْعى حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ مِن أقْصى بِـ ”جاءَ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا جَعَلَ، يَعْنِي، مِن أقْصى حالًا، لِـ ”جاءَ“ لَمْ يَجُزْ في ”يَسْعى“ إلّا الوَصْفُ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّ رَجُلًا يَكُونُ نَكِرَةً لَمْ تُوصَفْ، فَلا يَجُوزُ مِنها الحالُ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ مِن غَيْرِ وصْفٍ. قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ﴾ وهم وُجُوهُ أهْلِ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ يَتَشاوَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ، وهو النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: ؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَوْلِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وائْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] . ﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ . ولَكَ: مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ، أيْ ناصِحٌ لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ، أيْ لَكَ أعْنِي، أوْ بِالنّاصِحِينَ، وإنْ كانَ في صِلَةِ ألْ، لِأنَّهُ يُتَسامَحُ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِهِما. وهي ثَلاثَةُ أقْوالٍ لِلنَّحْوِيِّينَ فِيما أشْبَهَ هَذا، فامْتَثَلَ مُوسى ما أمَرَهُ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وعَلِمَ صِدْقَهُ ونُصْحَهُ، وخَرَجَ وقَدْ أفْلَتَ طالِبِيهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ. وكانَ مُوسى لا يَعْرِفُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، ولَمْ يَصْحَبْ أحَدًا، فَسَلَكَ مَجْهَلًا، واثِقًا بِاللَّهِ تَعالى، داعِيًا راغِبًا إلى رَبِّهِ في تَنْجِيَتِهِ مِنَ الظّالِمِينَ.

القصص 28:21

﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . (p-١٠٩)(المَدِينَةَ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنفُ. رَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وسارَ إلَيْها، فَعَلِمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِرُكُوبِهِ، فَلَحِقَ بِتِلْكَ المَدِينَةِ في وقْتِ القائِلَةِ، وعَنْهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: المَدِينَةُ مِصْرُ بِنَفْسِها، وكانَ مُوسى قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَرَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فاخْتَفى وخافَ، فَدَخَلَها مُتَنَكِّرًا حَذِرًا مُتَغَفِّلًا لِلنّاسِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أخْرَجَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَغابَ عَنْها سِنِينَ، فَنَسِيَ، فَجاءَ والنّاسُ في غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لَهُ وبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ. وقِيلَ: كانَ يَوْمَ عِيدٍ، وهم مَشْغُولُونَ بِلَهْوِهِمْ. وقِيلَ: خَرَجَ مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ ودَخَلَ مِصْرَ. وقِيلَ: المَدِينَةُ عَيْنُ شَمْسٍ. وقِيلَ: قَرْيَةٌ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن مِصْرَ يُقالُ لَها حابِينَ. وقِيلَ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ. وقَرَأ أبُو طالِبٍ القارِئُ: ﴿عَلى حِينَ﴾ بِنَصْبِ نُونِ حِينَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى المَصْدَرَ مَجْرى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: عَلى حِينَ غَفَلَ أهْلُها، فَبَناهُ كَما بَناهُ حِينَ أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِفِعْلٍ ماضٍ، كَقَوْلِهِ: ؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: يَقَتِّلانِ. بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ ونَقْلِ فَتْحَتِها إلى القافِ. قِيلَ: كانا يَقْتَتِلانِ في الدِّينِ، إذْ أحَدُهُما إسْرائِيلِيٌّ مُؤْمِنٌ والآخَرُ قِبْطِيٌّ. وقِيلَ: يَقْتَتِلانِ، في أنْ كُلِّفَ القِبْطِيُّ حَمْلَ الحَطَبِ إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ عَلى ظَهْرِ الإسْرائِيلِيِّ، و”يَقْتَتِلانِ“ صِفَةٌ لِـ ”رَجُلَيْنِ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَقْتَتِلانِ في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ. ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهو الإسْرائِيلِيُّ. قِيلَ: وهو السّامِرِيُّ، وهَذا مِن عَدُوِّهِ، أيْ مِنَ القِبْطِ. وقِيلَ: اسْمُهُ فاتُونُ، وهَذا حِكايَةُ حالٍ، وقَدْ كانا حاضِرَيْنِ حالَةَ وُجْدانِ مُوسى لَهُما، أوْ لِحِكايَةِ الحالِ، عُبِّرَ عَنْ غائِبٍ ماضٍ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي هو مَوْضُوعٌ لِلْحاضِرِ. وقالَ المُبَرِّدُ: العَرَبُ تُشِيرُ بِهَذا إلى الغائِبِ. قالَ جَرِيرٌ: ؎هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَةٌ ∗∗∗ لَوْ شِئْتُ ساقَكم إلَيَّ قَطِينا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فاسْتَغاثَهُ﴾ أيْ طَلَبِ غَوْثَهُ ونَصْرَهُ عَلى القِبْطِيِّ. وقَرَأ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ مِقْسَمٍ، والزَّعْفَرانِيُّ: بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ بَدَلَ الثّاءِ، أيْ طَلَبِ مِنهُ الإعانَةَ عَلى القِبْطِيِّ. قالَ أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبارَةَ: والِاخْتِيارُ قِراءَةُ ابْنِ مِقْسَمٍ؛ لِأنَّ الإعانَةَ أوْلى في هَذا البابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَها الأخْفَشُ، وهي تَصْحِيفٌ لا قِراءَةٌ. انْتَهى. ولَيْسَتْ تَصْحِيفًا، فَقَدْ نَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وابْنُ جُبارَةَ عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ والزَّعْفَرانِيِّ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ التَّناكُرُ بَيْنَهُما قالَ القِبْطِيُّ لِمُوسى: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أحْمِلَهُ عَلَيْكَ، يَعْنِي الحَطَبَ، فاشْتَدَّ غَضَبُ مُوسى، وكانَ قَدْ أُوتِيَ قُوَّةً ﴿فَوَكَزَهُ﴾ فَماتَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”فَلَكَزَهُ“، بِاللّامِ، وعَنْهُ: ”فَنَكَزَهُ“، بِالنُّونِ. قالَ قَتادَةُ: وكَزَهُ بِعَصاهُ؛ وغَيْرُهُ قالَ: بِجُمْعِ كَفِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ ﴿فَقَضى﴾ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى مُوسى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ فَقَضى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن وكَزَهُ، أيْ فَقَضى الوَكْزُ عَلَيْهِ، وكانَ مُوسى لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ، ولَكِنْ وافَقَتْ وكْزَتُهُ الأجَلَ، فَنَدِمَ مُوسى. ورُوِيَ أنَّهُ دَفَنَهُ في الرَّمْلِ وقالَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وهو ما لَحِقَهُ مِنَ الغَضَبِ حَتّى أدّى إلى الوَكْزَةِ الَّتِي قَضَتْ عَلى القِبْطِيِّ، وجَعَلَهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وسَمّاهُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ واسْتَغْفَرَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ أدّى إلى قَتْلِ مَن لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في قَتْلِهِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: لَيْسَ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ ما لَمْ يُؤْمَرْ. وقالَ كَعْبٌ: كانَ مُوسى إذْ ذاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَتْلُهُ خَطَأً، فَإنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ. وقالَ النَّقّاشُ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدِ انْتَهَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَهْجَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] . والباءُ في ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ لِلْقَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ بِما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ مِنَ المَغْفِرَةِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَأتُوبَنَّ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اعْصِمْنِي بِحَقِّ ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ (p-١١٠)المَغْفِرَةِ ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ إنْ عَصَمْتَنِي ﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . وقِيلَ: ﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ دُعاءٌ لا خَبَرٌ، ولَنْ بِمَعْنى لا في الدُّعاءِ، والصَّحِيحُ أنَّ لَنْ لا تَكُونُ في الدُّعاءِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ عَلى أنَّ لَنْ تَكُونُ في الدُّعاءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَنْ تَزالُوا كَذاكم ثُمَّ ما زِلْ ∗∗∗ تَ لَهم خالِدًا خُلُودَ الجِبالِ والمُظاهَرَةُ، إمّا بِصُحْبَتِهِ لِفِرْعَوْنَ وانْتِظامِهِ في جُمْلَتِهِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِ حَيْثُ كانَ يَرْكَبُ بِرُكُوبِهِ كالوَلَدِ مَعَ الوالِدِ، وكانَ يُسَمّى ابْنَ فِرْعَوْنَ، وإمّا أنَّهُ أدَّتِ المُظاهَرَةُ إلى القَتْلِ الَّذِي جَرى عَلى يَدِهِ. وقِيلَ: بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَلَنْ أسْتَعْمِلَها إلّا في مُظاهَرَةِ أوْلِيائِكَ، ولا أدَعُ قِبْطِيًّا يَغْلِبُ إسْرائِيلِيًّا. واحْتَجَّ أهْلُ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَنعِ مَعُونَةِ أهْلِ الظُّلْمِ وخِدْمَتِهِمْ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُ. وقالَ رَجُلٌ لِعَطاءٍ: إنَّ أخِي يَضْرِبُ بِعِلْمِهِ ولا يَعْدُو رِزْقَهُ، قالَ: فَمَنِ الرَّأْسُ، يَعْنِي مَن يَكْتُبْ لَهُ ؟ قالَ: خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ، قالَ: فَأيْنَ قَوْلُ مُوسى ؟ وتَلا الآيَةَ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا﴾ مِن قِتْلِ القِبْطِيِّ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ، يَتَرَقَّبُ وُقُوعَ المَكْرُوهِ بِهِ أوِ الإخْبارَ هَلْ وقَفُوا عَلى ما كانَ مِنهُ ؟ قِيلَ: خائِفًا مِن أنَّهُ يَتَرَقَّبُ المَغْفِرَةَ. وقِيلَ: خائِفًا يَتَرَقَّبُ نُصْرَةَ رَبِّهِ، أوْ يَتَرَقَّبُ هِدايَةَ قَوْمِهِ، أوْ يَنْتَظِرُ أنْ يُسْلِمَهُ قَوْمُهُ. ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ أيِ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ قَتَلَ القِبْطِيَّ بِسَبَبِهِ. وإذا هُنا لِلْمُفاجَأةِ، وبِالأمْسِ يَعْنِي اليَوْمَ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِ الِاسْتِصْراخِ، وهو مُعْرَبٌ، فَحَرَكَةُ سِينِهِ حَرَكَةُ إعْرابٍ؛ لِأنَّهُ دَخَلَتْهُ ألْ، بِخِلافِ حالِهِ إذا عُرِّيَ مِنها، فالحِجازُ تَبْنِيهِ إذا كانَ مَعْرِفَةً، وتَمِيمٌ تَمْنَعُهُ الصَّرْفَ حالَةَ الرَّفْعِ فَقَطْ، ومِنهم مَن يَمْنَعُهُ الصَّرْفَ مُطْلَقًا، وقَدْ يُبْنى مَعَ ألْ عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وإنِّي حَسِبْتُ اليَوْمَ والأمْسَ قَبْلَهُ ∗∗∗ إلى اللَّيْلِ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَصِيحُ بِهِ مُسْتَغِيثًا مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعُ الطَّنابِيبِ قالَ لَهُ مُوسى: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”لَهُ“ عائِدٌ عَلى الَّذِي ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ لِكَوْنِكَ كُنْتَ سَبَبًا في قَتْلِ القِبْطِيِّ بِالأمْسِ، قالَ لَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ العِتابِ والتَّأْنِيبِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في لَهُ، والخِطابُ لِلْقِبْطِيِّ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَسْتَصْرِخُهُ، ولَمْ يَفْهَمِ الإسْرائِيلِيُّ أنَّ الخِطابَ لِلْقِبْطِيِّ. ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في أرادَ ويَبْطِشُ هو لِمُوسى. ﴿بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ لِلْمُسْتَصْرِخِ ومُوسى وهو القِبْطِيُّ يُوهِمُ الإسْرائِيلِيَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ هو عَلى سَبِيلِ إرادَةِ السُّوءِ بِهِ، وظَنَّ أنَّهُ يَسْطُو عَلَيْهِ. قالَ - أيِ الإسْرائِيلِيُّ -: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ دَفْعًا لِما ظَنَّهُ مِن سَطْوِ مُوسى عَلَيْهِ، وكانَ تَعْيِينُ القاتِلِ القِبْطِيِّ قَدْ خَفِيَ عَلى النّاسِ، فانْتَشَرَ في المَدِينَةِ أنَّ قاتِلَ القِبْطِيِّ هو مُوسى، ونَمى ذَلِكَ إلى فِرْعَوْنَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ مُوسى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ”أرادَ“ و”يَبْطِشَ“ لِلْإسْرائِيلِيِّ عِنْدَ ذَلِكَ مِن مُوسى، وخاطَبَهُ بِما يَقْبُحُ، وأنَّ بَعْدَ ”لَمّا“ يَطَّرِدُ زِيادَتُها. وقِيلَ: لَوْ إذا سَبَقَ قَسَمٌ كَقَوْلِهِ: ؎فَأُقْسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنْتُمْ ∗∗∗ لَكانَ لَكم يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَبْطِشَ“، بِكَسْرِ الطّاءِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها. ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ وشَأْنُ الجَبّارِ أنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ، ولَمّا أثْبَتَ لَهُ الجَبَرُوتِيَّةَ نَفى عَنْهُ الصَّلاحَ. ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ قِيلَ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ. قالَ الكَلْبِيُّ: واسْمُهُ جِبْرِيلُ بْنُ شَمْعُونَ. وقالَ الضَّحّاكُ: شَمْعُونُ بْنُ إسْحاقَ. وقِيلَ: هو غَيْرُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. ﴿يَسْعى﴾ يَشْتَدُّ في مَشْيِهِ. ولَمّا أمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، خَرَجَ الجَلاوِزَةُ (p-١١١)مِنَ الشّارِعِ الأعْظَمِ، لِطَلَبِهِ فَسَلَكَ هَذا الرَّجُلُ طَرِيقًا أقْرَبَ إلى مُوسى. و”مِن أقْصى المَدِينَةِ“، و”يَسْعى“: صِفَتانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَسْعى حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ مِن أقْصى بِـ ”جاءَ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإذا جَعَلَ، يَعْنِي، مِن أقْصى حالًا، لِـ ”جاءَ“ لَمْ يَجُزْ في ”يَسْعى“ إلّا الوَصْفُ. انْتَهى. يَعْنِي: أنَّ رَجُلًا يَكُونُ نَكِرَةً لَمْ تُوصَفْ، فَلا يَجُوزُ مِنها الحالُ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ مِن غَيْرِ وصْفٍ. قالَ: ﴿إنَّ المَلَأ﴾ وهم وُجُوهُ أهْلِ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ يَتَشاوَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ، وهو النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: ؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَوْلِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وائْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] . ﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ . ولَكَ: مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ، أيْ ناصِحٌ لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ، أيْ لَكَ أعْنِي، أوْ بِالنّاصِحِينَ، وإنْ كانَ في صِلَةِ ألْ، لِأنَّهُ يُتَسامَحُ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِهِما. وهي ثَلاثَةُ أقْوالٍ لِلنَّحْوِيِّينَ فِيما أشْبَهَ هَذا، فامْتَثَلَ مُوسى ما أمَرَهُ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وعَلِمَ صِدْقَهُ ونُصْحَهُ، وخَرَجَ وقَدْ أفْلَتَ طالِبِيهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ. وكانَ مُوسى لا يَعْرِفُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، ولَمْ يَصْحَبْ أحَدًا، فَسَلَكَ مَجْهَلًا، واثِقًا بِاللَّهِ تَعالى، داعِيًا راغِبًا إلى رَبِّهِ في تَنْجِيَتِهِ مِنَ الظّالِمِينَ.

القصص 28:22

﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ . (p-١١٢)﴿تَوَجَّهَ﴾ رَدَّ وجْهَهُ. و﴿تِلْقاءَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في يُونُسَ، أيْ ناحِيَةَ وجْهِهِ. اسْتُعْمِلَ المَصْدَرُ اسْتِعْمالَ الظَّرْفِ، وكانَ هُناكَ ثَلاثُ طُرُقٍ، فَأخَذَ مُوسى أوْسَطَها، وأخَذَ طالِبُوهُ في الآخَرَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بُنَيّاتِها. فَبَقِيَ في الطَّرِيقِ ثَمانِيَ لَيالٍ (p-١١٣)وهُوَ حافٍ، لا يَطْعَمُ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أنَّهُ كانَ لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ أقْصَدَ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ أنَّهُ لا يَضِلُّ، إذْ لَوْ سَلَكَ ما لا يُوَصِّلُهُ إلى المَقْصُودِ لَتاهَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَصَدَ مَدْيَنَ وأخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، فَأوْصَلَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: هَداهُ جِبْرِيلُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ. وقِيلَ: أخَذَ طَرِيقًا يَأْمَنُ فِيهِ، فاتَّفَقَ ذَهابُهُ إلى مَدْيَنَ. والظّاهِرُ أنَّ ”سَواءَ السَّبِيلِ“: وسَطُ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ إلى مَكانِ مَأْمَنِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ”سَواءَ السَّبِيلِ“: طَرِيقُ مَدْيَنَ. وقالَ الحَسَنُ: هو سَبِيلُ الهُدى، فَمَشى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ وصَلَ إلى مَدْيَنَ، ولَمْ يَكُنْ في طاعَةِ فِرْعَوْنَ. ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ، والوُرُودُ بِمَعْنى الوُصُولِ إلى الشَّيْءِ، وبِمَعْنى الدُّخُولِ فِيهِ. قِيلَ: وكانَ هَذا الماءُ بِئْرًا. والأُمَّةُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ومَعْنى عَلَيْهِ: أيْ عَلى شَفِيرِهِ وحاشِيَتِهِ. ﴿يَسْقُونَ﴾ يَعْنِي مَواشِيَهم. ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي وصَلَ إلَيْها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأُمَّةِ، فَهُما مِن دُونِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِهِمْ. ﴿تَذُودانِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُّقاةِ الأقْوِياءِ. وقالَ قَتادَةُ: تَذُودانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما. قالَ الزَّجّاجُ: وكَأنَّهُما تَكْرَهانِ المُزاحَمَةَ عَلى الماءِ. وقِيلَ: لِئَلّا تَخْتَلِطَ غَنَمُهُما بِأغْنامِهِمْ. وقِيلَ: تَذُودانِ عَنْ وُجُوهِهِما نَظَرَ النّاظِرِ لِتَسَتُّرِهِما. وقالَ الفَرّاءُ: تَحْبِسانِها عَنْ أنْ تَتَفَرَّقَ، واسْمُ الصُّغْرى عِبْرا، واسْمُ الكُبْرى صَبُورا. ولَمّا رَآهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واقِفَتَيْنِ لا تَتَقَدَّمانِ لِلسَّقْيِ، سَألَهُما فَقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ بِالخَطْبِ إنَّما هو في مُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ مَن يُشْفَقُ عَلَيْهِ، أوْ يَأْتِي بِمُنْكَرٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَتُهُ: ما مَخْطُوبُكُما ؟ أيْ ما مَطْلُوبُكُما مِنَ الذِّيادِ ؟ سُمِّيَ المَخْطُوبُ خَطْبًا، كَما سُمِّيَ الشُّئُونَ شَأْنًا في قَوْلِكَ: ما شَأْنُكَ ؟ يُقالُ: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أيْ قَصَدْتُ قَصْدَهُ. انْتَهى. وفي سُؤالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُكالَمَةِ الأجْنَبِيَّةِ فِيما يَعُنُّ ولَمْ يَكُنْ لِأبِيهِما أجِيرٌ، فَكانَتا تَسُوقانِ الغَنَمَ إلى الماءِ، ولَمْ تَكُنْ لَهُما قُوَّةُ الِاسْتِقاءِ، وكانَ الرُّعاةُ يَسْتَقُونَ مِنَ البِئْرِ فَيَسْقُونَ مَواشِيَهم، فَإذا صَدَرُوا، فَإنْ بَقِيَ في الحَوْضِ شَيْءٌ سَقَتا. فَوافى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ اليَوْمَ وهُما يَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ، فَرَقَّ عَلَيْهِما وقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ وقَرَأ شِمْرٌ: بِكَسْرِ الخاءِ، أيْ مَن زَوْجُكُما ؟ ولِمَ لا يَسْقِي هو ؟ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ نادِرَةٌ. ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ . وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: لا نُسْقِيَ، بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والعَرَبِيّانِ: يَصْدُرَ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ يَصْدُرُونَ بِأغْنامِهِمْ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أيْ يُصْدِرُونَ أغْنامَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الرِّعاءُ“، بِكَسْرِ الرّاءِ: جَمْعَ تَكْسِيرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا الرِّعاءُ بِالكَسْرِ فَقِياسٌ، كَصِيامٍ وقِيامٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِقِياسٍ؛ لِأنَّهُ جَمْعُ راعٍ، وقِياسُ فاعِلِ الصِّفَةِ الَّتِي لِلْعاقِلِ أنْ تُكْسَرَ عَلى فُعَلَةٍ، كَقاضٍ وقُضاةٍ، وما سِوى جَمْعِهِ هَذا فَلَيْسَ بِقِياسٍ. وقُرِئَ: الرُّعاءُ، بِضَمِّ الرّاءِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ، كالرِّجالِ والثَّناءِ. قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَرَأ عَيّاشٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: الرَّعاءُ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الصِّفَةِ، فاسْتَوى لَفْظُ الواحِدِ والجَماعَةِ فِيهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ. ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِذارٌ لِمُوسى عَنْ مُباشَرَتِهِما السَّقْيَ بِأنْفُسِهِما، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أباهُما لا يَقْدِرُ عَلى السَّقْيِ لِشَيَخِهِ وكِبَرِهِ، واسْتِعْطافٌ لِمُوسى في إعانَتِهِما. ﴿فَسَقى لَهُما﴾ أيْ سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما. ورُوِيَ أنَّ الرُّعاةَ كانُوا يَضَعُونَ عَلى رَأْسِ البِئْرِ حَجَرًا لا يُقِلُّهُ إلّا عَدَدٌ مِنَ الرِّجالِ، واضْطَرَبَ النَّقْلُ في العَدَدِ، فَأقَلُّ ما قالُوا سَبْعَةٌ، وأكْثَرُهُ مِائَةٌ، فَأقَلَّهُ وحْدَهُ. وقِيلَ: كانَتْ لَهم دَلْوٌ لا يَنْزِعُ بِها إلّا أرْبَعُونَ، فَنَزَعَ بِها وحْدَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ زاحَمَهم عَلى الماءِ حَتّى سَقى لَهُما، كُلُّ ذَلِكَ رَغْبَةً في الثَّوابِ عَلى ما كانَ بِهِ مِن نَصَبِ السَّفَرِ وكَثْرَةِ الجُوعِ، حَتّى كانَتْ تَظْهَرُ الخُضْرَةُ في (p-١١٤)بَطْنِهِ مِنَ البَقْلِ. وقِيلَ: إنَّهُ مَشى حَتّى سَقَطَ أصْلُهُ، وهو باطِنُ القَدَمِ، ومَعَ ذَلِكَ أغاثَهُما وكَفاهُما أمْرَ السَّقْيِ. وقَدْ طابَقَ جَوابُهُما لِسُؤالِهِ. سَألَهُما عَنْ سَبَبِ الذَّوْدِ، فَأجاباهُ: بِأنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ، لا نَقْدِرُ عَلى مُزاحَمَةِ الرِّجالِ، فَنُؤَخِّرُ السَّقْيَ إلى فَراغِهِمْ. ومُباشَرَتُهُما ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، وعادَةُ العَرَبِ وأهْلِ البَدْوِ في ذَلِكَ غَيْرُ عادَةِ أهْلِ الحَضَرِ والأعاجِمِ، لا سِيَّما إذا دَعَتْ إلى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ. ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ظِلُّ شَجَرَةٍ. قِيلَ: كانَتْ سَمُرَةً. وقِيلَ: إلى ظِلِّ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ. وقِيلَ: جَعَلَ ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِي وجْهَهُ مِنَ الشَّمْسِ. ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تَعَرَّضَ لِما يَطْعَمَهُ، لِما نالَهُ مِنَ الجُوعِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالسُّؤالِ؛ و”أنْزَلْتَ“ هُنا بِمَعْنى تُنَزِّلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعُدِّيَ بِاللّامِ. ”فَقِيرٌ“ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى سائِلٍ وطالِبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ، أيْ فَقِيرٌ مِنَ الدُّنْيا لِأجْلِ ما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ، وهو النَّجاةُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ، قالَ ذَلِكَ رِضًا بِالبَدَلِ السَّنِيِّ وفَرَحًا بِهِ وشُكْرًا لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ الزِّيادَةَ في العِلْمِ والحِكْمَةِ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما مِن غَيْرِ إبْطاءٍ في السَّقْيِ، وقَصَّتا عَلَيْهِ أمْرَ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ . قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: فَجاءَتْهُ احْداهُما، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ: ويْلُ امِّهِ في ويْلِ أُمِّهِ، ويابا فُلانٍ، والقِياسُ أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ، و”إحْداهُما“ مُبْهَمٌ. فَقِيلَ: الكُبْرى، وقِيلَ: كانَتا تَوْأمَتَيْنِ، وُلِدَتِ الأُولى قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ. وعَلى اسْتِحْياءٍ: في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُسْتَحْيِيَةً مُتَحَفِّزَةً. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ الدّاعِيَ أباهُما هو شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهُما ابْنَتاهُ. وقالَ الحَسَنُ: هو ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، واسْمُهُ مَرْوانُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هارُونُ. وقِيلَ: هو رَجُلٌ صالِحٌ لَيْسَ مِن شُعَيْبٍ بِنَسَبٍ. وقِيلَ: كانَ عَمَّهُما صاحِبَ الغَنَمِ، وهو المُزَوِّجُ، عَبَّرَتْ عَنْهُ بِالأبِ، إذْ كانَ بِمَثابَتِهِ. ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ في ذَلِكَ ما كانَ عَلَيْهِ شُعَيْبٌ مِنَ الإحْسانِ والمُكافَأةِ لِمَن عَمِلَ لَهُ عَمَلًا، وإنْ لَمْ يَقْصِدِ العامِلُ المُكافَأةَ. ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ فَذَهَبَ مَعَهُما إلى أبِيهِما، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى اعْتِمادِ أخْبارِ المَرْأةِ، إذْ ذَهَبَ مَعَها مُوسى، كَما يُعْتَمَدُ عَلى أخْبارِها في بابِ الرِّوايَةِ. ﴿وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ ما جَرى لَهُ مِن خُرُوجِهِ مِن مِصْرَ، وسَبَبَ ذَلِكَ. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ قَبِلَ اللَّهُ دُعاءَكَ في قَوْلِكَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] أوْ أخْبَرَهُ بِنَجاتِهِ مِنهم، فَأنَّسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وقَرَّبَ إلَيْهِ طَعامًا، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنّا أهْلُ بَيْتٍ، لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَيْسَ هَذا عِوَضَ السَّقْيِ، ولَكِنَّ عادَتِي وعادَةَ آبائِي قِرى الضَّيْفِ وإطْعامُ الطَّعامِ؛ فَحِينَئِذٍ أكَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ أبْهَمَ القائِلَةَ، وهي الذّاهِبَةُ والقائِلَةُ والمُتَزَوِّجَةُ ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ لِرَعْيِ الغَنَمِ وسَقْيِها. ووَصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ: لِكَوْنِهِ رَفَعَ الصَّخْرَةَ عَنِ البِئْرِ وحْدَهُ، وانْتَزَعَ بِتِلْكَ الدَّلْوِ، وزاحَمَهم حَتّى غَلَبَهم عَلى الماءِ؛ وبِالأمانَةِ؛ لِأنَّها حِينَ قامَ يَتْبَعُها هَبَّتِ الرِّيحُ فَلَفَّتْ ثِيابَها فَوَصَفَتْها، فَقالَ: ارْجِعِي خَلْفِي ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ. وقَوْلُها كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ؛ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الكِفايَةُ والأمانَةُ في القائِمِ بِأمْرٍ، فَقَدْ تَمَّ المَقْصُودُ، وهو كَلامٌ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وصارَ مَطْرُوقًا لِلنّاسِ، وكانَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلِاسْتِئْجارِ، وكَأنَّها قالَتِ: اسْتَأْجِرْهُ لِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ، وصارَ الوَصْفانِ مُنَبِّهَيْنِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ حَيًّا وهالِكًا أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهم في السَّلاسِلِ جَعَلَ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ الِاسْمَ، اعْتِناءً بِهِ. وحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ. ولَمّا وصَفَتْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ قالَ لَها أبُوها: ومِن أيْنَ عَرَفْتِ هَذا ؟ فَذَكَرَتْ إقْلالَهُ الحَجَرَ وحْدَهُ، وتَحَرُّجَهُ مِنَ النَّظَرِ إلَيْها حِينَ وصَفَتْها (p-١١٥)الرِّيحُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: قالَ لَها مُوسى ابْتِداءً: كُونِي ورائِي، فَإنِّي رَجُلٌ لا أنْظُرُ إلى أدْبارِ النِّساءِ، ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ يَمِينًا أوْ يَسارًا. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: بِنْتُ شُعَيْبٍ وصاحِبُ يُوسُفَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ [القصص: ٩] وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ. وفي قَوْلِها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الإجارَةِ عِنْدَهم، وكَذا كانَتْ في كُلِّ مِلَّةٍ، وهي ضَرُورَةُ النّاسِ ومَصْلَحَةُ الخِلْطَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُلَيَّةَ والأصَمِّ، حَيْثُ كانا لا يُجِيزانِها؛ وهَذا مِمّا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ، وخِلافُهُما خَرَقٌ. ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ رَغِبَ شُعَيْبٌ في مُصاهَرَتِهِ، لِما وصَفَتْهُ بِهِ، ولِما رَأى فِيهِ مِن عُزُوفِهِ عَنِ الدُّنْيا وتَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ وفِرارِهِ مِنَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ ورْشٌ، وأحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”أُنْكِحَكَ احْدى“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أنَّ الإنْكاحَ إلى الوَلِيِّ لا حَقَّ لِلْمَرْأةِ فِيهِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ في بَعْضِ صُوَرِهِ، بِأنْ تَكُونَ بالِغَةً عالِمَةً بِمَصالِحِ نَفْسِها، فَإنَّها تَعْقِدُ عَلى نَفْسِها بِمَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَرْضِ الوَلِيِّ ولِيَّتَهُ عَلى الزَّوْجِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، ودَلِيلٌ عَلى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ البِكْرِ مِن غَيْرِ اسْتِئْمارٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا بَلَغَتِ البِكْرُ، فَلا تُزَوَّجُ إلّا بِرِضاها. قِيلَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ، أوِ الإنْكاحِ، وبِهِ قالَ رَبِيعَةُ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وداوُدُ. و”إحْدى ابْنَتَيَّ“: مُبْهَمٌ، وهَذا عَرْضٌ لا عَقْدٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ ؟ وحِينَ العَقْدِ يُعَيِّنُ مَن شاءَ مِنهُما، وكَذَلِكَ لَمْ يَحُدَّ أوَّلَ أمَدِ الإجارَةِ. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ النِّكاحِ بِالإجارَةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ وابْنُ حَبِيبٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿هاتَيْنِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لَهُ غَيْرُهُما. انْتَهى. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما كانَتا هُما اللَّتَيْنِ رَآهُما تَذُودانِ، وجاءَتْهُ إحْداهُما، فَأشارَ إلَيْهِما، والإشارَةُ إلَيْهِما لا تَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ غَيْرَهُما. ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”أُنْكِحَكَ“، إمّا الفاعِلُ، وإمّا المَفْعُولُ. و”تَأْجُرَنِي“، مِن أجَرْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أجِيرًا، كَقَوْلِكَ: أبَوْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أبًا، ومَفْعُولُ ”تَأْجُرُنِي“ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَفْسَكَ. و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حِجَجٌ: مَفْعُولٌ بِهِ، ومَعْناهُ: رَعْيُهُ ثَمانِيَ حِجَجٍ. ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ هو تَبَرُّعٌ وتَفَضُّلٌ لا اشْتِراطٌ. ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِ أيِّ الأجَلَيْنِ، ولا في المُعاشَرَةِ والمُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ، وتَكْلِيفُ الرُّعاةِ أشْياءً مِنَ الخِدَمِ خارِجَةً عَنِ الشَّرْطِ. ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وعْدٌ صادِقٌ مَقْرُونٌ بِالمَشِيئَةِ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ووَطاءَةِ الخُلُقِ، أوْ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ حَسَنُ المُعامَلَةِ. ولَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِمّا حاوَرَ بِهِ مُوسى، قالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ عَلى جِهَةِ التَّقْدِيرِ والتَّوَثُّقِ في أنَّ الشَّرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِي حِجَجٍ. و”ذَلِكَ“ مُبْتَدَأٌ خْبَرُهُ ”بَيْنِي وبَيْنَكَ“، إشارَةٌ إلى ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ، أيْ ذَلِكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي وشارَطْتَنِي قائِمٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا نَخْرُجُ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيِ الثَّمانِيَ أوِ العَشْرَ ؟ ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أيْ لا يُعْتَدى عَلَيَّ في طَلَبِ الزِّيادَةِ، و”أيَّ“ شَرْطٌ، وما زائِدَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، والعَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أيَّما، بِحَذْفِ الياءِ الثّانِيَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنَظَّرَتْ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيَّما ∗∗∗ عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أيَّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ، بِزِيادَةِ ما بَيْنَ الأجَلَيْنِ وقَضَيْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ مُوقِعِ ما المَزِيدَةِ في القِراءَتَيْنِ ؟ (قُلْتُ): وقَعَتْ في المُسْتَفِيضَةِ مُؤَكَّدَةَ الإبْهامِ، أيْ زائِدَةً في شِياعِها، وفي الشّاذِّ تَأْكِيدًا لِلْقَضاءِ، كَأنَّهُ قالَ: أيَّ الأجَلَيْنِ صَمَّمْتُ عَلى قَضائِهِ وجَرَّدْتُ عَزِيمَتِي لَهُ ؟ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ قُطَيْبٍ: ”فَلا عِدْوانَ“، بِكَسْرِ العَيْنِ. قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ في أتَمِّهِما، ولَكِنْ جَمَعَهُما، لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصَوُّرُ العُدْوانِ إنَّما هو في (p-١١٦)أحَدِ الأجَلَيْنِ الَّذِي هو أقْصَرُ، وهو المُطالَبَةُ بِتَتِمَّةِ العَشْرِ، فَما مَعْنى تَعْلِيقِ العُدْوانِ بِهِما جَمِيعًا ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: كَما أنِّي إنْ طُولِبْتُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ، كانَ عُدْوانًا لا شَكَّ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إنْ طُولِبْتُ في الزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِي. أرادَ بِذَلِكَ تَقْرِيرَ الخِيارِ، وأنَّهُ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، وأنَّ الأجَلَيْنِ عَلى السَّواءِ، إمّا هَذا، وإمّا هَذا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما في القَضاءِ. وأمّا التَّتِمَّةُ فَمَوْكُولَةٌ إلى رَأْيِي، إنْ شِئْتُ أتَيْتُ بِها وإلّا لَمْ أُجْبَرْ عَلَيْها. وقِيلَ: مَعْناهُ فَلا أكُونُ مُتَعَدِّيًا، وهو في نَفْيِ العُدْوانِ عَنْ نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: لا إثْمَ عَلَيَّ ولا تَبِعَةَ. انْتَهى، وجَوابُهُ الأوَّلُ فِيهِ تَكْثِيرٌ. ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ أيْ عَلى ما تَعاهَدْنا عَلَيْهِ وتَواثَقْنا ﴿وكِيلٌ﴾ أيْ شاهِدٌ. وقالَ قَتادَةُ: حَفِيظٌ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: رَقِيبٌ، والوَكِيلُ الَّذِي وُكِلَ إلَيْهِ الأمْرُ، فَلَمّا ضُمِّنَ مَعْنى شاهِدٍ ونَحْوِهِ عُدِّيَ بِعَلى. ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ جاءَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ وفّى أطْوَلَ الأجَلَيْنِ، وهو العَشْرُ» . وعَنْ مُجاهِدٍ: وفّى عَشْرًا أوْ عَشْرًا بَعْدَها، وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ أيْ نَحْوَ مِصْرَ بَلَدِهِ وبَلَدِ قَوْمِهِ. والخِلافُ فِيمَن تَزَوَّجَ، الكُبْرى أمِ الصُّغْرى، وكَذَلِكَ في اسْمِها. وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَسِيرِهِ، وإيناسُهُ النّارَ في سُورَةِ طه وغَيْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”جِذْوَةٍ“ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وحَمْزَةُ: بِضَمِّها؛ وعاصِمٌ غَيْرَ الجُعْفِيِّ: بِفَتْحِها. ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ تَتَسَخَّنُونَ بِها، إذْ كانَتْ لَيْلَةً بارِدَةً، وقَدْ أضَلُّوا الطَّرِيقَ.

القصص 28:23

﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ . (p-١١٢)﴿تَوَجَّهَ﴾ رَدَّ وجْهَهُ. و﴿تِلْقاءَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في يُونُسَ، أيْ ناحِيَةَ وجْهِهِ. اسْتُعْمِلَ المَصْدَرُ اسْتِعْمالَ الظَّرْفِ، وكانَ هُناكَ ثَلاثُ طُرُقٍ، فَأخَذَ مُوسى أوْسَطَها، وأخَذَ طالِبُوهُ في الآخَرَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بُنَيّاتِها. فَبَقِيَ في الطَّرِيقِ ثَمانِيَ لَيالٍ (p-١١٣)وهُوَ حافٍ، لا يَطْعَمُ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أنَّهُ كانَ لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ أقْصَدَ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ أنَّهُ لا يَضِلُّ، إذْ لَوْ سَلَكَ ما لا يُوَصِّلُهُ إلى المَقْصُودِ لَتاهَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَصَدَ مَدْيَنَ وأخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، فَأوْصَلَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: هَداهُ جِبْرِيلُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ. وقِيلَ: أخَذَ طَرِيقًا يَأْمَنُ فِيهِ، فاتَّفَقَ ذَهابُهُ إلى مَدْيَنَ. والظّاهِرُ أنَّ ”سَواءَ السَّبِيلِ“: وسَطُ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ إلى مَكانِ مَأْمَنِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ”سَواءَ السَّبِيلِ“: طَرِيقُ مَدْيَنَ. وقالَ الحَسَنُ: هو سَبِيلُ الهُدى، فَمَشى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ وصَلَ إلى مَدْيَنَ، ولَمْ يَكُنْ في طاعَةِ فِرْعَوْنَ. ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ، والوُرُودُ بِمَعْنى الوُصُولِ إلى الشَّيْءِ، وبِمَعْنى الدُّخُولِ فِيهِ. قِيلَ: وكانَ هَذا الماءُ بِئْرًا. والأُمَّةُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ومَعْنى عَلَيْهِ: أيْ عَلى شَفِيرِهِ وحاشِيَتِهِ. ﴿يَسْقُونَ﴾ يَعْنِي مَواشِيَهم. ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي وصَلَ إلَيْها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأُمَّةِ، فَهُما مِن دُونِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِهِمْ. ﴿تَذُودانِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُّقاةِ الأقْوِياءِ. وقالَ قَتادَةُ: تَذُودانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما. قالَ الزَّجّاجُ: وكَأنَّهُما تَكْرَهانِ المُزاحَمَةَ عَلى الماءِ. وقِيلَ: لِئَلّا تَخْتَلِطَ غَنَمُهُما بِأغْنامِهِمْ. وقِيلَ: تَذُودانِ عَنْ وُجُوهِهِما نَظَرَ النّاظِرِ لِتَسَتُّرِهِما. وقالَ الفَرّاءُ: تَحْبِسانِها عَنْ أنْ تَتَفَرَّقَ، واسْمُ الصُّغْرى عِبْرا، واسْمُ الكُبْرى صَبُورا. ولَمّا رَآهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واقِفَتَيْنِ لا تَتَقَدَّمانِ لِلسَّقْيِ، سَألَهُما فَقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ بِالخَطْبِ إنَّما هو في مُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ مَن يُشْفَقُ عَلَيْهِ، أوْ يَأْتِي بِمُنْكَرٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَتُهُ: ما مَخْطُوبُكُما ؟ أيْ ما مَطْلُوبُكُما مِنَ الذِّيادِ ؟ سُمِّيَ المَخْطُوبُ خَطْبًا، كَما سُمِّيَ الشُّئُونَ شَأْنًا في قَوْلِكَ: ما شَأْنُكَ ؟ يُقالُ: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أيْ قَصَدْتُ قَصْدَهُ. انْتَهى. وفي سُؤالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُكالَمَةِ الأجْنَبِيَّةِ فِيما يَعُنُّ ولَمْ يَكُنْ لِأبِيهِما أجِيرٌ، فَكانَتا تَسُوقانِ الغَنَمَ إلى الماءِ، ولَمْ تَكُنْ لَهُما قُوَّةُ الِاسْتِقاءِ، وكانَ الرُّعاةُ يَسْتَقُونَ مِنَ البِئْرِ فَيَسْقُونَ مَواشِيَهم، فَإذا صَدَرُوا، فَإنْ بَقِيَ في الحَوْضِ شَيْءٌ سَقَتا. فَوافى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ اليَوْمَ وهُما يَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ، فَرَقَّ عَلَيْهِما وقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ وقَرَأ شِمْرٌ: بِكَسْرِ الخاءِ، أيْ مَن زَوْجُكُما ؟ ولِمَ لا يَسْقِي هو ؟ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ نادِرَةٌ. ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ . وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: لا نُسْقِيَ، بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والعَرَبِيّانِ: يَصْدُرَ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ يَصْدُرُونَ بِأغْنامِهِمْ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أيْ يُصْدِرُونَ أغْنامَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الرِّعاءُ“، بِكَسْرِ الرّاءِ: جَمْعَ تَكْسِيرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا الرِّعاءُ بِالكَسْرِ فَقِياسٌ، كَصِيامٍ وقِيامٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِقِياسٍ؛ لِأنَّهُ جَمْعُ راعٍ، وقِياسُ فاعِلِ الصِّفَةِ الَّتِي لِلْعاقِلِ أنْ تُكْسَرَ عَلى فُعَلَةٍ، كَقاضٍ وقُضاةٍ، وما سِوى جَمْعِهِ هَذا فَلَيْسَ بِقِياسٍ. وقُرِئَ: الرُّعاءُ، بِضَمِّ الرّاءِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ، كالرِّجالِ والثَّناءِ. قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَرَأ عَيّاشٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: الرَّعاءُ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الصِّفَةِ، فاسْتَوى لَفْظُ الواحِدِ والجَماعَةِ فِيهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ. ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِذارٌ لِمُوسى عَنْ مُباشَرَتِهِما السَّقْيَ بِأنْفُسِهِما، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أباهُما لا يَقْدِرُ عَلى السَّقْيِ لِشَيَخِهِ وكِبَرِهِ، واسْتِعْطافٌ لِمُوسى في إعانَتِهِما. ﴿فَسَقى لَهُما﴾ أيْ سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما. ورُوِيَ أنَّ الرُّعاةَ كانُوا يَضَعُونَ عَلى رَأْسِ البِئْرِ حَجَرًا لا يُقِلُّهُ إلّا عَدَدٌ مِنَ الرِّجالِ، واضْطَرَبَ النَّقْلُ في العَدَدِ، فَأقَلُّ ما قالُوا سَبْعَةٌ، وأكْثَرُهُ مِائَةٌ، فَأقَلَّهُ وحْدَهُ. وقِيلَ: كانَتْ لَهم دَلْوٌ لا يَنْزِعُ بِها إلّا أرْبَعُونَ، فَنَزَعَ بِها وحْدَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ زاحَمَهم عَلى الماءِ حَتّى سَقى لَهُما، كُلُّ ذَلِكَ رَغْبَةً في الثَّوابِ عَلى ما كانَ بِهِ مِن نَصَبِ السَّفَرِ وكَثْرَةِ الجُوعِ، حَتّى كانَتْ تَظْهَرُ الخُضْرَةُ في (p-١١٤)بَطْنِهِ مِنَ البَقْلِ. وقِيلَ: إنَّهُ مَشى حَتّى سَقَطَ أصْلُهُ، وهو باطِنُ القَدَمِ، ومَعَ ذَلِكَ أغاثَهُما وكَفاهُما أمْرَ السَّقْيِ. وقَدْ طابَقَ جَوابُهُما لِسُؤالِهِ. سَألَهُما عَنْ سَبَبِ الذَّوْدِ، فَأجاباهُ: بِأنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ، لا نَقْدِرُ عَلى مُزاحَمَةِ الرِّجالِ، فَنُؤَخِّرُ السَّقْيَ إلى فَراغِهِمْ. ومُباشَرَتُهُما ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، وعادَةُ العَرَبِ وأهْلِ البَدْوِ في ذَلِكَ غَيْرُ عادَةِ أهْلِ الحَضَرِ والأعاجِمِ، لا سِيَّما إذا دَعَتْ إلى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ. ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ظِلُّ شَجَرَةٍ. قِيلَ: كانَتْ سَمُرَةً. وقِيلَ: إلى ظِلِّ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ. وقِيلَ: جَعَلَ ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِي وجْهَهُ مِنَ الشَّمْسِ. ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تَعَرَّضَ لِما يَطْعَمَهُ، لِما نالَهُ مِنَ الجُوعِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالسُّؤالِ؛ و”أنْزَلْتَ“ هُنا بِمَعْنى تُنَزِّلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعُدِّيَ بِاللّامِ. ”فَقِيرٌ“ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى سائِلٍ وطالِبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ، أيْ فَقِيرٌ مِنَ الدُّنْيا لِأجْلِ ما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ، وهو النَّجاةُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ، قالَ ذَلِكَ رِضًا بِالبَدَلِ السَّنِيِّ وفَرَحًا بِهِ وشُكْرًا لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ الزِّيادَةَ في العِلْمِ والحِكْمَةِ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما مِن غَيْرِ إبْطاءٍ في السَّقْيِ، وقَصَّتا عَلَيْهِ أمْرَ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ . قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: فَجاءَتْهُ احْداهُما، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ: ويْلُ امِّهِ في ويْلِ أُمِّهِ، ويابا فُلانٍ، والقِياسُ أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ، و”إحْداهُما“ مُبْهَمٌ. فَقِيلَ: الكُبْرى، وقِيلَ: كانَتا تَوْأمَتَيْنِ، وُلِدَتِ الأُولى قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ. وعَلى اسْتِحْياءٍ: في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُسْتَحْيِيَةً مُتَحَفِّزَةً. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ الدّاعِيَ أباهُما هو شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهُما ابْنَتاهُ. وقالَ الحَسَنُ: هو ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، واسْمُهُ مَرْوانُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هارُونُ. وقِيلَ: هو رَجُلٌ صالِحٌ لَيْسَ مِن شُعَيْبٍ بِنَسَبٍ. وقِيلَ: كانَ عَمَّهُما صاحِبَ الغَنَمِ، وهو المُزَوِّجُ، عَبَّرَتْ عَنْهُ بِالأبِ، إذْ كانَ بِمَثابَتِهِ. ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ في ذَلِكَ ما كانَ عَلَيْهِ شُعَيْبٌ مِنَ الإحْسانِ والمُكافَأةِ لِمَن عَمِلَ لَهُ عَمَلًا، وإنْ لَمْ يَقْصِدِ العامِلُ المُكافَأةَ. ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ فَذَهَبَ مَعَهُما إلى أبِيهِما، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى اعْتِمادِ أخْبارِ المَرْأةِ، إذْ ذَهَبَ مَعَها مُوسى، كَما يُعْتَمَدُ عَلى أخْبارِها في بابِ الرِّوايَةِ. ﴿وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ ما جَرى لَهُ مِن خُرُوجِهِ مِن مِصْرَ، وسَبَبَ ذَلِكَ. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ قَبِلَ اللَّهُ دُعاءَكَ في قَوْلِكَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] أوْ أخْبَرَهُ بِنَجاتِهِ مِنهم، فَأنَّسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وقَرَّبَ إلَيْهِ طَعامًا، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنّا أهْلُ بَيْتٍ، لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَيْسَ هَذا عِوَضَ السَّقْيِ، ولَكِنَّ عادَتِي وعادَةَ آبائِي قِرى الضَّيْفِ وإطْعامُ الطَّعامِ؛ فَحِينَئِذٍ أكَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ أبْهَمَ القائِلَةَ، وهي الذّاهِبَةُ والقائِلَةُ والمُتَزَوِّجَةُ ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ لِرَعْيِ الغَنَمِ وسَقْيِها. ووَصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ: لِكَوْنِهِ رَفَعَ الصَّخْرَةَ عَنِ البِئْرِ وحْدَهُ، وانْتَزَعَ بِتِلْكَ الدَّلْوِ، وزاحَمَهم حَتّى غَلَبَهم عَلى الماءِ؛ وبِالأمانَةِ؛ لِأنَّها حِينَ قامَ يَتْبَعُها هَبَّتِ الرِّيحُ فَلَفَّتْ ثِيابَها فَوَصَفَتْها، فَقالَ: ارْجِعِي خَلْفِي ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ. وقَوْلُها كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ؛ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الكِفايَةُ والأمانَةُ في القائِمِ بِأمْرٍ، فَقَدْ تَمَّ المَقْصُودُ، وهو كَلامٌ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وصارَ مَطْرُوقًا لِلنّاسِ، وكانَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلِاسْتِئْجارِ، وكَأنَّها قالَتِ: اسْتَأْجِرْهُ لِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ، وصارَ الوَصْفانِ مُنَبِّهَيْنِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ حَيًّا وهالِكًا أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهم في السَّلاسِلِ جَعَلَ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ الِاسْمَ، اعْتِناءً بِهِ. وحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ. ولَمّا وصَفَتْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ قالَ لَها أبُوها: ومِن أيْنَ عَرَفْتِ هَذا ؟ فَذَكَرَتْ إقْلالَهُ الحَجَرَ وحْدَهُ، وتَحَرُّجَهُ مِنَ النَّظَرِ إلَيْها حِينَ وصَفَتْها (p-١١٥)الرِّيحُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: قالَ لَها مُوسى ابْتِداءً: كُونِي ورائِي، فَإنِّي رَجُلٌ لا أنْظُرُ إلى أدْبارِ النِّساءِ، ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ يَمِينًا أوْ يَسارًا. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: بِنْتُ شُعَيْبٍ وصاحِبُ يُوسُفَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ [القصص: ٩] وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ. وفي قَوْلِها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الإجارَةِ عِنْدَهم، وكَذا كانَتْ في كُلِّ مِلَّةٍ، وهي ضَرُورَةُ النّاسِ ومَصْلَحَةُ الخِلْطَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُلَيَّةَ والأصَمِّ، حَيْثُ كانا لا يُجِيزانِها؛ وهَذا مِمّا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ، وخِلافُهُما خَرَقٌ. ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ رَغِبَ شُعَيْبٌ في مُصاهَرَتِهِ، لِما وصَفَتْهُ بِهِ، ولِما رَأى فِيهِ مِن عُزُوفِهِ عَنِ الدُّنْيا وتَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ وفِرارِهِ مِنَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ ورْشٌ، وأحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”أُنْكِحَكَ احْدى“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أنَّ الإنْكاحَ إلى الوَلِيِّ لا حَقَّ لِلْمَرْأةِ فِيهِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ في بَعْضِ صُوَرِهِ، بِأنْ تَكُونَ بالِغَةً عالِمَةً بِمَصالِحِ نَفْسِها، فَإنَّها تَعْقِدُ عَلى نَفْسِها بِمَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَرْضِ الوَلِيِّ ولِيَّتَهُ عَلى الزَّوْجِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، ودَلِيلٌ عَلى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ البِكْرِ مِن غَيْرِ اسْتِئْمارٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا بَلَغَتِ البِكْرُ، فَلا تُزَوَّجُ إلّا بِرِضاها. قِيلَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ، أوِ الإنْكاحِ، وبِهِ قالَ رَبِيعَةُ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وداوُدُ. و”إحْدى ابْنَتَيَّ“: مُبْهَمٌ، وهَذا عَرْضٌ لا عَقْدٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ ؟ وحِينَ العَقْدِ يُعَيِّنُ مَن شاءَ مِنهُما، وكَذَلِكَ لَمْ يَحُدَّ أوَّلَ أمَدِ الإجارَةِ. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ النِّكاحِ بِالإجارَةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ وابْنُ حَبِيبٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿هاتَيْنِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لَهُ غَيْرُهُما. انْتَهى. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما كانَتا هُما اللَّتَيْنِ رَآهُما تَذُودانِ، وجاءَتْهُ إحْداهُما، فَأشارَ إلَيْهِما، والإشارَةُ إلَيْهِما لا تَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ غَيْرَهُما. ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”أُنْكِحَكَ“، إمّا الفاعِلُ، وإمّا المَفْعُولُ. و”تَأْجُرَنِي“، مِن أجَرْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أجِيرًا، كَقَوْلِكَ: أبَوْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أبًا، ومَفْعُولُ ”تَأْجُرُنِي“ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَفْسَكَ. و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حِجَجٌ: مَفْعُولٌ بِهِ، ومَعْناهُ: رَعْيُهُ ثَمانِيَ حِجَجٍ. ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ هو تَبَرُّعٌ وتَفَضُّلٌ لا اشْتِراطٌ. ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِ أيِّ الأجَلَيْنِ، ولا في المُعاشَرَةِ والمُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ، وتَكْلِيفُ الرُّعاةِ أشْياءً مِنَ الخِدَمِ خارِجَةً عَنِ الشَّرْطِ. ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وعْدٌ صادِقٌ مَقْرُونٌ بِالمَشِيئَةِ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ووَطاءَةِ الخُلُقِ، أوْ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ حَسَنُ المُعامَلَةِ. ولَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِمّا حاوَرَ بِهِ مُوسى، قالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ عَلى جِهَةِ التَّقْدِيرِ والتَّوَثُّقِ في أنَّ الشَّرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِي حِجَجٍ. و”ذَلِكَ“ مُبْتَدَأٌ خْبَرُهُ ”بَيْنِي وبَيْنَكَ“، إشارَةٌ إلى ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ، أيْ ذَلِكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي وشارَطْتَنِي قائِمٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا نَخْرُجُ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيِ الثَّمانِيَ أوِ العَشْرَ ؟ ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أيْ لا يُعْتَدى عَلَيَّ في طَلَبِ الزِّيادَةِ، و”أيَّ“ شَرْطٌ، وما زائِدَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، والعَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أيَّما، بِحَذْفِ الياءِ الثّانِيَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنَظَّرَتْ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيَّما ∗∗∗ عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أيَّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ، بِزِيادَةِ ما بَيْنَ الأجَلَيْنِ وقَضَيْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ مُوقِعِ ما المَزِيدَةِ في القِراءَتَيْنِ ؟ (قُلْتُ): وقَعَتْ في المُسْتَفِيضَةِ مُؤَكَّدَةَ الإبْهامِ، أيْ زائِدَةً في شِياعِها، وفي الشّاذِّ تَأْكِيدًا لِلْقَضاءِ، كَأنَّهُ قالَ: أيَّ الأجَلَيْنِ صَمَّمْتُ عَلى قَضائِهِ وجَرَّدْتُ عَزِيمَتِي لَهُ ؟ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ قُطَيْبٍ: ”فَلا عِدْوانَ“، بِكَسْرِ العَيْنِ. قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ في أتَمِّهِما، ولَكِنْ جَمَعَهُما، لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصَوُّرُ العُدْوانِ إنَّما هو في (p-١١٦)أحَدِ الأجَلَيْنِ الَّذِي هو أقْصَرُ، وهو المُطالَبَةُ بِتَتِمَّةِ العَشْرِ، فَما مَعْنى تَعْلِيقِ العُدْوانِ بِهِما جَمِيعًا ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: كَما أنِّي إنْ طُولِبْتُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ، كانَ عُدْوانًا لا شَكَّ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إنْ طُولِبْتُ في الزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِي. أرادَ بِذَلِكَ تَقْرِيرَ الخِيارِ، وأنَّهُ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، وأنَّ الأجَلَيْنِ عَلى السَّواءِ، إمّا هَذا، وإمّا هَذا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما في القَضاءِ. وأمّا التَّتِمَّةُ فَمَوْكُولَةٌ إلى رَأْيِي، إنْ شِئْتُ أتَيْتُ بِها وإلّا لَمْ أُجْبَرْ عَلَيْها. وقِيلَ: مَعْناهُ فَلا أكُونُ مُتَعَدِّيًا، وهو في نَفْيِ العُدْوانِ عَنْ نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: لا إثْمَ عَلَيَّ ولا تَبِعَةَ. انْتَهى، وجَوابُهُ الأوَّلُ فِيهِ تَكْثِيرٌ. ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ أيْ عَلى ما تَعاهَدْنا عَلَيْهِ وتَواثَقْنا ﴿وكِيلٌ﴾ أيْ شاهِدٌ. وقالَ قَتادَةُ: حَفِيظٌ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: رَقِيبٌ، والوَكِيلُ الَّذِي وُكِلَ إلَيْهِ الأمْرُ، فَلَمّا ضُمِّنَ مَعْنى شاهِدٍ ونَحْوِهِ عُدِّيَ بِعَلى. ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ جاءَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ وفّى أطْوَلَ الأجَلَيْنِ، وهو العَشْرُ» . وعَنْ مُجاهِدٍ: وفّى عَشْرًا أوْ عَشْرًا بَعْدَها، وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ أيْ نَحْوَ مِصْرَ بَلَدِهِ وبَلَدِ قَوْمِهِ. والخِلافُ فِيمَن تَزَوَّجَ، الكُبْرى أمِ الصُّغْرى، وكَذَلِكَ في اسْمِها. وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَسِيرِهِ، وإيناسُهُ النّارَ في سُورَةِ طه وغَيْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”جِذْوَةٍ“ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وحَمْزَةُ: بِضَمِّها؛ وعاصِمٌ غَيْرَ الجُعْفِيِّ: بِفَتْحِها. ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ تَتَسَخَّنُونَ بِها، إذْ كانَتْ لَيْلَةً بارِدَةً، وقَدْ أضَلُّوا الطَّرِيقَ.

القصص 28:24

﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ . (p-١١٢)﴿تَوَجَّهَ﴾ رَدَّ وجْهَهُ. و﴿تِلْقاءَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في يُونُسَ، أيْ ناحِيَةَ وجْهِهِ. اسْتُعْمِلَ المَصْدَرُ اسْتِعْمالَ الظَّرْفِ، وكانَ هُناكَ ثَلاثُ طُرُقٍ، فَأخَذَ مُوسى أوْسَطَها، وأخَذَ طالِبُوهُ في الآخَرَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بُنَيّاتِها. فَبَقِيَ في الطَّرِيقِ ثَمانِيَ لَيالٍ (p-١١٣)وهُوَ حافٍ، لا يَطْعَمُ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أنَّهُ كانَ لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ أقْصَدَ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ أنَّهُ لا يَضِلُّ، إذْ لَوْ سَلَكَ ما لا يُوَصِّلُهُ إلى المَقْصُودِ لَتاهَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَصَدَ مَدْيَنَ وأخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، فَأوْصَلَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: هَداهُ جِبْرِيلُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ. وقِيلَ: أخَذَ طَرِيقًا يَأْمَنُ فِيهِ، فاتَّفَقَ ذَهابُهُ إلى مَدْيَنَ. والظّاهِرُ أنَّ ”سَواءَ السَّبِيلِ“: وسَطُ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ إلى مَكانِ مَأْمَنِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ”سَواءَ السَّبِيلِ“: طَرِيقُ مَدْيَنَ. وقالَ الحَسَنُ: هو سَبِيلُ الهُدى، فَمَشى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ وصَلَ إلى مَدْيَنَ، ولَمْ يَكُنْ في طاعَةِ فِرْعَوْنَ. ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ، والوُرُودُ بِمَعْنى الوُصُولِ إلى الشَّيْءِ، وبِمَعْنى الدُّخُولِ فِيهِ. قِيلَ: وكانَ هَذا الماءُ بِئْرًا. والأُمَّةُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ومَعْنى عَلَيْهِ: أيْ عَلى شَفِيرِهِ وحاشِيَتِهِ. ﴿يَسْقُونَ﴾ يَعْنِي مَواشِيَهم. ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي وصَلَ إلَيْها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأُمَّةِ، فَهُما مِن دُونِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِهِمْ. ﴿تَذُودانِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُّقاةِ الأقْوِياءِ. وقالَ قَتادَةُ: تَذُودانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما. قالَ الزَّجّاجُ: وكَأنَّهُما تَكْرَهانِ المُزاحَمَةَ عَلى الماءِ. وقِيلَ: لِئَلّا تَخْتَلِطَ غَنَمُهُما بِأغْنامِهِمْ. وقِيلَ: تَذُودانِ عَنْ وُجُوهِهِما نَظَرَ النّاظِرِ لِتَسَتُّرِهِما. وقالَ الفَرّاءُ: تَحْبِسانِها عَنْ أنْ تَتَفَرَّقَ، واسْمُ الصُّغْرى عِبْرا، واسْمُ الكُبْرى صَبُورا. ولَمّا رَآهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واقِفَتَيْنِ لا تَتَقَدَّمانِ لِلسَّقْيِ، سَألَهُما فَقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ بِالخَطْبِ إنَّما هو في مُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ مَن يُشْفَقُ عَلَيْهِ، أوْ يَأْتِي بِمُنْكَرٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَتُهُ: ما مَخْطُوبُكُما ؟ أيْ ما مَطْلُوبُكُما مِنَ الذِّيادِ ؟ سُمِّيَ المَخْطُوبُ خَطْبًا، كَما سُمِّيَ الشُّئُونَ شَأْنًا في قَوْلِكَ: ما شَأْنُكَ ؟ يُقالُ: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أيْ قَصَدْتُ قَصْدَهُ. انْتَهى. وفي سُؤالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُكالَمَةِ الأجْنَبِيَّةِ فِيما يَعُنُّ ولَمْ يَكُنْ لِأبِيهِما أجِيرٌ، فَكانَتا تَسُوقانِ الغَنَمَ إلى الماءِ، ولَمْ تَكُنْ لَهُما قُوَّةُ الِاسْتِقاءِ، وكانَ الرُّعاةُ يَسْتَقُونَ مِنَ البِئْرِ فَيَسْقُونَ مَواشِيَهم، فَإذا صَدَرُوا، فَإنْ بَقِيَ في الحَوْضِ شَيْءٌ سَقَتا. فَوافى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ اليَوْمَ وهُما يَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ، فَرَقَّ عَلَيْهِما وقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ وقَرَأ شِمْرٌ: بِكَسْرِ الخاءِ، أيْ مَن زَوْجُكُما ؟ ولِمَ لا يَسْقِي هو ؟ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ نادِرَةٌ. ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ . وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: لا نُسْقِيَ، بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والعَرَبِيّانِ: يَصْدُرَ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ يَصْدُرُونَ بِأغْنامِهِمْ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أيْ يُصْدِرُونَ أغْنامَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الرِّعاءُ“، بِكَسْرِ الرّاءِ: جَمْعَ تَكْسِيرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا الرِّعاءُ بِالكَسْرِ فَقِياسٌ، كَصِيامٍ وقِيامٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِقِياسٍ؛ لِأنَّهُ جَمْعُ راعٍ، وقِياسُ فاعِلِ الصِّفَةِ الَّتِي لِلْعاقِلِ أنْ تُكْسَرَ عَلى فُعَلَةٍ، كَقاضٍ وقُضاةٍ، وما سِوى جَمْعِهِ هَذا فَلَيْسَ بِقِياسٍ. وقُرِئَ: الرُّعاءُ، بِضَمِّ الرّاءِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ، كالرِّجالِ والثَّناءِ. قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَرَأ عَيّاشٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: الرَّعاءُ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الصِّفَةِ، فاسْتَوى لَفْظُ الواحِدِ والجَماعَةِ فِيهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ. ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِذارٌ لِمُوسى عَنْ مُباشَرَتِهِما السَّقْيَ بِأنْفُسِهِما، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أباهُما لا يَقْدِرُ عَلى السَّقْيِ لِشَيَخِهِ وكِبَرِهِ، واسْتِعْطافٌ لِمُوسى في إعانَتِهِما. ﴿فَسَقى لَهُما﴾ أيْ سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما. ورُوِيَ أنَّ الرُّعاةَ كانُوا يَضَعُونَ عَلى رَأْسِ البِئْرِ حَجَرًا لا يُقِلُّهُ إلّا عَدَدٌ مِنَ الرِّجالِ، واضْطَرَبَ النَّقْلُ في العَدَدِ، فَأقَلُّ ما قالُوا سَبْعَةٌ، وأكْثَرُهُ مِائَةٌ، فَأقَلَّهُ وحْدَهُ. وقِيلَ: كانَتْ لَهم دَلْوٌ لا يَنْزِعُ بِها إلّا أرْبَعُونَ، فَنَزَعَ بِها وحْدَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ زاحَمَهم عَلى الماءِ حَتّى سَقى لَهُما، كُلُّ ذَلِكَ رَغْبَةً في الثَّوابِ عَلى ما كانَ بِهِ مِن نَصَبِ السَّفَرِ وكَثْرَةِ الجُوعِ، حَتّى كانَتْ تَظْهَرُ الخُضْرَةُ في (p-١١٤)بَطْنِهِ مِنَ البَقْلِ. وقِيلَ: إنَّهُ مَشى حَتّى سَقَطَ أصْلُهُ، وهو باطِنُ القَدَمِ، ومَعَ ذَلِكَ أغاثَهُما وكَفاهُما أمْرَ السَّقْيِ. وقَدْ طابَقَ جَوابُهُما لِسُؤالِهِ. سَألَهُما عَنْ سَبَبِ الذَّوْدِ، فَأجاباهُ: بِأنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ، لا نَقْدِرُ عَلى مُزاحَمَةِ الرِّجالِ، فَنُؤَخِّرُ السَّقْيَ إلى فَراغِهِمْ. ومُباشَرَتُهُما ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، وعادَةُ العَرَبِ وأهْلِ البَدْوِ في ذَلِكَ غَيْرُ عادَةِ أهْلِ الحَضَرِ والأعاجِمِ، لا سِيَّما إذا دَعَتْ إلى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ. ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ظِلُّ شَجَرَةٍ. قِيلَ: كانَتْ سَمُرَةً. وقِيلَ: إلى ظِلِّ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ. وقِيلَ: جَعَلَ ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِي وجْهَهُ مِنَ الشَّمْسِ. ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تَعَرَّضَ لِما يَطْعَمَهُ، لِما نالَهُ مِنَ الجُوعِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالسُّؤالِ؛ و”أنْزَلْتَ“ هُنا بِمَعْنى تُنَزِّلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعُدِّيَ بِاللّامِ. ”فَقِيرٌ“ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى سائِلٍ وطالِبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ، أيْ فَقِيرٌ مِنَ الدُّنْيا لِأجْلِ ما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ، وهو النَّجاةُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ، قالَ ذَلِكَ رِضًا بِالبَدَلِ السَّنِيِّ وفَرَحًا بِهِ وشُكْرًا لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ الزِّيادَةَ في العِلْمِ والحِكْمَةِ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما مِن غَيْرِ إبْطاءٍ في السَّقْيِ، وقَصَّتا عَلَيْهِ أمْرَ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ . قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: فَجاءَتْهُ احْداهُما، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ: ويْلُ امِّهِ في ويْلِ أُمِّهِ، ويابا فُلانٍ، والقِياسُ أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ، و”إحْداهُما“ مُبْهَمٌ. فَقِيلَ: الكُبْرى، وقِيلَ: كانَتا تَوْأمَتَيْنِ، وُلِدَتِ الأُولى قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ. وعَلى اسْتِحْياءٍ: في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُسْتَحْيِيَةً مُتَحَفِّزَةً. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ الدّاعِيَ أباهُما هو شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهُما ابْنَتاهُ. وقالَ الحَسَنُ: هو ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، واسْمُهُ مَرْوانُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هارُونُ. وقِيلَ: هو رَجُلٌ صالِحٌ لَيْسَ مِن شُعَيْبٍ بِنَسَبٍ. وقِيلَ: كانَ عَمَّهُما صاحِبَ الغَنَمِ، وهو المُزَوِّجُ، عَبَّرَتْ عَنْهُ بِالأبِ، إذْ كانَ بِمَثابَتِهِ. ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ في ذَلِكَ ما كانَ عَلَيْهِ شُعَيْبٌ مِنَ الإحْسانِ والمُكافَأةِ لِمَن عَمِلَ لَهُ عَمَلًا، وإنْ لَمْ يَقْصِدِ العامِلُ المُكافَأةَ. ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ فَذَهَبَ مَعَهُما إلى أبِيهِما، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى اعْتِمادِ أخْبارِ المَرْأةِ، إذْ ذَهَبَ مَعَها مُوسى، كَما يُعْتَمَدُ عَلى أخْبارِها في بابِ الرِّوايَةِ. ﴿وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ ما جَرى لَهُ مِن خُرُوجِهِ مِن مِصْرَ، وسَبَبَ ذَلِكَ. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ قَبِلَ اللَّهُ دُعاءَكَ في قَوْلِكَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] أوْ أخْبَرَهُ بِنَجاتِهِ مِنهم، فَأنَّسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وقَرَّبَ إلَيْهِ طَعامًا، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنّا أهْلُ بَيْتٍ، لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَيْسَ هَذا عِوَضَ السَّقْيِ، ولَكِنَّ عادَتِي وعادَةَ آبائِي قِرى الضَّيْفِ وإطْعامُ الطَّعامِ؛ فَحِينَئِذٍ أكَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ أبْهَمَ القائِلَةَ، وهي الذّاهِبَةُ والقائِلَةُ والمُتَزَوِّجَةُ ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ لِرَعْيِ الغَنَمِ وسَقْيِها. ووَصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ: لِكَوْنِهِ رَفَعَ الصَّخْرَةَ عَنِ البِئْرِ وحْدَهُ، وانْتَزَعَ بِتِلْكَ الدَّلْوِ، وزاحَمَهم حَتّى غَلَبَهم عَلى الماءِ؛ وبِالأمانَةِ؛ لِأنَّها حِينَ قامَ يَتْبَعُها هَبَّتِ الرِّيحُ فَلَفَّتْ ثِيابَها فَوَصَفَتْها، فَقالَ: ارْجِعِي خَلْفِي ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ. وقَوْلُها كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ؛ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الكِفايَةُ والأمانَةُ في القائِمِ بِأمْرٍ، فَقَدْ تَمَّ المَقْصُودُ، وهو كَلامٌ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وصارَ مَطْرُوقًا لِلنّاسِ، وكانَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلِاسْتِئْجارِ، وكَأنَّها قالَتِ: اسْتَأْجِرْهُ لِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ، وصارَ الوَصْفانِ مُنَبِّهَيْنِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ حَيًّا وهالِكًا أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهم في السَّلاسِلِ جَعَلَ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ الِاسْمَ، اعْتِناءً بِهِ. وحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ. ولَمّا وصَفَتْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ قالَ لَها أبُوها: ومِن أيْنَ عَرَفْتِ هَذا ؟ فَذَكَرَتْ إقْلالَهُ الحَجَرَ وحْدَهُ، وتَحَرُّجَهُ مِنَ النَّظَرِ إلَيْها حِينَ وصَفَتْها (p-١١٥)الرِّيحُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: قالَ لَها مُوسى ابْتِداءً: كُونِي ورائِي، فَإنِّي رَجُلٌ لا أنْظُرُ إلى أدْبارِ النِّساءِ، ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ يَمِينًا أوْ يَسارًا. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: بِنْتُ شُعَيْبٍ وصاحِبُ يُوسُفَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ [القصص: ٩] وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ. وفي قَوْلِها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الإجارَةِ عِنْدَهم، وكَذا كانَتْ في كُلِّ مِلَّةٍ، وهي ضَرُورَةُ النّاسِ ومَصْلَحَةُ الخِلْطَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُلَيَّةَ والأصَمِّ، حَيْثُ كانا لا يُجِيزانِها؛ وهَذا مِمّا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ، وخِلافُهُما خَرَقٌ. ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ رَغِبَ شُعَيْبٌ في مُصاهَرَتِهِ، لِما وصَفَتْهُ بِهِ، ولِما رَأى فِيهِ مِن عُزُوفِهِ عَنِ الدُّنْيا وتَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ وفِرارِهِ مِنَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ ورْشٌ، وأحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”أُنْكِحَكَ احْدى“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أنَّ الإنْكاحَ إلى الوَلِيِّ لا حَقَّ لِلْمَرْأةِ فِيهِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ في بَعْضِ صُوَرِهِ، بِأنْ تَكُونَ بالِغَةً عالِمَةً بِمَصالِحِ نَفْسِها، فَإنَّها تَعْقِدُ عَلى نَفْسِها بِمَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَرْضِ الوَلِيِّ ولِيَّتَهُ عَلى الزَّوْجِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، ودَلِيلٌ عَلى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ البِكْرِ مِن غَيْرِ اسْتِئْمارٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا بَلَغَتِ البِكْرُ، فَلا تُزَوَّجُ إلّا بِرِضاها. قِيلَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ، أوِ الإنْكاحِ، وبِهِ قالَ رَبِيعَةُ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وداوُدُ. و”إحْدى ابْنَتَيَّ“: مُبْهَمٌ، وهَذا عَرْضٌ لا عَقْدٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ ؟ وحِينَ العَقْدِ يُعَيِّنُ مَن شاءَ مِنهُما، وكَذَلِكَ لَمْ يَحُدَّ أوَّلَ أمَدِ الإجارَةِ. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ النِّكاحِ بِالإجارَةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ وابْنُ حَبِيبٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿هاتَيْنِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لَهُ غَيْرُهُما. انْتَهى. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما كانَتا هُما اللَّتَيْنِ رَآهُما تَذُودانِ، وجاءَتْهُ إحْداهُما، فَأشارَ إلَيْهِما، والإشارَةُ إلَيْهِما لا تَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ غَيْرَهُما. ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”أُنْكِحَكَ“، إمّا الفاعِلُ، وإمّا المَفْعُولُ. و”تَأْجُرَنِي“، مِن أجَرْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أجِيرًا، كَقَوْلِكَ: أبَوْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أبًا، ومَفْعُولُ ”تَأْجُرُنِي“ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَفْسَكَ. و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حِجَجٌ: مَفْعُولٌ بِهِ، ومَعْناهُ: رَعْيُهُ ثَمانِيَ حِجَجٍ. ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ هو تَبَرُّعٌ وتَفَضُّلٌ لا اشْتِراطٌ. ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِ أيِّ الأجَلَيْنِ، ولا في المُعاشَرَةِ والمُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ، وتَكْلِيفُ الرُّعاةِ أشْياءً مِنَ الخِدَمِ خارِجَةً عَنِ الشَّرْطِ. ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وعْدٌ صادِقٌ مَقْرُونٌ بِالمَشِيئَةِ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ووَطاءَةِ الخُلُقِ، أوْ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ حَسَنُ المُعامَلَةِ. ولَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِمّا حاوَرَ بِهِ مُوسى، قالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ عَلى جِهَةِ التَّقْدِيرِ والتَّوَثُّقِ في أنَّ الشَّرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِي حِجَجٍ. و”ذَلِكَ“ مُبْتَدَأٌ خْبَرُهُ ”بَيْنِي وبَيْنَكَ“، إشارَةٌ إلى ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ، أيْ ذَلِكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي وشارَطْتَنِي قائِمٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا نَخْرُجُ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيِ الثَّمانِيَ أوِ العَشْرَ ؟ ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أيْ لا يُعْتَدى عَلَيَّ في طَلَبِ الزِّيادَةِ، و”أيَّ“ شَرْطٌ، وما زائِدَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، والعَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أيَّما، بِحَذْفِ الياءِ الثّانِيَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنَظَّرَتْ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيَّما ∗∗∗ عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أيَّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ، بِزِيادَةِ ما بَيْنَ الأجَلَيْنِ وقَضَيْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ مُوقِعِ ما المَزِيدَةِ في القِراءَتَيْنِ ؟ (قُلْتُ): وقَعَتْ في المُسْتَفِيضَةِ مُؤَكَّدَةَ الإبْهامِ، أيْ زائِدَةً في شِياعِها، وفي الشّاذِّ تَأْكِيدًا لِلْقَضاءِ، كَأنَّهُ قالَ: أيَّ الأجَلَيْنِ صَمَّمْتُ عَلى قَضائِهِ وجَرَّدْتُ عَزِيمَتِي لَهُ ؟ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ قُطَيْبٍ: ”فَلا عِدْوانَ“، بِكَسْرِ العَيْنِ. قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ في أتَمِّهِما، ولَكِنْ جَمَعَهُما، لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصَوُّرُ العُدْوانِ إنَّما هو في (p-١١٦)أحَدِ الأجَلَيْنِ الَّذِي هو أقْصَرُ، وهو المُطالَبَةُ بِتَتِمَّةِ العَشْرِ، فَما مَعْنى تَعْلِيقِ العُدْوانِ بِهِما جَمِيعًا ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: كَما أنِّي إنْ طُولِبْتُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ، كانَ عُدْوانًا لا شَكَّ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إنْ طُولِبْتُ في الزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِي. أرادَ بِذَلِكَ تَقْرِيرَ الخِيارِ، وأنَّهُ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، وأنَّ الأجَلَيْنِ عَلى السَّواءِ، إمّا هَذا، وإمّا هَذا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما في القَضاءِ. وأمّا التَّتِمَّةُ فَمَوْكُولَةٌ إلى رَأْيِي، إنْ شِئْتُ أتَيْتُ بِها وإلّا لَمْ أُجْبَرْ عَلَيْها. وقِيلَ: مَعْناهُ فَلا أكُونُ مُتَعَدِّيًا، وهو في نَفْيِ العُدْوانِ عَنْ نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: لا إثْمَ عَلَيَّ ولا تَبِعَةَ. انْتَهى، وجَوابُهُ الأوَّلُ فِيهِ تَكْثِيرٌ. ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ أيْ عَلى ما تَعاهَدْنا عَلَيْهِ وتَواثَقْنا ﴿وكِيلٌ﴾ أيْ شاهِدٌ. وقالَ قَتادَةُ: حَفِيظٌ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: رَقِيبٌ، والوَكِيلُ الَّذِي وُكِلَ إلَيْهِ الأمْرُ، فَلَمّا ضُمِّنَ مَعْنى شاهِدٍ ونَحْوِهِ عُدِّيَ بِعَلى. ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ جاءَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ وفّى أطْوَلَ الأجَلَيْنِ، وهو العَشْرُ» . وعَنْ مُجاهِدٍ: وفّى عَشْرًا أوْ عَشْرًا بَعْدَها، وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ أيْ نَحْوَ مِصْرَ بَلَدِهِ وبَلَدِ قَوْمِهِ. والخِلافُ فِيمَن تَزَوَّجَ، الكُبْرى أمِ الصُّغْرى، وكَذَلِكَ في اسْمِها. وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَسِيرِهِ، وإيناسُهُ النّارَ في سُورَةِ طه وغَيْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”جِذْوَةٍ“ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وحَمْزَةُ: بِضَمِّها؛ وعاصِمٌ غَيْرَ الجُعْفِيِّ: بِفَتْحِها. ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ تَتَسَخَّنُونَ بِها، إذْ كانَتْ لَيْلَةً بارِدَةً، وقَدْ أضَلُّوا الطَّرِيقَ.

القصص 28:25

﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ . (p-١١٢)﴿تَوَجَّهَ﴾ رَدَّ وجْهَهُ. و﴿تِلْقاءَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في يُونُسَ، أيْ ناحِيَةَ وجْهِهِ. اسْتُعْمِلَ المَصْدَرُ اسْتِعْمالَ الظَّرْفِ، وكانَ هُناكَ ثَلاثُ طُرُقٍ، فَأخَذَ مُوسى أوْسَطَها، وأخَذَ طالِبُوهُ في الآخَرَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بُنَيّاتِها. فَبَقِيَ في الطَّرِيقِ ثَمانِيَ لَيالٍ (p-١١٣)وهُوَ حافٍ، لا يَطْعَمُ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أنَّهُ كانَ لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ أقْصَدَ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ أنَّهُ لا يَضِلُّ، إذْ لَوْ سَلَكَ ما لا يُوَصِّلُهُ إلى المَقْصُودِ لَتاهَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَصَدَ مَدْيَنَ وأخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، فَأوْصَلَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: هَداهُ جِبْرِيلُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ. وقِيلَ: أخَذَ طَرِيقًا يَأْمَنُ فِيهِ، فاتَّفَقَ ذَهابُهُ إلى مَدْيَنَ. والظّاهِرُ أنَّ ”سَواءَ السَّبِيلِ“: وسَطُ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ إلى مَكانِ مَأْمَنِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ”سَواءَ السَّبِيلِ“: طَرِيقُ مَدْيَنَ. وقالَ الحَسَنُ: هو سَبِيلُ الهُدى، فَمَشى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ وصَلَ إلى مَدْيَنَ، ولَمْ يَكُنْ في طاعَةِ فِرْعَوْنَ. ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ، والوُرُودُ بِمَعْنى الوُصُولِ إلى الشَّيْءِ، وبِمَعْنى الدُّخُولِ فِيهِ. قِيلَ: وكانَ هَذا الماءُ بِئْرًا. والأُمَّةُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ومَعْنى عَلَيْهِ: أيْ عَلى شَفِيرِهِ وحاشِيَتِهِ. ﴿يَسْقُونَ﴾ يَعْنِي مَواشِيَهم. ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي وصَلَ إلَيْها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأُمَّةِ، فَهُما مِن دُونِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِهِمْ. ﴿تَذُودانِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُّقاةِ الأقْوِياءِ. وقالَ قَتادَةُ: تَذُودانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما. قالَ الزَّجّاجُ: وكَأنَّهُما تَكْرَهانِ المُزاحَمَةَ عَلى الماءِ. وقِيلَ: لِئَلّا تَخْتَلِطَ غَنَمُهُما بِأغْنامِهِمْ. وقِيلَ: تَذُودانِ عَنْ وُجُوهِهِما نَظَرَ النّاظِرِ لِتَسَتُّرِهِما. وقالَ الفَرّاءُ: تَحْبِسانِها عَنْ أنْ تَتَفَرَّقَ، واسْمُ الصُّغْرى عِبْرا، واسْمُ الكُبْرى صَبُورا. ولَمّا رَآهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واقِفَتَيْنِ لا تَتَقَدَّمانِ لِلسَّقْيِ، سَألَهُما فَقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ بِالخَطْبِ إنَّما هو في مُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ مَن يُشْفَقُ عَلَيْهِ، أوْ يَأْتِي بِمُنْكَرٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَتُهُ: ما مَخْطُوبُكُما ؟ أيْ ما مَطْلُوبُكُما مِنَ الذِّيادِ ؟ سُمِّيَ المَخْطُوبُ خَطْبًا، كَما سُمِّيَ الشُّئُونَ شَأْنًا في قَوْلِكَ: ما شَأْنُكَ ؟ يُقالُ: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أيْ قَصَدْتُ قَصْدَهُ. انْتَهى. وفي سُؤالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُكالَمَةِ الأجْنَبِيَّةِ فِيما يَعُنُّ ولَمْ يَكُنْ لِأبِيهِما أجِيرٌ، فَكانَتا تَسُوقانِ الغَنَمَ إلى الماءِ، ولَمْ تَكُنْ لَهُما قُوَّةُ الِاسْتِقاءِ، وكانَ الرُّعاةُ يَسْتَقُونَ مِنَ البِئْرِ فَيَسْقُونَ مَواشِيَهم، فَإذا صَدَرُوا، فَإنْ بَقِيَ في الحَوْضِ شَيْءٌ سَقَتا. فَوافى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ اليَوْمَ وهُما يَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ، فَرَقَّ عَلَيْهِما وقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ وقَرَأ شِمْرٌ: بِكَسْرِ الخاءِ، أيْ مَن زَوْجُكُما ؟ ولِمَ لا يَسْقِي هو ؟ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ نادِرَةٌ. ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ . وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: لا نُسْقِيَ، بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والعَرَبِيّانِ: يَصْدُرَ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ يَصْدُرُونَ بِأغْنامِهِمْ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أيْ يُصْدِرُونَ أغْنامَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الرِّعاءُ“، بِكَسْرِ الرّاءِ: جَمْعَ تَكْسِيرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا الرِّعاءُ بِالكَسْرِ فَقِياسٌ، كَصِيامٍ وقِيامٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِقِياسٍ؛ لِأنَّهُ جَمْعُ راعٍ، وقِياسُ فاعِلِ الصِّفَةِ الَّتِي لِلْعاقِلِ أنْ تُكْسَرَ عَلى فُعَلَةٍ، كَقاضٍ وقُضاةٍ، وما سِوى جَمْعِهِ هَذا فَلَيْسَ بِقِياسٍ. وقُرِئَ: الرُّعاءُ، بِضَمِّ الرّاءِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ، كالرِّجالِ والثَّناءِ. قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَرَأ عَيّاشٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: الرَّعاءُ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الصِّفَةِ، فاسْتَوى لَفْظُ الواحِدِ والجَماعَةِ فِيهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ. ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِذارٌ لِمُوسى عَنْ مُباشَرَتِهِما السَّقْيَ بِأنْفُسِهِما، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أباهُما لا يَقْدِرُ عَلى السَّقْيِ لِشَيَخِهِ وكِبَرِهِ، واسْتِعْطافٌ لِمُوسى في إعانَتِهِما. ﴿فَسَقى لَهُما﴾ أيْ سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما. ورُوِيَ أنَّ الرُّعاةَ كانُوا يَضَعُونَ عَلى رَأْسِ البِئْرِ حَجَرًا لا يُقِلُّهُ إلّا عَدَدٌ مِنَ الرِّجالِ، واضْطَرَبَ النَّقْلُ في العَدَدِ، فَأقَلُّ ما قالُوا سَبْعَةٌ، وأكْثَرُهُ مِائَةٌ، فَأقَلَّهُ وحْدَهُ. وقِيلَ: كانَتْ لَهم دَلْوٌ لا يَنْزِعُ بِها إلّا أرْبَعُونَ، فَنَزَعَ بِها وحْدَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ زاحَمَهم عَلى الماءِ حَتّى سَقى لَهُما، كُلُّ ذَلِكَ رَغْبَةً في الثَّوابِ عَلى ما كانَ بِهِ مِن نَصَبِ السَّفَرِ وكَثْرَةِ الجُوعِ، حَتّى كانَتْ تَظْهَرُ الخُضْرَةُ في (p-١١٤)بَطْنِهِ مِنَ البَقْلِ. وقِيلَ: إنَّهُ مَشى حَتّى سَقَطَ أصْلُهُ، وهو باطِنُ القَدَمِ، ومَعَ ذَلِكَ أغاثَهُما وكَفاهُما أمْرَ السَّقْيِ. وقَدْ طابَقَ جَوابُهُما لِسُؤالِهِ. سَألَهُما عَنْ سَبَبِ الذَّوْدِ، فَأجاباهُ: بِأنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ، لا نَقْدِرُ عَلى مُزاحَمَةِ الرِّجالِ، فَنُؤَخِّرُ السَّقْيَ إلى فَراغِهِمْ. ومُباشَرَتُهُما ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، وعادَةُ العَرَبِ وأهْلِ البَدْوِ في ذَلِكَ غَيْرُ عادَةِ أهْلِ الحَضَرِ والأعاجِمِ، لا سِيَّما إذا دَعَتْ إلى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ. ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ظِلُّ شَجَرَةٍ. قِيلَ: كانَتْ سَمُرَةً. وقِيلَ: إلى ظِلِّ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ. وقِيلَ: جَعَلَ ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِي وجْهَهُ مِنَ الشَّمْسِ. ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تَعَرَّضَ لِما يَطْعَمَهُ، لِما نالَهُ مِنَ الجُوعِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالسُّؤالِ؛ و”أنْزَلْتَ“ هُنا بِمَعْنى تُنَزِّلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعُدِّيَ بِاللّامِ. ”فَقِيرٌ“ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى سائِلٍ وطالِبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ، أيْ فَقِيرٌ مِنَ الدُّنْيا لِأجْلِ ما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ، وهو النَّجاةُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ، قالَ ذَلِكَ رِضًا بِالبَدَلِ السَّنِيِّ وفَرَحًا بِهِ وشُكْرًا لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ الزِّيادَةَ في العِلْمِ والحِكْمَةِ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما مِن غَيْرِ إبْطاءٍ في السَّقْيِ، وقَصَّتا عَلَيْهِ أمْرَ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ . قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: فَجاءَتْهُ احْداهُما، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ: ويْلُ امِّهِ في ويْلِ أُمِّهِ، ويابا فُلانٍ، والقِياسُ أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ، و”إحْداهُما“ مُبْهَمٌ. فَقِيلَ: الكُبْرى، وقِيلَ: كانَتا تَوْأمَتَيْنِ، وُلِدَتِ الأُولى قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ. وعَلى اسْتِحْياءٍ: في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُسْتَحْيِيَةً مُتَحَفِّزَةً. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ الدّاعِيَ أباهُما هو شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهُما ابْنَتاهُ. وقالَ الحَسَنُ: هو ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، واسْمُهُ مَرْوانُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هارُونُ. وقِيلَ: هو رَجُلٌ صالِحٌ لَيْسَ مِن شُعَيْبٍ بِنَسَبٍ. وقِيلَ: كانَ عَمَّهُما صاحِبَ الغَنَمِ، وهو المُزَوِّجُ، عَبَّرَتْ عَنْهُ بِالأبِ، إذْ كانَ بِمَثابَتِهِ. ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ في ذَلِكَ ما كانَ عَلَيْهِ شُعَيْبٌ مِنَ الإحْسانِ والمُكافَأةِ لِمَن عَمِلَ لَهُ عَمَلًا، وإنْ لَمْ يَقْصِدِ العامِلُ المُكافَأةَ. ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ فَذَهَبَ مَعَهُما إلى أبِيهِما، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى اعْتِمادِ أخْبارِ المَرْأةِ، إذْ ذَهَبَ مَعَها مُوسى، كَما يُعْتَمَدُ عَلى أخْبارِها في بابِ الرِّوايَةِ. ﴿وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ ما جَرى لَهُ مِن خُرُوجِهِ مِن مِصْرَ، وسَبَبَ ذَلِكَ. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ قَبِلَ اللَّهُ دُعاءَكَ في قَوْلِكَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] أوْ أخْبَرَهُ بِنَجاتِهِ مِنهم، فَأنَّسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وقَرَّبَ إلَيْهِ طَعامًا، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنّا أهْلُ بَيْتٍ، لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَيْسَ هَذا عِوَضَ السَّقْيِ، ولَكِنَّ عادَتِي وعادَةَ آبائِي قِرى الضَّيْفِ وإطْعامُ الطَّعامِ؛ فَحِينَئِذٍ أكَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ أبْهَمَ القائِلَةَ، وهي الذّاهِبَةُ والقائِلَةُ والمُتَزَوِّجَةُ ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ لِرَعْيِ الغَنَمِ وسَقْيِها. ووَصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ: لِكَوْنِهِ رَفَعَ الصَّخْرَةَ عَنِ البِئْرِ وحْدَهُ، وانْتَزَعَ بِتِلْكَ الدَّلْوِ، وزاحَمَهم حَتّى غَلَبَهم عَلى الماءِ؛ وبِالأمانَةِ؛ لِأنَّها حِينَ قامَ يَتْبَعُها هَبَّتِ الرِّيحُ فَلَفَّتْ ثِيابَها فَوَصَفَتْها، فَقالَ: ارْجِعِي خَلْفِي ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ. وقَوْلُها كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ؛ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الكِفايَةُ والأمانَةُ في القائِمِ بِأمْرٍ، فَقَدْ تَمَّ المَقْصُودُ، وهو كَلامٌ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وصارَ مَطْرُوقًا لِلنّاسِ، وكانَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلِاسْتِئْجارِ، وكَأنَّها قالَتِ: اسْتَأْجِرْهُ لِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ، وصارَ الوَصْفانِ مُنَبِّهَيْنِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ حَيًّا وهالِكًا أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهم في السَّلاسِلِ جَعَلَ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ الِاسْمَ، اعْتِناءً بِهِ. وحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ. ولَمّا وصَفَتْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ قالَ لَها أبُوها: ومِن أيْنَ عَرَفْتِ هَذا ؟ فَذَكَرَتْ إقْلالَهُ الحَجَرَ وحْدَهُ، وتَحَرُّجَهُ مِنَ النَّظَرِ إلَيْها حِينَ وصَفَتْها (p-١١٥)الرِّيحُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: قالَ لَها مُوسى ابْتِداءً: كُونِي ورائِي، فَإنِّي رَجُلٌ لا أنْظُرُ إلى أدْبارِ النِّساءِ، ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ يَمِينًا أوْ يَسارًا. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: بِنْتُ شُعَيْبٍ وصاحِبُ يُوسُفَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ [القصص: ٩] وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ. وفي قَوْلِها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الإجارَةِ عِنْدَهم، وكَذا كانَتْ في كُلِّ مِلَّةٍ، وهي ضَرُورَةُ النّاسِ ومَصْلَحَةُ الخِلْطَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُلَيَّةَ والأصَمِّ، حَيْثُ كانا لا يُجِيزانِها؛ وهَذا مِمّا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ، وخِلافُهُما خَرَقٌ. ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ رَغِبَ شُعَيْبٌ في مُصاهَرَتِهِ، لِما وصَفَتْهُ بِهِ، ولِما رَأى فِيهِ مِن عُزُوفِهِ عَنِ الدُّنْيا وتَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ وفِرارِهِ مِنَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ ورْشٌ، وأحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”أُنْكِحَكَ احْدى“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أنَّ الإنْكاحَ إلى الوَلِيِّ لا حَقَّ لِلْمَرْأةِ فِيهِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ في بَعْضِ صُوَرِهِ، بِأنْ تَكُونَ بالِغَةً عالِمَةً بِمَصالِحِ نَفْسِها، فَإنَّها تَعْقِدُ عَلى نَفْسِها بِمَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَرْضِ الوَلِيِّ ولِيَّتَهُ عَلى الزَّوْجِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، ودَلِيلٌ عَلى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ البِكْرِ مِن غَيْرِ اسْتِئْمارٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا بَلَغَتِ البِكْرُ، فَلا تُزَوَّجُ إلّا بِرِضاها. قِيلَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ، أوِ الإنْكاحِ، وبِهِ قالَ رَبِيعَةُ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وداوُدُ. و”إحْدى ابْنَتَيَّ“: مُبْهَمٌ، وهَذا عَرْضٌ لا عَقْدٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ ؟ وحِينَ العَقْدِ يُعَيِّنُ مَن شاءَ مِنهُما، وكَذَلِكَ لَمْ يَحُدَّ أوَّلَ أمَدِ الإجارَةِ. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ النِّكاحِ بِالإجارَةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ وابْنُ حَبِيبٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿هاتَيْنِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لَهُ غَيْرُهُما. انْتَهى. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما كانَتا هُما اللَّتَيْنِ رَآهُما تَذُودانِ، وجاءَتْهُ إحْداهُما، فَأشارَ إلَيْهِما، والإشارَةُ إلَيْهِما لا تَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ غَيْرَهُما. ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”أُنْكِحَكَ“، إمّا الفاعِلُ، وإمّا المَفْعُولُ. و”تَأْجُرَنِي“، مِن أجَرْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أجِيرًا، كَقَوْلِكَ: أبَوْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أبًا، ومَفْعُولُ ”تَأْجُرُنِي“ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَفْسَكَ. و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حِجَجٌ: مَفْعُولٌ بِهِ، ومَعْناهُ: رَعْيُهُ ثَمانِيَ حِجَجٍ. ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ هو تَبَرُّعٌ وتَفَضُّلٌ لا اشْتِراطٌ. ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِ أيِّ الأجَلَيْنِ، ولا في المُعاشَرَةِ والمُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ، وتَكْلِيفُ الرُّعاةِ أشْياءً مِنَ الخِدَمِ خارِجَةً عَنِ الشَّرْطِ. ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وعْدٌ صادِقٌ مَقْرُونٌ بِالمَشِيئَةِ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ووَطاءَةِ الخُلُقِ، أوْ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ حَسَنُ المُعامَلَةِ. ولَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِمّا حاوَرَ بِهِ مُوسى، قالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ عَلى جِهَةِ التَّقْدِيرِ والتَّوَثُّقِ في أنَّ الشَّرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِي حِجَجٍ. و”ذَلِكَ“ مُبْتَدَأٌ خْبَرُهُ ”بَيْنِي وبَيْنَكَ“، إشارَةٌ إلى ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ، أيْ ذَلِكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي وشارَطْتَنِي قائِمٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا نَخْرُجُ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيِ الثَّمانِيَ أوِ العَشْرَ ؟ ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أيْ لا يُعْتَدى عَلَيَّ في طَلَبِ الزِّيادَةِ، و”أيَّ“ شَرْطٌ، وما زائِدَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، والعَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أيَّما، بِحَذْفِ الياءِ الثّانِيَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنَظَّرَتْ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيَّما ∗∗∗ عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أيَّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ، بِزِيادَةِ ما بَيْنَ الأجَلَيْنِ وقَضَيْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ مُوقِعِ ما المَزِيدَةِ في القِراءَتَيْنِ ؟ (قُلْتُ): وقَعَتْ في المُسْتَفِيضَةِ مُؤَكَّدَةَ الإبْهامِ، أيْ زائِدَةً في شِياعِها، وفي الشّاذِّ تَأْكِيدًا لِلْقَضاءِ، كَأنَّهُ قالَ: أيَّ الأجَلَيْنِ صَمَّمْتُ عَلى قَضائِهِ وجَرَّدْتُ عَزِيمَتِي لَهُ ؟ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ قُطَيْبٍ: ”فَلا عِدْوانَ“، بِكَسْرِ العَيْنِ. قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ في أتَمِّهِما، ولَكِنْ جَمَعَهُما، لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصَوُّرُ العُدْوانِ إنَّما هو في (p-١١٦)أحَدِ الأجَلَيْنِ الَّذِي هو أقْصَرُ، وهو المُطالَبَةُ بِتَتِمَّةِ العَشْرِ، فَما مَعْنى تَعْلِيقِ العُدْوانِ بِهِما جَمِيعًا ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: كَما أنِّي إنْ طُولِبْتُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ، كانَ عُدْوانًا لا شَكَّ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إنْ طُولِبْتُ في الزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِي. أرادَ بِذَلِكَ تَقْرِيرَ الخِيارِ، وأنَّهُ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، وأنَّ الأجَلَيْنِ عَلى السَّواءِ، إمّا هَذا، وإمّا هَذا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما في القَضاءِ. وأمّا التَّتِمَّةُ فَمَوْكُولَةٌ إلى رَأْيِي، إنْ شِئْتُ أتَيْتُ بِها وإلّا لَمْ أُجْبَرْ عَلَيْها. وقِيلَ: مَعْناهُ فَلا أكُونُ مُتَعَدِّيًا، وهو في نَفْيِ العُدْوانِ عَنْ نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: لا إثْمَ عَلَيَّ ولا تَبِعَةَ. انْتَهى، وجَوابُهُ الأوَّلُ فِيهِ تَكْثِيرٌ. ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ أيْ عَلى ما تَعاهَدْنا عَلَيْهِ وتَواثَقْنا ﴿وكِيلٌ﴾ أيْ شاهِدٌ. وقالَ قَتادَةُ: حَفِيظٌ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: رَقِيبٌ، والوَكِيلُ الَّذِي وُكِلَ إلَيْهِ الأمْرُ، فَلَمّا ضُمِّنَ مَعْنى شاهِدٍ ونَحْوِهِ عُدِّيَ بِعَلى. ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ جاءَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ وفّى أطْوَلَ الأجَلَيْنِ، وهو العَشْرُ» . وعَنْ مُجاهِدٍ: وفّى عَشْرًا أوْ عَشْرًا بَعْدَها، وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ أيْ نَحْوَ مِصْرَ بَلَدِهِ وبَلَدِ قَوْمِهِ. والخِلافُ فِيمَن تَزَوَّجَ، الكُبْرى أمِ الصُّغْرى، وكَذَلِكَ في اسْمِها. وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَسِيرِهِ، وإيناسُهُ النّارَ في سُورَةِ طه وغَيْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”جِذْوَةٍ“ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وحَمْزَةُ: بِضَمِّها؛ وعاصِمٌ غَيْرَ الجُعْفِيِّ: بِفَتْحِها. ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ تَتَسَخَّنُونَ بِها، إذْ كانَتْ لَيْلَةً بارِدَةً، وقَدْ أضَلُّوا الطَّرِيقَ.

القصص 28:26

﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ . (p-١١٢)﴿تَوَجَّهَ﴾ رَدَّ وجْهَهُ. و﴿تِلْقاءَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في يُونُسَ، أيْ ناحِيَةَ وجْهِهِ. اسْتُعْمِلَ المَصْدَرُ اسْتِعْمالَ الظَّرْفِ، وكانَ هُناكَ ثَلاثُ طُرُقٍ، فَأخَذَ مُوسى أوْسَطَها، وأخَذَ طالِبُوهُ في الآخَرَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بُنَيّاتِها. فَبَقِيَ في الطَّرِيقِ ثَمانِيَ لَيالٍ (p-١١٣)وهُوَ حافٍ، لا يَطْعَمُ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أنَّهُ كانَ لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ أقْصَدَ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ أنَّهُ لا يَضِلُّ، إذْ لَوْ سَلَكَ ما لا يُوَصِّلُهُ إلى المَقْصُودِ لَتاهَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَصَدَ مَدْيَنَ وأخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، فَأوْصَلَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: هَداهُ جِبْرِيلُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ. وقِيلَ: أخَذَ طَرِيقًا يَأْمَنُ فِيهِ، فاتَّفَقَ ذَهابُهُ إلى مَدْيَنَ. والظّاهِرُ أنَّ ”سَواءَ السَّبِيلِ“: وسَطُ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ إلى مَكانِ مَأْمَنِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ”سَواءَ السَّبِيلِ“: طَرِيقُ مَدْيَنَ. وقالَ الحَسَنُ: هو سَبِيلُ الهُدى، فَمَشى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ وصَلَ إلى مَدْيَنَ، ولَمْ يَكُنْ في طاعَةِ فِرْعَوْنَ. ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ، والوُرُودُ بِمَعْنى الوُصُولِ إلى الشَّيْءِ، وبِمَعْنى الدُّخُولِ فِيهِ. قِيلَ: وكانَ هَذا الماءُ بِئْرًا. والأُمَّةُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ومَعْنى عَلَيْهِ: أيْ عَلى شَفِيرِهِ وحاشِيَتِهِ. ﴿يَسْقُونَ﴾ يَعْنِي مَواشِيَهم. ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي وصَلَ إلَيْها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأُمَّةِ، فَهُما مِن دُونِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِهِمْ. ﴿تَذُودانِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُّقاةِ الأقْوِياءِ. وقالَ قَتادَةُ: تَذُودانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما. قالَ الزَّجّاجُ: وكَأنَّهُما تَكْرَهانِ المُزاحَمَةَ عَلى الماءِ. وقِيلَ: لِئَلّا تَخْتَلِطَ غَنَمُهُما بِأغْنامِهِمْ. وقِيلَ: تَذُودانِ عَنْ وُجُوهِهِما نَظَرَ النّاظِرِ لِتَسَتُّرِهِما. وقالَ الفَرّاءُ: تَحْبِسانِها عَنْ أنْ تَتَفَرَّقَ، واسْمُ الصُّغْرى عِبْرا، واسْمُ الكُبْرى صَبُورا. ولَمّا رَآهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واقِفَتَيْنِ لا تَتَقَدَّمانِ لِلسَّقْيِ، سَألَهُما فَقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ بِالخَطْبِ إنَّما هو في مُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ مَن يُشْفَقُ عَلَيْهِ، أوْ يَأْتِي بِمُنْكَرٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَتُهُ: ما مَخْطُوبُكُما ؟ أيْ ما مَطْلُوبُكُما مِنَ الذِّيادِ ؟ سُمِّيَ المَخْطُوبُ خَطْبًا، كَما سُمِّيَ الشُّئُونَ شَأْنًا في قَوْلِكَ: ما شَأْنُكَ ؟ يُقالُ: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أيْ قَصَدْتُ قَصْدَهُ. انْتَهى. وفي سُؤالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُكالَمَةِ الأجْنَبِيَّةِ فِيما يَعُنُّ ولَمْ يَكُنْ لِأبِيهِما أجِيرٌ، فَكانَتا تَسُوقانِ الغَنَمَ إلى الماءِ، ولَمْ تَكُنْ لَهُما قُوَّةُ الِاسْتِقاءِ، وكانَ الرُّعاةُ يَسْتَقُونَ مِنَ البِئْرِ فَيَسْقُونَ مَواشِيَهم، فَإذا صَدَرُوا، فَإنْ بَقِيَ في الحَوْضِ شَيْءٌ سَقَتا. فَوافى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ اليَوْمَ وهُما يَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ، فَرَقَّ عَلَيْهِما وقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ وقَرَأ شِمْرٌ: بِكَسْرِ الخاءِ، أيْ مَن زَوْجُكُما ؟ ولِمَ لا يَسْقِي هو ؟ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ نادِرَةٌ. ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ . وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: لا نُسْقِيَ، بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والعَرَبِيّانِ: يَصْدُرَ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ يَصْدُرُونَ بِأغْنامِهِمْ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أيْ يُصْدِرُونَ أغْنامَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الرِّعاءُ“، بِكَسْرِ الرّاءِ: جَمْعَ تَكْسِيرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا الرِّعاءُ بِالكَسْرِ فَقِياسٌ، كَصِيامٍ وقِيامٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِقِياسٍ؛ لِأنَّهُ جَمْعُ راعٍ، وقِياسُ فاعِلِ الصِّفَةِ الَّتِي لِلْعاقِلِ أنْ تُكْسَرَ عَلى فُعَلَةٍ، كَقاضٍ وقُضاةٍ، وما سِوى جَمْعِهِ هَذا فَلَيْسَ بِقِياسٍ. وقُرِئَ: الرُّعاءُ، بِضَمِّ الرّاءِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ، كالرِّجالِ والثَّناءِ. قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَرَأ عَيّاشٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: الرَّعاءُ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الصِّفَةِ، فاسْتَوى لَفْظُ الواحِدِ والجَماعَةِ فِيهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ. ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِذارٌ لِمُوسى عَنْ مُباشَرَتِهِما السَّقْيَ بِأنْفُسِهِما، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أباهُما لا يَقْدِرُ عَلى السَّقْيِ لِشَيَخِهِ وكِبَرِهِ، واسْتِعْطافٌ لِمُوسى في إعانَتِهِما. ﴿فَسَقى لَهُما﴾ أيْ سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما. ورُوِيَ أنَّ الرُّعاةَ كانُوا يَضَعُونَ عَلى رَأْسِ البِئْرِ حَجَرًا لا يُقِلُّهُ إلّا عَدَدٌ مِنَ الرِّجالِ، واضْطَرَبَ النَّقْلُ في العَدَدِ، فَأقَلُّ ما قالُوا سَبْعَةٌ، وأكْثَرُهُ مِائَةٌ، فَأقَلَّهُ وحْدَهُ. وقِيلَ: كانَتْ لَهم دَلْوٌ لا يَنْزِعُ بِها إلّا أرْبَعُونَ، فَنَزَعَ بِها وحْدَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ زاحَمَهم عَلى الماءِ حَتّى سَقى لَهُما، كُلُّ ذَلِكَ رَغْبَةً في الثَّوابِ عَلى ما كانَ بِهِ مِن نَصَبِ السَّفَرِ وكَثْرَةِ الجُوعِ، حَتّى كانَتْ تَظْهَرُ الخُضْرَةُ في (p-١١٤)بَطْنِهِ مِنَ البَقْلِ. وقِيلَ: إنَّهُ مَشى حَتّى سَقَطَ أصْلُهُ، وهو باطِنُ القَدَمِ، ومَعَ ذَلِكَ أغاثَهُما وكَفاهُما أمْرَ السَّقْيِ. وقَدْ طابَقَ جَوابُهُما لِسُؤالِهِ. سَألَهُما عَنْ سَبَبِ الذَّوْدِ، فَأجاباهُ: بِأنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ، لا نَقْدِرُ عَلى مُزاحَمَةِ الرِّجالِ، فَنُؤَخِّرُ السَّقْيَ إلى فَراغِهِمْ. ومُباشَرَتُهُما ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، وعادَةُ العَرَبِ وأهْلِ البَدْوِ في ذَلِكَ غَيْرُ عادَةِ أهْلِ الحَضَرِ والأعاجِمِ، لا سِيَّما إذا دَعَتْ إلى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ. ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ظِلُّ شَجَرَةٍ. قِيلَ: كانَتْ سَمُرَةً. وقِيلَ: إلى ظِلِّ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ. وقِيلَ: جَعَلَ ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِي وجْهَهُ مِنَ الشَّمْسِ. ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تَعَرَّضَ لِما يَطْعَمَهُ، لِما نالَهُ مِنَ الجُوعِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالسُّؤالِ؛ و”أنْزَلْتَ“ هُنا بِمَعْنى تُنَزِّلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعُدِّيَ بِاللّامِ. ”فَقِيرٌ“ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى سائِلٍ وطالِبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ، أيْ فَقِيرٌ مِنَ الدُّنْيا لِأجْلِ ما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ، وهو النَّجاةُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ، قالَ ذَلِكَ رِضًا بِالبَدَلِ السَّنِيِّ وفَرَحًا بِهِ وشُكْرًا لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ الزِّيادَةَ في العِلْمِ والحِكْمَةِ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما مِن غَيْرِ إبْطاءٍ في السَّقْيِ، وقَصَّتا عَلَيْهِ أمْرَ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ . قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: فَجاءَتْهُ احْداهُما، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ: ويْلُ امِّهِ في ويْلِ أُمِّهِ، ويابا فُلانٍ، والقِياسُ أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ، و”إحْداهُما“ مُبْهَمٌ. فَقِيلَ: الكُبْرى، وقِيلَ: كانَتا تَوْأمَتَيْنِ، وُلِدَتِ الأُولى قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ. وعَلى اسْتِحْياءٍ: في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُسْتَحْيِيَةً مُتَحَفِّزَةً. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ الدّاعِيَ أباهُما هو شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهُما ابْنَتاهُ. وقالَ الحَسَنُ: هو ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، واسْمُهُ مَرْوانُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هارُونُ. وقِيلَ: هو رَجُلٌ صالِحٌ لَيْسَ مِن شُعَيْبٍ بِنَسَبٍ. وقِيلَ: كانَ عَمَّهُما صاحِبَ الغَنَمِ، وهو المُزَوِّجُ، عَبَّرَتْ عَنْهُ بِالأبِ، إذْ كانَ بِمَثابَتِهِ. ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ في ذَلِكَ ما كانَ عَلَيْهِ شُعَيْبٌ مِنَ الإحْسانِ والمُكافَأةِ لِمَن عَمِلَ لَهُ عَمَلًا، وإنْ لَمْ يَقْصِدِ العامِلُ المُكافَأةَ. ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ فَذَهَبَ مَعَهُما إلى أبِيهِما، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى اعْتِمادِ أخْبارِ المَرْأةِ، إذْ ذَهَبَ مَعَها مُوسى، كَما يُعْتَمَدُ عَلى أخْبارِها في بابِ الرِّوايَةِ. ﴿وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ ما جَرى لَهُ مِن خُرُوجِهِ مِن مِصْرَ، وسَبَبَ ذَلِكَ. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ قَبِلَ اللَّهُ دُعاءَكَ في قَوْلِكَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] أوْ أخْبَرَهُ بِنَجاتِهِ مِنهم، فَأنَّسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وقَرَّبَ إلَيْهِ طَعامًا، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنّا أهْلُ بَيْتٍ، لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَيْسَ هَذا عِوَضَ السَّقْيِ، ولَكِنَّ عادَتِي وعادَةَ آبائِي قِرى الضَّيْفِ وإطْعامُ الطَّعامِ؛ فَحِينَئِذٍ أكَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ أبْهَمَ القائِلَةَ، وهي الذّاهِبَةُ والقائِلَةُ والمُتَزَوِّجَةُ ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ لِرَعْيِ الغَنَمِ وسَقْيِها. ووَصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ: لِكَوْنِهِ رَفَعَ الصَّخْرَةَ عَنِ البِئْرِ وحْدَهُ، وانْتَزَعَ بِتِلْكَ الدَّلْوِ، وزاحَمَهم حَتّى غَلَبَهم عَلى الماءِ؛ وبِالأمانَةِ؛ لِأنَّها حِينَ قامَ يَتْبَعُها هَبَّتِ الرِّيحُ فَلَفَّتْ ثِيابَها فَوَصَفَتْها، فَقالَ: ارْجِعِي خَلْفِي ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ. وقَوْلُها كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ؛ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الكِفايَةُ والأمانَةُ في القائِمِ بِأمْرٍ، فَقَدْ تَمَّ المَقْصُودُ، وهو كَلامٌ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وصارَ مَطْرُوقًا لِلنّاسِ، وكانَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلِاسْتِئْجارِ، وكَأنَّها قالَتِ: اسْتَأْجِرْهُ لِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ، وصارَ الوَصْفانِ مُنَبِّهَيْنِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ حَيًّا وهالِكًا أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهم في السَّلاسِلِ جَعَلَ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ الِاسْمَ، اعْتِناءً بِهِ. وحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ. ولَمّا وصَفَتْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ قالَ لَها أبُوها: ومِن أيْنَ عَرَفْتِ هَذا ؟ فَذَكَرَتْ إقْلالَهُ الحَجَرَ وحْدَهُ، وتَحَرُّجَهُ مِنَ النَّظَرِ إلَيْها حِينَ وصَفَتْها (p-١١٥)الرِّيحُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: قالَ لَها مُوسى ابْتِداءً: كُونِي ورائِي، فَإنِّي رَجُلٌ لا أنْظُرُ إلى أدْبارِ النِّساءِ، ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ يَمِينًا أوْ يَسارًا. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: بِنْتُ شُعَيْبٍ وصاحِبُ يُوسُفَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ [القصص: ٩] وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ. وفي قَوْلِها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الإجارَةِ عِنْدَهم، وكَذا كانَتْ في كُلِّ مِلَّةٍ، وهي ضَرُورَةُ النّاسِ ومَصْلَحَةُ الخِلْطَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُلَيَّةَ والأصَمِّ، حَيْثُ كانا لا يُجِيزانِها؛ وهَذا مِمّا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ، وخِلافُهُما خَرَقٌ. ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ رَغِبَ شُعَيْبٌ في مُصاهَرَتِهِ، لِما وصَفَتْهُ بِهِ، ولِما رَأى فِيهِ مِن عُزُوفِهِ عَنِ الدُّنْيا وتَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ وفِرارِهِ مِنَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ ورْشٌ، وأحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”أُنْكِحَكَ احْدى“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أنَّ الإنْكاحَ إلى الوَلِيِّ لا حَقَّ لِلْمَرْأةِ فِيهِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ في بَعْضِ صُوَرِهِ، بِأنْ تَكُونَ بالِغَةً عالِمَةً بِمَصالِحِ نَفْسِها، فَإنَّها تَعْقِدُ عَلى نَفْسِها بِمَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَرْضِ الوَلِيِّ ولِيَّتَهُ عَلى الزَّوْجِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، ودَلِيلٌ عَلى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ البِكْرِ مِن غَيْرِ اسْتِئْمارٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا بَلَغَتِ البِكْرُ، فَلا تُزَوَّجُ إلّا بِرِضاها. قِيلَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ، أوِ الإنْكاحِ، وبِهِ قالَ رَبِيعَةُ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وداوُدُ. و”إحْدى ابْنَتَيَّ“: مُبْهَمٌ، وهَذا عَرْضٌ لا عَقْدٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ ؟ وحِينَ العَقْدِ يُعَيِّنُ مَن شاءَ مِنهُما، وكَذَلِكَ لَمْ يَحُدَّ أوَّلَ أمَدِ الإجارَةِ. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ النِّكاحِ بِالإجارَةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ وابْنُ حَبِيبٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿هاتَيْنِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لَهُ غَيْرُهُما. انْتَهى. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما كانَتا هُما اللَّتَيْنِ رَآهُما تَذُودانِ، وجاءَتْهُ إحْداهُما، فَأشارَ إلَيْهِما، والإشارَةُ إلَيْهِما لا تَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ غَيْرَهُما. ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”أُنْكِحَكَ“، إمّا الفاعِلُ، وإمّا المَفْعُولُ. و”تَأْجُرَنِي“، مِن أجَرْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أجِيرًا، كَقَوْلِكَ: أبَوْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أبًا، ومَفْعُولُ ”تَأْجُرُنِي“ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَفْسَكَ. و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حِجَجٌ: مَفْعُولٌ بِهِ، ومَعْناهُ: رَعْيُهُ ثَمانِيَ حِجَجٍ. ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ هو تَبَرُّعٌ وتَفَضُّلٌ لا اشْتِراطٌ. ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِ أيِّ الأجَلَيْنِ، ولا في المُعاشَرَةِ والمُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ، وتَكْلِيفُ الرُّعاةِ أشْياءً مِنَ الخِدَمِ خارِجَةً عَنِ الشَّرْطِ. ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وعْدٌ صادِقٌ مَقْرُونٌ بِالمَشِيئَةِ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ووَطاءَةِ الخُلُقِ، أوْ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ حَسَنُ المُعامَلَةِ. ولَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِمّا حاوَرَ بِهِ مُوسى، قالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ عَلى جِهَةِ التَّقْدِيرِ والتَّوَثُّقِ في أنَّ الشَّرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِي حِجَجٍ. و”ذَلِكَ“ مُبْتَدَأٌ خْبَرُهُ ”بَيْنِي وبَيْنَكَ“، إشارَةٌ إلى ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ، أيْ ذَلِكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي وشارَطْتَنِي قائِمٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا نَخْرُجُ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيِ الثَّمانِيَ أوِ العَشْرَ ؟ ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أيْ لا يُعْتَدى عَلَيَّ في طَلَبِ الزِّيادَةِ، و”أيَّ“ شَرْطٌ، وما زائِدَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، والعَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أيَّما، بِحَذْفِ الياءِ الثّانِيَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنَظَّرَتْ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيَّما ∗∗∗ عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أيَّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ، بِزِيادَةِ ما بَيْنَ الأجَلَيْنِ وقَضَيْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ مُوقِعِ ما المَزِيدَةِ في القِراءَتَيْنِ ؟ (قُلْتُ): وقَعَتْ في المُسْتَفِيضَةِ مُؤَكَّدَةَ الإبْهامِ، أيْ زائِدَةً في شِياعِها، وفي الشّاذِّ تَأْكِيدًا لِلْقَضاءِ، كَأنَّهُ قالَ: أيَّ الأجَلَيْنِ صَمَّمْتُ عَلى قَضائِهِ وجَرَّدْتُ عَزِيمَتِي لَهُ ؟ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ قُطَيْبٍ: ”فَلا عِدْوانَ“، بِكَسْرِ العَيْنِ. قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ في أتَمِّهِما، ولَكِنْ جَمَعَهُما، لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصَوُّرُ العُدْوانِ إنَّما هو في (p-١١٦)أحَدِ الأجَلَيْنِ الَّذِي هو أقْصَرُ، وهو المُطالَبَةُ بِتَتِمَّةِ العَشْرِ، فَما مَعْنى تَعْلِيقِ العُدْوانِ بِهِما جَمِيعًا ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: كَما أنِّي إنْ طُولِبْتُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ، كانَ عُدْوانًا لا شَكَّ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إنْ طُولِبْتُ في الزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِي. أرادَ بِذَلِكَ تَقْرِيرَ الخِيارِ، وأنَّهُ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، وأنَّ الأجَلَيْنِ عَلى السَّواءِ، إمّا هَذا، وإمّا هَذا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما في القَضاءِ. وأمّا التَّتِمَّةُ فَمَوْكُولَةٌ إلى رَأْيِي، إنْ شِئْتُ أتَيْتُ بِها وإلّا لَمْ أُجْبَرْ عَلَيْها. وقِيلَ: مَعْناهُ فَلا أكُونُ مُتَعَدِّيًا، وهو في نَفْيِ العُدْوانِ عَنْ نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: لا إثْمَ عَلَيَّ ولا تَبِعَةَ. انْتَهى، وجَوابُهُ الأوَّلُ فِيهِ تَكْثِيرٌ. ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ أيْ عَلى ما تَعاهَدْنا عَلَيْهِ وتَواثَقْنا ﴿وكِيلٌ﴾ أيْ شاهِدٌ. وقالَ قَتادَةُ: حَفِيظٌ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: رَقِيبٌ، والوَكِيلُ الَّذِي وُكِلَ إلَيْهِ الأمْرُ، فَلَمّا ضُمِّنَ مَعْنى شاهِدٍ ونَحْوِهِ عُدِّيَ بِعَلى. ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ جاءَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ وفّى أطْوَلَ الأجَلَيْنِ، وهو العَشْرُ» . وعَنْ مُجاهِدٍ: وفّى عَشْرًا أوْ عَشْرًا بَعْدَها، وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ أيْ نَحْوَ مِصْرَ بَلَدِهِ وبَلَدِ قَوْمِهِ. والخِلافُ فِيمَن تَزَوَّجَ، الكُبْرى أمِ الصُّغْرى، وكَذَلِكَ في اسْمِها. وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَسِيرِهِ، وإيناسُهُ النّارَ في سُورَةِ طه وغَيْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”جِذْوَةٍ“ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وحَمْزَةُ: بِضَمِّها؛ وعاصِمٌ غَيْرَ الجُعْفِيِّ: بِفَتْحِها. ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ تَتَسَخَّنُونَ بِها، إذْ كانَتْ لَيْلَةً بارِدَةً، وقَدْ أضَلُّوا الطَّرِيقَ.

القصص 28:27

﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ . (p-١١٢)﴿تَوَجَّهَ﴾ رَدَّ وجْهَهُ. و﴿تِلْقاءَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في يُونُسَ، أيْ ناحِيَةَ وجْهِهِ. اسْتُعْمِلَ المَصْدَرُ اسْتِعْمالَ الظَّرْفِ، وكانَ هُناكَ ثَلاثُ طُرُقٍ، فَأخَذَ مُوسى أوْسَطَها، وأخَذَ طالِبُوهُ في الآخَرَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بُنَيّاتِها. فَبَقِيَ في الطَّرِيقِ ثَمانِيَ لَيالٍ (p-١١٣)وهُوَ حافٍ، لا يَطْعَمُ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أنَّهُ كانَ لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ أقْصَدَ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ أنَّهُ لا يَضِلُّ، إذْ لَوْ سَلَكَ ما لا يُوَصِّلُهُ إلى المَقْصُودِ لَتاهَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَصَدَ مَدْيَنَ وأخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، فَأوْصَلَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: هَداهُ جِبْرِيلُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ. وقِيلَ: أخَذَ طَرِيقًا يَأْمَنُ فِيهِ، فاتَّفَقَ ذَهابُهُ إلى مَدْيَنَ. والظّاهِرُ أنَّ ”سَواءَ السَّبِيلِ“: وسَطُ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ إلى مَكانِ مَأْمَنِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ”سَواءَ السَّبِيلِ“: طَرِيقُ مَدْيَنَ. وقالَ الحَسَنُ: هو سَبِيلُ الهُدى، فَمَشى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ وصَلَ إلى مَدْيَنَ، ولَمْ يَكُنْ في طاعَةِ فِرْعَوْنَ. ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ، والوُرُودُ بِمَعْنى الوُصُولِ إلى الشَّيْءِ، وبِمَعْنى الدُّخُولِ فِيهِ. قِيلَ: وكانَ هَذا الماءُ بِئْرًا. والأُمَّةُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ومَعْنى عَلَيْهِ: أيْ عَلى شَفِيرِهِ وحاشِيَتِهِ. ﴿يَسْقُونَ﴾ يَعْنِي مَواشِيَهم. ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي وصَلَ إلَيْها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأُمَّةِ، فَهُما مِن دُونِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِهِمْ. ﴿تَذُودانِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُّقاةِ الأقْوِياءِ. وقالَ قَتادَةُ: تَذُودانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما. قالَ الزَّجّاجُ: وكَأنَّهُما تَكْرَهانِ المُزاحَمَةَ عَلى الماءِ. وقِيلَ: لِئَلّا تَخْتَلِطَ غَنَمُهُما بِأغْنامِهِمْ. وقِيلَ: تَذُودانِ عَنْ وُجُوهِهِما نَظَرَ النّاظِرِ لِتَسَتُّرِهِما. وقالَ الفَرّاءُ: تَحْبِسانِها عَنْ أنْ تَتَفَرَّقَ، واسْمُ الصُّغْرى عِبْرا، واسْمُ الكُبْرى صَبُورا. ولَمّا رَآهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واقِفَتَيْنِ لا تَتَقَدَّمانِ لِلسَّقْيِ، سَألَهُما فَقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ بِالخَطْبِ إنَّما هو في مُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ مَن يُشْفَقُ عَلَيْهِ، أوْ يَأْتِي بِمُنْكَرٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَتُهُ: ما مَخْطُوبُكُما ؟ أيْ ما مَطْلُوبُكُما مِنَ الذِّيادِ ؟ سُمِّيَ المَخْطُوبُ خَطْبًا، كَما سُمِّيَ الشُّئُونَ شَأْنًا في قَوْلِكَ: ما شَأْنُكَ ؟ يُقالُ: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أيْ قَصَدْتُ قَصْدَهُ. انْتَهى. وفي سُؤالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُكالَمَةِ الأجْنَبِيَّةِ فِيما يَعُنُّ ولَمْ يَكُنْ لِأبِيهِما أجِيرٌ، فَكانَتا تَسُوقانِ الغَنَمَ إلى الماءِ، ولَمْ تَكُنْ لَهُما قُوَّةُ الِاسْتِقاءِ، وكانَ الرُّعاةُ يَسْتَقُونَ مِنَ البِئْرِ فَيَسْقُونَ مَواشِيَهم، فَإذا صَدَرُوا، فَإنْ بَقِيَ في الحَوْضِ شَيْءٌ سَقَتا. فَوافى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ اليَوْمَ وهُما يَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ، فَرَقَّ عَلَيْهِما وقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ وقَرَأ شِمْرٌ: بِكَسْرِ الخاءِ، أيْ مَن زَوْجُكُما ؟ ولِمَ لا يَسْقِي هو ؟ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ نادِرَةٌ. ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ . وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: لا نُسْقِيَ، بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والعَرَبِيّانِ: يَصْدُرَ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ يَصْدُرُونَ بِأغْنامِهِمْ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أيْ يُصْدِرُونَ أغْنامَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الرِّعاءُ“، بِكَسْرِ الرّاءِ: جَمْعَ تَكْسِيرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا الرِّعاءُ بِالكَسْرِ فَقِياسٌ، كَصِيامٍ وقِيامٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِقِياسٍ؛ لِأنَّهُ جَمْعُ راعٍ، وقِياسُ فاعِلِ الصِّفَةِ الَّتِي لِلْعاقِلِ أنْ تُكْسَرَ عَلى فُعَلَةٍ، كَقاضٍ وقُضاةٍ، وما سِوى جَمْعِهِ هَذا فَلَيْسَ بِقِياسٍ. وقُرِئَ: الرُّعاءُ، بِضَمِّ الرّاءِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ، كالرِّجالِ والثَّناءِ. قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَرَأ عَيّاشٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: الرَّعاءُ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الصِّفَةِ، فاسْتَوى لَفْظُ الواحِدِ والجَماعَةِ فِيهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ. ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِذارٌ لِمُوسى عَنْ مُباشَرَتِهِما السَّقْيَ بِأنْفُسِهِما، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أباهُما لا يَقْدِرُ عَلى السَّقْيِ لِشَيَخِهِ وكِبَرِهِ، واسْتِعْطافٌ لِمُوسى في إعانَتِهِما. ﴿فَسَقى لَهُما﴾ أيْ سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما. ورُوِيَ أنَّ الرُّعاةَ كانُوا يَضَعُونَ عَلى رَأْسِ البِئْرِ حَجَرًا لا يُقِلُّهُ إلّا عَدَدٌ مِنَ الرِّجالِ، واضْطَرَبَ النَّقْلُ في العَدَدِ، فَأقَلُّ ما قالُوا سَبْعَةٌ، وأكْثَرُهُ مِائَةٌ، فَأقَلَّهُ وحْدَهُ. وقِيلَ: كانَتْ لَهم دَلْوٌ لا يَنْزِعُ بِها إلّا أرْبَعُونَ، فَنَزَعَ بِها وحْدَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ زاحَمَهم عَلى الماءِ حَتّى سَقى لَهُما، كُلُّ ذَلِكَ رَغْبَةً في الثَّوابِ عَلى ما كانَ بِهِ مِن نَصَبِ السَّفَرِ وكَثْرَةِ الجُوعِ، حَتّى كانَتْ تَظْهَرُ الخُضْرَةُ في (p-١١٤)بَطْنِهِ مِنَ البَقْلِ. وقِيلَ: إنَّهُ مَشى حَتّى سَقَطَ أصْلُهُ، وهو باطِنُ القَدَمِ، ومَعَ ذَلِكَ أغاثَهُما وكَفاهُما أمْرَ السَّقْيِ. وقَدْ طابَقَ جَوابُهُما لِسُؤالِهِ. سَألَهُما عَنْ سَبَبِ الذَّوْدِ، فَأجاباهُ: بِأنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ، لا نَقْدِرُ عَلى مُزاحَمَةِ الرِّجالِ، فَنُؤَخِّرُ السَّقْيَ إلى فَراغِهِمْ. ومُباشَرَتُهُما ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، وعادَةُ العَرَبِ وأهْلِ البَدْوِ في ذَلِكَ غَيْرُ عادَةِ أهْلِ الحَضَرِ والأعاجِمِ، لا سِيَّما إذا دَعَتْ إلى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ. ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ظِلُّ شَجَرَةٍ. قِيلَ: كانَتْ سَمُرَةً. وقِيلَ: إلى ظِلِّ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ. وقِيلَ: جَعَلَ ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِي وجْهَهُ مِنَ الشَّمْسِ. ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تَعَرَّضَ لِما يَطْعَمَهُ، لِما نالَهُ مِنَ الجُوعِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالسُّؤالِ؛ و”أنْزَلْتَ“ هُنا بِمَعْنى تُنَزِّلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعُدِّيَ بِاللّامِ. ”فَقِيرٌ“ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى سائِلٍ وطالِبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ، أيْ فَقِيرٌ مِنَ الدُّنْيا لِأجْلِ ما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ، وهو النَّجاةُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ، قالَ ذَلِكَ رِضًا بِالبَدَلِ السَّنِيِّ وفَرَحًا بِهِ وشُكْرًا لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ الزِّيادَةَ في العِلْمِ والحِكْمَةِ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما مِن غَيْرِ إبْطاءٍ في السَّقْيِ، وقَصَّتا عَلَيْهِ أمْرَ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ . قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: فَجاءَتْهُ احْداهُما، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ: ويْلُ امِّهِ في ويْلِ أُمِّهِ، ويابا فُلانٍ، والقِياسُ أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ، و”إحْداهُما“ مُبْهَمٌ. فَقِيلَ: الكُبْرى، وقِيلَ: كانَتا تَوْأمَتَيْنِ، وُلِدَتِ الأُولى قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ. وعَلى اسْتِحْياءٍ: في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُسْتَحْيِيَةً مُتَحَفِّزَةً. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ الدّاعِيَ أباهُما هو شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهُما ابْنَتاهُ. وقالَ الحَسَنُ: هو ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، واسْمُهُ مَرْوانُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هارُونُ. وقِيلَ: هو رَجُلٌ صالِحٌ لَيْسَ مِن شُعَيْبٍ بِنَسَبٍ. وقِيلَ: كانَ عَمَّهُما صاحِبَ الغَنَمِ، وهو المُزَوِّجُ، عَبَّرَتْ عَنْهُ بِالأبِ، إذْ كانَ بِمَثابَتِهِ. ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ في ذَلِكَ ما كانَ عَلَيْهِ شُعَيْبٌ مِنَ الإحْسانِ والمُكافَأةِ لِمَن عَمِلَ لَهُ عَمَلًا، وإنْ لَمْ يَقْصِدِ العامِلُ المُكافَأةَ. ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ فَذَهَبَ مَعَهُما إلى أبِيهِما، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى اعْتِمادِ أخْبارِ المَرْأةِ، إذْ ذَهَبَ مَعَها مُوسى، كَما يُعْتَمَدُ عَلى أخْبارِها في بابِ الرِّوايَةِ. ﴿وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ ما جَرى لَهُ مِن خُرُوجِهِ مِن مِصْرَ، وسَبَبَ ذَلِكَ. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ قَبِلَ اللَّهُ دُعاءَكَ في قَوْلِكَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] أوْ أخْبَرَهُ بِنَجاتِهِ مِنهم، فَأنَّسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وقَرَّبَ إلَيْهِ طَعامًا، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنّا أهْلُ بَيْتٍ، لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَيْسَ هَذا عِوَضَ السَّقْيِ، ولَكِنَّ عادَتِي وعادَةَ آبائِي قِرى الضَّيْفِ وإطْعامُ الطَّعامِ؛ فَحِينَئِذٍ أكَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ أبْهَمَ القائِلَةَ، وهي الذّاهِبَةُ والقائِلَةُ والمُتَزَوِّجَةُ ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ لِرَعْيِ الغَنَمِ وسَقْيِها. ووَصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ: لِكَوْنِهِ رَفَعَ الصَّخْرَةَ عَنِ البِئْرِ وحْدَهُ، وانْتَزَعَ بِتِلْكَ الدَّلْوِ، وزاحَمَهم حَتّى غَلَبَهم عَلى الماءِ؛ وبِالأمانَةِ؛ لِأنَّها حِينَ قامَ يَتْبَعُها هَبَّتِ الرِّيحُ فَلَفَّتْ ثِيابَها فَوَصَفَتْها، فَقالَ: ارْجِعِي خَلْفِي ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ. وقَوْلُها كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ؛ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الكِفايَةُ والأمانَةُ في القائِمِ بِأمْرٍ، فَقَدْ تَمَّ المَقْصُودُ، وهو كَلامٌ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وصارَ مَطْرُوقًا لِلنّاسِ، وكانَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلِاسْتِئْجارِ، وكَأنَّها قالَتِ: اسْتَأْجِرْهُ لِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ، وصارَ الوَصْفانِ مُنَبِّهَيْنِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ حَيًّا وهالِكًا أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهم في السَّلاسِلِ جَعَلَ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ الِاسْمَ، اعْتِناءً بِهِ. وحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ. ولَمّا وصَفَتْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ قالَ لَها أبُوها: ومِن أيْنَ عَرَفْتِ هَذا ؟ فَذَكَرَتْ إقْلالَهُ الحَجَرَ وحْدَهُ، وتَحَرُّجَهُ مِنَ النَّظَرِ إلَيْها حِينَ وصَفَتْها (p-١١٥)الرِّيحُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: قالَ لَها مُوسى ابْتِداءً: كُونِي ورائِي، فَإنِّي رَجُلٌ لا أنْظُرُ إلى أدْبارِ النِّساءِ، ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ يَمِينًا أوْ يَسارًا. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: بِنْتُ شُعَيْبٍ وصاحِبُ يُوسُفَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ [القصص: ٩] وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ. وفي قَوْلِها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الإجارَةِ عِنْدَهم، وكَذا كانَتْ في كُلِّ مِلَّةٍ، وهي ضَرُورَةُ النّاسِ ومَصْلَحَةُ الخِلْطَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُلَيَّةَ والأصَمِّ، حَيْثُ كانا لا يُجِيزانِها؛ وهَذا مِمّا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ، وخِلافُهُما خَرَقٌ. ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ رَغِبَ شُعَيْبٌ في مُصاهَرَتِهِ، لِما وصَفَتْهُ بِهِ، ولِما رَأى فِيهِ مِن عُزُوفِهِ عَنِ الدُّنْيا وتَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ وفِرارِهِ مِنَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ ورْشٌ، وأحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”أُنْكِحَكَ احْدى“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أنَّ الإنْكاحَ إلى الوَلِيِّ لا حَقَّ لِلْمَرْأةِ فِيهِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ في بَعْضِ صُوَرِهِ، بِأنْ تَكُونَ بالِغَةً عالِمَةً بِمَصالِحِ نَفْسِها، فَإنَّها تَعْقِدُ عَلى نَفْسِها بِمَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَرْضِ الوَلِيِّ ولِيَّتَهُ عَلى الزَّوْجِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، ودَلِيلٌ عَلى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ البِكْرِ مِن غَيْرِ اسْتِئْمارٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا بَلَغَتِ البِكْرُ، فَلا تُزَوَّجُ إلّا بِرِضاها. قِيلَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ، أوِ الإنْكاحِ، وبِهِ قالَ رَبِيعَةُ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وداوُدُ. و”إحْدى ابْنَتَيَّ“: مُبْهَمٌ، وهَذا عَرْضٌ لا عَقْدٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ ؟ وحِينَ العَقْدِ يُعَيِّنُ مَن شاءَ مِنهُما، وكَذَلِكَ لَمْ يَحُدَّ أوَّلَ أمَدِ الإجارَةِ. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ النِّكاحِ بِالإجارَةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ وابْنُ حَبِيبٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿هاتَيْنِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لَهُ غَيْرُهُما. انْتَهى. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما كانَتا هُما اللَّتَيْنِ رَآهُما تَذُودانِ، وجاءَتْهُ إحْداهُما، فَأشارَ إلَيْهِما، والإشارَةُ إلَيْهِما لا تَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ غَيْرَهُما. ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”أُنْكِحَكَ“، إمّا الفاعِلُ، وإمّا المَفْعُولُ. و”تَأْجُرَنِي“، مِن أجَرْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أجِيرًا، كَقَوْلِكَ: أبَوْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أبًا، ومَفْعُولُ ”تَأْجُرُنِي“ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَفْسَكَ. و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حِجَجٌ: مَفْعُولٌ بِهِ، ومَعْناهُ: رَعْيُهُ ثَمانِيَ حِجَجٍ. ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ هو تَبَرُّعٌ وتَفَضُّلٌ لا اشْتِراطٌ. ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِ أيِّ الأجَلَيْنِ، ولا في المُعاشَرَةِ والمُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ، وتَكْلِيفُ الرُّعاةِ أشْياءً مِنَ الخِدَمِ خارِجَةً عَنِ الشَّرْطِ. ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وعْدٌ صادِقٌ مَقْرُونٌ بِالمَشِيئَةِ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ووَطاءَةِ الخُلُقِ، أوْ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ حَسَنُ المُعامَلَةِ. ولَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِمّا حاوَرَ بِهِ مُوسى، قالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ عَلى جِهَةِ التَّقْدِيرِ والتَّوَثُّقِ في أنَّ الشَّرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِي حِجَجٍ. و”ذَلِكَ“ مُبْتَدَأٌ خْبَرُهُ ”بَيْنِي وبَيْنَكَ“، إشارَةٌ إلى ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ، أيْ ذَلِكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي وشارَطْتَنِي قائِمٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا نَخْرُجُ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيِ الثَّمانِيَ أوِ العَشْرَ ؟ ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أيْ لا يُعْتَدى عَلَيَّ في طَلَبِ الزِّيادَةِ، و”أيَّ“ شَرْطٌ، وما زائِدَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، والعَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أيَّما، بِحَذْفِ الياءِ الثّانِيَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنَظَّرَتْ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيَّما ∗∗∗ عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أيَّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ، بِزِيادَةِ ما بَيْنَ الأجَلَيْنِ وقَضَيْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ مُوقِعِ ما المَزِيدَةِ في القِراءَتَيْنِ ؟ (قُلْتُ): وقَعَتْ في المُسْتَفِيضَةِ مُؤَكَّدَةَ الإبْهامِ، أيْ زائِدَةً في شِياعِها، وفي الشّاذِّ تَأْكِيدًا لِلْقَضاءِ، كَأنَّهُ قالَ: أيَّ الأجَلَيْنِ صَمَّمْتُ عَلى قَضائِهِ وجَرَّدْتُ عَزِيمَتِي لَهُ ؟ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ قُطَيْبٍ: ”فَلا عِدْوانَ“، بِكَسْرِ العَيْنِ. قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ في أتَمِّهِما، ولَكِنْ جَمَعَهُما، لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصَوُّرُ العُدْوانِ إنَّما هو في (p-١١٦)أحَدِ الأجَلَيْنِ الَّذِي هو أقْصَرُ، وهو المُطالَبَةُ بِتَتِمَّةِ العَشْرِ، فَما مَعْنى تَعْلِيقِ العُدْوانِ بِهِما جَمِيعًا ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: كَما أنِّي إنْ طُولِبْتُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ، كانَ عُدْوانًا لا شَكَّ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إنْ طُولِبْتُ في الزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِي. أرادَ بِذَلِكَ تَقْرِيرَ الخِيارِ، وأنَّهُ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، وأنَّ الأجَلَيْنِ عَلى السَّواءِ، إمّا هَذا، وإمّا هَذا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما في القَضاءِ. وأمّا التَّتِمَّةُ فَمَوْكُولَةٌ إلى رَأْيِي، إنْ شِئْتُ أتَيْتُ بِها وإلّا لَمْ أُجْبَرْ عَلَيْها. وقِيلَ: مَعْناهُ فَلا أكُونُ مُتَعَدِّيًا، وهو في نَفْيِ العُدْوانِ عَنْ نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: لا إثْمَ عَلَيَّ ولا تَبِعَةَ. انْتَهى، وجَوابُهُ الأوَّلُ فِيهِ تَكْثِيرٌ. ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ أيْ عَلى ما تَعاهَدْنا عَلَيْهِ وتَواثَقْنا ﴿وكِيلٌ﴾ أيْ شاهِدٌ. وقالَ قَتادَةُ: حَفِيظٌ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: رَقِيبٌ، والوَكِيلُ الَّذِي وُكِلَ إلَيْهِ الأمْرُ، فَلَمّا ضُمِّنَ مَعْنى شاهِدٍ ونَحْوِهِ عُدِّيَ بِعَلى. ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ جاءَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ وفّى أطْوَلَ الأجَلَيْنِ، وهو العَشْرُ» . وعَنْ مُجاهِدٍ: وفّى عَشْرًا أوْ عَشْرًا بَعْدَها، وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ أيْ نَحْوَ مِصْرَ بَلَدِهِ وبَلَدِ قَوْمِهِ. والخِلافُ فِيمَن تَزَوَّجَ، الكُبْرى أمِ الصُّغْرى، وكَذَلِكَ في اسْمِها. وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَسِيرِهِ، وإيناسُهُ النّارَ في سُورَةِ طه وغَيْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”جِذْوَةٍ“ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وحَمْزَةُ: بِضَمِّها؛ وعاصِمٌ غَيْرَ الجُعْفِيِّ: بِفَتْحِها. ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ تَتَسَخَّنُونَ بِها، إذْ كانَتْ لَيْلَةً بارِدَةً، وقَدْ أضَلُّوا الطَّرِيقَ.

القصص 28:28

﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ . (p-١١٢)﴿تَوَجَّهَ﴾ رَدَّ وجْهَهُ. و﴿تِلْقاءَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في يُونُسَ، أيْ ناحِيَةَ وجْهِهِ. اسْتُعْمِلَ المَصْدَرُ اسْتِعْمالَ الظَّرْفِ، وكانَ هُناكَ ثَلاثُ طُرُقٍ، فَأخَذَ مُوسى أوْسَطَها، وأخَذَ طالِبُوهُ في الآخَرَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بُنَيّاتِها. فَبَقِيَ في الطَّرِيقِ ثَمانِيَ لَيالٍ (p-١١٣)وهُوَ حافٍ، لا يَطْعَمُ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أنَّهُ كانَ لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ أقْصَدَ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ أنَّهُ لا يَضِلُّ، إذْ لَوْ سَلَكَ ما لا يُوَصِّلُهُ إلى المَقْصُودِ لَتاهَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَصَدَ مَدْيَنَ وأخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، فَأوْصَلَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: هَداهُ جِبْرِيلُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ. وقِيلَ: أخَذَ طَرِيقًا يَأْمَنُ فِيهِ، فاتَّفَقَ ذَهابُهُ إلى مَدْيَنَ. والظّاهِرُ أنَّ ”سَواءَ السَّبِيلِ“: وسَطُ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ إلى مَكانِ مَأْمَنِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ”سَواءَ السَّبِيلِ“: طَرِيقُ مَدْيَنَ. وقالَ الحَسَنُ: هو سَبِيلُ الهُدى، فَمَشى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ وصَلَ إلى مَدْيَنَ، ولَمْ يَكُنْ في طاعَةِ فِرْعَوْنَ. ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ، والوُرُودُ بِمَعْنى الوُصُولِ إلى الشَّيْءِ، وبِمَعْنى الدُّخُولِ فِيهِ. قِيلَ: وكانَ هَذا الماءُ بِئْرًا. والأُمَّةُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ومَعْنى عَلَيْهِ: أيْ عَلى شَفِيرِهِ وحاشِيَتِهِ. ﴿يَسْقُونَ﴾ يَعْنِي مَواشِيَهم. ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي وصَلَ إلَيْها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأُمَّةِ، فَهُما مِن دُونِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِهِمْ. ﴿تَذُودانِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُّقاةِ الأقْوِياءِ. وقالَ قَتادَةُ: تَذُودانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما. قالَ الزَّجّاجُ: وكَأنَّهُما تَكْرَهانِ المُزاحَمَةَ عَلى الماءِ. وقِيلَ: لِئَلّا تَخْتَلِطَ غَنَمُهُما بِأغْنامِهِمْ. وقِيلَ: تَذُودانِ عَنْ وُجُوهِهِما نَظَرَ النّاظِرِ لِتَسَتُّرِهِما. وقالَ الفَرّاءُ: تَحْبِسانِها عَنْ أنْ تَتَفَرَّقَ، واسْمُ الصُّغْرى عِبْرا، واسْمُ الكُبْرى صَبُورا. ولَمّا رَآهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واقِفَتَيْنِ لا تَتَقَدَّمانِ لِلسَّقْيِ، سَألَهُما فَقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ بِالخَطْبِ إنَّما هو في مُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ مَن يُشْفَقُ عَلَيْهِ، أوْ يَأْتِي بِمُنْكَرٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَتُهُ: ما مَخْطُوبُكُما ؟ أيْ ما مَطْلُوبُكُما مِنَ الذِّيادِ ؟ سُمِّيَ المَخْطُوبُ خَطْبًا، كَما سُمِّيَ الشُّئُونَ شَأْنًا في قَوْلِكَ: ما شَأْنُكَ ؟ يُقالُ: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أيْ قَصَدْتُ قَصْدَهُ. انْتَهى. وفي سُؤالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُكالَمَةِ الأجْنَبِيَّةِ فِيما يَعُنُّ ولَمْ يَكُنْ لِأبِيهِما أجِيرٌ، فَكانَتا تَسُوقانِ الغَنَمَ إلى الماءِ، ولَمْ تَكُنْ لَهُما قُوَّةُ الِاسْتِقاءِ، وكانَ الرُّعاةُ يَسْتَقُونَ مِنَ البِئْرِ فَيَسْقُونَ مَواشِيَهم، فَإذا صَدَرُوا، فَإنْ بَقِيَ في الحَوْضِ شَيْءٌ سَقَتا. فَوافى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ اليَوْمَ وهُما يَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ، فَرَقَّ عَلَيْهِما وقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ وقَرَأ شِمْرٌ: بِكَسْرِ الخاءِ، أيْ مَن زَوْجُكُما ؟ ولِمَ لا يَسْقِي هو ؟ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ نادِرَةٌ. ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ . وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: لا نُسْقِيَ، بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والعَرَبِيّانِ: يَصْدُرَ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ يَصْدُرُونَ بِأغْنامِهِمْ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أيْ يُصْدِرُونَ أغْنامَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الرِّعاءُ“، بِكَسْرِ الرّاءِ: جَمْعَ تَكْسِيرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا الرِّعاءُ بِالكَسْرِ فَقِياسٌ، كَصِيامٍ وقِيامٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِقِياسٍ؛ لِأنَّهُ جَمْعُ راعٍ، وقِياسُ فاعِلِ الصِّفَةِ الَّتِي لِلْعاقِلِ أنْ تُكْسَرَ عَلى فُعَلَةٍ، كَقاضٍ وقُضاةٍ، وما سِوى جَمْعِهِ هَذا فَلَيْسَ بِقِياسٍ. وقُرِئَ: الرُّعاءُ، بِضَمِّ الرّاءِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ، كالرِّجالِ والثَّناءِ. قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَرَأ عَيّاشٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: الرَّعاءُ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الصِّفَةِ، فاسْتَوى لَفْظُ الواحِدِ والجَماعَةِ فِيهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ. ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِذارٌ لِمُوسى عَنْ مُباشَرَتِهِما السَّقْيَ بِأنْفُسِهِما، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أباهُما لا يَقْدِرُ عَلى السَّقْيِ لِشَيَخِهِ وكِبَرِهِ، واسْتِعْطافٌ لِمُوسى في إعانَتِهِما. ﴿فَسَقى لَهُما﴾ أيْ سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما. ورُوِيَ أنَّ الرُّعاةَ كانُوا يَضَعُونَ عَلى رَأْسِ البِئْرِ حَجَرًا لا يُقِلُّهُ إلّا عَدَدٌ مِنَ الرِّجالِ، واضْطَرَبَ النَّقْلُ في العَدَدِ، فَأقَلُّ ما قالُوا سَبْعَةٌ، وأكْثَرُهُ مِائَةٌ، فَأقَلَّهُ وحْدَهُ. وقِيلَ: كانَتْ لَهم دَلْوٌ لا يَنْزِعُ بِها إلّا أرْبَعُونَ، فَنَزَعَ بِها وحْدَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ زاحَمَهم عَلى الماءِ حَتّى سَقى لَهُما، كُلُّ ذَلِكَ رَغْبَةً في الثَّوابِ عَلى ما كانَ بِهِ مِن نَصَبِ السَّفَرِ وكَثْرَةِ الجُوعِ، حَتّى كانَتْ تَظْهَرُ الخُضْرَةُ في (p-١١٤)بَطْنِهِ مِنَ البَقْلِ. وقِيلَ: إنَّهُ مَشى حَتّى سَقَطَ أصْلُهُ، وهو باطِنُ القَدَمِ، ومَعَ ذَلِكَ أغاثَهُما وكَفاهُما أمْرَ السَّقْيِ. وقَدْ طابَقَ جَوابُهُما لِسُؤالِهِ. سَألَهُما عَنْ سَبَبِ الذَّوْدِ، فَأجاباهُ: بِأنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ، لا نَقْدِرُ عَلى مُزاحَمَةِ الرِّجالِ، فَنُؤَخِّرُ السَّقْيَ إلى فَراغِهِمْ. ومُباشَرَتُهُما ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، وعادَةُ العَرَبِ وأهْلِ البَدْوِ في ذَلِكَ غَيْرُ عادَةِ أهْلِ الحَضَرِ والأعاجِمِ، لا سِيَّما إذا دَعَتْ إلى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ. ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ظِلُّ شَجَرَةٍ. قِيلَ: كانَتْ سَمُرَةً. وقِيلَ: إلى ظِلِّ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ. وقِيلَ: جَعَلَ ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِي وجْهَهُ مِنَ الشَّمْسِ. ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تَعَرَّضَ لِما يَطْعَمَهُ، لِما نالَهُ مِنَ الجُوعِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالسُّؤالِ؛ و”أنْزَلْتَ“ هُنا بِمَعْنى تُنَزِّلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعُدِّيَ بِاللّامِ. ”فَقِيرٌ“ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى سائِلٍ وطالِبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ، أيْ فَقِيرٌ مِنَ الدُّنْيا لِأجْلِ ما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ، وهو النَّجاةُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ، قالَ ذَلِكَ رِضًا بِالبَدَلِ السَّنِيِّ وفَرَحًا بِهِ وشُكْرًا لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ الزِّيادَةَ في العِلْمِ والحِكْمَةِ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما مِن غَيْرِ إبْطاءٍ في السَّقْيِ، وقَصَّتا عَلَيْهِ أمْرَ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ . قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: فَجاءَتْهُ احْداهُما، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ: ويْلُ امِّهِ في ويْلِ أُمِّهِ، ويابا فُلانٍ، والقِياسُ أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ، و”إحْداهُما“ مُبْهَمٌ. فَقِيلَ: الكُبْرى، وقِيلَ: كانَتا تَوْأمَتَيْنِ، وُلِدَتِ الأُولى قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ. وعَلى اسْتِحْياءٍ: في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُسْتَحْيِيَةً مُتَحَفِّزَةً. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ الدّاعِيَ أباهُما هو شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهُما ابْنَتاهُ. وقالَ الحَسَنُ: هو ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، واسْمُهُ مَرْوانُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هارُونُ. وقِيلَ: هو رَجُلٌ صالِحٌ لَيْسَ مِن شُعَيْبٍ بِنَسَبٍ. وقِيلَ: كانَ عَمَّهُما صاحِبَ الغَنَمِ، وهو المُزَوِّجُ، عَبَّرَتْ عَنْهُ بِالأبِ، إذْ كانَ بِمَثابَتِهِ. ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ في ذَلِكَ ما كانَ عَلَيْهِ شُعَيْبٌ مِنَ الإحْسانِ والمُكافَأةِ لِمَن عَمِلَ لَهُ عَمَلًا، وإنْ لَمْ يَقْصِدِ العامِلُ المُكافَأةَ. ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ فَذَهَبَ مَعَهُما إلى أبِيهِما، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى اعْتِمادِ أخْبارِ المَرْأةِ، إذْ ذَهَبَ مَعَها مُوسى، كَما يُعْتَمَدُ عَلى أخْبارِها في بابِ الرِّوايَةِ. ﴿وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ ما جَرى لَهُ مِن خُرُوجِهِ مِن مِصْرَ، وسَبَبَ ذَلِكَ. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ قَبِلَ اللَّهُ دُعاءَكَ في قَوْلِكَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] أوْ أخْبَرَهُ بِنَجاتِهِ مِنهم، فَأنَّسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وقَرَّبَ إلَيْهِ طَعامًا، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنّا أهْلُ بَيْتٍ، لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَيْسَ هَذا عِوَضَ السَّقْيِ، ولَكِنَّ عادَتِي وعادَةَ آبائِي قِرى الضَّيْفِ وإطْعامُ الطَّعامِ؛ فَحِينَئِذٍ أكَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ أبْهَمَ القائِلَةَ، وهي الذّاهِبَةُ والقائِلَةُ والمُتَزَوِّجَةُ ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ لِرَعْيِ الغَنَمِ وسَقْيِها. ووَصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ: لِكَوْنِهِ رَفَعَ الصَّخْرَةَ عَنِ البِئْرِ وحْدَهُ، وانْتَزَعَ بِتِلْكَ الدَّلْوِ، وزاحَمَهم حَتّى غَلَبَهم عَلى الماءِ؛ وبِالأمانَةِ؛ لِأنَّها حِينَ قامَ يَتْبَعُها هَبَّتِ الرِّيحُ فَلَفَّتْ ثِيابَها فَوَصَفَتْها، فَقالَ: ارْجِعِي خَلْفِي ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ. وقَوْلُها كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ؛ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الكِفايَةُ والأمانَةُ في القائِمِ بِأمْرٍ، فَقَدْ تَمَّ المَقْصُودُ، وهو كَلامٌ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وصارَ مَطْرُوقًا لِلنّاسِ، وكانَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلِاسْتِئْجارِ، وكَأنَّها قالَتِ: اسْتَأْجِرْهُ لِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ، وصارَ الوَصْفانِ مُنَبِّهَيْنِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ حَيًّا وهالِكًا أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهم في السَّلاسِلِ جَعَلَ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ الِاسْمَ، اعْتِناءً بِهِ. وحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ. ولَمّا وصَفَتْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ قالَ لَها أبُوها: ومِن أيْنَ عَرَفْتِ هَذا ؟ فَذَكَرَتْ إقْلالَهُ الحَجَرَ وحْدَهُ، وتَحَرُّجَهُ مِنَ النَّظَرِ إلَيْها حِينَ وصَفَتْها (p-١١٥)الرِّيحُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: قالَ لَها مُوسى ابْتِداءً: كُونِي ورائِي، فَإنِّي رَجُلٌ لا أنْظُرُ إلى أدْبارِ النِّساءِ، ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ يَمِينًا أوْ يَسارًا. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: بِنْتُ شُعَيْبٍ وصاحِبُ يُوسُفَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ [القصص: ٩] وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ. وفي قَوْلِها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الإجارَةِ عِنْدَهم، وكَذا كانَتْ في كُلِّ مِلَّةٍ، وهي ضَرُورَةُ النّاسِ ومَصْلَحَةُ الخِلْطَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُلَيَّةَ والأصَمِّ، حَيْثُ كانا لا يُجِيزانِها؛ وهَذا مِمّا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ، وخِلافُهُما خَرَقٌ. ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ رَغِبَ شُعَيْبٌ في مُصاهَرَتِهِ، لِما وصَفَتْهُ بِهِ، ولِما رَأى فِيهِ مِن عُزُوفِهِ عَنِ الدُّنْيا وتَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ وفِرارِهِ مِنَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ ورْشٌ، وأحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”أُنْكِحَكَ احْدى“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أنَّ الإنْكاحَ إلى الوَلِيِّ لا حَقَّ لِلْمَرْأةِ فِيهِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ في بَعْضِ صُوَرِهِ، بِأنْ تَكُونَ بالِغَةً عالِمَةً بِمَصالِحِ نَفْسِها، فَإنَّها تَعْقِدُ عَلى نَفْسِها بِمَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَرْضِ الوَلِيِّ ولِيَّتَهُ عَلى الزَّوْجِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، ودَلِيلٌ عَلى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ البِكْرِ مِن غَيْرِ اسْتِئْمارٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا بَلَغَتِ البِكْرُ، فَلا تُزَوَّجُ إلّا بِرِضاها. قِيلَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ، أوِ الإنْكاحِ، وبِهِ قالَ رَبِيعَةُ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وداوُدُ. و”إحْدى ابْنَتَيَّ“: مُبْهَمٌ، وهَذا عَرْضٌ لا عَقْدٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ ؟ وحِينَ العَقْدِ يُعَيِّنُ مَن شاءَ مِنهُما، وكَذَلِكَ لَمْ يَحُدَّ أوَّلَ أمَدِ الإجارَةِ. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ النِّكاحِ بِالإجارَةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ وابْنُ حَبِيبٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿هاتَيْنِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لَهُ غَيْرُهُما. انْتَهى. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما كانَتا هُما اللَّتَيْنِ رَآهُما تَذُودانِ، وجاءَتْهُ إحْداهُما، فَأشارَ إلَيْهِما، والإشارَةُ إلَيْهِما لا تَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ غَيْرَهُما. ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”أُنْكِحَكَ“، إمّا الفاعِلُ، وإمّا المَفْعُولُ. و”تَأْجُرَنِي“، مِن أجَرْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أجِيرًا، كَقَوْلِكَ: أبَوْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أبًا، ومَفْعُولُ ”تَأْجُرُنِي“ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَفْسَكَ. و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حِجَجٌ: مَفْعُولٌ بِهِ، ومَعْناهُ: رَعْيُهُ ثَمانِيَ حِجَجٍ. ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ هو تَبَرُّعٌ وتَفَضُّلٌ لا اشْتِراطٌ. ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِ أيِّ الأجَلَيْنِ، ولا في المُعاشَرَةِ والمُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ، وتَكْلِيفُ الرُّعاةِ أشْياءً مِنَ الخِدَمِ خارِجَةً عَنِ الشَّرْطِ. ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وعْدٌ صادِقٌ مَقْرُونٌ بِالمَشِيئَةِ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ووَطاءَةِ الخُلُقِ، أوْ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ حَسَنُ المُعامَلَةِ. ولَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِمّا حاوَرَ بِهِ مُوسى، قالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ عَلى جِهَةِ التَّقْدِيرِ والتَّوَثُّقِ في أنَّ الشَّرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِي حِجَجٍ. و”ذَلِكَ“ مُبْتَدَأٌ خْبَرُهُ ”بَيْنِي وبَيْنَكَ“، إشارَةٌ إلى ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ، أيْ ذَلِكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي وشارَطْتَنِي قائِمٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا نَخْرُجُ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيِ الثَّمانِيَ أوِ العَشْرَ ؟ ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أيْ لا يُعْتَدى عَلَيَّ في طَلَبِ الزِّيادَةِ، و”أيَّ“ شَرْطٌ، وما زائِدَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، والعَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أيَّما، بِحَذْفِ الياءِ الثّانِيَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنَظَّرَتْ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيَّما ∗∗∗ عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أيَّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ، بِزِيادَةِ ما بَيْنَ الأجَلَيْنِ وقَضَيْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ مُوقِعِ ما المَزِيدَةِ في القِراءَتَيْنِ ؟ (قُلْتُ): وقَعَتْ في المُسْتَفِيضَةِ مُؤَكَّدَةَ الإبْهامِ، أيْ زائِدَةً في شِياعِها، وفي الشّاذِّ تَأْكِيدًا لِلْقَضاءِ، كَأنَّهُ قالَ: أيَّ الأجَلَيْنِ صَمَّمْتُ عَلى قَضائِهِ وجَرَّدْتُ عَزِيمَتِي لَهُ ؟ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ قُطَيْبٍ: ”فَلا عِدْوانَ“، بِكَسْرِ العَيْنِ. قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ في أتَمِّهِما، ولَكِنْ جَمَعَهُما، لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصَوُّرُ العُدْوانِ إنَّما هو في (p-١١٦)أحَدِ الأجَلَيْنِ الَّذِي هو أقْصَرُ، وهو المُطالَبَةُ بِتَتِمَّةِ العَشْرِ، فَما مَعْنى تَعْلِيقِ العُدْوانِ بِهِما جَمِيعًا ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: كَما أنِّي إنْ طُولِبْتُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ، كانَ عُدْوانًا لا شَكَّ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إنْ طُولِبْتُ في الزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِي. أرادَ بِذَلِكَ تَقْرِيرَ الخِيارِ، وأنَّهُ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، وأنَّ الأجَلَيْنِ عَلى السَّواءِ، إمّا هَذا، وإمّا هَذا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما في القَضاءِ. وأمّا التَّتِمَّةُ فَمَوْكُولَةٌ إلى رَأْيِي، إنْ شِئْتُ أتَيْتُ بِها وإلّا لَمْ أُجْبَرْ عَلَيْها. وقِيلَ: مَعْناهُ فَلا أكُونُ مُتَعَدِّيًا، وهو في نَفْيِ العُدْوانِ عَنْ نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: لا إثْمَ عَلَيَّ ولا تَبِعَةَ. انْتَهى، وجَوابُهُ الأوَّلُ فِيهِ تَكْثِيرٌ. ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ أيْ عَلى ما تَعاهَدْنا عَلَيْهِ وتَواثَقْنا ﴿وكِيلٌ﴾ أيْ شاهِدٌ. وقالَ قَتادَةُ: حَفِيظٌ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: رَقِيبٌ، والوَكِيلُ الَّذِي وُكِلَ إلَيْهِ الأمْرُ، فَلَمّا ضُمِّنَ مَعْنى شاهِدٍ ونَحْوِهِ عُدِّيَ بِعَلى. ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ جاءَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ وفّى أطْوَلَ الأجَلَيْنِ، وهو العَشْرُ» . وعَنْ مُجاهِدٍ: وفّى عَشْرًا أوْ عَشْرًا بَعْدَها، وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ أيْ نَحْوَ مِصْرَ بَلَدِهِ وبَلَدِ قَوْمِهِ. والخِلافُ فِيمَن تَزَوَّجَ، الكُبْرى أمِ الصُّغْرى، وكَذَلِكَ في اسْمِها. وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَسِيرِهِ، وإيناسُهُ النّارَ في سُورَةِ طه وغَيْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”جِذْوَةٍ“ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وحَمْزَةُ: بِضَمِّها؛ وعاصِمٌ غَيْرَ الجُعْفِيِّ: بِفَتْحِها. ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ تَتَسَخَّنُونَ بِها، إذْ كانَتْ لَيْلَةً بارِدَةً، وقَدْ أضَلُّوا الطَّرِيقَ.

القصص 28:29

﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ . (p-١١٢)﴿تَوَجَّهَ﴾ رَدَّ وجْهَهُ. و﴿تِلْقاءَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في يُونُسَ، أيْ ناحِيَةَ وجْهِهِ. اسْتُعْمِلَ المَصْدَرُ اسْتِعْمالَ الظَّرْفِ، وكانَ هُناكَ ثَلاثُ طُرُقٍ، فَأخَذَ مُوسى أوْسَطَها، وأخَذَ طالِبُوهُ في الآخَرَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بُنَيّاتِها. فَبَقِيَ في الطَّرِيقِ ثَمانِيَ لَيالٍ (p-١١٣)وهُوَ حافٍ، لا يَطْعَمُ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أنَّهُ كانَ لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ أقْصَدَ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ أنَّهُ لا يَضِلُّ، إذْ لَوْ سَلَكَ ما لا يُوَصِّلُهُ إلى المَقْصُودِ لَتاهَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَصَدَ مَدْيَنَ وأخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، فَأوْصَلَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: هَداهُ جِبْرِيلُ إلى مَدْيَنَ. وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ. وقِيلَ: أخَذَ طَرِيقًا يَأْمَنُ فِيهِ، فاتَّفَقَ ذَهابُهُ إلى مَدْيَنَ. والظّاهِرُ أنَّ ”سَواءَ السَّبِيلِ“: وسَطُ الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ إلى مَكانِ مَأْمَنِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: ”سَواءَ السَّبِيلِ“: طَرِيقُ مَدْيَنَ. وقالَ الحَسَنُ: هو سَبِيلُ الهُدى، فَمَشى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ وصَلَ إلى مَدْيَنَ، ولَمْ يَكُنْ في طاعَةِ فِرْعَوْنَ. ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ، والوُرُودُ بِمَعْنى الوُصُولِ إلى الشَّيْءِ، وبِمَعْنى الدُّخُولِ فِيهِ. قِيلَ: وكانَ هَذا الماءُ بِئْرًا. والأُمَّةُ: الجَمْعُ الكَثِيرُ، ومَعْنى عَلَيْهِ: أيْ عَلى شَفِيرِهِ وحاشِيَتِهِ. ﴿يَسْقُونَ﴾ يَعْنِي مَواشِيَهم. ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي وصَلَ إلَيْها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأُمَّةِ، فَهُما مِن دُونِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِهِمْ. ﴿تَذُودانِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُّقاةِ الأقْوِياءِ. وقالَ قَتادَةُ: تَذُودانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما. قالَ الزَّجّاجُ: وكَأنَّهُما تَكْرَهانِ المُزاحَمَةَ عَلى الماءِ. وقِيلَ: لِئَلّا تَخْتَلِطَ غَنَمُهُما بِأغْنامِهِمْ. وقِيلَ: تَذُودانِ عَنْ وُجُوهِهِما نَظَرَ النّاظِرِ لِتَسَتُّرِهِما. وقالَ الفَرّاءُ: تَحْبِسانِها عَنْ أنْ تَتَفَرَّقَ، واسْمُ الصُّغْرى عِبْرا، واسْمُ الكُبْرى صَبُورا. ولَمّا رَآهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واقِفَتَيْنِ لا تَتَقَدَّمانِ لِلسَّقْيِ، سَألَهُما فَقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ بِالخَطْبِ إنَّما هو في مُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ مَن يُشْفَقُ عَلَيْهِ، أوْ يَأْتِي بِمُنْكَرٍ مِنَ الأمْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَتُهُ: ما مَخْطُوبُكُما ؟ أيْ ما مَطْلُوبُكُما مِنَ الذِّيادِ ؟ سُمِّيَ المَخْطُوبُ خَطْبًا، كَما سُمِّيَ الشُّئُونَ شَأْنًا في قَوْلِكَ: ما شَأْنُكَ ؟ يُقالُ: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أيْ قَصَدْتُ قَصْدَهُ. انْتَهى. وفي سُؤالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُكالَمَةِ الأجْنَبِيَّةِ فِيما يَعُنُّ ولَمْ يَكُنْ لِأبِيهِما أجِيرٌ، فَكانَتا تَسُوقانِ الغَنَمَ إلى الماءِ، ولَمْ تَكُنْ لَهُما قُوَّةُ الِاسْتِقاءِ، وكانَ الرُّعاةُ يَسْتَقُونَ مِنَ البِئْرِ فَيَسْقُونَ مَواشِيَهم، فَإذا صَدَرُوا، فَإنْ بَقِيَ في الحَوْضِ شَيْءٌ سَقَتا. فَوافى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ اليَوْمَ وهُما يَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ، فَرَقَّ عَلَيْهِما وقالَ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ؟ وقَرَأ شِمْرٌ: بِكَسْرِ الخاءِ، أيْ مَن زَوْجُكُما ؟ ولِمَ لا يَسْقِي هو ؟ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ نادِرَةٌ. ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ . وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: لا نُسْقِيَ، بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والعَرَبِيّانِ: يَصْدُرَ، بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ، أيْ يَصْدُرُونَ بِأغْنامِهِمْ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، والأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، أيْ يُصْدِرُونَ أغْنامَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الرِّعاءُ“، بِكَسْرِ الرّاءِ: جَمْعَ تَكْسِيرٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا الرِّعاءُ بِالكَسْرِ فَقِياسٌ، كَصِيامٍ وقِيامٍ. انْتَهى. ولَيْسَ بِقِياسٍ؛ لِأنَّهُ جَمْعُ راعٍ، وقِياسُ فاعِلِ الصِّفَةِ الَّتِي لِلْعاقِلِ أنْ تُكْسَرَ عَلى فُعَلَةٍ، كَقاضٍ وقُضاةٍ، وما سِوى جَمْعِهِ هَذا فَلَيْسَ بِقِياسٍ. وقُرِئَ: الرُّعاءُ، بِضَمِّ الرّاءِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ، كالرِّجالِ والثَّناءِ. قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وقَرَأ عَيّاشٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: الرَّعاءُ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الصِّفَةِ، فاسْتَوى لَفْظُ الواحِدِ والجَماعَةِ فِيهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ. ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِذارٌ لِمُوسى عَنْ مُباشَرَتِهِما السَّقْيَ بِأنْفُسِهِما، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أباهُما لا يَقْدِرُ عَلى السَّقْيِ لِشَيَخِهِ وكِبَرِهِ، واسْتِعْطافٌ لِمُوسى في إعانَتِهِما. ﴿فَسَقى لَهُما﴾ أيْ سَقى غَنَمَهُما لِأجْلِهِما. ورُوِيَ أنَّ الرُّعاةَ كانُوا يَضَعُونَ عَلى رَأْسِ البِئْرِ حَجَرًا لا يُقِلُّهُ إلّا عَدَدٌ مِنَ الرِّجالِ، واضْطَرَبَ النَّقْلُ في العَدَدِ، فَأقَلُّ ما قالُوا سَبْعَةٌ، وأكْثَرُهُ مِائَةٌ، فَأقَلَّهُ وحْدَهُ. وقِيلَ: كانَتْ لَهم دَلْوٌ لا يَنْزِعُ بِها إلّا أرْبَعُونَ، فَنَزَعَ بِها وحْدَهُ. ورُوِيَ أنَّهُ زاحَمَهم عَلى الماءِ حَتّى سَقى لَهُما، كُلُّ ذَلِكَ رَغْبَةً في الثَّوابِ عَلى ما كانَ بِهِ مِن نَصَبِ السَّفَرِ وكَثْرَةِ الجُوعِ، حَتّى كانَتْ تَظْهَرُ الخُضْرَةُ في (p-١١٤)بَطْنِهِ مِنَ البَقْلِ. وقِيلَ: إنَّهُ مَشى حَتّى سَقَطَ أصْلُهُ، وهو باطِنُ القَدَمِ، ومَعَ ذَلِكَ أغاثَهُما وكَفاهُما أمْرَ السَّقْيِ. وقَدْ طابَقَ جَوابُهُما لِسُؤالِهِ. سَألَهُما عَنْ سَبَبِ الذَّوْدِ، فَأجاباهُ: بِأنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ، لا نَقْدِرُ عَلى مُزاحَمَةِ الرِّجالِ، فَنُؤَخِّرُ السَّقْيَ إلى فَراغِهِمْ. ومُباشَرَتُهُما ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، وعادَةُ العَرَبِ وأهْلِ البَدْوِ في ذَلِكَ غَيْرُ عادَةِ أهْلِ الحَضَرِ والأعاجِمِ، لا سِيَّما إذا دَعَتْ إلى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ. ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ظِلُّ شَجَرَةٍ. قِيلَ: كانَتْ سَمُرَةً. وقِيلَ: إلى ظِلِّ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ. وقِيلَ: جَعَلَ ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِي وجْهَهُ مِنَ الشَّمْسِ. ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: تَعَرَّضَ لِما يَطْعَمَهُ، لِما نالَهُ مِنَ الجُوعِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالسُّؤالِ؛ و”أنْزَلْتَ“ هُنا بِمَعْنى تُنَزِّلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعُدِّيَ بِاللّامِ. ”فَقِيرٌ“ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى سائِلٍ وطالِبٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ، أيْ فَقِيرٌ مِنَ الدُّنْيا لِأجْلِ ما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ، وهو النَّجاةُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ، قالَ ذَلِكَ رِضًا بِالبَدَلِ السَّنِيِّ وفَرَحًا بِهِ وشُكْرًا لَهُ. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ الزِّيادَةَ في العِلْمِ والحِكْمَةِ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما مِن غَيْرِ إبْطاءٍ في السَّقْيِ، وقَصَّتا عَلَيْهِ أمْرَ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ. ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ . قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: فَجاءَتْهُ احْداهُما، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ: ويْلُ امِّهِ في ويْلِ أُمِّهِ، ويابا فُلانٍ، والقِياسُ أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ، و”إحْداهُما“ مُبْهَمٌ. فَقِيلَ: الكُبْرى، وقِيلَ: كانَتا تَوْأمَتَيْنِ، وُلِدَتِ الأُولى قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ. وعَلى اسْتِحْياءٍ: في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُسْتَحْيِيَةً مُتَحَفِّزَةً. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكُمِّ دِرْعِها؛ والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ الدّاعِيَ أباهُما هو شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهُما ابْنَتاهُ. وقالَ الحَسَنُ: هو ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ، واسْمُهُ مَرْوانُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هارُونُ. وقِيلَ: هو رَجُلٌ صالِحٌ لَيْسَ مِن شُعَيْبٍ بِنَسَبٍ. وقِيلَ: كانَ عَمَّهُما صاحِبَ الغَنَمِ، وهو المُزَوِّجُ، عَبَّرَتْ عَنْهُ بِالأبِ، إذْ كانَ بِمَثابَتِهِ. ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ في ذَلِكَ ما كانَ عَلَيْهِ شُعَيْبٌ مِنَ الإحْسانِ والمُكافَأةِ لِمَن عَمِلَ لَهُ عَمَلًا، وإنْ لَمْ يَقْصِدِ العامِلُ المُكافَأةَ. ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ فَذَهَبَ مَعَهُما إلى أبِيهِما، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى اعْتِمادِ أخْبارِ المَرْأةِ، إذْ ذَهَبَ مَعَها مُوسى، كَما يُعْتَمَدُ عَلى أخْبارِها في بابِ الرِّوايَةِ. ﴿وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ ما جَرى لَهُ مِن خُرُوجِهِ مِن مِصْرَ، وسَبَبَ ذَلِكَ. ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ قَبِلَ اللَّهُ دُعاءَكَ في قَوْلِكَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] أوْ أخْبَرَهُ بِنَجاتِهِ مِنهم، فَأنَّسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وقَرَّبَ إلَيْهِ طَعامًا، فَقالَ لَهُ مُوسى: إنّا أهْلُ بَيْتٍ، لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَيْسَ هَذا عِوَضَ السَّقْيِ، ولَكِنَّ عادَتِي وعادَةَ آبائِي قِرى الضَّيْفِ وإطْعامُ الطَّعامِ؛ فَحِينَئِذٍ أكَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ أبْهَمَ القائِلَةَ، وهي الذّاهِبَةُ والقائِلَةُ والمُتَزَوِّجَةُ ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ لِرَعْيِ الغَنَمِ وسَقْيِها. ووَصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ: لِكَوْنِهِ رَفَعَ الصَّخْرَةَ عَنِ البِئْرِ وحْدَهُ، وانْتَزَعَ بِتِلْكَ الدَّلْوِ، وزاحَمَهم حَتّى غَلَبَهم عَلى الماءِ؛ وبِالأمانَةِ؛ لِأنَّها حِينَ قامَ يَتْبَعُها هَبَّتِ الرِّيحُ فَلَفَّتْ ثِيابَها فَوَصَفَتْها، فَقالَ: ارْجِعِي خَلْفِي ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ. وقَوْلُها كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ؛ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الكِفايَةُ والأمانَةُ في القائِمِ بِأمْرٍ، فَقَدْ تَمَّ المَقْصُودُ، وهو كَلامٌ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وصارَ مَطْرُوقًا لِلنّاسِ، وكانَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلِاسْتِئْجارِ، وكَأنَّها قالَتِ: اسْتَأْجِرْهُ لِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ، وصارَ الوَصْفانِ مُنَبِّهَيْنِ عَلَيْهِ. ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ حَيًّا وهالِكًا أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهم في السَّلاسِلِ جَعَلَ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ الِاسْمَ، اعْتِناءً بِهِ. وحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ. ولَمّا وصَفَتْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ قالَ لَها أبُوها: ومِن أيْنَ عَرَفْتِ هَذا ؟ فَذَكَرَتْ إقْلالَهُ الحَجَرَ وحْدَهُ، وتَحَرُّجَهُ مِنَ النَّظَرِ إلَيْها حِينَ وصَفَتْها (p-١١٥)الرِّيحُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: قالَ لَها مُوسى ابْتِداءً: كُونِي ورائِي، فَإنِّي رَجُلٌ لا أنْظُرُ إلى أدْبارِ النِّساءِ، ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ يَمِينًا أوْ يَسارًا. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: بِنْتُ شُعَيْبٍ وصاحِبُ يُوسُفَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ [القصص: ٩] وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ. وفي قَوْلِها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الإجارَةِ عِنْدَهم، وكَذا كانَتْ في كُلِّ مِلَّةٍ، وهي ضَرُورَةُ النّاسِ ومَصْلَحَةُ الخِلْطَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُلَيَّةَ والأصَمِّ، حَيْثُ كانا لا يُجِيزانِها؛ وهَذا مِمّا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ، وخِلافُهُما خَرَقٌ. ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ رَغِبَ شُعَيْبٌ في مُصاهَرَتِهِ، لِما وصَفَتْهُ بِهِ، ولِما رَأى فِيهِ مِن عُزُوفِهِ عَنِ الدُّنْيا وتَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ وفِرارِهِ مِنَ الكَفَرَةِ. وقَرَأ ورْشٌ، وأحْمَدُ بْنُ مُوسى، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”أُنْكِحَكَ احْدى“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أنَّ الإنْكاحَ إلى الوَلِيِّ لا حَقَّ لِلْمَرْأةِ فِيهِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ في بَعْضِ صُوَرِهِ، بِأنْ تَكُونَ بالِغَةً عالِمَةً بِمَصالِحِ نَفْسِها، فَإنَّها تَعْقِدُ عَلى نَفْسِها بِمَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَرْضِ الوَلِيِّ ولِيَّتَهُ عَلى الزَّوْجِ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، ودَلِيلٌ عَلى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ البِكْرِ مِن غَيْرِ اسْتِئْمارٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا بَلَغَتِ البِكْرُ، فَلا تُزَوَّجُ إلّا بِرِضاها. قِيلَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لا يَنْعَقِدُ إلّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ، أوِ الإنْكاحِ، وبِهِ قالَ رَبِيعَةُ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وداوُدُ. و”إحْدى ابْنَتَيَّ“: مُبْهَمٌ، وهَذا عَرْضٌ لا عَقْدٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ ؟ وحِينَ العَقْدِ يُعَيِّنُ مَن شاءَ مِنهُما، وكَذَلِكَ لَمْ يَحُدَّ أوَّلَ أمَدِ الإجارَةِ. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ النِّكاحِ بِالإجارَةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ وابْنُ حَبِيبٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿هاتَيْنِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لَهُ غَيْرُهُما. انْتَهى. ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُما كانَتا هُما اللَّتَيْنِ رَآهُما تَذُودانِ، وجاءَتْهُ إحْداهُما، فَأشارَ إلَيْهِما، والإشارَةُ إلَيْهِما لا تَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ غَيْرَهُما. ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”أُنْكِحَكَ“، إمّا الفاعِلُ، وإمّا المَفْعُولُ. و”تَأْجُرَنِي“، مِن أجَرْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أجِيرًا، كَقَوْلِكَ: أبَوْتُهُ: كُنْتُ لَهُ أبًا، ومَفْعُولُ ”تَأْجُرُنِي“ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَفْسَكَ. و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ، وقالَهُ أبُو البَقاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حِجَجٌ: مَفْعُولٌ بِهِ، ومَعْناهُ: رَعْيُهُ ثَمانِيَ حِجَجٍ. ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ هو تَبَرُّعٌ وتَفَضُّلٌ لا اشْتِراطٌ. ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِ أيِّ الأجَلَيْنِ، ولا في المُعاشَرَةِ والمُناقَشَةِ في مُراعاةِ الأوْقاتِ، وتَكْلِيفُ الرُّعاةِ أشْياءً مِنَ الخِدَمِ خارِجَةً عَنِ الشَّرْطِ. ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وعْدٌ صادِقٌ مَقْرُونٌ بِالمَشِيئَةِ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ووَطاءَةِ الخُلُقِ، أوْ ”مِنَ الصّالِحِينَ“ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ حَسَنُ المُعامَلَةِ. ولَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِمّا حاوَرَ بِهِ مُوسى، قالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ عَلى جِهَةِ التَّقْدِيرِ والتَّوَثُّقِ في أنَّ الشَّرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِي حِجَجٍ. و”ذَلِكَ“ مُبْتَدَأٌ خْبَرُهُ ”بَيْنِي وبَيْنَكَ“، إشارَةٌ إلى ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ، أيْ ذَلِكَ الَّذِي عاهَدْتَنِي وشارَطْتَنِي قائِمٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا نَخْرُجُ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيِ الثَّمانِيَ أوِ العَشْرَ ؟ ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أيْ لا يُعْتَدى عَلَيَّ في طَلَبِ الزِّيادَةِ، و”أيَّ“ شَرْطٌ، وما زائِدَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ، والعَبّاسُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أيَّما، بِحَذْفِ الياءِ الثّانِيَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎تَنَظَّرَتْ نَصْرًا والسِّماكَيْنِ أيَّما ∗∗∗ عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أيَّ الأجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ، بِزِيادَةِ ما بَيْنَ الأجَلَيْنِ وقَضَيْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما الفَرْقُ بَيْنَ مُوقِعِ ما المَزِيدَةِ في القِراءَتَيْنِ ؟ (قُلْتُ): وقَعَتْ في المُسْتَفِيضَةِ مُؤَكَّدَةَ الإبْهامِ، أيْ زائِدَةً في شِياعِها، وفي الشّاذِّ تَأْكِيدًا لِلْقَضاءِ، كَأنَّهُ قالَ: أيَّ الأجَلَيْنِ صَمَّمْتُ عَلى قَضائِهِ وجَرَّدْتُ عَزِيمَتِي لَهُ ؟ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ قُطَيْبٍ: ”فَلا عِدْوانَ“، بِكَسْرِ العَيْنِ. قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ في أتَمِّهِما، ولَكِنْ جَمَعَهُما، لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصَوُّرُ العُدْوانِ إنَّما هو في (p-١١٦)أحَدِ الأجَلَيْنِ الَّذِي هو أقْصَرُ، وهو المُطالَبَةُ بِتَتِمَّةِ العَشْرِ، فَما مَعْنى تَعْلِيقِ العُدْوانِ بِهِما جَمِيعًا ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: كَما أنِّي إنْ طُولِبْتُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشْرِ، كانَ عُدْوانًا لا شَكَّ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إنْ طُولِبْتُ في الزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِي. أرادَ بِذَلِكَ تَقْرِيرَ الخِيارِ، وأنَّهُ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، وأنَّ الأجَلَيْنِ عَلى السَّواءِ، إمّا هَذا، وإمّا هَذا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما في القَضاءِ. وأمّا التَّتِمَّةُ فَمَوْكُولَةٌ إلى رَأْيِي، إنْ شِئْتُ أتَيْتُ بِها وإلّا لَمْ أُجْبَرْ عَلَيْها. وقِيلَ: مَعْناهُ فَلا أكُونُ مُتَعَدِّيًا، وهو في نَفْيِ العُدْوانِ عَنْ نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: لا إثْمَ عَلَيَّ ولا تَبِعَةَ. انْتَهى، وجَوابُهُ الأوَّلُ فِيهِ تَكْثِيرٌ. ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ﴾ أيْ عَلى ما تَعاهَدْنا عَلَيْهِ وتَواثَقْنا ﴿وكِيلٌ﴾ أيْ شاهِدٌ. وقالَ قَتادَةُ: حَفِيظٌ. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: رَقِيبٌ، والوَكِيلُ الَّذِي وُكِلَ إلَيْهِ الأمْرُ، فَلَمّا ضُمِّنَ مَعْنى شاهِدٍ ونَحْوِهِ عُدِّيَ بِعَلى. ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ جاءَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ وفّى أطْوَلَ الأجَلَيْنِ، وهو العَشْرُ» . وعَنْ مُجاهِدٍ: وفّى عَشْرًا أوْ عَشْرًا بَعْدَها، وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ أيْ نَحْوَ مِصْرَ بَلَدِهِ وبَلَدِ قَوْمِهِ. والخِلافُ فِيمَن تَزَوَّجَ، الكُبْرى أمِ الصُّغْرى، وكَذَلِكَ في اسْمِها. وتَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَسِيرِهِ، وإيناسُهُ النّارَ في سُورَةِ طه وغَيْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”جِذْوَةٍ“ بِكَسْرِ الجِيمِ؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، وحَمْزَةُ: بِضَمِّها؛ وعاصِمٌ غَيْرَ الجُعْفِيِّ: بِفَتْحِها. ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ تَتَسَخَّنُونَ بِها، إذْ كانَتْ لَيْلَةً بارِدَةً، وقَدْ أضَلُّوا الطَّرِيقَ.

القصص 28:30

﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ . ”مِن“ في: مِن شاطِئِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و”مِنَ الشَّجَرَةِ“ كَذَلِكَ، إذْ هي بَدَلٌ مِنَ الأُولى، أيْ مِن قِبَلِ الشَّجَرَةِ. و”الأيْمَنِ“: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلشّاطِئِ ولِلْوادِي، عَلى مَعْنى اليُمْنِ والبَرَكَةِ، أوِ الأيْمَنِ: يُرِيدُ المُعادِلَ لِلْعُضْوِ الأيْسَرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى، لا لِلشّاطِئِ، ولا لِلْوادِي، أيْ أيْمَنَ مُوسى في اسْتِقْبالِهِ حَتّى يَهْبِطَ الوادِيَ، أوْ بِعَكْسِ ذَلِكَ؛ وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ في الأيْمَنِ مَقُولٌ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، ومَسْلَمَةُ: ”في البَقْعَةِ“، بِفَتْحِ الباءِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ: هَذِهِ بَقْعَةٌ طَيِّبَةٌ، بِفَتْحِ الباءِ، ووُصِفَتِ البُقْعَةُ بِالبَرَكَةِ، لِما خُصَّتْ بِهِ مِن آياتِ اللَّهِ وأنْوارِهِ وتَكْلِيمِهِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لِما حَوَتْ مِنَ الأرْزاقِ والثِّمارِ الطَّيِّبَةِ. ويَتَعَلَّقُ في البُقْعَةِ بِـ ”نُودِيَ“، أوْ تَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”شاطِئِ“ . والشَّجَرَةُ عُنّابٌ، أوْ عُلَّيْقٌ، أوْ سَمُرَةٌ، أوْ عَوْسَجٌ، أقْوالٌ. و”أنْ“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، وأنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ. (p-١١٧)وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ”أنِّي أنا“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وفي إعْرابِهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ ”إنْ“ إنْ كانَتْ تَفْسِيرِيَّةً، فَيَنْبَغِي كَسْرُ ”إنِّي“، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً، تَتَقَدَّرُ بِالمُفْرَدِ، والمُفْرَدُ لا يَكُونُ خَبَرًا الضَّمِيرُ الشَّأْنُ، فَتَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنْ تَكُونَ ”إنْ“ تَفْسِيرِيَّةً، وإنِّي مَعْمُولٌ لِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: إنِّي يا مُوسى أعْلَمُ إنِّي أنا اللَّهُ. وجاءَ في طه: ﴿نُودِيَ يا مُوسى إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١] وفي النَّمْلِ: ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ [النمل: ٨] وهُنا: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ﴾ ولا مُنافاةَ، إذْ حَكى في كُلِّ سُورَةٍ بَعْضَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ النِّداءُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ - تَعالى - كَلَمَّهُ في هَذا المَقامِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ناداهُ نِداءَ الوَحْيِ، لا نِداءَ الكَلامِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ فَقالَ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ وهو فَتْحُ الجُبَّةِ مِن حَيْثُ تَخْرُجُ الرَّأْسُ، وكانَ كُمُّ الجُبَّةِ في غايَةِ الضِّيقِ. وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ وفُسِّرَ الجَناحُ هُنا بِاليَدِ وبِالعَضُدِ وبِالعِطافِ، وبِما أسْفَلَ مِنَ العَضُدِ إلى الرُّسْغِ، وبِجَيْبِ مِدْرَعَتِهِ. والرَّهْبُ: الخَوْفُ، وتَأْتِي القِراءاتُ فِيهِ. وقِيلَ: بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ: الكُمُّ، بِلُغَةِ بَنِي حَنِيفَةَ وحِمْيَرَ، وسَمِعَ الأصْمَعِيُّ قائِلًا يَقُولُ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ، أيْ في كُمِّكَ، والظّاهِرُ حَمْلُ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ. قالَ الثَّوْرِيُّ: خافَ مُوسى أنْ يَكُونَ حَدَثَ بِهِ سُوءٌ، فَأمَرَهُ - تَعالى - أنْ يُعِيدَ يَدَهُ إلى جَيْبِهِ لِتَعُودَ عَلى حالَتِها الأُولى، فَيَعْلَمَ مُوسى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُوءًا بَلْ آيَةً مِنَ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أمَرَهُ بِضَمِّ عَضُدِهِ وذِراعِهِ، وهو الجَناحُ، إلى جَنْبِهِ، لِيَخِفَّ بِذَلِكَ فَزَعُهُ. ومِن شَأْنِ الإنْسانِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ في وقْتِ فَزَعِهِ أنْ يَقْوى قَلْبُهُ. وقِيلَ: لَمّا انْقَلَبَتِ العَصا حَيَّةً، فَزِعَ مُوسى واضْطَرَبَ، فاتَّقاها بِيَدِهِ، كَما يَفْعَلُ الخائِفُ مِنَ الشَّيْءِ، فَقِيلَ لَهُ: أدْخِلْ يَدَكَ تَحْتَ عَضُدِكَ مَكانَ اتِّقائِكَ بِها، ثُمَّ أخْرَجَها بَيْضاءَ لِتَظْهَرَ مُعْجِزَةٌ أُخْرى، وهَذا القَوْلُ بَسَطَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ لِأنَّهُ كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ . وقَدْ قالَ هو: والجَناحُ هُنا اليَدُ، قالَ: لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ، وإذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِهِ اليُسْرى، فَقَدْ ضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى إذا هالَكَ أمْرٌ لِما يَغْلِبُ مِن شُعاعِها، فاضْمُمْها إلَيْكَ تَسْكُنْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مُجازٌ أمَرَهُ بِالعَزْمِ عَلى ما أمَرَهُ بِهِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: اشْدُدْ حَيازِيمَكَ وارْبُطْ جَأْشَكَ، أيْ شِمِّرْ في أمْرِكَ ودَعِ الرَّهْبَ، وذَلِكَ لَمّا كَثُرَ تَخَوُّفُهُ وفَزَعُهُ في غَيْرِ مَوْطِنٍ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وكَأنَّهُ طَيَّرَهُ الفَزَعُ، وآلَةُ الطَّيَرانِ الجَناحُ. فَقِيلَ لَهُ: اسْكُنْ ولا تَخَفْ، وضُمَّ مَنشُورَ جَناحِكَ مِنَ الخَوْفِ إلَيْكَ، وذَكَرَ هَذا القَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ والثّانِي أنْ يُرادَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ: تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ وتَشَدُّدُهُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، حَتّى لا يَضْطَرِبَ ولا يَرْهَبَ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ وأرْخاهُما، وإلّا فَجَناحاهُ مَضْمُومانِ إلَيْهِ مُشَمَّرانِ. ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، أيْ إذا أصابَكَ الرَّهْبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الحَيَّةِ، فاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ. جَعَلَ الرَّهْبَ الَّذِي كانَ يُصِيبُهُ سَبَبًا وعِلَّةً فِيما أُمِرَ بِهِ مِن ضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ. ومَعْنى: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ واحِدٌ، ولَكِنْ خُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، وإنَّما كُرِّرَ المَعْنى الواحِدُ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ في أحَدِهِما خُرُوجُ اليَدِ بَيْضاءَ، وفي الثّانِي إخْفاءُ الرَّهْبِ. (فَإنْ قُلْتَ): قَدْ جُعِلَ الجَناحُ، وهو اليَدُ، في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ مَضْمُومًا وفي الآخَرِ مَضْمُومًا إلَيْهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢] فَما التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما ؟ (قُلْتُ): المُرادُ بِالجَناحِ المَضْمُومِ هو اليَدُ اليُمْنى، وبِالمَضْمُومِ إلَيْهِ اليَدُ اليُسْرى، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن يُمْنى اليَدَيْنِ ويُسْراهُما جَناحٌ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الرَّهْبَ: الكُمُّ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وأنَّهم يَقُولُونَ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ؛ ولَيْتَ شِعْرِي؛ كَيْفَ صِحَّتُهُ في اللُّغَةِ ؟ وهَلْ سُمِعَ مِنَ الأثْباتِ الثِّقاتِ الَّتِي تُرْضى عَرَبِيَّتُهم ؟ ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي: كَيْفَ مَوْقِعُهُ في الآيَةِ ؟ وكَيْفَ يُعْطِيهِ الفَصْلُ كَسائِرِ كَلِماتِ (p-١١٨)التَّنْزِيلِ ؟ عَلى أنَّ مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ما كانَ عَلَيْهِ لَيْلَةَ المُناجاةَ إلّا زُرْمانِقَةٌ مِن صُوفٍ، لا كُمَّيْنِ لَها. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: وهَلْ سَمِعَ مَنِ الأثْباتِ ؟ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وأمّا قَوْلُهُ: كَيْفَ مَوْقِعُهُ مِنَ الآيَةِ ؟ فَقالُوا: مَعْناهُ أخْرِجْ يَدَكَ مِن كُمِّكَ، وكانَ قَدْ أخَذَ العَصا بِالكُمِّ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: مِنَ الرَّهَبِ، بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ؛ وحَفْصٌ: بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِيسى، والجَحْدَرِيُّ: بِضَمِّهِما. ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ، وهُما مُؤَنَّثَتانِ، ولَكِنْ ذُكِّرا لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ، كَما أنَّهُ قَدْ يُؤَنَّثُ المُذَكَّرُ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ”: ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا“ بِالياءِ في ”تَكُنْ“ . ﴿بُرْهانانِ﴾ حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”فَذانِّكَ“، بِتَشْدِيدِ النُّونِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى، وأبُو نَوْفَلٍ، وابْنُ هُرْمُزَ، وشِبْلٌ: فَذانِيكَ، بِياءٍ بَعْدَ النُّونِ المَكْسُورَةِ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ. وقِيلَ: بَلْ لُغَةُ تَمِيمٍ، ورَواها شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْهُ أيْضًا: فَذانَيْكَ، بِفَتْحِ النُّونِ قَبْلَ الياءِ، عَلى لُغَةِ مَن فَتَحَ نُونَ التَّثْنِيَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎عَلى أحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً بَعْدَها ياءٌ. قِيلَ: وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: بَلْ لُغَتُهم تَخْفِيفُها. و﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا﴾ هو القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَماتَ، فَطَلَبَ مِن رَبِّهِ ما يَزْدادُ بِهِ قُوَّةً، وذَكَرَ أخاهُ والعِلَّةَ الَّتِي تَكُونُ لَهُ زِيادَةُ التَّبْلِيغِ. و﴿أفْصَحُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِ فَصاحَةً، ولَكِنْ أخُوهُ أفْصَحُ. ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أيْ مُعِينًا يُصَدِّقُنِي، لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقُولُ لِي: صَدَقْتَ، إذْ يَسْتَوِي في قَوْلِ هَذا اللَّفْظِ العَيِيُّ والفَصِيحُ، وإنَّما المَعْنى: أنَّهُ لِزِيادَةِ فَصاحَتِهِ يُبالِغُ في التِّبْيانِ، وفي الإجابَةِ عَنِ الشُّبَهاتِ، وفي جِدالِهِ الكُفّارَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِدْءًا، بِالهَمْزَةِ؛ وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والمَدَنِّيانِ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الدّالِ؛ والمَشْهُورُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِالنَّقْلِ، ولا هَمْزَ ولا تَنْوِينَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: يُصَدِّقُنِي، بِضَمِّ القافِ، فاحْتَمَلَ الصِّفَةَ لِـ ”رِدْءًا“، والحالُ احْتَمَلَ الِاسْتِئْنافَ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِالإسْكانِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُصَدِّقُونِي، والضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا شاهِدٌ لِمَن جَزَمَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ رَفْعًا لَقالَ: يُصَدِّقُونَنِي. انْتَهى، والجَزْمُ عَلى جَوابِ الأمْرِ. والمَعْنى في يُصَدِّقُونِي: أرْجُو تَصْدِيقَهم إيّايَ، فَأجابَهُ - تَعالى - إلى طِلْبَتِهِ وقالَ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: عُضُدَكَ، بِضَمَّتَيْنِ. وعَنِ الحَسَنِ: بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ الضّادِ؛ وفَتْحِهِما، قَرَأ بِهِ عِيسى، ويُقالُ فِيهِ: عَضْدٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الضّادِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِ. والعَضُدُ: العُضْوُ المَعْرُوفُ، وهي قِوامُ اليَدِ، وبِشِدَّتِها يَشْتَدُّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ والمَعْنى فِيهِ: سَنُقَوِّيكَ بِأخِيكَ. ويُقالُ في الخَيْرِ: شَدَّ اللَّهُ عَضُدَكَ، وفي الشَّرِّ: فَتَّ اللَّهُ في عَضُدِكَ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والغَلَبَةُ والتَّسْلِيطُ. ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ أيْ بِسُوءٍ، أوْ إلى إذايَتِكُما. ويُحْتَمَلُ ﴿بِآياتِنا﴾ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ”ونَجْعَلُ“، أوْ بِـ ”يَصِلُونَ“، أوْ بِـ ”الغالِبُونَ“، وإنْ كانَ مَوْصُولًا عَلى مَذْهَبِ مَن يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَتَقَدَّمَ الظَّرْفُ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى صِلَةِ أل، وإنْ كانَ عِنْدَهُ مَوْصُولًا عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ، أوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْهَبا بِآياتِنا. كَما عَلَّقَ ”في تِسْعِ آياتٍ“ بِـ ”اذْهَبْ“، أوْ عَلى البَيانِ، فالعامِلُ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ أعارِيبُ مَنقُولَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ ﴿فَلا يَصِلُونَ﴾ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، أوْ مِن لَغْوِ القَسَمِ. انْتَهى. أمّا إنَّهُ قَسَمٌ جَوابُهُ ﴿فَلا يَصِلُونَ﴾ فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ جَوابَ القَسَمِ لا تَدْخُلُهُ الفاءُ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ مِن (p-١١٩)لَغْوِ القَسَمِ، فَكَأنَّهُ يُرِيدُ واللَّهُ أعْلَمُ. إنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ جَوابٌ، بَلْ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ، أيْ بِآياتِنا لَتَغْلِبُنَّ.

القصص 28:31

﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ . ”مِن“ في: مِن شاطِئِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و”مِنَ الشَّجَرَةِ“ كَذَلِكَ، إذْ هي بَدَلٌ مِنَ الأُولى، أيْ مِن قِبَلِ الشَّجَرَةِ. و”الأيْمَنِ“: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلشّاطِئِ ولِلْوادِي، عَلى مَعْنى اليُمْنِ والبَرَكَةِ، أوِ الأيْمَنِ: يُرِيدُ المُعادِلَ لِلْعُضْوِ الأيْسَرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى، لا لِلشّاطِئِ، ولا لِلْوادِي، أيْ أيْمَنَ مُوسى في اسْتِقْبالِهِ حَتّى يَهْبِطَ الوادِيَ، أوْ بِعَكْسِ ذَلِكَ؛ وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ في الأيْمَنِ مَقُولٌ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، ومَسْلَمَةُ: ”في البَقْعَةِ“، بِفَتْحِ الباءِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ: هَذِهِ بَقْعَةٌ طَيِّبَةٌ، بِفَتْحِ الباءِ، ووُصِفَتِ البُقْعَةُ بِالبَرَكَةِ، لِما خُصَّتْ بِهِ مِن آياتِ اللَّهِ وأنْوارِهِ وتَكْلِيمِهِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لِما حَوَتْ مِنَ الأرْزاقِ والثِّمارِ الطَّيِّبَةِ. ويَتَعَلَّقُ في البُقْعَةِ بِـ ”نُودِيَ“، أوْ تَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”شاطِئِ“ . والشَّجَرَةُ عُنّابٌ، أوْ عُلَّيْقٌ، أوْ سَمُرَةٌ، أوْ عَوْسَجٌ، أقْوالٌ. و”أنْ“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، وأنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ. (p-١١٧)وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ”أنِّي أنا“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وفي إعْرابِهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ ”إنْ“ إنْ كانَتْ تَفْسِيرِيَّةً، فَيَنْبَغِي كَسْرُ ”إنِّي“، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً، تَتَقَدَّرُ بِالمُفْرَدِ، والمُفْرَدُ لا يَكُونُ خَبَرًا الضَّمِيرُ الشَّأْنُ، فَتَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنْ تَكُونَ ”إنْ“ تَفْسِيرِيَّةً، وإنِّي مَعْمُولٌ لِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: إنِّي يا مُوسى أعْلَمُ إنِّي أنا اللَّهُ. وجاءَ في طه: ﴿نُودِيَ يا مُوسى إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١] وفي النَّمْلِ: ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ [النمل: ٨] وهُنا: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ﴾ ولا مُنافاةَ، إذْ حَكى في كُلِّ سُورَةٍ بَعْضَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ النِّداءُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ - تَعالى - كَلَمَّهُ في هَذا المَقامِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ناداهُ نِداءَ الوَحْيِ، لا نِداءَ الكَلامِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ فَقالَ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ وهو فَتْحُ الجُبَّةِ مِن حَيْثُ تَخْرُجُ الرَّأْسُ، وكانَ كُمُّ الجُبَّةِ في غايَةِ الضِّيقِ. وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ وفُسِّرَ الجَناحُ هُنا بِاليَدِ وبِالعَضُدِ وبِالعِطافِ، وبِما أسْفَلَ مِنَ العَضُدِ إلى الرُّسْغِ، وبِجَيْبِ مِدْرَعَتِهِ. والرَّهْبُ: الخَوْفُ، وتَأْتِي القِراءاتُ فِيهِ. وقِيلَ: بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ: الكُمُّ، بِلُغَةِ بَنِي حَنِيفَةَ وحِمْيَرَ، وسَمِعَ الأصْمَعِيُّ قائِلًا يَقُولُ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ، أيْ في كُمِّكَ، والظّاهِرُ حَمْلُ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ. قالَ الثَّوْرِيُّ: خافَ مُوسى أنْ يَكُونَ حَدَثَ بِهِ سُوءٌ، فَأمَرَهُ - تَعالى - أنْ يُعِيدَ يَدَهُ إلى جَيْبِهِ لِتَعُودَ عَلى حالَتِها الأُولى، فَيَعْلَمَ مُوسى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُوءًا بَلْ آيَةً مِنَ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أمَرَهُ بِضَمِّ عَضُدِهِ وذِراعِهِ، وهو الجَناحُ، إلى جَنْبِهِ، لِيَخِفَّ بِذَلِكَ فَزَعُهُ. ومِن شَأْنِ الإنْسانِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ في وقْتِ فَزَعِهِ أنْ يَقْوى قَلْبُهُ. وقِيلَ: لَمّا انْقَلَبَتِ العَصا حَيَّةً، فَزِعَ مُوسى واضْطَرَبَ، فاتَّقاها بِيَدِهِ، كَما يَفْعَلُ الخائِفُ مِنَ الشَّيْءِ، فَقِيلَ لَهُ: أدْخِلْ يَدَكَ تَحْتَ عَضُدِكَ مَكانَ اتِّقائِكَ بِها، ثُمَّ أخْرَجَها بَيْضاءَ لِتَظْهَرَ مُعْجِزَةٌ أُخْرى، وهَذا القَوْلُ بَسَطَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ لِأنَّهُ كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ . وقَدْ قالَ هو: والجَناحُ هُنا اليَدُ، قالَ: لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ، وإذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِهِ اليُسْرى، فَقَدْ ضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى إذا هالَكَ أمْرٌ لِما يَغْلِبُ مِن شُعاعِها، فاضْمُمْها إلَيْكَ تَسْكُنْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مُجازٌ أمَرَهُ بِالعَزْمِ عَلى ما أمَرَهُ بِهِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: اشْدُدْ حَيازِيمَكَ وارْبُطْ جَأْشَكَ، أيْ شِمِّرْ في أمْرِكَ ودَعِ الرَّهْبَ، وذَلِكَ لَمّا كَثُرَ تَخَوُّفُهُ وفَزَعُهُ في غَيْرِ مَوْطِنٍ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وكَأنَّهُ طَيَّرَهُ الفَزَعُ، وآلَةُ الطَّيَرانِ الجَناحُ. فَقِيلَ لَهُ: اسْكُنْ ولا تَخَفْ، وضُمَّ مَنشُورَ جَناحِكَ مِنَ الخَوْفِ إلَيْكَ، وذَكَرَ هَذا القَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ والثّانِي أنْ يُرادَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ: تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ وتَشَدُّدُهُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، حَتّى لا يَضْطَرِبَ ولا يَرْهَبَ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ وأرْخاهُما، وإلّا فَجَناحاهُ مَضْمُومانِ إلَيْهِ مُشَمَّرانِ. ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، أيْ إذا أصابَكَ الرَّهْبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الحَيَّةِ، فاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ. جَعَلَ الرَّهْبَ الَّذِي كانَ يُصِيبُهُ سَبَبًا وعِلَّةً فِيما أُمِرَ بِهِ مِن ضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ. ومَعْنى: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ واحِدٌ، ولَكِنْ خُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، وإنَّما كُرِّرَ المَعْنى الواحِدُ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ في أحَدِهِما خُرُوجُ اليَدِ بَيْضاءَ، وفي الثّانِي إخْفاءُ الرَّهْبِ. (فَإنْ قُلْتَ): قَدْ جُعِلَ الجَناحُ، وهو اليَدُ، في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ مَضْمُومًا وفي الآخَرِ مَضْمُومًا إلَيْهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢] فَما التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما ؟ (قُلْتُ): المُرادُ بِالجَناحِ المَضْمُومِ هو اليَدُ اليُمْنى، وبِالمَضْمُومِ إلَيْهِ اليَدُ اليُسْرى، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن يُمْنى اليَدَيْنِ ويُسْراهُما جَناحٌ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الرَّهْبَ: الكُمُّ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وأنَّهم يَقُولُونَ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ؛ ولَيْتَ شِعْرِي؛ كَيْفَ صِحَّتُهُ في اللُّغَةِ ؟ وهَلْ سُمِعَ مِنَ الأثْباتِ الثِّقاتِ الَّتِي تُرْضى عَرَبِيَّتُهم ؟ ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي: كَيْفَ مَوْقِعُهُ في الآيَةِ ؟ وكَيْفَ يُعْطِيهِ الفَصْلُ كَسائِرِ كَلِماتِ (p-١١٨)التَّنْزِيلِ ؟ عَلى أنَّ مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ما كانَ عَلَيْهِ لَيْلَةَ المُناجاةَ إلّا زُرْمانِقَةٌ مِن صُوفٍ، لا كُمَّيْنِ لَها. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: وهَلْ سَمِعَ مَنِ الأثْباتِ ؟ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وأمّا قَوْلُهُ: كَيْفَ مَوْقِعُهُ مِنَ الآيَةِ ؟ فَقالُوا: مَعْناهُ أخْرِجْ يَدَكَ مِن كُمِّكَ، وكانَ قَدْ أخَذَ العَصا بِالكُمِّ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: مِنَ الرَّهَبِ، بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ؛ وحَفْصٌ: بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِيسى، والجَحْدَرِيُّ: بِضَمِّهِما. ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ، وهُما مُؤَنَّثَتانِ، ولَكِنْ ذُكِّرا لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ، كَما أنَّهُ قَدْ يُؤَنَّثُ المُذَكَّرُ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ”: ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا“ بِالياءِ في ”تَكُنْ“ . ﴿بُرْهانانِ﴾ حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”فَذانِّكَ“، بِتَشْدِيدِ النُّونِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى، وأبُو نَوْفَلٍ، وابْنُ هُرْمُزَ، وشِبْلٌ: فَذانِيكَ، بِياءٍ بَعْدَ النُّونِ المَكْسُورَةِ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ. وقِيلَ: بَلْ لُغَةُ تَمِيمٍ، ورَواها شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْهُ أيْضًا: فَذانَيْكَ، بِفَتْحِ النُّونِ قَبْلَ الياءِ، عَلى لُغَةِ مَن فَتَحَ نُونَ التَّثْنِيَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎عَلى أحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً بَعْدَها ياءٌ. قِيلَ: وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: بَلْ لُغَتُهم تَخْفِيفُها. و﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا﴾ هو القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَماتَ، فَطَلَبَ مِن رَبِّهِ ما يَزْدادُ بِهِ قُوَّةً، وذَكَرَ أخاهُ والعِلَّةَ الَّتِي تَكُونُ لَهُ زِيادَةُ التَّبْلِيغِ. و﴿أفْصَحُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِ فَصاحَةً، ولَكِنْ أخُوهُ أفْصَحُ. ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أيْ مُعِينًا يُصَدِّقُنِي، لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقُولُ لِي: صَدَقْتَ، إذْ يَسْتَوِي في قَوْلِ هَذا اللَّفْظِ العَيِيُّ والفَصِيحُ، وإنَّما المَعْنى: أنَّهُ لِزِيادَةِ فَصاحَتِهِ يُبالِغُ في التِّبْيانِ، وفي الإجابَةِ عَنِ الشُّبَهاتِ، وفي جِدالِهِ الكُفّارَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِدْءًا، بِالهَمْزَةِ؛ وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والمَدَنِّيانِ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الدّالِ؛ والمَشْهُورُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِالنَّقْلِ، ولا هَمْزَ ولا تَنْوِينَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: يُصَدِّقُنِي، بِضَمِّ القافِ، فاحْتَمَلَ الصِّفَةَ لِـ ”رِدْءًا“، والحالُ احْتَمَلَ الِاسْتِئْنافَ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِالإسْكانِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُصَدِّقُونِي، والضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا شاهِدٌ لِمَن جَزَمَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ رَفْعًا لَقالَ: يُصَدِّقُونَنِي. انْتَهى، والجَزْمُ عَلى جَوابِ الأمْرِ. والمَعْنى في يُصَدِّقُونِي: أرْجُو تَصْدِيقَهم إيّايَ، فَأجابَهُ - تَعالى - إلى طِلْبَتِهِ وقالَ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: عُضُدَكَ، بِضَمَّتَيْنِ. وعَنِ الحَسَنِ: بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ الضّادِ؛ وفَتْحِهِما، قَرَأ بِهِ عِيسى، ويُقالُ فِيهِ: عَضْدٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الضّادِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِ. والعَضُدُ: العُضْوُ المَعْرُوفُ، وهي قِوامُ اليَدِ، وبِشِدَّتِها يَشْتَدُّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ والمَعْنى فِيهِ: سَنُقَوِّيكَ بِأخِيكَ. ويُقالُ في الخَيْرِ: شَدَّ اللَّهُ عَضُدَكَ، وفي الشَّرِّ: فَتَّ اللَّهُ في عَضُدِكَ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والغَلَبَةُ والتَّسْلِيطُ. ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ أيْ بِسُوءٍ، أوْ إلى إذايَتِكُما. ويُحْتَمَلُ ﴿بِآياتِنا﴾ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ”ونَجْعَلُ“، أوْ بِـ ”يَصِلُونَ“، أوْ بِـ ”الغالِبُونَ“، وإنْ كانَ مَوْصُولًا عَلى مَذْهَبِ مَن يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَتَقَدَّمَ الظَّرْفُ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى صِلَةِ أل، وإنْ كانَ عِنْدَهُ مَوْصُولًا عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ، أوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْهَبا بِآياتِنا. كَما عَلَّقَ ”في تِسْعِ آياتٍ“ بِـ ”اذْهَبْ“، أوْ عَلى البَيانِ، فالعامِلُ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ أعارِيبُ مَنقُولَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ ﴿فَلا يَصِلُونَ﴾ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، أوْ مِن لَغْوِ القَسَمِ. انْتَهى. أمّا إنَّهُ قَسَمٌ جَوابُهُ ﴿فَلا يَصِلُونَ﴾ فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ جَوابَ القَسَمِ لا تَدْخُلُهُ الفاءُ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ مِن (p-١١٩)لَغْوِ القَسَمِ، فَكَأنَّهُ يُرِيدُ واللَّهُ أعْلَمُ. إنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ جَوابٌ، بَلْ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ، أيْ بِآياتِنا لَتَغْلِبُنَّ.

القصص 28:32

﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ . ”مِن“ في: مِن شاطِئِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و”مِنَ الشَّجَرَةِ“ كَذَلِكَ، إذْ هي بَدَلٌ مِنَ الأُولى، أيْ مِن قِبَلِ الشَّجَرَةِ. و”الأيْمَنِ“: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلشّاطِئِ ولِلْوادِي، عَلى مَعْنى اليُمْنِ والبَرَكَةِ، أوِ الأيْمَنِ: يُرِيدُ المُعادِلَ لِلْعُضْوِ الأيْسَرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى، لا لِلشّاطِئِ، ولا لِلْوادِي، أيْ أيْمَنَ مُوسى في اسْتِقْبالِهِ حَتّى يَهْبِطَ الوادِيَ، أوْ بِعَكْسِ ذَلِكَ؛ وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ في الأيْمَنِ مَقُولٌ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، ومَسْلَمَةُ: ”في البَقْعَةِ“، بِفَتْحِ الباءِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ: هَذِهِ بَقْعَةٌ طَيِّبَةٌ، بِفَتْحِ الباءِ، ووُصِفَتِ البُقْعَةُ بِالبَرَكَةِ، لِما خُصَّتْ بِهِ مِن آياتِ اللَّهِ وأنْوارِهِ وتَكْلِيمِهِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لِما حَوَتْ مِنَ الأرْزاقِ والثِّمارِ الطَّيِّبَةِ. ويَتَعَلَّقُ في البُقْعَةِ بِـ ”نُودِيَ“، أوْ تَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”شاطِئِ“ . والشَّجَرَةُ عُنّابٌ، أوْ عُلَّيْقٌ، أوْ سَمُرَةٌ، أوْ عَوْسَجٌ، أقْوالٌ. و”أنْ“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، وأنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ. (p-١١٧)وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ”أنِّي أنا“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وفي إعْرابِهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ ”إنْ“ إنْ كانَتْ تَفْسِيرِيَّةً، فَيَنْبَغِي كَسْرُ ”إنِّي“، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً، تَتَقَدَّرُ بِالمُفْرَدِ، والمُفْرَدُ لا يَكُونُ خَبَرًا الضَّمِيرُ الشَّأْنُ، فَتَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنْ تَكُونَ ”إنْ“ تَفْسِيرِيَّةً، وإنِّي مَعْمُولٌ لِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: إنِّي يا مُوسى أعْلَمُ إنِّي أنا اللَّهُ. وجاءَ في طه: ﴿نُودِيَ يا مُوسى إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١] وفي النَّمْلِ: ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ [النمل: ٨] وهُنا: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ﴾ ولا مُنافاةَ، إذْ حَكى في كُلِّ سُورَةٍ بَعْضَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ النِّداءُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ - تَعالى - كَلَمَّهُ في هَذا المَقامِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ناداهُ نِداءَ الوَحْيِ، لا نِداءَ الكَلامِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ فَقالَ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ وهو فَتْحُ الجُبَّةِ مِن حَيْثُ تَخْرُجُ الرَّأْسُ، وكانَ كُمُّ الجُبَّةِ في غايَةِ الضِّيقِ. وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ وفُسِّرَ الجَناحُ هُنا بِاليَدِ وبِالعَضُدِ وبِالعِطافِ، وبِما أسْفَلَ مِنَ العَضُدِ إلى الرُّسْغِ، وبِجَيْبِ مِدْرَعَتِهِ. والرَّهْبُ: الخَوْفُ، وتَأْتِي القِراءاتُ فِيهِ. وقِيلَ: بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ: الكُمُّ، بِلُغَةِ بَنِي حَنِيفَةَ وحِمْيَرَ، وسَمِعَ الأصْمَعِيُّ قائِلًا يَقُولُ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ، أيْ في كُمِّكَ، والظّاهِرُ حَمْلُ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ. قالَ الثَّوْرِيُّ: خافَ مُوسى أنْ يَكُونَ حَدَثَ بِهِ سُوءٌ، فَأمَرَهُ - تَعالى - أنْ يُعِيدَ يَدَهُ إلى جَيْبِهِ لِتَعُودَ عَلى حالَتِها الأُولى، فَيَعْلَمَ مُوسى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُوءًا بَلْ آيَةً مِنَ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أمَرَهُ بِضَمِّ عَضُدِهِ وذِراعِهِ، وهو الجَناحُ، إلى جَنْبِهِ، لِيَخِفَّ بِذَلِكَ فَزَعُهُ. ومِن شَأْنِ الإنْسانِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ في وقْتِ فَزَعِهِ أنْ يَقْوى قَلْبُهُ. وقِيلَ: لَمّا انْقَلَبَتِ العَصا حَيَّةً، فَزِعَ مُوسى واضْطَرَبَ، فاتَّقاها بِيَدِهِ، كَما يَفْعَلُ الخائِفُ مِنَ الشَّيْءِ، فَقِيلَ لَهُ: أدْخِلْ يَدَكَ تَحْتَ عَضُدِكَ مَكانَ اتِّقائِكَ بِها، ثُمَّ أخْرَجَها بَيْضاءَ لِتَظْهَرَ مُعْجِزَةٌ أُخْرى، وهَذا القَوْلُ بَسَطَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ لِأنَّهُ كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ . وقَدْ قالَ هو: والجَناحُ هُنا اليَدُ، قالَ: لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ، وإذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِهِ اليُسْرى، فَقَدْ ضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى إذا هالَكَ أمْرٌ لِما يَغْلِبُ مِن شُعاعِها، فاضْمُمْها إلَيْكَ تَسْكُنْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مُجازٌ أمَرَهُ بِالعَزْمِ عَلى ما أمَرَهُ بِهِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: اشْدُدْ حَيازِيمَكَ وارْبُطْ جَأْشَكَ، أيْ شِمِّرْ في أمْرِكَ ودَعِ الرَّهْبَ، وذَلِكَ لَمّا كَثُرَ تَخَوُّفُهُ وفَزَعُهُ في غَيْرِ مَوْطِنٍ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وكَأنَّهُ طَيَّرَهُ الفَزَعُ، وآلَةُ الطَّيَرانِ الجَناحُ. فَقِيلَ لَهُ: اسْكُنْ ولا تَخَفْ، وضُمَّ مَنشُورَ جَناحِكَ مِنَ الخَوْفِ إلَيْكَ، وذَكَرَ هَذا القَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ والثّانِي أنْ يُرادَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ: تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ وتَشَدُّدُهُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، حَتّى لا يَضْطَرِبَ ولا يَرْهَبَ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ وأرْخاهُما، وإلّا فَجَناحاهُ مَضْمُومانِ إلَيْهِ مُشَمَّرانِ. ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، أيْ إذا أصابَكَ الرَّهْبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الحَيَّةِ، فاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ. جَعَلَ الرَّهْبَ الَّذِي كانَ يُصِيبُهُ سَبَبًا وعِلَّةً فِيما أُمِرَ بِهِ مِن ضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ. ومَعْنى: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ واحِدٌ، ولَكِنْ خُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، وإنَّما كُرِّرَ المَعْنى الواحِدُ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ في أحَدِهِما خُرُوجُ اليَدِ بَيْضاءَ، وفي الثّانِي إخْفاءُ الرَّهْبِ. (فَإنْ قُلْتَ): قَدْ جُعِلَ الجَناحُ، وهو اليَدُ، في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ مَضْمُومًا وفي الآخَرِ مَضْمُومًا إلَيْهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢] فَما التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما ؟ (قُلْتُ): المُرادُ بِالجَناحِ المَضْمُومِ هو اليَدُ اليُمْنى، وبِالمَضْمُومِ إلَيْهِ اليَدُ اليُسْرى، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن يُمْنى اليَدَيْنِ ويُسْراهُما جَناحٌ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الرَّهْبَ: الكُمُّ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وأنَّهم يَقُولُونَ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ؛ ولَيْتَ شِعْرِي؛ كَيْفَ صِحَّتُهُ في اللُّغَةِ ؟ وهَلْ سُمِعَ مِنَ الأثْباتِ الثِّقاتِ الَّتِي تُرْضى عَرَبِيَّتُهم ؟ ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي: كَيْفَ مَوْقِعُهُ في الآيَةِ ؟ وكَيْفَ يُعْطِيهِ الفَصْلُ كَسائِرِ كَلِماتِ (p-١١٨)التَّنْزِيلِ ؟ عَلى أنَّ مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ما كانَ عَلَيْهِ لَيْلَةَ المُناجاةَ إلّا زُرْمانِقَةٌ مِن صُوفٍ، لا كُمَّيْنِ لَها. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: وهَلْ سَمِعَ مَنِ الأثْباتِ ؟ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وأمّا قَوْلُهُ: كَيْفَ مَوْقِعُهُ مِنَ الآيَةِ ؟ فَقالُوا: مَعْناهُ أخْرِجْ يَدَكَ مِن كُمِّكَ، وكانَ قَدْ أخَذَ العَصا بِالكُمِّ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: مِنَ الرَّهَبِ، بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ؛ وحَفْصٌ: بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِيسى، والجَحْدَرِيُّ: بِضَمِّهِما. ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ، وهُما مُؤَنَّثَتانِ، ولَكِنْ ذُكِّرا لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ، كَما أنَّهُ قَدْ يُؤَنَّثُ المُذَكَّرُ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ”: ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا“ بِالياءِ في ”تَكُنْ“ . ﴿بُرْهانانِ﴾ حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”فَذانِّكَ“، بِتَشْدِيدِ النُّونِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى، وأبُو نَوْفَلٍ، وابْنُ هُرْمُزَ، وشِبْلٌ: فَذانِيكَ، بِياءٍ بَعْدَ النُّونِ المَكْسُورَةِ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ. وقِيلَ: بَلْ لُغَةُ تَمِيمٍ، ورَواها شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْهُ أيْضًا: فَذانَيْكَ، بِفَتْحِ النُّونِ قَبْلَ الياءِ، عَلى لُغَةِ مَن فَتَحَ نُونَ التَّثْنِيَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎عَلى أحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً بَعْدَها ياءٌ. قِيلَ: وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: بَلْ لُغَتُهم تَخْفِيفُها. و﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا﴾ هو القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَماتَ، فَطَلَبَ مِن رَبِّهِ ما يَزْدادُ بِهِ قُوَّةً، وذَكَرَ أخاهُ والعِلَّةَ الَّتِي تَكُونُ لَهُ زِيادَةُ التَّبْلِيغِ. و﴿أفْصَحُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِ فَصاحَةً، ولَكِنْ أخُوهُ أفْصَحُ. ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أيْ مُعِينًا يُصَدِّقُنِي، لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقُولُ لِي: صَدَقْتَ، إذْ يَسْتَوِي في قَوْلِ هَذا اللَّفْظِ العَيِيُّ والفَصِيحُ، وإنَّما المَعْنى: أنَّهُ لِزِيادَةِ فَصاحَتِهِ يُبالِغُ في التِّبْيانِ، وفي الإجابَةِ عَنِ الشُّبَهاتِ، وفي جِدالِهِ الكُفّارَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِدْءًا، بِالهَمْزَةِ؛ وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والمَدَنِّيانِ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الدّالِ؛ والمَشْهُورُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِالنَّقْلِ، ولا هَمْزَ ولا تَنْوِينَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: يُصَدِّقُنِي، بِضَمِّ القافِ، فاحْتَمَلَ الصِّفَةَ لِـ ”رِدْءًا“، والحالُ احْتَمَلَ الِاسْتِئْنافَ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِالإسْكانِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُصَدِّقُونِي، والضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا شاهِدٌ لِمَن جَزَمَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ رَفْعًا لَقالَ: يُصَدِّقُونَنِي. انْتَهى، والجَزْمُ عَلى جَوابِ الأمْرِ. والمَعْنى في يُصَدِّقُونِي: أرْجُو تَصْدِيقَهم إيّايَ، فَأجابَهُ - تَعالى - إلى طِلْبَتِهِ وقالَ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: عُضُدَكَ، بِضَمَّتَيْنِ. وعَنِ الحَسَنِ: بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ الضّادِ؛ وفَتْحِهِما، قَرَأ بِهِ عِيسى، ويُقالُ فِيهِ: عَضْدٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الضّادِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِ. والعَضُدُ: العُضْوُ المَعْرُوفُ، وهي قِوامُ اليَدِ، وبِشِدَّتِها يَشْتَدُّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ والمَعْنى فِيهِ: سَنُقَوِّيكَ بِأخِيكَ. ويُقالُ في الخَيْرِ: شَدَّ اللَّهُ عَضُدَكَ، وفي الشَّرِّ: فَتَّ اللَّهُ في عَضُدِكَ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والغَلَبَةُ والتَّسْلِيطُ. ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ أيْ بِسُوءٍ، أوْ إلى إذايَتِكُما. ويُحْتَمَلُ ﴿بِآياتِنا﴾ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ”ونَجْعَلُ“، أوْ بِـ ”يَصِلُونَ“، أوْ بِـ ”الغالِبُونَ“، وإنْ كانَ مَوْصُولًا عَلى مَذْهَبِ مَن يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَتَقَدَّمَ الظَّرْفُ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى صِلَةِ أل، وإنْ كانَ عِنْدَهُ مَوْصُولًا عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ، أوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْهَبا بِآياتِنا. كَما عَلَّقَ ”في تِسْعِ آياتٍ“ بِـ ”اذْهَبْ“، أوْ عَلى البَيانِ، فالعامِلُ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ أعارِيبُ مَنقُولَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ ﴿فَلا يَصِلُونَ﴾ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، أوْ مِن لَغْوِ القَسَمِ. انْتَهى. أمّا إنَّهُ قَسَمٌ جَوابُهُ ﴿فَلا يَصِلُونَ﴾ فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ جَوابَ القَسَمِ لا تَدْخُلُهُ الفاءُ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ مِن (p-١١٩)لَغْوِ القَسَمِ، فَكَأنَّهُ يُرِيدُ واللَّهُ أعْلَمُ. إنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ جَوابٌ، بَلْ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ، أيْ بِآياتِنا لَتَغْلِبُنَّ.

القصص 28:33

﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ . ”مِن“ في: مِن شاطِئِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و”مِنَ الشَّجَرَةِ“ كَذَلِكَ، إذْ هي بَدَلٌ مِنَ الأُولى، أيْ مِن قِبَلِ الشَّجَرَةِ. و”الأيْمَنِ“: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلشّاطِئِ ولِلْوادِي، عَلى مَعْنى اليُمْنِ والبَرَكَةِ، أوِ الأيْمَنِ: يُرِيدُ المُعادِلَ لِلْعُضْوِ الأيْسَرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى، لا لِلشّاطِئِ، ولا لِلْوادِي، أيْ أيْمَنَ مُوسى في اسْتِقْبالِهِ حَتّى يَهْبِطَ الوادِيَ، أوْ بِعَكْسِ ذَلِكَ؛ وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ في الأيْمَنِ مَقُولٌ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، ومَسْلَمَةُ: ”في البَقْعَةِ“، بِفَتْحِ الباءِ. قالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ: هَذِهِ بَقْعَةٌ طَيِّبَةٌ، بِفَتْحِ الباءِ، ووُصِفَتِ البُقْعَةُ بِالبَرَكَةِ، لِما خُصَّتْ بِهِ مِن آياتِ اللَّهِ وأنْوارِهِ وتَكْلِيمِهِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لِما حَوَتْ مِنَ الأرْزاقِ والثِّمارِ الطَّيِّبَةِ. ويَتَعَلَّقُ في البُقْعَةِ بِـ ”نُودِيَ“، أوْ تَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”شاطِئِ“ . والشَّجَرَةُ عُنّابٌ، أوْ عُلَّيْقٌ، أوْ سَمُرَةٌ، أوْ عَوْسَجٌ، أقْوالٌ. و”أنْ“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، وأنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ. (p-١١٧)وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ”أنِّي أنا“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وفي إعْرابِهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ ”إنْ“ إنْ كانَتْ تَفْسِيرِيَّةً، فَيَنْبَغِي كَسْرُ ”إنِّي“، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً، تَتَقَدَّرُ بِالمُفْرَدِ، والمُفْرَدُ لا يَكُونُ خَبَرًا الضَّمِيرُ الشَّأْنُ، فَتَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنْ تَكُونَ ”إنْ“ تَفْسِيرِيَّةً، وإنِّي مَعْمُولٌ لِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: إنِّي يا مُوسى أعْلَمُ إنِّي أنا اللَّهُ. وجاءَ في طه: ﴿نُودِيَ يا مُوسى إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١] وفي النَّمْلِ: ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ [النمل: ٨] وهُنا: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ﴾ ولا مُنافاةَ، إذْ حَكى في كُلِّ سُورَةٍ بَعْضَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ النِّداءُ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ - تَعالى - كَلَمَّهُ في هَذا المَقامِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: ناداهُ نِداءَ الوَحْيِ، لا نِداءَ الكَلامِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ فَقالَ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ وهو فَتْحُ الجُبَّةِ مِن حَيْثُ تَخْرُجُ الرَّأْسُ، وكانَ كُمُّ الجُبَّةِ في غايَةِ الضِّيقِ. وتَقَدَّمُ الكَلامُ عَلى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ وفُسِّرَ الجَناحُ هُنا بِاليَدِ وبِالعَضُدِ وبِالعِطافِ، وبِما أسْفَلَ مِنَ العَضُدِ إلى الرُّسْغِ، وبِجَيْبِ مِدْرَعَتِهِ. والرَّهْبُ: الخَوْفُ، وتَأْتِي القِراءاتُ فِيهِ. وقِيلَ: بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ: الكُمُّ، بِلُغَةِ بَنِي حَنِيفَةَ وحِمْيَرَ، وسَمِعَ الأصْمَعِيُّ قائِلًا يَقُولُ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ، أيْ في كُمِّكَ، والظّاهِرُ حَمْلُ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ. قالَ الثَّوْرِيُّ: خافَ مُوسى أنْ يَكُونَ حَدَثَ بِهِ سُوءٌ، فَأمَرَهُ - تَعالى - أنْ يُعِيدَ يَدَهُ إلى جَيْبِهِ لِتَعُودَ عَلى حالَتِها الأُولى، فَيَعْلَمَ مُوسى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُوءًا بَلْ آيَةً مِنَ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أمَرَهُ بِضَمِّ عَضُدِهِ وذِراعِهِ، وهو الجَناحُ، إلى جَنْبِهِ، لِيَخِفَّ بِذَلِكَ فَزَعُهُ. ومِن شَأْنِ الإنْسانِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ في وقْتِ فَزَعِهِ أنْ يَقْوى قَلْبُهُ. وقِيلَ: لَمّا انْقَلَبَتِ العَصا حَيَّةً، فَزِعَ مُوسى واضْطَرَبَ، فاتَّقاها بِيَدِهِ، كَما يَفْعَلُ الخائِفُ مِنَ الشَّيْءِ، فَقِيلَ لَهُ: أدْخِلْ يَدَكَ تَحْتَ عَضُدِكَ مَكانَ اتِّقائِكَ بِها، ثُمَّ أخْرَجَها بَيْضاءَ لِتَظْهَرَ مُعْجِزَةٌ أُخْرى، وهَذا القَوْلُ بَسَطَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ لِأنَّهُ كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ . وقَدْ قالَ هو: والجَناحُ هُنا اليَدُ، قالَ: لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ، وإذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِهِ اليُسْرى، فَقَدْ ضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى إذا هالَكَ أمْرٌ لِما يَغْلِبُ مِن شُعاعِها، فاضْمُمْها إلَيْكَ تَسْكُنْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مُجازٌ أمَرَهُ بِالعَزْمِ عَلى ما أمَرَهُ بِهِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: اشْدُدْ حَيازِيمَكَ وارْبُطْ جَأْشَكَ، أيْ شِمِّرْ في أمْرِكَ ودَعِ الرَّهْبَ، وذَلِكَ لَمّا كَثُرَ تَخَوُّفُهُ وفَزَعُهُ في غَيْرِ مَوْطِنٍ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وكَأنَّهُ طَيَّرَهُ الفَزَعُ، وآلَةُ الطَّيَرانِ الجَناحُ. فَقِيلَ لَهُ: اسْكُنْ ولا تَخَفْ، وضُمَّ مَنشُورَ جَناحِكَ مِنَ الخَوْفِ إلَيْكَ، وذَكَرَ هَذا القَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ والثّانِي أنْ يُرادَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ: تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ وتَشَدُّدُهُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، حَتّى لا يَضْطَرِبَ ولا يَرْهَبَ، اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ الطّائِرِ؛ لِأنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ وأرْخاهُما، وإلّا فَجَناحاهُ مَضْمُومانِ إلَيْهِ مُشَمَّرانِ. ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، أيْ إذا أصابَكَ الرَّهْبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الحَيَّةِ، فاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ. جَعَلَ الرَّهْبَ الَّذِي كانَ يُصِيبُهُ سَبَبًا وعِلَّةً فِيما أُمِرَ بِهِ مِن ضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ. ومَعْنى: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ واحِدٌ، ولَكِنْ خُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، وإنَّما كُرِّرَ المَعْنى الواحِدُ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ في أحَدِهِما خُرُوجُ اليَدِ بَيْضاءَ، وفي الثّانِي إخْفاءُ الرَّهْبِ. (فَإنْ قُلْتَ): قَدْ جُعِلَ الجَناحُ، وهو اليَدُ، في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ مَضْمُومًا وفي الآخَرِ مَضْمُومًا إلَيْهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢] فَما التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما ؟ (قُلْتُ): المُرادُ بِالجَناحِ المَضْمُومِ هو اليَدُ اليُمْنى، وبِالمَضْمُومِ إلَيْهِ اليَدُ اليُسْرى، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن يُمْنى اليَدَيْنِ ويُسْراهُما جَناحٌ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الرَّهْبَ: الكُمُّ، بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وأنَّهم يَقُولُونَ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ؛ ولَيْتَ شِعْرِي؛ كَيْفَ صِحَّتُهُ في اللُّغَةِ ؟ وهَلْ سُمِعَ مِنَ الأثْباتِ الثِّقاتِ الَّتِي تُرْضى عَرَبِيَّتُهم ؟ ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي: كَيْفَ مَوْقِعُهُ في الآيَةِ ؟ وكَيْفَ يُعْطِيهِ الفَصْلُ كَسائِرِ كَلِماتِ (p-١١٨)التَّنْزِيلِ ؟ عَلى أنَّ مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ما كانَ عَلَيْهِ لَيْلَةَ المُناجاةَ إلّا زُرْمانِقَةٌ مِن صُوفٍ، لا كُمَّيْنِ لَها. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: وهَلْ سَمِعَ مَنِ الأثْباتِ ؟ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وأمّا قَوْلُهُ: كَيْفَ مَوْقِعُهُ مِنَ الآيَةِ ؟ فَقالُوا: مَعْناهُ أخْرِجْ يَدَكَ مِن كُمِّكَ، وكانَ قَدْ أخَذَ العَصا بِالكُمِّ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: مِنَ الرَّهَبِ، بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ؛ وحَفْصٌ: بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِيسى، والجَحْدَرِيُّ: بِضَمِّهِما. ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ، وهُما مُؤَنَّثَتانِ، ولَكِنْ ذُكِّرا لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ، كَما أنَّهُ قَدْ يُؤَنَّثُ المُذَكَّرُ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ”: ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا“ بِالياءِ في ”تَكُنْ“ . ﴿بُرْهانانِ﴾ حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”فَذانِّكَ“، بِتَشْدِيدِ النُّونِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى، وأبُو نَوْفَلٍ، وابْنُ هُرْمُزَ، وشِبْلٌ: فَذانِيكَ، بِياءٍ بَعْدَ النُّونِ المَكْسُورَةِ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ. وقِيلَ: بَلْ لُغَةُ تَمِيمٍ، ورَواها شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْهُ أيْضًا: فَذانَيْكَ، بِفَتْحِ النُّونِ قَبْلَ الياءِ، عَلى لُغَةِ مَن فَتَحَ نُونَ التَّثْنِيَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎عَلى أحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً بَعْدَها ياءٌ. قِيلَ: وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: بَلْ لُغَتُهم تَخْفِيفُها. و﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا﴾ هو القِبْطِيُّ الَّذِي وكَزَهُ فَماتَ، فَطَلَبَ مِن رَبِّهِ ما يَزْدادُ بِهِ قُوَّةً، وذَكَرَ أخاهُ والعِلَّةَ الَّتِي تَكُونُ لَهُ زِيادَةُ التَّبْلِيغِ. و﴿أفْصَحُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيهِ فَصاحَةً، ولَكِنْ أخُوهُ أفْصَحُ. ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أيْ مُعِينًا يُصَدِّقُنِي، لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَقُولُ لِي: صَدَقْتَ، إذْ يَسْتَوِي في قَوْلِ هَذا اللَّفْظِ العَيِيُّ والفَصِيحُ، وإنَّما المَعْنى: أنَّهُ لِزِيادَةِ فَصاحَتِهِ يُبالِغُ في التِّبْيانِ، وفي الإجابَةِ عَنِ الشُّبَهاتِ، وفي جِدالِهِ الكُفّارَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِدْءًا، بِالهَمْزَةِ؛ وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والمَدَنِّيانِ: بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الدّالِ؛ والمَشْهُورُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِالنَّقْلِ، ولا هَمْزَ ولا تَنْوِينَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: يُصَدِّقُنِي، بِضَمِّ القافِ، فاحْتَمَلَ الصِّفَةَ لِـ ”رِدْءًا“، والحالُ احْتَمَلَ الِاسْتِئْنافَ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِالإسْكانِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُصَدِّقُونِي، والضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا شاهِدٌ لِمَن جَزَمَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ رَفْعًا لَقالَ: يُصَدِّقُونَنِي. انْتَهى، والجَزْمُ عَلى جَوابِ الأمْرِ. والمَعْنى في يُصَدِّقُونِي: أرْجُو تَصْدِيقَهم إيّايَ، فَأجابَهُ - تَعالى - إلى طِلْبَتِهِ وقالَ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ: عُضُدَكَ، بِضَمَّتَيْنِ. وعَنِ الحَسَنِ: بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ الضّادِ؛ وفَتْحِهِما، قَرَأ بِهِ عِيسى، ويُقالُ فِيهِ: عَضْدٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الضّادِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِ. والعَضُدُ: العُضْوُ المَعْرُوفُ، وهي قِوامُ اليَدِ، وبِشِدَّتِها يَشْتَدُّ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أبَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ والمَعْنى فِيهِ: سَنُقَوِّيكَ بِأخِيكَ. ويُقالُ في الخَيْرِ: شَدَّ اللَّهُ عَضُدَكَ، وفي الشَّرِّ: فَتَّ اللَّهُ في عَضُدِكَ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والغَلَبَةُ والتَّسْلِيطُ. ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ أيْ بِسُوءٍ، أوْ إلى إذايَتِكُما. ويُحْتَمَلُ ﴿بِآياتِنا﴾ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ”ونَجْعَلُ“، أوْ بِـ ”يَصِلُونَ“، أوْ بِـ ”الغالِبُونَ“، وإنْ كانَ مَوْصُولًا عَلى مَذْهَبِ مَن يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَتَقَدَّمَ الظَّرْفُ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى صِلَةِ أل، وإنْ كانَ عِنْدَهُ مَوْصُولًا عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ، أوْ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْهَبا بِآياتِنا. كَما عَلَّقَ ”في تِسْعِ آياتٍ“ بِـ ”اذْهَبْ“، أوْ عَلى البَيانِ، فالعامِلُ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ أعارِيبُ مَنقُولَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ ﴿فَلا يَصِلُونَ﴾ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، أوْ مِن لَغْوِ القَسَمِ. انْتَهى. أمّا إنَّهُ قَسَمٌ جَوابُهُ ﴿فَلا يَصِلُونَ﴾ فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ جَوابَ القَسَمِ لا تَدْخُلُهُ الفاءُ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ مِن (p-١١٩)لَغْوِ القَسَمِ، فَكَأنَّهُ يُرِيدُ واللَّهُ أعْلَمُ. إنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ جَوابٌ، بَلْ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ، أيْ بِآياتِنا لَتَغْلِبُنَّ.