Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الأحزاب 33:19 – الأحزاب 33:42

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الأحزاب 33:19
  2. الأحزاب 33:20
  3. الأحزاب 33:21
  4. الأحزاب 33:22
  5. الأحزاب 33:23
  6. الأحزاب 33:24
  7. الأحزاب 33:25
  8. الأحزاب 33:26
  9. الأحزاب 33:27
  10. الأحزاب 33:28
  11. الأحزاب 33:29
  12. الأحزاب 33:30
  13. الأحزاب 33:31
  14. الأحزاب 33:32
  15. الأحزاب 33:33
  16. الأحزاب 33:34
  17. الأحزاب 33:35
  18. الأحزاب 33:36
  19. الأحزاب 33:37
  20. الأحزاب 33:38
  21. الأحزاب 33:39
  22. الأحزاب 33:40
  23. الأحزاب 33:41
  24. الأحزاب 33:42

الأحزاب 33:19

﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ﴾ خِطابُ تَوْبِيخٍ وإعْلامٍ أنَّ الفِرارَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ، وأنَّهُ تَنْقَطِعُ أعْمارُهم في يَسِيرِهِمْ مِنَ المُدَّةِ، واليَسِيرُ مُدَّةُ الآجالِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: ﴿إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ﴾ أوِ القَتْلِ، لا يَنْفَعُكُمُ الفِرارُ؛ لِأنَّ مَجِيءَ الأجَلِ لا بُدَّ مِنهُ. وإذا هُنا تَقَدَّمَها حَرْفُ عَطْفٍ، فَلا يَتَحَتَّمُ إعْمالُها، بَلْ يَجُوزُ، ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: ”وإذًا لا يَلْبَثُوا خِلافَكَ“ في سُورَةِ الإسْراءِ، بِحَذْفِ النُّونِ. ومَعْنى خِلافَكَ: أيْ: بَعْدَ فِراقِهِمْ إيّاكَ. و(قَلِيلًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. ومَرَّ بَعْضُ المَرْوانِيَّةِ عَلى حائِطٍ مائِلٍ فَأسْرَعَ، فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: ذَلِكَ القَلِيلُ نَطْلُبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا تُمَتَّعُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ؛ وقُرِئَ: بِياءِ الغَيْبَةِ. و(مَن ذا) اسْتِفْهامٌ، رُكِّبَتْ ذا مَعَ مَن وفِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جُعِلَتِ الرَّحْمَةُ قَرِينَةَ السُّوءِ في العِصْمَةِ، ولا عِصْمَةَ إلّا مِنَ السُّوءِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ أوْ يُصِيبُكم بِسُوءٍ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً، فاخْتُصِرَ الكَلامُ وأُجْرِيَ مَجْرى قَوْلِهِ: ؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا أوْ حَمْلُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ. انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَفِيهِ حَذْفُ جُمْلَةٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى حَذْفِها، والثّانِي هو الوَجْهُ، لا سِيَّما إذا قُدِّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَمْنَعُكم مِن مُرادِ اللَّهِ. والقائِلُونَ لِإخْوانِهِمْ كانُوا، أيِ: المُنافِقُونَ، يُثَبِّطُونَ إخْوانَهم مِن ساكِنِي المَدِينَةِ مِن أنْصارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُونَ: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةَ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ، فَخَلُّوهم. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، كانُوا يَقُولُونَ لِأهْلِ المَدِينَةِ: تَعالَوْا إلَيْنا وكُونُوا مَعَنا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: انْصَرَفَ رَجُلٌ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَوْمَ الأحْزابِ، فَوَجَدَ شَقِيقُهُ عِنْدَهُ سَوِيقٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ: أنْتَ هاهُنا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ ؟ فَقالَ: هَلُمَّ إلَيْهِ، فَقَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ. والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا يَسْتَقْبِلُها مُحَمَّدٌ أبَدًا، فَقالَ: كَذَبْتَ والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، ولَأُخْبِرَنَّهُ بِأمْرِكَ. فَذَهَبَ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ جِبْرِيلُ قَدْ نَزَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هي في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، ومَن رَجَعَ مِنَ المُنافِقِينَ مِنَ الخَنْدَقِ إلى المَدِينَةِ. فَإذا جاءَهُمُ المُنافِقُ قالُوا لَهُ: ويْحَكَ اجْلِسْ ولا تَخْرُجْ، ويَكْتُبُونَ إلى إخْوانِهِمْ في العَسْكَرِ أنِ ائْتُونا فَإنّا نَنْتَظِرُكم. وكانُوا لا يَأْتُونَ العَسْكَرَ إلّا أنْ يَجِدُوا بُدًّا مِن إتْيانِهِ، فَيَأْتُونَ لِيَرى النّاسُ وُجُوهَهم، فَإذا غُفِلَ عَنْهم عادُوا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ (p-٢٢٠)فِي (هَلُمَّ) في أواخِرِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَلُمُّوا إلَيْنا، أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا، قالَ: وهو صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مِثْلُ: احْضُرْ واقْرُبْ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ أنَّ هَلُمَّ لَيْسَ صَوْتًا، وإنَّما هو مُرَكَّبٌ مُخْتَلَفٌ في أصْلِ تَرْكِيبِهِ؛ فَقِيلَ: هو مُرَكَّبٌ مِن ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ولُمَّ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. وقِيلَ: مِن هَلْ وأمْ، والكَلامُ عَلى تَرْجِيحِ المُخْتارِ مِنهُما مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وأمّا قَوْلُهُ: سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ قُدِّرَ ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا؛ والنَّحْوِيُّونَ: أنَّهُ مُتَعَدٍّ ولازِمٌ؛ فالمُتَعَدِّي كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] أيْ: أحْضِرُوا شُهَداءَكم، واللّازِمُ كَقَوْلِهِ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ وأقْبِلُوا إلَيْنا. ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ أيِ: القِتالَ (إلّا قَلِيلًا) . يَخْرُجُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، يُوهِمُونَهم أنَّهم مَعَهم، ولا نَراهم يُقاتِلُونَ إلّا شَيْئًا قَلِيلًا إذا اضْطُرُّوا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ . وقِلَّتُهُ إمّا لِقِصَرِ زَمانِهِ، وإمّا لِقِلَّةِ عِقابِهِ، وإنَّهُ رِياءٌ وتَلْمِيعٌ لا تَحْقِيقٌ. ﴿أشِحَّةً﴾ جَمْعُ شَحِيحٍ، وهو البَخِيلُ، وهو جَمْعٌ لا يَنْقاسُ، وقِياسُهُ في الصِّفَةِ المُضَعَّفَةِ العَيْنِ واللّامِ فُعَلاءُ نَحْوَ: خَلِيلٍ وأخِلّاءٍ؛ فالقِياسُ أشِحّاءٌ، وهو مَسْمُوعٌ أيْضًا، ومُتَعَلِّقُ الشُّحِّ بِأنْفُسِهِمْ، أوْ بِأحْوالِهِمْ، أوْ بِأمْوالِهِمْ في النَّفَقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ بِالغَنِيمَةِ عِنْدَ القَسْمِ، أقْوالٌ. والصَّوابُ: أنْ يَعُمَّ شُحُّهم كُلَّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ في وقْتِ الحَرْبِ، أضِنّاءَ بِكم، يَتَرَفْرَفُونَ عَلَيْكم، كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ بِالذّابِّ عَنِ المُناضِلِ دُونَهُ عِنْدَ الخَوْفِ. ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ في تِلْكَ الحالَةِ، كَما يَنْظُرُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ، حَذَرًا وخَوَرًا ولَواذًا، فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ وحِيزَتِ الغَنائِمُ ووَقَعَتِ القِسْمَةُ، نَقَلُوا ذَلِكَ الشُّحَّ وتِلْكَ الضِّنَّةَ والرَّفْرَفَةَ عَلَيْكم إلى الخَيْرِ، وهو المالُ والغَنِيمَةُ وسُوءُ تِلْكَ الحالَةِ الأوْلى، واجْتَرَءُوا عَلَيْكم وضَرَبُوكم بِألْسِنَتِهِمْ، وقالُوا: وفِّرُوا قِسْمَتَنا، فَإنّا قَدْ شاهَدْناكم وقاتَلْنا مَعَكم، وبِمَكانِنا غَلَبْتُمْ عَدُوَّكم، وبِنا نُصِرْتُمْ عَلَيْهِمْ. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ كَعادَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أشِحَّةً﴾ بِالنَّصْبِ. قالَ الفَرّاءُ: عَلى الذَّمِّ، وأجازَ نَصْبَهُ عَلى الحالِ، والعامِلُ يُعَوِّقُونَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حالٌ مِن ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِن (ولا يَأْتُونَ)؛ وقِيلَ: حالٌ مِن ﴿المُعَوِّقِينَ﴾؛ وقِيلَ: مِنَ (القائِلِينَ) ورَدَ القَوْلانِ بِأنَّ فِيهِما تَفْرِيقًا بَيْنَ المَوْصُولِ وما هو مِن تَمامِ صِلَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿أشِحَّةً﴾، بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: هم أشِحَّةٌ. ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾ مِنَ العَدُوِّ، وتُوُقِّعَ أنْ يُسْتَأْصَلَ أهْلُ المَدِينَةِ، لاذَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ بِكَ يَنْظُرُونَ نَظَرَ الهَلُوعِ المُخْتَلِطِ النَّظَرِ، الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ. و﴿تَدُورُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: دائِرَةٌ أعْيُنُهم. ﴿كالَّذِي﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ، أيْ: دَوَرانًا كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ. فَبَعْدَ الكافِ مَحْذُوفانِ وهُما: دَوْرانٌ وعَيْنٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مِن (يَنْظُرُونَ إلَيْكَ) نَظَرًا كَنَظَرِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ. وقِيلَ: إذا جاءَ الخَوْفُ مِنَ القِتالِ، وظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى أعْدائِهِمْ ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ في رُءُوسِهِمْ، وتَجُولُ وتَضْطَرِبُ رَجاءَ أنْ يَلُوحَ لَهم. قالَ قَتادَةُ: بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكم. قالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: في أذى المُؤْمِنِينَ وسَبِّهِمْ وتَنْقِيصِ الشَّرْعِ. وقالَ قَتادَةُ: في طَلَبِ العَطاءِ مِنَ الغَنِيمَةِ، والإلْحافِ في المَسْألَةِ. وقِيلَ: السَّلْقُ في مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ بِما يُرْضِيهِمْ مِنَ القَوْلِ عَلى جِهَةِ المُصانَعَةِ والمُجامَلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ بِالسِّينِ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالصّادِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿أشِحَّةً﴾ بِالرَّفْعِ، أيْ: هم أشِحَّةٌ؛ والجُمْهُورُ: بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ وعَلى الخَبَرِ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الشُّحِّ في قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ . وقِيلَ: في هَذا: أشِحَّةً عَلى مالِ الغَنائِمِ. وقِيلَ: عَلى مالِهِمُ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِظَفَرِهِ. ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ: أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم قَطُّ إيمانٌ. والإحْباطُ: عَدَمُ قَبُولِ أعْمالِهِمْ، فَكانَتْ كالمُحْبَطَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَثْبُتُ لِلْمُنافِقِ عَمَلٌ حَتّى يَرِدَ عَلَيْهِ الإحْباطُ ؟ قُلْتُ: لا، ولَكِنْ تَعْلِيمٌ لِمَن عَسى يَظُنُّ أنَّ الإيمانَ بِاللِّسانِ إيمانٌ، وإنْ لَمْ يُواطِئْهُ القَلْبُ؛ وأنَّ ما يَعْمَلُهُ المُنافِقُ (p-٢٢١)مِنَ الأعْمالِ يُجْزى عَلَيْهِ. فَبَيَّنَ أنَّ إيمانَهُ لَيْسَ بِإيمانٍ، وأنَّ كُلَّ عَمَلٍ يُوجَدُ مِنهُ باطِلٌ. انْتَهى، وفي كَلامِهِ اسْتِعْمالُ عَسى صِلَةً لِمَن، وهو لا يَجُوزُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أبِيهِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ بَدْرِيٍّ، نافَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ووَقَعَ في هَذِهِ المَعانِي، فَأحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ في بَدْرٍ وغَيْرِها. وكانَ ذَلِكَ، أيِ: الإحْباطُ، أوْ حالُهم مِن شُحِّهِمْ ونَظَرِهِمْ، يَسِيرًا لا يُبالى بِهِ، ولا لَهُ أثَرٌ في دَفْعِ خَيْرٍ، ولا عَلَيْهِ شَرٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ أعْمالَهم حَقِيقَةٌ بِالإحْباطِ، تَدْعُو إلَيْهِ الدَّواعِي، ولا يُصْرَفُ عَنْهُ صارِفٌ. انْتَهى، وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ. ﴿يَحْسَبُونَ﴾ أنَّهم لَمْ يَرْحَلُوا ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ كَرَّةً ثانِيَةً، تَمَنَّوْا لِخَوْفِهِمْ بِما مُنُوا بِهِ عِنْدَ الكَرَّةِ أنَّهم مُقِيمُونَ في البَدْوِ مَعَ الأعْرابِ، وهم أهْلُ العَمُودِ، يَرْحَلُونَ مَن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، يَسْألُونَ مَن قَدِمَ مِنَ المَدِينَةِ عَمّا جَرى عَلَيْكم مِن قِتالِ الأحْزابِ، يَتَعَرَّفُونَ أحْوالَكم بِالِاسْتِخْبارِ، لا بِالمُشاهَدَةِ، فَرَقًا وجُبْنًا، وغَرَضُهم مِنَ البَداوَةِ أنْ يَكُونُوا سالِمِينَ مِنَ القِتالِ، ولَوْ كانُوا فِيكم ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ، وكانَ قِتالٌ، لَمْ يُقاتِلُوا إلّا قَلِيلًا، لِعِلَّةٍ ورِياءٍ وسُمْعَةٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: رَمْيًا بِالحِجارَةِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ أنْواعِ القِتالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بادُونَ﴾ جَمْعُ سَلامَةٍ لِـ: بادٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وطَلْحَةُ: ”بُدًّى“ عَلى وزْنِ فُعَّلٍ، كَغازٍ وغُزًّى، ولَيْسَ بِقِياسٍ في مُعْتَلِّ اللّامِ، بَلْ شُبِّهَ بِضارِبٍ، وقِياسُهُ فُعَلَةٌ، كَقاضٍ وقُضاةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَدا فِعْلًا ماضِيًا؛ وفي رِوايَةِ صاحِبِ الإقْلِيدِ: ”بَدِيٌّ“ بِوَزْنِ عَدِيٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَسْألُونَ﴾ مُضارِعَ سَألَ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا عَمْرٍو وعاصِمًا والأعْمَشَ قَرَءُوا: ”يَسالُونَ“، بِغَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ في شاذِّهِما؛ ونَقَلَهُما صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ بِخِلافٍ عَنْهُما: ”يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا“، أيْ: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا سَمِعْتَ وماذا بَلَغَكَ ؟ أوْ يَتَساءَلُونَ الأعْرابَ، كَما تَقُولُ: تَراءَيْنا الهِلالَ. ثُمَّ سَلّى اللَّهُ نَبِيَّهُ عَنْهم وحَقَّرَ شَأْنَهم بِأنْ أخْبَرَ أنَّهم لَوْ حَضَرُوا ما أغْنَوْا وما قاتَلُوا إلّا قِتالًا قَلِيلًا. قالَ: هو قَلِيلٌ مِن حَيْثُ هو رِياءٌ، ولَوْ كانَ كَثِيرًا.

الأحزاب 33:20

﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ﴾ خِطابُ تَوْبِيخٍ وإعْلامٍ أنَّ الفِرارَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ، وأنَّهُ تَنْقَطِعُ أعْمارُهم في يَسِيرِهِمْ مِنَ المُدَّةِ، واليَسِيرُ مُدَّةُ الآجالِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: ﴿إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ﴾ أوِ القَتْلِ، لا يَنْفَعُكُمُ الفِرارُ؛ لِأنَّ مَجِيءَ الأجَلِ لا بُدَّ مِنهُ. وإذا هُنا تَقَدَّمَها حَرْفُ عَطْفٍ، فَلا يَتَحَتَّمُ إعْمالُها، بَلْ يَجُوزُ، ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: ”وإذًا لا يَلْبَثُوا خِلافَكَ“ في سُورَةِ الإسْراءِ، بِحَذْفِ النُّونِ. ومَعْنى خِلافَكَ: أيْ: بَعْدَ فِراقِهِمْ إيّاكَ. و(قَلِيلًا) نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: زَمانًا قَلِيلًا. ومَرَّ بَعْضُ المَرْوانِيَّةِ عَلى حائِطٍ مائِلٍ فَأسْرَعَ، فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: ذَلِكَ القَلِيلُ نَطْلُبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا تُمَتَّعُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ؛ وقُرِئَ: بِياءِ الغَيْبَةِ. و(مَن ذا) اسْتِفْهامٌ، رُكِّبَتْ ذا مَعَ مَن وفِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جُعِلَتِ الرَّحْمَةُ قَرِينَةَ السُّوءِ في العِصْمَةِ، ولا عِصْمَةَ إلّا مِنَ السُّوءِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ أوْ يُصِيبُكم بِسُوءٍ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً، فاخْتُصِرَ الكَلامُ وأُجْرِيَ مَجْرى قَوْلِهِ: ؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا أوْ حَمْلُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ. انْتَهى. أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَفِيهِ حَذْفُ جُمْلَةٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى حَذْفِها، والثّانِي هو الوَجْهُ، لا سِيَّما إذا قُدِّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: يَمْنَعُكم مِن مُرادِ اللَّهِ. والقائِلُونَ لِإخْوانِهِمْ كانُوا، أيِ: المُنافِقُونَ، يُثَبِّطُونَ إخْوانَهم مِن ساكِنِي المَدِينَةِ مِن أنْصارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُونَ: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةَ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ، فَخَلُّوهم. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، كانُوا يَقُولُونَ لِأهْلِ المَدِينَةِ: تَعالَوْا إلَيْنا وكُونُوا مَعَنا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: انْصَرَفَ رَجُلٌ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَوْمَ الأحْزابِ، فَوَجَدَ شَقِيقُهُ عِنْدَهُ سَوِيقٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ: أنْتَ هاهُنا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ ؟ فَقالَ: هَلُمَّ إلَيْهِ، فَقَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ. والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا يَسْتَقْبِلُها مُحَمَّدٌ أبَدًا، فَقالَ: كَذَبْتَ والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، ولَأُخْبِرَنَّهُ بِأمْرِكَ. فَذَهَبَ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ جِبْرِيلُ قَدْ نَزَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هي في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، ومَن رَجَعَ مِنَ المُنافِقِينَ مِنَ الخَنْدَقِ إلى المَدِينَةِ. فَإذا جاءَهُمُ المُنافِقُ قالُوا لَهُ: ويْحَكَ اجْلِسْ ولا تَخْرُجْ، ويَكْتُبُونَ إلى إخْوانِهِمْ في العَسْكَرِ أنِ ائْتُونا فَإنّا نَنْتَظِرُكم. وكانُوا لا يَأْتُونَ العَسْكَرَ إلّا أنْ يَجِدُوا بُدًّا مِن إتْيانِهِ، فَيَأْتُونَ لِيَرى النّاسُ وُجُوهَهم، فَإذا غُفِلَ عَنْهم عادُوا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ (p-٢٢٠)فِي (هَلُمَّ) في أواخِرِ الأنْعامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَلُمُّوا إلَيْنا، أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا، قالَ: وهو صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مِثْلُ: احْضُرْ واقْرُبْ. انْتَهى. والَّذِي عَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ أنَّ هَلُمَّ لَيْسَ صَوْتًا، وإنَّما هو مُرَكَّبٌ مُخْتَلَفٌ في أصْلِ تَرْكِيبِهِ؛ فَقِيلَ: هو مُرَكَّبٌ مِن ها الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ ولُمَّ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ. وقِيلَ: مِن هَلْ وأمْ، والكَلامُ عَلى تَرْجِيحِ المُخْتارِ مِنهُما مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وأمّا قَوْلُهُ: سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ قُدِّرَ ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا؛ والنَّحْوِيُّونَ: أنَّهُ مُتَعَدٍّ ولازِمٌ؛ فالمُتَعَدِّي كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] أيْ: أحْضِرُوا شُهَداءَكم، واللّازِمُ كَقَوْلِهِ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ وأقْبِلُوا إلَيْنا. ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ أيِ: القِتالَ (إلّا قَلِيلًا) . يَخْرُجُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، يُوهِمُونَهم أنَّهم مَعَهم، ولا نَراهم يُقاتِلُونَ إلّا شَيْئًا قَلِيلًا إذا اضْطُرُّوا إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما قاتَلُوا إلّا قَلِيلًا﴾ . وقِلَّتُهُ إمّا لِقِصَرِ زَمانِهِ، وإمّا لِقِلَّةِ عِقابِهِ، وإنَّهُ رِياءٌ وتَلْمِيعٌ لا تَحْقِيقٌ. ﴿أشِحَّةً﴾ جَمْعُ شَحِيحٍ، وهو البَخِيلُ، وهو جَمْعٌ لا يَنْقاسُ، وقِياسُهُ في الصِّفَةِ المُضَعَّفَةِ العَيْنِ واللّامِ فُعَلاءُ نَحْوَ: خَلِيلٍ وأخِلّاءٍ؛ فالقِياسُ أشِحّاءٌ، وهو مَسْمُوعٌ أيْضًا، ومُتَعَلِّقُ الشُّحِّ بِأنْفُسِهِمْ، أوْ بِأحْوالِهِمْ، أوْ بِأمْوالِهِمْ في النَّفَقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ بِالغَنِيمَةِ عِنْدَ القَسْمِ، أقْوالٌ. والصَّوابُ: أنْ يَعُمَّ شُحُّهم كُلَّ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ في وقْتِ الحَرْبِ، أضِنّاءَ بِكم، يَتَرَفْرَفُونَ عَلَيْكم، كَما يَفْعَلُ الرَّجُلُ بِالذّابِّ عَنِ المُناضِلِ دُونَهُ عِنْدَ الخَوْفِ. ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ في تِلْكَ الحالَةِ، كَما يَنْظُرُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ، حَذَرًا وخَوَرًا ولَواذًا، فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ وحِيزَتِ الغَنائِمُ ووَقَعَتِ القِسْمَةُ، نَقَلُوا ذَلِكَ الشُّحَّ وتِلْكَ الضِّنَّةَ والرَّفْرَفَةَ عَلَيْكم إلى الخَيْرِ، وهو المالُ والغَنِيمَةُ وسُوءُ تِلْكَ الحالَةِ الأوْلى، واجْتَرَءُوا عَلَيْكم وضَرَبُوكم بِألْسِنَتِهِمْ، وقالُوا: وفِّرُوا قِسْمَتَنا، فَإنّا قَدْ شاهَدْناكم وقاتَلْنا مَعَكم، وبِمَكانِنا غَلَبْتُمْ عَدُوَّكم، وبِنا نُصِرْتُمْ عَلَيْهِمْ. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ وتَحْمِيلٌ لِلَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ كَعادَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أشِحَّةً﴾ بِالنَّصْبِ. قالَ الفَرّاءُ: عَلى الذَّمِّ، وأجازَ نَصْبَهُ عَلى الحالِ، والعامِلُ يُعَوِّقُونَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: حالٌ مِن ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ . وقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِن (ولا يَأْتُونَ)؛ وقِيلَ: حالٌ مِن ﴿المُعَوِّقِينَ﴾؛ وقِيلَ: مِنَ (القائِلِينَ) ورَدَ القَوْلانِ بِأنَّ فِيهِما تَفْرِيقًا بَيْنَ المَوْصُولِ وما هو مِن تَمامِ صِلَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿أشِحَّةً﴾، بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: هم أشِحَّةٌ. ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾ مِنَ العَدُوِّ، وتُوُقِّعَ أنْ يُسْتَأْصَلَ أهْلُ المَدِينَةِ، لاذَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ بِكَ يَنْظُرُونَ نَظَرَ الهَلُوعِ المُخْتَلِطِ النَّظَرِ، الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ. و﴿تَدُورُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: دائِرَةٌ أعْيُنُهم. ﴿كالَّذِي﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ، أيْ: دَوَرانًا كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ. فَبَعْدَ الكافِ مَحْذُوفانِ وهُما: دَوْرانٌ وعَيْنٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مِن (يَنْظُرُونَ إلَيْكَ) نَظَرًا كَنَظَرِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ. وقِيلَ: إذا جاءَ الخَوْفُ مِنَ القِتالِ، وظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى أعْدائِهِمْ ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ في رُءُوسِهِمْ، وتَجُولُ وتَضْطَرِبُ رَجاءَ أنْ يَلُوحَ لَهم. قالَ قَتادَةُ: بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكم. قالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: في أذى المُؤْمِنِينَ وسَبِّهِمْ وتَنْقِيصِ الشَّرْعِ. وقالَ قَتادَةُ: في طَلَبِ العَطاءِ مِنَ الغَنِيمَةِ، والإلْحافِ في المَسْألَةِ. وقِيلَ: السَّلْقُ في مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ بِما يُرْضِيهِمْ مِنَ القَوْلِ عَلى جِهَةِ المُصانَعَةِ والمُجامَلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ بِالسِّينِ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالصّادِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿أشِحَّةً﴾ بِالرَّفْعِ، أيْ: هم أشِحَّةٌ؛ والجُمْهُورُ: بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ وعَلى الخَبَرِ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الشُّحِّ في قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ . وقِيلَ: في هَذا: أشِحَّةً عَلى مالِ الغَنائِمِ. وقِيلَ: عَلى مالِهِمُ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ. وقِيلَ: عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِظَفَرِهِ. ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إشارَةٌ إلى المُنافِقِينَ: أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهم قَطُّ إيمانٌ. والإحْباطُ: عَدَمُ قَبُولِ أعْمالِهِمْ، فَكانَتْ كالمُحْبَطَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَثْبُتُ لِلْمُنافِقِ عَمَلٌ حَتّى يَرِدَ عَلَيْهِ الإحْباطُ ؟ قُلْتُ: لا، ولَكِنْ تَعْلِيمٌ لِمَن عَسى يَظُنُّ أنَّ الإيمانَ بِاللِّسانِ إيمانٌ، وإنْ لَمْ يُواطِئْهُ القَلْبُ؛ وأنَّ ما يَعْمَلُهُ المُنافِقُ (p-٢٢١)مِنَ الأعْمالِ يُجْزى عَلَيْهِ. فَبَيَّنَ أنَّ إيمانَهُ لَيْسَ بِإيمانٍ، وأنَّ كُلَّ عَمَلٍ يُوجَدُ مِنهُ باطِلٌ. انْتَهى، وفي كَلامِهِ اسْتِعْمالُ عَسى صِلَةً لِمَن، وهو لا يَجُوزُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أبِيهِ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ بَدْرِيٍّ، نافَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ووَقَعَ في هَذِهِ المَعانِي، فَأحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ في بَدْرٍ وغَيْرِها. وكانَ ذَلِكَ، أيِ: الإحْباطُ، أوْ حالُهم مِن شُحِّهِمْ ونَظَرِهِمْ، يَسِيرًا لا يُبالى بِهِ، ولا لَهُ أثَرٌ في دَفْعِ خَيْرٍ، ولا عَلَيْهِ شَرٌّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ أعْمالَهم حَقِيقَةٌ بِالإحْباطِ، تَدْعُو إلَيْهِ الدَّواعِي، ولا يُصْرَفُ عَنْهُ صارِفٌ. انْتَهى، وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ. ﴿يَحْسَبُونَ﴾ أنَّهم لَمْ يَرْحَلُوا ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ كَرَّةً ثانِيَةً، تَمَنَّوْا لِخَوْفِهِمْ بِما مُنُوا بِهِ عِنْدَ الكَرَّةِ أنَّهم مُقِيمُونَ في البَدْوِ مَعَ الأعْرابِ، وهم أهْلُ العَمُودِ، يَرْحَلُونَ مَن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، يَسْألُونَ مَن قَدِمَ مِنَ المَدِينَةِ عَمّا جَرى عَلَيْكم مِن قِتالِ الأحْزابِ، يَتَعَرَّفُونَ أحْوالَكم بِالِاسْتِخْبارِ، لا بِالمُشاهَدَةِ، فَرَقًا وجُبْنًا، وغَرَضُهم مِنَ البَداوَةِ أنْ يَكُونُوا سالِمِينَ مِنَ القِتالِ، ولَوْ كانُوا فِيكم ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ، وكانَ قِتالٌ، لَمْ يُقاتِلُوا إلّا قَلِيلًا، لِعِلَّةٍ ورِياءٍ وسُمْعَةٍ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: رَمْيًا بِالحِجارَةِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ أنْواعِ القِتالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بادُونَ﴾ جَمْعُ سَلامَةٍ لِـ: بادٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وطَلْحَةُ: ”بُدًّى“ عَلى وزْنِ فُعَّلٍ، كَغازٍ وغُزًّى، ولَيْسَ بِقِياسٍ في مُعْتَلِّ اللّامِ، بَلْ شُبِّهَ بِضارِبٍ، وقِياسُهُ فُعَلَةٌ، كَقاضٍ وقُضاةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَدا فِعْلًا ماضِيًا؛ وفي رِوايَةِ صاحِبِ الإقْلِيدِ: ”بَدِيٌّ“ بِوَزْنِ عَدِيٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَسْألُونَ﴾ مُضارِعَ سَألَ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا عَمْرٍو وعاصِمًا والأعْمَشَ قَرَءُوا: ”يَسالُونَ“، بِغَيْرِ هَمْزٍ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ في شاذِّهِما؛ ونَقَلَهُما صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ بِخِلافٍ عَنْهُما: ”يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا“، أيْ: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا سَمِعْتَ وماذا بَلَغَكَ ؟ أوْ يَتَساءَلُونَ الأعْرابَ، كَما تَقُولُ: تَراءَيْنا الهِلالَ. ثُمَّ سَلّى اللَّهُ نَبِيَّهُ عَنْهم وحَقَّرَ شَأْنَهم بِأنْ أخْبَرَ أنَّهم لَوْ حَضَرُوا ما أغْنَوْا وما قاتَلُوا إلّا قِتالًا قَلِيلًا. قالَ: هو قَلِيلٌ مِن حَيْثُ هو رِياءٌ، ولَوْ كانَ كَثِيرًا.

الأحزاب 33:21

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ . (p-٢٢٢)الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٠] وقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ، ﷺ، لَكم فِيهِ الِاقْتِداءُ. فَكَما نَصَرَكم ووازَرَكم حَتّى قاتَلَ بِنَفْسِهِ عَدُوَّكم، فَكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ الكَرِيمَةُ، وشُجَّ وجْهُهُ الكَرِيمُ، وقُتِلَ عَمُّهُ، وأُوذِيَ ضُرُوبًا مِنَ الإيذاءِ؛ يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهُ وتُوازِرُوهُ، ولا تَرْغَبُوا بِأنْفُسِكم عَنْ نَفْسِهِ، ولا عَنْ مَكانٍ هو فِيهِ، وتَبْذُلُوا أنْفُسَكم دُونَهُ؛ فَما حَصَلَ لَكم مِنَ الهِدايَةِ لِلْإسْلامِ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما تَفْعَلُونَهُ مَعَهُ، مِنَ النُّصْرَةِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. ﴿واليَوْمَ الآخِرَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَوْمَ السِّياقِ. و﴿أُسْوَةٌ﴾ اسْمُ كانَ، و(لَكم) الخَبَرُ، ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ (لَكم) أوْ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ جازَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِـ: (أُسْوَةٌ)، أوْ يَتَعَلَّقُ بِـ: (كانَ) عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ في كانَ وأخَواتِها النّاقِصَةِ أنْ تَعْمَلَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ الخَبَرُ، و(لَكم) تَبْيِينٌ، أيْ: لَكم، أعْنِي: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ مِن (لَكم)، كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . انْتَهى. ولا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ولا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، اسْمٌ ظاهِرٌ في بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِكم قُرَيْشٌ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضِلِّيلًا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إسْوَةٌ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وعاصِمٌ بِضَمِّها. والرَّجاءُ: بِمَعْنى الأمَلِ أوِ الخَوْفِ. وقَرَنَ الرَّجاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ، والمُؤْتَسِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هو الَّذِي يَكُونُ راجِيًا ذاكِرًا. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى المُنافِقِينَ وقَوْلَهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلَهم ضِدَّ ما قالَ المُنافِقُونَ. وكانَ اللَّهُ وعَدَهم أنْ يُزَلْزِلَهم حَتّى يَسْتَنْصِرُوهُ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ. فَلَمّا جاءَ الأحْزابُ، ونَهَضَ بِهِمْ لِلْقِتالِ، واضْطَرَبُوا ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ وأيْقَنُوا بِالجَنَّةِ والنَّصْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ، لِأصْحابِهِ: «إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم تِسْعًا أوْ عَشْرًا»، أيْ: في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ أوْ عَشْرٍ. فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ قالُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: الوَعْدُ هو ما جاءَ في الآيَةِ مِمّا وُعِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم يُحْضَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وأعْلَمَهم أنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَمّا رَأوُا (p-٢٢٣)الأحْزابَ قالُوا ذَلِكَ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ، وانْتَظَرُوا آخِرَهُ. وهَذا إشارَةٌ إلى الخَطْبِ، إيمانًا بِاللَّهِ وبِما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِمّا لَمْ يَقَعْ، كَقَوْلِكَ: فَتْحَ مَكَّةَ وفارِسَ والرُّومِ، فالزِّيادَةُ فِيما يُؤْمَنُ، لا في نَفْسِ الإيمانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿وما زادُوهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، بِالواوِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ يَعُودُ عَلى الأحْزابِ، وتَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، وصَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ. وقَدْ عُدَّتْ ”صَدَقَ“ هَذِهِ في ما يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُتَّسَعُ فِيهِ فَيُحْذَفُ الحَرْفُ ويَصِلُ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، أيْ: في سِنِّ بَكْرِهِ. فَما عاهَدُوا، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، أيْ: فِيما عاهَدُوا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: صَدَقُوا اللَّهَ، وإمّا أنْ يَكُونَ صَدَقَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَما تَقُولُ: صَدَقَنِي أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ، وكَذَبَكَ أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الكَذِبَ. وكانَ المُعاهَدُ عَلَيْهِ مَصْدُوقًا مَجازًا، كَأنَّهم قالُوا لِلْمُعاهَدِ عَلَيْهِ: سَنَفِي لَكَ، وهم وافُونَ بِهِ، فَقَدْ صَدَقُوهُ، ولَوْ كانُوا ناكِثِينَ لَكَذَّبُوهُ، وكانَ مَكْذُوبًا. وهَؤُلاءِ الرِّجالُ، قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هم أهْلُ العَقَبَةِ السَّبْعُونَ، أهْلُ البَيْعَةِ. وقالَ أنَسٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَعاهَدُوا أنْ لا يَتَأخَّرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَفَوْا. وقالَ زَيْدُ بْنُ رُومانَ: بَنُو حارِثَةَ. ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ وهَذا تَجَوُّزٌ؛ لِأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ أنْ يَقَعَ بِالإنْسانِ، فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: قَضى نَحْبَهُ: أيْ: عَهْدَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَذْرَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ يَحْتَمِلُ مَوْتَهُ شَهِيدًا، ويَحْتَمِلُ وفاءَهُ بِنَذْرِهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَّحْبِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَّمامِ. فالشُّهَداءُ مِنهم، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالجَنَّةِ، مِنهم مَن حَصَّلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ بِما لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ سُئِلَ: مَنِ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ، وهو عَلى المِنبَرِ ؟ فَدَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ. ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ إذا فُسِّرَ قَضاءُ النَّحْبِ بِالشَّهادَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الشَّهادَةَ؛ وإذا فُسِّرَ بِالوَفاءِ لِعُهُودِ الإسْلامِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَّلاحِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ، فَيَقْضِي نَحْبَهُ. ﴿وما بَدَّلُوا﴾ لا المُسْتَشْهِدُونَ، ولا مَن يَنْتَظِرُ. وقَدْ ثَبَتَ طَلْحَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ»، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِمَن بَدَّلَ مِنَ المُنافِقِينَ حِينَ ولَّوُا الأدْبارَ، وكانُوا عاهَدُوا لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ صِدْقِهِمْ. ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾ وعَذابُهم مُتَحَتَّمٌ. فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلى المَشِيئَةِ، وهو قَدْ شاءَ تَعْذِيبَهم إذا وفَوْا عَلى النِّفاقِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَتُهُ إدامَتُهُمُ الإقامَةَ عَلى النِّفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَّوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإقامَةِ، وثَمَرَةُ التَّوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ. فَهُما دَرَجَتانِ: إقامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أوْ تَوْبَةٌ مِنهُ. وعَنْهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ، أوْ رَحْمَةٌ. فَذَكَرَ تَعالى، عَلى جِهَةِ الإيجازِ، واحِدَةً مِن هاتَيْنِ، وواحِدَةً مِن هاتَيْنِ. ودَلَّ ما ذَكَرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ [الأحزاب: ٧٣] أيْ: لِيُدِيمَ عَلى النِّفاقِ، قَوْلُهُ: (إنْ شاءَ) ومُعادَلَتُهُ بِالتَّوْبَةِ، وحَذْفُ ”أوِ“ . انْتَهى. وكانَ ما ذُكِرَ يُؤَوَّلُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: لِيُقِيمُوا عَلى النِّفاقِ، فَيَمُوتُوا عَلَيْهِ، إنْ شاءَ فَيُعَذِّبُهم، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم. فَحُذِفَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ، وأُثْبِتَ المُسَبِّبُ، وهو التَّعْذِيبُ. وأُثْبِتَ سَبَبُ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، وحُذِفَ المُسَبِّبُ، وهو الرَّحْمَةُ والغُفْرانُ، وهَذا مِنَ الإيجازِ الحَسَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُعَذِّبُهم إنْ شاءَ إذا لَمْ يَتُوبُوا، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إذا تابُوا. انْتَهى. ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ عَذابِهِمْ إذا لَمْ يَتُوبُوا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ شاءَ ذَلِكَ وأخْبَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُ المُنافِقِينَ حَتْمًا لا مَحالَةَ. واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ قِيلَ: لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ وقِيلَ: لامُ التَّعْلِيلِ، ويَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ . (p-٢٢٤)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ المُنافِقُونَ كَأنَّهم قَصَدُوا عاقِبَةَ السُّوءِ وأرادُوها بِتَبْدِيلِهِمْ، كَما قَصَدَ الصّادِقُونَ عاقِبَةَ الصِّدْقِ بِوَفائِهِمْ؛ لِأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقِبَةٍ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَكَأنَّهُما اسْتَوَيا في طَلَبِهِما والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِهِما. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: إنْ شاءَ يُمِيتُهم عَلى نِفاقِهِمْ، أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِمْ مِنَ النِّفاقِ بِتَقَبُّلِهِمُ الإيمانَ. وقِيلَ: يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا إنْ شاءَ، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إنْ شاءَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: غَفُورًا لِلْحَوْبَةِ، رَحِيمًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ. ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأحْزابَ عَنِ المَدِينَةِ، والمُؤْمِنِينَ إلى بِلادِهِمْ. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ فَهو حالٌ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ؛ و﴿لَمْ يَنالُوا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِغَيْظِهِمْ)، فَيَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ بَيانًا لِلْأُولى، أوِ اسْتِئْنافًا. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها بَيانًا لِلْأُولى، ولا لِلِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّها تَبْقى كالمُفْلَتَةِ مِمّا قَبْلَها. ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِإرْسالِ الرِّيحِ والجُنُودِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، فَلَمْ يَكُنْ قِتالٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. وقِيلَ: المُرادُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومَن مَعَهُ، بَرَزُوا لِلْقِتالِ ودَعَوْا إلَيْهِ. وقَتَلَ عَلِيٌّ مِنَ الكُفّارِ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ مُبارَزَةً، حِينَ طَلَبَ عَمْرٌو المُبارَزَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيٌّ، فَقالَ: إنِّي لا أُوثِرُ قَتْلَكَ لِصُحْبَتِي لِأبِيكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَأنا أُوثِرُ قَتْلَكَ، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ مُبارَزَةً. واقْتَحَمَ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ، مِن قُرَيْشٍ، الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ، فَقُتِلَ فِيهِ. وقُتِلَ مِنَ الكُفّارِ أيْضًا: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ، وعُبَيْدُ بْنُ السَّبّاقِ. واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ، في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ: مُعاذٌ، وأنَسُ بْنُ أوْسِ بْنِ عَتِيكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وأبُو عَمْرٍو، وهم مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ؛ والطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمانِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وهُما مِن بَنِي سَلِمَةَ؛ وكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ، مِن بَنِي ذُبْيانَ بْنِ النَّجّارِ، أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ. ولَمْ تَغْزُ قُرَيْشٌ المُسْلِمِينَ بَعْدَ الخَنْدَقِ، وكَفى اللَّهُ مُداوَمَةَ القِتالِ وعَوْدَتَهُ بِأنْ هَزَمَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ، ولا العَصْرَ، ولا المَغْرِبَ، ولا العِشاءَ، حَتّى كانَ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، كُفِينا وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِلالًا، فَأقامَ وصَلّى الظُّهْرَ فَأحْسَنَها، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلُّ صَلاةٍ بِإقامَةٍ» . ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: أعانُوا قُرَيْشًا ومَن مَعَهم مِنَ الأحْزابِ مِن أهْلِ الكِتابِ، هم يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَما هو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وعَنِ الحَسَنِ: بَنُو النَّضِيرِ. وقَذْفُ الرُّعْبِ سَبَبٌ لِإنْزالِهِمْ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ المُسَبِّبَ، لَمّا كانَ السُّرُورُ بِإنْزالِهِمْ أكْثَرَ والإخْبارُ بِهِ أهَمَّ قُدِّمَ. وقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّ بِنا دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ عَلى بَغْلَةٍ بَيْضاءَ عَلَيْها قَطِيفَةُ دِيباجٍ، فَقالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بُعِثَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ» . ولَمّا رَجَعَتِ الأحْزابُ، جاءَ جِبْرِيلُ وقْتَ الظُّهْرِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَنادى في النّاسِ: «لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَخَرَجُوا إلَيْها، فَمُصَلٍّ في الطَّرِيقِ، ورَأى أنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّأْكِيدِ والِاسْتِعْجالِ؛ ومُصَلٍّ بَعْدَ العِشاءِ، وكُلٌّ مُصِيبٌ. فَحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: إحْدى وعِشْرِينَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ. فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأوْسِيِّ، لِحِلْفٍ كانَ بَيْنَهم، رَجَوْا حُنُوَّهُ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ أنْ يُقْتَلَ المُقاتِلَةُ ويُسْبى الذُّرِّيَّةُ والعِيالُ والأمْوالُ، وأنْ تَكُونَ الأرْضُ والثِّمارُ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ. فَقالَتْ لَهُ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أرَدْتُ أنْ يَكُونَ لَهم أمْوالٌ كَما لَكم، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، ثُمَّ اسْتَنْزَلَهم، وخَنْدَقَ لَهم في سُوقِ المَدِينَةِ، وقَدَّمَهم فَضَرَبَ أعْناقَهم، وهم مِن بَيْنِ ثَمانِمِائَةٍ إلى تِسْعِمِائَةٍ. وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ مُقاتِلٍ وسَبْعَمِائَةِ أسِيرٍ. وجِيءَ بِحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ النَّضِيرِيِّ، وهو الَّذِي كانَ أدْخَلَهم في الغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عِنْدَهم وفاءً لَهم، فَتُرِكَ فِيمَن تُرِكَ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ. فَلَمّا قَرُبَ، وعَلَيْهِ حُلَّتانِ تُفّاحِيَّتانِ، مَجْمُوعَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ (p-٢٢٥)واللَّهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَكِنَّ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلْ. ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا بَأْسَ أمْرُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، ومِحْنَةٌ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وقالَ فِيهِ بَعْضُ بَنِي ثَعْلَبَةَ: ؎لَعَمْرُكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلِ ؎لَجاهَدَ حَتّى أبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ وقَتَلَ مِن نِسائِهِمُ امْرَأةً، وهي لُبابَةُ امْرَأةُ الحَكَمِ القُرَظِيِّ، كانَتْ قَدْ طَرَحَتِ الرَّحى عَلى خَلّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقُتِلَ؛ ولَمْ يُسْتَشْهَدْ في حِصارِ بَنِي قُرَيْظَةَ غَيْرُهُ. وماتَ في الحِصارِ أبُو سُفْيانَ بْنُ مِحْصَنٍ، أخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وكانَ فَتْحُ قُرَيْظَةَ في آخِرِ ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وتَأْسِرُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ وكَسْرِ السِّينِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّهِما؛ واليَمانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ أنَسٍ، عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: بِياءِ الغَيْبَةِ في: ﴿تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ﴾ . ﴿وأوْرَثَكُمْ﴾ فِيهِ إشْعارٌ أنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ ومَن نَقَلَهم مِن أرْضِهِمْ، وقُدِّمَتْ لِكَثْرَةِ المَنفَعَةِ بِها مِنَ النَّحْلِ والزَّرْعِ، ولِأنَّهم بِاسْتِيلائِهِمْ عَلَيْها ثانِيًا وأمْوالَهم لِيُسْتَعانَ بِها في قُوَّةِ المُسْلِمِينَ لِلْجِهادِ، ولِأنَّها كانَتْ في بُيُوتِهِمْ، فَوَقَعَ الِاسْتِيلاءُ عَلَيْها ثالِثًا. ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ وعْدٌ صادِقٌ في فَتْحِ البِلادِ، كالعِراقِ والشّامِ واليَمَنِ ومَكَّةَ، وسائِرِ فُتُوحِ المُسْلِمِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أخْبَرَ تَعالى أنْ قَدْ قَضى بِذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: أرادَ الرُّومَ وفارِسَ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ. وقالَ مُقاتِلٌ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خَيْبَرُ؛ وقِيلَ: اليَمَنُ؛ ولا وجْهَ لِهَذِهِ التَّخْصِيصاتِ، ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ أرادَ نِساءَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَطَئُوها﴾، بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”لَمْ تَطُوها“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، أبْدَلَ هَمْزَةَ ”تَطَأُ“ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها ∗∗∗ والنّاسُ لا يُهْتَدى مِن شَرِّهِمْ أبَدا فالتَقَتْ ساكِنَةٌ مَعَ الواوِ فَحُذِفَتْ، كَقَوْلِكَ: لَمْ تَرَوْها. وخَتَمَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى فَتْحِهِ عَلى المُسْلِمِينَ الفُتُوحَ الكَثِيرَةَ، وأنَّهُ لا يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ، فَكَما مَلَّكَهم هَذِهِ، فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُمَلِّكَهم غَيْرَها مِنَ البِلادِ.

الأحزاب 33:22

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ . (p-٢٢٢)الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٠] وقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ، ﷺ، لَكم فِيهِ الِاقْتِداءُ. فَكَما نَصَرَكم ووازَرَكم حَتّى قاتَلَ بِنَفْسِهِ عَدُوَّكم، فَكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ الكَرِيمَةُ، وشُجَّ وجْهُهُ الكَرِيمُ، وقُتِلَ عَمُّهُ، وأُوذِيَ ضُرُوبًا مِنَ الإيذاءِ؛ يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهُ وتُوازِرُوهُ، ولا تَرْغَبُوا بِأنْفُسِكم عَنْ نَفْسِهِ، ولا عَنْ مَكانٍ هو فِيهِ، وتَبْذُلُوا أنْفُسَكم دُونَهُ؛ فَما حَصَلَ لَكم مِنَ الهِدايَةِ لِلْإسْلامِ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما تَفْعَلُونَهُ مَعَهُ، مِنَ النُّصْرَةِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. ﴿واليَوْمَ الآخِرَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَوْمَ السِّياقِ. و﴿أُسْوَةٌ﴾ اسْمُ كانَ، و(لَكم) الخَبَرُ، ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ (لَكم) أوْ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ جازَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِـ: (أُسْوَةٌ)، أوْ يَتَعَلَّقُ بِـ: (كانَ) عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ في كانَ وأخَواتِها النّاقِصَةِ أنْ تَعْمَلَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ الخَبَرُ، و(لَكم) تَبْيِينٌ، أيْ: لَكم، أعْنِي: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ مِن (لَكم)، كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . انْتَهى. ولا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ولا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، اسْمٌ ظاهِرٌ في بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِكم قُرَيْشٌ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضِلِّيلًا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إسْوَةٌ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وعاصِمٌ بِضَمِّها. والرَّجاءُ: بِمَعْنى الأمَلِ أوِ الخَوْفِ. وقَرَنَ الرَّجاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ، والمُؤْتَسِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هو الَّذِي يَكُونُ راجِيًا ذاكِرًا. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى المُنافِقِينَ وقَوْلَهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلَهم ضِدَّ ما قالَ المُنافِقُونَ. وكانَ اللَّهُ وعَدَهم أنْ يُزَلْزِلَهم حَتّى يَسْتَنْصِرُوهُ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ. فَلَمّا جاءَ الأحْزابُ، ونَهَضَ بِهِمْ لِلْقِتالِ، واضْطَرَبُوا ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ وأيْقَنُوا بِالجَنَّةِ والنَّصْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ، لِأصْحابِهِ: «إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم تِسْعًا أوْ عَشْرًا»، أيْ: في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ أوْ عَشْرٍ. فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ قالُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: الوَعْدُ هو ما جاءَ في الآيَةِ مِمّا وُعِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم يُحْضَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وأعْلَمَهم أنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَمّا رَأوُا (p-٢٢٣)الأحْزابَ قالُوا ذَلِكَ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ، وانْتَظَرُوا آخِرَهُ. وهَذا إشارَةٌ إلى الخَطْبِ، إيمانًا بِاللَّهِ وبِما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِمّا لَمْ يَقَعْ، كَقَوْلِكَ: فَتْحَ مَكَّةَ وفارِسَ والرُّومِ، فالزِّيادَةُ فِيما يُؤْمَنُ، لا في نَفْسِ الإيمانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿وما زادُوهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، بِالواوِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ يَعُودُ عَلى الأحْزابِ، وتَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، وصَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ. وقَدْ عُدَّتْ ”صَدَقَ“ هَذِهِ في ما يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُتَّسَعُ فِيهِ فَيُحْذَفُ الحَرْفُ ويَصِلُ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، أيْ: في سِنِّ بَكْرِهِ. فَما عاهَدُوا، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، أيْ: فِيما عاهَدُوا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: صَدَقُوا اللَّهَ، وإمّا أنْ يَكُونَ صَدَقَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَما تَقُولُ: صَدَقَنِي أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ، وكَذَبَكَ أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الكَذِبَ. وكانَ المُعاهَدُ عَلَيْهِ مَصْدُوقًا مَجازًا، كَأنَّهم قالُوا لِلْمُعاهَدِ عَلَيْهِ: سَنَفِي لَكَ، وهم وافُونَ بِهِ، فَقَدْ صَدَقُوهُ، ولَوْ كانُوا ناكِثِينَ لَكَذَّبُوهُ، وكانَ مَكْذُوبًا. وهَؤُلاءِ الرِّجالُ، قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هم أهْلُ العَقَبَةِ السَّبْعُونَ، أهْلُ البَيْعَةِ. وقالَ أنَسٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَعاهَدُوا أنْ لا يَتَأخَّرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَفَوْا. وقالَ زَيْدُ بْنُ رُومانَ: بَنُو حارِثَةَ. ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ وهَذا تَجَوُّزٌ؛ لِأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ أنْ يَقَعَ بِالإنْسانِ، فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: قَضى نَحْبَهُ: أيْ: عَهْدَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَذْرَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ يَحْتَمِلُ مَوْتَهُ شَهِيدًا، ويَحْتَمِلُ وفاءَهُ بِنَذْرِهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَّحْبِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَّمامِ. فالشُّهَداءُ مِنهم، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالجَنَّةِ، مِنهم مَن حَصَّلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ بِما لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ سُئِلَ: مَنِ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ، وهو عَلى المِنبَرِ ؟ فَدَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ. ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ إذا فُسِّرَ قَضاءُ النَّحْبِ بِالشَّهادَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الشَّهادَةَ؛ وإذا فُسِّرَ بِالوَفاءِ لِعُهُودِ الإسْلامِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَّلاحِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ، فَيَقْضِي نَحْبَهُ. ﴿وما بَدَّلُوا﴾ لا المُسْتَشْهِدُونَ، ولا مَن يَنْتَظِرُ. وقَدْ ثَبَتَ طَلْحَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ»، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِمَن بَدَّلَ مِنَ المُنافِقِينَ حِينَ ولَّوُا الأدْبارَ، وكانُوا عاهَدُوا لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ صِدْقِهِمْ. ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾ وعَذابُهم مُتَحَتَّمٌ. فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلى المَشِيئَةِ، وهو قَدْ شاءَ تَعْذِيبَهم إذا وفَوْا عَلى النِّفاقِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَتُهُ إدامَتُهُمُ الإقامَةَ عَلى النِّفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَّوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإقامَةِ، وثَمَرَةُ التَّوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ. فَهُما دَرَجَتانِ: إقامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أوْ تَوْبَةٌ مِنهُ. وعَنْهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ، أوْ رَحْمَةٌ. فَذَكَرَ تَعالى، عَلى جِهَةِ الإيجازِ، واحِدَةً مِن هاتَيْنِ، وواحِدَةً مِن هاتَيْنِ. ودَلَّ ما ذَكَرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ [الأحزاب: ٧٣] أيْ: لِيُدِيمَ عَلى النِّفاقِ، قَوْلُهُ: (إنْ شاءَ) ومُعادَلَتُهُ بِالتَّوْبَةِ، وحَذْفُ ”أوِ“ . انْتَهى. وكانَ ما ذُكِرَ يُؤَوَّلُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: لِيُقِيمُوا عَلى النِّفاقِ، فَيَمُوتُوا عَلَيْهِ، إنْ شاءَ فَيُعَذِّبُهم، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم. فَحُذِفَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ، وأُثْبِتَ المُسَبِّبُ، وهو التَّعْذِيبُ. وأُثْبِتَ سَبَبُ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، وحُذِفَ المُسَبِّبُ، وهو الرَّحْمَةُ والغُفْرانُ، وهَذا مِنَ الإيجازِ الحَسَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُعَذِّبُهم إنْ شاءَ إذا لَمْ يَتُوبُوا، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إذا تابُوا. انْتَهى. ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ عَذابِهِمْ إذا لَمْ يَتُوبُوا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ شاءَ ذَلِكَ وأخْبَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُ المُنافِقِينَ حَتْمًا لا مَحالَةَ. واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ قِيلَ: لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ وقِيلَ: لامُ التَّعْلِيلِ، ويَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ . (p-٢٢٤)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ المُنافِقُونَ كَأنَّهم قَصَدُوا عاقِبَةَ السُّوءِ وأرادُوها بِتَبْدِيلِهِمْ، كَما قَصَدَ الصّادِقُونَ عاقِبَةَ الصِّدْقِ بِوَفائِهِمْ؛ لِأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقِبَةٍ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَكَأنَّهُما اسْتَوَيا في طَلَبِهِما والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِهِما. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: إنْ شاءَ يُمِيتُهم عَلى نِفاقِهِمْ، أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِمْ مِنَ النِّفاقِ بِتَقَبُّلِهِمُ الإيمانَ. وقِيلَ: يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا إنْ شاءَ، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إنْ شاءَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: غَفُورًا لِلْحَوْبَةِ، رَحِيمًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ. ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأحْزابَ عَنِ المَدِينَةِ، والمُؤْمِنِينَ إلى بِلادِهِمْ. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ فَهو حالٌ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ؛ و﴿لَمْ يَنالُوا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِغَيْظِهِمْ)، فَيَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ بَيانًا لِلْأُولى، أوِ اسْتِئْنافًا. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها بَيانًا لِلْأُولى، ولا لِلِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّها تَبْقى كالمُفْلَتَةِ مِمّا قَبْلَها. ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِإرْسالِ الرِّيحِ والجُنُودِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، فَلَمْ يَكُنْ قِتالٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. وقِيلَ: المُرادُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومَن مَعَهُ، بَرَزُوا لِلْقِتالِ ودَعَوْا إلَيْهِ. وقَتَلَ عَلِيٌّ مِنَ الكُفّارِ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ مُبارَزَةً، حِينَ طَلَبَ عَمْرٌو المُبارَزَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيٌّ، فَقالَ: إنِّي لا أُوثِرُ قَتْلَكَ لِصُحْبَتِي لِأبِيكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَأنا أُوثِرُ قَتْلَكَ، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ مُبارَزَةً. واقْتَحَمَ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ، مِن قُرَيْشٍ، الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ، فَقُتِلَ فِيهِ. وقُتِلَ مِنَ الكُفّارِ أيْضًا: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ، وعُبَيْدُ بْنُ السَّبّاقِ. واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ، في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ: مُعاذٌ، وأنَسُ بْنُ أوْسِ بْنِ عَتِيكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وأبُو عَمْرٍو، وهم مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ؛ والطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمانِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وهُما مِن بَنِي سَلِمَةَ؛ وكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ، مِن بَنِي ذُبْيانَ بْنِ النَّجّارِ، أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ. ولَمْ تَغْزُ قُرَيْشٌ المُسْلِمِينَ بَعْدَ الخَنْدَقِ، وكَفى اللَّهُ مُداوَمَةَ القِتالِ وعَوْدَتَهُ بِأنْ هَزَمَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ، ولا العَصْرَ، ولا المَغْرِبَ، ولا العِشاءَ، حَتّى كانَ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، كُفِينا وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِلالًا، فَأقامَ وصَلّى الظُّهْرَ فَأحْسَنَها، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلُّ صَلاةٍ بِإقامَةٍ» . ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: أعانُوا قُرَيْشًا ومَن مَعَهم مِنَ الأحْزابِ مِن أهْلِ الكِتابِ، هم يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَما هو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وعَنِ الحَسَنِ: بَنُو النَّضِيرِ. وقَذْفُ الرُّعْبِ سَبَبٌ لِإنْزالِهِمْ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ المُسَبِّبَ، لَمّا كانَ السُّرُورُ بِإنْزالِهِمْ أكْثَرَ والإخْبارُ بِهِ أهَمَّ قُدِّمَ. وقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّ بِنا دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ عَلى بَغْلَةٍ بَيْضاءَ عَلَيْها قَطِيفَةُ دِيباجٍ، فَقالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بُعِثَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ» . ولَمّا رَجَعَتِ الأحْزابُ، جاءَ جِبْرِيلُ وقْتَ الظُّهْرِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَنادى في النّاسِ: «لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَخَرَجُوا إلَيْها، فَمُصَلٍّ في الطَّرِيقِ، ورَأى أنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّأْكِيدِ والِاسْتِعْجالِ؛ ومُصَلٍّ بَعْدَ العِشاءِ، وكُلٌّ مُصِيبٌ. فَحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: إحْدى وعِشْرِينَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ. فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأوْسِيِّ، لِحِلْفٍ كانَ بَيْنَهم، رَجَوْا حُنُوَّهُ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ أنْ يُقْتَلَ المُقاتِلَةُ ويُسْبى الذُّرِّيَّةُ والعِيالُ والأمْوالُ، وأنْ تَكُونَ الأرْضُ والثِّمارُ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ. فَقالَتْ لَهُ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أرَدْتُ أنْ يَكُونَ لَهم أمْوالٌ كَما لَكم، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، ثُمَّ اسْتَنْزَلَهم، وخَنْدَقَ لَهم في سُوقِ المَدِينَةِ، وقَدَّمَهم فَضَرَبَ أعْناقَهم، وهم مِن بَيْنِ ثَمانِمِائَةٍ إلى تِسْعِمِائَةٍ. وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ مُقاتِلٍ وسَبْعَمِائَةِ أسِيرٍ. وجِيءَ بِحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ النَّضِيرِيِّ، وهو الَّذِي كانَ أدْخَلَهم في الغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عِنْدَهم وفاءً لَهم، فَتُرِكَ فِيمَن تُرِكَ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ. فَلَمّا قَرُبَ، وعَلَيْهِ حُلَّتانِ تُفّاحِيَّتانِ، مَجْمُوعَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ (p-٢٢٥)واللَّهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَكِنَّ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلْ. ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا بَأْسَ أمْرُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، ومِحْنَةٌ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وقالَ فِيهِ بَعْضُ بَنِي ثَعْلَبَةَ: ؎لَعَمْرُكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلِ ؎لَجاهَدَ حَتّى أبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ وقَتَلَ مِن نِسائِهِمُ امْرَأةً، وهي لُبابَةُ امْرَأةُ الحَكَمِ القُرَظِيِّ، كانَتْ قَدْ طَرَحَتِ الرَّحى عَلى خَلّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقُتِلَ؛ ولَمْ يُسْتَشْهَدْ في حِصارِ بَنِي قُرَيْظَةَ غَيْرُهُ. وماتَ في الحِصارِ أبُو سُفْيانَ بْنُ مِحْصَنٍ، أخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وكانَ فَتْحُ قُرَيْظَةَ في آخِرِ ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وتَأْسِرُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ وكَسْرِ السِّينِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّهِما؛ واليَمانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ أنَسٍ، عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: بِياءِ الغَيْبَةِ في: ﴿تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ﴾ . ﴿وأوْرَثَكُمْ﴾ فِيهِ إشْعارٌ أنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ ومَن نَقَلَهم مِن أرْضِهِمْ، وقُدِّمَتْ لِكَثْرَةِ المَنفَعَةِ بِها مِنَ النَّحْلِ والزَّرْعِ، ولِأنَّهم بِاسْتِيلائِهِمْ عَلَيْها ثانِيًا وأمْوالَهم لِيُسْتَعانَ بِها في قُوَّةِ المُسْلِمِينَ لِلْجِهادِ، ولِأنَّها كانَتْ في بُيُوتِهِمْ، فَوَقَعَ الِاسْتِيلاءُ عَلَيْها ثالِثًا. ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ وعْدٌ صادِقٌ في فَتْحِ البِلادِ، كالعِراقِ والشّامِ واليَمَنِ ومَكَّةَ، وسائِرِ فُتُوحِ المُسْلِمِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أخْبَرَ تَعالى أنْ قَدْ قَضى بِذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: أرادَ الرُّومَ وفارِسَ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ. وقالَ مُقاتِلٌ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خَيْبَرُ؛ وقِيلَ: اليَمَنُ؛ ولا وجْهَ لِهَذِهِ التَّخْصِيصاتِ، ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ أرادَ نِساءَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَطَئُوها﴾، بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”لَمْ تَطُوها“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، أبْدَلَ هَمْزَةَ ”تَطَأُ“ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها ∗∗∗ والنّاسُ لا يُهْتَدى مِن شَرِّهِمْ أبَدا فالتَقَتْ ساكِنَةٌ مَعَ الواوِ فَحُذِفَتْ، كَقَوْلِكَ: لَمْ تَرَوْها. وخَتَمَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى فَتْحِهِ عَلى المُسْلِمِينَ الفُتُوحَ الكَثِيرَةَ، وأنَّهُ لا يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ، فَكَما مَلَّكَهم هَذِهِ، فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُمَلِّكَهم غَيْرَها مِنَ البِلادِ.

الأحزاب 33:23

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ . (p-٢٢٢)الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٠] وقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ، ﷺ، لَكم فِيهِ الِاقْتِداءُ. فَكَما نَصَرَكم ووازَرَكم حَتّى قاتَلَ بِنَفْسِهِ عَدُوَّكم، فَكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ الكَرِيمَةُ، وشُجَّ وجْهُهُ الكَرِيمُ، وقُتِلَ عَمُّهُ، وأُوذِيَ ضُرُوبًا مِنَ الإيذاءِ؛ يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهُ وتُوازِرُوهُ، ولا تَرْغَبُوا بِأنْفُسِكم عَنْ نَفْسِهِ، ولا عَنْ مَكانٍ هو فِيهِ، وتَبْذُلُوا أنْفُسَكم دُونَهُ؛ فَما حَصَلَ لَكم مِنَ الهِدايَةِ لِلْإسْلامِ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما تَفْعَلُونَهُ مَعَهُ، مِنَ النُّصْرَةِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. ﴿واليَوْمَ الآخِرَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَوْمَ السِّياقِ. و﴿أُسْوَةٌ﴾ اسْمُ كانَ، و(لَكم) الخَبَرُ، ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ (لَكم) أوْ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ جازَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِـ: (أُسْوَةٌ)، أوْ يَتَعَلَّقُ بِـ: (كانَ) عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ في كانَ وأخَواتِها النّاقِصَةِ أنْ تَعْمَلَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ الخَبَرُ، و(لَكم) تَبْيِينٌ، أيْ: لَكم، أعْنِي: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ مِن (لَكم)، كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . انْتَهى. ولا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ولا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، اسْمٌ ظاهِرٌ في بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِكم قُرَيْشٌ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضِلِّيلًا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إسْوَةٌ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وعاصِمٌ بِضَمِّها. والرَّجاءُ: بِمَعْنى الأمَلِ أوِ الخَوْفِ. وقَرَنَ الرَّجاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ، والمُؤْتَسِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هو الَّذِي يَكُونُ راجِيًا ذاكِرًا. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى المُنافِقِينَ وقَوْلَهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلَهم ضِدَّ ما قالَ المُنافِقُونَ. وكانَ اللَّهُ وعَدَهم أنْ يُزَلْزِلَهم حَتّى يَسْتَنْصِرُوهُ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ. فَلَمّا جاءَ الأحْزابُ، ونَهَضَ بِهِمْ لِلْقِتالِ، واضْطَرَبُوا ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ وأيْقَنُوا بِالجَنَّةِ والنَّصْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ، لِأصْحابِهِ: «إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم تِسْعًا أوْ عَشْرًا»، أيْ: في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ أوْ عَشْرٍ. فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ قالُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: الوَعْدُ هو ما جاءَ في الآيَةِ مِمّا وُعِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم يُحْضَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وأعْلَمَهم أنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَمّا رَأوُا (p-٢٢٣)الأحْزابَ قالُوا ذَلِكَ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ، وانْتَظَرُوا آخِرَهُ. وهَذا إشارَةٌ إلى الخَطْبِ، إيمانًا بِاللَّهِ وبِما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِمّا لَمْ يَقَعْ، كَقَوْلِكَ: فَتْحَ مَكَّةَ وفارِسَ والرُّومِ، فالزِّيادَةُ فِيما يُؤْمَنُ، لا في نَفْسِ الإيمانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿وما زادُوهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، بِالواوِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ يَعُودُ عَلى الأحْزابِ، وتَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، وصَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ. وقَدْ عُدَّتْ ”صَدَقَ“ هَذِهِ في ما يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُتَّسَعُ فِيهِ فَيُحْذَفُ الحَرْفُ ويَصِلُ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، أيْ: في سِنِّ بَكْرِهِ. فَما عاهَدُوا، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، أيْ: فِيما عاهَدُوا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: صَدَقُوا اللَّهَ، وإمّا أنْ يَكُونَ صَدَقَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَما تَقُولُ: صَدَقَنِي أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ، وكَذَبَكَ أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الكَذِبَ. وكانَ المُعاهَدُ عَلَيْهِ مَصْدُوقًا مَجازًا، كَأنَّهم قالُوا لِلْمُعاهَدِ عَلَيْهِ: سَنَفِي لَكَ، وهم وافُونَ بِهِ، فَقَدْ صَدَقُوهُ، ولَوْ كانُوا ناكِثِينَ لَكَذَّبُوهُ، وكانَ مَكْذُوبًا. وهَؤُلاءِ الرِّجالُ، قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هم أهْلُ العَقَبَةِ السَّبْعُونَ، أهْلُ البَيْعَةِ. وقالَ أنَسٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَعاهَدُوا أنْ لا يَتَأخَّرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَفَوْا. وقالَ زَيْدُ بْنُ رُومانَ: بَنُو حارِثَةَ. ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ وهَذا تَجَوُّزٌ؛ لِأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ أنْ يَقَعَ بِالإنْسانِ، فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: قَضى نَحْبَهُ: أيْ: عَهْدَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَذْرَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ يَحْتَمِلُ مَوْتَهُ شَهِيدًا، ويَحْتَمِلُ وفاءَهُ بِنَذْرِهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَّحْبِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَّمامِ. فالشُّهَداءُ مِنهم، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالجَنَّةِ، مِنهم مَن حَصَّلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ بِما لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ سُئِلَ: مَنِ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ، وهو عَلى المِنبَرِ ؟ فَدَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ. ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ إذا فُسِّرَ قَضاءُ النَّحْبِ بِالشَّهادَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الشَّهادَةَ؛ وإذا فُسِّرَ بِالوَفاءِ لِعُهُودِ الإسْلامِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَّلاحِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ، فَيَقْضِي نَحْبَهُ. ﴿وما بَدَّلُوا﴾ لا المُسْتَشْهِدُونَ، ولا مَن يَنْتَظِرُ. وقَدْ ثَبَتَ طَلْحَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ»، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِمَن بَدَّلَ مِنَ المُنافِقِينَ حِينَ ولَّوُا الأدْبارَ، وكانُوا عاهَدُوا لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ صِدْقِهِمْ. ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾ وعَذابُهم مُتَحَتَّمٌ. فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلى المَشِيئَةِ، وهو قَدْ شاءَ تَعْذِيبَهم إذا وفَوْا عَلى النِّفاقِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَتُهُ إدامَتُهُمُ الإقامَةَ عَلى النِّفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَّوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإقامَةِ، وثَمَرَةُ التَّوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ. فَهُما دَرَجَتانِ: إقامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أوْ تَوْبَةٌ مِنهُ. وعَنْهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ، أوْ رَحْمَةٌ. فَذَكَرَ تَعالى، عَلى جِهَةِ الإيجازِ، واحِدَةً مِن هاتَيْنِ، وواحِدَةً مِن هاتَيْنِ. ودَلَّ ما ذَكَرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ [الأحزاب: ٧٣] أيْ: لِيُدِيمَ عَلى النِّفاقِ، قَوْلُهُ: (إنْ شاءَ) ومُعادَلَتُهُ بِالتَّوْبَةِ، وحَذْفُ ”أوِ“ . انْتَهى. وكانَ ما ذُكِرَ يُؤَوَّلُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: لِيُقِيمُوا عَلى النِّفاقِ، فَيَمُوتُوا عَلَيْهِ، إنْ شاءَ فَيُعَذِّبُهم، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم. فَحُذِفَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ، وأُثْبِتَ المُسَبِّبُ، وهو التَّعْذِيبُ. وأُثْبِتَ سَبَبُ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، وحُذِفَ المُسَبِّبُ، وهو الرَّحْمَةُ والغُفْرانُ، وهَذا مِنَ الإيجازِ الحَسَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُعَذِّبُهم إنْ شاءَ إذا لَمْ يَتُوبُوا، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إذا تابُوا. انْتَهى. ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ عَذابِهِمْ إذا لَمْ يَتُوبُوا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ شاءَ ذَلِكَ وأخْبَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُ المُنافِقِينَ حَتْمًا لا مَحالَةَ. واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ قِيلَ: لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ وقِيلَ: لامُ التَّعْلِيلِ، ويَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ . (p-٢٢٤)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ المُنافِقُونَ كَأنَّهم قَصَدُوا عاقِبَةَ السُّوءِ وأرادُوها بِتَبْدِيلِهِمْ، كَما قَصَدَ الصّادِقُونَ عاقِبَةَ الصِّدْقِ بِوَفائِهِمْ؛ لِأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقِبَةٍ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَكَأنَّهُما اسْتَوَيا في طَلَبِهِما والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِهِما. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: إنْ شاءَ يُمِيتُهم عَلى نِفاقِهِمْ، أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِمْ مِنَ النِّفاقِ بِتَقَبُّلِهِمُ الإيمانَ. وقِيلَ: يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا إنْ شاءَ، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إنْ شاءَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: غَفُورًا لِلْحَوْبَةِ، رَحِيمًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ. ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأحْزابَ عَنِ المَدِينَةِ، والمُؤْمِنِينَ إلى بِلادِهِمْ. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ فَهو حالٌ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ؛ و﴿لَمْ يَنالُوا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِغَيْظِهِمْ)، فَيَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ بَيانًا لِلْأُولى، أوِ اسْتِئْنافًا. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها بَيانًا لِلْأُولى، ولا لِلِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّها تَبْقى كالمُفْلَتَةِ مِمّا قَبْلَها. ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِإرْسالِ الرِّيحِ والجُنُودِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، فَلَمْ يَكُنْ قِتالٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. وقِيلَ: المُرادُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومَن مَعَهُ، بَرَزُوا لِلْقِتالِ ودَعَوْا إلَيْهِ. وقَتَلَ عَلِيٌّ مِنَ الكُفّارِ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ مُبارَزَةً، حِينَ طَلَبَ عَمْرٌو المُبارَزَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيٌّ، فَقالَ: إنِّي لا أُوثِرُ قَتْلَكَ لِصُحْبَتِي لِأبِيكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَأنا أُوثِرُ قَتْلَكَ، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ مُبارَزَةً. واقْتَحَمَ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ، مِن قُرَيْشٍ، الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ، فَقُتِلَ فِيهِ. وقُتِلَ مِنَ الكُفّارِ أيْضًا: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ، وعُبَيْدُ بْنُ السَّبّاقِ. واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ، في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ: مُعاذٌ، وأنَسُ بْنُ أوْسِ بْنِ عَتِيكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وأبُو عَمْرٍو، وهم مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ؛ والطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمانِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وهُما مِن بَنِي سَلِمَةَ؛ وكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ، مِن بَنِي ذُبْيانَ بْنِ النَّجّارِ، أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ. ولَمْ تَغْزُ قُرَيْشٌ المُسْلِمِينَ بَعْدَ الخَنْدَقِ، وكَفى اللَّهُ مُداوَمَةَ القِتالِ وعَوْدَتَهُ بِأنْ هَزَمَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ، ولا العَصْرَ، ولا المَغْرِبَ، ولا العِشاءَ، حَتّى كانَ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، كُفِينا وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِلالًا، فَأقامَ وصَلّى الظُّهْرَ فَأحْسَنَها، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلُّ صَلاةٍ بِإقامَةٍ» . ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: أعانُوا قُرَيْشًا ومَن مَعَهم مِنَ الأحْزابِ مِن أهْلِ الكِتابِ، هم يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَما هو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وعَنِ الحَسَنِ: بَنُو النَّضِيرِ. وقَذْفُ الرُّعْبِ سَبَبٌ لِإنْزالِهِمْ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ المُسَبِّبَ، لَمّا كانَ السُّرُورُ بِإنْزالِهِمْ أكْثَرَ والإخْبارُ بِهِ أهَمَّ قُدِّمَ. وقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّ بِنا دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ عَلى بَغْلَةٍ بَيْضاءَ عَلَيْها قَطِيفَةُ دِيباجٍ، فَقالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بُعِثَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ» . ولَمّا رَجَعَتِ الأحْزابُ، جاءَ جِبْرِيلُ وقْتَ الظُّهْرِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَنادى في النّاسِ: «لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَخَرَجُوا إلَيْها، فَمُصَلٍّ في الطَّرِيقِ، ورَأى أنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّأْكِيدِ والِاسْتِعْجالِ؛ ومُصَلٍّ بَعْدَ العِشاءِ، وكُلٌّ مُصِيبٌ. فَحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: إحْدى وعِشْرِينَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ. فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأوْسِيِّ، لِحِلْفٍ كانَ بَيْنَهم، رَجَوْا حُنُوَّهُ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ أنْ يُقْتَلَ المُقاتِلَةُ ويُسْبى الذُّرِّيَّةُ والعِيالُ والأمْوالُ، وأنْ تَكُونَ الأرْضُ والثِّمارُ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ. فَقالَتْ لَهُ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أرَدْتُ أنْ يَكُونَ لَهم أمْوالٌ كَما لَكم، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، ثُمَّ اسْتَنْزَلَهم، وخَنْدَقَ لَهم في سُوقِ المَدِينَةِ، وقَدَّمَهم فَضَرَبَ أعْناقَهم، وهم مِن بَيْنِ ثَمانِمِائَةٍ إلى تِسْعِمِائَةٍ. وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ مُقاتِلٍ وسَبْعَمِائَةِ أسِيرٍ. وجِيءَ بِحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ النَّضِيرِيِّ، وهو الَّذِي كانَ أدْخَلَهم في الغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عِنْدَهم وفاءً لَهم، فَتُرِكَ فِيمَن تُرِكَ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ. فَلَمّا قَرُبَ، وعَلَيْهِ حُلَّتانِ تُفّاحِيَّتانِ، مَجْمُوعَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ (p-٢٢٥)واللَّهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَكِنَّ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلْ. ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا بَأْسَ أمْرُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، ومِحْنَةٌ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وقالَ فِيهِ بَعْضُ بَنِي ثَعْلَبَةَ: ؎لَعَمْرُكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلِ ؎لَجاهَدَ حَتّى أبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ وقَتَلَ مِن نِسائِهِمُ امْرَأةً، وهي لُبابَةُ امْرَأةُ الحَكَمِ القُرَظِيِّ، كانَتْ قَدْ طَرَحَتِ الرَّحى عَلى خَلّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقُتِلَ؛ ولَمْ يُسْتَشْهَدْ في حِصارِ بَنِي قُرَيْظَةَ غَيْرُهُ. وماتَ في الحِصارِ أبُو سُفْيانَ بْنُ مِحْصَنٍ، أخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وكانَ فَتْحُ قُرَيْظَةَ في آخِرِ ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وتَأْسِرُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ وكَسْرِ السِّينِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّهِما؛ واليَمانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ أنَسٍ، عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: بِياءِ الغَيْبَةِ في: ﴿تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ﴾ . ﴿وأوْرَثَكُمْ﴾ فِيهِ إشْعارٌ أنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ ومَن نَقَلَهم مِن أرْضِهِمْ، وقُدِّمَتْ لِكَثْرَةِ المَنفَعَةِ بِها مِنَ النَّحْلِ والزَّرْعِ، ولِأنَّهم بِاسْتِيلائِهِمْ عَلَيْها ثانِيًا وأمْوالَهم لِيُسْتَعانَ بِها في قُوَّةِ المُسْلِمِينَ لِلْجِهادِ، ولِأنَّها كانَتْ في بُيُوتِهِمْ، فَوَقَعَ الِاسْتِيلاءُ عَلَيْها ثالِثًا. ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ وعْدٌ صادِقٌ في فَتْحِ البِلادِ، كالعِراقِ والشّامِ واليَمَنِ ومَكَّةَ، وسائِرِ فُتُوحِ المُسْلِمِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أخْبَرَ تَعالى أنْ قَدْ قَضى بِذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: أرادَ الرُّومَ وفارِسَ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ. وقالَ مُقاتِلٌ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خَيْبَرُ؛ وقِيلَ: اليَمَنُ؛ ولا وجْهَ لِهَذِهِ التَّخْصِيصاتِ، ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ أرادَ نِساءَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَطَئُوها﴾، بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”لَمْ تَطُوها“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، أبْدَلَ هَمْزَةَ ”تَطَأُ“ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها ∗∗∗ والنّاسُ لا يُهْتَدى مِن شَرِّهِمْ أبَدا فالتَقَتْ ساكِنَةٌ مَعَ الواوِ فَحُذِفَتْ، كَقَوْلِكَ: لَمْ تَرَوْها. وخَتَمَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى فَتْحِهِ عَلى المُسْلِمِينَ الفُتُوحَ الكَثِيرَةَ، وأنَّهُ لا يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ، فَكَما مَلَّكَهم هَذِهِ، فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُمَلِّكَهم غَيْرَها مِنَ البِلادِ.

الأحزاب 33:24

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ . (p-٢٢٢)الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٠] وقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ، ﷺ، لَكم فِيهِ الِاقْتِداءُ. فَكَما نَصَرَكم ووازَرَكم حَتّى قاتَلَ بِنَفْسِهِ عَدُوَّكم، فَكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ الكَرِيمَةُ، وشُجَّ وجْهُهُ الكَرِيمُ، وقُتِلَ عَمُّهُ، وأُوذِيَ ضُرُوبًا مِنَ الإيذاءِ؛ يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهُ وتُوازِرُوهُ، ولا تَرْغَبُوا بِأنْفُسِكم عَنْ نَفْسِهِ، ولا عَنْ مَكانٍ هو فِيهِ، وتَبْذُلُوا أنْفُسَكم دُونَهُ؛ فَما حَصَلَ لَكم مِنَ الهِدايَةِ لِلْإسْلامِ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما تَفْعَلُونَهُ مَعَهُ، مِنَ النُّصْرَةِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. ﴿واليَوْمَ الآخِرَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَوْمَ السِّياقِ. و﴿أُسْوَةٌ﴾ اسْمُ كانَ، و(لَكم) الخَبَرُ، ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ (لَكم) أوْ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ جازَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِـ: (أُسْوَةٌ)، أوْ يَتَعَلَّقُ بِـ: (كانَ) عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ في كانَ وأخَواتِها النّاقِصَةِ أنْ تَعْمَلَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ الخَبَرُ، و(لَكم) تَبْيِينٌ، أيْ: لَكم، أعْنِي: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ مِن (لَكم)، كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . انْتَهى. ولا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ولا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، اسْمٌ ظاهِرٌ في بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِكم قُرَيْشٌ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضِلِّيلًا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إسْوَةٌ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وعاصِمٌ بِضَمِّها. والرَّجاءُ: بِمَعْنى الأمَلِ أوِ الخَوْفِ. وقَرَنَ الرَّجاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ، والمُؤْتَسِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هو الَّذِي يَكُونُ راجِيًا ذاكِرًا. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى المُنافِقِينَ وقَوْلَهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلَهم ضِدَّ ما قالَ المُنافِقُونَ. وكانَ اللَّهُ وعَدَهم أنْ يُزَلْزِلَهم حَتّى يَسْتَنْصِرُوهُ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ. فَلَمّا جاءَ الأحْزابُ، ونَهَضَ بِهِمْ لِلْقِتالِ، واضْطَرَبُوا ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ وأيْقَنُوا بِالجَنَّةِ والنَّصْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ، لِأصْحابِهِ: «إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم تِسْعًا أوْ عَشْرًا»، أيْ: في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ أوْ عَشْرٍ. فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ قالُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: الوَعْدُ هو ما جاءَ في الآيَةِ مِمّا وُعِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم يُحْضَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وأعْلَمَهم أنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَمّا رَأوُا (p-٢٢٣)الأحْزابَ قالُوا ذَلِكَ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ، وانْتَظَرُوا آخِرَهُ. وهَذا إشارَةٌ إلى الخَطْبِ، إيمانًا بِاللَّهِ وبِما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِمّا لَمْ يَقَعْ، كَقَوْلِكَ: فَتْحَ مَكَّةَ وفارِسَ والرُّومِ، فالزِّيادَةُ فِيما يُؤْمَنُ، لا في نَفْسِ الإيمانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿وما زادُوهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، بِالواوِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ يَعُودُ عَلى الأحْزابِ، وتَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، وصَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ. وقَدْ عُدَّتْ ”صَدَقَ“ هَذِهِ في ما يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُتَّسَعُ فِيهِ فَيُحْذَفُ الحَرْفُ ويَصِلُ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، أيْ: في سِنِّ بَكْرِهِ. فَما عاهَدُوا، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، أيْ: فِيما عاهَدُوا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: صَدَقُوا اللَّهَ، وإمّا أنْ يَكُونَ صَدَقَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَما تَقُولُ: صَدَقَنِي أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ، وكَذَبَكَ أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الكَذِبَ. وكانَ المُعاهَدُ عَلَيْهِ مَصْدُوقًا مَجازًا، كَأنَّهم قالُوا لِلْمُعاهَدِ عَلَيْهِ: سَنَفِي لَكَ، وهم وافُونَ بِهِ، فَقَدْ صَدَقُوهُ، ولَوْ كانُوا ناكِثِينَ لَكَذَّبُوهُ، وكانَ مَكْذُوبًا. وهَؤُلاءِ الرِّجالُ، قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هم أهْلُ العَقَبَةِ السَّبْعُونَ، أهْلُ البَيْعَةِ. وقالَ أنَسٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَعاهَدُوا أنْ لا يَتَأخَّرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَفَوْا. وقالَ زَيْدُ بْنُ رُومانَ: بَنُو حارِثَةَ. ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ وهَذا تَجَوُّزٌ؛ لِأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ أنْ يَقَعَ بِالإنْسانِ، فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: قَضى نَحْبَهُ: أيْ: عَهْدَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَذْرَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ يَحْتَمِلُ مَوْتَهُ شَهِيدًا، ويَحْتَمِلُ وفاءَهُ بِنَذْرِهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَّحْبِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَّمامِ. فالشُّهَداءُ مِنهم، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالجَنَّةِ، مِنهم مَن حَصَّلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ بِما لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ سُئِلَ: مَنِ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ، وهو عَلى المِنبَرِ ؟ فَدَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ. ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ إذا فُسِّرَ قَضاءُ النَّحْبِ بِالشَّهادَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الشَّهادَةَ؛ وإذا فُسِّرَ بِالوَفاءِ لِعُهُودِ الإسْلامِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَّلاحِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ، فَيَقْضِي نَحْبَهُ. ﴿وما بَدَّلُوا﴾ لا المُسْتَشْهِدُونَ، ولا مَن يَنْتَظِرُ. وقَدْ ثَبَتَ طَلْحَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ»، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِمَن بَدَّلَ مِنَ المُنافِقِينَ حِينَ ولَّوُا الأدْبارَ، وكانُوا عاهَدُوا لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ صِدْقِهِمْ. ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾ وعَذابُهم مُتَحَتَّمٌ. فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلى المَشِيئَةِ، وهو قَدْ شاءَ تَعْذِيبَهم إذا وفَوْا عَلى النِّفاقِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَتُهُ إدامَتُهُمُ الإقامَةَ عَلى النِّفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَّوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإقامَةِ، وثَمَرَةُ التَّوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ. فَهُما دَرَجَتانِ: إقامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أوْ تَوْبَةٌ مِنهُ. وعَنْهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ، أوْ رَحْمَةٌ. فَذَكَرَ تَعالى، عَلى جِهَةِ الإيجازِ، واحِدَةً مِن هاتَيْنِ، وواحِدَةً مِن هاتَيْنِ. ودَلَّ ما ذَكَرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ [الأحزاب: ٧٣] أيْ: لِيُدِيمَ عَلى النِّفاقِ، قَوْلُهُ: (إنْ شاءَ) ومُعادَلَتُهُ بِالتَّوْبَةِ، وحَذْفُ ”أوِ“ . انْتَهى. وكانَ ما ذُكِرَ يُؤَوَّلُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: لِيُقِيمُوا عَلى النِّفاقِ، فَيَمُوتُوا عَلَيْهِ، إنْ شاءَ فَيُعَذِّبُهم، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم. فَحُذِفَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ، وأُثْبِتَ المُسَبِّبُ، وهو التَّعْذِيبُ. وأُثْبِتَ سَبَبُ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، وحُذِفَ المُسَبِّبُ، وهو الرَّحْمَةُ والغُفْرانُ، وهَذا مِنَ الإيجازِ الحَسَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُعَذِّبُهم إنْ شاءَ إذا لَمْ يَتُوبُوا، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إذا تابُوا. انْتَهى. ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ عَذابِهِمْ إذا لَمْ يَتُوبُوا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ شاءَ ذَلِكَ وأخْبَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُ المُنافِقِينَ حَتْمًا لا مَحالَةَ. واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ قِيلَ: لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ وقِيلَ: لامُ التَّعْلِيلِ، ويَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ . (p-٢٢٤)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ المُنافِقُونَ كَأنَّهم قَصَدُوا عاقِبَةَ السُّوءِ وأرادُوها بِتَبْدِيلِهِمْ، كَما قَصَدَ الصّادِقُونَ عاقِبَةَ الصِّدْقِ بِوَفائِهِمْ؛ لِأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقِبَةٍ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَكَأنَّهُما اسْتَوَيا في طَلَبِهِما والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِهِما. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: إنْ شاءَ يُمِيتُهم عَلى نِفاقِهِمْ، أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِمْ مِنَ النِّفاقِ بِتَقَبُّلِهِمُ الإيمانَ. وقِيلَ: يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا إنْ شاءَ، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إنْ شاءَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: غَفُورًا لِلْحَوْبَةِ، رَحِيمًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ. ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأحْزابَ عَنِ المَدِينَةِ، والمُؤْمِنِينَ إلى بِلادِهِمْ. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ فَهو حالٌ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ؛ و﴿لَمْ يَنالُوا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِغَيْظِهِمْ)، فَيَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ بَيانًا لِلْأُولى، أوِ اسْتِئْنافًا. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها بَيانًا لِلْأُولى، ولا لِلِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّها تَبْقى كالمُفْلَتَةِ مِمّا قَبْلَها. ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِإرْسالِ الرِّيحِ والجُنُودِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، فَلَمْ يَكُنْ قِتالٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. وقِيلَ: المُرادُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومَن مَعَهُ، بَرَزُوا لِلْقِتالِ ودَعَوْا إلَيْهِ. وقَتَلَ عَلِيٌّ مِنَ الكُفّارِ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ مُبارَزَةً، حِينَ طَلَبَ عَمْرٌو المُبارَزَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيٌّ، فَقالَ: إنِّي لا أُوثِرُ قَتْلَكَ لِصُحْبَتِي لِأبِيكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَأنا أُوثِرُ قَتْلَكَ، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ مُبارَزَةً. واقْتَحَمَ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ، مِن قُرَيْشٍ، الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ، فَقُتِلَ فِيهِ. وقُتِلَ مِنَ الكُفّارِ أيْضًا: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ، وعُبَيْدُ بْنُ السَّبّاقِ. واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ، في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ: مُعاذٌ، وأنَسُ بْنُ أوْسِ بْنِ عَتِيكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وأبُو عَمْرٍو، وهم مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ؛ والطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمانِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وهُما مِن بَنِي سَلِمَةَ؛ وكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ، مِن بَنِي ذُبْيانَ بْنِ النَّجّارِ، أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ. ولَمْ تَغْزُ قُرَيْشٌ المُسْلِمِينَ بَعْدَ الخَنْدَقِ، وكَفى اللَّهُ مُداوَمَةَ القِتالِ وعَوْدَتَهُ بِأنْ هَزَمَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ، ولا العَصْرَ، ولا المَغْرِبَ، ولا العِشاءَ، حَتّى كانَ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، كُفِينا وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِلالًا، فَأقامَ وصَلّى الظُّهْرَ فَأحْسَنَها، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلُّ صَلاةٍ بِإقامَةٍ» . ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: أعانُوا قُرَيْشًا ومَن مَعَهم مِنَ الأحْزابِ مِن أهْلِ الكِتابِ، هم يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَما هو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وعَنِ الحَسَنِ: بَنُو النَّضِيرِ. وقَذْفُ الرُّعْبِ سَبَبٌ لِإنْزالِهِمْ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ المُسَبِّبَ، لَمّا كانَ السُّرُورُ بِإنْزالِهِمْ أكْثَرَ والإخْبارُ بِهِ أهَمَّ قُدِّمَ. وقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّ بِنا دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ عَلى بَغْلَةٍ بَيْضاءَ عَلَيْها قَطِيفَةُ دِيباجٍ، فَقالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بُعِثَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ» . ولَمّا رَجَعَتِ الأحْزابُ، جاءَ جِبْرِيلُ وقْتَ الظُّهْرِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَنادى في النّاسِ: «لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَخَرَجُوا إلَيْها، فَمُصَلٍّ في الطَّرِيقِ، ورَأى أنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّأْكِيدِ والِاسْتِعْجالِ؛ ومُصَلٍّ بَعْدَ العِشاءِ، وكُلٌّ مُصِيبٌ. فَحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: إحْدى وعِشْرِينَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ. فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأوْسِيِّ، لِحِلْفٍ كانَ بَيْنَهم، رَجَوْا حُنُوَّهُ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ أنْ يُقْتَلَ المُقاتِلَةُ ويُسْبى الذُّرِّيَّةُ والعِيالُ والأمْوالُ، وأنْ تَكُونَ الأرْضُ والثِّمارُ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ. فَقالَتْ لَهُ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أرَدْتُ أنْ يَكُونَ لَهم أمْوالٌ كَما لَكم، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، ثُمَّ اسْتَنْزَلَهم، وخَنْدَقَ لَهم في سُوقِ المَدِينَةِ، وقَدَّمَهم فَضَرَبَ أعْناقَهم، وهم مِن بَيْنِ ثَمانِمِائَةٍ إلى تِسْعِمِائَةٍ. وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ مُقاتِلٍ وسَبْعَمِائَةِ أسِيرٍ. وجِيءَ بِحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ النَّضِيرِيِّ، وهو الَّذِي كانَ أدْخَلَهم في الغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عِنْدَهم وفاءً لَهم، فَتُرِكَ فِيمَن تُرِكَ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ. فَلَمّا قَرُبَ، وعَلَيْهِ حُلَّتانِ تُفّاحِيَّتانِ، مَجْمُوعَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ (p-٢٢٥)واللَّهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَكِنَّ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلْ. ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا بَأْسَ أمْرُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، ومِحْنَةٌ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وقالَ فِيهِ بَعْضُ بَنِي ثَعْلَبَةَ: ؎لَعَمْرُكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلِ ؎لَجاهَدَ حَتّى أبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ وقَتَلَ مِن نِسائِهِمُ امْرَأةً، وهي لُبابَةُ امْرَأةُ الحَكَمِ القُرَظِيِّ، كانَتْ قَدْ طَرَحَتِ الرَّحى عَلى خَلّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقُتِلَ؛ ولَمْ يُسْتَشْهَدْ في حِصارِ بَنِي قُرَيْظَةَ غَيْرُهُ. وماتَ في الحِصارِ أبُو سُفْيانَ بْنُ مِحْصَنٍ، أخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وكانَ فَتْحُ قُرَيْظَةَ في آخِرِ ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وتَأْسِرُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ وكَسْرِ السِّينِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّهِما؛ واليَمانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ أنَسٍ، عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: بِياءِ الغَيْبَةِ في: ﴿تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ﴾ . ﴿وأوْرَثَكُمْ﴾ فِيهِ إشْعارٌ أنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ ومَن نَقَلَهم مِن أرْضِهِمْ، وقُدِّمَتْ لِكَثْرَةِ المَنفَعَةِ بِها مِنَ النَّحْلِ والزَّرْعِ، ولِأنَّهم بِاسْتِيلائِهِمْ عَلَيْها ثانِيًا وأمْوالَهم لِيُسْتَعانَ بِها في قُوَّةِ المُسْلِمِينَ لِلْجِهادِ، ولِأنَّها كانَتْ في بُيُوتِهِمْ، فَوَقَعَ الِاسْتِيلاءُ عَلَيْها ثالِثًا. ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ وعْدٌ صادِقٌ في فَتْحِ البِلادِ، كالعِراقِ والشّامِ واليَمَنِ ومَكَّةَ، وسائِرِ فُتُوحِ المُسْلِمِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أخْبَرَ تَعالى أنْ قَدْ قَضى بِذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: أرادَ الرُّومَ وفارِسَ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ. وقالَ مُقاتِلٌ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خَيْبَرُ؛ وقِيلَ: اليَمَنُ؛ ولا وجْهَ لِهَذِهِ التَّخْصِيصاتِ، ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ أرادَ نِساءَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَطَئُوها﴾، بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”لَمْ تَطُوها“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، أبْدَلَ هَمْزَةَ ”تَطَأُ“ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها ∗∗∗ والنّاسُ لا يُهْتَدى مِن شَرِّهِمْ أبَدا فالتَقَتْ ساكِنَةٌ مَعَ الواوِ فَحُذِفَتْ، كَقَوْلِكَ: لَمْ تَرَوْها. وخَتَمَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى فَتْحِهِ عَلى المُسْلِمِينَ الفُتُوحَ الكَثِيرَةَ، وأنَّهُ لا يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ، فَكَما مَلَّكَهم هَذِهِ، فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُمَلِّكَهم غَيْرَها مِنَ البِلادِ.

الأحزاب 33:25

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ . (p-٢٢٢)الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٠] وقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ، ﷺ، لَكم فِيهِ الِاقْتِداءُ. فَكَما نَصَرَكم ووازَرَكم حَتّى قاتَلَ بِنَفْسِهِ عَدُوَّكم، فَكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ الكَرِيمَةُ، وشُجَّ وجْهُهُ الكَرِيمُ، وقُتِلَ عَمُّهُ، وأُوذِيَ ضُرُوبًا مِنَ الإيذاءِ؛ يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهُ وتُوازِرُوهُ، ولا تَرْغَبُوا بِأنْفُسِكم عَنْ نَفْسِهِ، ولا عَنْ مَكانٍ هو فِيهِ، وتَبْذُلُوا أنْفُسَكم دُونَهُ؛ فَما حَصَلَ لَكم مِنَ الهِدايَةِ لِلْإسْلامِ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما تَفْعَلُونَهُ مَعَهُ، مِنَ النُّصْرَةِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. ﴿واليَوْمَ الآخِرَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَوْمَ السِّياقِ. و﴿أُسْوَةٌ﴾ اسْمُ كانَ، و(لَكم) الخَبَرُ، ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ (لَكم) أوْ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ جازَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِـ: (أُسْوَةٌ)، أوْ يَتَعَلَّقُ بِـ: (كانَ) عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ في كانَ وأخَواتِها النّاقِصَةِ أنْ تَعْمَلَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ الخَبَرُ، و(لَكم) تَبْيِينٌ، أيْ: لَكم، أعْنِي: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ مِن (لَكم)، كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . انْتَهى. ولا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ولا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، اسْمٌ ظاهِرٌ في بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِكم قُرَيْشٌ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضِلِّيلًا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إسْوَةٌ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وعاصِمٌ بِضَمِّها. والرَّجاءُ: بِمَعْنى الأمَلِ أوِ الخَوْفِ. وقَرَنَ الرَّجاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ، والمُؤْتَسِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هو الَّذِي يَكُونُ راجِيًا ذاكِرًا. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى المُنافِقِينَ وقَوْلَهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلَهم ضِدَّ ما قالَ المُنافِقُونَ. وكانَ اللَّهُ وعَدَهم أنْ يُزَلْزِلَهم حَتّى يَسْتَنْصِرُوهُ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ. فَلَمّا جاءَ الأحْزابُ، ونَهَضَ بِهِمْ لِلْقِتالِ، واضْطَرَبُوا ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ وأيْقَنُوا بِالجَنَّةِ والنَّصْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ، لِأصْحابِهِ: «إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم تِسْعًا أوْ عَشْرًا»، أيْ: في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ أوْ عَشْرٍ. فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ قالُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: الوَعْدُ هو ما جاءَ في الآيَةِ مِمّا وُعِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم يُحْضَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وأعْلَمَهم أنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَمّا رَأوُا (p-٢٢٣)الأحْزابَ قالُوا ذَلِكَ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ، وانْتَظَرُوا آخِرَهُ. وهَذا إشارَةٌ إلى الخَطْبِ، إيمانًا بِاللَّهِ وبِما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِمّا لَمْ يَقَعْ، كَقَوْلِكَ: فَتْحَ مَكَّةَ وفارِسَ والرُّومِ، فالزِّيادَةُ فِيما يُؤْمَنُ، لا في نَفْسِ الإيمانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿وما زادُوهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، بِالواوِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ يَعُودُ عَلى الأحْزابِ، وتَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، وصَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ. وقَدْ عُدَّتْ ”صَدَقَ“ هَذِهِ في ما يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُتَّسَعُ فِيهِ فَيُحْذَفُ الحَرْفُ ويَصِلُ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، أيْ: في سِنِّ بَكْرِهِ. فَما عاهَدُوا، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، أيْ: فِيما عاهَدُوا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: صَدَقُوا اللَّهَ، وإمّا أنْ يَكُونَ صَدَقَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَما تَقُولُ: صَدَقَنِي أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ، وكَذَبَكَ أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الكَذِبَ. وكانَ المُعاهَدُ عَلَيْهِ مَصْدُوقًا مَجازًا، كَأنَّهم قالُوا لِلْمُعاهَدِ عَلَيْهِ: سَنَفِي لَكَ، وهم وافُونَ بِهِ، فَقَدْ صَدَقُوهُ، ولَوْ كانُوا ناكِثِينَ لَكَذَّبُوهُ، وكانَ مَكْذُوبًا. وهَؤُلاءِ الرِّجالُ، قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هم أهْلُ العَقَبَةِ السَّبْعُونَ، أهْلُ البَيْعَةِ. وقالَ أنَسٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَعاهَدُوا أنْ لا يَتَأخَّرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَفَوْا. وقالَ زَيْدُ بْنُ رُومانَ: بَنُو حارِثَةَ. ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ وهَذا تَجَوُّزٌ؛ لِأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ أنْ يَقَعَ بِالإنْسانِ، فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: قَضى نَحْبَهُ: أيْ: عَهْدَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَذْرَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ يَحْتَمِلُ مَوْتَهُ شَهِيدًا، ويَحْتَمِلُ وفاءَهُ بِنَذْرِهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَّحْبِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَّمامِ. فالشُّهَداءُ مِنهم، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالجَنَّةِ، مِنهم مَن حَصَّلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ بِما لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ سُئِلَ: مَنِ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ، وهو عَلى المِنبَرِ ؟ فَدَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ. ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ إذا فُسِّرَ قَضاءُ النَّحْبِ بِالشَّهادَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الشَّهادَةَ؛ وإذا فُسِّرَ بِالوَفاءِ لِعُهُودِ الإسْلامِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَّلاحِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ، فَيَقْضِي نَحْبَهُ. ﴿وما بَدَّلُوا﴾ لا المُسْتَشْهِدُونَ، ولا مَن يَنْتَظِرُ. وقَدْ ثَبَتَ طَلْحَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ»، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِمَن بَدَّلَ مِنَ المُنافِقِينَ حِينَ ولَّوُا الأدْبارَ، وكانُوا عاهَدُوا لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ صِدْقِهِمْ. ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾ وعَذابُهم مُتَحَتَّمٌ. فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلى المَشِيئَةِ، وهو قَدْ شاءَ تَعْذِيبَهم إذا وفَوْا عَلى النِّفاقِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَتُهُ إدامَتُهُمُ الإقامَةَ عَلى النِّفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَّوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإقامَةِ، وثَمَرَةُ التَّوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ. فَهُما دَرَجَتانِ: إقامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أوْ تَوْبَةٌ مِنهُ. وعَنْهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ، أوْ رَحْمَةٌ. فَذَكَرَ تَعالى، عَلى جِهَةِ الإيجازِ، واحِدَةً مِن هاتَيْنِ، وواحِدَةً مِن هاتَيْنِ. ودَلَّ ما ذَكَرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ [الأحزاب: ٧٣] أيْ: لِيُدِيمَ عَلى النِّفاقِ، قَوْلُهُ: (إنْ شاءَ) ومُعادَلَتُهُ بِالتَّوْبَةِ، وحَذْفُ ”أوِ“ . انْتَهى. وكانَ ما ذُكِرَ يُؤَوَّلُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: لِيُقِيمُوا عَلى النِّفاقِ، فَيَمُوتُوا عَلَيْهِ، إنْ شاءَ فَيُعَذِّبُهم، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم. فَحُذِفَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ، وأُثْبِتَ المُسَبِّبُ، وهو التَّعْذِيبُ. وأُثْبِتَ سَبَبُ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، وحُذِفَ المُسَبِّبُ، وهو الرَّحْمَةُ والغُفْرانُ، وهَذا مِنَ الإيجازِ الحَسَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُعَذِّبُهم إنْ شاءَ إذا لَمْ يَتُوبُوا، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إذا تابُوا. انْتَهى. ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ عَذابِهِمْ إذا لَمْ يَتُوبُوا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ شاءَ ذَلِكَ وأخْبَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُ المُنافِقِينَ حَتْمًا لا مَحالَةَ. واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ قِيلَ: لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ وقِيلَ: لامُ التَّعْلِيلِ، ويَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ . (p-٢٢٤)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ المُنافِقُونَ كَأنَّهم قَصَدُوا عاقِبَةَ السُّوءِ وأرادُوها بِتَبْدِيلِهِمْ، كَما قَصَدَ الصّادِقُونَ عاقِبَةَ الصِّدْقِ بِوَفائِهِمْ؛ لِأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقِبَةٍ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَكَأنَّهُما اسْتَوَيا في طَلَبِهِما والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِهِما. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: إنْ شاءَ يُمِيتُهم عَلى نِفاقِهِمْ، أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِمْ مِنَ النِّفاقِ بِتَقَبُّلِهِمُ الإيمانَ. وقِيلَ: يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا إنْ شاءَ، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إنْ شاءَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: غَفُورًا لِلْحَوْبَةِ، رَحِيمًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ. ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأحْزابَ عَنِ المَدِينَةِ، والمُؤْمِنِينَ إلى بِلادِهِمْ. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ فَهو حالٌ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ؛ و﴿لَمْ يَنالُوا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِغَيْظِهِمْ)، فَيَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ بَيانًا لِلْأُولى، أوِ اسْتِئْنافًا. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها بَيانًا لِلْأُولى، ولا لِلِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّها تَبْقى كالمُفْلَتَةِ مِمّا قَبْلَها. ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِإرْسالِ الرِّيحِ والجُنُودِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، فَلَمْ يَكُنْ قِتالٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. وقِيلَ: المُرادُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومَن مَعَهُ، بَرَزُوا لِلْقِتالِ ودَعَوْا إلَيْهِ. وقَتَلَ عَلِيٌّ مِنَ الكُفّارِ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ مُبارَزَةً، حِينَ طَلَبَ عَمْرٌو المُبارَزَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيٌّ، فَقالَ: إنِّي لا أُوثِرُ قَتْلَكَ لِصُحْبَتِي لِأبِيكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَأنا أُوثِرُ قَتْلَكَ، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ مُبارَزَةً. واقْتَحَمَ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ، مِن قُرَيْشٍ، الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ، فَقُتِلَ فِيهِ. وقُتِلَ مِنَ الكُفّارِ أيْضًا: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ، وعُبَيْدُ بْنُ السَّبّاقِ. واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ، في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ: مُعاذٌ، وأنَسُ بْنُ أوْسِ بْنِ عَتِيكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وأبُو عَمْرٍو، وهم مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ؛ والطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمانِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وهُما مِن بَنِي سَلِمَةَ؛ وكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ، مِن بَنِي ذُبْيانَ بْنِ النَّجّارِ، أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ. ولَمْ تَغْزُ قُرَيْشٌ المُسْلِمِينَ بَعْدَ الخَنْدَقِ، وكَفى اللَّهُ مُداوَمَةَ القِتالِ وعَوْدَتَهُ بِأنْ هَزَمَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ، ولا العَصْرَ، ولا المَغْرِبَ، ولا العِشاءَ، حَتّى كانَ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، كُفِينا وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِلالًا، فَأقامَ وصَلّى الظُّهْرَ فَأحْسَنَها، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلُّ صَلاةٍ بِإقامَةٍ» . ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: أعانُوا قُرَيْشًا ومَن مَعَهم مِنَ الأحْزابِ مِن أهْلِ الكِتابِ، هم يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَما هو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وعَنِ الحَسَنِ: بَنُو النَّضِيرِ. وقَذْفُ الرُّعْبِ سَبَبٌ لِإنْزالِهِمْ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ المُسَبِّبَ، لَمّا كانَ السُّرُورُ بِإنْزالِهِمْ أكْثَرَ والإخْبارُ بِهِ أهَمَّ قُدِّمَ. وقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّ بِنا دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ عَلى بَغْلَةٍ بَيْضاءَ عَلَيْها قَطِيفَةُ دِيباجٍ، فَقالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بُعِثَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ» . ولَمّا رَجَعَتِ الأحْزابُ، جاءَ جِبْرِيلُ وقْتَ الظُّهْرِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَنادى في النّاسِ: «لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَخَرَجُوا إلَيْها، فَمُصَلٍّ في الطَّرِيقِ، ورَأى أنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّأْكِيدِ والِاسْتِعْجالِ؛ ومُصَلٍّ بَعْدَ العِشاءِ، وكُلٌّ مُصِيبٌ. فَحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: إحْدى وعِشْرِينَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ. فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأوْسِيِّ، لِحِلْفٍ كانَ بَيْنَهم، رَجَوْا حُنُوَّهُ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ أنْ يُقْتَلَ المُقاتِلَةُ ويُسْبى الذُّرِّيَّةُ والعِيالُ والأمْوالُ، وأنْ تَكُونَ الأرْضُ والثِّمارُ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ. فَقالَتْ لَهُ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أرَدْتُ أنْ يَكُونَ لَهم أمْوالٌ كَما لَكم، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، ثُمَّ اسْتَنْزَلَهم، وخَنْدَقَ لَهم في سُوقِ المَدِينَةِ، وقَدَّمَهم فَضَرَبَ أعْناقَهم، وهم مِن بَيْنِ ثَمانِمِائَةٍ إلى تِسْعِمِائَةٍ. وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ مُقاتِلٍ وسَبْعَمِائَةِ أسِيرٍ. وجِيءَ بِحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ النَّضِيرِيِّ، وهو الَّذِي كانَ أدْخَلَهم في الغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عِنْدَهم وفاءً لَهم، فَتُرِكَ فِيمَن تُرِكَ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ. فَلَمّا قَرُبَ، وعَلَيْهِ حُلَّتانِ تُفّاحِيَّتانِ، مَجْمُوعَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ (p-٢٢٥)واللَّهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَكِنَّ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلْ. ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا بَأْسَ أمْرُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، ومِحْنَةٌ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وقالَ فِيهِ بَعْضُ بَنِي ثَعْلَبَةَ: ؎لَعَمْرُكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلِ ؎لَجاهَدَ حَتّى أبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ وقَتَلَ مِن نِسائِهِمُ امْرَأةً، وهي لُبابَةُ امْرَأةُ الحَكَمِ القُرَظِيِّ، كانَتْ قَدْ طَرَحَتِ الرَّحى عَلى خَلّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقُتِلَ؛ ولَمْ يُسْتَشْهَدْ في حِصارِ بَنِي قُرَيْظَةَ غَيْرُهُ. وماتَ في الحِصارِ أبُو سُفْيانَ بْنُ مِحْصَنٍ، أخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وكانَ فَتْحُ قُرَيْظَةَ في آخِرِ ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وتَأْسِرُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ وكَسْرِ السِّينِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّهِما؛ واليَمانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ أنَسٍ، عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: بِياءِ الغَيْبَةِ في: ﴿تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ﴾ . ﴿وأوْرَثَكُمْ﴾ فِيهِ إشْعارٌ أنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ ومَن نَقَلَهم مِن أرْضِهِمْ، وقُدِّمَتْ لِكَثْرَةِ المَنفَعَةِ بِها مِنَ النَّحْلِ والزَّرْعِ، ولِأنَّهم بِاسْتِيلائِهِمْ عَلَيْها ثانِيًا وأمْوالَهم لِيُسْتَعانَ بِها في قُوَّةِ المُسْلِمِينَ لِلْجِهادِ، ولِأنَّها كانَتْ في بُيُوتِهِمْ، فَوَقَعَ الِاسْتِيلاءُ عَلَيْها ثالِثًا. ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ وعْدٌ صادِقٌ في فَتْحِ البِلادِ، كالعِراقِ والشّامِ واليَمَنِ ومَكَّةَ، وسائِرِ فُتُوحِ المُسْلِمِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أخْبَرَ تَعالى أنْ قَدْ قَضى بِذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: أرادَ الرُّومَ وفارِسَ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ. وقالَ مُقاتِلٌ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خَيْبَرُ؛ وقِيلَ: اليَمَنُ؛ ولا وجْهَ لِهَذِهِ التَّخْصِيصاتِ، ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ أرادَ نِساءَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَطَئُوها﴾، بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”لَمْ تَطُوها“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، أبْدَلَ هَمْزَةَ ”تَطَأُ“ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها ∗∗∗ والنّاسُ لا يُهْتَدى مِن شَرِّهِمْ أبَدا فالتَقَتْ ساكِنَةٌ مَعَ الواوِ فَحُذِفَتْ، كَقَوْلِكَ: لَمْ تَرَوْها. وخَتَمَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى فَتْحِهِ عَلى المُسْلِمِينَ الفُتُوحَ الكَثِيرَةَ، وأنَّهُ لا يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ، فَكَما مَلَّكَهم هَذِهِ، فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُمَلِّكَهم غَيْرَها مِنَ البِلادِ.

الأحزاب 33:26

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ . (p-٢٢٢)الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٠] وقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ، ﷺ، لَكم فِيهِ الِاقْتِداءُ. فَكَما نَصَرَكم ووازَرَكم حَتّى قاتَلَ بِنَفْسِهِ عَدُوَّكم، فَكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ الكَرِيمَةُ، وشُجَّ وجْهُهُ الكَرِيمُ، وقُتِلَ عَمُّهُ، وأُوذِيَ ضُرُوبًا مِنَ الإيذاءِ؛ يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهُ وتُوازِرُوهُ، ولا تَرْغَبُوا بِأنْفُسِكم عَنْ نَفْسِهِ، ولا عَنْ مَكانٍ هو فِيهِ، وتَبْذُلُوا أنْفُسَكم دُونَهُ؛ فَما حَصَلَ لَكم مِنَ الهِدايَةِ لِلْإسْلامِ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما تَفْعَلُونَهُ مَعَهُ، مِنَ النُّصْرَةِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. ﴿واليَوْمَ الآخِرَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَوْمَ السِّياقِ. و﴿أُسْوَةٌ﴾ اسْمُ كانَ، و(لَكم) الخَبَرُ، ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ (لَكم) أوْ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ جازَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِـ: (أُسْوَةٌ)، أوْ يَتَعَلَّقُ بِـ: (كانَ) عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ في كانَ وأخَواتِها النّاقِصَةِ أنْ تَعْمَلَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ الخَبَرُ، و(لَكم) تَبْيِينٌ، أيْ: لَكم، أعْنِي: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ مِن (لَكم)، كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . انْتَهى. ولا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ولا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، اسْمٌ ظاهِرٌ في بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِكم قُرَيْشٌ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضِلِّيلًا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إسْوَةٌ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وعاصِمٌ بِضَمِّها. والرَّجاءُ: بِمَعْنى الأمَلِ أوِ الخَوْفِ. وقَرَنَ الرَّجاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ، والمُؤْتَسِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هو الَّذِي يَكُونُ راجِيًا ذاكِرًا. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى المُنافِقِينَ وقَوْلَهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلَهم ضِدَّ ما قالَ المُنافِقُونَ. وكانَ اللَّهُ وعَدَهم أنْ يُزَلْزِلَهم حَتّى يَسْتَنْصِرُوهُ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ. فَلَمّا جاءَ الأحْزابُ، ونَهَضَ بِهِمْ لِلْقِتالِ، واضْطَرَبُوا ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ وأيْقَنُوا بِالجَنَّةِ والنَّصْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ، لِأصْحابِهِ: «إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم تِسْعًا أوْ عَشْرًا»، أيْ: في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ أوْ عَشْرٍ. فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ قالُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: الوَعْدُ هو ما جاءَ في الآيَةِ مِمّا وُعِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم يُحْضَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وأعْلَمَهم أنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَمّا رَأوُا (p-٢٢٣)الأحْزابَ قالُوا ذَلِكَ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ، وانْتَظَرُوا آخِرَهُ. وهَذا إشارَةٌ إلى الخَطْبِ، إيمانًا بِاللَّهِ وبِما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِمّا لَمْ يَقَعْ، كَقَوْلِكَ: فَتْحَ مَكَّةَ وفارِسَ والرُّومِ، فالزِّيادَةُ فِيما يُؤْمَنُ، لا في نَفْسِ الإيمانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿وما زادُوهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، بِالواوِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ يَعُودُ عَلى الأحْزابِ، وتَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، وصَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ. وقَدْ عُدَّتْ ”صَدَقَ“ هَذِهِ في ما يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُتَّسَعُ فِيهِ فَيُحْذَفُ الحَرْفُ ويَصِلُ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، أيْ: في سِنِّ بَكْرِهِ. فَما عاهَدُوا، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، أيْ: فِيما عاهَدُوا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: صَدَقُوا اللَّهَ، وإمّا أنْ يَكُونَ صَدَقَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَما تَقُولُ: صَدَقَنِي أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ، وكَذَبَكَ أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الكَذِبَ. وكانَ المُعاهَدُ عَلَيْهِ مَصْدُوقًا مَجازًا، كَأنَّهم قالُوا لِلْمُعاهَدِ عَلَيْهِ: سَنَفِي لَكَ، وهم وافُونَ بِهِ، فَقَدْ صَدَقُوهُ، ولَوْ كانُوا ناكِثِينَ لَكَذَّبُوهُ، وكانَ مَكْذُوبًا. وهَؤُلاءِ الرِّجالُ، قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هم أهْلُ العَقَبَةِ السَّبْعُونَ، أهْلُ البَيْعَةِ. وقالَ أنَسٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَعاهَدُوا أنْ لا يَتَأخَّرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَفَوْا. وقالَ زَيْدُ بْنُ رُومانَ: بَنُو حارِثَةَ. ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ وهَذا تَجَوُّزٌ؛ لِأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ أنْ يَقَعَ بِالإنْسانِ، فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: قَضى نَحْبَهُ: أيْ: عَهْدَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَذْرَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ يَحْتَمِلُ مَوْتَهُ شَهِيدًا، ويَحْتَمِلُ وفاءَهُ بِنَذْرِهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَّحْبِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَّمامِ. فالشُّهَداءُ مِنهم، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالجَنَّةِ، مِنهم مَن حَصَّلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ بِما لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ سُئِلَ: مَنِ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ، وهو عَلى المِنبَرِ ؟ فَدَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ. ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ إذا فُسِّرَ قَضاءُ النَّحْبِ بِالشَّهادَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الشَّهادَةَ؛ وإذا فُسِّرَ بِالوَفاءِ لِعُهُودِ الإسْلامِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَّلاحِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ، فَيَقْضِي نَحْبَهُ. ﴿وما بَدَّلُوا﴾ لا المُسْتَشْهِدُونَ، ولا مَن يَنْتَظِرُ. وقَدْ ثَبَتَ طَلْحَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ»، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِمَن بَدَّلَ مِنَ المُنافِقِينَ حِينَ ولَّوُا الأدْبارَ، وكانُوا عاهَدُوا لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ صِدْقِهِمْ. ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾ وعَذابُهم مُتَحَتَّمٌ. فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلى المَشِيئَةِ، وهو قَدْ شاءَ تَعْذِيبَهم إذا وفَوْا عَلى النِّفاقِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَتُهُ إدامَتُهُمُ الإقامَةَ عَلى النِّفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَّوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإقامَةِ، وثَمَرَةُ التَّوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ. فَهُما دَرَجَتانِ: إقامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أوْ تَوْبَةٌ مِنهُ. وعَنْهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ، أوْ رَحْمَةٌ. فَذَكَرَ تَعالى، عَلى جِهَةِ الإيجازِ، واحِدَةً مِن هاتَيْنِ، وواحِدَةً مِن هاتَيْنِ. ودَلَّ ما ذَكَرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ [الأحزاب: ٧٣] أيْ: لِيُدِيمَ عَلى النِّفاقِ، قَوْلُهُ: (إنْ شاءَ) ومُعادَلَتُهُ بِالتَّوْبَةِ، وحَذْفُ ”أوِ“ . انْتَهى. وكانَ ما ذُكِرَ يُؤَوَّلُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: لِيُقِيمُوا عَلى النِّفاقِ، فَيَمُوتُوا عَلَيْهِ، إنْ شاءَ فَيُعَذِّبُهم، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم. فَحُذِفَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ، وأُثْبِتَ المُسَبِّبُ، وهو التَّعْذِيبُ. وأُثْبِتَ سَبَبُ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، وحُذِفَ المُسَبِّبُ، وهو الرَّحْمَةُ والغُفْرانُ، وهَذا مِنَ الإيجازِ الحَسَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُعَذِّبُهم إنْ شاءَ إذا لَمْ يَتُوبُوا، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إذا تابُوا. انْتَهى. ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ عَذابِهِمْ إذا لَمْ يَتُوبُوا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ شاءَ ذَلِكَ وأخْبَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُ المُنافِقِينَ حَتْمًا لا مَحالَةَ. واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ قِيلَ: لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ وقِيلَ: لامُ التَّعْلِيلِ، ويَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ . (p-٢٢٤)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ المُنافِقُونَ كَأنَّهم قَصَدُوا عاقِبَةَ السُّوءِ وأرادُوها بِتَبْدِيلِهِمْ، كَما قَصَدَ الصّادِقُونَ عاقِبَةَ الصِّدْقِ بِوَفائِهِمْ؛ لِأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقِبَةٍ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَكَأنَّهُما اسْتَوَيا في طَلَبِهِما والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِهِما. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: إنْ شاءَ يُمِيتُهم عَلى نِفاقِهِمْ، أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِمْ مِنَ النِّفاقِ بِتَقَبُّلِهِمُ الإيمانَ. وقِيلَ: يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا إنْ شاءَ، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إنْ شاءَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: غَفُورًا لِلْحَوْبَةِ، رَحِيمًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ. ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأحْزابَ عَنِ المَدِينَةِ، والمُؤْمِنِينَ إلى بِلادِهِمْ. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ فَهو حالٌ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ؛ و﴿لَمْ يَنالُوا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِغَيْظِهِمْ)، فَيَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ بَيانًا لِلْأُولى، أوِ اسْتِئْنافًا. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها بَيانًا لِلْأُولى، ولا لِلِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّها تَبْقى كالمُفْلَتَةِ مِمّا قَبْلَها. ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِإرْسالِ الرِّيحِ والجُنُودِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، فَلَمْ يَكُنْ قِتالٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. وقِيلَ: المُرادُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومَن مَعَهُ، بَرَزُوا لِلْقِتالِ ودَعَوْا إلَيْهِ. وقَتَلَ عَلِيٌّ مِنَ الكُفّارِ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ مُبارَزَةً، حِينَ طَلَبَ عَمْرٌو المُبارَزَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيٌّ، فَقالَ: إنِّي لا أُوثِرُ قَتْلَكَ لِصُحْبَتِي لِأبِيكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَأنا أُوثِرُ قَتْلَكَ، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ مُبارَزَةً. واقْتَحَمَ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ، مِن قُرَيْشٍ، الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ، فَقُتِلَ فِيهِ. وقُتِلَ مِنَ الكُفّارِ أيْضًا: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ، وعُبَيْدُ بْنُ السَّبّاقِ. واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ، في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ: مُعاذٌ، وأنَسُ بْنُ أوْسِ بْنِ عَتِيكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وأبُو عَمْرٍو، وهم مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ؛ والطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمانِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وهُما مِن بَنِي سَلِمَةَ؛ وكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ، مِن بَنِي ذُبْيانَ بْنِ النَّجّارِ، أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ. ولَمْ تَغْزُ قُرَيْشٌ المُسْلِمِينَ بَعْدَ الخَنْدَقِ، وكَفى اللَّهُ مُداوَمَةَ القِتالِ وعَوْدَتَهُ بِأنْ هَزَمَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ، ولا العَصْرَ، ولا المَغْرِبَ، ولا العِشاءَ، حَتّى كانَ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، كُفِينا وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِلالًا، فَأقامَ وصَلّى الظُّهْرَ فَأحْسَنَها، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلُّ صَلاةٍ بِإقامَةٍ» . ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: أعانُوا قُرَيْشًا ومَن مَعَهم مِنَ الأحْزابِ مِن أهْلِ الكِتابِ، هم يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَما هو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وعَنِ الحَسَنِ: بَنُو النَّضِيرِ. وقَذْفُ الرُّعْبِ سَبَبٌ لِإنْزالِهِمْ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ المُسَبِّبَ، لَمّا كانَ السُّرُورُ بِإنْزالِهِمْ أكْثَرَ والإخْبارُ بِهِ أهَمَّ قُدِّمَ. وقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّ بِنا دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ عَلى بَغْلَةٍ بَيْضاءَ عَلَيْها قَطِيفَةُ دِيباجٍ، فَقالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بُعِثَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ» . ولَمّا رَجَعَتِ الأحْزابُ، جاءَ جِبْرِيلُ وقْتَ الظُّهْرِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَنادى في النّاسِ: «لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَخَرَجُوا إلَيْها، فَمُصَلٍّ في الطَّرِيقِ، ورَأى أنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّأْكِيدِ والِاسْتِعْجالِ؛ ومُصَلٍّ بَعْدَ العِشاءِ، وكُلٌّ مُصِيبٌ. فَحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: إحْدى وعِشْرِينَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ. فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأوْسِيِّ، لِحِلْفٍ كانَ بَيْنَهم، رَجَوْا حُنُوَّهُ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ أنْ يُقْتَلَ المُقاتِلَةُ ويُسْبى الذُّرِّيَّةُ والعِيالُ والأمْوالُ، وأنْ تَكُونَ الأرْضُ والثِّمارُ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ. فَقالَتْ لَهُ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أرَدْتُ أنْ يَكُونَ لَهم أمْوالٌ كَما لَكم، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، ثُمَّ اسْتَنْزَلَهم، وخَنْدَقَ لَهم في سُوقِ المَدِينَةِ، وقَدَّمَهم فَضَرَبَ أعْناقَهم، وهم مِن بَيْنِ ثَمانِمِائَةٍ إلى تِسْعِمِائَةٍ. وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ مُقاتِلٍ وسَبْعَمِائَةِ أسِيرٍ. وجِيءَ بِحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ النَّضِيرِيِّ، وهو الَّذِي كانَ أدْخَلَهم في الغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عِنْدَهم وفاءً لَهم، فَتُرِكَ فِيمَن تُرِكَ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ. فَلَمّا قَرُبَ، وعَلَيْهِ حُلَّتانِ تُفّاحِيَّتانِ، مَجْمُوعَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ (p-٢٢٥)واللَّهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَكِنَّ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلْ. ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا بَأْسَ أمْرُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، ومِحْنَةٌ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وقالَ فِيهِ بَعْضُ بَنِي ثَعْلَبَةَ: ؎لَعَمْرُكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلِ ؎لَجاهَدَ حَتّى أبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ وقَتَلَ مِن نِسائِهِمُ امْرَأةً، وهي لُبابَةُ امْرَأةُ الحَكَمِ القُرَظِيِّ، كانَتْ قَدْ طَرَحَتِ الرَّحى عَلى خَلّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقُتِلَ؛ ولَمْ يُسْتَشْهَدْ في حِصارِ بَنِي قُرَيْظَةَ غَيْرُهُ. وماتَ في الحِصارِ أبُو سُفْيانَ بْنُ مِحْصَنٍ، أخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وكانَ فَتْحُ قُرَيْظَةَ في آخِرِ ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وتَأْسِرُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ وكَسْرِ السِّينِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّهِما؛ واليَمانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ أنَسٍ، عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: بِياءِ الغَيْبَةِ في: ﴿تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ﴾ . ﴿وأوْرَثَكُمْ﴾ فِيهِ إشْعارٌ أنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ ومَن نَقَلَهم مِن أرْضِهِمْ، وقُدِّمَتْ لِكَثْرَةِ المَنفَعَةِ بِها مِنَ النَّحْلِ والزَّرْعِ، ولِأنَّهم بِاسْتِيلائِهِمْ عَلَيْها ثانِيًا وأمْوالَهم لِيُسْتَعانَ بِها في قُوَّةِ المُسْلِمِينَ لِلْجِهادِ، ولِأنَّها كانَتْ في بُيُوتِهِمْ، فَوَقَعَ الِاسْتِيلاءُ عَلَيْها ثالِثًا. ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ وعْدٌ صادِقٌ في فَتْحِ البِلادِ، كالعِراقِ والشّامِ واليَمَنِ ومَكَّةَ، وسائِرِ فُتُوحِ المُسْلِمِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أخْبَرَ تَعالى أنْ قَدْ قَضى بِذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: أرادَ الرُّومَ وفارِسَ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ. وقالَ مُقاتِلٌ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خَيْبَرُ؛ وقِيلَ: اليَمَنُ؛ ولا وجْهَ لِهَذِهِ التَّخْصِيصاتِ، ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ أرادَ نِساءَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَطَئُوها﴾، بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”لَمْ تَطُوها“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، أبْدَلَ هَمْزَةَ ”تَطَأُ“ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها ∗∗∗ والنّاسُ لا يُهْتَدى مِن شَرِّهِمْ أبَدا فالتَقَتْ ساكِنَةٌ مَعَ الواوِ فَحُذِفَتْ، كَقَوْلِكَ: لَمْ تَرَوْها. وخَتَمَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى فَتْحِهِ عَلى المُسْلِمِينَ الفُتُوحَ الكَثِيرَةَ، وأنَّهُ لا يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ، فَكَما مَلَّكَهم هَذِهِ، فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُمَلِّكَهم غَيْرَها مِنَ البِلادِ.

الأحزاب 33:27

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ . (p-٢٢٢)الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِقَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿ولَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٠] وقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ، ﷺ، لَكم فِيهِ الِاقْتِداءُ. فَكَما نَصَرَكم ووازَرَكم حَتّى قاتَلَ بِنَفْسِهِ عَدُوَّكم، فَكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ الكَرِيمَةُ، وشُجَّ وجْهُهُ الكَرِيمُ، وقُتِلَ عَمُّهُ، وأُوذِيَ ضُرُوبًا مِنَ الإيذاءِ؛ يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهُ وتُوازِرُوهُ، ولا تَرْغَبُوا بِأنْفُسِكم عَنْ نَفْسِهِ، ولا عَنْ مَكانٍ هو فِيهِ، وتَبْذُلُوا أنْفُسَكم دُونَهُ؛ فَما حَصَلَ لَكم مِنَ الهِدايَةِ لِلْإسْلامِ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما تَفْعَلُونَهُ مَعَهُ، مِنَ النُّصْرَةِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ. ﴿واليَوْمَ الآخِرَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَوْمَ السِّياقِ. و﴿أُسْوَةٌ﴾ اسْمُ كانَ، و(لَكم) الخَبَرُ، ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ (لَكم) أوْ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ جازَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِـ: (أُسْوَةٌ)، أوْ يَتَعَلَّقُ بِـ: (كانَ) عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ في كانَ وأخَواتِها النّاقِصَةِ أنْ تَعْمَلَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ الخَبَرُ، و(لَكم) تَبْيِينٌ، أيْ: لَكم، أعْنِي: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ مِن (لَكم)، كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . انْتَهى. ولا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ولا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، اسْمٌ ظاهِرٌ في بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِكم قُرَيْشٌ كُفِينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأمَّ نَهْجَ الهُدى مَن كانَ ضِلِّيلًا وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إسْوَةٌ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وعاصِمٌ بِضَمِّها. والرَّجاءُ: بِمَعْنى الأمَلِ أوِ الخَوْفِ. وقَرَنَ الرَّجاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ، والمُؤْتَسِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هو الَّذِي يَكُونُ راجِيًا ذاكِرًا. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى المُنافِقِينَ وقَوْلَهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] بَيَّنَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلَهم ضِدَّ ما قالَ المُنافِقُونَ. وكانَ اللَّهُ وعَدَهم أنْ يُزَلْزِلَهم حَتّى يَسْتَنْصِرُوهُ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ. فَلَمّا جاءَ الأحْزابُ، ونَهَضَ بِهِمْ لِلْقِتالِ، واضْطَرَبُوا ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ وأيْقَنُوا بِالجَنَّةِ والنَّصْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ، لِأصْحابِهِ: «إنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم تِسْعًا أوْ عَشْرًا»، أيْ: في آخِرِ تِسْعِ لَيالٍ أوْ عَشْرٍ. فَلَمّا رَأوْهم قَدْ أقْبَلُوا لِلْمِيعادِ قالُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: الوَعْدُ هو ما جاءَ في الآيَةِ مِمّا وُعِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أمَرَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ أعْلَمَهم بِأنَّهم يُحْضَرُونَ، وأمَرَهم بِالِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ، وأعْلَمَهم أنَّهم سَيُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَمّا رَأوُا (p-٢٢٣)الأحْزابَ قالُوا ذَلِكَ، فَسَلَّمُوا لِأوَّلِ الأمْرِ، وانْتَظَرُوا آخِرَهُ. وهَذا إشارَةٌ إلى الخَطْبِ، إيمانًا بِاللَّهِ وبِما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِمّا لَمْ يَقَعْ، كَقَوْلِكَ: فَتْحَ مَكَّةَ وفارِسَ والرُّومِ، فالزِّيادَةُ فِيما يُؤْمَنُ، لا في نَفْسِ الإيمانِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿وما زادُوهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، بِالواوِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ يَعُودُ عَلى الأحْزابِ، وتَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، وصَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ. وقَدْ عُدَّتْ ”صَدَقَ“ هَذِهِ في ما يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُتَّسَعُ فِيهِ فَيُحْذَفُ الحَرْفُ ويَصِلُ الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، أيْ: في سِنِّ بَكْرِهِ. فَما عاهَدُوا، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، أيْ: فِيما عاهَدُوا، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: صَدَقُوا اللَّهَ، وإمّا أنْ يَكُونَ صَدَقَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، كَما تَقُولُ: صَدَقَنِي أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ، وكَذَبَكَ أخُوكَ إذا قالَ لَكَ الكَذِبَ. وكانَ المُعاهَدُ عَلَيْهِ مَصْدُوقًا مَجازًا، كَأنَّهم قالُوا لِلْمُعاهَدِ عَلَيْهِ: سَنَفِي لَكَ، وهم وافُونَ بِهِ، فَقَدْ صَدَقُوهُ، ولَوْ كانُوا ناكِثِينَ لَكَذَّبُوهُ، وكانَ مَكْذُوبًا. وهَؤُلاءِ الرِّجالُ، قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هم أهْلُ العَقَبَةِ السَّبْعُونَ، أهْلُ البَيْعَةِ. وقالَ أنَسٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَعاهَدُوا أنْ لا يَتَأخَّرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَفَوْا. وقالَ زَيْدُ بْنُ رُومانَ: بَنُو حارِثَةَ. ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ وهَذا تَجَوُّزٌ؛ لِأنَّ المَوْتَ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ أنْ يَقَعَ بِالإنْسانِ، فَسُمِّيَ نَحْبًا لِذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: قَضى نَحْبَهُ: أيْ: عَهْدَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَذْرَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ يَحْتَمِلُ مَوْتَهُ شَهِيدًا، ويَحْتَمِلُ وفاءَهُ بِنَذْرِهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْصُوفُونَ بِقَضاءِ النَّحْبِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ وفَوْا بِعُهُودِ الإسْلامِ عَلى التَّمامِ. فالشُّهَداءُ مِنهم، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالجَنَّةِ، مِنهم مَن حَصَّلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ بِما لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ، ويُصَحِّحُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ سُئِلَ: مَنِ الَّذِي قَضى نَحْبَهُ، وهو عَلى المِنبَرِ ؟ فَدَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ. ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ إذا فُسِّرَ قَضاءُ النَّحْبِ بِالشَّهادَةِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الشَّهادَةَ؛ وإذا فُسِّرَ بِالوَفاءِ لِعُهُودِ الإسْلامِ، كانَ التَّقْدِيرُ: ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَّلاحِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ، فَيَقْضِي نَحْبَهُ. ﴿وما بَدَّلُوا﴾ لا المُسْتَشْهِدُونَ، ولا مَن يَنْتَظِرُ. وقَدْ ثَبَتَ طَلْحَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ»، وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِمَن بَدَّلَ مِنَ المُنافِقِينَ حِينَ ولَّوُا الأدْبارَ، وكانُوا عاهَدُوا لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ صِدْقِهِمْ. ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾ وعَذابُهم مُتَحَتَّمٌ. فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلى المَشِيئَةِ، وهو قَدْ شاءَ تَعْذِيبَهم إذا وفَوْا عَلى النِّفاقِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَعْذِيبُ المُنافِقِينَ ثَمَرَتُهُ إدامَتُهُمُ الإقامَةَ عَلى النِّفاقِ إلى مَوْتِهِمْ، والتَّوْبَةُ مُوازِيَةٌ لِتِلْكَ الإقامَةِ، وثَمَرَةُ التَّوْبَةِ تَرْكُهم دُونَ عَذابٍ. فَهُما دَرَجَتانِ: إقامَةٌ عَلى نِفاقٍ، أوْ تَوْبَةٌ مِنهُ. وعَنْهُما ثَمَرَتانِ: تَعْذِيبٌ، أوْ رَحْمَةٌ. فَذَكَرَ تَعالى، عَلى جِهَةِ الإيجازِ، واحِدَةً مِن هاتَيْنِ، وواحِدَةً مِن هاتَيْنِ. ودَلَّ ما ذَكَرَ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ [الأحزاب: ٧٣] أيْ: لِيُدِيمَ عَلى النِّفاقِ، قَوْلُهُ: (إنْ شاءَ) ومُعادَلَتُهُ بِالتَّوْبَةِ، وحَذْفُ ”أوِ“ . انْتَهى. وكانَ ما ذُكِرَ يُؤَوَّلُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: لِيُقِيمُوا عَلى النِّفاقِ، فَيَمُوتُوا عَلَيْهِ، إنْ شاءَ فَيُعَذِّبُهم، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم. فَحُذِفَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ، وأُثْبِتَ المُسَبِّبُ، وهو التَّعْذِيبُ. وأُثْبِتَ سَبَبُ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، وحُذِفَ المُسَبِّبُ، وهو الرَّحْمَةُ والغُفْرانُ، وهَذا مِنَ الإيجازِ الحَسَنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُعَذِّبُهم إنْ شاءَ إذا لَمْ يَتُوبُوا، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إذا تابُوا. انْتَهى. ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ عَذابِهِمْ إذا لَمْ يَتُوبُوا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ شاءَ ذَلِكَ وأخْبَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُ المُنافِقِينَ حَتْمًا لا مَحالَةَ. واللّامُ في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ قِيلَ: لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ وقِيلَ: لامُ التَّعْلِيلِ، ويَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ . (p-٢٢٤)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ المُنافِقُونَ كَأنَّهم قَصَدُوا عاقِبَةَ السُّوءِ وأرادُوها بِتَبْدِيلِهِمْ، كَما قَصَدَ الصّادِقُونَ عاقِبَةَ الصِّدْقِ بِوَفائِهِمْ؛ لِأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقِبَةٍ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَكَأنَّهُما اسْتَوَيا في طَلَبِهِما والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِهِما. وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى: إنْ شاءَ يُمِيتُهم عَلى نِفاقِهِمْ، أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِمْ مِنَ النِّفاقِ بِتَقَبُّلِهِمُ الإيمانَ. وقِيلَ: يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا إنْ شاءَ، ويَتُوبُ عَلَيْهِمْ إنْ شاءَ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: غَفُورًا لِلْحَوْبَةِ، رَحِيمًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ. ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأحْزابَ عَنِ المَدِينَةِ، والمُؤْمِنِينَ إلى بِلادِهِمْ. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ فَهو حالٌ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ؛ و﴿لَمْ يَنالُوا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (بِغَيْظِهِمْ)، فَيَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ بَيانًا لِلْأُولى، أوِ اسْتِئْنافًا. انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها بَيانًا لِلْأُولى، ولا لِلِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّها تَبْقى كالمُفْلَتَةِ مِمّا قَبْلَها. ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِإرْسالِ الرِّيحِ والجُنُودِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، فَلَمْ يَكُنْ قِتالٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ. وقِيلَ: المُرادُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومَن مَعَهُ، بَرَزُوا لِلْقِتالِ ودَعَوْا إلَيْهِ. وقَتَلَ عَلِيٌّ مِنَ الكُفّارِ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ مُبارَزَةً، حِينَ طَلَبَ عَمْرٌو المُبارَزَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيٌّ، فَقالَ: إنِّي لا أُوثِرُ قَتْلَكَ لِصُحْبَتِي لِأبِيكَ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَأنا أُوثِرُ قَتْلَكَ، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ مُبارَزَةً. واقْتَحَمَ نَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ، مِن قُرَيْشٍ، الخَنْدَقَ بِفَرَسِهِ، فَقُتِلَ فِيهِ. وقُتِلَ مِنَ الكُفّارِ أيْضًا: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمانَ، وعُبَيْدُ بْنُ السَّبّاقِ. واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ، في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ: مُعاذٌ، وأنَسُ بْنُ أوْسِ بْنِ عَتِيكٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وأبُو عَمْرٍو، وهم مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ؛ والطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمانِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وهُما مِن بَنِي سَلِمَةَ؛ وكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ، مِن بَنِي ذُبْيانَ بْنِ النَّجّارِ، أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ. ولَمْ تَغْزُ قُرَيْشٌ المُسْلِمِينَ بَعْدَ الخَنْدَقِ، وكَفى اللَّهُ مُداوَمَةَ القِتالِ وعَوْدَتَهُ بِأنْ هَزَمَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وذَلِكَ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَلَمْ نُصَلِّ الظُّهْرَ، ولا العَصْرَ، ولا المَغْرِبَ، ولا العِشاءَ، حَتّى كانَ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، كُفِينا وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بِلالًا، فَأقامَ وصَلّى الظُّهْرَ فَأحْسَنَها، ثُمَّ كَذَلِكَ كُلُّ صَلاةٍ بِإقامَةٍ» . ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ: أعانُوا قُرَيْشًا ومَن مَعَهم مِنَ الأحْزابِ مِن أهْلِ الكِتابِ، هم يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَما هو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وعَنِ الحَسَنِ: بَنُو النَّضِيرِ. وقَذْفُ الرُّعْبِ سَبَبٌ لِإنْزالِهِمْ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ المُسَبِّبَ، لَمّا كانَ السُّرُورُ بِإنْزالِهِمْ أكْثَرَ والإخْبارُ بِهِ أهَمَّ قُدِّمَ. وقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّ بِنا دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ عَلى بَغْلَةٍ بَيْضاءَ عَلَيْها قَطِيفَةُ دِيباجٍ، فَقالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بُعِثَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ» . ولَمّا رَجَعَتِ الأحْزابُ، جاءَ جِبْرِيلُ وقْتَ الظُّهْرِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَنادى في النّاسِ: «لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَخَرَجُوا إلَيْها، فَمُصَلٍّ في الطَّرِيقِ، ورَأى أنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّأْكِيدِ والِاسْتِعْجالِ؛ ومُصَلٍّ بَعْدَ العِشاءِ، وكُلٌّ مُصِيبٌ. فَحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: إحْدى وعِشْرِينَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ. فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الأوْسِيِّ، لِحِلْفٍ كانَ بَيْنَهم، رَجَوْا حُنُوَّهُ عَلَيْهِمْ، فَحَكَمَ أنْ يُقْتَلَ المُقاتِلَةُ ويُسْبى الذُّرِّيَّةُ والعِيالُ والأمْوالُ، وأنْ تَكُونَ الأرْضُ والثِّمارُ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ. فَقالَتْ لَهُ الأنْصارُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أرَدْتُ أنْ يَكُونَ لَهم أمْوالٌ كَما لَكم، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، ثُمَّ اسْتَنْزَلَهم، وخَنْدَقَ لَهم في سُوقِ المَدِينَةِ، وقَدَّمَهم فَضَرَبَ أعْناقَهم، وهم مِن بَيْنِ ثَمانِمِائَةٍ إلى تِسْعِمِائَةٍ. وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ مُقاتِلٍ وسَبْعَمِائَةِ أسِيرٍ. وجِيءَ بِحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ النَّضِيرِيِّ، وهو الَّذِي كانَ أدْخَلَهم في الغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عِنْدَهم وفاءً لَهم، فَتُرِكَ فِيمَن تُرِكَ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ. فَلَمّا قَرُبَ، وعَلَيْهِ حُلَّتانِ تُفّاحِيَّتانِ، مَجْمُوعَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ (p-٢٢٥)واللَّهِ ما لُمْتُ نَفْسِي في عَداوَتِكَ، ولَكِنَّ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلْ. ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا بَأْسَ أمْرُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، ومِحْنَةٌ كُتِبَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وقالَ فِيهِ بَعْضُ بَنِي ثَعْلَبَةَ: ؎لَعَمْرُكَ ما لامَ ابْنُ أخْطَبَ نَفْسَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ مَن يَخْذِلِ اللَّهَ يُخْذَلِ ؎لَجاهَدَ حَتّى أبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَها ∗∗∗ وقَلْقَلَ يَبْغِي العِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ وقَتَلَ مِن نِسائِهِمُ امْرَأةً، وهي لُبابَةُ امْرَأةُ الحَكَمِ القُرَظِيِّ، كانَتْ قَدْ طَرَحَتِ الرَّحى عَلى خَلّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقُتِلَ؛ ولَمْ يُسْتَشْهَدْ في حِصارِ بَنِي قُرَيْظَةَ غَيْرُهُ. وماتَ في الحِصارِ أبُو سُفْيانَ بْنُ مِحْصَنٍ، أخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وكانَ فَتْحُ قُرَيْظَةَ في آخِرِ ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وتَأْسِرُونَ)، بِتاءِ الخِطابِ وكَسْرِ السِّينِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِضَمِّهِما؛ واليَمانِيُّ: بِياءِ الغَيْبَةِ؛ وابْنُ أنَسٍ، عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ: بِياءِ الغَيْبَةِ في: ﴿تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ﴾ . ﴿وأوْرَثَكُمْ﴾ فِيهِ إشْعارٌ أنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ ومَن نَقَلَهم مِن أرْضِهِمْ، وقُدِّمَتْ لِكَثْرَةِ المَنفَعَةِ بِها مِنَ النَّحْلِ والزَّرْعِ، ولِأنَّهم بِاسْتِيلائِهِمْ عَلَيْها ثانِيًا وأمْوالَهم لِيُسْتَعانَ بِها في قُوَّةِ المُسْلِمِينَ لِلْجِهادِ، ولِأنَّها كانَتْ في بُيُوتِهِمْ، فَوَقَعَ الِاسْتِيلاءُ عَلَيْها ثالِثًا. ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ وعْدٌ صادِقٌ في فَتْحِ البِلادِ، كالعِراقِ والشّامِ واليَمَنِ ومَكَّةَ، وسائِرِ فُتُوحِ المُسْلِمِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: أخْبَرَ تَعالى أنْ قَدْ قَضى بِذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ: أرادَ الرُّومَ وفارِسَ. وقالَ قَتادَةُ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّها مَكَّةُ. وقالَ مُقاتِلٌ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ، وابْنُ زَيْدٍ: هي خَيْبَرُ؛ وقِيلَ: اليَمَنُ؛ ولا وجْهَ لِهَذِهِ التَّخْصِيصاتِ، ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ أرادَ نِساءَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَطَئُوها﴾، بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”لَمْ تَطُوها“، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، أبْدَلَ هَمْزَةَ ”تَطَأُ“ ألِفًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ؎إنَّ السِّباعَ لَتَهْدا في مَرابِضِها ∗∗∗ والنّاسُ لا يُهْتَدى مِن شَرِّهِمْ أبَدا فالتَقَتْ ساكِنَةٌ مَعَ الواوِ فَحُذِفَتْ، كَقَوْلِكَ: لَمْ تَرَوْها. وخَتَمَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى فَتْحِهِ عَلى المُسْلِمِينَ الفُتُوحَ الكَثِيرَةَ، وأنَّهُ لا يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ، فَكَما مَلَّكَهم هَذِهِ، فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُمَلِّكَهم غَيْرَها مِنَ البِلادِ.

الأحزاب 33:28

(p-٢٢٦)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] . (p-٢٢٧)سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أزْواجَهُ ﷺ، تَغايَرْنَ وأرَدْنَ زِيادَةً في كِسْوَةٍ ونَفَقَةٍ، فَنَزَلَتْ. ولَمّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وفَرَّقَ عَنْهُ الأحْزابَ وفَتَحَ عَلَيْهِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ، ظَنَّ أزْواجُهُ أنَّهُ اخْتُصَّ بِنَفائِسِ اليَهُودِ وذَخائِرِهِمْ، فَقَعَدْنَ حَوْلَهُ وقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَناتُ كِسْرى وقَيْصَرَ في الحُلِيِّ والحُلَلِ والإماءِ والخَوَلِ، ونَحْنُ عَلى ما تَراهُ مِنَ الفاقَةِ والضِّيقِ. وآلَمْنَ قَلْبَهُ بِمُطالَبَتِهِنَّ لَهُ بِتَوْسِعَةِ الحالِ، وأنْ يُعامِلَهُنَّ بِما يُعامِلُ بِهِ المُلُوكُ والأكابِرُ أزْواجَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِنَّ ما نَزَلَ في أمْرِهِنَّ؛ وأزْواجُهُ إذْ ذاكَ تِسْعٌ: عائِشَةُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ، وحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وهَؤُلاءِ مِن قُرَيْشٍ. ومِن غَيْرِ قُرَيْشٍ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسَدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلِقِيَّةُ، وصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ الخَيْبَرِيَّةُ. وقالَ أبُو القاسِمِ الصَّيْرَفِيُّ: لَمّا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، فاخْتارَ الآخِرَةَ، وأمَرَ بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ لِيَظْهَرَ صِدْقُ مُوافَقَتِهِنَّ، وكانَ تَحْتَهُ عَشْرُ نِساءٍ، زادَ الحِمْيَرِيَّةَ، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إلّا الحِمْيَرِيَّةَ. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ، وبَدَأ بِها، وكانَتْ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ: «إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، ولا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ» . ثُمَّ قَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فَقالَتْ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، لا تُخْبِرْ أزْواجَكَ أنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقالَ: «إنَّما بَعَثَنِي اللَّهُ مُبَلِّغًا ولَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا» . والظّاهِرُ أنَّهُنَّ إذا اخْتَرْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، مَتَّعَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وطَلَّقَهُنَّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ الفِراقُ دُونَ أنْ يُوقِعَهُ هو. وقالَ الأكْثَرُونَ: هي آيَةُ تَخْيِيرٍ، فَإذا قالَ لَها: اخْتارِي، فاخْتارَتْ زَوْجَها، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاقًا. وعَنْ عَلِيٍّ: تَكُونُ واحِدَةً رَجْعِيَّةً، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها، وقَعَتْ طَلْقَةٌ بائِنَةٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ؛ وواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ؛ وثَلاثٌ عِنْدَ مالِكٍ. وأكْثَرُ النّاسِ ذَهَبُوا إلى أنَّ الآيَةَ في التَّخْيِيرِ والطَّلاقِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ والحَسَنِ وقَتادَةَ، قالَ هَذا القائِلُ: وأمّا أمْرُ الطَّلاقِ فَمُرْجَأٌ، فَإنِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ، نَظَرَ هو كَيْفَ يُسَرِّحُهُنَّ، ولَيْسَ فِيها تَخْيِيرٌ في الطَّلاقِ؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ يَتَضَمَّنُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ، وهو قَدْ قالَ: ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ ولَيْسَ مَعَ بَتِّ الطَّلاقِ سَراحٌ جَمِيلٌ. انْتَهى. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، مِن أنَّهُ عَلَّقَ عَلى إرادَتِهِنَّ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا وُقُوعَ التَّمْتِيعِ والتَّسْرِيحِ مِنهُ، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهُ كانَ عَظِيمُ هَمِّكُنَّ ومَطْلَبِكُنَّ التَّعَمُّقَ في الدُّنْيا ونَيْلَ نَعِيمِها وزِينَتِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في: ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] في آلِ عِمْرانَ. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ قِيلَ: المُتْعَةُ واجِبَةٌ في الطَّلاقِ؛ وقِيلَ: مَندُوبٌ إلَيْها. والأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] يَقْتَضِي الوُجُوبَ في مَذْهَبِ الفُقَهاءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ المَذاهِبِ في البَقَرَةِ. والتَّسْرِيحُ الجَمِيلُ إمّا في دُونِ البَيْتِ، أوْ جَمِيلِ الثَّناءِ، والمُعْتَقَدِ وحُسْنِ العِشْرَةِ إنْ كانَ تامًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالتَّشْدِيدِ مِن مَتَّعَ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْتَعَ، ومَعْنى (أعَدَّ) هَيَّأ ويَسَّرَ، وأوْقَعَ الظّاهِرَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي تَرَتَّبَ لَهُنَّ بِهِ الأجْرَ العَظِيمَ، وهو الإحْسانُ، كَأنَّهُ قالَ: أعَدَّ لَكُنَّ؛ لِأنَّ مَن أرادَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ كانَ مُحْسِنًا. وقِراءَةُ حُمَيْدٍ الخَرّازِ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ والجُمْهُورُ: بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، أوْ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ويَكُونُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ، ولا يَضُرُّ دُخُولُ الفاءِ عَلى جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا ثُمَّ نادى نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ، لِيَجْعَلْنَ بالَهُنَّ مِمّا يُخاطَبْنَ بِهِ، إذا كانَ أمْرًا يُجْعَلُ لَهُ البالُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، (p-٢٢٨)والجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ الأسْوارِيُّ، ويَعْقُوبُ: ”تَأْتِ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ، حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ مَن. ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ كَبِيرَةٍ مِنَ المَعاصِي، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّها الزِّنى، لِعِصْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِن ذَلِكَ، ولِأنَّهُ وصَفَها بِالتَّبْيِينِ والزِّنى مِمّا يُتَسَتَّرُ بِهِ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ الفاحِشَةُ عَلى عُقُوقِ الزَّوْجِ وفَسادِ عِشْرَتِهِ. ولَمّا كانَ مَكانُهُنَّ مَهْبِطَ الوَحْيِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، لَزِمَهُنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وكَوْنِهِنَّ تَحْتَ الرَّسُولِ ﷺ أكْثَرُ مِمّا يَلْزَمُ غَيْرَهُنَّ، فَضُوعِفَ لَهُنَّ الأجْرُ والعَذابُ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: ﴿يُضاعَفْ﴾ بِألِفٍ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والحَسَنُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عامِرٍ: بِالنُّونِ وشَدِّ العَيْنِ مَكْسُورَةً؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالألِفِ والنُّونِ والكَسْرِ؛ وفِرْقَةٌ: بِياءِ الغَيْبَةِ والألِفِ والكَسْرِ. ومَن فَتَحَ العَيْنَ رَفَعَ (العَذابُ) ومَن كَسَرَها نَصَبَهُ. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: عَذابَيْنِ، فَيُضافُ إلى عَذابِ سائِرِ النّاسِ عَذابٌ آخَرُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما حَكى الطَّبَرِيُّ عَنْهُما: إنَّهُ يُضافُ إلى العَذابِ عَذابانِ، فَتَكُونُ ثَلاثَةً. وكَوْنُ الأجْرِ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ العَذابَ في الفاحِشَةِ بِإزاءِ الأجْرِ في الطّاعَةِ. ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: تَضْعِيفُ العَذابِ عَلَيْهِنَّ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أيْ: سَهْلًا، وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ كَوْنَهُنَّ نِساءً، مَعَ مُقارَفَةِ الذَّنْبِ، لا يُغْنِي عَنْهُنَّ شَيْئًا، وهو يُغْنِي عَنْهُنَّ، وهو سَبَبُ مُضاعَفَةِ العَذابِ. ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ أيْ: يُطِعْ ويَخْضَعْ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، وبِالمُوافَقَةِ لِرَسُولِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ بِالمُذَكَّرِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ ”مَن“، وتَعْمَلُ بِالتّاءِ حَمْلًا عَلى المَعْنى. ﴿نُؤْتِها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأسْوارِيُّ، ويَعْقُوبُ، في رِوايَةٍ: ”ومَن تَقْنُتْ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ، ورَواها أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ ونافِعٍ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ما سَمِعْتُ أنَّ أحَدًا قَرَأ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾، إلّا بِالتّاءِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِياءٍ مِن تَحْتُ في ثَلاثَتِها. وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ بِالياءِ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، ويَعْمَلُ بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مَن قالَ؛ فَقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ أصْلٌ لا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلتَّأْنِيثِ، وما عَلَّلُوهُ بِهِ قَدْ جاءَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (خالِصَةٌ) في الأنْعامِ. والرِّزْقُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ وعْدٌ دُنْياوِيٌّ، أيْ: أنَّ أرْزاقَها في الدُّنْيا عَلى اللَّهِ، وهو كَرِيمٌ مِن حَيْثُ هو حَلالٌ وقَصْدٌ، وبِرِضًا مِنَ اللَّهِ في نَيْلِهِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ ضِعْفَيْنِ هو عَذابُ الدُّنْيا، ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ؛ وكَذَلِكَ الأجْرُ، وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى. وإنَّما ضُوعِفَ أجْرُهُنَّ لِطَلَبِهِنَّ رِضا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِحُسْنِ الخُلُقِ وطِيبِ المُعاشَرَةِ والقَناعَةِ والتَّوَفُّرِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أيْ: لَيْسَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ كَشَخْصٍ واحِدٍ مِنَ النِّساءِ، أيْ: مِن نِساءِ عَصْرِكَ. ولَيْسَ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلى التَّشْبِيهِ في كَوْنِهِنَّ نِسْوَةً. تَقُولُ: لَيْسَ زَيْدٌ كَآحادِ النّاسِ، لا تُرِيدُ نَفْيَ التَّشْبِيهِ عَنْ كَوْنِهِ إنْسانًا، بَلْ في وصْفٍ أخَصَّ مَوْجُودٍ فِيهِ، وهو كَوْنُهُ عالِمًا، أوْ عامِلًا، أوْ مُصَلِّيًا. فالمَعْنى: أنَّهُ يُوجَدُ فِيكُنَّ مِنَ التَّمْيِيزِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِكُنَّ، وهو كَوْنُكُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وزَوْجاتِ خَيْرِ المُرْسَلِينَ. ونَزَلَ القُرْآنُ فِيكُنَّ، فَكَما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ كَأحَدٍ مِنَ الرِّجالِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَسْتُ كَأحَدِكم»، كَذَلِكَ زَوْجاتُهُ اللّاتِي تَشَرَّفْنَ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى وحَدٍ، وهو الواحِدُ؛ ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ (p-٢٢٩)المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ وما وراءَهُ، والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ، أيْ: إذا تَقَصَّيْتَ أُمَّةَ النِّساءِ جَماعَةً جَماعَةً، لَمْ يُوجَدْ مِنهُنَّ جَماعَةٌ واحِدَةٌ تُساوِيكُنَّ في الفَضْلِ والسّابِقَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] يُرِيدُ بَيْنَ جَماعَةٍ واحِدَةٍ مِنهم، تَسْوِيَةً بَيْنَ جَمِيعِهِمْ في أنَّهم عَلى الحَقِّ المُبِينِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى: وحَدٍ، وهو الواحِدُ فَصَحِيحٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ثُمَّ وضَعَ، إلى قَوْلِهِ: وما وراءَهُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَدْلُولُهُ غَيْرُ مَدْلُولِ واحِدٍ؛ لِأنَّ واحِدًا يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اتَّصَفَ بِالوَحْدَةِ، و”أحَدٌ“ المُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَخْصُوصٌ بِمَن يَعْقِلُ. وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ مادَّتَهُ هَمْزَةٌ وحاءٌ ودالٌ، ومادَّةُ أحَدٍ بِمَعْنى وحَدٍ أصْلُهُ واوٌ وحاءٌ ودالٌ، فَقَدِ اخْتَلَفا مادَّةً ومَدْلُولًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ﴾ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ، فَقَدْ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لَسْتُنَّ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ، فَهو حُكْمٌ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ واحِدَةٍ، لَيْسَ حُكْمًا عَلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ. وقُلْنا: إنَّ مَعْنى ﴿كَأحَدٍ﴾: كَشَخْصٍ واحِدٍ، فَأبْقَيْنا أحَدًا عَلى مَوْضُوعِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ، ولَمْ نَتَأوَّلْهُ بِجَماعَةٍ واحِدَةٍ. وأمّا ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الَّذِي لِلنَّفْيِ العامِّ، ولِذَلِكَ جاءَ في سِياقِ النَّفْيِ، فَعَمَّ وصَلُحَتِ البَيْنِيَّةُ لِلْعُمُومِ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ”أحَدٌ“ بِمَعْنى واحِدٍ، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَعْطُوفٌ، أيْ: بَيْنَ واحِدٍ وواحِدٍ مِن رُسُلِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ: لَسْتُنَّ مِثْلَهُنَّ إنِ اتَّقَيْتُنَّ اللَّهَ، وذَلِكَ لَمّا انْضافَ مَعَ تَقْوى اللَّهِ مِن صُحْبَةِ الرَّسُولِ ﷺ وعَظِيمِ المَحَلِّ مِنهُ، ونُزُولِ القُرْآنِ في بَيْتِهِنَّ وفي حَقِّهِنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إنْ أرَدْتُنَّ التَّقْوى، وإنْ كُنَّ مُتَّقِياتٍ. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ فَلا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا، أيْ: لَيِّنًا خَنِثًا، مِثْلَ كَلامِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: رِيبَةً وفُجُورًا. انْتَهى. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ قَيْدًا في كَوْنِهِنَّ لَسْنَ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ، ويَكُونُ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا. وعَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، يَكُونُ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ابْتِداءَ شَرْطٍ، وجَوابُهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ وكِلا القَوْلَيْنِ فِيهِما حُمِلَ. ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وهو ظاهِرُ الِاسْتِعْمالِ، وعِنْدِي أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَعْناهُ: إنِ اسْتَقْبَلْتُنَّ أحَدًا ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ . واتَّقى بِمَعْنى: اسْتَقْبَلَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، قالَ النّابِغَةُ: ؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ ∗∗∗ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ أيِ: اسْتَقْبَلَتْنا بِاليَدِ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى أبْلَغَ في مَدْحِهِنَّ، إذْ لَمْ يُعَلِّقْ فَضِيلَتَهُنَّ عَلى التَّقْوى، ولا عَلَّقَ نَهْيَهُنَّ عَنِ الخُضُوعِ بِها، إذْ هُنَّ مُتَّقِياتٌ لِلَّهِ في أنْفُسِهِنَّ، والتَّعْلِيقُ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهُنَّ لَسْنَ مُتَحَلِّياتٍ بِالتَّقْوى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ. وقالَ الحَسَنُ: لا تَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَكَلَّمْنَ بِما يَهْوى المُرِيبُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ ما يُدْخِلُ في القَلْبِ الغَزَلَ. وقِيلَ: لا تُلِنَّ لِلرِّجالِ القَوْلَ. أمَرَ تَعالى أنْ يَكُونَ الكَلامُ خَيْرًا، لا عَلى وجْهٍ يُظْهِرُ في القَلْبِ عَلاقَةَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ اللِّينِ، كَما كانَ الحالُ عَلَيْهِ في نِساءِ العَرَبِ مِن مُكالَمَةِ الرِّجالِ بِرَخِيمِ الصَّوْتِ ولَيِّنِهِ، مِثْلَ كَلامِ المُومِساتِ، فَنَهاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَكَلُّمٍ لَوْ تَسْتَطِيعُ كَلامَهُ ∗∗∗ لَدَنَتْ لَهُ أرْوى الهِضابِ الصُّخَّدِ وقالَ آخَرُ: ؎لَوْ أنَّها عَرَضَتْ لِأشْمَطَ راهِبٍ ∗∗∗ عَبَدَ الإلَهَ صَرُورَةٍ مُتَعَبِّدِ ؎لَرَنا لِرُؤْيَتِها وحُسْنِ حَدِيثِها ∗∗∗ ولَخالَهُ رُشْدًا وإنْ لَمْ يَرْشُدِ (p-٢٣٠)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَطْمَعَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ ونَصْبِ العَيْنِ، جَوابًا لِلنَّهْيِ؛ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، وابْنُ هُرْمُزَ: بِالجَزْمِ، فَكُسِرَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، نُهِينَ عَنِ الخُضُوعِ بِالقَوْلِ، ونُهِيَ مَرِيضُ القَلْبِ عَنِ الطَّمَعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَخْضَعْ فَلا تَطْمَعْ. وقِراءَةُ النَّصْبِ أبْلَغُ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي الخُضُوعَ بِسَبَبِ الطَّمَعِ. وقالَ أبُو عُمَرٍو الدّانِيُّ: قَرَأ الأعْرَجُ وعِيسى: ”فَيَطْمِعَ“، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ. ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي السِّماكِ، قالَ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وذَكَرَ أنَّ الأعْرَجَ، وهو ابْنُ هُرْمُزَ، قَرَأ: ”فَيُطْمِعَ“، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ، أيْ: فَيَطْمَعُ هو، أيِ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ؛ و(الَّذِي) مَفْعُولٌ، أوِ (الَّذِي) فاعِلٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَيَطْمَعُ نَفْسُهُ. والمَرَضُ، قالَ قَتادَةُ: النِّفاقُ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: الفِسْقُ والغَزَلُ. ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ والمُحَرَّمُ، وهو الَّذِي لا تُنْكِرُهُ الشَّرِيعَةُ ولا العُقُولُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَرْأةُ تَنْدُبُ إذا خالَطَتِ الأجانِبَ، عَلَيْها بِالمُصاهَرَةِ إلى الغِلْظَةِ في القَوْلِ مِن غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّها مَأْمُورَةٌ بِخَفْضِ الكَلامِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْرُوفًا صَحِيحًا، بِلا هَجَرٍ ولا تَمْرِيضٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَنِيفًا؛ وقِيلَ: خَشِنًا حَسَنًا؛ وقِيلَ: مَعْرُوفًا، أيْ: قَوْلًا أُذِنَ لَكم فِيهِ؛ وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وقِرْنَ“، بِكَسْرِ القافِ، مِن وقَرَ يَقِرُ إذا سَكَنَ وأصْلُهُ: أوْقِرْنَ، مِثْلُ عِدْنَ مِن وعَدَ. وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ الهَمْدانِيُّ، في كِتابِ التِّبْيانِ، وجْهًا آخَرَ قالَ: قارَّ يَقارُّ، إذا اجْتَمَعَ، ومِنهُ القارَّةُ لِاجْتِماعِها. ألا تَرى إلى قَوْلِ عُضَلَ والدِّيشِ: اجْتَمِعُوا فَكُونُوا قارَّةً ؟ فالمَعْنى: اجْمَعْنَ أنْفُسَكُنَّ في بُيُوتِكُنَّ. ﴿وقَرْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أمْرٌ مِن قارَ، كَما تَقُولُ: خِفْنَ مِن خافَ؛ أوْ مِنَ القَرارِ، تَقُولُ: قَرَرْتُ بِالمَكانِ، وأصْلُهُ: واقْرِرْنَ، حُذِفَتِ الرّاءُ الثّانِيَةُ تَخْفِيفًا، كَما حَذَفُوا لامَ ظَلِلْتُ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِسُكُونِها وسُكُونِ الرّاءِ بَعْدَها. انْتَهى، وهَذا غايَةٌ في التَّحْمِيلِ كَعادَتِهِ. وقَرَأ عاصِمٌ ونافِعٌ: بِفَتْحِ القافِ، وهي لُغَةُ العَرَبِ؛ يَقُولُونَ: قَرِرْتُ بِالمَكانِ، بِكَسْرِ الرّاءِ وبِفَتْحِ القافِ، حَكاهُ أبُو عُبَيْدٍ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وأنْكَرَها قَوْمٌ، مِنهُمُ المازِنِيُّ، وقالُوا: بِكَسْرِ الرّاءِ، مِن قَرَّتِ العَيْنُ، وبِفَتْحِها مِنَ القَرارِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”واقْرِرْنَ“، بِألِفِ الوَصْلِ وكَسْرِ الرّاءِ الأُولى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى قَرِرْتُ، وأنَّهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ مِنَ القَرارِ ومِنَ القِرَّةِ. أمَرَهُنَّ تَعالى بِمُلازَمَةِ بُيُوتِهِنَّ، ونَهاهُنَّ عَنِ التَّبَرُّجِ، وأعْلَمَ تَعالى أنَّهُ فِعْلُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى، وكانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها، تَتَذَكَّرُ خُرُوجَها أيّامَ الجَمَلِ تَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمانَ. وقِيلَ لِسَوْدَةَ: لِمَ لا تَحُجِّينَ وتَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ إخْوانُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ جِنازَتُها. ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: التَّبَرُّجُ: التَّبَخْتُرُ والتَّغَنُّجُ والتَّكَسُّرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُلْقِي الخِمارَ عَلى وجْهِها ولا تَشُدُّهُ. وقالَ المُبَرِّدُ: تُبْدِي مِن مَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ. و﴿الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] يَدُلُّ عَلى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ وأُخْرى مُتَأخِّرَةٌ. فَقِيلَ: هُما ابْنانِ لِآدَمَ، سَكَنَ أحَدُهُما الجَبَلَ، فَذُكُورُ أوْلادِهِ صِباحٌ وإناثُهم قِباحٌ؛ والآخَرُ السَّهْلَ، وأوْلادُهُ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. فَسَوّى لَهم إبْلِيسُ عِيدًا يَجْتَمِعُ جَمِيعُهم فِيهِ، فَمالَ ذُكُورُ الجَبَلِ إلى إناثِ السَّهْلِ وبِالعَكْسِ، فَكَثُرَتِ الفاحِشَةُ، فَهو تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وهي ثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ، كانَ الرِّجالُ صِباحًا والنِّساءُ قِباحًا، فَكانَتِ المَرْأةُ تَدْعُو الرَّجُلَ إلى نَفْسِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ إدْرِيسَ ونُوحٍ، كانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، تَجْمَعُ المَرْأةُ بَيْنَ زَوْجٍ وعَشِيقٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ. قالَ مُقاتِلٌ: زَمَنَ نُمْرُوذَ، بَغايا يَلْبَسْنَ أرَقَّ الدُّرُوعِ ويَمْشِينَ في الطُّرُقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجاهِلِيَّةُ الأُولى هي القَدِيمَةُ الَّتِي يُقالُ لَها الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ، (p-٢٣١)وهِيَ الزَّمانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ. كانَتِ المَرْأةُ تَلْبَسُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فَتَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ تَعْرِضُ نَفْسَها عَلى الرِّجالِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ، كانَ لِلْمَرْأةِ قَمِيصٌ مِنَ الدُّرِّ غَيْرُ مَخِيطِ الجانِبَيْنِ، يَظْهَرُ مِنهُ الأكْعابُ والسَّوْأتانِ. وقالَ المُبَرِّدُ: كانَتِ المَرْأةُ تَجْمَعُ بَيْنَ زَوْجِها وخِلْمِها، لِلزَّوْجِ نِصْفُها الأسْفَلُ، ولِلْخِلْمِ نِصْفُها، يَتَمَتَّعُ بِهِ في التَّقْبِيلِ والتَّرَشُّفِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى. وقالَ الشَّعْبِيُّ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأُولى زَمَنُ إبْراهِيمَ، والثّانِيَةُ زَمَنَ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، وقالَ الزَّجّاجُ: الأشْبَهُ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ لِأنَّهم هُمُ الجاهِلِيَّةُ المَعْرُوفُونَ كانُوا يَتَّخِذُونَ البَغايا، وإنَّما قِيلَ: الأُولى؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَقَدِّمٍ ومُتَقَدِّمَةٍ: أوَّلُ وأُولى، وتَأْوِيلُهُ أنَّهم تَقَدَّمُوا عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم أُولى وهم أوَّلُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبّاسٍ: وهَلْ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ إلّا واحِدَةً ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَلْ كانَتِ الأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ ؟ فَقالَ عُمَرُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يا ابْنَ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةَ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ، فَكانَ المَعْنى: ولا يَجِدُكُنَّ بِالتَّبَرُّجِ جاهِلِيَّةً في الإسْلامِ يَتَشَبَّهْنَ بِها بِأهْلِ جاهِلِيَّةِ الكُفْرِ. ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: «إنَّ فِيكَ جاهِلِيَّةً ”، قالَ: جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ أمْ إسْلامٍ ؟ فَقالَ:“ بَلْ جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ ”» . انْتَهى. والمَعْرُوفُ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما قالَ:“ «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ»، لِأبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي يَخُصُّها، فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ مِن سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكُفْرِ، ولِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، وكانَ أمْرُ النِّساءِ دُونَ حَجَبَةٍ، وجَعَلَها أوْلى بِالإضافَةِ إلى حالَةِ الإسْلامِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وقَدْ مَرَّ إطْلاقُ اسْمِ الجاهِلِيَّةِ عَلى تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ الإسْلامِ، فَقالُوا: جاهِلِيٌّ في الشُّعَراءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في البُخارِيِّ: سَمِعْتُ، أيْ: في الجاهِلِيَّةِ إلى غَيْرِ هَذا. انْتَهى.

الأحزاب 33:29

(p-٢٢٦)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] . (p-٢٢٧)سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أزْواجَهُ ﷺ، تَغايَرْنَ وأرَدْنَ زِيادَةً في كِسْوَةٍ ونَفَقَةٍ، فَنَزَلَتْ. ولَمّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وفَرَّقَ عَنْهُ الأحْزابَ وفَتَحَ عَلَيْهِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ، ظَنَّ أزْواجُهُ أنَّهُ اخْتُصَّ بِنَفائِسِ اليَهُودِ وذَخائِرِهِمْ، فَقَعَدْنَ حَوْلَهُ وقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَناتُ كِسْرى وقَيْصَرَ في الحُلِيِّ والحُلَلِ والإماءِ والخَوَلِ، ونَحْنُ عَلى ما تَراهُ مِنَ الفاقَةِ والضِّيقِ. وآلَمْنَ قَلْبَهُ بِمُطالَبَتِهِنَّ لَهُ بِتَوْسِعَةِ الحالِ، وأنْ يُعامِلَهُنَّ بِما يُعامِلُ بِهِ المُلُوكُ والأكابِرُ أزْواجَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِنَّ ما نَزَلَ في أمْرِهِنَّ؛ وأزْواجُهُ إذْ ذاكَ تِسْعٌ: عائِشَةُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ، وحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وهَؤُلاءِ مِن قُرَيْشٍ. ومِن غَيْرِ قُرَيْشٍ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسَدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلِقِيَّةُ، وصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ الخَيْبَرِيَّةُ. وقالَ أبُو القاسِمِ الصَّيْرَفِيُّ: لَمّا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، فاخْتارَ الآخِرَةَ، وأمَرَ بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ لِيَظْهَرَ صِدْقُ مُوافَقَتِهِنَّ، وكانَ تَحْتَهُ عَشْرُ نِساءٍ، زادَ الحِمْيَرِيَّةَ، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إلّا الحِمْيَرِيَّةَ. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ، وبَدَأ بِها، وكانَتْ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ: «إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، ولا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ» . ثُمَّ قَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فَقالَتْ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، لا تُخْبِرْ أزْواجَكَ أنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقالَ: «إنَّما بَعَثَنِي اللَّهُ مُبَلِّغًا ولَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا» . والظّاهِرُ أنَّهُنَّ إذا اخْتَرْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، مَتَّعَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وطَلَّقَهُنَّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ الفِراقُ دُونَ أنْ يُوقِعَهُ هو. وقالَ الأكْثَرُونَ: هي آيَةُ تَخْيِيرٍ، فَإذا قالَ لَها: اخْتارِي، فاخْتارَتْ زَوْجَها، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاقًا. وعَنْ عَلِيٍّ: تَكُونُ واحِدَةً رَجْعِيَّةً، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها، وقَعَتْ طَلْقَةٌ بائِنَةٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ؛ وواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ؛ وثَلاثٌ عِنْدَ مالِكٍ. وأكْثَرُ النّاسِ ذَهَبُوا إلى أنَّ الآيَةَ في التَّخْيِيرِ والطَّلاقِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ والحَسَنِ وقَتادَةَ، قالَ هَذا القائِلُ: وأمّا أمْرُ الطَّلاقِ فَمُرْجَأٌ، فَإنِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ، نَظَرَ هو كَيْفَ يُسَرِّحُهُنَّ، ولَيْسَ فِيها تَخْيِيرٌ في الطَّلاقِ؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ يَتَضَمَّنُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ، وهو قَدْ قالَ: ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ ولَيْسَ مَعَ بَتِّ الطَّلاقِ سَراحٌ جَمِيلٌ. انْتَهى. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، مِن أنَّهُ عَلَّقَ عَلى إرادَتِهِنَّ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا وُقُوعَ التَّمْتِيعِ والتَّسْرِيحِ مِنهُ، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهُ كانَ عَظِيمُ هَمِّكُنَّ ومَطْلَبِكُنَّ التَّعَمُّقَ في الدُّنْيا ونَيْلَ نَعِيمِها وزِينَتِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في: ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] في آلِ عِمْرانَ. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ قِيلَ: المُتْعَةُ واجِبَةٌ في الطَّلاقِ؛ وقِيلَ: مَندُوبٌ إلَيْها. والأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] يَقْتَضِي الوُجُوبَ في مَذْهَبِ الفُقَهاءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ المَذاهِبِ في البَقَرَةِ. والتَّسْرِيحُ الجَمِيلُ إمّا في دُونِ البَيْتِ، أوْ جَمِيلِ الثَّناءِ، والمُعْتَقَدِ وحُسْنِ العِشْرَةِ إنْ كانَ تامًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالتَّشْدِيدِ مِن مَتَّعَ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْتَعَ، ومَعْنى (أعَدَّ) هَيَّأ ويَسَّرَ، وأوْقَعَ الظّاهِرَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي تَرَتَّبَ لَهُنَّ بِهِ الأجْرَ العَظِيمَ، وهو الإحْسانُ، كَأنَّهُ قالَ: أعَدَّ لَكُنَّ؛ لِأنَّ مَن أرادَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ كانَ مُحْسِنًا. وقِراءَةُ حُمَيْدٍ الخَرّازِ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ والجُمْهُورُ: بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، أوْ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ويَكُونُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ، ولا يَضُرُّ دُخُولُ الفاءِ عَلى جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا ثُمَّ نادى نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ، لِيَجْعَلْنَ بالَهُنَّ مِمّا يُخاطَبْنَ بِهِ، إذا كانَ أمْرًا يُجْعَلُ لَهُ البالُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، (p-٢٢٨)والجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ الأسْوارِيُّ، ويَعْقُوبُ: ”تَأْتِ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ، حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ مَن. ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ كَبِيرَةٍ مِنَ المَعاصِي، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّها الزِّنى، لِعِصْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِن ذَلِكَ، ولِأنَّهُ وصَفَها بِالتَّبْيِينِ والزِّنى مِمّا يُتَسَتَّرُ بِهِ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ الفاحِشَةُ عَلى عُقُوقِ الزَّوْجِ وفَسادِ عِشْرَتِهِ. ولَمّا كانَ مَكانُهُنَّ مَهْبِطَ الوَحْيِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، لَزِمَهُنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وكَوْنِهِنَّ تَحْتَ الرَّسُولِ ﷺ أكْثَرُ مِمّا يَلْزَمُ غَيْرَهُنَّ، فَضُوعِفَ لَهُنَّ الأجْرُ والعَذابُ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: ﴿يُضاعَفْ﴾ بِألِفٍ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والحَسَنُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عامِرٍ: بِالنُّونِ وشَدِّ العَيْنِ مَكْسُورَةً؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالألِفِ والنُّونِ والكَسْرِ؛ وفِرْقَةٌ: بِياءِ الغَيْبَةِ والألِفِ والكَسْرِ. ومَن فَتَحَ العَيْنَ رَفَعَ (العَذابُ) ومَن كَسَرَها نَصَبَهُ. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: عَذابَيْنِ، فَيُضافُ إلى عَذابِ سائِرِ النّاسِ عَذابٌ آخَرُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما حَكى الطَّبَرِيُّ عَنْهُما: إنَّهُ يُضافُ إلى العَذابِ عَذابانِ، فَتَكُونُ ثَلاثَةً. وكَوْنُ الأجْرِ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ العَذابَ في الفاحِشَةِ بِإزاءِ الأجْرِ في الطّاعَةِ. ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: تَضْعِيفُ العَذابِ عَلَيْهِنَّ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أيْ: سَهْلًا، وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ كَوْنَهُنَّ نِساءً، مَعَ مُقارَفَةِ الذَّنْبِ، لا يُغْنِي عَنْهُنَّ شَيْئًا، وهو يُغْنِي عَنْهُنَّ، وهو سَبَبُ مُضاعَفَةِ العَذابِ. ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ أيْ: يُطِعْ ويَخْضَعْ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، وبِالمُوافَقَةِ لِرَسُولِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ بِالمُذَكَّرِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ ”مَن“، وتَعْمَلُ بِالتّاءِ حَمْلًا عَلى المَعْنى. ﴿نُؤْتِها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأسْوارِيُّ، ويَعْقُوبُ، في رِوايَةٍ: ”ومَن تَقْنُتْ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ، ورَواها أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ ونافِعٍ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ما سَمِعْتُ أنَّ أحَدًا قَرَأ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾، إلّا بِالتّاءِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِياءٍ مِن تَحْتُ في ثَلاثَتِها. وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ بِالياءِ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، ويَعْمَلُ بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مَن قالَ؛ فَقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ أصْلٌ لا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلتَّأْنِيثِ، وما عَلَّلُوهُ بِهِ قَدْ جاءَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (خالِصَةٌ) في الأنْعامِ. والرِّزْقُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ وعْدٌ دُنْياوِيٌّ، أيْ: أنَّ أرْزاقَها في الدُّنْيا عَلى اللَّهِ، وهو كَرِيمٌ مِن حَيْثُ هو حَلالٌ وقَصْدٌ، وبِرِضًا مِنَ اللَّهِ في نَيْلِهِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ ضِعْفَيْنِ هو عَذابُ الدُّنْيا، ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ؛ وكَذَلِكَ الأجْرُ، وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى. وإنَّما ضُوعِفَ أجْرُهُنَّ لِطَلَبِهِنَّ رِضا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِحُسْنِ الخُلُقِ وطِيبِ المُعاشَرَةِ والقَناعَةِ والتَّوَفُّرِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أيْ: لَيْسَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ كَشَخْصٍ واحِدٍ مِنَ النِّساءِ، أيْ: مِن نِساءِ عَصْرِكَ. ولَيْسَ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلى التَّشْبِيهِ في كَوْنِهِنَّ نِسْوَةً. تَقُولُ: لَيْسَ زَيْدٌ كَآحادِ النّاسِ، لا تُرِيدُ نَفْيَ التَّشْبِيهِ عَنْ كَوْنِهِ إنْسانًا، بَلْ في وصْفٍ أخَصَّ مَوْجُودٍ فِيهِ، وهو كَوْنُهُ عالِمًا، أوْ عامِلًا، أوْ مُصَلِّيًا. فالمَعْنى: أنَّهُ يُوجَدُ فِيكُنَّ مِنَ التَّمْيِيزِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِكُنَّ، وهو كَوْنُكُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وزَوْجاتِ خَيْرِ المُرْسَلِينَ. ونَزَلَ القُرْآنُ فِيكُنَّ، فَكَما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ كَأحَدٍ مِنَ الرِّجالِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَسْتُ كَأحَدِكم»، كَذَلِكَ زَوْجاتُهُ اللّاتِي تَشَرَّفْنَ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى وحَدٍ، وهو الواحِدُ؛ ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ (p-٢٢٩)المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ وما وراءَهُ، والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ، أيْ: إذا تَقَصَّيْتَ أُمَّةَ النِّساءِ جَماعَةً جَماعَةً، لَمْ يُوجَدْ مِنهُنَّ جَماعَةٌ واحِدَةٌ تُساوِيكُنَّ في الفَضْلِ والسّابِقَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] يُرِيدُ بَيْنَ جَماعَةٍ واحِدَةٍ مِنهم، تَسْوِيَةً بَيْنَ جَمِيعِهِمْ في أنَّهم عَلى الحَقِّ المُبِينِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى: وحَدٍ، وهو الواحِدُ فَصَحِيحٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ثُمَّ وضَعَ، إلى قَوْلِهِ: وما وراءَهُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَدْلُولُهُ غَيْرُ مَدْلُولِ واحِدٍ؛ لِأنَّ واحِدًا يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اتَّصَفَ بِالوَحْدَةِ، و”أحَدٌ“ المُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَخْصُوصٌ بِمَن يَعْقِلُ. وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ مادَّتَهُ هَمْزَةٌ وحاءٌ ودالٌ، ومادَّةُ أحَدٍ بِمَعْنى وحَدٍ أصْلُهُ واوٌ وحاءٌ ودالٌ، فَقَدِ اخْتَلَفا مادَّةً ومَدْلُولًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ﴾ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ، فَقَدْ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لَسْتُنَّ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ، فَهو حُكْمٌ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ واحِدَةٍ، لَيْسَ حُكْمًا عَلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ. وقُلْنا: إنَّ مَعْنى ﴿كَأحَدٍ﴾: كَشَخْصٍ واحِدٍ، فَأبْقَيْنا أحَدًا عَلى مَوْضُوعِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ، ولَمْ نَتَأوَّلْهُ بِجَماعَةٍ واحِدَةٍ. وأمّا ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الَّذِي لِلنَّفْيِ العامِّ، ولِذَلِكَ جاءَ في سِياقِ النَّفْيِ، فَعَمَّ وصَلُحَتِ البَيْنِيَّةُ لِلْعُمُومِ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ”أحَدٌ“ بِمَعْنى واحِدٍ، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَعْطُوفٌ، أيْ: بَيْنَ واحِدٍ وواحِدٍ مِن رُسُلِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ: لَسْتُنَّ مِثْلَهُنَّ إنِ اتَّقَيْتُنَّ اللَّهَ، وذَلِكَ لَمّا انْضافَ مَعَ تَقْوى اللَّهِ مِن صُحْبَةِ الرَّسُولِ ﷺ وعَظِيمِ المَحَلِّ مِنهُ، ونُزُولِ القُرْآنِ في بَيْتِهِنَّ وفي حَقِّهِنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إنْ أرَدْتُنَّ التَّقْوى، وإنْ كُنَّ مُتَّقِياتٍ. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ فَلا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا، أيْ: لَيِّنًا خَنِثًا، مِثْلَ كَلامِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: رِيبَةً وفُجُورًا. انْتَهى. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ قَيْدًا في كَوْنِهِنَّ لَسْنَ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ، ويَكُونُ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا. وعَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، يَكُونُ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ابْتِداءَ شَرْطٍ، وجَوابُهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ وكِلا القَوْلَيْنِ فِيهِما حُمِلَ. ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وهو ظاهِرُ الِاسْتِعْمالِ، وعِنْدِي أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَعْناهُ: إنِ اسْتَقْبَلْتُنَّ أحَدًا ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ . واتَّقى بِمَعْنى: اسْتَقْبَلَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، قالَ النّابِغَةُ: ؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ ∗∗∗ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ أيِ: اسْتَقْبَلَتْنا بِاليَدِ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى أبْلَغَ في مَدْحِهِنَّ، إذْ لَمْ يُعَلِّقْ فَضِيلَتَهُنَّ عَلى التَّقْوى، ولا عَلَّقَ نَهْيَهُنَّ عَنِ الخُضُوعِ بِها، إذْ هُنَّ مُتَّقِياتٌ لِلَّهِ في أنْفُسِهِنَّ، والتَّعْلِيقُ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهُنَّ لَسْنَ مُتَحَلِّياتٍ بِالتَّقْوى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ. وقالَ الحَسَنُ: لا تَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَكَلَّمْنَ بِما يَهْوى المُرِيبُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ ما يُدْخِلُ في القَلْبِ الغَزَلَ. وقِيلَ: لا تُلِنَّ لِلرِّجالِ القَوْلَ. أمَرَ تَعالى أنْ يَكُونَ الكَلامُ خَيْرًا، لا عَلى وجْهٍ يُظْهِرُ في القَلْبِ عَلاقَةَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ اللِّينِ، كَما كانَ الحالُ عَلَيْهِ في نِساءِ العَرَبِ مِن مُكالَمَةِ الرِّجالِ بِرَخِيمِ الصَّوْتِ ولَيِّنِهِ، مِثْلَ كَلامِ المُومِساتِ، فَنَهاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَكَلُّمٍ لَوْ تَسْتَطِيعُ كَلامَهُ ∗∗∗ لَدَنَتْ لَهُ أرْوى الهِضابِ الصُّخَّدِ وقالَ آخَرُ: ؎لَوْ أنَّها عَرَضَتْ لِأشْمَطَ راهِبٍ ∗∗∗ عَبَدَ الإلَهَ صَرُورَةٍ مُتَعَبِّدِ ؎لَرَنا لِرُؤْيَتِها وحُسْنِ حَدِيثِها ∗∗∗ ولَخالَهُ رُشْدًا وإنْ لَمْ يَرْشُدِ (p-٢٣٠)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَطْمَعَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ ونَصْبِ العَيْنِ، جَوابًا لِلنَّهْيِ؛ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، وابْنُ هُرْمُزَ: بِالجَزْمِ، فَكُسِرَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، نُهِينَ عَنِ الخُضُوعِ بِالقَوْلِ، ونُهِيَ مَرِيضُ القَلْبِ عَنِ الطَّمَعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَخْضَعْ فَلا تَطْمَعْ. وقِراءَةُ النَّصْبِ أبْلَغُ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي الخُضُوعَ بِسَبَبِ الطَّمَعِ. وقالَ أبُو عُمَرٍو الدّانِيُّ: قَرَأ الأعْرَجُ وعِيسى: ”فَيَطْمِعَ“، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ. ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي السِّماكِ، قالَ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وذَكَرَ أنَّ الأعْرَجَ، وهو ابْنُ هُرْمُزَ، قَرَأ: ”فَيُطْمِعَ“، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ، أيْ: فَيَطْمَعُ هو، أيِ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ؛ و(الَّذِي) مَفْعُولٌ، أوِ (الَّذِي) فاعِلٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَيَطْمَعُ نَفْسُهُ. والمَرَضُ، قالَ قَتادَةُ: النِّفاقُ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: الفِسْقُ والغَزَلُ. ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ والمُحَرَّمُ، وهو الَّذِي لا تُنْكِرُهُ الشَّرِيعَةُ ولا العُقُولُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَرْأةُ تَنْدُبُ إذا خالَطَتِ الأجانِبَ، عَلَيْها بِالمُصاهَرَةِ إلى الغِلْظَةِ في القَوْلِ مِن غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّها مَأْمُورَةٌ بِخَفْضِ الكَلامِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْرُوفًا صَحِيحًا، بِلا هَجَرٍ ولا تَمْرِيضٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَنِيفًا؛ وقِيلَ: خَشِنًا حَسَنًا؛ وقِيلَ: مَعْرُوفًا، أيْ: قَوْلًا أُذِنَ لَكم فِيهِ؛ وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وقِرْنَ“، بِكَسْرِ القافِ، مِن وقَرَ يَقِرُ إذا سَكَنَ وأصْلُهُ: أوْقِرْنَ، مِثْلُ عِدْنَ مِن وعَدَ. وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ الهَمْدانِيُّ، في كِتابِ التِّبْيانِ، وجْهًا آخَرَ قالَ: قارَّ يَقارُّ، إذا اجْتَمَعَ، ومِنهُ القارَّةُ لِاجْتِماعِها. ألا تَرى إلى قَوْلِ عُضَلَ والدِّيشِ: اجْتَمِعُوا فَكُونُوا قارَّةً ؟ فالمَعْنى: اجْمَعْنَ أنْفُسَكُنَّ في بُيُوتِكُنَّ. ﴿وقَرْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أمْرٌ مِن قارَ، كَما تَقُولُ: خِفْنَ مِن خافَ؛ أوْ مِنَ القَرارِ، تَقُولُ: قَرَرْتُ بِالمَكانِ، وأصْلُهُ: واقْرِرْنَ، حُذِفَتِ الرّاءُ الثّانِيَةُ تَخْفِيفًا، كَما حَذَفُوا لامَ ظَلِلْتُ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِسُكُونِها وسُكُونِ الرّاءِ بَعْدَها. انْتَهى، وهَذا غايَةٌ في التَّحْمِيلِ كَعادَتِهِ. وقَرَأ عاصِمٌ ونافِعٌ: بِفَتْحِ القافِ، وهي لُغَةُ العَرَبِ؛ يَقُولُونَ: قَرِرْتُ بِالمَكانِ، بِكَسْرِ الرّاءِ وبِفَتْحِ القافِ، حَكاهُ أبُو عُبَيْدٍ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وأنْكَرَها قَوْمٌ، مِنهُمُ المازِنِيُّ، وقالُوا: بِكَسْرِ الرّاءِ، مِن قَرَّتِ العَيْنُ، وبِفَتْحِها مِنَ القَرارِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”واقْرِرْنَ“، بِألِفِ الوَصْلِ وكَسْرِ الرّاءِ الأُولى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى قَرِرْتُ، وأنَّهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ مِنَ القَرارِ ومِنَ القِرَّةِ. أمَرَهُنَّ تَعالى بِمُلازَمَةِ بُيُوتِهِنَّ، ونَهاهُنَّ عَنِ التَّبَرُّجِ، وأعْلَمَ تَعالى أنَّهُ فِعْلُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى، وكانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها، تَتَذَكَّرُ خُرُوجَها أيّامَ الجَمَلِ تَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمانَ. وقِيلَ لِسَوْدَةَ: لِمَ لا تَحُجِّينَ وتَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ إخْوانُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ جِنازَتُها. ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: التَّبَرُّجُ: التَّبَخْتُرُ والتَّغَنُّجُ والتَّكَسُّرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُلْقِي الخِمارَ عَلى وجْهِها ولا تَشُدُّهُ. وقالَ المُبَرِّدُ: تُبْدِي مِن مَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ. و﴿الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] يَدُلُّ عَلى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ وأُخْرى مُتَأخِّرَةٌ. فَقِيلَ: هُما ابْنانِ لِآدَمَ، سَكَنَ أحَدُهُما الجَبَلَ، فَذُكُورُ أوْلادِهِ صِباحٌ وإناثُهم قِباحٌ؛ والآخَرُ السَّهْلَ، وأوْلادُهُ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. فَسَوّى لَهم إبْلِيسُ عِيدًا يَجْتَمِعُ جَمِيعُهم فِيهِ، فَمالَ ذُكُورُ الجَبَلِ إلى إناثِ السَّهْلِ وبِالعَكْسِ، فَكَثُرَتِ الفاحِشَةُ، فَهو تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وهي ثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ، كانَ الرِّجالُ صِباحًا والنِّساءُ قِباحًا، فَكانَتِ المَرْأةُ تَدْعُو الرَّجُلَ إلى نَفْسِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ إدْرِيسَ ونُوحٍ، كانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، تَجْمَعُ المَرْأةُ بَيْنَ زَوْجٍ وعَشِيقٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ. قالَ مُقاتِلٌ: زَمَنَ نُمْرُوذَ، بَغايا يَلْبَسْنَ أرَقَّ الدُّرُوعِ ويَمْشِينَ في الطُّرُقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجاهِلِيَّةُ الأُولى هي القَدِيمَةُ الَّتِي يُقالُ لَها الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ، (p-٢٣١)وهِيَ الزَّمانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ. كانَتِ المَرْأةُ تَلْبَسُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فَتَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ تَعْرِضُ نَفْسَها عَلى الرِّجالِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ، كانَ لِلْمَرْأةِ قَمِيصٌ مِنَ الدُّرِّ غَيْرُ مَخِيطِ الجانِبَيْنِ، يَظْهَرُ مِنهُ الأكْعابُ والسَّوْأتانِ. وقالَ المُبَرِّدُ: كانَتِ المَرْأةُ تَجْمَعُ بَيْنَ زَوْجِها وخِلْمِها، لِلزَّوْجِ نِصْفُها الأسْفَلُ، ولِلْخِلْمِ نِصْفُها، يَتَمَتَّعُ بِهِ في التَّقْبِيلِ والتَّرَشُّفِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى. وقالَ الشَّعْبِيُّ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأُولى زَمَنُ إبْراهِيمَ، والثّانِيَةُ زَمَنَ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، وقالَ الزَّجّاجُ: الأشْبَهُ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ لِأنَّهم هُمُ الجاهِلِيَّةُ المَعْرُوفُونَ كانُوا يَتَّخِذُونَ البَغايا، وإنَّما قِيلَ: الأُولى؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَقَدِّمٍ ومُتَقَدِّمَةٍ: أوَّلُ وأُولى، وتَأْوِيلُهُ أنَّهم تَقَدَّمُوا عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم أُولى وهم أوَّلُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبّاسٍ: وهَلْ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ إلّا واحِدَةً ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَلْ كانَتِ الأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ ؟ فَقالَ عُمَرُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يا ابْنَ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةَ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ، فَكانَ المَعْنى: ولا يَجِدُكُنَّ بِالتَّبَرُّجِ جاهِلِيَّةً في الإسْلامِ يَتَشَبَّهْنَ بِها بِأهْلِ جاهِلِيَّةِ الكُفْرِ. ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: «إنَّ فِيكَ جاهِلِيَّةً ”، قالَ: جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ أمْ إسْلامٍ ؟ فَقالَ:“ بَلْ جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ ”» . انْتَهى. والمَعْرُوفُ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما قالَ:“ «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ»، لِأبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي يَخُصُّها، فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ مِن سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكُفْرِ، ولِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، وكانَ أمْرُ النِّساءِ دُونَ حَجَبَةٍ، وجَعَلَها أوْلى بِالإضافَةِ إلى حالَةِ الإسْلامِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وقَدْ مَرَّ إطْلاقُ اسْمِ الجاهِلِيَّةِ عَلى تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ الإسْلامِ، فَقالُوا: جاهِلِيٌّ في الشُّعَراءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في البُخارِيِّ: سَمِعْتُ، أيْ: في الجاهِلِيَّةِ إلى غَيْرِ هَذا. انْتَهى.

الأحزاب 33:30

(p-٢٢٦)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] . (p-٢٢٧)سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أزْواجَهُ ﷺ، تَغايَرْنَ وأرَدْنَ زِيادَةً في كِسْوَةٍ ونَفَقَةٍ، فَنَزَلَتْ. ولَمّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وفَرَّقَ عَنْهُ الأحْزابَ وفَتَحَ عَلَيْهِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ، ظَنَّ أزْواجُهُ أنَّهُ اخْتُصَّ بِنَفائِسِ اليَهُودِ وذَخائِرِهِمْ، فَقَعَدْنَ حَوْلَهُ وقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَناتُ كِسْرى وقَيْصَرَ في الحُلِيِّ والحُلَلِ والإماءِ والخَوَلِ، ونَحْنُ عَلى ما تَراهُ مِنَ الفاقَةِ والضِّيقِ. وآلَمْنَ قَلْبَهُ بِمُطالَبَتِهِنَّ لَهُ بِتَوْسِعَةِ الحالِ، وأنْ يُعامِلَهُنَّ بِما يُعامِلُ بِهِ المُلُوكُ والأكابِرُ أزْواجَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِنَّ ما نَزَلَ في أمْرِهِنَّ؛ وأزْواجُهُ إذْ ذاكَ تِسْعٌ: عائِشَةُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ، وحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وهَؤُلاءِ مِن قُرَيْشٍ. ومِن غَيْرِ قُرَيْشٍ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسَدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلِقِيَّةُ، وصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ الخَيْبَرِيَّةُ. وقالَ أبُو القاسِمِ الصَّيْرَفِيُّ: لَمّا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، فاخْتارَ الآخِرَةَ، وأمَرَ بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ لِيَظْهَرَ صِدْقُ مُوافَقَتِهِنَّ، وكانَ تَحْتَهُ عَشْرُ نِساءٍ، زادَ الحِمْيَرِيَّةَ، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إلّا الحِمْيَرِيَّةَ. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ، وبَدَأ بِها، وكانَتْ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ: «إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، ولا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ» . ثُمَّ قَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فَقالَتْ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، لا تُخْبِرْ أزْواجَكَ أنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقالَ: «إنَّما بَعَثَنِي اللَّهُ مُبَلِّغًا ولَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا» . والظّاهِرُ أنَّهُنَّ إذا اخْتَرْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، مَتَّعَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وطَلَّقَهُنَّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ الفِراقُ دُونَ أنْ يُوقِعَهُ هو. وقالَ الأكْثَرُونَ: هي آيَةُ تَخْيِيرٍ، فَإذا قالَ لَها: اخْتارِي، فاخْتارَتْ زَوْجَها، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاقًا. وعَنْ عَلِيٍّ: تَكُونُ واحِدَةً رَجْعِيَّةً، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها، وقَعَتْ طَلْقَةٌ بائِنَةٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ؛ وواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ؛ وثَلاثٌ عِنْدَ مالِكٍ. وأكْثَرُ النّاسِ ذَهَبُوا إلى أنَّ الآيَةَ في التَّخْيِيرِ والطَّلاقِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ والحَسَنِ وقَتادَةَ، قالَ هَذا القائِلُ: وأمّا أمْرُ الطَّلاقِ فَمُرْجَأٌ، فَإنِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ، نَظَرَ هو كَيْفَ يُسَرِّحُهُنَّ، ولَيْسَ فِيها تَخْيِيرٌ في الطَّلاقِ؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ يَتَضَمَّنُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ، وهو قَدْ قالَ: ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ ولَيْسَ مَعَ بَتِّ الطَّلاقِ سَراحٌ جَمِيلٌ. انْتَهى. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، مِن أنَّهُ عَلَّقَ عَلى إرادَتِهِنَّ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا وُقُوعَ التَّمْتِيعِ والتَّسْرِيحِ مِنهُ، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهُ كانَ عَظِيمُ هَمِّكُنَّ ومَطْلَبِكُنَّ التَّعَمُّقَ في الدُّنْيا ونَيْلَ نَعِيمِها وزِينَتِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في: ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] في آلِ عِمْرانَ. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ قِيلَ: المُتْعَةُ واجِبَةٌ في الطَّلاقِ؛ وقِيلَ: مَندُوبٌ إلَيْها. والأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] يَقْتَضِي الوُجُوبَ في مَذْهَبِ الفُقَهاءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ المَذاهِبِ في البَقَرَةِ. والتَّسْرِيحُ الجَمِيلُ إمّا في دُونِ البَيْتِ، أوْ جَمِيلِ الثَّناءِ، والمُعْتَقَدِ وحُسْنِ العِشْرَةِ إنْ كانَ تامًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالتَّشْدِيدِ مِن مَتَّعَ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْتَعَ، ومَعْنى (أعَدَّ) هَيَّأ ويَسَّرَ، وأوْقَعَ الظّاهِرَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي تَرَتَّبَ لَهُنَّ بِهِ الأجْرَ العَظِيمَ، وهو الإحْسانُ، كَأنَّهُ قالَ: أعَدَّ لَكُنَّ؛ لِأنَّ مَن أرادَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ كانَ مُحْسِنًا. وقِراءَةُ حُمَيْدٍ الخَرّازِ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ والجُمْهُورُ: بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، أوْ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ويَكُونُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ، ولا يَضُرُّ دُخُولُ الفاءِ عَلى جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا ثُمَّ نادى نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ، لِيَجْعَلْنَ بالَهُنَّ مِمّا يُخاطَبْنَ بِهِ، إذا كانَ أمْرًا يُجْعَلُ لَهُ البالُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، (p-٢٢٨)والجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ الأسْوارِيُّ، ويَعْقُوبُ: ”تَأْتِ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ، حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ مَن. ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ كَبِيرَةٍ مِنَ المَعاصِي، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّها الزِّنى، لِعِصْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِن ذَلِكَ، ولِأنَّهُ وصَفَها بِالتَّبْيِينِ والزِّنى مِمّا يُتَسَتَّرُ بِهِ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ الفاحِشَةُ عَلى عُقُوقِ الزَّوْجِ وفَسادِ عِشْرَتِهِ. ولَمّا كانَ مَكانُهُنَّ مَهْبِطَ الوَحْيِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، لَزِمَهُنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وكَوْنِهِنَّ تَحْتَ الرَّسُولِ ﷺ أكْثَرُ مِمّا يَلْزَمُ غَيْرَهُنَّ، فَضُوعِفَ لَهُنَّ الأجْرُ والعَذابُ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: ﴿يُضاعَفْ﴾ بِألِفٍ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والحَسَنُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عامِرٍ: بِالنُّونِ وشَدِّ العَيْنِ مَكْسُورَةً؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالألِفِ والنُّونِ والكَسْرِ؛ وفِرْقَةٌ: بِياءِ الغَيْبَةِ والألِفِ والكَسْرِ. ومَن فَتَحَ العَيْنَ رَفَعَ (العَذابُ) ومَن كَسَرَها نَصَبَهُ. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: عَذابَيْنِ، فَيُضافُ إلى عَذابِ سائِرِ النّاسِ عَذابٌ آخَرُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما حَكى الطَّبَرِيُّ عَنْهُما: إنَّهُ يُضافُ إلى العَذابِ عَذابانِ، فَتَكُونُ ثَلاثَةً. وكَوْنُ الأجْرِ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ العَذابَ في الفاحِشَةِ بِإزاءِ الأجْرِ في الطّاعَةِ. ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: تَضْعِيفُ العَذابِ عَلَيْهِنَّ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أيْ: سَهْلًا، وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ كَوْنَهُنَّ نِساءً، مَعَ مُقارَفَةِ الذَّنْبِ، لا يُغْنِي عَنْهُنَّ شَيْئًا، وهو يُغْنِي عَنْهُنَّ، وهو سَبَبُ مُضاعَفَةِ العَذابِ. ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ أيْ: يُطِعْ ويَخْضَعْ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، وبِالمُوافَقَةِ لِرَسُولِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ بِالمُذَكَّرِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ ”مَن“، وتَعْمَلُ بِالتّاءِ حَمْلًا عَلى المَعْنى. ﴿نُؤْتِها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأسْوارِيُّ، ويَعْقُوبُ، في رِوايَةٍ: ”ومَن تَقْنُتْ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ، ورَواها أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ ونافِعٍ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ما سَمِعْتُ أنَّ أحَدًا قَرَأ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾، إلّا بِالتّاءِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِياءٍ مِن تَحْتُ في ثَلاثَتِها. وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ بِالياءِ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، ويَعْمَلُ بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مَن قالَ؛ فَقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ أصْلٌ لا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلتَّأْنِيثِ، وما عَلَّلُوهُ بِهِ قَدْ جاءَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (خالِصَةٌ) في الأنْعامِ. والرِّزْقُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ وعْدٌ دُنْياوِيٌّ، أيْ: أنَّ أرْزاقَها في الدُّنْيا عَلى اللَّهِ، وهو كَرِيمٌ مِن حَيْثُ هو حَلالٌ وقَصْدٌ، وبِرِضًا مِنَ اللَّهِ في نَيْلِهِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ ضِعْفَيْنِ هو عَذابُ الدُّنْيا، ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ؛ وكَذَلِكَ الأجْرُ، وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى. وإنَّما ضُوعِفَ أجْرُهُنَّ لِطَلَبِهِنَّ رِضا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِحُسْنِ الخُلُقِ وطِيبِ المُعاشَرَةِ والقَناعَةِ والتَّوَفُّرِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أيْ: لَيْسَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ كَشَخْصٍ واحِدٍ مِنَ النِّساءِ، أيْ: مِن نِساءِ عَصْرِكَ. ولَيْسَ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلى التَّشْبِيهِ في كَوْنِهِنَّ نِسْوَةً. تَقُولُ: لَيْسَ زَيْدٌ كَآحادِ النّاسِ، لا تُرِيدُ نَفْيَ التَّشْبِيهِ عَنْ كَوْنِهِ إنْسانًا، بَلْ في وصْفٍ أخَصَّ مَوْجُودٍ فِيهِ، وهو كَوْنُهُ عالِمًا، أوْ عامِلًا، أوْ مُصَلِّيًا. فالمَعْنى: أنَّهُ يُوجَدُ فِيكُنَّ مِنَ التَّمْيِيزِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِكُنَّ، وهو كَوْنُكُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وزَوْجاتِ خَيْرِ المُرْسَلِينَ. ونَزَلَ القُرْآنُ فِيكُنَّ، فَكَما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ كَأحَدٍ مِنَ الرِّجالِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَسْتُ كَأحَدِكم»، كَذَلِكَ زَوْجاتُهُ اللّاتِي تَشَرَّفْنَ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى وحَدٍ، وهو الواحِدُ؛ ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ (p-٢٢٩)المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ وما وراءَهُ، والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ، أيْ: إذا تَقَصَّيْتَ أُمَّةَ النِّساءِ جَماعَةً جَماعَةً، لَمْ يُوجَدْ مِنهُنَّ جَماعَةٌ واحِدَةٌ تُساوِيكُنَّ في الفَضْلِ والسّابِقَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] يُرِيدُ بَيْنَ جَماعَةٍ واحِدَةٍ مِنهم، تَسْوِيَةً بَيْنَ جَمِيعِهِمْ في أنَّهم عَلى الحَقِّ المُبِينِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى: وحَدٍ، وهو الواحِدُ فَصَحِيحٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ثُمَّ وضَعَ، إلى قَوْلِهِ: وما وراءَهُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَدْلُولُهُ غَيْرُ مَدْلُولِ واحِدٍ؛ لِأنَّ واحِدًا يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اتَّصَفَ بِالوَحْدَةِ، و”أحَدٌ“ المُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَخْصُوصٌ بِمَن يَعْقِلُ. وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ مادَّتَهُ هَمْزَةٌ وحاءٌ ودالٌ، ومادَّةُ أحَدٍ بِمَعْنى وحَدٍ أصْلُهُ واوٌ وحاءٌ ودالٌ، فَقَدِ اخْتَلَفا مادَّةً ومَدْلُولًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ﴾ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ، فَقَدْ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لَسْتُنَّ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ، فَهو حُكْمٌ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ واحِدَةٍ، لَيْسَ حُكْمًا عَلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ. وقُلْنا: إنَّ مَعْنى ﴿كَأحَدٍ﴾: كَشَخْصٍ واحِدٍ، فَأبْقَيْنا أحَدًا عَلى مَوْضُوعِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ، ولَمْ نَتَأوَّلْهُ بِجَماعَةٍ واحِدَةٍ. وأمّا ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الَّذِي لِلنَّفْيِ العامِّ، ولِذَلِكَ جاءَ في سِياقِ النَّفْيِ، فَعَمَّ وصَلُحَتِ البَيْنِيَّةُ لِلْعُمُومِ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ”أحَدٌ“ بِمَعْنى واحِدٍ، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَعْطُوفٌ، أيْ: بَيْنَ واحِدٍ وواحِدٍ مِن رُسُلِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ: لَسْتُنَّ مِثْلَهُنَّ إنِ اتَّقَيْتُنَّ اللَّهَ، وذَلِكَ لَمّا انْضافَ مَعَ تَقْوى اللَّهِ مِن صُحْبَةِ الرَّسُولِ ﷺ وعَظِيمِ المَحَلِّ مِنهُ، ونُزُولِ القُرْآنِ في بَيْتِهِنَّ وفي حَقِّهِنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إنْ أرَدْتُنَّ التَّقْوى، وإنْ كُنَّ مُتَّقِياتٍ. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ فَلا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا، أيْ: لَيِّنًا خَنِثًا، مِثْلَ كَلامِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: رِيبَةً وفُجُورًا. انْتَهى. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ قَيْدًا في كَوْنِهِنَّ لَسْنَ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ، ويَكُونُ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا. وعَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، يَكُونُ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ابْتِداءَ شَرْطٍ، وجَوابُهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ وكِلا القَوْلَيْنِ فِيهِما حُمِلَ. ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وهو ظاهِرُ الِاسْتِعْمالِ، وعِنْدِي أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَعْناهُ: إنِ اسْتَقْبَلْتُنَّ أحَدًا ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ . واتَّقى بِمَعْنى: اسْتَقْبَلَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، قالَ النّابِغَةُ: ؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ ∗∗∗ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ أيِ: اسْتَقْبَلَتْنا بِاليَدِ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى أبْلَغَ في مَدْحِهِنَّ، إذْ لَمْ يُعَلِّقْ فَضِيلَتَهُنَّ عَلى التَّقْوى، ولا عَلَّقَ نَهْيَهُنَّ عَنِ الخُضُوعِ بِها، إذْ هُنَّ مُتَّقِياتٌ لِلَّهِ في أنْفُسِهِنَّ، والتَّعْلِيقُ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهُنَّ لَسْنَ مُتَحَلِّياتٍ بِالتَّقْوى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ. وقالَ الحَسَنُ: لا تَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَكَلَّمْنَ بِما يَهْوى المُرِيبُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ ما يُدْخِلُ في القَلْبِ الغَزَلَ. وقِيلَ: لا تُلِنَّ لِلرِّجالِ القَوْلَ. أمَرَ تَعالى أنْ يَكُونَ الكَلامُ خَيْرًا، لا عَلى وجْهٍ يُظْهِرُ في القَلْبِ عَلاقَةَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ اللِّينِ، كَما كانَ الحالُ عَلَيْهِ في نِساءِ العَرَبِ مِن مُكالَمَةِ الرِّجالِ بِرَخِيمِ الصَّوْتِ ولَيِّنِهِ، مِثْلَ كَلامِ المُومِساتِ، فَنَهاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَكَلُّمٍ لَوْ تَسْتَطِيعُ كَلامَهُ ∗∗∗ لَدَنَتْ لَهُ أرْوى الهِضابِ الصُّخَّدِ وقالَ آخَرُ: ؎لَوْ أنَّها عَرَضَتْ لِأشْمَطَ راهِبٍ ∗∗∗ عَبَدَ الإلَهَ صَرُورَةٍ مُتَعَبِّدِ ؎لَرَنا لِرُؤْيَتِها وحُسْنِ حَدِيثِها ∗∗∗ ولَخالَهُ رُشْدًا وإنْ لَمْ يَرْشُدِ (p-٢٣٠)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَطْمَعَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ ونَصْبِ العَيْنِ، جَوابًا لِلنَّهْيِ؛ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، وابْنُ هُرْمُزَ: بِالجَزْمِ، فَكُسِرَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، نُهِينَ عَنِ الخُضُوعِ بِالقَوْلِ، ونُهِيَ مَرِيضُ القَلْبِ عَنِ الطَّمَعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَخْضَعْ فَلا تَطْمَعْ. وقِراءَةُ النَّصْبِ أبْلَغُ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي الخُضُوعَ بِسَبَبِ الطَّمَعِ. وقالَ أبُو عُمَرٍو الدّانِيُّ: قَرَأ الأعْرَجُ وعِيسى: ”فَيَطْمِعَ“، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ. ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي السِّماكِ، قالَ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وذَكَرَ أنَّ الأعْرَجَ، وهو ابْنُ هُرْمُزَ، قَرَأ: ”فَيُطْمِعَ“، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ، أيْ: فَيَطْمَعُ هو، أيِ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ؛ و(الَّذِي) مَفْعُولٌ، أوِ (الَّذِي) فاعِلٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَيَطْمَعُ نَفْسُهُ. والمَرَضُ، قالَ قَتادَةُ: النِّفاقُ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: الفِسْقُ والغَزَلُ. ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ والمُحَرَّمُ، وهو الَّذِي لا تُنْكِرُهُ الشَّرِيعَةُ ولا العُقُولُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَرْأةُ تَنْدُبُ إذا خالَطَتِ الأجانِبَ، عَلَيْها بِالمُصاهَرَةِ إلى الغِلْظَةِ في القَوْلِ مِن غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّها مَأْمُورَةٌ بِخَفْضِ الكَلامِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْرُوفًا صَحِيحًا، بِلا هَجَرٍ ولا تَمْرِيضٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَنِيفًا؛ وقِيلَ: خَشِنًا حَسَنًا؛ وقِيلَ: مَعْرُوفًا، أيْ: قَوْلًا أُذِنَ لَكم فِيهِ؛ وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وقِرْنَ“، بِكَسْرِ القافِ، مِن وقَرَ يَقِرُ إذا سَكَنَ وأصْلُهُ: أوْقِرْنَ، مِثْلُ عِدْنَ مِن وعَدَ. وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ الهَمْدانِيُّ، في كِتابِ التِّبْيانِ، وجْهًا آخَرَ قالَ: قارَّ يَقارُّ، إذا اجْتَمَعَ، ومِنهُ القارَّةُ لِاجْتِماعِها. ألا تَرى إلى قَوْلِ عُضَلَ والدِّيشِ: اجْتَمِعُوا فَكُونُوا قارَّةً ؟ فالمَعْنى: اجْمَعْنَ أنْفُسَكُنَّ في بُيُوتِكُنَّ. ﴿وقَرْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أمْرٌ مِن قارَ، كَما تَقُولُ: خِفْنَ مِن خافَ؛ أوْ مِنَ القَرارِ، تَقُولُ: قَرَرْتُ بِالمَكانِ، وأصْلُهُ: واقْرِرْنَ، حُذِفَتِ الرّاءُ الثّانِيَةُ تَخْفِيفًا، كَما حَذَفُوا لامَ ظَلِلْتُ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِسُكُونِها وسُكُونِ الرّاءِ بَعْدَها. انْتَهى، وهَذا غايَةٌ في التَّحْمِيلِ كَعادَتِهِ. وقَرَأ عاصِمٌ ونافِعٌ: بِفَتْحِ القافِ، وهي لُغَةُ العَرَبِ؛ يَقُولُونَ: قَرِرْتُ بِالمَكانِ، بِكَسْرِ الرّاءِ وبِفَتْحِ القافِ، حَكاهُ أبُو عُبَيْدٍ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وأنْكَرَها قَوْمٌ، مِنهُمُ المازِنِيُّ، وقالُوا: بِكَسْرِ الرّاءِ، مِن قَرَّتِ العَيْنُ، وبِفَتْحِها مِنَ القَرارِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”واقْرِرْنَ“، بِألِفِ الوَصْلِ وكَسْرِ الرّاءِ الأُولى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى قَرِرْتُ، وأنَّهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ مِنَ القَرارِ ومِنَ القِرَّةِ. أمَرَهُنَّ تَعالى بِمُلازَمَةِ بُيُوتِهِنَّ، ونَهاهُنَّ عَنِ التَّبَرُّجِ، وأعْلَمَ تَعالى أنَّهُ فِعْلُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى، وكانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها، تَتَذَكَّرُ خُرُوجَها أيّامَ الجَمَلِ تَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمانَ. وقِيلَ لِسَوْدَةَ: لِمَ لا تَحُجِّينَ وتَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ إخْوانُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ جِنازَتُها. ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: التَّبَرُّجُ: التَّبَخْتُرُ والتَّغَنُّجُ والتَّكَسُّرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُلْقِي الخِمارَ عَلى وجْهِها ولا تَشُدُّهُ. وقالَ المُبَرِّدُ: تُبْدِي مِن مَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ. و﴿الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] يَدُلُّ عَلى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ وأُخْرى مُتَأخِّرَةٌ. فَقِيلَ: هُما ابْنانِ لِآدَمَ، سَكَنَ أحَدُهُما الجَبَلَ، فَذُكُورُ أوْلادِهِ صِباحٌ وإناثُهم قِباحٌ؛ والآخَرُ السَّهْلَ، وأوْلادُهُ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. فَسَوّى لَهم إبْلِيسُ عِيدًا يَجْتَمِعُ جَمِيعُهم فِيهِ، فَمالَ ذُكُورُ الجَبَلِ إلى إناثِ السَّهْلِ وبِالعَكْسِ، فَكَثُرَتِ الفاحِشَةُ، فَهو تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وهي ثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ، كانَ الرِّجالُ صِباحًا والنِّساءُ قِباحًا، فَكانَتِ المَرْأةُ تَدْعُو الرَّجُلَ إلى نَفْسِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ إدْرِيسَ ونُوحٍ، كانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، تَجْمَعُ المَرْأةُ بَيْنَ زَوْجٍ وعَشِيقٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ. قالَ مُقاتِلٌ: زَمَنَ نُمْرُوذَ، بَغايا يَلْبَسْنَ أرَقَّ الدُّرُوعِ ويَمْشِينَ في الطُّرُقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجاهِلِيَّةُ الأُولى هي القَدِيمَةُ الَّتِي يُقالُ لَها الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ، (p-٢٣١)وهِيَ الزَّمانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ. كانَتِ المَرْأةُ تَلْبَسُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فَتَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ تَعْرِضُ نَفْسَها عَلى الرِّجالِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ، كانَ لِلْمَرْأةِ قَمِيصٌ مِنَ الدُّرِّ غَيْرُ مَخِيطِ الجانِبَيْنِ، يَظْهَرُ مِنهُ الأكْعابُ والسَّوْأتانِ. وقالَ المُبَرِّدُ: كانَتِ المَرْأةُ تَجْمَعُ بَيْنَ زَوْجِها وخِلْمِها، لِلزَّوْجِ نِصْفُها الأسْفَلُ، ولِلْخِلْمِ نِصْفُها، يَتَمَتَّعُ بِهِ في التَّقْبِيلِ والتَّرَشُّفِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى. وقالَ الشَّعْبِيُّ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأُولى زَمَنُ إبْراهِيمَ، والثّانِيَةُ زَمَنَ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، وقالَ الزَّجّاجُ: الأشْبَهُ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ لِأنَّهم هُمُ الجاهِلِيَّةُ المَعْرُوفُونَ كانُوا يَتَّخِذُونَ البَغايا، وإنَّما قِيلَ: الأُولى؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَقَدِّمٍ ومُتَقَدِّمَةٍ: أوَّلُ وأُولى، وتَأْوِيلُهُ أنَّهم تَقَدَّمُوا عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم أُولى وهم أوَّلُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبّاسٍ: وهَلْ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ إلّا واحِدَةً ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَلْ كانَتِ الأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ ؟ فَقالَ عُمَرُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يا ابْنَ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةَ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ، فَكانَ المَعْنى: ولا يَجِدُكُنَّ بِالتَّبَرُّجِ جاهِلِيَّةً في الإسْلامِ يَتَشَبَّهْنَ بِها بِأهْلِ جاهِلِيَّةِ الكُفْرِ. ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: «إنَّ فِيكَ جاهِلِيَّةً ”، قالَ: جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ أمْ إسْلامٍ ؟ فَقالَ:“ بَلْ جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ ”» . انْتَهى. والمَعْرُوفُ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما قالَ:“ «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ»، لِأبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي يَخُصُّها، فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ مِن سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكُفْرِ، ولِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، وكانَ أمْرُ النِّساءِ دُونَ حَجَبَةٍ، وجَعَلَها أوْلى بِالإضافَةِ إلى حالَةِ الإسْلامِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وقَدْ مَرَّ إطْلاقُ اسْمِ الجاهِلِيَّةِ عَلى تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ الإسْلامِ، فَقالُوا: جاهِلِيٌّ في الشُّعَراءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في البُخارِيِّ: سَمِعْتُ، أيْ: في الجاهِلِيَّةِ إلى غَيْرِ هَذا. انْتَهى.

الأحزاب 33:31

(p-٢٢٦)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] . (p-٢٢٧)سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أزْواجَهُ ﷺ، تَغايَرْنَ وأرَدْنَ زِيادَةً في كِسْوَةٍ ونَفَقَةٍ، فَنَزَلَتْ. ولَمّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وفَرَّقَ عَنْهُ الأحْزابَ وفَتَحَ عَلَيْهِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ، ظَنَّ أزْواجُهُ أنَّهُ اخْتُصَّ بِنَفائِسِ اليَهُودِ وذَخائِرِهِمْ، فَقَعَدْنَ حَوْلَهُ وقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَناتُ كِسْرى وقَيْصَرَ في الحُلِيِّ والحُلَلِ والإماءِ والخَوَلِ، ونَحْنُ عَلى ما تَراهُ مِنَ الفاقَةِ والضِّيقِ. وآلَمْنَ قَلْبَهُ بِمُطالَبَتِهِنَّ لَهُ بِتَوْسِعَةِ الحالِ، وأنْ يُعامِلَهُنَّ بِما يُعامِلُ بِهِ المُلُوكُ والأكابِرُ أزْواجَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِنَّ ما نَزَلَ في أمْرِهِنَّ؛ وأزْواجُهُ إذْ ذاكَ تِسْعٌ: عائِشَةُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ، وحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وهَؤُلاءِ مِن قُرَيْشٍ. ومِن غَيْرِ قُرَيْشٍ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسَدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلِقِيَّةُ، وصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ الخَيْبَرِيَّةُ. وقالَ أبُو القاسِمِ الصَّيْرَفِيُّ: لَمّا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، فاخْتارَ الآخِرَةَ، وأمَرَ بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ لِيَظْهَرَ صِدْقُ مُوافَقَتِهِنَّ، وكانَ تَحْتَهُ عَشْرُ نِساءٍ، زادَ الحِمْيَرِيَّةَ، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إلّا الحِمْيَرِيَّةَ. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ، وبَدَأ بِها، وكانَتْ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ: «إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، ولا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ» . ثُمَّ قَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فَقالَتْ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، لا تُخْبِرْ أزْواجَكَ أنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقالَ: «إنَّما بَعَثَنِي اللَّهُ مُبَلِّغًا ولَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا» . والظّاهِرُ أنَّهُنَّ إذا اخْتَرْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، مَتَّعَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وطَلَّقَهُنَّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ الفِراقُ دُونَ أنْ يُوقِعَهُ هو. وقالَ الأكْثَرُونَ: هي آيَةُ تَخْيِيرٍ، فَإذا قالَ لَها: اخْتارِي، فاخْتارَتْ زَوْجَها، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاقًا. وعَنْ عَلِيٍّ: تَكُونُ واحِدَةً رَجْعِيَّةً، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها، وقَعَتْ طَلْقَةٌ بائِنَةٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ؛ وواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ؛ وثَلاثٌ عِنْدَ مالِكٍ. وأكْثَرُ النّاسِ ذَهَبُوا إلى أنَّ الآيَةَ في التَّخْيِيرِ والطَّلاقِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ والحَسَنِ وقَتادَةَ، قالَ هَذا القائِلُ: وأمّا أمْرُ الطَّلاقِ فَمُرْجَأٌ، فَإنِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ، نَظَرَ هو كَيْفَ يُسَرِّحُهُنَّ، ولَيْسَ فِيها تَخْيِيرٌ في الطَّلاقِ؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ يَتَضَمَّنُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ، وهو قَدْ قالَ: ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ ولَيْسَ مَعَ بَتِّ الطَّلاقِ سَراحٌ جَمِيلٌ. انْتَهى. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، مِن أنَّهُ عَلَّقَ عَلى إرادَتِهِنَّ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا وُقُوعَ التَّمْتِيعِ والتَّسْرِيحِ مِنهُ، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهُ كانَ عَظِيمُ هَمِّكُنَّ ومَطْلَبِكُنَّ التَّعَمُّقَ في الدُّنْيا ونَيْلَ نَعِيمِها وزِينَتِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في: ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] في آلِ عِمْرانَ. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ قِيلَ: المُتْعَةُ واجِبَةٌ في الطَّلاقِ؛ وقِيلَ: مَندُوبٌ إلَيْها. والأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] يَقْتَضِي الوُجُوبَ في مَذْهَبِ الفُقَهاءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ المَذاهِبِ في البَقَرَةِ. والتَّسْرِيحُ الجَمِيلُ إمّا في دُونِ البَيْتِ، أوْ جَمِيلِ الثَّناءِ، والمُعْتَقَدِ وحُسْنِ العِشْرَةِ إنْ كانَ تامًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالتَّشْدِيدِ مِن مَتَّعَ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْتَعَ، ومَعْنى (أعَدَّ) هَيَّأ ويَسَّرَ، وأوْقَعَ الظّاهِرَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي تَرَتَّبَ لَهُنَّ بِهِ الأجْرَ العَظِيمَ، وهو الإحْسانُ، كَأنَّهُ قالَ: أعَدَّ لَكُنَّ؛ لِأنَّ مَن أرادَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ كانَ مُحْسِنًا. وقِراءَةُ حُمَيْدٍ الخَرّازِ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ والجُمْهُورُ: بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، أوْ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ويَكُونُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ، ولا يَضُرُّ دُخُولُ الفاءِ عَلى جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا ثُمَّ نادى نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ، لِيَجْعَلْنَ بالَهُنَّ مِمّا يُخاطَبْنَ بِهِ، إذا كانَ أمْرًا يُجْعَلُ لَهُ البالُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، (p-٢٢٨)والجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ الأسْوارِيُّ، ويَعْقُوبُ: ”تَأْتِ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ، حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ مَن. ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ كَبِيرَةٍ مِنَ المَعاصِي، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّها الزِّنى، لِعِصْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِن ذَلِكَ، ولِأنَّهُ وصَفَها بِالتَّبْيِينِ والزِّنى مِمّا يُتَسَتَّرُ بِهِ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ الفاحِشَةُ عَلى عُقُوقِ الزَّوْجِ وفَسادِ عِشْرَتِهِ. ولَمّا كانَ مَكانُهُنَّ مَهْبِطَ الوَحْيِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، لَزِمَهُنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وكَوْنِهِنَّ تَحْتَ الرَّسُولِ ﷺ أكْثَرُ مِمّا يَلْزَمُ غَيْرَهُنَّ، فَضُوعِفَ لَهُنَّ الأجْرُ والعَذابُ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: ﴿يُضاعَفْ﴾ بِألِفٍ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والحَسَنُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عامِرٍ: بِالنُّونِ وشَدِّ العَيْنِ مَكْسُورَةً؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالألِفِ والنُّونِ والكَسْرِ؛ وفِرْقَةٌ: بِياءِ الغَيْبَةِ والألِفِ والكَسْرِ. ومَن فَتَحَ العَيْنَ رَفَعَ (العَذابُ) ومَن كَسَرَها نَصَبَهُ. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: عَذابَيْنِ، فَيُضافُ إلى عَذابِ سائِرِ النّاسِ عَذابٌ آخَرُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما حَكى الطَّبَرِيُّ عَنْهُما: إنَّهُ يُضافُ إلى العَذابِ عَذابانِ، فَتَكُونُ ثَلاثَةً. وكَوْنُ الأجْرِ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ العَذابَ في الفاحِشَةِ بِإزاءِ الأجْرِ في الطّاعَةِ. ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: تَضْعِيفُ العَذابِ عَلَيْهِنَّ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أيْ: سَهْلًا، وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ كَوْنَهُنَّ نِساءً، مَعَ مُقارَفَةِ الذَّنْبِ، لا يُغْنِي عَنْهُنَّ شَيْئًا، وهو يُغْنِي عَنْهُنَّ، وهو سَبَبُ مُضاعَفَةِ العَذابِ. ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ أيْ: يُطِعْ ويَخْضَعْ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، وبِالمُوافَقَةِ لِرَسُولِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ بِالمُذَكَّرِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ ”مَن“، وتَعْمَلُ بِالتّاءِ حَمْلًا عَلى المَعْنى. ﴿نُؤْتِها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأسْوارِيُّ، ويَعْقُوبُ، في رِوايَةٍ: ”ومَن تَقْنُتْ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ، ورَواها أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ ونافِعٍ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ما سَمِعْتُ أنَّ أحَدًا قَرَأ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾، إلّا بِالتّاءِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِياءٍ مِن تَحْتُ في ثَلاثَتِها. وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ بِالياءِ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، ويَعْمَلُ بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مَن قالَ؛ فَقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ أصْلٌ لا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلتَّأْنِيثِ، وما عَلَّلُوهُ بِهِ قَدْ جاءَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (خالِصَةٌ) في الأنْعامِ. والرِّزْقُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ وعْدٌ دُنْياوِيٌّ، أيْ: أنَّ أرْزاقَها في الدُّنْيا عَلى اللَّهِ، وهو كَرِيمٌ مِن حَيْثُ هو حَلالٌ وقَصْدٌ، وبِرِضًا مِنَ اللَّهِ في نَيْلِهِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ ضِعْفَيْنِ هو عَذابُ الدُّنْيا، ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ؛ وكَذَلِكَ الأجْرُ، وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى. وإنَّما ضُوعِفَ أجْرُهُنَّ لِطَلَبِهِنَّ رِضا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِحُسْنِ الخُلُقِ وطِيبِ المُعاشَرَةِ والقَناعَةِ والتَّوَفُّرِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أيْ: لَيْسَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ كَشَخْصٍ واحِدٍ مِنَ النِّساءِ، أيْ: مِن نِساءِ عَصْرِكَ. ولَيْسَ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلى التَّشْبِيهِ في كَوْنِهِنَّ نِسْوَةً. تَقُولُ: لَيْسَ زَيْدٌ كَآحادِ النّاسِ، لا تُرِيدُ نَفْيَ التَّشْبِيهِ عَنْ كَوْنِهِ إنْسانًا، بَلْ في وصْفٍ أخَصَّ مَوْجُودٍ فِيهِ، وهو كَوْنُهُ عالِمًا، أوْ عامِلًا، أوْ مُصَلِّيًا. فالمَعْنى: أنَّهُ يُوجَدُ فِيكُنَّ مِنَ التَّمْيِيزِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِكُنَّ، وهو كَوْنُكُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وزَوْجاتِ خَيْرِ المُرْسَلِينَ. ونَزَلَ القُرْآنُ فِيكُنَّ، فَكَما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ كَأحَدٍ مِنَ الرِّجالِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَسْتُ كَأحَدِكم»، كَذَلِكَ زَوْجاتُهُ اللّاتِي تَشَرَّفْنَ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى وحَدٍ، وهو الواحِدُ؛ ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ (p-٢٢٩)المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ وما وراءَهُ، والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ، أيْ: إذا تَقَصَّيْتَ أُمَّةَ النِّساءِ جَماعَةً جَماعَةً، لَمْ يُوجَدْ مِنهُنَّ جَماعَةٌ واحِدَةٌ تُساوِيكُنَّ في الفَضْلِ والسّابِقَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] يُرِيدُ بَيْنَ جَماعَةٍ واحِدَةٍ مِنهم، تَسْوِيَةً بَيْنَ جَمِيعِهِمْ في أنَّهم عَلى الحَقِّ المُبِينِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى: وحَدٍ، وهو الواحِدُ فَصَحِيحٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ثُمَّ وضَعَ، إلى قَوْلِهِ: وما وراءَهُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَدْلُولُهُ غَيْرُ مَدْلُولِ واحِدٍ؛ لِأنَّ واحِدًا يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اتَّصَفَ بِالوَحْدَةِ، و”أحَدٌ“ المُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَخْصُوصٌ بِمَن يَعْقِلُ. وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ مادَّتَهُ هَمْزَةٌ وحاءٌ ودالٌ، ومادَّةُ أحَدٍ بِمَعْنى وحَدٍ أصْلُهُ واوٌ وحاءٌ ودالٌ، فَقَدِ اخْتَلَفا مادَّةً ومَدْلُولًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ﴾ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ، فَقَدْ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لَسْتُنَّ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ، فَهو حُكْمٌ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ واحِدَةٍ، لَيْسَ حُكْمًا عَلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ. وقُلْنا: إنَّ مَعْنى ﴿كَأحَدٍ﴾: كَشَخْصٍ واحِدٍ، فَأبْقَيْنا أحَدًا عَلى مَوْضُوعِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ، ولَمْ نَتَأوَّلْهُ بِجَماعَةٍ واحِدَةٍ. وأمّا ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الَّذِي لِلنَّفْيِ العامِّ، ولِذَلِكَ جاءَ في سِياقِ النَّفْيِ، فَعَمَّ وصَلُحَتِ البَيْنِيَّةُ لِلْعُمُومِ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ”أحَدٌ“ بِمَعْنى واحِدٍ، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَعْطُوفٌ، أيْ: بَيْنَ واحِدٍ وواحِدٍ مِن رُسُلِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ: لَسْتُنَّ مِثْلَهُنَّ إنِ اتَّقَيْتُنَّ اللَّهَ، وذَلِكَ لَمّا انْضافَ مَعَ تَقْوى اللَّهِ مِن صُحْبَةِ الرَّسُولِ ﷺ وعَظِيمِ المَحَلِّ مِنهُ، ونُزُولِ القُرْآنِ في بَيْتِهِنَّ وفي حَقِّهِنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إنْ أرَدْتُنَّ التَّقْوى، وإنْ كُنَّ مُتَّقِياتٍ. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ فَلا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا، أيْ: لَيِّنًا خَنِثًا، مِثْلَ كَلامِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: رِيبَةً وفُجُورًا. انْتَهى. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ قَيْدًا في كَوْنِهِنَّ لَسْنَ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ، ويَكُونُ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا. وعَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، يَكُونُ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ابْتِداءَ شَرْطٍ، وجَوابُهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ وكِلا القَوْلَيْنِ فِيهِما حُمِلَ. ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وهو ظاهِرُ الِاسْتِعْمالِ، وعِنْدِي أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَعْناهُ: إنِ اسْتَقْبَلْتُنَّ أحَدًا ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ . واتَّقى بِمَعْنى: اسْتَقْبَلَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، قالَ النّابِغَةُ: ؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ ∗∗∗ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ أيِ: اسْتَقْبَلَتْنا بِاليَدِ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى أبْلَغَ في مَدْحِهِنَّ، إذْ لَمْ يُعَلِّقْ فَضِيلَتَهُنَّ عَلى التَّقْوى، ولا عَلَّقَ نَهْيَهُنَّ عَنِ الخُضُوعِ بِها، إذْ هُنَّ مُتَّقِياتٌ لِلَّهِ في أنْفُسِهِنَّ، والتَّعْلِيقُ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهُنَّ لَسْنَ مُتَحَلِّياتٍ بِالتَّقْوى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ. وقالَ الحَسَنُ: لا تَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَكَلَّمْنَ بِما يَهْوى المُرِيبُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ ما يُدْخِلُ في القَلْبِ الغَزَلَ. وقِيلَ: لا تُلِنَّ لِلرِّجالِ القَوْلَ. أمَرَ تَعالى أنْ يَكُونَ الكَلامُ خَيْرًا، لا عَلى وجْهٍ يُظْهِرُ في القَلْبِ عَلاقَةَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ اللِّينِ، كَما كانَ الحالُ عَلَيْهِ في نِساءِ العَرَبِ مِن مُكالَمَةِ الرِّجالِ بِرَخِيمِ الصَّوْتِ ولَيِّنِهِ، مِثْلَ كَلامِ المُومِساتِ، فَنَهاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَكَلُّمٍ لَوْ تَسْتَطِيعُ كَلامَهُ ∗∗∗ لَدَنَتْ لَهُ أرْوى الهِضابِ الصُّخَّدِ وقالَ آخَرُ: ؎لَوْ أنَّها عَرَضَتْ لِأشْمَطَ راهِبٍ ∗∗∗ عَبَدَ الإلَهَ صَرُورَةٍ مُتَعَبِّدِ ؎لَرَنا لِرُؤْيَتِها وحُسْنِ حَدِيثِها ∗∗∗ ولَخالَهُ رُشْدًا وإنْ لَمْ يَرْشُدِ (p-٢٣٠)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَطْمَعَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ ونَصْبِ العَيْنِ، جَوابًا لِلنَّهْيِ؛ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، وابْنُ هُرْمُزَ: بِالجَزْمِ، فَكُسِرَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، نُهِينَ عَنِ الخُضُوعِ بِالقَوْلِ، ونُهِيَ مَرِيضُ القَلْبِ عَنِ الطَّمَعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَخْضَعْ فَلا تَطْمَعْ. وقِراءَةُ النَّصْبِ أبْلَغُ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي الخُضُوعَ بِسَبَبِ الطَّمَعِ. وقالَ أبُو عُمَرٍو الدّانِيُّ: قَرَأ الأعْرَجُ وعِيسى: ”فَيَطْمِعَ“، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ. ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي السِّماكِ، قالَ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وذَكَرَ أنَّ الأعْرَجَ، وهو ابْنُ هُرْمُزَ، قَرَأ: ”فَيُطْمِعَ“، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ، أيْ: فَيَطْمَعُ هو، أيِ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ؛ و(الَّذِي) مَفْعُولٌ، أوِ (الَّذِي) فاعِلٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَيَطْمَعُ نَفْسُهُ. والمَرَضُ، قالَ قَتادَةُ: النِّفاقُ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: الفِسْقُ والغَزَلُ. ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ والمُحَرَّمُ، وهو الَّذِي لا تُنْكِرُهُ الشَّرِيعَةُ ولا العُقُولُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَرْأةُ تَنْدُبُ إذا خالَطَتِ الأجانِبَ، عَلَيْها بِالمُصاهَرَةِ إلى الغِلْظَةِ في القَوْلِ مِن غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّها مَأْمُورَةٌ بِخَفْضِ الكَلامِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْرُوفًا صَحِيحًا، بِلا هَجَرٍ ولا تَمْرِيضٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَنِيفًا؛ وقِيلَ: خَشِنًا حَسَنًا؛ وقِيلَ: مَعْرُوفًا، أيْ: قَوْلًا أُذِنَ لَكم فِيهِ؛ وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وقِرْنَ“، بِكَسْرِ القافِ، مِن وقَرَ يَقِرُ إذا سَكَنَ وأصْلُهُ: أوْقِرْنَ، مِثْلُ عِدْنَ مِن وعَدَ. وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ الهَمْدانِيُّ، في كِتابِ التِّبْيانِ، وجْهًا آخَرَ قالَ: قارَّ يَقارُّ، إذا اجْتَمَعَ، ومِنهُ القارَّةُ لِاجْتِماعِها. ألا تَرى إلى قَوْلِ عُضَلَ والدِّيشِ: اجْتَمِعُوا فَكُونُوا قارَّةً ؟ فالمَعْنى: اجْمَعْنَ أنْفُسَكُنَّ في بُيُوتِكُنَّ. ﴿وقَرْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أمْرٌ مِن قارَ، كَما تَقُولُ: خِفْنَ مِن خافَ؛ أوْ مِنَ القَرارِ، تَقُولُ: قَرَرْتُ بِالمَكانِ، وأصْلُهُ: واقْرِرْنَ، حُذِفَتِ الرّاءُ الثّانِيَةُ تَخْفِيفًا، كَما حَذَفُوا لامَ ظَلِلْتُ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِسُكُونِها وسُكُونِ الرّاءِ بَعْدَها. انْتَهى، وهَذا غايَةٌ في التَّحْمِيلِ كَعادَتِهِ. وقَرَأ عاصِمٌ ونافِعٌ: بِفَتْحِ القافِ، وهي لُغَةُ العَرَبِ؛ يَقُولُونَ: قَرِرْتُ بِالمَكانِ، بِكَسْرِ الرّاءِ وبِفَتْحِ القافِ، حَكاهُ أبُو عُبَيْدٍ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وأنْكَرَها قَوْمٌ، مِنهُمُ المازِنِيُّ، وقالُوا: بِكَسْرِ الرّاءِ، مِن قَرَّتِ العَيْنُ، وبِفَتْحِها مِنَ القَرارِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”واقْرِرْنَ“، بِألِفِ الوَصْلِ وكَسْرِ الرّاءِ الأُولى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى قَرِرْتُ، وأنَّهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ مِنَ القَرارِ ومِنَ القِرَّةِ. أمَرَهُنَّ تَعالى بِمُلازَمَةِ بُيُوتِهِنَّ، ونَهاهُنَّ عَنِ التَّبَرُّجِ، وأعْلَمَ تَعالى أنَّهُ فِعْلُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى، وكانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها، تَتَذَكَّرُ خُرُوجَها أيّامَ الجَمَلِ تَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمانَ. وقِيلَ لِسَوْدَةَ: لِمَ لا تَحُجِّينَ وتَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ إخْوانُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ جِنازَتُها. ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: التَّبَرُّجُ: التَّبَخْتُرُ والتَّغَنُّجُ والتَّكَسُّرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُلْقِي الخِمارَ عَلى وجْهِها ولا تَشُدُّهُ. وقالَ المُبَرِّدُ: تُبْدِي مِن مَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ. و﴿الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] يَدُلُّ عَلى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ وأُخْرى مُتَأخِّرَةٌ. فَقِيلَ: هُما ابْنانِ لِآدَمَ، سَكَنَ أحَدُهُما الجَبَلَ، فَذُكُورُ أوْلادِهِ صِباحٌ وإناثُهم قِباحٌ؛ والآخَرُ السَّهْلَ، وأوْلادُهُ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. فَسَوّى لَهم إبْلِيسُ عِيدًا يَجْتَمِعُ جَمِيعُهم فِيهِ، فَمالَ ذُكُورُ الجَبَلِ إلى إناثِ السَّهْلِ وبِالعَكْسِ، فَكَثُرَتِ الفاحِشَةُ، فَهو تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وهي ثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ، كانَ الرِّجالُ صِباحًا والنِّساءُ قِباحًا، فَكانَتِ المَرْأةُ تَدْعُو الرَّجُلَ إلى نَفْسِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ إدْرِيسَ ونُوحٍ، كانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، تَجْمَعُ المَرْأةُ بَيْنَ زَوْجٍ وعَشِيقٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ. قالَ مُقاتِلٌ: زَمَنَ نُمْرُوذَ، بَغايا يَلْبَسْنَ أرَقَّ الدُّرُوعِ ويَمْشِينَ في الطُّرُقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجاهِلِيَّةُ الأُولى هي القَدِيمَةُ الَّتِي يُقالُ لَها الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ، (p-٢٣١)وهِيَ الزَّمانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ. كانَتِ المَرْأةُ تَلْبَسُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فَتَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ تَعْرِضُ نَفْسَها عَلى الرِّجالِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ، كانَ لِلْمَرْأةِ قَمِيصٌ مِنَ الدُّرِّ غَيْرُ مَخِيطِ الجانِبَيْنِ، يَظْهَرُ مِنهُ الأكْعابُ والسَّوْأتانِ. وقالَ المُبَرِّدُ: كانَتِ المَرْأةُ تَجْمَعُ بَيْنَ زَوْجِها وخِلْمِها، لِلزَّوْجِ نِصْفُها الأسْفَلُ، ولِلْخِلْمِ نِصْفُها، يَتَمَتَّعُ بِهِ في التَّقْبِيلِ والتَّرَشُّفِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى. وقالَ الشَّعْبِيُّ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأُولى زَمَنُ إبْراهِيمَ، والثّانِيَةُ زَمَنَ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، وقالَ الزَّجّاجُ: الأشْبَهُ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ لِأنَّهم هُمُ الجاهِلِيَّةُ المَعْرُوفُونَ كانُوا يَتَّخِذُونَ البَغايا، وإنَّما قِيلَ: الأُولى؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَقَدِّمٍ ومُتَقَدِّمَةٍ: أوَّلُ وأُولى، وتَأْوِيلُهُ أنَّهم تَقَدَّمُوا عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم أُولى وهم أوَّلُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبّاسٍ: وهَلْ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ إلّا واحِدَةً ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَلْ كانَتِ الأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ ؟ فَقالَ عُمَرُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يا ابْنَ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةَ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ، فَكانَ المَعْنى: ولا يَجِدُكُنَّ بِالتَّبَرُّجِ جاهِلِيَّةً في الإسْلامِ يَتَشَبَّهْنَ بِها بِأهْلِ جاهِلِيَّةِ الكُفْرِ. ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: «إنَّ فِيكَ جاهِلِيَّةً ”، قالَ: جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ أمْ إسْلامٍ ؟ فَقالَ:“ بَلْ جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ ”» . انْتَهى. والمَعْرُوفُ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما قالَ:“ «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ»، لِأبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي يَخُصُّها، فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ مِن سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكُفْرِ، ولِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، وكانَ أمْرُ النِّساءِ دُونَ حَجَبَةٍ، وجَعَلَها أوْلى بِالإضافَةِ إلى حالَةِ الإسْلامِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وقَدْ مَرَّ إطْلاقُ اسْمِ الجاهِلِيَّةِ عَلى تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ الإسْلامِ، فَقالُوا: جاهِلِيٌّ في الشُّعَراءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في البُخارِيِّ: سَمِعْتُ، أيْ: في الجاهِلِيَّةِ إلى غَيْرِ هَذا. انْتَهى.

الأحزاب 33:32

(p-٢٢٦)﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكاةَ وأطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] . (p-٢٢٧)سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أزْواجَهُ ﷺ، تَغايَرْنَ وأرَدْنَ زِيادَةً في كِسْوَةٍ ونَفَقَةٍ، فَنَزَلَتْ. ولَمّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وفَرَّقَ عَنْهُ الأحْزابَ وفَتَحَ عَلَيْهِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ، ظَنَّ أزْواجُهُ أنَّهُ اخْتُصَّ بِنَفائِسِ اليَهُودِ وذَخائِرِهِمْ، فَقَعَدْنَ حَوْلَهُ وقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَناتُ كِسْرى وقَيْصَرَ في الحُلِيِّ والحُلَلِ والإماءِ والخَوَلِ، ونَحْنُ عَلى ما تَراهُ مِنَ الفاقَةِ والضِّيقِ. وآلَمْنَ قَلْبَهُ بِمُطالَبَتِهِنَّ لَهُ بِتَوْسِعَةِ الحالِ، وأنْ يُعامِلَهُنَّ بِما يُعامِلُ بِهِ المُلُوكُ والأكابِرُ أزْواجَهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِنَّ ما نَزَلَ في أمْرِهِنَّ؛ وأزْواجُهُ إذْ ذاكَ تِسْعٌ: عائِشَةُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ، وحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وهَؤُلاءِ مِن قُرَيْشٍ. ومِن غَيْرِ قُرَيْشٍ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسَدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلِقِيَّةُ، وصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ الخَيْبَرِيَّةُ. وقالَ أبُو القاسِمِ الصَّيْرَفِيُّ: لَمّا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، فاخْتارَ الآخِرَةَ، وأمَرَ بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ لِيَظْهَرَ صِدْقُ مُوافَقَتِهِنَّ، وكانَ تَحْتَهُ عَشْرُ نِساءٍ، زادَ الحِمْيَرِيَّةَ، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إلّا الحِمْيَرِيَّةَ. ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ، وبَدَأ بِها، وكانَتْ أحَبَّهُنَّ إلَيْهِ: «إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، ولا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ» . ثُمَّ قَرَأ عَلَيْها القُرْآنَ، فَقالَتْ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، لا تُخْبِرْ أزْواجَكَ أنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقالَ: «إنَّما بَعَثَنِي اللَّهُ مُبَلِّغًا ولَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا» . والظّاهِرُ أنَّهُنَّ إذا اخْتَرْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، مَتَّعَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وطَلَّقَهُنَّ، وأنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ الفِراقُ دُونَ أنْ يُوقِعَهُ هو. وقالَ الأكْثَرُونَ: هي آيَةُ تَخْيِيرٍ، فَإذا قالَ لَها: اخْتارِي، فاخْتارَتْ زَوْجَها، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاقًا. وعَنْ عَلِيٍّ: تَكُونُ واحِدَةً رَجْعِيَّةً، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها، وقَعَتْ طَلْقَةٌ بائِنَةٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ؛ وواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ؛ وثَلاثٌ عِنْدَ مالِكٍ. وأكْثَرُ النّاسِ ذَهَبُوا إلى أنَّ الآيَةَ في التَّخْيِيرِ والطَّلاقِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ والحَسَنِ وقَتادَةَ، قالَ هَذا القائِلُ: وأمّا أمْرُ الطَّلاقِ فَمُرْجَأٌ، فَإنِ اخْتَرْنَ أنْفُسَهُنَّ، نَظَرَ هو كَيْفَ يُسَرِّحُهُنَّ، ولَيْسَ فِيها تَخْيِيرٌ في الطَّلاقِ؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ يَتَضَمَّنُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ، وهو قَدْ قالَ: ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ ولَيْسَ مَعَ بَتِّ الطَّلاقِ سَراحٌ جَمِيلٌ. انْتَهى. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ هو ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، مِن أنَّهُ عَلَّقَ عَلى إرادَتِهِنَّ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا وُقُوعَ التَّمْتِيعِ والتَّسْرِيحِ مِنهُ، والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّهُ كانَ عَظِيمُ هَمِّكُنَّ ومَطْلَبِكُنَّ التَّعَمُّقَ في الدُّنْيا ونَيْلَ نَعِيمِها وزِينَتِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في: ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] في آلِ عِمْرانَ. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ قِيلَ: المُتْعَةُ واجِبَةٌ في الطَّلاقِ؛ وقِيلَ: مَندُوبٌ إلَيْها. والأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] يَقْتَضِي الوُجُوبَ في مَذْهَبِ الفُقَهاءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وفي تَفْصِيلِ المَذاهِبِ في البَقَرَةِ. والتَّسْرِيحُ الجَمِيلُ إمّا في دُونِ البَيْتِ، أوْ جَمِيلِ الثَّناءِ، والمُعْتَقَدِ وحُسْنِ العِشْرَةِ إنْ كانَ تامًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بِالتَّشْدِيدِ مِن مَتَّعَ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالتَّخْفِيفِ مِن أمْتَعَ، ومَعْنى (أعَدَّ) هَيَّأ ويَسَّرَ، وأوْقَعَ الظّاهِرَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي تَرَتَّبَ لَهُنَّ بِهِ الأجْرَ العَظِيمَ، وهو الإحْسانُ، كَأنَّهُ قالَ: أعَدَّ لَكُنَّ؛ لِأنَّ مَن أرادَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ كانَ مُحْسِنًا. وقِراءَةُ حُمَيْدٍ الخَرّازِ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ والجُمْهُورُ: بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، أوْ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ويَكُونُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ، ولا يَضُرُّ دُخُولُ الفاءِ عَلى جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا ثُمَّ نادى نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ، لِيَجْعَلْنَ بالَهُنَّ مِمّا يُخاطَبْنَ بِهِ، إذا كانَ أمْرًا يُجْعَلُ لَهُ البالُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، (p-٢٢٨)والجَحْدَرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ الأسْوارِيُّ، ويَعْقُوبُ: ”تَأْتِ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ، حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ مَن. ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ كَبِيرَةٍ مِنَ المَعاصِي، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّها الزِّنى، لِعِصْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِن ذَلِكَ، ولِأنَّهُ وصَفَها بِالتَّبْيِينِ والزِّنى مِمّا يُتَسَتَّرُ بِهِ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ الفاحِشَةُ عَلى عُقُوقِ الزَّوْجِ وفَسادِ عِشْرَتِهِ. ولَمّا كانَ مَكانُهُنَّ مَهْبِطَ الوَحْيِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، لَزِمَهُنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وكَوْنِهِنَّ تَحْتَ الرَّسُولِ ﷺ أكْثَرُ مِمّا يَلْزَمُ غَيْرَهُنَّ، فَضُوعِفَ لَهُنَّ الأجْرُ والعَذابُ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: ﴿يُضاعَفْ﴾ بِألِفٍ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والحَسَنُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ وفَتْحِ العَيْنِ؛ والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عامِرٍ: بِالنُّونِ وشَدِّ العَيْنِ مَكْسُورَةً؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وخارِجَةُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالألِفِ والنُّونِ والكَسْرِ؛ وفِرْقَةٌ: بِياءِ الغَيْبَةِ والألِفِ والكَسْرِ. ومَن فَتَحَ العَيْنَ رَفَعَ (العَذابُ) ومَن كَسَرَها نَصَبَهُ. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: عَذابَيْنِ، فَيُضافُ إلى عَذابِ سائِرِ النّاسِ عَذابٌ آخَرُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عَمْرٍو فِيما حَكى الطَّبَرِيُّ عَنْهُما: إنَّهُ يُضافُ إلى العَذابِ عَذابانِ، فَتَكُونُ ثَلاثَةً. وكَوْنُ الأجْرِ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ العَذابَ في الفاحِشَةِ بِإزاءِ الأجْرِ في الطّاعَةِ. ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: تَضْعِيفُ العَذابِ عَلَيْهِنَّ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أيْ: سَهْلًا، وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ كَوْنَهُنَّ نِساءً، مَعَ مُقارَفَةِ الذَّنْبِ، لا يُغْنِي عَنْهُنَّ شَيْئًا، وهو يُغْنِي عَنْهُنَّ، وهو سَبَبُ مُضاعَفَةِ العَذابِ. ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ أيْ: يُطِعْ ويَخْضَعْ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، وبِالمُوافَقَةِ لِرَسُولِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ بِالمُذَكَّرِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ ”مَن“، وتَعْمَلُ بِالتّاءِ حَمْلًا عَلى المَعْنى. ﴿نُؤْتِها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والأسْوارِيُّ، ويَعْقُوبُ، في رِوايَةٍ: ”ومَن تَقْنُتْ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ، ورَواها أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ ونافِعٍ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ما سَمِعْتُ أنَّ أحَدًا قَرَأ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾، إلّا بِالتّاءِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِياءٍ مِن تَحْتُ في ثَلاثَتِها. وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ بِالياءِ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، ويَعْمَلُ بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ مَن قالَ؛ فَقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ أصْلٌ لا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلتَّأْنِيثِ، وما عَلَّلُوهُ بِهِ قَدْ جاءَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] . انْتَهى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (خالِصَةٌ) في الأنْعامِ. والرِّزْقُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ وعْدٌ دُنْياوِيٌّ، أيْ: أنَّ أرْزاقَها في الدُّنْيا عَلى اللَّهِ، وهو كَرِيمٌ مِن حَيْثُ هو حَلالٌ وقَصْدٌ، وبِرِضًا مِنَ اللَّهِ في نَيْلِهِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ ضِعْفَيْنِ هو عَذابُ الدُّنْيا، ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ؛ وكَذَلِكَ الأجْرُ، وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى. وإنَّما ضُوعِفَ أجْرُهُنَّ لِطَلَبِهِنَّ رِضا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِحُسْنِ الخُلُقِ وطِيبِ المُعاشَرَةِ والقَناعَةِ والتَّوَفُّرِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أيْ: لَيْسَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ كَشَخْصٍ واحِدٍ مِنَ النِّساءِ، أيْ: مِن نِساءِ عَصْرِكَ. ولَيْسَ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلى التَّشْبِيهِ في كَوْنِهِنَّ نِسْوَةً. تَقُولُ: لَيْسَ زَيْدٌ كَآحادِ النّاسِ، لا تُرِيدُ نَفْيَ التَّشْبِيهِ عَنْ كَوْنِهِ إنْسانًا، بَلْ في وصْفٍ أخَصَّ مَوْجُودٍ فِيهِ، وهو كَوْنُهُ عالِمًا، أوْ عامِلًا، أوْ مُصَلِّيًا. فالمَعْنى: أنَّهُ يُوجَدُ فِيكُنَّ مِنَ التَّمْيِيزِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِكُنَّ، وهو كَوْنُكُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وزَوْجاتِ خَيْرِ المُرْسَلِينَ. ونَزَلَ القُرْآنُ فِيكُنَّ، فَكَما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ كَأحَدٍ مِنَ الرِّجالِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَسْتُ كَأحَدِكم»، كَذَلِكَ زَوْجاتُهُ اللّاتِي تَشَرَّفْنَ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى وحَدٍ، وهو الواحِدُ؛ ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ (p-٢٢٩)المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ وما وراءَهُ، والمَعْنى: لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ، أيْ: إذا تَقَصَّيْتَ أُمَّةَ النِّساءِ جَماعَةً جَماعَةً، لَمْ يُوجَدْ مِنهُنَّ جَماعَةٌ واحِدَةٌ تُساوِيكُنَّ في الفَضْلِ والسّابِقَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] يُرِيدُ بَيْنَ جَماعَةٍ واحِدَةٍ مِنهم، تَسْوِيَةً بَيْنَ جَمِيعِهِمْ في أنَّهم عَلى الحَقِّ المُبِينِ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى: وحَدٍ، وهو الواحِدُ فَصَحِيحٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ثُمَّ وضَعَ، إلى قَوْلِهِ: وما وراءَهُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَدْلُولُهُ غَيْرُ مَدْلُولِ واحِدٍ؛ لِأنَّ واحِدًا يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اتَّصَفَ بِالوَحْدَةِ، و”أحَدٌ“ المُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَخْصُوصٌ بِمَن يَعْقِلُ. وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ مادَّتَهُ هَمْزَةٌ وحاءٌ ودالٌ، ومادَّةُ أحَدٍ بِمَعْنى وحَدٍ أصْلُهُ واوٌ وحاءٌ ودالٌ، فَقَدِ اخْتَلَفا مادَّةً ومَدْلُولًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ﴾ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ، فَقَدْ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿لَسْتُنَّ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ، فَهو حُكْمٌ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ واحِدَةٍ، لَيْسَ حُكْمًا عَلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ. وقُلْنا: إنَّ مَعْنى ﴿كَأحَدٍ﴾: كَشَخْصٍ واحِدٍ، فَأبْقَيْنا أحَدًا عَلى مَوْضُوعِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ، ولَمْ نَتَأوَّلْهُ بِجَماعَةٍ واحِدَةٍ. وأمّا ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الَّذِي لِلنَّفْيِ العامِّ، ولِذَلِكَ جاءَ في سِياقِ النَّفْيِ، فَعَمَّ وصَلُحَتِ البَيْنِيَّةُ لِلْعُمُومِ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ”أحَدٌ“ بِمَعْنى واحِدٍ، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَعْطُوفٌ، أيْ: بَيْنَ واحِدٍ وواحِدٍ مِن رُسُلِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ أيْ: لَسْتُنَّ مِثْلَهُنَّ إنِ اتَّقَيْتُنَّ اللَّهَ، وذَلِكَ لَمّا انْضافَ مَعَ تَقْوى اللَّهِ مِن صُحْبَةِ الرَّسُولِ ﷺ وعَظِيمِ المَحَلِّ مِنهُ، ونُزُولِ القُرْآنِ في بَيْتِهِنَّ وفي حَقِّهِنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إنْ أرَدْتُنَّ التَّقْوى، وإنْ كُنَّ مُتَّقِياتٍ. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ فَلا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا، أيْ: لَيِّنًا خَنِثًا، مِثْلَ كَلامِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ: رِيبَةً وفُجُورًا. انْتَهى. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ قَيْدًا في كَوْنِهِنَّ لَسْنَ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ، ويَكُونُ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا. وعَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، يَكُونُ ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ابْتِداءَ شَرْطٍ، وجَوابُهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ وكِلا القَوْلَيْنِ فِيهِما حُمِلَ. ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وهو ظاهِرُ الِاسْتِعْمالِ، وعِنْدِي أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَعْناهُ: إنِ اسْتَقْبَلْتُنَّ أحَدًا ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ . واتَّقى بِمَعْنى: اسْتَقْبَلَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، قالَ النّابِغَةُ: ؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ ∗∗∗ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ أيِ: اسْتَقْبَلَتْنا بِاليَدِ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى أبْلَغَ في مَدْحِهِنَّ، إذْ لَمْ يُعَلِّقْ فَضِيلَتَهُنَّ عَلى التَّقْوى، ولا عَلَّقَ نَهْيَهُنَّ عَنِ الخُضُوعِ بِها، إذْ هُنَّ مُتَّقِياتٌ لِلَّهِ في أنْفُسِهِنَّ، والتَّعْلِيقُ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهُنَّ لَسْنَ مُتَحَلِّياتٍ بِالتَّقْوى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُرَخِّصْنَ بِالقَوْلِ. وقالَ الحَسَنُ: لا تَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لا تَكَلَّمْنَ بِما يَهْوى المُرِيبُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ ما يُدْخِلُ في القَلْبِ الغَزَلَ. وقِيلَ: لا تُلِنَّ لِلرِّجالِ القَوْلَ. أمَرَ تَعالى أنْ يَكُونَ الكَلامُ خَيْرًا، لا عَلى وجْهٍ يُظْهِرُ في القَلْبِ عَلاقَةَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ اللِّينِ، كَما كانَ الحالُ عَلَيْهِ في نِساءِ العَرَبِ مِن مُكالَمَةِ الرِّجالِ بِرَخِيمِ الصَّوْتِ ولَيِّنِهِ، مِثْلَ كَلامِ المُومِساتِ، فَنَهاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَكَلُّمٍ لَوْ تَسْتَطِيعُ كَلامَهُ ∗∗∗ لَدَنَتْ لَهُ أرْوى الهِضابِ الصُّخَّدِ وقالَ آخَرُ: ؎لَوْ أنَّها عَرَضَتْ لِأشْمَطَ راهِبٍ ∗∗∗ عَبَدَ الإلَهَ صَرُورَةٍ مُتَعَبِّدِ ؎لَرَنا لِرُؤْيَتِها وحُسْنِ حَدِيثِها ∗∗∗ ولَخالَهُ رُشْدًا وإنْ لَمْ يَرْشُدِ (p-٢٣٠)وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيَطْمَعَ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ ونَصْبِ العَيْنِ، جَوابًا لِلنَّهْيِ؛ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، وابْنُ هُرْمُزَ: بِالجَزْمِ، فَكُسِرَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، نُهِينَ عَنِ الخُضُوعِ بِالقَوْلِ، ونُهِيَ مَرِيضُ القَلْبِ عَنِ الطَّمَعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَخْضَعْ فَلا تَطْمَعْ. وقِراءَةُ النَّصْبِ أبْلَغُ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي الخُضُوعَ بِسَبَبِ الطَّمَعِ. وقالَ أبُو عُمَرٍو الدّانِيُّ: قَرَأ الأعْرَجُ وعِيسى: ”فَيَطْمِعَ“، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ. ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي السِّماكِ، قالَ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وذَكَرَ أنَّ الأعْرَجَ، وهو ابْنُ هُرْمُزَ، قَرَأ: ”فَيُطْمِعَ“، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ، أيْ: فَيَطْمَعُ هو، أيِ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ؛ و(الَّذِي) مَفْعُولٌ، أوِ (الَّذِي) فاعِلٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَيَطْمَعُ نَفْسُهُ. والمَرَضُ، قالَ قَتادَةُ: النِّفاقُ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: الفِسْقُ والغَزَلُ. ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ والمُحَرَّمُ، وهو الَّذِي لا تُنْكِرُهُ الشَّرِيعَةُ ولا العُقُولُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَرْأةُ تَنْدُبُ إذا خالَطَتِ الأجانِبَ، عَلَيْها بِالمُصاهَرَةِ إلى الغِلْظَةِ في القَوْلِ مِن غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ، فَإنَّها مَأْمُورَةٌ بِخَفْضِ الكَلامِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْرُوفًا صَحِيحًا، بِلا هَجَرٍ ولا تَمْرِيضٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: عَنِيفًا؛ وقِيلَ: خَشِنًا حَسَنًا؛ وقِيلَ: مَعْرُوفًا، أيْ: قَوْلًا أُذِنَ لَكم فِيهِ؛ وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”وقِرْنَ“، بِكَسْرِ القافِ، مِن وقَرَ يَقِرُ إذا سَكَنَ وأصْلُهُ: أوْقِرْنَ، مِثْلُ عِدْنَ مِن وعَدَ. وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ الهَمْدانِيُّ، في كِتابِ التِّبْيانِ، وجْهًا آخَرَ قالَ: قارَّ يَقارُّ، إذا اجْتَمَعَ، ومِنهُ القارَّةُ لِاجْتِماعِها. ألا تَرى إلى قَوْلِ عُضَلَ والدِّيشِ: اجْتَمِعُوا فَكُونُوا قارَّةً ؟ فالمَعْنى: اجْمَعْنَ أنْفُسَكُنَّ في بُيُوتِكُنَّ. ﴿وقَرْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أمْرٌ مِن قارَ، كَما تَقُولُ: خِفْنَ مِن خافَ؛ أوْ مِنَ القَرارِ، تَقُولُ: قَرَرْتُ بِالمَكانِ، وأصْلُهُ: واقْرِرْنَ، حُذِفَتِ الرّاءُ الثّانِيَةُ تَخْفِيفًا، كَما حَذَفُوا لامَ ظَلِلْتُ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: أُبْدِلَتِ الرّاءُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى القافِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِسُكُونِها وسُكُونِ الرّاءِ بَعْدَها. انْتَهى، وهَذا غايَةٌ في التَّحْمِيلِ كَعادَتِهِ. وقَرَأ عاصِمٌ ونافِعٌ: بِفَتْحِ القافِ، وهي لُغَةُ العَرَبِ؛ يَقُولُونَ: قَرِرْتُ بِالمَكانِ، بِكَسْرِ الرّاءِ وبِفَتْحِ القافِ، حَكاهُ أبُو عُبَيْدٍ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما، وأنْكَرَها قَوْمٌ، مِنهُمُ المازِنِيُّ، وقالُوا: بِكَسْرِ الرّاءِ، مِن قَرَّتِ العَيْنُ، وبِفَتْحِها مِنَ القَرارِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”واقْرِرْنَ“، بِألِفِ الوَصْلِ وكَسْرِ الرّاءِ الأُولى. وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى قَرِرْتُ، وأنَّهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ مِنَ القَرارِ ومِنَ القِرَّةِ. أمَرَهُنَّ تَعالى بِمُلازَمَةِ بُيُوتِهِنَّ، ونَهاهُنَّ عَنِ التَّبَرُّجِ، وأعْلَمَ تَعالى أنَّهُ فِعْلُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى، وكانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها، تَتَذَكَّرُ خُرُوجَها أيّامَ الجَمَلِ تَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمانَ. وقِيلَ لِسَوْدَةَ: لِمَ لا تَحُجِّينَ وتَعْتَمِرِينَ كَما يَفْعَلُ إخْوانُكِ ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقِرَّ في بَيْتِي، فَما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ جِنازَتُها. ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: التَّبَرُّجُ: التَّبَخْتُرُ والتَّغَنُّجُ والتَّكَسُّرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: تُلْقِي الخِمارَ عَلى وجْهِها ولا تَشُدُّهُ. وقالَ المُبَرِّدُ: تُبْدِي مِن مَحاسِنِها ما يَجِبُ عَلَيْها سَتْرُهُ. و﴿الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] يَدُلُّ عَلى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ وأُخْرى مُتَأخِّرَةٌ. فَقِيلَ: هُما ابْنانِ لِآدَمَ، سَكَنَ أحَدُهُما الجَبَلَ، فَذُكُورُ أوْلادِهِ صِباحٌ وإناثُهم قِباحٌ؛ والآخَرُ السَّهْلَ، وأوْلادُهُ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. فَسَوّى لَهم إبْلِيسُ عِيدًا يَجْتَمِعُ جَمِيعُهم فِيهِ، فَمالَ ذُكُورُ الجَبَلِ إلى إناثِ السَّهْلِ وبِالعَكْسِ، فَكَثُرَتِ الفاحِشَةُ، فَهو تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وهي ثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ، كانَ الرِّجالُ صِباحًا والنِّساءُ قِباحًا، فَكانَتِ المَرْأةُ تَدْعُو الرَّجُلَ إلى نَفْسِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الجاهِلِيَّةُ الأُولى ما بَيْنَ إدْرِيسَ ونُوحٍ، كانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، تَجْمَعُ المَرْأةُ بَيْنَ زَوْجٍ وعَشِيقٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ. قالَ مُقاتِلٌ: زَمَنَ نُمْرُوذَ، بَغايا يَلْبَسْنَ أرَقَّ الدُّرُوعِ ويَمْشِينَ في الطُّرُقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجاهِلِيَّةُ الأُولى هي القَدِيمَةُ الَّتِي يُقالُ لَها الجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ، (p-٢٣١)وهِيَ الزَّمانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْراهِيمُ. كانَتِ المَرْأةُ تَلْبَسُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فَتَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ تَعْرِضُ نَفْسَها عَلى الرِّجالِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ، كانَ لِلْمَرْأةِ قَمِيصٌ مِنَ الدُّرِّ غَيْرُ مَخِيطِ الجانِبَيْنِ، يَظْهَرُ مِنهُ الأكْعابُ والسَّوْأتانِ. وقالَ المُبَرِّدُ: كانَتِ المَرْأةُ تَجْمَعُ بَيْنَ زَوْجِها وخِلْمِها، لِلزَّوْجِ نِصْفُها الأسْفَلُ، ولِلْخِلْمِ نِصْفُها، يَتَمَتَّعُ بِهِ في التَّقْبِيلِ والتَّرَشُّفِ. وقِيلَ: ما بَيْنَ مُوسى وعِيسى. وقالَ الشَّعْبِيُّ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ مُقاتِلٌ: الأُولى زَمَنُ إبْراهِيمَ، والثّانِيَةُ زَمَنَ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، وقالَ الزَّجّاجُ: الأشْبَهُ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ لِأنَّهم هُمُ الجاهِلِيَّةُ المَعْرُوفُونَ كانُوا يَتَّخِذُونَ البَغايا، وإنَّما قِيلَ: الأُولى؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَقَدِّمٍ ومُتَقَدِّمَةٍ: أوَّلُ وأُولى، وتَأْوِيلُهُ أنَّهم تَقَدَّمُوا عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم أُولى وهم أوَّلُ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبّاسٍ: وهَلْ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ إلّا واحِدَةً ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَلْ كانَتِ الأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ ؟ فَقالَ عُمَرُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يا ابْنَ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجاهِلِيَّةُ الأُولى جاهِلِيَّةَ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ، والجاهِلِيَّةُ الأُخْرى جاهِلِيَّةَ الفُسُوقِ والفُجُورِ في الإسْلامِ، فَكانَ المَعْنى: ولا يَجِدُكُنَّ بِالتَّبَرُّجِ جاهِلِيَّةً في الإسْلامِ يَتَشَبَّهْنَ بِها بِأهْلِ جاهِلِيَّةِ الكُفْرِ. ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأبِي الدَّرْداءِ: «إنَّ فِيكَ جاهِلِيَّةً ”، قالَ: جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ أمْ إسْلامٍ ؟ فَقالَ:“ بَلْ جاهِلِيَّةُ كُفْرٍ ”» . انْتَهى. والمَعْرُوفُ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما قالَ:“ «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ»، لِأبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أنَّهُ أشارَ إلى الجاهِلِيَّةِ الَّتِي يَخُصُّها، فَأُمِرْنَ بِالنُّقْلَةِ مِن سِيرَتِهِنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن سِيرَةِ الكُفْرِ، ولِأنَّهم كانُوا لا غَيْرَةَ عِنْدَهم، وكانَ أمْرُ النِّساءِ دُونَ حَجَبَةٍ، وجَعَلَها أوْلى بِالإضافَةِ إلى حالَةِ الإسْلامِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وقَدْ مَرَّ إطْلاقُ اسْمِ الجاهِلِيَّةِ عَلى تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ الإسْلامِ، فَقالُوا: جاهِلِيٌّ في الشُّعَراءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في البُخارِيِّ: سَمِعْتُ، أيْ: في الجاهِلِيَّةِ إلى غَيْرِ هَذا. انْتَهى.

الأحزاب 33:33

﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ أمَرَهُنَّ أمْرًا خاصًّا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ، إذْ هُما عَمُودُ الطّاعَةِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، ثُمَّ جاءَ بِهِما في عُمُومِ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ نَهْيَهُنَّ وأمْرَهُنَّ ووَعْظَهُنَّ إنَّما هو لِإذْهابِ المَأْثَمِ عَنْهُنَّ وتَصَوُّنِهُنَّ بِالتَّقْوى. واسْتَعارَ الرِّجْسَ لِلذُّنُوبِ، والطُّهْرَ لِلتَّقْوى؛ لِأنَّ عِرْضَ المُقْتَرِفِ لِلْمَعاصِي يَتَدَنَّسُ بِها ويَتَلَوَّثُ، كَما يَتَلَوَّثُ بَدَنُهُ بِالأرْجاسِ. وأمّا الطّاعاتُ، فالعِرْضُ مَعَها نَقِيٌّ مَصُونٌ كالثَّوْبِ الطّاهِرِ، وفي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ تَنْفِيرٌ عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ، وتَرْغِيبٌ فِيما أمَرَ بِهِ. والرِّجْسُ يَقَعُ عَلى الإثْمِ، وعَلى العَذابِ، وعَلى النَّجاسَةِ، وعَلى النَّقائِصِ، فَأذْهَبَ اللَّهُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَنْ أهْلِ البَيْتِ. وقالَ الحَسَنُ: الرِّجْسُ هُنا: الشِّرْكُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الإثْمُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّيْطانُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الفِسْقُ؛ وقِيلَ: المَعاصِي كُلُّها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: الشَّكُّ؛ وقِيلَ: البُخْلُ والطَّمَعُ؛ وقِيلَ: الأهْواءُ والبِدَعُ. وانْتَصَبَ أهْلٌ عَلى النِّداءِ، أوْ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وهو قَلِيلٌ في المُخاطَبِ، ومِنهُ. ؎بِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ وأكْثَرُ ما يَكُونُ في المُتَكَلِّمِ، وقَوْلُهُ: ؎نَحْنُ بَناتُ طارِقْ ∗∗∗ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ ولَمّا كانَ أهْلُ البَيْتِ يَشْمَلُهُنَّ وآباءَهُنَّ، غَلَبَ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ في الخِطابِ في: ﴿عَنْكُمُ﴾ ﴿ويُطَهِّرَكُمْ﴾ . وقَوْلُ عِكْرِمَةَ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ السّائِبِ: أنَّ أهْلَ البَيْتِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِزَوْجاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ كَما قالُوا، لَكانَ التَّرْكِيبُ: عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ، وإنْ كانَ هَذا القَوْلُ مَرْوِيًّا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: هو خاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ وعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَن والحُسَيْنِ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أنَسٍ وعائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم أهْلُهُ وأزْواجُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، والثَّعْلَبِيُّ: (p-٢٣٢)بَنُو هاشِمٍ الَّذِينَ يُحْرَمُونَ الصَّدَقَةَ آلُ عَبّاسٍ، وآلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ، وآلُ جَعْفَرٍ، ويَظْهَرُ أنَّهم زَوْجاتُهُ وأهْلُهُ، فَلا تَخْرُجُ الزَّوْجاتُ عَنْ أهْلِ البَيْتِ، بَلْ يَظْهَرُ أنَّهُنَّ أحَقُّ بِهَذا الِاسْمِ لِمُلازَمَتِهِنَّ بَيْتَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ زَوْجاتِهِ لا يَخْرُجْنَ عَنْ ذَلِكَ البَتَّةَ، فَأهْلُ البَيْتِ: زَوْجاتُهُ وبِنْتُهُ وبَنُوها وزَوْجُها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُنَّ أنَّ بُيُوتَهُنَّ مَهابِطُ الوَحْيِ، وأمَرَهُنَّ أنْ لا يَنْسَيْنَ ما يُتْلى فِيها مِنَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ أمْرَيْنِ: وهو آياتٌ بَيِّناتٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ مُعْجِزٌ بِنَظْمِهِ، وهو حِكْمَةٌ وعُلُومٌ وشَرائِعُ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ حِينَ عَلِمَ ما يَنْفَعُكم ويُصْلِحُكم في دِينِكم فَأنْزَلَهُ عَلَيْكم، أوْ عَلِمَ مَن يَصْلُحُ لِنُبُوَّتِهِ ومَن يَصْلُحُ لِأنْ تَكُونُوا أهْلَ بَيْتِهِ، أوْ حَيْثُ جُعِلَ الكَلامُ جامِعًا بَيْنَ الغَرَضَيْنِ. انْتَهى. واتِّصالُ ﴿واذْكُرْنَ﴾ بِما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ مِنَ البَيْتِ، ومَن لَمْ يُدْخِلْهُنَّ قالَ: هي ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ. ﴿واذْكُرْنَ﴾ إمّا بِمَعْنى احْفَظْنَ وتَذَكَّرْنَهُ، وإمّا اذْكُرْنَهُ لِغَيْرِكُنَّ وارْوِينَهُ حَتّى يُنْقَلَ. و﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ هو القُرْآنُ ﴿والحِكْمَةِ﴾ هي ما كانَ مِن حَدِيثِهِ وسُنَّتِهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، غَيْرَ القُرْآنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلْآياتِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَطِيفًا﴾ تَلْيِينٌ، وفي ﴿خَبِيرًا﴾ تَحْذِيرٌ ما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ما تُتْلى بِتاءِ التَّأْنِيثِ، والجُمْهُورُ: بِالياءِ. ورُوِيَ أنَّ نِساءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ في القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرْنا؛ وقِيلَ: السّائِلَةُ أُمُّ سَلَمَةَ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ في نِسائِهِ ما نَزَلَ، قالَ نِساءُ المُسْلِمِينَ: فَما نَزَلَ فِينا شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ الآيَةَ، وهَذِهِ الأوْصافُ العَشَرَةُ تَقَدَّمَ شَرْحُها، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْقِيادِ الظّاهِرِ، ثُمَّ بِالتَّصْدِيقِ، ثُمَّ بِالأوْصافِ الَّتِي بَعْدَهُما تَنْدَرِجُ في الإسْلامِ وهو الِانْقِيادُ، وفي الإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ، ثُمَّ خَتَمَها بِخُلَّةِ المُراقَبَةِ وهي ذِكْرُ اللَّهِ كَثِيرًا. ولَمْ يَذْكُرْ لِهَذِهِ الأوْصافِ مُتَعَلِّقًا إلّا في قَوْلِهِ: (والحافِظِينَ فُرُوجَهم والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا) نَصَّ عَلى مُتَعَلِّقِ الحِفْظِ لِكَوْنِهِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ ومَرْكَبَ الشَّهْوَةِ الغالِبَةِ، وعَلى مُتَعَلِّقِ الذِّكْرِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، وهو لَفْظُ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ المُحْتَوِي عَلى جَمِيعِ أوْصافِهِ، لِيَتَذَكَّرَ المُسْلِمُ مَن تَذَكَّرَهُ، وهو اللَّهُ تَعالى، وحُذِفَ مِنَ الحافِظاتِ والذّاكِراتِ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: والحافِظاتِها والذّاكِراتِهِ. ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ غَلَّبَ الذُّكُورَ، فَجَمَعَ الإناثَ مَعَهم وأدْرَجَهم في الضَّمِيرِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ لَهم ولَهُنَّ.

الأحزاب 33:34

﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ أمَرَهُنَّ أمْرًا خاصًّا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ، إذْ هُما عَمُودُ الطّاعَةِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، ثُمَّ جاءَ بِهِما في عُمُومِ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ نَهْيَهُنَّ وأمْرَهُنَّ ووَعْظَهُنَّ إنَّما هو لِإذْهابِ المَأْثَمِ عَنْهُنَّ وتَصَوُّنِهُنَّ بِالتَّقْوى. واسْتَعارَ الرِّجْسَ لِلذُّنُوبِ، والطُّهْرَ لِلتَّقْوى؛ لِأنَّ عِرْضَ المُقْتَرِفِ لِلْمَعاصِي يَتَدَنَّسُ بِها ويَتَلَوَّثُ، كَما يَتَلَوَّثُ بَدَنُهُ بِالأرْجاسِ. وأمّا الطّاعاتُ، فالعِرْضُ مَعَها نَقِيٌّ مَصُونٌ كالثَّوْبِ الطّاهِرِ، وفي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ تَنْفِيرٌ عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ، وتَرْغِيبٌ فِيما أمَرَ بِهِ. والرِّجْسُ يَقَعُ عَلى الإثْمِ، وعَلى العَذابِ، وعَلى النَّجاسَةِ، وعَلى النَّقائِصِ، فَأذْهَبَ اللَّهُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَنْ أهْلِ البَيْتِ. وقالَ الحَسَنُ: الرِّجْسُ هُنا: الشِّرْكُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الإثْمُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّيْطانُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الفِسْقُ؛ وقِيلَ: المَعاصِي كُلُّها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: الشَّكُّ؛ وقِيلَ: البُخْلُ والطَّمَعُ؛ وقِيلَ: الأهْواءُ والبِدَعُ. وانْتَصَبَ أهْلٌ عَلى النِّداءِ، أوْ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وهو قَلِيلٌ في المُخاطَبِ، ومِنهُ. ؎بِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ وأكْثَرُ ما يَكُونُ في المُتَكَلِّمِ، وقَوْلُهُ: ؎نَحْنُ بَناتُ طارِقْ ∗∗∗ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ ولَمّا كانَ أهْلُ البَيْتِ يَشْمَلُهُنَّ وآباءَهُنَّ، غَلَبَ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ في الخِطابِ في: ﴿عَنْكُمُ﴾ ﴿ويُطَهِّرَكُمْ﴾ . وقَوْلُ عِكْرِمَةَ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ السّائِبِ: أنَّ أهْلَ البَيْتِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِزَوْجاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ كَما قالُوا، لَكانَ التَّرْكِيبُ: عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ، وإنْ كانَ هَذا القَوْلُ مَرْوِيًّا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: هو خاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ وعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَن والحُسَيْنِ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أنَسٍ وعائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم أهْلُهُ وأزْواجُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، والثَّعْلَبِيُّ: (p-٢٣٢)بَنُو هاشِمٍ الَّذِينَ يُحْرَمُونَ الصَّدَقَةَ آلُ عَبّاسٍ، وآلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ، وآلُ جَعْفَرٍ، ويَظْهَرُ أنَّهم زَوْجاتُهُ وأهْلُهُ، فَلا تَخْرُجُ الزَّوْجاتُ عَنْ أهْلِ البَيْتِ، بَلْ يَظْهَرُ أنَّهُنَّ أحَقُّ بِهَذا الِاسْمِ لِمُلازَمَتِهِنَّ بَيْتَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ زَوْجاتِهِ لا يَخْرُجْنَ عَنْ ذَلِكَ البَتَّةَ، فَأهْلُ البَيْتِ: زَوْجاتُهُ وبِنْتُهُ وبَنُوها وزَوْجُها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُنَّ أنَّ بُيُوتَهُنَّ مَهابِطُ الوَحْيِ، وأمَرَهُنَّ أنْ لا يَنْسَيْنَ ما يُتْلى فِيها مِنَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ أمْرَيْنِ: وهو آياتٌ بَيِّناتٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ مُعْجِزٌ بِنَظْمِهِ، وهو حِكْمَةٌ وعُلُومٌ وشَرائِعُ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ حِينَ عَلِمَ ما يَنْفَعُكم ويُصْلِحُكم في دِينِكم فَأنْزَلَهُ عَلَيْكم، أوْ عَلِمَ مَن يَصْلُحُ لِنُبُوَّتِهِ ومَن يَصْلُحُ لِأنْ تَكُونُوا أهْلَ بَيْتِهِ، أوْ حَيْثُ جُعِلَ الكَلامُ جامِعًا بَيْنَ الغَرَضَيْنِ. انْتَهى. واتِّصالُ ﴿واذْكُرْنَ﴾ بِما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ مِنَ البَيْتِ، ومَن لَمْ يُدْخِلْهُنَّ قالَ: هي ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ. ﴿واذْكُرْنَ﴾ إمّا بِمَعْنى احْفَظْنَ وتَذَكَّرْنَهُ، وإمّا اذْكُرْنَهُ لِغَيْرِكُنَّ وارْوِينَهُ حَتّى يُنْقَلَ. و﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ هو القُرْآنُ ﴿والحِكْمَةِ﴾ هي ما كانَ مِن حَدِيثِهِ وسُنَّتِهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، غَيْرَ القُرْآنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلْآياتِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَطِيفًا﴾ تَلْيِينٌ، وفي ﴿خَبِيرًا﴾ تَحْذِيرٌ ما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ما تُتْلى بِتاءِ التَّأْنِيثِ، والجُمْهُورُ: بِالياءِ. ورُوِيَ أنَّ نِساءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ في القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرْنا؛ وقِيلَ: السّائِلَةُ أُمُّ سَلَمَةَ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ في نِسائِهِ ما نَزَلَ، قالَ نِساءُ المُسْلِمِينَ: فَما نَزَلَ فِينا شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ الآيَةَ، وهَذِهِ الأوْصافُ العَشَرَةُ تَقَدَّمَ شَرْحُها، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْقِيادِ الظّاهِرِ، ثُمَّ بِالتَّصْدِيقِ، ثُمَّ بِالأوْصافِ الَّتِي بَعْدَهُما تَنْدَرِجُ في الإسْلامِ وهو الِانْقِيادُ، وفي الإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ، ثُمَّ خَتَمَها بِخُلَّةِ المُراقَبَةِ وهي ذِكْرُ اللَّهِ كَثِيرًا. ولَمْ يَذْكُرْ لِهَذِهِ الأوْصافِ مُتَعَلِّقًا إلّا في قَوْلِهِ: (والحافِظِينَ فُرُوجَهم والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا) نَصَّ عَلى مُتَعَلِّقِ الحِفْظِ لِكَوْنِهِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ ومَرْكَبَ الشَّهْوَةِ الغالِبَةِ، وعَلى مُتَعَلِّقِ الذِّكْرِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، وهو لَفْظُ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ المُحْتَوِي عَلى جَمِيعِ أوْصافِهِ، لِيَتَذَكَّرَ المُسْلِمُ مَن تَذَكَّرَهُ، وهو اللَّهُ تَعالى، وحُذِفَ مِنَ الحافِظاتِ والذّاكِراتِ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: والحافِظاتِها والذّاكِراتِهِ. ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ غَلَّبَ الذُّكُورَ، فَجَمَعَ الإناثَ مَعَهم وأدْرَجَهم في الضَّمِيرِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ لَهم ولَهُنَّ.

الأحزاب 33:35

﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ أمَرَهُنَّ أمْرًا خاصًّا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ، إذْ هُما عَمُودُ الطّاعَةِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، ثُمَّ جاءَ بِهِما في عُمُومِ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ نَهْيَهُنَّ وأمْرَهُنَّ ووَعْظَهُنَّ إنَّما هو لِإذْهابِ المَأْثَمِ عَنْهُنَّ وتَصَوُّنِهُنَّ بِالتَّقْوى. واسْتَعارَ الرِّجْسَ لِلذُّنُوبِ، والطُّهْرَ لِلتَّقْوى؛ لِأنَّ عِرْضَ المُقْتَرِفِ لِلْمَعاصِي يَتَدَنَّسُ بِها ويَتَلَوَّثُ، كَما يَتَلَوَّثُ بَدَنُهُ بِالأرْجاسِ. وأمّا الطّاعاتُ، فالعِرْضُ مَعَها نَقِيٌّ مَصُونٌ كالثَّوْبِ الطّاهِرِ، وفي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ تَنْفِيرٌ عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ، وتَرْغِيبٌ فِيما أمَرَ بِهِ. والرِّجْسُ يَقَعُ عَلى الإثْمِ، وعَلى العَذابِ، وعَلى النَّجاسَةِ، وعَلى النَّقائِصِ، فَأذْهَبَ اللَّهُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَنْ أهْلِ البَيْتِ. وقالَ الحَسَنُ: الرِّجْسُ هُنا: الشِّرْكُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الإثْمُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّيْطانُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الفِسْقُ؛ وقِيلَ: المَعاصِي كُلُّها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: الشَّكُّ؛ وقِيلَ: البُخْلُ والطَّمَعُ؛ وقِيلَ: الأهْواءُ والبِدَعُ. وانْتَصَبَ أهْلٌ عَلى النِّداءِ، أوْ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وهو قَلِيلٌ في المُخاطَبِ، ومِنهُ. ؎بِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ وأكْثَرُ ما يَكُونُ في المُتَكَلِّمِ، وقَوْلُهُ: ؎نَحْنُ بَناتُ طارِقْ ∗∗∗ نَمْشِي عَلى النَّمارِقْ ولَمّا كانَ أهْلُ البَيْتِ يَشْمَلُهُنَّ وآباءَهُنَّ، غَلَبَ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ في الخِطابِ في: ﴿عَنْكُمُ﴾ ﴿ويُطَهِّرَكُمْ﴾ . وقَوْلُ عِكْرِمَةَ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ السّائِبِ: أنَّ أهْلَ البَيْتِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِزَوْجاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، إذْ لَوْ كانَ كَما قالُوا، لَكانَ التَّرْكِيبُ: عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ، وإنْ كانَ هَذا القَوْلُ مَرْوِيًّا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَلَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: هو خاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ وعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَن والحُسَيْنِ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أنَسٍ وعائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ. وقالَ الضَّحّاكُ: هم أهْلُهُ وأزْواجُهُ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، والثَّعْلَبِيُّ: (p-٢٣٢)بَنُو هاشِمٍ الَّذِينَ يُحْرَمُونَ الصَّدَقَةَ آلُ عَبّاسٍ، وآلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ، وآلُ جَعْفَرٍ، ويَظْهَرُ أنَّهم زَوْجاتُهُ وأهْلُهُ، فَلا تَخْرُجُ الزَّوْجاتُ عَنْ أهْلِ البَيْتِ، بَلْ يَظْهَرُ أنَّهُنَّ أحَقُّ بِهَذا الِاسْمِ لِمُلازَمَتِهِنَّ بَيْتَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ زَوْجاتِهِ لا يَخْرُجْنَ عَنْ ذَلِكَ البَتَّةَ، فَأهْلُ البَيْتِ: زَوْجاتُهُ وبِنْتُهُ وبَنُوها وزَوْجُها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُنَّ أنَّ بُيُوتَهُنَّ مَهابِطُ الوَحْيِ، وأمَرَهُنَّ أنْ لا يَنْسَيْنَ ما يُتْلى فِيها مِنَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ أمْرَيْنِ: وهو آياتٌ بَيِّناتٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ مُعْجِزٌ بِنَظْمِهِ، وهو حِكْمَةٌ وعُلُومٌ وشَرائِعُ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ حِينَ عَلِمَ ما يَنْفَعُكم ويُصْلِحُكم في دِينِكم فَأنْزَلَهُ عَلَيْكم، أوْ عَلِمَ مَن يَصْلُحُ لِنُبُوَّتِهِ ومَن يَصْلُحُ لِأنْ تَكُونُوا أهْلَ بَيْتِهِ، أوْ حَيْثُ جُعِلَ الكَلامُ جامِعًا بَيْنَ الغَرَضَيْنِ. انْتَهى. واتِّصالُ ﴿واذْكُرْنَ﴾ بِما قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ مِنَ البَيْتِ، ومَن لَمْ يُدْخِلْهُنَّ قالَ: هي ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ. ﴿واذْكُرْنَ﴾ إمّا بِمَعْنى احْفَظْنَ وتَذَكَّرْنَهُ، وإمّا اذْكُرْنَهُ لِغَيْرِكُنَّ وارْوِينَهُ حَتّى يُنْقَلَ. و﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ هو القُرْآنُ ﴿والحِكْمَةِ﴾ هي ما كانَ مِن حَدِيثِهِ وسُنَّتِهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، غَيْرَ القُرْآنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلْآياتِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَطِيفًا﴾ تَلْيِينٌ، وفي ﴿خَبِيرًا﴾ تَحْذِيرٌ ما. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ما تُتْلى بِتاءِ التَّأْنِيثِ، والجُمْهُورُ: بِالياءِ. ورُوِيَ أنَّ نِساءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ في القُرْآنِ ولَمْ يَذْكُرْنا؛ وقِيلَ: السّائِلَةُ أُمُّ سَلَمَةَ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ في نِسائِهِ ما نَزَلَ، قالَ نِساءُ المُسْلِمِينَ: فَما نَزَلَ فِينا شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ الآيَةَ، وهَذِهِ الأوْصافُ العَشَرَةُ تَقَدَّمَ شَرْحُها، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْقِيادِ الظّاهِرِ، ثُمَّ بِالتَّصْدِيقِ، ثُمَّ بِالأوْصافِ الَّتِي بَعْدَهُما تَنْدَرِجُ في الإسْلامِ وهو الِانْقِيادُ، وفي الإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ، ثُمَّ خَتَمَها بِخُلَّةِ المُراقَبَةِ وهي ذِكْرُ اللَّهِ كَثِيرًا. ولَمْ يَذْكُرْ لِهَذِهِ الأوْصافِ مُتَعَلِّقًا إلّا في قَوْلِهِ: (والحافِظِينَ فُرُوجَهم والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا) نَصَّ عَلى مُتَعَلِّقِ الحِفْظِ لِكَوْنِهِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ ومَرْكَبَ الشَّهْوَةِ الغالِبَةِ، وعَلى مُتَعَلِّقِ الذِّكْرِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، وهو لَفْظُ اللَّهِ، إذْ هو العَلَمُ المُحْتَوِي عَلى جَمِيعِ أوْصافِهِ، لِيَتَذَكَّرَ المُسْلِمُ مَن تَذَكَّرَهُ، وهو اللَّهُ تَعالى، وحُذِفَ مِنَ الحافِظاتِ والذّاكِراتِ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: والحافِظاتِها والذّاكِراتِهِ. ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ غَلَّبَ الذُّكُورَ، فَجَمَعَ الإناثَ مَعَهم وأدْرَجَهم في الضَّمِيرِ، ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ لَهم ولَهُنَّ.

الأحزاب 33:36

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ . (p-٢٣٣)قالَ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم: خَطَبَ الرَّسُولُ ﷺ لِزَيْدٍ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأبَتْ وقالَتْ: لَسْتُ بِناكِحَةٍ، فَقالَ: «بَلى فَأنْكِحِيهِ فَقَدْ رَضِيتُهُ لَكِ»، فَأبَتْ، فَنَزَلَتْ. وذَكَرَ أنَّها وأخاها عَبْدَ اللَّهِ كَرِها ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ رَضِيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبَتْ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهي أوَّلُ امْرَأةٍ وهَبَتْ لِلنَّبِيِّ نَفْسَها، فَقالَ: «قَدْ قَبِلْتُكِ وزَوَّجْتُكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ»، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها، قالا: إنَّما أرَدْناهُ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ، فَنَزَلَتْ، والسَّبَبُ الأوَّلُ أصَحُّ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ الأوْصافَ السّابِقَةَ مِنَ الإسْلامِ فَما بَعْدَهُ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِما صَدَرَ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ، إذْ أشارَ الرَّسُولُ ﷺ بِأمْرٍ وقَعَ مِنهُمُ الإباءُ لَهُ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، إذْ طاعَتُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن طاعَةِ اللَّهِ، وأمْرُهُ مِن أمْرِهِ. و(الخِيَرَةُ) مَصْدَرٌ مِن تَخَيَّرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كالطِّيَرَةِ مِن تَطَيَّرَ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ الياءِ، ذَكَرَهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ والأعْرَجُ، وعِيسى: ”أنْ تَكُونَ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ (p-٢٣٤)والكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، والسُّلَمِيُّ: بِالياءِ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعُمُّ في سِياقِ النَّفْيِ، جاءَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (لَهم) مُغَلَّبًا فِيهِ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ مِن حَقِّ الضَّمِيرِ أنْ يُوَحَّدَ، كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا. انْتَهى. لَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ هَذا عَطْفٌ بِالواوِ، فَلا يَجُوزُ إفْرادُ الضَّمِيرِ إلّا عَلى تَأْوِيلِ الحَذْفِ، أيْ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا، وتَقُولُ: ما جاءَ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو إلّا ضَرَبا خالِدًا، ولا يَجُوزُ إلّا ضَرَبَ إلّا عَلى الحَذْفِ، كَما قُلْنا. ﴿وإذْ تَقُولُ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِالإسْلامِ، وهو أجَلُّ النِّعَمِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ الَّذِي كانَ الرَّسُولُ ﷺ تَبَنّاهُ. ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وهو عِتْقُهُ، وتَقَدَّمَ طَرَفٌ مِن قِصَّتِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وتَقَدَّمَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ خَطَبَها لَهُ. وقِيلَ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِصُحْبَتِكَ ومَوَدَّتِكَ، وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِتَبَنِّيهِ. «فَجاءَ زَيْدٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي، فَقالَ: ”أرابَكَ مِنها شَيْءٌ ؟“ قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها تَعْظُمُ عَلَيَّ لِشَرَفِها وتُؤْذِينِي بِلِسانِها، فَقالَ: ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾“، أيْ: لا تُطَلِّقْها، وهو أمْرُ نَدْبٍ، ”﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في مُعاشَرَتِها“ . فَطَلَّقَها، وتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها» . وعَلَّلَ تَزْوِيجَهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ في أنْ يَتَزَوَّجُوا زَوْجاتِ مَن كانُوا تَبَنَّوْهُ إذا فارِقُوهُنَّ، وأنَّ هَؤُلاءِ الزَّوْجاتِ لَيْسَتْ داخِلاتٍ فِيما حَرَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: كانَ قَدْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُها، وأنَّهُ يَتَزَوَّجُها بِتَزْوِيجِ اللَّهِ إيّاها. فَلَمّا شَكا زَيْدٌ خُلُقَها، وأنَّها لا تُطِيعُهُ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ طَلاقَها، قالَ لَهُ ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾“، عَلى طَرِيقِ الأدَبِ والوَصِيَّةِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُطَلِّقُها. وهَذا هو الَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالطَّلاقِ. ولَمّا عَلِمَ مِن أنَّهُ سَيُطَلِّقُها، وخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَلْحَقَهُ قَوْلٌ مِنَ النّاسِ في أنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، وهو مَوْلاهُ، وقَدْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى هَذا القَدْرِ في شَيْءٍ قَدْ أباحَهُ اللَّهُ بِأنْ قالَ؛ (أمْسِكْ) مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ يُطَلِّقُ، فَأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أحَقُّ بِالخَشْيَةِ، أيْ: في كُلِّ حالٍ. انْتَهى. وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كالزُّهْرِيِّ، وبَكْرِ بْنِ العَلاءِ، والقُشَيْرِيِّ، والقاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِمْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ إنَّما هو إرْجافُ المُنافِقِينَ في تَزْوِيجِ نِساءِ الأنْبِياءِ، والنَّبِيُّ مَعْصُومٌ في حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ. ولِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ كَلامٌ في الآيَةِ يَقْتَضِي النَّقْصَ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ضَرَبْنا عَنْهُ صَفْحًا. وقِيلَ؛ قَوْلُهُ ﴿واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ، فَإنَّهُ أخْفى المَيْلَ إلَيْها، وأظْهَرَ الرَّغْبَةَ عَنْها، لَمّا تَوَهَّمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرادَ أنْ تَكُونَ مِن نِسائِهِ. انْتَهى. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ، وبَعْضُهُ لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِما فِيهِ غَيْرُ صَوابٍ مِمّا جَرى فِيهِ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ وغَيْرِهِ، واخْتَرْتُ مِنهُ ما أنِصُّهُ. قالَ: كَمْ مِن شَيْءٍ يَتَحَفَّظُ مِنهُ الإنْسانُ ويَسْتَحْيِي مِن إطْلاعِ النّاسِ عَلَيْهِ، وهو في نَفْسِهِ مُباحٌ مُتَّسِعٌ وحَلالٌ مُطْلَقٌ، لا مَقالَ فِيهِ ولا عَيْبَ عِنْدَ اللَّهِ. ورُبَّما كانَ الدُّخُولُ في ذَلِكَ المُباحِ سُلَّمًا إلى حُصُولِ واجِباتٍ، لِعِظَمِ أثَرِها في الدِّينِ، ويَجِلُّ ثَوابُها، ولَوْ لَمْ يُتَحَفَّظْ مِنهُ، لَأطْلَقَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فِيهِ ألْسِنَتَهم، إلّا مَن أُوتِيَ فَضْلًا وعِلْمًا ودِينًا ونَظَرًا في حَقائِقِ الأشْياءِ ولُبابِها دُونَ قُشُورِها. ألا تَرى أنَّهم كانُوا إذا طَمِعُوا في بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَقَوْا مُرْتَكِزِينَ في مَجالِسِهِمْ لا يُدِيمُونَ مُسْتَأْنِسِينَ بِالحَدِيثِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْذِيهِ قُعُودُهم، ويُضِيقُ صَدْرَهُ حَدِيثُهم، والحَياءُ يَصُدُّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالِانْتِشارِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . ولَوْ أبْرَزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكْنُونَ (p-٢٣٥)ضَمِيرِهِ، وأمَرَهم أنْ يَنْتَشِرُوا، لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، ولَكانَ بَعْضُ المَقالَةِ. فَهَذا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ؛ لِأنَّ طُمُوحَ قَلْبِ الإنْسانِ إلى بَعْضِ مُشْتَهِياتِهِ، مِنَ امْرَأةٍ أوْ غَيْرِها، غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالقُبْحِ في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ. وتَناوُلُ المُباحِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ بِقَبِيحٍ أيْضًا، وهو خِطْبَةُ زَيْنَبَ ونِكاحُها مِن غَيْرِ اسْتِنْزالِ زَيْدٍ عَنْها، ولا طَلَبٍ إلَيْهِ. ولَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَرًا عِنْدَهم أنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ مِنهم عَنِ امْرَأتِهِ لِصَدِيقِهِ، ولا مُسْتَهْجَنًا إذا نَزَلَ عَنْها أنْ يَنْكِحَها الآخَرُ. فَإنَّ المُهاجِرِينَ حِينَ دَخَلُوا المَدِينَةَ، آثَرَتْهُمُ الأنْصارُ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتّى أنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ نَزَلَ عَنْ إحْداهُما وأنْكَحَها المُهاجِرَ. وإذا كانَ الأمْرُ مُباحًا مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ وجْهٌ مِن وُجُوهِ القُبْحِ، ولا مَفْسَدَةٌ ولا مَضَرَّةٌ بِزَيْدٍ ولا بِأحَدٍ، بَلْ كانَ مُسْتَجِرًّا مَصالِحَ؛ ناهِيكَ بِواحِدَةٍ مِنها: أنَّ بِنْتَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمِنَتِ الأيْمَةَ والضَّيْعَةَ ونالَتِ الشَّرَفَ وعادَتْ أُمًّا مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، إلى ما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَصْلَحَةِ العامَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ الآيَةَ. انْتَهى ما اخْتَرْناهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فِيهِ وُصُولُ الفِعْلِ الرّافِعِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وهُما لِشَخْصٍ واحِدٍ، فَهو كَقَوْلِهِ: ؎هَوِّنْ عَلَيْكَ ودَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ في حَجَراتِهِ وذَكَرُوا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ ”عَلى“ و”عَنِ“ اسْمانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونا حَرْفَيْنِ، لِامْتِناعِ فَكَّرَ فِيكَ، وأعْنِي بِكَ، بَلْ هَذا مِمّا يَكُونُ فِيهِ النَّفْسُ، أيْ: فَكِّرْ في نَفْسِكَ، وأعْنِي بِنَفْسِكَ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] . وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ﴾ مُسْتَأْنَفٌ ﴿وتَخْشى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (وتُخْفِي) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واوُ الحالِ، أيْ: تَقُولُ لِزَيْدٍ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مُخْفِيًا في نَفْسِكَ إرادَةَ أنْ لا يُمْسِكَها، وتُخْفِي خاشِيًا قالَةَ النّاسِ، أوْ واوُ العَطْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْ تَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلِكَ: (أمْسِكْ) وإخْفاءِ قالَةِ وخَشْيَةِ النّاسِ. انْتَهى. ولا يَكُونُ ﴿وتُخْفِي﴾ حالًا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وأنْتَ تُخْفِي؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ مُثْبَتٌ، فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الواوُ إلّا عَلى ذَلِكَ الإضْمارِ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ، لا يُبْنى عَلى مِثْلِهِ القَواعِدُ؛ ومِنهُ قَوْلُهم: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ، أيْ: وأنا أصُكُّ عَيْنَهُ. ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ تَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِهِ في التَّوْبَةِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ: حاجَةً، قِيلَ: وهو الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ورَوى أبُو عِصْمَةَ نُوحُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، بِإسْنادٍ رَفَعَهُ إلى زَيْنَبَ، أنَّها قالَتْ: ما كُنْتُ أمْتَنِعُ مِنهُ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مُذْ تَزَوَّجَها لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَتَوَرَّمُ ذَلِكَ مِنهُ حِينَ يُرِيدُ أنْ يُقِرَّ بِها. وقالَ قَتادَةُ: الوَطَرُ هُنا: الطَّلاقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ؛ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأخَواهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ، وأبُوهم عَلِيٌّ: زَوَّجْتُكَها، بِتاءِ الضَّمِيرِ لِلْمُتَكَلِّمِ. ونَفى تَعالى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ في إجْراءِ أزْواجِ المُتَبَنِّينَ مَجْرى أزْواجِ النَّبِيِّينَ في تَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ انْقِطاعِ عَلائِقِ الزَّواجِ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ. (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مُقْتَضى أمْرِ اللَّهِ، أوْ مُضَمَّنُ أمْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فالأمْرُ قَدِيمٌ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُفْعَلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَكُونَهُ (مَفْعُولًا) مَكُونًا لا مَحالَةَ، وهو مَثَلٌ لِما أرادَ كَوْنَهُ مِن تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأمْرِ اللَّهِ المَكُونُ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ يَكُونَ. ولَمّا نَفى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ فِيما ذَكَرَ، وانْدَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، إذْ هو سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، نَفى عَنْهُ الحَرَجَ بِخُصُوصِهِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّشْرِيفِ، ونَفى الحَرَجَ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ، إحْداهُما بِالِانْدِراجِ في العُمُومِ، والأُخْرى بِالخُصُوصِ. ﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ: فِيما خُصَّ بِهِ مِن صِحَّةِ النِّكاحِ بِلا صَداقٍ. وقالَ قَتادَةُ: فِيما أحَلَّ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: في الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ، وكانَتِ اليَهُودُ عابُوهُ بِكَثْرَةِ النِّكاحِ وكَثْرَةِ (p-٢٣٦)الأزْواجِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (سُنَّةَ اللَّهِ) أيْ: في الأنْبِياءِ بِكَثْرَةِ النِّساءِ، حَتّى كانَ لِسُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ثَلاثُمِائَةِ حُرَّةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَيْنَبَ، كَما جَمَعَ بَيْنَ داوُدَ وبَيْنَ الَّتِي تَزَوَّجَها بَعْدَ قَتْلِ زَوْجِها. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ اللَّهِ) عَلى أنَّهُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أوْ عَلى المَصْدَرِ؛ أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمْ، أوْ نَحْوُهُ، أوْ عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: أوْ عَلى الإغْراءِ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ عامِلَ الِاسْمِ في الإغْراءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وأيْضًا فَتَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الإغْراءِ، إذْ لا يُغْرى غائِبٌ. وما جاءَ مِن قَوْلِهِمْ: عَلَيْهِ رَجُلًا لَيْسَنِي، لَهُ تَأْوِيلٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ نادِرٌ. و(الَّذِينَ خَلَوْا) الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ . (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مَأْمُوراتُهُ، والكائِناتُ مِن أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ. وقَوْلُهُ: (قَدَرًا) أيْ: ذا قَدَرٍ، أوْ عَنْ قَدَرٍ، أوْ قَضاءً مَقْضِيًّا وحُكْمًا مَثْبُوتًا. و(الَّذِينَ) صِفَةُ (الَّذِينَ خَلَوْا)، أوْ مَرْفُوعٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِهِمْ، أوْ عَلى: أمْدَحُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: الَّذِينَ بَلَّغُوا، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”رِسالَةَ اللَّهِ“ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والجُمْهُورُ: ”﴿يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ﴾“ جَمْعًا. (وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا) أيْ: مُحاسِبًا عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والعَقائِدِ، أوْ مُحْسِبًا: أيْ: كافِيًا. ثُمَّ نَفى تَعالى كَوْنَ رَسُولِهِ ﴿أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن تَبَنّاهُ مِن حُرْمَةِ الصِّهارَةِ والنِّكاحِ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الأبِ ووَلَدِهِ. هَذا مَقْصُودُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ في أمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ. وإضافَةُ (رِجالِكم) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ يُخْرِجُ مَن كانَ مِن بَنِيهِ؛ لِأنَّهم رِجالُهُ، لا رِجالُ المُخاطِبِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ﴾ بِتَخْفِيفِ ”لَكِنْ“ ونَصْبِ ”رَسُولَ“ عَلى إضْمارِ كانَ، لِدَلالَةِ ”كانَ“ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ؛ قِيلَ: أوْ عَلى العَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”لَكِنَّ“، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ هو، أيْ: مُحَمَّدٌ. وحَذْفُ خَبَرِ لَكِنَّ وأخَواتِها جائِزٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. ومِمّا جاءَ في ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زَنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ أيْ: أنْتَ لا تَعْرِفُ قَرابَتِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ ”ورَسُولُهُ“ و”خاتَمُ“، أيْ: ولَكِنْ هو رَسُولٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ الشّاعِرَ السَّقّافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَرَةَ الحَرْبِ العَوالِ أيْ: لَكِنْ أنا مَدَرَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (خاتِمَ) بِكَسْرِ التّاءِ، بِمَعْنى أنَّهُ خَتَمَهم، أيْ: جاءَ آخِرَهم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ، وعَنْهُ: أنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ في حَدِيثِ ”واللَّبِنَةِ“ . ورُوِيَ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ألْفاظٌ تَقْتَضِي نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، والمَعْنى أنْ لا يَتَنَبَّأ أحَدٌ بَعْدَهُ، ولا يَرِدُ نُزُولُ عِيسى آخِرَ الزَّمانِ؛ لِأنَّهُ مِمَّنْ نُبِّئَ قَبْلَهُ، ويَنْزِلُ عامِلًا عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ مُصَلِّيًا إلى قِبْلَتِهِ كَأنَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما ذَكَرَهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ، مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ، وتَطَرَّقَ إلى تَرْكِ تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِمُحَمَّدٍ النُّبُوَّةَ، فالحَذَرَ الحَذَرَ مِنهُ، واللَّهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِ التّاءِ بِمَعْنى: أنَّهم بِهِ خُتِمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطّابَعِ لَهم. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ النُّبُوَّةَ مُكْتَسَبَةٌ لا تَنْقَطِعُ، أوْ إلى أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، فَهو زِنْدِيقٌ يَجِبُ قَتْلُهُ. وقَدِ ادَّعى النُّبُوَّةَ ناسٌ، فَقَتَلَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ. وكانَ في عَصْرِنا شَخْصٌ مِنَ الفُقَراءِ ادَّعى النُّبُوَّةَ بِمَدِينَةِ مالقَةَ، فَقَتَلَهُ السُّلْطانُ ابْنُ الأحْمَرِ، مَلِكُ الأنْدَلُسِ بِغَرْناطَةَ، (p-٢٣٧)وصُلِبَ إلى أنْ تَناثَرَ لَحْمُهُ. ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ هَذا عامٌّ، والقَصْدُ هُنا عِلْمُهُ تَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِرَسُولِهِ، وبِما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِهِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ وتَحْمِيدِهِ وتَقْدِيسِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. والذِّكْرُ الكَثِيرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، أوِ التَّسْبِيحُ مُنْدَرِجٌ في الذِّكْرِ، لَكِنَّهُ خُصَّ بِأنَّهُ يُنَزِّهُهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَهو أفْضَلُ، أوْ مِن أفْضَلِ الأذْكارِ. وعَنْ قَتادَةَ: قُولُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: هَذِهِ الكَلِماتُ يَقُولُها الطّاهِرُ والجُنُبُ. و(بَكْرَةً وأصِيلًا) يَقْتَضِيهِما: ”اذْكُرُوا“ و”سَبِّحُوا“، والنَّصْبُ بِالثّانِي عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ، والوَقْتانِ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الزَّمانِ، ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ إشْعارٌ بِالِاسْتِغْراقِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: صَلُّوا صَلاةَ الفَجْرِ والعِشاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ العَصْرِ إلى العِشاءِ. وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ إلى صَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ العَصْرِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ وإكْثارِهِ تَكْثِيرًا لِطاعاتٍ والإقْبالِ عَلى الطّاعاتِ، فَإنَّ كُلَّ طاعَةٍ وكُلَّ خَيْرٍ مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ. ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ (بُكْرَةً وأصِيلًا)، وهي الصَّلاةُ في جَمِيعِ أوْقاتِها، تَفْضُلُ الصَّلاةُ غَيْرَها، أوْ صَلاةُ الفَجْرِ والعِشاءِ؛ لِأنَّ أداءَهُما أشَقُّ. ولَمّا أمَرَهم بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، ذَكَرَ إحْسانَهُ تَعالى بِصَلاتِهِ عَلَيْهِمْ هو ومَلائِكَتُهُ. قالَ الحَسَنُ: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يَرْحَمُكم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَغْفِرُ لَكم. وقالَ أبُو العالِيَةِ يُثْنِي عَلَيْكم. وقِيلَ: يَتَرَأَّفُ بِكم. وصَلاةُ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] . وقالَ مُقاتِلٌ: الدُّعاءُ، والمَعْنى: هو الَّذِي يَتَرَحَّمُ عَلَيْكم، حَيْثُ يَدْعُوكم إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُكم بِإكْثارِ الذِّكْرِ والطّاعَةِ، لِيُخْرِجَكم مِن ظُلُماتِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ الطّاعَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وقالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: مِنَ القُبُورِ إلى البَعْثِ. (ومَلائِكَتُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَكِنِّ في (يُصَلِّي) فَأغْنى الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ التَّأْكِيدِ، وصَلاةُ اللَّهِ غَيْرُ صَلاةِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ اشْتَرَكا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ ؟ وهو إرادَةُ وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ. فاللَّهُ تَعالى يُرِيدُ بِرَحْمَتِهِ إيّاهم إيصالَ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، ومَلائِكَتُهُ يُرِيدُونَ بِالِاسْتِغْفارِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلُوا لِكَوْنِهِمْ مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ الرَّحْمَةَ والرَّأْفَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: حَيّاكَ اللَّهُ: أيْ: أحْياكَ وأبْقاكَ، وحَيَّيْتُكَ: أيْ: دَعَوْتُ لَكَ بِأنْ يُحْيِيَكَ اللَّهُ؛ لِأنَّكَ لِاتِّكالِكَ عَلى إجابَةِ دَعْوَتِكَ كَأنَّكَ تُبْقِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ وكَذَلِكَ عَمَّرَكَ اللَّهُ وعَمَّرْتُكَ، وسَقاكَ اللَّهُ وسَقَيْتُكَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أيِ: ادْعُوا لَهُ بِأنْ يُصَلّى عَلَيْهِ. ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ الصَّلاتَيْنِ اشْتَرَكَتا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ أوْلى. ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ. (سَلامٌ) أيْ: تَحِيَّةُ اللَّهِ لَهم. يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: السَّلامُ عَلَيْكم، مَرْحَبًا بِعِبادِي الَّذِينَ أرْضَوْنِي بِاتِّباعِ أمْرِي، قالَهُ الرَّقاشِيُّ. وقِيلَ: يُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: مَعْناهُ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لا يَقْبِضُ رُوحَ المُؤْمِنِ حَتّى يُسَلِّمَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا جاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ قالَ: رَبُّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلامَ، قِيلَ: فَعَلى هَذا الهاءُ في قَوْلِهِ: (يَلْقَوْنَهُ) كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وقِيلَ: سَلامُ المَلائِكَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ مَخُوفٍ. وقِيلَ: تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: هو سَلامُ مَلَكِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وبِشارَتُهم بِالجَنَّةِ. والتَّحِيَّةُ مَصْدَرٌ في هَذِهِ الأقْوالِ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ، إلّا في قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمُحَيِّي والمُحَيّا، لا عَلى جِهَةِ العَمَلِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ الواحِدَ لا يَكُونُ فاعِلًا مَفْعُولًا، ولَكِنَّهُ كَقَوْلِهِ: (p-٢٣٨)﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أيْ: لِلْحُكْمِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم، ولِيَبْعَثَ إلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ الجارِيَةُ بَيْنَهم هي سَلامٌ. وفَرَّقَ المُبَرِّدُ بَيْنَ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ فَقالَ: التَّحِيَّةُ يَكُونُ ذَلِكَ دُعاءً، والسَّلامُ مَخْصُوصٌ، ومِنهُ: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] . والأجْرُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ (شاهِدًا) عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ، وعَلى تَكْذِيبِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، أيْ: مَفْعُولًا قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ، وشاهِدًا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وبِتَبْلِيغِ الأنْبِياءِ قَوْلَكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدًا) عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، إذا كانَ قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ وقْتَ الإرْسالِ لَمْ يَكُنْ شاهِدًا عَلَيْهِمْ، وإنَّما يَكُونُ شاهِدًا عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ وعِنْدَ أدائِها، أوْ لِأنَّهُ أقْرَبُ زَمانِ البَعْثَةِ، وإيمانُ مَن آمَنَ وتَكْذِيبُ مَن كَذَّبَ كانَ ذَلِكَ وقَعَ في زَمانٍ واحِدٍ. ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: إلى الطّاعَةِ. (بِإذْنِهِ) أيْ: بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ الإذْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ فُهِمَ في قَوْلِهِ: إنّا أرْسَلْناكَ داعِيًا، أنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ في الدُّعاءِ. ولَمّا كانَ دُعاءُ المُشْرِكِ إلى التَّوْحِيدِ صَعْبًا جِدًّا، قِيلَ: بِإذْنِهِ، أيْ: بِتَسْهِيلِهِ تَعالى. و(سِراجًا مُنِيرًا) جَلّى مِن ظُلُماتِ الشِّرْكِ، واهْتَدى بِهِ الضّالُّونَ، كَما يُجَلّى ظَلامُ اللَّيْلِ بِالسِّراجِ المُنِيرِ. ويُهْتَدى بِهِ إذا مَدَّ اللَّهُ بِنُورِ نُبُوَّتِهِ نُورَ البَصائِرِ، كَما يَمُدُّ بِنُورِ السِّراجِ نُورَ الأبْصارِ. ووَصَفَهُ بِالإنارَةِ؛ لِأنَّ مِنَ السِّراجِ ما لا يُضِيءُ إذا قَلَّ سَلِيطُهُ ودَقَّتْ فَتِيلَتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (شاهِدًا) أيْ: وذا سِراجٍ مُنِيرٍ، أيْ: كِتابٍ نَيِّرٍ. وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: وتالِيًا سِراجًا مُنِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ويَجُوزُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يُعْطَفَ عَلى كافِ (أرْسَلْناكَ) . انْتَهى. ولا يَتَّضِحُ هَذا الَّذِي قالَهُ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا ذا سِراجٍ مُنِيرٍ، وهو القُرْآنُ. ولا يُوصَفُ بِالإرْسالِ القُرْآنُ، إنَّما يُوصَفُ بِالإنْزالِ. وكَذَلِكَ أيْضًا إذا كانَ التَّقْدِيرُ: وتالِيًا، يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا تالِيًا سِراجًا مُنِيرًا، فَفِيهِ عَطْفُ الصِّفَةِ الَّتِي لِلذّاتِ عَلى الذّاتِ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ زَيْدًا والعالِمَ، إذا كانَ العالِمُ صِفَةً لِزَيْدٍ، والعَطْفُ مُشْعِرٌ بِالتَّغايُرِ، لا يَحْسُنُ مِثْلُ هَذا التَّخْرِيجِ في كَلامِ اللَّهِ، وثُمَّ حُمِلَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نَبِيَّهُ (شاهِدًا) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ بِتِلْكَ الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ قالَ؛ فاشْهَدْ وبَشِّرْ وأنْذِرْ وادْعُ وانْهَ، ثُمَّ قالَ؛ (وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ)؛ فَهَذا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وإنْ كانَ يَظْهَرُ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والفَضْلُ الكَبِيرُ: الثَّوابُ، مِن قَوْلِهِمْ لِلْعَطايا: فُضُولٌ وفَواضِلُ، أوِ المَزِيدُ عَلى الثَّوابِ. وإذا ذُكِرَ المُتَفَضَّلُ بِهِ وكِبَرُهُ، فَما ظَنُّكَ بِالثَّوابِ أوْ ما فُضِّلُوا بِهِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوِ الجَنَّةِ وما أُوتُوا فِيها ؟ ويُفَسِّرُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] . ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ يَنْتَصِحُونَ بِها وهي غِشٌّ. ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ الظّاهِرُ إضافَتُهُ إلى المَفْعُولِ. لَمّا نَهى عَنْ طاعَتِهِمْ، أمَرَ بِتَرْكِهِ إذايَتَهم وعُقُوبَتَهم، ونُسِخَ مِنهُ ما يَخُصُّ الكافِرِينَ بِآيَةِ السَّيْفُ. (وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ) فَإنَّهُ يَنْصُرُكَ ويَخْذُلُهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ: ودَعْ إذايَتَهم إيّاكَ، أيْ: مُجازاةَ الإذايَةِ مِن عِقابٍ وغَيْرِهِ حَتّى تُؤْمَرَ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ.

الأحزاب 33:37

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ . (p-٢٣٣)قالَ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم: خَطَبَ الرَّسُولُ ﷺ لِزَيْدٍ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأبَتْ وقالَتْ: لَسْتُ بِناكِحَةٍ، فَقالَ: «بَلى فَأنْكِحِيهِ فَقَدْ رَضِيتُهُ لَكِ»، فَأبَتْ، فَنَزَلَتْ. وذَكَرَ أنَّها وأخاها عَبْدَ اللَّهِ كَرِها ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ رَضِيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبَتْ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهي أوَّلُ امْرَأةٍ وهَبَتْ لِلنَّبِيِّ نَفْسَها، فَقالَ: «قَدْ قَبِلْتُكِ وزَوَّجْتُكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ»، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها، قالا: إنَّما أرَدْناهُ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ، فَنَزَلَتْ، والسَّبَبُ الأوَّلُ أصَحُّ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ الأوْصافَ السّابِقَةَ مِنَ الإسْلامِ فَما بَعْدَهُ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِما صَدَرَ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ، إذْ أشارَ الرَّسُولُ ﷺ بِأمْرٍ وقَعَ مِنهُمُ الإباءُ لَهُ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، إذْ طاعَتُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن طاعَةِ اللَّهِ، وأمْرُهُ مِن أمْرِهِ. و(الخِيَرَةُ) مَصْدَرٌ مِن تَخَيَّرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كالطِّيَرَةِ مِن تَطَيَّرَ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ الياءِ، ذَكَرَهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ والأعْرَجُ، وعِيسى: ”أنْ تَكُونَ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ (p-٢٣٤)والكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، والسُّلَمِيُّ: بِالياءِ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعُمُّ في سِياقِ النَّفْيِ، جاءَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (لَهم) مُغَلَّبًا فِيهِ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ مِن حَقِّ الضَّمِيرِ أنْ يُوَحَّدَ، كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا. انْتَهى. لَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ هَذا عَطْفٌ بِالواوِ، فَلا يَجُوزُ إفْرادُ الضَّمِيرِ إلّا عَلى تَأْوِيلِ الحَذْفِ، أيْ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا، وتَقُولُ: ما جاءَ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو إلّا ضَرَبا خالِدًا، ولا يَجُوزُ إلّا ضَرَبَ إلّا عَلى الحَذْفِ، كَما قُلْنا. ﴿وإذْ تَقُولُ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِالإسْلامِ، وهو أجَلُّ النِّعَمِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ الَّذِي كانَ الرَّسُولُ ﷺ تَبَنّاهُ. ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وهو عِتْقُهُ، وتَقَدَّمَ طَرَفٌ مِن قِصَّتِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وتَقَدَّمَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ خَطَبَها لَهُ. وقِيلَ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِصُحْبَتِكَ ومَوَدَّتِكَ، وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِتَبَنِّيهِ. «فَجاءَ زَيْدٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي، فَقالَ: ”أرابَكَ مِنها شَيْءٌ ؟“ قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها تَعْظُمُ عَلَيَّ لِشَرَفِها وتُؤْذِينِي بِلِسانِها، فَقالَ: ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾“، أيْ: لا تُطَلِّقْها، وهو أمْرُ نَدْبٍ، ”﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في مُعاشَرَتِها“ . فَطَلَّقَها، وتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها» . وعَلَّلَ تَزْوِيجَهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ في أنْ يَتَزَوَّجُوا زَوْجاتِ مَن كانُوا تَبَنَّوْهُ إذا فارِقُوهُنَّ، وأنَّ هَؤُلاءِ الزَّوْجاتِ لَيْسَتْ داخِلاتٍ فِيما حَرَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: كانَ قَدْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُها، وأنَّهُ يَتَزَوَّجُها بِتَزْوِيجِ اللَّهِ إيّاها. فَلَمّا شَكا زَيْدٌ خُلُقَها، وأنَّها لا تُطِيعُهُ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ طَلاقَها، قالَ لَهُ ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾“، عَلى طَرِيقِ الأدَبِ والوَصِيَّةِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُطَلِّقُها. وهَذا هو الَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالطَّلاقِ. ولَمّا عَلِمَ مِن أنَّهُ سَيُطَلِّقُها، وخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَلْحَقَهُ قَوْلٌ مِنَ النّاسِ في أنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، وهو مَوْلاهُ، وقَدْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى هَذا القَدْرِ في شَيْءٍ قَدْ أباحَهُ اللَّهُ بِأنْ قالَ؛ (أمْسِكْ) مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ يُطَلِّقُ، فَأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أحَقُّ بِالخَشْيَةِ، أيْ: في كُلِّ حالٍ. انْتَهى. وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كالزُّهْرِيِّ، وبَكْرِ بْنِ العَلاءِ، والقُشَيْرِيِّ، والقاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِمْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ إنَّما هو إرْجافُ المُنافِقِينَ في تَزْوِيجِ نِساءِ الأنْبِياءِ، والنَّبِيُّ مَعْصُومٌ في حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ. ولِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ كَلامٌ في الآيَةِ يَقْتَضِي النَّقْصَ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ضَرَبْنا عَنْهُ صَفْحًا. وقِيلَ؛ قَوْلُهُ ﴿واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ، فَإنَّهُ أخْفى المَيْلَ إلَيْها، وأظْهَرَ الرَّغْبَةَ عَنْها، لَمّا تَوَهَّمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرادَ أنْ تَكُونَ مِن نِسائِهِ. انْتَهى. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ، وبَعْضُهُ لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِما فِيهِ غَيْرُ صَوابٍ مِمّا جَرى فِيهِ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ وغَيْرِهِ، واخْتَرْتُ مِنهُ ما أنِصُّهُ. قالَ: كَمْ مِن شَيْءٍ يَتَحَفَّظُ مِنهُ الإنْسانُ ويَسْتَحْيِي مِن إطْلاعِ النّاسِ عَلَيْهِ، وهو في نَفْسِهِ مُباحٌ مُتَّسِعٌ وحَلالٌ مُطْلَقٌ، لا مَقالَ فِيهِ ولا عَيْبَ عِنْدَ اللَّهِ. ورُبَّما كانَ الدُّخُولُ في ذَلِكَ المُباحِ سُلَّمًا إلى حُصُولِ واجِباتٍ، لِعِظَمِ أثَرِها في الدِّينِ، ويَجِلُّ ثَوابُها، ولَوْ لَمْ يُتَحَفَّظْ مِنهُ، لَأطْلَقَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فِيهِ ألْسِنَتَهم، إلّا مَن أُوتِيَ فَضْلًا وعِلْمًا ودِينًا ونَظَرًا في حَقائِقِ الأشْياءِ ولُبابِها دُونَ قُشُورِها. ألا تَرى أنَّهم كانُوا إذا طَمِعُوا في بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَقَوْا مُرْتَكِزِينَ في مَجالِسِهِمْ لا يُدِيمُونَ مُسْتَأْنِسِينَ بِالحَدِيثِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْذِيهِ قُعُودُهم، ويُضِيقُ صَدْرَهُ حَدِيثُهم، والحَياءُ يَصُدُّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالِانْتِشارِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . ولَوْ أبْرَزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكْنُونَ (p-٢٣٥)ضَمِيرِهِ، وأمَرَهم أنْ يَنْتَشِرُوا، لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، ولَكانَ بَعْضُ المَقالَةِ. فَهَذا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ؛ لِأنَّ طُمُوحَ قَلْبِ الإنْسانِ إلى بَعْضِ مُشْتَهِياتِهِ، مِنَ امْرَأةٍ أوْ غَيْرِها، غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالقُبْحِ في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ. وتَناوُلُ المُباحِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ بِقَبِيحٍ أيْضًا، وهو خِطْبَةُ زَيْنَبَ ونِكاحُها مِن غَيْرِ اسْتِنْزالِ زَيْدٍ عَنْها، ولا طَلَبٍ إلَيْهِ. ولَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَرًا عِنْدَهم أنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ مِنهم عَنِ امْرَأتِهِ لِصَدِيقِهِ، ولا مُسْتَهْجَنًا إذا نَزَلَ عَنْها أنْ يَنْكِحَها الآخَرُ. فَإنَّ المُهاجِرِينَ حِينَ دَخَلُوا المَدِينَةَ، آثَرَتْهُمُ الأنْصارُ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتّى أنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ نَزَلَ عَنْ إحْداهُما وأنْكَحَها المُهاجِرَ. وإذا كانَ الأمْرُ مُباحًا مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ وجْهٌ مِن وُجُوهِ القُبْحِ، ولا مَفْسَدَةٌ ولا مَضَرَّةٌ بِزَيْدٍ ولا بِأحَدٍ، بَلْ كانَ مُسْتَجِرًّا مَصالِحَ؛ ناهِيكَ بِواحِدَةٍ مِنها: أنَّ بِنْتَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمِنَتِ الأيْمَةَ والضَّيْعَةَ ونالَتِ الشَّرَفَ وعادَتْ أُمًّا مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، إلى ما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَصْلَحَةِ العامَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ الآيَةَ. انْتَهى ما اخْتَرْناهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فِيهِ وُصُولُ الفِعْلِ الرّافِعِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وهُما لِشَخْصٍ واحِدٍ، فَهو كَقَوْلِهِ: ؎هَوِّنْ عَلَيْكَ ودَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ في حَجَراتِهِ وذَكَرُوا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ ”عَلى“ و”عَنِ“ اسْمانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونا حَرْفَيْنِ، لِامْتِناعِ فَكَّرَ فِيكَ، وأعْنِي بِكَ، بَلْ هَذا مِمّا يَكُونُ فِيهِ النَّفْسُ، أيْ: فَكِّرْ في نَفْسِكَ، وأعْنِي بِنَفْسِكَ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] . وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ﴾ مُسْتَأْنَفٌ ﴿وتَخْشى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (وتُخْفِي) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واوُ الحالِ، أيْ: تَقُولُ لِزَيْدٍ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مُخْفِيًا في نَفْسِكَ إرادَةَ أنْ لا يُمْسِكَها، وتُخْفِي خاشِيًا قالَةَ النّاسِ، أوْ واوُ العَطْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْ تَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلِكَ: (أمْسِكْ) وإخْفاءِ قالَةِ وخَشْيَةِ النّاسِ. انْتَهى. ولا يَكُونُ ﴿وتُخْفِي﴾ حالًا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وأنْتَ تُخْفِي؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ مُثْبَتٌ، فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الواوُ إلّا عَلى ذَلِكَ الإضْمارِ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ، لا يُبْنى عَلى مِثْلِهِ القَواعِدُ؛ ومِنهُ قَوْلُهم: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ، أيْ: وأنا أصُكُّ عَيْنَهُ. ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ تَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِهِ في التَّوْبَةِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ: حاجَةً، قِيلَ: وهو الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ورَوى أبُو عِصْمَةَ نُوحُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، بِإسْنادٍ رَفَعَهُ إلى زَيْنَبَ، أنَّها قالَتْ: ما كُنْتُ أمْتَنِعُ مِنهُ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مُذْ تَزَوَّجَها لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَتَوَرَّمُ ذَلِكَ مِنهُ حِينَ يُرِيدُ أنْ يُقِرَّ بِها. وقالَ قَتادَةُ: الوَطَرُ هُنا: الطَّلاقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ؛ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأخَواهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ، وأبُوهم عَلِيٌّ: زَوَّجْتُكَها، بِتاءِ الضَّمِيرِ لِلْمُتَكَلِّمِ. ونَفى تَعالى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ في إجْراءِ أزْواجِ المُتَبَنِّينَ مَجْرى أزْواجِ النَّبِيِّينَ في تَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ انْقِطاعِ عَلائِقِ الزَّواجِ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ. (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مُقْتَضى أمْرِ اللَّهِ، أوْ مُضَمَّنُ أمْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فالأمْرُ قَدِيمٌ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُفْعَلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَكُونَهُ (مَفْعُولًا) مَكُونًا لا مَحالَةَ، وهو مَثَلٌ لِما أرادَ كَوْنَهُ مِن تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأمْرِ اللَّهِ المَكُونُ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ يَكُونَ. ولَمّا نَفى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ فِيما ذَكَرَ، وانْدَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، إذْ هو سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، نَفى عَنْهُ الحَرَجَ بِخُصُوصِهِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّشْرِيفِ، ونَفى الحَرَجَ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ، إحْداهُما بِالِانْدِراجِ في العُمُومِ، والأُخْرى بِالخُصُوصِ. ﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ: فِيما خُصَّ بِهِ مِن صِحَّةِ النِّكاحِ بِلا صَداقٍ. وقالَ قَتادَةُ: فِيما أحَلَّ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: في الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ، وكانَتِ اليَهُودُ عابُوهُ بِكَثْرَةِ النِّكاحِ وكَثْرَةِ (p-٢٣٦)الأزْواجِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (سُنَّةَ اللَّهِ) أيْ: في الأنْبِياءِ بِكَثْرَةِ النِّساءِ، حَتّى كانَ لِسُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ثَلاثُمِائَةِ حُرَّةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَيْنَبَ، كَما جَمَعَ بَيْنَ داوُدَ وبَيْنَ الَّتِي تَزَوَّجَها بَعْدَ قَتْلِ زَوْجِها. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ اللَّهِ) عَلى أنَّهُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أوْ عَلى المَصْدَرِ؛ أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمْ، أوْ نَحْوُهُ، أوْ عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: أوْ عَلى الإغْراءِ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ عامِلَ الِاسْمِ في الإغْراءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وأيْضًا فَتَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الإغْراءِ، إذْ لا يُغْرى غائِبٌ. وما جاءَ مِن قَوْلِهِمْ: عَلَيْهِ رَجُلًا لَيْسَنِي، لَهُ تَأْوِيلٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ نادِرٌ. و(الَّذِينَ خَلَوْا) الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ . (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مَأْمُوراتُهُ، والكائِناتُ مِن أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ. وقَوْلُهُ: (قَدَرًا) أيْ: ذا قَدَرٍ، أوْ عَنْ قَدَرٍ، أوْ قَضاءً مَقْضِيًّا وحُكْمًا مَثْبُوتًا. و(الَّذِينَ) صِفَةُ (الَّذِينَ خَلَوْا)، أوْ مَرْفُوعٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِهِمْ، أوْ عَلى: أمْدَحُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: الَّذِينَ بَلَّغُوا، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”رِسالَةَ اللَّهِ“ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والجُمْهُورُ: ”﴿يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ﴾“ جَمْعًا. (وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا) أيْ: مُحاسِبًا عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والعَقائِدِ، أوْ مُحْسِبًا: أيْ: كافِيًا. ثُمَّ نَفى تَعالى كَوْنَ رَسُولِهِ ﴿أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن تَبَنّاهُ مِن حُرْمَةِ الصِّهارَةِ والنِّكاحِ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الأبِ ووَلَدِهِ. هَذا مَقْصُودُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ في أمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ. وإضافَةُ (رِجالِكم) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ يُخْرِجُ مَن كانَ مِن بَنِيهِ؛ لِأنَّهم رِجالُهُ، لا رِجالُ المُخاطِبِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ﴾ بِتَخْفِيفِ ”لَكِنْ“ ونَصْبِ ”رَسُولَ“ عَلى إضْمارِ كانَ، لِدَلالَةِ ”كانَ“ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ؛ قِيلَ: أوْ عَلى العَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”لَكِنَّ“، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ هو، أيْ: مُحَمَّدٌ. وحَذْفُ خَبَرِ لَكِنَّ وأخَواتِها جائِزٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. ومِمّا جاءَ في ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زَنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ أيْ: أنْتَ لا تَعْرِفُ قَرابَتِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ ”ورَسُولُهُ“ و”خاتَمُ“، أيْ: ولَكِنْ هو رَسُولٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ الشّاعِرَ السَّقّافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَرَةَ الحَرْبِ العَوالِ أيْ: لَكِنْ أنا مَدَرَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (خاتِمَ) بِكَسْرِ التّاءِ، بِمَعْنى أنَّهُ خَتَمَهم، أيْ: جاءَ آخِرَهم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ، وعَنْهُ: أنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ في حَدِيثِ ”واللَّبِنَةِ“ . ورُوِيَ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ألْفاظٌ تَقْتَضِي نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، والمَعْنى أنْ لا يَتَنَبَّأ أحَدٌ بَعْدَهُ، ولا يَرِدُ نُزُولُ عِيسى آخِرَ الزَّمانِ؛ لِأنَّهُ مِمَّنْ نُبِّئَ قَبْلَهُ، ويَنْزِلُ عامِلًا عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ مُصَلِّيًا إلى قِبْلَتِهِ كَأنَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما ذَكَرَهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ، مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ، وتَطَرَّقَ إلى تَرْكِ تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِمُحَمَّدٍ النُّبُوَّةَ، فالحَذَرَ الحَذَرَ مِنهُ، واللَّهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِ التّاءِ بِمَعْنى: أنَّهم بِهِ خُتِمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطّابَعِ لَهم. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ النُّبُوَّةَ مُكْتَسَبَةٌ لا تَنْقَطِعُ، أوْ إلى أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، فَهو زِنْدِيقٌ يَجِبُ قَتْلُهُ. وقَدِ ادَّعى النُّبُوَّةَ ناسٌ، فَقَتَلَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ. وكانَ في عَصْرِنا شَخْصٌ مِنَ الفُقَراءِ ادَّعى النُّبُوَّةَ بِمَدِينَةِ مالقَةَ، فَقَتَلَهُ السُّلْطانُ ابْنُ الأحْمَرِ، مَلِكُ الأنْدَلُسِ بِغَرْناطَةَ، (p-٢٣٧)وصُلِبَ إلى أنْ تَناثَرَ لَحْمُهُ. ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ هَذا عامٌّ، والقَصْدُ هُنا عِلْمُهُ تَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِرَسُولِهِ، وبِما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِهِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ وتَحْمِيدِهِ وتَقْدِيسِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. والذِّكْرُ الكَثِيرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، أوِ التَّسْبِيحُ مُنْدَرِجٌ في الذِّكْرِ، لَكِنَّهُ خُصَّ بِأنَّهُ يُنَزِّهُهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَهو أفْضَلُ، أوْ مِن أفْضَلِ الأذْكارِ. وعَنْ قَتادَةَ: قُولُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: هَذِهِ الكَلِماتُ يَقُولُها الطّاهِرُ والجُنُبُ. و(بَكْرَةً وأصِيلًا) يَقْتَضِيهِما: ”اذْكُرُوا“ و”سَبِّحُوا“، والنَّصْبُ بِالثّانِي عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ، والوَقْتانِ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الزَّمانِ، ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ إشْعارٌ بِالِاسْتِغْراقِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: صَلُّوا صَلاةَ الفَجْرِ والعِشاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ العَصْرِ إلى العِشاءِ. وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ إلى صَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ العَصْرِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ وإكْثارِهِ تَكْثِيرًا لِطاعاتٍ والإقْبالِ عَلى الطّاعاتِ، فَإنَّ كُلَّ طاعَةٍ وكُلَّ خَيْرٍ مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ. ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ (بُكْرَةً وأصِيلًا)، وهي الصَّلاةُ في جَمِيعِ أوْقاتِها، تَفْضُلُ الصَّلاةُ غَيْرَها، أوْ صَلاةُ الفَجْرِ والعِشاءِ؛ لِأنَّ أداءَهُما أشَقُّ. ولَمّا أمَرَهم بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، ذَكَرَ إحْسانَهُ تَعالى بِصَلاتِهِ عَلَيْهِمْ هو ومَلائِكَتُهُ. قالَ الحَسَنُ: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يَرْحَمُكم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَغْفِرُ لَكم. وقالَ أبُو العالِيَةِ يُثْنِي عَلَيْكم. وقِيلَ: يَتَرَأَّفُ بِكم. وصَلاةُ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] . وقالَ مُقاتِلٌ: الدُّعاءُ، والمَعْنى: هو الَّذِي يَتَرَحَّمُ عَلَيْكم، حَيْثُ يَدْعُوكم إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُكم بِإكْثارِ الذِّكْرِ والطّاعَةِ، لِيُخْرِجَكم مِن ظُلُماتِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ الطّاعَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وقالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: مِنَ القُبُورِ إلى البَعْثِ. (ومَلائِكَتُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَكِنِّ في (يُصَلِّي) فَأغْنى الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ التَّأْكِيدِ، وصَلاةُ اللَّهِ غَيْرُ صَلاةِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ اشْتَرَكا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ ؟ وهو إرادَةُ وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ. فاللَّهُ تَعالى يُرِيدُ بِرَحْمَتِهِ إيّاهم إيصالَ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، ومَلائِكَتُهُ يُرِيدُونَ بِالِاسْتِغْفارِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلُوا لِكَوْنِهِمْ مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ الرَّحْمَةَ والرَّأْفَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: حَيّاكَ اللَّهُ: أيْ: أحْياكَ وأبْقاكَ، وحَيَّيْتُكَ: أيْ: دَعَوْتُ لَكَ بِأنْ يُحْيِيَكَ اللَّهُ؛ لِأنَّكَ لِاتِّكالِكَ عَلى إجابَةِ دَعْوَتِكَ كَأنَّكَ تُبْقِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ وكَذَلِكَ عَمَّرَكَ اللَّهُ وعَمَّرْتُكَ، وسَقاكَ اللَّهُ وسَقَيْتُكَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أيِ: ادْعُوا لَهُ بِأنْ يُصَلّى عَلَيْهِ. ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ الصَّلاتَيْنِ اشْتَرَكَتا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ أوْلى. ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ. (سَلامٌ) أيْ: تَحِيَّةُ اللَّهِ لَهم. يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: السَّلامُ عَلَيْكم، مَرْحَبًا بِعِبادِي الَّذِينَ أرْضَوْنِي بِاتِّباعِ أمْرِي، قالَهُ الرَّقاشِيُّ. وقِيلَ: يُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: مَعْناهُ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لا يَقْبِضُ رُوحَ المُؤْمِنِ حَتّى يُسَلِّمَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا جاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ قالَ: رَبُّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلامَ، قِيلَ: فَعَلى هَذا الهاءُ في قَوْلِهِ: (يَلْقَوْنَهُ) كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وقِيلَ: سَلامُ المَلائِكَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ مَخُوفٍ. وقِيلَ: تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: هو سَلامُ مَلَكِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وبِشارَتُهم بِالجَنَّةِ. والتَّحِيَّةُ مَصْدَرٌ في هَذِهِ الأقْوالِ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ، إلّا في قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمُحَيِّي والمُحَيّا، لا عَلى جِهَةِ العَمَلِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ الواحِدَ لا يَكُونُ فاعِلًا مَفْعُولًا، ولَكِنَّهُ كَقَوْلِهِ: (p-٢٣٨)﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أيْ: لِلْحُكْمِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم، ولِيَبْعَثَ إلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ الجارِيَةُ بَيْنَهم هي سَلامٌ. وفَرَّقَ المُبَرِّدُ بَيْنَ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ فَقالَ: التَّحِيَّةُ يَكُونُ ذَلِكَ دُعاءً، والسَّلامُ مَخْصُوصٌ، ومِنهُ: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] . والأجْرُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ (شاهِدًا) عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ، وعَلى تَكْذِيبِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، أيْ: مَفْعُولًا قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ، وشاهِدًا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وبِتَبْلِيغِ الأنْبِياءِ قَوْلَكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدًا) عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، إذا كانَ قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ وقْتَ الإرْسالِ لَمْ يَكُنْ شاهِدًا عَلَيْهِمْ، وإنَّما يَكُونُ شاهِدًا عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ وعِنْدَ أدائِها، أوْ لِأنَّهُ أقْرَبُ زَمانِ البَعْثَةِ، وإيمانُ مَن آمَنَ وتَكْذِيبُ مَن كَذَّبَ كانَ ذَلِكَ وقَعَ في زَمانٍ واحِدٍ. ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: إلى الطّاعَةِ. (بِإذْنِهِ) أيْ: بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ الإذْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ فُهِمَ في قَوْلِهِ: إنّا أرْسَلْناكَ داعِيًا، أنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ في الدُّعاءِ. ولَمّا كانَ دُعاءُ المُشْرِكِ إلى التَّوْحِيدِ صَعْبًا جِدًّا، قِيلَ: بِإذْنِهِ، أيْ: بِتَسْهِيلِهِ تَعالى. و(سِراجًا مُنِيرًا) جَلّى مِن ظُلُماتِ الشِّرْكِ، واهْتَدى بِهِ الضّالُّونَ، كَما يُجَلّى ظَلامُ اللَّيْلِ بِالسِّراجِ المُنِيرِ. ويُهْتَدى بِهِ إذا مَدَّ اللَّهُ بِنُورِ نُبُوَّتِهِ نُورَ البَصائِرِ، كَما يَمُدُّ بِنُورِ السِّراجِ نُورَ الأبْصارِ. ووَصَفَهُ بِالإنارَةِ؛ لِأنَّ مِنَ السِّراجِ ما لا يُضِيءُ إذا قَلَّ سَلِيطُهُ ودَقَّتْ فَتِيلَتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (شاهِدًا) أيْ: وذا سِراجٍ مُنِيرٍ، أيْ: كِتابٍ نَيِّرٍ. وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: وتالِيًا سِراجًا مُنِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ويَجُوزُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يُعْطَفَ عَلى كافِ (أرْسَلْناكَ) . انْتَهى. ولا يَتَّضِحُ هَذا الَّذِي قالَهُ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا ذا سِراجٍ مُنِيرٍ، وهو القُرْآنُ. ولا يُوصَفُ بِالإرْسالِ القُرْآنُ، إنَّما يُوصَفُ بِالإنْزالِ. وكَذَلِكَ أيْضًا إذا كانَ التَّقْدِيرُ: وتالِيًا، يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا تالِيًا سِراجًا مُنِيرًا، فَفِيهِ عَطْفُ الصِّفَةِ الَّتِي لِلذّاتِ عَلى الذّاتِ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ زَيْدًا والعالِمَ، إذا كانَ العالِمُ صِفَةً لِزَيْدٍ، والعَطْفُ مُشْعِرٌ بِالتَّغايُرِ، لا يَحْسُنُ مِثْلُ هَذا التَّخْرِيجِ في كَلامِ اللَّهِ، وثُمَّ حُمِلَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نَبِيَّهُ (شاهِدًا) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ بِتِلْكَ الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ قالَ؛ فاشْهَدْ وبَشِّرْ وأنْذِرْ وادْعُ وانْهَ، ثُمَّ قالَ؛ (وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ)؛ فَهَذا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وإنْ كانَ يَظْهَرُ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والفَضْلُ الكَبِيرُ: الثَّوابُ، مِن قَوْلِهِمْ لِلْعَطايا: فُضُولٌ وفَواضِلُ، أوِ المَزِيدُ عَلى الثَّوابِ. وإذا ذُكِرَ المُتَفَضَّلُ بِهِ وكِبَرُهُ، فَما ظَنُّكَ بِالثَّوابِ أوْ ما فُضِّلُوا بِهِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوِ الجَنَّةِ وما أُوتُوا فِيها ؟ ويُفَسِّرُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] . ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ يَنْتَصِحُونَ بِها وهي غِشٌّ. ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ الظّاهِرُ إضافَتُهُ إلى المَفْعُولِ. لَمّا نَهى عَنْ طاعَتِهِمْ، أمَرَ بِتَرْكِهِ إذايَتَهم وعُقُوبَتَهم، ونُسِخَ مِنهُ ما يَخُصُّ الكافِرِينَ بِآيَةِ السَّيْفُ. (وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ) فَإنَّهُ يَنْصُرُكَ ويَخْذُلُهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ: ودَعْ إذايَتَهم إيّاكَ، أيْ: مُجازاةَ الإذايَةِ مِن عِقابٍ وغَيْرِهِ حَتّى تُؤْمَرَ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ.

الأحزاب 33:38

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ . (p-٢٣٣)قالَ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم: خَطَبَ الرَّسُولُ ﷺ لِزَيْدٍ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأبَتْ وقالَتْ: لَسْتُ بِناكِحَةٍ، فَقالَ: «بَلى فَأنْكِحِيهِ فَقَدْ رَضِيتُهُ لَكِ»، فَأبَتْ، فَنَزَلَتْ. وذَكَرَ أنَّها وأخاها عَبْدَ اللَّهِ كَرِها ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ رَضِيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبَتْ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهي أوَّلُ امْرَأةٍ وهَبَتْ لِلنَّبِيِّ نَفْسَها، فَقالَ: «قَدْ قَبِلْتُكِ وزَوَّجْتُكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ»، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها، قالا: إنَّما أرَدْناهُ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ، فَنَزَلَتْ، والسَّبَبُ الأوَّلُ أصَحُّ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ الأوْصافَ السّابِقَةَ مِنَ الإسْلامِ فَما بَعْدَهُ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِما صَدَرَ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ، إذْ أشارَ الرَّسُولُ ﷺ بِأمْرٍ وقَعَ مِنهُمُ الإباءُ لَهُ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، إذْ طاعَتُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن طاعَةِ اللَّهِ، وأمْرُهُ مِن أمْرِهِ. و(الخِيَرَةُ) مَصْدَرٌ مِن تَخَيَّرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كالطِّيَرَةِ مِن تَطَيَّرَ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ الياءِ، ذَكَرَهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ والأعْرَجُ، وعِيسى: ”أنْ تَكُونَ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ (p-٢٣٤)والكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، والسُّلَمِيُّ: بِالياءِ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعُمُّ في سِياقِ النَّفْيِ، جاءَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (لَهم) مُغَلَّبًا فِيهِ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ مِن حَقِّ الضَّمِيرِ أنْ يُوَحَّدَ، كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا. انْتَهى. لَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ هَذا عَطْفٌ بِالواوِ، فَلا يَجُوزُ إفْرادُ الضَّمِيرِ إلّا عَلى تَأْوِيلِ الحَذْفِ، أيْ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا، وتَقُولُ: ما جاءَ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو إلّا ضَرَبا خالِدًا، ولا يَجُوزُ إلّا ضَرَبَ إلّا عَلى الحَذْفِ، كَما قُلْنا. ﴿وإذْ تَقُولُ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِالإسْلامِ، وهو أجَلُّ النِّعَمِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ الَّذِي كانَ الرَّسُولُ ﷺ تَبَنّاهُ. ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وهو عِتْقُهُ، وتَقَدَّمَ طَرَفٌ مِن قِصَّتِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وتَقَدَّمَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ خَطَبَها لَهُ. وقِيلَ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِصُحْبَتِكَ ومَوَدَّتِكَ، وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِتَبَنِّيهِ. «فَجاءَ زَيْدٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي، فَقالَ: ”أرابَكَ مِنها شَيْءٌ ؟“ قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها تَعْظُمُ عَلَيَّ لِشَرَفِها وتُؤْذِينِي بِلِسانِها، فَقالَ: ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾“، أيْ: لا تُطَلِّقْها، وهو أمْرُ نَدْبٍ، ”﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في مُعاشَرَتِها“ . فَطَلَّقَها، وتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها» . وعَلَّلَ تَزْوِيجَهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ في أنْ يَتَزَوَّجُوا زَوْجاتِ مَن كانُوا تَبَنَّوْهُ إذا فارِقُوهُنَّ، وأنَّ هَؤُلاءِ الزَّوْجاتِ لَيْسَتْ داخِلاتٍ فِيما حَرَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: كانَ قَدْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُها، وأنَّهُ يَتَزَوَّجُها بِتَزْوِيجِ اللَّهِ إيّاها. فَلَمّا شَكا زَيْدٌ خُلُقَها، وأنَّها لا تُطِيعُهُ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ طَلاقَها، قالَ لَهُ ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾“، عَلى طَرِيقِ الأدَبِ والوَصِيَّةِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُطَلِّقُها. وهَذا هو الَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالطَّلاقِ. ولَمّا عَلِمَ مِن أنَّهُ سَيُطَلِّقُها، وخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَلْحَقَهُ قَوْلٌ مِنَ النّاسِ في أنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، وهو مَوْلاهُ، وقَدْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى هَذا القَدْرِ في شَيْءٍ قَدْ أباحَهُ اللَّهُ بِأنْ قالَ؛ (أمْسِكْ) مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ يُطَلِّقُ، فَأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أحَقُّ بِالخَشْيَةِ، أيْ: في كُلِّ حالٍ. انْتَهى. وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كالزُّهْرِيِّ، وبَكْرِ بْنِ العَلاءِ، والقُشَيْرِيِّ، والقاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِمْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ إنَّما هو إرْجافُ المُنافِقِينَ في تَزْوِيجِ نِساءِ الأنْبِياءِ، والنَّبِيُّ مَعْصُومٌ في حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ. ولِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ كَلامٌ في الآيَةِ يَقْتَضِي النَّقْصَ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ضَرَبْنا عَنْهُ صَفْحًا. وقِيلَ؛ قَوْلُهُ ﴿واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ، فَإنَّهُ أخْفى المَيْلَ إلَيْها، وأظْهَرَ الرَّغْبَةَ عَنْها، لَمّا تَوَهَّمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرادَ أنْ تَكُونَ مِن نِسائِهِ. انْتَهى. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ، وبَعْضُهُ لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِما فِيهِ غَيْرُ صَوابٍ مِمّا جَرى فِيهِ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ وغَيْرِهِ، واخْتَرْتُ مِنهُ ما أنِصُّهُ. قالَ: كَمْ مِن شَيْءٍ يَتَحَفَّظُ مِنهُ الإنْسانُ ويَسْتَحْيِي مِن إطْلاعِ النّاسِ عَلَيْهِ، وهو في نَفْسِهِ مُباحٌ مُتَّسِعٌ وحَلالٌ مُطْلَقٌ، لا مَقالَ فِيهِ ولا عَيْبَ عِنْدَ اللَّهِ. ورُبَّما كانَ الدُّخُولُ في ذَلِكَ المُباحِ سُلَّمًا إلى حُصُولِ واجِباتٍ، لِعِظَمِ أثَرِها في الدِّينِ، ويَجِلُّ ثَوابُها، ولَوْ لَمْ يُتَحَفَّظْ مِنهُ، لَأطْلَقَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فِيهِ ألْسِنَتَهم، إلّا مَن أُوتِيَ فَضْلًا وعِلْمًا ودِينًا ونَظَرًا في حَقائِقِ الأشْياءِ ولُبابِها دُونَ قُشُورِها. ألا تَرى أنَّهم كانُوا إذا طَمِعُوا في بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَقَوْا مُرْتَكِزِينَ في مَجالِسِهِمْ لا يُدِيمُونَ مُسْتَأْنِسِينَ بِالحَدِيثِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْذِيهِ قُعُودُهم، ويُضِيقُ صَدْرَهُ حَدِيثُهم، والحَياءُ يَصُدُّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالِانْتِشارِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . ولَوْ أبْرَزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكْنُونَ (p-٢٣٥)ضَمِيرِهِ، وأمَرَهم أنْ يَنْتَشِرُوا، لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، ولَكانَ بَعْضُ المَقالَةِ. فَهَذا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ؛ لِأنَّ طُمُوحَ قَلْبِ الإنْسانِ إلى بَعْضِ مُشْتَهِياتِهِ، مِنَ امْرَأةٍ أوْ غَيْرِها، غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالقُبْحِ في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ. وتَناوُلُ المُباحِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ بِقَبِيحٍ أيْضًا، وهو خِطْبَةُ زَيْنَبَ ونِكاحُها مِن غَيْرِ اسْتِنْزالِ زَيْدٍ عَنْها، ولا طَلَبٍ إلَيْهِ. ولَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَرًا عِنْدَهم أنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ مِنهم عَنِ امْرَأتِهِ لِصَدِيقِهِ، ولا مُسْتَهْجَنًا إذا نَزَلَ عَنْها أنْ يَنْكِحَها الآخَرُ. فَإنَّ المُهاجِرِينَ حِينَ دَخَلُوا المَدِينَةَ، آثَرَتْهُمُ الأنْصارُ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتّى أنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ نَزَلَ عَنْ إحْداهُما وأنْكَحَها المُهاجِرَ. وإذا كانَ الأمْرُ مُباحًا مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ وجْهٌ مِن وُجُوهِ القُبْحِ، ولا مَفْسَدَةٌ ولا مَضَرَّةٌ بِزَيْدٍ ولا بِأحَدٍ، بَلْ كانَ مُسْتَجِرًّا مَصالِحَ؛ ناهِيكَ بِواحِدَةٍ مِنها: أنَّ بِنْتَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمِنَتِ الأيْمَةَ والضَّيْعَةَ ونالَتِ الشَّرَفَ وعادَتْ أُمًّا مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، إلى ما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَصْلَحَةِ العامَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ الآيَةَ. انْتَهى ما اخْتَرْناهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فِيهِ وُصُولُ الفِعْلِ الرّافِعِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وهُما لِشَخْصٍ واحِدٍ، فَهو كَقَوْلِهِ: ؎هَوِّنْ عَلَيْكَ ودَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ في حَجَراتِهِ وذَكَرُوا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ ”عَلى“ و”عَنِ“ اسْمانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونا حَرْفَيْنِ، لِامْتِناعِ فَكَّرَ فِيكَ، وأعْنِي بِكَ، بَلْ هَذا مِمّا يَكُونُ فِيهِ النَّفْسُ، أيْ: فَكِّرْ في نَفْسِكَ، وأعْنِي بِنَفْسِكَ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] . وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ﴾ مُسْتَأْنَفٌ ﴿وتَخْشى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (وتُخْفِي) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واوُ الحالِ، أيْ: تَقُولُ لِزَيْدٍ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مُخْفِيًا في نَفْسِكَ إرادَةَ أنْ لا يُمْسِكَها، وتُخْفِي خاشِيًا قالَةَ النّاسِ، أوْ واوُ العَطْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْ تَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلِكَ: (أمْسِكْ) وإخْفاءِ قالَةِ وخَشْيَةِ النّاسِ. انْتَهى. ولا يَكُونُ ﴿وتُخْفِي﴾ حالًا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وأنْتَ تُخْفِي؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ مُثْبَتٌ، فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الواوُ إلّا عَلى ذَلِكَ الإضْمارِ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ، لا يُبْنى عَلى مِثْلِهِ القَواعِدُ؛ ومِنهُ قَوْلُهم: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ، أيْ: وأنا أصُكُّ عَيْنَهُ. ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ تَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِهِ في التَّوْبَةِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ: حاجَةً، قِيلَ: وهو الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ورَوى أبُو عِصْمَةَ نُوحُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، بِإسْنادٍ رَفَعَهُ إلى زَيْنَبَ، أنَّها قالَتْ: ما كُنْتُ أمْتَنِعُ مِنهُ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مُذْ تَزَوَّجَها لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَتَوَرَّمُ ذَلِكَ مِنهُ حِينَ يُرِيدُ أنْ يُقِرَّ بِها. وقالَ قَتادَةُ: الوَطَرُ هُنا: الطَّلاقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ؛ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأخَواهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ، وأبُوهم عَلِيٌّ: زَوَّجْتُكَها، بِتاءِ الضَّمِيرِ لِلْمُتَكَلِّمِ. ونَفى تَعالى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ في إجْراءِ أزْواجِ المُتَبَنِّينَ مَجْرى أزْواجِ النَّبِيِّينَ في تَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ انْقِطاعِ عَلائِقِ الزَّواجِ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ. (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مُقْتَضى أمْرِ اللَّهِ، أوْ مُضَمَّنُ أمْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فالأمْرُ قَدِيمٌ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُفْعَلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَكُونَهُ (مَفْعُولًا) مَكُونًا لا مَحالَةَ، وهو مَثَلٌ لِما أرادَ كَوْنَهُ مِن تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأمْرِ اللَّهِ المَكُونُ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ يَكُونَ. ولَمّا نَفى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ فِيما ذَكَرَ، وانْدَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، إذْ هو سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، نَفى عَنْهُ الحَرَجَ بِخُصُوصِهِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّشْرِيفِ، ونَفى الحَرَجَ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ، إحْداهُما بِالِانْدِراجِ في العُمُومِ، والأُخْرى بِالخُصُوصِ. ﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ: فِيما خُصَّ بِهِ مِن صِحَّةِ النِّكاحِ بِلا صَداقٍ. وقالَ قَتادَةُ: فِيما أحَلَّ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: في الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ، وكانَتِ اليَهُودُ عابُوهُ بِكَثْرَةِ النِّكاحِ وكَثْرَةِ (p-٢٣٦)الأزْواجِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (سُنَّةَ اللَّهِ) أيْ: في الأنْبِياءِ بِكَثْرَةِ النِّساءِ، حَتّى كانَ لِسُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ثَلاثُمِائَةِ حُرَّةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَيْنَبَ، كَما جَمَعَ بَيْنَ داوُدَ وبَيْنَ الَّتِي تَزَوَّجَها بَعْدَ قَتْلِ زَوْجِها. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ اللَّهِ) عَلى أنَّهُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أوْ عَلى المَصْدَرِ؛ أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمْ، أوْ نَحْوُهُ، أوْ عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: أوْ عَلى الإغْراءِ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ عامِلَ الِاسْمِ في الإغْراءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وأيْضًا فَتَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الإغْراءِ، إذْ لا يُغْرى غائِبٌ. وما جاءَ مِن قَوْلِهِمْ: عَلَيْهِ رَجُلًا لَيْسَنِي، لَهُ تَأْوِيلٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ نادِرٌ. و(الَّذِينَ خَلَوْا) الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ . (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مَأْمُوراتُهُ، والكائِناتُ مِن أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ. وقَوْلُهُ: (قَدَرًا) أيْ: ذا قَدَرٍ، أوْ عَنْ قَدَرٍ، أوْ قَضاءً مَقْضِيًّا وحُكْمًا مَثْبُوتًا. و(الَّذِينَ) صِفَةُ (الَّذِينَ خَلَوْا)، أوْ مَرْفُوعٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِهِمْ، أوْ عَلى: أمْدَحُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: الَّذِينَ بَلَّغُوا، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”رِسالَةَ اللَّهِ“ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والجُمْهُورُ: ”﴿يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ﴾“ جَمْعًا. (وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا) أيْ: مُحاسِبًا عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والعَقائِدِ، أوْ مُحْسِبًا: أيْ: كافِيًا. ثُمَّ نَفى تَعالى كَوْنَ رَسُولِهِ ﴿أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن تَبَنّاهُ مِن حُرْمَةِ الصِّهارَةِ والنِّكاحِ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الأبِ ووَلَدِهِ. هَذا مَقْصُودُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ في أمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ. وإضافَةُ (رِجالِكم) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ يُخْرِجُ مَن كانَ مِن بَنِيهِ؛ لِأنَّهم رِجالُهُ، لا رِجالُ المُخاطِبِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ﴾ بِتَخْفِيفِ ”لَكِنْ“ ونَصْبِ ”رَسُولَ“ عَلى إضْمارِ كانَ، لِدَلالَةِ ”كانَ“ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ؛ قِيلَ: أوْ عَلى العَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”لَكِنَّ“، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ هو، أيْ: مُحَمَّدٌ. وحَذْفُ خَبَرِ لَكِنَّ وأخَواتِها جائِزٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. ومِمّا جاءَ في ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زَنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ أيْ: أنْتَ لا تَعْرِفُ قَرابَتِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ ”ورَسُولُهُ“ و”خاتَمُ“، أيْ: ولَكِنْ هو رَسُولٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ الشّاعِرَ السَّقّافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَرَةَ الحَرْبِ العَوالِ أيْ: لَكِنْ أنا مَدَرَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (خاتِمَ) بِكَسْرِ التّاءِ، بِمَعْنى أنَّهُ خَتَمَهم، أيْ: جاءَ آخِرَهم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ، وعَنْهُ: أنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ في حَدِيثِ ”واللَّبِنَةِ“ . ورُوِيَ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ألْفاظٌ تَقْتَضِي نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، والمَعْنى أنْ لا يَتَنَبَّأ أحَدٌ بَعْدَهُ، ولا يَرِدُ نُزُولُ عِيسى آخِرَ الزَّمانِ؛ لِأنَّهُ مِمَّنْ نُبِّئَ قَبْلَهُ، ويَنْزِلُ عامِلًا عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ مُصَلِّيًا إلى قِبْلَتِهِ كَأنَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما ذَكَرَهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ، مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ، وتَطَرَّقَ إلى تَرْكِ تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِمُحَمَّدٍ النُّبُوَّةَ، فالحَذَرَ الحَذَرَ مِنهُ، واللَّهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِ التّاءِ بِمَعْنى: أنَّهم بِهِ خُتِمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطّابَعِ لَهم. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ النُّبُوَّةَ مُكْتَسَبَةٌ لا تَنْقَطِعُ، أوْ إلى أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، فَهو زِنْدِيقٌ يَجِبُ قَتْلُهُ. وقَدِ ادَّعى النُّبُوَّةَ ناسٌ، فَقَتَلَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ. وكانَ في عَصْرِنا شَخْصٌ مِنَ الفُقَراءِ ادَّعى النُّبُوَّةَ بِمَدِينَةِ مالقَةَ، فَقَتَلَهُ السُّلْطانُ ابْنُ الأحْمَرِ، مَلِكُ الأنْدَلُسِ بِغَرْناطَةَ، (p-٢٣٧)وصُلِبَ إلى أنْ تَناثَرَ لَحْمُهُ. ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ هَذا عامٌّ، والقَصْدُ هُنا عِلْمُهُ تَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِرَسُولِهِ، وبِما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِهِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ وتَحْمِيدِهِ وتَقْدِيسِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. والذِّكْرُ الكَثِيرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، أوِ التَّسْبِيحُ مُنْدَرِجٌ في الذِّكْرِ، لَكِنَّهُ خُصَّ بِأنَّهُ يُنَزِّهُهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَهو أفْضَلُ، أوْ مِن أفْضَلِ الأذْكارِ. وعَنْ قَتادَةَ: قُولُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: هَذِهِ الكَلِماتُ يَقُولُها الطّاهِرُ والجُنُبُ. و(بَكْرَةً وأصِيلًا) يَقْتَضِيهِما: ”اذْكُرُوا“ و”سَبِّحُوا“، والنَّصْبُ بِالثّانِي عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ، والوَقْتانِ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الزَّمانِ، ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ إشْعارٌ بِالِاسْتِغْراقِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: صَلُّوا صَلاةَ الفَجْرِ والعِشاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ العَصْرِ إلى العِشاءِ. وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ إلى صَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ العَصْرِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ وإكْثارِهِ تَكْثِيرًا لِطاعاتٍ والإقْبالِ عَلى الطّاعاتِ، فَإنَّ كُلَّ طاعَةٍ وكُلَّ خَيْرٍ مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ. ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ (بُكْرَةً وأصِيلًا)، وهي الصَّلاةُ في جَمِيعِ أوْقاتِها، تَفْضُلُ الصَّلاةُ غَيْرَها، أوْ صَلاةُ الفَجْرِ والعِشاءِ؛ لِأنَّ أداءَهُما أشَقُّ. ولَمّا أمَرَهم بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، ذَكَرَ إحْسانَهُ تَعالى بِصَلاتِهِ عَلَيْهِمْ هو ومَلائِكَتُهُ. قالَ الحَسَنُ: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يَرْحَمُكم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَغْفِرُ لَكم. وقالَ أبُو العالِيَةِ يُثْنِي عَلَيْكم. وقِيلَ: يَتَرَأَّفُ بِكم. وصَلاةُ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] . وقالَ مُقاتِلٌ: الدُّعاءُ، والمَعْنى: هو الَّذِي يَتَرَحَّمُ عَلَيْكم، حَيْثُ يَدْعُوكم إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُكم بِإكْثارِ الذِّكْرِ والطّاعَةِ، لِيُخْرِجَكم مِن ظُلُماتِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ الطّاعَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وقالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: مِنَ القُبُورِ إلى البَعْثِ. (ومَلائِكَتُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَكِنِّ في (يُصَلِّي) فَأغْنى الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ التَّأْكِيدِ، وصَلاةُ اللَّهِ غَيْرُ صَلاةِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ اشْتَرَكا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ ؟ وهو إرادَةُ وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ. فاللَّهُ تَعالى يُرِيدُ بِرَحْمَتِهِ إيّاهم إيصالَ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، ومَلائِكَتُهُ يُرِيدُونَ بِالِاسْتِغْفارِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلُوا لِكَوْنِهِمْ مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ الرَّحْمَةَ والرَّأْفَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: حَيّاكَ اللَّهُ: أيْ: أحْياكَ وأبْقاكَ، وحَيَّيْتُكَ: أيْ: دَعَوْتُ لَكَ بِأنْ يُحْيِيَكَ اللَّهُ؛ لِأنَّكَ لِاتِّكالِكَ عَلى إجابَةِ دَعْوَتِكَ كَأنَّكَ تُبْقِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ وكَذَلِكَ عَمَّرَكَ اللَّهُ وعَمَّرْتُكَ، وسَقاكَ اللَّهُ وسَقَيْتُكَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أيِ: ادْعُوا لَهُ بِأنْ يُصَلّى عَلَيْهِ. ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ الصَّلاتَيْنِ اشْتَرَكَتا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ أوْلى. ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ. (سَلامٌ) أيْ: تَحِيَّةُ اللَّهِ لَهم. يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: السَّلامُ عَلَيْكم، مَرْحَبًا بِعِبادِي الَّذِينَ أرْضَوْنِي بِاتِّباعِ أمْرِي، قالَهُ الرَّقاشِيُّ. وقِيلَ: يُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: مَعْناهُ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لا يَقْبِضُ رُوحَ المُؤْمِنِ حَتّى يُسَلِّمَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا جاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ قالَ: رَبُّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلامَ، قِيلَ: فَعَلى هَذا الهاءُ في قَوْلِهِ: (يَلْقَوْنَهُ) كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وقِيلَ: سَلامُ المَلائِكَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ مَخُوفٍ. وقِيلَ: تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: هو سَلامُ مَلَكِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وبِشارَتُهم بِالجَنَّةِ. والتَّحِيَّةُ مَصْدَرٌ في هَذِهِ الأقْوالِ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ، إلّا في قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمُحَيِّي والمُحَيّا، لا عَلى جِهَةِ العَمَلِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ الواحِدَ لا يَكُونُ فاعِلًا مَفْعُولًا، ولَكِنَّهُ كَقَوْلِهِ: (p-٢٣٨)﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أيْ: لِلْحُكْمِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم، ولِيَبْعَثَ إلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ الجارِيَةُ بَيْنَهم هي سَلامٌ. وفَرَّقَ المُبَرِّدُ بَيْنَ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ فَقالَ: التَّحِيَّةُ يَكُونُ ذَلِكَ دُعاءً، والسَّلامُ مَخْصُوصٌ، ومِنهُ: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] . والأجْرُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ (شاهِدًا) عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ، وعَلى تَكْذِيبِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، أيْ: مَفْعُولًا قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ، وشاهِدًا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وبِتَبْلِيغِ الأنْبِياءِ قَوْلَكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدًا) عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، إذا كانَ قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ وقْتَ الإرْسالِ لَمْ يَكُنْ شاهِدًا عَلَيْهِمْ، وإنَّما يَكُونُ شاهِدًا عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ وعِنْدَ أدائِها، أوْ لِأنَّهُ أقْرَبُ زَمانِ البَعْثَةِ، وإيمانُ مَن آمَنَ وتَكْذِيبُ مَن كَذَّبَ كانَ ذَلِكَ وقَعَ في زَمانٍ واحِدٍ. ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: إلى الطّاعَةِ. (بِإذْنِهِ) أيْ: بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ الإذْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ فُهِمَ في قَوْلِهِ: إنّا أرْسَلْناكَ داعِيًا، أنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ في الدُّعاءِ. ولَمّا كانَ دُعاءُ المُشْرِكِ إلى التَّوْحِيدِ صَعْبًا جِدًّا، قِيلَ: بِإذْنِهِ، أيْ: بِتَسْهِيلِهِ تَعالى. و(سِراجًا مُنِيرًا) جَلّى مِن ظُلُماتِ الشِّرْكِ، واهْتَدى بِهِ الضّالُّونَ، كَما يُجَلّى ظَلامُ اللَّيْلِ بِالسِّراجِ المُنِيرِ. ويُهْتَدى بِهِ إذا مَدَّ اللَّهُ بِنُورِ نُبُوَّتِهِ نُورَ البَصائِرِ، كَما يَمُدُّ بِنُورِ السِّراجِ نُورَ الأبْصارِ. ووَصَفَهُ بِالإنارَةِ؛ لِأنَّ مِنَ السِّراجِ ما لا يُضِيءُ إذا قَلَّ سَلِيطُهُ ودَقَّتْ فَتِيلَتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (شاهِدًا) أيْ: وذا سِراجٍ مُنِيرٍ، أيْ: كِتابٍ نَيِّرٍ. وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: وتالِيًا سِراجًا مُنِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ويَجُوزُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يُعْطَفَ عَلى كافِ (أرْسَلْناكَ) . انْتَهى. ولا يَتَّضِحُ هَذا الَّذِي قالَهُ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا ذا سِراجٍ مُنِيرٍ، وهو القُرْآنُ. ولا يُوصَفُ بِالإرْسالِ القُرْآنُ، إنَّما يُوصَفُ بِالإنْزالِ. وكَذَلِكَ أيْضًا إذا كانَ التَّقْدِيرُ: وتالِيًا، يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا تالِيًا سِراجًا مُنِيرًا، فَفِيهِ عَطْفُ الصِّفَةِ الَّتِي لِلذّاتِ عَلى الذّاتِ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ زَيْدًا والعالِمَ، إذا كانَ العالِمُ صِفَةً لِزَيْدٍ، والعَطْفُ مُشْعِرٌ بِالتَّغايُرِ، لا يَحْسُنُ مِثْلُ هَذا التَّخْرِيجِ في كَلامِ اللَّهِ، وثُمَّ حُمِلَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نَبِيَّهُ (شاهِدًا) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ بِتِلْكَ الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ قالَ؛ فاشْهَدْ وبَشِّرْ وأنْذِرْ وادْعُ وانْهَ، ثُمَّ قالَ؛ (وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ)؛ فَهَذا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وإنْ كانَ يَظْهَرُ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والفَضْلُ الكَبِيرُ: الثَّوابُ، مِن قَوْلِهِمْ لِلْعَطايا: فُضُولٌ وفَواضِلُ، أوِ المَزِيدُ عَلى الثَّوابِ. وإذا ذُكِرَ المُتَفَضَّلُ بِهِ وكِبَرُهُ، فَما ظَنُّكَ بِالثَّوابِ أوْ ما فُضِّلُوا بِهِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوِ الجَنَّةِ وما أُوتُوا فِيها ؟ ويُفَسِّرُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] . ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ يَنْتَصِحُونَ بِها وهي غِشٌّ. ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ الظّاهِرُ إضافَتُهُ إلى المَفْعُولِ. لَمّا نَهى عَنْ طاعَتِهِمْ، أمَرَ بِتَرْكِهِ إذايَتَهم وعُقُوبَتَهم، ونُسِخَ مِنهُ ما يَخُصُّ الكافِرِينَ بِآيَةِ السَّيْفُ. (وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ) فَإنَّهُ يَنْصُرُكَ ويَخْذُلُهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ: ودَعْ إذايَتَهم إيّاكَ، أيْ: مُجازاةَ الإذايَةِ مِن عِقابٍ وغَيْرِهِ حَتّى تُؤْمَرَ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ.

الأحزاب 33:39

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ . (p-٢٣٣)قالَ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم: خَطَبَ الرَّسُولُ ﷺ لِزَيْدٍ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأبَتْ وقالَتْ: لَسْتُ بِناكِحَةٍ، فَقالَ: «بَلى فَأنْكِحِيهِ فَقَدْ رَضِيتُهُ لَكِ»، فَأبَتْ، فَنَزَلَتْ. وذَكَرَ أنَّها وأخاها عَبْدَ اللَّهِ كَرِها ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ رَضِيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبَتْ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهي أوَّلُ امْرَأةٍ وهَبَتْ لِلنَّبِيِّ نَفْسَها، فَقالَ: «قَدْ قَبِلْتُكِ وزَوَّجْتُكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ»، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها، قالا: إنَّما أرَدْناهُ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ، فَنَزَلَتْ، والسَّبَبُ الأوَّلُ أصَحُّ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ الأوْصافَ السّابِقَةَ مِنَ الإسْلامِ فَما بَعْدَهُ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِما صَدَرَ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ، إذْ أشارَ الرَّسُولُ ﷺ بِأمْرٍ وقَعَ مِنهُمُ الإباءُ لَهُ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، إذْ طاعَتُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن طاعَةِ اللَّهِ، وأمْرُهُ مِن أمْرِهِ. و(الخِيَرَةُ) مَصْدَرٌ مِن تَخَيَّرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كالطِّيَرَةِ مِن تَطَيَّرَ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ الياءِ، ذَكَرَهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ والأعْرَجُ، وعِيسى: ”أنْ تَكُونَ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ (p-٢٣٤)والكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، والسُّلَمِيُّ: بِالياءِ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعُمُّ في سِياقِ النَّفْيِ، جاءَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (لَهم) مُغَلَّبًا فِيهِ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ مِن حَقِّ الضَّمِيرِ أنْ يُوَحَّدَ، كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا. انْتَهى. لَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ هَذا عَطْفٌ بِالواوِ، فَلا يَجُوزُ إفْرادُ الضَّمِيرِ إلّا عَلى تَأْوِيلِ الحَذْفِ، أيْ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا، وتَقُولُ: ما جاءَ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو إلّا ضَرَبا خالِدًا، ولا يَجُوزُ إلّا ضَرَبَ إلّا عَلى الحَذْفِ، كَما قُلْنا. ﴿وإذْ تَقُولُ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِالإسْلامِ، وهو أجَلُّ النِّعَمِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ الَّذِي كانَ الرَّسُولُ ﷺ تَبَنّاهُ. ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وهو عِتْقُهُ، وتَقَدَّمَ طَرَفٌ مِن قِصَّتِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وتَقَدَّمَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ خَطَبَها لَهُ. وقِيلَ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِصُحْبَتِكَ ومَوَدَّتِكَ، وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِتَبَنِّيهِ. «فَجاءَ زَيْدٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي، فَقالَ: ”أرابَكَ مِنها شَيْءٌ ؟“ قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها تَعْظُمُ عَلَيَّ لِشَرَفِها وتُؤْذِينِي بِلِسانِها، فَقالَ: ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾“، أيْ: لا تُطَلِّقْها، وهو أمْرُ نَدْبٍ، ”﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في مُعاشَرَتِها“ . فَطَلَّقَها، وتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها» . وعَلَّلَ تَزْوِيجَهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ في أنْ يَتَزَوَّجُوا زَوْجاتِ مَن كانُوا تَبَنَّوْهُ إذا فارِقُوهُنَّ، وأنَّ هَؤُلاءِ الزَّوْجاتِ لَيْسَتْ داخِلاتٍ فِيما حَرَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: كانَ قَدْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُها، وأنَّهُ يَتَزَوَّجُها بِتَزْوِيجِ اللَّهِ إيّاها. فَلَمّا شَكا زَيْدٌ خُلُقَها، وأنَّها لا تُطِيعُهُ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ طَلاقَها، قالَ لَهُ ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾“، عَلى طَرِيقِ الأدَبِ والوَصِيَّةِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُطَلِّقُها. وهَذا هو الَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالطَّلاقِ. ولَمّا عَلِمَ مِن أنَّهُ سَيُطَلِّقُها، وخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَلْحَقَهُ قَوْلٌ مِنَ النّاسِ في أنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، وهو مَوْلاهُ، وقَدْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى هَذا القَدْرِ في شَيْءٍ قَدْ أباحَهُ اللَّهُ بِأنْ قالَ؛ (أمْسِكْ) مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ يُطَلِّقُ، فَأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أحَقُّ بِالخَشْيَةِ، أيْ: في كُلِّ حالٍ. انْتَهى. وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كالزُّهْرِيِّ، وبَكْرِ بْنِ العَلاءِ، والقُشَيْرِيِّ، والقاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِمْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ إنَّما هو إرْجافُ المُنافِقِينَ في تَزْوِيجِ نِساءِ الأنْبِياءِ، والنَّبِيُّ مَعْصُومٌ في حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ. ولِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ كَلامٌ في الآيَةِ يَقْتَضِي النَّقْصَ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ضَرَبْنا عَنْهُ صَفْحًا. وقِيلَ؛ قَوْلُهُ ﴿واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ، فَإنَّهُ أخْفى المَيْلَ إلَيْها، وأظْهَرَ الرَّغْبَةَ عَنْها، لَمّا تَوَهَّمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرادَ أنْ تَكُونَ مِن نِسائِهِ. انْتَهى. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ، وبَعْضُهُ لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِما فِيهِ غَيْرُ صَوابٍ مِمّا جَرى فِيهِ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ وغَيْرِهِ، واخْتَرْتُ مِنهُ ما أنِصُّهُ. قالَ: كَمْ مِن شَيْءٍ يَتَحَفَّظُ مِنهُ الإنْسانُ ويَسْتَحْيِي مِن إطْلاعِ النّاسِ عَلَيْهِ، وهو في نَفْسِهِ مُباحٌ مُتَّسِعٌ وحَلالٌ مُطْلَقٌ، لا مَقالَ فِيهِ ولا عَيْبَ عِنْدَ اللَّهِ. ورُبَّما كانَ الدُّخُولُ في ذَلِكَ المُباحِ سُلَّمًا إلى حُصُولِ واجِباتٍ، لِعِظَمِ أثَرِها في الدِّينِ، ويَجِلُّ ثَوابُها، ولَوْ لَمْ يُتَحَفَّظْ مِنهُ، لَأطْلَقَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فِيهِ ألْسِنَتَهم، إلّا مَن أُوتِيَ فَضْلًا وعِلْمًا ودِينًا ونَظَرًا في حَقائِقِ الأشْياءِ ولُبابِها دُونَ قُشُورِها. ألا تَرى أنَّهم كانُوا إذا طَمِعُوا في بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَقَوْا مُرْتَكِزِينَ في مَجالِسِهِمْ لا يُدِيمُونَ مُسْتَأْنِسِينَ بِالحَدِيثِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْذِيهِ قُعُودُهم، ويُضِيقُ صَدْرَهُ حَدِيثُهم، والحَياءُ يَصُدُّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالِانْتِشارِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . ولَوْ أبْرَزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكْنُونَ (p-٢٣٥)ضَمِيرِهِ، وأمَرَهم أنْ يَنْتَشِرُوا، لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، ولَكانَ بَعْضُ المَقالَةِ. فَهَذا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ؛ لِأنَّ طُمُوحَ قَلْبِ الإنْسانِ إلى بَعْضِ مُشْتَهِياتِهِ، مِنَ امْرَأةٍ أوْ غَيْرِها، غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالقُبْحِ في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ. وتَناوُلُ المُباحِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ بِقَبِيحٍ أيْضًا، وهو خِطْبَةُ زَيْنَبَ ونِكاحُها مِن غَيْرِ اسْتِنْزالِ زَيْدٍ عَنْها، ولا طَلَبٍ إلَيْهِ. ولَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَرًا عِنْدَهم أنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ مِنهم عَنِ امْرَأتِهِ لِصَدِيقِهِ، ولا مُسْتَهْجَنًا إذا نَزَلَ عَنْها أنْ يَنْكِحَها الآخَرُ. فَإنَّ المُهاجِرِينَ حِينَ دَخَلُوا المَدِينَةَ، آثَرَتْهُمُ الأنْصارُ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتّى أنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ نَزَلَ عَنْ إحْداهُما وأنْكَحَها المُهاجِرَ. وإذا كانَ الأمْرُ مُباحًا مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ وجْهٌ مِن وُجُوهِ القُبْحِ، ولا مَفْسَدَةٌ ولا مَضَرَّةٌ بِزَيْدٍ ولا بِأحَدٍ، بَلْ كانَ مُسْتَجِرًّا مَصالِحَ؛ ناهِيكَ بِواحِدَةٍ مِنها: أنَّ بِنْتَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمِنَتِ الأيْمَةَ والضَّيْعَةَ ونالَتِ الشَّرَفَ وعادَتْ أُمًّا مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، إلى ما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَصْلَحَةِ العامَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ الآيَةَ. انْتَهى ما اخْتَرْناهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فِيهِ وُصُولُ الفِعْلِ الرّافِعِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وهُما لِشَخْصٍ واحِدٍ، فَهو كَقَوْلِهِ: ؎هَوِّنْ عَلَيْكَ ودَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ في حَجَراتِهِ وذَكَرُوا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ ”عَلى“ و”عَنِ“ اسْمانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونا حَرْفَيْنِ، لِامْتِناعِ فَكَّرَ فِيكَ، وأعْنِي بِكَ، بَلْ هَذا مِمّا يَكُونُ فِيهِ النَّفْسُ، أيْ: فَكِّرْ في نَفْسِكَ، وأعْنِي بِنَفْسِكَ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] . وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ﴾ مُسْتَأْنَفٌ ﴿وتَخْشى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (وتُخْفِي) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واوُ الحالِ، أيْ: تَقُولُ لِزَيْدٍ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مُخْفِيًا في نَفْسِكَ إرادَةَ أنْ لا يُمْسِكَها، وتُخْفِي خاشِيًا قالَةَ النّاسِ، أوْ واوُ العَطْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْ تَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلِكَ: (أمْسِكْ) وإخْفاءِ قالَةِ وخَشْيَةِ النّاسِ. انْتَهى. ولا يَكُونُ ﴿وتُخْفِي﴾ حالًا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وأنْتَ تُخْفِي؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ مُثْبَتٌ، فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الواوُ إلّا عَلى ذَلِكَ الإضْمارِ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ، لا يُبْنى عَلى مِثْلِهِ القَواعِدُ؛ ومِنهُ قَوْلُهم: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ، أيْ: وأنا أصُكُّ عَيْنَهُ. ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ تَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِهِ في التَّوْبَةِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ: حاجَةً، قِيلَ: وهو الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ورَوى أبُو عِصْمَةَ نُوحُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، بِإسْنادٍ رَفَعَهُ إلى زَيْنَبَ، أنَّها قالَتْ: ما كُنْتُ أمْتَنِعُ مِنهُ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مُذْ تَزَوَّجَها لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَتَوَرَّمُ ذَلِكَ مِنهُ حِينَ يُرِيدُ أنْ يُقِرَّ بِها. وقالَ قَتادَةُ: الوَطَرُ هُنا: الطَّلاقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ؛ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأخَواهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ، وأبُوهم عَلِيٌّ: زَوَّجْتُكَها، بِتاءِ الضَّمِيرِ لِلْمُتَكَلِّمِ. ونَفى تَعالى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ في إجْراءِ أزْواجِ المُتَبَنِّينَ مَجْرى أزْواجِ النَّبِيِّينَ في تَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ انْقِطاعِ عَلائِقِ الزَّواجِ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ. (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مُقْتَضى أمْرِ اللَّهِ، أوْ مُضَمَّنُ أمْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فالأمْرُ قَدِيمٌ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُفْعَلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَكُونَهُ (مَفْعُولًا) مَكُونًا لا مَحالَةَ، وهو مَثَلٌ لِما أرادَ كَوْنَهُ مِن تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأمْرِ اللَّهِ المَكُونُ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ يَكُونَ. ولَمّا نَفى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ فِيما ذَكَرَ، وانْدَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، إذْ هو سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، نَفى عَنْهُ الحَرَجَ بِخُصُوصِهِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّشْرِيفِ، ونَفى الحَرَجَ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ، إحْداهُما بِالِانْدِراجِ في العُمُومِ، والأُخْرى بِالخُصُوصِ. ﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ: فِيما خُصَّ بِهِ مِن صِحَّةِ النِّكاحِ بِلا صَداقٍ. وقالَ قَتادَةُ: فِيما أحَلَّ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: في الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ، وكانَتِ اليَهُودُ عابُوهُ بِكَثْرَةِ النِّكاحِ وكَثْرَةِ (p-٢٣٦)الأزْواجِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (سُنَّةَ اللَّهِ) أيْ: في الأنْبِياءِ بِكَثْرَةِ النِّساءِ، حَتّى كانَ لِسُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ثَلاثُمِائَةِ حُرَّةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَيْنَبَ، كَما جَمَعَ بَيْنَ داوُدَ وبَيْنَ الَّتِي تَزَوَّجَها بَعْدَ قَتْلِ زَوْجِها. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ اللَّهِ) عَلى أنَّهُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أوْ عَلى المَصْدَرِ؛ أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمْ، أوْ نَحْوُهُ، أوْ عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: أوْ عَلى الإغْراءِ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ عامِلَ الِاسْمِ في الإغْراءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وأيْضًا فَتَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الإغْراءِ، إذْ لا يُغْرى غائِبٌ. وما جاءَ مِن قَوْلِهِمْ: عَلَيْهِ رَجُلًا لَيْسَنِي، لَهُ تَأْوِيلٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ نادِرٌ. و(الَّذِينَ خَلَوْا) الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ . (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مَأْمُوراتُهُ، والكائِناتُ مِن أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ. وقَوْلُهُ: (قَدَرًا) أيْ: ذا قَدَرٍ، أوْ عَنْ قَدَرٍ، أوْ قَضاءً مَقْضِيًّا وحُكْمًا مَثْبُوتًا. و(الَّذِينَ) صِفَةُ (الَّذِينَ خَلَوْا)، أوْ مَرْفُوعٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِهِمْ، أوْ عَلى: أمْدَحُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: الَّذِينَ بَلَّغُوا، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”رِسالَةَ اللَّهِ“ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والجُمْهُورُ: ”﴿يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ﴾“ جَمْعًا. (وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا) أيْ: مُحاسِبًا عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والعَقائِدِ، أوْ مُحْسِبًا: أيْ: كافِيًا. ثُمَّ نَفى تَعالى كَوْنَ رَسُولِهِ ﴿أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن تَبَنّاهُ مِن حُرْمَةِ الصِّهارَةِ والنِّكاحِ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الأبِ ووَلَدِهِ. هَذا مَقْصُودُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ في أمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ. وإضافَةُ (رِجالِكم) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ يُخْرِجُ مَن كانَ مِن بَنِيهِ؛ لِأنَّهم رِجالُهُ، لا رِجالُ المُخاطِبِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ﴾ بِتَخْفِيفِ ”لَكِنْ“ ونَصْبِ ”رَسُولَ“ عَلى إضْمارِ كانَ، لِدَلالَةِ ”كانَ“ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ؛ قِيلَ: أوْ عَلى العَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”لَكِنَّ“، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ هو، أيْ: مُحَمَّدٌ. وحَذْفُ خَبَرِ لَكِنَّ وأخَواتِها جائِزٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. ومِمّا جاءَ في ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زَنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ أيْ: أنْتَ لا تَعْرِفُ قَرابَتِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ ”ورَسُولُهُ“ و”خاتَمُ“، أيْ: ولَكِنْ هو رَسُولٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ الشّاعِرَ السَّقّافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَرَةَ الحَرْبِ العَوالِ أيْ: لَكِنْ أنا مَدَرَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (خاتِمَ) بِكَسْرِ التّاءِ، بِمَعْنى أنَّهُ خَتَمَهم، أيْ: جاءَ آخِرَهم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ، وعَنْهُ: أنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ في حَدِيثِ ”واللَّبِنَةِ“ . ورُوِيَ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ألْفاظٌ تَقْتَضِي نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، والمَعْنى أنْ لا يَتَنَبَّأ أحَدٌ بَعْدَهُ، ولا يَرِدُ نُزُولُ عِيسى آخِرَ الزَّمانِ؛ لِأنَّهُ مِمَّنْ نُبِّئَ قَبْلَهُ، ويَنْزِلُ عامِلًا عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ مُصَلِّيًا إلى قِبْلَتِهِ كَأنَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما ذَكَرَهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ، مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ، وتَطَرَّقَ إلى تَرْكِ تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِمُحَمَّدٍ النُّبُوَّةَ، فالحَذَرَ الحَذَرَ مِنهُ، واللَّهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِ التّاءِ بِمَعْنى: أنَّهم بِهِ خُتِمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطّابَعِ لَهم. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ النُّبُوَّةَ مُكْتَسَبَةٌ لا تَنْقَطِعُ، أوْ إلى أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، فَهو زِنْدِيقٌ يَجِبُ قَتْلُهُ. وقَدِ ادَّعى النُّبُوَّةَ ناسٌ، فَقَتَلَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ. وكانَ في عَصْرِنا شَخْصٌ مِنَ الفُقَراءِ ادَّعى النُّبُوَّةَ بِمَدِينَةِ مالقَةَ، فَقَتَلَهُ السُّلْطانُ ابْنُ الأحْمَرِ، مَلِكُ الأنْدَلُسِ بِغَرْناطَةَ، (p-٢٣٧)وصُلِبَ إلى أنْ تَناثَرَ لَحْمُهُ. ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ هَذا عامٌّ، والقَصْدُ هُنا عِلْمُهُ تَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِرَسُولِهِ، وبِما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِهِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ وتَحْمِيدِهِ وتَقْدِيسِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. والذِّكْرُ الكَثِيرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، أوِ التَّسْبِيحُ مُنْدَرِجٌ في الذِّكْرِ، لَكِنَّهُ خُصَّ بِأنَّهُ يُنَزِّهُهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَهو أفْضَلُ، أوْ مِن أفْضَلِ الأذْكارِ. وعَنْ قَتادَةَ: قُولُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: هَذِهِ الكَلِماتُ يَقُولُها الطّاهِرُ والجُنُبُ. و(بَكْرَةً وأصِيلًا) يَقْتَضِيهِما: ”اذْكُرُوا“ و”سَبِّحُوا“، والنَّصْبُ بِالثّانِي عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ، والوَقْتانِ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الزَّمانِ، ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ إشْعارٌ بِالِاسْتِغْراقِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: صَلُّوا صَلاةَ الفَجْرِ والعِشاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ العَصْرِ إلى العِشاءِ. وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ إلى صَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ العَصْرِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ وإكْثارِهِ تَكْثِيرًا لِطاعاتٍ والإقْبالِ عَلى الطّاعاتِ، فَإنَّ كُلَّ طاعَةٍ وكُلَّ خَيْرٍ مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ. ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ (بُكْرَةً وأصِيلًا)، وهي الصَّلاةُ في جَمِيعِ أوْقاتِها، تَفْضُلُ الصَّلاةُ غَيْرَها، أوْ صَلاةُ الفَجْرِ والعِشاءِ؛ لِأنَّ أداءَهُما أشَقُّ. ولَمّا أمَرَهم بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، ذَكَرَ إحْسانَهُ تَعالى بِصَلاتِهِ عَلَيْهِمْ هو ومَلائِكَتُهُ. قالَ الحَسَنُ: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يَرْحَمُكم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَغْفِرُ لَكم. وقالَ أبُو العالِيَةِ يُثْنِي عَلَيْكم. وقِيلَ: يَتَرَأَّفُ بِكم. وصَلاةُ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] . وقالَ مُقاتِلٌ: الدُّعاءُ، والمَعْنى: هو الَّذِي يَتَرَحَّمُ عَلَيْكم، حَيْثُ يَدْعُوكم إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُكم بِإكْثارِ الذِّكْرِ والطّاعَةِ، لِيُخْرِجَكم مِن ظُلُماتِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ الطّاعَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وقالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: مِنَ القُبُورِ إلى البَعْثِ. (ومَلائِكَتُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَكِنِّ في (يُصَلِّي) فَأغْنى الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ التَّأْكِيدِ، وصَلاةُ اللَّهِ غَيْرُ صَلاةِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ اشْتَرَكا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ ؟ وهو إرادَةُ وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ. فاللَّهُ تَعالى يُرِيدُ بِرَحْمَتِهِ إيّاهم إيصالَ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، ومَلائِكَتُهُ يُرِيدُونَ بِالِاسْتِغْفارِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلُوا لِكَوْنِهِمْ مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ الرَّحْمَةَ والرَّأْفَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: حَيّاكَ اللَّهُ: أيْ: أحْياكَ وأبْقاكَ، وحَيَّيْتُكَ: أيْ: دَعَوْتُ لَكَ بِأنْ يُحْيِيَكَ اللَّهُ؛ لِأنَّكَ لِاتِّكالِكَ عَلى إجابَةِ دَعْوَتِكَ كَأنَّكَ تُبْقِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ وكَذَلِكَ عَمَّرَكَ اللَّهُ وعَمَّرْتُكَ، وسَقاكَ اللَّهُ وسَقَيْتُكَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أيِ: ادْعُوا لَهُ بِأنْ يُصَلّى عَلَيْهِ. ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ الصَّلاتَيْنِ اشْتَرَكَتا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ أوْلى. ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ. (سَلامٌ) أيْ: تَحِيَّةُ اللَّهِ لَهم. يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: السَّلامُ عَلَيْكم، مَرْحَبًا بِعِبادِي الَّذِينَ أرْضَوْنِي بِاتِّباعِ أمْرِي، قالَهُ الرَّقاشِيُّ. وقِيلَ: يُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: مَعْناهُ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لا يَقْبِضُ رُوحَ المُؤْمِنِ حَتّى يُسَلِّمَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا جاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ قالَ: رَبُّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلامَ، قِيلَ: فَعَلى هَذا الهاءُ في قَوْلِهِ: (يَلْقَوْنَهُ) كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وقِيلَ: سَلامُ المَلائِكَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ مَخُوفٍ. وقِيلَ: تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: هو سَلامُ مَلَكِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وبِشارَتُهم بِالجَنَّةِ. والتَّحِيَّةُ مَصْدَرٌ في هَذِهِ الأقْوالِ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ، إلّا في قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمُحَيِّي والمُحَيّا، لا عَلى جِهَةِ العَمَلِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ الواحِدَ لا يَكُونُ فاعِلًا مَفْعُولًا، ولَكِنَّهُ كَقَوْلِهِ: (p-٢٣٨)﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أيْ: لِلْحُكْمِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم، ولِيَبْعَثَ إلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ الجارِيَةُ بَيْنَهم هي سَلامٌ. وفَرَّقَ المُبَرِّدُ بَيْنَ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ فَقالَ: التَّحِيَّةُ يَكُونُ ذَلِكَ دُعاءً، والسَّلامُ مَخْصُوصٌ، ومِنهُ: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] . والأجْرُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ (شاهِدًا) عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ، وعَلى تَكْذِيبِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، أيْ: مَفْعُولًا قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ، وشاهِدًا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وبِتَبْلِيغِ الأنْبِياءِ قَوْلَكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدًا) عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، إذا كانَ قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ وقْتَ الإرْسالِ لَمْ يَكُنْ شاهِدًا عَلَيْهِمْ، وإنَّما يَكُونُ شاهِدًا عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ وعِنْدَ أدائِها، أوْ لِأنَّهُ أقْرَبُ زَمانِ البَعْثَةِ، وإيمانُ مَن آمَنَ وتَكْذِيبُ مَن كَذَّبَ كانَ ذَلِكَ وقَعَ في زَمانٍ واحِدٍ. ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: إلى الطّاعَةِ. (بِإذْنِهِ) أيْ: بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ الإذْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ فُهِمَ في قَوْلِهِ: إنّا أرْسَلْناكَ داعِيًا، أنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ في الدُّعاءِ. ولَمّا كانَ دُعاءُ المُشْرِكِ إلى التَّوْحِيدِ صَعْبًا جِدًّا، قِيلَ: بِإذْنِهِ، أيْ: بِتَسْهِيلِهِ تَعالى. و(سِراجًا مُنِيرًا) جَلّى مِن ظُلُماتِ الشِّرْكِ، واهْتَدى بِهِ الضّالُّونَ، كَما يُجَلّى ظَلامُ اللَّيْلِ بِالسِّراجِ المُنِيرِ. ويُهْتَدى بِهِ إذا مَدَّ اللَّهُ بِنُورِ نُبُوَّتِهِ نُورَ البَصائِرِ، كَما يَمُدُّ بِنُورِ السِّراجِ نُورَ الأبْصارِ. ووَصَفَهُ بِالإنارَةِ؛ لِأنَّ مِنَ السِّراجِ ما لا يُضِيءُ إذا قَلَّ سَلِيطُهُ ودَقَّتْ فَتِيلَتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (شاهِدًا) أيْ: وذا سِراجٍ مُنِيرٍ، أيْ: كِتابٍ نَيِّرٍ. وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: وتالِيًا سِراجًا مُنِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ويَجُوزُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يُعْطَفَ عَلى كافِ (أرْسَلْناكَ) . انْتَهى. ولا يَتَّضِحُ هَذا الَّذِي قالَهُ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا ذا سِراجٍ مُنِيرٍ، وهو القُرْآنُ. ولا يُوصَفُ بِالإرْسالِ القُرْآنُ، إنَّما يُوصَفُ بِالإنْزالِ. وكَذَلِكَ أيْضًا إذا كانَ التَّقْدِيرُ: وتالِيًا، يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا تالِيًا سِراجًا مُنِيرًا، فَفِيهِ عَطْفُ الصِّفَةِ الَّتِي لِلذّاتِ عَلى الذّاتِ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ زَيْدًا والعالِمَ، إذا كانَ العالِمُ صِفَةً لِزَيْدٍ، والعَطْفُ مُشْعِرٌ بِالتَّغايُرِ، لا يَحْسُنُ مِثْلُ هَذا التَّخْرِيجِ في كَلامِ اللَّهِ، وثُمَّ حُمِلَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نَبِيَّهُ (شاهِدًا) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ بِتِلْكَ الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ قالَ؛ فاشْهَدْ وبَشِّرْ وأنْذِرْ وادْعُ وانْهَ، ثُمَّ قالَ؛ (وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ)؛ فَهَذا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وإنْ كانَ يَظْهَرُ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والفَضْلُ الكَبِيرُ: الثَّوابُ، مِن قَوْلِهِمْ لِلْعَطايا: فُضُولٌ وفَواضِلُ، أوِ المَزِيدُ عَلى الثَّوابِ. وإذا ذُكِرَ المُتَفَضَّلُ بِهِ وكِبَرُهُ، فَما ظَنُّكَ بِالثَّوابِ أوْ ما فُضِّلُوا بِهِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوِ الجَنَّةِ وما أُوتُوا فِيها ؟ ويُفَسِّرُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] . ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ يَنْتَصِحُونَ بِها وهي غِشٌّ. ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ الظّاهِرُ إضافَتُهُ إلى المَفْعُولِ. لَمّا نَهى عَنْ طاعَتِهِمْ، أمَرَ بِتَرْكِهِ إذايَتَهم وعُقُوبَتَهم، ونُسِخَ مِنهُ ما يَخُصُّ الكافِرِينَ بِآيَةِ السَّيْفُ. (وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ) فَإنَّهُ يَنْصُرُكَ ويَخْذُلُهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ: ودَعْ إذايَتَهم إيّاكَ، أيْ: مُجازاةَ الإذايَةِ مِن عِقابٍ وغَيْرِهِ حَتّى تُؤْمَرَ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ.

الأحزاب 33:40

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ . (p-٢٣٣)قالَ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم: خَطَبَ الرَّسُولُ ﷺ لِزَيْدٍ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأبَتْ وقالَتْ: لَسْتُ بِناكِحَةٍ، فَقالَ: «بَلى فَأنْكِحِيهِ فَقَدْ رَضِيتُهُ لَكِ»، فَأبَتْ، فَنَزَلَتْ. وذَكَرَ أنَّها وأخاها عَبْدَ اللَّهِ كَرِها ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ رَضِيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبَتْ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهي أوَّلُ امْرَأةٍ وهَبَتْ لِلنَّبِيِّ نَفْسَها، فَقالَ: «قَدْ قَبِلْتُكِ وزَوَّجْتُكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ»، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها، قالا: إنَّما أرَدْناهُ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ، فَنَزَلَتْ، والسَّبَبُ الأوَّلُ أصَحُّ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ الأوْصافَ السّابِقَةَ مِنَ الإسْلامِ فَما بَعْدَهُ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِما صَدَرَ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ، إذْ أشارَ الرَّسُولُ ﷺ بِأمْرٍ وقَعَ مِنهُمُ الإباءُ لَهُ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، إذْ طاعَتُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن طاعَةِ اللَّهِ، وأمْرُهُ مِن أمْرِهِ. و(الخِيَرَةُ) مَصْدَرٌ مِن تَخَيَّرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كالطِّيَرَةِ مِن تَطَيَّرَ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ الياءِ، ذَكَرَهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ والأعْرَجُ، وعِيسى: ”أنْ تَكُونَ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ (p-٢٣٤)والكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، والسُّلَمِيُّ: بِالياءِ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعُمُّ في سِياقِ النَّفْيِ، جاءَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (لَهم) مُغَلَّبًا فِيهِ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ مِن حَقِّ الضَّمِيرِ أنْ يُوَحَّدَ، كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا. انْتَهى. لَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ هَذا عَطْفٌ بِالواوِ، فَلا يَجُوزُ إفْرادُ الضَّمِيرِ إلّا عَلى تَأْوِيلِ الحَذْفِ، أيْ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا، وتَقُولُ: ما جاءَ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو إلّا ضَرَبا خالِدًا، ولا يَجُوزُ إلّا ضَرَبَ إلّا عَلى الحَذْفِ، كَما قُلْنا. ﴿وإذْ تَقُولُ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِالإسْلامِ، وهو أجَلُّ النِّعَمِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ الَّذِي كانَ الرَّسُولُ ﷺ تَبَنّاهُ. ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وهو عِتْقُهُ، وتَقَدَّمَ طَرَفٌ مِن قِصَّتِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وتَقَدَّمَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ خَطَبَها لَهُ. وقِيلَ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِصُحْبَتِكَ ومَوَدَّتِكَ، وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِتَبَنِّيهِ. «فَجاءَ زَيْدٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي، فَقالَ: ”أرابَكَ مِنها شَيْءٌ ؟“ قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها تَعْظُمُ عَلَيَّ لِشَرَفِها وتُؤْذِينِي بِلِسانِها، فَقالَ: ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾“، أيْ: لا تُطَلِّقْها، وهو أمْرُ نَدْبٍ، ”﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في مُعاشَرَتِها“ . فَطَلَّقَها، وتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها» . وعَلَّلَ تَزْوِيجَهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ في أنْ يَتَزَوَّجُوا زَوْجاتِ مَن كانُوا تَبَنَّوْهُ إذا فارِقُوهُنَّ، وأنَّ هَؤُلاءِ الزَّوْجاتِ لَيْسَتْ داخِلاتٍ فِيما حَرَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: كانَ قَدْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُها، وأنَّهُ يَتَزَوَّجُها بِتَزْوِيجِ اللَّهِ إيّاها. فَلَمّا شَكا زَيْدٌ خُلُقَها، وأنَّها لا تُطِيعُهُ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ طَلاقَها، قالَ لَهُ ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾“، عَلى طَرِيقِ الأدَبِ والوَصِيَّةِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُطَلِّقُها. وهَذا هو الَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالطَّلاقِ. ولَمّا عَلِمَ مِن أنَّهُ سَيُطَلِّقُها، وخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَلْحَقَهُ قَوْلٌ مِنَ النّاسِ في أنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، وهو مَوْلاهُ، وقَدْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى هَذا القَدْرِ في شَيْءٍ قَدْ أباحَهُ اللَّهُ بِأنْ قالَ؛ (أمْسِكْ) مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ يُطَلِّقُ، فَأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أحَقُّ بِالخَشْيَةِ، أيْ: في كُلِّ حالٍ. انْتَهى. وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كالزُّهْرِيِّ، وبَكْرِ بْنِ العَلاءِ، والقُشَيْرِيِّ، والقاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِمْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ إنَّما هو إرْجافُ المُنافِقِينَ في تَزْوِيجِ نِساءِ الأنْبِياءِ، والنَّبِيُّ مَعْصُومٌ في حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ. ولِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ كَلامٌ في الآيَةِ يَقْتَضِي النَّقْصَ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ضَرَبْنا عَنْهُ صَفْحًا. وقِيلَ؛ قَوْلُهُ ﴿واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ، فَإنَّهُ أخْفى المَيْلَ إلَيْها، وأظْهَرَ الرَّغْبَةَ عَنْها، لَمّا تَوَهَّمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرادَ أنْ تَكُونَ مِن نِسائِهِ. انْتَهى. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ، وبَعْضُهُ لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِما فِيهِ غَيْرُ صَوابٍ مِمّا جَرى فِيهِ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ وغَيْرِهِ، واخْتَرْتُ مِنهُ ما أنِصُّهُ. قالَ: كَمْ مِن شَيْءٍ يَتَحَفَّظُ مِنهُ الإنْسانُ ويَسْتَحْيِي مِن إطْلاعِ النّاسِ عَلَيْهِ، وهو في نَفْسِهِ مُباحٌ مُتَّسِعٌ وحَلالٌ مُطْلَقٌ، لا مَقالَ فِيهِ ولا عَيْبَ عِنْدَ اللَّهِ. ورُبَّما كانَ الدُّخُولُ في ذَلِكَ المُباحِ سُلَّمًا إلى حُصُولِ واجِباتٍ، لِعِظَمِ أثَرِها في الدِّينِ، ويَجِلُّ ثَوابُها، ولَوْ لَمْ يُتَحَفَّظْ مِنهُ، لَأطْلَقَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فِيهِ ألْسِنَتَهم، إلّا مَن أُوتِيَ فَضْلًا وعِلْمًا ودِينًا ونَظَرًا في حَقائِقِ الأشْياءِ ولُبابِها دُونَ قُشُورِها. ألا تَرى أنَّهم كانُوا إذا طَمِعُوا في بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَقَوْا مُرْتَكِزِينَ في مَجالِسِهِمْ لا يُدِيمُونَ مُسْتَأْنِسِينَ بِالحَدِيثِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْذِيهِ قُعُودُهم، ويُضِيقُ صَدْرَهُ حَدِيثُهم، والحَياءُ يَصُدُّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالِانْتِشارِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . ولَوْ أبْرَزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكْنُونَ (p-٢٣٥)ضَمِيرِهِ، وأمَرَهم أنْ يَنْتَشِرُوا، لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، ولَكانَ بَعْضُ المَقالَةِ. فَهَذا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ؛ لِأنَّ طُمُوحَ قَلْبِ الإنْسانِ إلى بَعْضِ مُشْتَهِياتِهِ، مِنَ امْرَأةٍ أوْ غَيْرِها، غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالقُبْحِ في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ. وتَناوُلُ المُباحِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ بِقَبِيحٍ أيْضًا، وهو خِطْبَةُ زَيْنَبَ ونِكاحُها مِن غَيْرِ اسْتِنْزالِ زَيْدٍ عَنْها، ولا طَلَبٍ إلَيْهِ. ولَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَرًا عِنْدَهم أنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ مِنهم عَنِ امْرَأتِهِ لِصَدِيقِهِ، ولا مُسْتَهْجَنًا إذا نَزَلَ عَنْها أنْ يَنْكِحَها الآخَرُ. فَإنَّ المُهاجِرِينَ حِينَ دَخَلُوا المَدِينَةَ، آثَرَتْهُمُ الأنْصارُ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتّى أنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ نَزَلَ عَنْ إحْداهُما وأنْكَحَها المُهاجِرَ. وإذا كانَ الأمْرُ مُباحًا مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ وجْهٌ مِن وُجُوهِ القُبْحِ، ولا مَفْسَدَةٌ ولا مَضَرَّةٌ بِزَيْدٍ ولا بِأحَدٍ، بَلْ كانَ مُسْتَجِرًّا مَصالِحَ؛ ناهِيكَ بِواحِدَةٍ مِنها: أنَّ بِنْتَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمِنَتِ الأيْمَةَ والضَّيْعَةَ ونالَتِ الشَّرَفَ وعادَتْ أُمًّا مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، إلى ما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَصْلَحَةِ العامَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ الآيَةَ. انْتَهى ما اخْتَرْناهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فِيهِ وُصُولُ الفِعْلِ الرّافِعِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وهُما لِشَخْصٍ واحِدٍ، فَهو كَقَوْلِهِ: ؎هَوِّنْ عَلَيْكَ ودَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ في حَجَراتِهِ وذَكَرُوا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ ”عَلى“ و”عَنِ“ اسْمانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونا حَرْفَيْنِ، لِامْتِناعِ فَكَّرَ فِيكَ، وأعْنِي بِكَ، بَلْ هَذا مِمّا يَكُونُ فِيهِ النَّفْسُ، أيْ: فَكِّرْ في نَفْسِكَ، وأعْنِي بِنَفْسِكَ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] . وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ﴾ مُسْتَأْنَفٌ ﴿وتَخْشى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (وتُخْفِي) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واوُ الحالِ، أيْ: تَقُولُ لِزَيْدٍ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مُخْفِيًا في نَفْسِكَ إرادَةَ أنْ لا يُمْسِكَها، وتُخْفِي خاشِيًا قالَةَ النّاسِ، أوْ واوُ العَطْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْ تَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلِكَ: (أمْسِكْ) وإخْفاءِ قالَةِ وخَشْيَةِ النّاسِ. انْتَهى. ولا يَكُونُ ﴿وتُخْفِي﴾ حالًا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وأنْتَ تُخْفِي؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ مُثْبَتٌ، فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الواوُ إلّا عَلى ذَلِكَ الإضْمارِ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ، لا يُبْنى عَلى مِثْلِهِ القَواعِدُ؛ ومِنهُ قَوْلُهم: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ، أيْ: وأنا أصُكُّ عَيْنَهُ. ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ تَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِهِ في التَّوْبَةِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ: حاجَةً، قِيلَ: وهو الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ورَوى أبُو عِصْمَةَ نُوحُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، بِإسْنادٍ رَفَعَهُ إلى زَيْنَبَ، أنَّها قالَتْ: ما كُنْتُ أمْتَنِعُ مِنهُ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مُذْ تَزَوَّجَها لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَتَوَرَّمُ ذَلِكَ مِنهُ حِينَ يُرِيدُ أنْ يُقِرَّ بِها. وقالَ قَتادَةُ: الوَطَرُ هُنا: الطَّلاقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ؛ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأخَواهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ، وأبُوهم عَلِيٌّ: زَوَّجْتُكَها، بِتاءِ الضَّمِيرِ لِلْمُتَكَلِّمِ. ونَفى تَعالى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ في إجْراءِ أزْواجِ المُتَبَنِّينَ مَجْرى أزْواجِ النَّبِيِّينَ في تَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ انْقِطاعِ عَلائِقِ الزَّواجِ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ. (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مُقْتَضى أمْرِ اللَّهِ، أوْ مُضَمَّنُ أمْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فالأمْرُ قَدِيمٌ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُفْعَلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَكُونَهُ (مَفْعُولًا) مَكُونًا لا مَحالَةَ، وهو مَثَلٌ لِما أرادَ كَوْنَهُ مِن تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأمْرِ اللَّهِ المَكُونُ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ يَكُونَ. ولَمّا نَفى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ فِيما ذَكَرَ، وانْدَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، إذْ هو سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، نَفى عَنْهُ الحَرَجَ بِخُصُوصِهِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّشْرِيفِ، ونَفى الحَرَجَ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ، إحْداهُما بِالِانْدِراجِ في العُمُومِ، والأُخْرى بِالخُصُوصِ. ﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ: فِيما خُصَّ بِهِ مِن صِحَّةِ النِّكاحِ بِلا صَداقٍ. وقالَ قَتادَةُ: فِيما أحَلَّ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: في الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ، وكانَتِ اليَهُودُ عابُوهُ بِكَثْرَةِ النِّكاحِ وكَثْرَةِ (p-٢٣٦)الأزْواجِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (سُنَّةَ اللَّهِ) أيْ: في الأنْبِياءِ بِكَثْرَةِ النِّساءِ، حَتّى كانَ لِسُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ثَلاثُمِائَةِ حُرَّةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَيْنَبَ، كَما جَمَعَ بَيْنَ داوُدَ وبَيْنَ الَّتِي تَزَوَّجَها بَعْدَ قَتْلِ زَوْجِها. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ اللَّهِ) عَلى أنَّهُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أوْ عَلى المَصْدَرِ؛ أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمْ، أوْ نَحْوُهُ، أوْ عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: أوْ عَلى الإغْراءِ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ عامِلَ الِاسْمِ في الإغْراءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وأيْضًا فَتَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الإغْراءِ، إذْ لا يُغْرى غائِبٌ. وما جاءَ مِن قَوْلِهِمْ: عَلَيْهِ رَجُلًا لَيْسَنِي، لَهُ تَأْوِيلٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ نادِرٌ. و(الَّذِينَ خَلَوْا) الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ . (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مَأْمُوراتُهُ، والكائِناتُ مِن أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ. وقَوْلُهُ: (قَدَرًا) أيْ: ذا قَدَرٍ، أوْ عَنْ قَدَرٍ، أوْ قَضاءً مَقْضِيًّا وحُكْمًا مَثْبُوتًا. و(الَّذِينَ) صِفَةُ (الَّذِينَ خَلَوْا)، أوْ مَرْفُوعٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِهِمْ، أوْ عَلى: أمْدَحُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: الَّذِينَ بَلَّغُوا، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”رِسالَةَ اللَّهِ“ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والجُمْهُورُ: ”﴿يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ﴾“ جَمْعًا. (وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا) أيْ: مُحاسِبًا عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والعَقائِدِ، أوْ مُحْسِبًا: أيْ: كافِيًا. ثُمَّ نَفى تَعالى كَوْنَ رَسُولِهِ ﴿أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن تَبَنّاهُ مِن حُرْمَةِ الصِّهارَةِ والنِّكاحِ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الأبِ ووَلَدِهِ. هَذا مَقْصُودُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ في أمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ. وإضافَةُ (رِجالِكم) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ يُخْرِجُ مَن كانَ مِن بَنِيهِ؛ لِأنَّهم رِجالُهُ، لا رِجالُ المُخاطِبِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ﴾ بِتَخْفِيفِ ”لَكِنْ“ ونَصْبِ ”رَسُولَ“ عَلى إضْمارِ كانَ، لِدَلالَةِ ”كانَ“ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ؛ قِيلَ: أوْ عَلى العَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”لَكِنَّ“، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ هو، أيْ: مُحَمَّدٌ. وحَذْفُ خَبَرِ لَكِنَّ وأخَواتِها جائِزٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. ومِمّا جاءَ في ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زَنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ أيْ: أنْتَ لا تَعْرِفُ قَرابَتِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ ”ورَسُولُهُ“ و”خاتَمُ“، أيْ: ولَكِنْ هو رَسُولٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ الشّاعِرَ السَّقّافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَرَةَ الحَرْبِ العَوالِ أيْ: لَكِنْ أنا مَدَرَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (خاتِمَ) بِكَسْرِ التّاءِ، بِمَعْنى أنَّهُ خَتَمَهم، أيْ: جاءَ آخِرَهم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ، وعَنْهُ: أنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ في حَدِيثِ ”واللَّبِنَةِ“ . ورُوِيَ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ألْفاظٌ تَقْتَضِي نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، والمَعْنى أنْ لا يَتَنَبَّأ أحَدٌ بَعْدَهُ، ولا يَرِدُ نُزُولُ عِيسى آخِرَ الزَّمانِ؛ لِأنَّهُ مِمَّنْ نُبِّئَ قَبْلَهُ، ويَنْزِلُ عامِلًا عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ مُصَلِّيًا إلى قِبْلَتِهِ كَأنَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما ذَكَرَهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ، مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ، وتَطَرَّقَ إلى تَرْكِ تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِمُحَمَّدٍ النُّبُوَّةَ، فالحَذَرَ الحَذَرَ مِنهُ، واللَّهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِ التّاءِ بِمَعْنى: أنَّهم بِهِ خُتِمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطّابَعِ لَهم. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ النُّبُوَّةَ مُكْتَسَبَةٌ لا تَنْقَطِعُ، أوْ إلى أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، فَهو زِنْدِيقٌ يَجِبُ قَتْلُهُ. وقَدِ ادَّعى النُّبُوَّةَ ناسٌ، فَقَتَلَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ. وكانَ في عَصْرِنا شَخْصٌ مِنَ الفُقَراءِ ادَّعى النُّبُوَّةَ بِمَدِينَةِ مالقَةَ، فَقَتَلَهُ السُّلْطانُ ابْنُ الأحْمَرِ، مَلِكُ الأنْدَلُسِ بِغَرْناطَةَ، (p-٢٣٧)وصُلِبَ إلى أنْ تَناثَرَ لَحْمُهُ. ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ هَذا عامٌّ، والقَصْدُ هُنا عِلْمُهُ تَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِرَسُولِهِ، وبِما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِهِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ وتَحْمِيدِهِ وتَقْدِيسِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. والذِّكْرُ الكَثِيرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، أوِ التَّسْبِيحُ مُنْدَرِجٌ في الذِّكْرِ، لَكِنَّهُ خُصَّ بِأنَّهُ يُنَزِّهُهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَهو أفْضَلُ، أوْ مِن أفْضَلِ الأذْكارِ. وعَنْ قَتادَةَ: قُولُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: هَذِهِ الكَلِماتُ يَقُولُها الطّاهِرُ والجُنُبُ. و(بَكْرَةً وأصِيلًا) يَقْتَضِيهِما: ”اذْكُرُوا“ و”سَبِّحُوا“، والنَّصْبُ بِالثّانِي عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ، والوَقْتانِ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الزَّمانِ، ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ إشْعارٌ بِالِاسْتِغْراقِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: صَلُّوا صَلاةَ الفَجْرِ والعِشاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ العَصْرِ إلى العِشاءِ. وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ إلى صَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ العَصْرِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ وإكْثارِهِ تَكْثِيرًا لِطاعاتٍ والإقْبالِ عَلى الطّاعاتِ، فَإنَّ كُلَّ طاعَةٍ وكُلَّ خَيْرٍ مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ. ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ (بُكْرَةً وأصِيلًا)، وهي الصَّلاةُ في جَمِيعِ أوْقاتِها، تَفْضُلُ الصَّلاةُ غَيْرَها، أوْ صَلاةُ الفَجْرِ والعِشاءِ؛ لِأنَّ أداءَهُما أشَقُّ. ولَمّا أمَرَهم بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، ذَكَرَ إحْسانَهُ تَعالى بِصَلاتِهِ عَلَيْهِمْ هو ومَلائِكَتُهُ. قالَ الحَسَنُ: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يَرْحَمُكم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَغْفِرُ لَكم. وقالَ أبُو العالِيَةِ يُثْنِي عَلَيْكم. وقِيلَ: يَتَرَأَّفُ بِكم. وصَلاةُ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] . وقالَ مُقاتِلٌ: الدُّعاءُ، والمَعْنى: هو الَّذِي يَتَرَحَّمُ عَلَيْكم، حَيْثُ يَدْعُوكم إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُكم بِإكْثارِ الذِّكْرِ والطّاعَةِ، لِيُخْرِجَكم مِن ظُلُماتِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ الطّاعَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وقالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: مِنَ القُبُورِ إلى البَعْثِ. (ومَلائِكَتُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَكِنِّ في (يُصَلِّي) فَأغْنى الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ التَّأْكِيدِ، وصَلاةُ اللَّهِ غَيْرُ صَلاةِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ اشْتَرَكا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ ؟ وهو إرادَةُ وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ. فاللَّهُ تَعالى يُرِيدُ بِرَحْمَتِهِ إيّاهم إيصالَ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، ومَلائِكَتُهُ يُرِيدُونَ بِالِاسْتِغْفارِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلُوا لِكَوْنِهِمْ مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ الرَّحْمَةَ والرَّأْفَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: حَيّاكَ اللَّهُ: أيْ: أحْياكَ وأبْقاكَ، وحَيَّيْتُكَ: أيْ: دَعَوْتُ لَكَ بِأنْ يُحْيِيَكَ اللَّهُ؛ لِأنَّكَ لِاتِّكالِكَ عَلى إجابَةِ دَعْوَتِكَ كَأنَّكَ تُبْقِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ وكَذَلِكَ عَمَّرَكَ اللَّهُ وعَمَّرْتُكَ، وسَقاكَ اللَّهُ وسَقَيْتُكَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أيِ: ادْعُوا لَهُ بِأنْ يُصَلّى عَلَيْهِ. ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ الصَّلاتَيْنِ اشْتَرَكَتا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ أوْلى. ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ. (سَلامٌ) أيْ: تَحِيَّةُ اللَّهِ لَهم. يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: السَّلامُ عَلَيْكم، مَرْحَبًا بِعِبادِي الَّذِينَ أرْضَوْنِي بِاتِّباعِ أمْرِي، قالَهُ الرَّقاشِيُّ. وقِيلَ: يُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: مَعْناهُ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لا يَقْبِضُ رُوحَ المُؤْمِنِ حَتّى يُسَلِّمَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا جاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ قالَ: رَبُّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلامَ، قِيلَ: فَعَلى هَذا الهاءُ في قَوْلِهِ: (يَلْقَوْنَهُ) كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وقِيلَ: سَلامُ المَلائِكَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ مَخُوفٍ. وقِيلَ: تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: هو سَلامُ مَلَكِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وبِشارَتُهم بِالجَنَّةِ. والتَّحِيَّةُ مَصْدَرٌ في هَذِهِ الأقْوالِ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ، إلّا في قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمُحَيِّي والمُحَيّا، لا عَلى جِهَةِ العَمَلِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ الواحِدَ لا يَكُونُ فاعِلًا مَفْعُولًا، ولَكِنَّهُ كَقَوْلِهِ: (p-٢٣٨)﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أيْ: لِلْحُكْمِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم، ولِيَبْعَثَ إلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ الجارِيَةُ بَيْنَهم هي سَلامٌ. وفَرَّقَ المُبَرِّدُ بَيْنَ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ فَقالَ: التَّحِيَّةُ يَكُونُ ذَلِكَ دُعاءً، والسَّلامُ مَخْصُوصٌ، ومِنهُ: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] . والأجْرُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ (شاهِدًا) عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ، وعَلى تَكْذِيبِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، أيْ: مَفْعُولًا قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ، وشاهِدًا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وبِتَبْلِيغِ الأنْبِياءِ قَوْلَكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدًا) عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، إذا كانَ قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ وقْتَ الإرْسالِ لَمْ يَكُنْ شاهِدًا عَلَيْهِمْ، وإنَّما يَكُونُ شاهِدًا عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ وعِنْدَ أدائِها، أوْ لِأنَّهُ أقْرَبُ زَمانِ البَعْثَةِ، وإيمانُ مَن آمَنَ وتَكْذِيبُ مَن كَذَّبَ كانَ ذَلِكَ وقَعَ في زَمانٍ واحِدٍ. ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: إلى الطّاعَةِ. (بِإذْنِهِ) أيْ: بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ الإذْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ فُهِمَ في قَوْلِهِ: إنّا أرْسَلْناكَ داعِيًا، أنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ في الدُّعاءِ. ولَمّا كانَ دُعاءُ المُشْرِكِ إلى التَّوْحِيدِ صَعْبًا جِدًّا، قِيلَ: بِإذْنِهِ، أيْ: بِتَسْهِيلِهِ تَعالى. و(سِراجًا مُنِيرًا) جَلّى مِن ظُلُماتِ الشِّرْكِ، واهْتَدى بِهِ الضّالُّونَ، كَما يُجَلّى ظَلامُ اللَّيْلِ بِالسِّراجِ المُنِيرِ. ويُهْتَدى بِهِ إذا مَدَّ اللَّهُ بِنُورِ نُبُوَّتِهِ نُورَ البَصائِرِ، كَما يَمُدُّ بِنُورِ السِّراجِ نُورَ الأبْصارِ. ووَصَفَهُ بِالإنارَةِ؛ لِأنَّ مِنَ السِّراجِ ما لا يُضِيءُ إذا قَلَّ سَلِيطُهُ ودَقَّتْ فَتِيلَتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (شاهِدًا) أيْ: وذا سِراجٍ مُنِيرٍ، أيْ: كِتابٍ نَيِّرٍ. وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: وتالِيًا سِراجًا مُنِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ويَجُوزُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يُعْطَفَ عَلى كافِ (أرْسَلْناكَ) . انْتَهى. ولا يَتَّضِحُ هَذا الَّذِي قالَهُ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا ذا سِراجٍ مُنِيرٍ، وهو القُرْآنُ. ولا يُوصَفُ بِالإرْسالِ القُرْآنُ، إنَّما يُوصَفُ بِالإنْزالِ. وكَذَلِكَ أيْضًا إذا كانَ التَّقْدِيرُ: وتالِيًا، يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا تالِيًا سِراجًا مُنِيرًا، فَفِيهِ عَطْفُ الصِّفَةِ الَّتِي لِلذّاتِ عَلى الذّاتِ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ زَيْدًا والعالِمَ، إذا كانَ العالِمُ صِفَةً لِزَيْدٍ، والعَطْفُ مُشْعِرٌ بِالتَّغايُرِ، لا يَحْسُنُ مِثْلُ هَذا التَّخْرِيجِ في كَلامِ اللَّهِ، وثُمَّ حُمِلَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نَبِيَّهُ (شاهِدًا) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ بِتِلْكَ الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ قالَ؛ فاشْهَدْ وبَشِّرْ وأنْذِرْ وادْعُ وانْهَ، ثُمَّ قالَ؛ (وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ)؛ فَهَذا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وإنْ كانَ يَظْهَرُ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والفَضْلُ الكَبِيرُ: الثَّوابُ، مِن قَوْلِهِمْ لِلْعَطايا: فُضُولٌ وفَواضِلُ، أوِ المَزِيدُ عَلى الثَّوابِ. وإذا ذُكِرَ المُتَفَضَّلُ بِهِ وكِبَرُهُ، فَما ظَنُّكَ بِالثَّوابِ أوْ ما فُضِّلُوا بِهِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوِ الجَنَّةِ وما أُوتُوا فِيها ؟ ويُفَسِّرُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] . ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ يَنْتَصِحُونَ بِها وهي غِشٌّ. ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ الظّاهِرُ إضافَتُهُ إلى المَفْعُولِ. لَمّا نَهى عَنْ طاعَتِهِمْ، أمَرَ بِتَرْكِهِ إذايَتَهم وعُقُوبَتَهم، ونُسِخَ مِنهُ ما يَخُصُّ الكافِرِينَ بِآيَةِ السَّيْفُ. (وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ) فَإنَّهُ يَنْصُرُكَ ويَخْذُلُهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ: ودَعْ إذايَتَهم إيّاكَ، أيْ: مُجازاةَ الإذايَةِ مِن عِقابٍ وغَيْرِهِ حَتّى تُؤْمَرَ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ.

الأحزاب 33:41

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ . (p-٢٣٣)قالَ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم: خَطَبَ الرَّسُولُ ﷺ لِزَيْدٍ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأبَتْ وقالَتْ: لَسْتُ بِناكِحَةٍ، فَقالَ: «بَلى فَأنْكِحِيهِ فَقَدْ رَضِيتُهُ لَكِ»، فَأبَتْ، فَنَزَلَتْ. وذَكَرَ أنَّها وأخاها عَبْدَ اللَّهِ كَرِها ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ رَضِيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبَتْ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهي أوَّلُ امْرَأةٍ وهَبَتْ لِلنَّبِيِّ نَفْسَها، فَقالَ: «قَدْ قَبِلْتُكِ وزَوَّجْتُكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ»، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها، قالا: إنَّما أرَدْناهُ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ، فَنَزَلَتْ، والسَّبَبُ الأوَّلُ أصَحُّ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ الأوْصافَ السّابِقَةَ مِنَ الإسْلامِ فَما بَعْدَهُ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِما صَدَرَ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ، إذْ أشارَ الرَّسُولُ ﷺ بِأمْرٍ وقَعَ مِنهُمُ الإباءُ لَهُ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، إذْ طاعَتُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن طاعَةِ اللَّهِ، وأمْرُهُ مِن أمْرِهِ. و(الخِيَرَةُ) مَصْدَرٌ مِن تَخَيَّرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كالطِّيَرَةِ مِن تَطَيَّرَ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ الياءِ، ذَكَرَهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ والأعْرَجُ، وعِيسى: ”أنْ تَكُونَ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ (p-٢٣٤)والكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، والسُّلَمِيُّ: بِالياءِ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعُمُّ في سِياقِ النَّفْيِ، جاءَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (لَهم) مُغَلَّبًا فِيهِ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ مِن حَقِّ الضَّمِيرِ أنْ يُوَحَّدَ، كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا. انْتَهى. لَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ هَذا عَطْفٌ بِالواوِ، فَلا يَجُوزُ إفْرادُ الضَّمِيرِ إلّا عَلى تَأْوِيلِ الحَذْفِ، أيْ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا، وتَقُولُ: ما جاءَ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو إلّا ضَرَبا خالِدًا، ولا يَجُوزُ إلّا ضَرَبَ إلّا عَلى الحَذْفِ، كَما قُلْنا. ﴿وإذْ تَقُولُ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِالإسْلامِ، وهو أجَلُّ النِّعَمِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ الَّذِي كانَ الرَّسُولُ ﷺ تَبَنّاهُ. ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وهو عِتْقُهُ، وتَقَدَّمَ طَرَفٌ مِن قِصَّتِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وتَقَدَّمَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ خَطَبَها لَهُ. وقِيلَ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِصُحْبَتِكَ ومَوَدَّتِكَ، وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِتَبَنِّيهِ. «فَجاءَ زَيْدٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي، فَقالَ: ”أرابَكَ مِنها شَيْءٌ ؟“ قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها تَعْظُمُ عَلَيَّ لِشَرَفِها وتُؤْذِينِي بِلِسانِها، فَقالَ: ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾“، أيْ: لا تُطَلِّقْها، وهو أمْرُ نَدْبٍ، ”﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في مُعاشَرَتِها“ . فَطَلَّقَها، وتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها» . وعَلَّلَ تَزْوِيجَهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ في أنْ يَتَزَوَّجُوا زَوْجاتِ مَن كانُوا تَبَنَّوْهُ إذا فارِقُوهُنَّ، وأنَّ هَؤُلاءِ الزَّوْجاتِ لَيْسَتْ داخِلاتٍ فِيما حَرَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: كانَ قَدْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُها، وأنَّهُ يَتَزَوَّجُها بِتَزْوِيجِ اللَّهِ إيّاها. فَلَمّا شَكا زَيْدٌ خُلُقَها، وأنَّها لا تُطِيعُهُ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ طَلاقَها، قالَ لَهُ ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾“، عَلى طَرِيقِ الأدَبِ والوَصِيَّةِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُطَلِّقُها. وهَذا هو الَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالطَّلاقِ. ولَمّا عَلِمَ مِن أنَّهُ سَيُطَلِّقُها، وخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَلْحَقَهُ قَوْلٌ مِنَ النّاسِ في أنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، وهو مَوْلاهُ، وقَدْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى هَذا القَدْرِ في شَيْءٍ قَدْ أباحَهُ اللَّهُ بِأنْ قالَ؛ (أمْسِكْ) مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ يُطَلِّقُ، فَأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أحَقُّ بِالخَشْيَةِ، أيْ: في كُلِّ حالٍ. انْتَهى. وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كالزُّهْرِيِّ، وبَكْرِ بْنِ العَلاءِ، والقُشَيْرِيِّ، والقاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِمْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ إنَّما هو إرْجافُ المُنافِقِينَ في تَزْوِيجِ نِساءِ الأنْبِياءِ، والنَّبِيُّ مَعْصُومٌ في حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ. ولِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ كَلامٌ في الآيَةِ يَقْتَضِي النَّقْصَ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ضَرَبْنا عَنْهُ صَفْحًا. وقِيلَ؛ قَوْلُهُ ﴿واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ، فَإنَّهُ أخْفى المَيْلَ إلَيْها، وأظْهَرَ الرَّغْبَةَ عَنْها، لَمّا تَوَهَّمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرادَ أنْ تَكُونَ مِن نِسائِهِ. انْتَهى. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ، وبَعْضُهُ لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِما فِيهِ غَيْرُ صَوابٍ مِمّا جَرى فِيهِ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ وغَيْرِهِ، واخْتَرْتُ مِنهُ ما أنِصُّهُ. قالَ: كَمْ مِن شَيْءٍ يَتَحَفَّظُ مِنهُ الإنْسانُ ويَسْتَحْيِي مِن إطْلاعِ النّاسِ عَلَيْهِ، وهو في نَفْسِهِ مُباحٌ مُتَّسِعٌ وحَلالٌ مُطْلَقٌ، لا مَقالَ فِيهِ ولا عَيْبَ عِنْدَ اللَّهِ. ورُبَّما كانَ الدُّخُولُ في ذَلِكَ المُباحِ سُلَّمًا إلى حُصُولِ واجِباتٍ، لِعِظَمِ أثَرِها في الدِّينِ، ويَجِلُّ ثَوابُها، ولَوْ لَمْ يُتَحَفَّظْ مِنهُ، لَأطْلَقَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فِيهِ ألْسِنَتَهم، إلّا مَن أُوتِيَ فَضْلًا وعِلْمًا ودِينًا ونَظَرًا في حَقائِقِ الأشْياءِ ولُبابِها دُونَ قُشُورِها. ألا تَرى أنَّهم كانُوا إذا طَمِعُوا في بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَقَوْا مُرْتَكِزِينَ في مَجالِسِهِمْ لا يُدِيمُونَ مُسْتَأْنِسِينَ بِالحَدِيثِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْذِيهِ قُعُودُهم، ويُضِيقُ صَدْرَهُ حَدِيثُهم، والحَياءُ يَصُدُّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالِانْتِشارِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . ولَوْ أبْرَزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكْنُونَ (p-٢٣٥)ضَمِيرِهِ، وأمَرَهم أنْ يَنْتَشِرُوا، لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، ولَكانَ بَعْضُ المَقالَةِ. فَهَذا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ؛ لِأنَّ طُمُوحَ قَلْبِ الإنْسانِ إلى بَعْضِ مُشْتَهِياتِهِ، مِنَ امْرَأةٍ أوْ غَيْرِها، غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالقُبْحِ في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ. وتَناوُلُ المُباحِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ بِقَبِيحٍ أيْضًا، وهو خِطْبَةُ زَيْنَبَ ونِكاحُها مِن غَيْرِ اسْتِنْزالِ زَيْدٍ عَنْها، ولا طَلَبٍ إلَيْهِ. ولَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَرًا عِنْدَهم أنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ مِنهم عَنِ امْرَأتِهِ لِصَدِيقِهِ، ولا مُسْتَهْجَنًا إذا نَزَلَ عَنْها أنْ يَنْكِحَها الآخَرُ. فَإنَّ المُهاجِرِينَ حِينَ دَخَلُوا المَدِينَةَ، آثَرَتْهُمُ الأنْصارُ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتّى أنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ نَزَلَ عَنْ إحْداهُما وأنْكَحَها المُهاجِرَ. وإذا كانَ الأمْرُ مُباحًا مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ وجْهٌ مِن وُجُوهِ القُبْحِ، ولا مَفْسَدَةٌ ولا مَضَرَّةٌ بِزَيْدٍ ولا بِأحَدٍ، بَلْ كانَ مُسْتَجِرًّا مَصالِحَ؛ ناهِيكَ بِواحِدَةٍ مِنها: أنَّ بِنْتَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمِنَتِ الأيْمَةَ والضَّيْعَةَ ونالَتِ الشَّرَفَ وعادَتْ أُمًّا مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، إلى ما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَصْلَحَةِ العامَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ الآيَةَ. انْتَهى ما اخْتَرْناهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فِيهِ وُصُولُ الفِعْلِ الرّافِعِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وهُما لِشَخْصٍ واحِدٍ، فَهو كَقَوْلِهِ: ؎هَوِّنْ عَلَيْكَ ودَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ في حَجَراتِهِ وذَكَرُوا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ ”عَلى“ و”عَنِ“ اسْمانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونا حَرْفَيْنِ، لِامْتِناعِ فَكَّرَ فِيكَ، وأعْنِي بِكَ، بَلْ هَذا مِمّا يَكُونُ فِيهِ النَّفْسُ، أيْ: فَكِّرْ في نَفْسِكَ، وأعْنِي بِنَفْسِكَ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] . وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ﴾ مُسْتَأْنَفٌ ﴿وتَخْشى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (وتُخْفِي) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واوُ الحالِ، أيْ: تَقُولُ لِزَيْدٍ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مُخْفِيًا في نَفْسِكَ إرادَةَ أنْ لا يُمْسِكَها، وتُخْفِي خاشِيًا قالَةَ النّاسِ، أوْ واوُ العَطْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْ تَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلِكَ: (أمْسِكْ) وإخْفاءِ قالَةِ وخَشْيَةِ النّاسِ. انْتَهى. ولا يَكُونُ ﴿وتُخْفِي﴾ حالًا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وأنْتَ تُخْفِي؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ مُثْبَتٌ، فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الواوُ إلّا عَلى ذَلِكَ الإضْمارِ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ، لا يُبْنى عَلى مِثْلِهِ القَواعِدُ؛ ومِنهُ قَوْلُهم: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ، أيْ: وأنا أصُكُّ عَيْنَهُ. ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ تَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِهِ في التَّوْبَةِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ: حاجَةً، قِيلَ: وهو الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ورَوى أبُو عِصْمَةَ نُوحُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، بِإسْنادٍ رَفَعَهُ إلى زَيْنَبَ، أنَّها قالَتْ: ما كُنْتُ أمْتَنِعُ مِنهُ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مُذْ تَزَوَّجَها لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَتَوَرَّمُ ذَلِكَ مِنهُ حِينَ يُرِيدُ أنْ يُقِرَّ بِها. وقالَ قَتادَةُ: الوَطَرُ هُنا: الطَّلاقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ؛ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأخَواهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ، وأبُوهم عَلِيٌّ: زَوَّجْتُكَها، بِتاءِ الضَّمِيرِ لِلْمُتَكَلِّمِ. ونَفى تَعالى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ في إجْراءِ أزْواجِ المُتَبَنِّينَ مَجْرى أزْواجِ النَّبِيِّينَ في تَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ انْقِطاعِ عَلائِقِ الزَّواجِ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ. (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مُقْتَضى أمْرِ اللَّهِ، أوْ مُضَمَّنُ أمْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فالأمْرُ قَدِيمٌ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُفْعَلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَكُونَهُ (مَفْعُولًا) مَكُونًا لا مَحالَةَ، وهو مَثَلٌ لِما أرادَ كَوْنَهُ مِن تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأمْرِ اللَّهِ المَكُونُ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ يَكُونَ. ولَمّا نَفى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ فِيما ذَكَرَ، وانْدَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، إذْ هو سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، نَفى عَنْهُ الحَرَجَ بِخُصُوصِهِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّشْرِيفِ، ونَفى الحَرَجَ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ، إحْداهُما بِالِانْدِراجِ في العُمُومِ، والأُخْرى بِالخُصُوصِ. ﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ: فِيما خُصَّ بِهِ مِن صِحَّةِ النِّكاحِ بِلا صَداقٍ. وقالَ قَتادَةُ: فِيما أحَلَّ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: في الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ، وكانَتِ اليَهُودُ عابُوهُ بِكَثْرَةِ النِّكاحِ وكَثْرَةِ (p-٢٣٦)الأزْواجِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (سُنَّةَ اللَّهِ) أيْ: في الأنْبِياءِ بِكَثْرَةِ النِّساءِ، حَتّى كانَ لِسُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ثَلاثُمِائَةِ حُرَّةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَيْنَبَ، كَما جَمَعَ بَيْنَ داوُدَ وبَيْنَ الَّتِي تَزَوَّجَها بَعْدَ قَتْلِ زَوْجِها. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ اللَّهِ) عَلى أنَّهُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أوْ عَلى المَصْدَرِ؛ أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمْ، أوْ نَحْوُهُ، أوْ عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: أوْ عَلى الإغْراءِ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ عامِلَ الِاسْمِ في الإغْراءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وأيْضًا فَتَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الإغْراءِ، إذْ لا يُغْرى غائِبٌ. وما جاءَ مِن قَوْلِهِمْ: عَلَيْهِ رَجُلًا لَيْسَنِي، لَهُ تَأْوِيلٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ نادِرٌ. و(الَّذِينَ خَلَوْا) الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ . (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مَأْمُوراتُهُ، والكائِناتُ مِن أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ. وقَوْلُهُ: (قَدَرًا) أيْ: ذا قَدَرٍ، أوْ عَنْ قَدَرٍ، أوْ قَضاءً مَقْضِيًّا وحُكْمًا مَثْبُوتًا. و(الَّذِينَ) صِفَةُ (الَّذِينَ خَلَوْا)، أوْ مَرْفُوعٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِهِمْ، أوْ عَلى: أمْدَحُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: الَّذِينَ بَلَّغُوا، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”رِسالَةَ اللَّهِ“ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والجُمْهُورُ: ”﴿يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ﴾“ جَمْعًا. (وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا) أيْ: مُحاسِبًا عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والعَقائِدِ، أوْ مُحْسِبًا: أيْ: كافِيًا. ثُمَّ نَفى تَعالى كَوْنَ رَسُولِهِ ﴿أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن تَبَنّاهُ مِن حُرْمَةِ الصِّهارَةِ والنِّكاحِ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الأبِ ووَلَدِهِ. هَذا مَقْصُودُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ في أمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ. وإضافَةُ (رِجالِكم) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ يُخْرِجُ مَن كانَ مِن بَنِيهِ؛ لِأنَّهم رِجالُهُ، لا رِجالُ المُخاطِبِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ﴾ بِتَخْفِيفِ ”لَكِنْ“ ونَصْبِ ”رَسُولَ“ عَلى إضْمارِ كانَ، لِدَلالَةِ ”كانَ“ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ؛ قِيلَ: أوْ عَلى العَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”لَكِنَّ“، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ هو، أيْ: مُحَمَّدٌ. وحَذْفُ خَبَرِ لَكِنَّ وأخَواتِها جائِزٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. ومِمّا جاءَ في ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زَنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ أيْ: أنْتَ لا تَعْرِفُ قَرابَتِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ ”ورَسُولُهُ“ و”خاتَمُ“، أيْ: ولَكِنْ هو رَسُولٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ الشّاعِرَ السَّقّافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَرَةَ الحَرْبِ العَوالِ أيْ: لَكِنْ أنا مَدَرَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (خاتِمَ) بِكَسْرِ التّاءِ، بِمَعْنى أنَّهُ خَتَمَهم، أيْ: جاءَ آخِرَهم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ، وعَنْهُ: أنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ في حَدِيثِ ”واللَّبِنَةِ“ . ورُوِيَ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ألْفاظٌ تَقْتَضِي نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، والمَعْنى أنْ لا يَتَنَبَّأ أحَدٌ بَعْدَهُ، ولا يَرِدُ نُزُولُ عِيسى آخِرَ الزَّمانِ؛ لِأنَّهُ مِمَّنْ نُبِّئَ قَبْلَهُ، ويَنْزِلُ عامِلًا عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ مُصَلِّيًا إلى قِبْلَتِهِ كَأنَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما ذَكَرَهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ، مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ، وتَطَرَّقَ إلى تَرْكِ تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِمُحَمَّدٍ النُّبُوَّةَ، فالحَذَرَ الحَذَرَ مِنهُ، واللَّهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِ التّاءِ بِمَعْنى: أنَّهم بِهِ خُتِمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطّابَعِ لَهم. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ النُّبُوَّةَ مُكْتَسَبَةٌ لا تَنْقَطِعُ، أوْ إلى أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، فَهو زِنْدِيقٌ يَجِبُ قَتْلُهُ. وقَدِ ادَّعى النُّبُوَّةَ ناسٌ، فَقَتَلَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ. وكانَ في عَصْرِنا شَخْصٌ مِنَ الفُقَراءِ ادَّعى النُّبُوَّةَ بِمَدِينَةِ مالقَةَ، فَقَتَلَهُ السُّلْطانُ ابْنُ الأحْمَرِ، مَلِكُ الأنْدَلُسِ بِغَرْناطَةَ، (p-٢٣٧)وصُلِبَ إلى أنْ تَناثَرَ لَحْمُهُ. ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ هَذا عامٌّ، والقَصْدُ هُنا عِلْمُهُ تَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِرَسُولِهِ، وبِما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِهِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ وتَحْمِيدِهِ وتَقْدِيسِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. والذِّكْرُ الكَثِيرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، أوِ التَّسْبِيحُ مُنْدَرِجٌ في الذِّكْرِ، لَكِنَّهُ خُصَّ بِأنَّهُ يُنَزِّهُهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَهو أفْضَلُ، أوْ مِن أفْضَلِ الأذْكارِ. وعَنْ قَتادَةَ: قُولُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: هَذِهِ الكَلِماتُ يَقُولُها الطّاهِرُ والجُنُبُ. و(بَكْرَةً وأصِيلًا) يَقْتَضِيهِما: ”اذْكُرُوا“ و”سَبِّحُوا“، والنَّصْبُ بِالثّانِي عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ، والوَقْتانِ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الزَّمانِ، ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ إشْعارٌ بِالِاسْتِغْراقِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: صَلُّوا صَلاةَ الفَجْرِ والعِشاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ العَصْرِ إلى العِشاءِ. وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ إلى صَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ العَصْرِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ وإكْثارِهِ تَكْثِيرًا لِطاعاتٍ والإقْبالِ عَلى الطّاعاتِ، فَإنَّ كُلَّ طاعَةٍ وكُلَّ خَيْرٍ مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ. ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ (بُكْرَةً وأصِيلًا)، وهي الصَّلاةُ في جَمِيعِ أوْقاتِها، تَفْضُلُ الصَّلاةُ غَيْرَها، أوْ صَلاةُ الفَجْرِ والعِشاءِ؛ لِأنَّ أداءَهُما أشَقُّ. ولَمّا أمَرَهم بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، ذَكَرَ إحْسانَهُ تَعالى بِصَلاتِهِ عَلَيْهِمْ هو ومَلائِكَتُهُ. قالَ الحَسَنُ: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يَرْحَمُكم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَغْفِرُ لَكم. وقالَ أبُو العالِيَةِ يُثْنِي عَلَيْكم. وقِيلَ: يَتَرَأَّفُ بِكم. وصَلاةُ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] . وقالَ مُقاتِلٌ: الدُّعاءُ، والمَعْنى: هو الَّذِي يَتَرَحَّمُ عَلَيْكم، حَيْثُ يَدْعُوكم إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُكم بِإكْثارِ الذِّكْرِ والطّاعَةِ، لِيُخْرِجَكم مِن ظُلُماتِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ الطّاعَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وقالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: مِنَ القُبُورِ إلى البَعْثِ. (ومَلائِكَتُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَكِنِّ في (يُصَلِّي) فَأغْنى الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ التَّأْكِيدِ، وصَلاةُ اللَّهِ غَيْرُ صَلاةِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ اشْتَرَكا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ ؟ وهو إرادَةُ وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ. فاللَّهُ تَعالى يُرِيدُ بِرَحْمَتِهِ إيّاهم إيصالَ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، ومَلائِكَتُهُ يُرِيدُونَ بِالِاسْتِغْفارِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلُوا لِكَوْنِهِمْ مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ الرَّحْمَةَ والرَّأْفَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: حَيّاكَ اللَّهُ: أيْ: أحْياكَ وأبْقاكَ، وحَيَّيْتُكَ: أيْ: دَعَوْتُ لَكَ بِأنْ يُحْيِيَكَ اللَّهُ؛ لِأنَّكَ لِاتِّكالِكَ عَلى إجابَةِ دَعْوَتِكَ كَأنَّكَ تُبْقِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ وكَذَلِكَ عَمَّرَكَ اللَّهُ وعَمَّرْتُكَ، وسَقاكَ اللَّهُ وسَقَيْتُكَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أيِ: ادْعُوا لَهُ بِأنْ يُصَلّى عَلَيْهِ. ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ الصَّلاتَيْنِ اشْتَرَكَتا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ أوْلى. ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ. (سَلامٌ) أيْ: تَحِيَّةُ اللَّهِ لَهم. يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: السَّلامُ عَلَيْكم، مَرْحَبًا بِعِبادِي الَّذِينَ أرْضَوْنِي بِاتِّباعِ أمْرِي، قالَهُ الرَّقاشِيُّ. وقِيلَ: يُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: مَعْناهُ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لا يَقْبِضُ رُوحَ المُؤْمِنِ حَتّى يُسَلِّمَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا جاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ قالَ: رَبُّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلامَ، قِيلَ: فَعَلى هَذا الهاءُ في قَوْلِهِ: (يَلْقَوْنَهُ) كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وقِيلَ: سَلامُ المَلائِكَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ مَخُوفٍ. وقِيلَ: تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: هو سَلامُ مَلَكِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وبِشارَتُهم بِالجَنَّةِ. والتَّحِيَّةُ مَصْدَرٌ في هَذِهِ الأقْوالِ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ، إلّا في قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمُحَيِّي والمُحَيّا، لا عَلى جِهَةِ العَمَلِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ الواحِدَ لا يَكُونُ فاعِلًا مَفْعُولًا، ولَكِنَّهُ كَقَوْلِهِ: (p-٢٣٨)﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أيْ: لِلْحُكْمِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم، ولِيَبْعَثَ إلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ الجارِيَةُ بَيْنَهم هي سَلامٌ. وفَرَّقَ المُبَرِّدُ بَيْنَ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ فَقالَ: التَّحِيَّةُ يَكُونُ ذَلِكَ دُعاءً، والسَّلامُ مَخْصُوصٌ، ومِنهُ: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] . والأجْرُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ (شاهِدًا) عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ، وعَلى تَكْذِيبِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، أيْ: مَفْعُولًا قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ، وشاهِدًا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وبِتَبْلِيغِ الأنْبِياءِ قَوْلَكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدًا) عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، إذا كانَ قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ وقْتَ الإرْسالِ لَمْ يَكُنْ شاهِدًا عَلَيْهِمْ، وإنَّما يَكُونُ شاهِدًا عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ وعِنْدَ أدائِها، أوْ لِأنَّهُ أقْرَبُ زَمانِ البَعْثَةِ، وإيمانُ مَن آمَنَ وتَكْذِيبُ مَن كَذَّبَ كانَ ذَلِكَ وقَعَ في زَمانٍ واحِدٍ. ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: إلى الطّاعَةِ. (بِإذْنِهِ) أيْ: بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ الإذْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ فُهِمَ في قَوْلِهِ: إنّا أرْسَلْناكَ داعِيًا، أنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ في الدُّعاءِ. ولَمّا كانَ دُعاءُ المُشْرِكِ إلى التَّوْحِيدِ صَعْبًا جِدًّا، قِيلَ: بِإذْنِهِ، أيْ: بِتَسْهِيلِهِ تَعالى. و(سِراجًا مُنِيرًا) جَلّى مِن ظُلُماتِ الشِّرْكِ، واهْتَدى بِهِ الضّالُّونَ، كَما يُجَلّى ظَلامُ اللَّيْلِ بِالسِّراجِ المُنِيرِ. ويُهْتَدى بِهِ إذا مَدَّ اللَّهُ بِنُورِ نُبُوَّتِهِ نُورَ البَصائِرِ، كَما يَمُدُّ بِنُورِ السِّراجِ نُورَ الأبْصارِ. ووَصَفَهُ بِالإنارَةِ؛ لِأنَّ مِنَ السِّراجِ ما لا يُضِيءُ إذا قَلَّ سَلِيطُهُ ودَقَّتْ فَتِيلَتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (شاهِدًا) أيْ: وذا سِراجٍ مُنِيرٍ، أيْ: كِتابٍ نَيِّرٍ. وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: وتالِيًا سِراجًا مُنِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ويَجُوزُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يُعْطَفَ عَلى كافِ (أرْسَلْناكَ) . انْتَهى. ولا يَتَّضِحُ هَذا الَّذِي قالَهُ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا ذا سِراجٍ مُنِيرٍ، وهو القُرْآنُ. ولا يُوصَفُ بِالإرْسالِ القُرْآنُ، إنَّما يُوصَفُ بِالإنْزالِ. وكَذَلِكَ أيْضًا إذا كانَ التَّقْدِيرُ: وتالِيًا، يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا تالِيًا سِراجًا مُنِيرًا، فَفِيهِ عَطْفُ الصِّفَةِ الَّتِي لِلذّاتِ عَلى الذّاتِ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ زَيْدًا والعالِمَ، إذا كانَ العالِمُ صِفَةً لِزَيْدٍ، والعَطْفُ مُشْعِرٌ بِالتَّغايُرِ، لا يَحْسُنُ مِثْلُ هَذا التَّخْرِيجِ في كَلامِ اللَّهِ، وثُمَّ حُمِلَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نَبِيَّهُ (شاهِدًا) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ بِتِلْكَ الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ قالَ؛ فاشْهَدْ وبَشِّرْ وأنْذِرْ وادْعُ وانْهَ، ثُمَّ قالَ؛ (وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ)؛ فَهَذا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وإنْ كانَ يَظْهَرُ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والفَضْلُ الكَبِيرُ: الثَّوابُ، مِن قَوْلِهِمْ لِلْعَطايا: فُضُولٌ وفَواضِلُ، أوِ المَزِيدُ عَلى الثَّوابِ. وإذا ذُكِرَ المُتَفَضَّلُ بِهِ وكِبَرُهُ، فَما ظَنُّكَ بِالثَّوابِ أوْ ما فُضِّلُوا بِهِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوِ الجَنَّةِ وما أُوتُوا فِيها ؟ ويُفَسِّرُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] . ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ يَنْتَصِحُونَ بِها وهي غِشٌّ. ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ الظّاهِرُ إضافَتُهُ إلى المَفْعُولِ. لَمّا نَهى عَنْ طاعَتِهِمْ، أمَرَ بِتَرْكِهِ إذايَتَهم وعُقُوبَتَهم، ونُسِخَ مِنهُ ما يَخُصُّ الكافِرِينَ بِآيَةِ السَّيْفُ. (وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ) فَإنَّهُ يَنْصُرُكَ ويَخْذُلُهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ: ودَعْ إذايَتَهم إيّاكَ، أيْ: مُجازاةَ الإذايَةِ مِن عِقابٍ وغَيْرِهِ حَتّى تُؤْمَرَ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ.

الأحزاب 33:42

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ . (p-٢٣٣)قالَ الجُمْهُورُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم: خَطَبَ الرَّسُولُ ﷺ لِزَيْدٍ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأبَتْ وقالَتْ: لَسْتُ بِناكِحَةٍ، فَقالَ: «بَلى فَأنْكِحِيهِ فَقَدْ رَضِيتُهُ لَكِ»، فَأبَتْ، فَنَزَلَتْ. وذَكَرَ أنَّها وأخاها عَبْدَ اللَّهِ كَرِها ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ رَضِيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَبَتْ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وهي أوَّلُ امْرَأةٍ وهَبَتْ لِلنَّبِيِّ نَفْسَها، فَقالَ: «قَدْ قَبِلْتُكِ وزَوَّجْتُكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ»، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها، قالا: إنَّما أرَدْناهُ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ، فَنَزَلَتْ، والسَّبَبُ الأوَّلُ أصَحُّ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ الأوْصافَ السّابِقَةَ مِنَ الإسْلامِ فَما بَعْدَهُ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِما صَدَرَ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ، إذْ أشارَ الرَّسُولُ ﷺ بِأمْرٍ وقَعَ مِنهُمُ الإباءُ لَهُ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، إذْ طاعَتُهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن طاعَةِ اللَّهِ، وأمْرُهُ مِن أمْرِهِ. و(الخِيَرَةُ) مَصْدَرٌ مِن تَخَيَّرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كالطِّيَرَةِ مِن تَطَيَّرَ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ الياءِ، ذَكَرَهُ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ والأعْرَجُ، وعِيسى: ”أنْ تَكُونَ“، بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ (p-٢٣٤)والكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، والسُّلَمِيُّ: بِالياءِ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعُمُّ في سِياقِ النَّفْيِ، جاءَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: (لَهم) مُغَلَّبًا فِيهِ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ مِن حَقِّ الضَّمِيرِ أنْ يُوَحَّدَ، كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا. انْتَهى. لَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّ هَذا عَطْفٌ بِالواوِ، فَلا يَجُوزُ إفْرادُ الضَّمِيرِ إلّا عَلى تَأْوِيلِ الحَذْفِ، أيْ: ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا، وتَقُولُ: ما جاءَ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو إلّا ضَرَبا خالِدًا، ولا يَجُوزُ إلّا ضَرَبَ إلّا عَلى الحَذْفِ، كَما قُلْنا. ﴿وإذْ تَقُولُ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بِالإسْلامِ، وهو أجَلُّ النِّعَمِ، وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ الَّذِي كانَ الرَّسُولُ ﷺ تَبَنّاهُ. ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وهو عِتْقُهُ، وتَقَدَّمَ طَرَفٌ مِن قِصَّتِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ. ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وتَقَدَّمَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ خَطَبَها لَهُ. وقِيلَ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِصُحْبَتِكَ ومَوَدَّتِكَ، وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِتَبَنِّيهِ. «فَجاءَ زَيْدٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أنْ أُفارِقَ صاحِبَتِي، فَقالَ: ”أرابَكَ مِنها شَيْءٌ ؟“ قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها تَعْظُمُ عَلَيَّ لِشَرَفِها وتُؤْذِينِي بِلِسانِها، فَقالَ: ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾“، أيْ: لا تُطَلِّقْها، وهو أمْرُ نَدْبٍ، ”﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ في مُعاشَرَتِها“ . فَطَلَّقَها، وتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها» . وعَلَّلَ تَزْوِيجَهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ في أنْ يَتَزَوَّجُوا زَوْجاتِ مَن كانُوا تَبَنَّوْهُ إذا فارِقُوهُنَّ، وأنَّ هَؤُلاءِ الزَّوْجاتِ لَيْسَتْ داخِلاتٍ فِيما حَرَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] . وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: كانَ قَدْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُها، وأنَّهُ يَتَزَوَّجُها بِتَزْوِيجِ اللَّهِ إيّاها. فَلَمّا شَكا زَيْدٌ خُلُقَها، وأنَّها لا تُطِيعُهُ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ طَلاقَها، قالَ لَهُ ”﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾“، عَلى طَرِيقِ الأدَبِ والوَصِيَّةِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُطَلِّقُها. وهَذا هو الَّذِي أخْفى في نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالطَّلاقِ. ولَمّا عَلِمَ مِن أنَّهُ سَيُطَلِّقُها، وخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَلْحَقَهُ قَوْلٌ مِنَ النّاسِ في أنْ يَتَزَوَّجَ زَيْنَبَ بَعْدَ زَيْدٍ، وهو مَوْلاهُ، وقَدْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى هَذا القَدْرِ في شَيْءٍ قَدْ أباحَهُ اللَّهُ بِأنْ قالَ؛ (أمْسِكْ) مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ يُطَلِّقُ، فَأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أحَقُّ بِالخَشْيَةِ، أيْ: في كُلِّ حالٍ. انْتَهى. وهَذا المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كالزُّهْرِيِّ، وبَكْرِ بْنِ العَلاءِ، والقُشَيْرِيِّ، والقاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِمْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ إنَّما هو إرْجافُ المُنافِقِينَ في تَزْوِيجِ نِساءِ الأنْبِياءِ، والنَّبِيُّ مَعْصُومٌ في حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ. ولِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ كَلامٌ في الآيَةِ يَقْتَضِي النَّقْصَ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ضَرَبْنا عَنْهُ صَفْحًا. وقِيلَ؛ قَوْلُهُ ﴿واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ، فَإنَّهُ أخْفى المَيْلَ إلَيْها، وأظْهَرَ الرَّغْبَةَ عَنْها، لَمّا تَوَهَّمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرادَ أنْ تَكُونَ مِن نِسائِهِ. انْتَهى. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ، وبَعْضُهُ لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِما فِيهِ غَيْرُ صَوابٍ مِمّا جَرى فِيهِ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ وغَيْرِهِ، واخْتَرْتُ مِنهُ ما أنِصُّهُ. قالَ: كَمْ مِن شَيْءٍ يَتَحَفَّظُ مِنهُ الإنْسانُ ويَسْتَحْيِي مِن إطْلاعِ النّاسِ عَلَيْهِ، وهو في نَفْسِهِ مُباحٌ مُتَّسِعٌ وحَلالٌ مُطْلَقٌ، لا مَقالَ فِيهِ ولا عَيْبَ عِنْدَ اللَّهِ. ورُبَّما كانَ الدُّخُولُ في ذَلِكَ المُباحِ سُلَّمًا إلى حُصُولِ واجِباتٍ، لِعِظَمِ أثَرِها في الدِّينِ، ويَجِلُّ ثَوابُها، ولَوْ لَمْ يُتَحَفَّظْ مِنهُ، لَأطْلَقَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فِيهِ ألْسِنَتَهم، إلّا مَن أُوتِيَ فَضْلًا وعِلْمًا ودِينًا ونَظَرًا في حَقائِقِ الأشْياءِ ولُبابِها دُونَ قُشُورِها. ألا تَرى أنَّهم كانُوا إذا طَمِعُوا في بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَقَوْا مُرْتَكِزِينَ في مَجالِسِهِمْ لا يُدِيمُونَ مُسْتَأْنِسِينَ بِالحَدِيثِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْذِيهِ قُعُودُهم، ويُضِيقُ صَدْرَهُ حَدِيثُهم، والحَياءُ يَصُدُّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالِانْتِشارِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . ولَوْ أبْرَزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكْنُونَ (p-٢٣٥)ضَمِيرِهِ، وأمَرَهم أنْ يَنْتَشِرُوا، لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، ولَكانَ بَعْضُ المَقالَةِ. فَهَذا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ؛ لِأنَّ طُمُوحَ قَلْبِ الإنْسانِ إلى بَعْضِ مُشْتَهِياتِهِ، مِنَ امْرَأةٍ أوْ غَيْرِها، غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالقُبْحِ في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ. وتَناوُلُ المُباحِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ بِقَبِيحٍ أيْضًا، وهو خِطْبَةُ زَيْنَبَ ونِكاحُها مِن غَيْرِ اسْتِنْزالِ زَيْدٍ عَنْها، ولا طَلَبٍ إلَيْهِ. ولَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَرًا عِنْدَهم أنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ مِنهم عَنِ امْرَأتِهِ لِصَدِيقِهِ، ولا مُسْتَهْجَنًا إذا نَزَلَ عَنْها أنْ يَنْكِحَها الآخَرُ. فَإنَّ المُهاجِرِينَ حِينَ دَخَلُوا المَدِينَةَ، آثَرَتْهُمُ الأنْصارُ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتّى أنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ نَزَلَ عَنْ إحْداهُما وأنْكَحَها المُهاجِرَ. وإذا كانَ الأمْرُ مُباحًا مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ وجْهٌ مِن وُجُوهِ القُبْحِ، ولا مَفْسَدَةٌ ولا مَضَرَّةٌ بِزَيْدٍ ولا بِأحَدٍ، بَلْ كانَ مُسْتَجِرًّا مَصالِحَ؛ ناهِيكَ بِواحِدَةٍ مِنها: أنَّ بِنْتَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمِنَتِ الأيْمَةَ والضَّيْعَةَ ونالَتِ الشَّرَفَ وعادَتْ أُمًّا مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، إلى ما ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَصْلَحَةِ العامَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ الآيَةَ. انْتَهى ما اخْتَرْناهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فِيهِ وُصُولُ الفِعْلِ الرّافِعِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وهُما لِشَخْصٍ واحِدٍ، فَهو كَقَوْلِهِ: ؎هَوِّنْ عَلَيْكَ ودَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ في حَجَراتِهِ وذَكَرُوا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ ”عَلى“ و”عَنِ“ اسْمانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونا حَرْفَيْنِ، لِامْتِناعِ فَكَّرَ فِيكَ، وأعْنِي بِكَ، بَلْ هَذا مِمّا يَكُونُ فِيهِ النَّفْسُ، أيْ: فَكِّرْ في نَفْسِكَ، وأعْنِي بِنَفْسِكَ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] . وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ﴾ مُسْتَأْنَفٌ ﴿وتَخْشى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (وتُخْفِي) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واوُ الحالِ، أيْ: تَقُولُ لِزَيْدٍ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مُخْفِيًا في نَفْسِكَ إرادَةَ أنْ لا يُمْسِكَها، وتُخْفِي خاشِيًا قالَةَ النّاسِ، أوْ واوُ العَطْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْ تَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلِكَ: (أمْسِكْ) وإخْفاءِ قالَةِ وخَشْيَةِ النّاسِ. انْتَهى. ولا يَكُونُ ﴿وتُخْفِي﴾ حالًا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وأنْتَ تُخْفِي؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ مُثْبَتٌ، فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الواوُ إلّا عَلى ذَلِكَ الإضْمارِ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ نادِرٌ، لا يُبْنى عَلى مِثْلِهِ القَواعِدُ؛ ومِنهُ قَوْلُهم: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ، أيْ: وأنا أصُكُّ عَيْنَهُ. ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ تَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِهِ في التَّوْبَةِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ: حاجَةً، قِيلَ: وهو الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ورَوى أبُو عِصْمَةَ نُوحُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، بِإسْنادٍ رَفَعَهُ إلى زَيْنَبَ، أنَّها قالَتْ: ما كُنْتُ أمْتَنِعُ مِنهُ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مُذْ تَزَوَّجَها لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَتَوَرَّمُ ذَلِكَ مِنهُ حِينَ يُرِيدُ أنْ يُقِرَّ بِها. وقالَ قَتادَةُ: الوَطَرُ هُنا: الطَّلاقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ؛ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، وأخَواهُ الحَسَنُ والحُسَيْنُ، وأبُوهم عَلِيٌّ: زَوَّجْتُكَها، بِتاءِ الضَّمِيرِ لِلْمُتَكَلِّمِ. ونَفى تَعالى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ في إجْراءِ أزْواجِ المُتَبَنِّينَ مَجْرى أزْواجِ النَّبِيِّينَ في تَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ انْقِطاعِ عَلائِقِ الزَّواجِ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ. (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مُقْتَضى أمْرِ اللَّهِ، أوْ مُضَمَّنُ أمْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإلّا فالأمْرُ قَدِيمٌ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ، ويَحْتَمِلُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُفْعَلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَكُونَهُ (مَفْعُولًا) مَكُونًا لا مَحالَةَ، وهو مَثَلٌ لِما أرادَ كَوْنَهُ مِن تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأمْرِ اللَّهِ المَكُونُ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ يَكُونَ. ولَمّا نَفى الحَرَجَ عَنِ المُؤْمِنِينَ فِيما ذَكَرَ، وانْدَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، إذْ هو سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، نَفى عَنْهُ الحَرَجَ بِخُصُوصِهِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّشْرِيفِ، ونَفى الحَرَجَ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ، إحْداهُما بِالِانْدِراجِ في العُمُومِ، والأُخْرى بِالخُصُوصِ. ﴿فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ قالَ الحَسَنُ: فِيما خُصَّ بِهِ مِن صِحَّةِ النِّكاحِ بِلا صَداقٍ. وقالَ قَتادَةُ: فِيما أحَلَّ لَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ: في الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ، وكانَتِ اليَهُودُ عابُوهُ بِكَثْرَةِ النِّكاحِ وكَثْرَةِ (p-٢٣٦)الأزْواجِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (سُنَّةَ اللَّهِ) أيْ: في الأنْبِياءِ بِكَثْرَةِ النِّساءِ، حَتّى كانَ لِسُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ثَلاثُمِائَةِ حُرَّةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَيْنَبَ، كَما جَمَعَ بَيْنَ داوُدَ وبَيْنَ الَّتِي تَزَوَّجَها بَعْدَ قَتْلِ زَوْجِها. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ اللَّهِ) عَلى أنَّهُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ أوْ عَلى المَصْدَرِ؛ أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمْ، أوْ نَحْوُهُ، أوْ عَلى الإغْراءِ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: أوْ عَلى الإغْراءِ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ عامِلَ الِاسْمِ في الإغْراءِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وأيْضًا فَتَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ سُنَّةَ اللَّهِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الإغْراءِ، إذْ لا يُغْرى غائِبٌ. وما جاءَ مِن قَوْلِهِمْ: عَلَيْهِ رَجُلًا لَيْسَنِي، لَهُ تَأْوِيلٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ نادِرٌ. و(الَّذِينَ خَلَوْا) الأنْبِياءُ، بِدَلِيلِ وصْفِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ . (وكانَ أمْرُ اللَّهِ) أيْ: مَأْمُوراتُهُ، والكائِناتُ مِن أمْرِهِ، فَهي مَقْدُورَةٌ. وقَوْلُهُ: (قَدَرًا) أيْ: ذا قَدَرٍ، أوْ عَنْ قَدَرٍ، أوْ قَضاءً مَقْضِيًّا وحُكْمًا مَثْبُوتًا. و(الَّذِينَ) صِفَةُ (الَّذِينَ خَلَوْا)، أوْ مَرْفُوعٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِهِمْ، أوْ عَلى: أمْدَحُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: الَّذِينَ بَلَّغُوا، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”رِسالَةَ اللَّهِ“ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والجُمْهُورُ: ”﴿يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ﴾“ جَمْعًا. (وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا) أيْ: مُحاسِبًا عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ والعَقائِدِ، أوْ مُحْسِبًا: أيْ: كافِيًا. ثُمَّ نَفى تَعالى كَوْنَ رَسُولِهِ ﴿أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن تَبَنّاهُ مِن حُرْمَةِ الصِّهارَةِ والنِّكاحِ ما يَثْبُتُ بَيْنَ الأبِ ووَلَدِهِ. هَذا مَقْصُودُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، فَيَحْتاجُ إلى الِاحْتِجاجِ في أمْرِ بَنِيهِ بِأنَّهم كانُوا ماتُوا، ولا في أمْرِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بِأنَّهُما كانا طِفْلَيْنِ. وإضافَةُ (رِجالِكم) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ يُخْرِجُ مَن كانَ مِن بَنِيهِ؛ لِأنَّهم رِجالُهُ، لا رِجالُ المُخاطِبِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ ﴿ولَكِنْ رَسُولَ﴾ بِتَخْفِيفِ ”لَكِنْ“ ونَصْبِ ”رَسُولَ“ عَلى إضْمارِ كانَ، لِدَلالَةِ ”كانَ“ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ؛ قِيلَ: أوْ عَلى العَطْفِ عَلى ﴿أبا أحَدٍ﴾ . وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”لَكِنَّ“، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ هو، أيْ: مُحَمَّدٌ. وحَذْفُ خَبَرِ لَكِنَّ وأخَواتِها جائِزٌ إذا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. ومِمّا جاءَ في ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زَنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ أيْ: أنْتَ لا تَعْرِفُ قَرابَتِي. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ ”ورَسُولُهُ“ و”خاتَمُ“، أيْ: ولَكِنْ هو رَسُولٌ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولَسْتُ الشّاعِرَ السَّقّافَ فِيهِمْ ∗∗∗ ولَكِنْ مَدَرَةَ الحَرْبِ العَوالِ أيْ: لَكِنْ أنا مَدَرَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (خاتِمَ) بِكَسْرِ التّاءِ، بِمَعْنى أنَّهُ خَتَمَهم، أيْ: جاءَ آخِرَهم. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أنا خاتَمُ ألْفِ نَبِيٍّ، وعَنْهُ: أنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ في حَدِيثِ ”واللَّبِنَةِ“ . ورُوِيَ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ألْفاظٌ تَقْتَضِي نَصًّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، والمَعْنى أنْ لا يَتَنَبَّأ أحَدٌ بَعْدَهُ، ولا يَرِدُ نُزُولُ عِيسى آخِرَ الزَّمانِ؛ لِأنَّهُ مِمَّنْ نُبِّئَ قَبْلَهُ، ويَنْزِلُ عامِلًا عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ مُصَلِّيًا إلى قِبْلَتِهِ كَأنَّهُ بَعْضُ أُمَّتِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما ذَكَرَهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالهِدايَةِ، مِن تَجْوِيزِ الِاحْتِمالِ في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ، وما ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا المَعْنى في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالِاقْتِصادِ، وتَطَرَّقَ إلى تَرْكِ تَشْوِيشِ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ في خَتْمِمُحَمَّدٍ النُّبُوَّةَ، فالحَذَرَ الحَذَرَ مِنهُ، واللَّهُ الهادِي بِرَحْمَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْرَجُ بِخِلافٍ؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِ التّاءِ بِمَعْنى: أنَّهم بِهِ خُتِمُوا، فَهو كالخاتَمِ والطّابَعِ لَهم. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ النُّبُوَّةَ مُكْتَسَبَةٌ لا تَنْقَطِعُ، أوْ إلى أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، فَهو زِنْدِيقٌ يَجِبُ قَتْلُهُ. وقَدِ ادَّعى النُّبُوَّةَ ناسٌ، فَقَتَلَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ. وكانَ في عَصْرِنا شَخْصٌ مِنَ الفُقَراءِ ادَّعى النُّبُوَّةَ بِمَدِينَةِ مالقَةَ، فَقَتَلَهُ السُّلْطانُ ابْنُ الأحْمَرِ، مَلِكُ الأنْدَلُسِ بِغَرْناطَةَ، (p-٢٣٧)وصُلِبَ إلى أنْ تَناثَرَ لَحْمُهُ. ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ هَذا عامٌّ، والقَصْدُ هُنا عِلْمُهُ تَعالى بِما رَآهُ الأصْلَحَ لِرَسُولِهِ، وبِما قَدَّرَهُ في الأمْرِ كُلِّهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِهِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ وتَحْمِيدِهِ وتَقْدِيسِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ. والذِّكْرُ الكَثِيرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْ لا يَنْساهُ أبَدًا، أوِ التَّسْبِيحُ مُنْدَرِجٌ في الذِّكْرِ، لَكِنَّهُ خُصَّ بِأنَّهُ يُنَزِّهُهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، فَهو أفْضَلُ، أوْ مِن أفْضَلِ الأذْكارِ. وعَنْ قَتادَةَ: قُولُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: هَذِهِ الكَلِماتُ يَقُولُها الطّاهِرُ والجُنُبُ. و(بَكْرَةً وأصِيلًا) يَقْتَضِيهِما: ”اذْكُرُوا“ و”سَبِّحُوا“، والنَّصْبُ بِالثّانِي عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ، والوَقْتانِ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الزَّمانِ، ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ إشْعارٌ بِالِاسْتِغْراقِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: صَلُّوا صَلاةَ الفَجْرِ والعِشاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ العَصْرِ إلى العِشاءِ. وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ إلى صَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ العَصْرِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ وإكْثارِهِ تَكْثِيرًا لِطاعاتٍ والإقْبالِ عَلى الطّاعاتِ، فَإنَّ كُلَّ طاعَةٍ وكُلَّ خَيْرٍ مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ. ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ (بُكْرَةً وأصِيلًا)، وهي الصَّلاةُ في جَمِيعِ أوْقاتِها، تَفْضُلُ الصَّلاةُ غَيْرَها، أوْ صَلاةُ الفَجْرِ والعِشاءِ؛ لِأنَّ أداءَهُما أشَقُّ. ولَمّا أمَرَهم بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، ذَكَرَ إحْسانَهُ تَعالى بِصَلاتِهِ عَلَيْهِمْ هو ومَلائِكَتُهُ. قالَ الحَسَنُ: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يَرْحَمُكم. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَغْفِرُ لَكم. وقالَ أبُو العالِيَةِ يُثْنِي عَلَيْكم. وقِيلَ: يَتَرَأَّفُ بِكم. وصَلاةُ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] . وقالَ مُقاتِلٌ: الدُّعاءُ، والمَعْنى: هو الَّذِي يَتَرَحَّمُ عَلَيْكم، حَيْثُ يَدْعُوكم إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُكم بِإكْثارِ الذِّكْرِ والطّاعَةِ، لِيُخْرِجَكم مِن ظُلُماتِ المَعْصِيَةِ إلى نُورِ الطّاعَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وقالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: مِنَ القُبُورِ إلى البَعْثِ. (ومَلائِكَتُهُ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَكِنِّ في (يُصَلِّي) فَأغْنى الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ التَّأْكِيدِ، وصَلاةُ اللَّهِ غَيْرُ صَلاةِ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ اشْتَرَكا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ ؟ وهو إرادَةُ وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ. فاللَّهُ تَعالى يُرِيدُ بِرَحْمَتِهِ إيّاهم إيصالَ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، ومَلائِكَتُهُ يُرِيدُونَ بِالِاسْتِغْفارِ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلُوا لِكَوْنِهِمْ مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ الرَّحْمَةَ والرَّأْفَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: حَيّاكَ اللَّهُ: أيْ: أحْياكَ وأبْقاكَ، وحَيَّيْتُكَ: أيْ: دَعَوْتُ لَكَ بِأنْ يُحْيِيَكَ اللَّهُ؛ لِأنَّكَ لِاتِّكالِكَ عَلى إجابَةِ دَعْوَتِكَ كَأنَّكَ تُبْقِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ وكَذَلِكَ عَمَّرَكَ اللَّهُ وعَمَّرْتُكَ، وسَقاكَ اللَّهُ وسَقَيْتُكَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أيِ: ادْعُوا لَهُ بِأنْ يُصَلّى عَلَيْهِ. ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ، كَأنَّهم فاعِلُونَ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ الصَّلاتَيْنِ اشْتَرَكَتا في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ أوْلى. ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ. (سَلامٌ) أيْ: تَحِيَّةُ اللَّهِ لَهم. يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: السَّلامُ عَلَيْكم، مَرْحَبًا بِعِبادِي الَّذِينَ أرْضَوْنِي بِاتِّباعِ أمْرِي، قالَهُ الرَّقاشِيُّ. وقِيلَ: يُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: مَعْناهُ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لا يَقْبِضُ رُوحَ المُؤْمِنِ حَتّى يُسَلِّمَ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا جاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِ المُؤْمِنِ قالَ: رَبُّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلامَ، قِيلَ: فَعَلى هَذا الهاءُ في قَوْلِهِ: (يَلْقَوْنَهُ) كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وقِيلَ: سَلامُ المَلائِكَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ. وقالَ قَتادَةُ: يَوْمَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، أيْ: سَلِمْنا وسَلِمْتَ مِن كُلِّ مَخُوفٍ. وقِيلَ: تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: هو سَلامُ مَلَكِ المَوْتِ والمَلائِكَةِ مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وبِشارَتُهم بِالجَنَّةِ. والتَّحِيَّةُ مَصْدَرٌ في هَذِهِ الأقْوالِ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ، إلّا في قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمُحَيِّي والمُحَيّا، لا عَلى جِهَةِ العَمَلِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ الواحِدَ لا يَكُونُ فاعِلًا مَفْعُولًا، ولَكِنَّهُ كَقَوْلِهِ: (p-٢٣٨)﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أيْ: لِلْحُكْمِ الَّذِي جَرى بَيْنَهم، ولِيَبْعَثَ إلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ الجارِيَةُ بَيْنَهم هي سَلامٌ. وفَرَّقَ المُبَرِّدُ بَيْنَ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ فَقالَ: التَّحِيَّةُ يَكُونُ ذَلِكَ دُعاءً، والسَّلامُ مَخْصُوصٌ، ومِنهُ: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] . والأجْرُ الكَرِيمُ: الجَنَّةُ (شاهِدًا) عَلى مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ، وعَلى تَكْذِيبِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، أيْ: مَفْعُولًا قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ، وشاهِدًا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وبِتَبْلِيغِ الأنْبِياءِ قَوْلَكَ. وانْتَصَبَ (شاهِدًا) عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، إذا كانَ قَوْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ وقْتَ الإرْسالِ لَمْ يَكُنْ شاهِدًا عَلَيْهِمْ، وإنَّما يَكُونُ شاهِدًا عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ وعِنْدَ أدائِها، أوْ لِأنَّهُ أقْرَبُ زَمانِ البَعْثَةِ، وإيمانُ مَن آمَنَ وتَكْذِيبُ مَن كَذَّبَ كانَ ذَلِكَ وقَعَ في زَمانٍ واحِدٍ. ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عِيسى: إلى الطّاعَةِ. (بِإذْنِهِ) أيْ: بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ الإذْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ فُهِمَ في قَوْلِهِ: إنّا أرْسَلْناكَ داعِيًا، أنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ في الدُّعاءِ. ولَمّا كانَ دُعاءُ المُشْرِكِ إلى التَّوْحِيدِ صَعْبًا جِدًّا، قِيلَ: بِإذْنِهِ، أيْ: بِتَسْهِيلِهِ تَعالى. و(سِراجًا مُنِيرًا) جَلّى مِن ظُلُماتِ الشِّرْكِ، واهْتَدى بِهِ الضّالُّونَ، كَما يُجَلّى ظَلامُ اللَّيْلِ بِالسِّراجِ المُنِيرِ. ويُهْتَدى بِهِ إذا مَدَّ اللَّهُ بِنُورِ نُبُوَّتِهِ نُورَ البَصائِرِ، كَما يَمُدُّ بِنُورِ السِّراجِ نُورَ الأبْصارِ. ووَصَفَهُ بِالإنارَةِ؛ لِأنَّ مِنَ السِّراجِ ما لا يُضِيءُ إذا قَلَّ سَلِيطُهُ ودَقَّتْ فَتِيلَتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (شاهِدًا) أيْ: وذا سِراجٍ مُنِيرٍ، أيْ: كِتابٍ نَيِّرٍ. وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: وتالِيًا سِراجًا مُنِيرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ ويَجُوزُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يُعْطَفَ عَلى كافِ (أرْسَلْناكَ) . انْتَهى. ولا يَتَّضِحُ هَذا الَّذِي قالَهُ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا ذا سِراجٍ مُنِيرٍ، وهو القُرْآنُ. ولا يُوصَفُ بِالإرْسالِ القُرْآنُ، إنَّما يُوصَفُ بِالإنْزالِ. وكَذَلِكَ أيْضًا إذا كانَ التَّقْدِيرُ: وتالِيًا، يَصِيرُ المَعْنى: أرْسَلْنا تالِيًا سِراجًا مُنِيرًا، فَفِيهِ عَطْفُ الصِّفَةِ الَّتِي لِلذّاتِ عَلى الذّاتِ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ زَيْدًا والعالِمَ، إذا كانَ العالِمُ صِفَةً لِزَيْدٍ، والعَطْفُ مُشْعِرٌ بِالتَّغايُرِ، لا يَحْسُنُ مِثْلُ هَذا التَّخْرِيجِ في كَلامِ اللَّهِ، وثُمَّ حُمِلَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ أرْسَلَ نَبِيَّهُ (شاهِدًا) إلى آخِرِهِ، تَضَمَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ بِتِلْكَ الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ قالَ؛ فاشْهَدْ وبَشِّرْ وأنْذِرْ وادْعُ وانْهَ، ثُمَّ قالَ؛ (وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ)؛ فَهَذا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وإنْ كانَ يَظْهَرُ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. والفَضْلُ الكَبِيرُ: الثَّوابُ، مِن قَوْلِهِمْ لِلْعَطايا: فُضُولٌ وفَواضِلُ، أوِ المَزِيدُ عَلى الثَّوابِ. وإذا ذُكِرَ المُتَفَضَّلُ بِهِ وكِبَرُهُ، فَما ظَنُّكَ بِالثَّوابِ أوْ ما فُضِّلُوا بِهِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وذَلِكَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوِ الجَنَّةِ وما أُوتُوا فِيها ؟ ويُفَسِّرُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] . ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ يَنْتَصِحُونَ بِها وهي غِشٌّ. ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ الظّاهِرُ إضافَتُهُ إلى المَفْعُولِ. لَمّا نَهى عَنْ طاعَتِهِمْ، أمَرَ بِتَرْكِهِ إذايَتَهم وعُقُوبَتَهم، ونُسِخَ مِنهُ ما يَخُصُّ الكافِرِينَ بِآيَةِ السَّيْفُ. (وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ) فَإنَّهُ يَنْصُرُكَ ويَخْذُلُهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ: ودَعْ إذايَتَهم إيّاكَ، أيْ: مُجازاةَ الإذايَةِ مِن عِقابٍ وغَيْرِهِ حَتّى تُؤْمَرَ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ.