Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الصافات 37:18 – الصافات 37:53

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الصافات 37:18
  2. الصافات 37:19
  3. الصافات 37:20
  4. الصافات 37:21
  5. الصافات 37:22
  6. الصافات 37:23
  7. الصافات 37:24
  8. الصافات 37:25
  9. الصافات 37:26
  10. الصافات 37:27
  11. الصافات 37:28
  12. الصافات 37:29
  13. الصافات 37:30
  14. الصافات 37:31
  15. الصافات 37:32
  16. الصافات 37:33
  17. الصافات 37:34
  18. الصافات 37:35
  19. الصافات 37:36
  20. الصافات 37:37
  21. الصافات 37:38
  22. الصافات 37:39
  23. الصافات 37:40
  24. الصافات 37:41
  25. الصافات 37:42
  26. الصافات 37:43
  27. الصافات 37:44
  28. الصافات 37:45
  29. الصافات 37:46
  30. الصافات 37:47
  31. الصافات 37:48
  32. الصافات 37:49
  33. الصافات 37:50
  34. الصافات 37:51
  35. الصافات 37:52
  36. الصافات 37:53

الصافات 37:18

(p-٣٥٤)﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤالِ، والهَمْزَةُ وإنْ خَرَجَتْ إلى مَعْنى التَّقْرِيرِ فَهي في الأصْلِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ. وعادَلَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأشُدِّيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والأفْلاكِ والأرَضِينَ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أمْ مَن عَدَدْنا، وهو تَفْسِيرٌ لِمَن خَلَقْنا، أيْ مَن عَدَدْنا مِنَ الصّافّاتِ وما بَعْدَها مِنَ المَخْلُوقِينَ. وغُلِّبَ العاقِلُ عَلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾، واقْتَصَرَ عَلى الفاعِلِ في ﴿خَلَقْنا﴾، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الخَلْقِ اكْتِفاءً بِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، وكَأنَّهُ قالَ: أمْ مَن خَلَقْنا مِن غَرائِبِ المَصْنُوعاتِ وعَجائِبِها. وقَرَأ الأعْمَشُ: أمَن بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ أمْ، جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرًا أيْضًا، فَهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ في التَّقْرِيرِ، ومَن مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أشَدُّ. فَعَلى أمْ مَن هو تَقْرِيرٌ واحِدٌ ونَظِيرُهُ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأشَدُّ خَلْقًا يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، وأصْعَبُ خَلْقًا. وأشَدُّ خَلْقًا وأشَقُّهُ يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، عَلى مَعْنى الرَّدِّ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى. وإنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ. وخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ، إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ؛ لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ؛ أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ. فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ ؟ قالُوا ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥]، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. وقِيلَ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِّينِ إلَيْهِمْ، والمَخْلُوقُ مِنهُ هو أبُوهم آدَمُ، إذْ كانُوا نَسْلَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (اللّازِبِ) بِالجَرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، بِتاءِ الخِطابِ، أيْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ، ومِمّا تُرِيهِمْ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ. أوْ عَجِبْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ المُتَكَلِّمِ. ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وشَقِيقٍ، والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ: اللَّهُ لا يَعْجَبُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: كانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ مِنهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو لِلَّهِ تَعالى، والعَجَبُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي المُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ إسْنادُ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ. فالمَعْنى: بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ عَمَلِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ فِيها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَلَغَ مِن عَظِيمِ آياتِي وكَثْرَةِ خَلائِقِي أنِّي عَجِبْتُ مِنها، فَكَيْفَ بِعِبادِي وهَؤُلاءِ، (p-٣٥٥)لِجَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، يَسْخَرُونَ مِن آياتِي ؟ أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَصِفُ اللَّهَ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قالَ: ويُجَرَّدُ العَجَبُ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ، أوْ يُخَيَّلُ العَجَبُ ويُفْرَضُ. وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، أيْ قُلْ بَلْ عَجِبْتُ. قالَ مَكِّيٌّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ. ﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ ووُعِظُوا، ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾، ولا يَتَّعِظُونَ. وذَكَرَ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ذَكَرُوا، بِتَخْفِيفِ الكافِ. رُوِيَ أنَّ رُكانَةَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَقِيَهُ الرَّسُولُ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وكانَ مِن أقْوى النّاسِ، فَقالَ لَهُ: ”يا رُكانَةُ، أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، فَلَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يَسْخَرُونَ، يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وقِيلَ: فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها. وقُرِئَ: يَسْتَسْحِرُونَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ما قالَ رُكانَةُ: لَأسْحَرَنَّ الرَّسُولَ. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الخارِقِ المُعْجِزِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كَسْرِ مِيمِ (مِتْنا) وضَمِّها. ومَن قَرَأ (أئِذا) بِالِاسْتِفْهامِ، فَجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، أيْ (نُبْعَثُ)، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إنّا لَمَبْعُوثُونَ، أوْ يُعَرّى عَنِ الشَّرْطِ ويَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا، ويُقَدَّرُ العامِلُ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوَآباؤُنا) بِفَتْحِ الواوِ في (أوَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ: بِالسُّكُونِ، فَهي حَرْفُ عَطْفٍ، ومَن فَتَحَ قالُوا وحَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوَآباؤُنا) مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ. والَّذِي جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا ؟ عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ خِلافُهُ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو، فِيهِ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (مَبْعُوثُونَ) إلى آخِرِهِ، فَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمَلِ، لا عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى المُفْرَدِ كانَ الفِعْلُ عامِلًا في المُفْرَدِ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها ما قَبْلَها. فَقَوْلُهُ (أوَآباؤُنا) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَبْعُوثُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَإذا قُلْتَ: أقامَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا، واسْتِفْهامُهم تَضَمَّنَ إنْكارًا واسْتِبْعادًا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم بِـ (نَعَمْ) . ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وزادَهم في الجَوابِ أنَّ بَعْثَهم وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّغارِ والذُّلِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ فِيها في سُورَةِ الأعْرافِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ البَعْثَةِ، فَإنَّما بَعْثَتُهم (زَجْرَةٌ) أيْ صَيْحَةٌ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. لَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مُبْهَمَةٌ يُوَضِّحُها خَبَرُها. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَقُولُ هو وابْنُ مالِكٍ أنَّ الضَّمِيرَ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنَّما جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ ذَلِكَ، فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُضَمَّنُ (p-٣٥٦)جُمْلَةُ الشَّرْطِ قَبْلَ فاءٍ إذا ساغَ تَقْدِيرُهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إمّا ابْتِداءٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. و(يَنْظَرُونَ) مِنَ النَّظَرِ، أيْ فَإذا هم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ، أوْ مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ فَإذا هم يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (يا ويْلَنا) مِن كَلامِ بَعْضِ الكُفّارِ لِبَعْضٍ، إلى آخِرِ الجُمْلَتَيْنِ، أقَرُّوا بِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، وخاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى قَوْلِهِ (يا ويْلَنا)، وجَعَلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهم أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وإنَّما المَعْنى يُقالُ لَهم هَذا يَوْمُ الفَصْلِ. ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والمُعاوَضَةِ، ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ الفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى وفِرَقِ الضَّلالِ. وفي ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.

الصافات 37:19

(p-٣٥٤)﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤالِ، والهَمْزَةُ وإنْ خَرَجَتْ إلى مَعْنى التَّقْرِيرِ فَهي في الأصْلِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ. وعادَلَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأشُدِّيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والأفْلاكِ والأرَضِينَ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أمْ مَن عَدَدْنا، وهو تَفْسِيرٌ لِمَن خَلَقْنا، أيْ مَن عَدَدْنا مِنَ الصّافّاتِ وما بَعْدَها مِنَ المَخْلُوقِينَ. وغُلِّبَ العاقِلُ عَلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾، واقْتَصَرَ عَلى الفاعِلِ في ﴿خَلَقْنا﴾، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الخَلْقِ اكْتِفاءً بِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، وكَأنَّهُ قالَ: أمْ مَن خَلَقْنا مِن غَرائِبِ المَصْنُوعاتِ وعَجائِبِها. وقَرَأ الأعْمَشُ: أمَن بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ أمْ، جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرًا أيْضًا، فَهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ في التَّقْرِيرِ، ومَن مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أشَدُّ. فَعَلى أمْ مَن هو تَقْرِيرٌ واحِدٌ ونَظِيرُهُ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأشَدُّ خَلْقًا يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، وأصْعَبُ خَلْقًا. وأشَدُّ خَلْقًا وأشَقُّهُ يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، عَلى مَعْنى الرَّدِّ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى. وإنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ. وخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ، إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ؛ لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ؛ أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ. فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ ؟ قالُوا ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥]، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. وقِيلَ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِّينِ إلَيْهِمْ، والمَخْلُوقُ مِنهُ هو أبُوهم آدَمُ، إذْ كانُوا نَسْلَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (اللّازِبِ) بِالجَرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، بِتاءِ الخِطابِ، أيْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ، ومِمّا تُرِيهِمْ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ. أوْ عَجِبْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ المُتَكَلِّمِ. ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وشَقِيقٍ، والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ: اللَّهُ لا يَعْجَبُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: كانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ مِنهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو لِلَّهِ تَعالى، والعَجَبُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي المُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ إسْنادُ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ. فالمَعْنى: بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ عَمَلِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ فِيها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَلَغَ مِن عَظِيمِ آياتِي وكَثْرَةِ خَلائِقِي أنِّي عَجِبْتُ مِنها، فَكَيْفَ بِعِبادِي وهَؤُلاءِ، (p-٣٥٥)لِجَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، يَسْخَرُونَ مِن آياتِي ؟ أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَصِفُ اللَّهَ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قالَ: ويُجَرَّدُ العَجَبُ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ، أوْ يُخَيَّلُ العَجَبُ ويُفْرَضُ. وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، أيْ قُلْ بَلْ عَجِبْتُ. قالَ مَكِّيٌّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ. ﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ ووُعِظُوا، ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾، ولا يَتَّعِظُونَ. وذَكَرَ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ذَكَرُوا، بِتَخْفِيفِ الكافِ. رُوِيَ أنَّ رُكانَةَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَقِيَهُ الرَّسُولُ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وكانَ مِن أقْوى النّاسِ، فَقالَ لَهُ: ”يا رُكانَةُ، أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، فَلَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يَسْخَرُونَ، يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وقِيلَ: فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها. وقُرِئَ: يَسْتَسْحِرُونَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ما قالَ رُكانَةُ: لَأسْحَرَنَّ الرَّسُولَ. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الخارِقِ المُعْجِزِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كَسْرِ مِيمِ (مِتْنا) وضَمِّها. ومَن قَرَأ (أئِذا) بِالِاسْتِفْهامِ، فَجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، أيْ (نُبْعَثُ)، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إنّا لَمَبْعُوثُونَ، أوْ يُعَرّى عَنِ الشَّرْطِ ويَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا، ويُقَدَّرُ العامِلُ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوَآباؤُنا) بِفَتْحِ الواوِ في (أوَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ: بِالسُّكُونِ، فَهي حَرْفُ عَطْفٍ، ومَن فَتَحَ قالُوا وحَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوَآباؤُنا) مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ. والَّذِي جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا ؟ عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ خِلافُهُ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو، فِيهِ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (مَبْعُوثُونَ) إلى آخِرِهِ، فَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمَلِ، لا عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى المُفْرَدِ كانَ الفِعْلُ عامِلًا في المُفْرَدِ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها ما قَبْلَها. فَقَوْلُهُ (أوَآباؤُنا) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَبْعُوثُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَإذا قُلْتَ: أقامَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا، واسْتِفْهامُهم تَضَمَّنَ إنْكارًا واسْتِبْعادًا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم بِـ (نَعَمْ) . ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وزادَهم في الجَوابِ أنَّ بَعْثَهم وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّغارِ والذُّلِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ فِيها في سُورَةِ الأعْرافِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ البَعْثَةِ، فَإنَّما بَعْثَتُهم (زَجْرَةٌ) أيْ صَيْحَةٌ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. لَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مُبْهَمَةٌ يُوَضِّحُها خَبَرُها. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَقُولُ هو وابْنُ مالِكٍ أنَّ الضَّمِيرَ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنَّما جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ ذَلِكَ، فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُضَمَّنُ (p-٣٥٦)جُمْلَةُ الشَّرْطِ قَبْلَ فاءٍ إذا ساغَ تَقْدِيرُهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إمّا ابْتِداءٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. و(يَنْظَرُونَ) مِنَ النَّظَرِ، أيْ فَإذا هم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ، أوْ مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ فَإذا هم يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (يا ويْلَنا) مِن كَلامِ بَعْضِ الكُفّارِ لِبَعْضٍ، إلى آخِرِ الجُمْلَتَيْنِ، أقَرُّوا بِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، وخاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى قَوْلِهِ (يا ويْلَنا)، وجَعَلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهم أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وإنَّما المَعْنى يُقالُ لَهم هَذا يَوْمُ الفَصْلِ. ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والمُعاوَضَةِ، ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ الفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى وفِرَقِ الضَّلالِ. وفي ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.

الصافات 37:20

(p-٣٥٤)﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤالِ، والهَمْزَةُ وإنْ خَرَجَتْ إلى مَعْنى التَّقْرِيرِ فَهي في الأصْلِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ. وعادَلَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأشُدِّيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والأفْلاكِ والأرَضِينَ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أمْ مَن عَدَدْنا، وهو تَفْسِيرٌ لِمَن خَلَقْنا، أيْ مَن عَدَدْنا مِنَ الصّافّاتِ وما بَعْدَها مِنَ المَخْلُوقِينَ. وغُلِّبَ العاقِلُ عَلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾، واقْتَصَرَ عَلى الفاعِلِ في ﴿خَلَقْنا﴾، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الخَلْقِ اكْتِفاءً بِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، وكَأنَّهُ قالَ: أمْ مَن خَلَقْنا مِن غَرائِبِ المَصْنُوعاتِ وعَجائِبِها. وقَرَأ الأعْمَشُ: أمَن بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ أمْ، جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرًا أيْضًا، فَهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ في التَّقْرِيرِ، ومَن مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أشَدُّ. فَعَلى أمْ مَن هو تَقْرِيرٌ واحِدٌ ونَظِيرُهُ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأشَدُّ خَلْقًا يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، وأصْعَبُ خَلْقًا. وأشَدُّ خَلْقًا وأشَقُّهُ يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، عَلى مَعْنى الرَّدِّ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى. وإنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ. وخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ، إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ؛ لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ؛ أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ. فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ ؟ قالُوا ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥]، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. وقِيلَ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِّينِ إلَيْهِمْ، والمَخْلُوقُ مِنهُ هو أبُوهم آدَمُ، إذْ كانُوا نَسْلَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (اللّازِبِ) بِالجَرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، بِتاءِ الخِطابِ، أيْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ، ومِمّا تُرِيهِمْ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ. أوْ عَجِبْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ المُتَكَلِّمِ. ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وشَقِيقٍ، والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ: اللَّهُ لا يَعْجَبُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: كانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ مِنهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو لِلَّهِ تَعالى، والعَجَبُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي المُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ إسْنادُ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ. فالمَعْنى: بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ عَمَلِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ فِيها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَلَغَ مِن عَظِيمِ آياتِي وكَثْرَةِ خَلائِقِي أنِّي عَجِبْتُ مِنها، فَكَيْفَ بِعِبادِي وهَؤُلاءِ، (p-٣٥٥)لِجَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، يَسْخَرُونَ مِن آياتِي ؟ أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَصِفُ اللَّهَ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قالَ: ويُجَرَّدُ العَجَبُ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ، أوْ يُخَيَّلُ العَجَبُ ويُفْرَضُ. وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، أيْ قُلْ بَلْ عَجِبْتُ. قالَ مَكِّيٌّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ. ﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ ووُعِظُوا، ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾، ولا يَتَّعِظُونَ. وذَكَرَ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ذَكَرُوا، بِتَخْفِيفِ الكافِ. رُوِيَ أنَّ رُكانَةَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَقِيَهُ الرَّسُولُ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وكانَ مِن أقْوى النّاسِ، فَقالَ لَهُ: ”يا رُكانَةُ، أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، فَلَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يَسْخَرُونَ، يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وقِيلَ: فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها. وقُرِئَ: يَسْتَسْحِرُونَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ما قالَ رُكانَةُ: لَأسْحَرَنَّ الرَّسُولَ. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الخارِقِ المُعْجِزِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كَسْرِ مِيمِ (مِتْنا) وضَمِّها. ومَن قَرَأ (أئِذا) بِالِاسْتِفْهامِ، فَجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، أيْ (نُبْعَثُ)، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إنّا لَمَبْعُوثُونَ، أوْ يُعَرّى عَنِ الشَّرْطِ ويَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا، ويُقَدَّرُ العامِلُ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوَآباؤُنا) بِفَتْحِ الواوِ في (أوَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ: بِالسُّكُونِ، فَهي حَرْفُ عَطْفٍ، ومَن فَتَحَ قالُوا وحَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوَآباؤُنا) مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ. والَّذِي جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا ؟ عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ خِلافُهُ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو، فِيهِ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (مَبْعُوثُونَ) إلى آخِرِهِ، فَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمَلِ، لا عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى المُفْرَدِ كانَ الفِعْلُ عامِلًا في المُفْرَدِ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها ما قَبْلَها. فَقَوْلُهُ (أوَآباؤُنا) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَبْعُوثُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَإذا قُلْتَ: أقامَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا، واسْتِفْهامُهم تَضَمَّنَ إنْكارًا واسْتِبْعادًا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم بِـ (نَعَمْ) . ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وزادَهم في الجَوابِ أنَّ بَعْثَهم وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّغارِ والذُّلِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ فِيها في سُورَةِ الأعْرافِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ البَعْثَةِ، فَإنَّما بَعْثَتُهم (زَجْرَةٌ) أيْ صَيْحَةٌ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. لَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مُبْهَمَةٌ يُوَضِّحُها خَبَرُها. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَقُولُ هو وابْنُ مالِكٍ أنَّ الضَّمِيرَ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنَّما جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ ذَلِكَ، فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُضَمَّنُ (p-٣٥٦)جُمْلَةُ الشَّرْطِ قَبْلَ فاءٍ إذا ساغَ تَقْدِيرُهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إمّا ابْتِداءٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. و(يَنْظَرُونَ) مِنَ النَّظَرِ، أيْ فَإذا هم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ، أوْ مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ فَإذا هم يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (يا ويْلَنا) مِن كَلامِ بَعْضِ الكُفّارِ لِبَعْضٍ، إلى آخِرِ الجُمْلَتَيْنِ، أقَرُّوا بِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، وخاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى قَوْلِهِ (يا ويْلَنا)، وجَعَلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهم أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وإنَّما المَعْنى يُقالُ لَهم هَذا يَوْمُ الفَصْلِ. ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والمُعاوَضَةِ، ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ الفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى وفِرَقِ الضَّلالِ. وفي ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.

الصافات 37:21

(p-٣٥٤)﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ياوَيْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤالِ، والهَمْزَةُ وإنْ خَرَجَتْ إلى مَعْنى التَّقْرِيرِ فَهي في الأصْلِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم، والضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي الأشَدِّ بْنِ كَلَدَةَ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ وقُوَّتِهِ. وعادَلَ في هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأشُدِّيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن خَلَقَ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والأفْلاكِ والأرَضِينَ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: أمْ مَن عَدَدْنا، وهو تَفْسِيرٌ لِمَن خَلَقْنا، أيْ مَن عَدَدْنا مِنَ الصّافّاتِ وما بَعْدَها مِنَ المَخْلُوقِينَ. وغُلِّبَ العاقِلُ عَلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿مَن خَلَقْنا﴾، واقْتَصَرَ عَلى الفاعِلِ في ﴿خَلَقْنا﴾، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الخَلْقِ اكْتِفاءً بِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، وكَأنَّهُ قالَ: أمْ مَن خَلَقْنا مِن غَرائِبِ المَصْنُوعاتِ وعَجائِبِها. وقَرَأ الأعْمَشُ: أمَن بِتَخْفِيفِ المِيمِ دُونَ أمْ، جَعَلَهُ اسْتِفْهامًا ثانِيًا تَقْرِيرًا أيْضًا، فَهُما جُمْلَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ في التَّقْرِيرِ، ومَن مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أشَدُّ. فَعَلى أمْ مَن هو تَقْرِيرٌ واحِدٌ ونَظِيرُهُ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأشَدُّ خَلْقًا يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا، مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، وأصْعَبُ خَلْقًا. وأشَدُّ خَلْقًا وأشَقُّهُ يَحْتَمِلُ أقْوى خَلْقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَدِيدُ الخَلْقِ، وفي خَلْقِهِ شِدَّةٌ، عَلى مَعْنى الرَّدِّ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والنَّشْأةَ الأُخْرى. وإنَّ مَن هانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، ولَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ اخْتِراعُها، كانَ خَلْقُ البَشَرِ عَلَيْهِ أهْوَنَ. وخَلْقُهم مِن طِينٍ لازِبٍ، إمّا شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِالضَّعْفِ والرَّخاوَةِ؛ لِأنَّ ما يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصَّلابَةِ والقُوَّةِ؛ أوِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الطِّينَ اللّازِبَ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ تُرابٌ. فَمِن أيْنَ اسْتَنْكَرُوا أنْ يُخْلَقُوا مِن تُرابٍ مِثْلِهِ ؟ قالُوا ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا﴾ [الرعد: ٥]، وهَذا المَعْنى يُعَضِّدُهُ ما يَتْلُوهُ مِن ذِكْرِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. وقِيلَ ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩]، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِّينِ إلَيْهِمْ، والمَخْلُوقُ مِنهُ هو أبُوهم آدَمُ، إذْ كانُوا نَسْلَهُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا يَلْزَمُ ما جاوَرَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (اللّازِبِ) بِالجَرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، بِتاءِ الخِطابِ، أيْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ، ومِمّا تُرِيهِمْ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ. أوْ عَجِبْتَ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتُمْ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ سَعْدانَ، وابْنُ مِقْسَمٍ: بِياءِ المُتَكَلِّمِ. ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وشَقِيقٍ، والأعْمَشِ. وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ: اللَّهُ لا يَعْجَبُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: كانَ شُرَيْحٌ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وعَبْدُ اللَّهِ أعْلَمَ مِنهُ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ. والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ هو لِلَّهِ تَعالى، والعَجَبُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي المُتَعَجِّبَ مِنَ الشَّيْءِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ إسْنادُ العَجَبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ. فالمَعْنى: بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ عَمَلِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ فِيها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بَلَغَ مِن عَظِيمِ آياتِي وكَثْرَةِ خَلائِقِي أنِّي عَجِبْتُ مِنها، فَكَيْفَ بِعِبادِي وهَؤُلاءِ، (p-٣٥٥)لِجَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ، يَسْخَرُونَ مِن آياتِي ؟ أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفْعالُهُ، وهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَصِفُ اللَّهَ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، قالَ: ويُجَرَّدُ العَجَبُ لِمَعْنى الِاسْتِعْظامِ، أوْ يُخَيَّلُ العَجَبُ ويُفْرَضُ. وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، أيْ قُلْ بَلْ عَجِبْتُ. قالَ مَكِّيٌّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ. ﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾ ووُعِظُوا، ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾، ولا يَتَّعِظُونَ. وذَكَرَ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: ذَكَرُوا، بِتَخْفِيفِ الكافِ. رُوِيَ أنَّ رُكانَةَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَقِيَهُ الرَّسُولُ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وكانَ مِن أقْوى النّاسِ، فَقالَ لَهُ: ”يا رُكانَةُ، أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي“ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، فَلَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يَسْخَرُونَ، يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ. وقِيلَ: فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها. وقُرِئَ: يَسْتَسْحِرُونَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ما قالَ رُكانَةُ: لَأسْحَرَنَّ الرَّسُولَ. والإشارَةُ بِهَذا إلى ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الخارِقِ المُعْجِزِ. وتَقَدَّمَ الخِلافُ في كَسْرِ مِيمِ (مِتْنا) وضَمِّها. ومَن قَرَأ (أئِذا) بِالِاسْتِفْهامِ، فَجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، أيْ (نُبْعَثُ)، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إنّا لَمَبْعُوثُونَ، أوْ يُعَرّى عَنِ الشَّرْطِ ويَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا، ويُقَدَّرُ العامِلُ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوَآباؤُنا) بِفَتْحِ الواوِ في (أوَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ: بِالسُّكُونِ، فَهي حَرْفُ عَطْفٍ، ومَن فَتَحَ قالُوا وحَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (أوَآباؤُنا) مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في مَبْعُوثُونَ. والَّذِي جَوَّزَ العَطْفَ عَلَيْهِ الفَصْلُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أيُبْعَثُ أيْضًا آباؤُنا ؟ عَلى زِيادَةِ الِاسْتِبْعادِ، يَعْنُونَ أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ وأبْطَلُ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ خِلافُهُ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرٌو، فِيهِ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ عَلى الضَّمِيرِ في (مَبْعُوثُونَ) إلى آخِرِهِ، فَلا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الجُمَلِ، لا عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى المُفْرَدِ كانَ الفِعْلُ عامِلًا في المُفْرَدِ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها ما قَبْلَها. فَقَوْلُهُ (أوَآباؤُنا) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَبْعُوثُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. فَإذا قُلْتَ: أقامَ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا، واسْتِفْهامُهم تَضَمَّنَ إنْكارًا واسْتِبْعادًا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُجِيبَهم بِـ (نَعَمْ) . ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ أيْ صاغِرُونَ، وهي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُبْعَثُونَ، وزادَهم في الجَوابِ أنَّ بَعْثَهم وهم مُلْتَبِسُونَ بِالصَّغارِ والذُّلِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: نَعِمْ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ فِيها في سُورَةِ الأعْرافِ، وهي كِنايَةٌ عَنِ البَعْثَةِ، فَإنَّما بَعْثَتُهم (زَجْرَةٌ) أيْ صَيْحَةٌ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ. لَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مُبْهَمَةٌ يُوَضِّحُها خَبَرُها. انْتَهى. وكَثِيرًا ما يَقُولُ هو وابْنُ مالِكٍ أنَّ الضَّمِيرَ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنَّما جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ ذَلِكَ، فَما هي إلّا زَجْرَةٌ واحِدَةٌ. انْتَهى. وكَثِيرًا ما تُضَمَّنُ (p-٣٥٦)جُمْلَةُ الشَّرْطِ قَبْلَ فاءٍ إذا ساغَ تَقْدِيرُهُ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ، وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، إمّا ابْتِداءٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ. و(يَنْظَرُونَ) مِنَ النَّظَرِ، أيْ فَإذا هم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ، أوْ مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ فَإذا هم يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (يا ويْلَنا) مِن كَلامِ بَعْضِ الكُفّارِ لِبَعْضٍ، إلى آخِرِ الجُمْلَتَيْنِ، أقَرُّوا بِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ، وأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، وخاطَبَ بَعْضُهم بَعْضًا. ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى قَوْلِهِ (يا ويْلَنا)، وجَعَلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى آخِرِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ لَهم أوِ المَلائِكَةِ. وقِيلَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ مِن كَلامِ الكَفَرَةِ، و﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وإنَّما المَعْنى يُقالُ لَهم هَذا يَوْمُ الفَصْلِ. ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والمُعاوَضَةِ، ويَوْمُ الفَصْلِ: يَوْمُ الفَرْقِ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى وفِرَقِ الضَّلالِ. وفي ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ.

الصافات 37:22

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:23

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:24

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:25

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:26

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:27

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:28

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:29

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:30

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:31

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:32

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:33

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:34

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:35

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:36

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:37

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:38

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:39

﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . (احْشُرُوا) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ خِطابُ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيِ اجْمَعُوا الظّالِمِينَ ونِساءَهُمُ الكافِراتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وأنْواعُهم وضُرَباؤُهم، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوْ أشْباهُهم مِنَ العُصاةِ، وأهْلُ الزِّنا مَعَ أهْلِ الزِّنا، وأهْلُ السَّرِقَةِ، أوْ قُرَناؤُهُمُ الشَّياطِينُ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ (وأزْواجُهم) مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ظَلَمُوا، أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم. (فاهْدُوهم) أيْ عَرِّفُوهم وقُودُوهم إلى طَرِيقِ النّارِ حَتّى يَصْطَلُوها، والجَحِيمُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ. (وقِفُوهم) كَما قالَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وهو تَوْبِيخٌ لَهم ﴿إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ . وقَرَأ عِيسى: أنَّهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: وعَنْ أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها. وفي الحَدِيثِ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمُرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ ما عَمِلَ فِيما عَلِمَ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ إنَّهم مَسْئُولُونَ (p-٣٥٧)عَنِ امْتِناعِهِمْ عَنِ التَّناصُرِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ في الِامْتِناعِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ التَّناصُرِ بَعْدَما كانُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مُتَعاضِدِينَ مُتَناصِرِينَ. وقالَ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، جَوابُ أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] . وقُرِئَ: لا تَناصَرُونَ، بِتاءٍ واحِدَةٍ وبِتاءَيْنِ، وبِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أيْ قَدْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ. ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ: هم جِنٌّ وإنْسٌ، وتَساؤُلُهم عَلى مَعْنى التَّقْرِيعِ والنَّدَمِ والسُّخْطِ. قالُوا: أيْ قالَتِ الإنْسُ لِلْجِنِّ. قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: أوْ ضَعَفَةُ الإنْسِ الكَفَرَةُ لِكُبَرائِهِمْ وقادَتِهِمْ. و(اليَمِينِ) الجارِحَةُ، ولَيْسَتْ مُرادَةً هُنا. فَقِيلَ: اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ، أوْ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، أوْ لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، أوْ لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ وإظْهارِ أنَّها رُشْدٌ، أوِ الحَلِفِ. ولِكُلٍّ مِن هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ وجْهٌ. فَأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الخَيْرِ، فَلِأنَّ الجارِحَةَ أشْرَفُ العُضْوَيْنِ وأيْمَنُها، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ بِها حَتّى في السّانِحِ، ويُصافِحُونَ ويُماسِخُونَ ويُناوِلُونَ ويُزاوِلُونَ بِها أكْثَرَ الأُمُورِ، ويُباشِرُونَ بِها أفاضِلَ الأشْياءِ، وجُعِلَتْ لِكاتِبِ الحَسَناتِ، ولِأخْذِ المُؤْمِنِ كِتابَهُ بِها، والشِّمالُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّها يَقَعُ بِها البَطْشُ، فالمَعْنى: أنَّكم تُعَرُّونَنا بِقُوَّتِكم وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَّلالِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ الشَّهَواتِ، فَلِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ هي الجِهَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ وفِيها كَبِدُهُ، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ ومَكْرُهُ، وهي أخَفُّ، والمُنْهَزِمُ يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ. وأمّا اسْتِعارَتُها لِجِهَةِ التَّمْوِيهِ والإغْواءِ، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ المُغْوِينَ بِالسَّوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَّمْوِيهَ في إغْوائِهِمْ أظْهَرُ ما يَحْمَدُونَهُ. وأمّا الحَلِفُ، فَإنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم ويَأْتُونَهم إتْيانَ المُقْسِمِينَ عَلى حُسْنِ ما يَتْبَعُونَهم فِيهِ. (قالُوا)، أيِ المُخاطَبُونَ، إمّا الجِنُّ وإمّا قادَةُ الكُفْرِ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لَمْ نُقِرَّكم عَلى الكُفْرِ، بَلْ أنْتُمْ مِن ذَواتِكم أبَيْتُمُ الإيمانَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأعْرَضْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم واخْتِبارِكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا عَلى الكُفْرِ غَيْرَ مُلْجِئِينَ، وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن تَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ تَمَكُّنَكم واخْتِبارَكم، بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُخْتارِينَ الطُّغْيانَ. انْتَهى. ولَفْظَةُ التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ أيْ لَزِمَنا قَوْلُ رَبِّنا، أيْ وعِيدُهُ لَنا بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، إخْبارٌ مِنهم أنَّهم ذائِقُو العَذابِ جَمِيعَهم، الرُّؤَساءَ، والأتْباعَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَزِمْنا قَوْلَ رَبِّنا ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، يَعْنِي وعِيدَ اللَّهِ بِأنّا ذائِقُونَ لِعَذابِهِ لا مَحالَةَ، لِعِلْمِهِ بِحالِنا واسْتِحْقاقِنا بِها العُقُوبَةَ. ولَوْ حَكى الوَعِيدَ كَما هو لَقالَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ: قَلَّ مالُكُ، ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ: لَأخْرُجَنَّ، ولْنَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ، والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلِّفِ عَلى الحَلِفِ. انْتَهى. ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ دَعَوْناكم إلى الغَيِّ، فَكانَتْ فِيكم قابِلِيَّةٌ لَهُ فَغَوَيْتُمْ. ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَأرَدْنا أنْ تُشارِكُونا في الغَيِّ. ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ تَساءَلُوا وتَراجَعُوا في القَوْلِ، وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى، كَما اشْتَرَكُوا في الغَيِّ، اشْتَرَكُوا فِيما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ. (إنّا كَذَلِكَ) أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى إجْرامِهِ عَذابُهُ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأكْبَرِ إجْرامِهِمْ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ، واسْتِكْبارُهم عَنْ تَوْحِيدِهِ، وإفْرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهم ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ، وهو نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ والجُنُونِ، وأنَّهم لَيْسُوا بِتارِكِ آلِهَتِهِمْ لَهُ ولِما جاءَ بِهِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. وقَوْلُهم (لَشاعِرٍ مَجْنُونٍ) تَخْلِيطٌ في كَلامِهِمْ، وارْتِباكٌ في (p-٣٥٨)غَيِّهِمْ. فَإنَّ الشّاعِرَ هو عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ والحِذْقِ وجَوْدَةِ الإدْراكِ ما يَنْظِمُ بِهِ المَعانِيَ الغَرِيبَةَ ويَصُوغُها في قالَبِ الألْفاظِ البَدِيعَةِ، ومَن كانَ مَجْنُونًا لا يَصِلُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ أضْرَبَ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ، وأخْبَرَ بِأنْ جاءَ الحَقُّ، وهو إثْباتُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ إضْمِحْلالٌ، فَلَيْسَ ما جاءَ بِهِ شِعْرًا، بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَّقَ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، إذْ هو وهم عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في دَعْوى الأُمَمِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وصَدَقَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، المُرْسَلُونَ بِالواوِ رَفْعًا، أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَذائِقُو العَذابِ﴾، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ؛ وأبُو السَّمّالِ، وأبانٌ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عاصِمٍ: بِحَذْفِها لِالتِقاءِ لامِ التَّعْرِيفِ ونَصْبِ العَذابِ. كَما حَذَفَ بَعْضُهُمُ التَّنْوِينَ لِذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أحَدُ اللَّهُ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ: لَذائِقٌ مُنَوَّنًا، العَذابَ بِالنَّصْبِ، ويُخَرَّجُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ جَمْعٌ، وإلّا لَمْ يَتَطابَقِ المُفْرَدُ وضَمِيرُ الجَمْعِ في (إنَّكم)، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلا وقُرِئَ: لَذائِقُونَ بِالنُّونِ، العَذابَ بِالنَّصْبِ، وما تَرَوْنَ إلّا جَزاءً مِثْلَ عَمَلِكم، إذْ هو ثَمَرَةُ عَمَلِكم.

الصافات 37:40

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:41

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:42

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:43

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:44

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:45

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:46

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:47

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:48

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:49

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:50

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:51

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:52

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.

الصافات 37:53

﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ (p-٣٥٩) ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ وعَذابِهِمْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ. و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عِبادَ اللَّهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ. ووَصَفَ ﴿رِزْقٌ﴾ بِمَعْلُومٍ، أيْ عِنْدَهم. فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِما يُسْتَدَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ بِحَسْبِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْلُومٌ بِخَصائِصٍ خُلِقَ عَلَيْها مِن طِيبِ طَعْمٍ ورائِحَةٍ ولَذَّةٍ وحُسْنِ مَنظَرٍ. وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . وعَنْ قَتادَةَ: الرِّزْقُ المَعْلُومُ: الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ يَأْباهُ. انْتَهى. (فَواكِهُ) بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ)، وهي ما يَتَلَذَّذُ بِهِ ولا يَتَقَوَّتُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، يَعْنِي أنَّ رِزْقَهم كُلَّهُ فَواكِهُ لِاسْتِغْنائِهِمْ عَنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالأقْواتِ لِأنَّهم أجْسامٌ مُحْكَمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ، فَكُلُّ ما يَأْكُلُونَهُ فَهو عَلى سَبِيلِ التَّلَذُّذِ. وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ: مُكَرَّمُونَ، بِفَتْحِ الكافِ مُشَدَّدِ الرّاءِ. ذَكَرَ أوَّلًا الرِّزْقَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الأجْسامُ. وثانِيًا الإكْرامَ، وهو ما يَتَلَذَّذُ بِهِ النُّفُوسُ، ورِزْقٌ بِإهانَةِ تَنْكِيدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ المَحَلَّ الَّذِي هم فِيهِ، وهو جَنّاتُ النَّعِيمِ. ثُمَّ أشْرَفَ المَحَلِّ، وهو السُّرُرُ. ثُمَّ لَذَّةَ التَّآنُسِ بِأنَّ بَعْضَهم يُقابِلُ بَعْضًا، وهو أتَمُّ السُّرُورِ وآنَسُهُ. ثُمَّ المَشْرُوبَ وأنَّهم لا يَتَناوَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِالكُئُوسِ. ثُمَّ وصَفَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وانْتِفاءِ المَفاسِدِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وخَتَمَ بِها كَما بَدَأ بِاللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِنَ الرِّزْقِ، وهي أبْلَغُ المَلاذِ، وهي التَّآنُسُ بِالنِّساءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾، بِضَمِّ الرّاءِ؛ وأبُو السَّمّالِ: بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ؛ وكَلْبٌ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ الثّانِيَةِ في الِاسْمِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ، وهو مَوْرِدُ السَّماعِ في تِلْكَ اللُّغَةِ. وقِيلَ: التَّقابُلُ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى قَفا بَعْضٍ. وفي الحَدِيثِ: ”أنَّهُ في أحْيانٍ تُرْفَعُ عَنْهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ولا مَحالَةَ أنَّ أكْثَرَ أحْيانِهِمْ فِيها قُصُورُهم“ . و(يُطافُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وحُذِفَ الفاعِلُ، وهو المُثْبَتُ في آيَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩]، ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] ولَعَلَّهم مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. والكَأسُ: ما كانَ مِنَ الزُّجاجَةِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ، ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ. وقَدْ سَمّى الخَمْرَ نَفْسَها كَأْسًا، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والأخْفَشُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ. وقِيلَ: الكَأْسُ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لا. ﴿مِن مَعِينٍ﴾ أيْ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن ثَمْدٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما يَجْرِي الماءُ. و(بَيْضاءَ) صِفَةٌ لِلْكَأْسِ أوْ لِلْخَمْرِ. وقالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: صَفْراءَ، كَما قالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ و(لَذَّةٍ) صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفٍ، أيْ ذاتِ لَذَّةٍ، أوْ عَلى تَأْنِيثِ لَذَّةٍ بِمَعْنى لَذِيذٍ. (p-٣٦٠)﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَّأْسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: وجَعٌ في البَطْنِ. انْتَهى. والِاسْمُ يَشْمَلُ أنْواعَ الفَسادِ النّاشِئَةَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُها مِن مَغَصٍ، وصُداعٍ، وخِمارٍ، وعَرْبَدَةٍ، ولَغْوٍ، وتَأْثِيمٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السُّكْرُ أعْظَمَ مَفاسِدِها، أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، والعَرَبِيّانِ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ هُنا، وفي الواقِعَةِ: وبِذَهابِ العَقْلِ، فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِها فِيهِما؛ وعاصِمٌ: بِفَتْحِها هُنا وكَسْرِها في الواقِعَةِ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ؛ وطَلْحَةُ: بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ الطَّرْفَ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَمْتَدُّ طَرْفُهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعالى (عُرُبًا)، وقالَ الشّاعِرُ: ؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا والعَيْنُ: جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ. ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شَبَّهَهُنَّ، قالَ الجُمْهُورُ: بِبَيْضِ النَّعامِ المَكْنُونِ في عُشِّهِ، وهو الأُدْحِيَّةُ ولَوْنُها بَياضٌ بِهِ صُفْرَةٌ حَسَنَةٌ، وبِها تُشَبَّهَ النِّساءُ فَقالَ: مُضِيئاتُ الخُدُودِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الدّاخِلِ، وهو غِرْقِئُ البَيْضَةِ، وهو المَكْنُونُ في كُنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وقالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، البِيضُ المَكْنُونُ: الجَوْهَرُ المَصُونُ، واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَشْبِيهٌ عامٌّ لِجُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، أرادَ بِذَلِكَ تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِها إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ، إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِها، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ حُسْنُها في النَّظَرِ واحِدٌ، كَما قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ يَتَغَزَّلُ: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدْرِ وتَساؤُلُهم في الجَنَّةِ سُؤالُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذاكَرُونَ نَعِيمَهم وحالَ الدُّنْيا والإيمانَ وثَمَرَتَهُ. و(فَأقْبَلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: يَشْرَبُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَعادَةِ الشَّرابِ في الدُّنْيا. قالَ الشّاعِرُ: ؎وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ وجِيءَ بِهِ ماضِيًا لِصِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ ما حَكى، يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ نِعَمَهُ تَعالى عَلَيْهِ، حَيْثُ هَداهُ إلى الإيمانِ واعْتِقادِ وُقُوعِ البَعْثِ والثَّوابِ والعِقابِ، وهو مِثالٌ لِلتَّحَفُّظِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ والبُعْدِ مِنهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القائِلُ وقَرِينُهُ مِنَ البَشَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] . وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًا مِنَ الشَّياطِينِ الكَفَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنَ المُصَدِّقِينَ)، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وفِرْقَةٌ: بِشَدِّها، مِنَ التَّصَدُّقِ. قالَ قُرَّةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ النَّهْرانِيُّ: كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، يَعْبُدُ اللَّهَ أحَدُهُما ويُقَصِّرُ في التِّجارَةِ والنَّظَرِ، والآخَرُ كانَ مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فانْفَصَلَ مِن شَرِيكِهِ لِتَقْصِيرِهِ، فَكُلَّما اشْتَرى دارًا أوْ جارِيَةً أوْ بُسْتانًا ونَحْوَهُ، عَرَضَهُ عَلى المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَتَصَدَّقُ المُؤْمِنُ بِنَحْوٍ مِن ذَلِكَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما قَصَدَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ فاحْتاجَ، فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: وأيْنَ مالُكَ ؟ فَقالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ، فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (p-٣٦١)بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا. ﴿أئِنّا لَمَدِينُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمُجازُونَ مُحاسَبُونَ؛ وقِيلَ: لَمَسُوسُونَ مَدْيُونُونَ. يُقالُ: دانَهُ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ». والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ﴾ عائِدٌ عَلى قائِلٍ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ . قِيلَ: وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ . والخِطابُ في ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ، وأنْ يَكُونَ لِرُفَقائِهِ في الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ هو وإيّاهم يَتَساءَلُونَ، أوْ لِخِدْمَتِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ. لَمّا كانَ قَرِينُهُ يُنْكِرُ البَعْثَ، عَلِمَ أنَّهُ في النّارِ فَقالَ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ ؟ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَحْتاجُ الكَلامُ إلى حَذْفٍ، ولا لِقَوْلِ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ. قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كِوًى يَنْظُرُ أهْلُها مِنها إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: القائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: بَعْضُ المَلائِكَةِ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: بَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ النُّونِ، واطَّلَعَ بِشَدِّ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ: مُطْلَعُونَ، بِإسْكانِ الطّاءِ وفَتْحِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الطّاءِ وكَسْرِ اللّامِ فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ وعَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ وأبِي سِراجٍ. وقُرِئَ: فَأطَّلِعُ، مُشَدَّدًا مُضارِعًا مَنصُوبًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. وقُرِئَ: مُطْلِعُونَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَأطْلَعَ مُخَفَّفًا فِعْلًا ماضِيًا، وفَأطْلِعُ مُخَفَّفًا مُضارِعًا مَنصُوبًا. وقَرَأ أبُو البَرَهْثَمِ، وعَمّارُ بْنُ أبِي عَمّارٍ فِيما ذَكَرَهُ خَلَفٌ عَنْ عَمّارٍ: مُطْلِعُونِ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ وكَسْرِ النُّونِ، فَأُطْلِعَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ. لِجَمْعِها بَيْنَ نُونِ الجَمْعِ وياءِ المُتَكَلِّمِ. والوَجْهُ مُطَّلِعِي، كَما قالَ، أوَ مُخْرِجِيَّ هم، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى تَنْزِيلِ اسْمِ الفاعِلِ مَنزِلَةَ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ مُطَّلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ كَقَوْلِهِ: هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ أوْ شَبَّهَ اسْمَ الفاعِلِ في ذَلِكَ بِالمُضارِعِ لِتَآخٍ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قالَ: تَطَّلِعُونَ، وهو ضَعِيفٌ لا يَقَعُ إلّا في الشِّعْرِ. انْتَهى. والتَّخْرِيجُ الثّانِي تَخْرِيخُ أبِي الفَتْحِ، وتَخْرِيجُهُ الأوَّلُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فَيَكُونُ المُتَّصِلُ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، لا يَجُوزُ هِنْدٌ زَيْدٌ ضارِبٌ إيّاها، ولا زَيْدٌ ضارِبٌ إيّايَ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، فالأوْلى تَخْرِيجُ أبِي الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مِنهُ: أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي وقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَهَلْ فَتًى مِن سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنِي ∗∗∗ ولَيْسَ حامِلُنِي إلّا ابْنُ حَمّالِ وقالَ الآخَرُ: ولَيْسَ بِمُعْيِينِي فَهَذِهِ أبْياتٌ ثَبَتَ التَّنْوِينُ فِيها مَعَ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَتْ نُونُ الجَمْعِ مَعَها إجْراءً لِلنُّونِ مُجْرى التَّنْوِينِ، لِاجْتِماعِهِما في السُّقُوطِ لِلْإضافَةِ. ويُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. ومَن قَرَأ: فَأُطْلِعَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَضَمِيرُهُ القائِلُ الَّذِي هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، إذْ يَقُولُ: طَلَعَ زَيْدٌ وأطْلَعَهُ غَيْرُهُ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: طَلَعَ واطَّلَعَ، إذا بَدا وظَهَرَ؛ واطَّلَعَ اطِّلاعًا، إذا أقْبَلَ، وجاءَ مَبْنِيًّا، ومَعْنى ذَلِكَ: هَلْ أنْتُمْ مُقْبِلُونَ فَأُقْبِلَ ؟ . وإنْ أُقِيمَ المَصْدَرُ فِيهِ مُقامَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرِهِ فاطَّلَعَ الِاطِّلاعُ، أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ؛ لِأنَّ (اطَّلَعَ) لازِمٌ، كَما أنَّ أقْبَلَ كَذَلِكَ. انْتَهى. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أطَّلَعَ عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ مِن طَلَعَ اللّازِمِ، وأمّا قَوْلُهُ: أوْ حَرْفِ الجَرِّ المَحْذُوفِ، أيْ فاطَّلَعَ بِهِ فَهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ. فَكَما أنَّ (p-٣٦٢)الفاعِلَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ دُونَ عامِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا. لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَمْدُودٌ أوْ مَغْضُوبٌ، تُرِيدُ بِهِ أوْ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ. و(سَواءِ الجَحِيمِ) وسَطِها، تَقُولُ: تَعِبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، يَعْنِي سَواءَ الجَحِيمِ. وقالَ خَلِيلٌ العَصْرِيُّ: رَآهُ: تَبَدَّلَتْ حالُهُ، فَلَوْلا ما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَعْرِفْهُ، قالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ لَتُهْلِكُنِي بِإغْوائِكَ. وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، يُلْقى بِها القَسَمُ؛ وتاللَّهِ قَسَمٌ فِيهِ التَّعَجُّبُ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ إذا كانَ قَرِينُهُ قارَبَ أنْ يُرْدِيَهُ. ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ وهي تَوْفِيقُهُ لِلْإيمانِ والبُعْدِ مِن قَرِينِ السُّوءِ، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ لِلْعَذابِ، كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ. ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِمائِتِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ القائِلِ: يُسْمِعُ قَرِينَهُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ، أيْ لَسْنا أهْلَ الجَنَّةِ بِمَيِّتِينَ، لَكِنَّ المَوْتَةَ الأُولى كانَتْ لَنا في الدُّنْيا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم في كُلِّ ساعَةٍ يَتَمَنَّوْنَ فِيها المَوْتَ. ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨]، كَحالِ أهْلِ النّارِ، بَلْ نَحْنُ مُنَعَّمُونَ دائِمًا. ويَكُونُ في خِطابِهِ ذَلِكَ مُنَكِّلًا لَهُ، مُقَرِّعًا مُحْزِنًا لَهُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، مُعَلِّمًا لَهُ بِتَبايُنِ حالِهِ في الآخِرَةِ بِحالِهِ. كَما كانَتا تَتَبايَنانِ في الدُّنْيا مِن أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ جَزاءٌ ظَهَرَ لَهُ خِلافُهُ، يُعَذَّبُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وإنْكارِ البَعْثِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ القائِلِ لِرُفَقائِهِ، لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، وقَّفَهم عَلى نِعَمِهِ تَعالى في دَيْمُومَةِ خُلُودِهِمْ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ فِيها. ويَتَّصِلُ قَوْلُهُ (إنَّ هَذا) إلى قَوْلِهِ ﴿العامِلُونَ﴾ بِهَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، لا واضِحًا خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَّ كَلامُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَتُرْدِينِ﴾، ويَكُونَ ﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى (بِمُعَذَّبِينَ) مِن كَلامِهِ وكَلامِ رُفَقائِهِ، وكَذَلِكَ (إنَّ هَذا) إلى ﴿العامِلُونَ﴾ أيْ إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ وتَصْدِيقًا لَهُ وخِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمَّتِهِ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، ولا يُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ الفاءُ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ ؟ أيْ مُنَعَّمُونَ، فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ولا مُعَذَّبِينَ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّهُ إذا تَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وجاءَ بَعْدَها حَرْفُ العَطْفِ بِضَمِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ إقْرارُ الهَمْزَةِ والحَرْفِ في مَحَلِّهِما اللَّذَيْنِ وقَعا فِيهِما، ومَذْهَبُ الجَماعَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ هو المُقَدَّمُ في التَّقْدِيرِ، والهَمْزَةَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ الهَمْزَةُ لَها صَدَرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَ الجَماعَةِ. فَأمّا وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في ذَلِكَ.