Al-Bahr Al-Muhit — السجدة 32:22 – الأحزاب 33:18
المحتويات
- السجدة 32:22
- السجدة 32:23
- السجدة 32:24
- السجدة 32:25
- السجدة 32:26
- السجدة 32:27
- السجدة 32:28
- السجدة 32:29
- السجدة 32:30
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:2
- الأحزاب 33:3
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:8
- الأحزاب 33:9
- الأحزاب 33:10
- الأحزاب 33:11
- الأحزاب 33:12
- الأحزاب 33:13
- الأحزاب 33:14
- الأحزاب 33:15
- الأحزاب 33:16
- الأحزاب 33:17
- الأحزاب 33:18
السجدة 32:22
(p-٢٠٢)﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ .
﴿لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ أيِ: اخْتَرَعْنا الإيمانَ فِيها، كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] و﴿لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥] و﴿لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى طَرِيقِ الإلْجاءِ والقَسْرِ، ولَكِنّا بَنَيْنا الأمْرَ عَلى الِاخْتِيارِ دُونَ الِاضْطِرارِ، فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى، فَحَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى أهْلِ العَمى دُونَ أهْلِ البَصَرِ. ألا تَرى إلى ما عَقَّبَهُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ﴾ ؟ فَجَعَلَ ذَوْقَ العَذابِ نَتِيجَةَ فِعْلِهِمْ مِن نِسْيانِ العاقِبَةِ وقِلَّةِ الفِكْرِ فِيها، وتَرْكِ الِاسْتِعْدادِ لَها. والمُرادُ بِالنِّسْيانِ خِلافُ التَّذَكُّرِ، يَعْنِي: أنَّ الِانْهِماكَ في الشَّهَواتِ أنْهَكَكم وألْهاكم عَنْ تَذَكُّرِ العاقِبَةِ، وسَلَّطَ عَلَيْكم نِسْيانَها. ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ عَلى المُقابَلَةِ: أيْ: جازَيْناكم جَزاءَ نِسْيانِكم. وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّرْكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، أيْ: تَرَكْتُمُ الفِكْرَ في العاقِبَةِ، فَتَرَكْناكم مِنَ الرَّحْمَةِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: عَلى طَرِيقِ الإلْجاءِ والقَسْرِ، هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَتِ الإمامِيَّةُ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ هُداها إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، ولَمْ يُعاقِبْ أحَدًا، لَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنهُ أنْ يَمْلَأ جَهَنَّمَ، فَلا يَجِبُ عَلى اللَّهِ هِدايَةُ الكُلِّ إلَيْها. قالُوا: بَلِ الواجِبُ هِدايَةُ المَعْصُومِينَ؛ فَأمّا مَن لَهُ ذَنْبٌ، فَجائِزٌ هِدايَتُهُ إلى النّارِ جَزاءً عَلى أفْعالِهِ، وفي جَوازِ ذَلِكَ مَنعٌ لِقَطْعِهِمْ عَلى أنَّ المُرادَ هَداها إلى الإيمانِ. انْتَهى. و(هَذا) صِفَةٌ لِـ: (يَوْمِكم)، ومَفْعُولُ (فَذُوقُوا) مَحْذُوفٌ، أوْ مَفْعُولُ (فَذُوقُوا) هَذا العَذابَ بِسَبَبِ نِسْيانِكم (لِقاءَ يَوْمِكم هَذا) وهو ما أنْتُمْ فِيهِ مِن نَكْسِ الرُّءُوسِ والخِزْيِ والغَمِّ؛ أوْ ذُوقُوا العَذابَ المُخَلَّدَ في جَهَنَّمَ. وفي اسْتِئْنافِ قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ وبِناءِ الفِعْلِ عَلى إنَّ واسْمِها تَشْدِيدٌ في الِانْتِقامِ مِنهم.
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أثْنى تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ في وصْفِهِمْ بِالصِّفَةِ الحُسْنى، مِن سُجُودِهِمْ عِنْدَ التَّذْكِيرِ، وتَسْبِيحِهِمْ وعَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ؛ بِخِلافِ ما يَصْنَعُ الكَفَرَةُ مِنَ الإعْراضِ عَنِ التَّذْكِيرِ، وقَوْلِ الهَجْرِ، وإظْهارِ التَّكَبُّرِ؛ وهَذِهِ السَّجْدَةُ مِن عَزائِمِ سُجُودِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّجُودُ هُنا بِمَعْنى الرُّكُوعِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: المَسْجِدُ مَكانُ الرُّكُوعِ، يَقْصِدُ مِن هَذا ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، ومِن مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القارِئَ لِلسَّجْدَةِ يَرْكَعُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] .
﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ أيْ: تَرْتَفِعُ وتَتَنَحّى، يُقالُ: جَفا الرَّجُلُ المَوْضِعَ: تَرَكَهُ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:
؎نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عَنْ فِراشِهِ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
وقالَ الزَّجّاجُ والرُّمّانِيُّ: التَّجافِي: التَّنَحِّي إلى جِهَةِ فَوْقَ. والمَضاجِعُ: أماكِنُ الِاتِّكاءِ لِلنَّوْمِ، الواحِدُ مَضْجَعٌ، أيْ: هم مُنْتَبِهُونَ لا يَعْرِفُونَ نَوْمًا. وقالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ بِهَذا التَّجافِي صَلاةُ النَّوافِلِ بِاللَّيْلِ، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ ومالِكٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وأبِي العالِيَةِ وغَيْرِهِمْ. وفي الحَدِيثِ، ذَكَرَ قِيامَ اللَّيْلِ، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ، يَعْنِي الرَّسُولَ ﷺ . وقالَ أبُو الدَّرْداءِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: تَجافِي الجَنْبِ: هو أنْ يُصَلِّيَ العِشاءَ والصُّبْحَ في جَماعَةٍ. وقالَ الحَسَنُ: هو التَّهَجُّدُ؛ وقالَ أيْضًا: هو وعَطاءٌ: هو العَتَمَةُ. وفي التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أنَسٍ: نَزَلَتْ في انْتِظارِ الصَّلاةِ الَّتِي تُدْعى العَتَمَةُ. وقالَ قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ: التَّنَفُّلُ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ (يَدْعُونَ) حالٌ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ خَوْفًا وطَمَعًا، مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أوْ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ. والظّاهِرُ أنَّ الدُّعاءَ هو: الِابْتِهالُ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: الصَّلاةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، ويَعْقُوبُ: بِسُكُونِ الياءِ، فِعْلًا مُضارِعًا لِلْمُتَكَلِّمِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: ”وما نُخْفِي“، بِنُونِ العَظَمَةِ؛ والأعْمَشُ أيْضًا: ”أخْفَيْتُ“ . وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ”ما أخْفى“، فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن قُرَّةِ﴾ عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو (p-٢٠٣)هُرَيْرَةَ، وعَوْفٌ العُقَيْلِيُّ: ”مِن قُرّاتِ“، عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ والأعْمَشِ؛ و﴿ما أُخْفِيَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وأنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، فَيَكُونُ (تَعْلَمُ) مُتَعَلِّقَةً. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، إنْ كانَ (تَعْلَمُ) مِمّا عُدِّيَ لِواحِدٍ؛ وفي مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ إنْ كانَتْ تَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾ [القصص: ٩] في طَهَ وفي الحَدِيثِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾». وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: في التَّوْراةِ مَكْتُوبٌ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ إلى آخِرِهِ. (ولا تَعْلَمُ نَفْسٌ) نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ الأنْفُسِ مِمّا ادَّخَرَ اللَّهُ تَعالى لِأُولَئِكَ، وأخْفاهُ مِن جَمِيعِ خَلائِقِهِ مِمّا تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهم، لا يَعْلَمُهُ إلّا هو، وهَذِهِ عِدَةٌ عَظِيمَةٌ لا تَبْلُغُ الأفْهامَ كُنْهَها، بَلْ ولا تَفاصِيلَها. وقالَ الحَسَنُ: أخْفَوُا اليَوْمَ أعْمالًا في الدُّنْيا، فَأخْفى اللَّهُ لَهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ.
﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهو تَعالى المُوَفِّقُ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَحَسَمَ أطْماعَ المُتَمَنِّينَ. انْتَهى، وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ. تَلاحَما، فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ: أنا أذْلَقُ مِنكَ لِسانًا، وأحَدُّ سِنانًا، وأرَدُّ لِلْكَتِيبَةِ. فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: اسْكُتْ، فَإنَّكَ فاسِقٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَنَزَلَتْ عامَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ والفاسِقِينَ، فَتَناوَلَتْهُما وكُلَّ مَن في مِثْلِ حالِهِما. وقالَ الزَّجّاجُ، والنَّحّاسُ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ. فَعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مَكِّيَّةً؛ لِأنَّ عُقْبَةَ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قُتِلَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، مُنْصَرَفَ بَدْرٍ. والجَمْعُ في (لا يَسْتَوُونَ) والتَّقْسِيمُ بَعْدَهُ، حُمِلَ عَلى مَعْنى ”مَن“ . وقِيلَ: (لا يَسْتَوُونَ) لِاثْنَيْنِ، وهو المُؤْمِنُ والفاسِقُ، والتَّثْنِيَةُ جَمْعٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ونُزُولُ الآيَةِ في عَلِيٍّ والوَلِيدِ، ثُمَّ بَيَّنَ انْتِفاءَ الِاسْتِواءِ بِمَقَرِّ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالإفْرادِ. والجُمْهُورُ: (جَنّاتُ) بِالجَمْعِ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَأْوِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقِيلَ: هي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نُزُلًا) بِضَمِّ الزّايِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِإسْكانِها. والنُّزُلُ: عَطاءُ النّازِلِ، ثُمَّ صارَ عامًّا فِيما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ.
﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ: بِالكُفْرِ ﴿فَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَجَنَّةُ مَأْواهُمُ النّارُ، أيِ: النّارُ لَهم مَكانُ جَنَّةِ المَأْوى لِلْمُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِ: (فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ) . انْتَهى وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وإنَّما يُذْهَبُ إلى مِثْلِ (فَبَشِّرْهم) إذا كانَ مُصَرَّحًا بِهِ فَيَقُولُ: قامَ مَقامَ التَّبْشِيرِ العَذابُ، وكَذَلِكَ قامَ مَقامَ التَّحِيَّةِ ضَرْبٌ وجِيعٌ. أمّا أنْ تُضْمِرَ شَيْئًا لِكَلامٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ جارٍ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ الفَصاحَةِ حَتّى يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى إضْمارٍ، فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ.
و﴿العَذابِ الأدْنى﴾ قالَ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: مَصائِبُ الدُّنْيا في الأنْفُسِ والأمْوالِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو القَتْلُ بِالسَّيْفِ، نَحْوَ يَوْمِ بَدْرٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: القَتْلُ والجُوعُ لِقُرَيْشٍ، وعَنْهُ: إنَّهُ عَذابُ القَبْرِ. وقالَ النَّخَعِيُّ، ومُقاتِلٌ: هو السُّنُونُ الَّتِي أجاعَهُمُ اللَّهُ فِيها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو الحُدُودُ. وقالَ أُبَيٌّ أيْضًا: هو البَطْشَةُ واللِّزامُ والدُّخانُ. و(العَذابِ الأكْبَرِ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ أنَّهُ عَذابُ الآخِرَةِ. وفي التَّحْرِيرِ وأكْثَرُهم عَلى أنَّ العَذابَ الأكْبَرَ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ في النّارِ. وقِيلَ: هو القَتْلُ والسَّبْيُ والأسْرُ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أنَّهُ خُرُوجُ المَهْدِيِّ بِالسَّيْفِ. (لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ) قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَعَلَّ مَن بَقِيَ مِنهم يَتُوبُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَعَلَّهم يَتُوبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَرْجِعُونَ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. وقِيلَ لَعَلَّهم يُرِيدُونَ الرُّجُوعَ ويَطْلُبُونَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] . وسُمِّيَتْ إرادَةُ الرُّجُوعِ رُجُوعًا، كَما سُمِّيَتْ إرادَةُ القِيامِ قِيامًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] . انْتَهى. ويُقابِلُ الأدْنى: الأبْعَدُ، والأكْبَرَ: الأصْغَرُ. لَكِنَّ الأدْنى يَتَضَمَّنُ الأصْغَرَ؛ لِأنَّهُ مُنْقَضٍ بِمَوْتِ المُعَذَّبِ والتَّخْوِيفِ، إنَّما يَصْلُحُ بِما هو قَرِيبٌ، وهو العَذابُ العاجِلُ. والأكْبَرُ يَتَضَمَّنُ الأبْعَدَ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ في الآخِرَةِ، (p-٢٠٤)والتَّخْوِيفُ بِالبَعِيدِ إنَّما يَصْلُحُ بِذِكْرِ عِظَمِهِ وشِدَّتِهِ، فَحَصَلَتِ المُقابَلَةُ مِن حَيْثُ التَّضَمُّنِ، وخَرَجَ في كُلٍّ مِنهُما بِما هو آكَدُ في التَّخْوِيفِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: مِن أيْنَ صَحَّ تَفْسِيرُ الرُّجُوعِ بِالتَّوْبَةِ ؟ ولَعَلَّ مِنَ اللَّهِ إرادَةً، وإذا أرادَ اللَّهُ شَيْئًا كانَ ولَمْ يَمْتَنِعْ، وتَوْبَتُهم مِمّا لا يَكُونُ، ألا تَرى أنَّها لَوْ كانَتْ مِمّا يَكُونُ لَمْ يَكُونُوا ذائِقِينَ العَذابَ الأكْبَرَ ؟ قُلْتُ: إرادَةُ اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِأفْعالِهِ وأفْعالِ عِبادِهِ، فَإذا أرادَ شَيْئًا مِن أفْعالِهِ كانَ، ولَمْ يَمْنَعْ لِلِاقْتِدارِ وخُلُوصِ الدّاعِي؛ وأمّا أفْعالُ عِبادِهِ، فَإمّا أنْ يُرِيدَها وهم مُخْتارُونَ لَها ومُضْطَرُّونَ إلَيْها بِقَسْرِهِ وإلْجائِهِ، فَإنْ أرادَها وقَدَّرَها فَحُكْمُها حُكْمُ أفْعالِهِ، وإنْ أرادَها عَلى أنْ يَخْتارُوها وهو عالِمٌ أنَّهم لا يَخْتارُونَها لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ في اقْتِدارِهِ، كَما لا يَقْدَحُ في اقْتِدارِكَ إرادَتُكَ أنْ يَخْتارَ عَبْدُكَ طاعَتَكَ، وهو لا يَخْتارُها؛ لِأنَّ اخْتِيارَهُ لا يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتِكَ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ دالًّا عَلى عَجْزِكَ. انْتَهى، وهو عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ أهْلُ السُّنَّةِ، وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الكَلامِ.
﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ، إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا.
﴿ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ لِلِاسْتِبْعادِ، والمَعْنى: أنَّ الإعْراضَ عَنْ مِثْلِ آياتِ اللَّهِ في وُضُوحِها وإنارَتِها وإرْشادِها إلى سَواءِ السَّبِيلِ، والفَوْزَ بِالسَّعادَةِ العُظْمى بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِها مُسْتَبْعَدٌ في العَقْلِ؛ والعادَةِ، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: وجَدْتَ مِثْلَ تِلْكَ الفُرْصَةِ، ثُمَّ لَمْ تَنْتَهِزْها اسْتِبْعادًا لِتَرْكِهِ الِانْتِهازَ، ومِنهُ ”ثُمَّ“ في بَيْتِ الشّاعِرِ:
؎ولا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ ∗∗∗ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
اسْتَبْعَدَ أنْ يَزُورَ غَمَراتِ المَوْتِ بَعْدَ أنْ رَآها واسْتَيْقَنَها واطَّلَعَ عَلى شِدَّتِها. انْتَهى. (مِنَ المُجْرِمِينَ) عامٌّ في كُلِّ مَن أجْرَمَ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ بِجِهَةِ الأوْلَوِيَّةِ مَن كانَ أظْلَمَ ظالِمٍ؛ والإجْرامُ هُنا: هو: الكُفْرُ. وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُفَيْعٍ: هي في أهْلِ القَدَرِ، وقَرَأ: (إنَّ المُجْرِمِينَ) إلى قَوْلِهِ: (بِقَدَرٍ) . وفي الحَدِيثِ: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَقَدْ أجْرَمَ: مَن عَقَدَ لِواءً في غَيْرِ حَقٍّ، ومَن عَقَّ والِدَيْهِ، ومَن نَصَرَ ظالِمًا» .
السجدة 32:23
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ .
لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ: الرِّسالَةَ، وبَدْءَ الخَلْقِ، والمَعادَ، عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ، وهو الرِّسالَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِدْعًا في الرِّسالَةِ، إذْ قَدْ سَبَقَ قَبْلَكَ رُسُلٌ. وذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِقُرْبِ (p-٢٠٥)زَمانِهِ، وإلْزامًا لِمَن كانَ عَلى دِينِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ عِيسى؛ لِأنَّ مُعْظَمَ شَرِيعَتِهِ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأنَّ أتْباعَ مُوسى لا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأتْباعَ عِيسى مُتَّفِقُونَ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى.
و(الكِتابَ) التَّوْراةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”في مُرْيَةٍ“، بِضَمِّ المِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى مُوسى، مُضافًا إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ: مِن لِقائِكَ مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، أيْ: شاهَدْتَهُ حَقِيقَةً، وهو النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي أُوتِيَ التَّوْراةَ، وقَدْ وصَفَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: «آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ حِينَ رَآهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ»، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. وقالَ المُبَرِّدُ: حِينَ امْتُحِنَ الزَّجّاجُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ، فَإمّا مُضافٌ إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مِن لِقاءِ الكِتابِ مُوسى ووُصُولِهِ إلَيْهِ، وإمّا بِالعَكْسِ، أيْ: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابِ وتَلَقِّيهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ عَلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ، أيْ: مِن لِقاءِ مِثْلِهِ، أيْ: إنّا آتَيْناكَ مِثْلَ ما آتَيْنا مُوسى، ولَقَّنّاكَ بِمِثْلِ ما لُقِّنَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لُقِّنْتَ مِثْلَهُ ولَقِيتَ نَظِيرَهُ، ونَحْوُهُ مِن لِقائِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] . وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ الَّتِي لَقِيَ مُوسى، وذَلِكَ أنَّ إخْبارَهُ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرِ أنَّكَ تُلَقّى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالنّاسِ. انْتَهى، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ. وأبْعَدُ مِن هَذا، مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى الآخِرَةِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: (ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ) .
﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ أيْ: مِن لِقاءِ البَعْثِ، وهَذِهِ أنْقالٌ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ كِتابُنا عَنْ نَقْلِها، ولَكِنْ نَقَلَها المُفَسِّرُونَ، فاتَّبَعْناهم. والضَّمِيرُ في (وجَعَلْناهُ) لِمُوسى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: لِلْكِتابِ، جَعَلَهُ هادِيًا مِنَ الضَّلالَةِ؛ وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما فِيها ولَدَ إسْماعِيلَ.
﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ (أئِمَّةً) قادَةً يُقْتَدى بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ وشَدِّ المِيمِ. وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ: بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. (وكانُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (صَبَرُوا) فَيَكُونَ داخِلًا في التَّعْلِيقِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أيْضًا: ”بِما صَبَرُوا“، بِباءِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في ”مِنهم“ ظاهِرُهُ يَعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. والفَصْلُ يَوْمَ القِيامَةِ يَعُمُّ الخَلْقَ كُلَّهم.
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ إعْرابًا وقِراءَةً وتَفْسِيرًا في طه، إلّا أنَّ هُنا: (مِن قَبْلِهِمْ) والقَوْمُ (يَسْمَعُونَ) وهُناكَ: (قَبْلَهم) و(لِأُولِي النُّهى) . ويَسْمَعُونَ، والنُّهى مِنَ الفَواصِلِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُهْلِكُوا، ثُمَّ أقامَها عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ قُدْرَتِهِ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى البَعْثِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الجُرُزِ﴾ في الكَهْفِ، وكُلُّ أرْضٍ جُرُزٍ داخِلَةٌ في هَذا، فَلا تَخْصِيصَ لَها بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أرْضُ أبْيَنَ مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تُشْرَبُ بِسُيُولٍ لا تُمْطَرُ. وقُرِئَ: ”الجُرْزِ“، بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ أيْ: بِالماءِ، وخَصَّ الزَّرْعَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الفَواكِهِ والبُقُولِ والعُشْبِ المُنْتَفَعِ بِهِ في الطِّبِّ وغَيْرِهِ، تَشْرِيفًا لِلزَّرْعِ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، وأوْقَعَ الزَّرْعَ مَوْقِعَ النَّباتِ. وقُدِّمَتِ الأنْعامُ؛ لِأنَّ ما يَنْبُتُ يَأْكُلُهُ الأنْعامُ أوَّلَ فَأوَّلَ، مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ الحَبَّ. ألا تَرى أنَّ القَصِيلَ، وهو شَعِيرٌ يُزْرَعُ، تَأْكُلُهُ الأنْعامُ قَبْلَ أنْ يُسْبِلَ؛ والبِرْسِيمُ والفِصْفِصَةُ وأمْثالُ ذَلِكَ تُبادِرُهُ الأنْعامُ بِالأكْلِ قَبْلَ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ حَبَّ الزَّرْعِ، أوْ لِأنَّهُ غِذاءُ الدَّوابِّ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، أوْ بَدَأ بِالأدْنى ثُمَّ تَرَقّى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ: يَأْكُلُ، بِالياءِ مِن أسْفَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبْصِرُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: بِتاءِ الخِطابِ. وجاءَتِ الفاصِلَةُ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (p-٢٠٦)لِأنَّ ما سَبَقَ مَرْئِيٌّ، وفي الآيَةِ قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، فَناسَبَ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكَفَرَةِ، بِاسْتِعْجالِ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهُزْءِ والتَّكْذِيبِ. و(الفَتْحُ) الحُكْمُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إلَخْ، ويَضْعُفُ قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: فَتْحُ مَكَّةَ، لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، إيمانُهُ يَنْفَعُهُ، وكَذا قَوْلُ مَن قالَ: يَوْمُ بَدْرٍ. (ولا هم يُنْظَرُونَ) أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذابِ. ولَمّا عَرَفَ غَرَضَهم في سُؤالِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، وقِيلَ لَهم: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنْ قَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ وآمَنتُمْ، فَلَمْ يَنْفَعْكُمُ الإيمانُ، واسْتَنْظَرْتُمْ في حُلُولِ العَذابِ، فَلَمْ تُنْظَرُوا، فَـ: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ: (لا يَنْفَعُ) . ثُمَّ أمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ.
﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ لِلْغَلَبَةِ عَلَيْكم لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] وقِيلَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ العَذابَ، أيْ: هَذا حُكْمُهم، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: ”مُنْتَظَرُونَ“، بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمَ مَفْعُولٍ؛ والجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، اسْمَ فاعِلٍ، أيْ: مُنْتَظِرٌ هَلاكَهم، فَإنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهم، يَعْنِي: إنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، أوْ: وانْتَظِرْ ذَلِكَ، فَإنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ يَنْتَظِرُونَهُ.
السجدة 32:24
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ .
لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ: الرِّسالَةَ، وبَدْءَ الخَلْقِ، والمَعادَ، عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ، وهو الرِّسالَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِدْعًا في الرِّسالَةِ، إذْ قَدْ سَبَقَ قَبْلَكَ رُسُلٌ. وذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِقُرْبِ (p-٢٠٥)زَمانِهِ، وإلْزامًا لِمَن كانَ عَلى دِينِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ عِيسى؛ لِأنَّ مُعْظَمَ شَرِيعَتِهِ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأنَّ أتْباعَ مُوسى لا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأتْباعَ عِيسى مُتَّفِقُونَ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى.
و(الكِتابَ) التَّوْراةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”في مُرْيَةٍ“، بِضَمِّ المِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى مُوسى، مُضافًا إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ: مِن لِقائِكَ مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، أيْ: شاهَدْتَهُ حَقِيقَةً، وهو النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي أُوتِيَ التَّوْراةَ، وقَدْ وصَفَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: «آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ حِينَ رَآهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ»، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. وقالَ المُبَرِّدُ: حِينَ امْتُحِنَ الزَّجّاجُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ، فَإمّا مُضافٌ إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مِن لِقاءِ الكِتابِ مُوسى ووُصُولِهِ إلَيْهِ، وإمّا بِالعَكْسِ، أيْ: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابِ وتَلَقِّيهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ عَلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ، أيْ: مِن لِقاءِ مِثْلِهِ، أيْ: إنّا آتَيْناكَ مِثْلَ ما آتَيْنا مُوسى، ولَقَّنّاكَ بِمِثْلِ ما لُقِّنَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لُقِّنْتَ مِثْلَهُ ولَقِيتَ نَظِيرَهُ، ونَحْوُهُ مِن لِقائِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] . وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ الَّتِي لَقِيَ مُوسى، وذَلِكَ أنَّ إخْبارَهُ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرِ أنَّكَ تُلَقّى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالنّاسِ. انْتَهى، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ. وأبْعَدُ مِن هَذا، مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى الآخِرَةِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: (ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ) .
﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ أيْ: مِن لِقاءِ البَعْثِ، وهَذِهِ أنْقالٌ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ كِتابُنا عَنْ نَقْلِها، ولَكِنْ نَقَلَها المُفَسِّرُونَ، فاتَّبَعْناهم. والضَّمِيرُ في (وجَعَلْناهُ) لِمُوسى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: لِلْكِتابِ، جَعَلَهُ هادِيًا مِنَ الضَّلالَةِ؛ وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما فِيها ولَدَ إسْماعِيلَ.
﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ (أئِمَّةً) قادَةً يُقْتَدى بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ وشَدِّ المِيمِ. وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ: بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. (وكانُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (صَبَرُوا) فَيَكُونَ داخِلًا في التَّعْلِيقِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أيْضًا: ”بِما صَبَرُوا“، بِباءِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في ”مِنهم“ ظاهِرُهُ يَعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. والفَصْلُ يَوْمَ القِيامَةِ يَعُمُّ الخَلْقَ كُلَّهم.
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ إعْرابًا وقِراءَةً وتَفْسِيرًا في طه، إلّا أنَّ هُنا: (مِن قَبْلِهِمْ) والقَوْمُ (يَسْمَعُونَ) وهُناكَ: (قَبْلَهم) و(لِأُولِي النُّهى) . ويَسْمَعُونَ، والنُّهى مِنَ الفَواصِلِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُهْلِكُوا، ثُمَّ أقامَها عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ قُدْرَتِهِ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى البَعْثِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الجُرُزِ﴾ في الكَهْفِ، وكُلُّ أرْضٍ جُرُزٍ داخِلَةٌ في هَذا، فَلا تَخْصِيصَ لَها بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أرْضُ أبْيَنَ مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تُشْرَبُ بِسُيُولٍ لا تُمْطَرُ. وقُرِئَ: ”الجُرْزِ“، بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ أيْ: بِالماءِ، وخَصَّ الزَّرْعَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الفَواكِهِ والبُقُولِ والعُشْبِ المُنْتَفَعِ بِهِ في الطِّبِّ وغَيْرِهِ، تَشْرِيفًا لِلزَّرْعِ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، وأوْقَعَ الزَّرْعَ مَوْقِعَ النَّباتِ. وقُدِّمَتِ الأنْعامُ؛ لِأنَّ ما يَنْبُتُ يَأْكُلُهُ الأنْعامُ أوَّلَ فَأوَّلَ، مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ الحَبَّ. ألا تَرى أنَّ القَصِيلَ، وهو شَعِيرٌ يُزْرَعُ، تَأْكُلُهُ الأنْعامُ قَبْلَ أنْ يُسْبِلَ؛ والبِرْسِيمُ والفِصْفِصَةُ وأمْثالُ ذَلِكَ تُبادِرُهُ الأنْعامُ بِالأكْلِ قَبْلَ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ حَبَّ الزَّرْعِ، أوْ لِأنَّهُ غِذاءُ الدَّوابِّ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، أوْ بَدَأ بِالأدْنى ثُمَّ تَرَقّى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ: يَأْكُلُ، بِالياءِ مِن أسْفَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبْصِرُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: بِتاءِ الخِطابِ. وجاءَتِ الفاصِلَةُ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (p-٢٠٦)لِأنَّ ما سَبَقَ مَرْئِيٌّ، وفي الآيَةِ قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، فَناسَبَ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكَفَرَةِ، بِاسْتِعْجالِ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهُزْءِ والتَّكْذِيبِ. و(الفَتْحُ) الحُكْمُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إلَخْ، ويَضْعُفُ قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: فَتْحُ مَكَّةَ، لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، إيمانُهُ يَنْفَعُهُ، وكَذا قَوْلُ مَن قالَ: يَوْمُ بَدْرٍ. (ولا هم يُنْظَرُونَ) أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذابِ. ولَمّا عَرَفَ غَرَضَهم في سُؤالِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، وقِيلَ لَهم: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنْ قَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ وآمَنتُمْ، فَلَمْ يَنْفَعْكُمُ الإيمانُ، واسْتَنْظَرْتُمْ في حُلُولِ العَذابِ، فَلَمْ تُنْظَرُوا، فَـ: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ: (لا يَنْفَعُ) . ثُمَّ أمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ.
﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ لِلْغَلَبَةِ عَلَيْكم لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] وقِيلَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ العَذابَ، أيْ: هَذا حُكْمُهم، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: ”مُنْتَظَرُونَ“، بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمَ مَفْعُولٍ؛ والجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، اسْمَ فاعِلٍ، أيْ: مُنْتَظِرٌ هَلاكَهم، فَإنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهم، يَعْنِي: إنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، أوْ: وانْتَظِرْ ذَلِكَ، فَإنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ يَنْتَظِرُونَهُ.
السجدة 32:25
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ .
لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ: الرِّسالَةَ، وبَدْءَ الخَلْقِ، والمَعادَ، عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ، وهو الرِّسالَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِدْعًا في الرِّسالَةِ، إذْ قَدْ سَبَقَ قَبْلَكَ رُسُلٌ. وذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِقُرْبِ (p-٢٠٥)زَمانِهِ، وإلْزامًا لِمَن كانَ عَلى دِينِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ عِيسى؛ لِأنَّ مُعْظَمَ شَرِيعَتِهِ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأنَّ أتْباعَ مُوسى لا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأتْباعَ عِيسى مُتَّفِقُونَ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى.
و(الكِتابَ) التَّوْراةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”في مُرْيَةٍ“، بِضَمِّ المِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى مُوسى، مُضافًا إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ: مِن لِقائِكَ مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، أيْ: شاهَدْتَهُ حَقِيقَةً، وهو النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي أُوتِيَ التَّوْراةَ، وقَدْ وصَفَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: «آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ حِينَ رَآهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ»، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. وقالَ المُبَرِّدُ: حِينَ امْتُحِنَ الزَّجّاجُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ، فَإمّا مُضافٌ إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مِن لِقاءِ الكِتابِ مُوسى ووُصُولِهِ إلَيْهِ، وإمّا بِالعَكْسِ، أيْ: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابِ وتَلَقِّيهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ عَلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ، أيْ: مِن لِقاءِ مِثْلِهِ، أيْ: إنّا آتَيْناكَ مِثْلَ ما آتَيْنا مُوسى، ولَقَّنّاكَ بِمِثْلِ ما لُقِّنَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لُقِّنْتَ مِثْلَهُ ولَقِيتَ نَظِيرَهُ، ونَحْوُهُ مِن لِقائِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] . وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ الَّتِي لَقِيَ مُوسى، وذَلِكَ أنَّ إخْبارَهُ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرِ أنَّكَ تُلَقّى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالنّاسِ. انْتَهى، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ. وأبْعَدُ مِن هَذا، مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى الآخِرَةِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: (ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ) .
﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ أيْ: مِن لِقاءِ البَعْثِ، وهَذِهِ أنْقالٌ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ كِتابُنا عَنْ نَقْلِها، ولَكِنْ نَقَلَها المُفَسِّرُونَ، فاتَّبَعْناهم. والضَّمِيرُ في (وجَعَلْناهُ) لِمُوسى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: لِلْكِتابِ، جَعَلَهُ هادِيًا مِنَ الضَّلالَةِ؛ وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما فِيها ولَدَ إسْماعِيلَ.
﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ (أئِمَّةً) قادَةً يُقْتَدى بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ وشَدِّ المِيمِ. وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ: بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. (وكانُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (صَبَرُوا) فَيَكُونَ داخِلًا في التَّعْلِيقِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أيْضًا: ”بِما صَبَرُوا“، بِباءِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في ”مِنهم“ ظاهِرُهُ يَعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. والفَصْلُ يَوْمَ القِيامَةِ يَعُمُّ الخَلْقَ كُلَّهم.
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ إعْرابًا وقِراءَةً وتَفْسِيرًا في طه، إلّا أنَّ هُنا: (مِن قَبْلِهِمْ) والقَوْمُ (يَسْمَعُونَ) وهُناكَ: (قَبْلَهم) و(لِأُولِي النُّهى) . ويَسْمَعُونَ، والنُّهى مِنَ الفَواصِلِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُهْلِكُوا، ثُمَّ أقامَها عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ قُدْرَتِهِ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى البَعْثِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الجُرُزِ﴾ في الكَهْفِ، وكُلُّ أرْضٍ جُرُزٍ داخِلَةٌ في هَذا، فَلا تَخْصِيصَ لَها بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أرْضُ أبْيَنَ مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تُشْرَبُ بِسُيُولٍ لا تُمْطَرُ. وقُرِئَ: ”الجُرْزِ“، بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ أيْ: بِالماءِ، وخَصَّ الزَّرْعَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الفَواكِهِ والبُقُولِ والعُشْبِ المُنْتَفَعِ بِهِ في الطِّبِّ وغَيْرِهِ، تَشْرِيفًا لِلزَّرْعِ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، وأوْقَعَ الزَّرْعَ مَوْقِعَ النَّباتِ. وقُدِّمَتِ الأنْعامُ؛ لِأنَّ ما يَنْبُتُ يَأْكُلُهُ الأنْعامُ أوَّلَ فَأوَّلَ، مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ الحَبَّ. ألا تَرى أنَّ القَصِيلَ، وهو شَعِيرٌ يُزْرَعُ، تَأْكُلُهُ الأنْعامُ قَبْلَ أنْ يُسْبِلَ؛ والبِرْسِيمُ والفِصْفِصَةُ وأمْثالُ ذَلِكَ تُبادِرُهُ الأنْعامُ بِالأكْلِ قَبْلَ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ حَبَّ الزَّرْعِ، أوْ لِأنَّهُ غِذاءُ الدَّوابِّ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، أوْ بَدَأ بِالأدْنى ثُمَّ تَرَقّى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ: يَأْكُلُ، بِالياءِ مِن أسْفَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبْصِرُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: بِتاءِ الخِطابِ. وجاءَتِ الفاصِلَةُ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (p-٢٠٦)لِأنَّ ما سَبَقَ مَرْئِيٌّ، وفي الآيَةِ قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، فَناسَبَ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكَفَرَةِ، بِاسْتِعْجالِ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهُزْءِ والتَّكْذِيبِ. و(الفَتْحُ) الحُكْمُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إلَخْ، ويَضْعُفُ قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: فَتْحُ مَكَّةَ، لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، إيمانُهُ يَنْفَعُهُ، وكَذا قَوْلُ مَن قالَ: يَوْمُ بَدْرٍ. (ولا هم يُنْظَرُونَ) أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذابِ. ولَمّا عَرَفَ غَرَضَهم في سُؤالِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، وقِيلَ لَهم: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنْ قَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ وآمَنتُمْ، فَلَمْ يَنْفَعْكُمُ الإيمانُ، واسْتَنْظَرْتُمْ في حُلُولِ العَذابِ، فَلَمْ تُنْظَرُوا، فَـ: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ: (لا يَنْفَعُ) . ثُمَّ أمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ.
﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ لِلْغَلَبَةِ عَلَيْكم لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] وقِيلَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ العَذابَ، أيْ: هَذا حُكْمُهم، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: ”مُنْتَظَرُونَ“، بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمَ مَفْعُولٍ؛ والجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، اسْمَ فاعِلٍ، أيْ: مُنْتَظِرٌ هَلاكَهم، فَإنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهم، يَعْنِي: إنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، أوْ: وانْتَظِرْ ذَلِكَ، فَإنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ يَنْتَظِرُونَهُ.
السجدة 32:26
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ .
لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ: الرِّسالَةَ، وبَدْءَ الخَلْقِ، والمَعادَ، عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ، وهو الرِّسالَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِدْعًا في الرِّسالَةِ، إذْ قَدْ سَبَقَ قَبْلَكَ رُسُلٌ. وذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِقُرْبِ (p-٢٠٥)زَمانِهِ، وإلْزامًا لِمَن كانَ عَلى دِينِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ عِيسى؛ لِأنَّ مُعْظَمَ شَرِيعَتِهِ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأنَّ أتْباعَ مُوسى لا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأتْباعَ عِيسى مُتَّفِقُونَ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى.
و(الكِتابَ) التَّوْراةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”في مُرْيَةٍ“، بِضَمِّ المِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى مُوسى، مُضافًا إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ: مِن لِقائِكَ مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، أيْ: شاهَدْتَهُ حَقِيقَةً، وهو النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي أُوتِيَ التَّوْراةَ، وقَدْ وصَفَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: «آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ حِينَ رَآهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ»، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. وقالَ المُبَرِّدُ: حِينَ امْتُحِنَ الزَّجّاجُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ، فَإمّا مُضافٌ إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مِن لِقاءِ الكِتابِ مُوسى ووُصُولِهِ إلَيْهِ، وإمّا بِالعَكْسِ، أيْ: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابِ وتَلَقِّيهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ عَلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ، أيْ: مِن لِقاءِ مِثْلِهِ، أيْ: إنّا آتَيْناكَ مِثْلَ ما آتَيْنا مُوسى، ولَقَّنّاكَ بِمِثْلِ ما لُقِّنَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لُقِّنْتَ مِثْلَهُ ولَقِيتَ نَظِيرَهُ، ونَحْوُهُ مِن لِقائِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] . وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ الَّتِي لَقِيَ مُوسى، وذَلِكَ أنَّ إخْبارَهُ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرِ أنَّكَ تُلَقّى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالنّاسِ. انْتَهى، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ. وأبْعَدُ مِن هَذا، مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى الآخِرَةِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: (ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ) .
﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ أيْ: مِن لِقاءِ البَعْثِ، وهَذِهِ أنْقالٌ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ كِتابُنا عَنْ نَقْلِها، ولَكِنْ نَقَلَها المُفَسِّرُونَ، فاتَّبَعْناهم. والضَّمِيرُ في (وجَعَلْناهُ) لِمُوسى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: لِلْكِتابِ، جَعَلَهُ هادِيًا مِنَ الضَّلالَةِ؛ وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما فِيها ولَدَ إسْماعِيلَ.
﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ (أئِمَّةً) قادَةً يُقْتَدى بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ وشَدِّ المِيمِ. وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ: بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. (وكانُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (صَبَرُوا) فَيَكُونَ داخِلًا في التَّعْلِيقِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أيْضًا: ”بِما صَبَرُوا“، بِباءِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في ”مِنهم“ ظاهِرُهُ يَعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. والفَصْلُ يَوْمَ القِيامَةِ يَعُمُّ الخَلْقَ كُلَّهم.
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ إعْرابًا وقِراءَةً وتَفْسِيرًا في طه، إلّا أنَّ هُنا: (مِن قَبْلِهِمْ) والقَوْمُ (يَسْمَعُونَ) وهُناكَ: (قَبْلَهم) و(لِأُولِي النُّهى) . ويَسْمَعُونَ، والنُّهى مِنَ الفَواصِلِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُهْلِكُوا، ثُمَّ أقامَها عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ قُدْرَتِهِ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى البَعْثِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الجُرُزِ﴾ في الكَهْفِ، وكُلُّ أرْضٍ جُرُزٍ داخِلَةٌ في هَذا، فَلا تَخْصِيصَ لَها بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أرْضُ أبْيَنَ مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تُشْرَبُ بِسُيُولٍ لا تُمْطَرُ. وقُرِئَ: ”الجُرْزِ“، بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ أيْ: بِالماءِ، وخَصَّ الزَّرْعَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الفَواكِهِ والبُقُولِ والعُشْبِ المُنْتَفَعِ بِهِ في الطِّبِّ وغَيْرِهِ، تَشْرِيفًا لِلزَّرْعِ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، وأوْقَعَ الزَّرْعَ مَوْقِعَ النَّباتِ. وقُدِّمَتِ الأنْعامُ؛ لِأنَّ ما يَنْبُتُ يَأْكُلُهُ الأنْعامُ أوَّلَ فَأوَّلَ، مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ الحَبَّ. ألا تَرى أنَّ القَصِيلَ، وهو شَعِيرٌ يُزْرَعُ، تَأْكُلُهُ الأنْعامُ قَبْلَ أنْ يُسْبِلَ؛ والبِرْسِيمُ والفِصْفِصَةُ وأمْثالُ ذَلِكَ تُبادِرُهُ الأنْعامُ بِالأكْلِ قَبْلَ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ حَبَّ الزَّرْعِ، أوْ لِأنَّهُ غِذاءُ الدَّوابِّ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، أوْ بَدَأ بِالأدْنى ثُمَّ تَرَقّى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ: يَأْكُلُ، بِالياءِ مِن أسْفَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبْصِرُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: بِتاءِ الخِطابِ. وجاءَتِ الفاصِلَةُ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (p-٢٠٦)لِأنَّ ما سَبَقَ مَرْئِيٌّ، وفي الآيَةِ قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، فَناسَبَ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكَفَرَةِ، بِاسْتِعْجالِ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهُزْءِ والتَّكْذِيبِ. و(الفَتْحُ) الحُكْمُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إلَخْ، ويَضْعُفُ قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: فَتْحُ مَكَّةَ، لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، إيمانُهُ يَنْفَعُهُ، وكَذا قَوْلُ مَن قالَ: يَوْمُ بَدْرٍ. (ولا هم يُنْظَرُونَ) أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذابِ. ولَمّا عَرَفَ غَرَضَهم في سُؤالِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، وقِيلَ لَهم: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنْ قَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ وآمَنتُمْ، فَلَمْ يَنْفَعْكُمُ الإيمانُ، واسْتَنْظَرْتُمْ في حُلُولِ العَذابِ، فَلَمْ تُنْظَرُوا، فَـ: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ: (لا يَنْفَعُ) . ثُمَّ أمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ.
﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ لِلْغَلَبَةِ عَلَيْكم لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] وقِيلَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ العَذابَ، أيْ: هَذا حُكْمُهم، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: ”مُنْتَظَرُونَ“، بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمَ مَفْعُولٍ؛ والجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، اسْمَ فاعِلٍ، أيْ: مُنْتَظِرٌ هَلاكَهم، فَإنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهم، يَعْنِي: إنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، أوْ: وانْتَظِرْ ذَلِكَ، فَإنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ يَنْتَظِرُونَهُ.
السجدة 32:27
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ .
لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ: الرِّسالَةَ، وبَدْءَ الخَلْقِ، والمَعادَ، عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ، وهو الرِّسالَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِدْعًا في الرِّسالَةِ، إذْ قَدْ سَبَقَ قَبْلَكَ رُسُلٌ. وذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِقُرْبِ (p-٢٠٥)زَمانِهِ، وإلْزامًا لِمَن كانَ عَلى دِينِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ عِيسى؛ لِأنَّ مُعْظَمَ شَرِيعَتِهِ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأنَّ أتْباعَ مُوسى لا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأتْباعَ عِيسى مُتَّفِقُونَ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى.
و(الكِتابَ) التَّوْراةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”في مُرْيَةٍ“، بِضَمِّ المِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى مُوسى، مُضافًا إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ: مِن لِقائِكَ مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، أيْ: شاهَدْتَهُ حَقِيقَةً، وهو النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي أُوتِيَ التَّوْراةَ، وقَدْ وصَفَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: «آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ حِينَ رَآهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ»، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. وقالَ المُبَرِّدُ: حِينَ امْتُحِنَ الزَّجّاجُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ، فَإمّا مُضافٌ إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مِن لِقاءِ الكِتابِ مُوسى ووُصُولِهِ إلَيْهِ، وإمّا بِالعَكْسِ، أيْ: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابِ وتَلَقِّيهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ عَلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ، أيْ: مِن لِقاءِ مِثْلِهِ، أيْ: إنّا آتَيْناكَ مِثْلَ ما آتَيْنا مُوسى، ولَقَّنّاكَ بِمِثْلِ ما لُقِّنَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لُقِّنْتَ مِثْلَهُ ولَقِيتَ نَظِيرَهُ، ونَحْوُهُ مِن لِقائِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] . وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ الَّتِي لَقِيَ مُوسى، وذَلِكَ أنَّ إخْبارَهُ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرِ أنَّكَ تُلَقّى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالنّاسِ. انْتَهى، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ. وأبْعَدُ مِن هَذا، مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى الآخِرَةِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: (ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ) .
﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ أيْ: مِن لِقاءِ البَعْثِ، وهَذِهِ أنْقالٌ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ كِتابُنا عَنْ نَقْلِها، ولَكِنْ نَقَلَها المُفَسِّرُونَ، فاتَّبَعْناهم. والضَّمِيرُ في (وجَعَلْناهُ) لِمُوسى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: لِلْكِتابِ، جَعَلَهُ هادِيًا مِنَ الضَّلالَةِ؛ وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما فِيها ولَدَ إسْماعِيلَ.
﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ (أئِمَّةً) قادَةً يُقْتَدى بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ وشَدِّ المِيمِ. وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ: بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. (وكانُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (صَبَرُوا) فَيَكُونَ داخِلًا في التَّعْلِيقِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أيْضًا: ”بِما صَبَرُوا“، بِباءِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في ”مِنهم“ ظاهِرُهُ يَعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. والفَصْلُ يَوْمَ القِيامَةِ يَعُمُّ الخَلْقَ كُلَّهم.
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ إعْرابًا وقِراءَةً وتَفْسِيرًا في طه، إلّا أنَّ هُنا: (مِن قَبْلِهِمْ) والقَوْمُ (يَسْمَعُونَ) وهُناكَ: (قَبْلَهم) و(لِأُولِي النُّهى) . ويَسْمَعُونَ، والنُّهى مِنَ الفَواصِلِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُهْلِكُوا، ثُمَّ أقامَها عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ قُدْرَتِهِ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى البَعْثِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الجُرُزِ﴾ في الكَهْفِ، وكُلُّ أرْضٍ جُرُزٍ داخِلَةٌ في هَذا، فَلا تَخْصِيصَ لَها بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أرْضُ أبْيَنَ مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تُشْرَبُ بِسُيُولٍ لا تُمْطَرُ. وقُرِئَ: ”الجُرْزِ“، بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ أيْ: بِالماءِ، وخَصَّ الزَّرْعَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الفَواكِهِ والبُقُولِ والعُشْبِ المُنْتَفَعِ بِهِ في الطِّبِّ وغَيْرِهِ، تَشْرِيفًا لِلزَّرْعِ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، وأوْقَعَ الزَّرْعَ مَوْقِعَ النَّباتِ. وقُدِّمَتِ الأنْعامُ؛ لِأنَّ ما يَنْبُتُ يَأْكُلُهُ الأنْعامُ أوَّلَ فَأوَّلَ، مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ الحَبَّ. ألا تَرى أنَّ القَصِيلَ، وهو شَعِيرٌ يُزْرَعُ، تَأْكُلُهُ الأنْعامُ قَبْلَ أنْ يُسْبِلَ؛ والبِرْسِيمُ والفِصْفِصَةُ وأمْثالُ ذَلِكَ تُبادِرُهُ الأنْعامُ بِالأكْلِ قَبْلَ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ حَبَّ الزَّرْعِ، أوْ لِأنَّهُ غِذاءُ الدَّوابِّ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، أوْ بَدَأ بِالأدْنى ثُمَّ تَرَقّى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ: يَأْكُلُ، بِالياءِ مِن أسْفَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبْصِرُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: بِتاءِ الخِطابِ. وجاءَتِ الفاصِلَةُ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (p-٢٠٦)لِأنَّ ما سَبَقَ مَرْئِيٌّ، وفي الآيَةِ قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، فَناسَبَ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكَفَرَةِ، بِاسْتِعْجالِ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهُزْءِ والتَّكْذِيبِ. و(الفَتْحُ) الحُكْمُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إلَخْ، ويَضْعُفُ قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: فَتْحُ مَكَّةَ، لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، إيمانُهُ يَنْفَعُهُ، وكَذا قَوْلُ مَن قالَ: يَوْمُ بَدْرٍ. (ولا هم يُنْظَرُونَ) أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذابِ. ولَمّا عَرَفَ غَرَضَهم في سُؤالِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، وقِيلَ لَهم: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنْ قَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ وآمَنتُمْ، فَلَمْ يَنْفَعْكُمُ الإيمانُ، واسْتَنْظَرْتُمْ في حُلُولِ العَذابِ، فَلَمْ تُنْظَرُوا، فَـ: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ: (لا يَنْفَعُ) . ثُمَّ أمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ.
﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ لِلْغَلَبَةِ عَلَيْكم لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] وقِيلَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ العَذابَ، أيْ: هَذا حُكْمُهم، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: ”مُنْتَظَرُونَ“، بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمَ مَفْعُولٍ؛ والجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، اسْمَ فاعِلٍ، أيْ: مُنْتَظِرٌ هَلاكَهم، فَإنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهم، يَعْنِي: إنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، أوْ: وانْتَظِرْ ذَلِكَ، فَإنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ يَنْتَظِرُونَهُ.
السجدة 32:28
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ .
لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ: الرِّسالَةَ، وبَدْءَ الخَلْقِ، والمَعادَ، عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ، وهو الرِّسالَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِدْعًا في الرِّسالَةِ، إذْ قَدْ سَبَقَ قَبْلَكَ رُسُلٌ. وذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِقُرْبِ (p-٢٠٥)زَمانِهِ، وإلْزامًا لِمَن كانَ عَلى دِينِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ عِيسى؛ لِأنَّ مُعْظَمَ شَرِيعَتِهِ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأنَّ أتْباعَ مُوسى لا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأتْباعَ عِيسى مُتَّفِقُونَ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى.
و(الكِتابَ) التَّوْراةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”في مُرْيَةٍ“، بِضَمِّ المِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى مُوسى، مُضافًا إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ: مِن لِقائِكَ مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، أيْ: شاهَدْتَهُ حَقِيقَةً، وهو النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي أُوتِيَ التَّوْراةَ، وقَدْ وصَفَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: «آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ حِينَ رَآهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ»، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. وقالَ المُبَرِّدُ: حِينَ امْتُحِنَ الزَّجّاجُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ، فَإمّا مُضافٌ إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مِن لِقاءِ الكِتابِ مُوسى ووُصُولِهِ إلَيْهِ، وإمّا بِالعَكْسِ، أيْ: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابِ وتَلَقِّيهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ عَلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ، أيْ: مِن لِقاءِ مِثْلِهِ، أيْ: إنّا آتَيْناكَ مِثْلَ ما آتَيْنا مُوسى، ولَقَّنّاكَ بِمِثْلِ ما لُقِّنَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لُقِّنْتَ مِثْلَهُ ولَقِيتَ نَظِيرَهُ، ونَحْوُهُ مِن لِقائِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] . وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ الَّتِي لَقِيَ مُوسى، وذَلِكَ أنَّ إخْبارَهُ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرِ أنَّكَ تُلَقّى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالنّاسِ. انْتَهى، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ. وأبْعَدُ مِن هَذا، مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى الآخِرَةِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: (ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ) .
﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ أيْ: مِن لِقاءِ البَعْثِ، وهَذِهِ أنْقالٌ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ كِتابُنا عَنْ نَقْلِها، ولَكِنْ نَقَلَها المُفَسِّرُونَ، فاتَّبَعْناهم. والضَّمِيرُ في (وجَعَلْناهُ) لِمُوسى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: لِلْكِتابِ، جَعَلَهُ هادِيًا مِنَ الضَّلالَةِ؛ وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما فِيها ولَدَ إسْماعِيلَ.
﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ (أئِمَّةً) قادَةً يُقْتَدى بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ وشَدِّ المِيمِ. وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ: بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. (وكانُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (صَبَرُوا) فَيَكُونَ داخِلًا في التَّعْلِيقِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أيْضًا: ”بِما صَبَرُوا“، بِباءِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في ”مِنهم“ ظاهِرُهُ يَعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. والفَصْلُ يَوْمَ القِيامَةِ يَعُمُّ الخَلْقَ كُلَّهم.
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ إعْرابًا وقِراءَةً وتَفْسِيرًا في طه، إلّا أنَّ هُنا: (مِن قَبْلِهِمْ) والقَوْمُ (يَسْمَعُونَ) وهُناكَ: (قَبْلَهم) و(لِأُولِي النُّهى) . ويَسْمَعُونَ، والنُّهى مِنَ الفَواصِلِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُهْلِكُوا، ثُمَّ أقامَها عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ قُدْرَتِهِ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى البَعْثِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الجُرُزِ﴾ في الكَهْفِ، وكُلُّ أرْضٍ جُرُزٍ داخِلَةٌ في هَذا، فَلا تَخْصِيصَ لَها بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أرْضُ أبْيَنَ مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تُشْرَبُ بِسُيُولٍ لا تُمْطَرُ. وقُرِئَ: ”الجُرْزِ“، بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ أيْ: بِالماءِ، وخَصَّ الزَّرْعَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الفَواكِهِ والبُقُولِ والعُشْبِ المُنْتَفَعِ بِهِ في الطِّبِّ وغَيْرِهِ، تَشْرِيفًا لِلزَّرْعِ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، وأوْقَعَ الزَّرْعَ مَوْقِعَ النَّباتِ. وقُدِّمَتِ الأنْعامُ؛ لِأنَّ ما يَنْبُتُ يَأْكُلُهُ الأنْعامُ أوَّلَ فَأوَّلَ، مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ الحَبَّ. ألا تَرى أنَّ القَصِيلَ، وهو شَعِيرٌ يُزْرَعُ، تَأْكُلُهُ الأنْعامُ قَبْلَ أنْ يُسْبِلَ؛ والبِرْسِيمُ والفِصْفِصَةُ وأمْثالُ ذَلِكَ تُبادِرُهُ الأنْعامُ بِالأكْلِ قَبْلَ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ حَبَّ الزَّرْعِ، أوْ لِأنَّهُ غِذاءُ الدَّوابِّ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، أوْ بَدَأ بِالأدْنى ثُمَّ تَرَقّى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ: يَأْكُلُ، بِالياءِ مِن أسْفَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبْصِرُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: بِتاءِ الخِطابِ. وجاءَتِ الفاصِلَةُ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (p-٢٠٦)لِأنَّ ما سَبَقَ مَرْئِيٌّ، وفي الآيَةِ قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، فَناسَبَ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكَفَرَةِ، بِاسْتِعْجالِ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهُزْءِ والتَّكْذِيبِ. و(الفَتْحُ) الحُكْمُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إلَخْ، ويَضْعُفُ قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: فَتْحُ مَكَّةَ، لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، إيمانُهُ يَنْفَعُهُ، وكَذا قَوْلُ مَن قالَ: يَوْمُ بَدْرٍ. (ولا هم يُنْظَرُونَ) أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذابِ. ولَمّا عَرَفَ غَرَضَهم في سُؤالِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، وقِيلَ لَهم: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنْ قَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ وآمَنتُمْ، فَلَمْ يَنْفَعْكُمُ الإيمانُ، واسْتَنْظَرْتُمْ في حُلُولِ العَذابِ، فَلَمْ تُنْظَرُوا، فَـ: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ: (لا يَنْفَعُ) . ثُمَّ أمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ.
﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ لِلْغَلَبَةِ عَلَيْكم لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] وقِيلَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ العَذابَ، أيْ: هَذا حُكْمُهم، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: ”مُنْتَظَرُونَ“، بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمَ مَفْعُولٍ؛ والجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، اسْمَ فاعِلٍ، أيْ: مُنْتَظِرٌ هَلاكَهم، فَإنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهم، يَعْنِي: إنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، أوْ: وانْتَظِرْ ذَلِكَ، فَإنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ يَنْتَظِرُونَهُ.
السجدة 32:29
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ .
لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ: الرِّسالَةَ، وبَدْءَ الخَلْقِ، والمَعادَ، عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ، وهو الرِّسالَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِدْعًا في الرِّسالَةِ، إذْ قَدْ سَبَقَ قَبْلَكَ رُسُلٌ. وذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِقُرْبِ (p-٢٠٥)زَمانِهِ، وإلْزامًا لِمَن كانَ عَلى دِينِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ عِيسى؛ لِأنَّ مُعْظَمَ شَرِيعَتِهِ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأنَّ أتْباعَ مُوسى لا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأتْباعَ عِيسى مُتَّفِقُونَ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى.
و(الكِتابَ) التَّوْراةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”في مُرْيَةٍ“، بِضَمِّ المِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى مُوسى، مُضافًا إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ: مِن لِقائِكَ مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، أيْ: شاهَدْتَهُ حَقِيقَةً، وهو النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي أُوتِيَ التَّوْراةَ، وقَدْ وصَفَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: «آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ حِينَ رَآهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ»، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. وقالَ المُبَرِّدُ: حِينَ امْتُحِنَ الزَّجّاجُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ، فَإمّا مُضافٌ إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مِن لِقاءِ الكِتابِ مُوسى ووُصُولِهِ إلَيْهِ، وإمّا بِالعَكْسِ، أيْ: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابِ وتَلَقِّيهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ عَلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ، أيْ: مِن لِقاءِ مِثْلِهِ، أيْ: إنّا آتَيْناكَ مِثْلَ ما آتَيْنا مُوسى، ولَقَّنّاكَ بِمِثْلِ ما لُقِّنَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لُقِّنْتَ مِثْلَهُ ولَقِيتَ نَظِيرَهُ، ونَحْوُهُ مِن لِقائِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] . وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ الَّتِي لَقِيَ مُوسى، وذَلِكَ أنَّ إخْبارَهُ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرِ أنَّكَ تُلَقّى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالنّاسِ. انْتَهى، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ. وأبْعَدُ مِن هَذا، مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى الآخِرَةِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: (ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ) .
﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ أيْ: مِن لِقاءِ البَعْثِ، وهَذِهِ أنْقالٌ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ كِتابُنا عَنْ نَقْلِها، ولَكِنْ نَقَلَها المُفَسِّرُونَ، فاتَّبَعْناهم. والضَّمِيرُ في (وجَعَلْناهُ) لِمُوسى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: لِلْكِتابِ، جَعَلَهُ هادِيًا مِنَ الضَّلالَةِ؛ وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما فِيها ولَدَ إسْماعِيلَ.
﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ (أئِمَّةً) قادَةً يُقْتَدى بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ وشَدِّ المِيمِ. وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ: بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. (وكانُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (صَبَرُوا) فَيَكُونَ داخِلًا في التَّعْلِيقِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أيْضًا: ”بِما صَبَرُوا“، بِباءِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في ”مِنهم“ ظاهِرُهُ يَعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. والفَصْلُ يَوْمَ القِيامَةِ يَعُمُّ الخَلْقَ كُلَّهم.
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ إعْرابًا وقِراءَةً وتَفْسِيرًا في طه، إلّا أنَّ هُنا: (مِن قَبْلِهِمْ) والقَوْمُ (يَسْمَعُونَ) وهُناكَ: (قَبْلَهم) و(لِأُولِي النُّهى) . ويَسْمَعُونَ، والنُّهى مِنَ الفَواصِلِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُهْلِكُوا، ثُمَّ أقامَها عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ قُدْرَتِهِ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى البَعْثِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الجُرُزِ﴾ في الكَهْفِ، وكُلُّ أرْضٍ جُرُزٍ داخِلَةٌ في هَذا، فَلا تَخْصِيصَ لَها بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أرْضُ أبْيَنَ مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تُشْرَبُ بِسُيُولٍ لا تُمْطَرُ. وقُرِئَ: ”الجُرْزِ“، بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ أيْ: بِالماءِ، وخَصَّ الزَّرْعَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الفَواكِهِ والبُقُولِ والعُشْبِ المُنْتَفَعِ بِهِ في الطِّبِّ وغَيْرِهِ، تَشْرِيفًا لِلزَّرْعِ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، وأوْقَعَ الزَّرْعَ مَوْقِعَ النَّباتِ. وقُدِّمَتِ الأنْعامُ؛ لِأنَّ ما يَنْبُتُ يَأْكُلُهُ الأنْعامُ أوَّلَ فَأوَّلَ، مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ الحَبَّ. ألا تَرى أنَّ القَصِيلَ، وهو شَعِيرٌ يُزْرَعُ، تَأْكُلُهُ الأنْعامُ قَبْلَ أنْ يُسْبِلَ؛ والبِرْسِيمُ والفِصْفِصَةُ وأمْثالُ ذَلِكَ تُبادِرُهُ الأنْعامُ بِالأكْلِ قَبْلَ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ حَبَّ الزَّرْعِ، أوْ لِأنَّهُ غِذاءُ الدَّوابِّ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، أوْ بَدَأ بِالأدْنى ثُمَّ تَرَقّى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ: يَأْكُلُ، بِالياءِ مِن أسْفَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبْصِرُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: بِتاءِ الخِطابِ. وجاءَتِ الفاصِلَةُ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (p-٢٠٦)لِأنَّ ما سَبَقَ مَرْئِيٌّ، وفي الآيَةِ قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، فَناسَبَ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكَفَرَةِ، بِاسْتِعْجالِ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهُزْءِ والتَّكْذِيبِ. و(الفَتْحُ) الحُكْمُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إلَخْ، ويَضْعُفُ قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: فَتْحُ مَكَّةَ، لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، إيمانُهُ يَنْفَعُهُ، وكَذا قَوْلُ مَن قالَ: يَوْمُ بَدْرٍ. (ولا هم يُنْظَرُونَ) أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذابِ. ولَمّا عَرَفَ غَرَضَهم في سُؤالِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، وقِيلَ لَهم: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنْ قَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ وآمَنتُمْ، فَلَمْ يَنْفَعْكُمُ الإيمانُ، واسْتَنْظَرْتُمْ في حُلُولِ العَذابِ، فَلَمْ تُنْظَرُوا، فَـ: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ: (لا يَنْفَعُ) . ثُمَّ أمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ.
﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ لِلْغَلَبَةِ عَلَيْكم لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] وقِيلَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ العَذابَ، أيْ: هَذا حُكْمُهم، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: ”مُنْتَظَرُونَ“، بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمَ مَفْعُولٍ؛ والجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، اسْمَ فاعِلٍ، أيْ: مُنْتَظِرٌ هَلاكَهم، فَإنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهم، يَعْنِي: إنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، أوْ: وانْتَظِرْ ذَلِكَ، فَإنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ يَنْتَظِرُونَهُ.
السجدة 32:30
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ .
لَمّا قَرَّرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ: الرِّسالَةَ، وبَدْءَ الخَلْقِ، والمَعادَ، عادَ إلى الأصْلِ الَّذِي بَدَأ بِهِ، وهو الرِّسالَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِدْعًا في الرِّسالَةِ، إذْ قَدْ سَبَقَ قَبْلَكَ رُسُلٌ. وذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِقُرْبِ (p-٢٠٥)زَمانِهِ، وإلْزامًا لِمَن كانَ عَلى دِينِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ عِيسى؛ لِأنَّ مُعْظَمَ شَرِيعَتِهِ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأنَّ أتْباعَ مُوسى لا يُوافِقُونَ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأتْباعَ عِيسى مُتَّفِقُونَ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى.
و(الكِتابَ) التَّوْراةَ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”في مُرْيَةٍ“، بِضَمِّ المِيمِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى مُوسى، مُضافًا إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ: مِن لِقائِكَ مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، أيْ: شاهَدْتَهُ حَقِيقَةً، وهو النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي أُوتِيَ التَّوْراةَ، وقَدْ وصَفَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: «آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ حِينَ رَآهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ»، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. وقالَ المُبَرِّدُ: حِينَ امْتُحِنَ الزَّجّاجُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الكِتابِ، فَإمّا مُضافٌ إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مِن لِقاءِ الكِتابِ مُوسى ووُصُولِهِ إلَيْهِ، وإمّا بِالعَكْسِ، أيْ: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابِ وتَلَقِّيهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ عَلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ، أيْ: مِن لِقاءِ مِثْلِهِ، أيْ: إنّا آتَيْناكَ مِثْلَ ما آتَيْنا مُوسى، ولَقَّنّاكَ بِمِثْلِ ما لُقِّنَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لُقِّنْتَ مِثْلَهُ ولَقِيتَ نَظِيرَهُ، ونَحْوُهُ مِن لِقائِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] . وقالَ الحَسَنُ: يَعُودُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ الَّتِي لَقِيَ مُوسى، وذَلِكَ أنَّ إخْبارَهُ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرِ أنَّكَ تُلَقّى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالنّاسِ. انْتَهى، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ. وأبْعَدُ مِن هَذا، مَن جَعَلَهُ عائِدًا عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى الآخِرَةِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: (ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ) .
﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ أيْ: مِن لِقاءِ البَعْثِ، وهَذِهِ أنْقالٌ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ كِتابُنا عَنْ نَقْلِها، ولَكِنْ نَقَلَها المُفَسِّرُونَ، فاتَّبَعْناهم. والضَّمِيرُ في (وجَعَلْناهُ) لِمُوسى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وقِيلَ: لِلْكِتابِ، جَعَلَهُ هادِيًا مِنَ الضَّلالَةِ؛ وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما فِيها ولَدَ إسْماعِيلَ.
﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ (أئِمَّةً) قادَةً يُقْتَدى بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ وشَدِّ المِيمِ. وعَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ: بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. (وكانُوا) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (صَبَرُوا) فَيَكُونَ داخِلًا في التَّعْلِيقِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أيْضًا: ”بِما صَبَرُوا“، بِباءِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في ”مِنهم“ ظاهِرُهُ يَعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. والفَصْلُ يَوْمَ القِيامَةِ يَعُمُّ الخَلْقَ كُلَّهم.
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ إعْرابًا وقِراءَةً وتَفْسِيرًا في طه، إلّا أنَّ هُنا: (مِن قَبْلِهِمْ) والقَوْمُ (يَسْمَعُونَ) وهُناكَ: (قَبْلَهم) و(لِأُولِي النُّهى) . ويَسْمَعُونَ، والنُّهى مِنَ الفَواصِلِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾ أقامَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُهْلِكُوا، ثُمَّ أقامَها عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ قُدْرَتِهِ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى البَعْثِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الجُرُزِ﴾ في الكَهْفِ، وكُلُّ أرْضٍ جُرُزٍ داخِلَةٌ في هَذا، فَلا تَخْصِيصَ لَها بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أرْضُ أبْيَنَ مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تُشْرَبُ بِسُيُولٍ لا تُمْطَرُ. وقُرِئَ: ”الجُرْزِ“، بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ أيْ: بِالماءِ، وخَصَّ الزَّرْعَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الفَواكِهِ والبُقُولِ والعُشْبِ المُنْتَفَعِ بِهِ في الطِّبِّ وغَيْرِهِ، تَشْرِيفًا لِلزَّرْعِ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، وأوْقَعَ الزَّرْعَ مَوْقِعَ النَّباتِ. وقُدِّمَتِ الأنْعامُ؛ لِأنَّ ما يَنْبُتُ يَأْكُلُهُ الأنْعامُ أوَّلَ فَأوَّلَ، مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ الحَبَّ. ألا تَرى أنَّ القَصِيلَ، وهو شَعِيرٌ يُزْرَعُ، تَأْكُلُهُ الأنْعامُ قَبْلَ أنْ يُسْبِلَ؛ والبِرْسِيمُ والفِصْفِصَةُ وأمْثالُ ذَلِكَ تُبادِرُهُ الأنْعامُ بِالأكْلِ قَبْلَ أنْ يَأْكُلَ بَنُو آدَمَ حَبَّ الزَّرْعِ، أوْ لِأنَّهُ غِذاءُ الدَّوابِّ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، أوْ بَدَأ بِالأدْنى ثُمَّ تَرَقّى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ: يَأْكُلُ، بِالياءِ مِن أسْفَلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُبْصِرُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ: بِتاءِ الخِطابِ. وجاءَتِ الفاصِلَةُ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (p-٢٠٦)لِأنَّ ما سَبَقَ مَرْئِيٌّ، وفي الآيَةِ قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، فَناسَبَ: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكَفَرَةِ، بِاسْتِعْجالِ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى الهُزْءِ والتَّكْذِيبِ. و(الفَتْحُ) الحُكْمُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ إلَخْ، ويَضْعُفُ قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: فَتْحُ مَكَّةَ، لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، إيمانُهُ يَنْفَعُهُ، وكَذا قَوْلُ مَن قالَ: يَوْمُ بَدْرٍ. (ولا هم يُنْظَرُونَ) أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذابِ. ولَمّا عَرَفَ غَرَضَهم في سُؤالِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، وقِيلَ لَهم: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنْ قَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ وآمَنتُمْ، فَلَمْ يَنْفَعْكُمُ الإيمانُ، واسْتَنْظَرْتُمْ في حُلُولِ العَذابِ، فَلَمْ تُنْظَرُوا، فَـ: (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِـ: (لا يَنْفَعُ) . ثُمَّ أمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ والظَّفَرِ بِهِمْ.
﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ لِلْغَلَبَةِ عَلَيْكم لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] وقِيلَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ العَذابَ، أيْ: هَذا حُكْمُهم، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: ”مُنْتَظَرُونَ“، بِفَتْحِ الظّاءِ، اسْمَ مَفْعُولٍ؛ والجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، اسْمَ فاعِلٍ، أيْ: مُنْتَظِرٌ هَلاكَهم، فَإنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهم، يَعْنِي: إنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، أوْ: وانْتَظِرْ ذَلِكَ، فَإنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ يَنْتَظِرُونَهُ.
الأحزاب 33:1
سُورَةُ الأحْزابِ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ
﷽
(p-٢٠٧)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٦] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٤] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١] ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤] ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] ) (p-٢٠٨)الجَوْفُ: مَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أجْوافٌ. يَثْرِبُ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: أرْضُ المَدِينَةِ في ناحِيَةٍ مِنها. الحَنْجَرَةُ: رَأْسُ الغَلْصَمَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ والحُلْقُومُ: مَدْخَلُ الطَّعامِ والشَّرابِ. الأقْطارُ: النَّواحِي، واحِدُها قُطْرٌ، ويُقالُ: قُتْرٌ بِالتّاءِ، لُغَةٌ فِيهِ. عُوِّقَ عَنْ كَذا: تُثُبِّطَ عَنْهُ. سَلَقَهُ: اجْتَرَأ عَلَيْهِ وضَرَبَهُ، ويُقالُ: صَلَقَهُ بِالصّادِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقَةً وصُداءٍ ألْحَقَتْهم بِالثَّلَلْ
وقِيلَ: سَلَقَهُ: خاطَبَهُ مُخاطَبَةً بَلِيغَةً، ومِنهُ خَطِيبٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ، ولِسانٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ. النَّحْبُ: النُّذُرُ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎بِطِخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ
أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التُزِمَ القِيامُ بِهِ، وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا. الصَّياصِي: الحُصُونُ، واحِدُها صِيصَيَةٌ، وهي كُلُّ ما يُمْتَنَعُ بِهِ. ويُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ والظَّبْيِ، ولِشَوْكَةِ الدِّيكِ، وهي مِخْلَبُهُ الَّذِي في ساقِهِ لِأنَّهُ يَتَحَصَّنُ بِهِ. والصَّياصِي أيْضًا: شَوْكُ الحاكَةِ، ويُتَّخَذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎كَوَقْعِ الصَّياصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
الأُسْوَةُ: القُدْوَةُ، وتُضَمُّ هَمْزَتُهُ وتُكْسَرُ، ويَتَأسّى بِفُلانٍ: يَقْتَدِي بِهِ؛ والأُسْوَةُ مِنَ الِائْتِساءِ، كالقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ: اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ. التَّبَرُّجُ، قالَ اللَّيْثُ: تَبَرَّجَتْ: أبْدَتْ مَحاسِنَها مِن وجْهِها وجَسَدِها، ويُرى مَعَ ذَلِكَ مِن عَيْنِها حُسْنُ نَظَرٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُخْرِجُ مَحاسِنَها مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِنَ البَرَجِ، في عَيْنِهِ وفي أسْنانِهِ بَرَجٌ: أيْ: سِعَةٌ. الوَطَرُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كالأرَبِ، وأنْشَدَ لِلرَّبِيعِ بْنِ أصْبُغُ:(p-٢٠٩)
؎ودَّعْنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ: الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ، يُقالُ: ما قَضَيْتُ مِن لِقائِكَ وطَرًا، أيْ: ما اسْتَمْتَعْتُ بِكَ حَتّى تَشْتَهِيَ نَفْسِي؛ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
الجِلْبابُ: ثَوْبٌ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ.
* *
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .
(p-٢١٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ أنَّ نِداءَهُ ﷺ: (يا أيُّها النَّبِيُّ) ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] هو عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِمَةِ والتَّنْوِيهِ بِمَحَلِّهِ وفَضِيلَتِهِ، وجاءَ نِداءُ غَيْرِهِ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياآدَمُ﴾ [البقرة: ٣٣] ﴿يانُوحُ﴾ [هود: ٣٢] ﴿ياإبْراهِيمُ﴾ [هود: ٧٦] ﴿يامُوسى﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿ياداوُدُ﴾ [ص: ٢٦] ﴿ياعِيسى﴾ [آل عمران: ٥٥] . وحَيْثُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، صَرَّحَ بِاسْمِهِ فَقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أعْلَمَ أنَّهُ رَسُولُهُ، ولَقَّنَهم أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ. وحَيْثُ لَمْ يَقْصِدِ الإعْلامَ بِذَلِكَ، جاءَ اسْمُهُ كَما جاءَ في النِّداءِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ﴾ [الفرقان: ٣٠] ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيِ. وأمَرَهُ بِالتَّقْوى لِلْمُتَلَبِّسِ بِها، أمَرَ بِالدَّيْمُومَةِ عَلَيْها والِازْدِيادِ مِنها. والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ هو مَأْمُورًا بِذَلِكَ، فَغَيْرُهُ أوْلى بِالأمْرِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ لَفْظًا، وهو لِأُمَّتِهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانَ يُحِبُّ إسْلامَ اليَهُودِ، فَبايَعَهُ ناسٌ مِنهم عَلى النِّفاقِ، وكانَ يَلِينُ لَهم جانِبُهُ، وكانُوا يُظْهِرُونَ النَّصائِحَ في طُرُقِ المُخادَعَةِ، ولِحَلِفِهِ وحِرْصِهِ عَلى ائْتِلافِهِمْ رُبَّما كانَ يَسْمَعُ مِنهم، فَنَزَلَتْ تَحْذِيرًا لَهُ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لَهُ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا وقُلْ: إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ، ونَدَعُكَ ورَبَّكَ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وناسَبَ أنْ نَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ، وهُمُ المُتَظاهِرُونَ بِهِ، وعَنْ طاعَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبَطِّنُونَ الكُفْرَ. فالسَّبَبانِ حاوِيانِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا إلَيْكَ. ورُوِيَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ، ويُعْطُوهُ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، ويُزَوِّجَهُ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بِنْتَهُ؛ وخَوَّفَهُ مُنافِقُو المَدِينَةِ أنَّهم يَقْتُلُونَهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها واضِحَةٌ، وهو أنَّهُ حَكى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ الفَتْحَ، وهو الفَصْلُ بَيْنَهم، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، فَأمَرَهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِتَقْوى اللَّهِ، ونَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فِيما أرادُوا بِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلِيمًا بِالصَّوابِ مِنَ الخَطَأِ، والمَصْلَحَةِ مِنَ المَفْسَدَةِ؛ حَكِيمًا لا يَضَعُ الأشْياءَ إلّا مَواضِعَها مَنُوطَةً بِالحِكْمَةِ؛ أوْ عَلِيمًا حَيْثُ أمَرَ بِتَقْواهُ، وأنَّها تَكُونُ عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ، حَكِيمًا حَيْثُ نَهى عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: هي تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، أيْ: عَلِيمًا بِمَن يَتَّقِي، حَكِيمًا في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ. ثُمَّ أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهو القُرْآنُ، والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ، وتَرْكِ مَراسِيمِ الجاهِلِيَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”بِما يَعْمَلُونَ“، الأُولى والثّانِيَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، فَجازَ في الأُولى أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وجازَ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ (p-٢١١)بِتَفْوِيضِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (كَفى بِاللَّهِ) في أوَّلِ ما وقَعَ في القُرْآنِ. رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي فِهْرٍ رَجُلٌ فِيهِمْ يُقالُ لَهُ: أبُو مَعْمَرٍ جَمِيلُ بْنُ أسَدٍ، وقِيلَ: حُمَيْدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وهْبِ بْنِ حارِثَةَ بْنِ جُمَحَ، وفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
يَدَّعِي أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، ويُقالُ لَهُ: ذُو القَلْبَيْنِ، وكانَ يَقُولُ: أنا أذْكى مِن مُحَمَّدٍ وأفْهَمُ؛ فَلَمّا بَلَغَتْهُ هَزِيمَةُ بَدْرٍ طاشَ لُبُّهُ وحَدَّثَ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِحَدِيثٍ كالمُخْتَلِّ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: هم جَماعَةٌ، يَقُولُ الواحِدُ مِنهم: نَفْسٌ تَأْمُرُنِي ونَفْسٌ تَنْهانِي. وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ إنَّ مُحَمَّدًا لَهُ قَلْبانِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ في شَيْءٍ، فَنَزَعَ في غَيْرِهِ نَزْعَةً ثُمَّ عادَ إلى شَأْنِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ أحَدٍ. قِيلَ: وجْهُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّقْوى، كانَ مِن حَقِّها أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المَرْءَ لَيْسَ لَهُ قَلْبانِ يَتَّقِي بِأحَدِهِما اللَّهَ وبِالآخَرِ غَيْرَهُ، وهو لا يَتَّقِي غَيْرَهُ إلّا بِصَرْفِ القَلْبِ عَنْ جِهَةِ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَتَّقِي اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. انْتَهى، مُلَخَّصًا. ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَفْعَلَ أحَدُهُما مِثْلَ ما يَفْعَلُ الآخَرُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَلا حاجَةَ إلى أحَدِهِما، أوْ غَيْرَهُ، فَيُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الإنْسانِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا عالِمًا ظانًّا شاكًّا مُوقِنًا في حالٍ واحِدَةٍ. وذُكِرَ الجَوْفُ، وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا بِالجَوْفِ، زِيادَةً لِلتَّصْوِيرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . فَإذا سَمِعَ بِذَلِكَ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ يُسْرِعُ إلى إنْكارِ ذَلِكَ.
﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمْ﴾ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى الزَّوْجَةَ المُظاهَرَ مِنها أُمًّا؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ كالمَمْلُوكِ، وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ. وقَرَأ قالُونُ وقُنْبُلٌ: ﴿اللّائِي﴾ هُنا، وفي المُجادِلَةِ والطَّلاقِ: بِالهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ ووَرْشٌ: بِياءٍ مُخْتَلِسَةِ الكَسْرَةِ؛ والبَزِّيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وهو بَدَلٌ مَسْمُوعٌ لا مَقِيسٌ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالهَمْزِ وياءٍ بَعْدَها. وقَرَأ عاصِمٌ: ﴿تُظاهِرُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وفي المُجادِلَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، مُضارِعَ ”ظاهَرَ“؛ وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ: الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو؛ وبِشَدِّ الظّاءِ وألِفٍ بَعْدَها: ابْنُ عامِرٍ؛ وبِتَخْفِيفِها والألِفِ: حَمْزَةُ والكِسائِيُّ؛ ووافَقَ ابْنُ عامِرٍ الآخَرِينَ في المُجادِلَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ فِيها بِشَدِّها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الظّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، مُضارِعَ أظْهَرَ؛ وفِيما حَكى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَنْهُ: بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، لِحَذْفِهِمْ تاءَ المُطاوَعَةِ وشَدِّ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ وشَدِّ الهاءِ، مُضارِعَ ظَهَّرَ، مُشَدَّدِ الهاءِ. وقَرَأ هارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِفَتْحِ التّاءِ والهاءِ وسُكُونِ الظّاءِ، مُضارِعَ ظَهَرَ، مُخَفَّفِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”تَتَظَهَّرُونَ“، بِتاءَيْنِ. فَتِلْكَ تِسْعُ قِراءاتٍ، والمَعْنى: قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَتِلْكَ الأفْعالُ مَأْخُوذَةٌ مِن هَذا اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: لَبّى المُحْرِمُ إذا قالَ: لَبَّيْكَ، وأفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ. وعُدِّيَ الفِعْلُ بِمِن؛ لِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَيَتَجَنَّبُونَ المُظاهَرَ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ تَباعَدَ مِنها بِجِهَةِ الظِّهارِ وغَيْرِهِ، أيْ: مِنِ امْرَأتِهِ. لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَّباعُدِ، عُدِّيَ بِمِن، وكَنَّوْا عَنِ البَطْنِ بِالظَّهْرِ إبْعادًا لِما يُقارِبُ الفَرْجَ، ولِكَوْنِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ: يَحْرُمُ إتْيانُ المَرْأةِ وظَهْرُها لِلسَّماءِ، وأهْلُ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: يَجِيءُ الوَلَدُ إذْ ذاكَ أحْوَلَ، فَبالَغُوا في التَّغْلِيظِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فَشَبَّهَها بِالظَّهْرِ، ثُمَّ بالَغَ فَجَعَلَها كَظَهْرِ أُمِّهِ. ورُوِيَ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجاءَ أبُوهُ وعَمُّهُ بِفِدائِهِ، وذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ.
﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ: وكانُوا (p-٢١٢)فِي الجاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الإسْلامِ إذا تَبَنّى الرَّجُلُ ولَدَ غَيْرِهِ صارَ يَرِثُهُ. وأدْعِياءُ: جَمْعُ دَعِيٍّ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، جاءَ شاذًّا، وقِياسُهُ فَعْلى، كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وإنَّما هَذا الجَمْعُ قِياسُ فَعِيلٍ المُعْتَلِّ اللّامِ بِمَعْنى فاعِلٍ، نَحْوُ تَقِيٍّ وأتْقِياءَ. شَبَّهُوا أدْعِياءَ بِتَقِيٍّ، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ شُذُوذًا، كَما شَذُّوا في جَمْعِ أسِيرٍ وقَتِيلٍ فَقالُوا: أُسَراءَ وقُتَلاءَ، وقَدْ سُمِعَ المَقِيسُ فِيهِما فَقالُوا: أسْرى وقَتْلى. والبُنُوَّةُ تَقْتَضِي التَّأصُّلَ في النَّسَبِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقَ عارِضٍ بِالتَّسْمِيَةِ، فَلا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ. (ذَلِكم) أيْ: دُعاؤُهم أبْناءَ مُجَرَّدُ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لِمَدْلُولِهِ، إذْ لا يُواطِئُ اللَّفْظُ الِاعْتِقادَ، إذْ يُعْلَمُ حَقِيقَةً أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ.
﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيْ: ما يُوافِقُ ظاهِرًا وباطِنًا.
﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ أوْ سَبِيلَ الشَّرْعِ والإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِي مُضارِعَ هَدى؛ وقَتادَةُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدّالِ. و﴿أقْسَطُ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أواخِرِ البَقَرَةِ، ومَعْناهُ: أعْدَلُ. ولَمّا أمَرَ بِأنْ يُدْعى المُتَبَنّى لِأبِيهِ إنْ عُلِمَ قالُوا: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ ﴿ومَوالِيكُمْ﴾؛ ولِذَلِكَ قالُوا: سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ أبا بَكْرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِّينِ ومَوْلاكم. قالَ الرّازِيُّ: ولَوْ عَلِمَ واللَّهِ أباهُ حِمارًا لانْتَمى إلَيْهِ، ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ. وفي الحَدِيثِ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .
﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قِيلَ: رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهم فِيما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ بِالخَطَأِ ما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ. وقِيلَ: فِيما سَبَقَ إلَيْهِ اللِّسانُ. إمّا عَلى سَبِيلِ الغَلَطِ، إنْ كانَ سَبَقَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ قَبْلَ النَّهْيِ، فَجَرى ذَلِكَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ غَلَطًا، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ، إذْ كَثِيرًا ما يَقُولُ الإنْسانُ لِلصَّغِيرِ: يا بُنَيَّ، كَما يَقُولُ لِلْكَبِيرِ: يا أبِي، عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ. و”ما“ عَطْفٌ عَلى ”ما أخْطَأْتُمْ“، أيْ: ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أيْ: ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا) لِلْعامِدِ إذا تابَ (رَحِيمًا) حَيْثُ رَفَعَ الجُناحَ عَنِ المُخْطِئِ.
وكَوْنُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أرْأفُ بِهِمْ وأعْطَفُ عَلَيْهِمْ، إذْ هو يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ، وأنْفُسُهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ. ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا آخِذٌ بِحُجَزِكم عَنِ النّارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقَحُّمَ الفَراشِ» . ومِن حَيْثُ يَنْزِلُ لَهم مَنزِلَةَ الأبِ. وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“، يَعْنِي في الدِّينِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ. وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَؤُلاءِ بَناتِي، إنَّهُ أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: بَناتُهُ في الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] أيْ: في الدِّينِ. وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ هَلَكَ وتَرَكَ مالًا، فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا؛ وإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضِياعًا فَإلَيَّ. قِيلَ: وأطْلَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمْ يُقَيِّدْ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذَ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحُقُوقُهُ آثَرَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ في حَقِّهِ. انْتَهى. ولَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى، لَكانَ التَّرْكِيبُ: المُؤْمِنُونَ أوْلى بِالنَّبِيِّ مِنهم بِأنْفُسِهِمْ.
﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في التَّوْقِيرِ والِاحْتِرامِ. وفي بَعْضِ الأحْكامِ: مِن تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا جَرَيْنَ فِيهِ مَجْرى الأجانِبِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ﴾ كُلُّ مَن أُطْلِقَ عَلَيْها أنَّها زَوْجَةٌ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مَن طَلَّقَها ومَن لَمْ يُطَلِّقْها. وقِيلَ: لا يَثْبُتُ هَذا الحُكْمُ لِمُطَلَّقَةٍ. وقِيلَ: مَن دَخَلَ بِها ثَبَتَتْ حُرْمَتُها قَطْعًا. وهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِ امْرَأةٍ فارَقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ونَكَحَتْ بَعْدَهُ، فَقالَتْ لَهُ: ولِمَ هَذا، وما ضَرَبَ عَلَيَّ حِجابًا، ولا سُمِّيتُ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا ؟ فَكَفَّ عَنْها. كانَ أوَّلًا بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ بِالتَّوارُثِ مِنَ الأخِ في الإسْلامِ، أوْ بِالهِجْرَةِ في كِتابِ اللَّهِ، أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مِنَ (p-٢١٣)المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ، أيْ: أوْلى مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ. وهَذا هو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ ”مِن“ هُنا كَهي في: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِأُولِي الأرْحامِ، أيِ: الأقْرِباءُ مِن هَؤُلاءِ بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ. انْتَهى. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أقْسامِهِ، مِن قَرِيبٍ وأجْنَبِيٍّ، مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَصِلُهُ في حَياتِهِ، ويُوصِي لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ وعَطاءٌ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
وسِياقُ ما تَقَدَّمَ في المُؤْمِنِينَ يُعَضِّدُ هَذا، لَكِنَّ وِلايَةَ النَّسَبِ لا تُدْفَعُ في الكافِرِ، إنَّما تُدْفَعُ في أنْ تُلْقِيَ إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ، كَوَلِيِّ الإسْلامِ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا﴾ هو مِمّا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، أيْ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في النَّفْعِ بِمِيراثٍ وغَيْرِهِ. وعُدِّيَ بِـ: إلى؛ لِأنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تُوصِلُوا إلى أوْلِيائِكم، كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما في الآيَتَيْنِ. (في الكِتابِ) إمّا اللَّوْحُ، وإمّا القُرْآنُ، عَلى ما تَقَدَّمَ.
﴿مَسْطُورًا﴾ أيْ: مُثْبَتًا بِالأسْطارِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالخاتِمَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ، ولَمّا كانَ ما سَبَقَ أحْكامٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ فِيها أشْياءُ مِمّا كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، وأشْياءُ في الإسْلامِ نُسِخَتْ. أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ: في تَبْلِيغِ الشَّرائِعِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ، فَلَسْتُ بِدْعًا في تَبْلِيغِكَ عَنِ اللَّهِ. والعامِلُ في ”إذْ“، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَسْطُورًا)، أيْ: مَسْطُورًا في أُمِّ الكِتابِ، وحِينَ أخَذْنا. وقِيلَ: العامِلُ: واذْكُرْ حِينَ أخَذْنا، وهَذا المِيثاقُ هو في تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ، ولا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ مانِعٌ، لا مِن خَوْفٍ ولا طَمَعٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: أُخِذَ مِيثاقُهم بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ قَتادَةُ: بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والإعْلانِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإعْلانِ رَسُولِ اللَّهِ أنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللَّهُ حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ بِالتَّبْلِيغِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ النُّبُوَّةُ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وخُصَّ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ، وقِيلَ: هم أُولُو العَزْمِ، لِشَرَفِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ. وقُدِّمَ مُحَمَّدٌ، ﷺ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ مِنهم، وأكْثَرَهم أتْباعًا. وقُدِّمَ نُوحٌ في آيَةِ الشُّورى في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ؛ لِأنَّ إيرادَهُ عَلى خِلافِ الإيرادِ، فَهُناكَ أوْرَدَهُ عَلى طَرِيقِ وصْفِ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بُعِثَ عَلَيْهِ نُوحٌ في العَهْدِ القَدِيمِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ خاتَمُ الأنْبِياءِ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ المَشاهِيرِ.
والمِيثاقُ الثّانِي هو الأوَّلُ، وكُرِّرَ لِأجْلِ صِفَتِهِ. والغِلَظُ: مِن صِفَةِ الأجْسامِ، واسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى مُبالَغًا في حُرْمَتِهِ وعَظَمَتِهِ وثِقَلِ فَرْطِ تَحَمُّلِهِ. وقِيلَ: المِيثاقُ الغَلِيظُ: اليَمِينُ بِاللَّهِ عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلَهُ. واللّامُ في ﴿لِيَسْألَ﴾ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المِيثاقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا. والظّاهِرُ أنَّها لامُ ”كَيْ“، أيْ: بَعَثْنا الرُّسُلَ وأخَذْنا عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ في التَّبْلِيغِ، لِكَيْ يَجْعَلَ اللَّهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً يَسْألُها عَنْ صِدْقِها عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ، فَتُجِيبُ بِأنَّها قَدْ صَدَقَتِ اللَّهَ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ؛ وفِرْقَةً كَفَرَتْ، فَيَنالُها ما أعَدَّ لَها مِنَ العَذابِ. فالصّادِقُونَ عَلى هَذا المَسْئُولُونَ هُمُ: المُؤْمِنُونَ. والهاءُ في (صِدْقِهِمْ) عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، ومَفْعُولُ (صِدْقِهِمْ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهُ. أوْ يَكُونُ (صِدْقِهِمْ) في مَعْنى تَصْدِيقِهِمْ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَنْ تَصْدِيقِهِمُ الأنْبِياءَ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِلصّادِقِ صَدَقْتَ، كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ. أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِي أجابَتْهم بِهِ أُمَمَهم، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى؛ أوْ لِيَسْألَ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ؛ أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ إلى قَوْمِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ، (p-٢١٤)أيْ: إذا كانَ الأنْبِياءُ يُسْألُونَ، فَكَيْفَ بِمَن سِواهم ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ أرادَ المُؤَدِّينَ عَنِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وسُؤالُ الرُّسُلِ تَبْكِيتٌ لِلْكافِرِينَ بِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . (وأعَدَّ) مَعْطُوفٌ عَلى (أخَذْنا) لِأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدُّعاءَ إلى دِينِهِ لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ.
﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثِيبَ بِهِ الصّادِقُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وذُكِرَتِ العِلَّةُ؛ وحُذِفَ مِنَ الثّانِي العِلَّةُ، وذُكِرَ ما عُوقِبُوا بِهِ. وكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، فَأثابَهم؛ ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٥] و﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ بَلِيغَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] وأمْعَنّا الكَلامَ هُناكَ.
الأحزاب 33:2
سُورَةُ الأحْزابِ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ
﷽
(p-٢٠٧)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٦] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٤] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١] ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤] ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] ) (p-٢٠٨)الجَوْفُ: مَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أجْوافٌ. يَثْرِبُ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: أرْضُ المَدِينَةِ في ناحِيَةٍ مِنها. الحَنْجَرَةُ: رَأْسُ الغَلْصَمَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ والحُلْقُومُ: مَدْخَلُ الطَّعامِ والشَّرابِ. الأقْطارُ: النَّواحِي، واحِدُها قُطْرٌ، ويُقالُ: قُتْرٌ بِالتّاءِ، لُغَةٌ فِيهِ. عُوِّقَ عَنْ كَذا: تُثُبِّطَ عَنْهُ. سَلَقَهُ: اجْتَرَأ عَلَيْهِ وضَرَبَهُ، ويُقالُ: صَلَقَهُ بِالصّادِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقَةً وصُداءٍ ألْحَقَتْهم بِالثَّلَلْ
وقِيلَ: سَلَقَهُ: خاطَبَهُ مُخاطَبَةً بَلِيغَةً، ومِنهُ خَطِيبٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ، ولِسانٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ. النَّحْبُ: النُّذُرُ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎بِطِخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ
أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التُزِمَ القِيامُ بِهِ، وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا. الصَّياصِي: الحُصُونُ، واحِدُها صِيصَيَةٌ، وهي كُلُّ ما يُمْتَنَعُ بِهِ. ويُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ والظَّبْيِ، ولِشَوْكَةِ الدِّيكِ، وهي مِخْلَبُهُ الَّذِي في ساقِهِ لِأنَّهُ يَتَحَصَّنُ بِهِ. والصَّياصِي أيْضًا: شَوْكُ الحاكَةِ، ويُتَّخَذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎كَوَقْعِ الصَّياصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
الأُسْوَةُ: القُدْوَةُ، وتُضَمُّ هَمْزَتُهُ وتُكْسَرُ، ويَتَأسّى بِفُلانٍ: يَقْتَدِي بِهِ؛ والأُسْوَةُ مِنَ الِائْتِساءِ، كالقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ: اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ. التَّبَرُّجُ، قالَ اللَّيْثُ: تَبَرَّجَتْ: أبْدَتْ مَحاسِنَها مِن وجْهِها وجَسَدِها، ويُرى مَعَ ذَلِكَ مِن عَيْنِها حُسْنُ نَظَرٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُخْرِجُ مَحاسِنَها مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِنَ البَرَجِ، في عَيْنِهِ وفي أسْنانِهِ بَرَجٌ: أيْ: سِعَةٌ. الوَطَرُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كالأرَبِ، وأنْشَدَ لِلرَّبِيعِ بْنِ أصْبُغُ:(p-٢٠٩)
؎ودَّعْنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ: الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ، يُقالُ: ما قَضَيْتُ مِن لِقائِكَ وطَرًا، أيْ: ما اسْتَمْتَعْتُ بِكَ حَتّى تَشْتَهِيَ نَفْسِي؛ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
الجِلْبابُ: ثَوْبٌ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ.
* *
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .
(p-٢١٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ أنَّ نِداءَهُ ﷺ: (يا أيُّها النَّبِيُّ) ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] هو عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِمَةِ والتَّنْوِيهِ بِمَحَلِّهِ وفَضِيلَتِهِ، وجاءَ نِداءُ غَيْرِهِ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياآدَمُ﴾ [البقرة: ٣٣] ﴿يانُوحُ﴾ [هود: ٣٢] ﴿ياإبْراهِيمُ﴾ [هود: ٧٦] ﴿يامُوسى﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿ياداوُدُ﴾ [ص: ٢٦] ﴿ياعِيسى﴾ [آل عمران: ٥٥] . وحَيْثُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، صَرَّحَ بِاسْمِهِ فَقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أعْلَمَ أنَّهُ رَسُولُهُ، ولَقَّنَهم أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ. وحَيْثُ لَمْ يَقْصِدِ الإعْلامَ بِذَلِكَ، جاءَ اسْمُهُ كَما جاءَ في النِّداءِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ﴾ [الفرقان: ٣٠] ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيِ. وأمَرَهُ بِالتَّقْوى لِلْمُتَلَبِّسِ بِها، أمَرَ بِالدَّيْمُومَةِ عَلَيْها والِازْدِيادِ مِنها. والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ هو مَأْمُورًا بِذَلِكَ، فَغَيْرُهُ أوْلى بِالأمْرِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ لَفْظًا، وهو لِأُمَّتِهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانَ يُحِبُّ إسْلامَ اليَهُودِ، فَبايَعَهُ ناسٌ مِنهم عَلى النِّفاقِ، وكانَ يَلِينُ لَهم جانِبُهُ، وكانُوا يُظْهِرُونَ النَّصائِحَ في طُرُقِ المُخادَعَةِ، ولِحَلِفِهِ وحِرْصِهِ عَلى ائْتِلافِهِمْ رُبَّما كانَ يَسْمَعُ مِنهم، فَنَزَلَتْ تَحْذِيرًا لَهُ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لَهُ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا وقُلْ: إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ، ونَدَعُكَ ورَبَّكَ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وناسَبَ أنْ نَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ، وهُمُ المُتَظاهِرُونَ بِهِ، وعَنْ طاعَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبَطِّنُونَ الكُفْرَ. فالسَّبَبانِ حاوِيانِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا إلَيْكَ. ورُوِيَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ، ويُعْطُوهُ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، ويُزَوِّجَهُ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بِنْتَهُ؛ وخَوَّفَهُ مُنافِقُو المَدِينَةِ أنَّهم يَقْتُلُونَهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها واضِحَةٌ، وهو أنَّهُ حَكى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ الفَتْحَ، وهو الفَصْلُ بَيْنَهم، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، فَأمَرَهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِتَقْوى اللَّهِ، ونَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فِيما أرادُوا بِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلِيمًا بِالصَّوابِ مِنَ الخَطَأِ، والمَصْلَحَةِ مِنَ المَفْسَدَةِ؛ حَكِيمًا لا يَضَعُ الأشْياءَ إلّا مَواضِعَها مَنُوطَةً بِالحِكْمَةِ؛ أوْ عَلِيمًا حَيْثُ أمَرَ بِتَقْواهُ، وأنَّها تَكُونُ عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ، حَكِيمًا حَيْثُ نَهى عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: هي تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، أيْ: عَلِيمًا بِمَن يَتَّقِي، حَكِيمًا في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ. ثُمَّ أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهو القُرْآنُ، والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ، وتَرْكِ مَراسِيمِ الجاهِلِيَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”بِما يَعْمَلُونَ“، الأُولى والثّانِيَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، فَجازَ في الأُولى أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وجازَ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ (p-٢١١)بِتَفْوِيضِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (كَفى بِاللَّهِ) في أوَّلِ ما وقَعَ في القُرْآنِ. رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي فِهْرٍ رَجُلٌ فِيهِمْ يُقالُ لَهُ: أبُو مَعْمَرٍ جَمِيلُ بْنُ أسَدٍ، وقِيلَ: حُمَيْدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وهْبِ بْنِ حارِثَةَ بْنِ جُمَحَ، وفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
يَدَّعِي أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، ويُقالُ لَهُ: ذُو القَلْبَيْنِ، وكانَ يَقُولُ: أنا أذْكى مِن مُحَمَّدٍ وأفْهَمُ؛ فَلَمّا بَلَغَتْهُ هَزِيمَةُ بَدْرٍ طاشَ لُبُّهُ وحَدَّثَ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِحَدِيثٍ كالمُخْتَلِّ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: هم جَماعَةٌ، يَقُولُ الواحِدُ مِنهم: نَفْسٌ تَأْمُرُنِي ونَفْسٌ تَنْهانِي. وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ إنَّ مُحَمَّدًا لَهُ قَلْبانِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ في شَيْءٍ، فَنَزَعَ في غَيْرِهِ نَزْعَةً ثُمَّ عادَ إلى شَأْنِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ أحَدٍ. قِيلَ: وجْهُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّقْوى، كانَ مِن حَقِّها أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المَرْءَ لَيْسَ لَهُ قَلْبانِ يَتَّقِي بِأحَدِهِما اللَّهَ وبِالآخَرِ غَيْرَهُ، وهو لا يَتَّقِي غَيْرَهُ إلّا بِصَرْفِ القَلْبِ عَنْ جِهَةِ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَتَّقِي اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. انْتَهى، مُلَخَّصًا. ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَفْعَلَ أحَدُهُما مِثْلَ ما يَفْعَلُ الآخَرُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَلا حاجَةَ إلى أحَدِهِما، أوْ غَيْرَهُ، فَيُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الإنْسانِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا عالِمًا ظانًّا شاكًّا مُوقِنًا في حالٍ واحِدَةٍ. وذُكِرَ الجَوْفُ، وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا بِالجَوْفِ، زِيادَةً لِلتَّصْوِيرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . فَإذا سَمِعَ بِذَلِكَ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ يُسْرِعُ إلى إنْكارِ ذَلِكَ.
﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمْ﴾ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى الزَّوْجَةَ المُظاهَرَ مِنها أُمًّا؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ كالمَمْلُوكِ، وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ. وقَرَأ قالُونُ وقُنْبُلٌ: ﴿اللّائِي﴾ هُنا، وفي المُجادِلَةِ والطَّلاقِ: بِالهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ ووَرْشٌ: بِياءٍ مُخْتَلِسَةِ الكَسْرَةِ؛ والبَزِّيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وهو بَدَلٌ مَسْمُوعٌ لا مَقِيسٌ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالهَمْزِ وياءٍ بَعْدَها. وقَرَأ عاصِمٌ: ﴿تُظاهِرُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وفي المُجادِلَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، مُضارِعَ ”ظاهَرَ“؛ وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ: الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو؛ وبِشَدِّ الظّاءِ وألِفٍ بَعْدَها: ابْنُ عامِرٍ؛ وبِتَخْفِيفِها والألِفِ: حَمْزَةُ والكِسائِيُّ؛ ووافَقَ ابْنُ عامِرٍ الآخَرِينَ في المُجادِلَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ فِيها بِشَدِّها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الظّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، مُضارِعَ أظْهَرَ؛ وفِيما حَكى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَنْهُ: بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، لِحَذْفِهِمْ تاءَ المُطاوَعَةِ وشَدِّ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ وشَدِّ الهاءِ، مُضارِعَ ظَهَّرَ، مُشَدَّدِ الهاءِ. وقَرَأ هارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِفَتْحِ التّاءِ والهاءِ وسُكُونِ الظّاءِ، مُضارِعَ ظَهَرَ، مُخَفَّفِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”تَتَظَهَّرُونَ“، بِتاءَيْنِ. فَتِلْكَ تِسْعُ قِراءاتٍ، والمَعْنى: قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَتِلْكَ الأفْعالُ مَأْخُوذَةٌ مِن هَذا اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: لَبّى المُحْرِمُ إذا قالَ: لَبَّيْكَ، وأفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ. وعُدِّيَ الفِعْلُ بِمِن؛ لِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَيَتَجَنَّبُونَ المُظاهَرَ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ تَباعَدَ مِنها بِجِهَةِ الظِّهارِ وغَيْرِهِ، أيْ: مِنِ امْرَأتِهِ. لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَّباعُدِ، عُدِّيَ بِمِن، وكَنَّوْا عَنِ البَطْنِ بِالظَّهْرِ إبْعادًا لِما يُقارِبُ الفَرْجَ، ولِكَوْنِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ: يَحْرُمُ إتْيانُ المَرْأةِ وظَهْرُها لِلسَّماءِ، وأهْلُ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: يَجِيءُ الوَلَدُ إذْ ذاكَ أحْوَلَ، فَبالَغُوا في التَّغْلِيظِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فَشَبَّهَها بِالظَّهْرِ، ثُمَّ بالَغَ فَجَعَلَها كَظَهْرِ أُمِّهِ. ورُوِيَ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجاءَ أبُوهُ وعَمُّهُ بِفِدائِهِ، وذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ.
﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ: وكانُوا (p-٢١٢)فِي الجاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الإسْلامِ إذا تَبَنّى الرَّجُلُ ولَدَ غَيْرِهِ صارَ يَرِثُهُ. وأدْعِياءُ: جَمْعُ دَعِيٍّ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، جاءَ شاذًّا، وقِياسُهُ فَعْلى، كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وإنَّما هَذا الجَمْعُ قِياسُ فَعِيلٍ المُعْتَلِّ اللّامِ بِمَعْنى فاعِلٍ، نَحْوُ تَقِيٍّ وأتْقِياءَ. شَبَّهُوا أدْعِياءَ بِتَقِيٍّ، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ شُذُوذًا، كَما شَذُّوا في جَمْعِ أسِيرٍ وقَتِيلٍ فَقالُوا: أُسَراءَ وقُتَلاءَ، وقَدْ سُمِعَ المَقِيسُ فِيهِما فَقالُوا: أسْرى وقَتْلى. والبُنُوَّةُ تَقْتَضِي التَّأصُّلَ في النَّسَبِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقَ عارِضٍ بِالتَّسْمِيَةِ، فَلا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ. (ذَلِكم) أيْ: دُعاؤُهم أبْناءَ مُجَرَّدُ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لِمَدْلُولِهِ، إذْ لا يُواطِئُ اللَّفْظُ الِاعْتِقادَ، إذْ يُعْلَمُ حَقِيقَةً أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ.
﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيْ: ما يُوافِقُ ظاهِرًا وباطِنًا.
﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ أوْ سَبِيلَ الشَّرْعِ والإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِي مُضارِعَ هَدى؛ وقَتادَةُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدّالِ. و﴿أقْسَطُ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أواخِرِ البَقَرَةِ، ومَعْناهُ: أعْدَلُ. ولَمّا أمَرَ بِأنْ يُدْعى المُتَبَنّى لِأبِيهِ إنْ عُلِمَ قالُوا: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ ﴿ومَوالِيكُمْ﴾؛ ولِذَلِكَ قالُوا: سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ أبا بَكْرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِّينِ ومَوْلاكم. قالَ الرّازِيُّ: ولَوْ عَلِمَ واللَّهِ أباهُ حِمارًا لانْتَمى إلَيْهِ، ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ. وفي الحَدِيثِ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .
﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قِيلَ: رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهم فِيما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ بِالخَطَأِ ما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ. وقِيلَ: فِيما سَبَقَ إلَيْهِ اللِّسانُ. إمّا عَلى سَبِيلِ الغَلَطِ، إنْ كانَ سَبَقَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ قَبْلَ النَّهْيِ، فَجَرى ذَلِكَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ غَلَطًا، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ، إذْ كَثِيرًا ما يَقُولُ الإنْسانُ لِلصَّغِيرِ: يا بُنَيَّ، كَما يَقُولُ لِلْكَبِيرِ: يا أبِي، عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ. و”ما“ عَطْفٌ عَلى ”ما أخْطَأْتُمْ“، أيْ: ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أيْ: ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا) لِلْعامِدِ إذا تابَ (رَحِيمًا) حَيْثُ رَفَعَ الجُناحَ عَنِ المُخْطِئِ.
وكَوْنُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أرْأفُ بِهِمْ وأعْطَفُ عَلَيْهِمْ، إذْ هو يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ، وأنْفُسُهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ. ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا آخِذٌ بِحُجَزِكم عَنِ النّارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقَحُّمَ الفَراشِ» . ومِن حَيْثُ يَنْزِلُ لَهم مَنزِلَةَ الأبِ. وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“، يَعْنِي في الدِّينِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ. وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَؤُلاءِ بَناتِي، إنَّهُ أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: بَناتُهُ في الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] أيْ: في الدِّينِ. وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ هَلَكَ وتَرَكَ مالًا، فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا؛ وإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضِياعًا فَإلَيَّ. قِيلَ: وأطْلَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمْ يُقَيِّدْ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذَ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحُقُوقُهُ آثَرَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ في حَقِّهِ. انْتَهى. ولَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى، لَكانَ التَّرْكِيبُ: المُؤْمِنُونَ أوْلى بِالنَّبِيِّ مِنهم بِأنْفُسِهِمْ.
﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في التَّوْقِيرِ والِاحْتِرامِ. وفي بَعْضِ الأحْكامِ: مِن تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا جَرَيْنَ فِيهِ مَجْرى الأجانِبِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ﴾ كُلُّ مَن أُطْلِقَ عَلَيْها أنَّها زَوْجَةٌ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مَن طَلَّقَها ومَن لَمْ يُطَلِّقْها. وقِيلَ: لا يَثْبُتُ هَذا الحُكْمُ لِمُطَلَّقَةٍ. وقِيلَ: مَن دَخَلَ بِها ثَبَتَتْ حُرْمَتُها قَطْعًا. وهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِ امْرَأةٍ فارَقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ونَكَحَتْ بَعْدَهُ، فَقالَتْ لَهُ: ولِمَ هَذا، وما ضَرَبَ عَلَيَّ حِجابًا، ولا سُمِّيتُ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا ؟ فَكَفَّ عَنْها. كانَ أوَّلًا بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ بِالتَّوارُثِ مِنَ الأخِ في الإسْلامِ، أوْ بِالهِجْرَةِ في كِتابِ اللَّهِ، أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مِنَ (p-٢١٣)المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ، أيْ: أوْلى مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ. وهَذا هو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ ”مِن“ هُنا كَهي في: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِأُولِي الأرْحامِ، أيِ: الأقْرِباءُ مِن هَؤُلاءِ بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ. انْتَهى. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أقْسامِهِ، مِن قَرِيبٍ وأجْنَبِيٍّ، مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَصِلُهُ في حَياتِهِ، ويُوصِي لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ وعَطاءٌ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
وسِياقُ ما تَقَدَّمَ في المُؤْمِنِينَ يُعَضِّدُ هَذا، لَكِنَّ وِلايَةَ النَّسَبِ لا تُدْفَعُ في الكافِرِ، إنَّما تُدْفَعُ في أنْ تُلْقِيَ إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ، كَوَلِيِّ الإسْلامِ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا﴾ هو مِمّا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، أيْ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في النَّفْعِ بِمِيراثٍ وغَيْرِهِ. وعُدِّيَ بِـ: إلى؛ لِأنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تُوصِلُوا إلى أوْلِيائِكم، كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما في الآيَتَيْنِ. (في الكِتابِ) إمّا اللَّوْحُ، وإمّا القُرْآنُ، عَلى ما تَقَدَّمَ.
﴿مَسْطُورًا﴾ أيْ: مُثْبَتًا بِالأسْطارِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالخاتِمَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ، ولَمّا كانَ ما سَبَقَ أحْكامٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ فِيها أشْياءُ مِمّا كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، وأشْياءُ في الإسْلامِ نُسِخَتْ. أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ: في تَبْلِيغِ الشَّرائِعِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ، فَلَسْتُ بِدْعًا في تَبْلِيغِكَ عَنِ اللَّهِ. والعامِلُ في ”إذْ“، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَسْطُورًا)، أيْ: مَسْطُورًا في أُمِّ الكِتابِ، وحِينَ أخَذْنا. وقِيلَ: العامِلُ: واذْكُرْ حِينَ أخَذْنا، وهَذا المِيثاقُ هو في تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ، ولا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ مانِعٌ، لا مِن خَوْفٍ ولا طَمَعٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: أُخِذَ مِيثاقُهم بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ قَتادَةُ: بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والإعْلانِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإعْلانِ رَسُولِ اللَّهِ أنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللَّهُ حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ بِالتَّبْلِيغِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ النُّبُوَّةُ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وخُصَّ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ، وقِيلَ: هم أُولُو العَزْمِ، لِشَرَفِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ. وقُدِّمَ مُحَمَّدٌ، ﷺ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ مِنهم، وأكْثَرَهم أتْباعًا. وقُدِّمَ نُوحٌ في آيَةِ الشُّورى في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ؛ لِأنَّ إيرادَهُ عَلى خِلافِ الإيرادِ، فَهُناكَ أوْرَدَهُ عَلى طَرِيقِ وصْفِ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بُعِثَ عَلَيْهِ نُوحٌ في العَهْدِ القَدِيمِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ خاتَمُ الأنْبِياءِ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ المَشاهِيرِ.
والمِيثاقُ الثّانِي هو الأوَّلُ، وكُرِّرَ لِأجْلِ صِفَتِهِ. والغِلَظُ: مِن صِفَةِ الأجْسامِ، واسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى مُبالَغًا في حُرْمَتِهِ وعَظَمَتِهِ وثِقَلِ فَرْطِ تَحَمُّلِهِ. وقِيلَ: المِيثاقُ الغَلِيظُ: اليَمِينُ بِاللَّهِ عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلَهُ. واللّامُ في ﴿لِيَسْألَ﴾ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المِيثاقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا. والظّاهِرُ أنَّها لامُ ”كَيْ“، أيْ: بَعَثْنا الرُّسُلَ وأخَذْنا عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ في التَّبْلِيغِ، لِكَيْ يَجْعَلَ اللَّهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً يَسْألُها عَنْ صِدْقِها عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ، فَتُجِيبُ بِأنَّها قَدْ صَدَقَتِ اللَّهَ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ؛ وفِرْقَةً كَفَرَتْ، فَيَنالُها ما أعَدَّ لَها مِنَ العَذابِ. فالصّادِقُونَ عَلى هَذا المَسْئُولُونَ هُمُ: المُؤْمِنُونَ. والهاءُ في (صِدْقِهِمْ) عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، ومَفْعُولُ (صِدْقِهِمْ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهُ. أوْ يَكُونُ (صِدْقِهِمْ) في مَعْنى تَصْدِيقِهِمْ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَنْ تَصْدِيقِهِمُ الأنْبِياءَ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِلصّادِقِ صَدَقْتَ، كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ. أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِي أجابَتْهم بِهِ أُمَمَهم، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى؛ أوْ لِيَسْألَ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ؛ أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ إلى قَوْمِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ، (p-٢١٤)أيْ: إذا كانَ الأنْبِياءُ يُسْألُونَ، فَكَيْفَ بِمَن سِواهم ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ أرادَ المُؤَدِّينَ عَنِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وسُؤالُ الرُّسُلِ تَبْكِيتٌ لِلْكافِرِينَ بِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . (وأعَدَّ) مَعْطُوفٌ عَلى (أخَذْنا) لِأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدُّعاءَ إلى دِينِهِ لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ.
﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثِيبَ بِهِ الصّادِقُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وذُكِرَتِ العِلَّةُ؛ وحُذِفَ مِنَ الثّانِي العِلَّةُ، وذُكِرَ ما عُوقِبُوا بِهِ. وكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، فَأثابَهم؛ ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٥] و﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ بَلِيغَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] وأمْعَنّا الكَلامَ هُناكَ.
الأحزاب 33:3
سُورَةُ الأحْزابِ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ
﷽
(p-٢٠٧)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٦] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٤] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١] ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤] ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] ) (p-٢٠٨)الجَوْفُ: مَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أجْوافٌ. يَثْرِبُ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: أرْضُ المَدِينَةِ في ناحِيَةٍ مِنها. الحَنْجَرَةُ: رَأْسُ الغَلْصَمَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ والحُلْقُومُ: مَدْخَلُ الطَّعامِ والشَّرابِ. الأقْطارُ: النَّواحِي، واحِدُها قُطْرٌ، ويُقالُ: قُتْرٌ بِالتّاءِ، لُغَةٌ فِيهِ. عُوِّقَ عَنْ كَذا: تُثُبِّطَ عَنْهُ. سَلَقَهُ: اجْتَرَأ عَلَيْهِ وضَرَبَهُ، ويُقالُ: صَلَقَهُ بِالصّادِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقَةً وصُداءٍ ألْحَقَتْهم بِالثَّلَلْ
وقِيلَ: سَلَقَهُ: خاطَبَهُ مُخاطَبَةً بَلِيغَةً، ومِنهُ خَطِيبٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ، ولِسانٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ. النَّحْبُ: النُّذُرُ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎بِطِخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ
أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التُزِمَ القِيامُ بِهِ، وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا. الصَّياصِي: الحُصُونُ، واحِدُها صِيصَيَةٌ، وهي كُلُّ ما يُمْتَنَعُ بِهِ. ويُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ والظَّبْيِ، ولِشَوْكَةِ الدِّيكِ، وهي مِخْلَبُهُ الَّذِي في ساقِهِ لِأنَّهُ يَتَحَصَّنُ بِهِ. والصَّياصِي أيْضًا: شَوْكُ الحاكَةِ، ويُتَّخَذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎كَوَقْعِ الصَّياصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
الأُسْوَةُ: القُدْوَةُ، وتُضَمُّ هَمْزَتُهُ وتُكْسَرُ، ويَتَأسّى بِفُلانٍ: يَقْتَدِي بِهِ؛ والأُسْوَةُ مِنَ الِائْتِساءِ، كالقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ: اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ. التَّبَرُّجُ، قالَ اللَّيْثُ: تَبَرَّجَتْ: أبْدَتْ مَحاسِنَها مِن وجْهِها وجَسَدِها، ويُرى مَعَ ذَلِكَ مِن عَيْنِها حُسْنُ نَظَرٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُخْرِجُ مَحاسِنَها مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِنَ البَرَجِ، في عَيْنِهِ وفي أسْنانِهِ بَرَجٌ: أيْ: سِعَةٌ. الوَطَرُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كالأرَبِ، وأنْشَدَ لِلرَّبِيعِ بْنِ أصْبُغُ:(p-٢٠٩)
؎ودَّعْنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ: الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ، يُقالُ: ما قَضَيْتُ مِن لِقائِكَ وطَرًا، أيْ: ما اسْتَمْتَعْتُ بِكَ حَتّى تَشْتَهِيَ نَفْسِي؛ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
الجِلْبابُ: ثَوْبٌ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ.
* *
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .
(p-٢١٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ أنَّ نِداءَهُ ﷺ: (يا أيُّها النَّبِيُّ) ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] هو عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِمَةِ والتَّنْوِيهِ بِمَحَلِّهِ وفَضِيلَتِهِ، وجاءَ نِداءُ غَيْرِهِ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياآدَمُ﴾ [البقرة: ٣٣] ﴿يانُوحُ﴾ [هود: ٣٢] ﴿ياإبْراهِيمُ﴾ [هود: ٧٦] ﴿يامُوسى﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿ياداوُدُ﴾ [ص: ٢٦] ﴿ياعِيسى﴾ [آل عمران: ٥٥] . وحَيْثُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، صَرَّحَ بِاسْمِهِ فَقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أعْلَمَ أنَّهُ رَسُولُهُ، ولَقَّنَهم أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ. وحَيْثُ لَمْ يَقْصِدِ الإعْلامَ بِذَلِكَ، جاءَ اسْمُهُ كَما جاءَ في النِّداءِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ﴾ [الفرقان: ٣٠] ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيِ. وأمَرَهُ بِالتَّقْوى لِلْمُتَلَبِّسِ بِها، أمَرَ بِالدَّيْمُومَةِ عَلَيْها والِازْدِيادِ مِنها. والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ هو مَأْمُورًا بِذَلِكَ، فَغَيْرُهُ أوْلى بِالأمْرِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ لَفْظًا، وهو لِأُمَّتِهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانَ يُحِبُّ إسْلامَ اليَهُودِ، فَبايَعَهُ ناسٌ مِنهم عَلى النِّفاقِ، وكانَ يَلِينُ لَهم جانِبُهُ، وكانُوا يُظْهِرُونَ النَّصائِحَ في طُرُقِ المُخادَعَةِ، ولِحَلِفِهِ وحِرْصِهِ عَلى ائْتِلافِهِمْ رُبَّما كانَ يَسْمَعُ مِنهم، فَنَزَلَتْ تَحْذِيرًا لَهُ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لَهُ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا وقُلْ: إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ، ونَدَعُكَ ورَبَّكَ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وناسَبَ أنْ نَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ، وهُمُ المُتَظاهِرُونَ بِهِ، وعَنْ طاعَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبَطِّنُونَ الكُفْرَ. فالسَّبَبانِ حاوِيانِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا إلَيْكَ. ورُوِيَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ، ويُعْطُوهُ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، ويُزَوِّجَهُ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بِنْتَهُ؛ وخَوَّفَهُ مُنافِقُو المَدِينَةِ أنَّهم يَقْتُلُونَهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها واضِحَةٌ، وهو أنَّهُ حَكى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ الفَتْحَ، وهو الفَصْلُ بَيْنَهم، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، فَأمَرَهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِتَقْوى اللَّهِ، ونَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فِيما أرادُوا بِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلِيمًا بِالصَّوابِ مِنَ الخَطَأِ، والمَصْلَحَةِ مِنَ المَفْسَدَةِ؛ حَكِيمًا لا يَضَعُ الأشْياءَ إلّا مَواضِعَها مَنُوطَةً بِالحِكْمَةِ؛ أوْ عَلِيمًا حَيْثُ أمَرَ بِتَقْواهُ، وأنَّها تَكُونُ عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ، حَكِيمًا حَيْثُ نَهى عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: هي تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، أيْ: عَلِيمًا بِمَن يَتَّقِي، حَكِيمًا في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ. ثُمَّ أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهو القُرْآنُ، والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ، وتَرْكِ مَراسِيمِ الجاهِلِيَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”بِما يَعْمَلُونَ“، الأُولى والثّانِيَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، فَجازَ في الأُولى أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وجازَ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ (p-٢١١)بِتَفْوِيضِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (كَفى بِاللَّهِ) في أوَّلِ ما وقَعَ في القُرْآنِ. رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي فِهْرٍ رَجُلٌ فِيهِمْ يُقالُ لَهُ: أبُو مَعْمَرٍ جَمِيلُ بْنُ أسَدٍ، وقِيلَ: حُمَيْدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وهْبِ بْنِ حارِثَةَ بْنِ جُمَحَ، وفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
يَدَّعِي أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، ويُقالُ لَهُ: ذُو القَلْبَيْنِ، وكانَ يَقُولُ: أنا أذْكى مِن مُحَمَّدٍ وأفْهَمُ؛ فَلَمّا بَلَغَتْهُ هَزِيمَةُ بَدْرٍ طاشَ لُبُّهُ وحَدَّثَ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِحَدِيثٍ كالمُخْتَلِّ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: هم جَماعَةٌ، يَقُولُ الواحِدُ مِنهم: نَفْسٌ تَأْمُرُنِي ونَفْسٌ تَنْهانِي. وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ إنَّ مُحَمَّدًا لَهُ قَلْبانِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ في شَيْءٍ، فَنَزَعَ في غَيْرِهِ نَزْعَةً ثُمَّ عادَ إلى شَأْنِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ أحَدٍ. قِيلَ: وجْهُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّقْوى، كانَ مِن حَقِّها أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المَرْءَ لَيْسَ لَهُ قَلْبانِ يَتَّقِي بِأحَدِهِما اللَّهَ وبِالآخَرِ غَيْرَهُ، وهو لا يَتَّقِي غَيْرَهُ إلّا بِصَرْفِ القَلْبِ عَنْ جِهَةِ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَتَّقِي اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. انْتَهى، مُلَخَّصًا. ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَفْعَلَ أحَدُهُما مِثْلَ ما يَفْعَلُ الآخَرُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَلا حاجَةَ إلى أحَدِهِما، أوْ غَيْرَهُ، فَيُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الإنْسانِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا عالِمًا ظانًّا شاكًّا مُوقِنًا في حالٍ واحِدَةٍ. وذُكِرَ الجَوْفُ، وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا بِالجَوْفِ، زِيادَةً لِلتَّصْوِيرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . فَإذا سَمِعَ بِذَلِكَ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ يُسْرِعُ إلى إنْكارِ ذَلِكَ.
﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمْ﴾ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى الزَّوْجَةَ المُظاهَرَ مِنها أُمًّا؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ كالمَمْلُوكِ، وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ. وقَرَأ قالُونُ وقُنْبُلٌ: ﴿اللّائِي﴾ هُنا، وفي المُجادِلَةِ والطَّلاقِ: بِالهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ ووَرْشٌ: بِياءٍ مُخْتَلِسَةِ الكَسْرَةِ؛ والبَزِّيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وهو بَدَلٌ مَسْمُوعٌ لا مَقِيسٌ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالهَمْزِ وياءٍ بَعْدَها. وقَرَأ عاصِمٌ: ﴿تُظاهِرُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وفي المُجادِلَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، مُضارِعَ ”ظاهَرَ“؛ وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ: الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو؛ وبِشَدِّ الظّاءِ وألِفٍ بَعْدَها: ابْنُ عامِرٍ؛ وبِتَخْفِيفِها والألِفِ: حَمْزَةُ والكِسائِيُّ؛ ووافَقَ ابْنُ عامِرٍ الآخَرِينَ في المُجادِلَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ فِيها بِشَدِّها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الظّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، مُضارِعَ أظْهَرَ؛ وفِيما حَكى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَنْهُ: بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، لِحَذْفِهِمْ تاءَ المُطاوَعَةِ وشَدِّ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ وشَدِّ الهاءِ، مُضارِعَ ظَهَّرَ، مُشَدَّدِ الهاءِ. وقَرَأ هارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِفَتْحِ التّاءِ والهاءِ وسُكُونِ الظّاءِ، مُضارِعَ ظَهَرَ، مُخَفَّفِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”تَتَظَهَّرُونَ“، بِتاءَيْنِ. فَتِلْكَ تِسْعُ قِراءاتٍ، والمَعْنى: قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَتِلْكَ الأفْعالُ مَأْخُوذَةٌ مِن هَذا اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: لَبّى المُحْرِمُ إذا قالَ: لَبَّيْكَ، وأفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ. وعُدِّيَ الفِعْلُ بِمِن؛ لِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَيَتَجَنَّبُونَ المُظاهَرَ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ تَباعَدَ مِنها بِجِهَةِ الظِّهارِ وغَيْرِهِ، أيْ: مِنِ امْرَأتِهِ. لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَّباعُدِ، عُدِّيَ بِمِن، وكَنَّوْا عَنِ البَطْنِ بِالظَّهْرِ إبْعادًا لِما يُقارِبُ الفَرْجَ، ولِكَوْنِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ: يَحْرُمُ إتْيانُ المَرْأةِ وظَهْرُها لِلسَّماءِ، وأهْلُ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: يَجِيءُ الوَلَدُ إذْ ذاكَ أحْوَلَ، فَبالَغُوا في التَّغْلِيظِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فَشَبَّهَها بِالظَّهْرِ، ثُمَّ بالَغَ فَجَعَلَها كَظَهْرِ أُمِّهِ. ورُوِيَ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجاءَ أبُوهُ وعَمُّهُ بِفِدائِهِ، وذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ.
﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ: وكانُوا (p-٢١٢)فِي الجاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الإسْلامِ إذا تَبَنّى الرَّجُلُ ولَدَ غَيْرِهِ صارَ يَرِثُهُ. وأدْعِياءُ: جَمْعُ دَعِيٍّ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، جاءَ شاذًّا، وقِياسُهُ فَعْلى، كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وإنَّما هَذا الجَمْعُ قِياسُ فَعِيلٍ المُعْتَلِّ اللّامِ بِمَعْنى فاعِلٍ، نَحْوُ تَقِيٍّ وأتْقِياءَ. شَبَّهُوا أدْعِياءَ بِتَقِيٍّ، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ شُذُوذًا، كَما شَذُّوا في جَمْعِ أسِيرٍ وقَتِيلٍ فَقالُوا: أُسَراءَ وقُتَلاءَ، وقَدْ سُمِعَ المَقِيسُ فِيهِما فَقالُوا: أسْرى وقَتْلى. والبُنُوَّةُ تَقْتَضِي التَّأصُّلَ في النَّسَبِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقَ عارِضٍ بِالتَّسْمِيَةِ، فَلا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ. (ذَلِكم) أيْ: دُعاؤُهم أبْناءَ مُجَرَّدُ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لِمَدْلُولِهِ، إذْ لا يُواطِئُ اللَّفْظُ الِاعْتِقادَ، إذْ يُعْلَمُ حَقِيقَةً أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ.
﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيْ: ما يُوافِقُ ظاهِرًا وباطِنًا.
﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ أوْ سَبِيلَ الشَّرْعِ والإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِي مُضارِعَ هَدى؛ وقَتادَةُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدّالِ. و﴿أقْسَطُ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أواخِرِ البَقَرَةِ، ومَعْناهُ: أعْدَلُ. ولَمّا أمَرَ بِأنْ يُدْعى المُتَبَنّى لِأبِيهِ إنْ عُلِمَ قالُوا: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ ﴿ومَوالِيكُمْ﴾؛ ولِذَلِكَ قالُوا: سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ أبا بَكْرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِّينِ ومَوْلاكم. قالَ الرّازِيُّ: ولَوْ عَلِمَ واللَّهِ أباهُ حِمارًا لانْتَمى إلَيْهِ، ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ. وفي الحَدِيثِ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .
﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قِيلَ: رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهم فِيما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ بِالخَطَأِ ما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ. وقِيلَ: فِيما سَبَقَ إلَيْهِ اللِّسانُ. إمّا عَلى سَبِيلِ الغَلَطِ، إنْ كانَ سَبَقَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ قَبْلَ النَّهْيِ، فَجَرى ذَلِكَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ غَلَطًا، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ، إذْ كَثِيرًا ما يَقُولُ الإنْسانُ لِلصَّغِيرِ: يا بُنَيَّ، كَما يَقُولُ لِلْكَبِيرِ: يا أبِي، عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ. و”ما“ عَطْفٌ عَلى ”ما أخْطَأْتُمْ“، أيْ: ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أيْ: ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا) لِلْعامِدِ إذا تابَ (رَحِيمًا) حَيْثُ رَفَعَ الجُناحَ عَنِ المُخْطِئِ.
وكَوْنُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أرْأفُ بِهِمْ وأعْطَفُ عَلَيْهِمْ، إذْ هو يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ، وأنْفُسُهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ. ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا آخِذٌ بِحُجَزِكم عَنِ النّارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقَحُّمَ الفَراشِ» . ومِن حَيْثُ يَنْزِلُ لَهم مَنزِلَةَ الأبِ. وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“، يَعْنِي في الدِّينِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ. وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَؤُلاءِ بَناتِي، إنَّهُ أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: بَناتُهُ في الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] أيْ: في الدِّينِ. وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ هَلَكَ وتَرَكَ مالًا، فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا؛ وإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضِياعًا فَإلَيَّ. قِيلَ: وأطْلَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمْ يُقَيِّدْ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذَ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحُقُوقُهُ آثَرَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ في حَقِّهِ. انْتَهى. ولَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى، لَكانَ التَّرْكِيبُ: المُؤْمِنُونَ أوْلى بِالنَّبِيِّ مِنهم بِأنْفُسِهِمْ.
﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في التَّوْقِيرِ والِاحْتِرامِ. وفي بَعْضِ الأحْكامِ: مِن تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا جَرَيْنَ فِيهِ مَجْرى الأجانِبِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ﴾ كُلُّ مَن أُطْلِقَ عَلَيْها أنَّها زَوْجَةٌ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مَن طَلَّقَها ومَن لَمْ يُطَلِّقْها. وقِيلَ: لا يَثْبُتُ هَذا الحُكْمُ لِمُطَلَّقَةٍ. وقِيلَ: مَن دَخَلَ بِها ثَبَتَتْ حُرْمَتُها قَطْعًا. وهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِ امْرَأةٍ فارَقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ونَكَحَتْ بَعْدَهُ، فَقالَتْ لَهُ: ولِمَ هَذا، وما ضَرَبَ عَلَيَّ حِجابًا، ولا سُمِّيتُ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا ؟ فَكَفَّ عَنْها. كانَ أوَّلًا بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ بِالتَّوارُثِ مِنَ الأخِ في الإسْلامِ، أوْ بِالهِجْرَةِ في كِتابِ اللَّهِ، أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مِنَ (p-٢١٣)المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ، أيْ: أوْلى مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ. وهَذا هو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ ”مِن“ هُنا كَهي في: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِأُولِي الأرْحامِ، أيِ: الأقْرِباءُ مِن هَؤُلاءِ بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ. انْتَهى. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أقْسامِهِ، مِن قَرِيبٍ وأجْنَبِيٍّ، مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَصِلُهُ في حَياتِهِ، ويُوصِي لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ وعَطاءٌ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
وسِياقُ ما تَقَدَّمَ في المُؤْمِنِينَ يُعَضِّدُ هَذا، لَكِنَّ وِلايَةَ النَّسَبِ لا تُدْفَعُ في الكافِرِ، إنَّما تُدْفَعُ في أنْ تُلْقِيَ إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ، كَوَلِيِّ الإسْلامِ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا﴾ هو مِمّا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، أيْ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في النَّفْعِ بِمِيراثٍ وغَيْرِهِ. وعُدِّيَ بِـ: إلى؛ لِأنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تُوصِلُوا إلى أوْلِيائِكم، كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما في الآيَتَيْنِ. (في الكِتابِ) إمّا اللَّوْحُ، وإمّا القُرْآنُ، عَلى ما تَقَدَّمَ.
﴿مَسْطُورًا﴾ أيْ: مُثْبَتًا بِالأسْطارِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالخاتِمَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ، ولَمّا كانَ ما سَبَقَ أحْكامٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ فِيها أشْياءُ مِمّا كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، وأشْياءُ في الإسْلامِ نُسِخَتْ. أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ: في تَبْلِيغِ الشَّرائِعِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ، فَلَسْتُ بِدْعًا في تَبْلِيغِكَ عَنِ اللَّهِ. والعامِلُ في ”إذْ“، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَسْطُورًا)، أيْ: مَسْطُورًا في أُمِّ الكِتابِ، وحِينَ أخَذْنا. وقِيلَ: العامِلُ: واذْكُرْ حِينَ أخَذْنا، وهَذا المِيثاقُ هو في تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ، ولا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ مانِعٌ، لا مِن خَوْفٍ ولا طَمَعٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: أُخِذَ مِيثاقُهم بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ قَتادَةُ: بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والإعْلانِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإعْلانِ رَسُولِ اللَّهِ أنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللَّهُ حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ بِالتَّبْلِيغِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ النُّبُوَّةُ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وخُصَّ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ، وقِيلَ: هم أُولُو العَزْمِ، لِشَرَفِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ. وقُدِّمَ مُحَمَّدٌ، ﷺ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ مِنهم، وأكْثَرَهم أتْباعًا. وقُدِّمَ نُوحٌ في آيَةِ الشُّورى في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ؛ لِأنَّ إيرادَهُ عَلى خِلافِ الإيرادِ، فَهُناكَ أوْرَدَهُ عَلى طَرِيقِ وصْفِ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بُعِثَ عَلَيْهِ نُوحٌ في العَهْدِ القَدِيمِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ خاتَمُ الأنْبِياءِ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ المَشاهِيرِ.
والمِيثاقُ الثّانِي هو الأوَّلُ، وكُرِّرَ لِأجْلِ صِفَتِهِ. والغِلَظُ: مِن صِفَةِ الأجْسامِ، واسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى مُبالَغًا في حُرْمَتِهِ وعَظَمَتِهِ وثِقَلِ فَرْطِ تَحَمُّلِهِ. وقِيلَ: المِيثاقُ الغَلِيظُ: اليَمِينُ بِاللَّهِ عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلَهُ. واللّامُ في ﴿لِيَسْألَ﴾ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المِيثاقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا. والظّاهِرُ أنَّها لامُ ”كَيْ“، أيْ: بَعَثْنا الرُّسُلَ وأخَذْنا عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ في التَّبْلِيغِ، لِكَيْ يَجْعَلَ اللَّهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً يَسْألُها عَنْ صِدْقِها عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ، فَتُجِيبُ بِأنَّها قَدْ صَدَقَتِ اللَّهَ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ؛ وفِرْقَةً كَفَرَتْ، فَيَنالُها ما أعَدَّ لَها مِنَ العَذابِ. فالصّادِقُونَ عَلى هَذا المَسْئُولُونَ هُمُ: المُؤْمِنُونَ. والهاءُ في (صِدْقِهِمْ) عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، ومَفْعُولُ (صِدْقِهِمْ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهُ. أوْ يَكُونُ (صِدْقِهِمْ) في مَعْنى تَصْدِيقِهِمْ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَنْ تَصْدِيقِهِمُ الأنْبِياءَ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِلصّادِقِ صَدَقْتَ، كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ. أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِي أجابَتْهم بِهِ أُمَمَهم، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى؛ أوْ لِيَسْألَ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ؛ أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ إلى قَوْمِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ، (p-٢١٤)أيْ: إذا كانَ الأنْبِياءُ يُسْألُونَ، فَكَيْفَ بِمَن سِواهم ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ أرادَ المُؤَدِّينَ عَنِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وسُؤالُ الرُّسُلِ تَبْكِيتٌ لِلْكافِرِينَ بِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . (وأعَدَّ) مَعْطُوفٌ عَلى (أخَذْنا) لِأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدُّعاءَ إلى دِينِهِ لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ.
﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثِيبَ بِهِ الصّادِقُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وذُكِرَتِ العِلَّةُ؛ وحُذِفَ مِنَ الثّانِي العِلَّةُ، وذُكِرَ ما عُوقِبُوا بِهِ. وكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، فَأثابَهم؛ ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٥] و﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ بَلِيغَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] وأمْعَنّا الكَلامَ هُناكَ.
الأحزاب 33:4
سُورَةُ الأحْزابِ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ
﷽
(p-٢٠٧)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٦] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٤] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١] ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤] ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] ) (p-٢٠٨)الجَوْفُ: مَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أجْوافٌ. يَثْرِبُ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: أرْضُ المَدِينَةِ في ناحِيَةٍ مِنها. الحَنْجَرَةُ: رَأْسُ الغَلْصَمَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ والحُلْقُومُ: مَدْخَلُ الطَّعامِ والشَّرابِ. الأقْطارُ: النَّواحِي، واحِدُها قُطْرٌ، ويُقالُ: قُتْرٌ بِالتّاءِ، لُغَةٌ فِيهِ. عُوِّقَ عَنْ كَذا: تُثُبِّطَ عَنْهُ. سَلَقَهُ: اجْتَرَأ عَلَيْهِ وضَرَبَهُ، ويُقالُ: صَلَقَهُ بِالصّادِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقَةً وصُداءٍ ألْحَقَتْهم بِالثَّلَلْ
وقِيلَ: سَلَقَهُ: خاطَبَهُ مُخاطَبَةً بَلِيغَةً، ومِنهُ خَطِيبٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ، ولِسانٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ. النَّحْبُ: النُّذُرُ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎بِطِخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ
أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التُزِمَ القِيامُ بِهِ، وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا. الصَّياصِي: الحُصُونُ، واحِدُها صِيصَيَةٌ، وهي كُلُّ ما يُمْتَنَعُ بِهِ. ويُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ والظَّبْيِ، ولِشَوْكَةِ الدِّيكِ، وهي مِخْلَبُهُ الَّذِي في ساقِهِ لِأنَّهُ يَتَحَصَّنُ بِهِ. والصَّياصِي أيْضًا: شَوْكُ الحاكَةِ، ويُتَّخَذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎كَوَقْعِ الصَّياصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
الأُسْوَةُ: القُدْوَةُ، وتُضَمُّ هَمْزَتُهُ وتُكْسَرُ، ويَتَأسّى بِفُلانٍ: يَقْتَدِي بِهِ؛ والأُسْوَةُ مِنَ الِائْتِساءِ، كالقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ: اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ. التَّبَرُّجُ، قالَ اللَّيْثُ: تَبَرَّجَتْ: أبْدَتْ مَحاسِنَها مِن وجْهِها وجَسَدِها، ويُرى مَعَ ذَلِكَ مِن عَيْنِها حُسْنُ نَظَرٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُخْرِجُ مَحاسِنَها مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِنَ البَرَجِ، في عَيْنِهِ وفي أسْنانِهِ بَرَجٌ: أيْ: سِعَةٌ. الوَطَرُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كالأرَبِ، وأنْشَدَ لِلرَّبِيعِ بْنِ أصْبُغُ:(p-٢٠٩)
؎ودَّعْنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ: الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ، يُقالُ: ما قَضَيْتُ مِن لِقائِكَ وطَرًا، أيْ: ما اسْتَمْتَعْتُ بِكَ حَتّى تَشْتَهِيَ نَفْسِي؛ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
الجِلْبابُ: ثَوْبٌ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ.
* *
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .
(p-٢١٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ أنَّ نِداءَهُ ﷺ: (يا أيُّها النَّبِيُّ) ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] هو عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِمَةِ والتَّنْوِيهِ بِمَحَلِّهِ وفَضِيلَتِهِ، وجاءَ نِداءُ غَيْرِهِ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياآدَمُ﴾ [البقرة: ٣٣] ﴿يانُوحُ﴾ [هود: ٣٢] ﴿ياإبْراهِيمُ﴾ [هود: ٧٦] ﴿يامُوسى﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿ياداوُدُ﴾ [ص: ٢٦] ﴿ياعِيسى﴾ [آل عمران: ٥٥] . وحَيْثُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، صَرَّحَ بِاسْمِهِ فَقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أعْلَمَ أنَّهُ رَسُولُهُ، ولَقَّنَهم أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ. وحَيْثُ لَمْ يَقْصِدِ الإعْلامَ بِذَلِكَ، جاءَ اسْمُهُ كَما جاءَ في النِّداءِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ﴾ [الفرقان: ٣٠] ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيِ. وأمَرَهُ بِالتَّقْوى لِلْمُتَلَبِّسِ بِها، أمَرَ بِالدَّيْمُومَةِ عَلَيْها والِازْدِيادِ مِنها. والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ هو مَأْمُورًا بِذَلِكَ، فَغَيْرُهُ أوْلى بِالأمْرِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ لَفْظًا، وهو لِأُمَّتِهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانَ يُحِبُّ إسْلامَ اليَهُودِ، فَبايَعَهُ ناسٌ مِنهم عَلى النِّفاقِ، وكانَ يَلِينُ لَهم جانِبُهُ، وكانُوا يُظْهِرُونَ النَّصائِحَ في طُرُقِ المُخادَعَةِ، ولِحَلِفِهِ وحِرْصِهِ عَلى ائْتِلافِهِمْ رُبَّما كانَ يَسْمَعُ مِنهم، فَنَزَلَتْ تَحْذِيرًا لَهُ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لَهُ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا وقُلْ: إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ، ونَدَعُكَ ورَبَّكَ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وناسَبَ أنْ نَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ، وهُمُ المُتَظاهِرُونَ بِهِ، وعَنْ طاعَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبَطِّنُونَ الكُفْرَ. فالسَّبَبانِ حاوِيانِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا إلَيْكَ. ورُوِيَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ، ويُعْطُوهُ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، ويُزَوِّجَهُ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بِنْتَهُ؛ وخَوَّفَهُ مُنافِقُو المَدِينَةِ أنَّهم يَقْتُلُونَهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها واضِحَةٌ، وهو أنَّهُ حَكى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ الفَتْحَ، وهو الفَصْلُ بَيْنَهم، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، فَأمَرَهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِتَقْوى اللَّهِ، ونَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فِيما أرادُوا بِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلِيمًا بِالصَّوابِ مِنَ الخَطَأِ، والمَصْلَحَةِ مِنَ المَفْسَدَةِ؛ حَكِيمًا لا يَضَعُ الأشْياءَ إلّا مَواضِعَها مَنُوطَةً بِالحِكْمَةِ؛ أوْ عَلِيمًا حَيْثُ أمَرَ بِتَقْواهُ، وأنَّها تَكُونُ عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ، حَكِيمًا حَيْثُ نَهى عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: هي تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، أيْ: عَلِيمًا بِمَن يَتَّقِي، حَكِيمًا في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ. ثُمَّ أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهو القُرْآنُ، والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ، وتَرْكِ مَراسِيمِ الجاهِلِيَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”بِما يَعْمَلُونَ“، الأُولى والثّانِيَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، فَجازَ في الأُولى أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وجازَ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ (p-٢١١)بِتَفْوِيضِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (كَفى بِاللَّهِ) في أوَّلِ ما وقَعَ في القُرْآنِ. رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي فِهْرٍ رَجُلٌ فِيهِمْ يُقالُ لَهُ: أبُو مَعْمَرٍ جَمِيلُ بْنُ أسَدٍ، وقِيلَ: حُمَيْدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وهْبِ بْنِ حارِثَةَ بْنِ جُمَحَ، وفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
يَدَّعِي أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، ويُقالُ لَهُ: ذُو القَلْبَيْنِ، وكانَ يَقُولُ: أنا أذْكى مِن مُحَمَّدٍ وأفْهَمُ؛ فَلَمّا بَلَغَتْهُ هَزِيمَةُ بَدْرٍ طاشَ لُبُّهُ وحَدَّثَ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِحَدِيثٍ كالمُخْتَلِّ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: هم جَماعَةٌ، يَقُولُ الواحِدُ مِنهم: نَفْسٌ تَأْمُرُنِي ونَفْسٌ تَنْهانِي. وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ إنَّ مُحَمَّدًا لَهُ قَلْبانِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ في شَيْءٍ، فَنَزَعَ في غَيْرِهِ نَزْعَةً ثُمَّ عادَ إلى شَأْنِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ أحَدٍ. قِيلَ: وجْهُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّقْوى، كانَ مِن حَقِّها أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المَرْءَ لَيْسَ لَهُ قَلْبانِ يَتَّقِي بِأحَدِهِما اللَّهَ وبِالآخَرِ غَيْرَهُ، وهو لا يَتَّقِي غَيْرَهُ إلّا بِصَرْفِ القَلْبِ عَنْ جِهَةِ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَتَّقِي اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. انْتَهى، مُلَخَّصًا. ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَفْعَلَ أحَدُهُما مِثْلَ ما يَفْعَلُ الآخَرُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَلا حاجَةَ إلى أحَدِهِما، أوْ غَيْرَهُ، فَيُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الإنْسانِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا عالِمًا ظانًّا شاكًّا مُوقِنًا في حالٍ واحِدَةٍ. وذُكِرَ الجَوْفُ، وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا بِالجَوْفِ، زِيادَةً لِلتَّصْوِيرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . فَإذا سَمِعَ بِذَلِكَ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ يُسْرِعُ إلى إنْكارِ ذَلِكَ.
﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمْ﴾ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى الزَّوْجَةَ المُظاهَرَ مِنها أُمًّا؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ كالمَمْلُوكِ، وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ. وقَرَأ قالُونُ وقُنْبُلٌ: ﴿اللّائِي﴾ هُنا، وفي المُجادِلَةِ والطَّلاقِ: بِالهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ ووَرْشٌ: بِياءٍ مُخْتَلِسَةِ الكَسْرَةِ؛ والبَزِّيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وهو بَدَلٌ مَسْمُوعٌ لا مَقِيسٌ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالهَمْزِ وياءٍ بَعْدَها. وقَرَأ عاصِمٌ: ﴿تُظاهِرُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وفي المُجادِلَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، مُضارِعَ ”ظاهَرَ“؛ وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ: الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو؛ وبِشَدِّ الظّاءِ وألِفٍ بَعْدَها: ابْنُ عامِرٍ؛ وبِتَخْفِيفِها والألِفِ: حَمْزَةُ والكِسائِيُّ؛ ووافَقَ ابْنُ عامِرٍ الآخَرِينَ في المُجادِلَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ فِيها بِشَدِّها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الظّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، مُضارِعَ أظْهَرَ؛ وفِيما حَكى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَنْهُ: بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، لِحَذْفِهِمْ تاءَ المُطاوَعَةِ وشَدِّ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ وشَدِّ الهاءِ، مُضارِعَ ظَهَّرَ، مُشَدَّدِ الهاءِ. وقَرَأ هارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِفَتْحِ التّاءِ والهاءِ وسُكُونِ الظّاءِ، مُضارِعَ ظَهَرَ، مُخَفَّفِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”تَتَظَهَّرُونَ“، بِتاءَيْنِ. فَتِلْكَ تِسْعُ قِراءاتٍ، والمَعْنى: قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَتِلْكَ الأفْعالُ مَأْخُوذَةٌ مِن هَذا اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: لَبّى المُحْرِمُ إذا قالَ: لَبَّيْكَ، وأفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ. وعُدِّيَ الفِعْلُ بِمِن؛ لِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَيَتَجَنَّبُونَ المُظاهَرَ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ تَباعَدَ مِنها بِجِهَةِ الظِّهارِ وغَيْرِهِ، أيْ: مِنِ امْرَأتِهِ. لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَّباعُدِ، عُدِّيَ بِمِن، وكَنَّوْا عَنِ البَطْنِ بِالظَّهْرِ إبْعادًا لِما يُقارِبُ الفَرْجَ، ولِكَوْنِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ: يَحْرُمُ إتْيانُ المَرْأةِ وظَهْرُها لِلسَّماءِ، وأهْلُ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: يَجِيءُ الوَلَدُ إذْ ذاكَ أحْوَلَ، فَبالَغُوا في التَّغْلِيظِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فَشَبَّهَها بِالظَّهْرِ، ثُمَّ بالَغَ فَجَعَلَها كَظَهْرِ أُمِّهِ. ورُوِيَ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجاءَ أبُوهُ وعَمُّهُ بِفِدائِهِ، وذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ.
﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ: وكانُوا (p-٢١٢)فِي الجاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الإسْلامِ إذا تَبَنّى الرَّجُلُ ولَدَ غَيْرِهِ صارَ يَرِثُهُ. وأدْعِياءُ: جَمْعُ دَعِيٍّ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، جاءَ شاذًّا، وقِياسُهُ فَعْلى، كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وإنَّما هَذا الجَمْعُ قِياسُ فَعِيلٍ المُعْتَلِّ اللّامِ بِمَعْنى فاعِلٍ، نَحْوُ تَقِيٍّ وأتْقِياءَ. شَبَّهُوا أدْعِياءَ بِتَقِيٍّ، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ شُذُوذًا، كَما شَذُّوا في جَمْعِ أسِيرٍ وقَتِيلٍ فَقالُوا: أُسَراءَ وقُتَلاءَ، وقَدْ سُمِعَ المَقِيسُ فِيهِما فَقالُوا: أسْرى وقَتْلى. والبُنُوَّةُ تَقْتَضِي التَّأصُّلَ في النَّسَبِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقَ عارِضٍ بِالتَّسْمِيَةِ، فَلا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ. (ذَلِكم) أيْ: دُعاؤُهم أبْناءَ مُجَرَّدُ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لِمَدْلُولِهِ، إذْ لا يُواطِئُ اللَّفْظُ الِاعْتِقادَ، إذْ يُعْلَمُ حَقِيقَةً أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ.
﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيْ: ما يُوافِقُ ظاهِرًا وباطِنًا.
﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ أوْ سَبِيلَ الشَّرْعِ والإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِي مُضارِعَ هَدى؛ وقَتادَةُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدّالِ. و﴿أقْسَطُ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أواخِرِ البَقَرَةِ، ومَعْناهُ: أعْدَلُ. ولَمّا أمَرَ بِأنْ يُدْعى المُتَبَنّى لِأبِيهِ إنْ عُلِمَ قالُوا: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ ﴿ومَوالِيكُمْ﴾؛ ولِذَلِكَ قالُوا: سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ أبا بَكْرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِّينِ ومَوْلاكم. قالَ الرّازِيُّ: ولَوْ عَلِمَ واللَّهِ أباهُ حِمارًا لانْتَمى إلَيْهِ، ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ. وفي الحَدِيثِ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .
﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قِيلَ: رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهم فِيما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ بِالخَطَأِ ما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ. وقِيلَ: فِيما سَبَقَ إلَيْهِ اللِّسانُ. إمّا عَلى سَبِيلِ الغَلَطِ، إنْ كانَ سَبَقَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ قَبْلَ النَّهْيِ، فَجَرى ذَلِكَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ غَلَطًا، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ، إذْ كَثِيرًا ما يَقُولُ الإنْسانُ لِلصَّغِيرِ: يا بُنَيَّ، كَما يَقُولُ لِلْكَبِيرِ: يا أبِي، عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ. و”ما“ عَطْفٌ عَلى ”ما أخْطَأْتُمْ“، أيْ: ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أيْ: ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا) لِلْعامِدِ إذا تابَ (رَحِيمًا) حَيْثُ رَفَعَ الجُناحَ عَنِ المُخْطِئِ.
وكَوْنُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أرْأفُ بِهِمْ وأعْطَفُ عَلَيْهِمْ، إذْ هو يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ، وأنْفُسُهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ. ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا آخِذٌ بِحُجَزِكم عَنِ النّارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقَحُّمَ الفَراشِ» . ومِن حَيْثُ يَنْزِلُ لَهم مَنزِلَةَ الأبِ. وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“، يَعْنِي في الدِّينِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ. وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَؤُلاءِ بَناتِي، إنَّهُ أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: بَناتُهُ في الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] أيْ: في الدِّينِ. وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ هَلَكَ وتَرَكَ مالًا، فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا؛ وإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضِياعًا فَإلَيَّ. قِيلَ: وأطْلَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمْ يُقَيِّدْ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذَ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحُقُوقُهُ آثَرَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ في حَقِّهِ. انْتَهى. ولَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى، لَكانَ التَّرْكِيبُ: المُؤْمِنُونَ أوْلى بِالنَّبِيِّ مِنهم بِأنْفُسِهِمْ.
﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في التَّوْقِيرِ والِاحْتِرامِ. وفي بَعْضِ الأحْكامِ: مِن تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا جَرَيْنَ فِيهِ مَجْرى الأجانِبِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ﴾ كُلُّ مَن أُطْلِقَ عَلَيْها أنَّها زَوْجَةٌ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مَن طَلَّقَها ومَن لَمْ يُطَلِّقْها. وقِيلَ: لا يَثْبُتُ هَذا الحُكْمُ لِمُطَلَّقَةٍ. وقِيلَ: مَن دَخَلَ بِها ثَبَتَتْ حُرْمَتُها قَطْعًا. وهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِ امْرَأةٍ فارَقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ونَكَحَتْ بَعْدَهُ، فَقالَتْ لَهُ: ولِمَ هَذا، وما ضَرَبَ عَلَيَّ حِجابًا، ولا سُمِّيتُ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا ؟ فَكَفَّ عَنْها. كانَ أوَّلًا بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ بِالتَّوارُثِ مِنَ الأخِ في الإسْلامِ، أوْ بِالهِجْرَةِ في كِتابِ اللَّهِ، أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مِنَ (p-٢١٣)المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ، أيْ: أوْلى مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ. وهَذا هو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ ”مِن“ هُنا كَهي في: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِأُولِي الأرْحامِ، أيِ: الأقْرِباءُ مِن هَؤُلاءِ بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ. انْتَهى. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أقْسامِهِ، مِن قَرِيبٍ وأجْنَبِيٍّ، مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَصِلُهُ في حَياتِهِ، ويُوصِي لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ وعَطاءٌ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
وسِياقُ ما تَقَدَّمَ في المُؤْمِنِينَ يُعَضِّدُ هَذا، لَكِنَّ وِلايَةَ النَّسَبِ لا تُدْفَعُ في الكافِرِ، إنَّما تُدْفَعُ في أنْ تُلْقِيَ إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ، كَوَلِيِّ الإسْلامِ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا﴾ هو مِمّا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، أيْ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في النَّفْعِ بِمِيراثٍ وغَيْرِهِ. وعُدِّيَ بِـ: إلى؛ لِأنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تُوصِلُوا إلى أوْلِيائِكم، كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما في الآيَتَيْنِ. (في الكِتابِ) إمّا اللَّوْحُ، وإمّا القُرْآنُ، عَلى ما تَقَدَّمَ.
﴿مَسْطُورًا﴾ أيْ: مُثْبَتًا بِالأسْطارِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالخاتِمَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ، ولَمّا كانَ ما سَبَقَ أحْكامٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ فِيها أشْياءُ مِمّا كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، وأشْياءُ في الإسْلامِ نُسِخَتْ. أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ: في تَبْلِيغِ الشَّرائِعِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ، فَلَسْتُ بِدْعًا في تَبْلِيغِكَ عَنِ اللَّهِ. والعامِلُ في ”إذْ“، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَسْطُورًا)، أيْ: مَسْطُورًا في أُمِّ الكِتابِ، وحِينَ أخَذْنا. وقِيلَ: العامِلُ: واذْكُرْ حِينَ أخَذْنا، وهَذا المِيثاقُ هو في تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ، ولا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ مانِعٌ، لا مِن خَوْفٍ ولا طَمَعٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: أُخِذَ مِيثاقُهم بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ قَتادَةُ: بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والإعْلانِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإعْلانِ رَسُولِ اللَّهِ أنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللَّهُ حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ بِالتَّبْلِيغِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ النُّبُوَّةُ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وخُصَّ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ، وقِيلَ: هم أُولُو العَزْمِ، لِشَرَفِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ. وقُدِّمَ مُحَمَّدٌ، ﷺ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ مِنهم، وأكْثَرَهم أتْباعًا. وقُدِّمَ نُوحٌ في آيَةِ الشُّورى في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ؛ لِأنَّ إيرادَهُ عَلى خِلافِ الإيرادِ، فَهُناكَ أوْرَدَهُ عَلى طَرِيقِ وصْفِ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بُعِثَ عَلَيْهِ نُوحٌ في العَهْدِ القَدِيمِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ خاتَمُ الأنْبِياءِ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ المَشاهِيرِ.
والمِيثاقُ الثّانِي هو الأوَّلُ، وكُرِّرَ لِأجْلِ صِفَتِهِ. والغِلَظُ: مِن صِفَةِ الأجْسامِ، واسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى مُبالَغًا في حُرْمَتِهِ وعَظَمَتِهِ وثِقَلِ فَرْطِ تَحَمُّلِهِ. وقِيلَ: المِيثاقُ الغَلِيظُ: اليَمِينُ بِاللَّهِ عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلَهُ. واللّامُ في ﴿لِيَسْألَ﴾ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المِيثاقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا. والظّاهِرُ أنَّها لامُ ”كَيْ“، أيْ: بَعَثْنا الرُّسُلَ وأخَذْنا عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ في التَّبْلِيغِ، لِكَيْ يَجْعَلَ اللَّهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً يَسْألُها عَنْ صِدْقِها عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ، فَتُجِيبُ بِأنَّها قَدْ صَدَقَتِ اللَّهَ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ؛ وفِرْقَةً كَفَرَتْ، فَيَنالُها ما أعَدَّ لَها مِنَ العَذابِ. فالصّادِقُونَ عَلى هَذا المَسْئُولُونَ هُمُ: المُؤْمِنُونَ. والهاءُ في (صِدْقِهِمْ) عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، ومَفْعُولُ (صِدْقِهِمْ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهُ. أوْ يَكُونُ (صِدْقِهِمْ) في مَعْنى تَصْدِيقِهِمْ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَنْ تَصْدِيقِهِمُ الأنْبِياءَ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِلصّادِقِ صَدَقْتَ، كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ. أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِي أجابَتْهم بِهِ أُمَمَهم، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى؛ أوْ لِيَسْألَ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ؛ أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ إلى قَوْمِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ، (p-٢١٤)أيْ: إذا كانَ الأنْبِياءُ يُسْألُونَ، فَكَيْفَ بِمَن سِواهم ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ أرادَ المُؤَدِّينَ عَنِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وسُؤالُ الرُّسُلِ تَبْكِيتٌ لِلْكافِرِينَ بِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . (وأعَدَّ) مَعْطُوفٌ عَلى (أخَذْنا) لِأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدُّعاءَ إلى دِينِهِ لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ.
﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثِيبَ بِهِ الصّادِقُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وذُكِرَتِ العِلَّةُ؛ وحُذِفَ مِنَ الثّانِي العِلَّةُ، وذُكِرَ ما عُوقِبُوا بِهِ. وكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، فَأثابَهم؛ ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٥] و﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ بَلِيغَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] وأمْعَنّا الكَلامَ هُناكَ.
الأحزاب 33:5
سُورَةُ الأحْزابِ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ
﷽
(p-٢٠٧)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٦] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٤] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١] ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤] ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] ) (p-٢٠٨)الجَوْفُ: مَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أجْوافٌ. يَثْرِبُ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: أرْضُ المَدِينَةِ في ناحِيَةٍ مِنها. الحَنْجَرَةُ: رَأْسُ الغَلْصَمَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ والحُلْقُومُ: مَدْخَلُ الطَّعامِ والشَّرابِ. الأقْطارُ: النَّواحِي، واحِدُها قُطْرٌ، ويُقالُ: قُتْرٌ بِالتّاءِ، لُغَةٌ فِيهِ. عُوِّقَ عَنْ كَذا: تُثُبِّطَ عَنْهُ. سَلَقَهُ: اجْتَرَأ عَلَيْهِ وضَرَبَهُ، ويُقالُ: صَلَقَهُ بِالصّادِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقَةً وصُداءٍ ألْحَقَتْهم بِالثَّلَلْ
وقِيلَ: سَلَقَهُ: خاطَبَهُ مُخاطَبَةً بَلِيغَةً، ومِنهُ خَطِيبٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ، ولِسانٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ. النَّحْبُ: النُّذُرُ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎بِطِخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ
أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التُزِمَ القِيامُ بِهِ، وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا. الصَّياصِي: الحُصُونُ، واحِدُها صِيصَيَةٌ، وهي كُلُّ ما يُمْتَنَعُ بِهِ. ويُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ والظَّبْيِ، ولِشَوْكَةِ الدِّيكِ، وهي مِخْلَبُهُ الَّذِي في ساقِهِ لِأنَّهُ يَتَحَصَّنُ بِهِ. والصَّياصِي أيْضًا: شَوْكُ الحاكَةِ، ويُتَّخَذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎كَوَقْعِ الصَّياصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
الأُسْوَةُ: القُدْوَةُ، وتُضَمُّ هَمْزَتُهُ وتُكْسَرُ، ويَتَأسّى بِفُلانٍ: يَقْتَدِي بِهِ؛ والأُسْوَةُ مِنَ الِائْتِساءِ، كالقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ: اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ. التَّبَرُّجُ، قالَ اللَّيْثُ: تَبَرَّجَتْ: أبْدَتْ مَحاسِنَها مِن وجْهِها وجَسَدِها، ويُرى مَعَ ذَلِكَ مِن عَيْنِها حُسْنُ نَظَرٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُخْرِجُ مَحاسِنَها مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِنَ البَرَجِ، في عَيْنِهِ وفي أسْنانِهِ بَرَجٌ: أيْ: سِعَةٌ. الوَطَرُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كالأرَبِ، وأنْشَدَ لِلرَّبِيعِ بْنِ أصْبُغُ:(p-٢٠٩)
؎ودَّعْنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ: الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ، يُقالُ: ما قَضَيْتُ مِن لِقائِكَ وطَرًا، أيْ: ما اسْتَمْتَعْتُ بِكَ حَتّى تَشْتَهِيَ نَفْسِي؛ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
الجِلْبابُ: ثَوْبٌ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ.
* *
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .
(p-٢١٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ أنَّ نِداءَهُ ﷺ: (يا أيُّها النَّبِيُّ) ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] هو عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِمَةِ والتَّنْوِيهِ بِمَحَلِّهِ وفَضِيلَتِهِ، وجاءَ نِداءُ غَيْرِهِ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياآدَمُ﴾ [البقرة: ٣٣] ﴿يانُوحُ﴾ [هود: ٣٢] ﴿ياإبْراهِيمُ﴾ [هود: ٧٦] ﴿يامُوسى﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿ياداوُدُ﴾ [ص: ٢٦] ﴿ياعِيسى﴾ [آل عمران: ٥٥] . وحَيْثُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، صَرَّحَ بِاسْمِهِ فَقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أعْلَمَ أنَّهُ رَسُولُهُ، ولَقَّنَهم أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ. وحَيْثُ لَمْ يَقْصِدِ الإعْلامَ بِذَلِكَ، جاءَ اسْمُهُ كَما جاءَ في النِّداءِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ﴾ [الفرقان: ٣٠] ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيِ. وأمَرَهُ بِالتَّقْوى لِلْمُتَلَبِّسِ بِها، أمَرَ بِالدَّيْمُومَةِ عَلَيْها والِازْدِيادِ مِنها. والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ هو مَأْمُورًا بِذَلِكَ، فَغَيْرُهُ أوْلى بِالأمْرِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ لَفْظًا، وهو لِأُمَّتِهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانَ يُحِبُّ إسْلامَ اليَهُودِ، فَبايَعَهُ ناسٌ مِنهم عَلى النِّفاقِ، وكانَ يَلِينُ لَهم جانِبُهُ، وكانُوا يُظْهِرُونَ النَّصائِحَ في طُرُقِ المُخادَعَةِ، ولِحَلِفِهِ وحِرْصِهِ عَلى ائْتِلافِهِمْ رُبَّما كانَ يَسْمَعُ مِنهم، فَنَزَلَتْ تَحْذِيرًا لَهُ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لَهُ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا وقُلْ: إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ، ونَدَعُكَ ورَبَّكَ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وناسَبَ أنْ نَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ، وهُمُ المُتَظاهِرُونَ بِهِ، وعَنْ طاعَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبَطِّنُونَ الكُفْرَ. فالسَّبَبانِ حاوِيانِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا إلَيْكَ. ورُوِيَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ، ويُعْطُوهُ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، ويُزَوِّجَهُ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بِنْتَهُ؛ وخَوَّفَهُ مُنافِقُو المَدِينَةِ أنَّهم يَقْتُلُونَهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها واضِحَةٌ، وهو أنَّهُ حَكى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ الفَتْحَ، وهو الفَصْلُ بَيْنَهم، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، فَأمَرَهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِتَقْوى اللَّهِ، ونَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فِيما أرادُوا بِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلِيمًا بِالصَّوابِ مِنَ الخَطَأِ، والمَصْلَحَةِ مِنَ المَفْسَدَةِ؛ حَكِيمًا لا يَضَعُ الأشْياءَ إلّا مَواضِعَها مَنُوطَةً بِالحِكْمَةِ؛ أوْ عَلِيمًا حَيْثُ أمَرَ بِتَقْواهُ، وأنَّها تَكُونُ عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ، حَكِيمًا حَيْثُ نَهى عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: هي تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، أيْ: عَلِيمًا بِمَن يَتَّقِي، حَكِيمًا في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ. ثُمَّ أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهو القُرْآنُ، والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ، وتَرْكِ مَراسِيمِ الجاهِلِيَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”بِما يَعْمَلُونَ“، الأُولى والثّانِيَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، فَجازَ في الأُولى أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وجازَ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ (p-٢١١)بِتَفْوِيضِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (كَفى بِاللَّهِ) في أوَّلِ ما وقَعَ في القُرْآنِ. رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي فِهْرٍ رَجُلٌ فِيهِمْ يُقالُ لَهُ: أبُو مَعْمَرٍ جَمِيلُ بْنُ أسَدٍ، وقِيلَ: حُمَيْدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وهْبِ بْنِ حارِثَةَ بْنِ جُمَحَ، وفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
يَدَّعِي أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، ويُقالُ لَهُ: ذُو القَلْبَيْنِ، وكانَ يَقُولُ: أنا أذْكى مِن مُحَمَّدٍ وأفْهَمُ؛ فَلَمّا بَلَغَتْهُ هَزِيمَةُ بَدْرٍ طاشَ لُبُّهُ وحَدَّثَ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِحَدِيثٍ كالمُخْتَلِّ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: هم جَماعَةٌ، يَقُولُ الواحِدُ مِنهم: نَفْسٌ تَأْمُرُنِي ونَفْسٌ تَنْهانِي. وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ إنَّ مُحَمَّدًا لَهُ قَلْبانِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ في شَيْءٍ، فَنَزَعَ في غَيْرِهِ نَزْعَةً ثُمَّ عادَ إلى شَأْنِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ أحَدٍ. قِيلَ: وجْهُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّقْوى، كانَ مِن حَقِّها أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المَرْءَ لَيْسَ لَهُ قَلْبانِ يَتَّقِي بِأحَدِهِما اللَّهَ وبِالآخَرِ غَيْرَهُ، وهو لا يَتَّقِي غَيْرَهُ إلّا بِصَرْفِ القَلْبِ عَنْ جِهَةِ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَتَّقِي اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. انْتَهى، مُلَخَّصًا. ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَفْعَلَ أحَدُهُما مِثْلَ ما يَفْعَلُ الآخَرُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَلا حاجَةَ إلى أحَدِهِما، أوْ غَيْرَهُ، فَيُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الإنْسانِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا عالِمًا ظانًّا شاكًّا مُوقِنًا في حالٍ واحِدَةٍ. وذُكِرَ الجَوْفُ، وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا بِالجَوْفِ، زِيادَةً لِلتَّصْوِيرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . فَإذا سَمِعَ بِذَلِكَ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ يُسْرِعُ إلى إنْكارِ ذَلِكَ.
﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمْ﴾ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى الزَّوْجَةَ المُظاهَرَ مِنها أُمًّا؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ كالمَمْلُوكِ، وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ. وقَرَأ قالُونُ وقُنْبُلٌ: ﴿اللّائِي﴾ هُنا، وفي المُجادِلَةِ والطَّلاقِ: بِالهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ ووَرْشٌ: بِياءٍ مُخْتَلِسَةِ الكَسْرَةِ؛ والبَزِّيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وهو بَدَلٌ مَسْمُوعٌ لا مَقِيسٌ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالهَمْزِ وياءٍ بَعْدَها. وقَرَأ عاصِمٌ: ﴿تُظاهِرُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وفي المُجادِلَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، مُضارِعَ ”ظاهَرَ“؛ وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ: الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو؛ وبِشَدِّ الظّاءِ وألِفٍ بَعْدَها: ابْنُ عامِرٍ؛ وبِتَخْفِيفِها والألِفِ: حَمْزَةُ والكِسائِيُّ؛ ووافَقَ ابْنُ عامِرٍ الآخَرِينَ في المُجادِلَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ فِيها بِشَدِّها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الظّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، مُضارِعَ أظْهَرَ؛ وفِيما حَكى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَنْهُ: بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، لِحَذْفِهِمْ تاءَ المُطاوَعَةِ وشَدِّ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ وشَدِّ الهاءِ، مُضارِعَ ظَهَّرَ، مُشَدَّدِ الهاءِ. وقَرَأ هارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِفَتْحِ التّاءِ والهاءِ وسُكُونِ الظّاءِ، مُضارِعَ ظَهَرَ، مُخَفَّفِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”تَتَظَهَّرُونَ“، بِتاءَيْنِ. فَتِلْكَ تِسْعُ قِراءاتٍ، والمَعْنى: قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَتِلْكَ الأفْعالُ مَأْخُوذَةٌ مِن هَذا اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: لَبّى المُحْرِمُ إذا قالَ: لَبَّيْكَ، وأفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ. وعُدِّيَ الفِعْلُ بِمِن؛ لِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَيَتَجَنَّبُونَ المُظاهَرَ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ تَباعَدَ مِنها بِجِهَةِ الظِّهارِ وغَيْرِهِ، أيْ: مِنِ امْرَأتِهِ. لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَّباعُدِ، عُدِّيَ بِمِن، وكَنَّوْا عَنِ البَطْنِ بِالظَّهْرِ إبْعادًا لِما يُقارِبُ الفَرْجَ، ولِكَوْنِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ: يَحْرُمُ إتْيانُ المَرْأةِ وظَهْرُها لِلسَّماءِ، وأهْلُ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: يَجِيءُ الوَلَدُ إذْ ذاكَ أحْوَلَ، فَبالَغُوا في التَّغْلِيظِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فَشَبَّهَها بِالظَّهْرِ، ثُمَّ بالَغَ فَجَعَلَها كَظَهْرِ أُمِّهِ. ورُوِيَ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجاءَ أبُوهُ وعَمُّهُ بِفِدائِهِ، وذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ.
﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ: وكانُوا (p-٢١٢)فِي الجاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الإسْلامِ إذا تَبَنّى الرَّجُلُ ولَدَ غَيْرِهِ صارَ يَرِثُهُ. وأدْعِياءُ: جَمْعُ دَعِيٍّ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، جاءَ شاذًّا، وقِياسُهُ فَعْلى، كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وإنَّما هَذا الجَمْعُ قِياسُ فَعِيلٍ المُعْتَلِّ اللّامِ بِمَعْنى فاعِلٍ، نَحْوُ تَقِيٍّ وأتْقِياءَ. شَبَّهُوا أدْعِياءَ بِتَقِيٍّ، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ شُذُوذًا، كَما شَذُّوا في جَمْعِ أسِيرٍ وقَتِيلٍ فَقالُوا: أُسَراءَ وقُتَلاءَ، وقَدْ سُمِعَ المَقِيسُ فِيهِما فَقالُوا: أسْرى وقَتْلى. والبُنُوَّةُ تَقْتَضِي التَّأصُّلَ في النَّسَبِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقَ عارِضٍ بِالتَّسْمِيَةِ، فَلا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ. (ذَلِكم) أيْ: دُعاؤُهم أبْناءَ مُجَرَّدُ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لِمَدْلُولِهِ، إذْ لا يُواطِئُ اللَّفْظُ الِاعْتِقادَ، إذْ يُعْلَمُ حَقِيقَةً أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ.
﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيْ: ما يُوافِقُ ظاهِرًا وباطِنًا.
﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ أوْ سَبِيلَ الشَّرْعِ والإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِي مُضارِعَ هَدى؛ وقَتادَةُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدّالِ. و﴿أقْسَطُ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أواخِرِ البَقَرَةِ، ومَعْناهُ: أعْدَلُ. ولَمّا أمَرَ بِأنْ يُدْعى المُتَبَنّى لِأبِيهِ إنْ عُلِمَ قالُوا: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ ﴿ومَوالِيكُمْ﴾؛ ولِذَلِكَ قالُوا: سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ أبا بَكْرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِّينِ ومَوْلاكم. قالَ الرّازِيُّ: ولَوْ عَلِمَ واللَّهِ أباهُ حِمارًا لانْتَمى إلَيْهِ، ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ. وفي الحَدِيثِ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .
﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قِيلَ: رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهم فِيما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ بِالخَطَأِ ما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ. وقِيلَ: فِيما سَبَقَ إلَيْهِ اللِّسانُ. إمّا عَلى سَبِيلِ الغَلَطِ، إنْ كانَ سَبَقَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ قَبْلَ النَّهْيِ، فَجَرى ذَلِكَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ غَلَطًا، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ، إذْ كَثِيرًا ما يَقُولُ الإنْسانُ لِلصَّغِيرِ: يا بُنَيَّ، كَما يَقُولُ لِلْكَبِيرِ: يا أبِي، عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ. و”ما“ عَطْفٌ عَلى ”ما أخْطَأْتُمْ“، أيْ: ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أيْ: ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا) لِلْعامِدِ إذا تابَ (رَحِيمًا) حَيْثُ رَفَعَ الجُناحَ عَنِ المُخْطِئِ.
وكَوْنُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أرْأفُ بِهِمْ وأعْطَفُ عَلَيْهِمْ، إذْ هو يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ، وأنْفُسُهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ. ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا آخِذٌ بِحُجَزِكم عَنِ النّارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقَحُّمَ الفَراشِ» . ومِن حَيْثُ يَنْزِلُ لَهم مَنزِلَةَ الأبِ. وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“، يَعْنِي في الدِّينِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ. وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَؤُلاءِ بَناتِي، إنَّهُ أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: بَناتُهُ في الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] أيْ: في الدِّينِ. وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ هَلَكَ وتَرَكَ مالًا، فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا؛ وإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضِياعًا فَإلَيَّ. قِيلَ: وأطْلَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمْ يُقَيِّدْ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذَ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحُقُوقُهُ آثَرَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ في حَقِّهِ. انْتَهى. ولَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى، لَكانَ التَّرْكِيبُ: المُؤْمِنُونَ أوْلى بِالنَّبِيِّ مِنهم بِأنْفُسِهِمْ.
﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في التَّوْقِيرِ والِاحْتِرامِ. وفي بَعْضِ الأحْكامِ: مِن تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا جَرَيْنَ فِيهِ مَجْرى الأجانِبِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ﴾ كُلُّ مَن أُطْلِقَ عَلَيْها أنَّها زَوْجَةٌ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مَن طَلَّقَها ومَن لَمْ يُطَلِّقْها. وقِيلَ: لا يَثْبُتُ هَذا الحُكْمُ لِمُطَلَّقَةٍ. وقِيلَ: مَن دَخَلَ بِها ثَبَتَتْ حُرْمَتُها قَطْعًا. وهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِ امْرَأةٍ فارَقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ونَكَحَتْ بَعْدَهُ، فَقالَتْ لَهُ: ولِمَ هَذا، وما ضَرَبَ عَلَيَّ حِجابًا، ولا سُمِّيتُ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا ؟ فَكَفَّ عَنْها. كانَ أوَّلًا بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ بِالتَّوارُثِ مِنَ الأخِ في الإسْلامِ، أوْ بِالهِجْرَةِ في كِتابِ اللَّهِ، أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مِنَ (p-٢١٣)المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ، أيْ: أوْلى مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ. وهَذا هو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ ”مِن“ هُنا كَهي في: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِأُولِي الأرْحامِ، أيِ: الأقْرِباءُ مِن هَؤُلاءِ بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ. انْتَهى. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أقْسامِهِ، مِن قَرِيبٍ وأجْنَبِيٍّ، مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَصِلُهُ في حَياتِهِ، ويُوصِي لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ وعَطاءٌ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
وسِياقُ ما تَقَدَّمَ في المُؤْمِنِينَ يُعَضِّدُ هَذا، لَكِنَّ وِلايَةَ النَّسَبِ لا تُدْفَعُ في الكافِرِ، إنَّما تُدْفَعُ في أنْ تُلْقِيَ إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ، كَوَلِيِّ الإسْلامِ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا﴾ هو مِمّا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، أيْ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في النَّفْعِ بِمِيراثٍ وغَيْرِهِ. وعُدِّيَ بِـ: إلى؛ لِأنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تُوصِلُوا إلى أوْلِيائِكم، كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما في الآيَتَيْنِ. (في الكِتابِ) إمّا اللَّوْحُ، وإمّا القُرْآنُ، عَلى ما تَقَدَّمَ.
﴿مَسْطُورًا﴾ أيْ: مُثْبَتًا بِالأسْطارِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالخاتِمَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ، ولَمّا كانَ ما سَبَقَ أحْكامٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ فِيها أشْياءُ مِمّا كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، وأشْياءُ في الإسْلامِ نُسِخَتْ. أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ: في تَبْلِيغِ الشَّرائِعِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ، فَلَسْتُ بِدْعًا في تَبْلِيغِكَ عَنِ اللَّهِ. والعامِلُ في ”إذْ“، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَسْطُورًا)، أيْ: مَسْطُورًا في أُمِّ الكِتابِ، وحِينَ أخَذْنا. وقِيلَ: العامِلُ: واذْكُرْ حِينَ أخَذْنا، وهَذا المِيثاقُ هو في تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ، ولا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ مانِعٌ، لا مِن خَوْفٍ ولا طَمَعٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: أُخِذَ مِيثاقُهم بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ قَتادَةُ: بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والإعْلانِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإعْلانِ رَسُولِ اللَّهِ أنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللَّهُ حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ بِالتَّبْلِيغِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ النُّبُوَّةُ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وخُصَّ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ، وقِيلَ: هم أُولُو العَزْمِ، لِشَرَفِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ. وقُدِّمَ مُحَمَّدٌ، ﷺ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ مِنهم، وأكْثَرَهم أتْباعًا. وقُدِّمَ نُوحٌ في آيَةِ الشُّورى في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ؛ لِأنَّ إيرادَهُ عَلى خِلافِ الإيرادِ، فَهُناكَ أوْرَدَهُ عَلى طَرِيقِ وصْفِ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بُعِثَ عَلَيْهِ نُوحٌ في العَهْدِ القَدِيمِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ خاتَمُ الأنْبِياءِ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ المَشاهِيرِ.
والمِيثاقُ الثّانِي هو الأوَّلُ، وكُرِّرَ لِأجْلِ صِفَتِهِ. والغِلَظُ: مِن صِفَةِ الأجْسامِ، واسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى مُبالَغًا في حُرْمَتِهِ وعَظَمَتِهِ وثِقَلِ فَرْطِ تَحَمُّلِهِ. وقِيلَ: المِيثاقُ الغَلِيظُ: اليَمِينُ بِاللَّهِ عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلَهُ. واللّامُ في ﴿لِيَسْألَ﴾ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المِيثاقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا. والظّاهِرُ أنَّها لامُ ”كَيْ“، أيْ: بَعَثْنا الرُّسُلَ وأخَذْنا عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ في التَّبْلِيغِ، لِكَيْ يَجْعَلَ اللَّهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً يَسْألُها عَنْ صِدْقِها عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ، فَتُجِيبُ بِأنَّها قَدْ صَدَقَتِ اللَّهَ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ؛ وفِرْقَةً كَفَرَتْ، فَيَنالُها ما أعَدَّ لَها مِنَ العَذابِ. فالصّادِقُونَ عَلى هَذا المَسْئُولُونَ هُمُ: المُؤْمِنُونَ. والهاءُ في (صِدْقِهِمْ) عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، ومَفْعُولُ (صِدْقِهِمْ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهُ. أوْ يَكُونُ (صِدْقِهِمْ) في مَعْنى تَصْدِيقِهِمْ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَنْ تَصْدِيقِهِمُ الأنْبِياءَ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِلصّادِقِ صَدَقْتَ، كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ. أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِي أجابَتْهم بِهِ أُمَمَهم، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى؛ أوْ لِيَسْألَ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ؛ أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ إلى قَوْمِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ، (p-٢١٤)أيْ: إذا كانَ الأنْبِياءُ يُسْألُونَ، فَكَيْفَ بِمَن سِواهم ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ أرادَ المُؤَدِّينَ عَنِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وسُؤالُ الرُّسُلِ تَبْكِيتٌ لِلْكافِرِينَ بِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . (وأعَدَّ) مَعْطُوفٌ عَلى (أخَذْنا) لِأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدُّعاءَ إلى دِينِهِ لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ.
﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثِيبَ بِهِ الصّادِقُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وذُكِرَتِ العِلَّةُ؛ وحُذِفَ مِنَ الثّانِي العِلَّةُ، وذُكِرَ ما عُوقِبُوا بِهِ. وكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، فَأثابَهم؛ ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٥] و﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ بَلِيغَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] وأمْعَنّا الكَلامَ هُناكَ.
الأحزاب 33:6
سُورَةُ الأحْزابِ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ
﷽
(p-٢٠٧)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٦] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٤] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١] ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤] ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] ) (p-٢٠٨)الجَوْفُ: مَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أجْوافٌ. يَثْرِبُ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: أرْضُ المَدِينَةِ في ناحِيَةٍ مِنها. الحَنْجَرَةُ: رَأْسُ الغَلْصَمَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ والحُلْقُومُ: مَدْخَلُ الطَّعامِ والشَّرابِ. الأقْطارُ: النَّواحِي، واحِدُها قُطْرٌ، ويُقالُ: قُتْرٌ بِالتّاءِ، لُغَةٌ فِيهِ. عُوِّقَ عَنْ كَذا: تُثُبِّطَ عَنْهُ. سَلَقَهُ: اجْتَرَأ عَلَيْهِ وضَرَبَهُ، ويُقالُ: صَلَقَهُ بِالصّادِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقَةً وصُداءٍ ألْحَقَتْهم بِالثَّلَلْ
وقِيلَ: سَلَقَهُ: خاطَبَهُ مُخاطَبَةً بَلِيغَةً، ومِنهُ خَطِيبٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ، ولِسانٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ. النَّحْبُ: النُّذُرُ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎بِطِخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ
أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التُزِمَ القِيامُ بِهِ، وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا. الصَّياصِي: الحُصُونُ، واحِدُها صِيصَيَةٌ، وهي كُلُّ ما يُمْتَنَعُ بِهِ. ويُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ والظَّبْيِ، ولِشَوْكَةِ الدِّيكِ، وهي مِخْلَبُهُ الَّذِي في ساقِهِ لِأنَّهُ يَتَحَصَّنُ بِهِ. والصَّياصِي أيْضًا: شَوْكُ الحاكَةِ، ويُتَّخَذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎كَوَقْعِ الصَّياصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
الأُسْوَةُ: القُدْوَةُ، وتُضَمُّ هَمْزَتُهُ وتُكْسَرُ، ويَتَأسّى بِفُلانٍ: يَقْتَدِي بِهِ؛ والأُسْوَةُ مِنَ الِائْتِساءِ، كالقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ: اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ. التَّبَرُّجُ، قالَ اللَّيْثُ: تَبَرَّجَتْ: أبْدَتْ مَحاسِنَها مِن وجْهِها وجَسَدِها، ويُرى مَعَ ذَلِكَ مِن عَيْنِها حُسْنُ نَظَرٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُخْرِجُ مَحاسِنَها مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِنَ البَرَجِ، في عَيْنِهِ وفي أسْنانِهِ بَرَجٌ: أيْ: سِعَةٌ. الوَطَرُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كالأرَبِ، وأنْشَدَ لِلرَّبِيعِ بْنِ أصْبُغُ:(p-٢٠٩)
؎ودَّعْنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ: الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ، يُقالُ: ما قَضَيْتُ مِن لِقائِكَ وطَرًا، أيْ: ما اسْتَمْتَعْتُ بِكَ حَتّى تَشْتَهِيَ نَفْسِي؛ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
الجِلْبابُ: ثَوْبٌ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ.
* *
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .
(p-٢١٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ أنَّ نِداءَهُ ﷺ: (يا أيُّها النَّبِيُّ) ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] هو عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِمَةِ والتَّنْوِيهِ بِمَحَلِّهِ وفَضِيلَتِهِ، وجاءَ نِداءُ غَيْرِهِ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياآدَمُ﴾ [البقرة: ٣٣] ﴿يانُوحُ﴾ [هود: ٣٢] ﴿ياإبْراهِيمُ﴾ [هود: ٧٦] ﴿يامُوسى﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿ياداوُدُ﴾ [ص: ٢٦] ﴿ياعِيسى﴾ [آل عمران: ٥٥] . وحَيْثُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، صَرَّحَ بِاسْمِهِ فَقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أعْلَمَ أنَّهُ رَسُولُهُ، ولَقَّنَهم أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ. وحَيْثُ لَمْ يَقْصِدِ الإعْلامَ بِذَلِكَ، جاءَ اسْمُهُ كَما جاءَ في النِّداءِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ﴾ [الفرقان: ٣٠] ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيِ. وأمَرَهُ بِالتَّقْوى لِلْمُتَلَبِّسِ بِها، أمَرَ بِالدَّيْمُومَةِ عَلَيْها والِازْدِيادِ مِنها. والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ هو مَأْمُورًا بِذَلِكَ، فَغَيْرُهُ أوْلى بِالأمْرِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ لَفْظًا، وهو لِأُمَّتِهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانَ يُحِبُّ إسْلامَ اليَهُودِ، فَبايَعَهُ ناسٌ مِنهم عَلى النِّفاقِ، وكانَ يَلِينُ لَهم جانِبُهُ، وكانُوا يُظْهِرُونَ النَّصائِحَ في طُرُقِ المُخادَعَةِ، ولِحَلِفِهِ وحِرْصِهِ عَلى ائْتِلافِهِمْ رُبَّما كانَ يَسْمَعُ مِنهم، فَنَزَلَتْ تَحْذِيرًا لَهُ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لَهُ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا وقُلْ: إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ، ونَدَعُكَ ورَبَّكَ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وناسَبَ أنْ نَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ، وهُمُ المُتَظاهِرُونَ بِهِ، وعَنْ طاعَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبَطِّنُونَ الكُفْرَ. فالسَّبَبانِ حاوِيانِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا إلَيْكَ. ورُوِيَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ، ويُعْطُوهُ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، ويُزَوِّجَهُ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بِنْتَهُ؛ وخَوَّفَهُ مُنافِقُو المَدِينَةِ أنَّهم يَقْتُلُونَهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها واضِحَةٌ، وهو أنَّهُ حَكى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ الفَتْحَ، وهو الفَصْلُ بَيْنَهم، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، فَأمَرَهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِتَقْوى اللَّهِ، ونَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فِيما أرادُوا بِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلِيمًا بِالصَّوابِ مِنَ الخَطَأِ، والمَصْلَحَةِ مِنَ المَفْسَدَةِ؛ حَكِيمًا لا يَضَعُ الأشْياءَ إلّا مَواضِعَها مَنُوطَةً بِالحِكْمَةِ؛ أوْ عَلِيمًا حَيْثُ أمَرَ بِتَقْواهُ، وأنَّها تَكُونُ عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ، حَكِيمًا حَيْثُ نَهى عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: هي تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، أيْ: عَلِيمًا بِمَن يَتَّقِي، حَكِيمًا في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ. ثُمَّ أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهو القُرْآنُ، والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ، وتَرْكِ مَراسِيمِ الجاهِلِيَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”بِما يَعْمَلُونَ“، الأُولى والثّانِيَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، فَجازَ في الأُولى أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وجازَ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ (p-٢١١)بِتَفْوِيضِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (كَفى بِاللَّهِ) في أوَّلِ ما وقَعَ في القُرْآنِ. رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي فِهْرٍ رَجُلٌ فِيهِمْ يُقالُ لَهُ: أبُو مَعْمَرٍ جَمِيلُ بْنُ أسَدٍ، وقِيلَ: حُمَيْدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وهْبِ بْنِ حارِثَةَ بْنِ جُمَحَ، وفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
يَدَّعِي أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، ويُقالُ لَهُ: ذُو القَلْبَيْنِ، وكانَ يَقُولُ: أنا أذْكى مِن مُحَمَّدٍ وأفْهَمُ؛ فَلَمّا بَلَغَتْهُ هَزِيمَةُ بَدْرٍ طاشَ لُبُّهُ وحَدَّثَ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِحَدِيثٍ كالمُخْتَلِّ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: هم جَماعَةٌ، يَقُولُ الواحِدُ مِنهم: نَفْسٌ تَأْمُرُنِي ونَفْسٌ تَنْهانِي. وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ إنَّ مُحَمَّدًا لَهُ قَلْبانِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ في شَيْءٍ، فَنَزَعَ في غَيْرِهِ نَزْعَةً ثُمَّ عادَ إلى شَأْنِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ أحَدٍ. قِيلَ: وجْهُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّقْوى، كانَ مِن حَقِّها أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المَرْءَ لَيْسَ لَهُ قَلْبانِ يَتَّقِي بِأحَدِهِما اللَّهَ وبِالآخَرِ غَيْرَهُ، وهو لا يَتَّقِي غَيْرَهُ إلّا بِصَرْفِ القَلْبِ عَنْ جِهَةِ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَتَّقِي اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. انْتَهى، مُلَخَّصًا. ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَفْعَلَ أحَدُهُما مِثْلَ ما يَفْعَلُ الآخَرُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَلا حاجَةَ إلى أحَدِهِما، أوْ غَيْرَهُ، فَيُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الإنْسانِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا عالِمًا ظانًّا شاكًّا مُوقِنًا في حالٍ واحِدَةٍ. وذُكِرَ الجَوْفُ، وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا بِالجَوْفِ، زِيادَةً لِلتَّصْوِيرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . فَإذا سَمِعَ بِذَلِكَ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ يُسْرِعُ إلى إنْكارِ ذَلِكَ.
﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمْ﴾ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى الزَّوْجَةَ المُظاهَرَ مِنها أُمًّا؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ كالمَمْلُوكِ، وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ. وقَرَأ قالُونُ وقُنْبُلٌ: ﴿اللّائِي﴾ هُنا، وفي المُجادِلَةِ والطَّلاقِ: بِالهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ ووَرْشٌ: بِياءٍ مُخْتَلِسَةِ الكَسْرَةِ؛ والبَزِّيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وهو بَدَلٌ مَسْمُوعٌ لا مَقِيسٌ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالهَمْزِ وياءٍ بَعْدَها. وقَرَأ عاصِمٌ: ﴿تُظاهِرُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وفي المُجادِلَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، مُضارِعَ ”ظاهَرَ“؛ وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ: الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو؛ وبِشَدِّ الظّاءِ وألِفٍ بَعْدَها: ابْنُ عامِرٍ؛ وبِتَخْفِيفِها والألِفِ: حَمْزَةُ والكِسائِيُّ؛ ووافَقَ ابْنُ عامِرٍ الآخَرِينَ في المُجادِلَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ فِيها بِشَدِّها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الظّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، مُضارِعَ أظْهَرَ؛ وفِيما حَكى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَنْهُ: بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، لِحَذْفِهِمْ تاءَ المُطاوَعَةِ وشَدِّ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ وشَدِّ الهاءِ، مُضارِعَ ظَهَّرَ، مُشَدَّدِ الهاءِ. وقَرَأ هارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِفَتْحِ التّاءِ والهاءِ وسُكُونِ الظّاءِ، مُضارِعَ ظَهَرَ، مُخَفَّفِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”تَتَظَهَّرُونَ“، بِتاءَيْنِ. فَتِلْكَ تِسْعُ قِراءاتٍ، والمَعْنى: قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَتِلْكَ الأفْعالُ مَأْخُوذَةٌ مِن هَذا اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: لَبّى المُحْرِمُ إذا قالَ: لَبَّيْكَ، وأفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ. وعُدِّيَ الفِعْلُ بِمِن؛ لِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَيَتَجَنَّبُونَ المُظاهَرَ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ تَباعَدَ مِنها بِجِهَةِ الظِّهارِ وغَيْرِهِ، أيْ: مِنِ امْرَأتِهِ. لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَّباعُدِ، عُدِّيَ بِمِن، وكَنَّوْا عَنِ البَطْنِ بِالظَّهْرِ إبْعادًا لِما يُقارِبُ الفَرْجَ، ولِكَوْنِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ: يَحْرُمُ إتْيانُ المَرْأةِ وظَهْرُها لِلسَّماءِ، وأهْلُ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: يَجِيءُ الوَلَدُ إذْ ذاكَ أحْوَلَ، فَبالَغُوا في التَّغْلِيظِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فَشَبَّهَها بِالظَّهْرِ، ثُمَّ بالَغَ فَجَعَلَها كَظَهْرِ أُمِّهِ. ورُوِيَ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجاءَ أبُوهُ وعَمُّهُ بِفِدائِهِ، وذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ.
﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ: وكانُوا (p-٢١٢)فِي الجاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الإسْلامِ إذا تَبَنّى الرَّجُلُ ولَدَ غَيْرِهِ صارَ يَرِثُهُ. وأدْعِياءُ: جَمْعُ دَعِيٍّ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، جاءَ شاذًّا، وقِياسُهُ فَعْلى، كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وإنَّما هَذا الجَمْعُ قِياسُ فَعِيلٍ المُعْتَلِّ اللّامِ بِمَعْنى فاعِلٍ، نَحْوُ تَقِيٍّ وأتْقِياءَ. شَبَّهُوا أدْعِياءَ بِتَقِيٍّ، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ شُذُوذًا، كَما شَذُّوا في جَمْعِ أسِيرٍ وقَتِيلٍ فَقالُوا: أُسَراءَ وقُتَلاءَ، وقَدْ سُمِعَ المَقِيسُ فِيهِما فَقالُوا: أسْرى وقَتْلى. والبُنُوَّةُ تَقْتَضِي التَّأصُّلَ في النَّسَبِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقَ عارِضٍ بِالتَّسْمِيَةِ، فَلا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ. (ذَلِكم) أيْ: دُعاؤُهم أبْناءَ مُجَرَّدُ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لِمَدْلُولِهِ، إذْ لا يُواطِئُ اللَّفْظُ الِاعْتِقادَ، إذْ يُعْلَمُ حَقِيقَةً أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ.
﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيْ: ما يُوافِقُ ظاهِرًا وباطِنًا.
﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ أوْ سَبِيلَ الشَّرْعِ والإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِي مُضارِعَ هَدى؛ وقَتادَةُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدّالِ. و﴿أقْسَطُ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أواخِرِ البَقَرَةِ، ومَعْناهُ: أعْدَلُ. ولَمّا أمَرَ بِأنْ يُدْعى المُتَبَنّى لِأبِيهِ إنْ عُلِمَ قالُوا: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ ﴿ومَوالِيكُمْ﴾؛ ولِذَلِكَ قالُوا: سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ أبا بَكْرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِّينِ ومَوْلاكم. قالَ الرّازِيُّ: ولَوْ عَلِمَ واللَّهِ أباهُ حِمارًا لانْتَمى إلَيْهِ، ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ. وفي الحَدِيثِ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .
﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قِيلَ: رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهم فِيما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ بِالخَطَأِ ما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ. وقِيلَ: فِيما سَبَقَ إلَيْهِ اللِّسانُ. إمّا عَلى سَبِيلِ الغَلَطِ، إنْ كانَ سَبَقَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ قَبْلَ النَّهْيِ، فَجَرى ذَلِكَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ غَلَطًا، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ، إذْ كَثِيرًا ما يَقُولُ الإنْسانُ لِلصَّغِيرِ: يا بُنَيَّ، كَما يَقُولُ لِلْكَبِيرِ: يا أبِي، عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ. و”ما“ عَطْفٌ عَلى ”ما أخْطَأْتُمْ“، أيْ: ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أيْ: ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا) لِلْعامِدِ إذا تابَ (رَحِيمًا) حَيْثُ رَفَعَ الجُناحَ عَنِ المُخْطِئِ.
وكَوْنُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أرْأفُ بِهِمْ وأعْطَفُ عَلَيْهِمْ، إذْ هو يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ، وأنْفُسُهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ. ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا آخِذٌ بِحُجَزِكم عَنِ النّارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقَحُّمَ الفَراشِ» . ومِن حَيْثُ يَنْزِلُ لَهم مَنزِلَةَ الأبِ. وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“، يَعْنِي في الدِّينِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ. وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَؤُلاءِ بَناتِي، إنَّهُ أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: بَناتُهُ في الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] أيْ: في الدِّينِ. وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ هَلَكَ وتَرَكَ مالًا، فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا؛ وإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضِياعًا فَإلَيَّ. قِيلَ: وأطْلَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمْ يُقَيِّدْ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذَ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحُقُوقُهُ آثَرَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ في حَقِّهِ. انْتَهى. ولَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى، لَكانَ التَّرْكِيبُ: المُؤْمِنُونَ أوْلى بِالنَّبِيِّ مِنهم بِأنْفُسِهِمْ.
﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في التَّوْقِيرِ والِاحْتِرامِ. وفي بَعْضِ الأحْكامِ: مِن تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا جَرَيْنَ فِيهِ مَجْرى الأجانِبِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ﴾ كُلُّ مَن أُطْلِقَ عَلَيْها أنَّها زَوْجَةٌ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مَن طَلَّقَها ومَن لَمْ يُطَلِّقْها. وقِيلَ: لا يَثْبُتُ هَذا الحُكْمُ لِمُطَلَّقَةٍ. وقِيلَ: مَن دَخَلَ بِها ثَبَتَتْ حُرْمَتُها قَطْعًا. وهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِ امْرَأةٍ فارَقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ونَكَحَتْ بَعْدَهُ، فَقالَتْ لَهُ: ولِمَ هَذا، وما ضَرَبَ عَلَيَّ حِجابًا، ولا سُمِّيتُ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا ؟ فَكَفَّ عَنْها. كانَ أوَّلًا بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ بِالتَّوارُثِ مِنَ الأخِ في الإسْلامِ، أوْ بِالهِجْرَةِ في كِتابِ اللَّهِ، أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مِنَ (p-٢١٣)المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ، أيْ: أوْلى مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ. وهَذا هو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ ”مِن“ هُنا كَهي في: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِأُولِي الأرْحامِ، أيِ: الأقْرِباءُ مِن هَؤُلاءِ بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ. انْتَهى. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أقْسامِهِ، مِن قَرِيبٍ وأجْنَبِيٍّ، مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَصِلُهُ في حَياتِهِ، ويُوصِي لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ وعَطاءٌ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
وسِياقُ ما تَقَدَّمَ في المُؤْمِنِينَ يُعَضِّدُ هَذا، لَكِنَّ وِلايَةَ النَّسَبِ لا تُدْفَعُ في الكافِرِ، إنَّما تُدْفَعُ في أنْ تُلْقِيَ إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ، كَوَلِيِّ الإسْلامِ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا﴾ هو مِمّا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، أيْ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في النَّفْعِ بِمِيراثٍ وغَيْرِهِ. وعُدِّيَ بِـ: إلى؛ لِأنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تُوصِلُوا إلى أوْلِيائِكم، كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما في الآيَتَيْنِ. (في الكِتابِ) إمّا اللَّوْحُ، وإمّا القُرْآنُ، عَلى ما تَقَدَّمَ.
﴿مَسْطُورًا﴾ أيْ: مُثْبَتًا بِالأسْطارِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالخاتِمَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ، ولَمّا كانَ ما سَبَقَ أحْكامٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ فِيها أشْياءُ مِمّا كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، وأشْياءُ في الإسْلامِ نُسِخَتْ. أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ: في تَبْلِيغِ الشَّرائِعِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ، فَلَسْتُ بِدْعًا في تَبْلِيغِكَ عَنِ اللَّهِ. والعامِلُ في ”إذْ“، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَسْطُورًا)، أيْ: مَسْطُورًا في أُمِّ الكِتابِ، وحِينَ أخَذْنا. وقِيلَ: العامِلُ: واذْكُرْ حِينَ أخَذْنا، وهَذا المِيثاقُ هو في تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ، ولا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ مانِعٌ، لا مِن خَوْفٍ ولا طَمَعٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: أُخِذَ مِيثاقُهم بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ قَتادَةُ: بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والإعْلانِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإعْلانِ رَسُولِ اللَّهِ أنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللَّهُ حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ بِالتَّبْلِيغِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ النُّبُوَّةُ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وخُصَّ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ، وقِيلَ: هم أُولُو العَزْمِ، لِشَرَفِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ. وقُدِّمَ مُحَمَّدٌ، ﷺ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ مِنهم، وأكْثَرَهم أتْباعًا. وقُدِّمَ نُوحٌ في آيَةِ الشُّورى في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ؛ لِأنَّ إيرادَهُ عَلى خِلافِ الإيرادِ، فَهُناكَ أوْرَدَهُ عَلى طَرِيقِ وصْفِ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بُعِثَ عَلَيْهِ نُوحٌ في العَهْدِ القَدِيمِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ خاتَمُ الأنْبِياءِ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ المَشاهِيرِ.
والمِيثاقُ الثّانِي هو الأوَّلُ، وكُرِّرَ لِأجْلِ صِفَتِهِ. والغِلَظُ: مِن صِفَةِ الأجْسامِ، واسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى مُبالَغًا في حُرْمَتِهِ وعَظَمَتِهِ وثِقَلِ فَرْطِ تَحَمُّلِهِ. وقِيلَ: المِيثاقُ الغَلِيظُ: اليَمِينُ بِاللَّهِ عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلَهُ. واللّامُ في ﴿لِيَسْألَ﴾ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المِيثاقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا. والظّاهِرُ أنَّها لامُ ”كَيْ“، أيْ: بَعَثْنا الرُّسُلَ وأخَذْنا عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ في التَّبْلِيغِ، لِكَيْ يَجْعَلَ اللَّهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً يَسْألُها عَنْ صِدْقِها عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ، فَتُجِيبُ بِأنَّها قَدْ صَدَقَتِ اللَّهَ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ؛ وفِرْقَةً كَفَرَتْ، فَيَنالُها ما أعَدَّ لَها مِنَ العَذابِ. فالصّادِقُونَ عَلى هَذا المَسْئُولُونَ هُمُ: المُؤْمِنُونَ. والهاءُ في (صِدْقِهِمْ) عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، ومَفْعُولُ (صِدْقِهِمْ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهُ. أوْ يَكُونُ (صِدْقِهِمْ) في مَعْنى تَصْدِيقِهِمْ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَنْ تَصْدِيقِهِمُ الأنْبِياءَ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِلصّادِقِ صَدَقْتَ، كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ. أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِي أجابَتْهم بِهِ أُمَمَهم، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى؛ أوْ لِيَسْألَ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ؛ أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ إلى قَوْمِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ، (p-٢١٤)أيْ: إذا كانَ الأنْبِياءُ يُسْألُونَ، فَكَيْفَ بِمَن سِواهم ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ أرادَ المُؤَدِّينَ عَنِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وسُؤالُ الرُّسُلِ تَبْكِيتٌ لِلْكافِرِينَ بِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . (وأعَدَّ) مَعْطُوفٌ عَلى (أخَذْنا) لِأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدُّعاءَ إلى دِينِهِ لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ.
﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثِيبَ بِهِ الصّادِقُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وذُكِرَتِ العِلَّةُ؛ وحُذِفَ مِنَ الثّانِي العِلَّةُ، وذُكِرَ ما عُوقِبُوا بِهِ. وكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، فَأثابَهم؛ ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٥] و﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ بَلِيغَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] وأمْعَنّا الكَلامَ هُناكَ.
الأحزاب 33:7
سُورَةُ الأحْزابِ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ
﷽
(p-٢٠٧)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٦] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٤] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١] ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤] ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] ) (p-٢٠٨)الجَوْفُ: مَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أجْوافٌ. يَثْرِبُ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: أرْضُ المَدِينَةِ في ناحِيَةٍ مِنها. الحَنْجَرَةُ: رَأْسُ الغَلْصَمَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ والحُلْقُومُ: مَدْخَلُ الطَّعامِ والشَّرابِ. الأقْطارُ: النَّواحِي، واحِدُها قُطْرٌ، ويُقالُ: قُتْرٌ بِالتّاءِ، لُغَةٌ فِيهِ. عُوِّقَ عَنْ كَذا: تُثُبِّطَ عَنْهُ. سَلَقَهُ: اجْتَرَأ عَلَيْهِ وضَرَبَهُ، ويُقالُ: صَلَقَهُ بِالصّادِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقَةً وصُداءٍ ألْحَقَتْهم بِالثَّلَلْ
وقِيلَ: سَلَقَهُ: خاطَبَهُ مُخاطَبَةً بَلِيغَةً، ومِنهُ خَطِيبٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ، ولِسانٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ. النَّحْبُ: النُّذُرُ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎بِطِخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ
أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التُزِمَ القِيامُ بِهِ، وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا. الصَّياصِي: الحُصُونُ، واحِدُها صِيصَيَةٌ، وهي كُلُّ ما يُمْتَنَعُ بِهِ. ويُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ والظَّبْيِ، ولِشَوْكَةِ الدِّيكِ، وهي مِخْلَبُهُ الَّذِي في ساقِهِ لِأنَّهُ يَتَحَصَّنُ بِهِ. والصَّياصِي أيْضًا: شَوْكُ الحاكَةِ، ويُتَّخَذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎كَوَقْعِ الصَّياصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
الأُسْوَةُ: القُدْوَةُ، وتُضَمُّ هَمْزَتُهُ وتُكْسَرُ، ويَتَأسّى بِفُلانٍ: يَقْتَدِي بِهِ؛ والأُسْوَةُ مِنَ الِائْتِساءِ، كالقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ: اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ. التَّبَرُّجُ، قالَ اللَّيْثُ: تَبَرَّجَتْ: أبْدَتْ مَحاسِنَها مِن وجْهِها وجَسَدِها، ويُرى مَعَ ذَلِكَ مِن عَيْنِها حُسْنُ نَظَرٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُخْرِجُ مَحاسِنَها مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِنَ البَرَجِ، في عَيْنِهِ وفي أسْنانِهِ بَرَجٌ: أيْ: سِعَةٌ. الوَطَرُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كالأرَبِ، وأنْشَدَ لِلرَّبِيعِ بْنِ أصْبُغُ:(p-٢٠٩)
؎ودَّعْنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ: الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ، يُقالُ: ما قَضَيْتُ مِن لِقائِكَ وطَرًا، أيْ: ما اسْتَمْتَعْتُ بِكَ حَتّى تَشْتَهِيَ نَفْسِي؛ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
الجِلْبابُ: ثَوْبٌ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ.
* *
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .
(p-٢١٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ أنَّ نِداءَهُ ﷺ: (يا أيُّها النَّبِيُّ) ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] هو عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِمَةِ والتَّنْوِيهِ بِمَحَلِّهِ وفَضِيلَتِهِ، وجاءَ نِداءُ غَيْرِهِ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياآدَمُ﴾ [البقرة: ٣٣] ﴿يانُوحُ﴾ [هود: ٣٢] ﴿ياإبْراهِيمُ﴾ [هود: ٧٦] ﴿يامُوسى﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿ياداوُدُ﴾ [ص: ٢٦] ﴿ياعِيسى﴾ [آل عمران: ٥٥] . وحَيْثُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، صَرَّحَ بِاسْمِهِ فَقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أعْلَمَ أنَّهُ رَسُولُهُ، ولَقَّنَهم أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ. وحَيْثُ لَمْ يَقْصِدِ الإعْلامَ بِذَلِكَ، جاءَ اسْمُهُ كَما جاءَ في النِّداءِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ﴾ [الفرقان: ٣٠] ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيِ. وأمَرَهُ بِالتَّقْوى لِلْمُتَلَبِّسِ بِها، أمَرَ بِالدَّيْمُومَةِ عَلَيْها والِازْدِيادِ مِنها. والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ هو مَأْمُورًا بِذَلِكَ، فَغَيْرُهُ أوْلى بِالأمْرِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ لَفْظًا، وهو لِأُمَّتِهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانَ يُحِبُّ إسْلامَ اليَهُودِ، فَبايَعَهُ ناسٌ مِنهم عَلى النِّفاقِ، وكانَ يَلِينُ لَهم جانِبُهُ، وكانُوا يُظْهِرُونَ النَّصائِحَ في طُرُقِ المُخادَعَةِ، ولِحَلِفِهِ وحِرْصِهِ عَلى ائْتِلافِهِمْ رُبَّما كانَ يَسْمَعُ مِنهم، فَنَزَلَتْ تَحْذِيرًا لَهُ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لَهُ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا وقُلْ: إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ، ونَدَعُكَ ورَبَّكَ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وناسَبَ أنْ نَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ، وهُمُ المُتَظاهِرُونَ بِهِ، وعَنْ طاعَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبَطِّنُونَ الكُفْرَ. فالسَّبَبانِ حاوِيانِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا إلَيْكَ. ورُوِيَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ، ويُعْطُوهُ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، ويُزَوِّجَهُ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بِنْتَهُ؛ وخَوَّفَهُ مُنافِقُو المَدِينَةِ أنَّهم يَقْتُلُونَهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها واضِحَةٌ، وهو أنَّهُ حَكى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ الفَتْحَ، وهو الفَصْلُ بَيْنَهم، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، فَأمَرَهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِتَقْوى اللَّهِ، ونَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فِيما أرادُوا بِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلِيمًا بِالصَّوابِ مِنَ الخَطَأِ، والمَصْلَحَةِ مِنَ المَفْسَدَةِ؛ حَكِيمًا لا يَضَعُ الأشْياءَ إلّا مَواضِعَها مَنُوطَةً بِالحِكْمَةِ؛ أوْ عَلِيمًا حَيْثُ أمَرَ بِتَقْواهُ، وأنَّها تَكُونُ عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ، حَكِيمًا حَيْثُ نَهى عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: هي تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، أيْ: عَلِيمًا بِمَن يَتَّقِي، حَكِيمًا في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ. ثُمَّ أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهو القُرْآنُ، والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ، وتَرْكِ مَراسِيمِ الجاهِلِيَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”بِما يَعْمَلُونَ“، الأُولى والثّانِيَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، فَجازَ في الأُولى أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وجازَ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ (p-٢١١)بِتَفْوِيضِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (كَفى بِاللَّهِ) في أوَّلِ ما وقَعَ في القُرْآنِ. رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي فِهْرٍ رَجُلٌ فِيهِمْ يُقالُ لَهُ: أبُو مَعْمَرٍ جَمِيلُ بْنُ أسَدٍ، وقِيلَ: حُمَيْدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وهْبِ بْنِ حارِثَةَ بْنِ جُمَحَ، وفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
يَدَّعِي أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، ويُقالُ لَهُ: ذُو القَلْبَيْنِ، وكانَ يَقُولُ: أنا أذْكى مِن مُحَمَّدٍ وأفْهَمُ؛ فَلَمّا بَلَغَتْهُ هَزِيمَةُ بَدْرٍ طاشَ لُبُّهُ وحَدَّثَ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِحَدِيثٍ كالمُخْتَلِّ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: هم جَماعَةٌ، يَقُولُ الواحِدُ مِنهم: نَفْسٌ تَأْمُرُنِي ونَفْسٌ تَنْهانِي. وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ إنَّ مُحَمَّدًا لَهُ قَلْبانِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ في شَيْءٍ، فَنَزَعَ في غَيْرِهِ نَزْعَةً ثُمَّ عادَ إلى شَأْنِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ أحَدٍ. قِيلَ: وجْهُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّقْوى، كانَ مِن حَقِّها أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المَرْءَ لَيْسَ لَهُ قَلْبانِ يَتَّقِي بِأحَدِهِما اللَّهَ وبِالآخَرِ غَيْرَهُ، وهو لا يَتَّقِي غَيْرَهُ إلّا بِصَرْفِ القَلْبِ عَنْ جِهَةِ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَتَّقِي اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. انْتَهى، مُلَخَّصًا. ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَفْعَلَ أحَدُهُما مِثْلَ ما يَفْعَلُ الآخَرُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَلا حاجَةَ إلى أحَدِهِما، أوْ غَيْرَهُ، فَيُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الإنْسانِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا عالِمًا ظانًّا شاكًّا مُوقِنًا في حالٍ واحِدَةٍ. وذُكِرَ الجَوْفُ، وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا بِالجَوْفِ، زِيادَةً لِلتَّصْوِيرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . فَإذا سَمِعَ بِذَلِكَ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ يُسْرِعُ إلى إنْكارِ ذَلِكَ.
﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمْ﴾ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى الزَّوْجَةَ المُظاهَرَ مِنها أُمًّا؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ كالمَمْلُوكِ، وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ. وقَرَأ قالُونُ وقُنْبُلٌ: ﴿اللّائِي﴾ هُنا، وفي المُجادِلَةِ والطَّلاقِ: بِالهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ ووَرْشٌ: بِياءٍ مُخْتَلِسَةِ الكَسْرَةِ؛ والبَزِّيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وهو بَدَلٌ مَسْمُوعٌ لا مَقِيسٌ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالهَمْزِ وياءٍ بَعْدَها. وقَرَأ عاصِمٌ: ﴿تُظاهِرُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وفي المُجادِلَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، مُضارِعَ ”ظاهَرَ“؛ وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ: الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو؛ وبِشَدِّ الظّاءِ وألِفٍ بَعْدَها: ابْنُ عامِرٍ؛ وبِتَخْفِيفِها والألِفِ: حَمْزَةُ والكِسائِيُّ؛ ووافَقَ ابْنُ عامِرٍ الآخَرِينَ في المُجادِلَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ فِيها بِشَدِّها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الظّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، مُضارِعَ أظْهَرَ؛ وفِيما حَكى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَنْهُ: بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، لِحَذْفِهِمْ تاءَ المُطاوَعَةِ وشَدِّ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ وشَدِّ الهاءِ، مُضارِعَ ظَهَّرَ، مُشَدَّدِ الهاءِ. وقَرَأ هارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِفَتْحِ التّاءِ والهاءِ وسُكُونِ الظّاءِ، مُضارِعَ ظَهَرَ، مُخَفَّفِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”تَتَظَهَّرُونَ“، بِتاءَيْنِ. فَتِلْكَ تِسْعُ قِراءاتٍ، والمَعْنى: قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَتِلْكَ الأفْعالُ مَأْخُوذَةٌ مِن هَذا اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: لَبّى المُحْرِمُ إذا قالَ: لَبَّيْكَ، وأفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ. وعُدِّيَ الفِعْلُ بِمِن؛ لِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَيَتَجَنَّبُونَ المُظاهَرَ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ تَباعَدَ مِنها بِجِهَةِ الظِّهارِ وغَيْرِهِ، أيْ: مِنِ امْرَأتِهِ. لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَّباعُدِ، عُدِّيَ بِمِن، وكَنَّوْا عَنِ البَطْنِ بِالظَّهْرِ إبْعادًا لِما يُقارِبُ الفَرْجَ، ولِكَوْنِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ: يَحْرُمُ إتْيانُ المَرْأةِ وظَهْرُها لِلسَّماءِ، وأهْلُ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: يَجِيءُ الوَلَدُ إذْ ذاكَ أحْوَلَ، فَبالَغُوا في التَّغْلِيظِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فَشَبَّهَها بِالظَّهْرِ، ثُمَّ بالَغَ فَجَعَلَها كَظَهْرِ أُمِّهِ. ورُوِيَ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجاءَ أبُوهُ وعَمُّهُ بِفِدائِهِ، وذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ.
﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ: وكانُوا (p-٢١٢)فِي الجاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الإسْلامِ إذا تَبَنّى الرَّجُلُ ولَدَ غَيْرِهِ صارَ يَرِثُهُ. وأدْعِياءُ: جَمْعُ دَعِيٍّ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، جاءَ شاذًّا، وقِياسُهُ فَعْلى، كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وإنَّما هَذا الجَمْعُ قِياسُ فَعِيلٍ المُعْتَلِّ اللّامِ بِمَعْنى فاعِلٍ، نَحْوُ تَقِيٍّ وأتْقِياءَ. شَبَّهُوا أدْعِياءَ بِتَقِيٍّ، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ شُذُوذًا، كَما شَذُّوا في جَمْعِ أسِيرٍ وقَتِيلٍ فَقالُوا: أُسَراءَ وقُتَلاءَ، وقَدْ سُمِعَ المَقِيسُ فِيهِما فَقالُوا: أسْرى وقَتْلى. والبُنُوَّةُ تَقْتَضِي التَّأصُّلَ في النَّسَبِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقَ عارِضٍ بِالتَّسْمِيَةِ، فَلا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ. (ذَلِكم) أيْ: دُعاؤُهم أبْناءَ مُجَرَّدُ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لِمَدْلُولِهِ، إذْ لا يُواطِئُ اللَّفْظُ الِاعْتِقادَ، إذْ يُعْلَمُ حَقِيقَةً أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ.
﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيْ: ما يُوافِقُ ظاهِرًا وباطِنًا.
﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ أوْ سَبِيلَ الشَّرْعِ والإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِي مُضارِعَ هَدى؛ وقَتادَةُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدّالِ. و﴿أقْسَطُ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أواخِرِ البَقَرَةِ، ومَعْناهُ: أعْدَلُ. ولَمّا أمَرَ بِأنْ يُدْعى المُتَبَنّى لِأبِيهِ إنْ عُلِمَ قالُوا: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ ﴿ومَوالِيكُمْ﴾؛ ولِذَلِكَ قالُوا: سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ أبا بَكْرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِّينِ ومَوْلاكم. قالَ الرّازِيُّ: ولَوْ عَلِمَ واللَّهِ أباهُ حِمارًا لانْتَمى إلَيْهِ، ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ. وفي الحَدِيثِ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .
﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قِيلَ: رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهم فِيما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ بِالخَطَأِ ما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ. وقِيلَ: فِيما سَبَقَ إلَيْهِ اللِّسانُ. إمّا عَلى سَبِيلِ الغَلَطِ، إنْ كانَ سَبَقَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ قَبْلَ النَّهْيِ، فَجَرى ذَلِكَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ غَلَطًا، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ، إذْ كَثِيرًا ما يَقُولُ الإنْسانُ لِلصَّغِيرِ: يا بُنَيَّ، كَما يَقُولُ لِلْكَبِيرِ: يا أبِي، عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ. و”ما“ عَطْفٌ عَلى ”ما أخْطَأْتُمْ“، أيْ: ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أيْ: ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا) لِلْعامِدِ إذا تابَ (رَحِيمًا) حَيْثُ رَفَعَ الجُناحَ عَنِ المُخْطِئِ.
وكَوْنُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أرْأفُ بِهِمْ وأعْطَفُ عَلَيْهِمْ، إذْ هو يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ، وأنْفُسُهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ. ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا آخِذٌ بِحُجَزِكم عَنِ النّارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقَحُّمَ الفَراشِ» . ومِن حَيْثُ يَنْزِلُ لَهم مَنزِلَةَ الأبِ. وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“، يَعْنِي في الدِّينِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ. وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَؤُلاءِ بَناتِي، إنَّهُ أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: بَناتُهُ في الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] أيْ: في الدِّينِ. وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ هَلَكَ وتَرَكَ مالًا، فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا؛ وإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضِياعًا فَإلَيَّ. قِيلَ: وأطْلَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمْ يُقَيِّدْ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذَ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحُقُوقُهُ آثَرَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ في حَقِّهِ. انْتَهى. ولَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى، لَكانَ التَّرْكِيبُ: المُؤْمِنُونَ أوْلى بِالنَّبِيِّ مِنهم بِأنْفُسِهِمْ.
﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في التَّوْقِيرِ والِاحْتِرامِ. وفي بَعْضِ الأحْكامِ: مِن تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا جَرَيْنَ فِيهِ مَجْرى الأجانِبِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ﴾ كُلُّ مَن أُطْلِقَ عَلَيْها أنَّها زَوْجَةٌ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مَن طَلَّقَها ومَن لَمْ يُطَلِّقْها. وقِيلَ: لا يَثْبُتُ هَذا الحُكْمُ لِمُطَلَّقَةٍ. وقِيلَ: مَن دَخَلَ بِها ثَبَتَتْ حُرْمَتُها قَطْعًا. وهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِ امْرَأةٍ فارَقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ونَكَحَتْ بَعْدَهُ، فَقالَتْ لَهُ: ولِمَ هَذا، وما ضَرَبَ عَلَيَّ حِجابًا، ولا سُمِّيتُ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا ؟ فَكَفَّ عَنْها. كانَ أوَّلًا بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ بِالتَّوارُثِ مِنَ الأخِ في الإسْلامِ، أوْ بِالهِجْرَةِ في كِتابِ اللَّهِ، أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مِنَ (p-٢١٣)المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ، أيْ: أوْلى مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ. وهَذا هو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ ”مِن“ هُنا كَهي في: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِأُولِي الأرْحامِ، أيِ: الأقْرِباءُ مِن هَؤُلاءِ بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ. انْتَهى. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أقْسامِهِ، مِن قَرِيبٍ وأجْنَبِيٍّ، مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَصِلُهُ في حَياتِهِ، ويُوصِي لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ وعَطاءٌ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
وسِياقُ ما تَقَدَّمَ في المُؤْمِنِينَ يُعَضِّدُ هَذا، لَكِنَّ وِلايَةَ النَّسَبِ لا تُدْفَعُ في الكافِرِ، إنَّما تُدْفَعُ في أنْ تُلْقِيَ إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ، كَوَلِيِّ الإسْلامِ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا﴾ هو مِمّا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، أيْ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في النَّفْعِ بِمِيراثٍ وغَيْرِهِ. وعُدِّيَ بِـ: إلى؛ لِأنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تُوصِلُوا إلى أوْلِيائِكم، كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما في الآيَتَيْنِ. (في الكِتابِ) إمّا اللَّوْحُ، وإمّا القُرْآنُ، عَلى ما تَقَدَّمَ.
﴿مَسْطُورًا﴾ أيْ: مُثْبَتًا بِالأسْطارِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالخاتِمَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ، ولَمّا كانَ ما سَبَقَ أحْكامٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ فِيها أشْياءُ مِمّا كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، وأشْياءُ في الإسْلامِ نُسِخَتْ. أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ: في تَبْلِيغِ الشَّرائِعِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ، فَلَسْتُ بِدْعًا في تَبْلِيغِكَ عَنِ اللَّهِ. والعامِلُ في ”إذْ“، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَسْطُورًا)، أيْ: مَسْطُورًا في أُمِّ الكِتابِ، وحِينَ أخَذْنا. وقِيلَ: العامِلُ: واذْكُرْ حِينَ أخَذْنا، وهَذا المِيثاقُ هو في تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ، ولا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ مانِعٌ، لا مِن خَوْفٍ ولا طَمَعٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: أُخِذَ مِيثاقُهم بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ قَتادَةُ: بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والإعْلانِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإعْلانِ رَسُولِ اللَّهِ أنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللَّهُ حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ بِالتَّبْلِيغِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ النُّبُوَّةُ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وخُصَّ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ، وقِيلَ: هم أُولُو العَزْمِ، لِشَرَفِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ. وقُدِّمَ مُحَمَّدٌ، ﷺ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ مِنهم، وأكْثَرَهم أتْباعًا. وقُدِّمَ نُوحٌ في آيَةِ الشُّورى في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ؛ لِأنَّ إيرادَهُ عَلى خِلافِ الإيرادِ، فَهُناكَ أوْرَدَهُ عَلى طَرِيقِ وصْفِ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بُعِثَ عَلَيْهِ نُوحٌ في العَهْدِ القَدِيمِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ خاتَمُ الأنْبِياءِ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ المَشاهِيرِ.
والمِيثاقُ الثّانِي هو الأوَّلُ، وكُرِّرَ لِأجْلِ صِفَتِهِ. والغِلَظُ: مِن صِفَةِ الأجْسامِ، واسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى مُبالَغًا في حُرْمَتِهِ وعَظَمَتِهِ وثِقَلِ فَرْطِ تَحَمُّلِهِ. وقِيلَ: المِيثاقُ الغَلِيظُ: اليَمِينُ بِاللَّهِ عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلَهُ. واللّامُ في ﴿لِيَسْألَ﴾ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المِيثاقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا. والظّاهِرُ أنَّها لامُ ”كَيْ“، أيْ: بَعَثْنا الرُّسُلَ وأخَذْنا عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ في التَّبْلِيغِ، لِكَيْ يَجْعَلَ اللَّهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً يَسْألُها عَنْ صِدْقِها عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ، فَتُجِيبُ بِأنَّها قَدْ صَدَقَتِ اللَّهَ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ؛ وفِرْقَةً كَفَرَتْ، فَيَنالُها ما أعَدَّ لَها مِنَ العَذابِ. فالصّادِقُونَ عَلى هَذا المَسْئُولُونَ هُمُ: المُؤْمِنُونَ. والهاءُ في (صِدْقِهِمْ) عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، ومَفْعُولُ (صِدْقِهِمْ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهُ. أوْ يَكُونُ (صِدْقِهِمْ) في مَعْنى تَصْدِيقِهِمْ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَنْ تَصْدِيقِهِمُ الأنْبِياءَ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِلصّادِقِ صَدَقْتَ، كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ. أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِي أجابَتْهم بِهِ أُمَمَهم، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى؛ أوْ لِيَسْألَ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ؛ أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ إلى قَوْمِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ، (p-٢١٤)أيْ: إذا كانَ الأنْبِياءُ يُسْألُونَ، فَكَيْفَ بِمَن سِواهم ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ أرادَ المُؤَدِّينَ عَنِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وسُؤالُ الرُّسُلِ تَبْكِيتٌ لِلْكافِرِينَ بِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . (وأعَدَّ) مَعْطُوفٌ عَلى (أخَذْنا) لِأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدُّعاءَ إلى دِينِهِ لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ.
﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثِيبَ بِهِ الصّادِقُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وذُكِرَتِ العِلَّةُ؛ وحُذِفَ مِنَ الثّانِي العِلَّةُ، وذُكِرَ ما عُوقِبُوا بِهِ. وكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، فَأثابَهم؛ ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٥] و﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ بَلِيغَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] وأمْعَنّا الكَلامَ هُناكَ.
الأحزاب 33:8
سُورَةُ الأحْزابِ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً مَدَنِيَّةٌ
﷽
(p-٢٠٧)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٦] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٤] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١] ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤] ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] ) (p-٢٠٨)الجَوْفُ: مَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أجْوافٌ. يَثْرِبُ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: أرْضُ المَدِينَةِ في ناحِيَةٍ مِنها. الحَنْجَرَةُ: رَأْسُ الغَلْصَمَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ والحُلْقُومُ: مَدْخَلُ الطَّعامِ والشَّرابِ. الأقْطارُ: النَّواحِي، واحِدُها قُطْرٌ، ويُقالُ: قُتْرٌ بِالتّاءِ، لُغَةٌ فِيهِ. عُوِّقَ عَنْ كَذا: تُثُبِّطَ عَنْهُ. سَلَقَهُ: اجْتَرَأ عَلَيْهِ وضَرَبَهُ، ويُقالُ: صَلَقَهُ بِالصّادِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقَةً وصُداءٍ ألْحَقَتْهم بِالثَّلَلْ
وقِيلَ: سَلَقَهُ: خاطَبَهُ مُخاطَبَةً بَلِيغَةً، ومِنهُ خَطِيبٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ، ولِسانٌ سَلّاقٌ ومِسْلاقٌ. النَّحْبُ: النُّذُرُ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎بِطِخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ
أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التُزِمَ القِيامُ بِهِ، وقَدْ يُسَمّى المَوْتُ نَحْبًا. الصَّياصِي: الحُصُونُ، واحِدُها صِيصَيَةٌ، وهي كُلُّ ما يُمْتَنَعُ بِهِ. ويُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ والظَّبْيِ، ولِشَوْكَةِ الدِّيكِ، وهي مِخْلَبُهُ الَّذِي في ساقِهِ لِأنَّهُ يَتَحَصَّنُ بِهِ. والصَّياصِي أيْضًا: شَوْكُ الحاكَةِ، ويُتَّخَذُ مِن حَدِيدٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎كَوَقْعِ الصَّياصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
الأُسْوَةُ: القُدْوَةُ، وتُضَمُّ هَمْزَتُهُ وتُكْسَرُ، ويَتَأسّى بِفُلانٍ: يَقْتَدِي بِهِ؛ والأُسْوَةُ مِنَ الِائْتِساءِ، كالقُدْوَةِ مِنَ الِاقْتِداءِ: اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ. التَّبَرُّجُ، قالَ اللَّيْثُ: تَبَرَّجَتْ: أبْدَتْ مَحاسِنَها مِن وجْهِها وجَسَدِها، ويُرى مَعَ ذَلِكَ مِن عَيْنِها حُسْنُ نَظَرٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُخْرِجُ مَحاسِنَها مِمّا تَسْتَدْعِي بِهِ شَهْوَةَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِنَ البَرَجِ، في عَيْنِهِ وفي أسْنانِهِ بَرَجٌ: أيْ: سِعَةٌ. الوَطَرُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كالأرَبِ، وأنْشَدَ لِلرَّبِيعِ بْنِ أصْبُغُ:(p-٢٠٩)
؎ودَّعْنا قَبْلَ أنْ نُوَدِّعَهُ ∗∗∗ لَمّا قَضى مِن شَبابِنا وطَرا
وقالَ المُبَرِّدُ: الوَطَرُ: الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ، يُقالُ: ما قَضَيْتُ مِن لِقائِكَ وطَرًا، أيْ: ما اسْتَمْتَعْتُ بِكَ حَتّى تَشْتَهِيَ نَفْسِي؛ وأنْشَدَ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما ∗∗∗ قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
الجِلْبابُ: ثَوْبٌ أكْبَرُ مِنَ الخِمارِ.
* *
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .
(p-٢١٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ أنَّ نِداءَهُ ﷺ: (يا أيُّها النَّبِيُّ) ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] هو عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِمَةِ والتَّنْوِيهِ بِمَحَلِّهِ وفَضِيلَتِهِ، وجاءَ نِداءُ غَيْرِهِ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياآدَمُ﴾ [البقرة: ٣٣] ﴿يانُوحُ﴾ [هود: ٣٢] ﴿ياإبْراهِيمُ﴾ [هود: ٧٦] ﴿يامُوسى﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿ياداوُدُ﴾ [ص: ٢٦] ﴿ياعِيسى﴾ [آل عمران: ٥٥] . وحَيْثُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، صَرَّحَ بِاسْمِهِ فَقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أعْلَمَ أنَّهُ رَسُولُهُ، ولَقَّنَهم أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ. وحَيْثُ لَمْ يَقْصِدِ الإعْلامَ بِذَلِكَ، جاءَ اسْمُهُ كَما جاءَ في النِّداءِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ﴾ [الفرقان: ٣٠] ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيِ. وأمَرَهُ بِالتَّقْوى لِلْمُتَلَبِّسِ بِها، أمَرَ بِالدَّيْمُومَةِ عَلَيْها والِازْدِيادِ مِنها. والظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وإذا كانَ هو مَأْمُورًا بِذَلِكَ، فَغَيْرُهُ أوْلى بِالأمْرِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ لَفْظًا، وهو لِأُمَّتِهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وكانَ يُحِبُّ إسْلامَ اليَهُودِ، فَبايَعَهُ ناسٌ مِنهم عَلى النِّفاقِ، وكانَ يَلِينُ لَهم جانِبُهُ، وكانُوا يُظْهِرُونَ النَّصائِحَ في طُرُقِ المُخادَعَةِ، ولِحَلِفِهِ وحِرْصِهِ عَلى ائْتِلافِهِمْ رُبَّما كانَ يَسْمَعُ مِنهم، فَنَزَلَتْ تَحْذِيرًا لَهُ مِنهم وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لَهُ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا وقُلْ: إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ، ونَدَعُكَ ورَبَّكَ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وناسَبَ أنْ نَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ، وهُمُ المُتَظاهِرُونَ بِهِ، وعَنْ طاعَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبَطِّنُونَ الكُفْرَ. فالسَّبَبانِ حاوِيانِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا إلَيْكَ. ورُوِيَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ، ويُعْطُوهُ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، ويُزَوِّجَهُ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بِنْتَهُ؛ وخَوَّفَهُ مُنافِقُو المَدِينَةِ أنَّهم يَقْتُلُونَهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَنَزَلَتْ.
ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها واضِحَةٌ، وهو أنَّهُ حَكى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ الفَتْحَ، وهو الفَصْلُ بَيْنَهم، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُهم إيمانُهم، فَأمَرَهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِتَقْوى اللَّهِ، ونَهاهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فِيما أرادُوا بِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عَلِيمًا بِالصَّوابِ مِنَ الخَطَأِ، والمَصْلَحَةِ مِنَ المَفْسَدَةِ؛ حَكِيمًا لا يَضَعُ الأشْياءَ إلّا مَواضِعَها مَنُوطَةً بِالحِكْمَةِ؛ أوْ عَلِيمًا حَيْثُ أمَرَ بِتَقْواهُ، وأنَّها تَكُونُ عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ، حَكِيمًا حَيْثُ نَهى عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: هي تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، أيْ: عَلِيمًا بِمَن يَتَّقِي، حَكِيمًا في هَدْيِ مَن شاءَ وإضْلالِ مَن شاءَ. ثُمَّ أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهو القُرْآنُ، والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ، وتَرْكِ مَراسِيمِ الجاهِلِيَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”بِما يَعْمَلُونَ“، الأُولى والثّانِيَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، فَجازَ في الأُولى أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، وجازَ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ (p-٢١١)بِتَفْوِيضِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في (كَفى بِاللَّهِ) في أوَّلِ ما وقَعَ في القُرْآنِ. رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي فِهْرٍ رَجُلٌ فِيهِمْ يُقالُ لَهُ: أبُو مَعْمَرٍ جَمِيلُ بْنُ أسَدٍ، وقِيلَ: حُمَيْدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وهْبِ بْنِ حارِثَةَ بْنِ جُمَحَ، وفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ:
؎وكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَما قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ
يَدَّعِي أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، ويُقالُ لَهُ: ذُو القَلْبَيْنِ، وكانَ يَقُولُ: أنا أذْكى مِن مُحَمَّدٍ وأفْهَمُ؛ فَلَمّا بَلَغَتْهُ هَزِيمَةُ بَدْرٍ طاشَ لُبُّهُ وحَدَّثَ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِحَدِيثٍ كالمُخْتَلِّ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الحَسَنُ: هم جَماعَةٌ، يَقُولُ الواحِدُ مِنهم: نَفْسٌ تَأْمُرُنِي ونَفْسٌ تَنْهانِي. وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ قالَ إنَّ مُحَمَّدًا لَهُ قَلْبانِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ في شَيْءٍ، فَنَزَعَ في غَيْرِهِ نَزْعَةً ثُمَّ عادَ إلى شَأْنِهِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ أحَدٍ. قِيلَ: وجْهُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّقْوى، كانَ مِن حَقِّها أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ المَرْءَ لَيْسَ لَهُ قَلْبانِ يَتَّقِي بِأحَدِهِما اللَّهَ وبِالآخَرِ غَيْرَهُ، وهو لا يَتَّقِي غَيْرَهُ إلّا بِصَرْفِ القَلْبِ عَنْ جِهَةِ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَتَّقِي اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. انْتَهى، مُلَخَّصًا. ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَفْعَلَ أحَدُهُما مِثْلَ ما يَفْعَلُ الآخَرُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَلا حاجَةَ إلى أحَدِهِما، أوْ غَيْرَهُ، فَيُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الإنْسانِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا عالِمًا ظانًّا شاكًّا مُوقِنًا في حالٍ واحِدَةٍ. وذُكِرَ الجَوْفُ، وإنْ كانَ المَعْلُومُ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا بِالجَوْفِ، زِيادَةً لِلتَّصْوِيرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . فَإذا سَمِعَ بِذَلِكَ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ يُسْرِعُ إلى إنْكارِ ذَلِكَ.
﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمْ﴾ لَمْ يَجْعَلْ تَعالى الزَّوْجَةَ المُظاهَرَ مِنها أُمًّا؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ كالمَمْلُوكِ، وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ. وقَرَأ قالُونُ وقُنْبُلٌ: ﴿اللّائِي﴾ هُنا، وفي المُجادِلَةِ والطَّلاقِ: بِالهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ ووَرْشٌ: بِياءٍ مُخْتَلِسَةِ الكَسْرَةِ؛ والبَزِّيُّ وأبُو عَمْرٍو: بِياءٍ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وهو بَدَلٌ مَسْمُوعٌ لا مَقِيسٌ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالهَمْزِ وياءٍ بَعْدَها. وقَرَأ عاصِمٌ: ﴿تُظاهِرُونَ﴾ بِالتّاءِ لِلْخِطابِ، وفي المُجادِلَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، مُضارِعَ ”ظاهَرَ“؛ وبِشَدِّ الظّاءِ والهاءِ: الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو؛ وبِشَدِّ الظّاءِ وألِفٍ بَعْدَها: ابْنُ عامِرٍ؛ وبِتَخْفِيفِها والألِفِ: حَمْزَةُ والكِسائِيُّ؛ ووافَقَ ابْنُ عامِرٍ الآخَرِينَ في المُجادِلَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ فِيها بِشَدِّها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الظّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، مُضارِعَ أظْهَرَ؛ وفِيما حَكى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَنْهُ: بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، لِحَذْفِهِمْ تاءَ المُطاوَعَةِ وشَدِّ الهاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ وشَدِّ الهاءِ، مُضارِعَ ظَهَّرَ، مُشَدَّدِ الهاءِ. وقَرَأ هارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”﴿تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]“، بِفَتْحِ التّاءِ والهاءِ وسُكُونِ الظّاءِ، مُضارِعَ ظَهَرَ، مُخَفَّفِ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”تَتَظَهَّرُونَ“، بِتاءَيْنِ. فَتِلْكَ تِسْعُ قِراءاتٍ، والمَعْنى: قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَتِلْكَ الأفْعالُ مَأْخُوذَةٌ مِن هَذا اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: لَبّى المُحْرِمُ إذا قالَ: لَبَّيْكَ، وأفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ. وعُدِّيَ الفِعْلُ بِمِن؛ لِأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فَيَتَجَنَّبُونَ المُظاهَرَ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ تَباعَدَ مِنها بِجِهَةِ الظِّهارِ وغَيْرِهِ، أيْ: مِنِ امْرَأتِهِ. لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَّباعُدِ، عُدِّيَ بِمِن، وكَنَّوْا عَنِ البَطْنِ بِالظَّهْرِ إبْعادًا لِما يُقارِبُ الفَرْجَ، ولِكَوْنِهِمْ كانُوا يَقُولُونَ: يَحْرُمُ إتْيانُ المَرْأةِ وظَهْرُها لِلسَّماءِ، وأهْلُ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: يَجِيءُ الوَلَدُ إذْ ذاكَ أحْوَلَ، فَبالَغُوا في التَّغْلِيظِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فَشَبَّهَها بِالظَّهْرِ، ثُمَّ بالَغَ فَجَعَلَها كَظَهْرِ أُمِّهِ. ورُوِيَ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجاءَ أبُوهُ وعَمُّهُ بِفِدائِهِ، وذَلِكَ قَبْلَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ.
﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ الآيَةَ: وكانُوا (p-٢١٢)فِي الجاهِلِيَّةِ وصَدْرِ الإسْلامِ إذا تَبَنّى الرَّجُلُ ولَدَ غَيْرِهِ صارَ يَرِثُهُ. وأدْعِياءُ: جَمْعُ دَعِيٍّ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، جاءَ شاذًّا، وقِياسُهُ فَعْلى، كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وإنَّما هَذا الجَمْعُ قِياسُ فَعِيلٍ المُعْتَلِّ اللّامِ بِمَعْنى فاعِلٍ، نَحْوُ تَقِيٍّ وأتْقِياءَ. شَبَّهُوا أدْعِياءَ بِتَقِيٍّ، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ شُذُوذًا، كَما شَذُّوا في جَمْعِ أسِيرٍ وقَتِيلٍ فَقالُوا: أُسَراءَ وقُتَلاءَ، وقَدْ سُمِعَ المَقِيسُ فِيهِما فَقالُوا: أسْرى وقَتْلى. والبُنُوَّةُ تَقْتَضِي التَّأصُّلَ في النَّسَبِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقَ عارِضٍ بِالتَّسْمِيَةِ، فَلا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ. (ذَلِكم) أيْ: دُعاؤُهم أبْناءَ مُجَرَّدُ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لِمَدْلُولِهِ، إذْ لا يُواطِئُ اللَّفْظُ الِاعْتِقادَ، إذْ يُعْلَمُ حَقِيقَةً أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ.
﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيْ: ما يُوافِقُ ظاهِرًا وباطِنًا.
﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ أوْ سَبِيلَ الشَّرْعِ والإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَهْدِي مُضارِعَ هَدى؛ وقَتادَةُ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدّالِ. و﴿أقْسَطُ﴾ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في أواخِرِ البَقَرَةِ، ومَعْناهُ: أعْدَلُ. ولَمّا أمَرَ بِأنْ يُدْعى المُتَبَنّى لِأبِيهِ إنْ عُلِمَ قالُوا: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ ﴿ومَوالِيكُمْ﴾؛ ولِذَلِكَ قالُوا: سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّ أبا بَكْرَةَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: أنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، فَأنا أخُوكم في الدِّينِ ومَوْلاكم. قالَ الرّازِيُّ: ولَوْ عَلِمَ واللَّهِ أباهُ حِمارًا لانْتَمى إلَيْهِ، ورِجالُ الحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ: نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ. وفي الحَدِيثِ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .
﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قِيلَ: رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهم فِيما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ، وهَذا ضَعِيفٌ لا يُوصَفُ بِالخَطَأِ ما كانَ قَبْلَ النَّهْيِ. وقِيلَ: فِيما سَبَقَ إلَيْهِ اللِّسانُ. إمّا عَلى سَبِيلِ الغَلَطِ، إنْ كانَ سَبَقَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ قَبْلَ النَّهْيِ، فَجَرى ذَلِكَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ غَلَطًا، أوْ عَلى سَبِيلِ التَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ، إذْ كَثِيرًا ما يَقُولُ الإنْسانُ لِلصَّغِيرِ: يا بُنَيَّ، كَما يَقُولُ لِلْكَبِيرِ: يا أبِي، عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ. و”ما“ عَطْفٌ عَلى ”ما أخْطَأْتُمْ“، أيْ: ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم. وأُجِيزَ أنْ تَكُونَ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أيْ: ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ. (وكانَ اللَّهُ غَفُورًا) لِلْعامِدِ إذا تابَ (رَحِيمًا) حَيْثُ رَفَعَ الجُناحَ عَنِ المُخْطِئِ.
وكَوْنُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أرْأفُ بِهِمْ وأعْطَفُ عَلَيْهِمْ، إذْ هو يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ، وأنْفُسُهم تَدْعُوهم إلى الهَلاكِ. ومِنهُ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنا آخِذٌ بِحُجَزِكم عَنِ النّارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقَحُّمَ الفَراشِ» . ومِن حَيْثُ يَنْزِلُ لَهم مَنزِلَةَ الأبِ. وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“، يَعْنِي في الدِّينِ. وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ. وقَدْ قِيلَ في قَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَؤُلاءِ بَناتِي، إنَّهُ أرادَ المُؤْمِناتِ، أيْ: بَناتُهُ في الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] أيْ: في الدِّينِ. وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ» . واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ هَلَكَ وتَرَكَ مالًا، فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا؛ وإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضِياعًا فَإلَيَّ. قِيلَ: وأطْلَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في كُلِّ شَيْءٍ، ولَمْ يُقَيِّدْ. فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذَ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحُقُوقُهُ آثَرَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ في حَقِّهِ. انْتَهى. ولَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى، لَكانَ التَّرْكِيبُ: المُؤْمِنُونَ أوْلى بِالنَّبِيِّ مِنهم بِأنْفُسِهِمْ.
﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مِثْلُ أُمَّهاتِهِمْ في التَّوْقِيرِ والِاحْتِرامِ. وفي بَعْضِ الأحْكامِ: مِن تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا جَرَيْنَ فِيهِ مَجْرى الأجانِبِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ﴾ كُلُّ مَن أُطْلِقَ عَلَيْها أنَّها زَوْجَةٌ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مَن طَلَّقَها ومَن لَمْ يُطَلِّقْها. وقِيلَ: لا يَثْبُتُ هَذا الحُكْمُ لِمُطَلَّقَةٍ. وقِيلَ: مَن دَخَلَ بِها ثَبَتَتْ حُرْمَتُها قَطْعًا. وهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِ امْرَأةٍ فارَقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ونَكَحَتْ بَعْدَهُ، فَقالَتْ لَهُ: ولِمَ هَذا، وما ضَرَبَ عَلَيَّ حِجابًا، ولا سُمِّيتُ لِلْمُسْلِمِينَ أُمًّا ؟ فَكَفَّ عَنْها. كانَ أوَّلًا بِالمَدِينَةِ تَوارُثٌ بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ وبِالهِجْرَةِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى بِأنَّ أُولِي الأرْحامِ أحَقُّ بِالتَّوارُثِ مِنَ الأخِ في الإسْلامِ، أوْ بِالهِجْرَةِ في كِتابِ اللَّهِ، أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ في القُرْآنِ مِنَ (p-٢١٣)المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ، أيْ: أوْلى مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ. وهَذا هو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ ”مِن“ هُنا كَهي في: زَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِأُولِي الأرْحامِ، أيِ: الأقْرِباءُ مِن هَؤُلاءِ بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ. انْتَهى. والظّاهِرُ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أقْسامِهِ، مِن قَرِيبٍ وأجْنَبِيٍّ، مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، يُحْسِنُ إلَيْهِ ويَصِلُهُ في حَياتِهِ، ويُوصِي لَهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ وعَطاءٌ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، والرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
وسِياقُ ما تَقَدَّمَ في المُؤْمِنِينَ يُعَضِّدُ هَذا، لَكِنَّ وِلايَةَ النَّسَبِ لا تُدْفَعُ في الكافِرِ، إنَّما تُدْفَعُ في أنْ تُلْقِيَ إلَيْهِ بِالمَوَدَّةِ، كَوَلِيِّ الإسْلامِ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا﴾ هو مِمّا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، أيْ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في النَّفْعِ بِمِيراثٍ وغَيْرِهِ. وعُدِّيَ بِـ: إلى؛ لِأنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تُوصِلُوا إلى أوْلِيائِكم، كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما في الآيَتَيْنِ. (في الكِتابِ) إمّا اللَّوْحُ، وإمّا القُرْآنُ، عَلى ما تَقَدَّمَ.
﴿مَسْطُورًا﴾ أيْ: مُثْبَتًا بِالأسْطارِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالخاتِمَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ، ولَمّا كانَ ما سَبَقَ أحْكامٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ فِيها أشْياءُ مِمّا كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، وأشْياءُ في الإسْلامِ نُسِخَتْ. أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ: في تَبْلِيغِ الشَّرائِعِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ، فَلَسْتُ بِدْعًا في تَبْلِيغِكَ عَنِ اللَّهِ. والعامِلُ في ”إذْ“، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَسْطُورًا)، أيْ: مَسْطُورًا في أُمِّ الكِتابِ، وحِينَ أخَذْنا. وقِيلَ: العامِلُ: واذْكُرْ حِينَ أخَذْنا، وهَذا المِيثاقُ هو في تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ، ولا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ مانِعٌ، لا مِن خَوْفٍ ولا طَمَعٍ. قالَ الكَلْبِيُّ: أُخِذَ مِيثاقُهم بِالتَّبْلِيغِ. وقالَ قَتادَةُ: بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والإعْلانِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإعْلانِ رَسُولِ اللَّهِ أنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ وقْتَ اسْتِخْراجِ البَشَرِ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، قالُوا: فَأخَذَ اللَّهُ حِينَئِذٍ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ بِالتَّبْلِيغِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وبِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ النُّبُوَّةُ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وخُصَّ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ، وقِيلَ: هم أُولُو العَزْمِ، لِشَرَفِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ. وقُدِّمَ مُحَمَّدٌ، ﷺ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ مِنهم، وأكْثَرَهم أتْباعًا. وقُدِّمَ نُوحٌ في آيَةِ الشُّورى في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ؛ لِأنَّ إيرادَهُ عَلى خِلافِ الإيرادِ، فَهُناكَ أوْرَدَهُ عَلى طَرِيقِ وصْفِ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بُعِثَ عَلَيْهِ نُوحٌ في العَهْدِ القَدِيمِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ خاتَمُ الأنْبِياءِ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبُعِثَ عَلَيْهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ المَشاهِيرِ.
والمِيثاقُ الثّانِي هو الأوَّلُ، وكُرِّرَ لِأجْلِ صِفَتِهِ. والغِلَظُ: مِن صِفَةِ الأجْسامِ، واسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى مُبالَغًا في حُرْمَتِهِ وعَظَمَتِهِ وثِقَلِ فَرْطِ تَحَمُّلِهِ. وقِيلَ: المِيثاقُ الغَلِيظُ: اليَمِينُ بِاللَّهِ عَلى الوَفاءِ بِما حَمَلَهُ. واللّامُ في ﴿لِيَسْألَ﴾ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لامَ الصَّيْرُورَةِ، أيْ: أخَذَ المِيثاقَ عَلى الأنْبِياءِ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى كَذا. والظّاهِرُ أنَّها لامُ ”كَيْ“، أيْ: بَعَثْنا الرُّسُلَ وأخَذْنا عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ في التَّبْلِيغِ، لِكَيْ يَجْعَلَ اللَّهُ خَلْقَهُ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً يَسْألُها عَنْ صِدْقِها عَلى مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ، فَتُجِيبُ بِأنَّها قَدْ صَدَقَتِ اللَّهَ في إيمانِها وجَمِيعِ أفْعالِها، فَيُثِيبُها عَلى ذَلِكَ؛ وفِرْقَةً كَفَرَتْ، فَيَنالُها ما أعَدَّ لَها مِنَ العَذابِ. فالصّادِقُونَ عَلى هَذا المَسْئُولُونَ هُمُ: المُؤْمِنُونَ. والهاءُ في (صِدْقِهِمْ) عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، ومَفْعُولُ (صِدْقِهِمْ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهُ. أوْ يَكُونُ (صِدْقِهِمْ) في مَعْنى تَصْدِيقِهِمْ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عَنْ تَصْدِيقِهِمُ الأنْبِياءَ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِلصّادِقِ صَدَقْتَ، كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ. أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِي أجابَتْهم بِهِ أُمَمَهم، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى؛ أوْ لِيَسْألَ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ؛ أوْ لِيَسْألَ الأنْبِياءَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ إلى قَوْمِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ، (p-٢١٤)أيْ: إذا كانَ الأنْبِياءُ يُسْألُونَ، فَكَيْفَ بِمَن سِواهم ؟ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ أرادَ المُؤَدِّينَ عَنِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وسُؤالُ الرُّسُلِ تَبْكِيتٌ لِلْكافِرِينَ بِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . (وأعَدَّ) مَعْطُوفٌ عَلى (أخَذْنا) لِأنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدُّعاءَ إلى دِينِهِ لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ.
﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثِيبَ بِهِ الصّادِقُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وذُكِرَتِ العِلَّةُ؛ وحُذِفَ مِنَ الثّانِي العِلَّةُ، وذُكِرَ ما عُوقِبُوا بِهِ. وكانَ التَّقْدِيرُ: لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، فَأثابَهم؛ ويَسْألَ الكافِرِينَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٥] و﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ بَلِيغَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] وأمْعَنّا الكَلامَ هُناكَ.
الأحزاب 33:9
(p-٢١٥)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦] ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] .
(p-٢١٦)ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، وما اتَّصَلَ بِها مِن أمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وقَدِ اسْتَوْفى ذَلِكَ أهِلُ السِّيَرِ، ونَذْكُرُ مِن ذَلِكَ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالآياتِ الَّتِي نُفَسِّرُها.
و”إذْ“ مَعْمُولَةٌ لِـ: (نِعْمَةَ)، أيْ: إنْعامَهُ عَلَيْكم وقْتَ مَجِيءِ الجُنُودِ، والجُنُودُ كانُوا عَشَرَةَ آلافٍ، قُرَيْشٌ ومَن تابَعَهم مِنَ الأحابِيشِ في أرْبَعَةِ آلافٍ يَقُودُهم أبُو سُفْيانَ، وبَنُو أسَدٍ يَقُودُهم طُلَيْحَةُ، وغَطَفانُ يَقُودُهم عُيَيْنَةُ، وبَنُو عامِرٍ يَقُودُهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وسُلَيْمٌ يَقُودُهم أبُو الأعْوَرِ، واليَهُودُ النَّضِيرُ رُؤَساؤُهم حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وابْنا أبِي الحُقَيْقِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ سَيِّدُهم كَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَهْدٌ، فَنَبَذَهُ بِسَعْيِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ. وقِيلَ: فاجْتَمَعُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وهُمُ الأحْزابُ، ونَزَلُوا المَدِينَةَ، فَحَفَرُوا الخَنْدَقَ بِإشارَةِ سَلْمانَ، وظَهَرَتْ لِلرَّسُولِ ﷺ بِهِ تِلْكَ المُعْجِزَةُ العَظِيمَةُ مِن كَسْرِ الصَّخْرَةِ الَّتِي أعْوَزَتِ الصَّحابَةَ ثَلاثَ فِرَقٍ، ظَهَرَتْ مَعَ كُلِّ فِرْقَةٍ بُرْقَةٌ، أراهُ اللَّهُ مِنها مَدائِنَ كِسْرى وما حَوْلَها، ومَدائِنَ قَيْصَرَ وما حَوْلَها، ومَدائِنَ الحَبَشَةِ وما حَوْلَها؛ وبُشِّرَ بِفَتْحِ ذَلِكَ، وأقامَ الذَّرارِيَّ والنِّساءَ بِالآطامِ، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ في ثَلاثَةِ آلافٍ، فَنَزَلُوا بِظَهْرِ سَلْعٍ، والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، وكانَ ذَلِكَ في شَوّالٍ، سَنَةَ خَمْسٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وقالَ مالِكٌ: سَنَةَ أرْبَعٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ: وجُنُودًا، بِفَتْحِ الجِيمِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ. بَعَثَ اللَّهُ الصَّبا لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ، فَأضَرَّتْ بِهِمْ؛ هَدَمَتْ بُيُوتَهم، وأطْفَأتْ نِيرانَهم، وقَطَعَتْ حِبالَهم، وأكْفَأتْ قُدُورَهم، ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَها قَرارٌ. وبَعَثَ اللَّهُ مَعَ الصَّبا مَلائِكَةٌ تُشَدِّدُ الرِّيحَ وتَفْعَلُ نَحْوَ فِعْلِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، وأبُو بَكْرَةَ في رِوايَةٍ: ”لَمْ يَرَوْها“، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، والجُمْهُورُ: بِتاءِ الخِطابِ.
﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ مِن أعْلى الوادِي مِن قِبَلِ مَشْرِقِ غَطَفانَ ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، وقُرَيْشٌ تَحَزَّبُوا وقالُوا: نَكُونُ جُمْلَةً حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ يُرِيدُ أهْلَ نَجْدٍ مَعَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، و﴿مِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يُرِيدُ مَكَّةَ وسائِرَ تِهامَةَ، وهو قَوْلٌ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. وقِيلَ: إنَّما يُرادُ ما يَخْتَصُّ بِبُقْعَةِ المَدِينَةِ، أيْ: نَزَلَتْ طائِفَةٌ في أعْلى المَدِينَةِ، وطائِفَةٌ في أسْفَلِها، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، أيْ: جاءُوكم مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذْ جاءُوكم مُحِيطِينَ بِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] المَعْنى: يَغْشاهم مُحِيطًا بِجَمِيعِ أبْدانِهِمْ. وزَيْغُ الأبْصارِ: مَيْلُها عَنْ مُسْتَوى نَظَرِها، فِعْلُ الوالِهِ الجَزِعِ. وقالَ الفَرّاءُ: زاغَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلّا إلى عَدُوِّها. وبُلُوغُ القَلْبِ الحَناجِرَ: مُبالَغَةٌ في اضْطِرابِها ووَجِيبِها، دُونَ أنْ تَنْتَقِلَ مِن مَقَرِّها إلى الحَنْجَرَةِ. وقِيلَ: بَحَّتِ القُلُوبُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ، فَيَتَّصِلُ وجِيبُها بِالحَنْجَرَةِ، فَكَأنَّها بَلَغَتْها. وقِيلَ: يَجِدُ خُشُونَةً وقَلْبُهُ يَصْعَدُ عُلُوًّا لِيَنْفَصِلَ، فالبُلُوغُ لَيْسَ حَقِيقَةً. وقِيلَ: القَلْبُ عِنْدَ الغَضَبِ يَنْدَفِعُ، وعِنْدَ الخَوْفِ يَجْتَمِعُ فَيَتَقَلَّصُ بِالحَنْجَرَةِ. وقِيلَ: يُفْضِي إلى أنْ يَسُدَّ مَخْرَجَ النَّفَسِ، فَلا يَقْدِرُ المَرْءُ أنْ يَتَنَفَّسَ، ويَمُوتُ خَوْفًا، ومِثْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨] . وقِيلَ: إذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ والغَضَبِ، أوِ الغَمِّ الشَّدِيدِ، رَبَتْ وارْتَفَعَ القَلْبُ بِارْتِفاعِها إلى رَأْسِ الحَنْجَرَةِ، ومِن ثَمَّ قِيلَ لِلْجَبانِ، انْتَفَخَ سَحْرُهُ. والظُّنُونُ: جَمْعٌ لِما اخْتَلَفَتْ مُتَعَلِّقاتُهُ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ عِنْدَ مَن جَمَعَ المَصْدَرَ إذا اخْتَلَفَتْ مُتَعَلِّقاتُهُ، ويَنْقاسُ عِنْدَ غَيْرِهِ، وقَدْ جاءَ الظُّنُونُ جَمْعًا في أشْعارِهِمْ، أنْشَدَ أبُو عَمْرٍو في كِتابِ الألْحانِ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظُّنُونا
(p-٢١٧)فَظَنَّ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ حَقٌّ، وأنَّهم يَسْتَظْهِرُونَ؛ وظَنَّ الضَّعِيفُ الإيمانِ مُضْطَرِبُهُ، والمُنافِقُونَ، أنَّ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ سَيُغْلَبُونَ، وكُلُّ هَؤُلاءِ يَشْمَلُهُمُ الضَّمِيرُ في ﴿وتَظُنُّونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: ظَنُّوا ظُنُونًا مُخْتَلِفَةً، ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ المُسْلِمِينَ يُسْتَأْصَلُونَ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم يُبْتَلُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: يَكادُونَ يَضْطَرِبُونَ، ويَقُولُونَ: ما هَذا الخُلْفُ لِلْوَعْدِ ؟ وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ خَواطِرَ خَطَرَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا يُمْكِنُ البَشَرَ دَفْعُها. وأمّا المُنافِقُونَ فَعَجَّلُوا ونَطَقُوا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ظَنَّ المُؤْمِنُونَ الثُّبْتُ القُلُوبِ بِاللَّهِ أنْ يَبْتَلِيَهم ويَفْتِنَهم، فَخافُوا الزَّلَلَ وضَعْفَ الِاحْتِمالِ؛ والضِّعافُ القُلُوبِ الَّذِينَ هم عَلى حَرْفٍ والمُنافِقُونَ ظَنُّوا بِاللَّهِ ما حَكى عَنْهم، وكَتَبَ: (الظُّنُونا) و(الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في المُصْحَفِ بِالألِفِ، فَحَذَفَها حَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو وقْفًا ووَصْلًا؛ وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِحَذْفِها وصْلًا خاصَّةً؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ والحُذّاقُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ بِالألِفِ، ولا يُوصَلَ، فَيُحْذَفُ أوْ يُثْبَتُ؛ لِأنَّ حَذْفَها مُخالِفٌ لِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مَصاحِفُ الأمْصارِ، ولِأنَّ إثْباتَها الوَصْلَ مَعْدُومٌ في لِسانِ العَرَبِ، نَظْمِهِمْ ونَثْرِهِمْ، لا في اضْطِرارٍ ولا غَيْرِهِ. أمّا إثْباتُها في الوَقْفِ فَفِيهِ اتِّباعُ الرَّسْمِ ومُوافَقَتُهُ لِبَعْضِ مَذاهِبِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ هَذِهِ الألِفَ في قَوافِي أشْعارِهِمْ وفي تَصارِيفِها، والفَواصِلُ في الكَلامِ كالمَصارِعِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هي رُءُوسُ الآيِ، تُشَبَّهُ بِالقَوافِي مِن حَيْثُ كانَتْ مَقاطِعَ، كَما كانَتِ القَوافِي مَقاطِعَ.
و﴿هُنالِكَ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ هَذا أصْلُهُ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، أيْ: في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الحِصارُ والقِتالُ ﴿ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ والعامِلُ فِيهِ (ابْتُلِيَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (هُنالِكَ) ظَرْفُ زَمانٍ؛ قالَ: ومَن قالَ إنَّ العامِلَ فِيهِ ﴿وتَظُنُّونَ﴾ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ البَداءَةَ لَيْسَتْ مُتَمَكِّنَةً. وابْتِلاؤُهم، قالَ الضَّحّاكُ: بِالجُوعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحِصارِ. وقِيلَ: بِالصَّبْرِ عَلى الإيمانِ.
﴿وزُلْزِلُوا﴾ قالَ ابْنُ سَلامٍ: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ. وقِيلَ؛ (زُلْزِلُوا) فَثَبَتُوا وصَبَرُوا حَتّى نُصِرُوا. وقِيلَ: حُرِّكُوا إلى الفِتْنَةِ فَعُصِمُوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وزُلْزِلُوا)، بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى اللُّؤْلُؤِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِكَسْرِ الزّايِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: إشْمامُ زايِ زُلْزِلُوا. انْتَهى، كَأنَّهُ يَعْنِي إشْمامَها الكَسْرَ، ووَجْهُ الكَسْرِ في هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنَّهُ أتْبَعَ حَرَكَةَ الزّايِ الأُولى بِحَرَكَةِ الثّانِيَةِ، ولَمْ يَعْتَدَّ بِالسّاكِنِ، كَما يَعْتَدُّ بِهِ مَن قالَ: مِنتِنٌ، بِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ التّاءِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أنْتَنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ؛ والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِها، وكَذا: ”﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١]“ ومَصْدَرُ فَعْلَلَ مِنَ المُضاعَفِ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ نَحْوُ: قَلْقَلَ قَلْقالًا. وقَدْ يُرادُ بِالمَفْتُوحِ مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَصَلْصالٌ بِمَعْنى مُصَلْصِلٍ، فَإنْ كانَ غَيْرَ مُضاعَفٍ، فَما سُمِعَ مِنهُ عَلى فِعْلانٍ، مَكْسُورِ الفاءِ، نَحْوُ: سَرْهَفَهُ سِرْهافًا.
الأحزاب 33:10
(p-٢١٥)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦] ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] .
(p-٢١٦)ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، وما اتَّصَلَ بِها مِن أمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وقَدِ اسْتَوْفى ذَلِكَ أهِلُ السِّيَرِ، ونَذْكُرُ مِن ذَلِكَ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالآياتِ الَّتِي نُفَسِّرُها.
و”إذْ“ مَعْمُولَةٌ لِـ: (نِعْمَةَ)، أيْ: إنْعامَهُ عَلَيْكم وقْتَ مَجِيءِ الجُنُودِ، والجُنُودُ كانُوا عَشَرَةَ آلافٍ، قُرَيْشٌ ومَن تابَعَهم مِنَ الأحابِيشِ في أرْبَعَةِ آلافٍ يَقُودُهم أبُو سُفْيانَ، وبَنُو أسَدٍ يَقُودُهم طُلَيْحَةُ، وغَطَفانُ يَقُودُهم عُيَيْنَةُ، وبَنُو عامِرٍ يَقُودُهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وسُلَيْمٌ يَقُودُهم أبُو الأعْوَرِ، واليَهُودُ النَّضِيرُ رُؤَساؤُهم حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وابْنا أبِي الحُقَيْقِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ سَيِّدُهم كَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَهْدٌ، فَنَبَذَهُ بِسَعْيِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ. وقِيلَ: فاجْتَمَعُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وهُمُ الأحْزابُ، ونَزَلُوا المَدِينَةَ، فَحَفَرُوا الخَنْدَقَ بِإشارَةِ سَلْمانَ، وظَهَرَتْ لِلرَّسُولِ ﷺ بِهِ تِلْكَ المُعْجِزَةُ العَظِيمَةُ مِن كَسْرِ الصَّخْرَةِ الَّتِي أعْوَزَتِ الصَّحابَةَ ثَلاثَ فِرَقٍ، ظَهَرَتْ مَعَ كُلِّ فِرْقَةٍ بُرْقَةٌ، أراهُ اللَّهُ مِنها مَدائِنَ كِسْرى وما حَوْلَها، ومَدائِنَ قَيْصَرَ وما حَوْلَها، ومَدائِنَ الحَبَشَةِ وما حَوْلَها؛ وبُشِّرَ بِفَتْحِ ذَلِكَ، وأقامَ الذَّرارِيَّ والنِّساءَ بِالآطامِ، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ في ثَلاثَةِ آلافٍ، فَنَزَلُوا بِظَهْرِ سَلْعٍ، والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، وكانَ ذَلِكَ في شَوّالٍ، سَنَةَ خَمْسٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وقالَ مالِكٌ: سَنَةَ أرْبَعٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ: وجُنُودًا، بِفَتْحِ الجِيمِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ. بَعَثَ اللَّهُ الصَّبا لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ، فَأضَرَّتْ بِهِمْ؛ هَدَمَتْ بُيُوتَهم، وأطْفَأتْ نِيرانَهم، وقَطَعَتْ حِبالَهم، وأكْفَأتْ قُدُورَهم، ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَها قَرارٌ. وبَعَثَ اللَّهُ مَعَ الصَّبا مَلائِكَةٌ تُشَدِّدُ الرِّيحَ وتَفْعَلُ نَحْوَ فِعْلِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، وأبُو بَكْرَةَ في رِوايَةٍ: ”لَمْ يَرَوْها“، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، والجُمْهُورُ: بِتاءِ الخِطابِ.
﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ مِن أعْلى الوادِي مِن قِبَلِ مَشْرِقِ غَطَفانَ ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، وقُرَيْشٌ تَحَزَّبُوا وقالُوا: نَكُونُ جُمْلَةً حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ يُرِيدُ أهْلَ نَجْدٍ مَعَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، و﴿مِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يُرِيدُ مَكَّةَ وسائِرَ تِهامَةَ، وهو قَوْلٌ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. وقِيلَ: إنَّما يُرادُ ما يَخْتَصُّ بِبُقْعَةِ المَدِينَةِ، أيْ: نَزَلَتْ طائِفَةٌ في أعْلى المَدِينَةِ، وطائِفَةٌ في أسْفَلِها، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، أيْ: جاءُوكم مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذْ جاءُوكم مُحِيطِينَ بِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] المَعْنى: يَغْشاهم مُحِيطًا بِجَمِيعِ أبْدانِهِمْ. وزَيْغُ الأبْصارِ: مَيْلُها عَنْ مُسْتَوى نَظَرِها، فِعْلُ الوالِهِ الجَزِعِ. وقالَ الفَرّاءُ: زاغَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلّا إلى عَدُوِّها. وبُلُوغُ القَلْبِ الحَناجِرَ: مُبالَغَةٌ في اضْطِرابِها ووَجِيبِها، دُونَ أنْ تَنْتَقِلَ مِن مَقَرِّها إلى الحَنْجَرَةِ. وقِيلَ: بَحَّتِ القُلُوبُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ، فَيَتَّصِلُ وجِيبُها بِالحَنْجَرَةِ، فَكَأنَّها بَلَغَتْها. وقِيلَ: يَجِدُ خُشُونَةً وقَلْبُهُ يَصْعَدُ عُلُوًّا لِيَنْفَصِلَ، فالبُلُوغُ لَيْسَ حَقِيقَةً. وقِيلَ: القَلْبُ عِنْدَ الغَضَبِ يَنْدَفِعُ، وعِنْدَ الخَوْفِ يَجْتَمِعُ فَيَتَقَلَّصُ بِالحَنْجَرَةِ. وقِيلَ: يُفْضِي إلى أنْ يَسُدَّ مَخْرَجَ النَّفَسِ، فَلا يَقْدِرُ المَرْءُ أنْ يَتَنَفَّسَ، ويَمُوتُ خَوْفًا، ومِثْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨] . وقِيلَ: إذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ والغَضَبِ، أوِ الغَمِّ الشَّدِيدِ، رَبَتْ وارْتَفَعَ القَلْبُ بِارْتِفاعِها إلى رَأْسِ الحَنْجَرَةِ، ومِن ثَمَّ قِيلَ لِلْجَبانِ، انْتَفَخَ سَحْرُهُ. والظُّنُونُ: جَمْعٌ لِما اخْتَلَفَتْ مُتَعَلِّقاتُهُ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ عِنْدَ مَن جَمَعَ المَصْدَرَ إذا اخْتَلَفَتْ مُتَعَلِّقاتُهُ، ويَنْقاسُ عِنْدَ غَيْرِهِ، وقَدْ جاءَ الظُّنُونُ جَمْعًا في أشْعارِهِمْ، أنْشَدَ أبُو عَمْرٍو في كِتابِ الألْحانِ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظُّنُونا
(p-٢١٧)فَظَنَّ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ حَقٌّ، وأنَّهم يَسْتَظْهِرُونَ؛ وظَنَّ الضَّعِيفُ الإيمانِ مُضْطَرِبُهُ، والمُنافِقُونَ، أنَّ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ سَيُغْلَبُونَ، وكُلُّ هَؤُلاءِ يَشْمَلُهُمُ الضَّمِيرُ في ﴿وتَظُنُّونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: ظَنُّوا ظُنُونًا مُخْتَلِفَةً، ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ المُسْلِمِينَ يُسْتَأْصَلُونَ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم يُبْتَلُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: يَكادُونَ يَضْطَرِبُونَ، ويَقُولُونَ: ما هَذا الخُلْفُ لِلْوَعْدِ ؟ وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ خَواطِرَ خَطَرَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا يُمْكِنُ البَشَرَ دَفْعُها. وأمّا المُنافِقُونَ فَعَجَّلُوا ونَطَقُوا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ظَنَّ المُؤْمِنُونَ الثُّبْتُ القُلُوبِ بِاللَّهِ أنْ يَبْتَلِيَهم ويَفْتِنَهم، فَخافُوا الزَّلَلَ وضَعْفَ الِاحْتِمالِ؛ والضِّعافُ القُلُوبِ الَّذِينَ هم عَلى حَرْفٍ والمُنافِقُونَ ظَنُّوا بِاللَّهِ ما حَكى عَنْهم، وكَتَبَ: (الظُّنُونا) و(الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في المُصْحَفِ بِالألِفِ، فَحَذَفَها حَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو وقْفًا ووَصْلًا؛ وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِحَذْفِها وصْلًا خاصَّةً؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ والحُذّاقُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ بِالألِفِ، ولا يُوصَلَ، فَيُحْذَفُ أوْ يُثْبَتُ؛ لِأنَّ حَذْفَها مُخالِفٌ لِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مَصاحِفُ الأمْصارِ، ولِأنَّ إثْباتَها الوَصْلَ مَعْدُومٌ في لِسانِ العَرَبِ، نَظْمِهِمْ ونَثْرِهِمْ، لا في اضْطِرارٍ ولا غَيْرِهِ. أمّا إثْباتُها في الوَقْفِ فَفِيهِ اتِّباعُ الرَّسْمِ ومُوافَقَتُهُ لِبَعْضِ مَذاهِبِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ هَذِهِ الألِفَ في قَوافِي أشْعارِهِمْ وفي تَصارِيفِها، والفَواصِلُ في الكَلامِ كالمَصارِعِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هي رُءُوسُ الآيِ، تُشَبَّهُ بِالقَوافِي مِن حَيْثُ كانَتْ مَقاطِعَ، كَما كانَتِ القَوافِي مَقاطِعَ.
و﴿هُنالِكَ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ هَذا أصْلُهُ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، أيْ: في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الحِصارُ والقِتالُ ﴿ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ والعامِلُ فِيهِ (ابْتُلِيَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (هُنالِكَ) ظَرْفُ زَمانٍ؛ قالَ: ومَن قالَ إنَّ العامِلَ فِيهِ ﴿وتَظُنُّونَ﴾ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ البَداءَةَ لَيْسَتْ مُتَمَكِّنَةً. وابْتِلاؤُهم، قالَ الضَّحّاكُ: بِالجُوعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحِصارِ. وقِيلَ: بِالصَّبْرِ عَلى الإيمانِ.
﴿وزُلْزِلُوا﴾ قالَ ابْنُ سَلامٍ: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ. وقِيلَ؛ (زُلْزِلُوا) فَثَبَتُوا وصَبَرُوا حَتّى نُصِرُوا. وقِيلَ: حُرِّكُوا إلى الفِتْنَةِ فَعُصِمُوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وزُلْزِلُوا)، بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى اللُّؤْلُؤِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِكَسْرِ الزّايِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: إشْمامُ زايِ زُلْزِلُوا. انْتَهى، كَأنَّهُ يَعْنِي إشْمامَها الكَسْرَ، ووَجْهُ الكَسْرِ في هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنَّهُ أتْبَعَ حَرَكَةَ الزّايِ الأُولى بِحَرَكَةِ الثّانِيَةِ، ولَمْ يَعْتَدَّ بِالسّاكِنِ، كَما يَعْتَدُّ بِهِ مَن قالَ: مِنتِنٌ، بِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ التّاءِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أنْتَنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ؛ والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِها، وكَذا: ”﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١]“ ومَصْدَرُ فَعْلَلَ مِنَ المُضاعَفِ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ نَحْوُ: قَلْقَلَ قَلْقالًا. وقَدْ يُرادُ بِالمَفْتُوحِ مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَصَلْصالٌ بِمَعْنى مُصَلْصِلٍ، فَإنْ كانَ غَيْرَ مُضاعَفٍ، فَما سُمِعَ مِنهُ عَلى فِعْلانٍ، مَكْسُورِ الفاءِ، نَحْوُ: سَرْهَفَهُ سِرْهافًا.
الأحزاب 33:11
(p-٢١٥)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦] ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿أشِحَّةً عَلَيْكم فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكم ولَوْ كانُوا فِيكم ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] .
(p-٢١٦)ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، وما اتَّصَلَ بِها مِن أمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وقَدِ اسْتَوْفى ذَلِكَ أهِلُ السِّيَرِ، ونَذْكُرُ مِن ذَلِكَ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالآياتِ الَّتِي نُفَسِّرُها.
و”إذْ“ مَعْمُولَةٌ لِـ: (نِعْمَةَ)، أيْ: إنْعامَهُ عَلَيْكم وقْتَ مَجِيءِ الجُنُودِ، والجُنُودُ كانُوا عَشَرَةَ آلافٍ، قُرَيْشٌ ومَن تابَعَهم مِنَ الأحابِيشِ في أرْبَعَةِ آلافٍ يَقُودُهم أبُو سُفْيانَ، وبَنُو أسَدٍ يَقُودُهم طُلَيْحَةُ، وغَطَفانُ يَقُودُهم عُيَيْنَةُ، وبَنُو عامِرٍ يَقُودُهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وسُلَيْمٌ يَقُودُهم أبُو الأعْوَرِ، واليَهُودُ النَّضِيرُ رُؤَساؤُهم حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وابْنا أبِي الحُقَيْقِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ سَيِّدُهم كَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ عَهْدٌ، فَنَبَذَهُ بِسَعْيِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ. وقِيلَ: فاجْتَمَعُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وهُمُ الأحْزابُ، ونَزَلُوا المَدِينَةَ، فَحَفَرُوا الخَنْدَقَ بِإشارَةِ سَلْمانَ، وظَهَرَتْ لِلرَّسُولِ ﷺ بِهِ تِلْكَ المُعْجِزَةُ العَظِيمَةُ مِن كَسْرِ الصَّخْرَةِ الَّتِي أعْوَزَتِ الصَّحابَةَ ثَلاثَ فِرَقٍ، ظَهَرَتْ مَعَ كُلِّ فِرْقَةٍ بُرْقَةٌ، أراهُ اللَّهُ مِنها مَدائِنَ كِسْرى وما حَوْلَها، ومَدائِنَ قَيْصَرَ وما حَوْلَها، ومَدائِنَ الحَبَشَةِ وما حَوْلَها؛ وبُشِّرَ بِفَتْحِ ذَلِكَ، وأقامَ الذَّرارِيَّ والنِّساءَ بِالآطامِ، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ في ثَلاثَةِ آلافٍ، فَنَزَلُوا بِظَهْرِ سَلْعٍ، والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، وكانَ ذَلِكَ في شَوّالٍ، سَنَةَ خَمْسٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وقالَ مالِكٌ: سَنَةَ أرْبَعٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ: وجُنُودًا، بِفَتْحِ الجِيمِ؛ والجُمْهُورُ: بِالضَّمِّ. بَعَثَ اللَّهُ الصَّبا لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ، فَأضَرَّتْ بِهِمْ؛ هَدَمَتْ بُيُوتَهم، وأطْفَأتْ نِيرانَهم، وقَطَعَتْ حِبالَهم، وأكْفَأتْ قُدُورَهم، ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَها قَرارٌ. وبَعَثَ اللَّهُ مَعَ الصَّبا مَلائِكَةٌ تُشَدِّدُ الرِّيحَ وتَفْعَلُ نَحْوَ فِعْلِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ، وأبُو بَكْرَةَ في رِوايَةٍ: ”لَمْ يَرَوْها“، بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ، والجُمْهُورُ: بِتاءِ الخِطابِ.
﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ مِن أعْلى الوادِي مِن قِبَلِ مَشْرِقِ غَطَفانَ ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، وقُرَيْشٌ تَحَزَّبُوا وقالُوا: نَكُونُ جُمْلَةً حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ يُرِيدُ أهْلَ نَجْدٍ مَعَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، و﴿مِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يُرِيدُ مَكَّةَ وسائِرَ تِهامَةَ، وهو قَوْلٌ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. وقِيلَ: إنَّما يُرادُ ما يَخْتَصُّ بِبُقْعَةِ المَدِينَةِ، أيْ: نَزَلَتْ طائِفَةٌ في أعْلى المَدِينَةِ، وطائِفَةٌ في أسْفَلِها، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، أيْ: جاءُوكم مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذْ جاءُوكم مُحِيطِينَ بِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] المَعْنى: يَغْشاهم مُحِيطًا بِجَمِيعِ أبْدانِهِمْ. وزَيْغُ الأبْصارِ: مَيْلُها عَنْ مُسْتَوى نَظَرِها، فِعْلُ الوالِهِ الجَزِعِ. وقالَ الفَرّاءُ: زاغَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلّا إلى عَدُوِّها. وبُلُوغُ القَلْبِ الحَناجِرَ: مُبالَغَةٌ في اضْطِرابِها ووَجِيبِها، دُونَ أنْ تَنْتَقِلَ مِن مَقَرِّها إلى الحَنْجَرَةِ. وقِيلَ: بَحَّتِ القُلُوبُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ، فَيَتَّصِلُ وجِيبُها بِالحَنْجَرَةِ، فَكَأنَّها بَلَغَتْها. وقِيلَ: يَجِدُ خُشُونَةً وقَلْبُهُ يَصْعَدُ عُلُوًّا لِيَنْفَصِلَ، فالبُلُوغُ لَيْسَ حَقِيقَةً. وقِيلَ: القَلْبُ عِنْدَ الغَضَبِ يَنْدَفِعُ، وعِنْدَ الخَوْفِ يَجْتَمِعُ فَيَتَقَلَّصُ بِالحَنْجَرَةِ. وقِيلَ: يُفْضِي إلى أنْ يَسُدَّ مَخْرَجَ النَّفَسِ، فَلا يَقْدِرُ المَرْءُ أنْ يَتَنَفَّسَ، ويَمُوتُ خَوْفًا، ومِثْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨] . وقِيلَ: إذا انْتَفَخَتِ الرِّئَةُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ والغَضَبِ، أوِ الغَمِّ الشَّدِيدِ، رَبَتْ وارْتَفَعَ القَلْبُ بِارْتِفاعِها إلى رَأْسِ الحَنْجَرَةِ، ومِن ثَمَّ قِيلَ لِلْجَبانِ، انْتَفَخَ سَحْرُهُ. والظُّنُونُ: جَمْعٌ لِما اخْتَلَفَتْ مُتَعَلِّقاتُهُ، وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ عِنْدَ مَن جَمَعَ المَصْدَرَ إذا اخْتَلَفَتْ مُتَعَلِّقاتُهُ، ويَنْقاسُ عِنْدَ غَيْرِهِ، وقَدْ جاءَ الظُّنُونُ جَمْعًا في أشْعارِهِمْ، أنْشَدَ أبُو عَمْرٍو في كِتابِ الألْحانِ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظُّنُونا
(p-٢١٧)فَظَنَّ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ حَقٌّ، وأنَّهم يَسْتَظْهِرُونَ؛ وظَنَّ الضَّعِيفُ الإيمانِ مُضْطَرِبُهُ، والمُنافِقُونَ، أنَّ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ سَيُغْلَبُونَ، وكُلُّ هَؤُلاءِ يَشْمَلُهُمُ الضَّمِيرُ في ﴿وتَظُنُّونَ﴾ . وقالَ الحَسَنُ: ظَنُّوا ظُنُونًا مُخْتَلِفَةً، ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ المُسْلِمِينَ يُسْتَأْصَلُونَ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم يُبْتَلُونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: يَكادُونَ يَضْطَرِبُونَ، ويَقُولُونَ: ما هَذا الخُلْفُ لِلْوَعْدِ ؟ وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ خَواطِرَ خَطَرَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، لا يُمْكِنُ البَشَرَ دَفْعُها. وأمّا المُنافِقُونَ فَعَجَّلُوا ونَطَقُوا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ظَنَّ المُؤْمِنُونَ الثُّبْتُ القُلُوبِ بِاللَّهِ أنْ يَبْتَلِيَهم ويَفْتِنَهم، فَخافُوا الزَّلَلَ وضَعْفَ الِاحْتِمالِ؛ والضِّعافُ القُلُوبِ الَّذِينَ هم عَلى حَرْفٍ والمُنافِقُونَ ظَنُّوا بِاللَّهِ ما حَكى عَنْهم، وكَتَبَ: (الظُّنُونا) و(الرَّسُولا) و(السَّبِيلا) في المُصْحَفِ بِالألِفِ، فَحَذَفَها حَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو وقْفًا ووَصْلًا؛ وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِحَذْفِها وصْلًا خاصَّةً؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِإثْباتِها في الحالَيْنِ. واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ والحُذّاقُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ بِالألِفِ، ولا يُوصَلَ، فَيُحْذَفُ أوْ يُثْبَتُ؛ لِأنَّ حَذْفَها مُخالِفٌ لِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مَصاحِفُ الأمْصارِ، ولِأنَّ إثْباتَها الوَصْلَ مَعْدُومٌ في لِسانِ العَرَبِ، نَظْمِهِمْ ونَثْرِهِمْ، لا في اضْطِرارٍ ولا غَيْرِهِ. أمّا إثْباتُها في الوَقْفِ فَفِيهِ اتِّباعُ الرَّسْمِ ومُوافَقَتُهُ لِبَعْضِ مَذاهِبِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم يُثْبِتُونَ هَذِهِ الألِفَ في قَوافِي أشْعارِهِمْ وفي تَصارِيفِها، والفَواصِلُ في الكَلامِ كالمَصارِعِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هي رُءُوسُ الآيِ، تُشَبَّهُ بِالقَوافِي مِن حَيْثُ كانَتْ مَقاطِعَ، كَما كانَتِ القَوافِي مَقاطِعَ.
و﴿هُنالِكَ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ لِلْبَعِيدِ هَذا أصْلُهُ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، أيْ: في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الحِصارُ والقِتالُ ﴿ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ والعامِلُ فِيهِ (ابْتُلِيَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (هُنالِكَ) ظَرْفُ زَمانٍ؛ قالَ: ومَن قالَ إنَّ العامِلَ فِيهِ ﴿وتَظُنُّونَ﴾ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ البَداءَةَ لَيْسَتْ مُتَمَكِّنَةً. وابْتِلاؤُهم، قالَ الضَّحّاكُ: بِالجُوعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالحِصارِ. وقِيلَ: بِالصَّبْرِ عَلى الإيمانِ.
﴿وزُلْزِلُوا﴾ قالَ ابْنُ سَلامٍ: حُرِّكُوا بِالخَوْفِ. وقِيلَ؛ (زُلْزِلُوا) فَثَبَتُوا وصَبَرُوا حَتّى نُصِرُوا. وقِيلَ: حُرِّكُوا إلى الفِتْنَةِ فَعُصِمُوا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وزُلْزِلُوا)، بِضَمِّ الزّايِ. وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى اللُّؤْلُؤِيُّ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِكَسْرِ الزّايِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: إشْمامُ زايِ زُلْزِلُوا. انْتَهى، كَأنَّهُ يَعْنِي إشْمامَها الكَسْرَ، ووَجْهُ الكَسْرِ في هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنَّهُ أتْبَعَ حَرَكَةَ الزّايِ الأُولى بِحَرَكَةِ الثّانِيَةِ، ولَمْ يَعْتَدَّ بِالسّاكِنِ، كَما يَعْتَدُّ بِهِ مَن قالَ: مِنتِنٌ، بِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ التّاءِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أنْتَنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زِلْزالًا﴾ بِكَسْرِ الزّايِ؛ والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: بِفَتْحِها، وكَذا: ”﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١]“ ومَصْدَرُ فَعْلَلَ مِنَ المُضاعَفِ يَجُوزُ فِيهِ الكَسْرُ والفَتْحُ نَحْوُ: قَلْقَلَ قَلْقالًا. وقَدْ يُرادُ بِالمَفْتُوحِ مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَصَلْصالٌ بِمَعْنى مُصَلْصِلٍ، فَإنْ كانَ غَيْرَ مُضاعَفٍ، فَما سُمِعَ مِنهُ عَلى فِعْلانٍ، مَكْسُورِ الفاءِ، نَحْوُ: سَرْهَفَهُ سِرْهافًا.
الأحزاب 33:12
﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ وهُمُ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ المُبْطِنُونَ الكُفْرَ.
﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم ضُعَفاءُ الإيمانِ الَّذِينَ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ، فَهم عَلى حَرْفٍ، والعَطْفُ دالٌّ عَلى التَّغايُرِ، نُبِّهَ عَلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الذَّمِّ. لَمّا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّخْرَةَ، وبَرَقَتْ تِلْكَ البَوارِقُ، وبَشَّرَ بِفَتْحِ فارِسَ والرُّومِ واليَمَنِ والحَبَشَةِ، قالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ نَفْتَحَ كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ ومَكَّةَ، ونَحْنُ لا يَقْدِرُ أحَدُنا أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ، ما يَعِدُنا إلّا غُرُورًا: أيْ: أمْرًا يَغُرُّنا ويُوقِعُنا فِيما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ نَحْوَ ذَلِكَ. وقَوْلُهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ هو عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، إذْ لَوِ اعْتَقَدُوا أنَّهُ رَسُولٌ حَقِيقَةً ما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، فالمَعْنى: ورَسُولُهُ عَلى زَعْمِكم وزَعْمِهِ، وفي مُعَتِّبٍ ونُظَرائِهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ في حَوْمَةِ القِتالِ والمُمانَعَةِ ﴿فارْجِعُوا﴾ إلى بُيُوتِكم ومَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: فارْجِعُوا كُفّارًا إلى (p-٢١٨)دِينِكُمُ الأوَّلِ وأسْلِمُوهُ إلى أعْدائِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: والقائِلُ لِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وأصْحابُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَنُو مَسْلَمَةَ. وقالَ أوْسُ بْنُ رُومانَ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وأصْحابُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: بَنُو حارِثَةَ. ويُمْكِنُ صِحَّةُ هَذِهِ الأقْوالِ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن كانَ مُنافِقًا.
﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ وقَرَأ السُّلَمِيُّ والأعْرَجُ واليَمانِيُّ وحَفْصٌ: بِضَمِّ المِيمِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَكانًا، أيْ: لا مَكانَ إقامَةٍ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: لا إقامَةَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، واحْتَمَلَ أيْضًا المَكانَ، أيْ: لا مَكانَ قِيامٍ، واحْتَمَلَ المَصْدَرَ، أيْ: لا قِيامَ لَكم.
﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ هو أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ، اسْتَأْذَنَ في الدُّخُولِ إلى المَدِينَةِ عَنِ اتِّفاقٍ مِن عَشِيرَتِهِ. (يَقُولُونَ) حالٌ، أيْ: قائِلِينَ: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُنْكَشِفَةٌ لِلْعَدُوِّ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لِلسُّرّاقِ، يُقالُ: أعْوَرَ المَنزِلُ: انْكَشَفَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُ الشِّدَّةُ الأُولى إذا القَرْنُ أعْوَرا
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَرِيقُ بَنُو حارِثَةَ، وهم كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، اعْتَذَرُوا بِأنَّ بُيُوتَهم مُعَرَّضَةٌ لِلْعَدُوِّ، مُمْكَنَةٌ لِلسُّرّاقِ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُحْرَزَةٍ ولا مُحَصَّنَةٍ، فاسْتَأْذَنُوهُ لِيُحَصِّنُوها ثُمَّ يَرْجِعُوا إلَيْهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم لا يَخافُونَ ذَلِكَ، وإنَّما يُرِيدُونَ الفِرارَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو طالُوتَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: ”﴿عَوْرَةٌ﴾“ و”بِعَوِرَةٍ“، بِكَسْرِ الواوِ فِيهِما؛ والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ ”﴿عَوْرَةٌ﴾“ وبِالكَسْرِ هو اسْمُ فاعِلٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: صِحَّةُ الواوِ في هَذا إشارَةٌ لِأنَّها مُتَحَرِّكَةٌ قَبْلَها فَتْحَةٌ. انْتَهى. فَيَعْنِي أنَّها تَنْقَلِبُ ألِفًا، فَيُقالُ: عارَةٌ، كَما يَقُولُ: رَجُلٌ مالٌ، أيْ: مُمَوَّلٌ. وإذا كانَ ”عَوْرَةٌ“ اسْمَ فاعِلٍ، فَهو مِن عَوِرَ الَّذِي صَحَّتْ عَيْنُهُ، فاسْمُ الفاعِلِ كَذَلِكَ تَصِحُّ عَيْنُهُ، فَلا تَكُونُ صِحَّةُ العَيْنِ عَلى هَذا شُذُوذًا. وقِيلَ: السُّكُونُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، والبَيْتُ العَوِرُ: هو المُنْفَرِدُ المُعَرَّضُ لِمَن أرادَ سُوءًا. وقالَ الزَّجّاجَ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً فَهو عَوِرٌ، وبُيُوتٌ عَوْرَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: أعْوَرَ المَنزِلُ: بَدا مِنهُ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: كانَ فِيهِ مَوْضِعُ خَلَلٍ لِلضَّرْبِ والطَّعْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎مَتّى تَلْقَهم لَمْ تَلْقَ في البَيْتِ مُعْوِرًا ∗∗∗ ولا الضَّيْفَ مَسْحُورًا ولا الجارَ مُرْسِلا
قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿عَوْرَةٌ﴾ خالِيَةٌ مِنَ الرِّجالِ ضائِعَةٌ. وقالَ قَتادَةُ: قاصِيَةٌ، يُخْشى عَلَيْها العَدُوُّ. وقالَ السُّدِّيُّ: قَصِيرَةُ الحِيطانِ، يُخافُ عَلَيْها السُّرّاقُ. وقالَ اللَّيْثُ: العَوْرَةُ: سَوْأةُ الإنْسانِ، وكُلُّ أمْرٍ يُسْتَحَيا مِنهُ فَهو عَوْرَةٌ، يُقالُ: عَوْرَةٌ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ، والجَمْعُ كالمَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتِ اليَهُودُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وأصْحابِهِ مِنَ المُنافِقِينَ: ما الَّذِي يَحْمِلُكم عَلى قَتْلِ أنْفُسِكم بِيَدِ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ ؟ فارْجِعُوا إلى المَدِينَةِ فَأنْتُمْ آمِنُونَ.
﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ مِنَ الدِّينِ، وقِيلَ: مِنَ القَتْلِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ورَجَعَ ثَمانُونَ رَجُلًا مِن غَيْرِ إذْنٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ . والضَّمِيرُ في: ﴿دُخِلَتْ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى البُيُوتِ، إذْ هو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. قِيلَ: أوْ عَلى المَدِينَةِ، أيْ: ولَوْ دَخَلَها الأحْزابُ الَّذِينَ يَفِرُّونَ خَوْفًا مِنها؛ والثّالِثُ عَلى أهالِيهِمْ وأوْلادِهِمْ.
﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: الرِّدَّةَ والرُّجُوعَ إلى إظْهارِ الكُفْرِ ومُقاتَلَةِ المُسْلِمِينَ.
﴿لَآتَوْها﴾ أيْ: لَجاءُوا إلَيْها وفَعَلُوا عَلى قِراءَةِ القَصْرِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: لَآتَوْها بِالمَدِّ، أيْ: لَأعْطَوْها.
﴿وما تَلَبَّثُوا بِها﴾ وما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ارْتِدادِهِمْ ﴿إلّا يَسِيرًا﴾ فَإنَّ اللَّهَ يُهْلِكُهم ويُخْرِجُهم بِالمُؤْمِنِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ مِن أقْطارِها، واشْتَدَّ الحَرْبُ الحَقِيقِيُّ، ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ والحَرْبَ لِمُحَمَّدٍ، لَطارُوا إلَيْها وأتَوْها مُجِيبِينَ فِيها، ولَمْ يَتَلَبَّثُوا في بُيُوتِهِمْ لِحِفْظِها إلّا يَسِيرًا، قِيلَ: قَدْرُ ما يَأْخُذُونَ سِلاحَهم. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سُئِلُوا﴾، وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿سُئِلُوا﴾“، بِواوٍ (p-٢١٩)ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ، قالُوا: وهي مِن سالَ يَسالُ، كَـ: خافَ يَخافُ، لُغَةٌ مِن: سَألَ، المَهْمُوزِ العَيْنِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ: هُما يَتَساوَلانِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُها الهَمْزَةَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”﴿سُئِلُوا﴾“ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ في ضَرَبَ: ضَرْبَ، ثُمَّ سَهَّلَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها واوًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ في بُؤْسٍ: بُوسٌ، بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْمَشِ: ”سِيلُوا“، بِكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوُ: قِيلَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ”سُوئِلُوا“، بِواوٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ وياءٍ مَكْسُورَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: القِتالَ في العَصَبِيَّةِ، لَأسْرَعُوا إلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: الفِتْنَةُ: الشِّرْكُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ بِها عَلى الفِتْنَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَدِينَةِ. و(عاهَدُوا) أُجْرِيَ مَجْرى اليَمِينِ، ولِذَلِكَ يَتَلَقّى بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ . وجَوابُ هَذا القَسَمِ جاءَ عَلى الغَيْبَةِ عَنْهم عَلى المَعْنى: ولَوْ جاءَ كَما لَفَظُوا بِهِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ: لا نُوَلِّي الأدْبارَ. والَّذِينَ عاهَدُوا: بَنُو حارِثَةَ وبَنُو مَسْلَمَةَ، وهُما الطّائِفَتانِ اللَّتانِ هَمّا بِالفَشَلِ في يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ تابُوا وعاهَدُوا أنْ لا يَفِرُّوا، فَوَقَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مِن بَنِي حارِثَةَ ذَلِكَ الِاسْتِئْذانُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عاهَدُوا بِمَكَّةَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ أنْ يَمْنَعُوهُ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَهم. وقِيلَ: ناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ قالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ مِن قَبْلُ: أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، غَزْوَةِ الخَنْدَقِ.
﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ كِنايَةً عَنِ الفِرارِ والِانْهِزامِ، سُئِلُوا مَطْلُوبًا مُقْتَضًى حَتّى يُوَفّى بِهِ، وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
الأحزاب 33:13
﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ وهُمُ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ المُبْطِنُونَ الكُفْرَ.
﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم ضُعَفاءُ الإيمانِ الَّذِينَ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ، فَهم عَلى حَرْفٍ، والعَطْفُ دالٌّ عَلى التَّغايُرِ، نُبِّهَ عَلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الذَّمِّ. لَمّا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّخْرَةَ، وبَرَقَتْ تِلْكَ البَوارِقُ، وبَشَّرَ بِفَتْحِ فارِسَ والرُّومِ واليَمَنِ والحَبَشَةِ، قالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ نَفْتَحَ كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ ومَكَّةَ، ونَحْنُ لا يَقْدِرُ أحَدُنا أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ، ما يَعِدُنا إلّا غُرُورًا: أيْ: أمْرًا يَغُرُّنا ويُوقِعُنا فِيما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ نَحْوَ ذَلِكَ. وقَوْلُهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ هو عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، إذْ لَوِ اعْتَقَدُوا أنَّهُ رَسُولٌ حَقِيقَةً ما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، فالمَعْنى: ورَسُولُهُ عَلى زَعْمِكم وزَعْمِهِ، وفي مُعَتِّبٍ ونُظَرائِهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ في حَوْمَةِ القِتالِ والمُمانَعَةِ ﴿فارْجِعُوا﴾ إلى بُيُوتِكم ومَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: فارْجِعُوا كُفّارًا إلى (p-٢١٨)دِينِكُمُ الأوَّلِ وأسْلِمُوهُ إلى أعْدائِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: والقائِلُ لِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وأصْحابُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَنُو مَسْلَمَةَ. وقالَ أوْسُ بْنُ رُومانَ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وأصْحابُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: بَنُو حارِثَةَ. ويُمْكِنُ صِحَّةُ هَذِهِ الأقْوالِ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن كانَ مُنافِقًا.
﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ وقَرَأ السُّلَمِيُّ والأعْرَجُ واليَمانِيُّ وحَفْصٌ: بِضَمِّ المِيمِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَكانًا، أيْ: لا مَكانَ إقامَةٍ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: لا إقامَةَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، واحْتَمَلَ أيْضًا المَكانَ، أيْ: لا مَكانَ قِيامٍ، واحْتَمَلَ المَصْدَرَ، أيْ: لا قِيامَ لَكم.
﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ هو أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ، اسْتَأْذَنَ في الدُّخُولِ إلى المَدِينَةِ عَنِ اتِّفاقٍ مِن عَشِيرَتِهِ. (يَقُولُونَ) حالٌ، أيْ: قائِلِينَ: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُنْكَشِفَةٌ لِلْعَدُوِّ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لِلسُّرّاقِ، يُقالُ: أعْوَرَ المَنزِلُ: انْكَشَفَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُ الشِّدَّةُ الأُولى إذا القَرْنُ أعْوَرا
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَرِيقُ بَنُو حارِثَةَ، وهم كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، اعْتَذَرُوا بِأنَّ بُيُوتَهم مُعَرَّضَةٌ لِلْعَدُوِّ، مُمْكَنَةٌ لِلسُّرّاقِ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُحْرَزَةٍ ولا مُحَصَّنَةٍ، فاسْتَأْذَنُوهُ لِيُحَصِّنُوها ثُمَّ يَرْجِعُوا إلَيْهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم لا يَخافُونَ ذَلِكَ، وإنَّما يُرِيدُونَ الفِرارَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو طالُوتَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: ”﴿عَوْرَةٌ﴾“ و”بِعَوِرَةٍ“، بِكَسْرِ الواوِ فِيهِما؛ والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ ”﴿عَوْرَةٌ﴾“ وبِالكَسْرِ هو اسْمُ فاعِلٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: صِحَّةُ الواوِ في هَذا إشارَةٌ لِأنَّها مُتَحَرِّكَةٌ قَبْلَها فَتْحَةٌ. انْتَهى. فَيَعْنِي أنَّها تَنْقَلِبُ ألِفًا، فَيُقالُ: عارَةٌ، كَما يَقُولُ: رَجُلٌ مالٌ، أيْ: مُمَوَّلٌ. وإذا كانَ ”عَوْرَةٌ“ اسْمَ فاعِلٍ، فَهو مِن عَوِرَ الَّذِي صَحَّتْ عَيْنُهُ، فاسْمُ الفاعِلِ كَذَلِكَ تَصِحُّ عَيْنُهُ، فَلا تَكُونُ صِحَّةُ العَيْنِ عَلى هَذا شُذُوذًا. وقِيلَ: السُّكُونُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، والبَيْتُ العَوِرُ: هو المُنْفَرِدُ المُعَرَّضُ لِمَن أرادَ سُوءًا. وقالَ الزَّجّاجَ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً فَهو عَوِرٌ، وبُيُوتٌ عَوْرَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: أعْوَرَ المَنزِلُ: بَدا مِنهُ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: كانَ فِيهِ مَوْضِعُ خَلَلٍ لِلضَّرْبِ والطَّعْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎مَتّى تَلْقَهم لَمْ تَلْقَ في البَيْتِ مُعْوِرًا ∗∗∗ ولا الضَّيْفَ مَسْحُورًا ولا الجارَ مُرْسِلا
قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿عَوْرَةٌ﴾ خالِيَةٌ مِنَ الرِّجالِ ضائِعَةٌ. وقالَ قَتادَةُ: قاصِيَةٌ، يُخْشى عَلَيْها العَدُوُّ. وقالَ السُّدِّيُّ: قَصِيرَةُ الحِيطانِ، يُخافُ عَلَيْها السُّرّاقُ. وقالَ اللَّيْثُ: العَوْرَةُ: سَوْأةُ الإنْسانِ، وكُلُّ أمْرٍ يُسْتَحَيا مِنهُ فَهو عَوْرَةٌ، يُقالُ: عَوْرَةٌ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ، والجَمْعُ كالمَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتِ اليَهُودُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وأصْحابِهِ مِنَ المُنافِقِينَ: ما الَّذِي يَحْمِلُكم عَلى قَتْلِ أنْفُسِكم بِيَدِ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ ؟ فارْجِعُوا إلى المَدِينَةِ فَأنْتُمْ آمِنُونَ.
﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ مِنَ الدِّينِ، وقِيلَ: مِنَ القَتْلِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ورَجَعَ ثَمانُونَ رَجُلًا مِن غَيْرِ إذْنٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ . والضَّمِيرُ في: ﴿دُخِلَتْ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى البُيُوتِ، إذْ هو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. قِيلَ: أوْ عَلى المَدِينَةِ، أيْ: ولَوْ دَخَلَها الأحْزابُ الَّذِينَ يَفِرُّونَ خَوْفًا مِنها؛ والثّالِثُ عَلى أهالِيهِمْ وأوْلادِهِمْ.
﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: الرِّدَّةَ والرُّجُوعَ إلى إظْهارِ الكُفْرِ ومُقاتَلَةِ المُسْلِمِينَ.
﴿لَآتَوْها﴾ أيْ: لَجاءُوا إلَيْها وفَعَلُوا عَلى قِراءَةِ القَصْرِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: لَآتَوْها بِالمَدِّ، أيْ: لَأعْطَوْها.
﴿وما تَلَبَّثُوا بِها﴾ وما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ارْتِدادِهِمْ ﴿إلّا يَسِيرًا﴾ فَإنَّ اللَّهَ يُهْلِكُهم ويُخْرِجُهم بِالمُؤْمِنِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ مِن أقْطارِها، واشْتَدَّ الحَرْبُ الحَقِيقِيُّ، ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ والحَرْبَ لِمُحَمَّدٍ، لَطارُوا إلَيْها وأتَوْها مُجِيبِينَ فِيها، ولَمْ يَتَلَبَّثُوا في بُيُوتِهِمْ لِحِفْظِها إلّا يَسِيرًا، قِيلَ: قَدْرُ ما يَأْخُذُونَ سِلاحَهم. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سُئِلُوا﴾، وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿سُئِلُوا﴾“، بِواوٍ (p-٢١٩)ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ، قالُوا: وهي مِن سالَ يَسالُ، كَـ: خافَ يَخافُ، لُغَةٌ مِن: سَألَ، المَهْمُوزِ العَيْنِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ: هُما يَتَساوَلانِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُها الهَمْزَةَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”﴿سُئِلُوا﴾“ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ في ضَرَبَ: ضَرْبَ، ثُمَّ سَهَّلَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها واوًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ في بُؤْسٍ: بُوسٌ، بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْمَشِ: ”سِيلُوا“، بِكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوُ: قِيلَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ”سُوئِلُوا“، بِواوٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ وياءٍ مَكْسُورَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: القِتالَ في العَصَبِيَّةِ، لَأسْرَعُوا إلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: الفِتْنَةُ: الشِّرْكُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ بِها عَلى الفِتْنَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَدِينَةِ. و(عاهَدُوا) أُجْرِيَ مَجْرى اليَمِينِ، ولِذَلِكَ يَتَلَقّى بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ . وجَوابُ هَذا القَسَمِ جاءَ عَلى الغَيْبَةِ عَنْهم عَلى المَعْنى: ولَوْ جاءَ كَما لَفَظُوا بِهِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ: لا نُوَلِّي الأدْبارَ. والَّذِينَ عاهَدُوا: بَنُو حارِثَةَ وبَنُو مَسْلَمَةَ، وهُما الطّائِفَتانِ اللَّتانِ هَمّا بِالفَشَلِ في يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ تابُوا وعاهَدُوا أنْ لا يَفِرُّوا، فَوَقَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مِن بَنِي حارِثَةَ ذَلِكَ الِاسْتِئْذانُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عاهَدُوا بِمَكَّةَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ أنْ يَمْنَعُوهُ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَهم. وقِيلَ: ناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ قالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ مِن قَبْلُ: أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، غَزْوَةِ الخَنْدَقِ.
﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ كِنايَةً عَنِ الفِرارِ والِانْهِزامِ، سُئِلُوا مَطْلُوبًا مُقْتَضًى حَتّى يُوَفّى بِهِ، وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
الأحزاب 33:14
﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ وهُمُ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ المُبْطِنُونَ الكُفْرَ.
﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم ضُعَفاءُ الإيمانِ الَّذِينَ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ، فَهم عَلى حَرْفٍ، والعَطْفُ دالٌّ عَلى التَّغايُرِ، نُبِّهَ عَلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الذَّمِّ. لَمّا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّخْرَةَ، وبَرَقَتْ تِلْكَ البَوارِقُ، وبَشَّرَ بِفَتْحِ فارِسَ والرُّومِ واليَمَنِ والحَبَشَةِ، قالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ نَفْتَحَ كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ ومَكَّةَ، ونَحْنُ لا يَقْدِرُ أحَدُنا أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ، ما يَعِدُنا إلّا غُرُورًا: أيْ: أمْرًا يَغُرُّنا ويُوقِعُنا فِيما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ نَحْوَ ذَلِكَ. وقَوْلُهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ هو عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، إذْ لَوِ اعْتَقَدُوا أنَّهُ رَسُولٌ حَقِيقَةً ما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، فالمَعْنى: ورَسُولُهُ عَلى زَعْمِكم وزَعْمِهِ، وفي مُعَتِّبٍ ونُظَرائِهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ في حَوْمَةِ القِتالِ والمُمانَعَةِ ﴿فارْجِعُوا﴾ إلى بُيُوتِكم ومَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: فارْجِعُوا كُفّارًا إلى (p-٢١٨)دِينِكُمُ الأوَّلِ وأسْلِمُوهُ إلى أعْدائِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: والقائِلُ لِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وأصْحابُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَنُو مَسْلَمَةَ. وقالَ أوْسُ بْنُ رُومانَ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وأصْحابُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: بَنُو حارِثَةَ. ويُمْكِنُ صِحَّةُ هَذِهِ الأقْوالِ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن كانَ مُنافِقًا.
﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ وقَرَأ السُّلَمِيُّ والأعْرَجُ واليَمانِيُّ وحَفْصٌ: بِضَمِّ المِيمِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَكانًا، أيْ: لا مَكانَ إقامَةٍ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: لا إقامَةَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، واحْتَمَلَ أيْضًا المَكانَ، أيْ: لا مَكانَ قِيامٍ، واحْتَمَلَ المَصْدَرَ، أيْ: لا قِيامَ لَكم.
﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ هو أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ، اسْتَأْذَنَ في الدُّخُولِ إلى المَدِينَةِ عَنِ اتِّفاقٍ مِن عَشِيرَتِهِ. (يَقُولُونَ) حالٌ، أيْ: قائِلِينَ: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُنْكَشِفَةٌ لِلْعَدُوِّ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لِلسُّرّاقِ، يُقالُ: أعْوَرَ المَنزِلُ: انْكَشَفَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُ الشِّدَّةُ الأُولى إذا القَرْنُ أعْوَرا
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَرِيقُ بَنُو حارِثَةَ، وهم كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، اعْتَذَرُوا بِأنَّ بُيُوتَهم مُعَرَّضَةٌ لِلْعَدُوِّ، مُمْكَنَةٌ لِلسُّرّاقِ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُحْرَزَةٍ ولا مُحَصَّنَةٍ، فاسْتَأْذَنُوهُ لِيُحَصِّنُوها ثُمَّ يَرْجِعُوا إلَيْهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم لا يَخافُونَ ذَلِكَ، وإنَّما يُرِيدُونَ الفِرارَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو طالُوتَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: ”﴿عَوْرَةٌ﴾“ و”بِعَوِرَةٍ“، بِكَسْرِ الواوِ فِيهِما؛ والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ ”﴿عَوْرَةٌ﴾“ وبِالكَسْرِ هو اسْمُ فاعِلٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: صِحَّةُ الواوِ في هَذا إشارَةٌ لِأنَّها مُتَحَرِّكَةٌ قَبْلَها فَتْحَةٌ. انْتَهى. فَيَعْنِي أنَّها تَنْقَلِبُ ألِفًا، فَيُقالُ: عارَةٌ، كَما يَقُولُ: رَجُلٌ مالٌ، أيْ: مُمَوَّلٌ. وإذا كانَ ”عَوْرَةٌ“ اسْمَ فاعِلٍ، فَهو مِن عَوِرَ الَّذِي صَحَّتْ عَيْنُهُ، فاسْمُ الفاعِلِ كَذَلِكَ تَصِحُّ عَيْنُهُ، فَلا تَكُونُ صِحَّةُ العَيْنِ عَلى هَذا شُذُوذًا. وقِيلَ: السُّكُونُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، والبَيْتُ العَوِرُ: هو المُنْفَرِدُ المُعَرَّضُ لِمَن أرادَ سُوءًا. وقالَ الزَّجّاجَ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً فَهو عَوِرٌ، وبُيُوتٌ عَوْرَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: أعْوَرَ المَنزِلُ: بَدا مِنهُ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: كانَ فِيهِ مَوْضِعُ خَلَلٍ لِلضَّرْبِ والطَّعْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎مَتّى تَلْقَهم لَمْ تَلْقَ في البَيْتِ مُعْوِرًا ∗∗∗ ولا الضَّيْفَ مَسْحُورًا ولا الجارَ مُرْسِلا
قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿عَوْرَةٌ﴾ خالِيَةٌ مِنَ الرِّجالِ ضائِعَةٌ. وقالَ قَتادَةُ: قاصِيَةٌ، يُخْشى عَلَيْها العَدُوُّ. وقالَ السُّدِّيُّ: قَصِيرَةُ الحِيطانِ، يُخافُ عَلَيْها السُّرّاقُ. وقالَ اللَّيْثُ: العَوْرَةُ: سَوْأةُ الإنْسانِ، وكُلُّ أمْرٍ يُسْتَحَيا مِنهُ فَهو عَوْرَةٌ، يُقالُ: عَوْرَةٌ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ، والجَمْعُ كالمَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتِ اليَهُودُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وأصْحابِهِ مِنَ المُنافِقِينَ: ما الَّذِي يَحْمِلُكم عَلى قَتْلِ أنْفُسِكم بِيَدِ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ ؟ فارْجِعُوا إلى المَدِينَةِ فَأنْتُمْ آمِنُونَ.
﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ مِنَ الدِّينِ، وقِيلَ: مِنَ القَتْلِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ورَجَعَ ثَمانُونَ رَجُلًا مِن غَيْرِ إذْنٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ . والضَّمِيرُ في: ﴿دُخِلَتْ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى البُيُوتِ، إذْ هو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. قِيلَ: أوْ عَلى المَدِينَةِ، أيْ: ولَوْ دَخَلَها الأحْزابُ الَّذِينَ يَفِرُّونَ خَوْفًا مِنها؛ والثّالِثُ عَلى أهالِيهِمْ وأوْلادِهِمْ.
﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: الرِّدَّةَ والرُّجُوعَ إلى إظْهارِ الكُفْرِ ومُقاتَلَةِ المُسْلِمِينَ.
﴿لَآتَوْها﴾ أيْ: لَجاءُوا إلَيْها وفَعَلُوا عَلى قِراءَةِ القَصْرِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: لَآتَوْها بِالمَدِّ، أيْ: لَأعْطَوْها.
﴿وما تَلَبَّثُوا بِها﴾ وما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ارْتِدادِهِمْ ﴿إلّا يَسِيرًا﴾ فَإنَّ اللَّهَ يُهْلِكُهم ويُخْرِجُهم بِالمُؤْمِنِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ مِن أقْطارِها، واشْتَدَّ الحَرْبُ الحَقِيقِيُّ، ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ والحَرْبَ لِمُحَمَّدٍ، لَطارُوا إلَيْها وأتَوْها مُجِيبِينَ فِيها، ولَمْ يَتَلَبَّثُوا في بُيُوتِهِمْ لِحِفْظِها إلّا يَسِيرًا، قِيلَ: قَدْرُ ما يَأْخُذُونَ سِلاحَهم. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سُئِلُوا﴾، وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿سُئِلُوا﴾“، بِواوٍ (p-٢١٩)ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ، قالُوا: وهي مِن سالَ يَسالُ، كَـ: خافَ يَخافُ، لُغَةٌ مِن: سَألَ، المَهْمُوزِ العَيْنِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ: هُما يَتَساوَلانِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُها الهَمْزَةَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”﴿سُئِلُوا﴾“ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ في ضَرَبَ: ضَرْبَ، ثُمَّ سَهَّلَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها واوًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ في بُؤْسٍ: بُوسٌ، بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْمَشِ: ”سِيلُوا“، بِكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوُ: قِيلَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ”سُوئِلُوا“، بِواوٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ وياءٍ مَكْسُورَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: القِتالَ في العَصَبِيَّةِ، لَأسْرَعُوا إلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: الفِتْنَةُ: الشِّرْكُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ بِها عَلى الفِتْنَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَدِينَةِ. و(عاهَدُوا) أُجْرِيَ مَجْرى اليَمِينِ، ولِذَلِكَ يَتَلَقّى بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ . وجَوابُ هَذا القَسَمِ جاءَ عَلى الغَيْبَةِ عَنْهم عَلى المَعْنى: ولَوْ جاءَ كَما لَفَظُوا بِهِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ: لا نُوَلِّي الأدْبارَ. والَّذِينَ عاهَدُوا: بَنُو حارِثَةَ وبَنُو مَسْلَمَةَ، وهُما الطّائِفَتانِ اللَّتانِ هَمّا بِالفَشَلِ في يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ تابُوا وعاهَدُوا أنْ لا يَفِرُّوا، فَوَقَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مِن بَنِي حارِثَةَ ذَلِكَ الِاسْتِئْذانُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عاهَدُوا بِمَكَّةَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ أنْ يَمْنَعُوهُ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَهم. وقِيلَ: ناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ قالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ مِن قَبْلُ: أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، غَزْوَةِ الخَنْدَقِ.
﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ كِنايَةً عَنِ الفِرارِ والِانْهِزامِ، سُئِلُوا مَطْلُوبًا مُقْتَضًى حَتّى يُوَفّى بِهِ، وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
الأحزاب 33:15
﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ وهُمُ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ المُبْطِنُونَ الكُفْرَ.
﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم ضُعَفاءُ الإيمانِ الَّذِينَ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ، فَهم عَلى حَرْفٍ، والعَطْفُ دالٌّ عَلى التَّغايُرِ، نُبِّهَ عَلَيْهِمْ عَلى جِهَةِ الذَّمِّ. لَمّا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّخْرَةَ، وبَرَقَتْ تِلْكَ البَوارِقُ، وبَشَّرَ بِفَتْحِ فارِسَ والرُّومِ واليَمَنِ والحَبَشَةِ، قالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ نَفْتَحَ كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ ومَكَّةَ، ونَحْنُ لا يَقْدِرُ أحَدُنا أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ، ما يَعِدُنا إلّا غُرُورًا: أيْ: أمْرًا يَغُرُّنا ويُوقِعُنا فِيما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. وقالَ غَيْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ نَحْوَ ذَلِكَ. وقَوْلُهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ هو عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ، إذْ لَوِ اعْتَقَدُوا أنَّهُ رَسُولٌ حَقِيقَةً ما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، فالمَعْنى: ورَسُولُهُ عَلى زَعْمِكم وزَعْمِهِ، وفي مُعَتِّبٍ ونُظَرائِهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ في حَوْمَةِ القِتالِ والمُمانَعَةِ ﴿فارْجِعُوا﴾ إلى بُيُوتِكم ومَنازِلِكم، أمَرُوهم بِالهَرَبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: فارْجِعُوا كُفّارًا إلى (p-٢١٨)دِينِكُمُ الأوَّلِ وأسْلِمُوهُ إلى أعْدائِهِ. قالَ السُّدِّيُّ: والقائِلُ لِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وأصْحابُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَنُو مَسْلَمَةَ. وقالَ أوْسُ بْنُ رُومانَ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وأصْحابُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: بَنُو حارِثَةَ. ويُمْكِنُ صِحَّةُ هَذِهِ الأقْوالِ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن كانَ مُنافِقًا.
﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ وقَرَأ السُّلَمِيُّ والأعْرَجُ واليَمانِيُّ وحَفْصٌ: بِضَمِّ المِيمِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَكانًا، أيْ: لا مَكانَ إقامَةٍ؛ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: لا إقامَةَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِفَتْحِها، واحْتَمَلَ أيْضًا المَكانَ، أيْ: لا مَكانَ قِيامٍ، واحْتَمَلَ المَصْدَرَ، أيْ: لا قِيامَ لَكم.
﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ هو أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ، اسْتَأْذَنَ في الدُّخُولِ إلى المَدِينَةِ عَنِ اتِّفاقٍ مِن عَشِيرَتِهِ. (يَقُولُونَ) حالٌ، أيْ: قائِلِينَ: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: مُنْكَشِفَةٌ لِلْعَدُوِّ، وقِيلَ: خالِيَةٌ لِلسُّرّاقِ، يُقالُ: أعْوَرَ المَنزِلُ: انْكَشَفَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُ الشِّدَّةُ الأُولى إذا القَرْنُ أعْوَرا
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَرِيقُ بَنُو حارِثَةَ، وهم كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، اعْتَذَرُوا بِأنَّ بُيُوتَهم مُعَرَّضَةٌ لِلْعَدُوِّ، مُمْكَنَةٌ لِلسُّرّاقِ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُحْرَزَةٍ ولا مُحَصَّنَةٍ، فاسْتَأْذَنُوهُ لِيُحَصِّنُوها ثُمَّ يَرْجِعُوا إلَيْهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم لا يَخافُونَ ذَلِكَ، وإنَّما يُرِيدُونَ الفِرارَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو طالُوتَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: ”﴿عَوْرَةٌ﴾“ و”بِعَوِرَةٍ“، بِكَسْرِ الواوِ فِيهِما؛ والجُمْهُورُ: بِإسْكانِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ ”﴿عَوْرَةٌ﴾“ وبِالكَسْرِ هو اسْمُ فاعِلٍ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: صِحَّةُ الواوِ في هَذا إشارَةٌ لِأنَّها مُتَحَرِّكَةٌ قَبْلَها فَتْحَةٌ. انْتَهى. فَيَعْنِي أنَّها تَنْقَلِبُ ألِفًا، فَيُقالُ: عارَةٌ، كَما يَقُولُ: رَجُلٌ مالٌ، أيْ: مُمَوَّلٌ. وإذا كانَ ”عَوْرَةٌ“ اسْمَ فاعِلٍ، فَهو مِن عَوِرَ الَّذِي صَحَّتْ عَيْنُهُ، فاسْمُ الفاعِلِ كَذَلِكَ تَصِحُّ عَيْنُهُ، فَلا تَكُونُ صِحَّةُ العَيْنِ عَلى هَذا شُذُوذًا. وقِيلَ: السُّكُونُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، والبَيْتُ العَوِرُ: هو المُنْفَرِدُ المُعَرَّضُ لِمَن أرادَ سُوءًا. وقالَ الزَّجّاجَ: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرَةً فَهو عَوِرٌ، وبُيُوتٌ عَوْرَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: أعْوَرَ المَنزِلُ: بَدا مِنهُ عَوْرَةٌ، وأعْوَرَ الفارِسُ: كانَ فِيهِ مَوْضِعُ خَلَلٍ لِلضَّرْبِ والطَّعْنِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎مَتّى تَلْقَهم لَمْ تَلْقَ في البَيْتِ مُعْوِرًا ∗∗∗ ولا الضَّيْفَ مَسْحُورًا ولا الجارَ مُرْسِلا
قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿عَوْرَةٌ﴾ خالِيَةٌ مِنَ الرِّجالِ ضائِعَةٌ. وقالَ قَتادَةُ: قاصِيَةٌ، يُخْشى عَلَيْها العَدُوُّ. وقالَ السُّدِّيُّ: قَصِيرَةُ الحِيطانِ، يُخافُ عَلَيْها السُّرّاقُ. وقالَ اللَّيْثُ: العَوْرَةُ: سَوْأةُ الإنْسانِ، وكُلُّ أمْرٍ يُسْتَحَيا مِنهُ فَهو عَوْرَةٌ، يُقالُ: عَوْرَةٌ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ، والجَمْعُ كالمَصْدَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتِ اليَهُودُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وأصْحابِهِ مِنَ المُنافِقِينَ: ما الَّذِي يَحْمِلُكم عَلى قَتْلِ أنْفُسِكم بِيَدِ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ ؟ فارْجِعُوا إلى المَدِينَةِ فَأنْتُمْ آمِنُونَ.
﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ مِنَ الدِّينِ، وقِيلَ: مِنَ القَتْلِ. وقالَ الضَّحّاكُ: ورَجَعَ ثَمانُونَ رَجُلًا مِن غَيْرِ إذْنٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ . والضَّمِيرُ في: ﴿دُخِلَتْ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى البُيُوتِ، إذْ هو أقْرَبُ مَذْكُورٍ. قِيلَ: أوْ عَلى المَدِينَةِ، أيْ: ولَوْ دَخَلَها الأحْزابُ الَّذِينَ يَفِرُّونَ خَوْفًا مِنها؛ والثّالِثُ عَلى أهالِيهِمْ وأوْلادِهِمْ.
﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: الرِّدَّةَ والرُّجُوعَ إلى إظْهارِ الكُفْرِ ومُقاتَلَةِ المُسْلِمِينَ.
﴿لَآتَوْها﴾ أيْ: لَجاءُوا إلَيْها وفَعَلُوا عَلى قِراءَةِ القَصْرِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: لَآتَوْها بِالمَدِّ، أيْ: لَأعْطَوْها.
﴿وما تَلَبَّثُوا بِها﴾ وما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ارْتِدادِهِمْ ﴿إلّا يَسِيرًا﴾ فَإنَّ اللَّهَ يُهْلِكُهم ويُخْرِجُهم بِالمُؤْمِنِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ مِن أقْطارِها، واشْتَدَّ الحَرْبُ الحَقِيقِيُّ، ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ والحَرْبَ لِمُحَمَّدٍ، لَطارُوا إلَيْها وأتَوْها مُجِيبِينَ فِيها، ولَمْ يَتَلَبَّثُوا في بُيُوتِهِمْ لِحِفْظِها إلّا يَسِيرًا، قِيلَ: قَدْرُ ما يَأْخُذُونَ سِلاحَهم. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سُئِلُوا﴾، وقَرَأ الحَسَنُ: ”﴿سُئِلُوا﴾“، بِواوٍ (p-٢١٩)ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ، قالُوا: وهي مِن سالَ يَسالُ، كَـ: خافَ يَخافُ، لُغَةٌ مِن: سَألَ، المَهْمُوزِ العَيْنِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ: هُما يَتَساوَلانِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُها الهَمْزَةَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”﴿سُئِلُوا﴾“ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ في ضَرَبَ: ضَرْبَ، ثُمَّ سَهَّلَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها واوًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ في بُؤْسٍ: بُوسٌ، بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو والأعْمَشِ: ”سِيلُوا“، بِكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوُ: قِيلَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: ”سُوئِلُوا“، بِواوٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ وياءٍ مَكْسُورَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ أيِ: القِتالَ في العَصَبِيَّةِ، لَأسْرَعُوا إلَيْهِ. وقالَ الحَسَنُ: الفِتْنَةُ: الشِّرْكُ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ بِها عَلى الفِتْنَةِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَدِينَةِ. و(عاهَدُوا) أُجْرِيَ مَجْرى اليَمِينِ، ولِذَلِكَ يَتَلَقّى بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ . وجَوابُ هَذا القَسَمِ جاءَ عَلى الغَيْبَةِ عَنْهم عَلى المَعْنى: ولَوْ جاءَ كَما لَفَظُوا بِهِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ: لا نُوَلِّي الأدْبارَ. والَّذِينَ عاهَدُوا: بَنُو حارِثَةَ وبَنُو مَسْلَمَةَ، وهُما الطّائِفَتانِ اللَّتانِ هَمّا بِالفَشَلِ في يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ تابُوا وعاهَدُوا أنْ لا يَفِرُّوا، فَوَقَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مِن بَنِي حارِثَةَ ذَلِكَ الِاسْتِئْذانُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عاهَدُوا بِمَكَّةَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ أنْ يَمْنَعُوهُ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَهم. وقِيلَ: ناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ قالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ مِن قَبْلُ: أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، غَزْوَةِ الخَنْدَقِ.
﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ كِنايَةً عَنِ الفِرارِ والِانْهِزامِ، سُئِلُوا مَطْلُوبًا مُقْتَضًى حَتّى يُوَفّى بِهِ، وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.
الأحزاب 33:16
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ﴾ خِطابُ تَوْبِيخٍ وإعْلامٍ أنَّ الفِرارَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ، وأنَّهُ تَنْقَطِعُ أعْمارُهم في يَسِيرِهِمْ مِنَ المُدَّةِ، واليَسِيرُ مُدَّةُ الآجالِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: ﴿إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ﴾ أوِ القَتْلِ، لا يَنْفَعُكُمُ الفِرارُ؛ لِأنَّ مَجِيءَ الأجَلِ لا بُدَّ مِنهُ. وإذا هُنا تَقَدَّمَها حَرْفُ عَطْفٍ، فَلا يَتَحَتَّمُ إعْمالُها، بَلْ يَجُوزُ، ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: ”وإذًا لا يَلْبَثُوا خِلافَكَ“ في سُورَةِ الإسْراءِ، بِحَذْفِ النُّونِ. ومَعْنى خِلافَكَ: أيْ: بَعْدَ فِراقِهِمْ إيّاكَ. و(قَلِيلًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. ومَرَّ بَعْضُ المَرْوانِيَّةِ عَلى حائِطٍ مائِلٍ فَأسْرَعَ، فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: ذَلِكَ القَلِيلُ نَطْلُبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا تُمَتَّعُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ؛ وقُرِئَ: بِياءِ الغَيْبَةِ. و(مَن ذا) اسْتِفْهامٌ، رُكِّبَتْ ذا مَعَ مَن وفِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جُعِلَتِ الرَّحْمَةُ قَرِينَةَ السُّوءِ في العِصْمَةِ، ولا عِصْمَةَ إلّا مِنَ السُّوءِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ أوْ يُصِيبُكم بِسُوءٍ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً، فاخْتُصِرَ الكَلامُ وأُجْرِيَ مَجْرى قَوْلِهِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
أوْ حَمْلُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ. انْتَهى.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَفِيهِ حَذْفُ جُمْلَةٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى حَذْفِها، والثّانِي هو الوَجْهُ، لا سِيَّما إذا قُدِّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَمْنَعُكم مِن مُرادِ اللَّهِ. والقائِلُونَ لِإخْوانِهِمْ كانُوا، أيِ: المُنافِقُونَ، يُثَبِّطُونَ إخْوانَهم مِن ساكِنِي المَدِينَةِ مِن أنْصارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُونَ: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةَ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ، فَخَلُّوهم. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، كانُوا يَقُولُونَ لِأهْلِ المَدِينَةِ: تَعالَوْا إلَيْنا وكُونُوا مَعَنا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: انْصَرَفَ رَجُلٌ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَوْمَ الأحْزابِ، فَوَجَدَ شَقِيقُهُ عِنْدَهُ سَوِيقٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ: أنْتَ هاهُنا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ ؟ فَقالَ: هَلُمَّ إلَيْهِ، فَقَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ. والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا يَسْتَقْبِلُها مُحَمَّدٌ أبَدًا، فَقالَ: كَذَبْتَ والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، ولَأُخْبِرَنَّهُ بِأمْرِكَ. فَذَهَبَ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ جِبْرِيلُ قَدْ نَزَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هي في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، ومَن رَجَعَ مِنَ المُنافِقِينَ مِنَ الخَنْدَقِ إلى المَدِينَةِ. فَإذا جاءَهُمُ المُنافِقُ قالُوا لَهُ: ويْحَكَ اجْلِسْ ولا تَخْرُجْ، ويَكْتُبُونَ إلى إخْوانِهِمْ في العَسْكَرِ أنِ ائْتُونا فَإنّا نَنْتَظِرُكم. وكانُوا لا يَأْتُونَ العَسْكَرَ إلّا أنْ يَجِدُوا بُدًّا مِن إتْيانِهِ، فَيَأْتُونَ لِيَرى النّاسُ وُجُوهَهم، فَإذا غُفِلَ عَنْهم عادُوا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ (p-٢٢٠)فِي (هَلُمَّ) في أواخِرِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَلُمُّوا إلَيْنا، أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا، قالَ: وهو صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مِثْلُ: احْضُرْ واقْرُبْ. انْتَهى.
والَّذِي عَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ أنَّ هَلُمَّ لَيْسَ صَوْتًا، وإنَّما هو مُرَكَّبٌ مُخْتَلَفٌ في أصْلِ تَرْكِيبِهِ؛ فَقِيلَ: هو مُرَكَّبٌ مِن ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ولُمَّ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. وقِيلَ: مِن هَلْ وأمْ، والكَلامُ عَلى تَرْجِيحِ المُخْتارِ مِنهُما مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وأمّا قَوْلُهُ: سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ قُدِّرَ ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا؛ والنَّحْوِيُّونَ: أنَّهُ مُتَعَدٍّ ولازِمٌ؛ فالمُتَعَدِّي كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] أيْ: أحْضِرُوا شُهَداءَكم، واللّازِمُ كَقَوْلِهِ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ وأقْبِلُوا إلَيْنا.
﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ أيِ: القِتالَ (إلّا قَلِيلًا) . يَخْرُجُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، يُوهِمُونَهم أنَّهم مَعَهم، ولا نَراهم يُقاتِلُونَ إلّا شَيْئًا قَلِيلًا إذا اضْطُرُّوا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ . وقِلَّتُهُ إمّا لِقِصَرِ زَمانِهِ، وإمّا لِقِلَّةِ عِقابِهِ، وإنَّهُ رِياءٌ وتَلْمِيعٌ لا تَحْقِيقٌ.
﴿أشِحَّةً﴾ جَمْعُ شَحِيحٍ، وهو البَخِيلُ، وهو جَمْعٌ لا يَنْقاسُ، وقِياسُهُ في الصِّفَةِ المُضَعَّفَةِ العَيْنِ واللّامِ فُعَلاءُ نَحْوَ: خَلِيلٍ وأخِلّاءٍ؛ فالقِياسُ أشِحّاءٌ، وهو مَسْمُوعٌ أيْضًا، ومُتَعَلِّقُ الشُّحِّ بِأنْفُسِهِمْ، أوْ بِأحْوالِهِمْ، أوْ بِأمْوالِهِمْ في النَّفَقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ بِالغَنِيمَةِ عِنْدَ القَسْمِ، أقْوالٌ. والصَّوابُ: أنْ يَعُمَّ شُحُّهم كُلَّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ في وقْتِ الحَرْبِ، أضِنّاءَ بِكم، يَتَرَفْرَفُونَ عَلَيْكم، كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ بِالذّابِّ عَنِ المُناضِلِ دُونَهُ عِنْدَ الخَوْفِ.
﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ في تِلْكَ الحالَةِ، كَما يَنْظُرُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ، حَذَرًا وخَوَرًا ولَواذًا، فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ وحِيزَتِ الغَنائِمُ ووَقَعَتِ القِسْمَةُ، نَقَلُوا ذَلِكَ الشُّحَّ وتِلْكَ الضِّنَّةَ والرَّفْرَفَةَ عَلَيْكم إلى الخَيْرِ، وهو المالُ والغَنِيمَةُ وسُوءُ تِلْكَ الحالَةِ الأوْلى، واجْتَرَءُوا عَلَيْكم وضَرَبُوكم بِألْسِنَتِهِمْ، وقالُوا: وفِّرُوا قِسْمَتَنا، فَإنّا قَدْ شاهَدْناكم وقاتَلْنا مَعَكم، وبِمَكانِنا غَلَبْتُمْ عَدُوَّكم، وبِنا نُصِرْتُمْ عَلَيْهِمْ. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ كَعادَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أشِحَّةً﴾ بِالنَّصْبِ. قالَ الفَرّاءُ: عَلى الذَّمِّ، وأجازَ نَصْبَهُ عَلى الحالِ، والعامِلُ يُعَوِّقُونَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حالٌ مِن ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِن (ولا يَأْتُونَ)؛ وقِيلَ: حالٌ مِن ﴿المُعَوِّقِينَ﴾؛ وقِيلَ: مِنَ (القائِلِينَ) ورَدَ القَوْلانِ بِأنَّ فِيهِما تَفْرِيقًا بَيْنَ المَوْصُولِ وما هو مِن تَمامِ صِلَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿أشِحَّةً﴾، بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: هم أشِحَّةٌ.
﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾ مِنَ العَدُوِّ، وتُوُقِّعَ أنْ يُسْتَأْصَلَ أهْلُ المَدِينَةِ، لاذَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ بِكَ يَنْظُرُونَ نَظَرَ الهَلُوعِ المُخْتَلِطِ النَّظَرِ، الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ. و﴿تَدُورُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: دائِرَةٌ أعْيُنُهم.
﴿كالَّذِي﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ، أيْ: دَوَرانًا كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ. فَبَعْدَ الكافِ مَحْذُوفانِ وهُما: دَوْرانٌ وعَيْنٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مِن (يَنْظُرُونَ إلَيْكَ) نَظَرًا كَنَظَرِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ. وقِيلَ: إذا جاءَ الخَوْفُ مِنَ القِتالِ، وظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى أعْدائِهِمْ ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ في رُءُوسِهِمْ، وتَجُولُ وتَضْطَرِبُ رَجاءَ أنْ يَلُوحَ لَهم. قالَ قَتادَةُ: بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكم. قالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: في أذى المُؤْمِنِينَ وسَبِّهِمْ وتَنْقِيصِ الشَّرْعِ. وقالَ قَتادَةُ: في طَلَبِ العَطاءِ مِنَ الغَنِيمَةِ، والإلْحافِ في المَسْألَةِ. وقِيلَ: السَّلْقُ في مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ بِما يُرْضِيهِمْ مِنَ القَوْلِ عَلى جِهَةِ المُصانَعَةِ والمُجامَلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ بِالسِّينِ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالصّادِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿أشِحَّةً﴾ بِالرَّفْعِ، أيْ: هم أشِحَّةٌ؛ والجُمْهُورُ: بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ وعَلى الخَبَرِ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الشُّحِّ في قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ . وقِيلَ: في هَذا: أشِحَّةً عَلى مالِ الغَنائِمِ. وقِيلَ: عَلى مالِهِمُ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِظَفَرِهِ.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ: أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم قَطُّ إيمانٌ. والإحْباطُ: عَدَمُ قَبُولِ أعْمالِهِمْ، فَكانَتْ كالمُحْبَطَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَثْبُتُ لِلْمُنافِقِ عَمَلٌ حَتّى يَرِدَ عَلَيْهِ الإحْباطُ ؟ قُلْتُ: لا، ولَكِنْ تَعْلِيمٌ لِمَن عَسى يَظُنُّ أنَّ الإيمانَ بِاللِّسانِ إيمانٌ، وإنْ لَمْ يُواطِئْهُ القَلْبُ؛ وأنَّ ما يَعْمَلُهُ المُنافِقُ (p-٢٢١)مِنَ الأعْمالِ يُجْزى عَلَيْهِ. فَبَيَّنَ أنَّ إيمانَهُ لَيْسَ بِإيمانٍ، وأنَّ كُلَّ عَمَلٍ يُوجَدُ مِنهُ باطِلٌ. انْتَهى، وفي كَلامِهِ اسْتِعْمالُ عَسى صِلَةً لِمَن، وهو لا يَجُوزُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أبِيهِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ بَدْرِيٍّ، نافَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ووَقَعَ في هَذِهِ المَعانِي، فَأحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ في بَدْرٍ وغَيْرِها. وكانَ ذَلِكَ، أيِ: الإحْباطُ، أوْ حالُهم مِن شُحِّهِمْ ونَظَرِهِمْ، يَسِيرًا لا يُبالى بِهِ، ولا لَهُ أثَرٌ في دَفْعِ خَيْرٍ، ولا عَلَيْهِ شَرٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ أعْمالَهم حَقِيقَةٌ بِالإحْباطِ، تَدْعُو إلَيْهِ الدَّواعِي، ولا يُصْرَفُ عَنْهُ صارِفٌ. انْتَهى، وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ.
﴿يَحْسَبُونَ﴾ أنَّهم لَمْ يَرْحَلُوا ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ كَرَّةً ثانِيَةً، تَمَنَّوْا لِخَوْفِهِمْ بِما مُنُوا بِهِ عِنْدَ الكَرَّةِ أنَّهم مُقِيمُونَ في البَدْوِ مَعَ الأعْرابِ، وهم أهْلُ العَمُودِ، يَرْحَلُونَ مَن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، يَسْألُونَ مَن قَدِمَ مِنَ المَدِينَةِ عَمّا جَرى عَلَيْكم مِن قِتالِ الأحْزابِ، يَتَعَرَّفُونَ أحْوالَكم بِالِاسْتِخْبارِ، لا بِالمُشاهَدَةِ، فَرَقًا وجُبْنًا، وغَرَضُهم مِنَ البَداوَةِ أنْ يَكُونُوا سالِمِينَ مِنَ القِتالِ، ولَوْ كانُوا فِيكم ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ، وكانَ قِتالٌ، لَمْ يُقاتِلُوا إلّا قَلِيلًا، لِعِلَّةٍ ورِياءٍ وسُمْعَةٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: رَمْيًا بِالحِجارَةِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ أنْواعِ القِتالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بادُونَ﴾ جَمْعُ سَلامَةٍ لِـ: بادٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وطَلْحَةُ: ”بُدًّى“ عَلى وزْنِ فُعَّلٍ، كَغازٍ وغُزًّى، ولَيْسَ بِقِياسٍ في مُعْتَلِّ اللّامِ، بَلْ شُبِّهَ بِضارِبٍ، وقِياسُهُ فُعَلَةٌ، كَقاضٍ وقُضاةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَدا فِعْلًا ماضِيًا؛ وفي رِوايَةِ صاحِبِ الإقْلِيدِ: ”بَدِيٌّ“ بِوَزْنِ عَدِيٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَسْألُونَ﴾ مُضارِعَ سَألَ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا عَمْرٍو وعاصِمًا والأعْمَشَ قَرَءُوا: ”يَسالُونَ“، بِغَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ في شاذِّهِما؛ ونَقَلَهُما صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ بِخِلافٍ عَنْهُما: ”يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا“، أيْ: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا سَمِعْتَ وماذا بَلَغَكَ ؟ أوْ يَتَساءَلُونَ الأعْرابَ، كَما تَقُولُ: تَراءَيْنا الهِلالَ. ثُمَّ سَلّى اللَّهُ نَبِيَّهُ عَنْهم وحَقَّرَ شَأْنَهم بِأنْ أخْبَرَ أنَّهم لَوْ حَضَرُوا ما أغْنَوْا وما قاتَلُوا إلّا قِتالًا قَلِيلًا. قالَ: هو قَلِيلٌ مِن حَيْثُ هو رِياءٌ، ولَوْ كانَ كَثِيرًا.
الأحزاب 33:17
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ﴾ خِطابُ تَوْبِيخٍ وإعْلامٍ أنَّ الفِرارَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ، وأنَّهُ تَنْقَطِعُ أعْمارُهم في يَسِيرِهِمْ مِنَ المُدَّةِ، واليَسِيرُ مُدَّةُ الآجالِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: ﴿إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ﴾ أوِ القَتْلِ، لا يَنْفَعُكُمُ الفِرارُ؛ لِأنَّ مَجِيءَ الأجَلِ لا بُدَّ مِنهُ. وإذا هُنا تَقَدَّمَها حَرْفُ عَطْفٍ، فَلا يَتَحَتَّمُ إعْمالُها، بَلْ يَجُوزُ، ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: ”وإذًا لا يَلْبَثُوا خِلافَكَ“ في سُورَةِ الإسْراءِ، بِحَذْفِ النُّونِ. ومَعْنى خِلافَكَ: أيْ: بَعْدَ فِراقِهِمْ إيّاكَ. و(قَلِيلًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. ومَرَّ بَعْضُ المَرْوانِيَّةِ عَلى حائِطٍ مائِلٍ فَأسْرَعَ، فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: ذَلِكَ القَلِيلُ نَطْلُبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا تُمَتَّعُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ؛ وقُرِئَ: بِياءِ الغَيْبَةِ. و(مَن ذا) اسْتِفْهامٌ، رُكِّبَتْ ذا مَعَ مَن وفِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جُعِلَتِ الرَّحْمَةُ قَرِينَةَ السُّوءِ في العِصْمَةِ، ولا عِصْمَةَ إلّا مِنَ السُّوءِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ أوْ يُصِيبُكم بِسُوءٍ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً، فاخْتُصِرَ الكَلامُ وأُجْرِيَ مَجْرى قَوْلِهِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
أوْ حَمْلُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ. انْتَهى.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَفِيهِ حَذْفُ جُمْلَةٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى حَذْفِها، والثّانِي هو الوَجْهُ، لا سِيَّما إذا قُدِّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَمْنَعُكم مِن مُرادِ اللَّهِ. والقائِلُونَ لِإخْوانِهِمْ كانُوا، أيِ: المُنافِقُونَ، يُثَبِّطُونَ إخْوانَهم مِن ساكِنِي المَدِينَةِ مِن أنْصارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُونَ: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةَ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ، فَخَلُّوهم. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، كانُوا يَقُولُونَ لِأهْلِ المَدِينَةِ: تَعالَوْا إلَيْنا وكُونُوا مَعَنا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: انْصَرَفَ رَجُلٌ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَوْمَ الأحْزابِ، فَوَجَدَ شَقِيقُهُ عِنْدَهُ سَوِيقٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ: أنْتَ هاهُنا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ ؟ فَقالَ: هَلُمَّ إلَيْهِ، فَقَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ. والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا يَسْتَقْبِلُها مُحَمَّدٌ أبَدًا، فَقالَ: كَذَبْتَ والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، ولَأُخْبِرَنَّهُ بِأمْرِكَ. فَذَهَبَ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ جِبْرِيلُ قَدْ نَزَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هي في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، ومَن رَجَعَ مِنَ المُنافِقِينَ مِنَ الخَنْدَقِ إلى المَدِينَةِ. فَإذا جاءَهُمُ المُنافِقُ قالُوا لَهُ: ويْحَكَ اجْلِسْ ولا تَخْرُجْ، ويَكْتُبُونَ إلى إخْوانِهِمْ في العَسْكَرِ أنِ ائْتُونا فَإنّا نَنْتَظِرُكم. وكانُوا لا يَأْتُونَ العَسْكَرَ إلّا أنْ يَجِدُوا بُدًّا مِن إتْيانِهِ، فَيَأْتُونَ لِيَرى النّاسُ وُجُوهَهم، فَإذا غُفِلَ عَنْهم عادُوا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ (p-٢٢٠)فِي (هَلُمَّ) في أواخِرِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَلُمُّوا إلَيْنا، أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا، قالَ: وهو صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مِثْلُ: احْضُرْ واقْرُبْ. انْتَهى.
والَّذِي عَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ أنَّ هَلُمَّ لَيْسَ صَوْتًا، وإنَّما هو مُرَكَّبٌ مُخْتَلَفٌ في أصْلِ تَرْكِيبِهِ؛ فَقِيلَ: هو مُرَكَّبٌ مِن ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ولُمَّ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. وقِيلَ: مِن هَلْ وأمْ، والكَلامُ عَلى تَرْجِيحِ المُخْتارِ مِنهُما مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وأمّا قَوْلُهُ: سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ قُدِّرَ ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا؛ والنَّحْوِيُّونَ: أنَّهُ مُتَعَدٍّ ولازِمٌ؛ فالمُتَعَدِّي كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] أيْ: أحْضِرُوا شُهَداءَكم، واللّازِمُ كَقَوْلِهِ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ وأقْبِلُوا إلَيْنا.
﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ أيِ: القِتالَ (إلّا قَلِيلًا) . يَخْرُجُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، يُوهِمُونَهم أنَّهم مَعَهم، ولا نَراهم يُقاتِلُونَ إلّا شَيْئًا قَلِيلًا إذا اضْطُرُّوا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ . وقِلَّتُهُ إمّا لِقِصَرِ زَمانِهِ، وإمّا لِقِلَّةِ عِقابِهِ، وإنَّهُ رِياءٌ وتَلْمِيعٌ لا تَحْقِيقٌ.
﴿أشِحَّةً﴾ جَمْعُ شَحِيحٍ، وهو البَخِيلُ، وهو جَمْعٌ لا يَنْقاسُ، وقِياسُهُ في الصِّفَةِ المُضَعَّفَةِ العَيْنِ واللّامِ فُعَلاءُ نَحْوَ: خَلِيلٍ وأخِلّاءٍ؛ فالقِياسُ أشِحّاءٌ، وهو مَسْمُوعٌ أيْضًا، ومُتَعَلِّقُ الشُّحِّ بِأنْفُسِهِمْ، أوْ بِأحْوالِهِمْ، أوْ بِأمْوالِهِمْ في النَّفَقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ بِالغَنِيمَةِ عِنْدَ القَسْمِ، أقْوالٌ. والصَّوابُ: أنْ يَعُمَّ شُحُّهم كُلَّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ في وقْتِ الحَرْبِ، أضِنّاءَ بِكم، يَتَرَفْرَفُونَ عَلَيْكم، كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ بِالذّابِّ عَنِ المُناضِلِ دُونَهُ عِنْدَ الخَوْفِ.
﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ في تِلْكَ الحالَةِ، كَما يَنْظُرُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ، حَذَرًا وخَوَرًا ولَواذًا، فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ وحِيزَتِ الغَنائِمُ ووَقَعَتِ القِسْمَةُ، نَقَلُوا ذَلِكَ الشُّحَّ وتِلْكَ الضِّنَّةَ والرَّفْرَفَةَ عَلَيْكم إلى الخَيْرِ، وهو المالُ والغَنِيمَةُ وسُوءُ تِلْكَ الحالَةِ الأوْلى، واجْتَرَءُوا عَلَيْكم وضَرَبُوكم بِألْسِنَتِهِمْ، وقالُوا: وفِّرُوا قِسْمَتَنا، فَإنّا قَدْ شاهَدْناكم وقاتَلْنا مَعَكم، وبِمَكانِنا غَلَبْتُمْ عَدُوَّكم، وبِنا نُصِرْتُمْ عَلَيْهِمْ. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ كَعادَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أشِحَّةً﴾ بِالنَّصْبِ. قالَ الفَرّاءُ: عَلى الذَّمِّ، وأجازَ نَصْبَهُ عَلى الحالِ، والعامِلُ يُعَوِّقُونَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حالٌ مِن ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِن (ولا يَأْتُونَ)؛ وقِيلَ: حالٌ مِن ﴿المُعَوِّقِينَ﴾؛ وقِيلَ: مِنَ (القائِلِينَ) ورَدَ القَوْلانِ بِأنَّ فِيهِما تَفْرِيقًا بَيْنَ المَوْصُولِ وما هو مِن تَمامِ صِلَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿أشِحَّةً﴾، بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: هم أشِحَّةٌ.
﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾ مِنَ العَدُوِّ، وتُوُقِّعَ أنْ يُسْتَأْصَلَ أهْلُ المَدِينَةِ، لاذَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ بِكَ يَنْظُرُونَ نَظَرَ الهَلُوعِ المُخْتَلِطِ النَّظَرِ، الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ. و﴿تَدُورُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: دائِرَةٌ أعْيُنُهم.
﴿كالَّذِي﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ، أيْ: دَوَرانًا كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ. فَبَعْدَ الكافِ مَحْذُوفانِ وهُما: دَوْرانٌ وعَيْنٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مِن (يَنْظُرُونَ إلَيْكَ) نَظَرًا كَنَظَرِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ. وقِيلَ: إذا جاءَ الخَوْفُ مِنَ القِتالِ، وظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى أعْدائِهِمْ ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ في رُءُوسِهِمْ، وتَجُولُ وتَضْطَرِبُ رَجاءَ أنْ يَلُوحَ لَهم. قالَ قَتادَةُ: بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكم. قالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: في أذى المُؤْمِنِينَ وسَبِّهِمْ وتَنْقِيصِ الشَّرْعِ. وقالَ قَتادَةُ: في طَلَبِ العَطاءِ مِنَ الغَنِيمَةِ، والإلْحافِ في المَسْألَةِ. وقِيلَ: السَّلْقُ في مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ بِما يُرْضِيهِمْ مِنَ القَوْلِ عَلى جِهَةِ المُصانَعَةِ والمُجامَلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ بِالسِّينِ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالصّادِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿أشِحَّةً﴾ بِالرَّفْعِ، أيْ: هم أشِحَّةٌ؛ والجُمْهُورُ: بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ وعَلى الخَبَرِ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الشُّحِّ في قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ . وقِيلَ: في هَذا: أشِحَّةً عَلى مالِ الغَنائِمِ. وقِيلَ: عَلى مالِهِمُ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِظَفَرِهِ.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ: أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم قَطُّ إيمانٌ. والإحْباطُ: عَدَمُ قَبُولِ أعْمالِهِمْ، فَكانَتْ كالمُحْبَطَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَثْبُتُ لِلْمُنافِقِ عَمَلٌ حَتّى يَرِدَ عَلَيْهِ الإحْباطُ ؟ قُلْتُ: لا، ولَكِنْ تَعْلِيمٌ لِمَن عَسى يَظُنُّ أنَّ الإيمانَ بِاللِّسانِ إيمانٌ، وإنْ لَمْ يُواطِئْهُ القَلْبُ؛ وأنَّ ما يَعْمَلُهُ المُنافِقُ (p-٢٢١)مِنَ الأعْمالِ يُجْزى عَلَيْهِ. فَبَيَّنَ أنَّ إيمانَهُ لَيْسَ بِإيمانٍ، وأنَّ كُلَّ عَمَلٍ يُوجَدُ مِنهُ باطِلٌ. انْتَهى، وفي كَلامِهِ اسْتِعْمالُ عَسى صِلَةً لِمَن، وهو لا يَجُوزُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أبِيهِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ بَدْرِيٍّ، نافَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ووَقَعَ في هَذِهِ المَعانِي، فَأحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ في بَدْرٍ وغَيْرِها. وكانَ ذَلِكَ، أيِ: الإحْباطُ، أوْ حالُهم مِن شُحِّهِمْ ونَظَرِهِمْ، يَسِيرًا لا يُبالى بِهِ، ولا لَهُ أثَرٌ في دَفْعِ خَيْرٍ، ولا عَلَيْهِ شَرٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ أعْمالَهم حَقِيقَةٌ بِالإحْباطِ، تَدْعُو إلَيْهِ الدَّواعِي، ولا يُصْرَفُ عَنْهُ صارِفٌ. انْتَهى، وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ.
﴿يَحْسَبُونَ﴾ أنَّهم لَمْ يَرْحَلُوا ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ كَرَّةً ثانِيَةً، تَمَنَّوْا لِخَوْفِهِمْ بِما مُنُوا بِهِ عِنْدَ الكَرَّةِ أنَّهم مُقِيمُونَ في البَدْوِ مَعَ الأعْرابِ، وهم أهْلُ العَمُودِ، يَرْحَلُونَ مَن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، يَسْألُونَ مَن قَدِمَ مِنَ المَدِينَةِ عَمّا جَرى عَلَيْكم مِن قِتالِ الأحْزابِ، يَتَعَرَّفُونَ أحْوالَكم بِالِاسْتِخْبارِ، لا بِالمُشاهَدَةِ، فَرَقًا وجُبْنًا، وغَرَضُهم مِنَ البَداوَةِ أنْ يَكُونُوا سالِمِينَ مِنَ القِتالِ، ولَوْ كانُوا فِيكم ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ، وكانَ قِتالٌ، لَمْ يُقاتِلُوا إلّا قَلِيلًا، لِعِلَّةٍ ورِياءٍ وسُمْعَةٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: رَمْيًا بِالحِجارَةِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ أنْواعِ القِتالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بادُونَ﴾ جَمْعُ سَلامَةٍ لِـ: بادٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وطَلْحَةُ: ”بُدًّى“ عَلى وزْنِ فُعَّلٍ، كَغازٍ وغُزًّى، ولَيْسَ بِقِياسٍ في مُعْتَلِّ اللّامِ، بَلْ شُبِّهَ بِضارِبٍ، وقِياسُهُ فُعَلَةٌ، كَقاضٍ وقُضاةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَدا فِعْلًا ماضِيًا؛ وفي رِوايَةِ صاحِبِ الإقْلِيدِ: ”بَدِيٌّ“ بِوَزْنِ عَدِيٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَسْألُونَ﴾ مُضارِعَ سَألَ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا عَمْرٍو وعاصِمًا والأعْمَشَ قَرَءُوا: ”يَسالُونَ“، بِغَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ في شاذِّهِما؛ ونَقَلَهُما صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ بِخِلافٍ عَنْهُما: ”يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا“، أيْ: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا سَمِعْتَ وماذا بَلَغَكَ ؟ أوْ يَتَساءَلُونَ الأعْرابَ، كَما تَقُولُ: تَراءَيْنا الهِلالَ. ثُمَّ سَلّى اللَّهُ نَبِيَّهُ عَنْهم وحَقَّرَ شَأْنَهم بِأنْ أخْبَرَ أنَّهم لَوْ حَضَرُوا ما أغْنَوْا وما قاتَلُوا إلّا قِتالًا قَلِيلًا. قالَ: هو قَلِيلٌ مِن حَيْثُ هو رِياءٌ، ولَوْ كانَ كَثِيرًا.
الأحزاب 33:18
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ﴾ خِطابُ تَوْبِيخٍ وإعْلامٍ أنَّ الفِرارَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ، وأنَّهُ تَنْقَطِعُ أعْمارُهم في يَسِيرِهِمْ مِنَ المُدَّةِ، واليَسِيرُ مُدَّةُ الآجالِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: ﴿إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ﴾ أوِ القَتْلِ، لا يَنْفَعُكُمُ الفِرارُ؛ لِأنَّ مَجِيءَ الأجَلِ لا بُدَّ مِنهُ. وإذا هُنا تَقَدَّمَها حَرْفُ عَطْفٍ، فَلا يَتَحَتَّمُ إعْمالُها، بَلْ يَجُوزُ، ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: ”وإذًا لا يَلْبَثُوا خِلافَكَ“ في سُورَةِ الإسْراءِ، بِحَذْفِ النُّونِ. ومَعْنى خِلافَكَ: أيْ: بَعْدَ فِراقِهِمْ إيّاكَ. و(قَلِيلًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. ومَرَّ بَعْضُ المَرْوانِيَّةِ عَلى حائِطٍ مائِلٍ فَأسْرَعَ، فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: ذَلِكَ القَلِيلُ نَطْلُبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا تُمَتَّعُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ؛ وقُرِئَ: بِياءِ الغَيْبَةِ. و(مَن ذا) اسْتِفْهامٌ، رُكِّبَتْ ذا مَعَ مَن وفِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جُعِلَتِ الرَّحْمَةُ قَرِينَةَ السُّوءِ في العِصْمَةِ، ولا عِصْمَةَ إلّا مِنَ السُّوءِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ أوْ يُصِيبُكم بِسُوءٍ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً، فاخْتُصِرَ الكَلامُ وأُجْرِيَ مَجْرى قَوْلِهِ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
أوْ حَمْلُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ. انْتَهى.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَفِيهِ حَذْفُ جُمْلَةٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى حَذْفِها، والثّانِي هو الوَجْهُ، لا سِيَّما إذا قُدِّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَمْنَعُكم مِن مُرادِ اللَّهِ. والقائِلُونَ لِإخْوانِهِمْ كانُوا، أيِ: المُنافِقُونَ، يُثَبِّطُونَ إخْوانَهم مِن ساكِنِي المَدِينَةِ مِن أنْصارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُونَ: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةَ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ، فَخَلُّوهم. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، كانُوا يَقُولُونَ لِأهْلِ المَدِينَةِ: تَعالَوْا إلَيْنا وكُونُوا مَعَنا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: انْصَرَفَ رَجُلٌ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَوْمَ الأحْزابِ، فَوَجَدَ شَقِيقُهُ عِنْدَهُ سَوِيقٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ: أنْتَ هاهُنا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ ؟ فَقالَ: هَلُمَّ إلَيْهِ، فَقَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ. والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا يَسْتَقْبِلُها مُحَمَّدٌ أبَدًا، فَقالَ: كَذَبْتَ والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، ولَأُخْبِرَنَّهُ بِأمْرِكَ. فَذَهَبَ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ جِبْرِيلُ قَدْ نَزَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هي في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، ومَن رَجَعَ مِنَ المُنافِقِينَ مِنَ الخَنْدَقِ إلى المَدِينَةِ. فَإذا جاءَهُمُ المُنافِقُ قالُوا لَهُ: ويْحَكَ اجْلِسْ ولا تَخْرُجْ، ويَكْتُبُونَ إلى إخْوانِهِمْ في العَسْكَرِ أنِ ائْتُونا فَإنّا نَنْتَظِرُكم. وكانُوا لا يَأْتُونَ العَسْكَرَ إلّا أنْ يَجِدُوا بُدًّا مِن إتْيانِهِ، فَيَأْتُونَ لِيَرى النّاسُ وُجُوهَهم، فَإذا غُفِلَ عَنْهم عادُوا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ (p-٢٢٠)فِي (هَلُمَّ) في أواخِرِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَلُمُّوا إلَيْنا، أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا، قالَ: وهو صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مِثْلُ: احْضُرْ واقْرُبْ. انْتَهى.
والَّذِي عَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ أنَّ هَلُمَّ لَيْسَ صَوْتًا، وإنَّما هو مُرَكَّبٌ مُخْتَلَفٌ في أصْلِ تَرْكِيبِهِ؛ فَقِيلَ: هو مُرَكَّبٌ مِن ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ولُمَّ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. وقِيلَ: مِن هَلْ وأمْ، والكَلامُ عَلى تَرْجِيحِ المُخْتارِ مِنهُما مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وأمّا قَوْلُهُ: سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ قُدِّرَ ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا؛ والنَّحْوِيُّونَ: أنَّهُ مُتَعَدٍّ ولازِمٌ؛ فالمُتَعَدِّي كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] أيْ: أحْضِرُوا شُهَداءَكم، واللّازِمُ كَقَوْلِهِ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ وأقْبِلُوا إلَيْنا.
﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ أيِ: القِتالَ (إلّا قَلِيلًا) . يَخْرُجُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، يُوهِمُونَهم أنَّهم مَعَهم، ولا نَراهم يُقاتِلُونَ إلّا شَيْئًا قَلِيلًا إذا اضْطُرُّوا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ . وقِلَّتُهُ إمّا لِقِصَرِ زَمانِهِ، وإمّا لِقِلَّةِ عِقابِهِ، وإنَّهُ رِياءٌ وتَلْمِيعٌ لا تَحْقِيقٌ.
﴿أشِحَّةً﴾ جَمْعُ شَحِيحٍ، وهو البَخِيلُ، وهو جَمْعٌ لا يَنْقاسُ، وقِياسُهُ في الصِّفَةِ المُضَعَّفَةِ العَيْنِ واللّامِ فُعَلاءُ نَحْوَ: خَلِيلٍ وأخِلّاءٍ؛ فالقِياسُ أشِحّاءٌ، وهو مَسْمُوعٌ أيْضًا، ومُتَعَلِّقُ الشُّحِّ بِأنْفُسِهِمْ، أوْ بِأحْوالِهِمْ، أوْ بِأمْوالِهِمْ في النَّفَقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ بِالغَنِيمَةِ عِنْدَ القَسْمِ، أقْوالٌ. والصَّوابُ: أنْ يَعُمَّ شُحُّهم كُلَّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ في وقْتِ الحَرْبِ، أضِنّاءَ بِكم، يَتَرَفْرَفُونَ عَلَيْكم، كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ بِالذّابِّ عَنِ المُناضِلِ دُونَهُ عِنْدَ الخَوْفِ.
﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ في تِلْكَ الحالَةِ، كَما يَنْظُرُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ، حَذَرًا وخَوَرًا ولَواذًا، فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ وحِيزَتِ الغَنائِمُ ووَقَعَتِ القِسْمَةُ، نَقَلُوا ذَلِكَ الشُّحَّ وتِلْكَ الضِّنَّةَ والرَّفْرَفَةَ عَلَيْكم إلى الخَيْرِ، وهو المالُ والغَنِيمَةُ وسُوءُ تِلْكَ الحالَةِ الأوْلى، واجْتَرَءُوا عَلَيْكم وضَرَبُوكم بِألْسِنَتِهِمْ، وقالُوا: وفِّرُوا قِسْمَتَنا، فَإنّا قَدْ شاهَدْناكم وقاتَلْنا مَعَكم، وبِمَكانِنا غَلَبْتُمْ عَدُوَّكم، وبِنا نُصِرْتُمْ عَلَيْهِمْ. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ كَعادَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أشِحَّةً﴾ بِالنَّصْبِ. قالَ الفَرّاءُ: عَلى الذَّمِّ، وأجازَ نَصْبَهُ عَلى الحالِ، والعامِلُ يُعَوِّقُونَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حالٌ مِن ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِن (ولا يَأْتُونَ)؛ وقِيلَ: حالٌ مِن ﴿المُعَوِّقِينَ﴾؛ وقِيلَ: مِنَ (القائِلِينَ) ورَدَ القَوْلانِ بِأنَّ فِيهِما تَفْرِيقًا بَيْنَ المَوْصُولِ وما هو مِن تَمامِ صِلَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿أشِحَّةً﴾، بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: هم أشِحَّةٌ.
﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾ مِنَ العَدُوِّ، وتُوُقِّعَ أنْ يُسْتَأْصَلَ أهْلُ المَدِينَةِ، لاذَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ بِكَ يَنْظُرُونَ نَظَرَ الهَلُوعِ المُخْتَلِطِ النَّظَرِ، الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ. و﴿تَدُورُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: دائِرَةٌ أعْيُنُهم.
﴿كالَّذِي﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ، أيْ: دَوَرانًا كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ. فَبَعْدَ الكافِ مَحْذُوفانِ وهُما: دَوْرانٌ وعَيْنٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مِن (يَنْظُرُونَ إلَيْكَ) نَظَرًا كَنَظَرِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ. وقِيلَ: إذا جاءَ الخَوْفُ مِنَ القِتالِ، وظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى أعْدائِهِمْ ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ في رُءُوسِهِمْ، وتَجُولُ وتَضْطَرِبُ رَجاءَ أنْ يَلُوحَ لَهم. قالَ قَتادَةُ: بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكم. قالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: في أذى المُؤْمِنِينَ وسَبِّهِمْ وتَنْقِيصِ الشَّرْعِ. وقالَ قَتادَةُ: في طَلَبِ العَطاءِ مِنَ الغَنِيمَةِ، والإلْحافِ في المَسْألَةِ. وقِيلَ: السَّلْقُ في مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ بِما يُرْضِيهِمْ مِنَ القَوْلِ عَلى جِهَةِ المُصانَعَةِ والمُجامَلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ بِالسِّينِ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالصّادِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿أشِحَّةً﴾ بِالرَّفْعِ، أيْ: هم أشِحَّةٌ؛ والجُمْهُورُ: بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ وعَلى الخَبَرِ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الشُّحِّ في قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ . وقِيلَ: في هَذا: أشِحَّةً عَلى مالِ الغَنائِمِ. وقِيلَ: عَلى مالِهِمُ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِظَفَرِهِ.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ: أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم قَطُّ إيمانٌ. والإحْباطُ: عَدَمُ قَبُولِ أعْمالِهِمْ، فَكانَتْ كالمُحْبَطَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَثْبُتُ لِلْمُنافِقِ عَمَلٌ حَتّى يَرِدَ عَلَيْهِ الإحْباطُ ؟ قُلْتُ: لا، ولَكِنْ تَعْلِيمٌ لِمَن عَسى يَظُنُّ أنَّ الإيمانَ بِاللِّسانِ إيمانٌ، وإنْ لَمْ يُواطِئْهُ القَلْبُ؛ وأنَّ ما يَعْمَلُهُ المُنافِقُ (p-٢٢١)مِنَ الأعْمالِ يُجْزى عَلَيْهِ. فَبَيَّنَ أنَّ إيمانَهُ لَيْسَ بِإيمانٍ، وأنَّ كُلَّ عَمَلٍ يُوجَدُ مِنهُ باطِلٌ. انْتَهى، وفي كَلامِهِ اسْتِعْمالُ عَسى صِلَةً لِمَن، وهو لا يَجُوزُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أبِيهِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ بَدْرِيٍّ، نافَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ووَقَعَ في هَذِهِ المَعانِي، فَأحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ في بَدْرٍ وغَيْرِها. وكانَ ذَلِكَ، أيِ: الإحْباطُ، أوْ حالُهم مِن شُحِّهِمْ ونَظَرِهِمْ، يَسِيرًا لا يُبالى بِهِ، ولا لَهُ أثَرٌ في دَفْعِ خَيْرٍ، ولا عَلَيْهِ شَرٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ أعْمالَهم حَقِيقَةٌ بِالإحْباطِ، تَدْعُو إلَيْهِ الدَّواعِي، ولا يُصْرَفُ عَنْهُ صارِفٌ. انْتَهى، وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ.
﴿يَحْسَبُونَ﴾ أنَّهم لَمْ يَرْحَلُوا ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ كَرَّةً ثانِيَةً، تَمَنَّوْا لِخَوْفِهِمْ بِما مُنُوا بِهِ عِنْدَ الكَرَّةِ أنَّهم مُقِيمُونَ في البَدْوِ مَعَ الأعْرابِ، وهم أهْلُ العَمُودِ، يَرْحَلُونَ مَن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، يَسْألُونَ مَن قَدِمَ مِنَ المَدِينَةِ عَمّا جَرى عَلَيْكم مِن قِتالِ الأحْزابِ، يَتَعَرَّفُونَ أحْوالَكم بِالِاسْتِخْبارِ، لا بِالمُشاهَدَةِ، فَرَقًا وجُبْنًا، وغَرَضُهم مِنَ البَداوَةِ أنْ يَكُونُوا سالِمِينَ مِنَ القِتالِ، ولَوْ كانُوا فِيكم ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ، وكانَ قِتالٌ، لَمْ يُقاتِلُوا إلّا قَلِيلًا، لِعِلَّةٍ ورِياءٍ وسُمْعَةٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: رَمْيًا بِالحِجارَةِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ أنْواعِ القِتالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بادُونَ﴾ جَمْعُ سَلامَةٍ لِـ: بادٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وطَلْحَةُ: ”بُدًّى“ عَلى وزْنِ فُعَّلٍ، كَغازٍ وغُزًّى، ولَيْسَ بِقِياسٍ في مُعْتَلِّ اللّامِ، بَلْ شُبِّهَ بِضارِبٍ، وقِياسُهُ فُعَلَةٌ، كَقاضٍ وقُضاةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَدا فِعْلًا ماضِيًا؛ وفي رِوايَةِ صاحِبِ الإقْلِيدِ: ”بَدِيٌّ“ بِوَزْنِ عَدِيٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَسْألُونَ﴾ مُضارِعَ سَألَ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا عَمْرٍو وعاصِمًا والأعْمَشَ قَرَءُوا: ”يَسالُونَ“، بِغَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ في شاذِّهِما؛ ونَقَلَهُما صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ بِخِلافٍ عَنْهُما: ”يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا“، أيْ: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا سَمِعْتَ وماذا بَلَغَكَ ؟ أوْ يَتَساءَلُونَ الأعْرابَ، كَما تَقُولُ: تَراءَيْنا الهِلالَ. ثُمَّ سَلّى اللَّهُ نَبِيَّهُ عَنْهم وحَقَّرَ شَأْنَهم بِأنْ أخْبَرَ أنَّهم لَوْ حَضَرُوا ما أغْنَوْا وما قاتَلُوا إلّا قِتالًا قَلِيلًا. قالَ: هو قَلِيلٌ مِن حَيْثُ هو رِياءٌ، ولَوْ كانَ كَثِيرًا.