Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — يس 36:74 – الصافات 37:17

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. يس 36:74
  2. يس 36:75
  3. يس 36:76
  4. يس 36:77
  5. يس 36:78
  6. يس 36:79
  7. يس 36:80
  8. يس 36:81
  9. يس 36:82
  10. يس 36:83
  11. الصافات 37:1
  12. الصافات 37:2
  13. الصافات 37:3
  14. الصافات 37:4
  15. الصافات 37:5
  16. الصافات 37:6
  17. الصافات 37:7
  18. الصافات 37:8
  19. الصافات 37:9
  20. الصافات 37:10
  21. الصافات 37:11
  22. الصافات 37:12
  23. الصافات 37:13
  24. الصافات 37:14
  25. الصافات 37:15
  26. الصافات 37:16
  27. الصافات 37:17

يس 36:74

﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ . (p-٣٤٢)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِحالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ. والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ لَنا بِما يَكُونُونَ فِيهِ إذا صارُوا إلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. وقِيلَ: هو حِكايَةُ ما يُقالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ الحِكايَةِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِلْمَوْعُودِ لَهُ في النُّفُوسِ، وتَرْغِيبٌ إلى الحِرْصِ عَلَيْهِ وفِيما يُثْمِرُهُ؛ والظّاهِرُ أنَّ الشُّغُلَ هو النَّعِيمُ الَّذِي قَدْ شَغَلَهم عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ، وبَعْضُهم خَصَّ هَذا الشُّغُلَ بِافْتِضاضِ الأبْكارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَنْهُ أيْضًا: سَماعُ الأوْتارِ. وعَنِ الحَسَنِ: شُغِلُوا عَنْ ما فِيهِ أهْلُ النّارِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: عَنْ أهالِيهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، لا يَذْكُرُونَهم لِئَلّا يَتَنَغَّصُو‌‌‌‌ا. وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ: الشُّغُلُ: التَّزاوُرُ. وقِيلَ: ضِيافَةُ اللَّهِ، وأُفِرَدَ الشُّغُلُ مَلْحُوظًا فِيهِ النَّعِيمُ، وهو واحِدٌ مِن حَيْثُ هو نَعِيمٌ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ الشِّينِ وسُكُونِ الغَيْنِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها؛ ومُجاهِدٌ، وأبُو السَّمّالِ، وابْنُ هُبَيْرَةَ فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْهُ: بِفَتْحَتَيْنِ؛ ويَزِيدُ النَّحْوِيُّ، وابْنُ هُبَيْرَةَ، فِيما نَقَلَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: بِفَتْحِ الشِّينِ وإسْكانِ الغَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهُونَ)، بِالألِفِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ويَحْيى بْنُ صُبَيْحٍ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: فاكِهِينَ، بِالألِفِ وبِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، وفي شُغُلٍ هو الخَبَرُ. فَبِالألِفِ أصْحابُ فاكِهَةٍ، كَما يُقالُ لابِنٍ وتامِرٍ وشاحِمٍ ولاحِمٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ مَعْناهُ: فَرِحُونَ طَرِبُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الفُكاهَةِ وهي المُزْحَةُ، وقُرِئَ: فَكِهِينَ، بِغَيْرِ ألِفٍ وبِالياءِ. وقُرِئَ: فَكُهُونَ، بِضَمِّ الكافِ. يُقالُ: رَجُلٌ فَكُهٌ وفَكِهٌ، نَحْوُ: يَدُسٌ ويَدِسٌ. ويَجُوزُ في هم أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ في ظِلالٍ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ خَبَرُهُ مُتَّكِئُونَ، وفي ظِلالٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في فاكِهُونَ، وفي ظِلالٍ حالٌ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ لِإنَّ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في شُغُلٍ، المُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِنَ العامِلِ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ الأزْواجُ قَدْ شارَكُوهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ المَنطُوقِ. وعَلى الأوَّلِ، شارَكُوهم في الظِّلالِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ مِن حَيْثُ المَنطُوقُ، وهُنَّ قَدْ شارَكْنَهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ مِن حَيْثُ المَعْنى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (في ظِلالٍ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو جَمْعُ ظِلٍّ، إذِ الجَنَّةُ لا شَمْسَ فِيها، وإنَّما هَواؤُها سَجْسَجٌ، كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. انْتَهى. وجُمِعَ فِعْلٌ عَلى فِعالٍ في الكَثْرَةِ، نَحْوُ: ذِئْبٌ وذِئابٌ. وأمّا أنَّ وقْتَ الجَنَّةِ كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَحْتاجُ هَذا إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ وفي الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى حَوْراءَ مِن حُورِ الجَنَّةِ، لَوْ ظَهَرَتْ لَأضاءَتْ مِنها الدُّنْيا، أوْ نَحْوٌ مِن هَذا ؟ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ظُلَّةٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَبُرْمَةٍ وبِرامٍ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَمْعُ ظِلَّةٍ، بِكَسْرِ الظّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ في ظُلَّةٍ. انْتَهى. فَيَكُونَ مِثْلَ لُقْحَةٍ ولِقاحٍ، وفِعالٌ لا يَنْقاسُ في فُعْلَةٍ بَلْ يُحْفَظُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (في ظِلٍّ): جَمْعُ ظِلَّةٍ، وجَمْعُ فِعْلَةٍ عَلى فِعْلٍ مَقِيسٌ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَلابِسِ والمَراتِبِ مِنَ الحِجالِ والسُّتُورِ ونَحْوِها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُظِلُّ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: مُتَّكِئِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ؛ ويَدَّعُونَ مُضارِعُ ادَّعى، وهو افْتَعَلَ مِن دَعا، ومَعْناهُ: ولَهم ما يَتَمَنَّوْنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تَقُولُ ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ، بِمَعْنى تَمَنَّ عَلَيَّ وتَقُولُ فُلانٌ في خَبَرٍ ما تَمَنّى. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مِنَ الدُّعاءِ، أيْ ما يَدْعُونَهُ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ. وقِيلَ: يَدْعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: يَتَداعُونَهُ لِقَوْلِهِ (p-٣٤٣)ارْتَمُوهُ وتَرامُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَلامٌ بِالرَّفْعِ. وهو صِفَةٌ لِما، أيْ مُسَلَّمٌ لَهم وخالِصٌ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ إنْ كانَ ما بِمَعْنى الَّذِي؛ لِأنَّها تَكُونُ إذْ ذاكَ مَعْرِفَةً. وسَلامٌ نَكِرَةٌ، ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. فَإنْ كانَتْ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً جازَ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ عُمُومٌ، كَحالِها بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: سَلامٌ مُبْتَدَأٌ ويَكُونُ خَبَرُهُ ذَلِكَ الفِعْلَ النّاصِبَ لِقَوْلِهِ (قَوْلًا)، أيْ سَلامٌ يُقالُ، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، أوْ يَكُونُ عَلَيْكم مَحْذُوفًا، أيْ سَلامٌ عَلَيْكم، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ . وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو سَلامٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿سَلامٌ قَوْلًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ما يَدَّعُونَ﴾، كَأنَّهُ قالَ: لَهم سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا مِن جِهَةِ رَبٍّ رَحِيمٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، مُبالَغَةً في تَعْظِيمِهِمْ، وذَلِكَ مُتَمَنّاهم، ولَهم ذَلِكَ لا يُمْنَعُونَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ بِالتَّحِيَّةِ مِن رَبِّ العالَمِينَ. انْتَهى. وإذا كانَ سَلامٌ بَدَلًا مِن ما يَدَّعُونَ خُصُوصًا. والظّاهِرُ أنَّهُ عُمُومٌ في كُلِّ ما يَدَّعُونَ، وإذا كانَ عُمُومًا، لَمْ يَكُنْ سَلامٌ بَدَلًا مِنهُ. وقِيلَ: سَلامٌ خَبَرٌ لِما يَدَّعُونَ، وما يَدَّعُونَ مُبْتَدَأٌ، أيْ ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ خالِصٌ لا شُرْبَ فِيهِ، وقَوْلًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ﴾ أيْ عِدَّةٌ مِن رَحِيمٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وهو مِن مَجازِهِ. انْتَهى. ويَكُونَ لَهم مُتَعَلِّقًا عَلى هَذا الإعْرابِ بِـ (سَلامٌ) . وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: سِلْمٌ، بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، ومَعْناهُ سَلامٌ. وقالَ أبُو الفَضْلِ: الرّازِيُّ: مُسالِمٌ لَهم، أيْ ذَلِكَ مُسالِمٌ. وقَرَأ أُبِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، وعِيسى، والقَنَوِيُّ: سَلامًا، بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ لَهم مُرادُهم خالِصًا. ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ أيِ انْفَرَدُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المَحْشَرَ جَمَعَ البَرَّ والفاجِرَ، فَأُمِرَ المُجْرِمُونَ بِأنْ يَكُونُوا عَلى حِدَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والظّاهِرُ أنَّ ثَمَّ قَوْلًا مَحْذُوفًا؛ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قِيلَ: ويُقالُ لِلْمُجْرِمِينَ (امْتازُوا) . ولَمّا امْتَثَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، قالَ لَهم عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ﴾ ؟ وقَّفَهم عَلى عَهْدِهِ إلَيْهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ إيّاهُ. وعَنِ الضَّحّاكِ: لِكُلِّ كافِرٍ بَيْتٌ مِنَ النّارِ يَكُونُ فِيهِ لا يَرى ولا يُرى، فَعَلى هَذا مَعْناهُ أنَّ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ. وعَنْ قَتادَةَ: اعْتَزَلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. والعَهْدُ: الوَصِيَّةُ، عَهِدَ إلَيْهِ إذا وصّاهُ. وعَهْدُ اللَّهِ إلَيْهِمْ: ما رَكَّزَ فِيهِمْ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ، وأنْزَلَ إلَيْهِمْ مِن أدِلَّةِ السَّمْعِ. وعِبادَةُ الشَّيْطانِ: طاعَتُهُ فِيما يُغْوِيهِ ويُزَيِّنُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أعْهَدْ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والهاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الكُوفِيُّ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقالَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وهَذا الكَسْرُ في النُّونِ والتّاءِ أكْثَرُ مِن بَيْنِ حُرُوفِ المُضارَعَةِ، يَعْنِي: نِعْهَدْ وتِعْهَدْ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ألَمْ أعْهَدْ؛ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ألَمْ أحَدْ لُغَةُ تَمِيمٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الهُذَيْلُ بْنُ وثّابٍ: ألَمِ إعْهَدْ، بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ وفَتْحِ الهاءِ، وهي عَلى لُغَةِ مَن كَسَرَ أوَّلَ المُضارِعِ سِوى الياءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ: ألَمْ أعْهِدْ، بِكَسْرِ الهاءِ، يُقالُ: عَهِدَ يَعْهِدُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ يَعْنِي أنَّ كَسْرَ المِيمِ يَدُلُّ عَلى كَسْرِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ الَّتِي في المِيمِ هي حَرَكَةُ نَقْلِ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ حِينَ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو المِيمُ. أعْهَدْ بِالهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ المَكْسُورَةِ لَفْظًا؛ لِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إعْهَدْ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وبابُ فَعِلَ كُلُّهُ يَجُوزُ في حُرُوفِ مُضارَعَتِهِ الكَسْرُ إلّا في الياءِ؛ وأعْهِدُ بِكَسْرِ الهاءِ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ نَعَمَ يَنْعِمُ، وضَرَبَ يَضْرِبُ، وأحْهَدُ بِالحاءِ وأحَدُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ومِنهُ قَوْلُهم: دَحّا مَحّا. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إلّا في الياءِ، لُغَةٌ لِبَعْضِ كَلْبٍ أنَّهم يَكْسِرُونَ أيْضًا في الياءِ، يَقُولُونَ: هَلْ يِعْلَمُ ؟ وقَوْلُهُ: دَحّا مَحّا، يُرِيدُونَ دَعْها مَعَها، أدْغَمُوا العَيْنَ في الحاءِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما عَهِدَ إلَيْهِمْ مِن مَعْصِيَةِ الشَّيْطانِ وطاعَةِ الرَّحْمَنِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ (جِبِلًّا)، بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وسُهَيْلٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ؛ والحَسَنِ: (p-٣٤٤)بِخِلافٍ عَنْهُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ: بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ الباءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها وتَخْفِيفِ اللّامِ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي إسْحاقَ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ: بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ اللّامِ؛ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، واليَمانِيُّ، وحَمّادُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ؛ والأعْمَشُ: جِبِلًا، بِكَسْرَتَيْنِ وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقُرِئَ: جِبَلًا بِكَسْرِ الجِيمِ وفَتْحِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، جَمْعُ جِبْلَةٍ، نَحْوُ فِطْرَةٍ وفِطَرٍ، فَهَذِهِ سَبْعُ لُغاتٍ قُرِئَ بِها. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وبَعْضُ الخُراسانِيِّينَ: جِيلًا، بِكَسْرِ الجِيمِ بَعْدَها ياءُ آخِرِ الحُرُوفِ، واحِدُ الأجْيالِ؛ والجِبْلُ بِالباءِ بِواحِدَةٍ مِن أسْفَلَ الأُمَّةُ العَظِيمَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: أقَلُّهُ عَشَرَةُ آلافٍ. خاطَبَ تَعالى الكُفّارَ بِما فَعَلَ مَعَهُمُ الشَّيْطانُ تَقْرِيعًا لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا﴾ بِتاءِ الخِطابِ؛ وطَلْحَةُ، وعِيسى: بِياءِ الغَيْبَةِ، عائِدًا عَلى (جِبِلًّا) . ويُرْوى أنَّهم يَجْحَدُونَ ويُخاصِمُونَ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جِيرانُهم وعَشائِرُهم وأهالِيهِمْ، فَيَحْلِفُونَ ما كانُوا مُشْرِكِينَ، فَحِينَئِذٍ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم. وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، ويُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيُقالُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ». وقُرِئَ: يُخْتَمُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولِتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولْتَشْهَدْ بِلامِ الأمْرِ والجَزْمِ عَلى أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الأعْضاءَ بِالكَلامِ والشَّهادَةِ. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ: ولِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ، بِلامِ كَيْ والنَّصْبُ عَلى مَعْنى: وكَذَلِكَ يُخْتَمُ عَلى أفَواهِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الأعْيُنَ هي الأعْضاءُ المُبْصِرَةُ، والمَعْنى: لَأعْمَيْناهم فَلا يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ويُؤَيِّدُهُ مُناسَبَةُ المَسْخِ، فَهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وبُرُوجِ العَذابِ إنْ شاءَهُ اللَّهُ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ عَيْنَ البَصائِرِ، والمَعْنى: ولَوْ نَشاءُ لَخَتَمْتُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَلا يَهْتَدِي مِنهم أحَدٌ أبَدًا. والطَّمْسُ: إذْهابُ الشَّيْءِ وأثَرِهِ جُمْلَةً حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ. فَإنْ أُرِيدَ بِالأعْيُنِ الحَقِيقَةُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَطْمِسُ بِمَعْنى يَمْسَخُ حَقِيقَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّمْسُ يُرادُ بِهِ العَمى مِن غَيْرِ إذْهابِ العُضْوِ وأثَرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاسْتَبَقُوا)، فِعْلًا ماضِيًا مَعْطُوفًا عَلى ﴿لَطَمَسْنا﴾، وهو عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. (والصِّراطَ) مَنصُوبٌ عَلى تَقْدِيرِ إلى حُذِفَتْ ووُصِلَ الفِعْلُ، والأصْلُ فاسْتَبَقُوا إلى الصِّراطِ، أوْ مَفْعُولًا بِهِ عَلى تَضْمِينِ (اسْتَبَقُوا) مَعْنى (تَبادَرُوا)، وجَعْلِهِ مَسْبُوقًا إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الصِّراطَ هو الطَّرِيقُ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ مُخْتَصٌّ. لا يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ إلّا بِوَساطَةِ (في) إلّا في شُذُوذٍ، كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎لَدْنٌ بِهَزُّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ومَذْهَبُ ابْنِ الطَّراوَةِ أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ والمَخْرِمَ، وما أشْبَهَها مِنَ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً، فَعَلى مَذْهَبِهِ يَسُوغُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ عِيسى: فاسْتَبِقُوا عَلى الأمْرِ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُمُ اسْتَبِقُوا الصِّراطَ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ الِاسْتِباقُ مَعَ طَمْسِ الأعْيُنِ. ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُبْصِرُ مَن طُمِسَ عَلى عَيْنِهِ ؟ والظّاهِرُ أنَّ المَسْخَ حَقِيقَةٌ، وهو تَبْدِيلُ صِوَرِهِمْ بِصُوَرٍ شَنِيعَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿لَمَسَخْناهُمْ﴾ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، كَما تَقَدَّمَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقِيلَ حِجارَةً. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ: لَأقْعَدْناهم وأزَمْناهم، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا. والظّاهِرُ أنَّ هَذا لَوْ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: هَذا التَّوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾، بِالإفْرادِ، وهي المَكانُ، كالمَقامَةِ والمَقامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، وأبُو بَكْرٍ: بِالجَمْعِ. والجُمْهُورُ ﴿مُضِيًّا﴾، بِضَمِّ المِيمِ: وأبُو حَيْوَةَ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: بِكَسْرِها اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الضّادِ، كالعِتِبِيِّ والقِتِبِيِّ، وزْنُهُ فَعُولٌ. (p-٣٤٥)التَقَتْ واوٌ ساكِنَةٌ وياءٌ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ في الياءِ، وكُسِرَ ما قَبْلَها لِتَصِحَّ الياءُ. وقُرِئَ: مَضِيًّا، بِفَتْحِ المِيمِ، فَيَكُونُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعِيلٍ، كالرَّسِيمِ والوَجِيفِ. ولِما ذَكَرَ تَعالى الطَّمْسَ والمَسْخَ عَلى تَقْدِيرِ المُشَبَّهِ، ذَكَرَ تَعالى دَلِيلًا عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ في تَنْكِيسِ المُعَمَّرِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا هو تَعالى. وتَنْكِيسُهُ: قَلَبَهُ وجَعَلَهُ عَلى عَكْسِ ما خَلَقَهُ أوَّلًا، وهو أنَّهُ خَلَقَهُ عَلى ضَعْفٍ في جَسَدٍ وخُلُوٍّ مِن عَقْلٍ وعِلْمٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ يَتَزايَدُ ويَنْتَقِلُ مَن حالٍ إلى حالٍ إلى أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ وتُسْتَكْمَلَ قُوَّتُهُ، ويَعْقِلَ ويَعْلَمَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ. فَإذا انْتَهى نَكَّسَهُ في الخَلْقِ، فَيَتَناقَصُ حَتّى يَرْجِعَ في حالٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ الصِّبا في ضَعْفِ جَسَدِهِ وقِلَّةِ عَقْلِهِ وخُلُوِّهِ مِنَ الفَهْمِ، كَما يُنَكَّسُ السَّهْمُ فَيُجْعَلُ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، وفي هَذا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ قادِرٌ عَلى أنْ يَطْمِسَ وأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما أرادَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُنَكِّسْهُ)، مُشَدَّدًا؛ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: مُخَفَّفًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذَكْوانَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبّاسٍ: تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ. ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ الضَّمِيرُ في عَلَّمْناهُ لِلرَّسُولِ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ شاعِرٌ. ورُوِيَ أنَّ القائِلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ، وقَوْلُهم فِيهِ شاعِرٌ. أمّا مَن كانَ في طَبْعِهِ الشِّعْرُ، فَقَوْلُهُ مُكابَرَةٌ وإيهامٌ لِلْجاهِلِ بِالشِّعْرِ؛ وأمّا مَن لَيْسَ في طَبْعِهِ، فَقَوْلُهُ جَهْلٌ مَحْضٌ. وأيْنَ هو مِنَ الشِّعْرِ ؟ والشِّعْرُ إنَّما هو كَلامٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى يَدُلُّ عَلى مَعْنًى تَنْتَخِبُهُ الشُّعَراءُ مِن كَثْرَةِ التَّخْيِيلِ وتَزْوِيقِ الكَلامِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَرَّعُ المُتَدَيِّنُ عَنْ إنْشادِهِ، فَضْلًا عَنْ إنْشائِهِ: وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقُولُ الشِّعْرَ، وإذا أنْشَدَ بَيْتًا أحْرَزَ المَعْنى دُونَ وزْنِهِ، كَما أنْشَدَ: ؎سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ وقِيلَ: مِن أشْعَرِ النّاسِ، فَقالَ الَّذِي يَقُولُ: ؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها وإنْ لَمْ تُطَيَّبْ طِيبا ؎أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العُبَيْ ∗∗∗ دِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ وأنْشَدَ يَوْمًا: ؎كَفى بِالإسْلامِ والشَّيْبِ ناهِيا فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، إنَّما قالَ الشّاعِرُ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ، ورُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ مُتَّزِنًا في النّادِرِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ: ؎يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتُثْقِلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ ولا يَدُلُّ إجْراءُ البَيْتِ عَلى لِسانِهِ مُتَّزِنًا أنَّهُ يَعْلَمُ الشِّعْرَ، وقَدْ وقَعَ في كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدْخُلُهُ الوَزْنُ كَقَوْلِهِ: ؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ؎هَلْ أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ وهُوَ كَلامٌ مَن جِنْسِ كَلامِهِ الَّذِي كانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ عَلى طَبِيعَتِهِ، مِن غَيْرِ صَنْعَةٍ فِيهِ ولا قَصْدٍ لِوَزْنٍ ولا تَكَلُّفٍ. كَما يُوجَدُ في القُرْآنِ شَيْءٌ مَوْزُونٌ ولا يُعَدُّ شِعْرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . وقَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . وفي كَثِيرٍ مِنَ النَّثْرِ الَّذِي تُنْشِئُهُ الفُصَحاءُ، ولا يُسَمّى ذَلِكَ شِعْرًا، ولا يَخْطُرُ بِبالِ المُنْشِي ولا السّامِعِ أنَّهُ شِعْرٌ. ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أيْ ولا يُمْكِنُ لَهُ ولا يَصِحُّ ولا يُناسَبُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في طَرِيقِ جِدٍّ مَحْضٍ، والشِّعْرُ أكْثَرُهُ في طَرِيقِ هَزْلٍ، وتَحْسِينٌ لِما لَيْسَ حَسَنًا، وتَقْبِيحٌ لِما لَيْسَ قَبِيحًا ومُغالاةٌ مُفْرِطَةٌ. جَعَلَهُ تَعالى لا يَقْرِضُ الشِّعْرَ، كَما جَعَلَهُ أُمِّيًّا لا يَخُطُّ، لِتَكُونَ الحُجَّةُ أثْبَتَ والشُّبْهَةُ أدْحَضَ. وقِيلَ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى غَضاضَةِ الشِّعْرِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما أنا بِشاعِرٍ ولا يَنْبَغِي لِي“ . وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ لا غَضاضَةَ فِيهِ، وإنَّما مَنَعَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وإنْ كانَ حِلْيَةً جَلِيلَةً لِيَجِيءَ القُرْآنُ مِن قِبَلِهِ أغْرَبَ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ إدْراكُ الشِّعْرِ لَقِيلَ في القُرْآنِ: هَذا مِن تِلْكَ (p-٣٤٦)القُوَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ في النَّثْرِ في الرُّتْبَةِ العُلْيا، ولَكِنَّ كَلامَ اللَّهِ يُبِينُ بِإعْجازِهِ ويَنْدُرُ بِوَصْفِهِ، ويُخْرِجُهُ إحاطَةُ عِلْمِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ كَلامٍ؛ وإنَّما مَنَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ الشِّعْرِ تَرْفِيعًا لَهُ عَنْ ما في قَوْلِ الشُّعَراءِ مِنَ التَّخْيِيلِ والتَّزْوِيقِ لِلْقَوْلِ. وأمّا القُرْآنُ فَهو ذِكْرٌ بِحَقائِقَ وبَراهِينَ، فَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ، وهَذا كانَ أُسْلُوبُ كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلًا واحِدًا. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (لَهُ) لِلرَّسُولِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِلْقُرْآنِ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنْ لَهُ أنْ يَقُولَ: يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ، ويُبَيِّنُهُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كِتابٌ سَماوِيٌّ يُقْرَأُ في المَحارِيبِ، ويُنالُ بِتِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِهِ ما فِيهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ. فَكَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشِّعْرِ الَّذِي أكْثَرُهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ؟ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: لِتُنْذِرَ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الرَّسُولِ، واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (لِيُنْذَرَ)، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ الجَحْدَرِيِّ. وقالَ عَنْ أبِي السَّمّالِ واليَمانِيِّ أنَّهُما قَرَآ: لِيَنْذَرَ، بِفَتْحِ الياءِ والذّالِ مُضارِعَ نَذِرَ بِكَسْرِ الذّالِ، إذا عَلِمَ بِالشَّيْءِ فاسْتَعَدَّ لَهُ. ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ غافِلًا، قالَهُ الضَّحّاكُ؛ لِأنَّ الغافِلَ كالمَيِّتِ؛ ويُرِيدُ بِهِ مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالإيمانِ، وكَذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ (ويَحِقَّ القَوْلُ) أيْ كَلِمَةُ العَذابِ، ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ المَحْتُومِ لَهم بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ.

يس 36:75

﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ . (p-٣٤٢)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِحالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ. والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ لَنا بِما يَكُونُونَ فِيهِ إذا صارُوا إلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. وقِيلَ: هو حِكايَةُ ما يُقالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ الحِكايَةِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِلْمَوْعُودِ لَهُ في النُّفُوسِ، وتَرْغِيبٌ إلى الحِرْصِ عَلَيْهِ وفِيما يُثْمِرُهُ؛ والظّاهِرُ أنَّ الشُّغُلَ هو النَّعِيمُ الَّذِي قَدْ شَغَلَهم عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ، وبَعْضُهم خَصَّ هَذا الشُّغُلَ بِافْتِضاضِ الأبْكارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَنْهُ أيْضًا: سَماعُ الأوْتارِ. وعَنِ الحَسَنِ: شُغِلُوا عَنْ ما فِيهِ أهْلُ النّارِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: عَنْ أهالِيهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، لا يَذْكُرُونَهم لِئَلّا يَتَنَغَّصُو‌‌‌‌ا. وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ: الشُّغُلُ: التَّزاوُرُ. وقِيلَ: ضِيافَةُ اللَّهِ، وأُفِرَدَ الشُّغُلُ مَلْحُوظًا فِيهِ النَّعِيمُ، وهو واحِدٌ مِن حَيْثُ هو نَعِيمٌ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ الشِّينِ وسُكُونِ الغَيْنِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها؛ ومُجاهِدٌ، وأبُو السَّمّالِ، وابْنُ هُبَيْرَةَ فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْهُ: بِفَتْحَتَيْنِ؛ ويَزِيدُ النَّحْوِيُّ، وابْنُ هُبَيْرَةَ، فِيما نَقَلَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: بِفَتْحِ الشِّينِ وإسْكانِ الغَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهُونَ)، بِالألِفِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ويَحْيى بْنُ صُبَيْحٍ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: فاكِهِينَ، بِالألِفِ وبِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، وفي شُغُلٍ هو الخَبَرُ. فَبِالألِفِ أصْحابُ فاكِهَةٍ، كَما يُقالُ لابِنٍ وتامِرٍ وشاحِمٍ ولاحِمٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ مَعْناهُ: فَرِحُونَ طَرِبُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الفُكاهَةِ وهي المُزْحَةُ، وقُرِئَ: فَكِهِينَ، بِغَيْرِ ألِفٍ وبِالياءِ. وقُرِئَ: فَكُهُونَ، بِضَمِّ الكافِ. يُقالُ: رَجُلٌ فَكُهٌ وفَكِهٌ، نَحْوُ: يَدُسٌ ويَدِسٌ. ويَجُوزُ في هم أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ في ظِلالٍ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ خَبَرُهُ مُتَّكِئُونَ، وفي ظِلالٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في فاكِهُونَ، وفي ظِلالٍ حالٌ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ لِإنَّ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في شُغُلٍ، المُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِنَ العامِلِ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ الأزْواجُ قَدْ شارَكُوهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ المَنطُوقِ. وعَلى الأوَّلِ، شارَكُوهم في الظِّلالِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ مِن حَيْثُ المَنطُوقُ، وهُنَّ قَدْ شارَكْنَهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ مِن حَيْثُ المَعْنى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (في ظِلالٍ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو جَمْعُ ظِلٍّ، إذِ الجَنَّةُ لا شَمْسَ فِيها، وإنَّما هَواؤُها سَجْسَجٌ، كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. انْتَهى. وجُمِعَ فِعْلٌ عَلى فِعالٍ في الكَثْرَةِ، نَحْوُ: ذِئْبٌ وذِئابٌ. وأمّا أنَّ وقْتَ الجَنَّةِ كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَحْتاجُ هَذا إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ وفي الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى حَوْراءَ مِن حُورِ الجَنَّةِ، لَوْ ظَهَرَتْ لَأضاءَتْ مِنها الدُّنْيا، أوْ نَحْوٌ مِن هَذا ؟ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ظُلَّةٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَبُرْمَةٍ وبِرامٍ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَمْعُ ظِلَّةٍ، بِكَسْرِ الظّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ في ظُلَّةٍ. انْتَهى. فَيَكُونَ مِثْلَ لُقْحَةٍ ولِقاحٍ، وفِعالٌ لا يَنْقاسُ في فُعْلَةٍ بَلْ يُحْفَظُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (في ظِلٍّ): جَمْعُ ظِلَّةٍ، وجَمْعُ فِعْلَةٍ عَلى فِعْلٍ مَقِيسٌ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَلابِسِ والمَراتِبِ مِنَ الحِجالِ والسُّتُورِ ونَحْوِها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُظِلُّ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: مُتَّكِئِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ؛ ويَدَّعُونَ مُضارِعُ ادَّعى، وهو افْتَعَلَ مِن دَعا، ومَعْناهُ: ولَهم ما يَتَمَنَّوْنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تَقُولُ ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ، بِمَعْنى تَمَنَّ عَلَيَّ وتَقُولُ فُلانٌ في خَبَرٍ ما تَمَنّى. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مِنَ الدُّعاءِ، أيْ ما يَدْعُونَهُ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ. وقِيلَ: يَدْعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: يَتَداعُونَهُ لِقَوْلِهِ (p-٣٤٣)ارْتَمُوهُ وتَرامُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَلامٌ بِالرَّفْعِ. وهو صِفَةٌ لِما، أيْ مُسَلَّمٌ لَهم وخالِصٌ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ إنْ كانَ ما بِمَعْنى الَّذِي؛ لِأنَّها تَكُونُ إذْ ذاكَ مَعْرِفَةً. وسَلامٌ نَكِرَةٌ، ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. فَإنْ كانَتْ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً جازَ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ عُمُومٌ، كَحالِها بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: سَلامٌ مُبْتَدَأٌ ويَكُونُ خَبَرُهُ ذَلِكَ الفِعْلَ النّاصِبَ لِقَوْلِهِ (قَوْلًا)، أيْ سَلامٌ يُقالُ، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، أوْ يَكُونُ عَلَيْكم مَحْذُوفًا، أيْ سَلامٌ عَلَيْكم، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ . وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو سَلامٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿سَلامٌ قَوْلًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ما يَدَّعُونَ﴾، كَأنَّهُ قالَ: لَهم سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا مِن جِهَةِ رَبٍّ رَحِيمٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، مُبالَغَةً في تَعْظِيمِهِمْ، وذَلِكَ مُتَمَنّاهم، ولَهم ذَلِكَ لا يُمْنَعُونَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ بِالتَّحِيَّةِ مِن رَبِّ العالَمِينَ. انْتَهى. وإذا كانَ سَلامٌ بَدَلًا مِن ما يَدَّعُونَ خُصُوصًا. والظّاهِرُ أنَّهُ عُمُومٌ في كُلِّ ما يَدَّعُونَ، وإذا كانَ عُمُومًا، لَمْ يَكُنْ سَلامٌ بَدَلًا مِنهُ. وقِيلَ: سَلامٌ خَبَرٌ لِما يَدَّعُونَ، وما يَدَّعُونَ مُبْتَدَأٌ، أيْ ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ خالِصٌ لا شُرْبَ فِيهِ، وقَوْلًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ﴾ أيْ عِدَّةٌ مِن رَحِيمٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وهو مِن مَجازِهِ. انْتَهى. ويَكُونَ لَهم مُتَعَلِّقًا عَلى هَذا الإعْرابِ بِـ (سَلامٌ) . وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: سِلْمٌ، بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، ومَعْناهُ سَلامٌ. وقالَ أبُو الفَضْلِ: الرّازِيُّ: مُسالِمٌ لَهم، أيْ ذَلِكَ مُسالِمٌ. وقَرَأ أُبِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، وعِيسى، والقَنَوِيُّ: سَلامًا، بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ لَهم مُرادُهم خالِصًا. ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ أيِ انْفَرَدُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المَحْشَرَ جَمَعَ البَرَّ والفاجِرَ، فَأُمِرَ المُجْرِمُونَ بِأنْ يَكُونُوا عَلى حِدَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والظّاهِرُ أنَّ ثَمَّ قَوْلًا مَحْذُوفًا؛ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قِيلَ: ويُقالُ لِلْمُجْرِمِينَ (امْتازُوا) . ولَمّا امْتَثَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، قالَ لَهم عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ﴾ ؟ وقَّفَهم عَلى عَهْدِهِ إلَيْهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ إيّاهُ. وعَنِ الضَّحّاكِ: لِكُلِّ كافِرٍ بَيْتٌ مِنَ النّارِ يَكُونُ فِيهِ لا يَرى ولا يُرى، فَعَلى هَذا مَعْناهُ أنَّ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ. وعَنْ قَتادَةَ: اعْتَزَلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. والعَهْدُ: الوَصِيَّةُ، عَهِدَ إلَيْهِ إذا وصّاهُ. وعَهْدُ اللَّهِ إلَيْهِمْ: ما رَكَّزَ فِيهِمْ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ، وأنْزَلَ إلَيْهِمْ مِن أدِلَّةِ السَّمْعِ. وعِبادَةُ الشَّيْطانِ: طاعَتُهُ فِيما يُغْوِيهِ ويُزَيِّنُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أعْهَدْ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والهاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الكُوفِيُّ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقالَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وهَذا الكَسْرُ في النُّونِ والتّاءِ أكْثَرُ مِن بَيْنِ حُرُوفِ المُضارَعَةِ، يَعْنِي: نِعْهَدْ وتِعْهَدْ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ألَمْ أعْهَدْ؛ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ألَمْ أحَدْ لُغَةُ تَمِيمٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الهُذَيْلُ بْنُ وثّابٍ: ألَمِ إعْهَدْ، بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ وفَتْحِ الهاءِ، وهي عَلى لُغَةِ مَن كَسَرَ أوَّلَ المُضارِعِ سِوى الياءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ: ألَمْ أعْهِدْ، بِكَسْرِ الهاءِ، يُقالُ: عَهِدَ يَعْهِدُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ يَعْنِي أنَّ كَسْرَ المِيمِ يَدُلُّ عَلى كَسْرِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ الَّتِي في المِيمِ هي حَرَكَةُ نَقْلِ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ حِينَ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو المِيمُ. أعْهَدْ بِالهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ المَكْسُورَةِ لَفْظًا؛ لِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إعْهَدْ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وبابُ فَعِلَ كُلُّهُ يَجُوزُ في حُرُوفِ مُضارَعَتِهِ الكَسْرُ إلّا في الياءِ؛ وأعْهِدُ بِكَسْرِ الهاءِ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ نَعَمَ يَنْعِمُ، وضَرَبَ يَضْرِبُ، وأحْهَدُ بِالحاءِ وأحَدُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ومِنهُ قَوْلُهم: دَحّا مَحّا. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إلّا في الياءِ، لُغَةٌ لِبَعْضِ كَلْبٍ أنَّهم يَكْسِرُونَ أيْضًا في الياءِ، يَقُولُونَ: هَلْ يِعْلَمُ ؟ وقَوْلُهُ: دَحّا مَحّا، يُرِيدُونَ دَعْها مَعَها، أدْغَمُوا العَيْنَ في الحاءِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما عَهِدَ إلَيْهِمْ مِن مَعْصِيَةِ الشَّيْطانِ وطاعَةِ الرَّحْمَنِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ (جِبِلًّا)، بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وسُهَيْلٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ؛ والحَسَنِ: (p-٣٤٤)بِخِلافٍ عَنْهُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ: بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ الباءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها وتَخْفِيفِ اللّامِ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي إسْحاقَ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ: بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ اللّامِ؛ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، واليَمانِيُّ، وحَمّادُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ؛ والأعْمَشُ: جِبِلًا، بِكَسْرَتَيْنِ وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقُرِئَ: جِبَلًا بِكَسْرِ الجِيمِ وفَتْحِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، جَمْعُ جِبْلَةٍ، نَحْوُ فِطْرَةٍ وفِطَرٍ، فَهَذِهِ سَبْعُ لُغاتٍ قُرِئَ بِها. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وبَعْضُ الخُراسانِيِّينَ: جِيلًا، بِكَسْرِ الجِيمِ بَعْدَها ياءُ آخِرِ الحُرُوفِ، واحِدُ الأجْيالِ؛ والجِبْلُ بِالباءِ بِواحِدَةٍ مِن أسْفَلَ الأُمَّةُ العَظِيمَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: أقَلُّهُ عَشَرَةُ آلافٍ. خاطَبَ تَعالى الكُفّارَ بِما فَعَلَ مَعَهُمُ الشَّيْطانُ تَقْرِيعًا لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا﴾ بِتاءِ الخِطابِ؛ وطَلْحَةُ، وعِيسى: بِياءِ الغَيْبَةِ، عائِدًا عَلى (جِبِلًّا) . ويُرْوى أنَّهم يَجْحَدُونَ ويُخاصِمُونَ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جِيرانُهم وعَشائِرُهم وأهالِيهِمْ، فَيَحْلِفُونَ ما كانُوا مُشْرِكِينَ، فَحِينَئِذٍ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم. وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، ويُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيُقالُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ». وقُرِئَ: يُخْتَمُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولِتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولْتَشْهَدْ بِلامِ الأمْرِ والجَزْمِ عَلى أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الأعْضاءَ بِالكَلامِ والشَّهادَةِ. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ: ولِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ، بِلامِ كَيْ والنَّصْبُ عَلى مَعْنى: وكَذَلِكَ يُخْتَمُ عَلى أفَواهِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الأعْيُنَ هي الأعْضاءُ المُبْصِرَةُ، والمَعْنى: لَأعْمَيْناهم فَلا يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ويُؤَيِّدُهُ مُناسَبَةُ المَسْخِ، فَهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وبُرُوجِ العَذابِ إنْ شاءَهُ اللَّهُ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ عَيْنَ البَصائِرِ، والمَعْنى: ولَوْ نَشاءُ لَخَتَمْتُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَلا يَهْتَدِي مِنهم أحَدٌ أبَدًا. والطَّمْسُ: إذْهابُ الشَّيْءِ وأثَرِهِ جُمْلَةً حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ. فَإنْ أُرِيدَ بِالأعْيُنِ الحَقِيقَةُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَطْمِسُ بِمَعْنى يَمْسَخُ حَقِيقَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّمْسُ يُرادُ بِهِ العَمى مِن غَيْرِ إذْهابِ العُضْوِ وأثَرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاسْتَبَقُوا)، فِعْلًا ماضِيًا مَعْطُوفًا عَلى ﴿لَطَمَسْنا﴾، وهو عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. (والصِّراطَ) مَنصُوبٌ عَلى تَقْدِيرِ إلى حُذِفَتْ ووُصِلَ الفِعْلُ، والأصْلُ فاسْتَبَقُوا إلى الصِّراطِ، أوْ مَفْعُولًا بِهِ عَلى تَضْمِينِ (اسْتَبَقُوا) مَعْنى (تَبادَرُوا)، وجَعْلِهِ مَسْبُوقًا إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الصِّراطَ هو الطَّرِيقُ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ مُخْتَصٌّ. لا يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ إلّا بِوَساطَةِ (في) إلّا في شُذُوذٍ، كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎لَدْنٌ بِهَزُّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ومَذْهَبُ ابْنِ الطَّراوَةِ أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ والمَخْرِمَ، وما أشْبَهَها مِنَ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً، فَعَلى مَذْهَبِهِ يَسُوغُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ عِيسى: فاسْتَبِقُوا عَلى الأمْرِ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُمُ اسْتَبِقُوا الصِّراطَ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ الِاسْتِباقُ مَعَ طَمْسِ الأعْيُنِ. ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُبْصِرُ مَن طُمِسَ عَلى عَيْنِهِ ؟ والظّاهِرُ أنَّ المَسْخَ حَقِيقَةٌ، وهو تَبْدِيلُ صِوَرِهِمْ بِصُوَرٍ شَنِيعَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿لَمَسَخْناهُمْ﴾ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، كَما تَقَدَّمَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقِيلَ حِجارَةً. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ: لَأقْعَدْناهم وأزَمْناهم، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا. والظّاهِرُ أنَّ هَذا لَوْ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: هَذا التَّوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾، بِالإفْرادِ، وهي المَكانُ، كالمَقامَةِ والمَقامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، وأبُو بَكْرٍ: بِالجَمْعِ. والجُمْهُورُ ﴿مُضِيًّا﴾، بِضَمِّ المِيمِ: وأبُو حَيْوَةَ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: بِكَسْرِها اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الضّادِ، كالعِتِبِيِّ والقِتِبِيِّ، وزْنُهُ فَعُولٌ. (p-٣٤٥)التَقَتْ واوٌ ساكِنَةٌ وياءٌ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ في الياءِ، وكُسِرَ ما قَبْلَها لِتَصِحَّ الياءُ. وقُرِئَ: مَضِيًّا، بِفَتْحِ المِيمِ، فَيَكُونُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعِيلٍ، كالرَّسِيمِ والوَجِيفِ. ولِما ذَكَرَ تَعالى الطَّمْسَ والمَسْخَ عَلى تَقْدِيرِ المُشَبَّهِ، ذَكَرَ تَعالى دَلِيلًا عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ في تَنْكِيسِ المُعَمَّرِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا هو تَعالى. وتَنْكِيسُهُ: قَلَبَهُ وجَعَلَهُ عَلى عَكْسِ ما خَلَقَهُ أوَّلًا، وهو أنَّهُ خَلَقَهُ عَلى ضَعْفٍ في جَسَدٍ وخُلُوٍّ مِن عَقْلٍ وعِلْمٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ يَتَزايَدُ ويَنْتَقِلُ مَن حالٍ إلى حالٍ إلى أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ وتُسْتَكْمَلَ قُوَّتُهُ، ويَعْقِلَ ويَعْلَمَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ. فَإذا انْتَهى نَكَّسَهُ في الخَلْقِ، فَيَتَناقَصُ حَتّى يَرْجِعَ في حالٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ الصِّبا في ضَعْفِ جَسَدِهِ وقِلَّةِ عَقْلِهِ وخُلُوِّهِ مِنَ الفَهْمِ، كَما يُنَكَّسُ السَّهْمُ فَيُجْعَلُ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، وفي هَذا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ قادِرٌ عَلى أنْ يَطْمِسَ وأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما أرادَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُنَكِّسْهُ)، مُشَدَّدًا؛ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: مُخَفَّفًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذَكْوانَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبّاسٍ: تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ. ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ الضَّمِيرُ في عَلَّمْناهُ لِلرَّسُولِ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ شاعِرٌ. ورُوِيَ أنَّ القائِلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ، وقَوْلُهم فِيهِ شاعِرٌ. أمّا مَن كانَ في طَبْعِهِ الشِّعْرُ، فَقَوْلُهُ مُكابَرَةٌ وإيهامٌ لِلْجاهِلِ بِالشِّعْرِ؛ وأمّا مَن لَيْسَ في طَبْعِهِ، فَقَوْلُهُ جَهْلٌ مَحْضٌ. وأيْنَ هو مِنَ الشِّعْرِ ؟ والشِّعْرُ إنَّما هو كَلامٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى يَدُلُّ عَلى مَعْنًى تَنْتَخِبُهُ الشُّعَراءُ مِن كَثْرَةِ التَّخْيِيلِ وتَزْوِيقِ الكَلامِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَرَّعُ المُتَدَيِّنُ عَنْ إنْشادِهِ، فَضْلًا عَنْ إنْشائِهِ: وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقُولُ الشِّعْرَ، وإذا أنْشَدَ بَيْتًا أحْرَزَ المَعْنى دُونَ وزْنِهِ، كَما أنْشَدَ: ؎سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ وقِيلَ: مِن أشْعَرِ النّاسِ، فَقالَ الَّذِي يَقُولُ: ؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها وإنْ لَمْ تُطَيَّبْ طِيبا ؎أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العُبَيْ ∗∗∗ دِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ وأنْشَدَ يَوْمًا: ؎كَفى بِالإسْلامِ والشَّيْبِ ناهِيا فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، إنَّما قالَ الشّاعِرُ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ، ورُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ مُتَّزِنًا في النّادِرِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ: ؎يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتُثْقِلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ ولا يَدُلُّ إجْراءُ البَيْتِ عَلى لِسانِهِ مُتَّزِنًا أنَّهُ يَعْلَمُ الشِّعْرَ، وقَدْ وقَعَ في كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدْخُلُهُ الوَزْنُ كَقَوْلِهِ: ؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ؎هَلْ أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ وهُوَ كَلامٌ مَن جِنْسِ كَلامِهِ الَّذِي كانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ عَلى طَبِيعَتِهِ، مِن غَيْرِ صَنْعَةٍ فِيهِ ولا قَصْدٍ لِوَزْنٍ ولا تَكَلُّفٍ. كَما يُوجَدُ في القُرْآنِ شَيْءٌ مَوْزُونٌ ولا يُعَدُّ شِعْرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . وقَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . وفي كَثِيرٍ مِنَ النَّثْرِ الَّذِي تُنْشِئُهُ الفُصَحاءُ، ولا يُسَمّى ذَلِكَ شِعْرًا، ولا يَخْطُرُ بِبالِ المُنْشِي ولا السّامِعِ أنَّهُ شِعْرٌ. ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أيْ ولا يُمْكِنُ لَهُ ولا يَصِحُّ ولا يُناسَبُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في طَرِيقِ جِدٍّ مَحْضٍ، والشِّعْرُ أكْثَرُهُ في طَرِيقِ هَزْلٍ، وتَحْسِينٌ لِما لَيْسَ حَسَنًا، وتَقْبِيحٌ لِما لَيْسَ قَبِيحًا ومُغالاةٌ مُفْرِطَةٌ. جَعَلَهُ تَعالى لا يَقْرِضُ الشِّعْرَ، كَما جَعَلَهُ أُمِّيًّا لا يَخُطُّ، لِتَكُونَ الحُجَّةُ أثْبَتَ والشُّبْهَةُ أدْحَضَ. وقِيلَ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى غَضاضَةِ الشِّعْرِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما أنا بِشاعِرٍ ولا يَنْبَغِي لِي“ . وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ لا غَضاضَةَ فِيهِ، وإنَّما مَنَعَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وإنْ كانَ حِلْيَةً جَلِيلَةً لِيَجِيءَ القُرْآنُ مِن قِبَلِهِ أغْرَبَ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ إدْراكُ الشِّعْرِ لَقِيلَ في القُرْآنِ: هَذا مِن تِلْكَ (p-٣٤٦)القُوَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ في النَّثْرِ في الرُّتْبَةِ العُلْيا، ولَكِنَّ كَلامَ اللَّهِ يُبِينُ بِإعْجازِهِ ويَنْدُرُ بِوَصْفِهِ، ويُخْرِجُهُ إحاطَةُ عِلْمِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ كَلامٍ؛ وإنَّما مَنَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ الشِّعْرِ تَرْفِيعًا لَهُ عَنْ ما في قَوْلِ الشُّعَراءِ مِنَ التَّخْيِيلِ والتَّزْوِيقِ لِلْقَوْلِ. وأمّا القُرْآنُ فَهو ذِكْرٌ بِحَقائِقَ وبَراهِينَ، فَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ، وهَذا كانَ أُسْلُوبُ كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلًا واحِدًا. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (لَهُ) لِلرَّسُولِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِلْقُرْآنِ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنْ لَهُ أنْ يَقُولَ: يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ، ويُبَيِّنُهُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كِتابٌ سَماوِيٌّ يُقْرَأُ في المَحارِيبِ، ويُنالُ بِتِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِهِ ما فِيهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ. فَكَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشِّعْرِ الَّذِي أكْثَرُهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ؟ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: لِتُنْذِرَ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الرَّسُولِ، واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (لِيُنْذَرَ)، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ الجَحْدَرِيِّ. وقالَ عَنْ أبِي السَّمّالِ واليَمانِيِّ أنَّهُما قَرَآ: لِيَنْذَرَ، بِفَتْحِ الياءِ والذّالِ مُضارِعَ نَذِرَ بِكَسْرِ الذّالِ، إذا عَلِمَ بِالشَّيْءِ فاسْتَعَدَّ لَهُ. ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ غافِلًا، قالَهُ الضَّحّاكُ؛ لِأنَّ الغافِلَ كالمَيِّتِ؛ ويُرِيدُ بِهِ مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالإيمانِ، وكَذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ (ويَحِقَّ القَوْلُ) أيْ كَلِمَةُ العَذابِ، ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ المَحْتُومِ لَهم بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ.

يس 36:76

﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ . (p-٣٤٢)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِحالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ. والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ لَنا بِما يَكُونُونَ فِيهِ إذا صارُوا إلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. وقِيلَ: هو حِكايَةُ ما يُقالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ الحِكايَةِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِلْمَوْعُودِ لَهُ في النُّفُوسِ، وتَرْغِيبٌ إلى الحِرْصِ عَلَيْهِ وفِيما يُثْمِرُهُ؛ والظّاهِرُ أنَّ الشُّغُلَ هو النَّعِيمُ الَّذِي قَدْ شَغَلَهم عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ، وبَعْضُهم خَصَّ هَذا الشُّغُلَ بِافْتِضاضِ الأبْكارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَنْهُ أيْضًا: سَماعُ الأوْتارِ. وعَنِ الحَسَنِ: شُغِلُوا عَنْ ما فِيهِ أهْلُ النّارِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: عَنْ أهالِيهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، لا يَذْكُرُونَهم لِئَلّا يَتَنَغَّصُو‌‌‌‌ا. وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ: الشُّغُلُ: التَّزاوُرُ. وقِيلَ: ضِيافَةُ اللَّهِ، وأُفِرَدَ الشُّغُلُ مَلْحُوظًا فِيهِ النَّعِيمُ، وهو واحِدٌ مِن حَيْثُ هو نَعِيمٌ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ الشِّينِ وسُكُونِ الغَيْنِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها؛ ومُجاهِدٌ، وأبُو السَّمّالِ، وابْنُ هُبَيْرَةَ فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْهُ: بِفَتْحَتَيْنِ؛ ويَزِيدُ النَّحْوِيُّ، وابْنُ هُبَيْرَةَ، فِيما نَقَلَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: بِفَتْحِ الشِّينِ وإسْكانِ الغَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهُونَ)، بِالألِفِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ويَحْيى بْنُ صُبَيْحٍ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: فاكِهِينَ، بِالألِفِ وبِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، وفي شُغُلٍ هو الخَبَرُ. فَبِالألِفِ أصْحابُ فاكِهَةٍ، كَما يُقالُ لابِنٍ وتامِرٍ وشاحِمٍ ولاحِمٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ مَعْناهُ: فَرِحُونَ طَرِبُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الفُكاهَةِ وهي المُزْحَةُ، وقُرِئَ: فَكِهِينَ، بِغَيْرِ ألِفٍ وبِالياءِ. وقُرِئَ: فَكُهُونَ، بِضَمِّ الكافِ. يُقالُ: رَجُلٌ فَكُهٌ وفَكِهٌ، نَحْوُ: يَدُسٌ ويَدِسٌ. ويَجُوزُ في هم أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ في ظِلالٍ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ خَبَرُهُ مُتَّكِئُونَ، وفي ظِلالٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في فاكِهُونَ، وفي ظِلالٍ حالٌ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ لِإنَّ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في شُغُلٍ، المُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِنَ العامِلِ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ الأزْواجُ قَدْ شارَكُوهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ المَنطُوقِ. وعَلى الأوَّلِ، شارَكُوهم في الظِّلالِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ مِن حَيْثُ المَنطُوقُ، وهُنَّ قَدْ شارَكْنَهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ مِن حَيْثُ المَعْنى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (في ظِلالٍ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو جَمْعُ ظِلٍّ، إذِ الجَنَّةُ لا شَمْسَ فِيها، وإنَّما هَواؤُها سَجْسَجٌ، كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. انْتَهى. وجُمِعَ فِعْلٌ عَلى فِعالٍ في الكَثْرَةِ، نَحْوُ: ذِئْبٌ وذِئابٌ. وأمّا أنَّ وقْتَ الجَنَّةِ كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَحْتاجُ هَذا إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ وفي الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى حَوْراءَ مِن حُورِ الجَنَّةِ، لَوْ ظَهَرَتْ لَأضاءَتْ مِنها الدُّنْيا، أوْ نَحْوٌ مِن هَذا ؟ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ظُلَّةٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَبُرْمَةٍ وبِرامٍ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَمْعُ ظِلَّةٍ، بِكَسْرِ الظّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ في ظُلَّةٍ. انْتَهى. فَيَكُونَ مِثْلَ لُقْحَةٍ ولِقاحٍ، وفِعالٌ لا يَنْقاسُ في فُعْلَةٍ بَلْ يُحْفَظُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (في ظِلٍّ): جَمْعُ ظِلَّةٍ، وجَمْعُ فِعْلَةٍ عَلى فِعْلٍ مَقِيسٌ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَلابِسِ والمَراتِبِ مِنَ الحِجالِ والسُّتُورِ ونَحْوِها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُظِلُّ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: مُتَّكِئِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ؛ ويَدَّعُونَ مُضارِعُ ادَّعى، وهو افْتَعَلَ مِن دَعا، ومَعْناهُ: ولَهم ما يَتَمَنَّوْنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تَقُولُ ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ، بِمَعْنى تَمَنَّ عَلَيَّ وتَقُولُ فُلانٌ في خَبَرٍ ما تَمَنّى. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مِنَ الدُّعاءِ، أيْ ما يَدْعُونَهُ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ. وقِيلَ: يَدْعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: يَتَداعُونَهُ لِقَوْلِهِ (p-٣٤٣)ارْتَمُوهُ وتَرامُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَلامٌ بِالرَّفْعِ. وهو صِفَةٌ لِما، أيْ مُسَلَّمٌ لَهم وخالِصٌ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ إنْ كانَ ما بِمَعْنى الَّذِي؛ لِأنَّها تَكُونُ إذْ ذاكَ مَعْرِفَةً. وسَلامٌ نَكِرَةٌ، ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. فَإنْ كانَتْ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً جازَ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ عُمُومٌ، كَحالِها بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: سَلامٌ مُبْتَدَأٌ ويَكُونُ خَبَرُهُ ذَلِكَ الفِعْلَ النّاصِبَ لِقَوْلِهِ (قَوْلًا)، أيْ سَلامٌ يُقالُ، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، أوْ يَكُونُ عَلَيْكم مَحْذُوفًا، أيْ سَلامٌ عَلَيْكم، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ . وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو سَلامٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿سَلامٌ قَوْلًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ما يَدَّعُونَ﴾، كَأنَّهُ قالَ: لَهم سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا مِن جِهَةِ رَبٍّ رَحِيمٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، مُبالَغَةً في تَعْظِيمِهِمْ، وذَلِكَ مُتَمَنّاهم، ولَهم ذَلِكَ لا يُمْنَعُونَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ بِالتَّحِيَّةِ مِن رَبِّ العالَمِينَ. انْتَهى. وإذا كانَ سَلامٌ بَدَلًا مِن ما يَدَّعُونَ خُصُوصًا. والظّاهِرُ أنَّهُ عُمُومٌ في كُلِّ ما يَدَّعُونَ، وإذا كانَ عُمُومًا، لَمْ يَكُنْ سَلامٌ بَدَلًا مِنهُ. وقِيلَ: سَلامٌ خَبَرٌ لِما يَدَّعُونَ، وما يَدَّعُونَ مُبْتَدَأٌ، أيْ ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ خالِصٌ لا شُرْبَ فِيهِ، وقَوْلًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ﴾ أيْ عِدَّةٌ مِن رَحِيمٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وهو مِن مَجازِهِ. انْتَهى. ويَكُونَ لَهم مُتَعَلِّقًا عَلى هَذا الإعْرابِ بِـ (سَلامٌ) . وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: سِلْمٌ، بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، ومَعْناهُ سَلامٌ. وقالَ أبُو الفَضْلِ: الرّازِيُّ: مُسالِمٌ لَهم، أيْ ذَلِكَ مُسالِمٌ. وقَرَأ أُبِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، وعِيسى، والقَنَوِيُّ: سَلامًا، بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ لَهم مُرادُهم خالِصًا. ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ أيِ انْفَرَدُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المَحْشَرَ جَمَعَ البَرَّ والفاجِرَ، فَأُمِرَ المُجْرِمُونَ بِأنْ يَكُونُوا عَلى حِدَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والظّاهِرُ أنَّ ثَمَّ قَوْلًا مَحْذُوفًا؛ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قِيلَ: ويُقالُ لِلْمُجْرِمِينَ (امْتازُوا) . ولَمّا امْتَثَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، قالَ لَهم عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ﴾ ؟ وقَّفَهم عَلى عَهْدِهِ إلَيْهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ إيّاهُ. وعَنِ الضَّحّاكِ: لِكُلِّ كافِرٍ بَيْتٌ مِنَ النّارِ يَكُونُ فِيهِ لا يَرى ولا يُرى، فَعَلى هَذا مَعْناهُ أنَّ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ. وعَنْ قَتادَةَ: اعْتَزَلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. والعَهْدُ: الوَصِيَّةُ، عَهِدَ إلَيْهِ إذا وصّاهُ. وعَهْدُ اللَّهِ إلَيْهِمْ: ما رَكَّزَ فِيهِمْ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ، وأنْزَلَ إلَيْهِمْ مِن أدِلَّةِ السَّمْعِ. وعِبادَةُ الشَّيْطانِ: طاعَتُهُ فِيما يُغْوِيهِ ويُزَيِّنُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أعْهَدْ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والهاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الكُوفِيُّ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقالَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وهَذا الكَسْرُ في النُّونِ والتّاءِ أكْثَرُ مِن بَيْنِ حُرُوفِ المُضارَعَةِ، يَعْنِي: نِعْهَدْ وتِعْهَدْ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ألَمْ أعْهَدْ؛ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ألَمْ أحَدْ لُغَةُ تَمِيمٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الهُذَيْلُ بْنُ وثّابٍ: ألَمِ إعْهَدْ، بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ وفَتْحِ الهاءِ، وهي عَلى لُغَةِ مَن كَسَرَ أوَّلَ المُضارِعِ سِوى الياءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ: ألَمْ أعْهِدْ، بِكَسْرِ الهاءِ، يُقالُ: عَهِدَ يَعْهِدُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ يَعْنِي أنَّ كَسْرَ المِيمِ يَدُلُّ عَلى كَسْرِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ الَّتِي في المِيمِ هي حَرَكَةُ نَقْلِ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ حِينَ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو المِيمُ. أعْهَدْ بِالهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ المَكْسُورَةِ لَفْظًا؛ لِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إعْهَدْ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وبابُ فَعِلَ كُلُّهُ يَجُوزُ في حُرُوفِ مُضارَعَتِهِ الكَسْرُ إلّا في الياءِ؛ وأعْهِدُ بِكَسْرِ الهاءِ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ نَعَمَ يَنْعِمُ، وضَرَبَ يَضْرِبُ، وأحْهَدُ بِالحاءِ وأحَدُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ومِنهُ قَوْلُهم: دَحّا مَحّا. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إلّا في الياءِ، لُغَةٌ لِبَعْضِ كَلْبٍ أنَّهم يَكْسِرُونَ أيْضًا في الياءِ، يَقُولُونَ: هَلْ يِعْلَمُ ؟ وقَوْلُهُ: دَحّا مَحّا، يُرِيدُونَ دَعْها مَعَها، أدْغَمُوا العَيْنَ في الحاءِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما عَهِدَ إلَيْهِمْ مِن مَعْصِيَةِ الشَّيْطانِ وطاعَةِ الرَّحْمَنِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ (جِبِلًّا)، بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وسُهَيْلٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ؛ والحَسَنِ: (p-٣٤٤)بِخِلافٍ عَنْهُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ: بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ الباءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها وتَخْفِيفِ اللّامِ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي إسْحاقَ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ: بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ اللّامِ؛ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، واليَمانِيُّ، وحَمّادُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ؛ والأعْمَشُ: جِبِلًا، بِكَسْرَتَيْنِ وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقُرِئَ: جِبَلًا بِكَسْرِ الجِيمِ وفَتْحِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، جَمْعُ جِبْلَةٍ، نَحْوُ فِطْرَةٍ وفِطَرٍ، فَهَذِهِ سَبْعُ لُغاتٍ قُرِئَ بِها. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وبَعْضُ الخُراسانِيِّينَ: جِيلًا، بِكَسْرِ الجِيمِ بَعْدَها ياءُ آخِرِ الحُرُوفِ، واحِدُ الأجْيالِ؛ والجِبْلُ بِالباءِ بِواحِدَةٍ مِن أسْفَلَ الأُمَّةُ العَظِيمَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: أقَلُّهُ عَشَرَةُ آلافٍ. خاطَبَ تَعالى الكُفّارَ بِما فَعَلَ مَعَهُمُ الشَّيْطانُ تَقْرِيعًا لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا﴾ بِتاءِ الخِطابِ؛ وطَلْحَةُ، وعِيسى: بِياءِ الغَيْبَةِ، عائِدًا عَلى (جِبِلًّا) . ويُرْوى أنَّهم يَجْحَدُونَ ويُخاصِمُونَ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جِيرانُهم وعَشائِرُهم وأهالِيهِمْ، فَيَحْلِفُونَ ما كانُوا مُشْرِكِينَ، فَحِينَئِذٍ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم. وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، ويُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيُقالُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ». وقُرِئَ: يُخْتَمُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولِتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولْتَشْهَدْ بِلامِ الأمْرِ والجَزْمِ عَلى أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الأعْضاءَ بِالكَلامِ والشَّهادَةِ. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ: ولِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ، بِلامِ كَيْ والنَّصْبُ عَلى مَعْنى: وكَذَلِكَ يُخْتَمُ عَلى أفَواهِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الأعْيُنَ هي الأعْضاءُ المُبْصِرَةُ، والمَعْنى: لَأعْمَيْناهم فَلا يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ويُؤَيِّدُهُ مُناسَبَةُ المَسْخِ، فَهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وبُرُوجِ العَذابِ إنْ شاءَهُ اللَّهُ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ عَيْنَ البَصائِرِ، والمَعْنى: ولَوْ نَشاءُ لَخَتَمْتُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَلا يَهْتَدِي مِنهم أحَدٌ أبَدًا. والطَّمْسُ: إذْهابُ الشَّيْءِ وأثَرِهِ جُمْلَةً حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ. فَإنْ أُرِيدَ بِالأعْيُنِ الحَقِيقَةُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَطْمِسُ بِمَعْنى يَمْسَخُ حَقِيقَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّمْسُ يُرادُ بِهِ العَمى مِن غَيْرِ إذْهابِ العُضْوِ وأثَرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاسْتَبَقُوا)، فِعْلًا ماضِيًا مَعْطُوفًا عَلى ﴿لَطَمَسْنا﴾، وهو عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. (والصِّراطَ) مَنصُوبٌ عَلى تَقْدِيرِ إلى حُذِفَتْ ووُصِلَ الفِعْلُ، والأصْلُ فاسْتَبَقُوا إلى الصِّراطِ، أوْ مَفْعُولًا بِهِ عَلى تَضْمِينِ (اسْتَبَقُوا) مَعْنى (تَبادَرُوا)، وجَعْلِهِ مَسْبُوقًا إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الصِّراطَ هو الطَّرِيقُ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ مُخْتَصٌّ. لا يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ إلّا بِوَساطَةِ (في) إلّا في شُذُوذٍ، كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎لَدْنٌ بِهَزُّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ومَذْهَبُ ابْنِ الطَّراوَةِ أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ والمَخْرِمَ، وما أشْبَهَها مِنَ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً، فَعَلى مَذْهَبِهِ يَسُوغُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ عِيسى: فاسْتَبِقُوا عَلى الأمْرِ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُمُ اسْتَبِقُوا الصِّراطَ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ الِاسْتِباقُ مَعَ طَمْسِ الأعْيُنِ. ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُبْصِرُ مَن طُمِسَ عَلى عَيْنِهِ ؟ والظّاهِرُ أنَّ المَسْخَ حَقِيقَةٌ، وهو تَبْدِيلُ صِوَرِهِمْ بِصُوَرٍ شَنِيعَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿لَمَسَخْناهُمْ﴾ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، كَما تَقَدَّمَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقِيلَ حِجارَةً. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ: لَأقْعَدْناهم وأزَمْناهم، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا. والظّاهِرُ أنَّ هَذا لَوْ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: هَذا التَّوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾، بِالإفْرادِ، وهي المَكانُ، كالمَقامَةِ والمَقامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، وأبُو بَكْرٍ: بِالجَمْعِ. والجُمْهُورُ ﴿مُضِيًّا﴾، بِضَمِّ المِيمِ: وأبُو حَيْوَةَ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: بِكَسْرِها اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الضّادِ، كالعِتِبِيِّ والقِتِبِيِّ، وزْنُهُ فَعُولٌ. (p-٣٤٥)التَقَتْ واوٌ ساكِنَةٌ وياءٌ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ في الياءِ، وكُسِرَ ما قَبْلَها لِتَصِحَّ الياءُ. وقُرِئَ: مَضِيًّا، بِفَتْحِ المِيمِ، فَيَكُونُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعِيلٍ، كالرَّسِيمِ والوَجِيفِ. ولِما ذَكَرَ تَعالى الطَّمْسَ والمَسْخَ عَلى تَقْدِيرِ المُشَبَّهِ، ذَكَرَ تَعالى دَلِيلًا عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ في تَنْكِيسِ المُعَمَّرِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا هو تَعالى. وتَنْكِيسُهُ: قَلَبَهُ وجَعَلَهُ عَلى عَكْسِ ما خَلَقَهُ أوَّلًا، وهو أنَّهُ خَلَقَهُ عَلى ضَعْفٍ في جَسَدٍ وخُلُوٍّ مِن عَقْلٍ وعِلْمٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ يَتَزايَدُ ويَنْتَقِلُ مَن حالٍ إلى حالٍ إلى أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ وتُسْتَكْمَلَ قُوَّتُهُ، ويَعْقِلَ ويَعْلَمَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ. فَإذا انْتَهى نَكَّسَهُ في الخَلْقِ، فَيَتَناقَصُ حَتّى يَرْجِعَ في حالٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ الصِّبا في ضَعْفِ جَسَدِهِ وقِلَّةِ عَقْلِهِ وخُلُوِّهِ مِنَ الفَهْمِ، كَما يُنَكَّسُ السَّهْمُ فَيُجْعَلُ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، وفي هَذا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ قادِرٌ عَلى أنْ يَطْمِسَ وأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما أرادَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُنَكِّسْهُ)، مُشَدَّدًا؛ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: مُخَفَّفًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذَكْوانَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبّاسٍ: تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ. ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ الضَّمِيرُ في عَلَّمْناهُ لِلرَّسُولِ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ شاعِرٌ. ورُوِيَ أنَّ القائِلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ، وقَوْلُهم فِيهِ شاعِرٌ. أمّا مَن كانَ في طَبْعِهِ الشِّعْرُ، فَقَوْلُهُ مُكابَرَةٌ وإيهامٌ لِلْجاهِلِ بِالشِّعْرِ؛ وأمّا مَن لَيْسَ في طَبْعِهِ، فَقَوْلُهُ جَهْلٌ مَحْضٌ. وأيْنَ هو مِنَ الشِّعْرِ ؟ والشِّعْرُ إنَّما هو كَلامٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى يَدُلُّ عَلى مَعْنًى تَنْتَخِبُهُ الشُّعَراءُ مِن كَثْرَةِ التَّخْيِيلِ وتَزْوِيقِ الكَلامِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَرَّعُ المُتَدَيِّنُ عَنْ إنْشادِهِ، فَضْلًا عَنْ إنْشائِهِ: وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقُولُ الشِّعْرَ، وإذا أنْشَدَ بَيْتًا أحْرَزَ المَعْنى دُونَ وزْنِهِ، كَما أنْشَدَ: ؎سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ وقِيلَ: مِن أشْعَرِ النّاسِ، فَقالَ الَّذِي يَقُولُ: ؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها وإنْ لَمْ تُطَيَّبْ طِيبا ؎أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العُبَيْ ∗∗∗ دِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ وأنْشَدَ يَوْمًا: ؎كَفى بِالإسْلامِ والشَّيْبِ ناهِيا فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، إنَّما قالَ الشّاعِرُ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ، ورُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ مُتَّزِنًا في النّادِرِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ: ؎يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتُثْقِلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ ولا يَدُلُّ إجْراءُ البَيْتِ عَلى لِسانِهِ مُتَّزِنًا أنَّهُ يَعْلَمُ الشِّعْرَ، وقَدْ وقَعَ في كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدْخُلُهُ الوَزْنُ كَقَوْلِهِ: ؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ؎هَلْ أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ وهُوَ كَلامٌ مَن جِنْسِ كَلامِهِ الَّذِي كانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ عَلى طَبِيعَتِهِ، مِن غَيْرِ صَنْعَةٍ فِيهِ ولا قَصْدٍ لِوَزْنٍ ولا تَكَلُّفٍ. كَما يُوجَدُ في القُرْآنِ شَيْءٌ مَوْزُونٌ ولا يُعَدُّ شِعْرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . وقَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . وفي كَثِيرٍ مِنَ النَّثْرِ الَّذِي تُنْشِئُهُ الفُصَحاءُ، ولا يُسَمّى ذَلِكَ شِعْرًا، ولا يَخْطُرُ بِبالِ المُنْشِي ولا السّامِعِ أنَّهُ شِعْرٌ. ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أيْ ولا يُمْكِنُ لَهُ ولا يَصِحُّ ولا يُناسَبُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في طَرِيقِ جِدٍّ مَحْضٍ، والشِّعْرُ أكْثَرُهُ في طَرِيقِ هَزْلٍ، وتَحْسِينٌ لِما لَيْسَ حَسَنًا، وتَقْبِيحٌ لِما لَيْسَ قَبِيحًا ومُغالاةٌ مُفْرِطَةٌ. جَعَلَهُ تَعالى لا يَقْرِضُ الشِّعْرَ، كَما جَعَلَهُ أُمِّيًّا لا يَخُطُّ، لِتَكُونَ الحُجَّةُ أثْبَتَ والشُّبْهَةُ أدْحَضَ. وقِيلَ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى غَضاضَةِ الشِّعْرِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما أنا بِشاعِرٍ ولا يَنْبَغِي لِي“ . وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ لا غَضاضَةَ فِيهِ، وإنَّما مَنَعَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وإنْ كانَ حِلْيَةً جَلِيلَةً لِيَجِيءَ القُرْآنُ مِن قِبَلِهِ أغْرَبَ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ إدْراكُ الشِّعْرِ لَقِيلَ في القُرْآنِ: هَذا مِن تِلْكَ (p-٣٤٦)القُوَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ في النَّثْرِ في الرُّتْبَةِ العُلْيا، ولَكِنَّ كَلامَ اللَّهِ يُبِينُ بِإعْجازِهِ ويَنْدُرُ بِوَصْفِهِ، ويُخْرِجُهُ إحاطَةُ عِلْمِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ كَلامٍ؛ وإنَّما مَنَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ الشِّعْرِ تَرْفِيعًا لَهُ عَنْ ما في قَوْلِ الشُّعَراءِ مِنَ التَّخْيِيلِ والتَّزْوِيقِ لِلْقَوْلِ. وأمّا القُرْآنُ فَهو ذِكْرٌ بِحَقائِقَ وبَراهِينَ، فَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ، وهَذا كانَ أُسْلُوبُ كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلًا واحِدًا. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (لَهُ) لِلرَّسُولِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِلْقُرْآنِ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنْ لَهُ أنْ يَقُولَ: يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ، ويُبَيِّنُهُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كِتابٌ سَماوِيٌّ يُقْرَأُ في المَحارِيبِ، ويُنالُ بِتِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِهِ ما فِيهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ. فَكَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشِّعْرِ الَّذِي أكْثَرُهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ؟ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: لِتُنْذِرَ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الرَّسُولِ، واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (لِيُنْذَرَ)، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ الجَحْدَرِيِّ. وقالَ عَنْ أبِي السَّمّالِ واليَمانِيِّ أنَّهُما قَرَآ: لِيَنْذَرَ، بِفَتْحِ الياءِ والذّالِ مُضارِعَ نَذِرَ بِكَسْرِ الذّالِ، إذا عَلِمَ بِالشَّيْءِ فاسْتَعَدَّ لَهُ. ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ غافِلًا، قالَهُ الضَّحّاكُ؛ لِأنَّ الغافِلَ كالمَيِّتِ؛ ويُرِيدُ بِهِ مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالإيمانِ، وكَذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ (ويَحِقَّ القَوْلُ) أيْ كَلِمَةُ العَذابِ، ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ المَحْتُومِ لَهم بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ.

يس 36:77

﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ . (p-٣٤٢)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِحالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ. والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ لَنا بِما يَكُونُونَ فِيهِ إذا صارُوا إلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. وقِيلَ: هو حِكايَةُ ما يُقالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ الحِكايَةِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِلْمَوْعُودِ لَهُ في النُّفُوسِ، وتَرْغِيبٌ إلى الحِرْصِ عَلَيْهِ وفِيما يُثْمِرُهُ؛ والظّاهِرُ أنَّ الشُّغُلَ هو النَّعِيمُ الَّذِي قَدْ شَغَلَهم عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ، وبَعْضُهم خَصَّ هَذا الشُّغُلَ بِافْتِضاضِ الأبْكارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَنْهُ أيْضًا: سَماعُ الأوْتارِ. وعَنِ الحَسَنِ: شُغِلُوا عَنْ ما فِيهِ أهْلُ النّارِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: عَنْ أهالِيهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، لا يَذْكُرُونَهم لِئَلّا يَتَنَغَّصُو‌‌‌‌ا. وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ: الشُّغُلُ: التَّزاوُرُ. وقِيلَ: ضِيافَةُ اللَّهِ، وأُفِرَدَ الشُّغُلُ مَلْحُوظًا فِيهِ النَّعِيمُ، وهو واحِدٌ مِن حَيْثُ هو نَعِيمٌ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ الشِّينِ وسُكُونِ الغَيْنِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها؛ ومُجاهِدٌ، وأبُو السَّمّالِ، وابْنُ هُبَيْرَةَ فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْهُ: بِفَتْحَتَيْنِ؛ ويَزِيدُ النَّحْوِيُّ، وابْنُ هُبَيْرَةَ، فِيما نَقَلَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: بِفَتْحِ الشِّينِ وإسْكانِ الغَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهُونَ)، بِالألِفِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ويَحْيى بْنُ صُبَيْحٍ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: فاكِهِينَ، بِالألِفِ وبِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، وفي شُغُلٍ هو الخَبَرُ. فَبِالألِفِ أصْحابُ فاكِهَةٍ، كَما يُقالُ لابِنٍ وتامِرٍ وشاحِمٍ ولاحِمٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ مَعْناهُ: فَرِحُونَ طَرِبُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الفُكاهَةِ وهي المُزْحَةُ، وقُرِئَ: فَكِهِينَ، بِغَيْرِ ألِفٍ وبِالياءِ. وقُرِئَ: فَكُهُونَ، بِضَمِّ الكافِ. يُقالُ: رَجُلٌ فَكُهٌ وفَكِهٌ، نَحْوُ: يَدُسٌ ويَدِسٌ. ويَجُوزُ في هم أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ في ظِلالٍ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ خَبَرُهُ مُتَّكِئُونَ، وفي ظِلالٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في فاكِهُونَ، وفي ظِلالٍ حالٌ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ لِإنَّ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في شُغُلٍ، المُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِنَ العامِلِ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ الأزْواجُ قَدْ شارَكُوهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ المَنطُوقِ. وعَلى الأوَّلِ، شارَكُوهم في الظِّلالِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ مِن حَيْثُ المَنطُوقُ، وهُنَّ قَدْ شارَكْنَهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ مِن حَيْثُ المَعْنى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (في ظِلالٍ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو جَمْعُ ظِلٍّ، إذِ الجَنَّةُ لا شَمْسَ فِيها، وإنَّما هَواؤُها سَجْسَجٌ، كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. انْتَهى. وجُمِعَ فِعْلٌ عَلى فِعالٍ في الكَثْرَةِ، نَحْوُ: ذِئْبٌ وذِئابٌ. وأمّا أنَّ وقْتَ الجَنَّةِ كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَحْتاجُ هَذا إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ وفي الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى حَوْراءَ مِن حُورِ الجَنَّةِ، لَوْ ظَهَرَتْ لَأضاءَتْ مِنها الدُّنْيا، أوْ نَحْوٌ مِن هَذا ؟ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ظُلَّةٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَبُرْمَةٍ وبِرامٍ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَمْعُ ظِلَّةٍ، بِكَسْرِ الظّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ في ظُلَّةٍ. انْتَهى. فَيَكُونَ مِثْلَ لُقْحَةٍ ولِقاحٍ، وفِعالٌ لا يَنْقاسُ في فُعْلَةٍ بَلْ يُحْفَظُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (في ظِلٍّ): جَمْعُ ظِلَّةٍ، وجَمْعُ فِعْلَةٍ عَلى فِعْلٍ مَقِيسٌ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَلابِسِ والمَراتِبِ مِنَ الحِجالِ والسُّتُورِ ونَحْوِها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُظِلُّ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: مُتَّكِئِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ؛ ويَدَّعُونَ مُضارِعُ ادَّعى، وهو افْتَعَلَ مِن دَعا، ومَعْناهُ: ولَهم ما يَتَمَنَّوْنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تَقُولُ ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ، بِمَعْنى تَمَنَّ عَلَيَّ وتَقُولُ فُلانٌ في خَبَرٍ ما تَمَنّى. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مِنَ الدُّعاءِ، أيْ ما يَدْعُونَهُ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ. وقِيلَ: يَدْعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: يَتَداعُونَهُ لِقَوْلِهِ (p-٣٤٣)ارْتَمُوهُ وتَرامُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَلامٌ بِالرَّفْعِ. وهو صِفَةٌ لِما، أيْ مُسَلَّمٌ لَهم وخالِصٌ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ إنْ كانَ ما بِمَعْنى الَّذِي؛ لِأنَّها تَكُونُ إذْ ذاكَ مَعْرِفَةً. وسَلامٌ نَكِرَةٌ، ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. فَإنْ كانَتْ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً جازَ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ عُمُومٌ، كَحالِها بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: سَلامٌ مُبْتَدَأٌ ويَكُونُ خَبَرُهُ ذَلِكَ الفِعْلَ النّاصِبَ لِقَوْلِهِ (قَوْلًا)، أيْ سَلامٌ يُقالُ، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، أوْ يَكُونُ عَلَيْكم مَحْذُوفًا، أيْ سَلامٌ عَلَيْكم، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ . وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو سَلامٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿سَلامٌ قَوْلًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ما يَدَّعُونَ﴾، كَأنَّهُ قالَ: لَهم سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا مِن جِهَةِ رَبٍّ رَحِيمٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، مُبالَغَةً في تَعْظِيمِهِمْ، وذَلِكَ مُتَمَنّاهم، ولَهم ذَلِكَ لا يُمْنَعُونَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ بِالتَّحِيَّةِ مِن رَبِّ العالَمِينَ. انْتَهى. وإذا كانَ سَلامٌ بَدَلًا مِن ما يَدَّعُونَ خُصُوصًا. والظّاهِرُ أنَّهُ عُمُومٌ في كُلِّ ما يَدَّعُونَ، وإذا كانَ عُمُومًا، لَمْ يَكُنْ سَلامٌ بَدَلًا مِنهُ. وقِيلَ: سَلامٌ خَبَرٌ لِما يَدَّعُونَ، وما يَدَّعُونَ مُبْتَدَأٌ، أيْ ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ خالِصٌ لا شُرْبَ فِيهِ، وقَوْلًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ﴾ أيْ عِدَّةٌ مِن رَحِيمٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وهو مِن مَجازِهِ. انْتَهى. ويَكُونَ لَهم مُتَعَلِّقًا عَلى هَذا الإعْرابِ بِـ (سَلامٌ) . وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: سِلْمٌ، بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، ومَعْناهُ سَلامٌ. وقالَ أبُو الفَضْلِ: الرّازِيُّ: مُسالِمٌ لَهم، أيْ ذَلِكَ مُسالِمٌ. وقَرَأ أُبِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، وعِيسى، والقَنَوِيُّ: سَلامًا، بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ لَهم مُرادُهم خالِصًا. ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ أيِ انْفَرَدُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المَحْشَرَ جَمَعَ البَرَّ والفاجِرَ، فَأُمِرَ المُجْرِمُونَ بِأنْ يَكُونُوا عَلى حِدَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والظّاهِرُ أنَّ ثَمَّ قَوْلًا مَحْذُوفًا؛ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قِيلَ: ويُقالُ لِلْمُجْرِمِينَ (امْتازُوا) . ولَمّا امْتَثَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، قالَ لَهم عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ﴾ ؟ وقَّفَهم عَلى عَهْدِهِ إلَيْهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ إيّاهُ. وعَنِ الضَّحّاكِ: لِكُلِّ كافِرٍ بَيْتٌ مِنَ النّارِ يَكُونُ فِيهِ لا يَرى ولا يُرى، فَعَلى هَذا مَعْناهُ أنَّ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ. وعَنْ قَتادَةَ: اعْتَزَلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. والعَهْدُ: الوَصِيَّةُ، عَهِدَ إلَيْهِ إذا وصّاهُ. وعَهْدُ اللَّهِ إلَيْهِمْ: ما رَكَّزَ فِيهِمْ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ، وأنْزَلَ إلَيْهِمْ مِن أدِلَّةِ السَّمْعِ. وعِبادَةُ الشَّيْطانِ: طاعَتُهُ فِيما يُغْوِيهِ ويُزَيِّنُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أعْهَدْ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والهاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الكُوفِيُّ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقالَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وهَذا الكَسْرُ في النُّونِ والتّاءِ أكْثَرُ مِن بَيْنِ حُرُوفِ المُضارَعَةِ، يَعْنِي: نِعْهَدْ وتِعْهَدْ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ألَمْ أعْهَدْ؛ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ألَمْ أحَدْ لُغَةُ تَمِيمٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الهُذَيْلُ بْنُ وثّابٍ: ألَمِ إعْهَدْ، بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ وفَتْحِ الهاءِ، وهي عَلى لُغَةِ مَن كَسَرَ أوَّلَ المُضارِعِ سِوى الياءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ: ألَمْ أعْهِدْ، بِكَسْرِ الهاءِ، يُقالُ: عَهِدَ يَعْهِدُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ يَعْنِي أنَّ كَسْرَ المِيمِ يَدُلُّ عَلى كَسْرِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ الَّتِي في المِيمِ هي حَرَكَةُ نَقْلِ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ حِينَ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو المِيمُ. أعْهَدْ بِالهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ المَكْسُورَةِ لَفْظًا؛ لِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إعْهَدْ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وبابُ فَعِلَ كُلُّهُ يَجُوزُ في حُرُوفِ مُضارَعَتِهِ الكَسْرُ إلّا في الياءِ؛ وأعْهِدُ بِكَسْرِ الهاءِ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ نَعَمَ يَنْعِمُ، وضَرَبَ يَضْرِبُ، وأحْهَدُ بِالحاءِ وأحَدُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ومِنهُ قَوْلُهم: دَحّا مَحّا. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إلّا في الياءِ، لُغَةٌ لِبَعْضِ كَلْبٍ أنَّهم يَكْسِرُونَ أيْضًا في الياءِ، يَقُولُونَ: هَلْ يِعْلَمُ ؟ وقَوْلُهُ: دَحّا مَحّا، يُرِيدُونَ دَعْها مَعَها، أدْغَمُوا العَيْنَ في الحاءِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما عَهِدَ إلَيْهِمْ مِن مَعْصِيَةِ الشَّيْطانِ وطاعَةِ الرَّحْمَنِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ (جِبِلًّا)، بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وسُهَيْلٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ؛ والحَسَنِ: (p-٣٤٤)بِخِلافٍ عَنْهُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ: بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ الباءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها وتَخْفِيفِ اللّامِ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي إسْحاقَ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ: بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ اللّامِ؛ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، واليَمانِيُّ، وحَمّادُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ؛ والأعْمَشُ: جِبِلًا، بِكَسْرَتَيْنِ وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقُرِئَ: جِبَلًا بِكَسْرِ الجِيمِ وفَتْحِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، جَمْعُ جِبْلَةٍ، نَحْوُ فِطْرَةٍ وفِطَرٍ، فَهَذِهِ سَبْعُ لُغاتٍ قُرِئَ بِها. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وبَعْضُ الخُراسانِيِّينَ: جِيلًا، بِكَسْرِ الجِيمِ بَعْدَها ياءُ آخِرِ الحُرُوفِ، واحِدُ الأجْيالِ؛ والجِبْلُ بِالباءِ بِواحِدَةٍ مِن أسْفَلَ الأُمَّةُ العَظِيمَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: أقَلُّهُ عَشَرَةُ آلافٍ. خاطَبَ تَعالى الكُفّارَ بِما فَعَلَ مَعَهُمُ الشَّيْطانُ تَقْرِيعًا لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا﴾ بِتاءِ الخِطابِ؛ وطَلْحَةُ، وعِيسى: بِياءِ الغَيْبَةِ، عائِدًا عَلى (جِبِلًّا) . ويُرْوى أنَّهم يَجْحَدُونَ ويُخاصِمُونَ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جِيرانُهم وعَشائِرُهم وأهالِيهِمْ، فَيَحْلِفُونَ ما كانُوا مُشْرِكِينَ، فَحِينَئِذٍ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم. وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، ويُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيُقالُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ». وقُرِئَ: يُخْتَمُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولِتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولْتَشْهَدْ بِلامِ الأمْرِ والجَزْمِ عَلى أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الأعْضاءَ بِالكَلامِ والشَّهادَةِ. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ: ولِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ، بِلامِ كَيْ والنَّصْبُ عَلى مَعْنى: وكَذَلِكَ يُخْتَمُ عَلى أفَواهِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الأعْيُنَ هي الأعْضاءُ المُبْصِرَةُ، والمَعْنى: لَأعْمَيْناهم فَلا يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ويُؤَيِّدُهُ مُناسَبَةُ المَسْخِ، فَهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وبُرُوجِ العَذابِ إنْ شاءَهُ اللَّهُ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ عَيْنَ البَصائِرِ، والمَعْنى: ولَوْ نَشاءُ لَخَتَمْتُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَلا يَهْتَدِي مِنهم أحَدٌ أبَدًا. والطَّمْسُ: إذْهابُ الشَّيْءِ وأثَرِهِ جُمْلَةً حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ. فَإنْ أُرِيدَ بِالأعْيُنِ الحَقِيقَةُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَطْمِسُ بِمَعْنى يَمْسَخُ حَقِيقَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّمْسُ يُرادُ بِهِ العَمى مِن غَيْرِ إذْهابِ العُضْوِ وأثَرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاسْتَبَقُوا)، فِعْلًا ماضِيًا مَعْطُوفًا عَلى ﴿لَطَمَسْنا﴾، وهو عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. (والصِّراطَ) مَنصُوبٌ عَلى تَقْدِيرِ إلى حُذِفَتْ ووُصِلَ الفِعْلُ، والأصْلُ فاسْتَبَقُوا إلى الصِّراطِ، أوْ مَفْعُولًا بِهِ عَلى تَضْمِينِ (اسْتَبَقُوا) مَعْنى (تَبادَرُوا)، وجَعْلِهِ مَسْبُوقًا إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الصِّراطَ هو الطَّرِيقُ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ مُخْتَصٌّ. لا يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ إلّا بِوَساطَةِ (في) إلّا في شُذُوذٍ، كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎لَدْنٌ بِهَزُّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ومَذْهَبُ ابْنِ الطَّراوَةِ أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ والمَخْرِمَ، وما أشْبَهَها مِنَ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً، فَعَلى مَذْهَبِهِ يَسُوغُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ عِيسى: فاسْتَبِقُوا عَلى الأمْرِ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُمُ اسْتَبِقُوا الصِّراطَ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ الِاسْتِباقُ مَعَ طَمْسِ الأعْيُنِ. ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُبْصِرُ مَن طُمِسَ عَلى عَيْنِهِ ؟ والظّاهِرُ أنَّ المَسْخَ حَقِيقَةٌ، وهو تَبْدِيلُ صِوَرِهِمْ بِصُوَرٍ شَنِيعَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿لَمَسَخْناهُمْ﴾ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، كَما تَقَدَّمَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقِيلَ حِجارَةً. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ: لَأقْعَدْناهم وأزَمْناهم، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا. والظّاهِرُ أنَّ هَذا لَوْ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: هَذا التَّوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾، بِالإفْرادِ، وهي المَكانُ، كالمَقامَةِ والمَقامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، وأبُو بَكْرٍ: بِالجَمْعِ. والجُمْهُورُ ﴿مُضِيًّا﴾، بِضَمِّ المِيمِ: وأبُو حَيْوَةَ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: بِكَسْرِها اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الضّادِ، كالعِتِبِيِّ والقِتِبِيِّ، وزْنُهُ فَعُولٌ. (p-٣٤٥)التَقَتْ واوٌ ساكِنَةٌ وياءٌ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ في الياءِ، وكُسِرَ ما قَبْلَها لِتَصِحَّ الياءُ. وقُرِئَ: مَضِيًّا، بِفَتْحِ المِيمِ، فَيَكُونُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعِيلٍ، كالرَّسِيمِ والوَجِيفِ. ولِما ذَكَرَ تَعالى الطَّمْسَ والمَسْخَ عَلى تَقْدِيرِ المُشَبَّهِ، ذَكَرَ تَعالى دَلِيلًا عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ في تَنْكِيسِ المُعَمَّرِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا هو تَعالى. وتَنْكِيسُهُ: قَلَبَهُ وجَعَلَهُ عَلى عَكْسِ ما خَلَقَهُ أوَّلًا، وهو أنَّهُ خَلَقَهُ عَلى ضَعْفٍ في جَسَدٍ وخُلُوٍّ مِن عَقْلٍ وعِلْمٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ يَتَزايَدُ ويَنْتَقِلُ مَن حالٍ إلى حالٍ إلى أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ وتُسْتَكْمَلَ قُوَّتُهُ، ويَعْقِلَ ويَعْلَمَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ. فَإذا انْتَهى نَكَّسَهُ في الخَلْقِ، فَيَتَناقَصُ حَتّى يَرْجِعَ في حالٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ الصِّبا في ضَعْفِ جَسَدِهِ وقِلَّةِ عَقْلِهِ وخُلُوِّهِ مِنَ الفَهْمِ، كَما يُنَكَّسُ السَّهْمُ فَيُجْعَلُ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، وفي هَذا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ قادِرٌ عَلى أنْ يَطْمِسَ وأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما أرادَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُنَكِّسْهُ)، مُشَدَّدًا؛ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: مُخَفَّفًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذَكْوانَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبّاسٍ: تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ. ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ الضَّمِيرُ في عَلَّمْناهُ لِلرَّسُولِ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ شاعِرٌ. ورُوِيَ أنَّ القائِلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ، وقَوْلُهم فِيهِ شاعِرٌ. أمّا مَن كانَ في طَبْعِهِ الشِّعْرُ، فَقَوْلُهُ مُكابَرَةٌ وإيهامٌ لِلْجاهِلِ بِالشِّعْرِ؛ وأمّا مَن لَيْسَ في طَبْعِهِ، فَقَوْلُهُ جَهْلٌ مَحْضٌ. وأيْنَ هو مِنَ الشِّعْرِ ؟ والشِّعْرُ إنَّما هو كَلامٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى يَدُلُّ عَلى مَعْنًى تَنْتَخِبُهُ الشُّعَراءُ مِن كَثْرَةِ التَّخْيِيلِ وتَزْوِيقِ الكَلامِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَرَّعُ المُتَدَيِّنُ عَنْ إنْشادِهِ، فَضْلًا عَنْ إنْشائِهِ: وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقُولُ الشِّعْرَ، وإذا أنْشَدَ بَيْتًا أحْرَزَ المَعْنى دُونَ وزْنِهِ، كَما أنْشَدَ: ؎سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ وقِيلَ: مِن أشْعَرِ النّاسِ، فَقالَ الَّذِي يَقُولُ: ؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها وإنْ لَمْ تُطَيَّبْ طِيبا ؎أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العُبَيْ ∗∗∗ دِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ وأنْشَدَ يَوْمًا: ؎كَفى بِالإسْلامِ والشَّيْبِ ناهِيا فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، إنَّما قالَ الشّاعِرُ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ، ورُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ مُتَّزِنًا في النّادِرِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ: ؎يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتُثْقِلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ ولا يَدُلُّ إجْراءُ البَيْتِ عَلى لِسانِهِ مُتَّزِنًا أنَّهُ يَعْلَمُ الشِّعْرَ، وقَدْ وقَعَ في كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدْخُلُهُ الوَزْنُ كَقَوْلِهِ: ؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ؎هَلْ أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ وهُوَ كَلامٌ مَن جِنْسِ كَلامِهِ الَّذِي كانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ عَلى طَبِيعَتِهِ، مِن غَيْرِ صَنْعَةٍ فِيهِ ولا قَصْدٍ لِوَزْنٍ ولا تَكَلُّفٍ. كَما يُوجَدُ في القُرْآنِ شَيْءٌ مَوْزُونٌ ولا يُعَدُّ شِعْرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . وقَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . وفي كَثِيرٍ مِنَ النَّثْرِ الَّذِي تُنْشِئُهُ الفُصَحاءُ، ولا يُسَمّى ذَلِكَ شِعْرًا، ولا يَخْطُرُ بِبالِ المُنْشِي ولا السّامِعِ أنَّهُ شِعْرٌ. ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أيْ ولا يُمْكِنُ لَهُ ولا يَصِحُّ ولا يُناسَبُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في طَرِيقِ جِدٍّ مَحْضٍ، والشِّعْرُ أكْثَرُهُ في طَرِيقِ هَزْلٍ، وتَحْسِينٌ لِما لَيْسَ حَسَنًا، وتَقْبِيحٌ لِما لَيْسَ قَبِيحًا ومُغالاةٌ مُفْرِطَةٌ. جَعَلَهُ تَعالى لا يَقْرِضُ الشِّعْرَ، كَما جَعَلَهُ أُمِّيًّا لا يَخُطُّ، لِتَكُونَ الحُجَّةُ أثْبَتَ والشُّبْهَةُ أدْحَضَ. وقِيلَ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى غَضاضَةِ الشِّعْرِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما أنا بِشاعِرٍ ولا يَنْبَغِي لِي“ . وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ لا غَضاضَةَ فِيهِ، وإنَّما مَنَعَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وإنْ كانَ حِلْيَةً جَلِيلَةً لِيَجِيءَ القُرْآنُ مِن قِبَلِهِ أغْرَبَ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ إدْراكُ الشِّعْرِ لَقِيلَ في القُرْآنِ: هَذا مِن تِلْكَ (p-٣٤٦)القُوَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ في النَّثْرِ في الرُّتْبَةِ العُلْيا، ولَكِنَّ كَلامَ اللَّهِ يُبِينُ بِإعْجازِهِ ويَنْدُرُ بِوَصْفِهِ، ويُخْرِجُهُ إحاطَةُ عِلْمِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ كَلامٍ؛ وإنَّما مَنَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ الشِّعْرِ تَرْفِيعًا لَهُ عَنْ ما في قَوْلِ الشُّعَراءِ مِنَ التَّخْيِيلِ والتَّزْوِيقِ لِلْقَوْلِ. وأمّا القُرْآنُ فَهو ذِكْرٌ بِحَقائِقَ وبَراهِينَ، فَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ، وهَذا كانَ أُسْلُوبُ كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلًا واحِدًا. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (لَهُ) لِلرَّسُولِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِلْقُرْآنِ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنْ لَهُ أنْ يَقُولَ: يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ، ويُبَيِّنُهُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كِتابٌ سَماوِيٌّ يُقْرَأُ في المَحارِيبِ، ويُنالُ بِتِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِهِ ما فِيهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ. فَكَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشِّعْرِ الَّذِي أكْثَرُهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ؟ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: لِتُنْذِرَ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الرَّسُولِ، واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (لِيُنْذَرَ)، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ الجَحْدَرِيِّ. وقالَ عَنْ أبِي السَّمّالِ واليَمانِيِّ أنَّهُما قَرَآ: لِيَنْذَرَ، بِفَتْحِ الياءِ والذّالِ مُضارِعَ نَذِرَ بِكَسْرِ الذّالِ، إذا عَلِمَ بِالشَّيْءِ فاسْتَعَدَّ لَهُ. ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ غافِلًا، قالَهُ الضَّحّاكُ؛ لِأنَّ الغافِلَ كالمَيِّتِ؛ ويُرِيدُ بِهِ مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالإيمانِ، وكَذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ (ويَحِقَّ القَوْلُ) أيْ كَلِمَةُ العَذابِ، ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ المَحْتُومِ لَهم بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ.

يس 36:78

﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ . (p-٣٤٢)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِحالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ. والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ لَنا بِما يَكُونُونَ فِيهِ إذا صارُوا إلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. وقِيلَ: هو حِكايَةُ ما يُقالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ الحِكايَةِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِلْمَوْعُودِ لَهُ في النُّفُوسِ، وتَرْغِيبٌ إلى الحِرْصِ عَلَيْهِ وفِيما يُثْمِرُهُ؛ والظّاهِرُ أنَّ الشُّغُلَ هو النَّعِيمُ الَّذِي قَدْ شَغَلَهم عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ، وبَعْضُهم خَصَّ هَذا الشُّغُلَ بِافْتِضاضِ الأبْكارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَنْهُ أيْضًا: سَماعُ الأوْتارِ. وعَنِ الحَسَنِ: شُغِلُوا عَنْ ما فِيهِ أهْلُ النّارِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: عَنْ أهالِيهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، لا يَذْكُرُونَهم لِئَلّا يَتَنَغَّصُو‌‌‌‌ا. وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ: الشُّغُلُ: التَّزاوُرُ. وقِيلَ: ضِيافَةُ اللَّهِ، وأُفِرَدَ الشُّغُلُ مَلْحُوظًا فِيهِ النَّعِيمُ، وهو واحِدٌ مِن حَيْثُ هو نَعِيمٌ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ الشِّينِ وسُكُونِ الغَيْنِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها؛ ومُجاهِدٌ، وأبُو السَّمّالِ، وابْنُ هُبَيْرَةَ فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْهُ: بِفَتْحَتَيْنِ؛ ويَزِيدُ النَّحْوِيُّ، وابْنُ هُبَيْرَةَ، فِيما نَقَلَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: بِفَتْحِ الشِّينِ وإسْكانِ الغَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهُونَ)، بِالألِفِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ويَحْيى بْنُ صُبَيْحٍ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: فاكِهِينَ، بِالألِفِ وبِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، وفي شُغُلٍ هو الخَبَرُ. فَبِالألِفِ أصْحابُ فاكِهَةٍ، كَما يُقالُ لابِنٍ وتامِرٍ وشاحِمٍ ولاحِمٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ مَعْناهُ: فَرِحُونَ طَرِبُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الفُكاهَةِ وهي المُزْحَةُ، وقُرِئَ: فَكِهِينَ، بِغَيْرِ ألِفٍ وبِالياءِ. وقُرِئَ: فَكُهُونَ، بِضَمِّ الكافِ. يُقالُ: رَجُلٌ فَكُهٌ وفَكِهٌ، نَحْوُ: يَدُسٌ ويَدِسٌ. ويَجُوزُ في هم أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ في ظِلالٍ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ خَبَرُهُ مُتَّكِئُونَ، وفي ظِلالٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في فاكِهُونَ، وفي ظِلالٍ حالٌ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ لِإنَّ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في شُغُلٍ، المُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِنَ العامِلِ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ الأزْواجُ قَدْ شارَكُوهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ المَنطُوقِ. وعَلى الأوَّلِ، شارَكُوهم في الظِّلالِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ مِن حَيْثُ المَنطُوقُ، وهُنَّ قَدْ شارَكْنَهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ مِن حَيْثُ المَعْنى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (في ظِلالٍ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو جَمْعُ ظِلٍّ، إذِ الجَنَّةُ لا شَمْسَ فِيها، وإنَّما هَواؤُها سَجْسَجٌ، كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. انْتَهى. وجُمِعَ فِعْلٌ عَلى فِعالٍ في الكَثْرَةِ، نَحْوُ: ذِئْبٌ وذِئابٌ. وأمّا أنَّ وقْتَ الجَنَّةِ كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَحْتاجُ هَذا إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ وفي الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى حَوْراءَ مِن حُورِ الجَنَّةِ، لَوْ ظَهَرَتْ لَأضاءَتْ مِنها الدُّنْيا، أوْ نَحْوٌ مِن هَذا ؟ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ظُلَّةٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَبُرْمَةٍ وبِرامٍ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَمْعُ ظِلَّةٍ، بِكَسْرِ الظّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ في ظُلَّةٍ. انْتَهى. فَيَكُونَ مِثْلَ لُقْحَةٍ ولِقاحٍ، وفِعالٌ لا يَنْقاسُ في فُعْلَةٍ بَلْ يُحْفَظُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (في ظِلٍّ): جَمْعُ ظِلَّةٍ، وجَمْعُ فِعْلَةٍ عَلى فِعْلٍ مَقِيسٌ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَلابِسِ والمَراتِبِ مِنَ الحِجالِ والسُّتُورِ ونَحْوِها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُظِلُّ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: مُتَّكِئِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ؛ ويَدَّعُونَ مُضارِعُ ادَّعى، وهو افْتَعَلَ مِن دَعا، ومَعْناهُ: ولَهم ما يَتَمَنَّوْنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تَقُولُ ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ، بِمَعْنى تَمَنَّ عَلَيَّ وتَقُولُ فُلانٌ في خَبَرٍ ما تَمَنّى. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مِنَ الدُّعاءِ، أيْ ما يَدْعُونَهُ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ. وقِيلَ: يَدْعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: يَتَداعُونَهُ لِقَوْلِهِ (p-٣٤٣)ارْتَمُوهُ وتَرامُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَلامٌ بِالرَّفْعِ. وهو صِفَةٌ لِما، أيْ مُسَلَّمٌ لَهم وخالِصٌ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ إنْ كانَ ما بِمَعْنى الَّذِي؛ لِأنَّها تَكُونُ إذْ ذاكَ مَعْرِفَةً. وسَلامٌ نَكِرَةٌ، ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. فَإنْ كانَتْ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً جازَ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ عُمُومٌ، كَحالِها بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: سَلامٌ مُبْتَدَأٌ ويَكُونُ خَبَرُهُ ذَلِكَ الفِعْلَ النّاصِبَ لِقَوْلِهِ (قَوْلًا)، أيْ سَلامٌ يُقالُ، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، أوْ يَكُونُ عَلَيْكم مَحْذُوفًا، أيْ سَلامٌ عَلَيْكم، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ . وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو سَلامٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿سَلامٌ قَوْلًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ما يَدَّعُونَ﴾، كَأنَّهُ قالَ: لَهم سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا مِن جِهَةِ رَبٍّ رَحِيمٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، مُبالَغَةً في تَعْظِيمِهِمْ، وذَلِكَ مُتَمَنّاهم، ولَهم ذَلِكَ لا يُمْنَعُونَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ بِالتَّحِيَّةِ مِن رَبِّ العالَمِينَ. انْتَهى. وإذا كانَ سَلامٌ بَدَلًا مِن ما يَدَّعُونَ خُصُوصًا. والظّاهِرُ أنَّهُ عُمُومٌ في كُلِّ ما يَدَّعُونَ، وإذا كانَ عُمُومًا، لَمْ يَكُنْ سَلامٌ بَدَلًا مِنهُ. وقِيلَ: سَلامٌ خَبَرٌ لِما يَدَّعُونَ، وما يَدَّعُونَ مُبْتَدَأٌ، أيْ ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ خالِصٌ لا شُرْبَ فِيهِ، وقَوْلًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ﴾ أيْ عِدَّةٌ مِن رَحِيمٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وهو مِن مَجازِهِ. انْتَهى. ويَكُونَ لَهم مُتَعَلِّقًا عَلى هَذا الإعْرابِ بِـ (سَلامٌ) . وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: سِلْمٌ، بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، ومَعْناهُ سَلامٌ. وقالَ أبُو الفَضْلِ: الرّازِيُّ: مُسالِمٌ لَهم، أيْ ذَلِكَ مُسالِمٌ. وقَرَأ أُبِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، وعِيسى، والقَنَوِيُّ: سَلامًا، بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ لَهم مُرادُهم خالِصًا. ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ أيِ انْفَرَدُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المَحْشَرَ جَمَعَ البَرَّ والفاجِرَ، فَأُمِرَ المُجْرِمُونَ بِأنْ يَكُونُوا عَلى حِدَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والظّاهِرُ أنَّ ثَمَّ قَوْلًا مَحْذُوفًا؛ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قِيلَ: ويُقالُ لِلْمُجْرِمِينَ (امْتازُوا) . ولَمّا امْتَثَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، قالَ لَهم عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ﴾ ؟ وقَّفَهم عَلى عَهْدِهِ إلَيْهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ إيّاهُ. وعَنِ الضَّحّاكِ: لِكُلِّ كافِرٍ بَيْتٌ مِنَ النّارِ يَكُونُ فِيهِ لا يَرى ولا يُرى، فَعَلى هَذا مَعْناهُ أنَّ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ. وعَنْ قَتادَةَ: اعْتَزَلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. والعَهْدُ: الوَصِيَّةُ، عَهِدَ إلَيْهِ إذا وصّاهُ. وعَهْدُ اللَّهِ إلَيْهِمْ: ما رَكَّزَ فِيهِمْ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ، وأنْزَلَ إلَيْهِمْ مِن أدِلَّةِ السَّمْعِ. وعِبادَةُ الشَّيْطانِ: طاعَتُهُ فِيما يُغْوِيهِ ويُزَيِّنُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أعْهَدْ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والهاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الكُوفِيُّ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقالَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وهَذا الكَسْرُ في النُّونِ والتّاءِ أكْثَرُ مِن بَيْنِ حُرُوفِ المُضارَعَةِ، يَعْنِي: نِعْهَدْ وتِعْهَدْ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ألَمْ أعْهَدْ؛ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ألَمْ أحَدْ لُغَةُ تَمِيمٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الهُذَيْلُ بْنُ وثّابٍ: ألَمِ إعْهَدْ، بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ وفَتْحِ الهاءِ، وهي عَلى لُغَةِ مَن كَسَرَ أوَّلَ المُضارِعِ سِوى الياءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ: ألَمْ أعْهِدْ، بِكَسْرِ الهاءِ، يُقالُ: عَهِدَ يَعْهِدُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ يَعْنِي أنَّ كَسْرَ المِيمِ يَدُلُّ عَلى كَسْرِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ الَّتِي في المِيمِ هي حَرَكَةُ نَقْلِ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ حِينَ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو المِيمُ. أعْهَدْ بِالهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ المَكْسُورَةِ لَفْظًا؛ لِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إعْهَدْ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وبابُ فَعِلَ كُلُّهُ يَجُوزُ في حُرُوفِ مُضارَعَتِهِ الكَسْرُ إلّا في الياءِ؛ وأعْهِدُ بِكَسْرِ الهاءِ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ نَعَمَ يَنْعِمُ، وضَرَبَ يَضْرِبُ، وأحْهَدُ بِالحاءِ وأحَدُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ومِنهُ قَوْلُهم: دَحّا مَحّا. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إلّا في الياءِ، لُغَةٌ لِبَعْضِ كَلْبٍ أنَّهم يَكْسِرُونَ أيْضًا في الياءِ، يَقُولُونَ: هَلْ يِعْلَمُ ؟ وقَوْلُهُ: دَحّا مَحّا، يُرِيدُونَ دَعْها مَعَها، أدْغَمُوا العَيْنَ في الحاءِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما عَهِدَ إلَيْهِمْ مِن مَعْصِيَةِ الشَّيْطانِ وطاعَةِ الرَّحْمَنِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ (جِبِلًّا)، بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وسُهَيْلٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ؛ والحَسَنِ: (p-٣٤٤)بِخِلافٍ عَنْهُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ: بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ الباءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها وتَخْفِيفِ اللّامِ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي إسْحاقَ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ: بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ اللّامِ؛ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، واليَمانِيُّ، وحَمّادُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ؛ والأعْمَشُ: جِبِلًا، بِكَسْرَتَيْنِ وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقُرِئَ: جِبَلًا بِكَسْرِ الجِيمِ وفَتْحِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، جَمْعُ جِبْلَةٍ، نَحْوُ فِطْرَةٍ وفِطَرٍ، فَهَذِهِ سَبْعُ لُغاتٍ قُرِئَ بِها. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وبَعْضُ الخُراسانِيِّينَ: جِيلًا، بِكَسْرِ الجِيمِ بَعْدَها ياءُ آخِرِ الحُرُوفِ، واحِدُ الأجْيالِ؛ والجِبْلُ بِالباءِ بِواحِدَةٍ مِن أسْفَلَ الأُمَّةُ العَظِيمَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: أقَلُّهُ عَشَرَةُ آلافٍ. خاطَبَ تَعالى الكُفّارَ بِما فَعَلَ مَعَهُمُ الشَّيْطانُ تَقْرِيعًا لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا﴾ بِتاءِ الخِطابِ؛ وطَلْحَةُ، وعِيسى: بِياءِ الغَيْبَةِ، عائِدًا عَلى (جِبِلًّا) . ويُرْوى أنَّهم يَجْحَدُونَ ويُخاصِمُونَ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جِيرانُهم وعَشائِرُهم وأهالِيهِمْ، فَيَحْلِفُونَ ما كانُوا مُشْرِكِينَ، فَحِينَئِذٍ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم. وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، ويُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيُقالُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ». وقُرِئَ: يُخْتَمُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولِتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولْتَشْهَدْ بِلامِ الأمْرِ والجَزْمِ عَلى أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الأعْضاءَ بِالكَلامِ والشَّهادَةِ. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ: ولِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ، بِلامِ كَيْ والنَّصْبُ عَلى مَعْنى: وكَذَلِكَ يُخْتَمُ عَلى أفَواهِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الأعْيُنَ هي الأعْضاءُ المُبْصِرَةُ، والمَعْنى: لَأعْمَيْناهم فَلا يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ويُؤَيِّدُهُ مُناسَبَةُ المَسْخِ، فَهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وبُرُوجِ العَذابِ إنْ شاءَهُ اللَّهُ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ عَيْنَ البَصائِرِ، والمَعْنى: ولَوْ نَشاءُ لَخَتَمْتُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَلا يَهْتَدِي مِنهم أحَدٌ أبَدًا. والطَّمْسُ: إذْهابُ الشَّيْءِ وأثَرِهِ جُمْلَةً حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ. فَإنْ أُرِيدَ بِالأعْيُنِ الحَقِيقَةُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَطْمِسُ بِمَعْنى يَمْسَخُ حَقِيقَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّمْسُ يُرادُ بِهِ العَمى مِن غَيْرِ إذْهابِ العُضْوِ وأثَرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاسْتَبَقُوا)، فِعْلًا ماضِيًا مَعْطُوفًا عَلى ﴿لَطَمَسْنا﴾، وهو عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. (والصِّراطَ) مَنصُوبٌ عَلى تَقْدِيرِ إلى حُذِفَتْ ووُصِلَ الفِعْلُ، والأصْلُ فاسْتَبَقُوا إلى الصِّراطِ، أوْ مَفْعُولًا بِهِ عَلى تَضْمِينِ (اسْتَبَقُوا) مَعْنى (تَبادَرُوا)، وجَعْلِهِ مَسْبُوقًا إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الصِّراطَ هو الطَّرِيقُ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ مُخْتَصٌّ. لا يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ إلّا بِوَساطَةِ (في) إلّا في شُذُوذٍ، كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎لَدْنٌ بِهَزُّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ومَذْهَبُ ابْنِ الطَّراوَةِ أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ والمَخْرِمَ، وما أشْبَهَها مِنَ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً، فَعَلى مَذْهَبِهِ يَسُوغُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ عِيسى: فاسْتَبِقُوا عَلى الأمْرِ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُمُ اسْتَبِقُوا الصِّراطَ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ الِاسْتِباقُ مَعَ طَمْسِ الأعْيُنِ. ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُبْصِرُ مَن طُمِسَ عَلى عَيْنِهِ ؟ والظّاهِرُ أنَّ المَسْخَ حَقِيقَةٌ، وهو تَبْدِيلُ صِوَرِهِمْ بِصُوَرٍ شَنِيعَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿لَمَسَخْناهُمْ﴾ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، كَما تَقَدَّمَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقِيلَ حِجارَةً. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ: لَأقْعَدْناهم وأزَمْناهم، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا. والظّاهِرُ أنَّ هَذا لَوْ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: هَذا التَّوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾، بِالإفْرادِ، وهي المَكانُ، كالمَقامَةِ والمَقامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، وأبُو بَكْرٍ: بِالجَمْعِ. والجُمْهُورُ ﴿مُضِيًّا﴾، بِضَمِّ المِيمِ: وأبُو حَيْوَةَ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: بِكَسْرِها اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الضّادِ، كالعِتِبِيِّ والقِتِبِيِّ، وزْنُهُ فَعُولٌ. (p-٣٤٥)التَقَتْ واوٌ ساكِنَةٌ وياءٌ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ في الياءِ، وكُسِرَ ما قَبْلَها لِتَصِحَّ الياءُ. وقُرِئَ: مَضِيًّا، بِفَتْحِ المِيمِ، فَيَكُونُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعِيلٍ، كالرَّسِيمِ والوَجِيفِ. ولِما ذَكَرَ تَعالى الطَّمْسَ والمَسْخَ عَلى تَقْدِيرِ المُشَبَّهِ، ذَكَرَ تَعالى دَلِيلًا عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ في تَنْكِيسِ المُعَمَّرِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا هو تَعالى. وتَنْكِيسُهُ: قَلَبَهُ وجَعَلَهُ عَلى عَكْسِ ما خَلَقَهُ أوَّلًا، وهو أنَّهُ خَلَقَهُ عَلى ضَعْفٍ في جَسَدٍ وخُلُوٍّ مِن عَقْلٍ وعِلْمٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ يَتَزايَدُ ويَنْتَقِلُ مَن حالٍ إلى حالٍ إلى أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ وتُسْتَكْمَلَ قُوَّتُهُ، ويَعْقِلَ ويَعْلَمَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ. فَإذا انْتَهى نَكَّسَهُ في الخَلْقِ، فَيَتَناقَصُ حَتّى يَرْجِعَ في حالٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ الصِّبا في ضَعْفِ جَسَدِهِ وقِلَّةِ عَقْلِهِ وخُلُوِّهِ مِنَ الفَهْمِ، كَما يُنَكَّسُ السَّهْمُ فَيُجْعَلُ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، وفي هَذا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ قادِرٌ عَلى أنْ يَطْمِسَ وأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما أرادَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُنَكِّسْهُ)، مُشَدَّدًا؛ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: مُخَفَّفًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذَكْوانَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبّاسٍ: تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ. ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ الضَّمِيرُ في عَلَّمْناهُ لِلرَّسُولِ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ شاعِرٌ. ورُوِيَ أنَّ القائِلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ، وقَوْلُهم فِيهِ شاعِرٌ. أمّا مَن كانَ في طَبْعِهِ الشِّعْرُ، فَقَوْلُهُ مُكابَرَةٌ وإيهامٌ لِلْجاهِلِ بِالشِّعْرِ؛ وأمّا مَن لَيْسَ في طَبْعِهِ، فَقَوْلُهُ جَهْلٌ مَحْضٌ. وأيْنَ هو مِنَ الشِّعْرِ ؟ والشِّعْرُ إنَّما هو كَلامٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى يَدُلُّ عَلى مَعْنًى تَنْتَخِبُهُ الشُّعَراءُ مِن كَثْرَةِ التَّخْيِيلِ وتَزْوِيقِ الكَلامِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَرَّعُ المُتَدَيِّنُ عَنْ إنْشادِهِ، فَضْلًا عَنْ إنْشائِهِ: وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقُولُ الشِّعْرَ، وإذا أنْشَدَ بَيْتًا أحْرَزَ المَعْنى دُونَ وزْنِهِ، كَما أنْشَدَ: ؎سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ وقِيلَ: مِن أشْعَرِ النّاسِ، فَقالَ الَّذِي يَقُولُ: ؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها وإنْ لَمْ تُطَيَّبْ طِيبا ؎أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العُبَيْ ∗∗∗ دِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ وأنْشَدَ يَوْمًا: ؎كَفى بِالإسْلامِ والشَّيْبِ ناهِيا فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، إنَّما قالَ الشّاعِرُ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ، ورُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ مُتَّزِنًا في النّادِرِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ: ؎يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتُثْقِلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ ولا يَدُلُّ إجْراءُ البَيْتِ عَلى لِسانِهِ مُتَّزِنًا أنَّهُ يَعْلَمُ الشِّعْرَ، وقَدْ وقَعَ في كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدْخُلُهُ الوَزْنُ كَقَوْلِهِ: ؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ؎هَلْ أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ وهُوَ كَلامٌ مَن جِنْسِ كَلامِهِ الَّذِي كانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ عَلى طَبِيعَتِهِ، مِن غَيْرِ صَنْعَةٍ فِيهِ ولا قَصْدٍ لِوَزْنٍ ولا تَكَلُّفٍ. كَما يُوجَدُ في القُرْآنِ شَيْءٌ مَوْزُونٌ ولا يُعَدُّ شِعْرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . وقَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . وفي كَثِيرٍ مِنَ النَّثْرِ الَّذِي تُنْشِئُهُ الفُصَحاءُ، ولا يُسَمّى ذَلِكَ شِعْرًا، ولا يَخْطُرُ بِبالِ المُنْشِي ولا السّامِعِ أنَّهُ شِعْرٌ. ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أيْ ولا يُمْكِنُ لَهُ ولا يَصِحُّ ولا يُناسَبُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في طَرِيقِ جِدٍّ مَحْضٍ، والشِّعْرُ أكْثَرُهُ في طَرِيقِ هَزْلٍ، وتَحْسِينٌ لِما لَيْسَ حَسَنًا، وتَقْبِيحٌ لِما لَيْسَ قَبِيحًا ومُغالاةٌ مُفْرِطَةٌ. جَعَلَهُ تَعالى لا يَقْرِضُ الشِّعْرَ، كَما جَعَلَهُ أُمِّيًّا لا يَخُطُّ، لِتَكُونَ الحُجَّةُ أثْبَتَ والشُّبْهَةُ أدْحَضَ. وقِيلَ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى غَضاضَةِ الشِّعْرِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما أنا بِشاعِرٍ ولا يَنْبَغِي لِي“ . وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ لا غَضاضَةَ فِيهِ، وإنَّما مَنَعَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وإنْ كانَ حِلْيَةً جَلِيلَةً لِيَجِيءَ القُرْآنُ مِن قِبَلِهِ أغْرَبَ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ إدْراكُ الشِّعْرِ لَقِيلَ في القُرْآنِ: هَذا مِن تِلْكَ (p-٣٤٦)القُوَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ في النَّثْرِ في الرُّتْبَةِ العُلْيا، ولَكِنَّ كَلامَ اللَّهِ يُبِينُ بِإعْجازِهِ ويَنْدُرُ بِوَصْفِهِ، ويُخْرِجُهُ إحاطَةُ عِلْمِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ كَلامٍ؛ وإنَّما مَنَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ الشِّعْرِ تَرْفِيعًا لَهُ عَنْ ما في قَوْلِ الشُّعَراءِ مِنَ التَّخْيِيلِ والتَّزْوِيقِ لِلْقَوْلِ. وأمّا القُرْآنُ فَهو ذِكْرٌ بِحَقائِقَ وبَراهِينَ، فَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ، وهَذا كانَ أُسْلُوبُ كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلًا واحِدًا. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (لَهُ) لِلرَّسُولِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِلْقُرْآنِ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنْ لَهُ أنْ يَقُولَ: يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ، ويُبَيِّنُهُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كِتابٌ سَماوِيٌّ يُقْرَأُ في المَحارِيبِ، ويُنالُ بِتِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِهِ ما فِيهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ. فَكَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشِّعْرِ الَّذِي أكْثَرُهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ؟ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: لِتُنْذِرَ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الرَّسُولِ، واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (لِيُنْذَرَ)، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ الجَحْدَرِيِّ. وقالَ عَنْ أبِي السَّمّالِ واليَمانِيِّ أنَّهُما قَرَآ: لِيَنْذَرَ، بِفَتْحِ الياءِ والذّالِ مُضارِعَ نَذِرَ بِكَسْرِ الذّالِ، إذا عَلِمَ بِالشَّيْءِ فاسْتَعَدَّ لَهُ. ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ غافِلًا، قالَهُ الضَّحّاكُ؛ لِأنَّ الغافِلَ كالمَيِّتِ؛ ويُرِيدُ بِهِ مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالإيمانِ، وكَذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ (ويَحِقَّ القَوْلُ) أيْ كَلِمَةُ العَذابِ، ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ المَحْتُومِ لَهم بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ.

يس 36:79

﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ . (p-٣٤٢)لَمّا ذَكَرَ تَعالى أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِحالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ. والظّاهِرُ أنَّهُ إخْبارٌ لَنا بِما يَكُونُونَ فِيهِ إذا صارُوا إلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. وقِيلَ: هو حِكايَةُ ما يُقالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ الحِكايَةِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِلْمَوْعُودِ لَهُ في النُّفُوسِ، وتَرْغِيبٌ إلى الحِرْصِ عَلَيْهِ وفِيما يُثْمِرُهُ؛ والظّاهِرُ أنَّ الشُّغُلَ هو النَّعِيمُ الَّذِي قَدْ شَغَلَهم عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ. وقالَ قَرِيبًا مِنهُ مُجاهِدٌ، وبَعْضُهم خَصَّ هَذا الشُّغُلَ بِافْتِضاضِ الأبْكارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَنْهُ أيْضًا: سَماعُ الأوْتارِ. وعَنِ الحَسَنِ: شُغِلُوا عَنْ ما فِيهِ أهْلُ النّارِ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: عَنْ أهالِيهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، لا يَذْكُرُونَهم لِئَلّا يَتَنَغَّصُو‌‌‌‌ا. وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ: الشُّغُلُ: التَّزاوُرُ. وقِيلَ: ضِيافَةُ اللَّهِ، وأُفِرَدَ الشُّغُلُ مَلْحُوظًا فِيهِ النَّعِيمُ، وهو واحِدٌ مِن حَيْثُ هو نَعِيمٌ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ الشِّينِ وسُكُونِ الغَيْنِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها؛ ومُجاهِدٌ، وأبُو السَّمّالِ، وابْنُ هُبَيْرَةَ فِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْهُ: بِفَتْحَتَيْنِ؛ ويَزِيدُ النَّحْوِيُّ، وابْنُ هُبَيْرَةَ، فِيما نَقَلَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: بِفَتْحِ الشِّينِ وإسْكانِ الغَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهُونَ)، بِالألِفِ؛ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، ومُجاهِدٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ويَحْيى بْنُ صُبَيْحٍ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ: بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: فاكِهِينَ، بِالألِفِ وبِالياءِ نَصْبًا عَلى الحالِ، وفي شُغُلٍ هو الخَبَرُ. فَبِالألِفِ أصْحابُ فاكِهَةٍ، كَما يُقالُ لابِنٍ وتامِرٍ وشاحِمٍ ولاحِمٍ، وبِغَيْرِ ألِفٍ مَعْناهُ: فَرِحُونَ طَرِبُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الفُكاهَةِ وهي المُزْحَةُ، وقُرِئَ: فَكِهِينَ، بِغَيْرِ ألِفٍ وبِالياءِ. وقُرِئَ: فَكُهُونَ، بِضَمِّ الكافِ. يُقالُ: رَجُلٌ فَكُهٌ وفَكِهٌ، نَحْوُ: يَدُسٌ ويَدِسٌ. ويَجُوزُ في هم أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ في ظِلالٍ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ خَبَرُهُ مُتَّكِئُونَ، وفي ظِلالٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في فاكِهُونَ، وفي ظِلالٍ حالٌ، ومُتَّكِئُونَ خَبَرٌ ثانٍ لِإنَّ، أوْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في شُغُلٍ، المُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِنَ العامِلِ فِيهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ والَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ الأزْواجُ قَدْ شارَكُوهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ، وذَلِكَ مِن جِهَةِ المَنطُوقِ. وعَلى الأوَّلِ، شارَكُوهم في الظِّلالِ والِاتِّكاءِ عَلى الأرائِكِ مِن حَيْثُ المَنطُوقُ، وهُنَّ قَدْ شارَكْنَهم في التَّفَكُّهِ والشُّغُلِ مِن حَيْثُ المَعْنى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (في ظِلالٍ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو جَمْعُ ظِلٍّ، إذِ الجَنَّةُ لا شَمْسَ فِيها، وإنَّما هَواؤُها سَجْسَجٌ، كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. انْتَهى. وجُمِعَ فِعْلٌ عَلى فِعالٍ في الكَثْرَةِ، نَحْوُ: ذِئْبٌ وذِئابٌ. وأمّا أنَّ وقْتَ الجَنَّةِ كَوَقْتِ الأسْفارِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَحْتاجُ هَذا إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ وفي الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى حَوْراءَ مِن حُورِ الجَنَّةِ، لَوْ ظَهَرَتْ لَأضاءَتْ مِنها الدُّنْيا، أوْ نَحْوٌ مِن هَذا ؟ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ظُلَّةٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَبُرْمَةٍ وبِرامٍ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: جَمْعُ ظِلَّةٍ، بِكَسْرِ الظّاءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ في ظُلَّةٍ. انْتَهى. فَيَكُونَ مِثْلَ لُقْحَةٍ ولِقاحٍ، وفِعالٌ لا يَنْقاسُ في فُعْلَةٍ بَلْ يُحْفَظُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والسُّلَمِيُّ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (في ظِلٍّ): جَمْعُ ظِلَّةٍ، وجَمْعُ فِعْلَةٍ عَلى فِعْلٍ مَقِيسٌ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَلابِسِ والمَراتِبِ مِنَ الحِجالِ والسُّتُورِ ونَحْوِها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُظِلُّ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: مُتَّكِئِينَ، نَصْبًا عَلى الحالِ؛ ويَدَّعُونَ مُضارِعُ ادَّعى، وهو افْتَعَلَ مِن دَعا، ومَعْناهُ: ولَهم ما يَتَمَنَّوْنَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تَقُولُ ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ، بِمَعْنى تَمَنَّ عَلَيَّ وتَقُولُ فُلانٌ في خَبَرٍ ما تَمَنّى. قالَ الزَّجّاجُ: وهو مِنَ الدُّعاءِ، أيْ ما يَدْعُونَهُ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ. وقِيلَ: يَدْعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: يَتَداعُونَهُ لِقَوْلِهِ (p-٣٤٣)ارْتَمُوهُ وتَرامُوهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَلامٌ بِالرَّفْعِ. وهو صِفَةٌ لِما، أيْ مُسَلَّمٌ لَهم وخالِصٌ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ إنْ كانَ ما بِمَعْنى الَّذِي؛ لِأنَّها تَكُونُ إذْ ذاكَ مَعْرِفَةً. وسَلامٌ نَكِرَةٌ، ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. فَإنْ كانَتْ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً جازَ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ عُمُومٌ، كَحالِها بِمَعْنى الَّذِي. وقِيلَ: سَلامٌ مُبْتَدَأٌ ويَكُونُ خَبَرُهُ ذَلِكَ الفِعْلَ النّاصِبَ لِقَوْلِهِ (قَوْلًا)، أيْ سَلامٌ يُقالُ، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، أوْ يَكُونُ عَلَيْكم مَحْذُوفًا، أيْ سَلامٌ عَلَيْكم، ﴿قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ . وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو سَلامٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿سَلامٌ قَوْلًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ما يَدَّعُونَ﴾، كَأنَّهُ قالَ: لَهم سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا مِن جِهَةِ رَبٍّ رَحِيمٍ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، مُبالَغَةً في تَعْظِيمِهِمْ، وذَلِكَ مُتَمَنّاهم، ولَهم ذَلِكَ لا يُمْنَعُونَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ بِالتَّحِيَّةِ مِن رَبِّ العالَمِينَ. انْتَهى. وإذا كانَ سَلامٌ بَدَلًا مِن ما يَدَّعُونَ خُصُوصًا. والظّاهِرُ أنَّهُ عُمُومٌ في كُلِّ ما يَدَّعُونَ، وإذا كانَ عُمُومًا، لَمْ يَكُنْ سَلامٌ بَدَلًا مِنهُ. وقِيلَ: سَلامٌ خَبَرٌ لِما يَدَّعُونَ، وما يَدَّعُونَ مُبْتَدَأٌ، أيْ ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ خالِصٌ لا شُرْبَ فِيهِ، وقَوْلًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ﴾ أيْ عِدَّةٌ مِن رَحِيمٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وهو مِن مَجازِهِ. انْتَهى. ويَكُونَ لَهم مُتَعَلِّقًا عَلى هَذا الإعْرابِ بِـ (سَلامٌ) . وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: سِلْمٌ، بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، ومَعْناهُ سَلامٌ. وقالَ أبُو الفَضْلِ: الرّازِيُّ: مُسالِمٌ لَهم، أيْ ذَلِكَ مُسالِمٌ. وقَرَأ أُبِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ، وعِيسى، والقَنَوِيُّ: سَلامًا، بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ لَهم مُرادُهم خالِصًا. ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ أيِ انْفَرَدُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المَحْشَرَ جَمَعَ البَرَّ والفاجِرَ، فَأُمِرَ المُجْرِمُونَ بِأنْ يَكُونُوا عَلى حِدَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والظّاهِرُ أنَّ ثَمَّ قَوْلًا مَحْذُوفًا؛ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قِيلَ: ويُقالُ لِلْمُجْرِمِينَ (امْتازُوا) . ولَمّا امْتَثَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، قالَ لَهم عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ﴾ ؟ وقَّفَهم عَلى عَهْدِهِ إلَيْهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ إيّاهُ. وعَنِ الضَّحّاكِ: لِكُلِّ كافِرٍ بَيْتٌ مِنَ النّارِ يَكُونُ فِيهِ لا يَرى ولا يُرى، فَعَلى هَذا مَعْناهُ أنَّ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ. وعَنْ قَتادَةَ: اعْتَزَلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ. والعَهْدُ: الوَصِيَّةُ، عَهِدَ إلَيْهِ إذا وصّاهُ. وعَهْدُ اللَّهِ إلَيْهِمْ: ما رَكَّزَ فِيهِمْ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ، وأنْزَلَ إلَيْهِمْ مِن أدِلَّةِ السَّمْعِ. وعِبادَةُ الشَّيْطانِ: طاعَتُهُ فِيما يُغْوِيهِ ويُزَيِّنُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أعْهَدْ)، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والهاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الكُوفِيُّ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وقالَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وهَذا الكَسْرُ في النُّونِ والتّاءِ أكْثَرُ مِن بَيْنِ حُرُوفِ المُضارَعَةِ، يَعْنِي: نِعْهَدْ وتِعْهَدْ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ألَمْ أعْهَدْ؛ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: ألَمْ أحَدْ لُغَةُ تَمِيمٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الهُذَيْلُ بْنُ وثّابٍ: ألَمِ إعْهَدْ، بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ وفَتْحِ الهاءِ، وهي عَلى لُغَةِ مَن كَسَرَ أوَّلَ المُضارِعِ سِوى الياءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ: ألَمْ أعْهِدْ، بِكَسْرِ الهاءِ، يُقالُ: عَهِدَ يَعْهِدُ. انْتَهى. وقَوْلُهُ: بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ يَعْنِي أنَّ كَسْرَ المِيمِ يَدُلُّ عَلى كَسْرِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ الَّتِي في المِيمِ هي حَرَكَةُ نَقْلِ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ حِينَ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى السّاكِنِ قَبْلَها وهو المِيمُ. أعْهَدْ بِالهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ المَكْسُورَةِ لَفْظًا؛ لِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ إعْهَدْ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وبابُ فَعِلَ كُلُّهُ يَجُوزُ في حُرُوفِ مُضارَعَتِهِ الكَسْرُ إلّا في الياءِ؛ وأعْهِدُ بِكَسْرِ الهاءِ. وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ نَعَمَ يَنْعِمُ، وضَرَبَ يَضْرِبُ، وأحْهَدُ بِالحاءِ وأحَدُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ومِنهُ قَوْلُهم: دَحّا مَحّا. انْتَهى. وقَوْلُهُ: إلّا في الياءِ، لُغَةٌ لِبَعْضِ كَلْبٍ أنَّهم يَكْسِرُونَ أيْضًا في الياءِ، يَقُولُونَ: هَلْ يِعْلَمُ ؟ وقَوْلُهُ: دَحّا مَحّا، يُرِيدُونَ دَعْها مَعَها، أدْغَمُوا العَيْنَ في الحاءِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى ما عَهِدَ إلَيْهِمْ مِن مَعْصِيَةِ الشَّيْطانِ وطاعَةِ الرَّحْمَنِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ (جِبِلًّا)، بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وسُهَيْلٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي رَجاءٍ؛ والحَسَنِ: (p-٣٤٤)بِخِلافٍ عَنْهُ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ، والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ: بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ الباءِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِضَمِّها وتَخْفِيفِ اللّامِ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي إسْحاقَ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ: بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ اللّامِ؛ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، واليَمانِيُّ، وحَمّادُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ؛ والأعْمَشُ: جِبِلًا، بِكَسْرَتَيْنِ وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقُرِئَ: جِبَلًا بِكَسْرِ الجِيمِ وفَتْحِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، جَمْعُ جِبْلَةٍ، نَحْوُ فِطْرَةٍ وفِطَرٍ، فَهَذِهِ سَبْعُ لُغاتٍ قُرِئَ بِها. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وبَعْضُ الخُراسانِيِّينَ: جِيلًا، بِكَسْرِ الجِيمِ بَعْدَها ياءُ آخِرِ الحُرُوفِ، واحِدُ الأجْيالِ؛ والجِبْلُ بِالباءِ بِواحِدَةٍ مِن أسْفَلَ الأُمَّةُ العَظِيمَةُ. وقالَ الضَّحّاكُ: أقَلُّهُ عَشَرَةُ آلافٍ. خاطَبَ تَعالى الكُفّارَ بِما فَعَلَ مَعَهُمُ الشَّيْطانُ تَقْرِيعًا لَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا﴾ بِتاءِ الخِطابِ؛ وطَلْحَةُ، وعِيسى: بِياءِ الغَيْبَةِ، عائِدًا عَلى (جِبِلًّا) . ويُرْوى أنَّهم يَجْحَدُونَ ويُخاصِمُونَ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جِيرانُهم وعَشائِرُهم وأهالِيهِمْ، فَيَحْلِفُونَ ما كانُوا مُشْرِكِينَ، فَحِينَئِذٍ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم. وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، ويُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيُقالُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ». وقُرِئَ: يُخْتَمُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولِتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ، بِتاءَيْنِ. وقُرِئَ: ولْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولْتَشْهَدْ بِلامِ الأمْرِ والجَزْمِ عَلى أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الأعْضاءَ بِالكَلامِ والشَّهادَةِ. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ: ولِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ، بِلامِ كَيْ والنَّصْبُ عَلى مَعْنى: وكَذَلِكَ يُخْتَمُ عَلى أفَواهِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الأعْيُنَ هي الأعْضاءُ المُبْصِرَةُ، والمَعْنى: لَأعْمَيْناهم فَلا يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ويُؤَيِّدُهُ مُناسَبَةُ المَسْخِ، فَهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وبُرُوجِ العَذابِ إنْ شاءَهُ اللَّهُ لَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ عَيْنَ البَصائِرِ، والمَعْنى: ولَوْ نَشاءُ لَخَتَمْتُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَلا يَهْتَدِي مِنهم أحَدٌ أبَدًا. والطَّمْسُ: إذْهابُ الشَّيْءِ وأثَرِهِ جُمْلَةً حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ. فَإنْ أُرِيدَ بِالأعْيُنِ الحَقِيقَةُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَطْمِسُ بِمَعْنى يَمْسَخُ حَقِيقَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّمْسُ يُرادُ بِهِ العَمى مِن غَيْرِ إذْهابِ العُضْوِ وأثَرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاسْتَبَقُوا)، فِعْلًا ماضِيًا مَعْطُوفًا عَلى ﴿لَطَمَسْنا﴾، وهو عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. (والصِّراطَ) مَنصُوبٌ عَلى تَقْدِيرِ إلى حُذِفَتْ ووُصِلَ الفِعْلُ، والأصْلُ فاسْتَبَقُوا إلى الصِّراطِ، أوْ مَفْعُولًا بِهِ عَلى تَضْمِينِ (اسْتَبَقُوا) مَعْنى (تَبادَرُوا)، وجَعْلِهِ مَسْبُوقًا إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِ، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الصِّراطَ هو الطَّرِيقُ، وهو ظَرْفُ مَكانٍ مُخْتَصٌّ. لا يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ إلّا بِوَساطَةِ (في) إلّا في شُذُوذٍ، كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎لَدْنٌ بِهَزُّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ومَذْهَبُ ابْنِ الطَّراوَةِ أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ والمَخْرِمَ، وما أشْبَهَها مِنَ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً، فَعَلى مَذْهَبِهِ يَسُوغُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ عِيسى: فاسْتَبِقُوا عَلى الأمْرِ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُمُ اسْتَبِقُوا الصِّراطَ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ، إذْ لا يُمْكِنُهُمُ الِاسْتِباقُ مَعَ طَمْسِ الأعْيُنِ. ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ أيْ كَيْفَ يُبْصِرُ مَن طُمِسَ عَلى عَيْنِهِ ؟ والظّاهِرُ أنَّ المَسْخَ حَقِيقَةٌ، وهو تَبْدِيلُ صِوَرِهِمْ بِصُوَرٍ شَنِيعَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿لَمَسَخْناهُمْ﴾ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، كَما تَقَدَّمَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقِيلَ حِجارَةً. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ: لَأقْعَدْناهم وأزَمْناهم، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا. والظّاهِرُ أنَّ هَذا لَوْ كانَ يَكُونُ في الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: هَذا التَّوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾، بِالإفْرادِ، وهي المَكانُ، كالمَقامَةِ والمَقامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، وأبُو بَكْرٍ: بِالجَمْعِ. والجُمْهُورُ ﴿مُضِيًّا﴾، بِضَمِّ المِيمِ: وأبُو حَيْوَةَ، وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: بِكَسْرِها اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الضّادِ، كالعِتِبِيِّ والقِتِبِيِّ، وزْنُهُ فَعُولٌ. (p-٣٤٥)التَقَتْ واوٌ ساكِنَةٌ وياءٌ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ في الياءِ، وكُسِرَ ما قَبْلَها لِتَصِحَّ الياءُ. وقُرِئَ: مَضِيًّا، بِفَتْحِ المِيمِ، فَيَكُونُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعِيلٍ، كالرَّسِيمِ والوَجِيفِ. ولِما ذَكَرَ تَعالى الطَّمْسَ والمَسْخَ عَلى تَقْدِيرِ المُشَبَّهِ، ذَكَرَ تَعالى دَلِيلًا عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ في تَنْكِيسِ المُعَمَّرِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا هو تَعالى. وتَنْكِيسُهُ: قَلَبَهُ وجَعَلَهُ عَلى عَكْسِ ما خَلَقَهُ أوَّلًا، وهو أنَّهُ خَلَقَهُ عَلى ضَعْفٍ في جَسَدٍ وخُلُوٍّ مِن عَقْلٍ وعِلْمٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ يَتَزايَدُ ويَنْتَقِلُ مَن حالٍ إلى حالٍ إلى أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ وتُسْتَكْمَلَ قُوَّتُهُ، ويَعْقِلَ ويَعْلَمَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ. فَإذا انْتَهى نَكَّسَهُ في الخَلْقِ، فَيَتَناقَصُ حَتّى يَرْجِعَ في حالٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ الصِّبا في ضَعْفِ جَسَدِهِ وقِلَّةِ عَقْلِهِ وخُلُوِّهِ مِنَ الفَهْمِ، كَما يُنَكَّسُ السَّهْمُ فَيُجْعَلُ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، وفي هَذا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ قادِرٌ عَلى أنْ يَطْمِسَ وأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما أرادَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُنَكِّسْهُ)، مُشَدَّدًا؛ وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: مُخَفَّفًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذَكْوانَ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبّاسٍ: تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِياءِ الغَيْبَةِ. ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ الضَّمِيرُ في عَلَّمْناهُ لِلرَّسُولِ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ شاعِرٌ. ورُوِيَ أنَّ القائِلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ، وقَوْلُهم فِيهِ شاعِرٌ. أمّا مَن كانَ في طَبْعِهِ الشِّعْرُ، فَقَوْلُهُ مُكابَرَةٌ وإيهامٌ لِلْجاهِلِ بِالشِّعْرِ؛ وأمّا مَن لَيْسَ في طَبْعِهِ، فَقَوْلُهُ جَهْلٌ مَحْضٌ. وأيْنَ هو مِنَ الشِّعْرِ ؟ والشِّعْرُ إنَّما هو كَلامٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى يَدُلُّ عَلى مَعْنًى تَنْتَخِبُهُ الشُّعَراءُ مِن كَثْرَةِ التَّخْيِيلِ وتَزْوِيقِ الكَلامِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَرَّعُ المُتَدَيِّنُ عَنْ إنْشادِهِ، فَضْلًا عَنْ إنْشائِهِ: وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقُولُ الشِّعْرَ، وإذا أنْشَدَ بَيْتًا أحْرَزَ المَعْنى دُونَ وزْنِهِ، كَما أنْشَدَ: ؎سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ وقِيلَ: مِن أشْعَرِ النّاسِ، فَقالَ الَّذِي يَقُولُ: ؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها وإنْ لَمْ تُطَيَّبْ طِيبا ؎أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العُبَيْ ∗∗∗ دِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ وأنْشَدَ يَوْمًا: ؎كَفى بِالإسْلامِ والشَّيْبِ ناهِيا فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، إنَّما قالَ الشّاعِرُ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ، ورُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ مُتَّزِنًا في النّادِرِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ: ؎يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتُثْقِلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ ولا يَدُلُّ إجْراءُ البَيْتِ عَلى لِسانِهِ مُتَّزِنًا أنَّهُ يَعْلَمُ الشِّعْرَ، وقَدْ وقَعَ في كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدْخُلُهُ الوَزْنُ كَقَوْلِهِ: ؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ؎هَلْ أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ وهُوَ كَلامٌ مَن جِنْسِ كَلامِهِ الَّذِي كانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ عَلى طَبِيعَتِهِ، مِن غَيْرِ صَنْعَةٍ فِيهِ ولا قَصْدٍ لِوَزْنٍ ولا تَكَلُّفٍ. كَما يُوجَدُ في القُرْآنِ شَيْءٌ مَوْزُونٌ ولا يُعَدُّ شِعْرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . وقَوْلُهُ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . وفي كَثِيرٍ مِنَ النَّثْرِ الَّذِي تُنْشِئُهُ الفُصَحاءُ، ولا يُسَمّى ذَلِكَ شِعْرًا، ولا يَخْطُرُ بِبالِ المُنْشِي ولا السّامِعِ أنَّهُ شِعْرٌ. ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أيْ ولا يُمْكِنُ لَهُ ولا يَصِحُّ ولا يُناسَبُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في طَرِيقِ جِدٍّ مَحْضٍ، والشِّعْرُ أكْثَرُهُ في طَرِيقِ هَزْلٍ، وتَحْسِينٌ لِما لَيْسَ حَسَنًا، وتَقْبِيحٌ لِما لَيْسَ قَبِيحًا ومُغالاةٌ مُفْرِطَةٌ. جَعَلَهُ تَعالى لا يَقْرِضُ الشِّعْرَ، كَما جَعَلَهُ أُمِّيًّا لا يَخُطُّ، لِتَكُونَ الحُجَّةُ أثْبَتَ والشُّبْهَةُ أدْحَضَ. وقِيلَ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى غَضاضَةِ الشِّعْرِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما أنا بِشاعِرٍ ولا يَنْبَغِي لِي“ . وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ لا غَضاضَةَ فِيهِ، وإنَّما مَنَعَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وإنْ كانَ حِلْيَةً جَلِيلَةً لِيَجِيءَ القُرْآنُ مِن قِبَلِهِ أغْرَبَ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ إدْراكُ الشِّعْرِ لَقِيلَ في القُرْآنِ: هَذا مِن تِلْكَ (p-٣٤٦)القُوَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ في النَّثْرِ في الرُّتْبَةِ العُلْيا، ولَكِنَّ كَلامَ اللَّهِ يُبِينُ بِإعْجازِهِ ويَنْدُرُ بِوَصْفِهِ، ويُخْرِجُهُ إحاطَةُ عِلْمِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ كَلامٍ؛ وإنَّما مَنَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ الشِّعْرِ تَرْفِيعًا لَهُ عَنْ ما في قَوْلِ الشُّعَراءِ مِنَ التَّخْيِيلِ والتَّزْوِيقِ لِلْقَوْلِ. وأمّا القُرْآنُ فَهو ذِكْرٌ بِحَقائِقَ وبَراهِينَ، فَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ، وهَذا كانَ أُسْلُوبُ كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلًا واحِدًا. انْتَهى. والضَّمِيرُ في (لَهُ) لِلرَّسُولِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أيْ وما يَنْبَغِي الشِّعْرُ لِلْقُرْآنِ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنْ لَهُ أنْ يَقُولَ: يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ، ويُبَيِّنُهُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كِتابٌ سَماوِيٌّ يُقْرَأُ في المَحارِيبِ، ويُنالُ بِتِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِهِ ما فِيهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ. فَكَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشِّعْرِ الَّذِي أكْثَرُهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ؟ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: لِتُنْذِرَ بِتاءِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ لِلْغَيْبَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الرَّسُولِ، واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (لِيُنْذَرَ)، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ الجَحْدَرِيِّ. وقالَ عَنْ أبِي السَّمّالِ واليَمانِيِّ أنَّهُما قَرَآ: لِيَنْذَرَ، بِفَتْحِ الياءِ والذّالِ مُضارِعَ نَذِرَ بِكَسْرِ الذّالِ، إذا عَلِمَ بِالشَّيْءِ فاسْتَعَدَّ لَهُ. ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ غافِلًا، قالَهُ الضَّحّاكُ؛ لِأنَّ الغافِلَ كالمَيِّتِ؛ ويُرِيدُ بِهِ مَن خَتَمَ عَلَيْهِ بِالإيمانِ، وكَذَلِكَ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ (ويَحِقَّ القَوْلُ) أيْ كَلِمَةُ العَذابِ، ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ المَحْتُومِ لَهم بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ.

يس 36:80

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧٣] ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥] ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦] ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . (p-٣٤٧)الإخْبارُ وتَنْبِيهُ الِاسْتِفْهامِ لِقُرَيْشٍ، وإعْراضِها عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، وعُكُوفِها عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ. ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ المَصْنُوعَةُ لا يُباشِرُها البَشَرُ إلّا بِاليَدِ، عَبَّرَ لَهم بِما يَقْرُبُ مِن أفْهامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] أيْ مِمّا تُوَلَّيْنا عَمَلَهُ، ولا يُمْكِنُ لِغَيْرِنا أنْ يَعْمَلَهُ. فَبِقُدْرَتِنا وإرَداتِنا بَرَزَتْ هَذِهِ الأشْياءُ، لَمْ يُشْرِكْنا فِيها أحَدٌ، والبارِي تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ اليَدِ الَّتِي هي الجارِحَةُ، وعَنْ كُلِّ ما اقْتَضى التَّشْبِيهَ بِالمُحْدَثاتِ. وذَكَرَ الأنْعامَ لَها لِأنَّها كانَتْ جُلَّ أمْوالِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى ما يَجْعَلُ لَهم مِن مَنافِعِها. ﴿لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] أيْ مَلَكْناها إيّاهم، فَهم مُتَصَرِّفُونَ فِيها تَصَرُّفَ المُلّاكِ، مُخْتَصُّونَ بِالِانْتِفاعِ بِها، أوْ ﴿مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ضابِطُونَ لَها قاهِرُونَها، مِن قَوْلِهِ: ؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا أيْ: لا أضْبُطُهُ، وهو مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ. فَلَوْلا تَذْلِيلُهُ تَعالى إيّاها وتَسْخِيرُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها. ألا تَرى إلى ما نُدْمِنُها لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ ؟ لِذَلِكَ أُمِرَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ راكِبُها، وشُكْرِهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ بِقَوْلِهِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: ٧٢]، وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالحَضُورِ والحَلُوبِ والقَذُوعِ، وهو مِمّا لا يَنْقاسُ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعائِشَةُ: رَكُوبَتُهم بِالتّاءِ، وهي فَعُولَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ الرَّكُوبَةُ جَمْعٌ. انْتَهى، ويَعْنِي اسْمَ جَمْعٍ؛ لِأنَّ فَعُولَةً بِفَتْحِ الفاءِ لَيْسَ بِجَمْعِ تَكْسِيرٍ. وقَدْ عَدَّ بَعْضُ أصْحابِنا أبْنِيَةَ أسْماءِ الجُمُوعِ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيها فَعُولَةً، فَيَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ فِيها أنَّها اسْمُ مُفْرَدٍ جَمْعُ تَكْسِيرٍ ولا اسْمُ جَمْعٍ، أيْ مَرْكُوبَتُهم كالحَلُوبَةِ بِمَعْنى المَحْلُوبَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو البَرَهْسَمِ، والأعْمَشُ: رُكُوبُهم، بِضَمِّ الرّاءِ وبِغَيْرِ تاءٍ، وهو مَصْدَرٌ حُذِفَ مُضافُهُ، أيْ ذُو رُكُوبِهِمْ، أوْ فَحُسْنُ مَنافِعِها رُكُوبُهم، فَيُحْذَفُ ذُو، أوْ يُحْذَفُ مَنافِعُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: العَرَبُ تَقُولُ: ناقَةٌ رَكُوبٌ حَلُوبٌ، ورَكُوبَةٌ حَلُوبَةٌ، ورَكْباةٌ حَلْباةٌ، ورَكْبُوبٌ حَلْبُوبٌ، ورَكْبِيٌّ حَلْبِيٌّ، ورَكْبُوتًا حَلْبُوتًا، كُلُّ ذَلِكَ مَحْكِيٌّ، وأنْشَدَ: ؎رَكْبانَةٌ حَلْبانَةٌ زُفُوفٌ ∗∗∗ تَخْلِطُ بَيْنَ وبَرٍ وصُوفِ وأجْمَلُ المَنافِعِ هُنا، وفَضْلُها في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾ [النحل: ٨٠] الآيَةَ. والمَشارِبُ: جَمْعُ مَشْرَبٍ، وهو إمّا مَصْدَرٌ، أيْ شُرْبٌ، أوْ مَوْضِعُ الشُّرْبِ. ثُمَّ عَنَّفَهم واسْتَجْهَلَهم في اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً لِطَلَبِ الِاسْتِنْصارِ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥] أيِ الآلِهَةُ، نَصْرَ مُتَّخِذِيهِمْ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا اتَّخَذُوهم آلِهَةً لِلِاسْتِنْصارِ بِهِمْ، رَدَّ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَيْسَ لَهم قُدْرَةٌ عَلى نَصْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥] عائِدٌ لِلْكُفّارِ، وفي (نَصْرَهم) لِلْأصْنامِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في وهم عائِدٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ في ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥]، أيْ والآلِهَةُ لِلْكُفّارِ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ في الآخِرَةِ عِنْدَ الحِسابِ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والنِّقْمَةِ. وسَمّاهم جُنْدًا، إذْ هم مُعَدُّونَ لِلنِّقْمَةِ مِن عابِدِيهِمْ ولِلتَّوْبِيخِ، أوْ مُحْضَرُونَ لِعَذابِهِمْ لِأنَّهم يُجْعَلُونَ وقُودًا لِلنّارِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (وهم) عائِدًا عَلى الكُفّارِ، وفي (لَهم) عائِدًا عَلى الأصْنامِ، أيْ وهُمُ الأصْنامُ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ مُتَعَصِّبُونَ لَهم مُتَحَيِّرُونَ، يَذُبُّونَ عَنْهم، يَعْنِي في الدُّنْيا، ومَعَ ذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُونَ، أيِ الكُفّارُ التَّناصُرَ. وهَذا القَوْلُ مُرَكَّبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في لا يَسْتَطِيعُونَ لِلْكُفّارِ. ثُمَّ آنَسَ تَعالى نَبِيَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] أيْ لا يَهُمُّكَ تَكْذِيبُهم وأذاهم وجَفاؤُهم، وتَوَعَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦]، فَنُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] قَبَّحَ تَعالى إنْكارَ الكَفَرَةِ البَعْثَ، حَيْثُ قَرَّرَ أنَّ عُنْصُرَهُ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ هو نُطْفَةُ ماءٍ مَهِينٍ خارِجٍ مِن مَخْرَجِ النَّجاسَةِ. أفْضى بِهِ مَهانَةُ أصْلِهِ إلى أنْ يُخاصِمَ البارِي تَعالى ويَقُولَ: مَن يُحْيِي المَيِّتَ بَعْدَما رُمَّ ؟ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ مُنْشَأٌ مِن مَواتٍ. وقائِلٌ ذَلِكَ (p-٣٤٨)العاصِي بْنُ وائِلٍ، أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أوْ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، أقْوالٌ أصَحُّها أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ. والقَوْلُ أنَّهُ أُمَيَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ كُلًّا مِنهم واقِعٌ ذَلِكَ مِنهُ. وقَدْ كانَ لِأُبَيٍّ مَعَ الرَّسُولِ مُراجَعاتٌ ومَقاماتٌ، جاءَ بِالعَظْمِ الرَّمِيمِ بِمَكَّةَ، فَفَتَّتَهُ في وجْهِهِ الكَرِيمِ وقالَ: مَن يُحْيِى هَذا يا مُحَمَّدُ ؟ فَقالَ: ”اللَّهُ يُحْيِيهِ ويُمِيتُكَ ويُحْيِيكَ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ“، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ. وأُبَيٌّ هَذا قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ بِالحَرْبَةِ، فَخَرَجَتْ مِن عُنُقِهِ. ووَهَمَ مَن نَسَبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجائِيَ بِالعَظْمِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ؛ لِأنَّ السُّورَةَ والآيَةَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمْ يُهاجِرْ قَطُّ هَذِهِ المُهاجَرَةَ. وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] وبَيْنَ ﴿خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧]، جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ تَبَيَّنَ أكْثَرُها في قَوْلِهِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣]، وإنَّما أعْتَقَبَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] الوَصْفَ الَّذِي آلَ إلَيْهِ مِنَ التَّمْيِيزِ والإدْراكِ الَّذِي يَتَأتّى مَعَهُ الخِصامُ، أيْ فَإذا هو بَعْدَما كانَ نُطْفَةً، رَجُلٌ مُمَيِّزٌ مِنطِيقٌ قادِرٌ عَلى الخِصامِ، مُبِينٌ مُعْرِبٌ عَمّا في نَفْسِهِ. ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] أيْ نَشْأتَهُ مِنَ النُّطْفَةِ، فَذَهَلَ عَنْها وتَرَكَ ذِكْرَها عَلى طَرِيقِ اللَّدَدِ والمُكابَرَةِ والِاسْتِبْعادِ لِما لا يُسْتَبْعَدُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَسِيَ خالِقَهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ والجُمْهُورُ: خَلْقَهُ، أيْ نَشْأتَهُ. وسَمّى قَوْلَهُ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن قِصَّةٍ عَجِيبَةٍ شَبِيهَةٍ بِالمَثَلِ، وهي إنْكارُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إحْياءِ المَوْتى، كَما هم عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرَّمِيمُ اسْمٌ لِما بَلى مِنَ العِظامِ غَيْرُ صِفَةٍ، كالرِّمَّةِ والرُّفاةِ، فَلا يُقالُ: لِمَ لَمْ يُؤَنَّثْ ؟ وقَدْ وقَعَ خَبَرًا لِمُؤَنَّثٍ، ولا هو فَعِيلٌ أوْ مَفْعُولٌ. انْتَهى. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ يُحْيِيها﴾ [يس: ٧٩] عَلى أنَّ الحَياةَ نُحِلُّها، وهَذا الِاسْتِدْلالُ ظاهِرٌ. ومَن قالَ: إنَّ الحَياةَ لا تَحُلُّها، قالَ: المُرادُ بِإحْياءِ العِظامِ: رَدُّها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ غَضَّةً رَطْبَةً في بَدَنٍ حَسَنٍ حَسّاسٍ. ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] يَعْلَمُ كَيْفِيّاتِ ما يَخْلُقُ، لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ مِنَ المُنْشَآتِ والمُعِدّاتِ جِنْسًا ونَوْعًا، دِقَّةً وجَلالَةً. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ ذَكَرَ ما هو أغْرَبُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ، وهو إبْرازُ الشَّيْءِ مِن ضِدِّهِ، وذَلِكَ أبْدَعُ شَيْءٍ، وهو اقْتِداحُ النّارِ مِنَ الشَّيْءِ الأخْضَرِ. ألا تَرى أنَّ الماءَ يُطْفِئُ النّارَ ؟ ومَعَ ذَلِكَ خَرَجَتْ مِمّا هو مُشْتَمِلٌ عَلى الماءِ. والأعْرابُ تُوَرِي النّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ، وأكْثَرِها مِنَ المَرْخِ والعِفارِ. وفي أمْثالِهِمْ: في كُلِّ شَيْءٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ. يَقْطَعُ الرَّجُلُ مِنهُما غُصْنَيْنِ مِثْلَ السِّواكَيْنِ، وهُما أخْضَرانِ يُقَطَّرُ مِنهُما الماءُ، فَيَسْتَحِقُّ المَرْخَ وهو ذَكَرٌ، والعِفارَ وهي أُنْثى، يَنْقَدِحُ النّارُ بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ شَجَرٌ إلّا وفِيهِ نارٌ إلّا العَنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الأخْضَرِ)؛ وقُرِئَ: (الخَضْراءِ)؛ وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ الجِنْسَ المُمَيَّزَ واحِدُهُ بِالتّاءِ؛ وأهْلُ نَجْدٍ يَذْكُرُونَ ألْفاظًا، واسْتُثْنِيَتْ في كُتُبِ النَّحْوِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أبْدَعُ وأغْرَبُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ، ومِن إعادَةِ المَوْتى، وهو إنْشاءُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الغَرِيبَةِ مِن صَرْفِ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَقالَ ﴿أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِقادِرٍ، بِباءِ الجَرِّ داخِلَةً عَلى اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ، وسَلّامٌ، ويَعْقُوبُ: يَقْدِرُ، فِعْلًا مُضارِعًا، أيْ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن عِظَمِ شَأْنِهِما، كانَ عَلى خَلْقِ الأُناسِ قادِرًا، والضَّمِيرُ في (مِثْلَهم) عائِدٌ عَلى النّاسِ، قالَهُ الرُّمّانِيُّ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: عائِدٌ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِما كَضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ، مِن حَيْثُ كانَتْ مُتَضَمِّنَةً مَن يَعْقِلُ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِثْلَهم) يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم في الصِّغَرِ والقَماءَةِ بِالإضافَةِ إلى السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ أنْ يُعِيدَهم؛ لِأنَّ المَصادِرَ مِثْلٌ لِلْمُبْتَدَأِ ولَيْسَ بِهِ. انْتَهى. ويَقُولُ: إنَّ المَعادَ هو عَيْنُ المُبْتَدَأِ، ولَوْ كانَ مِثْلَهُ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ إعادَةٌ، بَلْ يَكُونُ إنْشاءً مُسْتَأْنَفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (الخَلّاقُ) بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ (p-٣٤٩)لِكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الخالِقُ، اسْمُ فاعِلٍ. ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والخِلافُ في فَيَكُونُ مِن حَيْثُ القِراءَةِ نَصْبًا ورَفْعًا. ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تَنْزِيهٌ عامٌّ لَهُ تَعالى مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَلَكُوتُ)؛ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: (مَلَكَةُ) عَلى وزْنِ (شَجَرَةٍ)، ومَعْناهُ: ضَبْطُ كُلِّ شَيْءٍ والقُدْرَةُ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: (مَمْلَكَةُ)، عَلى وزْنِ (مَفْعَلَةٍ) وقُرِئَ: (مَلِكُ)، والمَعْنى أنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ عَلى ما أرادَ وقَضى. والجُمْهُورُ (تُرْجَعُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

يس 36:81

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧٣] ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥] ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦] ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . (p-٣٤٧)الإخْبارُ وتَنْبِيهُ الِاسْتِفْهامِ لِقُرَيْشٍ، وإعْراضِها عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، وعُكُوفِها عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ. ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ المَصْنُوعَةُ لا يُباشِرُها البَشَرُ إلّا بِاليَدِ، عَبَّرَ لَهم بِما يَقْرُبُ مِن أفْهامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] أيْ مِمّا تُوَلَّيْنا عَمَلَهُ، ولا يُمْكِنُ لِغَيْرِنا أنْ يَعْمَلَهُ. فَبِقُدْرَتِنا وإرَداتِنا بَرَزَتْ هَذِهِ الأشْياءُ، لَمْ يُشْرِكْنا فِيها أحَدٌ، والبارِي تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ اليَدِ الَّتِي هي الجارِحَةُ، وعَنْ كُلِّ ما اقْتَضى التَّشْبِيهَ بِالمُحْدَثاتِ. وذَكَرَ الأنْعامَ لَها لِأنَّها كانَتْ جُلَّ أمْوالِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى ما يَجْعَلُ لَهم مِن مَنافِعِها. ﴿لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] أيْ مَلَكْناها إيّاهم، فَهم مُتَصَرِّفُونَ فِيها تَصَرُّفَ المُلّاكِ، مُخْتَصُّونَ بِالِانْتِفاعِ بِها، أوْ ﴿مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ضابِطُونَ لَها قاهِرُونَها، مِن قَوْلِهِ: ؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا أيْ: لا أضْبُطُهُ، وهو مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ. فَلَوْلا تَذْلِيلُهُ تَعالى إيّاها وتَسْخِيرُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها. ألا تَرى إلى ما نُدْمِنُها لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ ؟ لِذَلِكَ أُمِرَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ راكِبُها، وشُكْرِهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ بِقَوْلِهِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: ٧٢]، وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالحَضُورِ والحَلُوبِ والقَذُوعِ، وهو مِمّا لا يَنْقاسُ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعائِشَةُ: رَكُوبَتُهم بِالتّاءِ، وهي فَعُولَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ الرَّكُوبَةُ جَمْعٌ. انْتَهى، ويَعْنِي اسْمَ جَمْعٍ؛ لِأنَّ فَعُولَةً بِفَتْحِ الفاءِ لَيْسَ بِجَمْعِ تَكْسِيرٍ. وقَدْ عَدَّ بَعْضُ أصْحابِنا أبْنِيَةَ أسْماءِ الجُمُوعِ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيها فَعُولَةً، فَيَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ فِيها أنَّها اسْمُ مُفْرَدٍ جَمْعُ تَكْسِيرٍ ولا اسْمُ جَمْعٍ، أيْ مَرْكُوبَتُهم كالحَلُوبَةِ بِمَعْنى المَحْلُوبَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو البَرَهْسَمِ، والأعْمَشُ: رُكُوبُهم، بِضَمِّ الرّاءِ وبِغَيْرِ تاءٍ، وهو مَصْدَرٌ حُذِفَ مُضافُهُ، أيْ ذُو رُكُوبِهِمْ، أوْ فَحُسْنُ مَنافِعِها رُكُوبُهم، فَيُحْذَفُ ذُو، أوْ يُحْذَفُ مَنافِعُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: العَرَبُ تَقُولُ: ناقَةٌ رَكُوبٌ حَلُوبٌ، ورَكُوبَةٌ حَلُوبَةٌ، ورَكْباةٌ حَلْباةٌ، ورَكْبُوبٌ حَلْبُوبٌ، ورَكْبِيٌّ حَلْبِيٌّ، ورَكْبُوتًا حَلْبُوتًا، كُلُّ ذَلِكَ مَحْكِيٌّ، وأنْشَدَ: ؎رَكْبانَةٌ حَلْبانَةٌ زُفُوفٌ ∗∗∗ تَخْلِطُ بَيْنَ وبَرٍ وصُوفِ وأجْمَلُ المَنافِعِ هُنا، وفَضْلُها في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾ [النحل: ٨٠] الآيَةَ. والمَشارِبُ: جَمْعُ مَشْرَبٍ، وهو إمّا مَصْدَرٌ، أيْ شُرْبٌ، أوْ مَوْضِعُ الشُّرْبِ. ثُمَّ عَنَّفَهم واسْتَجْهَلَهم في اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً لِطَلَبِ الِاسْتِنْصارِ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥] أيِ الآلِهَةُ، نَصْرَ مُتَّخِذِيهِمْ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا اتَّخَذُوهم آلِهَةً لِلِاسْتِنْصارِ بِهِمْ، رَدَّ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَيْسَ لَهم قُدْرَةٌ عَلى نَصْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥] عائِدٌ لِلْكُفّارِ، وفي (نَصْرَهم) لِلْأصْنامِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في وهم عائِدٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ في ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥]، أيْ والآلِهَةُ لِلْكُفّارِ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ في الآخِرَةِ عِنْدَ الحِسابِ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والنِّقْمَةِ. وسَمّاهم جُنْدًا، إذْ هم مُعَدُّونَ لِلنِّقْمَةِ مِن عابِدِيهِمْ ولِلتَّوْبِيخِ، أوْ مُحْضَرُونَ لِعَذابِهِمْ لِأنَّهم يُجْعَلُونَ وقُودًا لِلنّارِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (وهم) عائِدًا عَلى الكُفّارِ، وفي (لَهم) عائِدًا عَلى الأصْنامِ، أيْ وهُمُ الأصْنامُ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ مُتَعَصِّبُونَ لَهم مُتَحَيِّرُونَ، يَذُبُّونَ عَنْهم، يَعْنِي في الدُّنْيا، ومَعَ ذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُونَ، أيِ الكُفّارُ التَّناصُرَ. وهَذا القَوْلُ مُرَكَّبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في لا يَسْتَطِيعُونَ لِلْكُفّارِ. ثُمَّ آنَسَ تَعالى نَبِيَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] أيْ لا يَهُمُّكَ تَكْذِيبُهم وأذاهم وجَفاؤُهم، وتَوَعَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦]، فَنُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] قَبَّحَ تَعالى إنْكارَ الكَفَرَةِ البَعْثَ، حَيْثُ قَرَّرَ أنَّ عُنْصُرَهُ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ هو نُطْفَةُ ماءٍ مَهِينٍ خارِجٍ مِن مَخْرَجِ النَّجاسَةِ. أفْضى بِهِ مَهانَةُ أصْلِهِ إلى أنْ يُخاصِمَ البارِي تَعالى ويَقُولَ: مَن يُحْيِي المَيِّتَ بَعْدَما رُمَّ ؟ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ مُنْشَأٌ مِن مَواتٍ. وقائِلٌ ذَلِكَ (p-٣٤٨)العاصِي بْنُ وائِلٍ، أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أوْ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، أقْوالٌ أصَحُّها أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ. والقَوْلُ أنَّهُ أُمَيَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ كُلًّا مِنهم واقِعٌ ذَلِكَ مِنهُ. وقَدْ كانَ لِأُبَيٍّ مَعَ الرَّسُولِ مُراجَعاتٌ ومَقاماتٌ، جاءَ بِالعَظْمِ الرَّمِيمِ بِمَكَّةَ، فَفَتَّتَهُ في وجْهِهِ الكَرِيمِ وقالَ: مَن يُحْيِى هَذا يا مُحَمَّدُ ؟ فَقالَ: ”اللَّهُ يُحْيِيهِ ويُمِيتُكَ ويُحْيِيكَ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ“، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ. وأُبَيٌّ هَذا قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ بِالحَرْبَةِ، فَخَرَجَتْ مِن عُنُقِهِ. ووَهَمَ مَن نَسَبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجائِيَ بِالعَظْمِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ؛ لِأنَّ السُّورَةَ والآيَةَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمْ يُهاجِرْ قَطُّ هَذِهِ المُهاجَرَةَ. وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] وبَيْنَ ﴿خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧]، جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ تَبَيَّنَ أكْثَرُها في قَوْلِهِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣]، وإنَّما أعْتَقَبَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] الوَصْفَ الَّذِي آلَ إلَيْهِ مِنَ التَّمْيِيزِ والإدْراكِ الَّذِي يَتَأتّى مَعَهُ الخِصامُ، أيْ فَإذا هو بَعْدَما كانَ نُطْفَةً، رَجُلٌ مُمَيِّزٌ مِنطِيقٌ قادِرٌ عَلى الخِصامِ، مُبِينٌ مُعْرِبٌ عَمّا في نَفْسِهِ. ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] أيْ نَشْأتَهُ مِنَ النُّطْفَةِ، فَذَهَلَ عَنْها وتَرَكَ ذِكْرَها عَلى طَرِيقِ اللَّدَدِ والمُكابَرَةِ والِاسْتِبْعادِ لِما لا يُسْتَبْعَدُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَسِيَ خالِقَهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ والجُمْهُورُ: خَلْقَهُ، أيْ نَشْأتَهُ. وسَمّى قَوْلَهُ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن قِصَّةٍ عَجِيبَةٍ شَبِيهَةٍ بِالمَثَلِ، وهي إنْكارُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إحْياءِ المَوْتى، كَما هم عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرَّمِيمُ اسْمٌ لِما بَلى مِنَ العِظامِ غَيْرُ صِفَةٍ، كالرِّمَّةِ والرُّفاةِ، فَلا يُقالُ: لِمَ لَمْ يُؤَنَّثْ ؟ وقَدْ وقَعَ خَبَرًا لِمُؤَنَّثٍ، ولا هو فَعِيلٌ أوْ مَفْعُولٌ. انْتَهى. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ يُحْيِيها﴾ [يس: ٧٩] عَلى أنَّ الحَياةَ نُحِلُّها، وهَذا الِاسْتِدْلالُ ظاهِرٌ. ومَن قالَ: إنَّ الحَياةَ لا تَحُلُّها، قالَ: المُرادُ بِإحْياءِ العِظامِ: رَدُّها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ غَضَّةً رَطْبَةً في بَدَنٍ حَسَنٍ حَسّاسٍ. ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] يَعْلَمُ كَيْفِيّاتِ ما يَخْلُقُ، لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ مِنَ المُنْشَآتِ والمُعِدّاتِ جِنْسًا ونَوْعًا، دِقَّةً وجَلالَةً. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ ذَكَرَ ما هو أغْرَبُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ، وهو إبْرازُ الشَّيْءِ مِن ضِدِّهِ، وذَلِكَ أبْدَعُ شَيْءٍ، وهو اقْتِداحُ النّارِ مِنَ الشَّيْءِ الأخْضَرِ. ألا تَرى أنَّ الماءَ يُطْفِئُ النّارَ ؟ ومَعَ ذَلِكَ خَرَجَتْ مِمّا هو مُشْتَمِلٌ عَلى الماءِ. والأعْرابُ تُوَرِي النّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ، وأكْثَرِها مِنَ المَرْخِ والعِفارِ. وفي أمْثالِهِمْ: في كُلِّ شَيْءٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ. يَقْطَعُ الرَّجُلُ مِنهُما غُصْنَيْنِ مِثْلَ السِّواكَيْنِ، وهُما أخْضَرانِ يُقَطَّرُ مِنهُما الماءُ، فَيَسْتَحِقُّ المَرْخَ وهو ذَكَرٌ، والعِفارَ وهي أُنْثى، يَنْقَدِحُ النّارُ بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ شَجَرٌ إلّا وفِيهِ نارٌ إلّا العَنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الأخْضَرِ)؛ وقُرِئَ: (الخَضْراءِ)؛ وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ الجِنْسَ المُمَيَّزَ واحِدُهُ بِالتّاءِ؛ وأهْلُ نَجْدٍ يَذْكُرُونَ ألْفاظًا، واسْتُثْنِيَتْ في كُتُبِ النَّحْوِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أبْدَعُ وأغْرَبُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ، ومِن إعادَةِ المَوْتى، وهو إنْشاءُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الغَرِيبَةِ مِن صَرْفِ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَقالَ ﴿أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِقادِرٍ، بِباءِ الجَرِّ داخِلَةً عَلى اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ، وسَلّامٌ، ويَعْقُوبُ: يَقْدِرُ، فِعْلًا مُضارِعًا، أيْ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن عِظَمِ شَأْنِهِما، كانَ عَلى خَلْقِ الأُناسِ قادِرًا، والضَّمِيرُ في (مِثْلَهم) عائِدٌ عَلى النّاسِ، قالَهُ الرُّمّانِيُّ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: عائِدٌ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِما كَضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ، مِن حَيْثُ كانَتْ مُتَضَمِّنَةً مَن يَعْقِلُ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِثْلَهم) يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم في الصِّغَرِ والقَماءَةِ بِالإضافَةِ إلى السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ أنْ يُعِيدَهم؛ لِأنَّ المَصادِرَ مِثْلٌ لِلْمُبْتَدَأِ ولَيْسَ بِهِ. انْتَهى. ويَقُولُ: إنَّ المَعادَ هو عَيْنُ المُبْتَدَأِ، ولَوْ كانَ مِثْلَهُ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ إعادَةٌ، بَلْ يَكُونُ إنْشاءً مُسْتَأْنَفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (الخَلّاقُ) بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ (p-٣٤٩)لِكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الخالِقُ، اسْمُ فاعِلٍ. ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والخِلافُ في فَيَكُونُ مِن حَيْثُ القِراءَةِ نَصْبًا ورَفْعًا. ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تَنْزِيهٌ عامٌّ لَهُ تَعالى مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَلَكُوتُ)؛ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: (مَلَكَةُ) عَلى وزْنِ (شَجَرَةٍ)، ومَعْناهُ: ضَبْطُ كُلِّ شَيْءٍ والقُدْرَةُ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: (مَمْلَكَةُ)، عَلى وزْنِ (مَفْعَلَةٍ) وقُرِئَ: (مَلِكُ)، والمَعْنى أنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ عَلى ما أرادَ وقَضى. والجُمْهُورُ (تُرْجَعُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

يس 36:82

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧٣] ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥] ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦] ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . (p-٣٤٧)الإخْبارُ وتَنْبِيهُ الِاسْتِفْهامِ لِقُرَيْشٍ، وإعْراضِها عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، وعُكُوفِها عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ. ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ المَصْنُوعَةُ لا يُباشِرُها البَشَرُ إلّا بِاليَدِ، عَبَّرَ لَهم بِما يَقْرُبُ مِن أفْهامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] أيْ مِمّا تُوَلَّيْنا عَمَلَهُ، ولا يُمْكِنُ لِغَيْرِنا أنْ يَعْمَلَهُ. فَبِقُدْرَتِنا وإرَداتِنا بَرَزَتْ هَذِهِ الأشْياءُ، لَمْ يُشْرِكْنا فِيها أحَدٌ، والبارِي تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ اليَدِ الَّتِي هي الجارِحَةُ، وعَنْ كُلِّ ما اقْتَضى التَّشْبِيهَ بِالمُحْدَثاتِ. وذَكَرَ الأنْعامَ لَها لِأنَّها كانَتْ جُلَّ أمْوالِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى ما يَجْعَلُ لَهم مِن مَنافِعِها. ﴿لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] أيْ مَلَكْناها إيّاهم، فَهم مُتَصَرِّفُونَ فِيها تَصَرُّفَ المُلّاكِ، مُخْتَصُّونَ بِالِانْتِفاعِ بِها، أوْ ﴿مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ضابِطُونَ لَها قاهِرُونَها، مِن قَوْلِهِ: ؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا أيْ: لا أضْبُطُهُ، وهو مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ. فَلَوْلا تَذْلِيلُهُ تَعالى إيّاها وتَسْخِيرُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها. ألا تَرى إلى ما نُدْمِنُها لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ ؟ لِذَلِكَ أُمِرَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ راكِبُها، وشُكْرِهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ بِقَوْلِهِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: ٧٢]، وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالحَضُورِ والحَلُوبِ والقَذُوعِ، وهو مِمّا لا يَنْقاسُ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعائِشَةُ: رَكُوبَتُهم بِالتّاءِ، وهي فَعُولَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ الرَّكُوبَةُ جَمْعٌ. انْتَهى، ويَعْنِي اسْمَ جَمْعٍ؛ لِأنَّ فَعُولَةً بِفَتْحِ الفاءِ لَيْسَ بِجَمْعِ تَكْسِيرٍ. وقَدْ عَدَّ بَعْضُ أصْحابِنا أبْنِيَةَ أسْماءِ الجُمُوعِ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيها فَعُولَةً، فَيَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ فِيها أنَّها اسْمُ مُفْرَدٍ جَمْعُ تَكْسِيرٍ ولا اسْمُ جَمْعٍ، أيْ مَرْكُوبَتُهم كالحَلُوبَةِ بِمَعْنى المَحْلُوبَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو البَرَهْسَمِ، والأعْمَشُ: رُكُوبُهم، بِضَمِّ الرّاءِ وبِغَيْرِ تاءٍ، وهو مَصْدَرٌ حُذِفَ مُضافُهُ، أيْ ذُو رُكُوبِهِمْ، أوْ فَحُسْنُ مَنافِعِها رُكُوبُهم، فَيُحْذَفُ ذُو، أوْ يُحْذَفُ مَنافِعُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: العَرَبُ تَقُولُ: ناقَةٌ رَكُوبٌ حَلُوبٌ، ورَكُوبَةٌ حَلُوبَةٌ، ورَكْباةٌ حَلْباةٌ، ورَكْبُوبٌ حَلْبُوبٌ، ورَكْبِيٌّ حَلْبِيٌّ، ورَكْبُوتًا حَلْبُوتًا، كُلُّ ذَلِكَ مَحْكِيٌّ، وأنْشَدَ: ؎رَكْبانَةٌ حَلْبانَةٌ زُفُوفٌ ∗∗∗ تَخْلِطُ بَيْنَ وبَرٍ وصُوفِ وأجْمَلُ المَنافِعِ هُنا، وفَضْلُها في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾ [النحل: ٨٠] الآيَةَ. والمَشارِبُ: جَمْعُ مَشْرَبٍ، وهو إمّا مَصْدَرٌ، أيْ شُرْبٌ، أوْ مَوْضِعُ الشُّرْبِ. ثُمَّ عَنَّفَهم واسْتَجْهَلَهم في اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً لِطَلَبِ الِاسْتِنْصارِ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥] أيِ الآلِهَةُ، نَصْرَ مُتَّخِذِيهِمْ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا اتَّخَذُوهم آلِهَةً لِلِاسْتِنْصارِ بِهِمْ، رَدَّ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَيْسَ لَهم قُدْرَةٌ عَلى نَصْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥] عائِدٌ لِلْكُفّارِ، وفي (نَصْرَهم) لِلْأصْنامِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في وهم عائِدٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ في ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥]، أيْ والآلِهَةُ لِلْكُفّارِ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ في الآخِرَةِ عِنْدَ الحِسابِ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والنِّقْمَةِ. وسَمّاهم جُنْدًا، إذْ هم مُعَدُّونَ لِلنِّقْمَةِ مِن عابِدِيهِمْ ولِلتَّوْبِيخِ، أوْ مُحْضَرُونَ لِعَذابِهِمْ لِأنَّهم يُجْعَلُونَ وقُودًا لِلنّارِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (وهم) عائِدًا عَلى الكُفّارِ، وفي (لَهم) عائِدًا عَلى الأصْنامِ، أيْ وهُمُ الأصْنامُ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ مُتَعَصِّبُونَ لَهم مُتَحَيِّرُونَ، يَذُبُّونَ عَنْهم، يَعْنِي في الدُّنْيا، ومَعَ ذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُونَ، أيِ الكُفّارُ التَّناصُرَ. وهَذا القَوْلُ مُرَكَّبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في لا يَسْتَطِيعُونَ لِلْكُفّارِ. ثُمَّ آنَسَ تَعالى نَبِيَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] أيْ لا يَهُمُّكَ تَكْذِيبُهم وأذاهم وجَفاؤُهم، وتَوَعَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦]، فَنُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] قَبَّحَ تَعالى إنْكارَ الكَفَرَةِ البَعْثَ، حَيْثُ قَرَّرَ أنَّ عُنْصُرَهُ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ هو نُطْفَةُ ماءٍ مَهِينٍ خارِجٍ مِن مَخْرَجِ النَّجاسَةِ. أفْضى بِهِ مَهانَةُ أصْلِهِ إلى أنْ يُخاصِمَ البارِي تَعالى ويَقُولَ: مَن يُحْيِي المَيِّتَ بَعْدَما رُمَّ ؟ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ مُنْشَأٌ مِن مَواتٍ. وقائِلٌ ذَلِكَ (p-٣٤٨)العاصِي بْنُ وائِلٍ، أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أوْ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، أقْوالٌ أصَحُّها أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ. والقَوْلُ أنَّهُ أُمَيَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ كُلًّا مِنهم واقِعٌ ذَلِكَ مِنهُ. وقَدْ كانَ لِأُبَيٍّ مَعَ الرَّسُولِ مُراجَعاتٌ ومَقاماتٌ، جاءَ بِالعَظْمِ الرَّمِيمِ بِمَكَّةَ، فَفَتَّتَهُ في وجْهِهِ الكَرِيمِ وقالَ: مَن يُحْيِى هَذا يا مُحَمَّدُ ؟ فَقالَ: ”اللَّهُ يُحْيِيهِ ويُمِيتُكَ ويُحْيِيكَ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ“، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ. وأُبَيٌّ هَذا قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ بِالحَرْبَةِ، فَخَرَجَتْ مِن عُنُقِهِ. ووَهَمَ مَن نَسَبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجائِيَ بِالعَظْمِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ؛ لِأنَّ السُّورَةَ والآيَةَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمْ يُهاجِرْ قَطُّ هَذِهِ المُهاجَرَةَ. وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] وبَيْنَ ﴿خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧]، جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ تَبَيَّنَ أكْثَرُها في قَوْلِهِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣]، وإنَّما أعْتَقَبَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] الوَصْفَ الَّذِي آلَ إلَيْهِ مِنَ التَّمْيِيزِ والإدْراكِ الَّذِي يَتَأتّى مَعَهُ الخِصامُ، أيْ فَإذا هو بَعْدَما كانَ نُطْفَةً، رَجُلٌ مُمَيِّزٌ مِنطِيقٌ قادِرٌ عَلى الخِصامِ، مُبِينٌ مُعْرِبٌ عَمّا في نَفْسِهِ. ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] أيْ نَشْأتَهُ مِنَ النُّطْفَةِ، فَذَهَلَ عَنْها وتَرَكَ ذِكْرَها عَلى طَرِيقِ اللَّدَدِ والمُكابَرَةِ والِاسْتِبْعادِ لِما لا يُسْتَبْعَدُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَسِيَ خالِقَهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ والجُمْهُورُ: خَلْقَهُ، أيْ نَشْأتَهُ. وسَمّى قَوْلَهُ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن قِصَّةٍ عَجِيبَةٍ شَبِيهَةٍ بِالمَثَلِ، وهي إنْكارُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إحْياءِ المَوْتى، كَما هم عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرَّمِيمُ اسْمٌ لِما بَلى مِنَ العِظامِ غَيْرُ صِفَةٍ، كالرِّمَّةِ والرُّفاةِ، فَلا يُقالُ: لِمَ لَمْ يُؤَنَّثْ ؟ وقَدْ وقَعَ خَبَرًا لِمُؤَنَّثٍ، ولا هو فَعِيلٌ أوْ مَفْعُولٌ. انْتَهى. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ يُحْيِيها﴾ [يس: ٧٩] عَلى أنَّ الحَياةَ نُحِلُّها، وهَذا الِاسْتِدْلالُ ظاهِرٌ. ومَن قالَ: إنَّ الحَياةَ لا تَحُلُّها، قالَ: المُرادُ بِإحْياءِ العِظامِ: رَدُّها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ غَضَّةً رَطْبَةً في بَدَنٍ حَسَنٍ حَسّاسٍ. ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] يَعْلَمُ كَيْفِيّاتِ ما يَخْلُقُ، لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ مِنَ المُنْشَآتِ والمُعِدّاتِ جِنْسًا ونَوْعًا، دِقَّةً وجَلالَةً. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ ذَكَرَ ما هو أغْرَبُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ، وهو إبْرازُ الشَّيْءِ مِن ضِدِّهِ، وذَلِكَ أبْدَعُ شَيْءٍ، وهو اقْتِداحُ النّارِ مِنَ الشَّيْءِ الأخْضَرِ. ألا تَرى أنَّ الماءَ يُطْفِئُ النّارَ ؟ ومَعَ ذَلِكَ خَرَجَتْ مِمّا هو مُشْتَمِلٌ عَلى الماءِ. والأعْرابُ تُوَرِي النّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ، وأكْثَرِها مِنَ المَرْخِ والعِفارِ. وفي أمْثالِهِمْ: في كُلِّ شَيْءٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ. يَقْطَعُ الرَّجُلُ مِنهُما غُصْنَيْنِ مِثْلَ السِّواكَيْنِ، وهُما أخْضَرانِ يُقَطَّرُ مِنهُما الماءُ، فَيَسْتَحِقُّ المَرْخَ وهو ذَكَرٌ، والعِفارَ وهي أُنْثى، يَنْقَدِحُ النّارُ بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ شَجَرٌ إلّا وفِيهِ نارٌ إلّا العَنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الأخْضَرِ)؛ وقُرِئَ: (الخَضْراءِ)؛ وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ الجِنْسَ المُمَيَّزَ واحِدُهُ بِالتّاءِ؛ وأهْلُ نَجْدٍ يَذْكُرُونَ ألْفاظًا، واسْتُثْنِيَتْ في كُتُبِ النَّحْوِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أبْدَعُ وأغْرَبُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ، ومِن إعادَةِ المَوْتى، وهو إنْشاءُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الغَرِيبَةِ مِن صَرْفِ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَقالَ ﴿أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِقادِرٍ، بِباءِ الجَرِّ داخِلَةً عَلى اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ، وسَلّامٌ، ويَعْقُوبُ: يَقْدِرُ، فِعْلًا مُضارِعًا، أيْ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن عِظَمِ شَأْنِهِما، كانَ عَلى خَلْقِ الأُناسِ قادِرًا، والضَّمِيرُ في (مِثْلَهم) عائِدٌ عَلى النّاسِ، قالَهُ الرُّمّانِيُّ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: عائِدٌ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِما كَضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ، مِن حَيْثُ كانَتْ مُتَضَمِّنَةً مَن يَعْقِلُ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِثْلَهم) يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم في الصِّغَرِ والقَماءَةِ بِالإضافَةِ إلى السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ أنْ يُعِيدَهم؛ لِأنَّ المَصادِرَ مِثْلٌ لِلْمُبْتَدَأِ ولَيْسَ بِهِ. انْتَهى. ويَقُولُ: إنَّ المَعادَ هو عَيْنُ المُبْتَدَأِ، ولَوْ كانَ مِثْلَهُ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ إعادَةٌ، بَلْ يَكُونُ إنْشاءً مُسْتَأْنَفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (الخَلّاقُ) بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ (p-٣٤٩)لِكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الخالِقُ، اسْمُ فاعِلٍ. ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والخِلافُ في فَيَكُونُ مِن حَيْثُ القِراءَةِ نَصْبًا ورَفْعًا. ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تَنْزِيهٌ عامٌّ لَهُ تَعالى مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَلَكُوتُ)؛ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: (مَلَكَةُ) عَلى وزْنِ (شَجَرَةٍ)، ومَعْناهُ: ضَبْطُ كُلِّ شَيْءٍ والقُدْرَةُ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: (مَمْلَكَةُ)، عَلى وزْنِ (مَفْعَلَةٍ) وقُرِئَ: (مَلِكُ)، والمَعْنى أنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ عَلى ما أرادَ وقَضى. والجُمْهُورُ (تُرْجَعُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

يس 36:83

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧٣] ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥] ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦] ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . (p-٣٤٧)الإخْبارُ وتَنْبِيهُ الِاسْتِفْهامِ لِقُرَيْشٍ، وإعْراضِها عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، وعُكُوفِها عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ. ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ المَصْنُوعَةُ لا يُباشِرُها البَشَرُ إلّا بِاليَدِ، عَبَّرَ لَهم بِما يَقْرُبُ مِن أفْهامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] أيْ مِمّا تُوَلَّيْنا عَمَلَهُ، ولا يُمْكِنُ لِغَيْرِنا أنْ يَعْمَلَهُ. فَبِقُدْرَتِنا وإرَداتِنا بَرَزَتْ هَذِهِ الأشْياءُ، لَمْ يُشْرِكْنا فِيها أحَدٌ، والبارِي تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ اليَدِ الَّتِي هي الجارِحَةُ، وعَنْ كُلِّ ما اقْتَضى التَّشْبِيهَ بِالمُحْدَثاتِ. وذَكَرَ الأنْعامَ لَها لِأنَّها كانَتْ جُلَّ أمْوالِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى ما يَجْعَلُ لَهم مِن مَنافِعِها. ﴿لَها مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] أيْ مَلَكْناها إيّاهم، فَهم مُتَصَرِّفُونَ فِيها تَصَرُّفَ المُلّاكِ، مُخْتَصُّونَ بِالِانْتِفاعِ بِها، أوْ ﴿مالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] ضابِطُونَ لَها قاهِرُونَها، مِن قَوْلِهِ: ؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا أيْ: لا أضْبُطُهُ، وهو مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ. فَلَوْلا تَذْلِيلُهُ تَعالى إيّاها وتَسْخِيرُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها. ألا تَرى إلى ما نُدْمِنُها لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ ؟ لِذَلِكَ أُمِرَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ راكِبُها، وشُكْرِهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ بِقَوْلِهِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: ٧٢]، وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالحَضُورِ والحَلُوبِ والقَذُوعِ، وهو مِمّا لا يَنْقاسُ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وعائِشَةُ: رَكُوبَتُهم بِالتّاءِ، وهي فَعُولَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ الرَّكُوبَةُ جَمْعٌ. انْتَهى، ويَعْنِي اسْمَ جَمْعٍ؛ لِأنَّ فَعُولَةً بِفَتْحِ الفاءِ لَيْسَ بِجَمْعِ تَكْسِيرٍ. وقَدْ عَدَّ بَعْضُ أصْحابِنا أبْنِيَةَ أسْماءِ الجُمُوعِ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيها فَعُولَةً، فَيَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ فِيها أنَّها اسْمُ مُفْرَدٍ جَمْعُ تَكْسِيرٍ ولا اسْمُ جَمْعٍ، أيْ مَرْكُوبَتُهم كالحَلُوبَةِ بِمَعْنى المَحْلُوبَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو البَرَهْسَمِ، والأعْمَشُ: رُكُوبُهم، بِضَمِّ الرّاءِ وبِغَيْرِ تاءٍ، وهو مَصْدَرٌ حُذِفَ مُضافُهُ، أيْ ذُو رُكُوبِهِمْ، أوْ فَحُسْنُ مَنافِعِها رُكُوبُهم، فَيُحْذَفُ ذُو، أوْ يُحْذَفُ مَنافِعُ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: العَرَبُ تَقُولُ: ناقَةٌ رَكُوبٌ حَلُوبٌ، ورَكُوبَةٌ حَلُوبَةٌ، ورَكْباةٌ حَلْباةٌ، ورَكْبُوبٌ حَلْبُوبٌ، ورَكْبِيٌّ حَلْبِيٌّ، ورَكْبُوتًا حَلْبُوتًا، كُلُّ ذَلِكَ مَحْكِيٌّ، وأنْشَدَ: ؎رَكْبانَةٌ حَلْبانَةٌ زُفُوفٌ ∗∗∗ تَخْلِطُ بَيْنَ وبَرٍ وصُوفِ وأجْمَلُ المَنافِعِ هُنا، وفَضْلُها في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾ [النحل: ٨٠] الآيَةَ. والمَشارِبُ: جَمْعُ مَشْرَبٍ، وهو إمّا مَصْدَرٌ، أيْ شُرْبٌ، أوْ مَوْضِعُ الشُّرْبِ. ثُمَّ عَنَّفَهم واسْتَجْهَلَهم في اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً لِطَلَبِ الِاسْتِنْصارِ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥] أيِ الآلِهَةُ، نَصْرَ مُتَّخِذِيهِمْ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا اتَّخَذُوهم آلِهَةً لِلِاسْتِنْصارِ بِهِمْ، رَدَّ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَيْسَ لَهم قُدْرَةٌ عَلى نَصْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥] عائِدٌ لِلْكُفّارِ، وفي (نَصْرَهم) لِلْأصْنامِ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في وهم عائِدٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ في ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: ٧٥]، أيْ والآلِهَةُ لِلْكُفّارِ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ في الآخِرَةِ عِنْدَ الحِسابِ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والنِّقْمَةِ. وسَمّاهم جُنْدًا، إذْ هم مُعَدُّونَ لِلنِّقْمَةِ مِن عابِدِيهِمْ ولِلتَّوْبِيخِ، أوْ مُحْضَرُونَ لِعَذابِهِمْ لِأنَّهم يُجْعَلُونَ وقُودًا لِلنّارِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (وهم) عائِدًا عَلى الكُفّارِ، وفي (لَهم) عائِدًا عَلى الأصْنامِ، أيْ وهُمُ الأصْنامُ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ مُتَعَصِّبُونَ لَهم مُتَحَيِّرُونَ، يَذُبُّونَ عَنْهم، يَعْنِي في الدُّنْيا، ومَعَ ذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُونَ، أيِ الكُفّارُ التَّناصُرَ. وهَذا القَوْلُ مُرَكَّبٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في لا يَسْتَطِيعُونَ لِلْكُفّارِ. ثُمَّ آنَسَ تَعالى نَبِيَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] أيْ لا يَهُمُّكَ تَكْذِيبُهم وأذاهم وجَفاؤُهم، وتَوَعَّدَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦]، فَنُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ. ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] قَبَّحَ تَعالى إنْكارَ الكَفَرَةِ البَعْثَ، حَيْثُ قَرَّرَ أنَّ عُنْصُرَهُ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ هو نُطْفَةُ ماءٍ مَهِينٍ خارِجٍ مِن مَخْرَجِ النَّجاسَةِ. أفْضى بِهِ مَهانَةُ أصْلِهِ إلى أنْ يُخاصِمَ البارِي تَعالى ويَقُولَ: مَن يُحْيِي المَيِّتَ بَعْدَما رُمَّ ؟ مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ مُنْشَأٌ مِن مَواتٍ. وقائِلٌ ذَلِكَ (p-٣٤٨)العاصِي بْنُ وائِلٍ، أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أوْ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، أقْوالٌ أصَحُّها أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ. والقَوْلُ أنَّهُ أُمَيَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ كُلًّا مِنهم واقِعٌ ذَلِكَ مِنهُ. وقَدْ كانَ لِأُبَيٍّ مَعَ الرَّسُولِ مُراجَعاتٌ ومَقاماتٌ، جاءَ بِالعَظْمِ الرَّمِيمِ بِمَكَّةَ، فَفَتَّتَهُ في وجْهِهِ الكَرِيمِ وقالَ: مَن يُحْيِى هَذا يا مُحَمَّدُ ؟ فَقالَ: ”اللَّهُ يُحْيِيهِ ويُمِيتُكَ ويُحْيِيكَ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ“، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ. وأُبَيٌّ هَذا قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ بِالحَرْبَةِ، فَخَرَجَتْ مِن عُنُقِهِ. ووَهَمَ مَن نَسَبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجائِيَ بِالعَظْمِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ؛ لِأنَّ السُّورَةَ والآيَةَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمْ يُهاجِرْ قَطُّ هَذِهِ المُهاجَرَةَ. وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] وبَيْنَ ﴿خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧]، جُمَلٌ مَحْذُوفَةٌ تَبَيَّنَ أكْثَرُها في قَوْلِهِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣]، وإنَّما أعْتَقَبَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] الوَصْفَ الَّذِي آلَ إلَيْهِ مِنَ التَّمْيِيزِ والإدْراكِ الَّذِي يَتَأتّى مَعَهُ الخِصامُ، أيْ فَإذا هو بَعْدَما كانَ نُطْفَةً، رَجُلٌ مُمَيِّزٌ مِنطِيقٌ قادِرٌ عَلى الخِصامِ، مُبِينٌ مُعْرِبٌ عَمّا في نَفْسِهِ. ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] أيْ نَشْأتَهُ مِنَ النُّطْفَةِ، فَذَهَلَ عَنْها وتَرَكَ ذِكْرَها عَلى طَرِيقِ اللَّدَدِ والمُكابَرَةِ والِاسْتِبْعادِ لِما لا يُسْتَبْعَدُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ونَسِيَ خالِقَهُ، اسْمُ فاعِلٍ؛ والجُمْهُورُ: خَلْقَهُ، أيْ نَشْأتَهُ. وسَمّى قَوْلَهُ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن قِصَّةٍ عَجِيبَةٍ شَبِيهَةٍ بِالمَثَلِ، وهي إنْكارُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى إحْياءِ المَوْتى، كَما هم عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرَّمِيمُ اسْمٌ لِما بَلى مِنَ العِظامِ غَيْرُ صِفَةٍ، كالرِّمَّةِ والرُّفاةِ، فَلا يُقالُ: لِمَ لَمْ يُؤَنَّثْ ؟ وقَدْ وقَعَ خَبَرًا لِمُؤَنَّثٍ، ولا هو فَعِيلٌ أوْ مَفْعُولٌ. انْتَهى. واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ يُحْيِيها﴾ [يس: ٧٩] عَلى أنَّ الحَياةَ نُحِلُّها، وهَذا الِاسْتِدْلالُ ظاهِرٌ. ومَن قالَ: إنَّ الحَياةَ لا تَحُلُّها، قالَ: المُرادُ بِإحْياءِ العِظامِ: رَدُّها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ غَضَّةً رَطْبَةً في بَدَنٍ حَسَنٍ حَسّاسٍ. ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] يَعْلَمُ كَيْفِيّاتِ ما يَخْلُقُ، لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ مِنَ المُنْشَآتِ والمُعِدّاتِ جِنْسًا ونَوْعًا، دِقَّةً وجَلالَةً. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ ذَكَرَ ما هو أغْرَبُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ، وهو إبْرازُ الشَّيْءِ مِن ضِدِّهِ، وذَلِكَ أبْدَعُ شَيْءٍ، وهو اقْتِداحُ النّارِ مِنَ الشَّيْءِ الأخْضَرِ. ألا تَرى أنَّ الماءَ يُطْفِئُ النّارَ ؟ ومَعَ ذَلِكَ خَرَجَتْ مِمّا هو مُشْتَمِلٌ عَلى الماءِ. والأعْرابُ تُوَرِي النّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ، وأكْثَرِها مِنَ المَرْخِ والعِفارِ. وفي أمْثالِهِمْ: في كُلِّ شَيْءٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ. يَقْطَعُ الرَّجُلُ مِنهُما غُصْنَيْنِ مِثْلَ السِّواكَيْنِ، وهُما أخْضَرانِ يُقَطَّرُ مِنهُما الماءُ، فَيَسْتَحِقُّ المَرْخَ وهو ذَكَرٌ، والعِفارَ وهي أُنْثى، يَنْقَدِحُ النّارُ بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ شَجَرٌ إلّا وفِيهِ نارٌ إلّا العَنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الأخْضَرِ)؛ وقُرِئَ: (الخَضْراءِ)؛ وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ الجِنْسَ المُمَيَّزَ واحِدُهُ بِالتّاءِ؛ وأهْلُ نَجْدٍ يَذْكُرُونَ ألْفاظًا، واسْتُثْنِيَتْ في كُتُبِ النَّحْوِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أبْدَعُ وأغْرَبُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ، ومِن إعادَةِ المَوْتى، وهو إنْشاءُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الغَرِيبَةِ مِن صَرْفِ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَقالَ ﴿أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِقادِرٍ، بِباءِ الجَرِّ داخِلَةً عَلى اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ، وسَلّامٌ، ويَعْقُوبُ: يَقْدِرُ، فِعْلًا مُضارِعًا، أيْ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن عِظَمِ شَأْنِهِما، كانَ عَلى خَلْقِ الأُناسِ قادِرًا، والضَّمِيرُ في (مِثْلَهم) عائِدٌ عَلى النّاسِ، قالَهُ الرُّمّانِيُّ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: عائِدٌ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، وعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِما كَضَمِيرِ مَن يَعْقِلُ، مِن حَيْثُ كانَتْ مُتَضَمِّنَةً مَن يَعْقِلُ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِثْلَهم) يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم في الصِّغَرِ والقَماءَةِ بِالإضافَةِ إلى السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ أنْ يُعِيدَهم؛ لِأنَّ المَصادِرَ مِثْلٌ لِلْمُبْتَدَأِ ولَيْسَ بِهِ. انْتَهى. ويَقُولُ: إنَّ المَعادَ هو عَيْنُ المُبْتَدَأِ، ولَوْ كانَ مِثْلَهُ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ إعادَةٌ، بَلْ يَكُونُ إنْشاءً مُسْتَأْنَفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (الخَلّاقُ) بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ (p-٣٤٩)لِكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الخالِقُ، اسْمُ فاعِلٍ. ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والخِلافُ في فَيَكُونُ مِن حَيْثُ القِراءَةِ نَصْبًا ورَفْعًا. ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تَنْزِيهٌ عامٌّ لَهُ تَعالى مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مَلَكُوتُ)؛ وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: (مَلَكَةُ) عَلى وزْنِ (شَجَرَةٍ)، ومَعْناهُ: ضَبْطُ كُلِّ شَيْءٍ والقُدْرَةُ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: (مَمْلَكَةُ)، عَلى وزْنِ (مَفْعَلَةٍ) وقُرِئَ: (مَلِكُ)، والمَعْنى أنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ عَلى ما أرادَ وقَضى. والجُمْهُورُ (تُرْجَعُونَ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

الصافات 37:1

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ واثْنانِ وثَمانُونَ آيَةً ﷽ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١١] ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] (p-٣٥٠)﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨٢] ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] الزَّجْرُ: الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسْلِيطٍ وصِياحٍ. والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، مِن قَوْلِكَ: زَجَرَ الرّاعِي الإبِلَ والغَنَمَ، إذا صاحَ عَلَيْهِما فَرَجَعَتْ لِصَوْتِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ يُرِيدُ تَصْوِيتَهُ بِها. الثّاقِبُ: الشَّدِيدُ النَّفاذِ. اللّازِبُ: اللّازِمُ ما جاوَرَهُ واللّاصِقُ بِهِ. اللَّذِيذُ: المُسْتَطابُ، يُقالُ لَذَّ الشَّيْءُ يَلَذُّ، فَهو لَذِيذٌ ولَذَّ عَلى وزْنِ فَعَلَ، كَطَلَبَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَلَذُّ بِطَعْمِهِ وتَخالُ فِيهِ ∗∗∗ إذا نَبَّهَتْها بَعْدَ المَنامِ وقالَ: ؎ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خَشْيَةِ الحَدَثانِ يُرِيدُ النَّوْمَ. وقالَ: ؎بِحَدِيثِكَ اللَّذِّيِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أسَدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعا الغَوْلُ: اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا وكَذا، إذا ضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ: الغِيلَةُ في العَقْلِ، والغِيلَةُ في الرِّضاعِ، وغالَهُ الشَّيْءُ: أهْلَكَهُ وأفْسَدَهُ، ومِنهُ: الغُولُ الَّتِي في أكاذِيبِ العَرَبِ وفي أمْثالِهِمْ: الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مَضى أوَّلُونا ناعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقُ، وقالَ: ؎وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ فالأوَّلِ نَزَفَتِ الشّارِبَ الخَمْرُ وأنْزَفَ هو: ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ، فَهو نَزِيفٌ ومُنْزِفٌ، الثُّلاثِيُّ مُتَعَدٍّ والرُّباعِيُّ لازِمٌ، نَحْوُ: كَبَيْتُ الرَّجُلَ وأكَبَّ، وقَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ، وقَشَعَ هَوايَ: أيْ دَخَلا في الكَبِّ والقَشْعِ. قالَ الشّاعِرُ، وهو الأسْوَدُ: ؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْحَرا ونَزُفَ الشّارِبُ، بِضَمِّ الزّايِ، ويُقالُ: نُزِفَ المَطْعُونُ: ذَهَبَ دَمُهُ كُلُّهُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونُزِحَتِ الرَّكِيَّةُ حَتّى نَزْفَتُها: لَمْ يَبْقَ فِيها ماءٌ، ويُقالُ: أنْزَفَ الرَّجُلُ بَعْدَ شَرابِهِ، فَأنْزَفَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ. البَيْضُ: مَعْرُوفٌ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، الواحِدُ بَيْضَةٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِبَياضِهِ، ويُجْمَعُ عَلى بُيُوضٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها ∗∗∗ قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها الزَّقُّومُ: شَجَرَةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبِ الأمْرِ، تَنْبُتُ في البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ. والتَّزَقُّمُ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ. شابَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَشُوبُهُ شَوْبًا: خَلَطَهُ ومَزَجَهُ. راغَ يَرُوغُ: مالَ في خُفْيَةٍ مِن رَوْغَةِ الثَّعْلَبِ. زَفَّ: أسْرَعَ، وأزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهَمْزَتُهُ بِهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وأزَفَّهُ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ الشّاعِرُ، (p-٣٥١)وهُوَ الفَرَزْدَقُ: ؎فَجاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ يَزِفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ * * ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهم، وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ تَعالى وحْدانِيَّتَهُ، إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ وُجُودًا وعَدَمًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وأقْسَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ ﴿والصّافّاتِ﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ومَسْرُوقٌ: هُمُ المَلائِكَةُ، تُصَفُّ في السَّماءِ في العِبادَةِ والذِّكْرِ صُفُوفًا؛ وقِيلَ: تَصِفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَن يُصَفُّ مِن بَنِي آدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ في صَلاةٍ وطاعَةٍ. وقِيلَ: والطَّيْرُ صافّاتٌ. والزّاجِراتُ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ وغَيْرَها مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِهِ النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ؛ وقِيلَ: كُلُّ ما زُجِرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ. والتّالِياتُ: القارِئاتُ. قالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. وقالَ قَتادَةُ: بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كَلامَهُ المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقْسِمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ ‌‌‌‌‌الصّافّاتِ أقْدامَها في التَّهَجُّدِ وسائِرِ الصَّلَواتِ وصُفُوفِ الجَماعاتِ، فالزّاجِراتِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصائِحِ، فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ، والدّارِساتِ شَرائِعَهِ؛ أوْ بِنُفُوسِ قُرّاءِ القُرْآنِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي تَصِفُّ الصُّفُوفَ، وتَزْجُرُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ، وتَتْلُو الذِّكْرَ مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُها عَنْهُ تِلْكَ الشَّواغِلُ. انْتَهى. وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الفاءَ العاطِفَةَ في الصّافّاتِ، إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زِيابَةٍ لِلْحارِثِ الصّابِحِ، فالغانِمِ، فالآيِبِ، أيِ الَّذِي صَبُحَ فَغَنِمَ فَآبَ؛ وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ؛ وإمّا عَلى تَرْتِيبِ (p-٣٥٢)مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ. فَإمّا هُنا، فَإنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ الصّافّاتِ في التَّفاضُلِ، فَإذا كانَ المُوَحَّدُ المَلائِكَةَ، فَيَكُونُ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ الزَّجْرِ، ثُمَّ التِّلاوَةِ؛ وإمّا عَلى العَكْسِ، وإنْ تَلِيَتِ المَوْصُوفَ، فَتُرَتَّبُ في الفَضْلِ، فَتَكُونُ الصّافّاتُ ذَواتَ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلَ، والتّالِياتُ أبْهَرَ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ. انْتَهى. ومَعْنى العَكْسِ في المَكانَيْنِ: أنَّكَ تَرْتَقِي مِن أفْضَلَ إلى فاضِلٍ إلى مَفْضُولٍ أوْ تَبْدَأُ بِالأدْنى، ثُمَّ بِالفاضِلِ، ثُمَّ بِالأفْضَلِ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَةَ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها تَضَمَّنَتْ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى، أيْ هو واحِدٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُتَفَكِّرُونَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو أمْدَحُ، أيْ هو رَبٌّ. وذَكَرَ المَشارِقَ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والإبْصارُ بِها أكْلَفُ، وذِكْرُها يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المَغارِبِ، إذْ ذاكَ مَفْهُومٌ مِنَ المَشارِقِ، والمَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، وكَذَلِكَ المَغارِبُ. تُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، ولا تَطْلُعُ ولا تَغْرُبُ في واحِدٍ يَوْمَيْنِ. وثَنَّيَ في ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، بِاعْتِبارِ مَشْرِقِيِّ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ تَعالى مَشارِقَ الشَّمْسِ ومَغارِبَها، وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَّنَةِ، فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَّنَةِ إلى أقْصَرِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتِظامِ التَّزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِذْرًا مِنَ الشَّيْطانِ. انْتَهى. والزِّينَةُ مَصْدَرٌ كالسَّنَةِ، واسْمٌ لِما يُزانُ بِهِ الشَّيْءُ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما يُلاقِ بِهِ الدَّواةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِالإضافَةِ، فاحْتَمَلَ المَصْدَرُ مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ بِأنْ زانَتِ السَّماءَ الكَواكِبُ، ومُضافًا لِلْمَفْعُولِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكَواكِبَ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما يُزانُ بِهِ، والكَواكِبُ بَيانٌ لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ في الكَواكِبِ وغَيْرِها مِمّا يُزانُ بِهِ، أوْ مِمّا زَيَّنَتِ الكَواكِبُ مِن إضاءَتِها وثُبُوتِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو زُرْعَةَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبِ بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن زِينَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو بَكْرٍ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبَ نَصْبًا، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِزِينَةٍ مَصْدَرًا، (والكَواكِبَ) مَفْعُولًا بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] . واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (الكَواكِبَ) بَدَلًا مِنَ السَّماءِ، أيْ زَيَّنّا كَواكِبَ السَّماءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ)، ورَفْعِ (الكَواكِبِ) عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو الكَواكِبُ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبُ. ورَفْعُ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ، وأجازَ البَصْرِيُّونَ ذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِضَوْءِ الكَواكِبِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُخْتَلِفَةُ، كَشَكْلِ الثُّرَيّا، وبَناتِ نَعْشٍ، والجَوْزاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَطالِعُها ومَسايِرُها. وخَصَّ (السَّماءَ الدُّنْيا) بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُشاهَدُ بِالأبْصارِ؛ والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ، إنَّما هو فِيها وحْدَها. وانْتَصَبَ (وحِفْظًا) عَلى المَصْدَرِ، أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ عَلى زِيادَةِ الواوِ، أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ، أيْ ولِحِفْظِها زَيَّناها بِالكَواكِبِ، وحَمْلًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مَنقُولَةٌ، والمارِدُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في قَوْلِهِ ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] في النِّساءِ، وهُناكَ جاءَ ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، وهُنا ﴿مارِدٍ﴾، مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مُبْتَدَأٌ اقْتِصاصًا لِما عَلَيْهِ حالُ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَمِعُوا أوْ يَسَّمَّعُوا، وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ مُبْعَدُونَ عَنْ ذَلِكَ، إلّا مَن أُمْهِلَ حَتّى خَطِفَ الخَطْفَةَ واسْتَرَقَ اسْتِراقَةً، فَعِنْدَها تُعاجِلُهُ المَلائِكَةُ بِاتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لا يَسَّمَّعُونَ صِفَةً ولا اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسائِلٍ سَألَ لِمَ يُحْفَظُ مِنَ الشَّياطِينِ ؟؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٥٣)كَوْنُهم لا يَسَّمَّعُونَ، أوِ الجَوابُ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى تَقْدِيرِهِما، إذْ يَصِيرُ المَعْنى مَعَ الوَصْفِ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ غَيْرِ سامِعٍ أوْ مُسَّمِّعٍ، وكَذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسَّمَّعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وإنْ، فارْتَفَعَ الفِعْلُ، قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَسَّمَّعُونَ: نَفى سَماعَهم، وإنْ كانُوا يَسَّمَّعُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وعَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصْغاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِشَدِّ السِّينِ والمِيمِ بِمَعْنى لا يَتَسَمَّعُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وتَقْتَضِي نَفْيَ التَّسَمُّعِ. وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ حَتّى الآنَ، لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ؛ وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ حَرَسًا وشُهُبًا مِن وقْتِ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ الرَّجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أحَقَّ، فَأمّا كانَتْ ثَمَرَةُ التَّسَمُّعِ هو السَّمْعَ، وقَدِ انْتَفى السَّمْعُ بِنَفْيِ التَّسَمُّعِ في هَذِهِ القِراءَةِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو السَّمْعُ. و(المَلَأِ الأعْلى) يَعُمُّ المَلائِكَةَ، والإنْسُ والجِنُّ هُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وعَنْهُ كِتابُهم. (ويُقْذَفُونَ) يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ، ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ مِنها، والمَرْجُومُ بِها هي الَّتِي يَراها النّاسُ تَنْقُضُ، ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الرّاجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِقُرْبِها مِنّا، قالَهُ مَكِّيٌّ والنَّقّاشُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ويَقْذِفُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودُحُورًا مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ ولَوْ يُقْذَفُونَ لِلطَّرْدِ، أوْ مَصْدَرٌ لِيُقْذَفُونَ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الطَّرْدِ، أيْ ويُدْحَرُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ قَذْفًا. فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في ويُقْذَفُونَ، وإمّا في دُحُورًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ، أيْ قَذْفًا دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالقَبُولِ والوُلُوغِ، إلّا أنَّ هَذِهِ ألْفاظٌ ذُكِرَ أنَّها مَحْصُورَةٌ. والواصِبُ: الدّائِمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ويُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ وُصُوبًا: دامَ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُوجِعُ، ومِنهُ الوَصَبُ، كَأنَّ المَعْنى: أنَّهم في الدُّنْيا مَرْجُومُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الدّائِمُ لَهم في الدُّنْيا، وهو رَجْمُهم دائِمًا، وعَدَمُ بُلُوغِهِمْ ما يَقْصِدُونَ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ. ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ (مَن) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا يَسَّمَّعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ لا يَسْمَعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانَ الَّذِي خَطِفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِفَ ثُلاثِيًا بِكَسْرِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً. قالَ أبُو حاتِمٍ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ. وقُرِئَ: خَطِّفَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً، ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا التَّخْفِيفُ. وأصْلُهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اخْتَطَفَ، فَفي الأوَّلِ لَمّا سُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، والخاءُ ساكِنَةٌ، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الخاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطِفَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفَّفَةً، اتْبَعَ حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ، كَما قالُوا نِعِمْ. وقُرِئَ: فَأتْبَعَهُ، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. والثّاقِبُ، قالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ: هو النّافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ.

الصافات 37:2

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ واثْنانِ وثَمانُونَ آيَةً ﷽ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١١] ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] (p-٣٥٠)﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨٢] ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] الزَّجْرُ: الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسْلِيطٍ وصِياحٍ. والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، مِن قَوْلِكَ: زَجَرَ الرّاعِي الإبِلَ والغَنَمَ، إذا صاحَ عَلَيْهِما فَرَجَعَتْ لِصَوْتِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ يُرِيدُ تَصْوِيتَهُ بِها. الثّاقِبُ: الشَّدِيدُ النَّفاذِ. اللّازِبُ: اللّازِمُ ما جاوَرَهُ واللّاصِقُ بِهِ. اللَّذِيذُ: المُسْتَطابُ، يُقالُ لَذَّ الشَّيْءُ يَلَذُّ، فَهو لَذِيذٌ ولَذَّ عَلى وزْنِ فَعَلَ، كَطَلَبَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَلَذُّ بِطَعْمِهِ وتَخالُ فِيهِ ∗∗∗ إذا نَبَّهَتْها بَعْدَ المَنامِ وقالَ: ؎ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خَشْيَةِ الحَدَثانِ يُرِيدُ النَّوْمَ. وقالَ: ؎بِحَدِيثِكَ اللَّذِّيِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أسَدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعا الغَوْلُ: اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا وكَذا، إذا ضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ: الغِيلَةُ في العَقْلِ، والغِيلَةُ في الرِّضاعِ، وغالَهُ الشَّيْءُ: أهْلَكَهُ وأفْسَدَهُ، ومِنهُ: الغُولُ الَّتِي في أكاذِيبِ العَرَبِ وفي أمْثالِهِمْ: الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مَضى أوَّلُونا ناعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقُ، وقالَ: ؎وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ فالأوَّلِ نَزَفَتِ الشّارِبَ الخَمْرُ وأنْزَفَ هو: ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ، فَهو نَزِيفٌ ومُنْزِفٌ، الثُّلاثِيُّ مُتَعَدٍّ والرُّباعِيُّ لازِمٌ، نَحْوُ: كَبَيْتُ الرَّجُلَ وأكَبَّ، وقَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ، وقَشَعَ هَوايَ: أيْ دَخَلا في الكَبِّ والقَشْعِ. قالَ الشّاعِرُ، وهو الأسْوَدُ: ؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْحَرا ونَزُفَ الشّارِبُ، بِضَمِّ الزّايِ، ويُقالُ: نُزِفَ المَطْعُونُ: ذَهَبَ دَمُهُ كُلُّهُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونُزِحَتِ الرَّكِيَّةُ حَتّى نَزْفَتُها: لَمْ يَبْقَ فِيها ماءٌ، ويُقالُ: أنْزَفَ الرَّجُلُ بَعْدَ شَرابِهِ، فَأنْزَفَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ. البَيْضُ: مَعْرُوفٌ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، الواحِدُ بَيْضَةٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِبَياضِهِ، ويُجْمَعُ عَلى بُيُوضٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها ∗∗∗ قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها الزَّقُّومُ: شَجَرَةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبِ الأمْرِ، تَنْبُتُ في البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ. والتَّزَقُّمُ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ. شابَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَشُوبُهُ شَوْبًا: خَلَطَهُ ومَزَجَهُ. راغَ يَرُوغُ: مالَ في خُفْيَةٍ مِن رَوْغَةِ الثَّعْلَبِ. زَفَّ: أسْرَعَ، وأزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهَمْزَتُهُ بِهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وأزَفَّهُ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ الشّاعِرُ، (p-٣٥١)وهُوَ الفَرَزْدَقُ: ؎فَجاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ يَزِفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ * * ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهم، وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ تَعالى وحْدانِيَّتَهُ، إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ وُجُودًا وعَدَمًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وأقْسَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ ﴿والصّافّاتِ﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ومَسْرُوقٌ: هُمُ المَلائِكَةُ، تُصَفُّ في السَّماءِ في العِبادَةِ والذِّكْرِ صُفُوفًا؛ وقِيلَ: تَصِفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَن يُصَفُّ مِن بَنِي آدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ في صَلاةٍ وطاعَةٍ. وقِيلَ: والطَّيْرُ صافّاتٌ. والزّاجِراتُ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ وغَيْرَها مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِهِ النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ؛ وقِيلَ: كُلُّ ما زُجِرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ. والتّالِياتُ: القارِئاتُ. قالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. وقالَ قَتادَةُ: بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كَلامَهُ المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقْسِمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ ‌‌‌‌‌الصّافّاتِ أقْدامَها في التَّهَجُّدِ وسائِرِ الصَّلَواتِ وصُفُوفِ الجَماعاتِ، فالزّاجِراتِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصائِحِ، فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ، والدّارِساتِ شَرائِعَهِ؛ أوْ بِنُفُوسِ قُرّاءِ القُرْآنِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي تَصِفُّ الصُّفُوفَ، وتَزْجُرُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ، وتَتْلُو الذِّكْرَ مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُها عَنْهُ تِلْكَ الشَّواغِلُ. انْتَهى. وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الفاءَ العاطِفَةَ في الصّافّاتِ، إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زِيابَةٍ لِلْحارِثِ الصّابِحِ، فالغانِمِ، فالآيِبِ، أيِ الَّذِي صَبُحَ فَغَنِمَ فَآبَ؛ وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ؛ وإمّا عَلى تَرْتِيبِ (p-٣٥٢)مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ. فَإمّا هُنا، فَإنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ الصّافّاتِ في التَّفاضُلِ، فَإذا كانَ المُوَحَّدُ المَلائِكَةَ، فَيَكُونُ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ الزَّجْرِ، ثُمَّ التِّلاوَةِ؛ وإمّا عَلى العَكْسِ، وإنْ تَلِيَتِ المَوْصُوفَ، فَتُرَتَّبُ في الفَضْلِ، فَتَكُونُ الصّافّاتُ ذَواتَ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلَ، والتّالِياتُ أبْهَرَ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ. انْتَهى. ومَعْنى العَكْسِ في المَكانَيْنِ: أنَّكَ تَرْتَقِي مِن أفْضَلَ إلى فاضِلٍ إلى مَفْضُولٍ أوْ تَبْدَأُ بِالأدْنى، ثُمَّ بِالفاضِلِ، ثُمَّ بِالأفْضَلِ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَةَ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها تَضَمَّنَتْ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى، أيْ هو واحِدٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُتَفَكِّرُونَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو أمْدَحُ، أيْ هو رَبٌّ. وذَكَرَ المَشارِقَ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والإبْصارُ بِها أكْلَفُ، وذِكْرُها يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المَغارِبِ، إذْ ذاكَ مَفْهُومٌ مِنَ المَشارِقِ، والمَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، وكَذَلِكَ المَغارِبُ. تُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، ولا تَطْلُعُ ولا تَغْرُبُ في واحِدٍ يَوْمَيْنِ. وثَنَّيَ في ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، بِاعْتِبارِ مَشْرِقِيِّ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ تَعالى مَشارِقَ الشَّمْسِ ومَغارِبَها، وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَّنَةِ، فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَّنَةِ إلى أقْصَرِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتِظامِ التَّزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِذْرًا مِنَ الشَّيْطانِ. انْتَهى. والزِّينَةُ مَصْدَرٌ كالسَّنَةِ، واسْمٌ لِما يُزانُ بِهِ الشَّيْءُ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما يُلاقِ بِهِ الدَّواةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِالإضافَةِ، فاحْتَمَلَ المَصْدَرُ مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ بِأنْ زانَتِ السَّماءَ الكَواكِبُ، ومُضافًا لِلْمَفْعُولِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكَواكِبَ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما يُزانُ بِهِ، والكَواكِبُ بَيانٌ لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ في الكَواكِبِ وغَيْرِها مِمّا يُزانُ بِهِ، أوْ مِمّا زَيَّنَتِ الكَواكِبُ مِن إضاءَتِها وثُبُوتِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو زُرْعَةَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبِ بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن زِينَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو بَكْرٍ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبَ نَصْبًا، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِزِينَةٍ مَصْدَرًا، (والكَواكِبَ) مَفْعُولًا بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] . واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (الكَواكِبَ) بَدَلًا مِنَ السَّماءِ، أيْ زَيَّنّا كَواكِبَ السَّماءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ)، ورَفْعِ (الكَواكِبِ) عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو الكَواكِبُ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبُ. ورَفْعُ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ، وأجازَ البَصْرِيُّونَ ذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِضَوْءِ الكَواكِبِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُخْتَلِفَةُ، كَشَكْلِ الثُّرَيّا، وبَناتِ نَعْشٍ، والجَوْزاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَطالِعُها ومَسايِرُها. وخَصَّ (السَّماءَ الدُّنْيا) بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُشاهَدُ بِالأبْصارِ؛ والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ، إنَّما هو فِيها وحْدَها. وانْتَصَبَ (وحِفْظًا) عَلى المَصْدَرِ، أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ عَلى زِيادَةِ الواوِ، أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ، أيْ ولِحِفْظِها زَيَّناها بِالكَواكِبِ، وحَمْلًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مَنقُولَةٌ، والمارِدُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في قَوْلِهِ ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] في النِّساءِ، وهُناكَ جاءَ ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، وهُنا ﴿مارِدٍ﴾، مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مُبْتَدَأٌ اقْتِصاصًا لِما عَلَيْهِ حالُ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَمِعُوا أوْ يَسَّمَّعُوا، وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ مُبْعَدُونَ عَنْ ذَلِكَ، إلّا مَن أُمْهِلَ حَتّى خَطِفَ الخَطْفَةَ واسْتَرَقَ اسْتِراقَةً، فَعِنْدَها تُعاجِلُهُ المَلائِكَةُ بِاتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لا يَسَّمَّعُونَ صِفَةً ولا اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسائِلٍ سَألَ لِمَ يُحْفَظُ مِنَ الشَّياطِينِ ؟؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٥٣)كَوْنُهم لا يَسَّمَّعُونَ، أوِ الجَوابُ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى تَقْدِيرِهِما، إذْ يَصِيرُ المَعْنى مَعَ الوَصْفِ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ غَيْرِ سامِعٍ أوْ مُسَّمِّعٍ، وكَذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسَّمَّعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وإنْ، فارْتَفَعَ الفِعْلُ، قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَسَّمَّعُونَ: نَفى سَماعَهم، وإنْ كانُوا يَسَّمَّعُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وعَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصْغاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِشَدِّ السِّينِ والمِيمِ بِمَعْنى لا يَتَسَمَّعُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وتَقْتَضِي نَفْيَ التَّسَمُّعِ. وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ حَتّى الآنَ، لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ؛ وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ حَرَسًا وشُهُبًا مِن وقْتِ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ الرَّجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أحَقَّ، فَأمّا كانَتْ ثَمَرَةُ التَّسَمُّعِ هو السَّمْعَ، وقَدِ انْتَفى السَّمْعُ بِنَفْيِ التَّسَمُّعِ في هَذِهِ القِراءَةِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو السَّمْعُ. و(المَلَأِ الأعْلى) يَعُمُّ المَلائِكَةَ، والإنْسُ والجِنُّ هُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وعَنْهُ كِتابُهم. (ويُقْذَفُونَ) يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ، ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ مِنها، والمَرْجُومُ بِها هي الَّتِي يَراها النّاسُ تَنْقُضُ، ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الرّاجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِقُرْبِها مِنّا، قالَهُ مَكِّيٌّ والنَّقّاشُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ويَقْذِفُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودُحُورًا مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ ولَوْ يُقْذَفُونَ لِلطَّرْدِ، أوْ مَصْدَرٌ لِيُقْذَفُونَ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الطَّرْدِ، أيْ ويُدْحَرُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ قَذْفًا. فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في ويُقْذَفُونَ، وإمّا في دُحُورًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ، أيْ قَذْفًا دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالقَبُولِ والوُلُوغِ، إلّا أنَّ هَذِهِ ألْفاظٌ ذُكِرَ أنَّها مَحْصُورَةٌ. والواصِبُ: الدّائِمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ويُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ وُصُوبًا: دامَ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُوجِعُ، ومِنهُ الوَصَبُ، كَأنَّ المَعْنى: أنَّهم في الدُّنْيا مَرْجُومُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الدّائِمُ لَهم في الدُّنْيا، وهو رَجْمُهم دائِمًا، وعَدَمُ بُلُوغِهِمْ ما يَقْصِدُونَ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ. ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ (مَن) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا يَسَّمَّعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ لا يَسْمَعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانَ الَّذِي خَطِفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِفَ ثُلاثِيًا بِكَسْرِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً. قالَ أبُو حاتِمٍ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ. وقُرِئَ: خَطِّفَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً، ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا التَّخْفِيفُ. وأصْلُهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اخْتَطَفَ، فَفي الأوَّلِ لَمّا سُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، والخاءُ ساكِنَةٌ، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الخاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطِفَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفَّفَةً، اتْبَعَ حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ، كَما قالُوا نِعِمْ. وقُرِئَ: فَأتْبَعَهُ، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. والثّاقِبُ، قالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ: هو النّافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ.

الصافات 37:3

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ واثْنانِ وثَمانُونَ آيَةً ﷽ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١١] ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] (p-٣٥٠)﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨٢] ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] الزَّجْرُ: الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسْلِيطٍ وصِياحٍ. والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، مِن قَوْلِكَ: زَجَرَ الرّاعِي الإبِلَ والغَنَمَ، إذا صاحَ عَلَيْهِما فَرَجَعَتْ لِصَوْتِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ يُرِيدُ تَصْوِيتَهُ بِها. الثّاقِبُ: الشَّدِيدُ النَّفاذِ. اللّازِبُ: اللّازِمُ ما جاوَرَهُ واللّاصِقُ بِهِ. اللَّذِيذُ: المُسْتَطابُ، يُقالُ لَذَّ الشَّيْءُ يَلَذُّ، فَهو لَذِيذٌ ولَذَّ عَلى وزْنِ فَعَلَ، كَطَلَبَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَلَذُّ بِطَعْمِهِ وتَخالُ فِيهِ ∗∗∗ إذا نَبَّهَتْها بَعْدَ المَنامِ وقالَ: ؎ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خَشْيَةِ الحَدَثانِ يُرِيدُ النَّوْمَ. وقالَ: ؎بِحَدِيثِكَ اللَّذِّيِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أسَدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعا الغَوْلُ: اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا وكَذا، إذا ضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ: الغِيلَةُ في العَقْلِ، والغِيلَةُ في الرِّضاعِ، وغالَهُ الشَّيْءُ: أهْلَكَهُ وأفْسَدَهُ، ومِنهُ: الغُولُ الَّتِي في أكاذِيبِ العَرَبِ وفي أمْثالِهِمْ: الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مَضى أوَّلُونا ناعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقُ، وقالَ: ؎وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ فالأوَّلِ نَزَفَتِ الشّارِبَ الخَمْرُ وأنْزَفَ هو: ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ، فَهو نَزِيفٌ ومُنْزِفٌ، الثُّلاثِيُّ مُتَعَدٍّ والرُّباعِيُّ لازِمٌ، نَحْوُ: كَبَيْتُ الرَّجُلَ وأكَبَّ، وقَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ، وقَشَعَ هَوايَ: أيْ دَخَلا في الكَبِّ والقَشْعِ. قالَ الشّاعِرُ، وهو الأسْوَدُ: ؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْحَرا ونَزُفَ الشّارِبُ، بِضَمِّ الزّايِ، ويُقالُ: نُزِفَ المَطْعُونُ: ذَهَبَ دَمُهُ كُلُّهُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونُزِحَتِ الرَّكِيَّةُ حَتّى نَزْفَتُها: لَمْ يَبْقَ فِيها ماءٌ، ويُقالُ: أنْزَفَ الرَّجُلُ بَعْدَ شَرابِهِ، فَأنْزَفَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ. البَيْضُ: مَعْرُوفٌ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، الواحِدُ بَيْضَةٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِبَياضِهِ، ويُجْمَعُ عَلى بُيُوضٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها ∗∗∗ قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها الزَّقُّومُ: شَجَرَةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبِ الأمْرِ، تَنْبُتُ في البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ. والتَّزَقُّمُ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ. شابَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَشُوبُهُ شَوْبًا: خَلَطَهُ ومَزَجَهُ. راغَ يَرُوغُ: مالَ في خُفْيَةٍ مِن رَوْغَةِ الثَّعْلَبِ. زَفَّ: أسْرَعَ، وأزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهَمْزَتُهُ بِهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وأزَفَّهُ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ الشّاعِرُ، (p-٣٥١)وهُوَ الفَرَزْدَقُ: ؎فَجاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ يَزِفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ * * ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهم، وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ تَعالى وحْدانِيَّتَهُ، إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ وُجُودًا وعَدَمًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وأقْسَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ ﴿والصّافّاتِ﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ومَسْرُوقٌ: هُمُ المَلائِكَةُ، تُصَفُّ في السَّماءِ في العِبادَةِ والذِّكْرِ صُفُوفًا؛ وقِيلَ: تَصِفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَن يُصَفُّ مِن بَنِي آدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ في صَلاةٍ وطاعَةٍ. وقِيلَ: والطَّيْرُ صافّاتٌ. والزّاجِراتُ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ وغَيْرَها مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِهِ النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ؛ وقِيلَ: كُلُّ ما زُجِرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ. والتّالِياتُ: القارِئاتُ. قالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. وقالَ قَتادَةُ: بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كَلامَهُ المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقْسِمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ ‌‌‌‌‌الصّافّاتِ أقْدامَها في التَّهَجُّدِ وسائِرِ الصَّلَواتِ وصُفُوفِ الجَماعاتِ، فالزّاجِراتِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصائِحِ، فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ، والدّارِساتِ شَرائِعَهِ؛ أوْ بِنُفُوسِ قُرّاءِ القُرْآنِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي تَصِفُّ الصُّفُوفَ، وتَزْجُرُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ، وتَتْلُو الذِّكْرَ مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُها عَنْهُ تِلْكَ الشَّواغِلُ. انْتَهى. وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الفاءَ العاطِفَةَ في الصّافّاتِ، إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زِيابَةٍ لِلْحارِثِ الصّابِحِ، فالغانِمِ، فالآيِبِ، أيِ الَّذِي صَبُحَ فَغَنِمَ فَآبَ؛ وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ؛ وإمّا عَلى تَرْتِيبِ (p-٣٥٢)مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ. فَإمّا هُنا، فَإنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ الصّافّاتِ في التَّفاضُلِ، فَإذا كانَ المُوَحَّدُ المَلائِكَةَ، فَيَكُونُ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ الزَّجْرِ، ثُمَّ التِّلاوَةِ؛ وإمّا عَلى العَكْسِ، وإنْ تَلِيَتِ المَوْصُوفَ، فَتُرَتَّبُ في الفَضْلِ، فَتَكُونُ الصّافّاتُ ذَواتَ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلَ، والتّالِياتُ أبْهَرَ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ. انْتَهى. ومَعْنى العَكْسِ في المَكانَيْنِ: أنَّكَ تَرْتَقِي مِن أفْضَلَ إلى فاضِلٍ إلى مَفْضُولٍ أوْ تَبْدَأُ بِالأدْنى، ثُمَّ بِالفاضِلِ، ثُمَّ بِالأفْضَلِ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَةَ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها تَضَمَّنَتْ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى، أيْ هو واحِدٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُتَفَكِّرُونَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو أمْدَحُ، أيْ هو رَبٌّ. وذَكَرَ المَشارِقَ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والإبْصارُ بِها أكْلَفُ، وذِكْرُها يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المَغارِبِ، إذْ ذاكَ مَفْهُومٌ مِنَ المَشارِقِ، والمَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، وكَذَلِكَ المَغارِبُ. تُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، ولا تَطْلُعُ ولا تَغْرُبُ في واحِدٍ يَوْمَيْنِ. وثَنَّيَ في ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، بِاعْتِبارِ مَشْرِقِيِّ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ تَعالى مَشارِقَ الشَّمْسِ ومَغارِبَها، وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَّنَةِ، فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَّنَةِ إلى أقْصَرِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتِظامِ التَّزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِذْرًا مِنَ الشَّيْطانِ. انْتَهى. والزِّينَةُ مَصْدَرٌ كالسَّنَةِ، واسْمٌ لِما يُزانُ بِهِ الشَّيْءُ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما يُلاقِ بِهِ الدَّواةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِالإضافَةِ، فاحْتَمَلَ المَصْدَرُ مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ بِأنْ زانَتِ السَّماءَ الكَواكِبُ، ومُضافًا لِلْمَفْعُولِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكَواكِبَ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما يُزانُ بِهِ، والكَواكِبُ بَيانٌ لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ في الكَواكِبِ وغَيْرِها مِمّا يُزانُ بِهِ، أوْ مِمّا زَيَّنَتِ الكَواكِبُ مِن إضاءَتِها وثُبُوتِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو زُرْعَةَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبِ بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن زِينَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو بَكْرٍ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبَ نَصْبًا، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِزِينَةٍ مَصْدَرًا، (والكَواكِبَ) مَفْعُولًا بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] . واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (الكَواكِبَ) بَدَلًا مِنَ السَّماءِ، أيْ زَيَّنّا كَواكِبَ السَّماءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ)، ورَفْعِ (الكَواكِبِ) عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو الكَواكِبُ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبُ. ورَفْعُ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ، وأجازَ البَصْرِيُّونَ ذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِضَوْءِ الكَواكِبِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُخْتَلِفَةُ، كَشَكْلِ الثُّرَيّا، وبَناتِ نَعْشٍ، والجَوْزاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَطالِعُها ومَسايِرُها. وخَصَّ (السَّماءَ الدُّنْيا) بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُشاهَدُ بِالأبْصارِ؛ والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ، إنَّما هو فِيها وحْدَها. وانْتَصَبَ (وحِفْظًا) عَلى المَصْدَرِ، أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ عَلى زِيادَةِ الواوِ، أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ، أيْ ولِحِفْظِها زَيَّناها بِالكَواكِبِ، وحَمْلًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مَنقُولَةٌ، والمارِدُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في قَوْلِهِ ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] في النِّساءِ، وهُناكَ جاءَ ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، وهُنا ﴿مارِدٍ﴾، مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مُبْتَدَأٌ اقْتِصاصًا لِما عَلَيْهِ حالُ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَمِعُوا أوْ يَسَّمَّعُوا، وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ مُبْعَدُونَ عَنْ ذَلِكَ، إلّا مَن أُمْهِلَ حَتّى خَطِفَ الخَطْفَةَ واسْتَرَقَ اسْتِراقَةً، فَعِنْدَها تُعاجِلُهُ المَلائِكَةُ بِاتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لا يَسَّمَّعُونَ صِفَةً ولا اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسائِلٍ سَألَ لِمَ يُحْفَظُ مِنَ الشَّياطِينِ ؟؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٥٣)كَوْنُهم لا يَسَّمَّعُونَ، أوِ الجَوابُ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى تَقْدِيرِهِما، إذْ يَصِيرُ المَعْنى مَعَ الوَصْفِ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ غَيْرِ سامِعٍ أوْ مُسَّمِّعٍ، وكَذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسَّمَّعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وإنْ، فارْتَفَعَ الفِعْلُ، قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَسَّمَّعُونَ: نَفى سَماعَهم، وإنْ كانُوا يَسَّمَّعُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وعَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصْغاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِشَدِّ السِّينِ والمِيمِ بِمَعْنى لا يَتَسَمَّعُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وتَقْتَضِي نَفْيَ التَّسَمُّعِ. وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ حَتّى الآنَ، لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ؛ وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ حَرَسًا وشُهُبًا مِن وقْتِ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ الرَّجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أحَقَّ، فَأمّا كانَتْ ثَمَرَةُ التَّسَمُّعِ هو السَّمْعَ، وقَدِ انْتَفى السَّمْعُ بِنَفْيِ التَّسَمُّعِ في هَذِهِ القِراءَةِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو السَّمْعُ. و(المَلَأِ الأعْلى) يَعُمُّ المَلائِكَةَ، والإنْسُ والجِنُّ هُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وعَنْهُ كِتابُهم. (ويُقْذَفُونَ) يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ، ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ مِنها، والمَرْجُومُ بِها هي الَّتِي يَراها النّاسُ تَنْقُضُ، ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الرّاجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِقُرْبِها مِنّا، قالَهُ مَكِّيٌّ والنَّقّاشُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ويَقْذِفُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودُحُورًا مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ ولَوْ يُقْذَفُونَ لِلطَّرْدِ، أوْ مَصْدَرٌ لِيُقْذَفُونَ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الطَّرْدِ، أيْ ويُدْحَرُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ قَذْفًا. فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في ويُقْذَفُونَ، وإمّا في دُحُورًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ، أيْ قَذْفًا دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالقَبُولِ والوُلُوغِ، إلّا أنَّ هَذِهِ ألْفاظٌ ذُكِرَ أنَّها مَحْصُورَةٌ. والواصِبُ: الدّائِمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ويُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ وُصُوبًا: دامَ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُوجِعُ، ومِنهُ الوَصَبُ، كَأنَّ المَعْنى: أنَّهم في الدُّنْيا مَرْجُومُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الدّائِمُ لَهم في الدُّنْيا، وهو رَجْمُهم دائِمًا، وعَدَمُ بُلُوغِهِمْ ما يَقْصِدُونَ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ. ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ (مَن) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا يَسَّمَّعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ لا يَسْمَعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانَ الَّذِي خَطِفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِفَ ثُلاثِيًا بِكَسْرِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً. قالَ أبُو حاتِمٍ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ. وقُرِئَ: خَطِّفَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً، ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا التَّخْفِيفُ. وأصْلُهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اخْتَطَفَ، فَفي الأوَّلِ لَمّا سُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، والخاءُ ساكِنَةٌ، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الخاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطِفَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفَّفَةً، اتْبَعَ حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ، كَما قالُوا نِعِمْ. وقُرِئَ: فَأتْبَعَهُ، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. والثّاقِبُ، قالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ: هو النّافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ.

الصافات 37:4

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ واثْنانِ وثَمانُونَ آيَةً ﷽ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١١] ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] (p-٣٥٠)﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨٢] ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] الزَّجْرُ: الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسْلِيطٍ وصِياحٍ. والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، مِن قَوْلِكَ: زَجَرَ الرّاعِي الإبِلَ والغَنَمَ، إذا صاحَ عَلَيْهِما فَرَجَعَتْ لِصَوْتِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ يُرِيدُ تَصْوِيتَهُ بِها. الثّاقِبُ: الشَّدِيدُ النَّفاذِ. اللّازِبُ: اللّازِمُ ما جاوَرَهُ واللّاصِقُ بِهِ. اللَّذِيذُ: المُسْتَطابُ، يُقالُ لَذَّ الشَّيْءُ يَلَذُّ، فَهو لَذِيذٌ ولَذَّ عَلى وزْنِ فَعَلَ، كَطَلَبَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَلَذُّ بِطَعْمِهِ وتَخالُ فِيهِ ∗∗∗ إذا نَبَّهَتْها بَعْدَ المَنامِ وقالَ: ؎ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خَشْيَةِ الحَدَثانِ يُرِيدُ النَّوْمَ. وقالَ: ؎بِحَدِيثِكَ اللَّذِّيِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أسَدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعا الغَوْلُ: اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا وكَذا، إذا ضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ: الغِيلَةُ في العَقْلِ، والغِيلَةُ في الرِّضاعِ، وغالَهُ الشَّيْءُ: أهْلَكَهُ وأفْسَدَهُ، ومِنهُ: الغُولُ الَّتِي في أكاذِيبِ العَرَبِ وفي أمْثالِهِمْ: الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مَضى أوَّلُونا ناعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقُ، وقالَ: ؎وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ فالأوَّلِ نَزَفَتِ الشّارِبَ الخَمْرُ وأنْزَفَ هو: ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ، فَهو نَزِيفٌ ومُنْزِفٌ، الثُّلاثِيُّ مُتَعَدٍّ والرُّباعِيُّ لازِمٌ، نَحْوُ: كَبَيْتُ الرَّجُلَ وأكَبَّ، وقَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ، وقَشَعَ هَوايَ: أيْ دَخَلا في الكَبِّ والقَشْعِ. قالَ الشّاعِرُ، وهو الأسْوَدُ: ؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْحَرا ونَزُفَ الشّارِبُ، بِضَمِّ الزّايِ، ويُقالُ: نُزِفَ المَطْعُونُ: ذَهَبَ دَمُهُ كُلُّهُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونُزِحَتِ الرَّكِيَّةُ حَتّى نَزْفَتُها: لَمْ يَبْقَ فِيها ماءٌ، ويُقالُ: أنْزَفَ الرَّجُلُ بَعْدَ شَرابِهِ، فَأنْزَفَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ. البَيْضُ: مَعْرُوفٌ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، الواحِدُ بَيْضَةٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِبَياضِهِ، ويُجْمَعُ عَلى بُيُوضٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها ∗∗∗ قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها الزَّقُّومُ: شَجَرَةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبِ الأمْرِ، تَنْبُتُ في البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ. والتَّزَقُّمُ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ. شابَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَشُوبُهُ شَوْبًا: خَلَطَهُ ومَزَجَهُ. راغَ يَرُوغُ: مالَ في خُفْيَةٍ مِن رَوْغَةِ الثَّعْلَبِ. زَفَّ: أسْرَعَ، وأزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهَمْزَتُهُ بِهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وأزَفَّهُ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ الشّاعِرُ، (p-٣٥١)وهُوَ الفَرَزْدَقُ: ؎فَجاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ يَزِفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ * * ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهم، وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ تَعالى وحْدانِيَّتَهُ، إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ وُجُودًا وعَدَمًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وأقْسَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ ﴿والصّافّاتِ﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ومَسْرُوقٌ: هُمُ المَلائِكَةُ، تُصَفُّ في السَّماءِ في العِبادَةِ والذِّكْرِ صُفُوفًا؛ وقِيلَ: تَصِفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَن يُصَفُّ مِن بَنِي آدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ في صَلاةٍ وطاعَةٍ. وقِيلَ: والطَّيْرُ صافّاتٌ. والزّاجِراتُ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ وغَيْرَها مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِهِ النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ؛ وقِيلَ: كُلُّ ما زُجِرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ. والتّالِياتُ: القارِئاتُ. قالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. وقالَ قَتادَةُ: بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كَلامَهُ المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقْسِمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ ‌‌‌‌‌الصّافّاتِ أقْدامَها في التَّهَجُّدِ وسائِرِ الصَّلَواتِ وصُفُوفِ الجَماعاتِ، فالزّاجِراتِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصائِحِ، فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ، والدّارِساتِ شَرائِعَهِ؛ أوْ بِنُفُوسِ قُرّاءِ القُرْآنِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي تَصِفُّ الصُّفُوفَ، وتَزْجُرُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ، وتَتْلُو الذِّكْرَ مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُها عَنْهُ تِلْكَ الشَّواغِلُ. انْتَهى. وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الفاءَ العاطِفَةَ في الصّافّاتِ، إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زِيابَةٍ لِلْحارِثِ الصّابِحِ، فالغانِمِ، فالآيِبِ، أيِ الَّذِي صَبُحَ فَغَنِمَ فَآبَ؛ وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ؛ وإمّا عَلى تَرْتِيبِ (p-٣٥٢)مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ. فَإمّا هُنا، فَإنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ الصّافّاتِ في التَّفاضُلِ، فَإذا كانَ المُوَحَّدُ المَلائِكَةَ، فَيَكُونُ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ الزَّجْرِ، ثُمَّ التِّلاوَةِ؛ وإمّا عَلى العَكْسِ، وإنْ تَلِيَتِ المَوْصُوفَ، فَتُرَتَّبُ في الفَضْلِ، فَتَكُونُ الصّافّاتُ ذَواتَ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلَ، والتّالِياتُ أبْهَرَ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ. انْتَهى. ومَعْنى العَكْسِ في المَكانَيْنِ: أنَّكَ تَرْتَقِي مِن أفْضَلَ إلى فاضِلٍ إلى مَفْضُولٍ أوْ تَبْدَأُ بِالأدْنى، ثُمَّ بِالفاضِلِ، ثُمَّ بِالأفْضَلِ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَةَ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها تَضَمَّنَتْ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى، أيْ هو واحِدٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُتَفَكِّرُونَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو أمْدَحُ، أيْ هو رَبٌّ. وذَكَرَ المَشارِقَ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والإبْصارُ بِها أكْلَفُ، وذِكْرُها يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المَغارِبِ، إذْ ذاكَ مَفْهُومٌ مِنَ المَشارِقِ، والمَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، وكَذَلِكَ المَغارِبُ. تُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، ولا تَطْلُعُ ولا تَغْرُبُ في واحِدٍ يَوْمَيْنِ. وثَنَّيَ في ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، بِاعْتِبارِ مَشْرِقِيِّ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ تَعالى مَشارِقَ الشَّمْسِ ومَغارِبَها، وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَّنَةِ، فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَّنَةِ إلى أقْصَرِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتِظامِ التَّزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِذْرًا مِنَ الشَّيْطانِ. انْتَهى. والزِّينَةُ مَصْدَرٌ كالسَّنَةِ، واسْمٌ لِما يُزانُ بِهِ الشَّيْءُ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما يُلاقِ بِهِ الدَّواةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِالإضافَةِ، فاحْتَمَلَ المَصْدَرُ مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ بِأنْ زانَتِ السَّماءَ الكَواكِبُ، ومُضافًا لِلْمَفْعُولِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكَواكِبَ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما يُزانُ بِهِ، والكَواكِبُ بَيانٌ لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ في الكَواكِبِ وغَيْرِها مِمّا يُزانُ بِهِ، أوْ مِمّا زَيَّنَتِ الكَواكِبُ مِن إضاءَتِها وثُبُوتِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو زُرْعَةَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبِ بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن زِينَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو بَكْرٍ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبَ نَصْبًا، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِزِينَةٍ مَصْدَرًا، (والكَواكِبَ) مَفْعُولًا بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] . واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (الكَواكِبَ) بَدَلًا مِنَ السَّماءِ، أيْ زَيَّنّا كَواكِبَ السَّماءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ)، ورَفْعِ (الكَواكِبِ) عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو الكَواكِبُ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبُ. ورَفْعُ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ، وأجازَ البَصْرِيُّونَ ذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِضَوْءِ الكَواكِبِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُخْتَلِفَةُ، كَشَكْلِ الثُّرَيّا، وبَناتِ نَعْشٍ، والجَوْزاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَطالِعُها ومَسايِرُها. وخَصَّ (السَّماءَ الدُّنْيا) بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُشاهَدُ بِالأبْصارِ؛ والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ، إنَّما هو فِيها وحْدَها. وانْتَصَبَ (وحِفْظًا) عَلى المَصْدَرِ، أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ عَلى زِيادَةِ الواوِ، أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ، أيْ ولِحِفْظِها زَيَّناها بِالكَواكِبِ، وحَمْلًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مَنقُولَةٌ، والمارِدُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في قَوْلِهِ ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] في النِّساءِ، وهُناكَ جاءَ ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، وهُنا ﴿مارِدٍ﴾، مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مُبْتَدَأٌ اقْتِصاصًا لِما عَلَيْهِ حالُ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَمِعُوا أوْ يَسَّمَّعُوا، وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ مُبْعَدُونَ عَنْ ذَلِكَ، إلّا مَن أُمْهِلَ حَتّى خَطِفَ الخَطْفَةَ واسْتَرَقَ اسْتِراقَةً، فَعِنْدَها تُعاجِلُهُ المَلائِكَةُ بِاتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لا يَسَّمَّعُونَ صِفَةً ولا اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسائِلٍ سَألَ لِمَ يُحْفَظُ مِنَ الشَّياطِينِ ؟؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٥٣)كَوْنُهم لا يَسَّمَّعُونَ، أوِ الجَوابُ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى تَقْدِيرِهِما، إذْ يَصِيرُ المَعْنى مَعَ الوَصْفِ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ غَيْرِ سامِعٍ أوْ مُسَّمِّعٍ، وكَذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسَّمَّعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وإنْ، فارْتَفَعَ الفِعْلُ، قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَسَّمَّعُونَ: نَفى سَماعَهم، وإنْ كانُوا يَسَّمَّعُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وعَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصْغاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِشَدِّ السِّينِ والمِيمِ بِمَعْنى لا يَتَسَمَّعُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وتَقْتَضِي نَفْيَ التَّسَمُّعِ. وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ حَتّى الآنَ، لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ؛ وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ حَرَسًا وشُهُبًا مِن وقْتِ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ الرَّجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أحَقَّ، فَأمّا كانَتْ ثَمَرَةُ التَّسَمُّعِ هو السَّمْعَ، وقَدِ انْتَفى السَّمْعُ بِنَفْيِ التَّسَمُّعِ في هَذِهِ القِراءَةِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو السَّمْعُ. و(المَلَأِ الأعْلى) يَعُمُّ المَلائِكَةَ، والإنْسُ والجِنُّ هُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وعَنْهُ كِتابُهم. (ويُقْذَفُونَ) يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ، ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ مِنها، والمَرْجُومُ بِها هي الَّتِي يَراها النّاسُ تَنْقُضُ، ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الرّاجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِقُرْبِها مِنّا، قالَهُ مَكِّيٌّ والنَّقّاشُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ويَقْذِفُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودُحُورًا مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ ولَوْ يُقْذَفُونَ لِلطَّرْدِ، أوْ مَصْدَرٌ لِيُقْذَفُونَ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الطَّرْدِ، أيْ ويُدْحَرُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ قَذْفًا. فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في ويُقْذَفُونَ، وإمّا في دُحُورًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ، أيْ قَذْفًا دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالقَبُولِ والوُلُوغِ، إلّا أنَّ هَذِهِ ألْفاظٌ ذُكِرَ أنَّها مَحْصُورَةٌ. والواصِبُ: الدّائِمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ويُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ وُصُوبًا: دامَ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُوجِعُ، ومِنهُ الوَصَبُ، كَأنَّ المَعْنى: أنَّهم في الدُّنْيا مَرْجُومُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الدّائِمُ لَهم في الدُّنْيا، وهو رَجْمُهم دائِمًا، وعَدَمُ بُلُوغِهِمْ ما يَقْصِدُونَ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ. ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ (مَن) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا يَسَّمَّعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ لا يَسْمَعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانَ الَّذِي خَطِفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِفَ ثُلاثِيًا بِكَسْرِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً. قالَ أبُو حاتِمٍ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ. وقُرِئَ: خَطِّفَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً، ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا التَّخْفِيفُ. وأصْلُهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اخْتَطَفَ، فَفي الأوَّلِ لَمّا سُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، والخاءُ ساكِنَةٌ، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الخاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطِفَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفَّفَةً، اتْبَعَ حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ، كَما قالُوا نِعِمْ. وقُرِئَ: فَأتْبَعَهُ، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. والثّاقِبُ، قالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ: هو النّافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ.

الصافات 37:5

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ واثْنانِ وثَمانُونَ آيَةً ﷽ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١١] ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] (p-٣٥٠)﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨٢] ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] الزَّجْرُ: الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسْلِيطٍ وصِياحٍ. والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، مِن قَوْلِكَ: زَجَرَ الرّاعِي الإبِلَ والغَنَمَ، إذا صاحَ عَلَيْهِما فَرَجَعَتْ لِصَوْتِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ يُرِيدُ تَصْوِيتَهُ بِها. الثّاقِبُ: الشَّدِيدُ النَّفاذِ. اللّازِبُ: اللّازِمُ ما جاوَرَهُ واللّاصِقُ بِهِ. اللَّذِيذُ: المُسْتَطابُ، يُقالُ لَذَّ الشَّيْءُ يَلَذُّ، فَهو لَذِيذٌ ولَذَّ عَلى وزْنِ فَعَلَ، كَطَلَبَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَلَذُّ بِطَعْمِهِ وتَخالُ فِيهِ ∗∗∗ إذا نَبَّهَتْها بَعْدَ المَنامِ وقالَ: ؎ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خَشْيَةِ الحَدَثانِ يُرِيدُ النَّوْمَ. وقالَ: ؎بِحَدِيثِكَ اللَّذِّيِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أسَدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعا الغَوْلُ: اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا وكَذا، إذا ضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ: الغِيلَةُ في العَقْلِ، والغِيلَةُ في الرِّضاعِ، وغالَهُ الشَّيْءُ: أهْلَكَهُ وأفْسَدَهُ، ومِنهُ: الغُولُ الَّتِي في أكاذِيبِ العَرَبِ وفي أمْثالِهِمْ: الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مَضى أوَّلُونا ناعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقُ، وقالَ: ؎وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ فالأوَّلِ نَزَفَتِ الشّارِبَ الخَمْرُ وأنْزَفَ هو: ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ، فَهو نَزِيفٌ ومُنْزِفٌ، الثُّلاثِيُّ مُتَعَدٍّ والرُّباعِيُّ لازِمٌ، نَحْوُ: كَبَيْتُ الرَّجُلَ وأكَبَّ، وقَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ، وقَشَعَ هَوايَ: أيْ دَخَلا في الكَبِّ والقَشْعِ. قالَ الشّاعِرُ، وهو الأسْوَدُ: ؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْحَرا ونَزُفَ الشّارِبُ، بِضَمِّ الزّايِ، ويُقالُ: نُزِفَ المَطْعُونُ: ذَهَبَ دَمُهُ كُلُّهُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونُزِحَتِ الرَّكِيَّةُ حَتّى نَزْفَتُها: لَمْ يَبْقَ فِيها ماءٌ، ويُقالُ: أنْزَفَ الرَّجُلُ بَعْدَ شَرابِهِ، فَأنْزَفَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ. البَيْضُ: مَعْرُوفٌ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، الواحِدُ بَيْضَةٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِبَياضِهِ، ويُجْمَعُ عَلى بُيُوضٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها ∗∗∗ قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها الزَّقُّومُ: شَجَرَةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبِ الأمْرِ، تَنْبُتُ في البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ. والتَّزَقُّمُ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ. شابَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَشُوبُهُ شَوْبًا: خَلَطَهُ ومَزَجَهُ. راغَ يَرُوغُ: مالَ في خُفْيَةٍ مِن رَوْغَةِ الثَّعْلَبِ. زَفَّ: أسْرَعَ، وأزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهَمْزَتُهُ بِهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وأزَفَّهُ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ الشّاعِرُ، (p-٣٥١)وهُوَ الفَرَزْدَقُ: ؎فَجاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ يَزِفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ * * ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهم، وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ تَعالى وحْدانِيَّتَهُ، إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ وُجُودًا وعَدَمًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وأقْسَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ ﴿والصّافّاتِ﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ومَسْرُوقٌ: هُمُ المَلائِكَةُ، تُصَفُّ في السَّماءِ في العِبادَةِ والذِّكْرِ صُفُوفًا؛ وقِيلَ: تَصِفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَن يُصَفُّ مِن بَنِي آدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ في صَلاةٍ وطاعَةٍ. وقِيلَ: والطَّيْرُ صافّاتٌ. والزّاجِراتُ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ وغَيْرَها مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِهِ النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ؛ وقِيلَ: كُلُّ ما زُجِرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ. والتّالِياتُ: القارِئاتُ. قالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. وقالَ قَتادَةُ: بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كَلامَهُ المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقْسِمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ ‌‌‌‌‌الصّافّاتِ أقْدامَها في التَّهَجُّدِ وسائِرِ الصَّلَواتِ وصُفُوفِ الجَماعاتِ، فالزّاجِراتِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصائِحِ، فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ، والدّارِساتِ شَرائِعَهِ؛ أوْ بِنُفُوسِ قُرّاءِ القُرْآنِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي تَصِفُّ الصُّفُوفَ، وتَزْجُرُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ، وتَتْلُو الذِّكْرَ مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُها عَنْهُ تِلْكَ الشَّواغِلُ. انْتَهى. وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الفاءَ العاطِفَةَ في الصّافّاتِ، إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زِيابَةٍ لِلْحارِثِ الصّابِحِ، فالغانِمِ، فالآيِبِ، أيِ الَّذِي صَبُحَ فَغَنِمَ فَآبَ؛ وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ؛ وإمّا عَلى تَرْتِيبِ (p-٣٥٢)مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ. فَإمّا هُنا، فَإنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ الصّافّاتِ في التَّفاضُلِ، فَإذا كانَ المُوَحَّدُ المَلائِكَةَ، فَيَكُونُ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ الزَّجْرِ، ثُمَّ التِّلاوَةِ؛ وإمّا عَلى العَكْسِ، وإنْ تَلِيَتِ المَوْصُوفَ، فَتُرَتَّبُ في الفَضْلِ، فَتَكُونُ الصّافّاتُ ذَواتَ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلَ، والتّالِياتُ أبْهَرَ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ. انْتَهى. ومَعْنى العَكْسِ في المَكانَيْنِ: أنَّكَ تَرْتَقِي مِن أفْضَلَ إلى فاضِلٍ إلى مَفْضُولٍ أوْ تَبْدَأُ بِالأدْنى، ثُمَّ بِالفاضِلِ، ثُمَّ بِالأفْضَلِ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَةَ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها تَضَمَّنَتْ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى، أيْ هو واحِدٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُتَفَكِّرُونَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو أمْدَحُ، أيْ هو رَبٌّ. وذَكَرَ المَشارِقَ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والإبْصارُ بِها أكْلَفُ، وذِكْرُها يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المَغارِبِ، إذْ ذاكَ مَفْهُومٌ مِنَ المَشارِقِ، والمَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، وكَذَلِكَ المَغارِبُ. تُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، ولا تَطْلُعُ ولا تَغْرُبُ في واحِدٍ يَوْمَيْنِ. وثَنَّيَ في ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، بِاعْتِبارِ مَشْرِقِيِّ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ تَعالى مَشارِقَ الشَّمْسِ ومَغارِبَها، وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَّنَةِ، فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَّنَةِ إلى أقْصَرِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتِظامِ التَّزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِذْرًا مِنَ الشَّيْطانِ. انْتَهى. والزِّينَةُ مَصْدَرٌ كالسَّنَةِ، واسْمٌ لِما يُزانُ بِهِ الشَّيْءُ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما يُلاقِ بِهِ الدَّواةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِالإضافَةِ، فاحْتَمَلَ المَصْدَرُ مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ بِأنْ زانَتِ السَّماءَ الكَواكِبُ، ومُضافًا لِلْمَفْعُولِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكَواكِبَ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما يُزانُ بِهِ، والكَواكِبُ بَيانٌ لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ في الكَواكِبِ وغَيْرِها مِمّا يُزانُ بِهِ، أوْ مِمّا زَيَّنَتِ الكَواكِبُ مِن إضاءَتِها وثُبُوتِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو زُرْعَةَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبِ بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن زِينَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو بَكْرٍ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبَ نَصْبًا، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِزِينَةٍ مَصْدَرًا، (والكَواكِبَ) مَفْعُولًا بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] . واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (الكَواكِبَ) بَدَلًا مِنَ السَّماءِ، أيْ زَيَّنّا كَواكِبَ السَّماءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ)، ورَفْعِ (الكَواكِبِ) عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو الكَواكِبُ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبُ. ورَفْعُ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ، وأجازَ البَصْرِيُّونَ ذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِضَوْءِ الكَواكِبِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُخْتَلِفَةُ، كَشَكْلِ الثُّرَيّا، وبَناتِ نَعْشٍ، والجَوْزاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَطالِعُها ومَسايِرُها. وخَصَّ (السَّماءَ الدُّنْيا) بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُشاهَدُ بِالأبْصارِ؛ والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ، إنَّما هو فِيها وحْدَها. وانْتَصَبَ (وحِفْظًا) عَلى المَصْدَرِ، أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ عَلى زِيادَةِ الواوِ، أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ، أيْ ولِحِفْظِها زَيَّناها بِالكَواكِبِ، وحَمْلًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مَنقُولَةٌ، والمارِدُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في قَوْلِهِ ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] في النِّساءِ، وهُناكَ جاءَ ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، وهُنا ﴿مارِدٍ﴾، مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مُبْتَدَأٌ اقْتِصاصًا لِما عَلَيْهِ حالُ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَمِعُوا أوْ يَسَّمَّعُوا، وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ مُبْعَدُونَ عَنْ ذَلِكَ، إلّا مَن أُمْهِلَ حَتّى خَطِفَ الخَطْفَةَ واسْتَرَقَ اسْتِراقَةً، فَعِنْدَها تُعاجِلُهُ المَلائِكَةُ بِاتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لا يَسَّمَّعُونَ صِفَةً ولا اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسائِلٍ سَألَ لِمَ يُحْفَظُ مِنَ الشَّياطِينِ ؟؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٥٣)كَوْنُهم لا يَسَّمَّعُونَ، أوِ الجَوابُ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى تَقْدِيرِهِما، إذْ يَصِيرُ المَعْنى مَعَ الوَصْفِ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ غَيْرِ سامِعٍ أوْ مُسَّمِّعٍ، وكَذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسَّمَّعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وإنْ، فارْتَفَعَ الفِعْلُ، قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَسَّمَّعُونَ: نَفى سَماعَهم، وإنْ كانُوا يَسَّمَّعُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وعَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصْغاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِشَدِّ السِّينِ والمِيمِ بِمَعْنى لا يَتَسَمَّعُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وتَقْتَضِي نَفْيَ التَّسَمُّعِ. وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ حَتّى الآنَ، لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ؛ وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ حَرَسًا وشُهُبًا مِن وقْتِ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ الرَّجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أحَقَّ، فَأمّا كانَتْ ثَمَرَةُ التَّسَمُّعِ هو السَّمْعَ، وقَدِ انْتَفى السَّمْعُ بِنَفْيِ التَّسَمُّعِ في هَذِهِ القِراءَةِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو السَّمْعُ. و(المَلَأِ الأعْلى) يَعُمُّ المَلائِكَةَ، والإنْسُ والجِنُّ هُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وعَنْهُ كِتابُهم. (ويُقْذَفُونَ) يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ، ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ مِنها، والمَرْجُومُ بِها هي الَّتِي يَراها النّاسُ تَنْقُضُ، ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الرّاجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِقُرْبِها مِنّا، قالَهُ مَكِّيٌّ والنَّقّاشُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ويَقْذِفُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودُحُورًا مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ ولَوْ يُقْذَفُونَ لِلطَّرْدِ، أوْ مَصْدَرٌ لِيُقْذَفُونَ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الطَّرْدِ، أيْ ويُدْحَرُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ قَذْفًا. فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في ويُقْذَفُونَ، وإمّا في دُحُورًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ، أيْ قَذْفًا دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالقَبُولِ والوُلُوغِ، إلّا أنَّ هَذِهِ ألْفاظٌ ذُكِرَ أنَّها مَحْصُورَةٌ. والواصِبُ: الدّائِمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ويُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ وُصُوبًا: دامَ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُوجِعُ، ومِنهُ الوَصَبُ، كَأنَّ المَعْنى: أنَّهم في الدُّنْيا مَرْجُومُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الدّائِمُ لَهم في الدُّنْيا، وهو رَجْمُهم دائِمًا، وعَدَمُ بُلُوغِهِمْ ما يَقْصِدُونَ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ. ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ (مَن) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا يَسَّمَّعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ لا يَسْمَعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانَ الَّذِي خَطِفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِفَ ثُلاثِيًا بِكَسْرِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً. قالَ أبُو حاتِمٍ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ. وقُرِئَ: خَطِّفَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً، ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا التَّخْفِيفُ. وأصْلُهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اخْتَطَفَ، فَفي الأوَّلِ لَمّا سُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، والخاءُ ساكِنَةٌ، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الخاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطِفَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفَّفَةً، اتْبَعَ حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ، كَما قالُوا نِعِمْ. وقُرِئَ: فَأتْبَعَهُ، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. والثّاقِبُ، قالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ: هو النّافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ.

الصافات 37:6

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ واثْنانِ وثَمانُونَ آيَةً ﷽ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١١] ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] (p-٣٥٠)﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨٢] ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] الزَّجْرُ: الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسْلِيطٍ وصِياحٍ. والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، مِن قَوْلِكَ: زَجَرَ الرّاعِي الإبِلَ والغَنَمَ، إذا صاحَ عَلَيْهِما فَرَجَعَتْ لِصَوْتِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ يُرِيدُ تَصْوِيتَهُ بِها. الثّاقِبُ: الشَّدِيدُ النَّفاذِ. اللّازِبُ: اللّازِمُ ما جاوَرَهُ واللّاصِقُ بِهِ. اللَّذِيذُ: المُسْتَطابُ، يُقالُ لَذَّ الشَّيْءُ يَلَذُّ، فَهو لَذِيذٌ ولَذَّ عَلى وزْنِ فَعَلَ، كَطَلَبَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَلَذُّ بِطَعْمِهِ وتَخالُ فِيهِ ∗∗∗ إذا نَبَّهَتْها بَعْدَ المَنامِ وقالَ: ؎ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خَشْيَةِ الحَدَثانِ يُرِيدُ النَّوْمَ. وقالَ: ؎بِحَدِيثِكَ اللَّذِّيِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أسَدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعا الغَوْلُ: اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا وكَذا، إذا ضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ: الغِيلَةُ في العَقْلِ، والغِيلَةُ في الرِّضاعِ، وغالَهُ الشَّيْءُ: أهْلَكَهُ وأفْسَدَهُ، ومِنهُ: الغُولُ الَّتِي في أكاذِيبِ العَرَبِ وفي أمْثالِهِمْ: الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مَضى أوَّلُونا ناعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقُ، وقالَ: ؎وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ فالأوَّلِ نَزَفَتِ الشّارِبَ الخَمْرُ وأنْزَفَ هو: ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ، فَهو نَزِيفٌ ومُنْزِفٌ، الثُّلاثِيُّ مُتَعَدٍّ والرُّباعِيُّ لازِمٌ، نَحْوُ: كَبَيْتُ الرَّجُلَ وأكَبَّ، وقَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ، وقَشَعَ هَوايَ: أيْ دَخَلا في الكَبِّ والقَشْعِ. قالَ الشّاعِرُ، وهو الأسْوَدُ: ؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْحَرا ونَزُفَ الشّارِبُ، بِضَمِّ الزّايِ، ويُقالُ: نُزِفَ المَطْعُونُ: ذَهَبَ دَمُهُ كُلُّهُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونُزِحَتِ الرَّكِيَّةُ حَتّى نَزْفَتُها: لَمْ يَبْقَ فِيها ماءٌ، ويُقالُ: أنْزَفَ الرَّجُلُ بَعْدَ شَرابِهِ، فَأنْزَفَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ. البَيْضُ: مَعْرُوفٌ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، الواحِدُ بَيْضَةٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِبَياضِهِ، ويُجْمَعُ عَلى بُيُوضٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها ∗∗∗ قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها الزَّقُّومُ: شَجَرَةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبِ الأمْرِ، تَنْبُتُ في البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ. والتَّزَقُّمُ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ. شابَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَشُوبُهُ شَوْبًا: خَلَطَهُ ومَزَجَهُ. راغَ يَرُوغُ: مالَ في خُفْيَةٍ مِن رَوْغَةِ الثَّعْلَبِ. زَفَّ: أسْرَعَ، وأزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهَمْزَتُهُ بِهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وأزَفَّهُ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ الشّاعِرُ، (p-٣٥١)وهُوَ الفَرَزْدَقُ: ؎فَجاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ يَزِفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ * * ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهم، وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ تَعالى وحْدانِيَّتَهُ، إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ وُجُودًا وعَدَمًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وأقْسَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ ﴿والصّافّاتِ﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ومَسْرُوقٌ: هُمُ المَلائِكَةُ، تُصَفُّ في السَّماءِ في العِبادَةِ والذِّكْرِ صُفُوفًا؛ وقِيلَ: تَصِفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَن يُصَفُّ مِن بَنِي آدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ في صَلاةٍ وطاعَةٍ. وقِيلَ: والطَّيْرُ صافّاتٌ. والزّاجِراتُ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ وغَيْرَها مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِهِ النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ؛ وقِيلَ: كُلُّ ما زُجِرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ. والتّالِياتُ: القارِئاتُ. قالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. وقالَ قَتادَةُ: بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كَلامَهُ المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقْسِمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ ‌‌‌‌‌الصّافّاتِ أقْدامَها في التَّهَجُّدِ وسائِرِ الصَّلَواتِ وصُفُوفِ الجَماعاتِ، فالزّاجِراتِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصائِحِ، فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ، والدّارِساتِ شَرائِعَهِ؛ أوْ بِنُفُوسِ قُرّاءِ القُرْآنِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي تَصِفُّ الصُّفُوفَ، وتَزْجُرُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ، وتَتْلُو الذِّكْرَ مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُها عَنْهُ تِلْكَ الشَّواغِلُ. انْتَهى. وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الفاءَ العاطِفَةَ في الصّافّاتِ، إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زِيابَةٍ لِلْحارِثِ الصّابِحِ، فالغانِمِ، فالآيِبِ، أيِ الَّذِي صَبُحَ فَغَنِمَ فَآبَ؛ وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ؛ وإمّا عَلى تَرْتِيبِ (p-٣٥٢)مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ. فَإمّا هُنا، فَإنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ الصّافّاتِ في التَّفاضُلِ، فَإذا كانَ المُوَحَّدُ المَلائِكَةَ، فَيَكُونُ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ الزَّجْرِ، ثُمَّ التِّلاوَةِ؛ وإمّا عَلى العَكْسِ، وإنْ تَلِيَتِ المَوْصُوفَ، فَتُرَتَّبُ في الفَضْلِ، فَتَكُونُ الصّافّاتُ ذَواتَ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلَ، والتّالِياتُ أبْهَرَ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ. انْتَهى. ومَعْنى العَكْسِ في المَكانَيْنِ: أنَّكَ تَرْتَقِي مِن أفْضَلَ إلى فاضِلٍ إلى مَفْضُولٍ أوْ تَبْدَأُ بِالأدْنى، ثُمَّ بِالفاضِلِ، ثُمَّ بِالأفْضَلِ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَةَ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها تَضَمَّنَتْ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى، أيْ هو واحِدٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُتَفَكِّرُونَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو أمْدَحُ، أيْ هو رَبٌّ. وذَكَرَ المَشارِقَ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والإبْصارُ بِها أكْلَفُ، وذِكْرُها يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المَغارِبِ، إذْ ذاكَ مَفْهُومٌ مِنَ المَشارِقِ، والمَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، وكَذَلِكَ المَغارِبُ. تُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، ولا تَطْلُعُ ولا تَغْرُبُ في واحِدٍ يَوْمَيْنِ. وثَنَّيَ في ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، بِاعْتِبارِ مَشْرِقِيِّ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ تَعالى مَشارِقَ الشَّمْسِ ومَغارِبَها، وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَّنَةِ، فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَّنَةِ إلى أقْصَرِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتِظامِ التَّزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِذْرًا مِنَ الشَّيْطانِ. انْتَهى. والزِّينَةُ مَصْدَرٌ كالسَّنَةِ، واسْمٌ لِما يُزانُ بِهِ الشَّيْءُ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما يُلاقِ بِهِ الدَّواةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِالإضافَةِ، فاحْتَمَلَ المَصْدَرُ مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ بِأنْ زانَتِ السَّماءَ الكَواكِبُ، ومُضافًا لِلْمَفْعُولِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكَواكِبَ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما يُزانُ بِهِ، والكَواكِبُ بَيانٌ لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ في الكَواكِبِ وغَيْرِها مِمّا يُزانُ بِهِ، أوْ مِمّا زَيَّنَتِ الكَواكِبُ مِن إضاءَتِها وثُبُوتِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو زُرْعَةَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبِ بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن زِينَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو بَكْرٍ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبَ نَصْبًا، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِزِينَةٍ مَصْدَرًا، (والكَواكِبَ) مَفْعُولًا بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] . واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (الكَواكِبَ) بَدَلًا مِنَ السَّماءِ، أيْ زَيَّنّا كَواكِبَ السَّماءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ)، ورَفْعِ (الكَواكِبِ) عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو الكَواكِبُ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبُ. ورَفْعُ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ، وأجازَ البَصْرِيُّونَ ذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِضَوْءِ الكَواكِبِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُخْتَلِفَةُ، كَشَكْلِ الثُّرَيّا، وبَناتِ نَعْشٍ، والجَوْزاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَطالِعُها ومَسايِرُها. وخَصَّ (السَّماءَ الدُّنْيا) بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُشاهَدُ بِالأبْصارِ؛ والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ، إنَّما هو فِيها وحْدَها. وانْتَصَبَ (وحِفْظًا) عَلى المَصْدَرِ، أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ عَلى زِيادَةِ الواوِ، أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ، أيْ ولِحِفْظِها زَيَّناها بِالكَواكِبِ، وحَمْلًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مَنقُولَةٌ، والمارِدُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في قَوْلِهِ ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] في النِّساءِ، وهُناكَ جاءَ ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، وهُنا ﴿مارِدٍ﴾، مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مُبْتَدَأٌ اقْتِصاصًا لِما عَلَيْهِ حالُ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَمِعُوا أوْ يَسَّمَّعُوا، وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ مُبْعَدُونَ عَنْ ذَلِكَ، إلّا مَن أُمْهِلَ حَتّى خَطِفَ الخَطْفَةَ واسْتَرَقَ اسْتِراقَةً، فَعِنْدَها تُعاجِلُهُ المَلائِكَةُ بِاتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لا يَسَّمَّعُونَ صِفَةً ولا اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسائِلٍ سَألَ لِمَ يُحْفَظُ مِنَ الشَّياطِينِ ؟؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٥٣)كَوْنُهم لا يَسَّمَّعُونَ، أوِ الجَوابُ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى تَقْدِيرِهِما، إذْ يَصِيرُ المَعْنى مَعَ الوَصْفِ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ غَيْرِ سامِعٍ أوْ مُسَّمِّعٍ، وكَذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسَّمَّعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وإنْ، فارْتَفَعَ الفِعْلُ، قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَسَّمَّعُونَ: نَفى سَماعَهم، وإنْ كانُوا يَسَّمَّعُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وعَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصْغاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِشَدِّ السِّينِ والمِيمِ بِمَعْنى لا يَتَسَمَّعُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وتَقْتَضِي نَفْيَ التَّسَمُّعِ. وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ حَتّى الآنَ، لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ؛ وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ حَرَسًا وشُهُبًا مِن وقْتِ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ الرَّجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أحَقَّ، فَأمّا كانَتْ ثَمَرَةُ التَّسَمُّعِ هو السَّمْعَ، وقَدِ انْتَفى السَّمْعُ بِنَفْيِ التَّسَمُّعِ في هَذِهِ القِراءَةِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو السَّمْعُ. و(المَلَأِ الأعْلى) يَعُمُّ المَلائِكَةَ، والإنْسُ والجِنُّ هُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وعَنْهُ كِتابُهم. (ويُقْذَفُونَ) يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ، ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ مِنها، والمَرْجُومُ بِها هي الَّتِي يَراها النّاسُ تَنْقُضُ، ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الرّاجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِقُرْبِها مِنّا، قالَهُ مَكِّيٌّ والنَّقّاشُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ويَقْذِفُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودُحُورًا مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ ولَوْ يُقْذَفُونَ لِلطَّرْدِ، أوْ مَصْدَرٌ لِيُقْذَفُونَ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الطَّرْدِ، أيْ ويُدْحَرُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ قَذْفًا. فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في ويُقْذَفُونَ، وإمّا في دُحُورًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ، أيْ قَذْفًا دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالقَبُولِ والوُلُوغِ، إلّا أنَّ هَذِهِ ألْفاظٌ ذُكِرَ أنَّها مَحْصُورَةٌ. والواصِبُ: الدّائِمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ويُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ وُصُوبًا: دامَ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُوجِعُ، ومِنهُ الوَصَبُ، كَأنَّ المَعْنى: أنَّهم في الدُّنْيا مَرْجُومُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الدّائِمُ لَهم في الدُّنْيا، وهو رَجْمُهم دائِمًا، وعَدَمُ بُلُوغِهِمْ ما يَقْصِدُونَ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ. ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ (مَن) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا يَسَّمَّعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ لا يَسْمَعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانَ الَّذِي خَطِفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِفَ ثُلاثِيًا بِكَسْرِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً. قالَ أبُو حاتِمٍ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ. وقُرِئَ: خَطِّفَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً، ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا التَّخْفِيفُ. وأصْلُهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اخْتَطَفَ، فَفي الأوَّلِ لَمّا سُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، والخاءُ ساكِنَةٌ، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الخاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطِفَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفَّفَةً، اتْبَعَ حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ، كَما قالُوا نِعِمْ. وقُرِئَ: فَأتْبَعَهُ، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. والثّاقِبُ، قالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ: هو النّافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ.

الصافات 37:7

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ واثْنانِ وثَمانُونَ آيَةً ﷽ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١١] ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] (p-٣٥٠)﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨٢] ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] الزَّجْرُ: الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسْلِيطٍ وصِياحٍ. والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، مِن قَوْلِكَ: زَجَرَ الرّاعِي الإبِلَ والغَنَمَ، إذا صاحَ عَلَيْهِما فَرَجَعَتْ لِصَوْتِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ يُرِيدُ تَصْوِيتَهُ بِها. الثّاقِبُ: الشَّدِيدُ النَّفاذِ. اللّازِبُ: اللّازِمُ ما جاوَرَهُ واللّاصِقُ بِهِ. اللَّذِيذُ: المُسْتَطابُ، يُقالُ لَذَّ الشَّيْءُ يَلَذُّ، فَهو لَذِيذٌ ولَذَّ عَلى وزْنِ فَعَلَ، كَطَلَبَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَلَذُّ بِطَعْمِهِ وتَخالُ فِيهِ ∗∗∗ إذا نَبَّهَتْها بَعْدَ المَنامِ وقالَ: ؎ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خَشْيَةِ الحَدَثانِ يُرِيدُ النَّوْمَ. وقالَ: ؎بِحَدِيثِكَ اللَّذِّيِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أسَدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعا الغَوْلُ: اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا وكَذا، إذا ضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ: الغِيلَةُ في العَقْلِ، والغِيلَةُ في الرِّضاعِ، وغالَهُ الشَّيْءُ: أهْلَكَهُ وأفْسَدَهُ، ومِنهُ: الغُولُ الَّتِي في أكاذِيبِ العَرَبِ وفي أمْثالِهِمْ: الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مَضى أوَّلُونا ناعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقُ، وقالَ: ؎وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ فالأوَّلِ نَزَفَتِ الشّارِبَ الخَمْرُ وأنْزَفَ هو: ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ، فَهو نَزِيفٌ ومُنْزِفٌ، الثُّلاثِيُّ مُتَعَدٍّ والرُّباعِيُّ لازِمٌ، نَحْوُ: كَبَيْتُ الرَّجُلَ وأكَبَّ، وقَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ، وقَشَعَ هَوايَ: أيْ دَخَلا في الكَبِّ والقَشْعِ. قالَ الشّاعِرُ، وهو الأسْوَدُ: ؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْحَرا ونَزُفَ الشّارِبُ، بِضَمِّ الزّايِ، ويُقالُ: نُزِفَ المَطْعُونُ: ذَهَبَ دَمُهُ كُلُّهُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونُزِحَتِ الرَّكِيَّةُ حَتّى نَزْفَتُها: لَمْ يَبْقَ فِيها ماءٌ، ويُقالُ: أنْزَفَ الرَّجُلُ بَعْدَ شَرابِهِ، فَأنْزَفَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ. البَيْضُ: مَعْرُوفٌ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، الواحِدُ بَيْضَةٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِبَياضِهِ، ويُجْمَعُ عَلى بُيُوضٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها ∗∗∗ قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها الزَّقُّومُ: شَجَرَةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبِ الأمْرِ، تَنْبُتُ في البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ. والتَّزَقُّمُ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ. شابَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَشُوبُهُ شَوْبًا: خَلَطَهُ ومَزَجَهُ. راغَ يَرُوغُ: مالَ في خُفْيَةٍ مِن رَوْغَةِ الثَّعْلَبِ. زَفَّ: أسْرَعَ، وأزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهَمْزَتُهُ بِهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وأزَفَّهُ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ الشّاعِرُ، (p-٣٥١)وهُوَ الفَرَزْدَقُ: ؎فَجاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ يَزِفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ * * ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهم، وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ تَعالى وحْدانِيَّتَهُ، إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ وُجُودًا وعَدَمًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وأقْسَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ ﴿والصّافّاتِ﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ومَسْرُوقٌ: هُمُ المَلائِكَةُ، تُصَفُّ في السَّماءِ في العِبادَةِ والذِّكْرِ صُفُوفًا؛ وقِيلَ: تَصِفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَن يُصَفُّ مِن بَنِي آدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ في صَلاةٍ وطاعَةٍ. وقِيلَ: والطَّيْرُ صافّاتٌ. والزّاجِراتُ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ وغَيْرَها مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِهِ النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ؛ وقِيلَ: كُلُّ ما زُجِرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ. والتّالِياتُ: القارِئاتُ. قالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. وقالَ قَتادَةُ: بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كَلامَهُ المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقْسِمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ ‌‌‌‌‌الصّافّاتِ أقْدامَها في التَّهَجُّدِ وسائِرِ الصَّلَواتِ وصُفُوفِ الجَماعاتِ، فالزّاجِراتِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصائِحِ، فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ، والدّارِساتِ شَرائِعَهِ؛ أوْ بِنُفُوسِ قُرّاءِ القُرْآنِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي تَصِفُّ الصُّفُوفَ، وتَزْجُرُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ، وتَتْلُو الذِّكْرَ مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُها عَنْهُ تِلْكَ الشَّواغِلُ. انْتَهى. وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الفاءَ العاطِفَةَ في الصّافّاتِ، إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زِيابَةٍ لِلْحارِثِ الصّابِحِ، فالغانِمِ، فالآيِبِ، أيِ الَّذِي صَبُحَ فَغَنِمَ فَآبَ؛ وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ؛ وإمّا عَلى تَرْتِيبِ (p-٣٥٢)مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ. فَإمّا هُنا، فَإنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ الصّافّاتِ في التَّفاضُلِ، فَإذا كانَ المُوَحَّدُ المَلائِكَةَ، فَيَكُونُ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ الزَّجْرِ، ثُمَّ التِّلاوَةِ؛ وإمّا عَلى العَكْسِ، وإنْ تَلِيَتِ المَوْصُوفَ، فَتُرَتَّبُ في الفَضْلِ، فَتَكُونُ الصّافّاتُ ذَواتَ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلَ، والتّالِياتُ أبْهَرَ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ. انْتَهى. ومَعْنى العَكْسِ في المَكانَيْنِ: أنَّكَ تَرْتَقِي مِن أفْضَلَ إلى فاضِلٍ إلى مَفْضُولٍ أوْ تَبْدَأُ بِالأدْنى، ثُمَّ بِالفاضِلِ، ثُمَّ بِالأفْضَلِ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَةَ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها تَضَمَّنَتْ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى، أيْ هو واحِدٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُتَفَكِّرُونَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو أمْدَحُ، أيْ هو رَبٌّ. وذَكَرَ المَشارِقَ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والإبْصارُ بِها أكْلَفُ، وذِكْرُها يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المَغارِبِ، إذْ ذاكَ مَفْهُومٌ مِنَ المَشارِقِ، والمَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، وكَذَلِكَ المَغارِبُ. تُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، ولا تَطْلُعُ ولا تَغْرُبُ في واحِدٍ يَوْمَيْنِ. وثَنَّيَ في ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، بِاعْتِبارِ مَشْرِقِيِّ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ تَعالى مَشارِقَ الشَّمْسِ ومَغارِبَها، وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَّنَةِ، فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَّنَةِ إلى أقْصَرِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتِظامِ التَّزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِذْرًا مِنَ الشَّيْطانِ. انْتَهى. والزِّينَةُ مَصْدَرٌ كالسَّنَةِ، واسْمٌ لِما يُزانُ بِهِ الشَّيْءُ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما يُلاقِ بِهِ الدَّواةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِالإضافَةِ، فاحْتَمَلَ المَصْدَرُ مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ بِأنْ زانَتِ السَّماءَ الكَواكِبُ، ومُضافًا لِلْمَفْعُولِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكَواكِبَ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما يُزانُ بِهِ، والكَواكِبُ بَيانٌ لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ في الكَواكِبِ وغَيْرِها مِمّا يُزانُ بِهِ، أوْ مِمّا زَيَّنَتِ الكَواكِبُ مِن إضاءَتِها وثُبُوتِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو زُرْعَةَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبِ بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن زِينَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو بَكْرٍ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبَ نَصْبًا، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِزِينَةٍ مَصْدَرًا، (والكَواكِبَ) مَفْعُولًا بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] . واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (الكَواكِبَ) بَدَلًا مِنَ السَّماءِ، أيْ زَيَّنّا كَواكِبَ السَّماءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ)، ورَفْعِ (الكَواكِبِ) عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو الكَواكِبُ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبُ. ورَفْعُ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ، وأجازَ البَصْرِيُّونَ ذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِضَوْءِ الكَواكِبِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُخْتَلِفَةُ، كَشَكْلِ الثُّرَيّا، وبَناتِ نَعْشٍ، والجَوْزاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَطالِعُها ومَسايِرُها. وخَصَّ (السَّماءَ الدُّنْيا) بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُشاهَدُ بِالأبْصارِ؛ والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ، إنَّما هو فِيها وحْدَها. وانْتَصَبَ (وحِفْظًا) عَلى المَصْدَرِ، أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ عَلى زِيادَةِ الواوِ، أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ، أيْ ولِحِفْظِها زَيَّناها بِالكَواكِبِ، وحَمْلًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مَنقُولَةٌ، والمارِدُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في قَوْلِهِ ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] في النِّساءِ، وهُناكَ جاءَ ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، وهُنا ﴿مارِدٍ﴾، مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مُبْتَدَأٌ اقْتِصاصًا لِما عَلَيْهِ حالُ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَمِعُوا أوْ يَسَّمَّعُوا، وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ مُبْعَدُونَ عَنْ ذَلِكَ، إلّا مَن أُمْهِلَ حَتّى خَطِفَ الخَطْفَةَ واسْتَرَقَ اسْتِراقَةً، فَعِنْدَها تُعاجِلُهُ المَلائِكَةُ بِاتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لا يَسَّمَّعُونَ صِفَةً ولا اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسائِلٍ سَألَ لِمَ يُحْفَظُ مِنَ الشَّياطِينِ ؟؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٥٣)كَوْنُهم لا يَسَّمَّعُونَ، أوِ الجَوابُ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى تَقْدِيرِهِما، إذْ يَصِيرُ المَعْنى مَعَ الوَصْفِ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ غَيْرِ سامِعٍ أوْ مُسَّمِّعٍ، وكَذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسَّمَّعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وإنْ، فارْتَفَعَ الفِعْلُ، قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَسَّمَّعُونَ: نَفى سَماعَهم، وإنْ كانُوا يَسَّمَّعُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وعَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصْغاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِشَدِّ السِّينِ والمِيمِ بِمَعْنى لا يَتَسَمَّعُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وتَقْتَضِي نَفْيَ التَّسَمُّعِ. وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ حَتّى الآنَ، لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ؛ وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ حَرَسًا وشُهُبًا مِن وقْتِ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ الرَّجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أحَقَّ، فَأمّا كانَتْ ثَمَرَةُ التَّسَمُّعِ هو السَّمْعَ، وقَدِ انْتَفى السَّمْعُ بِنَفْيِ التَّسَمُّعِ في هَذِهِ القِراءَةِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو السَّمْعُ. و(المَلَأِ الأعْلى) يَعُمُّ المَلائِكَةَ، والإنْسُ والجِنُّ هُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وعَنْهُ كِتابُهم. (ويُقْذَفُونَ) يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ، ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ مِنها، والمَرْجُومُ بِها هي الَّتِي يَراها النّاسُ تَنْقُضُ، ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الرّاجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِقُرْبِها مِنّا، قالَهُ مَكِّيٌّ والنَّقّاشُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ويَقْذِفُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودُحُورًا مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ ولَوْ يُقْذَفُونَ لِلطَّرْدِ، أوْ مَصْدَرٌ لِيُقْذَفُونَ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الطَّرْدِ، أيْ ويُدْحَرُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ قَذْفًا. فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في ويُقْذَفُونَ، وإمّا في دُحُورًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ، أيْ قَذْفًا دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالقَبُولِ والوُلُوغِ، إلّا أنَّ هَذِهِ ألْفاظٌ ذُكِرَ أنَّها مَحْصُورَةٌ. والواصِبُ: الدّائِمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ويُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ وُصُوبًا: دامَ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُوجِعُ، ومِنهُ الوَصَبُ، كَأنَّ المَعْنى: أنَّهم في الدُّنْيا مَرْجُومُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الدّائِمُ لَهم في الدُّنْيا، وهو رَجْمُهم دائِمًا، وعَدَمُ بُلُوغِهِمْ ما يَقْصِدُونَ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ. ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ (مَن) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا يَسَّمَّعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ لا يَسْمَعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانَ الَّذِي خَطِفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِفَ ثُلاثِيًا بِكَسْرِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً. قالَ أبُو حاتِمٍ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ. وقُرِئَ: خَطِّفَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً، ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا التَّخْفِيفُ. وأصْلُهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اخْتَطَفَ، فَفي الأوَّلِ لَمّا سُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، والخاءُ ساكِنَةٌ، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الخاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطِفَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفَّفَةً، اتْبَعَ حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ، كَما قالُوا نِعِمْ. وقُرِئَ: فَأتْبَعَهُ، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. والثّاقِبُ، قالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ: هو النّافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ.

الصافات 37:8

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ واثْنانِ وثَمانُونَ آيَةً ﷽ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١١] ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] (p-٣٥٠)﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨٢] ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] الزَّجْرُ: الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسْلِيطٍ وصِياحٍ. والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، مِن قَوْلِكَ: زَجَرَ الرّاعِي الإبِلَ والغَنَمَ، إذا صاحَ عَلَيْهِما فَرَجَعَتْ لِصَوْتِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ يُرِيدُ تَصْوِيتَهُ بِها. الثّاقِبُ: الشَّدِيدُ النَّفاذِ. اللّازِبُ: اللّازِمُ ما جاوَرَهُ واللّاصِقُ بِهِ. اللَّذِيذُ: المُسْتَطابُ، يُقالُ لَذَّ الشَّيْءُ يَلَذُّ، فَهو لَذِيذٌ ولَذَّ عَلى وزْنِ فَعَلَ، كَطَلَبَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَلَذُّ بِطَعْمِهِ وتَخالُ فِيهِ ∗∗∗ إذا نَبَّهَتْها بَعْدَ المَنامِ وقالَ: ؎ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خَشْيَةِ الحَدَثانِ يُرِيدُ النَّوْمَ. وقالَ: ؎بِحَدِيثِكَ اللَّذِّيِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أسَدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعا الغَوْلُ: اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا وكَذا، إذا ضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ: الغِيلَةُ في العَقْلِ، والغِيلَةُ في الرِّضاعِ، وغالَهُ الشَّيْءُ: أهْلَكَهُ وأفْسَدَهُ، ومِنهُ: الغُولُ الَّتِي في أكاذِيبِ العَرَبِ وفي أمْثالِهِمْ: الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مَضى أوَّلُونا ناعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقُ، وقالَ: ؎وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ فالأوَّلِ نَزَفَتِ الشّارِبَ الخَمْرُ وأنْزَفَ هو: ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ، فَهو نَزِيفٌ ومُنْزِفٌ، الثُّلاثِيُّ مُتَعَدٍّ والرُّباعِيُّ لازِمٌ، نَحْوُ: كَبَيْتُ الرَّجُلَ وأكَبَّ، وقَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ، وقَشَعَ هَوايَ: أيْ دَخَلا في الكَبِّ والقَشْعِ. قالَ الشّاعِرُ، وهو الأسْوَدُ: ؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْحَرا ونَزُفَ الشّارِبُ، بِضَمِّ الزّايِ، ويُقالُ: نُزِفَ المَطْعُونُ: ذَهَبَ دَمُهُ كُلُّهُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونُزِحَتِ الرَّكِيَّةُ حَتّى نَزْفَتُها: لَمْ يَبْقَ فِيها ماءٌ، ويُقالُ: أنْزَفَ الرَّجُلُ بَعْدَ شَرابِهِ، فَأنْزَفَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ. البَيْضُ: مَعْرُوفٌ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، الواحِدُ بَيْضَةٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِبَياضِهِ، ويُجْمَعُ عَلى بُيُوضٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها ∗∗∗ قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها الزَّقُّومُ: شَجَرَةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبِ الأمْرِ، تَنْبُتُ في البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ. والتَّزَقُّمُ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ. شابَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَشُوبُهُ شَوْبًا: خَلَطَهُ ومَزَجَهُ. راغَ يَرُوغُ: مالَ في خُفْيَةٍ مِن رَوْغَةِ الثَّعْلَبِ. زَفَّ: أسْرَعَ، وأزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهَمْزَتُهُ بِهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وأزَفَّهُ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ الشّاعِرُ، (p-٣٥١)وهُوَ الفَرَزْدَقُ: ؎فَجاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ يَزِفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ * * ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهم، وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ تَعالى وحْدانِيَّتَهُ، إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ وُجُودًا وعَدَمًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وأقْسَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ ﴿والصّافّاتِ﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ومَسْرُوقٌ: هُمُ المَلائِكَةُ، تُصَفُّ في السَّماءِ في العِبادَةِ والذِّكْرِ صُفُوفًا؛ وقِيلَ: تَصِفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَن يُصَفُّ مِن بَنِي آدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ في صَلاةٍ وطاعَةٍ. وقِيلَ: والطَّيْرُ صافّاتٌ. والزّاجِراتُ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ وغَيْرَها مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِهِ النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ؛ وقِيلَ: كُلُّ ما زُجِرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ. والتّالِياتُ: القارِئاتُ. قالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. وقالَ قَتادَةُ: بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كَلامَهُ المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقْسِمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ ‌‌‌‌‌الصّافّاتِ أقْدامَها في التَّهَجُّدِ وسائِرِ الصَّلَواتِ وصُفُوفِ الجَماعاتِ، فالزّاجِراتِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصائِحِ، فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ، والدّارِساتِ شَرائِعَهِ؛ أوْ بِنُفُوسِ قُرّاءِ القُرْآنِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي تَصِفُّ الصُّفُوفَ، وتَزْجُرُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ، وتَتْلُو الذِّكْرَ مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُها عَنْهُ تِلْكَ الشَّواغِلُ. انْتَهى. وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الفاءَ العاطِفَةَ في الصّافّاتِ، إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زِيابَةٍ لِلْحارِثِ الصّابِحِ، فالغانِمِ، فالآيِبِ، أيِ الَّذِي صَبُحَ فَغَنِمَ فَآبَ؛ وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ؛ وإمّا عَلى تَرْتِيبِ (p-٣٥٢)مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ. فَإمّا هُنا، فَإنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ الصّافّاتِ في التَّفاضُلِ، فَإذا كانَ المُوَحَّدُ المَلائِكَةَ، فَيَكُونُ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ الزَّجْرِ، ثُمَّ التِّلاوَةِ؛ وإمّا عَلى العَكْسِ، وإنْ تَلِيَتِ المَوْصُوفَ، فَتُرَتَّبُ في الفَضْلِ، فَتَكُونُ الصّافّاتُ ذَواتَ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلَ، والتّالِياتُ أبْهَرَ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ. انْتَهى. ومَعْنى العَكْسِ في المَكانَيْنِ: أنَّكَ تَرْتَقِي مِن أفْضَلَ إلى فاضِلٍ إلى مَفْضُولٍ أوْ تَبْدَأُ بِالأدْنى، ثُمَّ بِالفاضِلِ، ثُمَّ بِالأفْضَلِ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَةَ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها تَضَمَّنَتْ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى، أيْ هو واحِدٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُتَفَكِّرُونَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو أمْدَحُ، أيْ هو رَبٌّ. وذَكَرَ المَشارِقَ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والإبْصارُ بِها أكْلَفُ، وذِكْرُها يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المَغارِبِ، إذْ ذاكَ مَفْهُومٌ مِنَ المَشارِقِ، والمَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، وكَذَلِكَ المَغارِبُ. تُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، ولا تَطْلُعُ ولا تَغْرُبُ في واحِدٍ يَوْمَيْنِ. وثَنَّيَ في ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، بِاعْتِبارِ مَشْرِقِيِّ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ تَعالى مَشارِقَ الشَّمْسِ ومَغارِبَها، وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَّنَةِ، فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَّنَةِ إلى أقْصَرِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتِظامِ التَّزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِذْرًا مِنَ الشَّيْطانِ. انْتَهى. والزِّينَةُ مَصْدَرٌ كالسَّنَةِ، واسْمٌ لِما يُزانُ بِهِ الشَّيْءُ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما يُلاقِ بِهِ الدَّواةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِالإضافَةِ، فاحْتَمَلَ المَصْدَرُ مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ بِأنْ زانَتِ السَّماءَ الكَواكِبُ، ومُضافًا لِلْمَفْعُولِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكَواكِبَ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما يُزانُ بِهِ، والكَواكِبُ بَيانٌ لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ في الكَواكِبِ وغَيْرِها مِمّا يُزانُ بِهِ، أوْ مِمّا زَيَّنَتِ الكَواكِبُ مِن إضاءَتِها وثُبُوتِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو زُرْعَةَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبِ بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن زِينَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو بَكْرٍ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبَ نَصْبًا، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِزِينَةٍ مَصْدَرًا، (والكَواكِبَ) مَفْعُولًا بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] . واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (الكَواكِبَ) بَدَلًا مِنَ السَّماءِ، أيْ زَيَّنّا كَواكِبَ السَّماءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ)، ورَفْعِ (الكَواكِبِ) عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو الكَواكِبُ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبُ. ورَفْعُ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ، وأجازَ البَصْرِيُّونَ ذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِضَوْءِ الكَواكِبِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُخْتَلِفَةُ، كَشَكْلِ الثُّرَيّا، وبَناتِ نَعْشٍ، والجَوْزاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَطالِعُها ومَسايِرُها. وخَصَّ (السَّماءَ الدُّنْيا) بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُشاهَدُ بِالأبْصارِ؛ والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ، إنَّما هو فِيها وحْدَها. وانْتَصَبَ (وحِفْظًا) عَلى المَصْدَرِ، أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ عَلى زِيادَةِ الواوِ، أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ، أيْ ولِحِفْظِها زَيَّناها بِالكَواكِبِ، وحَمْلًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مَنقُولَةٌ، والمارِدُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في قَوْلِهِ ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] في النِّساءِ، وهُناكَ جاءَ ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، وهُنا ﴿مارِدٍ﴾، مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مُبْتَدَأٌ اقْتِصاصًا لِما عَلَيْهِ حالُ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَمِعُوا أوْ يَسَّمَّعُوا، وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ مُبْعَدُونَ عَنْ ذَلِكَ، إلّا مَن أُمْهِلَ حَتّى خَطِفَ الخَطْفَةَ واسْتَرَقَ اسْتِراقَةً، فَعِنْدَها تُعاجِلُهُ المَلائِكَةُ بِاتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لا يَسَّمَّعُونَ صِفَةً ولا اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسائِلٍ سَألَ لِمَ يُحْفَظُ مِنَ الشَّياطِينِ ؟؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٥٣)كَوْنُهم لا يَسَّمَّعُونَ، أوِ الجَوابُ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى تَقْدِيرِهِما، إذْ يَصِيرُ المَعْنى مَعَ الوَصْفِ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ غَيْرِ سامِعٍ أوْ مُسَّمِّعٍ، وكَذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسَّمَّعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وإنْ، فارْتَفَعَ الفِعْلُ، قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَسَّمَّعُونَ: نَفى سَماعَهم، وإنْ كانُوا يَسَّمَّعُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وعَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصْغاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِشَدِّ السِّينِ والمِيمِ بِمَعْنى لا يَتَسَمَّعُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وتَقْتَضِي نَفْيَ التَّسَمُّعِ. وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ حَتّى الآنَ، لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ؛ وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ حَرَسًا وشُهُبًا مِن وقْتِ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ الرَّجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أحَقَّ، فَأمّا كانَتْ ثَمَرَةُ التَّسَمُّعِ هو السَّمْعَ، وقَدِ انْتَفى السَّمْعُ بِنَفْيِ التَّسَمُّعِ في هَذِهِ القِراءَةِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو السَّمْعُ. و(المَلَأِ الأعْلى) يَعُمُّ المَلائِكَةَ، والإنْسُ والجِنُّ هُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وعَنْهُ كِتابُهم. (ويُقْذَفُونَ) يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ، ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ مِنها، والمَرْجُومُ بِها هي الَّتِي يَراها النّاسُ تَنْقُضُ، ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الرّاجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِقُرْبِها مِنّا، قالَهُ مَكِّيٌّ والنَّقّاشُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ويَقْذِفُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودُحُورًا مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ ولَوْ يُقْذَفُونَ لِلطَّرْدِ، أوْ مَصْدَرٌ لِيُقْذَفُونَ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الطَّرْدِ، أيْ ويُدْحَرُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ قَذْفًا. فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في ويُقْذَفُونَ، وإمّا في دُحُورًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ، أيْ قَذْفًا دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالقَبُولِ والوُلُوغِ، إلّا أنَّ هَذِهِ ألْفاظٌ ذُكِرَ أنَّها مَحْصُورَةٌ. والواصِبُ: الدّائِمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ويُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ وُصُوبًا: دامَ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُوجِعُ، ومِنهُ الوَصَبُ، كَأنَّ المَعْنى: أنَّهم في الدُّنْيا مَرْجُومُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الدّائِمُ لَهم في الدُّنْيا، وهو رَجْمُهم دائِمًا، وعَدَمُ بُلُوغِهِمْ ما يَقْصِدُونَ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ. ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ (مَن) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا يَسَّمَّعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ لا يَسْمَعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانَ الَّذِي خَطِفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِفَ ثُلاثِيًا بِكَسْرِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً. قالَ أبُو حاتِمٍ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ. وقُرِئَ: خَطِّفَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً، ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا التَّخْفِيفُ. وأصْلُهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اخْتَطَفَ، فَفي الأوَّلِ لَمّا سُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، والخاءُ ساكِنَةٌ، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الخاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطِفَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفَّفَةً، اتْبَعَ حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ، كَما قالُوا نِعِمْ. وقُرِئَ: فَأتْبَعَهُ، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. والثّاقِبُ، قالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ: هو النّافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ.

الصافات 37:9

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ واثْنانِ وثَمانُونَ آيَةً ﷽ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١١] ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] (p-٣٥٠)﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨٢] ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] الزَّجْرُ: الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسْلِيطٍ وصِياحٍ. والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، مِن قَوْلِكَ: زَجَرَ الرّاعِي الإبِلَ والغَنَمَ، إذا صاحَ عَلَيْهِما فَرَجَعَتْ لِصَوْتِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ يُرِيدُ تَصْوِيتَهُ بِها. الثّاقِبُ: الشَّدِيدُ النَّفاذِ. اللّازِبُ: اللّازِمُ ما جاوَرَهُ واللّاصِقُ بِهِ. اللَّذِيذُ: المُسْتَطابُ، يُقالُ لَذَّ الشَّيْءُ يَلَذُّ، فَهو لَذِيذٌ ولَذَّ عَلى وزْنِ فَعَلَ، كَطَلَبَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَلَذُّ بِطَعْمِهِ وتَخالُ فِيهِ ∗∗∗ إذا نَبَّهَتْها بَعْدَ المَنامِ وقالَ: ؎ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خَشْيَةِ الحَدَثانِ يُرِيدُ النَّوْمَ. وقالَ: ؎بِحَدِيثِكَ اللَّذِّيِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أسَدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعا الغَوْلُ: اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا وكَذا، إذا ضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ: الغِيلَةُ في العَقْلِ، والغِيلَةُ في الرِّضاعِ، وغالَهُ الشَّيْءُ: أهْلَكَهُ وأفْسَدَهُ، ومِنهُ: الغُولُ الَّتِي في أكاذِيبِ العَرَبِ وفي أمْثالِهِمْ: الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مَضى أوَّلُونا ناعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقُ، وقالَ: ؎وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ فالأوَّلِ نَزَفَتِ الشّارِبَ الخَمْرُ وأنْزَفَ هو: ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ، فَهو نَزِيفٌ ومُنْزِفٌ، الثُّلاثِيُّ مُتَعَدٍّ والرُّباعِيُّ لازِمٌ، نَحْوُ: كَبَيْتُ الرَّجُلَ وأكَبَّ، وقَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ، وقَشَعَ هَوايَ: أيْ دَخَلا في الكَبِّ والقَشْعِ. قالَ الشّاعِرُ، وهو الأسْوَدُ: ؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْحَرا ونَزُفَ الشّارِبُ، بِضَمِّ الزّايِ، ويُقالُ: نُزِفَ المَطْعُونُ: ذَهَبَ دَمُهُ كُلُّهُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونُزِحَتِ الرَّكِيَّةُ حَتّى نَزْفَتُها: لَمْ يَبْقَ فِيها ماءٌ، ويُقالُ: أنْزَفَ الرَّجُلُ بَعْدَ شَرابِهِ، فَأنْزَفَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ. البَيْضُ: مَعْرُوفٌ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، الواحِدُ بَيْضَةٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِبَياضِهِ، ويُجْمَعُ عَلى بُيُوضٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها ∗∗∗ قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها الزَّقُّومُ: شَجَرَةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبِ الأمْرِ، تَنْبُتُ في البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ. والتَّزَقُّمُ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ. شابَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَشُوبُهُ شَوْبًا: خَلَطَهُ ومَزَجَهُ. راغَ يَرُوغُ: مالَ في خُفْيَةٍ مِن رَوْغَةِ الثَّعْلَبِ. زَفَّ: أسْرَعَ، وأزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهَمْزَتُهُ بِهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وأزَفَّهُ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ الشّاعِرُ، (p-٣٥١)وهُوَ الفَرَزْدَقُ: ؎فَجاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ يَزِفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ * * ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهم، وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ تَعالى وحْدانِيَّتَهُ، إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ وُجُودًا وعَدَمًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وأقْسَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ ﴿والصّافّاتِ﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ومَسْرُوقٌ: هُمُ المَلائِكَةُ، تُصَفُّ في السَّماءِ في العِبادَةِ والذِّكْرِ صُفُوفًا؛ وقِيلَ: تَصِفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَن يُصَفُّ مِن بَنِي آدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ في صَلاةٍ وطاعَةٍ. وقِيلَ: والطَّيْرُ صافّاتٌ. والزّاجِراتُ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ وغَيْرَها مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِهِ النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ؛ وقِيلَ: كُلُّ ما زُجِرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ. والتّالِياتُ: القارِئاتُ. قالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. وقالَ قَتادَةُ: بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كَلامَهُ المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقْسِمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ ‌‌‌‌‌الصّافّاتِ أقْدامَها في التَّهَجُّدِ وسائِرِ الصَّلَواتِ وصُفُوفِ الجَماعاتِ، فالزّاجِراتِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصائِحِ، فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ، والدّارِساتِ شَرائِعَهِ؛ أوْ بِنُفُوسِ قُرّاءِ القُرْآنِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي تَصِفُّ الصُّفُوفَ، وتَزْجُرُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ، وتَتْلُو الذِّكْرَ مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُها عَنْهُ تِلْكَ الشَّواغِلُ. انْتَهى. وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الفاءَ العاطِفَةَ في الصّافّاتِ، إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زِيابَةٍ لِلْحارِثِ الصّابِحِ، فالغانِمِ، فالآيِبِ، أيِ الَّذِي صَبُحَ فَغَنِمَ فَآبَ؛ وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ؛ وإمّا عَلى تَرْتِيبِ (p-٣٥٢)مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ. فَإمّا هُنا، فَإنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ الصّافّاتِ في التَّفاضُلِ، فَإذا كانَ المُوَحَّدُ المَلائِكَةَ، فَيَكُونُ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ الزَّجْرِ، ثُمَّ التِّلاوَةِ؛ وإمّا عَلى العَكْسِ، وإنْ تَلِيَتِ المَوْصُوفَ، فَتُرَتَّبُ في الفَضْلِ، فَتَكُونُ الصّافّاتُ ذَواتَ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلَ، والتّالِياتُ أبْهَرَ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ. انْتَهى. ومَعْنى العَكْسِ في المَكانَيْنِ: أنَّكَ تَرْتَقِي مِن أفْضَلَ إلى فاضِلٍ إلى مَفْضُولٍ أوْ تَبْدَأُ بِالأدْنى، ثُمَّ بِالفاضِلِ، ثُمَّ بِالأفْضَلِ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَةَ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها تَضَمَّنَتْ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى، أيْ هو واحِدٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُتَفَكِّرُونَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو أمْدَحُ، أيْ هو رَبٌّ. وذَكَرَ المَشارِقَ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والإبْصارُ بِها أكْلَفُ، وذِكْرُها يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المَغارِبِ، إذْ ذاكَ مَفْهُومٌ مِنَ المَشارِقِ، والمَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، وكَذَلِكَ المَغارِبُ. تُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، ولا تَطْلُعُ ولا تَغْرُبُ في واحِدٍ يَوْمَيْنِ. وثَنَّيَ في ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، بِاعْتِبارِ مَشْرِقِيِّ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ تَعالى مَشارِقَ الشَّمْسِ ومَغارِبَها، وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَّنَةِ، فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَّنَةِ إلى أقْصَرِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتِظامِ التَّزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِذْرًا مِنَ الشَّيْطانِ. انْتَهى. والزِّينَةُ مَصْدَرٌ كالسَّنَةِ، واسْمٌ لِما يُزانُ بِهِ الشَّيْءُ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما يُلاقِ بِهِ الدَّواةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِالإضافَةِ، فاحْتَمَلَ المَصْدَرُ مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ بِأنْ زانَتِ السَّماءَ الكَواكِبُ، ومُضافًا لِلْمَفْعُولِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكَواكِبَ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما يُزانُ بِهِ، والكَواكِبُ بَيانٌ لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ في الكَواكِبِ وغَيْرِها مِمّا يُزانُ بِهِ، أوْ مِمّا زَيَّنَتِ الكَواكِبُ مِن إضاءَتِها وثُبُوتِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو زُرْعَةَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبِ بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن زِينَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو بَكْرٍ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبَ نَصْبًا، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِزِينَةٍ مَصْدَرًا، (والكَواكِبَ) مَفْعُولًا بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] . واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (الكَواكِبَ) بَدَلًا مِنَ السَّماءِ، أيْ زَيَّنّا كَواكِبَ السَّماءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ)، ورَفْعِ (الكَواكِبِ) عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو الكَواكِبُ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبُ. ورَفْعُ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ، وأجازَ البَصْرِيُّونَ ذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِضَوْءِ الكَواكِبِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُخْتَلِفَةُ، كَشَكْلِ الثُّرَيّا، وبَناتِ نَعْشٍ، والجَوْزاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَطالِعُها ومَسايِرُها. وخَصَّ (السَّماءَ الدُّنْيا) بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُشاهَدُ بِالأبْصارِ؛ والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ، إنَّما هو فِيها وحْدَها. وانْتَصَبَ (وحِفْظًا) عَلى المَصْدَرِ، أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ عَلى زِيادَةِ الواوِ، أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ، أيْ ولِحِفْظِها زَيَّناها بِالكَواكِبِ، وحَمْلًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مَنقُولَةٌ، والمارِدُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في قَوْلِهِ ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] في النِّساءِ، وهُناكَ جاءَ ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، وهُنا ﴿مارِدٍ﴾، مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مُبْتَدَأٌ اقْتِصاصًا لِما عَلَيْهِ حالُ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَمِعُوا أوْ يَسَّمَّعُوا، وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ مُبْعَدُونَ عَنْ ذَلِكَ، إلّا مَن أُمْهِلَ حَتّى خَطِفَ الخَطْفَةَ واسْتَرَقَ اسْتِراقَةً، فَعِنْدَها تُعاجِلُهُ المَلائِكَةُ بِاتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لا يَسَّمَّعُونَ صِفَةً ولا اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسائِلٍ سَألَ لِمَ يُحْفَظُ مِنَ الشَّياطِينِ ؟؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٥٣)كَوْنُهم لا يَسَّمَّعُونَ، أوِ الجَوابُ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى تَقْدِيرِهِما، إذْ يَصِيرُ المَعْنى مَعَ الوَصْفِ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ غَيْرِ سامِعٍ أوْ مُسَّمِّعٍ، وكَذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسَّمَّعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وإنْ، فارْتَفَعَ الفِعْلُ، قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَسَّمَّعُونَ: نَفى سَماعَهم، وإنْ كانُوا يَسَّمَّعُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وعَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصْغاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِشَدِّ السِّينِ والمِيمِ بِمَعْنى لا يَتَسَمَّعُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وتَقْتَضِي نَفْيَ التَّسَمُّعِ. وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ حَتّى الآنَ، لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ؛ وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ حَرَسًا وشُهُبًا مِن وقْتِ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ الرَّجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أحَقَّ، فَأمّا كانَتْ ثَمَرَةُ التَّسَمُّعِ هو السَّمْعَ، وقَدِ انْتَفى السَّمْعُ بِنَفْيِ التَّسَمُّعِ في هَذِهِ القِراءَةِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو السَّمْعُ. و(المَلَأِ الأعْلى) يَعُمُّ المَلائِكَةَ، والإنْسُ والجِنُّ هُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وعَنْهُ كِتابُهم. (ويُقْذَفُونَ) يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ، ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ مِنها، والمَرْجُومُ بِها هي الَّتِي يَراها النّاسُ تَنْقُضُ، ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الرّاجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِقُرْبِها مِنّا، قالَهُ مَكِّيٌّ والنَّقّاشُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ويَقْذِفُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودُحُورًا مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ ولَوْ يُقْذَفُونَ لِلطَّرْدِ، أوْ مَصْدَرٌ لِيُقْذَفُونَ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الطَّرْدِ، أيْ ويُدْحَرُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ قَذْفًا. فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في ويُقْذَفُونَ، وإمّا في دُحُورًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ، أيْ قَذْفًا دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالقَبُولِ والوُلُوغِ، إلّا أنَّ هَذِهِ ألْفاظٌ ذُكِرَ أنَّها مَحْصُورَةٌ. والواصِبُ: الدّائِمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ويُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ وُصُوبًا: دامَ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُوجِعُ، ومِنهُ الوَصَبُ، كَأنَّ المَعْنى: أنَّهم في الدُّنْيا مَرْجُومُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الدّائِمُ لَهم في الدُّنْيا، وهو رَجْمُهم دائِمًا، وعَدَمُ بُلُوغِهِمْ ما يَقْصِدُونَ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ. ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ (مَن) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا يَسَّمَّعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ لا يَسْمَعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانَ الَّذِي خَطِفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِفَ ثُلاثِيًا بِكَسْرِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً. قالَ أبُو حاتِمٍ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ. وقُرِئَ: خَطِّفَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً، ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا التَّخْفِيفُ. وأصْلُهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اخْتَطَفَ، فَفي الأوَّلِ لَمّا سُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، والخاءُ ساكِنَةٌ، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الخاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطِفَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفَّفَةً، اتْبَعَ حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ، كَما قالُوا نِعِمْ. وقُرِئَ: فَأتْبَعَهُ، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. والثّاقِبُ، قالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ: هو النّافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ.

الصافات 37:10

سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ واثْنانِ وثَمانُونَ آيَةً ﷽ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١١] ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٧] ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤٢] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦] ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لَإلى الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨] ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢] ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] (p-٣٥٠)﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] ﴿ولَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] ﴿ونَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٦] ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٨٢] ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] الزَّجْرُ: الدَّفْعُ عَنِ الشَّيْءِ بِتَسْلِيطٍ وصِياحٍ. والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، مِن قَوْلِكَ: زَجَرَ الرّاعِي الإبِلَ والغَنَمَ، إذا صاحَ عَلَيْهِما فَرَجَعَتْ لِصَوْتِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎زَجْرَ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ يُرِيدُ تَصْوِيتَهُ بِها. الثّاقِبُ: الشَّدِيدُ النَّفاذِ. اللّازِبُ: اللّازِمُ ما جاوَرَهُ واللّاصِقُ بِهِ. اللَّذِيذُ: المُسْتَطابُ، يُقالُ لَذَّ الشَّيْءُ يَلَذُّ، فَهو لَذِيذٌ ولَذَّ عَلى وزْنِ فَعَلَ، كَطَلَبَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎تَلَذُّ بِطَعْمِهِ وتَخالُ فِيهِ ∗∗∗ إذا نَبَّهَتْها بَعْدَ المَنامِ وقالَ: ؎ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خَشْيَةِ الحَدَثانِ يُرِيدُ النَّوْمَ. وقالَ: ؎بِحَدِيثِكَ اللَّذِّيِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أسَدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعا الغَوْلُ: اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا وكَذا، إذا ضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ: الغِيلَةُ في العَقْلِ، والغِيلَةُ في الرِّضاعِ، وغالَهُ الشَّيْءُ: أهْلَكَهُ وأفْسَدَهُ، ومِنهُ: الغُولُ الَّتِي في أكاذِيبِ العَرَبِ وفي أمْثالِهِمْ: الغَضَبُ غُولُ الحِلْمِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎مَضى أوَّلُونا ناعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقُ، وقالَ: ؎وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ فالأوَّلِ نَزَفَتِ الشّارِبَ الخَمْرُ وأنْزَفَ هو: ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنَ السُّكْرِ، فَهو نَزِيفٌ ومُنْزِفٌ، الثُّلاثِيُّ مُتَعَدٍّ والرُّباعِيُّ لازِمٌ، نَحْوُ: كَبَيْتُ الرَّجُلَ وأكَبَّ، وقَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ، وقَشَعَ هَوايَ: أيْ دَخَلا في الكَبِّ والقَشْعِ. قالَ الشّاعِرُ، وهو الأسْوَدُ: ؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْحَرا ونَزُفَ الشّارِبُ، بِضَمِّ الزّايِ، ويُقالُ: نُزِفَ المَطْعُونُ: ذَهَبَ دَمُهُ كُلُّهُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونُزِحَتِ الرَّكِيَّةُ حَتّى نَزْفَتُها: لَمْ يَبْقَ فِيها ماءٌ، ويُقالُ: أنْزَفَ الرَّجُلُ بَعْدَ شَرابِهِ، فَأنْزَفَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ. البَيْضُ: مَعْرُوفٌ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، الواحِدُ بَيْضَةٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِبَياضِهِ، ويُجْمَعُ عَلى بُيُوضٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها ∗∗∗ قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها الزَّقُّومُ: شَجَرَةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ إنْسانٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبِ الأمْرِ، تَنْبُتُ في البِلادِ المُجْدِبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحْراءِ. والتَّزَقُّمُ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ. شابَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَشُوبُهُ شَوْبًا: خَلَطَهُ ومَزَجَهُ. راغَ يَرُوغُ: مالَ في خُفْيَةٍ مِن رَوْغَةِ الثَّعْلَبِ. زَفَّ: أسْرَعَ، وأزَفَّ: دَخَلَ في الزَّفِيفِ، فَهَمْزَتُهُ بِهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وأزَفَّهُ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ. وقالَ الشّاعِرُ، (p-٣٥١)وهُوَ الفَرَزْدَقُ: ؎فَجاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ يَزِفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ * * ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ . هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، ومُناسَبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ يس أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المَعادَ وقُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ هو مُنْشِئُهم، وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ كانَ، ذَكَرَ تَعالى وحْدانِيَّتَهُ، إذْ لا يَتِمُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ وُجُودًا وعَدَمًا إلّا بِكَوْنِ المُرِيدِ واحِدًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وأقْسَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ فَقالَ ﴿والصّافّاتِ﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ومَسْرُوقٌ: هُمُ المَلائِكَةُ، تُصَفُّ في السَّماءِ في العِبادَةِ والذِّكْرِ صُفُوفًا؛ وقِيلَ: تَصِفُّ أجْنِحَتَها في الهَواءِ واقِفَةً مُنْتَظِرَةً لِأمْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَن يُصَفُّ مِن بَنِي آدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ في صَلاةٍ وطاعَةٍ. وقِيلَ: والطَّيْرُ صافّاتٌ. والزّاجِراتُ، قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: المَلائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحابَ وغَيْرَها مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ قَتادَةُ: آياتُ القُرْآنِ لِتَضَمُّنِهِ النَّواهِيَ الشَّرْعِيَّةَ؛ وقِيلَ: كُلُّ ما زُجِرَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ. والتّالِياتُ: القارِئاتُ. قالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. وقالَ قَتادَةُ: بَنُو آدَمَ يَتْلُونَ كَلامَهُ المُنَزَّلَ وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَلائِكَةُ يَتْلُونَ ذِكْرَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُقْسِمَ بِنُفُوسِ العُلَماءِ العُمّالِ ‌‌‌‌‌الصّافّاتِ أقْدامَها في التَّهَجُّدِ وسائِرِ الصَّلَواتِ وصُفُوفِ الجَماعاتِ، فالزّاجِراتِ بِالمَوْعِظَةِ والنَّصائِحِ، فالتّالِياتِ آياتِ اللَّهِ، والدّارِساتِ شَرائِعَهِ؛ أوْ بِنُفُوسِ قُرّاءِ القُرْآنِ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي تَصِفُّ الصُّفُوفَ، وتَزْجُرُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ، وتَتْلُو الذِّكْرَ مَعَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُها عَنْهُ تِلْكَ الشَّواغِلُ. انْتَهى. وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الفاءَ العاطِفَةَ في الصّافّاتِ، إمّا أنْ تَدُلَّ عَلى تَرَتُّبِ مَعانِيها في الوُجُودِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زِيابَةٍ لِلْحارِثِ الصّابِحِ، فالغانِمِ، فالآيِبِ، أيِ الَّذِي صَبُحَ فَغَنِمَ فَآبَ؛ وإمّا عَلى تَرَتُّبِها في التَّفاوُتِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، كَقَوْلِكَ: خُذِ الأفْضَلَ فالأفْضَلَ، واعْمَلِ الأحْسَنَ فالأجْمَلَ؛ وإمّا عَلى تَرْتِيبِ (p-٣٥٢)مَوْصُوفاتِها في ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ. فَإمّا هُنا، فَإنْ وحَّدْتَ المَوْصُوفَ كانَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ الصّافّاتِ في التَّفاضُلِ، فَإذا كانَ المُوَحَّدُ المَلائِكَةَ، فَيَكُونُ الفَضْلُ لِلصَّفِّ، ثُمَّ الزَّجْرِ، ثُمَّ التِّلاوَةِ؛ وإمّا عَلى العَكْسِ، وإنْ تَلِيَتِ المَوْصُوفَ، فَتُرَتَّبُ في الفَضْلِ، فَتَكُونُ الصّافّاتُ ذَواتَ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلَ، والتّالِياتُ أبْهَرَ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ. انْتَهى. ومَعْنى العَكْسِ في المَكانَيْنِ: أنَّكَ تَرْتَقِي مِن أفْضَلَ إلى فاضِلٍ إلى مَفْضُولٍ أوْ تَبْدَأُ بِالأدْنى، ثُمَّ بِالفاضِلِ، ثُمَّ بِالأفْضَلِ. وأدْغَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ التّاءاتِ الثَّلاثَةَ. والجُمْلَةُ المُقْسَمُ عَلَيْها تَضَمَّنَتْ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى، أيْ هو واحِدٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُتَفَكِّرُونَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو أمْدَحُ، أيْ هو رَبٌّ. وذَكَرَ المَشارِقَ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والإبْصارُ بِها أكْلَفُ، وذِكْرُها يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ المَغارِبِ، إذْ ذاكَ مَفْهُومٌ مِنَ المَشارِقِ، والمَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، وكَذَلِكَ المَغارِبُ. تُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها وتَغْرُبُ في مَغْرِبٍ، ولا تَطْلُعُ ولا تَغْرُبُ في واحِدٍ يَوْمَيْنِ. وثَنَّيَ في ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، بِاعْتِبارِ مَشْرِقِيِّ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبَيْهِما. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ تَعالى مَشارِقَ الشَّمْسِ ومَغارِبَها، وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَّنَةِ، فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَّنَةِ إلى أقْصَرِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتِظامِ التَّزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِذْرًا مِنَ الشَّيْطانِ. انْتَهى. والزِّينَةُ مَصْدَرٌ كالسَّنَةِ، واسْمٌ لِما يُزانُ بِهِ الشَّيْءُ، كاللِّيقَةِ اسْمٌ لِما يُلاقِ بِهِ الدَّواةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِالإضافَةِ، فاحْتَمَلَ المَصْدَرُ مُضافًا لِلْفاعِلِ، أيْ بِأنْ زانَتِ السَّماءَ الكَواكِبُ، ومُضافًا لِلْمَفْعُولِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكَواكِبَ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما يُزانُ بِهِ، والكَواكِبُ بَيانٌ لِلزِّينَةِ؛ لِأنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ في الكَواكِبِ وغَيْرِها مِمّا يُزانُ بِهِ، أوْ مِمّا زَيَّنَتِ الكَواكِبُ مِن إضاءَتِها وثُبُوتِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وأبُو زُرْعَةَ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبِ بِالخَفْضِ بَدَلًا مِن زِينَةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، ومَسْرُوقٌ: بِخِلافٍ عَنْهُما؛ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبُو بَكْرٍ: بِزِينَةٍ مُنَوَّنًا، الكَواكِبَ نَصْبًا، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِزِينَةٍ مَصْدَرًا، (والكَواكِبَ) مَفْعُولًا بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤] . واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (الكَواكِبَ) بَدَلًا مِنَ السَّماءِ، أيْ زَيَّنّا كَواكِبَ السَّماءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ)، ورَفْعِ (الكَواكِبِ) عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو الكَواكِبُ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَصْدَرِ، أيْ بِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبُ. ورَفْعُ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ، وأجازَ البَصْرِيُّونَ ذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ بِضَوْءِ الكَواكِبِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أشْكالُها المُخْتَلِفَةُ، كَشَكْلِ الثُّرَيّا، وبَناتِ نَعْشٍ، والجَوْزاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَطالِعُها ومَسايِرُها. وخَصَّ (السَّماءَ الدُّنْيا) بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُشاهَدُ بِالأبْصارِ؛ والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ، إنَّما هو فِيها وحْدَها. وانْتَصَبَ (وحِفْظًا) عَلى المَصْدَرِ، أيْ وحَفِظْناها حِفْظًا، أوْ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ عَلى زِيادَةِ الواوِ، أوْ عَلى تَأْخِيرِ العامِلِ، أيْ ولِحِفْظِها زَيَّناها بِالكَواكِبِ، وحَمْلًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مَنقُولَةٌ، والمارِدُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في قَوْلِهِ ﴿شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] في النِّساءِ، وهُناكَ جاءَ ﴿مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، وهُنا ﴿مارِدٍ﴾، مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مُبْتَدَأٌ اقْتِصاصًا لِما عَلَيْهِ حالُ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَمِعُوا أوْ يَسَّمَّعُوا، وهم مَقْذُوفُونَ بِالشُّهُبِ مُبْعَدُونَ عَنْ ذَلِكَ، إلّا مَن أُمْهِلَ حَتّى خَطِفَ الخَطْفَةَ واسْتَرَقَ اسْتِراقَةً، فَعِنْدَها تُعاجِلُهُ المَلائِكَةُ بِاتِّباعِ الشِّهابِ الثّاقِبِ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لا يَسَّمَّعُونَ صِفَةً ولا اسْتِئْنافًا جَوابًا لِسائِلٍ سَألَ لِمَ يُحْفَظُ مِنَ الشَّياطِينِ ؟؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٥٣)كَوْنُهم لا يَسَّمَّعُونَ، أوِ الجَوابُ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى تَقْدِيرِهِما، إذْ يَصِيرُ المَعْنى مَعَ الوَصْفِ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ غَيْرِ سامِعٍ أوْ مُسَّمِّعٍ، وكَذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ مَعَ كَوْنِهِ جَوابًا. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسَّمَّعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وإنْ، فارْتَفَعَ الفِعْلُ، قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَسَّمَّعُونَ: نَفى سَماعَهم، وإنْ كانُوا يَسَّمَّعُونَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وعَدّاهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصْغاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: بِشَدِّ السِّينِ والمِيمِ بِمَعْنى لا يَتَسَمَّعُونَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وتَقْتَضِي نَفْيَ التَّسَمُّعِ. وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ حَتّى الآنَ، لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ؛ وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ حَرَسًا وشُهُبًا مِن وقْتِ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ الرَّجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أحَقَّ، فَأمّا كانَتْ ثَمَرَةُ التَّسَمُّعِ هو السَّمْعَ، وقَدِ انْتَفى السَّمْعُ بِنَفْيِ التَّسَمُّعِ في هَذِهِ القِراءَةِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو السَّمْعُ. و(المَلَأِ الأعْلى) يَعُمُّ المَلائِكَةَ، والإنْسُ والجِنُّ هُمُ المَلَأُ الأسْفَلُ لِأنَّهم سُكّانُ الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وعَنْهُ كِتابُهم. (ويُقْذَفُونَ) يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ، ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ مِنها، والمَرْجُومُ بِها هي الَّتِي يَراها النّاسُ تَنْقُضُ، ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الرّاجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِقُرْبِها مِنّا، قالَهُ مَكِّيٌّ والنَّقّاشُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ويَقْذِفُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودُحُورًا مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ ولَوْ يُقْذَفُونَ لِلطَّرْدِ، أوْ مَصْدَرٌ لِيُقْذَفُونَ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنُ مَعْنى الطَّرْدِ، أيْ ويُدْحَرُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ دُحُورًا، ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ قَذْفًا. فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في ويُقْذَفُونَ، وإمّا في دُحُورًا. وقَرَأ عَلِيٌّ، والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ: دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ، أيْ قَذْفًا دَحُورًا، بِنَصْبِ الدّالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، كالقَبُولِ والوُلُوغِ، إلّا أنَّ هَذِهِ ألْفاظٌ ذُكِرَ أنَّها مَحْصُورَةٌ. والواصِبُ: الدّائِمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو صالِحٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ويُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ وُصُوبًا: دامَ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُوجِعُ، ومِنهُ الوَصَبُ، كَأنَّ المَعْنى: أنَّهم في الدُّنْيا مَرْجُومُونَ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الدّائِمُ لَهم في الدُّنْيا، وهو رَجْمُهم دائِمًا، وعَدَمُ بُلُوغِهِمْ ما يَقْصِدُونَ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ. ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ (مَن) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لا يَسَّمَّعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ لا يَسْمَعُ الشَّياطِينُ إلّا الشَّيْطانَ الَّذِي خَطِفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: خَطِفَ ثُلاثِيًا بِكَسْرِ الطّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً. قالَ أبُو حاتِمٍ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ. وقُرِئَ: خَطِّفَ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً، ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا التَّخْفِيفُ. وأصْلُهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اخْتَطَفَ، فَفي الأوَّلِ لَمّا سُكِّنَتْ لِلْإدْغامِ، والخاءُ ساكِنَةٌ، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَذَهَبَتْ ألِفُ الوَصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الخاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خِطِفَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفَّفَةً، اتْبَعَ حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ، كَما قالُوا نِعِمْ. وقُرِئَ: فَأتْبَعَهُ، مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا. والثّاقِبُ، قالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ: هو النّافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ.

الصافات 37:11

(p-٣٥٤)﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤالِ، والهَمْزَةُ وإنْ خَرَجَتْ إلى مَعْنى التَّقْرِيرِ فَهي في الأصْلِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ. وعادَلَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأشُدِّيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والأفْلاكِ والأرَضِينَ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أمْ مَن عَدَدْنا، وهو تَفْسِيرٌ لِمَن خَلَقْنا، أيْ مَن عَدَدْنا مِنَ الصّافّاتِ وما بَعْدَها مِنَ المَخْلُوقِينَ. وغُلِّبَ العاقِلُ عَلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾، واقْتَصَرَ عَلى الفاعِلِ في ﴿خَلَقْنا﴾، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الخَلْقِ اكْتِفاءً بِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، وكَأنَّهُ قالَ: أمْ مَن خَلَقْنا مِن غَرائِبِ المَصْنُوعاتِ وعَجائِبِها. وقَرَأ الأعْمَشُ: أمَن بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ أمْ، جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرًا أيْضًا، فَهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ في التَّقْرِيرِ، ومَن مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أشَدُّ. فَعَلى أمْ مَن هو تَقْرِيرٌ واحِدٌ ونَظِيرُهُ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأشَدُّ خَلْقًا يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، وأصْعَبُ خَلْقًا. وأشَدُّ خَلْقًا وأشَقُّهُ يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، عَلى مَعْنى الرَّدِّ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى. وإنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ. وخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ، إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ؛ لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ؛ أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ. فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ ؟ قالُوا ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥]، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. وقِيلَ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِّينِ إلَيْهِمْ، والمَخْلُوقُ مِنهُ هو أبُوهم آدَمُ، إذْ كانُوا نَسْلَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (اللّازِبِ) بِالجَرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، بِتاءِ الخِطابِ، أيْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ، ومِمّا تُرِيهِمْ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ. أوْ عَجِبْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ المُتَكَلِّمِ. ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وشَقِيقٍ، والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ: اللَّهُ لا يَعْجَبُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: كانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ مِنهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو لِلَّهِ تَعالى، والعَجَبُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي المُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ إسْنادُ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ. فالمَعْنى: بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ عَمَلِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ فِيها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَلَغَ مِن عَظِيمِ آياتِي وكَثْرَةِ خَلائِقِي أنِّي عَجِبْتُ مِنها، فَكَيْفَ بِعِبادِي وهَؤُلاءِ، (p-٣٥٥)لِجَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، يَسْخَرُونَ مِن آياتِي ؟ أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَصِفُ اللَّهَ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قالَ: ويُجَرَّدُ العَجَبُ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ، أوْ يُخَيَّلُ العَجَبُ ويُفْرَضُ. وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، أيْ قُلْ بَلْ عَجِبْتُ. قالَ مَكِّيٌّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ. ﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ ووُعِظُوا، ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾، ولا يَتَّعِظُونَ. وذَكَرَ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ذَكَرُوا، بِتَخْفِيفِ الكافِ. رُوِيَ أنَّ رُكانَةَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَقِيَهُ الرَّسُولُ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وكانَ مِن أقْوى النّاسِ، فَقالَ لَهُ: ”يا رُكانَةُ، أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، فَلَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يَسْخَرُونَ، يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وقِيلَ: فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها. وقُرِئَ: يَسْتَسْحِرُونَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ما قالَ رُكانَةُ: لَأسْحَرَنَّ الرَّسُولَ. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الخارِقِ المُعْجِزِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كَسْرِ مِيمِ (مِتْنا) وضَمِّها. ومَن قَرَأ (أئِذا) بِالِاسْتِفْهامِ، فَجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، أيْ (نُبْعَثُ)، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إنّا لَمَبْعُوثُونَ، أوْ يُعَرّى عَنِ الشَّرْطِ ويَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا، ويُقَدَّرُ العامِلُ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوَآباؤُنا) بِفَتْحِ الواوِ في (أوَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ: بِالسُّكُونِ، فَهي حَرْفُ عَطْفٍ، ومَن فَتَحَ قالُوا وحَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوَآباؤُنا) مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ. والَّذِي جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا ؟ عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ خِلافُهُ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو، فِيهِ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (مَبْعُوثُونَ) إلى آخِرِهِ، فَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمَلِ، لا عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى المُفْرَدِ كانَ الفِعْلُ عامِلًا في المُفْرَدِ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها ما قَبْلَها. فَقَوْلُهُ (أوَآباؤُنا) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَبْعُوثُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَإذا قُلْتَ: أقامَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا، واسْتِفْهامُهم تَضَمَّنَ إنْكارًا واسْتِبْعادًا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم بِـ (نَعَمْ) . ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وزادَهم في الجَوابِ أنَّ بَعْثَهم وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّغارِ والذُّلِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ فِيها في سُورَةِ الأعْرافِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ البَعْثَةِ، فَإنَّما بَعْثَتُهم (زَجْرَةٌ) أيْ صَيْحَةٌ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. لَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مُبْهَمَةٌ يُوَضِّحُها خَبَرُها. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَقُولُ هو وابْنُ مالِكٍ أنَّ الضَّمِيرَ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنَّما جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ ذَلِكَ، فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُضَمَّنُ (p-٣٥٦)جُمْلَةُ الشَّرْطِ قَبْلَ فاءٍ إذا ساغَ تَقْدِيرُهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إمّا ابْتِداءٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. و(يَنْظَرُونَ) مِنَ النَّظَرِ، أيْ فَإذا هم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ، أوْ مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ فَإذا هم يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (يا ويْلَنا) مِن كَلامِ بَعْضِ الكُفّارِ لِبَعْضٍ، إلى آخِرِ الجُمْلَتَيْنِ، أقَرُّوا بِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، وخاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى قَوْلِهِ (يا ويْلَنا)، وجَعَلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهم أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وإنَّما المَعْنى يُقالُ لَهم هَذا يَوْمُ الفَصْلِ. ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والمُعاوَضَةِ، ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ الفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى وفِرَقِ الضَّلالِ. وفي ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.

الصافات 37:12

(p-٣٥٤)﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤالِ، والهَمْزَةُ وإنْ خَرَجَتْ إلى مَعْنى التَّقْرِيرِ فَهي في الأصْلِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ. وعادَلَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأشُدِّيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والأفْلاكِ والأرَضِينَ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أمْ مَن عَدَدْنا، وهو تَفْسِيرٌ لِمَن خَلَقْنا، أيْ مَن عَدَدْنا مِنَ الصّافّاتِ وما بَعْدَها مِنَ المَخْلُوقِينَ. وغُلِّبَ العاقِلُ عَلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾، واقْتَصَرَ عَلى الفاعِلِ في ﴿خَلَقْنا﴾، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الخَلْقِ اكْتِفاءً بِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، وكَأنَّهُ قالَ: أمْ مَن خَلَقْنا مِن غَرائِبِ المَصْنُوعاتِ وعَجائِبِها. وقَرَأ الأعْمَشُ: أمَن بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ أمْ، جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرًا أيْضًا، فَهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ في التَّقْرِيرِ، ومَن مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أشَدُّ. فَعَلى أمْ مَن هو تَقْرِيرٌ واحِدٌ ونَظِيرُهُ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأشَدُّ خَلْقًا يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، وأصْعَبُ خَلْقًا. وأشَدُّ خَلْقًا وأشَقُّهُ يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، عَلى مَعْنى الرَّدِّ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى. وإنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ. وخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ، إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ؛ لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ؛ أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ. فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ ؟ قالُوا ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥]، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. وقِيلَ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِّينِ إلَيْهِمْ، والمَخْلُوقُ مِنهُ هو أبُوهم آدَمُ، إذْ كانُوا نَسْلَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (اللّازِبِ) بِالجَرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، بِتاءِ الخِطابِ، أيْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ، ومِمّا تُرِيهِمْ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ. أوْ عَجِبْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ المُتَكَلِّمِ. ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وشَقِيقٍ، والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ: اللَّهُ لا يَعْجَبُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: كانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ مِنهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو لِلَّهِ تَعالى، والعَجَبُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي المُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ إسْنادُ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ. فالمَعْنى: بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ عَمَلِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ فِيها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَلَغَ مِن عَظِيمِ آياتِي وكَثْرَةِ خَلائِقِي أنِّي عَجِبْتُ مِنها، فَكَيْفَ بِعِبادِي وهَؤُلاءِ، (p-٣٥٥)لِجَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، يَسْخَرُونَ مِن آياتِي ؟ أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَصِفُ اللَّهَ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قالَ: ويُجَرَّدُ العَجَبُ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ، أوْ يُخَيَّلُ العَجَبُ ويُفْرَضُ. وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، أيْ قُلْ بَلْ عَجِبْتُ. قالَ مَكِّيٌّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ. ﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ ووُعِظُوا، ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾، ولا يَتَّعِظُونَ. وذَكَرَ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ذَكَرُوا، بِتَخْفِيفِ الكافِ. رُوِيَ أنَّ رُكانَةَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَقِيَهُ الرَّسُولُ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وكانَ مِن أقْوى النّاسِ، فَقالَ لَهُ: ”يا رُكانَةُ، أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، فَلَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يَسْخَرُونَ، يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وقِيلَ: فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها. وقُرِئَ: يَسْتَسْحِرُونَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ما قالَ رُكانَةُ: لَأسْحَرَنَّ الرَّسُولَ. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الخارِقِ المُعْجِزِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كَسْرِ مِيمِ (مِتْنا) وضَمِّها. ومَن قَرَأ (أئِذا) بِالِاسْتِفْهامِ، فَجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، أيْ (نُبْعَثُ)، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إنّا لَمَبْعُوثُونَ، أوْ يُعَرّى عَنِ الشَّرْطِ ويَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا، ويُقَدَّرُ العامِلُ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوَآباؤُنا) بِفَتْحِ الواوِ في (أوَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ: بِالسُّكُونِ، فَهي حَرْفُ عَطْفٍ، ومَن فَتَحَ قالُوا وحَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوَآباؤُنا) مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ. والَّذِي جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا ؟ عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ خِلافُهُ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو، فِيهِ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (مَبْعُوثُونَ) إلى آخِرِهِ، فَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمَلِ، لا عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى المُفْرَدِ كانَ الفِعْلُ عامِلًا في المُفْرَدِ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها ما قَبْلَها. فَقَوْلُهُ (أوَآباؤُنا) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَبْعُوثُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَإذا قُلْتَ: أقامَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا، واسْتِفْهامُهم تَضَمَّنَ إنْكارًا واسْتِبْعادًا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم بِـ (نَعَمْ) . ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وزادَهم في الجَوابِ أنَّ بَعْثَهم وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّغارِ والذُّلِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ فِيها في سُورَةِ الأعْرافِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ البَعْثَةِ، فَإنَّما بَعْثَتُهم (زَجْرَةٌ) أيْ صَيْحَةٌ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. لَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مُبْهَمَةٌ يُوَضِّحُها خَبَرُها. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَقُولُ هو وابْنُ مالِكٍ أنَّ الضَّمِيرَ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنَّما جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ ذَلِكَ، فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُضَمَّنُ (p-٣٥٦)جُمْلَةُ الشَّرْطِ قَبْلَ فاءٍ إذا ساغَ تَقْدِيرُهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إمّا ابْتِداءٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. و(يَنْظَرُونَ) مِنَ النَّظَرِ، أيْ فَإذا هم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ، أوْ مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ فَإذا هم يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (يا ويْلَنا) مِن كَلامِ بَعْضِ الكُفّارِ لِبَعْضٍ، إلى آخِرِ الجُمْلَتَيْنِ، أقَرُّوا بِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، وخاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى قَوْلِهِ (يا ويْلَنا)، وجَعَلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهم أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وإنَّما المَعْنى يُقالُ لَهم هَذا يَوْمُ الفَصْلِ. ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والمُعاوَضَةِ، ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ الفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى وفِرَقِ الضَّلالِ. وفي ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.

الصافات 37:13

(p-٣٥٤)﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤالِ، والهَمْزَةُ وإنْ خَرَجَتْ إلى مَعْنى التَّقْرِيرِ فَهي في الأصْلِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ. وعادَلَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأشُدِّيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والأفْلاكِ والأرَضِينَ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أمْ مَن عَدَدْنا، وهو تَفْسِيرٌ لِمَن خَلَقْنا، أيْ مَن عَدَدْنا مِنَ الصّافّاتِ وما بَعْدَها مِنَ المَخْلُوقِينَ. وغُلِّبَ العاقِلُ عَلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾، واقْتَصَرَ عَلى الفاعِلِ في ﴿خَلَقْنا﴾، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الخَلْقِ اكْتِفاءً بِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، وكَأنَّهُ قالَ: أمْ مَن خَلَقْنا مِن غَرائِبِ المَصْنُوعاتِ وعَجائِبِها. وقَرَأ الأعْمَشُ: أمَن بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ أمْ، جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرًا أيْضًا، فَهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ في التَّقْرِيرِ، ومَن مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أشَدُّ. فَعَلى أمْ مَن هو تَقْرِيرٌ واحِدٌ ونَظِيرُهُ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأشَدُّ خَلْقًا يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، وأصْعَبُ خَلْقًا. وأشَدُّ خَلْقًا وأشَقُّهُ يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، عَلى مَعْنى الرَّدِّ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى. وإنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ. وخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ، إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ؛ لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ؛ أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ. فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ ؟ قالُوا ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥]، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. وقِيلَ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِّينِ إلَيْهِمْ، والمَخْلُوقُ مِنهُ هو أبُوهم آدَمُ، إذْ كانُوا نَسْلَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (اللّازِبِ) بِالجَرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، بِتاءِ الخِطابِ، أيْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ، ومِمّا تُرِيهِمْ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ. أوْ عَجِبْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ المُتَكَلِّمِ. ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وشَقِيقٍ، والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ: اللَّهُ لا يَعْجَبُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: كانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ مِنهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو لِلَّهِ تَعالى، والعَجَبُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي المُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ إسْنادُ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ. فالمَعْنى: بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ عَمَلِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ فِيها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَلَغَ مِن عَظِيمِ آياتِي وكَثْرَةِ خَلائِقِي أنِّي عَجِبْتُ مِنها، فَكَيْفَ بِعِبادِي وهَؤُلاءِ، (p-٣٥٥)لِجَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، يَسْخَرُونَ مِن آياتِي ؟ أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَصِفُ اللَّهَ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قالَ: ويُجَرَّدُ العَجَبُ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ، أوْ يُخَيَّلُ العَجَبُ ويُفْرَضُ. وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، أيْ قُلْ بَلْ عَجِبْتُ. قالَ مَكِّيٌّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ. ﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ ووُعِظُوا، ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾، ولا يَتَّعِظُونَ. وذَكَرَ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ذَكَرُوا، بِتَخْفِيفِ الكافِ. رُوِيَ أنَّ رُكانَةَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَقِيَهُ الرَّسُولُ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وكانَ مِن أقْوى النّاسِ، فَقالَ لَهُ: ”يا رُكانَةُ، أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، فَلَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يَسْخَرُونَ، يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وقِيلَ: فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها. وقُرِئَ: يَسْتَسْحِرُونَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ما قالَ رُكانَةُ: لَأسْحَرَنَّ الرَّسُولَ. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الخارِقِ المُعْجِزِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كَسْرِ مِيمِ (مِتْنا) وضَمِّها. ومَن قَرَأ (أئِذا) بِالِاسْتِفْهامِ، فَجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، أيْ (نُبْعَثُ)، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إنّا لَمَبْعُوثُونَ، أوْ يُعَرّى عَنِ الشَّرْطِ ويَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا، ويُقَدَّرُ العامِلُ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوَآباؤُنا) بِفَتْحِ الواوِ في (أوَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ: بِالسُّكُونِ، فَهي حَرْفُ عَطْفٍ، ومَن فَتَحَ قالُوا وحَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوَآباؤُنا) مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ. والَّذِي جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا ؟ عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ خِلافُهُ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو، فِيهِ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (مَبْعُوثُونَ) إلى آخِرِهِ، فَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمَلِ، لا عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى المُفْرَدِ كانَ الفِعْلُ عامِلًا في المُفْرَدِ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها ما قَبْلَها. فَقَوْلُهُ (أوَآباؤُنا) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَبْعُوثُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَإذا قُلْتَ: أقامَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا، واسْتِفْهامُهم تَضَمَّنَ إنْكارًا واسْتِبْعادًا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم بِـ (نَعَمْ) . ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وزادَهم في الجَوابِ أنَّ بَعْثَهم وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّغارِ والذُّلِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ فِيها في سُورَةِ الأعْرافِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ البَعْثَةِ، فَإنَّما بَعْثَتُهم (زَجْرَةٌ) أيْ صَيْحَةٌ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. لَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مُبْهَمَةٌ يُوَضِّحُها خَبَرُها. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَقُولُ هو وابْنُ مالِكٍ أنَّ الضَّمِيرَ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنَّما جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ ذَلِكَ، فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُضَمَّنُ (p-٣٥٦)جُمْلَةُ الشَّرْطِ قَبْلَ فاءٍ إذا ساغَ تَقْدِيرُهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إمّا ابْتِداءٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. و(يَنْظَرُونَ) مِنَ النَّظَرِ، أيْ فَإذا هم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ، أوْ مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ فَإذا هم يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (يا ويْلَنا) مِن كَلامِ بَعْضِ الكُفّارِ لِبَعْضٍ، إلى آخِرِ الجُمْلَتَيْنِ، أقَرُّوا بِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، وخاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى قَوْلِهِ (يا ويْلَنا)، وجَعَلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهم أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وإنَّما المَعْنى يُقالُ لَهم هَذا يَوْمُ الفَصْلِ. ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والمُعاوَضَةِ، ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ الفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى وفِرَقِ الضَّلالِ. وفي ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.

الصافات 37:14

(p-٣٥٤)﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤالِ، والهَمْزَةُ وإنْ خَرَجَتْ إلى مَعْنى التَّقْرِيرِ فَهي في الأصْلِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ. وعادَلَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأشُدِّيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والأفْلاكِ والأرَضِينَ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أمْ مَن عَدَدْنا، وهو تَفْسِيرٌ لِمَن خَلَقْنا، أيْ مَن عَدَدْنا مِنَ الصّافّاتِ وما بَعْدَها مِنَ المَخْلُوقِينَ. وغُلِّبَ العاقِلُ عَلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾، واقْتَصَرَ عَلى الفاعِلِ في ﴿خَلَقْنا﴾، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الخَلْقِ اكْتِفاءً بِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، وكَأنَّهُ قالَ: أمْ مَن خَلَقْنا مِن غَرائِبِ المَصْنُوعاتِ وعَجائِبِها. وقَرَأ الأعْمَشُ: أمَن بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ أمْ، جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرًا أيْضًا، فَهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ في التَّقْرِيرِ، ومَن مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أشَدُّ. فَعَلى أمْ مَن هو تَقْرِيرٌ واحِدٌ ونَظِيرُهُ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأشَدُّ خَلْقًا يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، وأصْعَبُ خَلْقًا. وأشَدُّ خَلْقًا وأشَقُّهُ يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، عَلى مَعْنى الرَّدِّ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى. وإنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ. وخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ، إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ؛ لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ؛ أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ. فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ ؟ قالُوا ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥]، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. وقِيلَ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِّينِ إلَيْهِمْ، والمَخْلُوقُ مِنهُ هو أبُوهم آدَمُ، إذْ كانُوا نَسْلَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (اللّازِبِ) بِالجَرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، بِتاءِ الخِطابِ، أيْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ، ومِمّا تُرِيهِمْ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ. أوْ عَجِبْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ المُتَكَلِّمِ. ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وشَقِيقٍ، والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ: اللَّهُ لا يَعْجَبُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: كانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ مِنهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو لِلَّهِ تَعالى، والعَجَبُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي المُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ إسْنادُ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ. فالمَعْنى: بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ عَمَلِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ فِيها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَلَغَ مِن عَظِيمِ آياتِي وكَثْرَةِ خَلائِقِي أنِّي عَجِبْتُ مِنها، فَكَيْفَ بِعِبادِي وهَؤُلاءِ، (p-٣٥٥)لِجَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، يَسْخَرُونَ مِن آياتِي ؟ أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَصِفُ اللَّهَ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قالَ: ويُجَرَّدُ العَجَبُ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ، أوْ يُخَيَّلُ العَجَبُ ويُفْرَضُ. وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، أيْ قُلْ بَلْ عَجِبْتُ. قالَ مَكِّيٌّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ. ﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ ووُعِظُوا، ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾، ولا يَتَّعِظُونَ. وذَكَرَ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ذَكَرُوا، بِتَخْفِيفِ الكافِ. رُوِيَ أنَّ رُكانَةَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَقِيَهُ الرَّسُولُ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وكانَ مِن أقْوى النّاسِ، فَقالَ لَهُ: ”يا رُكانَةُ، أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، فَلَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يَسْخَرُونَ، يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وقِيلَ: فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها. وقُرِئَ: يَسْتَسْحِرُونَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ما قالَ رُكانَةُ: لَأسْحَرَنَّ الرَّسُولَ. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الخارِقِ المُعْجِزِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كَسْرِ مِيمِ (مِتْنا) وضَمِّها. ومَن قَرَأ (أئِذا) بِالِاسْتِفْهامِ، فَجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، أيْ (نُبْعَثُ)، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إنّا لَمَبْعُوثُونَ، أوْ يُعَرّى عَنِ الشَّرْطِ ويَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا، ويُقَدَّرُ العامِلُ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوَآباؤُنا) بِفَتْحِ الواوِ في (أوَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ: بِالسُّكُونِ، فَهي حَرْفُ عَطْفٍ، ومَن فَتَحَ قالُوا وحَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوَآباؤُنا) مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ. والَّذِي جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا ؟ عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ خِلافُهُ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو، فِيهِ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (مَبْعُوثُونَ) إلى آخِرِهِ، فَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمَلِ، لا عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى المُفْرَدِ كانَ الفِعْلُ عامِلًا في المُفْرَدِ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها ما قَبْلَها. فَقَوْلُهُ (أوَآباؤُنا) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَبْعُوثُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَإذا قُلْتَ: أقامَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا، واسْتِفْهامُهم تَضَمَّنَ إنْكارًا واسْتِبْعادًا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم بِـ (نَعَمْ) . ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وزادَهم في الجَوابِ أنَّ بَعْثَهم وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّغارِ والذُّلِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ فِيها في سُورَةِ الأعْرافِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ البَعْثَةِ، فَإنَّما بَعْثَتُهم (زَجْرَةٌ) أيْ صَيْحَةٌ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. لَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مُبْهَمَةٌ يُوَضِّحُها خَبَرُها. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَقُولُ هو وابْنُ مالِكٍ أنَّ الضَّمِيرَ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنَّما جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ ذَلِكَ، فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُضَمَّنُ (p-٣٥٦)جُمْلَةُ الشَّرْطِ قَبْلَ فاءٍ إذا ساغَ تَقْدِيرُهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إمّا ابْتِداءٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. و(يَنْظَرُونَ) مِنَ النَّظَرِ، أيْ فَإذا هم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ، أوْ مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ فَإذا هم يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (يا ويْلَنا) مِن كَلامِ بَعْضِ الكُفّارِ لِبَعْضٍ، إلى آخِرِ الجُمْلَتَيْنِ، أقَرُّوا بِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، وخاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى قَوْلِهِ (يا ويْلَنا)، وجَعَلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهم أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وإنَّما المَعْنى يُقالُ لَهم هَذا يَوْمُ الفَصْلِ. ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والمُعاوَضَةِ، ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ الفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى وفِرَقِ الضَّلالِ. وفي ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.

الصافات 37:15

(p-٣٥٤)﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤالِ، والهَمْزَةُ وإنْ خَرَجَتْ إلى مَعْنى التَّقْرِيرِ فَهي في الأصْلِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ. وعادَلَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأشُدِّيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والأفْلاكِ والأرَضِينَ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أمْ مَن عَدَدْنا، وهو تَفْسِيرٌ لِمَن خَلَقْنا، أيْ مَن عَدَدْنا مِنَ الصّافّاتِ وما بَعْدَها مِنَ المَخْلُوقِينَ. وغُلِّبَ العاقِلُ عَلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾، واقْتَصَرَ عَلى الفاعِلِ في ﴿خَلَقْنا﴾، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الخَلْقِ اكْتِفاءً بِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، وكَأنَّهُ قالَ: أمْ مَن خَلَقْنا مِن غَرائِبِ المَصْنُوعاتِ وعَجائِبِها. وقَرَأ الأعْمَشُ: أمَن بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ أمْ، جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرًا أيْضًا، فَهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ في التَّقْرِيرِ، ومَن مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أشَدُّ. فَعَلى أمْ مَن هو تَقْرِيرٌ واحِدٌ ونَظِيرُهُ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأشَدُّ خَلْقًا يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، وأصْعَبُ خَلْقًا. وأشَدُّ خَلْقًا وأشَقُّهُ يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، عَلى مَعْنى الرَّدِّ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى. وإنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ. وخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ، إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ؛ لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ؛ أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ. فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ ؟ قالُوا ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥]، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. وقِيلَ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِّينِ إلَيْهِمْ، والمَخْلُوقُ مِنهُ هو أبُوهم آدَمُ، إذْ كانُوا نَسْلَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (اللّازِبِ) بِالجَرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، بِتاءِ الخِطابِ، أيْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ، ومِمّا تُرِيهِمْ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ. أوْ عَجِبْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ المُتَكَلِّمِ. ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وشَقِيقٍ، والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ: اللَّهُ لا يَعْجَبُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: كانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ مِنهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو لِلَّهِ تَعالى، والعَجَبُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي المُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ إسْنادُ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ. فالمَعْنى: بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ عَمَلِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ فِيها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَلَغَ مِن عَظِيمِ آياتِي وكَثْرَةِ خَلائِقِي أنِّي عَجِبْتُ مِنها، فَكَيْفَ بِعِبادِي وهَؤُلاءِ، (p-٣٥٥)لِجَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، يَسْخَرُونَ مِن آياتِي ؟ أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَصِفُ اللَّهَ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قالَ: ويُجَرَّدُ العَجَبُ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ، أوْ يُخَيَّلُ العَجَبُ ويُفْرَضُ. وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، أيْ قُلْ بَلْ عَجِبْتُ. قالَ مَكِّيٌّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ. ﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ ووُعِظُوا، ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾، ولا يَتَّعِظُونَ. وذَكَرَ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ذَكَرُوا، بِتَخْفِيفِ الكافِ. رُوِيَ أنَّ رُكانَةَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَقِيَهُ الرَّسُولُ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وكانَ مِن أقْوى النّاسِ، فَقالَ لَهُ: ”يا رُكانَةُ، أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، فَلَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يَسْخَرُونَ، يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وقِيلَ: فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها. وقُرِئَ: يَسْتَسْحِرُونَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ما قالَ رُكانَةُ: لَأسْحَرَنَّ الرَّسُولَ. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الخارِقِ المُعْجِزِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كَسْرِ مِيمِ (مِتْنا) وضَمِّها. ومَن قَرَأ (أئِذا) بِالِاسْتِفْهامِ، فَجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، أيْ (نُبْعَثُ)، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إنّا لَمَبْعُوثُونَ، أوْ يُعَرّى عَنِ الشَّرْطِ ويَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا، ويُقَدَّرُ العامِلُ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوَآباؤُنا) بِفَتْحِ الواوِ في (أوَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ: بِالسُّكُونِ، فَهي حَرْفُ عَطْفٍ، ومَن فَتَحَ قالُوا وحَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوَآباؤُنا) مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ. والَّذِي جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا ؟ عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ خِلافُهُ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو، فِيهِ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (مَبْعُوثُونَ) إلى آخِرِهِ، فَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمَلِ، لا عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى المُفْرَدِ كانَ الفِعْلُ عامِلًا في المُفْرَدِ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها ما قَبْلَها. فَقَوْلُهُ (أوَآباؤُنا) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَبْعُوثُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَإذا قُلْتَ: أقامَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا، واسْتِفْهامُهم تَضَمَّنَ إنْكارًا واسْتِبْعادًا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم بِـ (نَعَمْ) . ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وزادَهم في الجَوابِ أنَّ بَعْثَهم وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّغارِ والذُّلِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ فِيها في سُورَةِ الأعْرافِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ البَعْثَةِ، فَإنَّما بَعْثَتُهم (زَجْرَةٌ) أيْ صَيْحَةٌ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. لَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مُبْهَمَةٌ يُوَضِّحُها خَبَرُها. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَقُولُ هو وابْنُ مالِكٍ أنَّ الضَّمِيرَ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنَّما جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ ذَلِكَ، فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُضَمَّنُ (p-٣٥٦)جُمْلَةُ الشَّرْطِ قَبْلَ فاءٍ إذا ساغَ تَقْدِيرُهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إمّا ابْتِداءٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. و(يَنْظَرُونَ) مِنَ النَّظَرِ، أيْ فَإذا هم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ، أوْ مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ فَإذا هم يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (يا ويْلَنا) مِن كَلامِ بَعْضِ الكُفّارِ لِبَعْضٍ، إلى آخِرِ الجُمْلَتَيْنِ، أقَرُّوا بِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، وخاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى قَوْلِهِ (يا ويْلَنا)، وجَعَلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهم أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وإنَّما المَعْنى يُقالُ لَهم هَذا يَوْمُ الفَصْلِ. ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والمُعاوَضَةِ، ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ الفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى وفِرَقِ الضَّلالِ. وفي ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.

الصافات 37:16

(p-٣٥٤)﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤالِ، والهَمْزَةُ وإنْ خَرَجَتْ إلى مَعْنى التَّقْرِيرِ فَهي في الأصْلِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ. وعادَلَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأشُدِّيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والأفْلاكِ والأرَضِينَ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أمْ مَن عَدَدْنا، وهو تَفْسِيرٌ لِمَن خَلَقْنا، أيْ مَن عَدَدْنا مِنَ الصّافّاتِ وما بَعْدَها مِنَ المَخْلُوقِينَ. وغُلِّبَ العاقِلُ عَلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾، واقْتَصَرَ عَلى الفاعِلِ في ﴿خَلَقْنا﴾، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الخَلْقِ اكْتِفاءً بِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، وكَأنَّهُ قالَ: أمْ مَن خَلَقْنا مِن غَرائِبِ المَصْنُوعاتِ وعَجائِبِها. وقَرَأ الأعْمَشُ: أمَن بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ أمْ، جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرًا أيْضًا، فَهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ في التَّقْرِيرِ، ومَن مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أشَدُّ. فَعَلى أمْ مَن هو تَقْرِيرٌ واحِدٌ ونَظِيرُهُ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأشَدُّ خَلْقًا يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، وأصْعَبُ خَلْقًا. وأشَدُّ خَلْقًا وأشَقُّهُ يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، عَلى مَعْنى الرَّدِّ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى. وإنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ. وخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ، إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ؛ لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ؛ أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ. فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ ؟ قالُوا ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥]، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. وقِيلَ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِّينِ إلَيْهِمْ، والمَخْلُوقُ مِنهُ هو أبُوهم آدَمُ، إذْ كانُوا نَسْلَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (اللّازِبِ) بِالجَرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، بِتاءِ الخِطابِ، أيْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ، ومِمّا تُرِيهِمْ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ. أوْ عَجِبْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ المُتَكَلِّمِ. ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وشَقِيقٍ، والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ: اللَّهُ لا يَعْجَبُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: كانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ مِنهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو لِلَّهِ تَعالى، والعَجَبُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي المُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ إسْنادُ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ. فالمَعْنى: بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ عَمَلِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ فِيها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَلَغَ مِن عَظِيمِ آياتِي وكَثْرَةِ خَلائِقِي أنِّي عَجِبْتُ مِنها، فَكَيْفَ بِعِبادِي وهَؤُلاءِ، (p-٣٥٥)لِجَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، يَسْخَرُونَ مِن آياتِي ؟ أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَصِفُ اللَّهَ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قالَ: ويُجَرَّدُ العَجَبُ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ، أوْ يُخَيَّلُ العَجَبُ ويُفْرَضُ. وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، أيْ قُلْ بَلْ عَجِبْتُ. قالَ مَكِّيٌّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ. ﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ ووُعِظُوا، ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾، ولا يَتَّعِظُونَ. وذَكَرَ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ذَكَرُوا، بِتَخْفِيفِ الكافِ. رُوِيَ أنَّ رُكانَةَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَقِيَهُ الرَّسُولُ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وكانَ مِن أقْوى النّاسِ، فَقالَ لَهُ: ”يا رُكانَةُ، أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، فَلَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يَسْخَرُونَ، يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وقِيلَ: فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها. وقُرِئَ: يَسْتَسْحِرُونَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ما قالَ رُكانَةُ: لَأسْحَرَنَّ الرَّسُولَ. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الخارِقِ المُعْجِزِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كَسْرِ مِيمِ (مِتْنا) وضَمِّها. ومَن قَرَأ (أئِذا) بِالِاسْتِفْهامِ، فَجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، أيْ (نُبْعَثُ)، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إنّا لَمَبْعُوثُونَ، أوْ يُعَرّى عَنِ الشَّرْطِ ويَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا، ويُقَدَّرُ العامِلُ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوَآباؤُنا) بِفَتْحِ الواوِ في (أوَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ: بِالسُّكُونِ، فَهي حَرْفُ عَطْفٍ، ومَن فَتَحَ قالُوا وحَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوَآباؤُنا) مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ. والَّذِي جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا ؟ عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ خِلافُهُ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو، فِيهِ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (مَبْعُوثُونَ) إلى آخِرِهِ، فَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمَلِ، لا عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى المُفْرَدِ كانَ الفِعْلُ عامِلًا في المُفْرَدِ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها ما قَبْلَها. فَقَوْلُهُ (أوَآباؤُنا) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَبْعُوثُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَإذا قُلْتَ: أقامَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا، واسْتِفْهامُهم تَضَمَّنَ إنْكارًا واسْتِبْعادًا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم بِـ (نَعَمْ) . ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وزادَهم في الجَوابِ أنَّ بَعْثَهم وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّغارِ والذُّلِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ فِيها في سُورَةِ الأعْرافِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ البَعْثَةِ، فَإنَّما بَعْثَتُهم (زَجْرَةٌ) أيْ صَيْحَةٌ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. لَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مُبْهَمَةٌ يُوَضِّحُها خَبَرُها. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَقُولُ هو وابْنُ مالِكٍ أنَّ الضَّمِيرَ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنَّما جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ ذَلِكَ، فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُضَمَّنُ (p-٣٥٦)جُمْلَةُ الشَّرْطِ قَبْلَ فاءٍ إذا ساغَ تَقْدِيرُهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إمّا ابْتِداءٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. و(يَنْظَرُونَ) مِنَ النَّظَرِ، أيْ فَإذا هم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ، أوْ مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ فَإذا هم يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (يا ويْلَنا) مِن كَلامِ بَعْضِ الكُفّارِ لِبَعْضٍ، إلى آخِرِ الجُمْلَتَيْنِ، أقَرُّوا بِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، وخاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى قَوْلِهِ (يا ويْلَنا)، وجَعَلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهم أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وإنَّما المَعْنى يُقالُ لَهم هَذا يَوْمُ الفَصْلِ. ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والمُعاوَضَةِ، ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ الفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى وفِرَقِ الضَّلالِ. وفي ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.

الصافات 37:17

(p-٣٥٤)﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤالِ، والهَمْزَةُ وإنْ خَرَجَتْ إلى مَعْنى التَّقْرِيرِ فَهي في الأصْلِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ. وعادَلَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأشُدِّيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والأفْلاكِ والأرَضِينَ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أمْ مَن عَدَدْنا، وهو تَفْسِيرٌ لِمَن خَلَقْنا، أيْ مَن عَدَدْنا مِنَ الصّافّاتِ وما بَعْدَها مِنَ المَخْلُوقِينَ. وغُلِّبَ العاقِلُ عَلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾، واقْتَصَرَ عَلى الفاعِلِ في ﴿خَلَقْنا﴾، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الخَلْقِ اكْتِفاءً بِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، وكَأنَّهُ قالَ: أمْ مَن خَلَقْنا مِن غَرائِبِ المَصْنُوعاتِ وعَجائِبِها. وقَرَأ الأعْمَشُ: أمَن بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ أمْ، جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرًا أيْضًا، فَهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ في التَّقْرِيرِ، ومَن مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أشَدُّ. فَعَلى أمْ مَن هو تَقْرِيرٌ واحِدٌ ونَظِيرُهُ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأشَدُّ خَلْقًا يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، وأصْعَبُ خَلْقًا. وأشَدُّ خَلْقًا وأشَقُّهُ يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، عَلى مَعْنى الرَّدِّ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى. وإنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ. وخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ، إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ؛ لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ؛ أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ. فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ ؟ قالُوا ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥]، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. وقِيلَ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِّينِ إلَيْهِمْ، والمَخْلُوقُ مِنهُ هو أبُوهم آدَمُ، إذْ كانُوا نَسْلَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (اللّازِبِ) بِالجَرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، بِتاءِ الخِطابِ، أيْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ، ومِمّا تُرِيهِمْ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ. أوْ عَجِبْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ المُتَكَلِّمِ. ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وشَقِيقٍ، والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ: اللَّهُ لا يَعْجَبُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: كانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ مِنهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو لِلَّهِ تَعالى، والعَجَبُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي المُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ إسْنادُ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ. فالمَعْنى: بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ عَمَلِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ فِيها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَلَغَ مِن عَظِيمِ آياتِي وكَثْرَةِ خَلائِقِي أنِّي عَجِبْتُ مِنها، فَكَيْفَ بِعِبادِي وهَؤُلاءِ، (p-٣٥٥)لِجَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، يَسْخَرُونَ مِن آياتِي ؟ أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَصِفُ اللَّهَ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قالَ: ويُجَرَّدُ العَجَبُ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ، أوْ يُخَيَّلُ العَجَبُ ويُفْرَضُ. وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، أيْ قُلْ بَلْ عَجِبْتُ. قالَ مَكِّيٌّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ. ﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ ووُعِظُوا، ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾، ولا يَتَّعِظُونَ. وذَكَرَ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ذَكَرُوا، بِتَخْفِيفِ الكافِ. رُوِيَ أنَّ رُكانَةَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَقِيَهُ الرَّسُولُ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وكانَ مِن أقْوى النّاسِ، فَقالَ لَهُ: ”يا رُكانَةُ، أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، فَلَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يَسْخَرُونَ، يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وقِيلَ: فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها. وقُرِئَ: يَسْتَسْحِرُونَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ما قالَ رُكانَةُ: لَأسْحَرَنَّ الرَّسُولَ. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الخارِقِ المُعْجِزِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كَسْرِ مِيمِ (مِتْنا) وضَمِّها. ومَن قَرَأ (أئِذا) بِالِاسْتِفْهامِ، فَجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، أيْ (نُبْعَثُ)، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إنّا لَمَبْعُوثُونَ، أوْ يُعَرّى عَنِ الشَّرْطِ ويَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا، ويُقَدَّرُ العامِلُ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوَآباؤُنا) بِفَتْحِ الواوِ في (أوَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ: بِالسُّكُونِ، فَهي حَرْفُ عَطْفٍ، ومَن فَتَحَ قالُوا وحَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوَآباؤُنا) مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ. والَّذِي جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا ؟ عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ خِلافُهُ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو، فِيهِ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (مَبْعُوثُونَ) إلى آخِرِهِ، فَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمَلِ، لا عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى المُفْرَدِ كانَ الفِعْلُ عامِلًا في المُفْرَدِ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها ما قَبْلَها. فَقَوْلُهُ (أوَآباؤُنا) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَبْعُوثُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَإذا قُلْتَ: أقامَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا، واسْتِفْهامُهم تَضَمَّنَ إنْكارًا واسْتِبْعادًا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم بِـ (نَعَمْ) . ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وزادَهم في الجَوابِ أنَّ بَعْثَهم وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّغارِ والذُّلِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ فِيها في سُورَةِ الأعْرافِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ البَعْثَةِ، فَإنَّما بَعْثَتُهم (زَجْرَةٌ) أيْ صَيْحَةٌ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. لَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مُبْهَمَةٌ يُوَضِّحُها خَبَرُها. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَقُولُ هو وابْنُ مالِكٍ أنَّ الضَّمِيرَ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنَّما جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ ذَلِكَ، فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُضَمَّنُ (p-٣٥٦)جُمْلَةُ الشَّرْطِ قَبْلَ فاءٍ إذا ساغَ تَقْدِيرُهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إمّا ابْتِداءٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. و(يَنْظَرُونَ) مِنَ النَّظَرِ، أيْ فَإذا هم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ، أوْ مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ فَإذا هم يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (يا ويْلَنا) مِن كَلامِ بَعْضِ الكُفّارِ لِبَعْضٍ، إلى آخِرِ الجُمْلَتَيْنِ، أقَرُّوا بِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، وخاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى قَوْلِهِ (يا ويْلَنا)، وجَعَلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهم أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وإنَّما المَعْنى يُقالُ لَهم هَذا يَوْمُ الفَصْلِ. ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والمُعاوَضَةِ، ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ الفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى وفِرَقِ الضَّلالِ. وفي ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.